بكر السباتينمن منا لم يعشق أغاني أم كلثوم في حياته.. وكان صوتها المتفرد يصدح في بيتي أثناء كتابة هذا النص. وكنا فيما مضى نرتشف المعنى من سلافة روحها المحلقة مع أحلام الناس لذلك ما فتئت أغانيها تحاصر الأغاني الهابطة وتحلق فوقها وكأن السماء تمطر علينا قمحاً ينذر بالحصاد.

وكان الشيخ زكريا أحمد من أهم الملحنين الذين وظفوا صوت أم كلثوم للحفاظ على أصالة الأغنية العربية شكلاً ومضموناً، فكانت معجزة الأغنية العربية "الأولة في الغرام" التي لم تغنها أم كلثوم إلا مرة واحدة في حياتها لصعوبة أدائها وهي من كلمات بيرم التونسي الذي شكل مع زكريا أجمل ثنائي تعامل مع الأصالة في الأغنية العربية الشرقية..

وأغنية "الأولة في الغرام" لحنها الشيخ على المقام حجازي..

وهو واحد من بين أعرق المقامات الشرقية، ويمتاز مقام حجاز بغزارة الشعور وكأنه مملوء بالأسى والشفقة. هو المقام الوحيد الذي يمكن اعتباره مقاماً شرقيا وغربيا في الوقت نفسه، فبالرغم من وجود علامة ربع تون؛ إلا أنها تبرز فقط عند الصعود في سلمه (راست) وتختفي مع النزول عند العودة (نهاوند). هذه الصفة الازدواجية منحته آفاقاً أوسع في التعبير، ومدارك موسيقية مميزة لكنها صعبت على المطرب الأداء كما هو الحال مع أغنية "الأولة في الغرام". التي كانت لها الأغنية مناسبة طريفة تتعلق بالشيخ زكريا أحمد نفسه، فمن سياق النص وأجواء اللحن يمكن للمستمع استكشاف روح المناسبة المفجعة التي تعرض لها زكريا في أحلك أيام حياته، من خلال عاطفة الحزن الشديد المسيطرة على أجواء الأغنية؛ بسبب فراق عزيز غائب في الأبدية.. إنه وحيد الشيخ زكريا أحمد، محمد الذي اختطفه الموت إلى غياهب الفراق فتأججت عاطفة الحزن واستُنْطِقَتٍ قريحة الشاعر.. فكانت عاطفة الشجن التي سادت جو اللحن صادقة إلى درجة الاستلاب والتماهي مع المعنى الكامن في الأغنية وقد غنتها أم كلثوم مرة واحدة فقط في حياتها ولم تستطع أداءها بعد ذلك، لما تحتاجه من قوة صوت وأداء وسلطنة وبسبب علاقتها بالمناسبة التي تعتبر من المفارقات النادرة في حياتها الإنسانية والفنية.. إنها حكاية تجمع بين أركان الأصالة في الأغنية العربية.

فقد توفي محمد ابن الشيخ زكريا أحمد الذي شلّه الحزن واحترق قلبه بنار الفراق، لدرجة انه لم يذرف دمعة واحدة من شدة حزنه وذهوله وانزوى وحيداً في غرفته يناجي طيف وحيده متشوقاً للرحيل معه إلى ديار الأبدية.

وعندما زارته أم كلثوم لتواسيه هالها حاله وخشيت ان يقضي عليه الحزن، وتصورت ان الوحيد القادر على اخراجه من تلك الحالة، هو نديمه بيرم التونسي، فقالت "ابعتوا لبيرم".

كان بيرم وقتها بالإسكندرية ولم يعلم بما جرى لنديمه، وعندما عاد الى القاهرة، كان قد مرّ على موت محمد ابن الشيخ زكريا أحمد ثلاثة أيام، قالوا له بأن الشيح يعيش في غيبوبة الرحيل إلى عالم يريده بعيداً عن الدنيا، كأنه صوفي مسترسل في الوصل مع الله. فلما دخل بيرم عليه، لم يشعر به زكريا، عندها أدرك بيرم أن عليه ان يجد طريقة لإخراجه من أحزانه..

وهل غير الموسيقى او الشعر، إلى ذلك سبيلاً؟ فأسمعه قصيدة خطرت على باله في حينه "الأولة في الغرام"، يقول في أهم مقاطعها ذات الصلة بالمناسبة الحزينة:

"ســـافر في يوم ما واعدني على الوصال وعاهدني

وكــان وصــــاله وداع من بعد طــــول امـــــتناع

حطيت على القلب ايدى وانـــــــــا بودع وحيدي

وأقول يا عين اسعفيني وابكي وبالدمـــــع جودي

من يوم ما سافر حبيبي وانا بداوي جروحي

أتاري في يوم وداعه ودعت قلبي وروحي

طالت عليّ الليالي وانت يا روحي انت

لا قلت لي فين مكانك ولا حــترجع لي امتى"

فانسابت دموع الشيخ وأخذ في البكاء، وكأن مشاعره الجياشة قد أيقظت طاقة العطاء في عقله الباطن.. وانفتحت صناديق الذاكرة على الفاجعة وأختمر المعنى في قلب الملحن.. فيمسك بعوده بيد مرتجفة وأنامل متوترة كأنها تتلمس الجراح.. ثم أخذ يدندن باللحن حتى اكتمل دور "الأولة في الغرام" فبكى معه بيرم وظلاّ يبكيان معاً تارة، ويدندنان لمدة يومين اكتمل اللحن، ليأتي في قالب الموال من مقام الحجاز. ففاضت المعاني وهي تتفاعل في عمق الفجيعة دون أن تفقد جمالها الآسر المبهر كدأب بيرم التونسي كلما خفق قلبه وفاضت مشاعره المرهفة، وهذا الشيخ أحمد زكربا يدندن وغيبوبة الحزن توشح المعنى بغلالة من لون البنفسج وأم كلثوم تأسر القلوب وهي تصعد بصوتها في أجواء المقام حجاز في أصعب أداء غنته في تجربتها المديدة لصعوبتها فكانت أشد اختبار لصوتها العظيم.. أغنية مكتملة الأركان ومتفردة. رحمهم الله أجمعين.

***

بقلم بكر السباتين

 

عبد الله الفيفيلا شكّ في أن نشأة الفنون وتاريخها أمران شائكان، وظنِّيَّان، وليست هنالك وثائق تثبتهما. غير أن ارتباط فنّ الشِّعر بالكلمة يرجِّح أقدميَّته على سائر الفنون. ولنا في رحلة الإنسان الفرديَّة دليل؛ فالطفل يبدأ بالمناغاة وتعلُّم الكلام والطَّرَب للصوت، ويبدأ حِسَّه السمعي بالتلقِّي قبل الحواسّ الأخرى، حتى قيل إن الجنين يُحِسّ صوت أُمِّه، ويَطرب لإيقاع قلبها. وكانت اللغة لابن آدم مفتاح المخيِّلة الإنسانيَّة الأوَّل.  والصوت آلةُ الإنسان، التي لا تحتاج إلى آلةٍ ولا تكلُّف أداة. حتى إن النصوص الأرقى والكُتب الأسمى، منذ عُرِفت، جاءت متلبِّسة بالشِّعريَّة وبالموسيقى.  فالتبس بعضها: أشِعرٌ هو أم نثر، أم ما هو؟ وهو بطبيعة الحال ليس بشِعر من حيث الجنس الأدبي، لكنه يوظِّف الطاقة الشِّعريَّة، للتأثير النفسي، الذي هو ضربٌ من السِّحر البياني والموسيقي، وللتأثير الجماهيري.  وفي العصر الحديث كذلك التبستْ شِعريَّة النصّ المموسق على الذين لا يفرِّقون بين الأجناس الأدبيَّة، ولا بين شِعريَّة الشِّعر وشِعريَّة النثر، حتى لقد عَرفتْ قصيدةُ النثر مَن يؤصِّل لها في التراث، بل مَن حاكَى بعض نصوصه في قصيدة نثره.

إن الشِّعر أقرب الفنون إلى نفس الإنسان؛ لأن اللغة أنفاس الإنسان، والصوت آلته الفنيَّة الأُولى، كطائرٍ بَشريٍّ مُغرِّد؛ ولذلك فإن الأصل في الشِّعر أنه فنٌّ فِطريٌّ، لا يتطلَّب عِلْمًا، ولا فلسفة، ولا صناعة، ولا أكثر من الاستعداد اللغوي الفِطري والموهبة. بخلاف الفنون الأخرى التي لا بُدّ لها من ثقافةٍ خاصَّة، ودُربةٍ، وتفاعلٍ اجتماعيٍّ، بقدرٍ أو بآخر. إنها صناعاتٌ فنِّـيَّة متقدِّمة، ظهرت بتطوُّر الإنسان وحضور الآلة ونشوء المجتمعات، بخلاف الكلمة الشِّعريَّة. وبرزت تلك الفنون في بعض المجتمعات دون بعض، وفي حقبٍ دون أخرى، ولكن ليس هناك مجتمعٌ بشريٌّ في أيّ زمانٍ ومكانٍ لم يكن له شِعر. ربما كان فنّ الرسم قد بدأ في مرحلة لاحقةٍ كثيرًا بعد الشِّعر، فبدأ بدائيًّا جدًّا مع سُكنى الإنسان الكهوف، والرسم على الجدران، ثمَّ منه انبثقت فنون الكتابة، من مقطعيَّة إلى تصويريَّة إلى أبجديَّة، في الألف الثاني قبل الميلاد.

من هذه المنطلقات يبدو التعبير الصوتي أقدم، بطبيعة الحال، والتعبير الصوتي ملازم للكائنات الحيَّة كافَّة.  بحيث لا يُتَصَوَّر أن الإنسان الأوَّل، في أوَّل وجوده على هذا الوكب، كان يرسم، مثلًا، أو يخطب، أو يحكي حكاية، أو يزاول فنًّا آخر كهذه الفنون، لكنه قطعًا كان يعبِّر بالغناء، فرحًا أو ترحًا، ويُفضي عمَّا في نفسه بلُغة.  وقد كانت لغة الإنسان تؤهِّله لذلك، كما أهلته للحوار الكوني، في قضايا الوجود والمصير، والحقّ والباطل.  وهذا ما ميَّزه عن سائر المخلوقات.

ومن هنا فلا خلاف في أن اللغة هي أوّل مكتسبٍ معرفيٍّ للإنسان.  وبما أنها كذلك، فإنها أداة العقل والتخيُّل والفنّ، وكلّ اللغات الفنيَّة الأخرى ثانويَّة ولاحقة ورامزة، وإنما وقع الجدل منذ القِدَم في أيّهما أسبق: الشِّعر أم النثر؟  النثر: بمعنى التعبير الفنّي النثري، غير المنظوم في قوالب موسيقيَّة. بَيْدَ أن الفِطرة الطبيعيَّة، وسُنن الله في خلقه، تدلَّاننا على أن الشِّعر، بأُفهومه العامّ، أسبق من النثر الأدبي؛ من حيث حاجة الإنسان للإرواء الصوتي، والموسيقي، وللبثّ الروحي، لا الفكري، وللتأثير الإيحائي، لا العِلْمي. 

بناءً على ما سبق، فإن الفنون اللغويَّة، وبخاصة الشِّعر، بوسعها أن تكون معاول بناءٍ أو هدمٍ للإنسان، أكثر من غيرها من الفنون.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيْفي

 

محمد صالح الجبورياللغة العربية تمتاز بصفات وخصائص تتفوق على أقرانها من اللغات الاخرى، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة البلاغة ولغة الضاد والفصاحة والادب والجمال والمعرفة والثقافة، وقد مدح الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه اللغة العربية بقوله (تعلموا العربية فهي دينكم)، وقال ايضا (تفقهوا في العربية فإنها تزيد العمل، وتثبت في المرؤة)، وقال الامام الشافعي (على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغ جهده)، وقالوا قديما(العربية اللسان)، وقال حافظ إبراهيم:

انا البحر في أحشائه الدر كامن     فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

اللغة العربية من الكنوز التي تملكها الامة، وعلينا ان نهتم بها، وان نعتز بها، وأن نرفع من شأنها ومكانتها بالبحوث والمؤتمرات التعريفية بها، وأن نعمل على انتشارها في انحاء العالم، هذا يحتاج إلى تظافر الجهود، وتشكيل لجان وتخصيص اموال للارتقاء باللغة العربية وانتشارها، الأدب العربي يحتوي على قصص وقصائد راقية، تمثل حياة الامة وبطولاتها، العرب يتميزون بمكارم الاخلاق الكرم، الشجاعة، والوفاء، الصدق، الايثار، التضحية، وغيرها، وتبقى اللغة العربية هي التي تجمعنا، اللسان الذي نتكلم به ونتفاهم بيننا، وقد قال المفكرون الأجانب كلاما جميلا بحق اللغة العربية، وتعلموا العربية، اللغة العربية لغة الحضارة، ولها دورها في العالم، الحفاظ على اللغة العربية مسؤولية الجميع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

العراق

ضياء نافعيحتوي تاريخ الفلسفة الروسية على مجموعة من أسماء بعض الادباء الروس منذ القرن الثامن عشر، وعبر القرن التاسع عشر، ثم القرن العشرين والى حد الان، ونحن في القرن الحادي والعشرين، ونحاول في مقالتنا هذه الاشارة – ليس الا – الى ابرز اسماء هذه المجموعة والتوقف قليلا عندها (نؤكد على كلمة (أبرز)، اذ لا يمكن عرض كل الاسماء، فالقائمة طويلة جدا والاجتهادات الفلسفية متشعبة و متنوعة جدا). ونحاول ايضا الاشارة الى العناصر والخصائص الرئيسية في ابداعهم، و التي ادّت بمؤرخي الفلسفة الروسية وضع هؤلاء الادباء ضمن تاريخ الفلسفة تلك ومسيرتها الطويلة، واعتبارهم ادباء وفلاسفة في آن.

الاسم الاول في هذه القائمة هو لامانوسوف (نكتب اسمه حسب قواعد التلفّظ الروسية، ويأتي اسمه في بعض المصادر العربية لومونوسوف او لامونوسف)، وهو عالم روسي موسوعي كبير، وقد قال عنه بوشكين - (انه جامعتنا)، وأطلقوا اسمه فعلا على جامعة موسكو عام 1940، ولا زالت هذه الجامعة تسمّى جامعة لامانوسوف لحد الان (انظر مقالتنا بعنوان – لومونوسوف واللغة الروسية وآدابها) . جاء اسم لامانوسوف ضمن قائمة الادباء – الفلاسفة باعتباره أحد عمالقة التنويريين الروس الكبار، الذين ساهموا بارساء وتثبيت الفكر العلمي التنويري في مسيرة روسيا، وهو سبب وجيه ومنطقي جدا، اذ ان الحركة التنويرية في كل العالم هي جزء لا يتجزأ من الفلسفة فعلا.

 الاسم الثاني في هذه القائمة من القرن الثامن عشر ايضا، و هو راديشيف، مؤلف الكتاب الشهير (رحلة من بطرسبورغ الى موسكو) زمن الامبراطورة يكاترينا الثانية (انظر مقالتنا بعنوان – الامبراطورة يكاترينا الثانية والادب الروسي، وكذلك مقالتنا بعنوان – راديشيف وكتابه رحلة من بطرسبورغ الى موسكو) . راديشيف – تنويري ايضا (رغم انه يختلف كليّا عن لامانوسوف)، وقد عرض افكاره الفلسفية العميقة بشكل غير مباشر في كتابه الخطير المذكور، و دفع الثمن غاليا من حريّته كما هو معروف .

نشير، ثالثا، الى عدة اسماء من ادباء القرن التاسع عشرسوية، وذلك لأنهم جميعا يرتبطون باتجاه فلسفي واحد يسمى بالنزعة السلافية او (السلوفيانية) في مسيرة الفكر الروسي (وهو الاتجاه الفكري المضاد للنزعة الغربية، ومن المعروف ان الصراع بين النزعتين استمربشكل حاد ومتطرف طوال القرن التاسع عشر في مسيرة الفكر والادب الروسي ولا يمكن التوقف عند هذه النقطة هنا طبعا)، وهؤلاء هم كل من – خومياكوف واودويفسكي واكساكوف وتيوتشيف .

خومياكوف (1804 – 1860) هو شخصية متعددة المواهب في مسيرة الفكر الروسي، ويكاد ان يكون شبه مجهول بالنسبة للقارئ العربي مع الاسف، فهو شاعر وكاتب مسرحي وفنان تشكيلي ومؤرخ وفيلسوف، وساهم حتى بمسيرة البحوث في العلوم البحتة (وخصوصا الرياضيات)، ويمكن القول، انه واضع اسس مصطلح (السلوفيانية) في تاريخ الفلسفة الروسية ضمن مقالاته وكتاباته العديدة . ولابد من الاشارة وفي هذه العجالة، ان ابداع خومياكوف حاز على اعجاب وتقدير بوشكين وغوغول ودستويفسكي وتولستوي واسماء كبيرة اخرى في تاريخ الفكر والادب الروسي .

الاسماء الثلاثة الاخرى في هذه المجموعة كبيرة ومهمة ايضا في مسيرة الادب الروسي، ولعل ابرزها هو تيوتشيف، الشاعرالاثير والمفضّل لتولستوي، و الذي قال عنه جملته الشهيرة، والتي نجدها في كل المصادر الروسية عن هذا الشاعر الكبير، وجملة تولستوي هذه هي – (لا يمكن العيش بلا تيوتشيف)، بل ويقال ان تولستوي كان يردد بعض ابيات من شعر تيوتشيف حتى في ايامه الاخيرة. وقد تحولت بعض مقاطع من شعره الى اقوال خالدة ترددها روسيا كلها، ومن تلك الاقوال ابيات فلسفية عميقة من شعره يقول فيها –

روسيا لا يمكن بالعقل فهمها

ولا يمكن قياسها،

  هناك خصوصية عندها -

 يمكن فقط الايمان بها.

الحديث عن فلسفة تيوتشيف طويل طويل، بل اني وجدت حتى مقالة رائعة وعميقة بالعربية، و لا يمكن عرض مضمونها هنا، ولكني اورد فقط عنوانها، الذي يمتلك بحد ذاته دلالة واضحة المعالم، والعنوان هذا هو – كلمات الفيلسوف تيوتشيف والزخارف الفلسفية في شعره .

ختاما لهذا العرض الوجيز جدا والسريع جدا لموضوعة الادباء – الفلاسفة في الادب الروسي، نود ان نشير، الى ان هناك عدة اسماء كبيرة في هذا الادب تمتاز بمزج الادب والفلسفة بشكل واضح، ومنهم تولستوي ودستويفسكي، وان القارئ العربي اصبح على اطلاع جيد بشأن ذلك (انظر، مثلا، مقالتنا بعنوان – تولستوي فيلسوفا، ومقالتنا بعنوان – دستويفسكي فيلسوفا / تأملات)، ولكن القارئ العربي لم يطلع كما يجب على جوانب اخرى في هذا المجال، ومنها مثلا، عن غوغول فيلسوفا، اوعن فلسفة تورغينيف، ولا نريد الاشارة الى ادباء القرن العشرين مثل بلوك وبيللي وغيبيوس وسولوغوب وبريوسوف وبالمونت وبولغاكوف وغيرهم، اذ ان هذه الاسماء بحد ذاتها لازالت شبه مجهولة لهذ القارئ بشكل عام .

اتمنى ان تثير هذه المقالة الوجيزة انتباه واهتمام المتخصصين العرب، وان يتناولوا مضمونها العام ويتوسعوا بدراسته، اذ اننا نرى، ان موضوعة تداخل الادب والفلسفة - مسألة مهمة لفهم الاداب ودورها الرائد في مسيرة حياتنا ومجتمعنا.

 

أ. د. ضياء نافع

 

احمد عواد الخزاعيالثقافة مرآة عاكسة للواقع المعاش الذي أفرزته حقب تاريخية وصراعات سياسية وفكرية واقتصادية، أفضت إلى هذه الهوية الغير قابلة للتغيير، إلا بنسبة ضئيلة، تبعا للتأثير المادي وحركة التاريخ، فلكل شعب ثقافته تبعا لعوامل، الجغرافية والدين والتراث، كما عبر عن ذلك الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران بخطاب له عن الوحدة الأوربية (إن الرهان على الاستثناء الثقافي، هو رهان على وحدة امتنا، الحق لكل شعب ان تكون له ثقافته وحرية إبداعه واختيار صوره) .

على امتداد العقود الخمسة الماضية والتي تمثل ذروة التمظهر الحضاري والفكري لعالم الحداثة وما بعدها، بقي العراق يعاني من تعكز هويته المعرفية والثقافية على ثقافة السلطة وماينتجه فكرها الشوفيني، الذي تدرج بين القومية والعشائرية والقائد الأوحد، وغُيبت وأقصيت بالقوة  كل محاولة لطرح ثقافة موازية أو بديلة .. وهذا دأب معظم شعوب دول المنطقة التي رزحت تحت نير الدكتاتورية والاستبداد، وبعد زوال الصنم لم يستطيع المثقف العراقي على اختلاف توجهاته ومشاربه أن ينتج ثقافة بديلة، يمكن أن تساهم في لملمة شتات الأمة العراقية، وتعمل على صناعة فكر جديد قادر على مواجهة المرحلة الحالية، بكل إسقاطاتها وإرهاصاتها الخطيرة والمصيرية على وجودنا وقيمنا الإنسانية، فكل منتجنا الثقافي على امتداد سنوات التغيير لم يتجاوز عقدة الماضي القريب، ولم يخرج عن الحيز الذي رسمه التعالق الشاذ بين العُرف والدين، الذي هيمن على العقل الجمعي لمجتمعنا العراقي، فمازالت رؤيتنا للمستقبل وللعالم المتحضر خاضعة لهذا التعالق السلبي، المُكبل لإرادة وحرية الفرد، ومازال كل منتجنا الثقافي سببياً يجتر التاريخ بحرفية مقيتة، لا تنتج غير الفرقة والتشظي والجمود الفكري، وإعادة تدوير الحزن.. نحن اليوم بحاجة إلى ثقافة تكون بصمتنا التي سنلج من خلالها بوابة العالم المتحضر، ثقافة نابعة من معاناتنا كشعب خاض ويلات الحروب والحصار والاحتلال والنزاعات الاثنية والعرقية، ثقافة واعدة  تنظر إلى المستقبل نظرة غائية، تعنى بصناعة الإنسان وجعله القيمة الأسمى، تحاكي الواقع برؤية وسطية براغماتية صادقة مع نفسها، بعيدة عن التناقض والنكوص، فلكل شعب خصوصيته وبيئته المعرفية التي تملي عليه حراكه وعطائه الإنساني.. فلا ثقافة التغريب هي الحل، ولا الدين بمفهوميه (البكائية والصحراوية) هو الآخر حلاً. 

 

احمد عواد الخزاعي

 

عمار حميديعتبر فيلم (الأسكندر alexander) الذي يتناول قصة القائد العسكري الأسكندر المقدوني احد أهم الأفلام الملحمية التي انتجت سنة 2004 وتناولت سيرة حياة هذا القائد العسكري بالرغم من الجدل والأنتقادات التي تعرض لها الفيلم وهو من بطولة الممثل الأيرلندي (كولن فاريل) والممثلة الأمريكية (انجلينا جولي) والبريطاني (أنتوني هوبكنز) والذي أبدع الموسيقى التصويرية فيه الموسيقار اليوناني (فانجيليس)، ومن جملة الأنتقادات التي تعرض لها الفيلم الذي أخرجه المخرج (اوليفر ستون) هو ارتكابه العديد من الأخطاء التاريخية المتعلقة بعرض مشاهد ومسار الأحداث وكان لابد للأشارة الى هذه الاخطاء فيما يتعلق بالأحداث التي وقعت في بلاد الرافدين.

يبدأ الفيلم بمشهد تقع احداثه في مدينة بابل (بلاد فارس) سنة 323 قبل الميلاد في اشارة الى ان بابل كانت ضمن الامبراطورية الفارسية في ذلك الوقت ويظهر في المشهد بطل الفيلم الأسكندر وهو على فراش الموت ويبين المشهد جدارية على أبنية القصر البابلي تمثل رجالا يحملون رماحا وكنانة لرمي السهام، في الواقع ان هذه الجدارية لاتمت بصلة الى الاحداث الجارية في هذا المشهد الذي تدور احداثه في بابل فهي بالاصل تعود الى قصر الملك الفارسي (داريوش) وعثر عليها في مدينة سوسة الأيرانية وتعود الى سنة 510 قبل الميلاد اي انها اقدم من احداث موت الاسكندر في الفيلم بمائتي سنة تقريبا. وتحت هذه الجدارية نقش يمثل رجلا يطعن اسدا اسطوريا وهذا النقش بالاصل يمثل الملك داريوش ومكانه الأصلي في مدينة برسبوليس او (شيراز) حاليا في ايران.

مشهد اخر يظهر الاسكندر وهو يتذكر طفولته في مقدونيا (احد مناطق شمال حوض البحر المتوسط) مع والدته (انجلينا جولي) في القصر حيث وضع في المشاهد الخلفية تمثال يمثل معزاة تقف على رجليها الخلفيتين ومستندة على شجرة وهو التمثال الذي اشتهر عالميا بأسم (Ram in a Thicket) وهذا التمثال بالأساس يعود الى مملكة أور السومرية جنوب العراق حيث عثر عليه هناك من قبل العالم الاثري البريطاني (السير ليونارد وولي) ويرجع تاريخه من 2600 الى 2400 سنة قبل الميلاد اي ان الفارق الزمني كبير جدا بين عمر هذا التمثال وزمن حياة الاسكندر ولايقل عن ألفي سنة.

وفي مشهد دخول الاسكندر الملحمي الى مدينة بابل ومسير جيشه في شارع الموكب سنة 331 قبل الميلاد فلم يكن هناك الكثير من التفاصيل الخاصة بهذه المدينة فقد كان المكان مليئا بالنقوش والمنحوتات الفارسية التي لم يعثر على اي شئ منها في الواقع ضمن آثار مدينة بابل مثل كائنات (الغرفين) الأسطورية وهي كائنات خرافية مكونة من جذع ورأس نسر وجسم اسد و نقوش اخرى تعود بالأصل الى قصر الملك داريوس في مدينة سوسة مثل نسخة الثور المطابقة لنقش الثور على بوابة عشتار ولكن النسخة الخاصة بقصر داريوس لديها اجنحة، وجدارية اخرى عثر عليها في قصر داريوس ايضا تمثل اسدين مجنحين برأس انسان يجلسان على قوائمهما الخلفية وينظر كل منهما  بأتجاه معاكس للآخر بالأضافة الى بعض التماثيل والمنحوتات التي تعود الى الحضارة اليونانية الا انه فقط ظهر وبشكل خاطف نحتين يعودان الى الحضارة الآشورية هما الثور المجنح عند عبور بوابة عشتار والملاك الحارس داخل أروقة القصر الذي دخل اليه الأسكندر وهما يعودان الى مملكة آشور في نينوى شمال العراق وكان من الممكن للمخرج ان يُظهر احد اهم معالم مدينة بابل وهو (اسد بابل) الذي لايزال قائما الى وقتنا هذا الا انه اهمل ذلك.

المشهد الذي ظهرت فيه ابنة داريوس والتي تدعى (الأميرة ستاتيرا) في القصر البابلي وهي تطلب الحماية من الأسكندر لها ولباقي افراد اسرتها والحقيقة ان (ستاتيرا) لم تكن اصلا موجودة في بابل بل وقعت أسيرة لدى الأسكندر مع والدتها وأختها في معركة (اسوس) الواقعة جنوب الأناضول في تركيا حاليا سنة (334) قبل الميلاد اي قبل دخول الأسكندر الى بابل بثلاثة سنوات.

المشهد الاخير في نهاية الفيلم اثناء عودة الاسكندر الى بابل تظهر مرة أخرى النقوش التي تمثل رجالا بمشهد جانبي يحملون الأضاحي والرماح والمأخوذة ايضا من نقوش آثار مدينة برسبوليس في ايران كما ظهرت بعض التماثيل الفرعونية والتي ليس لها وجود في بابل وهي بالاضافة لذلك نقوش حجرية وليست طينية حيث ان حضارة بابل بشكل عام هي حضارة طينية وليست حجرية كما قام المخرج بعرض المدينة محاطة ببعض الجبال او الهضاب وهو امر غير صحيح كذلك.

لقد اظهر لنا المخرج من خلال فيلمه مدينة فارسية بعيدة كل البعد عن بابل الرافدينية الحقيقية والتي هي اصل التأثيرات العمرانية على باقي الامبراطوريات المعاصرة واللاحقة لها كما انه لم يبين الاهمية الحضارية والثقافية لها بأعتبارها اول من سنَّ القوانين من خلال مسلة حمورابي وهذه أمور كان لابد التنبه اليها في فيلم عالمي.

 

عمار حميد مهدي

 

ابراهيم مشارةالسين يجري متثاقلا كالعادة في الشتاء ومنتشيا برائحة النبيذ في الليل

حتى هو أصابه البرد ويخاف من العدوى

الثورة الملتهبة في شوارع باريس أصحاب "السترات الصفراء" كالعادة يتظاهرون في الحي اللاتيني والشانزليزيه وشاتليه يتظاهرون ضد الضرائب المفروضة عليهم لا يخافون يقاومون الساسة والبرد ومنطق التاريخ يريدون لي عنق التاريخ لصالحهم، لصالح الإنسان متوسط الدخل .

ومع ذلك ففرنسا من أكثر دول العالم في التضامن الاجتماعي يتقاضى الوالدان بدون عمل منحة شهرية إضافة إلى المنح العائلية ويدفعان مبلغا رمزيا لقاء السكن إضافة إلى التغطية الصحية المجانية والتعليم شبه المجاني إلى الحد الذي يفضل الكثيرون البطالة والإنجاب ويفرون من العمل وهذا ما يسبب امتعاض الكثيرين العاملين لأنهم يدفعون لهم من راتبهم كضرائب. معضلة كبيرة وهي في ذات الوقت وجه مشرق لفرنسا الاشتراكية في الحياة الاجتماعية الليبرالية في الاقتصاد.

باريس بلد الحرية والفن والشعر والعربدة والجنون، التسول، الموضة والإضرابات.

منذ اندلعت الثورة الفرنسية عام1789 وتحرير سجناء الباستيل وإعدام لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت وباريس كعبة الحرية والاحتجاج تصدر ذلك كله إلى العالم كما تصدر العطور والأجبان.

الأشجار عارية غير أني أحبها كما هي أحب التعري من كل زيف ومن كل رياء  فالتعري يكشف كل مستور كلنا ننافق نتدثر بالكذب بالرياء بالأخلاق المصطنعة ونخشى التعري ،أن نظهر على حقيقتنا.

كان الشاعر اللبناني المهجري القروي إلياس فرحات يمارس عادة غريبة يتوجه إلى الغابة حيث كان يعيش في الأرجنتين وينزع ثيابه ويمشي وحيدا عاريا كما ولدته أمه في الغابة إحساس غريب ينتاب الإنسان وهو ينزع ثيابه ويعود إلى الطبيعة حتى أنا فعلتها مرة في صيف عام 2001 في غابة" فيل بانت" جربت التعري في الغابة تجربة فريدة لذيذة عشتها.

لكن باريس هذه المرة ثائرة ولا تعرف فتورا لثورتها في أفريل من عام 2001 وصلت محطة ليون في باريس بالقطار وفور خروجي من المحطة اصطدمت باحتجاج قوي للشباب ضد منافسة اليمين المتطرف لجاك شيراك المترشح لعهدة ثانية في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية كان شاب يحتج عاريا كما ولدته أمه في أكبر بولفار في باريس. وفي هذه المرة أصطدم بأصحاب السترات الصفراء في احتجاجهم السبتي.

مازالت ذكرى جدي تطاردني وهي الجرح الباريسي الذي لم يندمل شجو حنون غامض ينتابني كلما نزلت بالدائرة السابعة في شارع شان دو مارس حيث مات جدي بالسكتة القلبية عام 1989 وحيدا في غرفته إذا اقتربت من الشارع اقشعر بدني وازداد نبضي وسهمت أشم رائحة جدي في كل زاوية وفي كل محل وفي كل شبر من شارع شان دو مارس لم أنس الحادثة منذ ثلاثين عاما ومنذ ذلك التاريخ والدائرة السابعة حرم مقدس وشارع شان دو مارس كعبتي أطوف بها في الأصباح والأماسي وفي منتصف الليالي وكأنني ألاقي جدي أضمه أعانقه أشمه وأمشي بمعيته ويظل بيت الشريف الرضي يشيعني حين المغادرة:

وتلفتت عيني فمذ خفيت** عنها الطلول تلفت القلب

الموت لا يغيب عن ذاكرتي والرحيل يلازمني وأهوى زيارة المقابر أتأمل قبور الراقدين في سباتهم وأقرأ العبارات الشعرية على قبورهم هذه المرة كالعادة زرت مقبرة مونمارتر ووقفت على قبر داليدا وفي الغد مقبرة بير لاشيز للمرة الثانية حيث جمهورية الموتى من أثرياء وفنانين وعلماء وأدباء وصعاليك وغرباء شدتني عبارة مكتوبة على قبر يقول معناها "كلنا نحب تقليب صفحات الأيام على جميل الذكريات لكن أصبعنا على صفحة الرحيل"

طقوس الرحيل في بير لاشيز هذه المرة حاضرة السماء الرمادية والسحب الداكنة والأشجار العارية وآلاف الموتى في توابيتهم وأنا أستحضر شاعري الأثير أبي العلاء :

رُبّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مراراً

ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأضْـــــدادِ

وَدَفِينٍ عَلى بَقايا دَفِيـــــــــــــــنٍ

في طَويلِ الأزْمـــــــــــانِ وَالآباد

كثيرون يقولون لي أنت حزين لا أنسى سوزان المتعلمة اليسارية ونحن مرة نتناول فولا وطعمية في مطعم الشبراوي في خان الخليلي بالقاهرة  تأملت في وجهي وقالت نظرتك مطاطية قلت: كيف؟ قالت : تتبسم قليلا لكن سرعان ما تعود إلى سهومك إلى أشجانك.

في باريس ظل طيف المعري والسياب وليوباردي وأونامونو يطاردني ربما لأن باريس ارتبطت عندي بذكرى رحيل جدي الفاجعة لم أنس مقولة أونامونو الصادمة "من يعش يتألم ويموت وفي الصميم يموت"

نعم تبدو الأفراح دائما قشة على لجة الألم نلوذ بها من فاجعة الرحيل والذكريات صخرة ندفعها كما ندفع الساعات والدقائق والثواني على جبل الحياة نزهو ببعضها ونتألم أقسى الألم من بعضها الآخر.

باريس ثائرة باريس مضطربة في شتائها البارد والماطر والعاري والسين يجري كالعادة متثاقلا لا يمل حتى هو بدا لي حزينا غابت عنه عربدة رامبو وشذوذ فرلين وكحوليات أبولينير وافتقد شاعره الرجيم بودلير وأزاهير شره بدا لي السين مغضن الجبين جهم المحيا ربما لأنه الشتاء .

كل يوم كالعادة أذرع الشوارع وحدي أو مع غيري والمقاهي والساحات العامة والمتاحف والمكتبات صار لي تاريخ في باريس أتردد على أماكن بعينها ولا أشبع منها لكنني هذه المرة حرصت على أن تكون فنية خاصة وخططت لزيارة متحف بيكاسو والبقاء يوما في صحبة لوحاته التكعيبية ويوما في ضيافة يوجين دولاكروا ويوما في متحف الفن الحديث بصالات العرض بمركز جورج بومبيدو وبيت الماسونية وبيت التاريخ اليهودي وكالعادة لا أنسى التعريج على معهد العالم العربي أشم عبق الشرق وأتأمل آخر الإصدارات خاصة في فن السرد وقد رأيت الكثير.

لكن باريس المرأة "فتش عن المرأة "كما يقول موليير في إحدى مسرحياته قلت لإيطالية مازحا أمام قبر داليدا في مقبرة مونمارترعندكم البندقية مدينة الحب ضحكت وقالت لا باريس مدينة الحب وصدقت .

المرأة هي سحر باريس وروحها وأقنومها وليس من قيبل الصدفة أن تكون باريس مدينة الموضة والعطر والشعر والفن وكلها فنون مرتبطة بالمرأة .

أكره كثيرا التسوق وغشيان المتاجر والأسواق التجارية وأهوى كثيرا التاريخ والماضي – دون أن أعيشه- والمتاحف والمكتبات وحتى المقابر .

الحي اللاتيني حيي المفضل ربما لأنه ارتبط عندي بالتجديد في الأدب العربي أحبه كثيرا منذ قرأت في صدر شبابي الأيام لطه حسين والحي اللاتيني لسهيل إدريس وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وكوكبة الأدباء الذين ترددوا على الحي اللاتيني هيكل وإحسان عبد القدوس وأدونيس ومالك بن نبي ومحمد مندور وعلي شريعتي وغيرهم.ولا أنسى المرور بمقهى فلور مقهى سارتر المفضل والوجوديين ولي دو ماجو مقهى فرلين ورامبو في بولفار سان جرمان ومقهى البروكوب في الدائرة السادسة وهو أعرق مقهى باريسي يعود تاريخه إلى1686 وهو المقهى الذي تردد عليه نابليون بونابرت وفولتير وروسو ودالامبير وهيغو وأوسكار وايلد والرئيس الامريكي توماس جيفرسون وغيرهم وفضلت ارتشاف فنجان قهوة هناك ذات صباح حيث كنت محاصرا بمسيرة لأصحاب السترات الصفراء.

لم يؤذني شيء كما أذاني كثرة التبول إلى الحد الذي غدا فيه الأمر مزعجا يقطع علي خلوتي وانهماكي في تأمل اللوحات الفنية وقد نصحني أحدهم بفحص لغدة البروستات لكنني امتنعت كرها للأطباء ورددت على مسامعه عابثا عبارة كامو المشهورة: "وهبنا الصحة لندمرها لا لنحافظ عليها" لكن هذه الحالة التي لا زمتني في باريس مردها إلى البرد وكثرة المشي وكثيرا ما أتذكر نفس الحالة التي كانت تلازم توفيق الحكيم فيضطر إلى التبول في زاوية الشارع وحادثة سهيل إدريس حين دفعه الاضطرار إلى التبول في الساحة الحمراء في قلب موسكو حيث ضريح لينين.

أحب التسكع في الليل فالليل جناح ساتر للعاشق ،للثمل، للمحزون ، للمغامر، للمقامر، لنساء الليل ورجاله على السواء أهوى كثيرا العودة في المترو بعد منتصف الليل تختلط الروائح رائحة العطر الغالي برائحة النبيذ والأحاديث المتثائبة بلغات شتى الأجساد مكدودة من العمل أو من السهر أو من التسكع ، المتسولون في باريس لهم نكهة خاصة وهم معلم إضافي من معالمها المترو الباريسي رحم تحبل بالآمال والآلام بالشبق والحرمان والتخمة ثم تبدأ تتقيأ كل تلك الأشياء في المحطات المتعاقبة.

المترو رحم حبلى

بالآلام والآمال

بالمواعيد المجهضة والناجزة

بالشبق، بالعطر، بالحنين

عطر وكحول وأحاديث عابرة

وقهقهات

رحماكم سيدة من سوريا بلا مأوى

أم لهذه الرضيعة

عشرون سنتيما لو سمحتم

بلا مأوى ولا عمل ولا أهل

قطعة من خمسين تسد الرمق

يقول ذاك الثمل

حين يضيق المترو بالراكبين

تلتصق الأجساد وتختلط الروائح

مرج القلبين بينهما برزخ لا يبغيان

شبق وحرمان

وآمال وآلام

وحزن ونشوة

تلتصق الأجساد ولكن مقدمات الرجال لا تطلب مؤخرات النساء

كما عندنا في الشرق

الشرق شرق والغرب غرب

ولن يلتقيا يا كبلنج

العصر الرقمي والتواصل الافتراضي اكتسح الشرق والغرب على السواء فمقابل عشرة ركاب ثلاثة يقرأون في كتاب أو جريدة والباقي يتواصل مستعملا هاتفه المتطور.

آثار الفوضى الخلاقة تجدها هنا في باريس في المشردين والمتسولين وطالبي اللجوء من الشرق من الشام والعراق وافغانستان.

باريس ثائرة غاضبة ملتهبة كل سبت غير أن الثورات في أروبا تنطلق من مبدأ محدد وتنتهي إلى غاية محددة غالبا ما تصب في صالح الإنسان عكس ما يحدث عندنا لقد تحول الربيع إلى شتاء بلا مطر ولا ثلج وبلا مدفأة ولا حكايا ربيع مجهض وزمن عربي مغضن الجبين فارغ بلا جدوى أشجار عارية وغرابيب سود . هذا هو الزمن العربي زمن أغبر فوضى خلاقة قسمت العالم العربي إلى ملل وطوائف ونحل وأجهضت الحريات والإبداع وكرست السطحية والرداءة .

لكنني أحب باريس،أمارس طقوسي ،جنوني صرامتي، عبثي .أملأ رئتي من جنونها ومن كحولها وعطرها:

أيها الباريسيون

المتخمون بالنبيذ الفاخر والشبق الصناعي الذي تتيحه حبات الفياجرا

فكل شيء صناعة وتجارة حتى الحميميات

أيتها الشفاه المطلية بالأحمر، أيتها السيقان المرمرية

التي لا تخاف من البرد

في شبق الشرق وحنينه الدافئ

وعقلانية الغرب وصرامته القاسية

أيها البارسيون اللامبالون بأحلامي وثرثرتي مع رفيقتي

في عربة الميترو

في شيء من عقلانية ديكارت وصوفية ابن عربي

ولي أحلام كأحلامكم

غير أني مثقل بالأغلال

أغلال التاريخ والضمير الجمعي والأخلاق الاجتماعية

لكنني تمردت وكرست حريتي

ولن أساومها بشي

ليس عندي ندم، ليس عندي خوف، ليس عندي دموع

***

طيفك لا يغادرني

قهرت جنوني وعبثي وتمردي

وحملت ذكراك في كل طائرة وفي كل بلد

وفي كل شارع وفي كل مقهى

كل النساء لا تشبهك وأنت لا تشبهين النساء

ولأني عاشق أبدي

وشمت أمه على زنده قلبا وسيفا وحمامة

أظل أطمرالذكريات والبسمات والثرثرة الحلوة

بالترحال كأنني السندباد

شراعي الحنين ومرفئي اللقاء المحال.

المحال.

***

ابراهيم مشاره

 

عقيل العبود

الذائقة، هذا الشعور بالجمال تجاه ما يحيط بِنَا، لم يبق بذلك التأثير في زمننا هذا.

كنّا نستنشق رائحة الأغاني نرسم من كلماتها عبق الحياة.

تأملاتنا كانت تنبعث على شاكلة قوة تجتاح كياننا الإنساني، مشاعرنا كانت تتدفق بطريقة سلسة.

العشق كما عهدناه، لغة تنمو في أعمق وجداننا، تتنفس هذا الانسياب الذي نراه كما النسغ الصاعد والنازل، ينتظر معنا فصلا جديدا من فصول المحبة.

هنا امتدادا لتاريخ جميل، الذاكرة كما يبدو هي التي منها يشع رحيق الأمل.

انذاك كنموذج، ألحان فريد الأطرش، عالم  تجتمع في فضاءاته جميع شروط الموسيقى.

وجع يفيض بآيات سحره ليحلق بِنَا عند منتجعات ايام حالمة.

 آفاق خيالاتنا كانت ترافقها ألوان قوس قزح، تتحد معها لترتسم وفقا لآهاتها صور الأشياء؛ الاشجار العصافير ، البحر، الحلم، الطهارة، الانبعاث، التدفق.

الطبيعة بما فيها تلك الامواج التي تتداخل معها زرقة السماء وصفاء الروح، هي الاخرى تصطف في خيالاتنا .

لذلك وبشهادة تكاد ان تكون مطلقة تماما، اشعر ان ما بقي في خزين عقلي الباطن من المشهد المذكور، يشدني مرة اخرى الى ذلك الحنين.

 اي الفطرة التي ارتبطت بعالمنا الحسي، لتعود بِنَا مرة اخرى الى لوحة اغان قديمة؛ عفاف راضي، نجاة الصغيرة، عبد الحليم حافظ، وردة الجزائرية، فيروز، وتلك بدايات عشق ترعرعت أوصاله مع اول نغم تمت الاستجابة اليه وذلك يعوده بتاريخه الى تراث مشهد قديم.

 

عقيل العبود

 

خلود الحسناويفي اطار عملية معمقة لنشر الوعي الادبي والثقافي وترسيخ جذور النقد وتحليل النصوص الادبية لدى المتلقي وضمن اطار استمرار وتدعيم عملية التواصل بين ادباء الداخل وادباء المهجر تم اختيار شعر المغتربين العراقيين بعد 2003 موضوعا لأطروحة الدكتوراه الموسومة بعنوان (آليات الإرسال في شعر المغتربين العراقيين من2003_2018) للباحثة هند كامل عبيد مع مشرفها الدكتور جاسم حميد جودة في جامعة بابل كلية التربية للعلوم الإنسانية قسم اللغة العربية وبيّنـت الباحثة ان انتقائها للموضوع لهذه المدة الزمنية حصرا يعود لكون الكتابة الشعرية تعرضت لتحولات جذرية في الماهية والوظيفة بالإضافة إلى الفرادة والاختلاف لقصيدة النثر في هذه المرحلة عن سابقتها في اللغة والرؤيا والتشكيل بالإضافة إلى ان المرحلة لم تنل حظها بالدرس الاكاديمي بعد، مثلما سبقتها دراسات اخرى لمراحل سابقة زمنيا إذ اكتفت الدراسات السابقة بمجرد التنظير والإشارة والدراسات والتطبيق الجزئي لتأتي هذه الدراسة موسعة لهذه المدة مركزة على النموذج الشعري في الجانب التطبيقي وفق رؤية شمولية متخذة من النظريات الحديثة مقاربات في الدراسة لاسيما نظرية بيرس السيميائية ونظرية التلقي والتأويل وقد شمل متن الدراسة مجموعة من الشعراء العراقيين وهم (وديع شامخ، عبود الجابري، ورود الموسوي، دنيا ميخائيل، علي جعفر العلاق، اديب كمال الدين، غريب إسكندر، عيسى حسن الياسري، عبد الهادي سعدون، محمود جاسم النجار، مهند يعقوب، سلام دواي) هذا وقد اكدت الباحثة على تعاون الاساتذة الادباء اللذين اختارت نتاجاتهم الأدبية موضوعا لاطروحتها دون استثناء ومنهم الدكتور علي العلاق الذي ابدى استعداده التام للمساعدة وقد جاء بنص حديثه: (ستجدين مني كل عون ومساعدة ان شاء الله) بعد ان ابدى اعجابه بعنوان الاطروحة وتمنى للباحثة كل خير وكذلك الاستاذ الاديب والاعلامي وديع شامخ الذي ابدى كل مساعدة للباحثة ايضا عبر تزويدها بكل نتاجاته الادبية ومنها (قل ولا تقل، دفتر الماء، مراتب الوهم، مصور شمسي، ما يقوله التاج للهدهد)

تجدر الاشارة الى ان الباحثة قد استوفت كل الموافقات الرسمية من رئاسة جامعة بابل اضافة الى حصولها على موافقة جامعات عراقية اخرى مثل بغداد والبصرة والمستنصرية على ان موضوع الدراسة والبحث الذي تعمل عليه لم يتم التطرق له مسبقا اضافة الى ان الباحثة سبق وان اجرت دراسة مسبقة عن الشعر فقد كان عنوان رسالتها في دراسة الماجستير (الرؤيا في شعر بلند الحيدري).

 

متابعة: خلود الحسناوي

 

قاسم محمد الساعديلا تهدأ الذكريات التي تهب مثل الريح على دغل القصب، وتنتفض كموج البحر على الصخور، فتتلمس لها طريقا بين متاهات عدة او تتيه في غابات نائية ... ومرات تجنح لمحو تفاصيل هشة .

ومثل الصباح الذي وصل على عربة قطار يسير بالفحم تترك ألآيام نَوَافِذُ غرفها مفتوحة !

و كصوت الرعد يضرب على وجه زجاج صافِ أسمعه أَلاَنَ مع أولى الهوايات، هواية جمع الطوابع المنتشرة على الاغلب بين أبناء الميسورين لكننا نحن المراهقين الفقراء المشاغبين، الذين نعود على اطراف اصابعنا بعد كل مغامرة، ونكتشف ان طريقنا المتعرج هو اقصر الطرق أتبعنا هواية فريدة وهي جمع قصاصات الصور في دفاترنا المدرسية !

لم نبدا بجمع صور القديسين أو رؤساءالدول او رجال الدين !

ففي زمن ازدهار مجلات الكواكب المصرية والشبكة والصياد اللبنانيتين، التي كانت عونا لنا في اقتطاع صور ننام بين اغصانها، بدأنا بصور لشادية، ونادية لطفي، وسعاد حسني، وصباح وصورة لبرلنتي عبد الحميد وهي تجلس على دكة شباك، فنكتم دهشتنا للكتفيين العاريين ! واقتطعنا صورة للبنانية جورجينيا رزق ملكة جمال الكون وهي تلبس البكيني على الشاطي ..

وبما يشبه ازالة سحابة هائلة من الغبار تابعت قصاصاتنا مغامرات نجوم هوليوود وممثلي السينما الفرنسية ألصقنا صور لايف مونتان، والن ديلون، والامريكي الفيس بريسلي، لكن أزلناها بسرعة البرق ... القصاصات للجميلات فقط !

 السرية في الاحتفاظ بدفتر قصاصات الصور تشبه أحتفاظ جنرال بموعد الحرب .. لكن كاثرين هيبورن، بريجيت باردو، إنغريد بيرجمان، ناتالي وود ، وصوفيا لورين، اليزابيت تايلور يستحقن منا تلك السرية التامة

625 منى سعيد

 في يوم ما نشرت مجلة الصياد صورة لفاتنة ساحرة من مطربات فرنسا (ميراي ماثيو) نبهنا صديق الى ان قَصَّة شَعْرَها أصبحت موضة لبنات جيلها انذاك .. وببساطة شباب غض لم يفقه الا العالم القريب منه نتساءل ، ماذا لو كان لها صورة بضَفَائِرُ طويلة او تسريحة مختلفة ، او وضعت شَعرا مستعارا .. لكن ذلك لم يحدث.

وقبل عقد من الزمن كنت قد اجريت مقابلة مع الآديبة والاعلامية منى سعيد الطاهر عن طريق الانترنيت وأثناء عملية البحث في الغوغل عن صور (لمنى سعيد) كانت ذكرى، ميراي ماثيو ودفتر الصور كحلم قابل للأستئناف !

ولتبدا المقارنة بتلك التسريحة الشهيرة التي تكاد تكون ماركة مسجلة بأسميهما ولم تغرهما تقلبات موضة التسريحات،

 ميراي ذات الاطلالة الساحرة والفنانة الاشْهُربعد الراحلة إديث بياف، غنت مؤخرا"امام جمهورها الذي رفض ان يخرج في ختام الحفل وعادت اليه لتغني وهي حافية القدمين.

 أما سليلة حضارة بابل (منى) فابتسامة غامضة في كل صورة لها تذكرني بمقولة فرويد حين يقول ان دافنشي يستعيد ذكرى أبتسامة والدته الغامضة التي رسمت على وجه الموناليزا، ربما (منى) تستعيد تلك الايام، تقول في تلك المقابلة (وبتصميم مثابر سعيت للعمل في الصحافة بينما لم أزل طالبة في المرحلة الثالثة من كلية الآداب فرع اللغة الألمانية، وكم كانت دهشة أهلي كبيرة حين فاجأتهم بطلبي بالاشتغال في مطبعة صحيفة "طريق الشعب" التي كان مقرها بين بيوت دائرة الأمن العام آنذاك)

 ومنى سعيد الطاهر الطفلة أطلقت ذات مرة العنان لصوتها بأغنية " بتلوموني ليه " لعبد الحليم حافظ بعد احتفال رفعة العلم يوم الخميس !

لكن ميراي لم تغن في حفل رفع العلم.. وابتدأ مشوارها تحديدا في 28 حزيران 1964 عندما فازت بمسابقة غناء نظمتها بلدية أفينيون، وكانت حصيلة مشوارها الفني، 130 مليون البوما و55 مليون اسطوانة بأغنية منفردة وسجلت 1200 اغنية في 11 لغة من بينها الصينية والفنلندية

الان لم يعد هناك دفتر لقصاصات صور نضع فيه صورة (منى) كايقونة عراقية بابلية ونتفرج فيه مثل القطط المحبوسة مادام لم يبق من الجمر المنطفى ء سوى دخان ضئيل ونجلس متفرجين اسفل السلم المؤدي الى النجوم

- منى سعيد الطاهر من مواليد بغداد 1955

- حاصلة على شهادة البكالوريوس من جامعة بغداد عام 1977 لغة المانيه ولها ثلاث كتب مترجمة

- عملت في الصحافة العراقية والعربية

- لها مجموعة قصصية عن ادب الاطفال

 

قاسم محمد مجيد

 

 

نادية المحمداويكانت مساحة بيوتنا في مدينة الثورة صغيرة جدا لكننا عشنا فيها طفولة سعيدة وما زلت أتذكر أيامي الجميلة هناك رغم تقادم الزمن عليها باعتزاز. جيراننا جميلين أيضا لكن شعورا بالتحاسد كان يسود بيننا. كان الحسد هاجس أمي الأول تتحدث عنه كثيرا... أمي يرحمها الله كانت تخاف علي من عيون جارتنا أم صالح وتظن إنني امرض دائما بسبب حسد أم صالح لي ورغم ذلك كانت أمي لا تقول هذا الكلام أمام أم صالح لكنها ترغمني على اقتناء ملابسي وكل أشيائي الأخرى باللون الأزرق اتقاء لنظرة الحسد. كرهت هذا اللون وتسبب لي بعقدة ما زلت أعانيها إلى الآن. ولكن من أين لي أن أتجرأ وأرفض اللون الأزرق الذي كرهته كثيرا. مفهوم أمي كان مفهوما عسكريا (نفذ ثم ناقش) أكملت الدراسة الابتدائية والمتوسطة وجيراننا لم يتغيروا ولم نفترق. كنا نسمعهم عن ماذا يتكلمون ونشم رائحة طعامهم من خلف سياج الأسلاك الشائكة الذي سيّج به أبي حديقتنا. أمهاتنا كل يوم يتفقن على طبخ طعام معين: أمي تطبخ بامية أم صالح تطبخ باذنجان أم نعيمة تطبخ دجاج وأم خيري تطبخ باجة ثم نتبادل الصحون وكل عائلة تنال حصتها من طعام العوائل الأخرى. هكذا مر العمر بريئا نتبادل الأشياء التي في متناول أيدينا بمحبة دون أن يمن أحد على أحد. فرقتنا الظروف منذ عشرات السنين كلّ إلى طريق كانت الخطوة الأولى على هذا الطري سياج الطابوق الذي بناه أبي بيننا وبين جيراننا بدلا من سور الأسلاك الشائكة بعد أن أزال حديقة المنزل.ولم نعد نسمع أصواتهم أو نشم رائحة طعامهم.

شجرة السدر الوارفة التي كانت لصق بيتنا اقتطعتها أيادي البلدية ومرض أبي من أجلها. وشيدت الحكومة بدلا عن السياج والحديقة وشجرة السدر مدرسة لنا ولكننا لم نكن سعداء ذهبت حريتنا ومحبتنا وألفتنا ووجودنا وذهبت صديقتي الوحيدة نعيمة إلى محافظة ميسان وجارتنا الأخرى أم صالح ذهبوا إلى العزيزية وأنا ذهبت إلى بعقوبة.

 

نادية المحمداوي

داود السلمانتعد الثقافة تنشيط  ذاكرة الفكر، على اعتبار انها ديمومة تغذي حقل المعرفة بمياه التطلع بشتى منابعه؛ فالثقافة لولاها لما استطاع الفكر أن يقوّي نشاط ذاكرته الآيلة للنسيان، خصوصاً إذا أبتعد الانسان عن حقل المعرفة الذي يشع بمختلف العلوم والثقافات المتنوعة. والثقافة هي فن توسيع مدارك العقل بغرض تعزيز هذه المدارك، فبدونها سيصبح العقل كالأرض البوار لا تنتج غير سفاسف القضايا الثانوية التي لا ترتقي ومتطلبات العصر الحاضر الذي يضيء بعلوم ومعرفة تجاوزت حدود الماضي بأميال طويلة، وهي تسابق ريح التقدم والتطور الحضاري والمعرفي بكل ابعاده وقضاياه نحو التطلع. ويبقى الفكر متعطش لشتى الثقافات والاطر المعرفية، طالما كون الفكر يحمل في طياته انف يتطلع لشم عبق ريح المعرفة بكل تجلياته، ويروم أن يسدّ مسامات الفراغ المعرفي الذي يشعر بين آونة واخرى بإفراغ محتواه، نتيجة للتطور الذي يحصل في مديات الحياة التي تسير خلف منابع المعرفة بكل نشاطها، كي لا ينتابها الظمأ المعرفي الدائم التوهج والانبثاق في هذا الزمن، وفي كل زمن، طالما أن الزمن يتحرك كما تتحرك الآلة أو العجلة في الطريق المعبّد الخال من المطبات. ولا تُنشط ذاكرة الفكر الا بمضغ خلاصة علوم العصر ومن ثم هضمها لتصل سائغة وهنيئة الى خلايا الذهن كي تمس شغاف الوعي، والذي يعتبر هو المرحلة الاخيرة من الادراك والنضوج، وبه تكتمل أدوات الثقافة الصحيحة في طريق الوصول إلى الحقيقية التي ينشدها كل فكر متطلع ويريد أن يمسها من شغافها وعن كثب، وما بعد الحقيقة الا الضلال والتيه في محطات الظلام وطمس الواقع الراهن بكل مغزاه.

ولا يحصل كل هذا الا بطموح وارادة كما يؤكد آرثر شوبنهاور في كتابه (العالم إرادة وتمثلا) وبهذا الكتاب يفسر شوبنهاور العالم بأنه قائم على إرادة ولا تتحقق هذه الارادة الا بإرادة الانسان نفسه، وأن الارادة هي متعددة الوجوه وليست إرادة واحدة تصب في اطار أو مغزى واحد ذي اتجاه محدود قد لا يعي غيرها من الارادات الاخرى، بمعنى آخر أنّ كل انسان (يريد) والذي يريد يشقى والذي لا يريد لا يشقى، فالحياة تريد والوجود يريد والموت يريد، وغريزة الجنس تريد وكل شيء بالوجود وفي العالم يريد، وبالتالي فكل شيء هو عبارة عن إرادة.

وإذن، إنّ ذاكرة الفكر تتنشط طالما تجد من ينشطها ويسعى دوماً الى تنشيطها عبر وسائل وبيانات متعددة ومتنوعة في آن معاً، ولا يحدث ذلك الا برشف معين القراءة العذب، المشبع بصنوف العلوم والمعارف المختلفة الاتجاهات لا اتجاه المحدد ذا الايديولوجية الواحدة، مأخذاً بعين الاعتبار: إن الثقافة المؤدلجة ضيقة الخناق ذات المساحة غير المستوفية لشروط المعرفة المتنوعة، فهذه تضر اكثر مما تنفع، والسبب كونها تجري في منطقة محددة وثابتة، دورانها كدوران الناعور الذي يسير الليل والنهار معتقداً أنه يقطع مسافات شاسعة بحركته هذه، لا يدري أنه يدور حول نفسه. هذه الثقافة يمجها جميع المجتمعات المتحضر ولا تستسيغها، كونها عسيرة الهضم.

فما أحرانا أنْ نوغل في أرض معرفة تستوعب ثقافات ذات اتجاهات متنوعة، جدية، ننشط بها  ذاكرة فكرنا كي نرى الاشياء، جميع الاشياء كما هي، أي على حقيقتها وعلى صورتها من دون رتوش. إن تنشيط  ذاكرة الفكر هي بأمس الحاجة الى ذلك، لئلا يغزوها النسيان بعقر دارها، خصوصا إذا مالت الى الشيخوخة، لأن كل شيء قابل للشيخوخة، حتى الفكر؛ بل حتى الثقافة نفسها.

 

داود السلمان

 

محمد الشاوي"أحلم بالرسم، وبعد ذلك أرسم حلمي." فينسنت فان غوغ

إن الحديث عن قامة تشكيلية لشخص مثل الرسام الهولندي فان غوغ هو حديث بالضرورة عن مرحلة ذهبية من العطاء الفني وسمت مسار هذا المبدع. لقد استطاع بحق أن ينقل لنا أحلامه على قماشات المسناد؛ هي أحاسيس وأفكار لاشعورية كان يراها في اليقظة وفي النوم تطرق باب تفكيره بين الفينة والأخرى. وعلى هذا الأساس فما السبيل إلى تفسير هذه الأحلام؟ بتعبير آخر لماذا يعتبر الحلم مفهوما جوهريا في جميع منجزات هذا الرسام الهولندي؟

أقف عند لوحات فان غوغ ذات الأسلوب التعبيري الفريد الذي امتاز به هذا الفنان ولا سيما ضربات فرشاته على القماش وطريقة تلوينه وبحثه في الألوان الحية والموغلة في الضوء، تلك التي يسهل دخولها للوجدان لكي يترجمها العقل فتصير أنشودة حالمة تنقلنا من المعنى إلى معنى المعنى، ومن فن الرسم إلى فلسفة الفن، نعم إنها فلسفة نستطيع أن نسلك من خلالها طريق المجاز وخباياه نحو البحث عن حقيقة المكان والفضاء الخارجي في شقيه: الطبيعي والثقافي.

لقد استطاع فان غوغ أن يجعل المتلقي يخضع لسلطة اللوحة ولاشيئ غير الغوص في ثناياها لكي لنحلم معه عن السعادة وعن أسمى مدلولاتها. إنها سعادة التأمل في الوجود الطبيعي للأشياء  بغية أن نرسم معه الكلمات الدالة عن هذا الوجود من المعنى الباطني نحو المعنى التأويلي لجزء من ذاتيته وتجربته الشخصية داخل حقول تملؤها السعادة والرومانسية بحمولاتها القدسية على نفسية كل عاشق للطبيعة أو مولع بجمالها لكي يستفسر ويتساءل عن تلك الأمكنة ودلالات ألوانها..أليست جزءا من حلم جميل مافتئ نحلمه ولم نفكر في رسمه؟ حلم السعادة الذي نُمني أنفسنا به، سعادة بالإرادة والفعل ولا شيئ غير أن نحلم وأن نتخيل حقولا مخضرة، أماكن وفضاءات رحبة، غرفة منزل، ناصية المقهى، الشمس والأرض، السماء،الأشجار، رسومات وبورتريهات ذات دلالات خاصة...                 إنها تتسع لتشمل كل الأحاسيس الجميلة، تلك الذي تُحيي فينا ملكة الذوق الجمالي وتعمل في الآن نفسه على تهذيبها.

 

بقلم: محمد الشاوي (*)

...........................

(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

عبد الحسين شعبانينطوي مفهوم الثقافة على بعدين أساسيين، أحدهما كوني عام، والآخر وطني، أو محلي خاص، ويتجسّد البعد العالمي بالمشترك الإنساني الجامع للبشر، أما البعد الوطني أو الفرعي فهو الذي يأخذ السمات الخاصة والمعتقدات وطرائق الحياة التي تمكّن مجموعة بشرية من الشعور المشترك بتميّزها عن الآخرين، بفعل الروابط الخاصة التي تجمعها، لأن الثقافة في نهاية المطاف تمثّل مجموعة السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل طرائق العيش من مأكل، وملبس، وعادات، وتقاليد، إضافة إلى الحقوق الأساسية للإنسان والنظم القيمية التي يعتمدها، علاوة على الفنون والآداب.

وذهب إعلان مكسيكو في 6 أغسطس/‏ آب 1982 بشأن السياسات الثقافية والتنوّع الثقافي، إلى تأكيد ذلك من خلال هويّات تُميّز الجماعات والمجتمعات الإنسانية، وهو ما يقرّه القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما ورد في العهدين الدوليين الأول- الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني - الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادرين في العام 1966 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللذين دخلا حيّز النفاذ في العام 1976، إضافة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة في العام 1979.

والثقافة ركن لا غنى عنه في عملية التنمية بجميع جوانبها، ولا يمكن الوصول إلى الهدف المنشود من التنمية من دون إعطاء الثقافة المكان الذي تستحقّه، فقد كانت في السابق والحاضر وستكون أكثر تأثيراً في المستقبل، عنصراً أساسياً لتقارب الشعوب، فالمجتمعات من دون ثقافة هي بلا ذاكرة، كما أن الثقافة عنصر جوهري للاستقرار الاجتماعي، مثلما هي محرّك أساسي للنشاط الاقتصادي، ولنتذّكر طريق الحرير في الماضي والحاضر، وما يمكن أن يبعثه اليوم من فرص جديدة للتقارب والتعاون على المستوى الكوني. وقد لعبت المسيحية، وبعدها الإسلام، دوراً مهماً وحيوياً في التقارب بين ثقافات الشعوب على المستوى العالمي.

وفي حوار مغاربي جمعني مع نخبة من المثقفين على هامش مهرجان الناظور السينمائي لمناقشة دور الثقافة في المشترك الإنساني، بما لها من تنوّع وتعدّد وتشعّب، ابتدأنا فيه من دور السينما، فهي ليست للمتعة من خلال الصورة والصوت والحركة، بل إنها أفكار ومشكلات تعبّر عن مضمون ومعنى اجتماعي أيضاً، وهذا الأخير يمكن أن يكون عنصراً للخير، أو عنصراً للشر، بحسب الجهات التي توظّفه. والشيء ذاته ينطبق على الموسيقى، فهي رسالة سلام وصداقة بين الشعوب يمكن تعميمها بالتذوق والتواصل والتفاعل، أما عن المسرح، فكثيراً ما ردّدنا القول الأثير « أعطني خبزاً ومسرحاً أعطك شعباً مثقفاً»، وفي الشعر كان أكتافيو باث، الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة نوبل يقول: «إذا خلا رأس السياسي من الشعر تحوّل إلى طاغية»، وهكذا، فالبشر من دون فن سيتعرضون للصدأ سريعاً، وللعطب على نحو شديد بفقدان التخيّل وانحسار الرؤى والأحلام.

الثقافة من هذه الزاوية هي رافعة أساسية للقيم الإنسانية التي بإمكانها إذا ما تم نشرها وتعميقها رفع درجة الوعي، ولاسيّما بالمشترك الإنساني لما يمكن أن تقوم به من دور للتواصل بين الشعوب والبلدان على الرغم من شسوع المسافات، وبهذا المعنى فهي أداة صداقة وتعاون، وإحدى وسائل إنعاش الذاكرة المشتركة، خصوصاً إذا ما كُرّست للخير والعمران والجمال والسلام، بدلاً من نكء الجراح، والهدم، والحرب، والكراهية، والانتقام.

ولكي تكون الثقافة عادلة، فلا بدّ أن تكون شاملة ومن دون تمييز، خصوصاً في الموقف من المرأة، فلا حريّة حقيقية من دون تحرّر المرأة، وإلغاء جميع أشكال التمييز ضدها، ولا يمكن تحرير المجتمع من دون تحرير المرأة، وإلّا فإن نصفه سيبقى معطلاً وغير فاعل.

وقد حاول إعلان مكناس حول «حوار الثقافات وأسئلة الهويّة» الاستناد إلى هذا المفهوم والبنيان عليه في إطار مشروع للتواصل الثقافي من خلال التعبير عن رؤية جديدة تنطلق من الحوار والإقرار بالحق في الاختلاف.

ولا يمكن تحقيق ذلك من دون دور حقيقي للثقافة بشكل عام، وللفن بشكل خاص، سواء في السينما، أو المسرح، أو الموسيقى، أو الغناء، أو الرقص، أو الرسم، أو النحت، أو الكتابة، وستكون الحياة من دون ثقافة مملّة، بل غير ممكنة في العالم المعاصر، والإنسان يختلف عن الحيوان بثقافته، ولغته، وقدرته على التحكّم في عواطفه.

ومن تجارب الشعوب، فإن الاطلاع على ثقافة الغير هو الوسيلة الأولى للتواصل التي يمكن أن تغتني بالاختلاط والتبادل والتفاعل، أما العزلة والتصورات المسبقة عن الآخر، فإنها تقود إلى الاستعلاء من جهة، ومن الجهة الأخرى إلى ضيق الأفق، فضلاً عن ردود الفعل العدائية حدّ التناحر.

 

عبد الحسين شعبان

 

علجية عيشأنت أيها الزمن.. لقد كرهتني الحياة ذكرى مظالمك، وحببت إليّ الموت قساوة منجلك،  أتركني ووحدتي أرشق الدمع شرابا وأتنشق الحزن نسيما.. أتذوق الألم طعما.. دعني يا زمن وحدي أسامر وحدتي، وأناجي نفسي..، نفس ظامئة رأت كل ما يُرَى سرابا، دعني أنتحب في مآتم أنت عاقدها .. كنتُ كالعصفور أغرد وكالفراش أتنقل، أين الحبُّ؟ أين الطبيعة؟ أين السعادة وأين الحياة؟.. لقد اختفت وراء غيوم سوداء ورحلت مع العاصفة الهوجاء، لم يبق لي غير الذكريات أسترجعها فتستهزئ بي، بقي لي شيئ واحد لا يفارقني، إنه الحزن..

أيها الحزن الساكن في الظلمة.. الجالس في ظل الموت،  الراكض وراء التعاسة، ها أنا أخاطبك.. لقد مات فيَّ كل شيئ إلا جسدي، فمتى تأكل جسدي وترمي به في الهاوية؟، ايها الحزن.. بالله عليك أدع الموت ليستضيفني عنده، أنتظره بعدما نكرت ذاتي وملاذ حياتي وغادرت مجد عمري، فلم يبق لي سواك، فادعه ليقضي عليّ..،أيها الموت ها أنا أخاطبك، ألا تسمعني؟ تعالى وانقذني، فالأرض لا تخنق أشواكها..، أزهارها لا تصلح للسكن، هلُمَّ وخلصني من أيام تخلع الحب عن عرشه..، إنني انتظرك ايها الموت وعلى وجهي المُصْفَرِّ ابتسامةٌ حزينة، تعالى يا موت فقد اشتاقتك نفسي..، اقترب.. فلن أخشاك ولن أنفرك فإنك صديق الوحدة، اقترب لتحررني من قيود المادة،  فقد تعبت من جَرِّهَا.. أنقذني ، ضمني إلى صدرك..

 لست أدري كلما أحدق في المرآة لا أرى غير الكىبة .. استنطقها  أجدها خرساء لا تتكلم، ولو تكلمت الكآبة لوجدتها اكثر غبطة، أحببت الموت مرات ومرات، فدعوته باسماء كثيرة ، تشبثت به سرا وعلانية لأنني كزهرة نابتة في حضن الجبل من فوق لا هي تفرح بطعم الحياة ولا لحياة تسعد بوجودها..، أنتم الذين تقرأون همسي، وربما تسمعون دقات قلبي لا تحكموا عليّ قبل ان تسمعوا قصتي،  أحكموا على فتاة سرق الدهر منها ابتسامتها وهي لم تبلغ سن الطفولة بعد،  احكموا لى طفلة ما إن فتحت عيناها للحياة، وجدت نفسها تتخبط كما يتخبط الطير الجريح،  ابكوا من أجلي لأن البكاء كالصلاة ودموع الشفقة كالإحساس لا تذهب سدى..

 

علجية عيش

 

حسين حسن العنزيعثر على بقايا هذه المدينة على الساحل السوري في رأس شمرا، بالقرب من اللاذقية، كانت مدينة اوغاريت ذات موقع مناسب من حيث تقاطع الطرق التجارية، والمؤثرات الحضارية للعالم القديم، فالتجار والكهنة وغيرهم من الاشوريين والبابليين والمصريين والحثيين قد وجدوا في اوغاريت تجمعاً وحضوراً بارزاً في شوارعها، وبالتالي اصبحت مكاناً للتبادل الثقافي الذي يحصل في البلدان الاخرى.

جرت بداية عمليات التنقيب الفرنسية عام 1929 برئاسة ك.شافير C.Shaffer، حيث عثر على الكثير من الالواح الطينيية تحتوي على حروف مسمارية، كما عثر على الواح طينية اخرى بلغات الشعوب التي اقامت علاقات تجارية ودبلوماسية مع اوغاريت، اذ تشكل اعظم ازدهار اقتصادي وثقافي.

بالاضافة الى الواح اخرى كشف عنها تحتوي على نصوص ادبية وقانونية ودينية، واستطاع الاوغاريتيون تسهيل الحروف المسمارية وتقليلها الى ثلاثين حرف فقط، وبهذا وضعوا اسس اقدم الحروف الهجائية الصوتية في العالم.

في وسط هذا الابداع لابد ان تكون هناك مكتبات ومدارس، اذ اكتشف في بداية التنقيبات مكتبة، فمن خلال المنحوتات الجدارية على هيكلها اتضح انه كان مكتب رئيس الكهنة في اوغاريت، ونظراً للمنصب الرفيع الذي يتمتع به رئيس الكهنة كانت تحفظ الكتب الدينية والثقافية في مكتبه.

اضافة الى ذلك تم اكتشاف مكتبات اخرى بأستمرار الحفريات في اوغاريت اذ تم الاكتشاف على مكتبة في بيت احد الموظفين الملكيين، تحتوي على رسائل تجارية تسلمها من احد البلدان، وكان الموظف يحتفظ في مكتبته بمعاجم متعددة ومن هذه معجم أربع لغات سومري – اكدي – حوري – اوغاريتي، فربما ان هذا المعجم كان للاتصال التجاري والثقافي وغيرها مع بلدان مختلفة.

وفي سنة 1959 كشف الغبار عن مكتبة اخرى في المدينة حيث كانت موزعة الى قسمين، وجد فيها معاجم ونصوص فلكية وادبية ودينية، كما عثر فيها على مقطع للحكاية السومرية الشهير عن كلكامش.

وفي سنة 1962 عثر على مكتبة خاصة اخرى تحتوي على كتابات قانونية ومعرفية، حيث كان صاحبها حريصاً على ان تكون في مكتبته المعاجم والاعمال الادبية الاوغاريتية والسومرية وغيرها، اذ احتوت على الكثير من الالواح الطينية التي تتضمن تعابير الحكمة التي تكشف عن الاهتمامات الفكرية للمجتمع الاوغاريتي.

 

د. حسين حسن العنزي

 

شاكر فريد حسنكانت مؤسسة "أنصار الضاد" في أم الفحم بادارة الباحث محمد عدنان جبارين، أصدرت للكاتبة والشاعرة والباحثة النصراوية المعروفة ايمان مصاروة دراسة هامة عن " أدب السجون في فلسطين " - الشعر والنثر، بجزئين . وهي دراسة أدبية شاملة تلقي الضوء على أدب السجون

بمنهجية أدبية وتاريخية هي الأشمل بموضوعها وموضوعيتها، عبر دراسة للخصائص المميزة لهذا الأدب، والعوامل التي ساهمت في خصوصيته الفنية.

واعترف أنني فوجئت بالبحث غير المسبوق، بالعرض والاستنتاجات والاعتماد على الحقائق الموضوعية والمراجع العديدة، ما يجعله مرجعًا عامًا لا غنى عنه في دراسة الأدب الاعتقالي.

وكما كتبت ايمان مصاروة في الاستهلال أن أدب السجون هو ذلك الأدب الانساني الذي ولد في رحم المعاناة والقهر في غياهب السجون وخلف البوابات السوداء، وفي الأدب الفلسطيني الذي ترعرع ونما تحت الاحتلال الاسرائيلي، وهناك عدد كبير من الكتابات الشعرية والنثرية والصور القلمية، التي تروي تجربة الأسر والاعتقال السياسي.

وتتناول مصاروة في كتابيها مفهوم أدب السجون، وتتوقف عند تاريخ هذا الأدب منذ العصر الجاهلي، وتذكر أهم الشعراء والأدباءالذين وقعوا في الأسر في العصر الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي.

وتتحدث بعد ذلك عن تجربة الاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له السجين، وعن مراحل تشكل أدب المعتقلات في فلسطين، وعن معاناة الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات وزنازين الاحتلال،، وعن تطور الابداع لدى المعتقلين وتعدد أنواعه، وتتطرق لأهم كتب واصدارات الأسرى الفلسطينيين.

وغني عن القول أن دراسة ايمان مصاروة عن أدب الاعتقال في فلسطين- في الشعر والنثر - هي دراسة بحثية ومنجز هام يتميز بالجدية والشمولية، وجديرة بالقراءة والاهتمام.

وبدوري أحيي الصديقة الشاعرة والباحثة المميزة ايمان مصاروة، واثمن عاليًا جهودها في مجالي الشعر والبحث، أقول لها الف عافية على ابحاثها وسعيها الدؤوب في تقديم ما هو هادف وجاد ومميز للمشهد الثقافي، وللحياة الأدبية والمكتبة الفلسطينية والعربية. ودمت يا ايمان مبدعة متألقة تحظى بالتقدير والاحترام لدى الاوساط الثقافية والأدبية في الوطن والخارج.

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافععندما كنّا طلبة في روسيا الستينات من القرن الماضي، كان  الطلبة الروس حولنا في جامعة موسكو  يقولون لنا (ونحن نتناول سوية طعامنا في مطاعم الطلبة البسيطة، ومنها البطاطا والمعكرونه بالاساس)، ان الكاتب الشهير غوغول هو الذي جلب لنا، نحن الروس، (المعكرونه) من ايطاليا ، وكنّا نضحك ونقول لهم – لو انه جلب  ايضا من ايطاليا انواعا اخرى من الطعام عدا المعكرونه لكان ذلك أفضل لنا جميعا،  وكانوا يقولون لنا، ان غوغول كان مشغولا ب (ارواحه الميتة) فقط، ولم يفكر بالطلبة  وطعامهم (خصوصا بعد قرنين من الزمان!!)، ولهذا يجب ان نحمد الله لانه جلب لنا المعكرونه في الاقل . تذكرت كل تلك الاحاديث والنكات والاشاعات والتحليلات (العميقة!) الطلابية الشبابية في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو حول الاديب الروسي العظيم وانا اكتب مقالتي هذه عن غوغول  في ايطاليا، علما ان مصادر المطبخ الروسي تشير، الى ان المعكرونه قد بدأت بالظهور في روسيا قبل غوغول، لكنها لم تنتشر سريعا في المطبخ الروسي التقليدي آنذاك، لكن غوغول كان يحب المعكرونه في ايطاليا وكان يحاول ان يحضّرها لأصدقائه، وقد كتب العديد من أصدقائه حول ذلك، ولهذا السبب انطلقت تلك الاشاعات والاقاويل بين الطلبة الروس عندما كنّا ندرس معهم .

كان غوغول عاشقا كبيرا  لايطاليا، وقد قارنها مرة في احدى رسائله ب (السماء) وكتب يقول، ان الذي كان في السماء لا يرغب ان يحيا في اي بقعة من بقاع الارض، وقال عنها انها (مثل اليوم المشمس) مقارنة مع (اليوم الغائم المكفهر)، وتوجد مقاطع كثيرة جدا في رسائل غوغول عن ايطاليا وحبه لها واندهاشه امام جمالها وطبيعتها، وتحمل تلك الرسائل طبعا روحية غوغول وجمالية اسلوبه في الكتابة ومبالاغاته الطريفة والمتميّزة واسلوبه الغريب، ويقول مثلا، في احدى هذه الرسائل، انه يتمنى ان يتحوّل كليّا الى أنف كبير كي يستنشق الهواء العليل في ايطاليا، ولا مجال هنا للاستشهاد بنصوص كثيرة اخرى من تلك الرسائل الجميلة . وكان غوغول يؤكد دائما، انه (فقط في ايطاليا يستطيع الكتابة عن روسيا!)، وقد كتبوا هذه الجملة الغريبة والعجيبة والطريفة على تمثاله (وهو يجلس  في حالة تأمّل) في روما وباللغتين الروسية والايطالية، هذا التمثال  الذي تم تدشينه العام 2002 لمناسبة الذكرى (150) لوفاته، وفي نفس المتنزه الذي يوجد فيه تمثال بوشكين في روما بايطاليا .

 

 لقد عاش غوغول حوالي خمس سنوات في ايطاليا (من عام 1837الى عام 1842)، وكان يتقن اللغة الايطالية قراءة وكتابة ومحادثة بشكل جيد جدا . وتوجد جملة كتبها أحد الايطاليين حوله تقول – لا أحد من بين الروس تكلم بشكل ساطع عن ايطاليا مثل (السنيور نيقولا)، الذي عاش في بيوت روما القديمة . وهناك الان (في بيوت روما القديمة) توجد لوحة من المرمر معلقة على الطابق الثاني من شارع بروما تشير الى الشقة التي عاش فيها غوغول، وباللغتين الايطالية والروسية، وانه كتب هناك روايته الخالدة (الارواح الميتة)، وتوجد في تلك اللوحة المرمرية  حتى اشارة، الى ان القيصر الروسي صرف له خمسة الآف روبل من خزينة الدولة الروسية اثناء حياته في ايطاليا. ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان هذه اللوحة المرمرية قد وضعتها الجالية الروسية في روما، وبمبادرة شخصية بحتة، ولا علاقة لها بالدولة الروسية آنذاك ابدا، و قد تم افتتاحها في ربيع عام 1902، ولا زالت طبعا موجودة لحد الان في ذلك الشارع العتيق بروما، وتعدّ في الوقت الحاضر احدى الشواهد، المرتبطة بغوغول في ايطاليا، والتي يزورها السوّاح الروس والاجانب و عشاق غوغول طبعا من كل الاجناس   .

من الضروري جدا ان نتوقف قليلا (ونحن نتكلم عن غوغول في ايطاليا) عند جمعية ثقافية تأسست في ايطاليا عام 2009 لمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوغول، والجمعية هذه اسمها – جمعية (جائزة غوغول في ايطاليا) الثقافية، وهي جمعية خيرية تسعى للنهوض الثقافي والروحي للتراث الفكري في ايطاليا، وقد  ساهمت في تأسيس هذه الجمعية الثقافية  كل من روسيا واوكراينا وايطاليا وفرنسا والمانيا، وتمنح هذه الجمعية سنويا (جائزة غوغول في ايطاليا) لكل من يساهم في تطوير الحوار الثقافي الروسي – الايطالي من الادباء والمترجمين والباحثين وفناني المسرح والسينما والفن التشكيلي وغيرها من الفنون المختلفة الاخرى، وقد حصل على  (جائزة غوغول في ايطاليا) الكثيرون من فناني ايطاليا وروسيا منذ تأسيسها ولحد الان، ويجري توزيعها  بشكل مهيب جدا في أحد أكبر مسارح روما، وبحضور جمهور كبير جدا وتغطية اعلامية واسعة في ايطاليا وروسيا.

موضوعة (غوغول وايطاليا) كبيرة جدا ومتشعبة جدا، وقد تم كتابة عدة كتب روسية حولها، ومنها كتاب صدر حتى في اواسط القرن التاسع عشر في روسيا، وتتناول تلك المصادر رسائل غوغول وعلاقاته الواسعة مع الجالية الروسية هناك (ومنهم الرسام الروسي الكبير ايفانوف)، الذي رسم لوحة (ظهور المسيح للشعب) في ايطاليا، وهي لوحة كبيرة  جدا لازالت معلقة في المتحف الروسي لحد الان، وفي تلك اللوحة يوجد غوغول واقفا بين الذين ينتظرون  السيد المسيح .

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد السعديفي تجربة ستالين الطويلة في الحكم السوفيتي، والتي تفردت بقبضته الحديدية ضد معارضي أفكاره وسياسته ونهجه المتسلط بالتطهير لخيرة مثقفي وسياسي الاتحاد السوفيتي وممن يحملون أراء ووجهات نظر مختلفة تجاه سياسة البلد وطرق بناء الشيوعية، أعداد كبيرة شملوا بسياسة التطهير الحزبي والفكري والثقافي . كان بوريس باسترناك الشاعر والكاتب والرسام ضمن لائحة المغضوب عليهم في معارضتهم للسياسة الستالينية وأدواتها في تحقيق بناء المجتمع ، مع ثمة أسماء على مكتب ستالين المتهمين ضد ثورة أكتوبر وسياسة البلد. فعلق على أسم بوريس باسترناك .                  

   (لاتلمسوا ساكن الغيوم هذا) .

ولد بوريس باسترناك ٢٩ يناير عام ١٨٩٠ في موسكو لأب يهودياً فتحول فيما بعد الى الكنيسة الارثوذكسية، وكان والده رساماً وأستاذاً فنياً متميزاً . وأمه روزا كوفمان عازفة بيانو شهيرة .

أعطت تلك البيئة لبوريس باسترناك في نشأته الأولى الاهتمام بمواضيع الثقافة والفن، مما حددت مساراته منذ البدايه . كانت علاقة والده بالكاتب الشهير (ليو تولستوي) وزيارته المتكررة الى بيتهم وخصها في الاحاديث الادبية . تركت أثرها الواضح على أهتمامات (باسترناك) الواسعة . ففتحت له مجالاً للسؤال والقراءة والتخصص . في الحرب العالمية الأولى عمل في مختبر للكيمياء مما منحته مساحة في البناء الدرامي لروايته الوحيدة (دكتور زيفاكو) والتي تعتبر أشهر ما كتبت من عمل ملحمي نثري  في القرن العشرين، والذي منح على أساسها جائزة نوبل للاداب عام ١٩٥٨ والذي رفضها، بعد ان أستهدف من زملائه في أتحاد الكتاب السوفيت السلطوي وشنوا عليه حملة كبيرة طالبوا ستالين بعريضة طويلة بطرده من الاتحاد السوفيتي . فذهب بنفسه الى دائرة البريد وحرر خطاباً مقتضباً بقلم الرصاص الى الاكاديمية السويدية يرفض بها الجائزة . عام ١٩٦٠ مات بمرض سرطان المعدة ومشى خلفه في توديعه الأخير قلة من أصدقائه ومتابعيه . كان حلمه كبير بالبلاشفة وثورتهم وحلم التغير المنشود في بناء الانسان والمجتمع مثله مثل ماياكوفسكي والذي أنتحر في عز عطائه وشبابه تمرداً على يوميات الواقع ويأسه من أفق التجربة .

باسترناك سرعان ما تبدد وشعر بالاحباط واليأس وترك كتابة الشعر للثورة ومنجزاتها وتطلعاتها العالمية . وتفرغ لترجمة الشعر العالمي الى الروسية . فبدأ بترجمة شكسبير (هاملت .. الملك لير) . منذ كتاباته الأولى تأثر بالشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف وبكتابته للشعر في البناء اللغوي . درس في بداية حياته علم الفلسفة، لكن سرعان ما تركها متجهاً الى الادب والشعر، لكنها أثرت به لاحقاً في أنجازاته الادبية من شعر ورواية . كتب روايته الوحيدة (دكتور زيفاكو) والتي تعتبر ملحمة رومانسية وقيمة فنية وأدبية ترصد الحدث بعين مثقف واعي حول الثورة البلشفية وحلمها المنشود في تحقيق حلم الانسان، أنها تجمع بين فن الرواية والسيرة الذاتية، أنها قصة متعددة الطبقات بدءاً بالعام ١٩٠٣، وإثر موت والدة يوري جيفاكو . أما والده وهو صناعي غني، فقد أنتحر جراء التأثير المحبط الذي مارسه محاميه (كوماروفسكي) . تعامل مع شخصيات الرواية من خلال حياة عائلة روسية واكبت يوميات ثورة أكتوبر وتطلعاتهم بأهدافها من خلال حياة المجتمع والحرب والثورة  والحب والعلاقات العائلية . بسبب أنتقادها للثورة البلشفية لم تتجرأ أي دار نشر روسية على طبعها، مما أضطره أخيراً الى تهريب مسودتها الى أيطاليا وطبعها هناك عام ١٩٥٧ في أوج رتابة أيام الحرب الباردة . حظيت بدعم كبير من أدباء العالم والمؤسسات الثقافية، بينما تعرضت في داخل روسيا الى الانتقاد والتشويه من قبل الادباء والشعراء السوفيت، وطالب أتحاد الادباء السوفيت الرئيس ستالين بطرده من البلاد . صدور الرواية وأحداثها باتت محوراً للصراع السوفيتي الامريكي . وقد قيل لاحقاً، وهذا ضمن التكهنات أن المخابرات الامريكية هي التي ضغطت على الاكاديمية السويدية بمنح جائزة نوبل للاداب (ل بوريس باسترناك)، وهي وراء ترجمة الرواية الى أربعين لغة عالمية تدخل ضمن سباق الحرب الباردة وتعرية النظام الشيوعي وتجربته . بعد موته بخمسة أعوام تحولت الرواية الى فيلم سينمائي طويل أخراج المخرج البريطاني العالمي (ديفيد لين) وأدى دور الدكتور زيفاكو الممثل المصري عمر الشريف ومثل دور زوجته (جير الدين تشابلن) أبنة الفنان الكوميدي الشهير تشارلي تشابلن وألف الموسيقى الموسيقار الفرنسي (موريس جار)، وحصل الفيلم على خمسة جوائز أوسكار، ويعد ثامن فيلم عالمي على مستوى شباك التذاكر . كنت أطمح ضمن دراستي الجامعية في الادب الروسي في جامعة بغداد أن أتخصص بحياة ومنجزات الشاعر والروائي والرسام (بوريس باسترناك) بما يحمله من رؤيه نقدية وقراءة متأنية وشجاعة للحدث .

 

محمد السعدي

كانون الثاني ٢٠١٩.

 

ابتسام يوسف الطاهرعرفته مترجما بارعا عن اللغة الانكليزية وفي كتاباته بلاغة النثر.. لكن مانشره من قصائد على صفحته على الفيس بوك، تحت اسم مستعار، يدعو للدهشة والاعجاب من الظهور المفاجيء لتلك الموهبة أو ربما كان يخفيها عنا تواضعا، لهذا اختار اسما مستعارا لاتينيا، ليس بعيدا عنه.

تساءلت لم هذا الاسم (Rhetoric)؟ الكثير مازال يخيفه الفيس بوك ومتاهاته ولهم كل الحق، فيلجأ لأسماء مستعارة، بعضها يسبب ارباكا وغموضا عن هوية الاسم وجنسه! لكن وانا اقرأ القصائد التي حفل بها موقع الشاعر عرفت انه يستحق ذلك الاسم بامتياز فهو تعني بلاغة البيان او بلاغة النثر.. ربما أراد تواضعا أن يلبس قصائده جبة النثر.

هل غادر الشعراء من متردم؟ تسائل ابو نؤاس في احدى قصائده.. بلى لقد غادر الكثير منهم اطلال المعلقات واطلال المديح واطلال الفخر والهجاء. لكن قصائد العاطفة والحب توارت خلف غيوم الحروب والسياسات الظالمة القاتلة لأحلامنا.

الشاعر رَتُريك (Rhetoric) اي بلاغة البيان من القلة التي تفاجئنا بقوة البيان وصدق الشعر وبلاغة الكلمات بلا لجوء لغموض والتباس ولا تلاعب بالالفاظ والبحث في غرائبية الكلمات، كما يفعل البعض ليضفي اهمية وغموضا على مايقول من تصفيط كلمات! فالبلاغة حسب ابن المقفع "كالبحر، شفاف ظاهره بعيد غوره.. وهي التي اذا سمعها الجاهل ظن انه يحسن مثلها" لكنها تبقى عصية رغم سهولتها، وقريبة لصدقها مع عمق وبلاغة معانيها. رَتُريك Rhetoric شيد قصائدا فيها صوراً صادقةً عن معاناة المتعبين في الشارع العراقي  كما في قصيدة (شارع مريدي):

 

كانَ إطراقُهُ

عَكْس ما ينبغي أَنْ يكونَ

لأنَّ المكانَ موضعُ صيدٍ

وليسَ للمُطرقينَ فيهِ نصيبٌ

من الرزقِ.

تُحدِّث عيناهُ

بامالٍ كبارٍ خَبَتْ

وتحكي تجاعيدُ وجهِهِ

حَربَ سنينٍ

معَ المستحيلِ

وما استحالَ عليهِ

هو لقمةُ عَيْشٍ

وَ مأوىً يقي بهما

أسرةً

 

الشعر الحديث اغلبه نثر وبعضه يفتقد للموسيقى والاوزان. فنجده غامضا في كثير من الاحيان، ومتعبا لدى قراءته لاسيما بعض الشعر الحديث او مابعد الحداثة بقليل!. ربما ليس من حقي أن أكتب نقدا أو رأيا فيه، لكنه مثل الموسيقى ومثل السينما نستذوقه حين يكون قريبا منا، يشذب ذائقتنا أو حين يحكي عن واقعنا واحلامنا. فمنهم من تمكن من بناء صرح للشعر بعمر قصير واشاد صروحا للحياة والكبرياء. في زمن صارت كتابة الشعر كشرب الماء، والماء اليوم يباع في قنان جاهزة لايتعب فيها بتصفية ولا نقاء. وباسم الحداثة ومابعدها مرر الكثيرون اشعار ونثرا هو اقرب للهذر أو للرياء.

فالكتابة او الشعر بالذات حسب تعبير المفكر د.طه حسين، هو من يقرؤه ذوو الثقافة العالية والساذجة والمتوسطة، وكل منهم يجد فيه متعة فنية وادبية.

احيانا تتفجر ينابيع الكتابة الصادقة والبليغة في حالة التوتر أو الفرح الغامر وربما الألم أو عاطفة قد تباغتنا قصائدا. القصيدة الوحيدة لابن الريب، قالها بحالة هذيان سببه الحمى اثر جراحه خلال الحرب، بقيت خالدة يتردد صداها الى اليوم.

 

ما الشعر الا كلمات..لكنها كلمات تشبه التعاويذ ..تشبه الاغنيات. كلمات تدخل القلب بلا رخصة. فالايمان كلمة والحياة كلمة والاخلاق كلمة والحب كلمة، فطوبى لتلك الكلمات. واذا فقد الشعر ذلك فسيمسي مجرد حروف تداخلت مع بعضها بغموض يبعدها عن صفة الشعر والنثر.. الشاعر في قصائده بدا كما لو هو ينهل من نبع صاف فجاءت الابيات منسابة كماء يجري متهاديا، لم يحفل حتى بالعنوان فأغلب قصائده بلا عنوان.

 

وَ أنَّ اللغاتِ وإنْ أنعشتْ

وَهْمَ الحياةِ

قدْ خدمتْ وَهْنَ الخُرافاتِ

فدعني أَكُنْ

واحدة ً

مِنْ ذي الخُرافاتِ

 

قصائد الشاعر اعادت الحياة لمشاعر كدنا نودعها وسط هزيع وضجيج قصائد الغموض مرة وقصائد السياسة والدين مرات .. واعادت الاعتبار للحب الذي قيل عنه مجرد حرفين مش اكثر.. فكتب قصائدا اقرب للصوفية اعادت اليقين بأن الكلمات لها روح ونبض كالحياة... في قصيدته (حوار) يضيء تلك المشاعر:

 

أَضاءَ نهارُك

فيهِ الظلامَ

و أضحى ضحوكاً

بعدَ سوءِ اكتئابٍ

******

هزمني حُباً مَنْ أَحببتُ

فأنا مهزومٌ سعيدٌ

اليس غريباً

أنْ تُسعدَكَ هزيمةٌ.

مِنْ أروعِ ما في الدنيا

أنْ يتفوَّقَ عليكَ

حبيبُكَ

أُفقاً.

أَنْ يحتويكَ

بحُبِّ مَرنٍ.

***

جميلةٌ بحبِ اللهِ والانسانِ

وروحُكِ

عالَمٌ من جمالٍ .

مِنْ أينَ لكِ هذا المزيجُ

مِنَ البساطةِ والكبرياءِ؟

وهذي البصيرةُ

وعُمقُ تأمُلِكِ

وهذا اليقينُ؟

***

ابتسام يوسف الطاهر