التكرار في نص من (مثلي يحبك)، للشاعر ثامر الخفاجي، قبل   السفر الى النص، لابد لنا من اشارة ولو مقتضبة الى ان الشاعر ثامر الخفاجي، ليس من الطارئين على واحة الشعر فهو صاحب تجربة شعرية ناضجة قد حجزت مقعدها في دارة الشعراء الذين تلبسهم الشعر بوحيه فاستقبلوه بطاقته المكتملة العدة والعدد، لاسيما لغته الشعرية التي تشعر القاريء بانه امام لغة تمتلك اصالة الوجود في وضوحها وسهولة الفاظها وقوة تعبيرها عما يرمي اليه الشاعر من رؤى وافكار، فهو بذلك غني عن بهرج الكلام، فالنص الذي بين ايدينا استوقفتني فيه احدى الظواهر الادبية والمهمة في الشعر العربي على امتداد عصوره، واقصد بها ظاهرة التكرار، التي اخذت من اهتمام النقاد والدارسين المساحة اللائقة بها والتي تستحقها، والذي دعا الى الاهتمام به انه من الاساليب التعبيرية التي يلحأ اليهاالشاعر لتقوية المعاني وتعميق الدلالات، مما يمكن النص من الارتفاع في قيمته الفنية الى المستوى الذي يمنحه صفة الابداع، ولما كان التكرار رؤية شعرية خاصة بقصدية الشاعر فهي مخالفة للرؤى الشعرية الاخرى عند الاخرين، وتتمركز قيمة التكرار في القصيدة في ناحيتين الاولى موسيقية النص وبناء ايقاعه بالصيغة المعبرة عن رؤياه، وجانب معنوي متمثلا في التاكيد، باعتباره عنصر من عناصر البلاغة، يؤتى به من اجل الايحاء بسيطرة العنصر المكرر والحاحه على فكر الشاعر اوشعوره او لاشعوره، وقد اهتم النقاد والدارسون بالتكراراهتما ما بالغا، وقد فتحت الشاعرة العراقية نازك الملائكة باب التكرار من خلال اهتمامها به وهو ما سطرته في كتابها قضايا الشعر المعاصر الذي اصبح منهجا للنقاد والدارسين،ومن هذا الاهتما م بدراسة التكرار عرفنا ان للتكرار دورا مركزيا في النص الشعري يفوق ما اكتشفه الاقدمون فيه، ففي معالجة الشعر الحديث اوصلهم البحث عن الوظيفة الاسلوبية للتكرار، فتوصلوا الى انه يهدف بصورة عامة على اكتشاف المشاعر الدفينة في نفس الشاعر، والى الابانة عن دلالات داخلية فيما يشبه البث الايحائي، وعند قراءتنا لنص (من يحبك مثلي) نرى الشاعر عمد الى طريقة اراها مبتكرة من صور التكرار وذلك بان عمد الى تكرار العنوان الذي هو ثريا النص تسع مرات، وهو بفعله الابتكاري قداراد ان يستجلي مختلف الاحاسيس التي تستوطن نفسه، ويجعلها امام المتلقي مرأة تعكس شعوره ولا شعوره من خلال تحول النص نتيحة تكرار (من يحبك مثلي) الى تسع لوحات فنية شعرية اتسمت بالانسجام الايقاعي، الذي يحسه ويتمتع به المتلقي وهوينتقل مع النص من رؤية الى اخرى وهو يتابع ذلك الخيط الرؤيوي الذي يربط مقاطعها، في وحدة عضوية تمتع قراءتها، ولما كان للتكرار وظائف بلاغية متعددة، فقد حقق النص تلك الوظائف بقدرة فنية تكشف عن الحس الابتكاري عند الشاعر، ففي اللوحة الاولى يضعنا الشاعر داخل اطار صورة توحي بان الشاعر ملتهب الاحاسيس من خلال اقراره بمعرفة الاخر ومدى خظورة المغامرة معه، وهوباختياره لالفاظه بالدقة والانتقاء يجعلنا مقدما اما نص يعني ما يقول في كل الحالات والمواقف، فهويرسم صورة تهويلية تفجر التردد والخوف في نفس من لايعرف، وهذه الرؤية سنراها تتكر في اللوحات الباقية رغم اختلاف الرؤية ودلالتها اذ ان كل لوحة قد استقلت برؤيتها على امل اكتمال الصورة الكلية التي يسعى اليها الشاعر، وهو في اللوحة الثانية،فهي تكشف عن صورة من الاصرار على الوصول الى الغاية رغم علمه بوحشة الطريق الذي يعمل على تبديدها بما يرسمها من الصور الجميلة في خياله، وهو في اللوحة الثالثة يلجأ الى المواجهة للدلالة على معرفته بالعواقب فينفجر باسلوب التوبيخ الذي تدل علي الفاظه التي صاغها بعناية (انك قدر) (لايرحم) وفي اللوحة الرابعة يوحي الى المتلقي بانه لايزال يطمح ان يحقق مايريد بالاعتراف بانه لايزال مستعبدا لها ولكل ما يمثله، له في اللوحه الخامسة يثور كانه شعر بغرابة الاصرار على متابعة التجاهل فيندفع موبخا ومتوعدا (فحذار) وهنا يبلغ الشاعرذ روة انفعاله وايمانه بصحة سير ه، فيصرح انه يعرف ان الوصول الى الهدف (الجنة) يعني لابد من المرور الى النار، ويواصل التحدي في لوحته السابعة وهو يعرف بان السيف سيف حقيقي لانه لايحمله الاثائر كامل، وفي المقطع التاسع والاخير وبعد ان استكمل كشفه عن تلك المحبوبة التي حاول ان يخدع المتلقي بها واصر على عدم فك طلاسمهاورمزيتها خوفا عليها اوغيرة ممن يدعيها، وهو مؤمن بانه الوحيد يعرفها فتمسك بحبها اما الاخرين فهم عابروا سبيل.

 

احمد زكي الانباري

 

نايف عبوشمن سرير المعاناة من المرض، حيث يرقد في مستشفى أربيل، بعد اجراء عملية في الشرايين، كتب الشاعر الكبير الشيخ الدكتور حسين اليوسف الزويد قصيدته العصماء( يضيق فيك المدى)، والتي نشرها له، موقع صحيفة المثقف بعددها ٤٦٢١ الأربعاء  ١/٥/ ٢٠١٩ والتي استهلها باستفهام استنكاري مثير حقاً، يتساءل فيه:

جَوىً أصابكَ أم في رأســـكِ الهبلُ؟

                                مُذ غادروا هائمٌ مستوحشٌ وَجلُ

وهو استهلال بليغ، ينم عن حدث جلل، خيمت اصداؤه الحزينة على وجدان الشاعر، وهيمنت بتداعياتها المؤلمة على مخيلته، ليأتي الجواب صريحا، ومباشرا :

أمسيتَ وحــدكَ بعد الظاعنين و كم

                               للظاعنيـن جــراحٌ ليــس تندمــلُ

فقد ضاق به المدى على سعة فضائه، ونأت عنه كل السبل على قربها منه، لتبدو الآفاق في ناظريه قاتمة، ومعتمة، بعد أن عجزت حتى الشمس وزحل، عن جلي تلك القتامة الموحشة، التي اثخنتها أوجاع جراح الظاعنين بظلامها الحالك .

قتامةٌ ليس يُرْجى صـــفوُ كُدرتها

                             وعتمةُ ما جلَتْها الشمــسُ أو زُحَلُ

ولاشك ان تداعيات هموم الشاعر المبدع الدكتور حسين اليوسف الزويد قد تراكمت في وجدانه ، وتضاعفت كوابيس هواجسه في مخياله، وهو يواجه وجعا مضاعفا في آن واحد ، هو رحيل الشيخ خالد المحيميد الزويد، الذي بات ظاعنا، وشبح رهبة إجراء عملية الشرايين لنفسه:

أمسيتَ وحــدكَ بعد الظاعنين وكم

                               للظاعنيـن جــراحٌ ليــس تندمــلُ

ولذلك فقد بلغ الحزن ذروته في وجدانه المرهف،والمرهق بالأوجاع، بعد أن ضاقت به الدنيا:

ضاقت عليكَ و ما في الأمرِ من سِعَةٍ

                           وخابَ حبل الرجا و الوصلُ والحيلُ

ليفوض أمره إلى الله تعالى، وقد ايقن حق اليقين، أن قدر الله نافذ في خلقه لا محالة ، ولا راد له:

ففوض الحـــالَ للـــرحمن محتســباً

                         عليـــه فـــوزُ الـــذي قدْ كـــانَ يتَّكــلُ

ويقينا فأن القريض، عندما يأتي تعبيراً عن حزن عميق، ينبلج من رحم معاناة حادة، عاشها الشاعر الكبير الدكتور حسين اليوسف الزويد بكل حسه الشاعري المرهف، برحيل الشيخ خالد المحيميد الزويد ، خميرة الجيل الأول للزويد الأفاضل، وعملية معالجة الشرايين لنفسه، سيكون، بلاشك،قريضا موجعا، ينزف نعيا وجدانيا صادقاً من القلب، برحيل هذا العنوان من عناوين الزويد، وأعمدة القبيلة،لاسيما وأنهم أعلام أفاضل، يتوارثون أمانة التراث جيلاً عن جيل.

 

نايف عبوش

.................

للاطلاع

يضيق فيك المدى / د. حسين يوسف الزويد

 

 

 

 

نبيل عودةشهدت الثقافة العربية في اسرائيل في السنوات الأخيرة ظاهرة غير عادية، أفضل تسمية لها هي "الفوضى في الثقافة النقدية" وتشمل الكثير من المداخلات (او الخطابات) في ندوات مختلفة تكاد تخلو من أي قيمة نقدية.

هناك شح ملموس في الابداع الحقيقي، لكن الناقد يظن ان تكليفه للحديث بندوة يعني الخطابة بلا نقد حقيقي لمضمون النص. فنرى ان الطابع الإخواني والاستعراضي المبسط لثقافتنا النقدية هو السائد خطابة ومقالات.

لاحظت أيضا ان النقد يتحول في الكثير من الحالات لنوع من الطقس الادبي المرافق للإصدار الأدبي، وذلك بغض النظر عن مستوى الاصدار وجودته.. مع ان للنقد بشكل عام مهمات ثقافية أكثر اتساعا من مجرد متابعة الاصدارات. وقرأت في الأشهر الأخيرة اكثر من 10 مقالات نقدية معظمها لدواوين شعر.. لم اجد فيها ما يلفت النظر، الا ما تشاطر به الناقد من اللغو النقدي ولن اضيف أكثر!!

هذه الثقافة النقدية النازلة علينا بفيض عارم، اسهمت في احداث تباعد بين الابداع وبين النقد بمفهومهما الأولي، مما بات يشكل لدى بعض المبتدئين مقياسا للإبداع، أحيانا من "كاتب موسوعي" يكتب حتى مقالا عن الحياة في المريخ إذا لزم الأمر!!

جاءت علينا فترة في زمن ماضي ، سادت ثقافتنا النقدية المرجعيات الحزبية ، بمعنى تمجيد كل ابداع ادبي يبدعه ادباء الحزب، او يجد طريقه للنشر في صحافة الحزب (برضاء سياسي عن المضمون من القيادات السياسية)، وليس سرا ان الحزب الذي اعنيه هو الحزب الشيوعي الاسرائيلي، صاحب المشروع الثقافي الهام في سنوات الخمسين والستين، هذا المشروع اجهض فيما بعد وافرغ من مضمونه ، بعد ان تحول الى مجرد مشروع لرصد نقدي لعدد مختصر (احيانا لعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة) من ادباء الحزب، وتميز بتغييب كامل لأي صوت ادبي غير حزبي، او غير محسوب على المرضي عنهم، البارعين بالتملق،  ثم تحول الى ترويج تجاري واحيانا سياسي فظ .. وما كان له ان ينجو من هذا السجن الفكري المنغلق، مما أثر سلبيا على مجمل ثقافتنا، وخاصة الثقافة النقدية. مراجعة تلك الفترة تكشف ان عددا من ممارسي النقد، وبعضهم على قدر جيد من الثقافة النقدية، بدأوا يمارسون خطب ود الحزب الشيوعي، عبر الكتابة النقدية الحماسية المتماثلة مع رؤيته والمبايعة بلا تردد لإبداع أدباءه المتنفذين، ليساهم الحزب القوي والقادر وقتها، على رفع اسهمهم في العالم العربي، في إطار مشروعه الثقافي الذي أثمر اسماء ادبية احتلت لفترة طويلة طليعة الادب العربي في إسرائيل، وما تزال بعض الأسماء، رغم غيابها، نجوما تتألق في سماء الابداع الثقافي العربي.

مراجعة ما كتب وقتها من نقد، والأصح القول من تمجيد، أثر سلبا على تطور ثقافتنا النقدية، وظل التمجيد هو المضمون مع سبق الترصد والاصرار لمعظم ما يكتب من ثقافة نقدية ... وهناك غياب كامل للفكر النقدي، وللنقد الفكري، وللنقد بمفهومة الاجتماعي والسياسي العام.

الناقد أصبح مسوقا للأسماء وقد يتبين ان ناقد ما يكتب نقده قبل قراءة المادة الأدبية، او عبر التقاط مقاطع متفرقة، خاصة في الشعر الذي يحتل المساحة الأعظم من نقدنا وابداعنا.

لا انفي ان ادباء الحزب الشيوعي شكلوا التيار الادبي المركزي في الثقافة العربية في اسرائيل، ولا أحد ينفي جمالية هذا الأدب، لكن هناك أيضا ابداع رائع لأدباء غير حزبيين، واجهوا التغطية الإعلامية على كتاباتهم، في فترة سيادة الصحافة الحزبية على الاعلام المحلي. لا بد من القول ان عدم الالتزام بالمصداقية النقدية، واستبدالها بمرجعية نقدية اخوانية -حزبية، قادنا الى الضرر الذي يتحول اليوم الى اسهال نقدي يتكاثر ولا أظن ان القارئ العادي او حتى المثقف، يواكب هذا النقد الترويجي الذي يتميز بانه تسويق لكاتب النقد اولا!!

كثيرا ما استهجنت بأحاديث مغلقة مع زملاء احترم رؤيتهم الثقافية والنقدية، هذا الواقع، كانت نصيحتهم "اتركك من وجع الرأس والصدام" كنت أصر ان ما يجري أشبه بمذبحة ثقافية. رد علي باحث وناقد له مكانته "بطيخ يكسر بعضه". هذا التوجه السلبي اقلقني.

هل اخطئ بعدم الحفاظ على صمتي؟ لست معاديا لأي تجربة أدبية، لكني لا أرى ان كل نص يجب ان يحوله الناقد الى ابداع كبير، بدل التعامل مع النص بإيجابياته وسلبياته. او ان التنبيه لهذا الواقع لا يفيد ولنترك الحبل على الجرار؟!

اقلقتني هذه المسألة منذ بداياتها ولم استوعبها على حقيقتها الا بعد فترة طويلة، واعترف ان هذا الموضوع لم ينزل من اهتماماتي الفكرية منذ سنوات، ولم اتحمس لطرحه .. حتى جاء وقته بعد تكاثر الاسفاف النقدي؟  وربما ما كان ليفهمني أحد لو عالجته قبل خمس سنوات مثلا !!

قد يكون التزامي السابق بفكر أيديولوجي مغلق أثر على قدرتي من التحرر المبكر، والتفكير الابداعي حول مضامين ثقافية او سياسية مختلفة، وانا اعترف أنى لا ارى قيمة بأدب ونقد لا يتعامل مع واقع الانسان ومع عالمه الفكري .. ولا أستسيغ حتى اللغة إذا خلت من القدرة الانسيابية والغنى في المضامين الثقافية والفكرية.

أنى اربط سقوط المشروع الثقافي للحزب الشيوعي، الذي بادر اليه جيل الشيوعيين الطلائعيين، منذ اوائل الخمسينات، اي بعد النكبة الفلسطينية مباشرة، كجزء من تفكير سياسي وفهم فكري للضرورة الملحة في تطوير ثقافة المقاومة لسياسة التجهيل والاضطهاد القومي وافشال سياسة العدمية القومية، هذا النهج في وقته انجز نجاحا عاما، محدثا انطلاقة ثقافية اثارت اهتماما واسعا وتأثيرا كبيرا في العالم العربي أيضا. لكن الشيخوخة طالتها أسرع من المتوقع. اربط ذلك ليس فقط بظاهرة الثقافة النقدية المتهاوية، وانما ايضا بالتحولات السلبية التي عصفت بالحركة الشيوعية في العالم عامة وفي بلادنا على وجه الخصوص.

 غاب فرسان المشروع الثقافي، وغاب فكرهم المبدع وقدراتهم على فهم الأهمية الاخلاقية والسياسية والنضالية والثقافية لهذا المشروع. وجاء "فرسان " المشاريع الشخصانية والانتهازية والتسلط الفردي الذي رافقته ظواهر مقلقة من عبادة الفرد، تتواصل حتى اليوم، رغم غياب المعبود. ربما تحول الى تعويذة سياسية؟!

كذلك برز فقر التفكير وسطحية المفاهيم، وساد الارتجال الشخصي وغيبت القيادة الجماعية، واستبدلت بالمصفقين والمهرجين، ومن دلائل "العهد الجديد " اغلاق مجلة "الجديد"(من أبرز محرريها: اميل توما، صليبا خميس، محمود درويش، سالم جبران وسميح القاسم) التي كانت الجامعة الثقافية التنويرية التي تخرج منها أبرز مثقفي شعبنا، ونشرت الثقافة والوعي الفكري والسياسي في مواجهة سياسة التجهيل والتعتيم الثقافي للسلطة الاسرائيلية ونجحت بكسرها ... ثم غيبت من قيادات لم يعد يعنيها من التنظيم الا مكانتها الشخصية.

اقفال "الجديد" كان اقفالا لحقبة تاريخية بالغة الاهمية، واعلان سقوط المشروع الثقافي من اجندة الحزب الشيوعي. وتحولت الثقافة الى امر ثانوي، غيابها لا يلفت النظر لدى القيادات الجديدة، وأصبح الموقف السلبي من الثقافة مميزا لكل الاحزاب والحركات والمؤسسات الرسمية والشعبية...

هذا السقوط جر ظواهر سلبية، حددته اساسا بما نشهده اليوم من خطاب نقدي اخواني، الكثير من ممارسي هذا الخطاب يفتقدون للفكر النقدي وبلا ذائقة ادبية وأحيانا لا يربطهم اي رابط بالحركة الثقافية. المضحك ان معظم الكتابات النقدية تبدأ ب: " اهدانا الأديب / او الشاعر / او الصديق فلان روايته / او ديوانه لنقول رأينا فيه ... الخ " وفورا نقرأ ان صاحبنا الذي أهدي الناقد كتابه "تتجلى مواهبه " في جميع ما يكتب وان "شعره او قصصه جواهر وذهب صافي" وان القراء "مسحورين" بإبداعه رغم ان احدا لم يقرأه بعد ومن غير المتوقع ان يلفت نظر القراء حتى لو وزعه عليهم بالمجان.

مجرد تسجيل ما ذكرت يبين اننا لسنا امام مراجعة نقدية، انما غزل اخواني وتهريج ثقافي، وتفسير غيبيات بغيبيات اسوأ، ويصبح الناقد مفسرا لما كتبه صاحب العمل الذي احيانا لا يفهم هو نفسه ما كتب !!

أنظر حولي فلا أجد ادبا يستحق جهد النقد الا القليل، وهذا القليل يرفض نقدكم كما قال لي زميل شاعر مبدع من رؤيته ان نقدكم مهزلة وانه أكثر الكتابات خلوا من الفكر والمنطق ومن اللغة الأدبية ومن جمالية الصياغة ومن الذائقة الأدبية.

 

نبيل عودة

.......................

(هذا المقال صغته بناء على ملاحظات سجلتها في ندوات أدبية شاركت فيها، ومقالات نقدية قرأتها بصحافتنا منذ عام 2005، وما اعادني لتسجيلاتي يقيني ان لا شيء جديد تحت الشمس، ربما للأسوأ)

 

احمد الكنانيهي مقاربات شعرية نسج خيوطها ثلاثة من عظماء شعراء الصوفية الفرس لتكتمل لوحة نادرة رسمت بألوان الحب الزاهية، كلُ نظرالى الحب من زاويته، احدهم يشعر بحرقة الحب ويكتوي بناره مذ ان يلامسه، والآخر يتذوق طعمه ويستحسنه ثم سرعان في يسقط في فخه، وثالث شرب الحب كأسا بعد كأس فما نفذ الشرب وما ارتوي .

الحب عند الرومي:

آتش ست این بانگ نای و نیست باد

              هر که این آتش ندارد نیست باد

*

ان صوت الناي نار لا هواء

                   كل من لم يصلها فهو هباء

الحب عند مولانا جلال الدين نار حارقة، جمرٌ يتلضى ويتوقد، يبتدء كامناً تحت الرماد ثم يتوهج .

النفخ على الجمرهوالحب عند مولانا الرومي . العزف على الناي والنفخ فيه هي الصورة التي يرسمها المولوي للعشق وهي سر الوجود .

تنتهي الخليقة بنفخة ناي وتبتدء الحياة الأخرى بنفخة ناي ثانية " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ … ثم نفخ فيه أُخرى فإذا هم قيام ينظرون " .

العزف على الناي مقطوعة موسيقية تختزل الكون برمته،  يموت فيها الوجود ويحيى من جديد.

وكما ان النفخ على الجمر تارة يطفؤُه ُوأخرى يؤججه كذلك الوجود

آتش عشق ست کاندر نی فتاد

           جوشش عشق ست کاندر می فتاد

*

هي نار العشق في الناي تثور

             وهي نار العشق في الخمر تفور

اذن العالم يبتدء بالعشق ويبتني على العشق، وجاذبية الحب هي الرابط بين الوجود والموجودات، بين الله والخلق، وبين المخلوقات فيما بينهما، هو حب الهي ونوره الذي يقذفه الله  في القلوب …

وعلى هذا الأساس بنى اليونانيين فلسفتهم، وعليه بنى اخوان الصفا رسائلهم .

فالحب عند مولانا نار كامنة تتوهج، والعاشق مدرك خطورة الحب ومأسي الولوج فيه

آتشست این بانگ نای و نیست باد

               هر که این آتش ندارد نیست باد

 آتش عشقست کاندر نی فتاد

              جوشش عشقست کاندر می فتاد

نی حدیث راه پر خون می‌کند 

              قصه‌های عشق مجنون می‌کند

*

ان صوت الناي نار لا هواء

                كل من لم يصلها فهو هباء

هي نار العشق في الناي تثور

        وهي نار العشق في الخمر تفور

آنست هجماتنا أصواته

                   مزّقت استأجرنا نغماته

من رأى كالناي سمّاً ودواء

             من رأى كالناي غمّاً وعزاء

حدّث الناي بأهوال الطريق.

             وعن المجنون صبّا لا يفيق

أهل هذا الحس من لا حسّ له.

             أرهف السمع لهذه المعضلة

الحب عند حافظ :

 يشعر العاشق بلذة الحب غير مدرك لخطورة الدخول فيه، كالسباحة على الضفاف تبتدي بمتعة فائقة  لكن سرعان ما تنقلب الى صراع مع الامواج كلما آثر الولوج فيه، هكذا صورة الحب عند حافظ .

الحب عند حافظ الشيرازي سهل ممتع، وحافظ غير مدرك للمشاكل التي ترافق السير في طريق الحب

الا يا ايها الساقى ادر کاسا و ناولها

که عشق آسان نمود اول ولى افتاد مشکله

به بوى نافه اى كاخر صبا زان طره بگشايد

زتاب جعد مشكينش كه خون افتاد در دلها

*

أَلا يَا أَيهَا السَاقِي أَدِر كَأسًا ونَاوِلها

فَمَن تُوقعهُ نَفسٌ في شِرَاكِ العِشقِ يَعذِلْهَا

 

يفُوحُ الطِيبُ من جَعْدٍ بهِ رِيح ُ الصَّبا هَبَّت

وذَابَ المِسكُ في مَوجٍ مَضَى بالمهجَةِ الوَلْهَى

 

وَهَيهَاتَ الهَنا في مَنزِلِ الأحبَابِ والدَاعِي

بِجَرْسٍ صَمَّ أسمَاعِي «خُذ الأمتَاعَ واحمِلْهَا»

 

فَلَبِّ الشيخَ قُم لَوِّنْ سَجاجِيدَ التُّقَى بِالرَّاح

مَن يَرفَع عَصا التِّرحالِ مهمَا طَالَ يُنزِلْهَا

 

أمَن تَرمِي بِهِ الأموَاجُ في لَيلِ بلا قَمَرٍ

كمَن يُمسِي على الشُّطآنِ قَد ألهَاهُ ما أَلْهَى

الحب عند سعدي :

بين مولانا جلال الدين وحافظ الشيرازي هناك سعدي خطاً وسطاً سعيداً بالحب صابراً على حوادثه ونائباته، يجهر بحبه لا يعبأ بما قيل ويقال:

أصبحت مفتونا بأعين أهيفا

                 لا أستطيع الصبر عنه تعففا

والستر في دين المحبة بدعة

            أهوى وإن غضب الرقيب وعفا

وطريق مسلوب الفؤاد تحمل

             من قال اوه من الجفاء فقد جفا

دع ترمني بسهام لحظ فاتك

              من رام قوس الحاجبين تهدفا

صياد قلب فوق حبة خاله

             شرك يصيد الزاهد المتقشفا

 

معراج احمد الندويالحب والسلام والتسامح هي ألفاظ جميلة تأنس بها الأذان ونستعملها يوميا في حياتنا وننصح غيرنا بالالتزام بها. فالواقع الذي نعيشه حاليا لا يمت بأي صلة لهذه المبادئ والقيم السامية، ولكن مع الرغم هذا، لا يمكن لنا أن نغمض أبصارنا عن الدور الذي يحتله كل من الحب والسلام في حياتنا اليوميّة.

وفي الزمن الذي تبلدت فيه الأحاسيس وتخشبت فيه المشاعر وتوحش فيه الإنسان، وجفت ينابيع المودّة والحب وتقطعت فيه سبل التراحم والتآخي بين الناس. وفي العصر الحاضر، قد تكون بحاجة ماسة إلى حديث الروح والأخلاق وحديث العقل والحكمة وحديث العاطفة الصادقة واللمسة النبيلة.

إن عاطفة الحبّ التي أودعها الله فينا هي من أجمل العواطف الإنسانية وأنبلها وأعمقها أثراً، فهي منطلق كل خير، وهي بكل تجلّياتها وامتداداتها الطاقة المُلهمة للإنسان والمُحرّكة له، ولا نبالغ في القول إنّ عاطفة الحبّ هي التي تعطي الإنسان معنى إنسانيّته، لأن الإنسان من دون حب هو صخرة صمّاء، ولا يمكن أن نرى في هذه العاطفة من حيث المبدأ شيئاً سلبياً.

يساعد الحب الإنسان في اكتشاف ذاته من خلال التفكير في شخصيته وما يحب وما يكره كما يُساعد على تنمية الذات ورسم أبعادٍ أولية للمستقبل. يلعب الحب دورا بارزا في زيادة التماسك والترابط في المجتمعات المختلفة من خلال دفع البشر للتعامل مع بعضهم البعض بمودة ورحمة وتعاطف وبذلك ينتشر السلام والخير فيها.

الحب هو شعور باطني بأن يوجد سلام داخلي. وهذا الحب هو الذي يشعر الإنسان بأنه قادر على أن يقدم لآخرين مشاعر الحب لأن الحب لا يمكن أن يكوم من طرف واحد، وإنما يجب أن يكون من الطرفين الحب المتبادل. الحب يتغير نظرة الإنسان في كل شيء من الحياة  والإنسان والمجتمع والكون. وهذا هو الحب الذي يجعل الإنسان أن يشعر كأن الحياة أصبحت مزهرة بالألوان، فالإنسان  يبحث عن الحب طوال حياته منذ الطفولة إلى الشيخوخة حتى وإن لم يظهر هذه المشاعر النبيلة أمام الآخرين.

الحب هو الذي يجعلنا أن نشعر بالسلام الداخلي الذي لا يمكن لأي شخص على وجه الأرض أن يبث فينا هذا الإحساس العميق لأن الحب مشاعر ربانية يدخلنا المحبة والسلام للآخرين. فالسلام هو تتدرج في حياة الإنسان كأنه يصعد لمجموعة من الأدوار العاالية والتي يجب بها ذروتها، ويصل إلى أعلى درجته حتى يأمل بأن يعيش حية مريحة وهادية في أمن وسلام.

يستطيع الحب من قدرته الهائلة أن يتغير سلوك الإنسان الذي كان يتبع طوال حياته، يؤمن الحب بأن الإنسان خير بطبعه، طيب بفطرته,لكن الحياة الاجتماعية هي التي تفسده،  فالإنسان قد يولد في بيئة تجعله قاسيا ولكن بداخله هو يكون لين مرينا. ولقد مكرت عليه سنوات عديدة ولا يقدر على التغيير وإتباع سلوك جيد، ولكن الحب هو الشيئ الوحيد الذي سيجعله أن يقاوم هذه البئية ويتحول سلوكه تجاه الحياة والكائنات والمجتمع.

الحب هو المشاعر الوحيدة القادرة على تحول الإنسان من داخله إلى شخص كان يبحثه عنه لسنوات طويلة. والحب يعطيه قلبا جديدا ينبض بالسلام والأمن تجاه الإنسان والمجتمع. الحب يجعل الإنسان أن يشعر بأن هناك طمانية في قلبه،و يوجد فيه سلام داخلي يعمه مشاعر الحب والإخاء للآخرين لأن الحب والسلام هما مكملان لبعضها البعض، فلا يمكن أن يوجد مشاعر الحب بداخل شخص ولا يوجد بداخه سلام تجاه الآخرين.

الحب ليس مرتبطاً بالإنسان فقط، بل يمكن أن تشعر به باقي الكائنات الحية الموجودة في الكرة الأرضية، وهو شعور قوي جداً وغريب ويصعب وصفه بالكلمات، وهو فطرة من الله سبحانه وتعالى منحنا إياها لإصلاح الأرض. إن الإنسانية والتسامح مفاهيم واسعة تحمل في طياتها الكثير من معاني الحب والاحترام المتبادل وسعة الصدر والعفو والصبر وغيرها من المعاني الراقية التي يجب أن تسود بين الناس جميعاً بغض النظرعن خلفياتهم الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية والعرقية.

يلعب الحب في الإبداع الإنساني والمعرفة كوجه من وجوه فطرة الإنسان، إذ أن الحب جزء محرّك للفعل والحيوية، فلا يعقل أن تنظَّم العلاقات الإنسانية والاجتماعية من دون الحب. الحب هو رحلة الإنسان والحياة، باعتباره الكائن الأقرب إلى مشاعر الأفراد ومطالبهم وآمالهم، والمجسد لأحلام الشعوب، وهو الذي يمد الشعوب بالشجاعة من أجل تغيير العالم والمناداة بالمساواة بين الجنسين واحترام الهويات الثقافية والعرقية. هذا هو الحب الذي ينقل الإنسان إلى عوالم السحر والجمال والسلام الداخلي.

الحب يخلق فكرة السلام ونشر الأمن في ضمير الفرد ثم إلي محيط الأسرة ثم الجماعة وأخيرًا في الميدان الدولي للشعوب والأمم. فالحب هو سفير في عملية السلام وتشجيع المواطنة ونشر ثقافة العدل والتسامح بين كافة شعوب العالم وتوفير الاستقرار والأمن وتعزيز كل قيم المساواة وجهود السلام المبذولة في العالم. 

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا - الهند

 

محسن الاكرمينالموروث الثقافي المغربي ينقل لنا حمولات حكم وأمثال وأقوال لا بد من إعادة النظر في توجيه دفتها بالتعديل والضبط، أمثلة من قبيل “الصمت حكمة ” و” الصمت أبلغ من الكلام “. هي القضية التي سأتناولها بالقول ضمن باحة التفكير  ” الثورة على لغة الصمت ”.

حقيقة حين يقف التفكير عند علامة “الصمت“ الإجبارية، أقرر بألا أدخل في تعريفات الصمت، و لا في دلالاته اللغوية و الاصطلاحية، ولكن وجه المخالفة بدد المخاوف ووضع الصمت كنقيض للكلام.

 هنا استوقفني ظلنا الصامت، وتساءل عن فلسفة الصمت المسكوت عن بيانها؟. لكن حين كنت أود ركوب عنترية الكلام وبسط سيف حده  الفاصل، تيقنت من ملاحظة الظل بالمعقولية وانزويت برهة صامتا. هي ذي حكمة / فلسفة الصمت التي تربينا عليها جميعا بنسب متفاوتة، هو ذا البلوكاج الذي يصيبنا حين تجف الألسن عن الكلام المباح.

ممكن أن أثور على الموروث الثقافي/العرفي الرخو الآتي من دهاليز  تحكم ظلمة الصمت، وأنفض عباءة مقابض الصمت وأطوح بالكلام علوا مسموعا حتى وإن حمل متاعب لاحقة. اليوم لن يحاسبني إمام خطيب الجمعة حتى وإن لغوت القول وكسرت لغة الصمت ثورة، اليوم ممكن أن يكون في كلامي قفز على حواجز الصمت المستديم و المتقطع الذي يحكم ألسننا بالتلجيم جماعات وفرادى..

بين من يمجد قيمة الصمت وفضائل السكوت ويجرهما إلى باحة الحكمة و تصفية النفس و تأهيل العقل لاستيعاب المعارف المجردة. وبين من يلح إلحاح المستميت ويقول ” تحدث لكي أراك”. لكني  الآن أستسلم للتعريف وأقول، حد الصمت انسحاب وانطواء محفوف بمخاطر الاغتراب واليأس، أوثق القول أن الصمت خلل نفسي يتلذذ بوجود مظلة الخضوع فوق رؤوسنا، ولما الانبطاح بشكل ما، واستعمال اللسان فقط في المدح ولحس الأحذية  !!!.

الآن، بدأ الظل ينكمش طوله ويكشف عن ملامح وجهه الأسود، بدأ يبدي ما خفي من أنيابه منذ وضع عقدا شديدة الربط  للسان الصمت.  الآن، ظلي أراد الكلام  والبوح حتى ولو بعلامات الإشارة وممكن أن يسمى متكلما، أراد ركوب الثرثرة المباحة رغم أنه يعرفني أني محب للاختصار وأميل بالتتطبع للإنصات، أراد ظلي أن يقنعني بعدم مجاراة الصمت والتستر بين أحضان “السكوت”.

فرحت بتمام ذلك الجدال الذي فتحته مع  ظلي، سعدت حين صنع مساحة ولو ضيقة للتواصل وتكسير لغة الصمت و لو بالثورة الهادئة، هو بدء للبوح والتأمل في حدود الثورة المفزعة على فلسفية تربية الصمت. تبسمت ورأسي أرضا حين ثار ظلي على حواجز الصمت وأعلى من سيولة نبرة صوته بالكلام المباح.  قال والعهدة على ظلي، حتى ألا أتحمل ما لا طاقة لي به.  قال، أن جدلية العلاقة بين الصمت والكلام تأسست عند تدجين الإنسان و إخضاعه لمثال” شوف و اسكوت” . قال كذلك، أن الصمت يمثل حديث “الأنا” الدائري بدواخل الذات، وأن الكلام ما هو إلا تعبير خطاب من “الأنا” نحو “الآخر“ واقتحام مجهولات الرأي...

حين تأملت رؤية فلسفة ظلي اعتلاني مكر حكمته، اعتلاني ركوبه على استحضار قاموس المصطلحات الكبيرة التي لا أفقه منها إلا الفتات القليل. لكني باركت حديث ظلي وسحبته نحو شمس الصبح الشرقية. سألته عن الكلام المولد للحرية النووية، سألته عن الصمت المنتج للتأمل والوعي، سألته عن البوح بدل  مقولة ” الله يدير لينا الخير حتى في الصمت ” . أسئلة النرفزة الثورية جعلت من ظلي يغير مكان تشكله من الشرق إلى الغرب. هنا فهمت قصده بالدلالة و خديعة التأويل الموضعي، هنا فهمت أنه أراد الإيقاع  بي في ورطة الإختيار بين عمامة و جبة الحكمة الشرقية و ربطة العنق المتجلية في الفلسفة الغربية....

لظلي شيطنة حياة متمردة مرات عديدة، حتى ظلي أراد نقلي من النقل إلى العقل عبر الاستنجاد بآليات المفاهيم الكونية . قال ظلي خلاصة، أن الصمت  ما هو إلا مقاومة مستميتة يرفعها الأنا بالوعي حين تسد أبواب التواصل بالآخر سواء كان ثابتا أو متحولا، حين تتقلص مساحات التوافق ويطغى مفهوم لغة المسند والمسند إليه.

قررت اليوم مع ظلي أن نتفاوض جلوسا حول مائدة مستديرة بسؤال، متى يكون الصمت حكمة؟، ومتى نتحدث بالكلام المباح؟. لن أخفيكم سرا كان التفاوض صعبا، حتى ذكر لفظ “التعاقد” هنا ظهر كلام مستطيل من ظلنا ... أصعب مما تصورته بالليونة الحوارية الهادئة. حينها لم أستطع مراوغته حتى ظلي وتسجيل هدف سبق الفوز بالكلام والتأمل والنقد، لكن في الأخير توافقنا مستقبلا على ترك بيض صمت العدمية والسلبية في عش فزاعة الفوضى.

ابتسم الظل طويلا وقال لن أخرس بعد اليوم عن الكلام المباح “ الساكت عن الحق أخرس”، هي بداية التفكير في الوجود و الكونية، هي بداية بناء هندسة سليمة للعقل والوعي الفردي و الجماعي، هي بداية نيل حقي من تأسيس الديمقراطية والحرية، ولتكن البداية حتى من قول "لا"، هي بداية معالجة كل المشكلات القائمة… هي بداية إحياء قيمة السؤال والتحليل والتركيب والرأي والنقد…عجبت من صدق كلام الظل  حين تخلى عن مكره وشيطنته اليسارية، وتساءلت و “أنا”؟ أجابني لا تكن من المرجئة فالعالم كله يتحرك.

 

ذ/ محسن الأكرمين

 

875 زهرهزهرة الكوسى شاعرة وكاتبة ومثقفة وقارئة مميزة ومبدعة فلسطينية، عاشقة للحرف والكلمة، تمتلك ثروة لغوية هائلة، وتجربة عميقة في الحياة .

هي شاعرة الحزن والألم والجراح الفلسطينية، شاعرة الأرض والوطن والقضية والإنسان، في يأسه ورجائه وانتمائه، شاعرة حالمة رائية مألومة مجروحة باحثة في عتمة اللغة عن اشعاع ضوء، وفي سديم اللاوعي عن منقذ يطل على شمس الحياة والحقيقة .

زهرة الكوسى شاعرة طليعية ملتزمة مميزة ملهمة مهمومة بجرح وطنها وهمه اليومي، وبألم الغربة، وبتوسيع أفق القصيدة وارهاف قدراتها التعبيرية البنيوية، عمقًا ونفاذًا .

زهرة الكوسى تقيم في العاصمة السورية دمشق، وهي وحيدة بين أخوين، فقدت أمها مبكرًا، وهذا ترك أثرًا كبيرًا على شخصيتها ونفسيتها، والدها محامي ومثقف جدًا، بعثي،  فلسطيني حتى النخاع، لم تغب فلسطين عنه يومًا، وهو الذي تشرد طفلًا عام النكبة 1948 .

ثقافتها ساعدتها بالتمرد على واقعها، انضمت لصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أيام جورج حبش، حين كانت على مقاعد الدراسة الثانوية العامة، وعاصرت آنذاك المناضلين والأسرى الفلسطينيين، وتركت الجبهة بعد استقالة حبش منها .

اقترنت بالمناضل الفلسطيني المرحوم ابراهيم سلامة، وهو أسير سابق في سجون وزنازين الاحتلال الصهيوني، وفي سجن عسقلان تحديدًا، وتابعت معه حياتها كما كانت عند والدها . وشكلَّ سلامة بالنسبة لها ثروة تاريخية ووطنية وثقافية، تجد الاجابة عن كل اسئلتها، ووقفت معه في مشروعه الادبي والثقافي المهمل قبل زواجها منه، لانشغاله بالعمل السياسي النضالي . وبعد رحيله عن الدنيا بقيت تتابع مشوارها وحيدة إلا من امانته وامانة والدها، الوطن كل شيء .

اقتحمت زهرة عالم الكتابة والابداع، وتعداد دراساتها ومطالعاتها وتجاربها في الحياة صقل موهبتها الشعرية الفطرية، التي كانت تضطرم في أعماقها بتوقد وتوهج، وتتحين الفرصة للانفجار والتعبير.

كتبت المقالة الأدبية، ومارست هواية الرسم، ومع تطور ثقافتها وتنوع قراءاتها، راحت تكتب الشعر الموزون المقفى الذي ارهقها بسبب التقيد بالوزن، واضطرها كثيرًا لتغيير الصور الشعرية ليستقيم الوزن، وسرعان ما اتجهت للقصيدة النثرية والشعر الحر عن عمد وقصد، وبعد دراسة عميقة وواقعية لمعطيات الشعر الحديث، وفرت لقصائدها وحدة نموذجية بين الشكل والمضمون في نضج شعري، ووحدة عضوية حية .

ومن أهم الشعراء الذين تأثرت بهم زهرة : المتنبي، درويش، القاسم، البياتي، السياب . ومن الكتاب : غسان كنفاني، نجيب محفوظ، محمد عبد الحليم عبد اللـه، عبد الرحمن منيف، ارنست همنغواي، فيكتور هوغو، اجاثا كريستي وسواهم .

صدر لها حتى الآن سبع مجموعات شعرية، وهي : " بساط من جمر، العبور إلى المنفى، عشق دمشقي، الحلم المسافر، الطريق إليك، أنين الرمال، قبة السماء " .

ولها ايضًا كتاب بعنوان " قبة السماء " وهو بحث في السيرة الذاتية،  ويشتمل على مذكرات المرحوم زوجها الذي فقدته في العام 2013 وهو في الأسر، من خلال سؤال وجواب .

وتستعد الآن لإصدار مجموعتها القصصية الأولى بعنوان " مرايا الماء " .

زهرة كوسى شاعرة أنيقة تعزف على وطن الألم والأمل، قالت الشعر منذ صغرها، وعبرت عن عشقها لوطنها السليب وارضها المغتصبة، وعن حزنها لبعدها عنه، وخصصت شعرها لفلسطين وقضية شعبها الوطنية، وجعلت من أشعارها منارة لكل من اراد ان يقرأ عن وطنها وهمومه وأوجاعه وعذاباته وكفاح أبنائه، وسكبت فيها ذوب قلبها ونبض عروقها . وأشعارها تخلو من التكلف والصنعه اللفظية، متسمة بالطوابع السياسية والاجتماعية والانسانية .

وهي تستوحي كلماتها من روحها وقلبها وعقلها وفكرها وثقافتها، وكتاباتها متنوعة عن الوطن والحزن ووجع الغربة والحبيب / الزوج، وعن الحب والعشق والأنثى المتمردة، ومستلهمة من واقع الحياة والحالة السياسية والوطنية .

زهرة الكوسى تؤمن بان الأدب يجب أن يكون للحياة، للشعب، للمجتمع، للمستقبل، للتوعية الاجتماعية، والفكرية، والسياسية، والثقافية، ومنحازًا للإنسان وقضاياه المصيرية ولجماهير الطبقات الكادحة .

ونصوص زهرة الكوسى يطغى عليها الحزن والألم والمعاناة والشكوى، جاءت غزيرة بثروتها الفكرية المعنوية، ومتأججة في زخمها العاطفي والوجداني .

ومن ناحية النسيج الأسلوبي فقصائدها وأشعارها تتسم بوضوح الفكرة، وقوة التعبير، ودقة اللفظ، وشدة الايحاء، ومتانة اللغة وسلاستها، وشفافية البوح والتعبير، علاوة على استخدام الرمز التعبيري، والاشارة إلى الزمان والمكان، وما يضفيه ذلك على الشعر من أثر وحيوية . والصورة الشعرية عندها مقدسة لا تفرط بها، ولا تخدشها .

ومن قصائد زهرة الكوسى اخترت هذه النماذج من ديوانها " أنين الرمال " :

على وتري:

……………

- في السحاب أبني وطني

يومض البرق

أشق الطرقات

أحرث الغيم

أبذر الدم

ترتاح القبور فوق راحتي

وتغيب في ابحار الأفق

- قالت لي الأسطورة :

إن أطفالي أسراب سنونو

ستحجب الشمس عن بلاد الثلج

ولا تهدي شعاعًا منها

إلا لمساء يعبر الجسر

إلى عرس الفتى الأسمر

- يمر النهر على رؤوس أصابعي

يحمل سرّي

يسيل النور بين ضفتيه

يمعن في حزني

أحاول وقف تصدّع هجرتي

أمضي لعصفور يلتقط بقايا الندى

ووطني أمام بوابة المنفى

يطرق الأبواب

ولا مجيب ! 

- أسحب الريح من مخابئها بين الشجر

أزنر بها خصر العاصفة

أُعتّق الماء في عينيّ

أقرع باب النبع

يأتيني صفير الريح

يطل الموت من حبة قمح

يرمي صوتي على تلال الشهداء

يثمر في سنين القحط

نورًا ينحدر من شلال دماء

إلى ديجور وطني .

- أصب حنيني على مساحة النار

أقصّ ألسنة اللهب

يترامى الإعصار والإحتراق

وينام في بحر حنيني

- ثورة الشاعر تمشي

إلى منفى الأشباح

تبحث عن حرف ..

تفك به حصاره

زادًا لأموات ..

نهضوا يستقبلون العام الجديد

من شرفة دمي !

...................

الرحى :

ريشة تحمل سرنا

تحط على جرحنا

تبوح أنّا عُراة بلا وطن

وأنّا حتى الثمالة غارقون في الأحلام

تمدُّ للمستحيل أهدابها

لإستقبال أفراحنا

تهاجر مع الريح

غير أبهة بأوجاعنا

توشوشها أن قيثارة الموت

فوق أجسادنا تكسرت

رغم أننا مثل كل الناس

- في اليوم الأخير

حدثني الطفل الذي اجتاز حدود الحياة

أنه نسي اسمه العربي

في جيب قميصه المحترق

وأنه سعيد في بعده عن صدأ الرثاء

وقال :

قَطَفَنا الموت في القدس

في المنفى

في الخيام

كعاشق يقطف الورد في الأعياد

ولن ننسى ..

في الذاكرة تتدلى عناقيد من رصاص

صهيل الجدران في آذاننا

ولا نسمع البكاء

فنحن لسنا مثل كل الناس

أتعود أمي تعجن الرمل بالغيم

وتخبز على الصاج رجع انتظار !

حدثتني أن الرحى بعد موتي

دارت فوق عظامنا

بذرته زفرات الوهم في مدى الغياب

أننسى دلوًا رميناه في بئر

فانتشلنا دمنا ?

قطّروا المنايا في أفواه انبعاثنا

هتفوا : أنتم مثلنا

لن ننسى ..

فنحن لسنا مثل كل الناس .

زهرة الكوسى جواد شعري بحري، عتقت أحلام جيل فلسطيني كامل، تتوالى رحيقًا إلى رحيق، قمقمها الابداعي لا ينفذ، وهي الأجمل والأبهى بأشعارها ونصوصها الخلابة في المشهد السوري والفلسطيني الراهن . قصائدها هفهافة، شفافة، رقراقه، وكلماتها باذخة ساحرة، وحروفها ممطرة سامقة . العاطفة والجمال عناصر جلية وواضحة في قصيدتها، والهم الوطني والوجع الفلسطيني حاضران بقوة فيها، ومجامعها الشعرية تحتضن آلامها وأوجاع المنفى والحزن على الوطن .

ألف تحية عابقة بأريج زعتر الكرمل، وشذا خزامى الجليل، وعبير نعناع المثلث، نرسلها للصديقة المبدعة القابضة على جمرة عشق فلسطين، زهرة الكوسى، وتمنياتي لها بدوام الابداع والتألق والتميز، مع التقدير لقلمها السامق وكلمتها الملتزمة التي تعانق روح ووجدان المتلقي .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

اسماء محمد مصطفىلا تولد كلمة عميقة الوقع خالدة الاثر من فرح وترف، لذا فإنّ كل المؤثرين في التاريخ مدينون للوجع بكلمة شكر .

بيد أنّ ثمة أفراحاً لايشبه بعضُها الآخر، كالفرح الخلاق المختلف عن الأفراح العادية، العابرة، المتحايلة، ذلك أنه يولد من رحم أمل بعد وجع عميق، هذا النوع من الفرح يلد كلمات عميقة خالدة كذلك .

**

الخبرة الحياتية الواسعة ليست نتاج تجاربك فقط بل هي مجموع (مدى استفادتك من تجاربك وإيجابيتك في التعامل مع نتائجها، واستيعابك وفهمك تجارب الآخرين، وتثقيفك لذاتك، وتحلّيك بالموضوعية في الحكم على نفسك والآخرين بعيدا عن المزاج الشخصي والعقد النفسية والأحكام المسبقة بلا تمحص، ويقظة ضميرك كي تجيد الحكم السليم على سلوكيات الغير وتجاربهم، ووضعك هامشاً بأنك قد تكون على خطأ مهما بلغت من العلم والمعرفة والتجربة، فمالم تجربهُ لايعني أنه غير موجود)، وبغير ذلك تبقى الخبرة منقوصة والرأي فاقداً شموليته والحكم مفتقراً الدقة، ولذا فإن الخبرة، كالنضج، ليست بالسنين وحدها بل بعمق التفكير واحترامه أيضا .

**

الخبرة في التعامل مع المختلِف والمختلَف عليه أن تقول رأيك المخالف، لكن بلطف، حتى لاتجرح الآخر، فقد لايتقبل الصدق عارياً ولا الصراحة فظةً، إلاّ باستثناءات تستوجب القسوة والمباشرة . النضج هو مايرشدك الى الاختيار الصائب بين اللطف والقسوة في الطرح وفقاً للمكان والزمان والأهمية وهدف الرسالة .

حاول أن تترفق بالآخر، فقد يكون قلبه من زجاج .

**

النضج أن تدرك أنّ لاشيء يستحق القتال في الدنيا إلاّ القيم العليا وكل جميل يتأتى من ورائها، في شكل حب او حنان او تعاطف او تضامن او تعاون .. الخ .

**

النضج أن تدرك أنّ ماهو مطلق لك هو نسبي لغيرك، وبالعكس . وبين المطلق والنسبي ثمة حقائق لاتُدرَك .

**

النضج أن تكون مجنونا بمقدار ماأنت عاقل . أن لاتغادرك روح الطفولة، بل ترافق شبابك وشيخوختك في روحك وعقلك .

**

الروح القوية لاتتجعد كالجسد، عمقها بالحب الخالص هو المصل الذي يحميها من الشيخوخة . بعضهم تشيخ روحه مبكرا، لهشاشة دواخله او لجهله إمكانات الروح القوية، الخبرة والنضج الروحيان والعقليان يرشدان الإنسان الى مكامن الشباب الدائم للروح . الروح لاعمر لها .

**

بالعلم وحده، يبقى العالم ناقصا، آلياً، متحجرا، فبينما يسهم العلم بتقدم الحياة تقنيا وتيسر اختراعاته ماتعسر على البشر قبل أية خطوة او مرحلة تطور إلاّ أنه قد يزيد من القساوة ويُغيب الكثير من تجليات الروح، وهنا يأتي دور الفن بجعل العالم مكاناً ألطف .

المشكلة تكمن في من لايدرك قيمة العلم والعقل، ولايفهم روحية الفن ويريد أن يسير البشر على سكة معتقداته .

**

لاتكن خطوة على رمال الدنيا، تمحوها ريح الزمن بلاعناء.

**

فعل الغيرة القاتلة في الحب، كالكراهية تماما .. فإن كنت مريضا بالغيرة اختصر عذابات الآخر برحيل مبكر .. بدلا عن أن تسرق عمره وأنت تقتله عشرات المرات برصاص الخيبة .

 

أسماء محمد مصطفى

 

 

عبد الجبار نوريتملكني الفزع وأنا أشاهد ألسنة لهيب النار والدخان يتصاعد بشكل مرعب ومخيف في الكاتدرائية وسط عدسات المصورين والجمهور، وقد زرتها لمرتين لمشاركتي مهرجان اللومونتيه الذي يقيمه سنويا الحزب الشيوعي الفرنسي في خريف كل عام، وأقف بخشوع وتأمل حسب طقوس اليوكا أمام الكاتدرائية وأشعربوجل وقدسية أجهلها مع لهب كهربي في ذاتي ربما هو الشوق والولع الطفولي أن تقتحم أسوار البناء المعماري المذهل وأنت داخل لقبو الكاتدرائية ترى عبارة منقوشة على جدار الكنيسة لفيكتور هوجو {الزمن أعمى والأنسان أحمق} 1802 -1885 وتتزاحم في مخيلتي وقرارة ذاتي أرهاصات مضطربة ربما هي أطياف من ركام الرماد من تلك ليلة الحريق المشؤومة،في واحدة من أسوأ الحرائق التي تطال معالم تأريخية فرنسية، وعلى عجل أستحضرتُ بطلي الرواية عبرهواجسٍ مشبوبة بالخيال مرت بعجالة على مخيلتي المتعبة الأحدب (كوازيمودو) الموكل بتحريك أجراس الكنيسة الثقيلة لقوته العضلية والذكورية المرعبة وهو يلاحق جسد (أزميرالدا) الفاتنة الغجرية بعينٍ واحدةٍ وهي ترقص على أنغام أغنية شعبية فرنسية بتغريدة أنثوية ملائكية مخملية مثيرة من باحة الكنيسة وكأنها مستوحاة من وترية موزارت 40 وتلك حكايتي المنحوسة مع فكتور هيغو .

أن الحريق الذي نشب في الكاتدرائية يوم الأثنين 15 نيسان الجاري وهي الكنيسة الرئيسة في فرنسا وأقدم الكنائس الأوربية عموما وقد بدأ بناؤها عام 1160 وأنتهى عام 1345، يمثل المبنى تحفة الفن والعمارة القوطية، ويعد من المعالم التأريخية في فرنسا، ويعود تأريخ أنشاء المبنى إلى العصور الوسطى، تقع في قلب مدينة باريس الحلم الغافية على ضفاف نهر السين الخالد شاهد تأريخ فرنسا مما أثار موجة من الأستياء مع شيءٍ من الولع والتعاطف الوطني لأقتناء الكتاب، بحيث نفذت موجوداته في المكتبات وطُبعت لمرتين وأحتلت المركز الأعلى في أرقام بيع الكتب في فرنسا، حيث أعاد الحريق الذي نشب في الكاتدرائية الوهج للرواية فتصدرت المبيعات، ولشدة أشتهار الرواية تسابق تجار صناعة السينما أخراج أفلام للرواية أتذكر منها في زمننا الجميل 1956 عرض فيلم بعنوان " أحدب نوتردام " يلعب فيه الممثل الأمريكي واليوناني الأصل " أنتوني كوين " دور الأحدب والممثلة الحسناء الأيطالية "جينا لولو بريجيدا دور (أزميرالدا) .

أحدب نوتردام رواية رومانسية حقاً تحبس الأنفاس لكونها مثيرة للحزن والخيانة والحب بأشكاله القاتلة حب صوفي تعبدي حب رومانسي حب خيانة حب عبثي ويجمعها هوغو ببراعة مثيرة في بودقة واحدة مؤطرة بالأمل والتأمل والفداء والخيانة,الذي أثبت أن لهُ القدرة على التصوير في أظهار الأحدب بصورة وهو يسمو بشعوره الأنساني حين أوقعهُ بتلمس مسحة جمالية ربانية كامنة في قرارته وأعماق ذاتهِ، ويرمز الروائي العملاق بأن هذا الجمال هو جمال الدفيء الأنساني المحروم منهُ لبشاعته وعاهته البدنية المستديمة وأن هذا الجمال الخيالي يتقمصهُ الأحدب بصورة ملاك رحمة رباني بهيئة تلك المرأة الغجرية، لقد تحول الأحدب إلى كيان منعدم بسبب عاهته لكونهِ عاجز عن الفعل حتى تأتي شرارة هوغو البارعة لتنير ذاتهُ المتمثلة بأنوثة الغجرية الفائقة الجمال، والرواية تدخر أشارات إلى تلك اللعبة الغيبية القدرية في المعايير الأجتماعية والأخلاقية للقبح والجمال بمزاج (ميلودرامي) مبني على غرائب المصادفات في زمكنة ذلك العصر في عالم باريس القرن الخامس عشر والتي ميّزتْ كتابات هوغو، وهنا يدين الكاتب هوغو المجتمع بعزل العاهة وبأحتقار الضعيف ونهش المحرومين لذا صب فيها هوجو فلسفتهُ في الأنسنة وموقفه من الظلم وغياب العدل والأنصات لصوت المظلومين والضعفاء والمحرومين، متوغلا في أعماق عالم المتشردين والمهمشين وحتى الأسياد المنكسرين خلال متاهات الظلم والعبودية والسحر والتدين المصطنع في نفاق مؤلم في توظيف الدين والكنيسة في تغييب الأنسان وأستلابه، ويعلن هوغوأنتصاراتهُ للبشرية في تمحور الرواية على (العاطفة الأنسانية) التي هي الأداة الديناميكية في حركة التغيير الأجتماعي وبأعتقادي يريد أن يقول لنا : أن الحراك الشعبي في الرواية دلالات بواكير للثورة الفرنسية في أواخر القرن 18، وتدور أحداث الرواية لأواخر العصور الوسطى في عهد الملك لويس الحادي عشر عام 1482، نشرها فيكتور هوجو عام 1931، أنها دراسة تأريخية مؤطرة ببعدٍ أجتماعي وفلسفي وسياسي لأجماع النقاد (أن هوجو يمتلك قلب شاعر ورؤية سياسي)، وبالحقيقة يجب أن أعترف بأن الروايتين : البؤساء وأحدب نوتردام من أوائل الأعمال السردية لهوغوالتي تفاعلت مع مخيلتنا الطفولية ومشاعرنا البكر في سني قراءة الشباب كونتُ فكرة عن هوغو:أنه صحيح يمتلك قلب شاعر ورؤية سياسي .

أن الرواية التي كتبها هيغو تؤرخ أحداث جرتْ في القرن الخامس عشر وكُتبت في القرن التاسع عشر وتُرجمت إلى العربية خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين، والتي وصف فيها الكاتدرائية بأنّها متهالكة وتعاني من تشوهات لا تقدر ولا تحصى وتزامناً مع كارثة الحريق ساهم في تنبيه الثقافة الوطنية عند الجمهور الفرنسي صاحب السترات الصفر إلى هذه التحفة القومية الأثرية، وأحداث الرواية تدور حول (كوسيمودو) الأحدب المشوّه قارع جرس الكنيسة في القرن التاسع عشر الذي يقع في حب الغجرية الحسناء فائقة الجمال (أزميرالدا) التي تحترف الرقص وتصاحب الغجر المتجولين في عروضهم، نجح هوغو من خلال هذه الرواية ذات الأحداث الآسرة في صناعة قصة حب (متشظية) بين شخصيات ضائعة تخوض متاهات صعبة وملتبسة المفاهيم مثل القس (فرولو) والفارس (فيبس) وحب كواسيمودو الأحدب الأكثر أشكالية على أعتبار روحه الشفافة تسكن جسداًمعطوباً تطابق حكمة أحد فلاسفة القرون الوسطى {أن النفس تتشوّه حين تكون في جسد ناقص} .

وهكذا جرب هوغو الغوص في أعماق التأريخ الفرنسي وسايكولوجية القساوسة والرهبان وحتى الشماسين بالأضافة لملوك الرومان والعديد من الشخصيات الفاعلة في التأريخ، ويسمو بنجومية متألقة بل ربما أصبحت الرواية أشهر من الكاتدرائية نفسها

 

عبد الجبارنوري - ستوكهولم

 

احمد ختاويسلطة الإدهاش في مداخلة الاستاذ منصور زغواني: وروافد (الانتهاج).عند دريدا وعبد الله الغدامي أنساقا..

من بين المداخلات التي دخلت منظومة تطبيق الإدهاش وخطفت الاضواء عند الحضور والقاعة بالملتقى الوطني للنقد: منعرجا ممنهجا: مداخلة الاستاذ، الطالب منصور زغواني من جامعة مولود معمري بتيزي وزو: (تطبيق التفكيكية في الدرس الجامعي بين الطرح الدريدي والفهم النقدي العربي المعاصر عبد الله الغدامي وبسام قطوش - أنموذجا).

ما كانت سلوكيات المنهج التحصيلي كطالب لتلجمه أو تكبله. وهو ما يزال يرتوي من التحصيل الجامعي كطالب دكتوراه. بل عرج دارسا وناقدا، وأحكم - أثناء مداخلته بقبضة من حديد على مَلكة الإتزان في سرد موازين القوى لديه في التعاطي مع فحوى مداخلته من منظور دارس واعد. حيث ابتعد بوعي إدراكي عن "الاستهلاكية التحصيلية" التقريرية كنمط تحليلي تحصيلي، بعبارة أوضح لم يحشر نفسه في سياقات تقديم بحث جامعي تحصيلي خال من إيغال ملَكته وهويته المبحثية بوعي منه دائما. في عمق ورقته المبحثية الإنمائية نقدا، ودراسة تفكيكية على صعيدي الالمام وبواذر ناقد واعد في الأفق. حيث سيطر على مكونات بحثه استشهادا بهؤلاء، فيما كانت ورقته المبحثية روافد لصناعة مادة نقدية واستباقية. من منطلق سيرورة المنحى التحليلي، التفكيكي لديه، مما جعله يصنع الفارق في التعاطي مع منهجيته المبحثية من جهة. وتأطيرها وتاثيثها بمرتكزات وآليات ومقومات معرفية، مما ينبىء بأن الاستاذ، مشروع ناقد، الاستاذ منثور زغواني سيكون له شأن وأفق الدراسة والنقد. في الحقل المعرفي، وانت تصغي إليه في نبراته المعرفية وإفضاءاته وتضاريس تفكيكياته، تحس أنك أمام الغدامي نفسه، جاك دريدا، أو امام فيزيائية وجغرافية المصطلح عند الناقد والمفكر بختي بن عودة. أو أنك تشتم عطر رولان بارث، التشكيليين الروس. وهكذا بدأ هؤلاء. فالاستاذ، الطالب منصور زغواني صنع - حضورا - هذا الحضور المعرفي.

هذا استجلاء مني كمتلق لتفكيكياته التي أدهشت ذائقة الحضور، وفككت المأمول في جميع المآلات بذرة نحو السؤدد. وهذا ما يبشر به أفقه.

نتمنى له موفور السؤدد على مدارج هذا الجنس (النقد) دراية بالمكنون والمأمول.

تحية إكبار لك أيها الفذ منصور زغواني.مدْرجا وسلما على سلم النقد وليس على سلم ريشتر. وان كان ذلك، فهو ارتدادية في حداثية التفكيك وتضمين الشواهد. والاستشهاد.

 

كتب : أحمد ختاوي

 

نور الدين صمودوقعت بيدي صِدفة ـ مسودّة قصيدة أوراقي المتراكمة التي لها علاقة بالأدب والأدباء والحياة الثقافية مشرقا ومغربا وشرقا وغربا وإفرنجا وعُرْبًا ـ وهي عبارة عن قصيدةٍ شبه فكاهية كتبتها في القرن الماضي فرأيت من واجبي أن أضيفها إلى (ديوان التهاته) الذي جمعت فيه أشعاري الفكاهية التي كتبتها في بعض المناسبات بمفردي وكتبت البعض منها بالاشتراك مع بعض الشعراء الأصدقاء، قد وقعت كتبتها في القيروان بتاريخ 17/3/1979.وقد ذكرني مكانُ وتاريخُ كتابتها المثبتُ في أعلاها بأيام ثقافية لا تنسَى.

 ولنعد إلى البداية فقد ذهبت إلى مطار تونس قرطاج قبيل ذلك اليوم مع مجموعة من أسرة الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين لاستقبال وفـْدٍ ثقافي من اتحاد الكتاب السوريين بمناسبة انعقاد إحدى دورات مهرجان ابن رشيق الثقافي الذي كنا نقيمه في القيروان كل سنة، وكنا ندعو إليه الشعراء والدارسين من المشرق والمغرب العربيين للمشاركة فيه، وكان الوفد السوري، وضمنه سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وغيره من الوفود الشقيقة التي جاءت بهذه المناسبة.

وقبل أن أقدم القصيدة الفكاهية الساخرة التي ذكرتني مسودتها بموضوع هذه المقالة، أشير إلى أن المستقبلين من الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين ـ على ما أتذكر ـ هم : محمد العروسي المطوي ـ نائب رئيس الاتحاد محمد مزالي، ومصطفى الفارسي، ود: عمر بن سالم وكاتب هذه السطور، وكنا جميعا خلف السياج لا يفصل المستقبَلين والمستقبـِلين ، غير بضعة أمتار، وكنا نعتقد أنهم سيجتازون ذلك الحاجز في بضع ثوان، ولكن الانتظار من الطرفين طال واستطال، رغم أنه موجود بين المستقبـِلين نائبُ اتحاد الكتاب الذي كان في ذلك الوقت عضوا في (مجلس النواب) وأن رئيسه في الاتحاد وزير من وزراء الدولة التونسية، وأن بقية المستقبلين أدباء معروفون في تونس وغيرها في العالمين: العربي والغربي، فشعرنا جميعا بالحرج الشديد إزاء هذا الموقف الذي بلغنا عنه في ما بعد، أن شرطة الحدود ما زالت في اتصال مع وزارة الداخلية للتـّثبت في انتماءات أعضاء ذلك الوفد الثقافي الذي لا يعرف أحد من المشرفين على الحدود قيمة جد أحد الضيوف القادمين من دولة عربية شقيقة بدعوة ممن يمثلون الأدباء التونسيين الذين انتخبوهم في مؤتمرهم المشهود، كما لا يعرف واحد منهم أن جد ذلك الأمير قاوم الاستعمار الفرنسي عند احتلاله للقطر الجزائري الشقيق، وأشهد أني شاهدتُ مجموعة من (السياح) الألمان يجتازون ذلك السياج دون أن يقدموا لشرطة القمارق (جوازات سفرها) وكان في مقدمتهم (دليل سياحي تونسي) يكلمهم بالألمانية ويوجههم نحو الحافلة التي ستقلهم إلى النزل الذي سيقيمون فيه، فقلت لزميلي في الهيئة المديرة لاتحادنا: (لا شك أن بين هؤلاء الألمان يهودا ولعل منهم بعض القادمين من إسرائيل عبر ألمانيا، فكيف يسمح لهؤلاء بالدخول ويمنع الأدباء السوريون ومن بينهم حفيد الأمير عبد القادر الجزائري؟) فتبسم ضاحكا من قولي، وبعد أكثر من ساعة سمح لهم بعبور ذلك السياج ليذهبوا معنا في اليوم الوالي إلى القيروان للمشاركة في مهرجان ابن رشيق القيرواني.

انعقد ذلك المهرجان في ظروف طيبة وقـُدمت فيه أبحاث كثيرة لا يسمح المجال بذكرها هنا، وأعود إلى القصيدة الفكاهية التي عثرت على مسودتها والتي أغراني محتواها  بنشرها والتعليق عليها لشدة صلتها بتلك المناسبة، وأشير أولا إلى أنها مصدَّرة بهذه الكلمة:

(أضاع الأمير سعيد الجزائري معطفه وأضعت صوتي بـِبُحَّةٍ قوية) وذلك لشدة البرد في ذلك الوقت ولفرط وقوفنا في انتظار السماح للوفد السوري بالدخول إلى أرض تونس قبل أن يولد أكثر (شباب الدواعش) بحوالي  ثلث قرن فقلتُ مشيرا بصورة ساخرة إلى ضياع معطف حفيد الأمير عبد القادر وضياع صوتي:

قد أضاع "الأمير" في القيروان  ** معطفا لـيس مثـله في الزمـان ِ

فاشتكى قائلا: (أضعتُ صوابي **  سوف يَـغــزو الشتاء كلَّ كياني

   دثـِّروني وزملوني وهاتوا        ** (بـِشوفاج ِ)ٍ يَعـــجُّ بالنــيرانِ

  قد أضعت الصوابَ مذ ضاع مني **مِعطفٌ قد صَحِبْتـُه من زمان ِ

  عن جدودي ورِثـْته، وهْو ذخرٌ    **فابحثوا عنه عبْر كل مكان ِ)

 

 

ثم وقع ما يسميه البلاغيون بحسن التخلص في الانتقال إلى ما وقع للوفد السوري في المطار من طول مِطال (شرطة الحدود) في دخول ذلك الوفد إلى تونس، لشدة احتياطهم وتوقـّيهم، فدلوا بذلك على قدرتهم على البحث عن معطف الأمير وذلك بأسلوب ساخر ويظهر هذا على ما وضعته على لسان الأمير في هذه الأبيات:

(كلفوا الشرطة الأولى عطلونا**في المطار المحروس في كل آن ِ

كلـِّفوهم بالبحث ِ عنه، فـــإنا**قد رأينا منهم عيونا روان ِ..

في المطار العتيد إذ أوقفـــونا**وعلـيــنا من كلهم عــيــنان ِ

كل عين كمجهر ٍ ذي بــريــقٍ**أو شكتْ أن ترى الذي في جَناني

سألوني: مَن أنت؟ قلت بفـخــر ٍ:**في عروقي يَسري دم الشجعان ِ     

إنّ جدي قد قاد حربا ضروسا** ضد أهل الفساد والطغيان ِ

فهْو في الحرب قائدٌ لا يُجارَى**يُرهبُ الخصمَ في مجال الطعان ِ

     عربي أنا فهل ذاك ذنــبــي؟**نحن في الضاد والهوى صِنوان ِ

فلـْتقولوا لهؤلاء: ابحثــوا عــنْ**معطفي، إن فقـْده قد شجاني).

فأجــبــت (الجزائريّ سعيدا):**ما تراني أقول في ما اعتراني؟

فأنا قد أضعت صوتي، وصوتي**كان أحلى من نعمة الكروان ِ

فــتــراني، إذا أردت كـــلاما،**ساكبا ما أقول في الآذان ِ

فيعــيــد الصديق ما قــد وعـــاه**مثل بوق لم يشتغل من زمان ِ

صِرْتُ مثل الوزير إنْ جاء وفدٌ**أجنبي، يلوذ بالترجمان ِ

وتـــراه مشـــوِّهًــا كلمـاتي**وتراني كالأبكم الحيران ِ

إن وجدتم ما فد ضاع سعيدٌ**فابحثوا في جيوبه عن لساني

وكلامي قـد صـار هـمسًا كأني،**في  كلامي المبحوحِ، كالبغبغان ِ

وكما ترى فقد خطر لي، من باب السخرية، أن أستغلَّ ضياع معطف سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري في ذلك البرد واعتبرت أن صوتي أو لساني قد ضاع مثل ضياع معطفه فإذا وجدَ (شرطةُ ُ الحدود) المعطفَ فليبحثوا في جيوبه عن صوتي أو لساني الذي أتكلم به، وأذكر أن كل من استمع إلى تلك القصيدة الفكاهية الساخرة في (كواليس) المهرجان ضحك لها ملء شدقيه إزاء الروح المرحة التي يتمتع بها الأمير سعيد حفيد الأمير الأمير عبد القادر ومن كان معه في ذلك الوفد والوفود الأخرى خاصة من القطر الجزائري الذي نبع منه سعيد وجده الفارس الشاعر الأمير الذي قارع الاستعمار الفرنسي بالسيف والقلم، وقدم شعبُ بلاده مليون شهيد في سبيل إجلاء مستعمريه بل مغتصبيه الذين تبلغ مساحة ُ أرضهم خُمُسَ مساحةِ أرض الجزائر الكبيرة لكنّ العبرُة ليست بالكم بل بالكيف، فهل من سبيل يجعل الجرائرَ [خـَمْسَ فرنسات] (إن صح هذا التعبير) بسكون ميم العدد خَمْْسة وليس بضم خائها وميمها (خـُمُس) ولن يكون ذلك إلا بالنفوس الكريمة التي ترفع الرؤوس العظيمة، وأن يَعُمَّ هذا الأمل المنشود جميع الناطقين بالضاد، وأن لا يكون همُّ ذوي الشأن م00ن الخليج إلى المحيط، السعي الحثيث للفوز بالضأْد الخبيث، وأن يَسْعَوْا لكسب الرهان في كل ميدان، بداية من إحياء ترسانات الدفاع عن حياض الوطن والتفوق والابتكار وأن نعمل جاهدين إلى إحياء مهرجان أبي النقد في شمال إفريقيا وكامل بلاد العرب ابن رشيق المنسوب إلى القيروان، والقادم إليها من قرية جزائرية وهو في السابعة عشرة من عمره ليستقر في  القيروان مبتدئًا حياته فيها بصناعة الذهب، ومن باب ما يُسمّى بغلبة الصنعة سمى أحد كـُتُبه (قـُراضة الذهب  في نقد أشعار العرب) فقد هجر صناعة الذهب النــُّظار و تفرغ للأدب يكتبه شعرا ونثرا وينقده ويضبط قواعده التي أسسها واستخلصها من الشعر العربي الخليل  بن أحمد الفراهيدي الأسْدي (100- 178)هـ  ولله ما كان أصحّ علمَ مَن نقدمــا.

 

أ.د:  نورالدين صمود

 

ضياء نافعيربط القارئ العربي غالبا هذين الاسمين الكبيرين في الادب الروسي بالقول الشائع، الذي ينسبونه لدستويفسكي – (كلنا خرجنا من معطف غوغول)، وهو تبسيط التبسيط للحديث عن علاقة هذين الكاتبين في اطار علم الادب المقارن، ويذكرني بما قاله لي مرة احد معارفي، عندما سألته عن انطباعاته حول العاصمة النمساوية فيينا التي زارها،  والذي أجابني قائلا – (ليالي الانس في فيينا // سمعها الطير بكى وغنّى)، وقد قهقهت عندها، وقلت له، انه من المؤكد، ان اسمهان نفسها تعرف جيدا، ان الطير لا يبكي ولا يغنّي اولا، و تعرف ثانيا، ان الطير ينام طوال الليالي بغض النظر عن اي انس يجري في زوايا تلك الليالي و شعابها.

لقد كتبت مقالة قبل سنوات طويلة بعنوان – (هل خرج دستويفسكي من معطف غوغول؟) ويمكن الرجوع اليها طبعا، وتحدثت فيها بالتفصيل عن ذلك القول، و ذكرت في نهاية المقالة المذكورة كيف اني استمعت الى محاضرة ألقاها بروفيسور سوفيتي في باريس نهاية ستينات القرن العشرين عن هذا القول، بعد بحث وتمحيص طويلين له حول اوليّات ذلك، وكيف فنّد الرأي القائل، ان دستويفسكي كتب هذا القول. استجدت بعد ذلك عناصر جديدة اخرى باللغة الروسية حول هذا الموضوع، منها ما نشرته مجلة (قضايا الادب) الروسية، وما تم نشره في المعجم الكبير للتعابير والاقوال المتداولة تحت جملة – (كلنا خرجنا من معطف غوغول) ...الخ، وكل هذه المصادر تشير بالاجماع الى ان دستويفسكي لم يكتب هذه الجملة، وانها وردت في كتاب أحد الباحثين الفرنسيين حول الادب الروسي ليس الا، ولا مجال هنا للحديث التفصيلي عن كل ذلك طبعا .

دستويفسكي وغوغول والمقارنة بينهما – موضوع عميق جدا في تاريخ الادب الروسي (يكفي فقط ان نشير مثلا الى موضوعة مدينة بطرسبورغ وانعكاساتها في نتاجاتهما الادبية) ، وهو موضوع عميق ايضا في تاريخ الفلسفة الروسية  (ويكفي فقط ان نشير مثلا الى موضوعة الكنيسة الارثذوكسية الروسية في مفاهيمهما ودورها الذي ينبغي ان تؤديه في المجتمع حسب رأيهما) . لقد ابتدأ موضوع المقارنة بينهما واقعيا منذ ظهور دستويفسكي في دنيا الادب الروسي، اذ أسماه الشاعر والصحافي الروسي الكبير نكراسوف (غوغول الجديد) عندما تكلم عنه مع بيلينسكي، أما بيلينسكي نفسه، فقال، ان (غوغول هو الاب لدستويفسكي)، وكل ذلك طبعا في بداية ظهور دستويفسكي، اي قبل اعتقاله من قبل السلطة القيصرية والحكم عليه بالاعدام، ثم الغاء هذا الحكم ونفيه الى سيبيريا بدلا عن الاعدام، وهي وقائع معلومة في تاريخ روسيا وادبها، اما دستويفسكي بعد العودة من سيبيريا، ومسيرته الادبية الجديدة، ووصوله الى القمة والعالمية، فان الامر يختلف طبعا، اذ يدأ النقاد والباحثون يتناولون مبدأ المقارنة بين دستويفسكي وغوغول  باعتبارهما  قمتين من  قمم الادب الروسي والعالمي ايضا، وهناك مجموعة من الدراسات المعمّقة في هذا الخصوص، منها على سبيل المثل وليس الحصر كتاب كامل صدر عام  1921 في روسيا بعنوان – (دستويفسكي وغوغول) من تأليف تينيانوف (تأملوا سنة اصدار الكتاب، عندما كانت روسيا تتبلور لتوّها بعد ثورة اكتوبر 1917 وتتحول الى دولة الاتحاد السوفيتي)، ومؤلف الكتاب تينيانوف هو احد الادباء الروس واحد  نقاد الادب البارزين في مسيرة الادب الروسي آنذاك، وتعدّ كتبه – ولحد الان - مصادرمعتمدة للباحثين، وخصوصا عن اعلام الادب الروسي في القرن التاسع عشر مثل بوشكين وغريبويديف وغيرهم . من الممكن طبعا الاشارة الى مصادر روسية اخرى تناولت موضوع المقارنة بين غوغول ودستويفسكي من مختلف الجوانب، منها ان دستويفسكي حاول ان يحاكي غوغول (وفق اساليب مخفيّة وغير مباشرة) كي يقارعه فنيّا ويصبح بنفس مستواه، مثلما حاول غوغول ان يحاكي بوشكين (وفق تلك الاساليب ايضا) كي يصبح بنفس مستواه، ولكن هذا الجانب غير الواضح وغير المباشر يحتاج الى اثباتات وبراهين عميقة و موضوعية، ويخضع كل ذلك طبعا الى وجهات نظر شخصية للباحثين مختلفة و متباينة، بل وحتى متناقضة بعض الاحيان . اختتم العرض الوجيز لهذا الموضوع المهم في علم الادب المقارن بالاشارة الى وجود فلم وثائقي روسي بعنوان – (غوغول و دستويفسكي)، وهذه ظاهرة نادرة في الدراسات المقارنة .

دستويفسكي وغوغول – موضوع كبير ومهم في تاريخ الادب الروسي وفي علم الادب المقارن، وقد انعكس باشكال مختلفة في مسيرة النقد الادبي الروسي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وفي النقد الادبي السوفيتي، ولازال مطروحا لحد الان، وكم نحتاج – نحن العرب – الى متابعة هذا الموضوع وغيره من اجل ان نتفهم تاريخ الادب الروسي وخصائصه ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

عبد الرزاق عودة الغالبيالمغالاة بالشيء تفقده قيمته.. وحتى في الإحساس، فيصبح خُنوعًا وانكسارًا... معاملة ملوك القرون الوسطى لا تجدي نفعًا في زمن الانهيار، هي تجربة مني، إظهار منزلة لعزيز عندي، أدهشتني فيها عكسية في الرد، حرّكت رأس قلمي في الجريان بعد ما كان ماسكًا لزمام أمره، زادت في نفسي قلقًا واحتمالية للفقدان، ربما هو نكران لجزالتي في الإتيان، أو عطاء لطوبائية كينونتي، صار اندهاشي فائضًا عن قيمة الاستجابة، فترك فيها خضوعًا للمحفز، في حضرة تشومسكي و توليديّته أمام أعين خاطري، أظن أني أخطأت في تقويتها حين أعطيت عطيّتي لأزيدها حممها أوارًا، بتكرار الملاحقة لتقوية جذورها في طبع غير قنوع، فزاد كينونته معاندة وتضاد.. هي قاعدة من قواعد وسنن الوجود، ونحن أغبياء لا نتعلم أبدًا حتى نصطدم في نتائج غير محسوبة سلفًا...!!؟؟

وأكملتها بالاستماع، هي نصيحة الصدفة أفضل من درس أُعدّ له مسبقًا، وأدهشتني حين صارت جوابًا كافيًا لجميع تساؤلاتي، وحلًّا منطقيًّا لحيرتي مع سرٍّ من أسرار الله في هذه الأرض أزفت الظروف أن أفقده.. تفضي النصيحة بنسبة العشرين لكل مئة في سلم الاهتمام، فالعطاء لمن تجلّه، هو الأيسر، والزيادة عن ذلك تفضي إلى الخراب والتدمير والفقدان، و قد يفسد الخير فيه حين ينغمس في سوداوية اللامبالاة، وإن زيادتها تفضي إلى البطر بعينه، والتصور بالاعتبار نحو سلبية الخنوع، فتتجه إيجابية المغالاة سلبًا، ويصلب العطاء بكل درجاته النسبية على عمود المغالاة، باتجاه خجل يفضي لخدش في الكرامة .....

الكرامة هبة وثنائية للضمير، وهي عطية الخالق للمخلوق، جوهر في احترام النفس ،فحين ينحصر الضمير في زاوية حرجة عند محاسبة النفس في الأخطاء، تبرز الكرامة بحيثيّاتها للدفاع عن استمرارية العلائق بين مكونات الوعي لدى الإنسان نفسه لاتخاذ القرار الصائب وحل الإشكال، ويخرج هذا الكيان خارج تكوين العقل أحيانًا نحو كينونة أخرى خارج تكويننا الإنساني، ليعلن الإنسان إنسانيته كتميز له عن بقية مخلوقات الله، وبشكل موازي للنفس، فإذا لم يكن الإنسان أنانيًّا لنفسه ستصيبه الأنانية في غيره، فيخرج الإحساس بفعل الأنانية الخارجة عن الحدّ المألوف لتلتصق في ذات أخرى، تختارها رغبته الجامحة في سلوك الثنائيات ...

وتواجهت القوى المالكة لزمام الخير عندي: الضمير مع الكرامة ضدًا في البطر عند مدار مبحثي، وكان التوازن في الانفراج، فالإشكال متأتي من منزع سهم أُطلق يحمل نصيحة فادحة بالثمن والنتائج، لم يصب الهدف لحد الآن.. واستمر فكري في الغوص في أعماق أعماقه، وأطلقت العنان، وقلت في نفسي - حتى كادت كلماتي تداعب أذني- حين أختلط عندي الوعي باللاوعي: مرّت بي السنوات وكأني ما مررتُ بها، فلا أزال جاهلًا... فلا استفدت من رحلتي ولا من سجني.!؟.... ما أتفه الإنسان، فعلًا جعله الله أضعف مخلوقاته.. فكيف يبطر الآخرون بالتظاهر والتفاخر بزيادة في حفنة من معلومات...؟ ألا يعرف هذا أنه حبة رمل فوق ساحل محيط في كون يسع السموات والأرض، محيط لمعرفة لا حدود فيه...ومفاتيحها عند الله... وهذا المخلوق التافه حين يفهم ذرّة يصيبه جنون العظمة، وأدركت مرض الإنسان الدائم، و المتجذّر في كينونته بالأصل، وعرفت توًّا أن الإنسان يخلق جاهلًا ويموت جاهلًا مهما أوتي من علم كما يعتقد هو، أو كما ينعته الآخرون...!؟ فهو لا يفقه إلا ومضة من علم لا تساوي في المقدار حرفًا من حروف اسمه في جهة من ملايين الجهات في تلك الدنيا....

 وأدركت حقيقة أخرى غفل عنها ذهني ستين سنة، سجن الإنسان بين جدارين لا يملك اقتحامهما، جدار الولادة وجدار الموت، يولد  ويموت بمشيئة الخالق، مصيره عند الله في الاثنين، فلا يخلق الإنسان حرًّا، بل يخلق سجينًا بينهما، مقيدًا بالموت الذي لا يعرف موعده، والحياة التي يعيشها كسفينة في بحر هائج لا يدرك متى تغرق،  يعيش وهو يقتات نفسه، يتغذّى جسده من مخلوقات الله، ونفسه تقتات هذا الجسد حتى يذوي ويملّ منه سر الله، الروح، فيأمرها الخالق بالخروج لتسكن جسدًا آخر، حين ينتهي مخزونه في الحد المعقول الذي حدّده الله وأسماه(أرذل العمر) لا يقوى على حمل جسده، يسترد الله ما يملك ويسترد التراب ما يملك، ويعاد هذا المخلوق لطينته ونحن نقولها دومًا وأظننا لا نفهم معناها بالفلسفي- إنّا لله وإنّا إليه راجعون-... وتبدأ تلك العودة منذ يوم الولادة وكأننا نولد سعيًا للموت...

 يبدأ كل شيء في أجسادنا جميلًا، ثم يبدأ بالزوال التدريجي، فتذهب نضارته وجماله وقوته ويصبح مقذوفًا من مقذوفات الحياة في مزبلتها، لا من فائدة ولا من قيمة، فكيف يبطر أحدنا إذًا...إلّا إذا كان متخلفًا...؟ يقسّم الله فترة سجن الإنسان إلى مراحل : طفولة و شباب وشيخوخة وبعدها.. من هو هذا المخلوق المنسي والمحكوم سلفًا بسجن أبدي اسمه الحياة.!؟، ترى، هذا الغبي-بل الموغل في الغباء - يبحث عن السعادة..!، أية سعادة أيها السجين التافه...!  أن تضحك ثوان على مزحة، أن تشرب شايًا في مقهى، أم تأكل وجبة طعام في مطعم فاخر، أم تساكن امرأة في مكان منعزل منعك الله منه بمحدّدات دين...!؟ كن عاقلًا، وانهِ سجنك دون مشاكل...

أليست تلك سخافات لو فكرت في نفسك؟...كن حكيمَا أيها الإنسان ولو مرة، وعش سجنك بهدوء، فالسجين الهادئ لا يملي على سجانه شروطًا... فكيف وسجانك خالقك .... لك جائزة في ساعة الانعتاق، قد تكون الجنة مثلًا...ربما، وأنا واثق لا يدخلها أحد منا في حكم الله، ولسبب بسيط، أننا خلقنا فقط في غرائز الله، وتجاوزنا بها حدود الله، أعطانا الله الكثير من النعم وعصيناه، وها نحن نقتل بعضنا بعضًا ونسرق، وباسمه.... أي تحدّ هذا في معصية الله.... تبًّا لنا من مخلوقات وقحة.... تكفر وتبطر ولا تشكر!.... الجنة لمن يفرش الأرض بالعلم والنماء، وليس بالبطر والعصيان ...ولا دخل للدين في زراعة الخير- الشجر لا يصلي والأنعام لا تسجد وهي تعطي الخير لك بمشيئة الله....فمتى تفهم أيها المارق لحدود الكون وخالقه....!!؟؟ أسأل نفسك ماذا أعطيت....!؟ حكمة الخالق تكمن في خلقنا سجناء في الحياة حتى نعتق أنفسنا بأعمالنا التي تحيي الأرض، لنكسبها في حياتنا و الجنة في الممات، نحن لا ندرك حكمة الله، فتفكيرنا مشغول في الدنيا وملاحقة النفعية فيها، أيها الإنسان تريدها دون مقابل.... أن تكوي جبهتك، وترتدي خواتم بأصابعك، و تصلي ليل نهار لتدخل الجنة، وتلك هي مزحة الزمن فيك، وتظل متعلقًأ في الخطأ والطمع فيما لا تملك، اعقل وانهِ محكوميّتك بهدوء.... جزاك الله خيرًا....!!

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

بارناول- روسيا- 26/4/2019

 

احمد الشيخاويفي مجموعته هذه الصادرة حديثا، عن جامعة المبدعين المغاربة، يطالعنا الأديب المغربي المبدع قطب الريسوني، بمنظومة شذرات تغالبها نكهة الشوقيات والثقافة المنتصرة للحياة والمنبت الرموز الإنسانية عموما.

كتابة تزدان بذاكرة مدينة تطوان، وتوغل في تفاصيل عراقتها وتاريخها وموروثها،وتسحر بسير نجومها.

يرثي الشاعر الكبير محمد الحلوي، فيورد أبياتا وهو الغائب /الحاضر، نهلا من رائعته المترعة بمرارة النبوءة،إذ تخلّد صوته المخملي الهامس (غدا سأرحل):

[غدا يُرفعُ النعشُ فوق الرؤو     سِ ويعملُ في تُربتي المعولُ

وأرقدُ فوق سرير ليس بــلا     غطاء وليس لــــــــــــهُ مخملُ

ويسلّمني الأهل في موكب      إلى مــــــــن يُخيفُ ومن يسألُ

وقدْ يتفجّع ُ لـــــــي شاعرٌ       إذا كان ممّن بنا يحفلُ

نُريدُ لأعمارنا أن تطــــول     وحادي القوافل لا يُمهلُ].

فينتقل داخل حدود تعبيرية،تدغدغ بكريستالية معجمها، ولبوس شعريتها، جوارح التلقي، كي يعصر لنا من دالية عملاق آخر في الأدب،الراحل محمد الصباغ، كؤوسا من معسول الأنهار الأخرى، بدفق مفردات نشاز كأنها انسياب قطر الندى، بوقع على الروح كالبلسم،معها الرواء جدّ مستحيل، حتّى وأديبنا الجميل الدكتور قطب، يستأنف نسج مرثاته، محتفيا بسرب الرموز التي طواها الزمن،واقتطفتها يد الردى، على حين غرّة، بيد أن شعْرياتها وأدبياتها وفيوض إنسانياتها، مجّدتها وبوأتها فوقية كأشهى ما تكون الفراديس الغاوية، في سجلاّت السرميدية والخلود.

تلكم فولكلورية التخييم بمضارب القول البديع،مابين صفحات القصائد العذراء،وآفاق السّرد المخمور بأسرار المدن والتاريخ والهامات.

كتابة تستدعي إلى موائدها،الأحياء أيضا، مثل عبد الكريم الطبال أو ناسك الجبل مثلما يحلو للبعض تسميته،أطال الله عمره، فتغدق عليه من البلسمية وماء الحياة، ما يُلبسه العنفوان مرّتين : عنفوان القصيدة وعنفوان حمامة الشمال تطوان.

يقول قطب:

[ثمّ طفت ما شاء الله لي أن أطوف في معروشاته النغمية، إلى أن قرّ التّطواف في عريش (النمنمات).. ولمّا سُئلت عن السر الذي شدّني إلى شعر الرجل في اقتبالي واكتهالي،أجبت : الأشياء والمرئيات توشوش له بالعجب، ولا يكاد يسمع وشوشتها غيره من الشعراء.. فما لم تقله عندلة لعندلة في عريش الهديل،وما لم تقله وردة لوردة في خلوة الندى، وما لم تقله موجة لموجة على مائدة الرُّغى.. تجده مبثوثا في شعر الطبال،وكأني به مستودع أسرار كلّ رقيق،ونسيق ومشنَّف].

فلائحة طويلة جدا بأسماء سدنة الفكر والأدب والفلسفة والتاريخ، يلوّن بها قطب الريسوني سياحته السردية هذه،والمتماهية مع الخطاب الهذياني الذي يمنحها شعريتها ويرتقي بها إلى مقاصد اشتراكية الهوية، ويذوب بها في البعد الإنساني الراشق بزقزقة النرجسي،وكيف أن ثقافة ووعي " النحن" يرفده ويغذّيه.

استهلالا بالجاحظ وأبو حيان التوحيدي وعباس محمود العقاد، مرورا بمحمد تيمور والأخطل الصغير وسعيد عقل،وانتهاء بمحمد المنتصر الريسوني وحسن الوراكلي.

نجده وقد جزّأ منجزه إلى فصول يتداخل ويتشابك فيها الشعر مع السرد والسيرة مع الذاكرة والعرفاني مع الجمالي إلخ.

يخاطب المدن ويؤنسن الأشياء ويحتفي بالرموز، يثرثر بلغة القلب حينا،كما يرخي للممارسة الذهنية ويتيح لها مساحات كافية، لنضج عناقيد الذات وهي تضمّد انكساراتها، مدّ مرايا الذاكرة والتاريخ والموروث والرموز في ضوء مشتركها الإنساني، المناهض لقوقعة خرائطية الألسن والجغرافيات والألوان والمعتقد.

يهدي مجموعته الباذخة هذه، بما الفعل الإبداعي انكتاب، يهدل بالنوبات العاشقة، فيصطبغ بأريج القصائد هنيهة، وأنتروبولوجية الحكي تارة أخرى، يتغزل بحمامته الأثيرية تطوان فيدندن:

[لأنَّ عيْنيْكِ مْصْباحي

لاَ أكْتُبُ إلاَّ ليْلاَ..

لأنّ ضفائرك سريري

لا أصحُو من غفوة سندس

لأنَّ أنفاسكِ حبري..

تتضوع كلماتي كالصّندل.'

إليكِ.. تطوان

أُهدي " سيرة الأرجوان"].

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

......................

 

* سيرة الأرجوان (مجموعة نصوص) طبعة أولى2019، منشورات جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء.

 

 

ضياء نافعمتحف تسفيتايفا في موسكو هو الشقة التي عاشت بها الشاعرة وعائلتها الصغيرة منذ عام 1914 الى عام 1922 (هاجرت بعدئذ من الاتحاد السوفيتي مع زوجها) . و الشاعرة مارينا تسفيتايفا (1892-1941) هي ابنة بروفيسور جامعة موسكو  ومؤسس متحف الفنون الجميلة  في موسكو واول مدير له ، ووالدتها عازفة بيانو معروفة في روسيا .

عندما قررت الاوساط الثقافية في روسيا الاتحادية عام  1992 تحويل هذه الشقة الى متحف، تم دمج الشقة المجاورة لها مع المتحف، اي اصبح كل الطابق في تلك البناية متحفا، وأقامت تمثالا رائعا لتسفيتايفا في الشارع امام تلك البناية، وهكذا اصبحت تسمية هذا المكان  – (بيت – متحف تسفيتايفا)، ويعدّ واحدا من المتاحف الحديثة نسبيا في موسكو، ويضم الان 45 الف مادة ترتبط بتسفيتايفا وحياتها من رسائل وصور ولوحات وكتب وحاجات شخصية وأثاث ....الخ . لقد زرت هذا البيت – المتحف قبل فترة (انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت تسفيتايفا)، وعندما خرجت، طرحوا عليّ سؤالا هو – هل ترغب ان نعلمك بنشاطات متحفنا الثقافية ؟ فأجبت – نعم وبكل سرور، فطلبوا عنواني الالكتروني، وهكذا ابتدأت باستلام برامجهم الثقافية المتنوعة، والمرتبطة طبعا بالادب الروسي ومسيرته. لقد اختتمت مقالتي المشار اليها أعلاه ببرنامج ذلك المتحف عندما زرته آنذاك، وحاولت بعدئذ متابعة نشاطاتهم الثقافية حسب وقتي وظروفي، واليوم استلمت برنامجهم الثقافي لشهر نيسان / ابريل 2019، ويتضمن خلاصة وجيزة لكل فقرة من فقراته، وكم تأسفت لان ظروفي الان لا تسمح لي بالمشاركة معهم وحضور هذه الفعاليات الجميلة والممتعة حول الادب الروسي، ولهذا قررت اطلاع القراء على بعض فقرات هذا البرنامج بشكل وجيز، اذ في الاقل سيعرف القراء طبيعة هذه البرامج الثقافية، التي يقدمها هذا المتحف للجمهور المتابع لاخبار الادب الروسي، وأظن ان  القراء العرب ربما سيجدون في هذا التعريف الوجيز معلومات مفيدة وجديدة عن الادب الروسي و اعلامه وتاريخه ومسيرته.

الفقرة الاولى، التي اتوقف عندها في هذا البرنامج جاءت بعنوان – توتشيف وفيت، وهما شاعران عملاقان في تاريخ الشعر الروسي بمنتصف القرن التاسع عشر (اي بعد بوشكين) . الخلاصة الوجيزة عنهما في ذلك البرنامج تتناول مكانتهما المتميّزة في مسيرة الشعر الروسي، وتأثيرهما بالذات على شعراء العصر الفضي (وهي تسمية لعشرينيات القرن العشرين تمييزا  لها عن تسمية العصر الذهبي للشعر الروسي، وهو زمن بوشكين)، و تنتقل الخلاصة  للحديث عن انعكاس خصائصهما الفنية في الحياة الثقافية الروسية المعاصرة، وهو موضوع جديد بكل معنى الكلمة، و تختتم الخلاصة عرضها لطبيعة هذه الفقرة بجمل تحمل سمات شعر هذين الشاعرين، وهي كما يأتي – (...و كيف كانا يسكبان الهدوء والسكينة على الاصوات وضجيجها، و الليل على النهار، و الاحاسيس على التعقّل...)، و يتساءل كاتب تلك الخلاصة في النهاية  قائلا – هل كانا يمثلان البوذية الروسية العفوية ؟ . وباختصار، فان تلك الكلمات القليلة عن هذه الفقرة في البرنامج الثقافي لمتحف تسفيتايفا تثير القارئ المتابع للظواهر الجديدة في الادب الروسي، وتجعله متلهفا فعلا لحضور هذه المحاضرة العميقة والطريفة في مسيرة الشعر الروسي .

الفقرة الثانية التي نتوقف عندها قليلا في هذا البرنامج ترتبط بتاريخ المسرح الروسي، وقد جاءت تحت عنوان – (من غريبويديف الى استروفسكي) . يشير البرنامج الى ان المحاضرة هذه تتناول المسرحيات الكلاسيكية البارزة في هذه الفترة الزمنية الطويلة نسبيا في تاريخ المسرح الروسي .

الفقرة الثالثة جاءت بعنوان – (مارينا تسفيتايفا عن الكساندر بلوك)، وهذا  موضوع كبير لازال النقاد والباحثون يتناولونه، اذ ان علاقة تسفيتايفا تجاه بلوك كانت غير اعتيادية بتاتا، فهي لم تستطع ان تتقبّل امكانية ان تقابله وتتكلم معه اثناء حياته، لأنها كانت تعدّه ظاهرة استثنائية وخاصة جدا بين البشر، ولهذا كانت تخشى اللقاء معه وتخجل وترتبك. لقد كتبت له القصائد وارسلتها اليه ليس الا، واحتفظت بطبيعة هذه العلاقة الروحية الغريبة طوال حياتها، ويشير بعض الباحثين الى ان هذه العلاقة تكاد ان تكون (الآهية!) .

الفقرة الاخيرة، التي اخترناها من ذلك البرنامج تدور حول الرواية في الادب الروسي، وقد جاءت تحت عنوان – (المشترك بين ابطال روايات تورغينيف وغانجيروف ودستويفسكي)، وهو طرح جديد في عالم النقد الادبي الروسي، اذ  يتناول مجموعة مختلفة من الروائيين الروس الكبار، بعيدين عن بعض كليّا من حيث الافكار والاسلوب والاهداف ومسيرة حياتهم بشكل عام.

لقد تحولت بيوت الادباء الروس الكبار الى متاحف تحافظ على تراث هؤلاء الادباء، وتساهم في نفس الوقت بدراسة تراثهم ، ومكانة هذا التراث واهميته في مجمل مسيرة الادب الروسي، ومتحف تسفيتايفا هو واحد من عشرات المتاحف الاخرى في روسيا.

متى نحقق نحن اقامة متاحف لادبائنا؟ ومتى نرى بيوتهم وقد تحولت الى متاحف تحافظ على تراثهم، وتقوم بدراسته ونشره ؟ في بغداد يدور الحديث منذ سنوات طويلة عن بيت الجواهري ولكن.....

 

ا.د. ضياء نافع

 

رشيدة الركيكتمر بنا السنين ولا نشعر بمحطات العمر، و من كثرة المشاغل والمسؤوليات قد ننسى العد العكسي الذي يشير اقتراب النهاية.

وباعتبارنا آباء نقذف في اتجاه المستقبل حين نعيش حياة أبنائنا، ثم تتماهى أحلامنا مع أحلامهم لنكتشف أننا كنا نعيش أوهاما صادمة، كلما رمت بنا أمواج الحياة العاتية إلى حيث لم يكن في الحسبان.

تقف بنا حافلة عمر الزمن عند آخر محطة يراودنا فيها شبح النهاية، ونعيش كل أحاسيس العجز، فتقل حركتنا وربما فهمنا أو سمعنا أو بصرنا.

يعم الضعف حواسنا، فتكثر معه الشكوى والحساسية المفرطة، لا نملك عندها سوى الإعجاب بماضينا، ونتكلم عن أنفسنا وكأننا فرسان الزمان الجميل.

لم نعد ننتظر إلا الرعاية و الاهتمام لتعود بنا الأيام كما كنا في الصغر، و لكن مع تجعد وجفاف الجلد يتغير معه لون شعرنا،وتترهل عضلاتنا فتضعف مع إحساس تام بالبرودة في حياة باردة .

إنه سن الشيخوخة وما بعد الستين تبدأ حكاية المسن مع عالم العزلة وحكايته مع القلق والاكتئاب والملل .  ومع كثرة المرض يزداد خوفه من مرض منتظر قد يتوهمه عند كل لحظة وفي أي مكان...

لم تعد قدراتنا العقلية تستوعب بنفس السرعة، وتبدأ قصتنا مع نسيان لكل جديد فنقول  ونعيد نفس الكلام مرارا وتكرارا حتى يسأم من يسمعنا، و تبدو ملامح خرف الشيخوخة، خصوصا عند نسيان الأشخاص والأحفاد وأسمائهم...

تكثر صلتنا بالأطباء من كثرة زيارتهم، وتصبح الأدوية متاعا لنا أينما ذهبنا.

ترتفع نسبة الإصابة بالأمراض المزمنة من سكر وضغط الدم ،ومع ذلك يظل عجز مع صمود في وجه الحياة ورغبة في الاستمرار، غير أننا قد ينتابنا الإحساس بالذنب كلما أحسسنا أننا عبء ثقيل على ذوينا.

هكذا سيؤول واقعنا ولسنا أول أو آخر من سيعبر هذا الدرب، هكذا هي الحياة لكن ما تغير اليوم هو ظروف العيش وضغوط الحياة، ومع انشغال الأفراد، لم يعد الأبناء متفرغون لتقديم الرعاية لكبار السن التي يحتاجونها وإعطائهم الوقت الكافي.

في الماضي القريب كان المجتمع ينظر للمسن نظرة احترام ووقار، كانوا مصدر حكمة وتجربة وخبرة حياتية، نسقى من حديثهم ونأخذ العبر من شموخهم.

كانت حكاياتهم حاملة لمعاني الحياة وكانت تسافر بخيال أبنائنا وتقويه، وفي ذلك تناغم بين ثلاث أجيال في نفس البيت، امتزجت عقليات وأزمنة وإن اختلفت تآلفت.

لا زال صوتك أيها الزمن يسقط شعرنا الذي كنا نعجب به ونتباهى بجماله. اليوم هو شهيد على أنه لم يبق إلا القليل.

هي رحلة مع شيخ هرم أصبح اليوم يعيش الصمت التام، وإن اختلفت رسالته  بين حكمة و إحساس بالقهر، أم هو دخول في ضجيج من الكلمات في عالمه الداخلي؟ وكأنه جاء الوقت للإنصات لتاريخه الفردي يجتره من جديد في نوع من الحنين، يهيم في أحداث مضت وترى عيناه قد تلمع في لحظات افتقدها، وقد تعود مرة أخرى للذبول من جديد كلما عاد للحظة الشيخوخة قد يعم صوت من نوع آخر ربما هو انتظار للحظات الوداع.

حياة داخلية يعيشها المسن كما يريدها في ذاكرته، لكنه يفتقد لاختيار حياة خارجية واقعية وقد حكم عليه الزمن الفاعل اليوم في الأحداث بصيغة الأمر، ربما قد يفرض عليه التنقل من بيت لآخر لتقاسم تحمل مسؤولية رعايته، وربما قد يعيش وحدة قاتلة ولن يجد من يذكره بالحياة و دينامكيتها .

لقد  توقف النهر عن الجريان وحان وقت الجمود ليجف شيئا فشيئا. لم تعد الحياة ضوضاء كما كانت أثناء العمل تبشر بعطلة نهاية الأسبوع أو نهاية الشهر أوالسنة... لقد تشابهت عليه الأيام ولا جديد سوى انتظار لأحد الأبناء البار به، فما بالك إذا وضع في دور الرعاية الإجتماعية؟ منتهى القسوة والجمود العاطفي وكأنها دور انتظار للموت المحتوم.

لم تعد الإبتسامة تزورهم ولم يعد الأمل يدق بابهم ،يبدو أنه لم يعد لمنظر الغروب جمال سوى تأمل لظلام حالك مع إحساس مميت بالعجز.

كثر الحديث اليوم عن دور لرعاية المسنين باعتبارها حلا لواقع التغيرات المجتمعية، لكن أية تغيرات تدفع الإبن للتخلص من أبيه في لحظة ضعفه؟ هل فعل هو ذلك في أقوى لحظات قسوة الحياة؟ أليست المسألة تتعلق بالخلل في منظومة القيم، باعتبارها تعاني من خلل نعيشه كأفراد مثلما  تعيشه  الأسر و المجتمع على حد سواء؟

يبدو أننا نعيش اليوم في مجتمع متبرئ من القيم بل مقبر لها في جل اللحظات ومع أقرب الناس حتى من كانوا سبب وجودنا.

هو نوع من الجحود مفضوح ولكن من سيكشف الأمر سوى الأيام، عندما يفعل به ما فعله بآبائه.

جحود قد يتمظهر في التنقيص من قيمة وكرامة الأصول أو استغلال ما يمتلكون أو حرمانهم منه، بحكم أنهم ليست لهم القدرات العقلية الكافية للتصرف، هو تهميش لدرجة الإقصاء. فهل منحونا الحياة لنسلبها منهم بسبب حب جارف للذات؟ يفضل فيه نفسه عن سواه، أو حتى رغبة في الانفرادية تدفع الأفراد للإنعزال والإبتعاد عن العائلة الكبيرة مكتفيا بأسرته الصغيرة، خارقا لكل قيم التماسك الأسري والعائلي.

يبدو أنه كان علينا أن نلبس البذلة الإلكترونية التي صممتها شركة التأمين الأمريكية والتي تزن ثمانية عشر كيلوغراما وتجعل مرتديها يشعر بوهن كبار السن، لعلنا نتفهمهم  لنتعاطف معهم، لأن أحاسيسنا أثلجت بعد سيطرة النزعة الانفرادية في هذا العصر.

هكذا تهدم جسور الثقة بين الأجيال وتعم الأنانية وحب الذات بشكل مفضوح.

لقد تسلمت الإنسانية مفاتيح الشح العاطفي والجحود من خلال فتح دور المسنين لآباء تخلوا عنهم أبناؤهم ليعيشوا حياتهم غير أن وقتهم لا يكفي لمنح جزء منه لمن منحهم حياتهم كلها.

تتنامى الظاهرة خصوصا أمام ارتفاع عدد المسنين مما سيحمل الدولة تكاليف بناء المزيد من دور الرعاية ومن يرعاهم، الشيء الذي سيفقد الناس الثقة في أبناء سيرمونهم في سلة المهملات عندما تنقضي مدة صلاحيتهم في لحظات ضعفهم.

يبدو أن إنسانيتنا اليوم في محنة وأن علاقاتنا الأسرية في أزمة وأن الجفاء والجحود سيغدو من شيمنا وأننا سنقع فريسة للوحدة والإنعزال ، وسنضطر للتخلي عن كرامتنا في زمن حرمان بعضنا من بعضنا، لينتهي بنا المطاف بحياة يسودها الجفاف العاطفي تنتهي بالذبول والندم على من هم سر قوتنا وسند ضعفنا ومن أحبونا أكثر من أنفسهم، فاستيقظوا ونحن نيام، وأعطونا عندما حرموا أنفسهم ودعوا لنا في غيابنا، فحزنوا لحزننا وفرحوا لفرحنا،طالما رفعوا شأننا بينما رميناهم في سلة المهملات، كلمونا ونحن لا نتكلم وحاولوا فهمنا في وقت لم نكن لا نعرف إلا البكاء، ابتسموا ونحن نلطخ المكان بحجة أننا نتعلم، تألموا كلما لم يفهموا لماذا نصرخ بكاء...

ستصبح الحياة صعبة كلما ذهبنا لزيارة الأصول في دور الرعاية مع أبنائنا، ستصبح الحياة مهزلة، خالية من شحنات عاطفية حقيقية تجمع الناس وتخلق الود والوئام وتنشر قيم الحب والعطاء وقيم الإعتراف بالجميل .

هي ربطة عنق تبدو موضة مزركشة أضفت جمالية على صاحبها غير أنها في الحقيقة خنقت أنفاسه وحرمته من حرية الحياة البسيطة وجمالها في روعة التماسك والحب العفوي والتقدير المريح و النظرة الإنسانية التي تحيي المشاعر وتروي القلوب وترحمنا من قسوة الضمير، ومن القلق الوجودي وفوبيا العلاقات الإنسانية الصادمة...

فرفقا بأنفسنا وبأبنائنا وبآبائنا ولنركب مركب النجاة لنا جميعا وإلا ضاع الجميع وضاعت معه قيمنا الإنسانية السامية في شكل واجبات منقذة من أي ضلال.

 

بقلم رشيدة الركيك

 

ضياء نافعكان بيلينسكي (1811-1848) في الاتحاد السوفيتي الناقد الادبي رقم واحد في كل الدراسات والبحوث الادبية، وكان الاستشهاد باقوال بيلينسكي وافكاره يعني صحة اي موقف من المواقف الادبية في اي نقاش او حوار يجري حول اي موضوع من مواضيع الدراسات الادبية تلك بغض النظر عن طبيعتها وتفاصيلها وأغراضها. وعندما كنّا طلبة في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، كنّا نوصي بعضنا البعض اثناء اداء الامتحانات (وهي شفهية بشكل عام وامام لجان مختصّة) ان (نقحم!) اسم بيلينسكي في اجاباتنا ونذكر اي قول من أقواله ونستشهد بها، كي تبدو هذه الاجابات علمية ومقنعة امام تلك اللجان الامتحانية . لقد كان بيلينسكي رمزا فكريا واضحا لمجتمع الحزب الواحد

 والرأي الواحد، المجتمع الذي انتصرت فيه ايديولوجيا واحدة، ولم تكن تسمح لأيّة ايديولوجيا اخرى حتى بالتعايش معها وبأي شكل من الاشكال، (وتوجد لوحة سوفيتية يقف في يسارها بيلينسكي وفي يمينها رائد الفضاء غاغارين وفوقه العلم السوفيتي يرفرف فوق برلين عندما دخلت القوات السوفيتية منتصرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ويوجد في وسط تلك اللوحة صاروخ سوفيتي ضخم، وتجسّد هذه اللوحة كل المفاهيم السوفيتية حول بيلينسكي وموقعه في الاتحاد السوفيتي)، وقد تم نصب تمثال له وعدة تماثيل نصفية في مدينة بينزا الروسية، وتم حتى تسمية مدينة صغيرة باسمه في محافظة بينزا هذه، وتوجد شوارع وساحات عديدة ومكتبات عامة تحمل اسمه في العديد من المدن الروسية ...الخ .

 انعكس هذا الرأي السوفيتي طبعا على الحركة اليسارية العربية عموما، فقد اصبح بيلينسكي نجما ساطعا في دنيا النقد الادبي العربي، وكذلك بالنسبة لنا نحن العراقيين الذين كنّا ندرس الادب الروسي في موسكو، فقد كتب عنه د. حميل نصيف التكريتي اطروحته في جامعة موسكو، وكان بيلينسكي جزءا من اطروحة المرحوم د. جليل كمال الدين عن النقد الادبي الثوري الديقراطي في نفس تلك الجامعة، وأصدرت المرحومة د. حياة شرارة كتابا في بيروت عن بيلينسكي ضمن سلسلة أعلام الفكر العالمي، وأذكر – مرة- ان جاء المرحوم د . عبد الآله أحمد (الناقد الادبي و الباحث المشهور) الى قسم اللغة الروسية وكان غاضبا وزعلانا على د. جميل نصيف التكريتي الذي كان آنذاك رئيسا لقسم اللغة العربية في كليّة الآداب، حيث كان يعمل د. عبد الآله، وقال بصوت عال وهو يحاول ان ينتقص من علميته – لماذا لا ينشر اطروحته عن بيلينسكي ؟ معتبرا ان ذلك نقيصة في نشاطه العلمي آنذاك، وقد حاولنا جميعا ان نهدّأ من غضبه وزعله بالطبع ونحن نبتسم، ونقول له، ان د. جميل يستشهد بافكار بيلينسكي دائما، وان افكار هذا الناقد الكبير تنعكس تلقائيا على مجمل نشاط التكريتي الادبي حتى دون نشر اطروحتة عنه، الا ان د. عبد الآله (الغاضب على د. جميل نصيف عندها) لم يقتنع بكلامنا ولم يهدأ.

 لكن بيلينسكي لم يكن هكذا عندما ظهر في الساحة الفكرية الروسية في الثلث الاول من القرن التاسع عشر، وانما كان واحدا من مجموعة متنوعة الاتجاهات من النقاد والمفكرين الروس في الثلث الاول من ذلك القرن في روسيا، وكان بيلينسكي ناقدا بارزا وذكيّا وشجاعا، واصبح مشهورا رغم انه كان عليلا بشكل عام و عاش 37 سنة ليس الا (وتوفي بسبب مرض السلّ)، واستطاع – مع ذلك - ان يلعب دورا كبيرا في عالم الادب الروسي آنذاك، وكتب مقالات عميقة في النقد الادبي عن بوشكين وليرمنتوف وغوغول، وكذلك عن ادباء روسيا في القرن الثامن عشر، واصبحت كل تلك المقالات شهيرة في ذلك الزمن بالذات، وأثارت اهتمام الاوساط الادبية في روسيا آنذاك ولازالت تمتلك اهميتها وقيمتها لحد الان ويدرسها الباحثون في تاريخ الادب الروسي، ولكنها – مع ذلك - لم تكن تعني انها الكلمة النقدية الفاصلة والحاسمة، وان اي رأي آخر معاكس او غير مطابق لها او غير متناسق معها هو خاطئ او غير صحيح كليّا او جزئيّا، وانما كان باب الاجتهاد مفتوحا على مصراعيه كما يقولون، وكان هو واحدا من النقاد ليس الا، رغم انه كان ناقدا متميزا بينهم .

 يعدّ بيلينسكي من ضمن اوائل المثقفين والنقاد والادباء الروس، الذين كانوا يؤيدون النزعة الغربية ضد النزعة السلافية، وهو الصراع الفكري الذي سيطر بعدئذ – وبكل وضوح - على مسيرة الادب الروسي لاحقا وعبر كل القرن التاسع عشر، وعندما حلّ القرن العشرون وانتصرت ثورة اكتوبر1917، اصبح الرأي المرتبط بهذه النزعة هو الرأي الصحيح لأنها كانت المضادة للنظام القيصري، النظام الذي أسقطته الثورة، و اصبح الرأي المعاكس له غير صحيحا (اي النزعة السلافية) لانها لم تكن مضادة للقيصرية . ان هذه النظرة (المبنية على الموقف السياسي فقط) في الفكر هي نظرة سطحية بلا شك، لأنها تلغي كل الالوان وتبقي على اللونين الابيض والاسود فقط، دون ان تفهم، انه حتى اللون الابيض (عندما نحلله بعمق) يمتلك العديد من الالوان، وهذا موضوع فلسفي مطروح امام البشرية جمعاء، وكم عانت الشعوب (بما فيها شعوبنا العربية) في مسيرتها من هذه النظرة التبسيطية والساذجة ...

بيلينسكي اليوم في روسيا – ناقد ادبي كبير في تاريخ الادب الروسي، ولكنه ليس الناقد الاوحد . انه جزء مهم وحيوي ورائع ايضا في مسيرة الفن والادب الروسي والفلسفة الروسية، ولكنه ليس كل شئ وفوق كل شئ في هذا البحر الفكري الكبير بامواجه الهائلة والمتلاطمة مع بعض .

 هل تتذكرون شعار – لتتفتح مئة زهرة؟ الشعار الذي كنا نراه معلقا فوقنا، ولكننا لم نراه يمشي حيّا في الشارع معنا وبيننا ... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

848 ايرنوالكتابة وسيلة من وسائل التعبير عن الذات ورحلة في أعماق النفس البشرية، هي حاجة وقدرة على الغوص والتأمل في اللاشعور الإنساني والإحساس الكامل بالحياة وجزئياتها المختلفة.

للتعبير عن الذات عبر الكتابة طريقته الخاصة ودوافعه المتعددة، وهذا بالتحديد ما لجأت اليه الكاتبة الفرنسية آني ايرنو عندما اتخذت من الكتابة وسيلة لتعبر بها عن مكنوناتها الذاتية ولتكون الكتابة بالنسبة لها ملاذها الامن ووجهتها الأخيرة.

ولدت آني ايرنو في عام 1940 من أبوين ريفيين في منطقة (ليل بون) في شمال فرنسا. أكملت دراستها لتصبح استاذة جامعية تدرس الأدب الحديث في جامعة  (إنسي). وهي متقاعدة في الوقت الحاضر ولكنها مازالت تمارس عمل الكتابة الأدبية.

بداياتها الادبية كانت مع ثلاث روايات (الدواليب الفارغة، ما يقولون أو لا شيء والمرأة المجمدة) ومن بعدها بدأت تتخذ كتاباتها منحىً أخر وهو كتابة السيرة الذاتية ومن جملة ما كتبته: المكان (اذ حصلت عن هذا الكتاب على جائرةRenaudot عام 1984)، آمرأة، العيب، السنين، الفتاة الاخرى، كتابة الحياة وغيرها).

فالكتابة بالنسبة لها تجربة ذاتية تنقلها في رحلة الى أعماق دواخلها النفسية وذاتها المتمردة على واقعها المليء  بالمتغيرات والفوارق الاجتماعية والطبقية، وهي أيضاً بحثُ متواصل ودؤوب عن الهوية... هويتها الضائعة بين عالمين متناقضين، عالم البساطة والتلقائية وعالم التعقيد والسطحية المقنعة بقناع الأرستقراطية الحديثة.

تعد كتاباتها وثيقة وصفية لمستويات اللغة في المجتمع الفرنسي، اذ ركزت الكاتبة في أعمالها على الواقع المعيش وحوارات أقاربها ومحيطها هذه الفئة المجتمعية – التي تنتمي اليها الكاتبة – تعاني عدم المساواة والتمييز بين الطبقات، طبقة مهيمنة وأخرى خاضعة. فضلاً عن ذلك تعبر أعمال ايرنو عن معاناة وتجارب عاشتها الكاتبة بنفسها بلغة بسيطة بعيدة عن الرومانسية فهي ترفض الأدب التخيلي مركزة على الأدب الواقعي الذي يتناول الحياة والوجود الانساني ومعاناة الناس في كل مكان.

ايرنو بيدين خط عليهما الزمن ملامحه القاسية، تتنقل برشاقة الفراشة من ورقة لأخرى وبين سطورتجربتها الشخصية غير عابئة بسنين العمر سريعة الخطى،  لتنقل واقعاً طالما ارهقها بتناقضاته وأحداثه المتلاحقة ولتصنع تاريخاً مجسداً وموثقاً معلنةً بذلك عن تجربة حياة هي أبرز شخوصها وإنها على الرغم من أعوامها العديدة فهي قادرة على المواصلة  والابداع وإنها بدخولها عالم الأدب اصبحت أسيرة سحر الكتابة.

 

م.م. إيناس جاسم علي

تدريسية في قسم اللغة الفرنسية

 

حسيب شحادةتحت عنوان ”الكتب التي أفادتني“ ردّ خليل السكاكيني على سؤال طرحه عليه جورجي زيدان، محرّر مجلة الهلال الشهيرة، التي أسسها سنة ١٨٩٢، وما زالت حيّة ترزق، ونشرت الإجابة فيها في الأوّل من حزيران عام ١٩٢٧، ص. ٣٩-٤٤، وكانت الرابطة - مجلّة دينية أدبية علمية ثقافية وسياسية، س. ٢٦، آب-أيلول ١٩٧٢، حيفا، رئيس التحرير حنّا فارس مخّول قد أعادت نشر الإجابة.

يدور السؤال حول ما طالعه السكاكيني من كتب في شبابه واستفاد منها، وهل يكفي المطبوع الآن من الكتب العربية لتثقيف الناشئة، وفي إجابته اقتصر على السؤال الأوّل فقط وقبل ذلك كتب:

”من يسمع كلامك هذا يا سيدي لا يشك أني شيخ انضجته السنون، على حين قد تشيخ انت وقراؤك، واولادك واولادهم وانا لا ازال شابًا، بل في غلواء شبابي. وخير لي - على احترامي الشيخوخة - ان اكون شابًا يحتاج الى رأي الشيوخ من ان اكون شيخًا يحتاج الشبان الى رأيه، على أن الرأي قد يوجد في الشبان والشيب.“

أوّل كتاب وقع في يدي السكاكيني وأثّر في حياته هو كتاب ”صحة المتزوّج والعزب“ (هكذا في الأصل والمقصود: تحفة الراغب في صحة المتزوج وزواج العازب، للطبيب والأديب شاكر الخوري، ١٨٤٧-١٩١٣) وقد يكون أوّل كتاب من نوعه في العربية. وبعده قرأ الكثير من الكتب بالعربية والإنجليزية في الموضوع ذاته، إلا أنّ الفضل الأكبر يعود للكتاب الأول.

كان السكاكيني مولعًا بالصيد ببندقيته منذ أن كان دون العاشرة من عمره، ولكنّه قرأ كتابًا أو مقالة لا يفصح عنهما حول الرفق بالطيور والحيوانات وذم الصيد، فهجر بندقيته من فوره.

استحكمت في السكاكيني لأوّل عهده بالحياة فلسفة سوداء كانت زي ذلك الزمان، وعندما طالع فلسفة فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche, 1844-1900) فيلسوف القوة والحياة بترجمة فرح أنطون (١٨٧٤-١٩٢٢) إلى العربية، تخلّص من تلك الفلسفة والسوداوية. ويضيف السكاكيني بأنّه لا ينسى فضل شاعر العرب الأكبر، شاعر القوة والحياة، أبي الطيّب المتنبي (٩١٥-٩٦٥م.)، الذي أمدّه شعره بالنشاط وتجديد الآمال. ويستشهد بمثل هذه الأبيات ويشير إلى ما يقابلها لدى نيتشه:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومٍ                    فلا تقنع بما دون النجومِ

فمالي وللدنيا؟ طِلابي نجومُها           ومعايَ منها في شدوق الأراقم

دعيني أنَلْ ما لا يُنال من العلى     فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل

 

وفي الناس من يرضى بميسور عيشه   ومركوبُه رِجلاه والثوب جلدُه

ولكنّ قلبًا بين جنبيَّ ما له                   مدًى ينتهي بي في مرادٍ أحدُّه

عش عزيزًا أو مت وأنت كريمٌ              بين طعن القنا وخفقِ البنود

واطلب العزّ في لظى ودع الذلَّ              ولو كان في جِنان الخلود

ونيتشه يقول: نحتاج إلى الكبرياء لا إلى التواضع.

ويكتب خليل السكاكيني بعد مقارنة خاطفة بين ما نظم المتنبي وما كتبه نيتشه:

”لو رحت أقابل بين ما قاله المتنبي وما قاله نيتشه لوجدت - مع احترامي لنيتشه واعترافي بفضله - ان المتنبي يضع مئة نيتشه تحت ضبنه“ (أي: إبطه) (ص. ٤٣).

وينهي السكاكيني إجابته متطرقًا إلى الجوّ الخرافي الذي نشأ فيه، فالخرافات كانت سيدة الموقف فهي من مصلحة الحكومات والرئاسات الدينية وقتذاك. ظلت الحال على هذا المنوال حتى صدور مجموعتي الدكتور شبلي شميِّل (١٨٥٠-١٩١٧) الأولى والثانية اللتين امتازتا بالصراحة بلا تردد وبأسلوب جديد لم يعرفه الشرق، وبعد قراء تهما تخلّص السكاكيني من الخرافات التي كانت تعشّش في قلبه وعقله. وكان السكاكيني قد قرأ كتبًا ورسائل كثيرة ردّت على آراء شميّل مثل ما كتبه إبراهيم الحوراني والأب فرج صغير، إلا أنّها لم تقنع السكاكيني. ومن أعلام التفكير الحرّ يذكر السكاكيني سلامة موسى ومنصور فهمي وطه حسين ومحمود عزمي.

ويقول الساكيني في نهاية جوابه، إنّ المدارس آنذاك لم تُعن بالحياة بل كان ديدنها تحضير تلاميذها للآخرة، الخير كل الخير، معناه اعتزال الحياة والشرّ كله كامن في الحياة. الغاية من المدرسة مثلا كانت حفظ الدروس بدون فهم، والكتب التي كانت متداولة في المدرسة لم تكن مستمدة من الحياة.

وأخيرًا يصرح السكاكيني أنّ أوّل كتاب عالج مؤلِّفه مواضيعَ حياتيةً وقرأه ففهم ما تيسّر له آنذاك، هو كتاب الفارياق (المقصود: كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق) لأحمد فارس الشدياق (١٨٠٤-١٨٨٧). ويعلّق السكاكيني (١٨٧٨-١٩٥٣) عليه بقوله:

”ويسوءني ان اقول ان ذلك الجانب الذي فهمته من الحياة من ذلك الكتاب لم يكن لامعًا. وعلى قدم عهد ذلك الكتاب لا يزال أسلوبه جديدًا إلى اليوم!“.

 

إعداد حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

ادركت أننا تائهون فى عالم الخداع وتعلمت أن الثقة لا تهدى وأن الصراحة جرح والمجاملة فن لمن يستطيع التعامل به .

منذ صغري وأنا أعاني من مشكلة في ردات الفعل التي تنتابني كأن أبكي في قمة السعادة لأنني أخاف من انقضائها أو أدفع ضريبتها الحتمية بالكثير من الحزن أو أن أبتعد عن أمي في خضم حاجتي لحضنها لأنني أريدها أن تحتضنني لأتكور في حظنها كجنين من جديد، أو أن أنزوي وحيدة في ساحة المدرسة حين تحصل صديقتي المقربة على صديقة جديدة بدلا من أن أملأ مكاني وأبقى جوارها حتى لا يتسع لغيري مطلقا ..هذه أنا منذ الطفولة وحتى الشباب لا أعرف كيف تقال كلمة لا تذهب لأي راحل لا أشعر أن بمقدورها تغيير مجرى الأحداث ولا أستطيع التعبير عن حبي بالتوسل أشعر أن الحب لا يشحذ أو يؤخذ كرها ولا حتى رفعا للعتب وها أنا أعاود الإحساس بمشاعر الطفولة ذاتها، أحبك فأقرر الابتعاد خوفا من أن تتضخم في قلبي أكثر رغم معرفتي أن للأشياء ذروة ما إن بلغناها لا شيء قادر على جعلنا نعود كما كنا بعدها ورغم معرفتي أنني استهلكت كل شموع قلبي كي أوقد حبك وأنني لا أملك إلا شمعة وحيدة أستطيع استخدامها لحرق روح لا تقدر على فراقك بعد الآن حدث ماخشيته لم يعد الفراق أمرا قدريا أستطيع أن أطيقه لم يعد بأمكاني الدعاء لله أن يهبني خيراً ليس فيه أنت، فيبقى الأمل هو ذلك الشعور الداخلي بأنه هناك دائما من يرعاني ويأخذ بيدي هو ذلك الصوت الذي اسمعه مناسبا بداخلي عندما ترفض روحك الإنصات الي ّ كل شيء زائف في هذا العالم ..الأمل هو هدية الله لنا، هو لطفه علينا، هو عربون محبته لنا وأنه لن يتركنا وحدنا مهما حصل وبأننا تحت رقابته ورعايته ...

 

بقلم :ذكرى البياتي