haseeb shahadaهذه ترجمة عربية لقصّة بالإنجليزية وصلتني على بريدي الإلكتروني.

”محادثة في العمل بين توم وجاك:

توم: يا جاك، إنّي مشترك في دروس مسائية منذ ثمانية أشهر، وسأتقدّم للامتحان في الشهر المقبل.

جاك: آه!

توم: هل تعرف، على سبيل المثال، من هو توماس إديسون؟

جاك: لا

توم: إنّه مخترع المصباح الكهربائي، لو  اشتركت في الدروس المسائية لعرفت ذلك.

وفي اليوم التالي دارت نفس المحادثة:

توم: هل تعرف من هو غاندي؟

جاك: لا

توم: إنّه المهندس الرئيسي لاستقلال الهند، لو  اشتركت في الدروس المسائية لعرفت ذلك.

وفي اليوم التالي دارت نفس المحادثة:

توم: وهل تعرف من هي ج. ك. رولنچ؟

جاك: لا

توم: إنها مؤلّفة سلسلة هاري بوتّر،  لو  اشتركت في الدروس المسائية لعرفت ذلك.

هذه المرّة اغتاظ جاك فقال: وهل أنت تعرف من هو كيڤن جوني؟

توم: لا

جاك: إنّه الشاب الذي يتسكّع مع زوجتك كلَّ يوم!! لو توقّفت عن حضور الدروس المسائية لعلمت.

العبرة: في الحياة هنالك أمور أهمّ من العمل والمعلومات العامّة.

Source: http://www.funnyfunnyjokes.org/

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي.

 

mohanad salahفي إشارة سابقة قمت بالتنويه لكل الأشكال الثقافية وبكافة صنوفها الفكرية عن تشكيل (مختبرات ثقافية) تكون بمثابة النافذة التي يطل من خلالها المثقف على الساحة . بعد أن يمر بالعديد من عمليات التوجيه والتثقيف يقوم بها أساتذة مختصون يحملون بداخلهم هما حقيقيا تجاه المشاريع الفكرية وعمليات تصديرها للجمهور. وإن هذه (الفلترة) تبدأ من بناء الشخصية وصقل الموهبة وتمر بتمارين متعددة تشمل آليات الحوار والنقاش وإتقان اللغة والنحو، والكثير مما سيجعل من الشخص الداخل ضمن إطار هذه (المختبرات) تجربة ناجحة تستحق إرتقاء المنصة وتحمل مسؤولياتها . وما نلاحظه اليوم هو عدم إنسجام ما يطرحه المعتلي للمنصة مع الضوابط الأخلاقية واللغوية والمعرفية وإنتهاءا بطريقة الطرح التي لا تتعدى كونها حوارية في مقهى للباعة أكثر من كونها ندوات وجلسات تستدعي منا إعطائها الحجم الحقيقي الذي تستحقه . ومثال ذلك ما نراه على أرض الواقع في أي محفل يعاني من عدم الترتيب أو الإختيار الناجح لصاحب النشاط أو المقدم أو حتى المحاورين على حد سواء . وتجب الإشارة ايضا الى إن من أهم آليات (الحوار والتلقي) هي إمتلاك المحاضر لكل الأدوات الفكرية والأخلاقية التي تؤهله لإعتلاء المنصة كي يكون قادرا على تقديم مادته بشكل يجعل منها قد إستوفت كل الشروط التي تؤهلها أن تكون ذات خلفية تحاكي المستويات المعرفية للجمهور وتجذبه نحو مناطق التشويق والإثارة، وتذهب به نحو التساؤل، وتفجر داخله روح المتابعة والتفاعل . كما عليه أيضا كمرتكز لجوهر الجلسة أن يكون قادرا على ترتيب أفكاره ومستعدا لأي مداخلة أو حدث مفاجئ لم يكن بحساباته التي أعد لها مسبقا، وهذا لن يتم إلا إذا كان الشخص (المعتلي للمنصة) أو (المحاورين له) أو (مقدم الجلسة) قد مروا جميعهم بمراحل متعددة داخل آليات (المختبرات الثقافية) كي يكونوا مؤهلين لإنجاح الجانب المهم من أي نشاط يراد له النجاح . وإلا فإن النتائج ستكون مبتذلة وغير مستحقة لقيمة المادة التي ستطرح أو ربما لا تكون بحجم ذائقة الجمهور .. وقد تزايدت هذه الأيام (ظاهرة الإسقاطات الأخلاقية) داخل مساحة الفعل الثقافي والمعرفي . فمن المتعارف عليه إن أي جلسة يتم التقديم لها . تعتمد على عدة محاور . منها (قدرة المقدم على إدارة الجلسة ودراسته الكاملة لشخصية المحاور والمادة التي سيطرحها / إمتلاك صاحب التجربة المستضاف لكل ضوابط الحوار والطرح / إلتزام المحاورين بسياق الجلسة وإحترام الثوابت الأخلاقية، عبر تكثيف الفكرة داخل متن المحاورة، وطرح الأسئلة على المحاور، وعدم التشظي أو الإنجرار لنقاشات مع الجمهور من شأنها أن تحول الجلسة الى فوضى تؤدي الى فشلها) .. وكل ما تقدم يقع على عاتق المؤسسات الراعية للفعل الثقافي، والتي بدورها يجب أن تعي بأن أي مسار ستتخذه سيؤثر على مستقبل الفرد الذي ستقدمه للساحة، وستلتصق تجربته بها كمقدمة له سواء في السلب أو الإيجاب، لأنها من نظر وثقف له أمام الجمهور، وإن جميع التوابع والمعطيات ستكون هي المفاتيح التي ستفك شفرات النزوح نحو مناطق الوعي لدى كل أطراف المستوى المعرفي .. كما ان المتلقي والقارئ يتحمل مسؤوليات أكبر في تحديد البوصلة الخاصة به واتجاه الاشارات الفكرية لها كي تكون بنفس المستوى الذي نطمح أن تصل له التجارب، والتي أما أن تكون مستحقة وجاهزة لتصديرها نحو المستقبل، أو إننا كجمهور سنكون مساهمين في تشويه معالمها ومارسنا دور اللامبالاة مع ما تنتظره منا الأجيال القادمة من أفق يستحق أن تفتخر بوصوله لها ...

 

مهند صلاح

 

البعض وليس الكل من الشعراء والكتاب والصحفيين ينتقدونني لأنني اكتب باللغة العربية بحجة انني كوردي الاصل والمنبع وهذا السبب كافي لكي اتنازل عن ما اكتسبته من معرفة وفكر وفلسفة وادب من الثقافة العربية واستبدل اللغة التي اكتب بها الشعر والقصة والمقالة رغم انني اكتب باللغة الكوردية ايضا الشعر والقصة القصيرة لكن هذا بالنسبة لهم لا يجدي نفعا ولا قيمة له ما دمت اكتب بالحروف العربية لذا بأعتباري مبدعا وضعت كلامهم وانتقادتهم في خانة مليئة بعلامات الاستفهام في ذات الوقت اقف امامهم بالمرصاد وارد على اسئلتهم وانتقاداتهم بذات الاسلوب الذي ينتهجونه معي هنا ينتهي الحوار وتسدل الستارة عن فصل اخر من النقد الذي اتعرض له بشكل شبه يومي لكن هذا لا يقلقني ولا يتعبني ولا يرهقني بل يزيدني قوة واصرارا وعزيمة وثقة وارادة في مواصلة طريقي نحو المجد فالمبدع الحقيقي يكتب بلغات العالم ويتعلم منها ويكتسب ثقافتها ومعرفتها ويروضها كما يشاء في قلمه ليزركش الورق ادبا وفكرا وفلسفة فأنا شاعر وكاتب كوردي الاصل والمنبع اكتب بلغتي الام وفي ذات الوقت اكتب باللغة التي يتكلمها اكثر من نصف مليار انسان وبهذا انقل واحلل وافسر ثقافة وطني وتراث شعبي وقضية امتي لكل الناطقين بالعربية ففي الوقت الذي ينتقدني البعض هنالك من يرفع قبعته احتراما وتقديرا لي لأنه يعرف قيمة ما اكتسبته من مهارات لغوية وثقافية ومعرفية من لغة غريبة عن لغتي الام وكتبت بلغة اخرى كلمات في العشق والحضارة والانسان هي دليل قاطع وملموس على ان الامة الكوردية تملك مواهب وطاقات ابداعية تستطيع مواكبة الحاضر في المحافل الادبية والفكرية والفلسفية العالمية .....

قال احد المثقفين الكورد لي ذات يوم .....

رغم فارق السن الكبير بيني وبينك لكنني احترمك كثيرا بطول هذا الفارق الزمني بيننا .

قلت له لما ......

قال لي لأنك شاب كوردي موهوب ذكي وشخصية فذة مناضل ومكافح تسلق هرم الثقافة والفكر والادب باللغة العربية في بيئة تكاد تخلو من هكذا ثقافة في الوقت ذاته تقرأ الكتب العربية المتنوعة بشراهة وبهذا تتعلم وتكتسب خفايا واسرار هذه الثقافة وتكتب وتنشر كتاباتك وتصنع لنفسك مكانة بين نخبة الشعراء والكتاب كمبدع كوري يكتب باللغة العربية اجمل واحلى الكلمات وتهديها للعشق والحضارة والانسان .

المفارقة هنا ان بعض من قالوا لي كلمات وعبارات النقد كانوا متواجدين في معرض اربيل الدولي يشترون الكتب العربية ويلتقطون الصور مع كتاب عرب هنا يطرح السؤال نفسه .....

الى متى سيرتدي البعض من الشعراء والكتاب والصحفيين ثوب النفاق هذا ام للقضية ابعاد اخرى تبدأ بالحسد والشعور بالحرمان والنقص الثقافي اللغوي للاخر نهاية بالتهميش والاقصاء  .

لكن هذا لن يزعزع تطلعاتي واحلامي لأنني سأواصل الزحف نحو المجد بقلمي بقصائدي بقصصي القصيرة بمقالاتي وباللغة العربية لأنني انقل الحضارة والعشق والانسانية بعقل وقلب كوردي الى العالم العربي وهذه مهمة في غاية التعب والارهاق لطالما عانيت من خلالها الكثير من المصاعب والعقبات منذ اولى خطواتي في عالم الابداع عام 2002 بشكل علني منظم من حيث بداية نشر كتاباتي في الصحف والمواقع العربية والعراقية وسأبقى الى الرمق الاخير اقاتل بقلمي الكوردي بما يحمله من ثقافة وفكر وادب باللغة العربية على جبهات الابداع .

 2

في معرض اربيل الدولي للكتاب هذا العام عرضت دور النشر كل كتبها بقديمه وجديده ووضعت اثقالها على عتبة هذا الكرنفال الثقافي العملاق الذي تلبسه اربيل العاصمة من كل نيسان كعادتي التي لا استطيع الاستغناء عنها احرص على التواجد بشكل منظم كل عام في هذه التظاهرة لأن الكتاب كان الرفيق الاول لي في مسيرتي نحو عالم الابداع فلقد عشت طفولتي بين اروقة وزوايا مكتبة ابي العظيم في بيتنا الكبير الذي كنت في الملك والامير .....

فعشقي للكتب كعشقي للنساء للسجائر للبيرة اللبنانية (المازا) لهذا احاول قدر المستطاع ان اشتري الكتب لكي ابتعلها واحولها لفضلات لكي تنمو ذاكرتي الادبية والفكرية والفلسفية وتنمو معها افق الوعي والادراك لخفايا واسرار فوضى الحياة بكل شيء واي شيء رغم ان الكثير من الاشياء ما زالت تحوم حولها علامات الاستفهام وبهذا يكبر الشك في دهاليز عقلي وينتهي في نهاية المطاف الى علامات استفهام اخرى اضعها بجانب الاخرى ......

evan aliالشيء الغريب والعجيب هنا ان الكتب ما زالت تحتفظ برونقها والقها لكن بحلة تجارية فمعظم الدور المشاركة في هذا التجمع الثقافي السنوي عرضت الثقافة بأسعار باهضة وهذا ان دل على شيء فهو دليل واضح على انها تطبع النتاج الانساني وتبيعه بأسعار شبه خيالية مقارنة بأسعار الكتب في مكتبات العالم وبهذا يكون الربح هو الحافز الاكبر لطبعها فلقد تحولت بعض دور النشر الى شركات تجارية صرفة الجانب المعلن فيها انها تثري رفوف المكتبات بنتاجات المبدعين لكن الجانب الخفي انها تتعامل مع الكتب كأداة ووسيلة لجمع المال ..... والحجة هي ارتفاع الدولار وغلاء اسعار الورق والحبر؟

من حسن حظي انني ادركت الكثير من الاشياء والامور من خلال تعلمي واكتسابي مهارات الثقافة والفكر والفلسفة من الكتب منذ طفولتي وبهذا فأن هكذا العبارات بالنسبة لي هي تبريرات لا قيمة لها لكن لا مفر من ان ادفع المبلغ المطلوب لشراء هذا الكتاب او ذاك لأنه من المستحيل ان احصل على ذات الكتب من المكتبات لكون ان اللغة العربية تعاني مشكلة الانقراض في المجتمع الذي اعيش فيه فلا قيمة للشاعر والكاتب امام بائع الكتب اي نعم سيعامل بشكل ثقافي وسيتم تقدير مكانته كمبدع من الجانب النظري لكن عندما يتعلق الموضوع بالدرهم والدينار فعلى الشاعر والكاتب ان يدفع ثمن الكتاب او الكتب كما يريد بائعها وبهذا يكون هذا هو الجانب العملي ......

ما يرهق ذاكرتي هنا ان تمتد مفاهيم وقيم الرأسمالية الى اروقة دور النشر وبهذا ينتشر مفهوم الطبقية بين الكتب ويتم جر الكتب الى مستنقع الربح حينها سأكتب رسالة ثورية الى ماركس اقول فيها ان رأس المال يباع الان بالمال .....

ايفان زيباري - شاعر وكاتب

.................

يسارا انا وانت .. نمضي نلتقي

1

على ارصفة الليل

تتمايل

شفتاك الممتلئتان

يسارا

تهاجر

عيناك الخضراوان

يسارا

2

يسارا .....

يرقص العشق

فوق نهديك

يثمل الشعر

في خديك

تغرد السعف الحمر

على حاجبيك

3

يسارا .....

تحاور عشتار

ضفائر الحرير

يرسم الياسمين

لهفة الخليل

يزهو القلب

بحديث النديم

4

يسارا .....

نمضي

انا وانت

الى الأمام

بصحبة الرفاق

الكأس والسيجار

5

تزحف

وشوم جسدي نحو خاصرتك

يسارا .....

ليسكر حرفي

ليضمد جرحي

ليبعث قلمي

ليصمد وجعي

حين يراك

لتنبت القصيدة

لتولد البندقية

لتحيا الثورة

حين تلقاك

6

يسارا .....

نلتقي

انا وانت

لا رجوع ولا استسلام

فخطايا ارصفة الليل

لا تمحوها

ذاكرة

العطر والمطر

 

 

saad jasemحتى لا اكون مُغالياً في تساؤلاتي التي سأطرحها هنا، سأقول في البدء اننا وللكثير من الظروف والاسباب والعوامل الموضوعية اصبحنا نمتلك الكثير من الثقافات التي منها ماهو سايكولوجي ومنها ماهو سسيولوجي ومنها ماهو سسيو- ثقافي ومنها ماهو خارج كل التسميات والتعريفات. ومن هذه الثقافات التي اصبحنا نمتلكها الآن وبقوة هي ثقافة النسيان التي ارى انها قد اصبحت شائعة ومستشرية في جميع اوساط مجتمعنا وخاصة وسطنا الثقافي.وإزاء احساسنا بوطأة وقسوة هذه الثقافة نريد ان نتساءل :

 مَنْ منا يتذكر شخصياتنا الفكرية والعلمية ومنها على سبيل المثال: (الدكتور علي الوردي والدكتور احمد سوسه والدكتور طه باقر والدكتور جواد علي والدكتور مصطفى جواد والدكتور فيصل السامر والدكتور عبد الجبار عبد الله والدكتور بهنام ابو الصوف وهادي العلوي وكوركيس عواد وعبد الحميد العلوجي والدكتور قيس النوري والدكتور حسين علي محفوظ)؟ وكم منا يتذكر مبدعينا وروادنا في الشعر والقصة والرواية والنقد مثل (عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وعبد الحق فاضل وجعفر الخليلي وحسين مردان وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومحمود عبد الوهاب ومهدي عيسى الصقر ود.علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس ود.عمر الطالب ومحمد الجزائري وعبد الجبار داود البصري)؟ ثم ألسنا نحن متناسين للكثيرين من مبدعينا الحقيقيين الذين غاب البعض منهم في ظروف قاهرة وموجعة والبعض منهم قد مات مغدوراً امثال: (محمود جنداري ومحمود البريكان وحسن مطلك وحاكم محمد حسين وخليل المعاضيدي وعزيز السيد جاسم ود. حياة شرارة)؟ وهل يمكننا ان ننسى الادباء: جليل القيسي ومحيي الدين زنكنه وعبد الستار ناصر وحمد صالح وكاظم الاحمدي ومحمد شاكر السبع وحامد الهيتي ومهدي علي الراضي ومحسن الخفاجي وزيدان حمود ومهدي جبر؟

والمحزن في ثقافة نسياننا هو اننا لم نعد نتذكر او نستذكر مبدعين منا قد رحلوا وهم في قمة حضورهم وعطائهم الابداعي ومن امثال هؤلاء الشعراء: يوسف الصائغ وسركون بولص ومؤيد الراوي وآمال الزهاوي ورعد عبد القادر وكمال سبتي ومحمد علي الخفاجي واحلام منصور وعقيل علي وصاحب الشاهر وكزار حنتوش وحسين عبد اللطيف ورياض ابراهيم وعبد اللطيف الراشد وخالد جابر يوسف واديب ابو نوّار)؟

اما الاكثر شجناً فهو نسياننا لادباء غابوا عنا وهم في أوج شبابهم ومنجزهم الابداعي ومنهم على سبيل الذكر: عبد الامير جرص واسماعيل عيسى بكر ورعد مطشر واحمد آدم ومحمد الحمراني وحسين السلطاني وخضير ميري)؟

نعود ثانية لنتساءل: ترى أليس من حق هؤلاء المبدعين الراحلين علينا ان نقوم باستذكارهم بطرائق وسبل مختلفة ومنها اقامة الجلسات الاحتفائية بذكرى رحيلهم وطباعة مخطوطات ابداعاتهم الادبية التي لم يتسنَّ لها ان تُطبع من قبل، وكذلك اعادة طباعة بعض نتاجاتهم التي نفدت في المكتبات؟ ويمكننا ان نتساءل ايضاً: هل ان ثقافة النسيان اصبحت سائدة لدينا اكثر من ثقافة الذاكرة وثقافة المحبة والوفاء العاطر احتفاءً منا بالغائبين من ادبائنا وعلمائنا ومفكرينا واعلامينا وفنانينا الجديرين بالاحتفاء والذكرى؟

 

سعد جاسم

 

 

saleh altaeiيوما بعد آخر وبسبب المنافسة بين الكتاب الالكتروني والكتاب الورقي بدأت المكتبات تزيد من درجة عنايتها بالخدمات التي تقدمها للقراء لكي تستقطبهم إليها، وأكيد أن هذا ليس في بلداننا العربية وإنما في العالم المتقدم، لأن المشاريع العربية جاءت لذر الرماد في العيون وتمجيد الحكام، وللمباهاة لا أكثر، لأن المشاريع التي بدأ العمل بها لا تتناسب أبدا مع حجم أصغر دولتين عربيتين، بادرتا إلى تقليد العالم، وأنشأتا مكتبتين، تكفي كل واحدة منهما لإسكان جميع شعبيهما سوية، فدبي استثمرت مبلغ مليار درهم لإنشاء مكتبة بمساحة تتجاوز المليون قدم مربع، وبإجمالي كتب يبلغ 4,5 ملايين كتاب، بين كتب مطبوعة وإلكترونية ومسموعة، وبعدد مستفيدين متوقعين يبلغ سنويا 42 مليون مستفيد، بحجة  أن العالم العربي يواجه فجوة معرفية حضارية، ولابد من مشروعات بحجم هذا التحدي الثقافي التاريخي لسد الفجوة. وستكون المكتبة ببنائها الضخم الذي يقع على خور دبي بمنطقة الجداف، محطة لأكثر من 100 فعالية ثقافية ومعرفية سنوية، ومعرضاً دائماً للفنون، وحاضناً لأهم المؤسسات المتخصصة بدعم المحتوى العربي. وستعمل على طباعة وتوزيع 10 ملايين كتاب في العالم العربي خلال الأعوام المقبلة.

وعلى نهجها ولكن بشكل ساذج وبسيط، حذت الشارقة مع المكتبة القاسمية التي أنشئت عام 1925 كمكتبة خاصة للشيخ سلطان بن صقر القاسمي وورثته، وبقيت في الحصن حتى سنة 1956م حيث نقلت إلى مبنى جديد أقيم في ساحة الحصن تحت مبنى المضيف. ثم انتقلت إلى الحاكم الشيخ خالد بن محمد القاسمي، وبعده إلى الحاكم الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حيث نقلها إلى مبنى البلدية بالقرب من قاعة أفريقيا، تحت مسمى مكتبة الشارقة.

في مرحلة لاحقة، انتقلت إدارتها إلى وزارة الإعلام والثقافة مدة بسيطة، ثم استرجعها الشيخ سلطان لتتبع الدائرة الثقافية بالشارقة. وعند تأسيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عام 1980 تم نقل إدارة المكتبة لتتبع الدائرة، حيث كانت قاعة أفريقيا مقرا لها.

وفي عام 1987 نقلت إلى مبنى المركز الثقافي بالشارقة. وأخيرا، وفي عام 1998 تم نقلها إلى المدينة الجامعية باسم "مكتبة الشارقة". وفي مايو 2011 افتتح الحاكم الشيخ سلطان المبنى الجديد للمكتبة في ميدان قصر الثقافة، وهي تضم الآن عدة فروع، منها: مكتبة خورفكان العامة، مكتبة دبا الحصن، مكتبة كلباء، مكتبة الحمرية، مكتبة وادي الحلو، مكتبة الذيد.

ومع وجود نوع من الحراك المكتبي في مصر والمغرب العربي وبعض دول الخليج فضلا عن سوريا قبل الأحداث، إلا أن أهم البلدان العربية وهو العراق لم يشهد حراكا مكتبيا حقيقيا منذ عام 1963 ولغاية هذه الساعة، بل إن الكثير من مكتباته أغلقت وحولت بناياتها إلى دوائر عسكرية وأمنية وإدارية بعد أن أخليت من الكتب والمواد، وحتى التي سلمت منها، تعرضت بعد التغيير إلى النهب، والقلة التي نجت من كل ذلك، بقيت على حالها، ولم تجر عليها أي عمليات تطوير أو تحديث.

أما في الجانب الآخر فالموضوع يختلف كليا، فاليابان مثلا فيها مكتبة "ناكاجيما" بجامعة أكيتا الدولية، إحدى أجمل المكتبات في اليابان. وهي مفتوحة أمام الزوار للقراءة على مدى 24 ساعة في اليوم، وعلى مدى 365 يوماً في السنة، بمعنى أنها لا تغلق أبوابها طوال العام.

تأسست المكتبة في عام 2004، وسميت باسم مؤسس ورئيس جامعة أكيتا الدولية الأول الدكتور "مينيو ناكاجيما". وتحتوي على ما يزيد عن 70000 كتاب وأكثر من 180 مجلة ومحطات متعددة للقراءة بدرجات حرارة وإضاءة مختلفة ومقاعد بأطوال مختلفة، مما يمكن جميع الطلاب من إيجاد البيئة المناسبة لهم للقراءة. وهي ليست حكرا على المنتسبين للجامعة فحسب، فدخولها والإفادة منها مسموح لجميع أفراد الشعب. ومقارنة بسيطة بينها وبين جامعة دبي تكشف لك جدية منهج الآخر وعبثية مناهجنا التي لا تختلف كثيرا عن أطول جسر وأعلى برج وما شابه!

أما في أمريكا وتحديدا في جامعة "ستانفورد" فقد وصل عدد المكتبات داخل الحرم الجامعي إلى 20 مكتبة ، توفر الكتب والمجلات والأفلام والخرائط والبيانات والصور، إلى جانب خدمات البرمجة والتكنولوجيا والخدمات المكتبية المختلفة.

وقد خصصت كل مكتبة منها إلى أحد العلوم، فمكتبة "كرين" مخصصة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، ومكتبة "لاثروب" لخدمات التكنولوجيا، وتخصصت المكتبات الأخرى في الفنون والعمارة والعلوم والقانون والموسيقى وغيرها. ومن بين مكتباتها المهمة مكتبة "ديفيد رامزي" للخرائط من القرنين 18 و19 عن أميركا الشمالية والجنوبية، ومكتبة شرق آسيا المتخصصة في المواد باللغة الصينية واليابانية والكورية. وهكذا يتواصل طلاب الجامعات الأمريكية مع العالم كله!.

أما بريطانيا ذات التاريخ المكتبي العريق فقد قامت عام 2013 باستبدال مكتبة "برمنغهام" المركزية القديمة، بتحفة هندسية معمارية  تعتبر أكبر مكتبة عامة تفتتح في المدينة بتكلفة 189 مليون باوند، وهي من تصميم  المهندس المعماري "فرانشين هوبين" الذي وصف مبنى المكتبة بقصر الناس. وإلى جانب المكتبة، هناك المبنى ذو الطوابق العشر الذي يستضيف أهم الوثائق والصور والكتب النادرة عالمياً. وتمكن المرافق الجديدة في مبنى المكتبة كالمعرض الفني الجمهور من مشاهدة صور ووثائق هامة وثمينة للمرة الأولى.

كما ستضم المكتبة مسرح أستوديو جديد ومدرج في الهواء الطلق وأستوديو تسجيل. أما شرفتها  فتطل على حديقة خارجية غنّاء. وتحوي المكتبة اليوم ملايين الكتب والموسيقى والأرشيف والمصادر التراثية  والصور الفوتوغرافية والكتب قديمة جداً.

ولم يقتصر أمر التغيير والتبديل والتطوير على البلدان الأوربية، فعلى بعد ساعتين من وسط العاصمة الصينية بكين، وفي قرية صغيرة تدعى "جياوجيهى"، ستجد نفسك محاطاً بالطبيعة الخلابة ومنازل القرويين التي تقع بينها مكتبة ليوان وهي من تصميم المهندس المعماري الصيني "لى شياو دونج". وفي تصميمها الذي ينسجم مع الطبيعة، استخدم المهندس آلاف العصي المجمعة من الأشجار التي يجمعها أهل القرية سنوياً.

المكتبة المحاطة بالجبال ومناظر الغابات الطبيعية تقع على مسافة 5 دقائق من منتصف القرية، وتضم من الداخل مساحات واسعة للقراءة الهادئة والتأملية و سلسلة من المنصات التي تدمج رفوف الكتب وتحوي مقاعد للجلوس.

وأوجد المهندس "لى شياو دونج" نظاما هندسياً يحافظ على اعتدال درجة الحرارة بالمكتبة، يجعلها تحافظ على دفء المكان في فصل الشتاء من خلال امتصاص أكبر قدر من حرارة الشمس فيما يجري تبريد الهواء في فصل الصيف بواسطة ماء النهر المجاور للمكتبة. مع واجهة خارجية من الزجاج مغطاة بعصي عادية، لتظهر وكأنها تلتئم مع  الطبيعة المحيطة بها من غير أن تنافسها.

ولم يترك المصمم شيئا للصدفة أو بدون فائدة فالمواد الخشبية التي بنيت منها الواجهة الخارجية تستخدم لتسخين مواقد الطهي للقرويين. وبالنظر لموقعها وتصميمها لا تعتبر مكتبة ليوان مكاناً للقراءة أو استعارة الكتب لأهداف الخدمة المجتمعية فحسب، فهي تعد مكاناً يوفر الهدوء وفسحة للاختلاء بالذات والكتاب.

ومثلها سعت سنغافورا من خلال خطط طموحة للتحول إلى أمة تقنية ذكية، ومع ذلك نجد اهتماما كبيرا بالمكتبات ولاسيما المكتبة الوطنية التي أنشئت عام 1823، والتي تضم أكثر من 8,5 مليون كتاب وأكثر من مليون ونصف المليون من العناويين، والتي تملك أربعة وعشرين فرعا منتشرة في أنحاء الدولة. ويبلغ عدد أعضاء المكتبة قرابة المليوني عضو، يستعيرون أكثر من ثلاثة وثلاثين مليون كتاب في العام الواحد، ويتجاوز عدد زوارها سنويا الستة والثلاثين مليون زائر، فضلا عن أكثر من ثمانية ملايين زائر عن طريق شبكة الانترنيت.

ولكي تتيح المكتبة فرصا أمام المستفيدين استنبطت نظام إعارة جديد لا يشترط إعادة الكتاب المستعار إلى نفس المكان الذي استعاره منه، حيث يمكن إعادة الكتاب إلى أقرب مكتبة أو إعادته آليا عبر أجهزة الكترونية وضعت لهذا الغرض في مناطق متفرقة من البلاد. في وقت منعت فيه الاستعارة في المكتبات العامة والمركزية في العراق ولأي سبب كان. وحينما تبحث مكتباتنا عن جهة ترتبط بها وترعاها بدلا عن الإدارة المحلية أو مجالس المحافظات وغيرها، نجد المكتبة الوطنية السنغافورية قد تم ربطها بإدارة المتاحف منذ عام 1874.

وفي الوقت الذي عجزنا فيه عن دعم مكتباتنا العامة والمركزية حتى بالكتب العراقية، نجد مكتبة سنغافورة الوطنية غمار تجربة أتمتة المكتبة، وتحويلها بالكامل إلى مكتبة رقمية تفاعيلة متاحة للجمهور في أي مكان وفي أي وقت.

 

صالح الطائي

 

ayad alzouhiriلا يختلف أثنان ما للمثقف من تفرد وميزه لا تتوفر لغيره من سواد الناس، هذا التميز يتأسس على ما يمتلكه من دقه الرصد، وعلمية التحليل لواقع يعيشه الناس ولم يلتفتوا له ويمعنوا النظر فيه، كما يفعل المثقف، بالأضافه الى هذا تراه يتسلح بأدوات معرفيه من آليات بحث، وأدوات تدقيق ورصد لا يتمتع بها غيره، ناهيك عما يتأبط به من غزير معلومات، يفتقدها غيره، كذلك على ما يتجشم من عناء اللهث وراء تطورات مادة بحثه أملآ بأستيفاءها لشروطها العلميه، كما يحلق عاليآ فوق محددات المكان والزمان . أنه النحله التي تقف على أكثر من زهره لكي يعطي رحيقآ ثقافيآ غنيآ لقراءه حتى يساهم في حصانته ويدفعه بحركه واعيه نحو هدف سامي مصداقآ للآيه الكريمه (وقصد في مشيك...).

هذه ملامح مختصره وصفات عامه للمثقف، وهو ما يغاير به زميله الحافظ الذي لا يجيد الا خزن المعلومات وأعادت أجترارها على الناس من غير تنقيح ولا تحصيف ولعل الكثير ممن لا يحسن حتى أختيار مناسبتها مما قد يسئ لها ولقصدية واضعها.

يتضح من هذا ما للمثقف من دور ورساله في بناء الأمه والمجتمع الذي ينتمي اليه، وهذا هو ما دعاني للخوض في غمار ممارسات الكثير من مثقفي النخبه من عراقيين وعرب من جنايات لا يمكن أن يتطهروا منها ولو سبحوا بماء زمزم، ولا يغفر لهم ولو تعلقوا بأستار الكعبه لبشاعة الخطيئه ولجسامة الخساره التي تسببوا بها لمجتمعهم من خطل في الرؤيا وتشوهات في الفهم وتشتت في النسيج الأجتماعي بسبب مواقفهم الهزيله وبيعهم لشرف الكلمه والتسويق لتجار الحروب من الحكام والأندكاك بالمشاريع السلطويه من أمثال الترويج للحروب العبثيه والمشاريع الأستسلاميه وتزويق واجهات ملوك الخيانه وأمراء العبث والمجون، مقابل هؤلاء هناك فئه أخرى أعتزلت الجمهور وتنكرت له، وتعالت عليه، بل ونعتته بأقذع الصفات، مكتفيه بما تنقله من فتات النظريات العابره للقارات، مستنسخين تحليلات غيرهم ممن لا قبل لهم بواقعنا، متشدقين بكلمات طنانه وأسماء رنانه جاعلين منها مطيه للصعود لبروجهم الخاويه، والأدهى وياللخيبه لهم تسمعهم يصرخون ويندبون حظهم العاثر على تخلي الناس عنهم والتنكر لوجودهم بعدم الأستماع لهم والأخذ بأرائهم.

التاريخ سوف يحمل هذين الفئتين من المثقفين كامل المسؤوليه الأدبيه والأخلاقيه بتركهم لأقدس مهمه، الا وهو ما أسميه بالخدمه الأرشاديه لجمهور يعيش حاله من الضياع والتخبط الفكري والأخلاقي، تاركين الساحه لأرباع المثقفين، بل ولكثير من الجهله التي تعج بهم الساحه العراقيه والعربيه ممن يكتبوا بالصحف الصفراء، ويظهروا من على شاشات التلفاز المدفوعة الأجر من حيتان المال وتجار السياسه، داعيك لمجموعه تصول وتجول ومن أعلى المنابر وأكثرها قداسه ممتهنين حرفة الخطابه ينشرون الكثير مما لم ينزل الله به من سلطان ناشرين ومحرضين للفوضى بكل ما تعني كلمة فوضى من معنى وطبعا هذا لاينطبق على الجميع لأن هناك من الخطباء ممن أسهم بأطفاء الكثير من الحرائق التي أشعلها أصحاب أيديولوجيات الحروب وتجار السلاح.

أن ما نعيشه اليوم من معاناة وشقاء هو نتيجه حتميه لبؤس الثقافه والمثقف وتقاعسه المفرط عن أداء أشرف واجب وطني وأنساني عن طريق تخليه بل وتخاذله عن مشروعه التوعوي والمساهمه بالحركه الواعيه للجمهور، فهم بدل أن يتلمسوا هموم الناس ويأخذوا بأيديهم الى مشاربهم الحقيقيه وتنبيههم الى مصالحهم الحقيقيه، تراهم يولوا بوجوههم الى رهط من المغامرين والطغاة يأدلجوا لهم أجرامهم ويزينوا لهم قبيح أعمالهم .

اليوم حري بالمثقف أن يكرس حالة الأنتماء الوطني في نفوس وعقول مواطنيه، والمساهمه بتكريس حالة الأنتماء لهويتهم الوطنيه وذلك عن طريق بناء سياجآ أساسه الوعي العالي والروح التواقه للسمو الحضاري والأرتقاء بالنفس العراقيه لكي تتعالى على الصغائروتهاجركل هفوات النكوص والأبتذال والتبعيه للأخر، أن تقاعسهم في أداء هذا الواجب الوطني والأنساني يجعلهم في مصاف من يرتكب الخطيئه العظمى بحق شعبه ووطنه .

أياد الزهيري

 

mohanad salahمنحت بعض المدارس الأدبية والفنية معايير خاطئة للكتابة أتاحت الفرصة أمام الكثير من الكتابات الهشة والمبهمة أن تمتلك نوعا من الشرعية عند طرحها أمام العين المتفحصة للقارئ، وأدخلته في متاهات لا نهاية لها أدت إلى عدم إنسجامه مع أغلب ما يتم طرحه عبر الساحة الثقافية بحجة أن الكاتب يجب أن (يكتب ثم يرحل)، وهي بإعتقادي عملية إحتيال من قبل الكتاب وليس المنظرين . حيث إن المنظرين دأبوا على وضع مساحة كافية أمام القراء لفهم وتصور النص كلا حسب وجهة نظره، وليس المراد أن يبتعد النص عن درجات الوضوح القرائي وينتج العديد من علامات الإستفهام التي يجب أن يجيب عنها الكاتب .. تمخضت الدراسات الحديثة للكثير من المشتغلين في مجال البحث والتقصي عن نواة النصوص . بأن النص يولد متمردا ومنفلتا حتى يتدخل الناص فيروضه ويمنحه الدرجة التي يستحقها ليتخذ مكانه على مقياس الكتابة . تبدأ الكتابة من لحظة الصمت، لحظة اللاشيء، حيث يكون الفكر فيها متعاليا جدا، ولكنه يضطر - وتحت ضغط دوافع معينة - لأن يهبط من عليائه، لتدخل الكتابة في لحظة التأمل، وهي لحظة يتخير فيها الفكر ويتراوح بين اللغة والوعي، بين التشكل والتجريد، وذلك قبل أن يدخل تمامًا في لحظة الفعل، والتي يتلبس فيها الفكر ثوب اللغة بشكل كامل . ما يحصل في هذه اللحظة هو أن الفكر يتكثف في اللغة، فتولد الكتابة . الكتابة بذلك ستحمل مكوِنين: مكون اللغة، ومكون الفكر . وما من كاتب إلا ويتراوح بين هذين المكونين: مكون الشكل والقالب، ومكون المعنى والروح . اللغة - كما يعبر عنها رولان بارت – (خطُّ الأفق الذي تلتقي عنده السماء بالأرض . فهي الوسيلة والمقياس الذي نرسم ونحسب به حدودنا . كما لو أن الفكر يتنازل عن حريته عندما يتشكل ويتقولب في اللغة، وهو يفعل ذلك اضطرارا في سبيل التمدّد والوصول إلى الكونية) فاللغة تضمن له الانتشار لأنه سينزل عن عرشه المطلق .. قارئ اللغة هو قارئ لسجن محكم الإغلاق، سجن مضبوط تاريخيا وجغرافيا، وفي هكذا مناخ يكون القارئ أقدر على التخلُّص من قبضة الكاتب، ولكن عليه أن يفكر في قبضة اللغة، لأن سجن اللغة يتبعه بالضرورة اعتبار اللغة نفسها كائنا حيا يلزم محاورته دون أي تأثير إيجابي أو سلبي من منتج اللغة.  ومع فقدان الحرية داخل السبك اللغوي لا تعود اللغة معنية - تحت أي عنوان- بأي شكل من أشكال الالتزام الاجتماعي. وعلى ذلك، فالقارئ للكتابة سيكون قادرًا على اختبار اللغة دون أن يضطر لإبداء أي التزام تجاه الكاتب. سيستمتع بلغة الكاتب ويندمج فيها ويصنع عوالمه من خلالها أو سيمزجها، دون أن يعني ذلك موقفا ما تجاه الحرية التي أنتجت هذه اللغة، أي تجاه الكاتب. وهنا عليه أن يكون متسامحا ومنبسطا - بل ومبتهجا- وهو يتعامل مع مكوِّن اللغة في الكتابة، ﻷنها لغة بلا روح، وهو - أي القارئ - مسؤول عن إعطائها شيئا من روحه. كما لو أن اللغة تخلق الفضاء، ونحن كقراء من يملأ هذا الفضاء. وإلى هذا الحد لا يزال القارئ بعيدا عن درجة الصفر في القراءة . ذلك لأنه ملتزم تجاه السجن الذي وضعته فيه اللغة. ولو أراد أن يُعيد إنتاج النص ففي الغالب سينتج نصا بعيدا كل البعد عما يريد كاتب النص أن يقوله . لذا يجب على الكاتب أن يلتزم تجاه نصه كي يعطيه الصبغة الرسالية التي جاء من أجلها .. أستغرب حقا عندما أجد الكثير من كتابنا الشباب وفي شتى المجالات الأدبية والفكرية والفنية، وهم يتبنون (الفوضى) ويستقتلون من أجلها . وأقصد هنا فوضى (القراءة) التي يحتملونها على القارئ بمجرد ولادة نصوصهم وترحيلها إليه . فهم بمعنى أصح _ يعتقدون _ بأن الغرابة والفوضى والغموض اللامتناهي داخل ثيمة النص ولغته، هي من يتولى تقديم نصوصهم على إنها (الأمثل) والأحدث والأكثر رواجا وقبولا لدى القراء. بينما يقف هذا القارئ لينتج الكثير من الأسئلة بدل أن يغترف الخلاصة التي جاء من أجلها النص ويحولها إلى تطبيق فعلي يستثمره في حياته اليومية. ومع هذه الدوامة الغريبة التي يعيشها القراء . تجد الكتاب وهم يعيشون نشوة الإنتصار المزيفة، وكإنهم يخوضون حربا ضروسا مع القراء .. ما أنتج هكذا أدوار عائمة في المشهد الثقافي . هي النظريات المخطوءة التي بنيت زورا وبهتانا على أنقاض النظريات الأم، ومنحت (حصانة) مفرطة لا وجوب لها للكتاب أمام عمليات التلقي، جعلتهم غير ملزمين بالتفسير أو التنظير لنصوصهم . وجعلت القراء في دائرة الإتهام بعدم الوعي، وإنهم ليسوا بمستوى ما يكتب .. على كتابنا الشباب أن يعوا جيدا بأنهم إذا ما إستمروا بهذه الطريقة من التصور اللامنطقي للكتابة . فإنهم سيجدون أنفسهم مرغمين على الكتابة لنخبة النخبة، أو الرحيل بكل ما يكتبونه خارج الدوائر التاريخية والمعرفية التي يكون فيها القارئ أولا وليس الكاتب . فهو من سيحدد ديمومة وبقاء النص ومنتجه . وعلى المتحذلقين ممن يريدون أن يستمروا في طعن خاصرة المشهد الثقافي عبر تنمية هكذا فوضى. أن يفهموا بأنهم لن يوقفوا عجلة الكتابة، بل على العكس، سيصنعون أدوارا جديدة تبتعد تماما عن غاياتهم، وستجد لها قراء يفهمون محتواها . كل ما سيحدث . إنهم زرعوا بذور شذوذهم النفسي المفرط في مساحات معينة لدى بعض المواهب الشابة التي للأسف سلمتها مفاتيح الولوج لها والتحكم برصيدها المعرفي دون أن تعي بأنها ستأخذها نحو فراغ عميق لا نهاية له ...

 

مهند صلاح

 

ahmad khameesaljanabiتعد الصحافة الاستقصائية من اصعب وأخطر انواع الإعلام كون عملية الوصول لحقيقة المعلومة تواجه الكثير من التحديات. فياترى هل هذا النوع من الإعلاميات يستحق التدريس في الجامعات؟

من خلال تجربتنا المتنوعة في الإعلام التلفزيوني وجدنا أن هذا النوع من الصحافة لا يحظى للاسف بالاهتمام الكافي في كليات الإعلام برغم اهميته وضرورة تدريسه، حيث يرى مختصون أن السبب يكمن في عدم معرفة بعض الاساتذة بكيفية تدريس الصحافة الاستقصائية وعدم حرص الجامعات نفسها على تعليمه للطلبة.

 نرى انه من الضروري تعليم الطلبة منهجية عمل تمكنهم من الدخول الى عالم الصحافة الاستقصائية وذلك من خلال تلقينهم كيفية التخطيط لتحقيقاتهم وجمع المعلومات من المصادر المفتوحة والتدرب على كتابة القصة الصحفية.

يقوم الأستاذ الجامعي المتخصص بهذا النوع بتقديم الشرح الوافي للطلبة عن الصحافة الاستقصائية واعطاء نماذج لتحقيقات استقصائية الى الطلبة يمكنهم الاطلاع عليها ، كما من الواجب ايضا على الاستاذ ان يزودهم بقائمة من قاعدات البيانات المفتوحة التي تساعدهم في الحصول على المعلومة.

إن نشوء الصحافة الاستقصائية في اي مكان يحتاج الى قدر كاف من الديمقراطية التي توفر الحماية للصحافة والصحفيين وهو الأمر الغائب في الكثير من الدول العربية التي تشهد احداثا مضطربة مما يصعب النشر والتعبير بحرية والحصول على المعلومات. وظيفة الصحافة الاستقصائية إجراء تحقيق في قضية ما والوصول الى الحقيقة قد تكون هذه القضية على سبيل المثال تتعلق بالفساد وسرقة المال العام وغيرها من القضايا التي تكون على هذه الشاكلة.

 يؤكد علماء الإعلام ضرورة نشر ثقافة العمل الاستقصائي وتدريسها في كليات الإعلام في الوطن العربي ومستوى العالم.

إن من أبرز التحديات التي تواجه الصحافة الاستقصائية اليوم محدودية ثقافة العمل الاستقصائي بالوسط الصحفي ،عدم وجود بيئة مشجعة على فن الصحافة الاستقصائية ،غياب المعلومات وحجب الوثائق، ضعف وغياب العمل الجماعي، عدم تعاون المسؤولين مع الصحفي الاستقصائي، ضعف تأثير الصحافة الاستقصائية في الرأي العام.

صحافة الاستقصاء تحتاج إلى قدر كبير من التفرغ، والجهد للبحث والوصول الى الحقيقة. ويعزوا أهل الاختصاص أسباب غياب التحقيق الاستقصائي عن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة إلى العقلية التقليدية التي تتحكم بالقائمين على هذه الوسائل.

إن غياب الحريات في معظم بلدان العالم النامي يعد احد الاسباب الرئيسية في ضعف التحقيقات الاستقصائية التي تمثل نوعا مهما في علم الصحافة والتي يمكن ان تستخدم في خدمة الشعوب وسلامتها ومواجهة الفاسدين والمتعدين على حقوق الناس.

 

بقلم د. احمد خميس الجنابي

كاتب عراقي

 

mustafa maroufiما ذا يمكن للمرء أن يقوله حول شعر الشباب من حيث القضايا التي يطرحها ومن حيث الواقع الذي يعيشه والآفاق التي يستشرفها؟

يبدو أن الحديث عن هذا كله يحتاج قبل الخوض فيه إلى شيء من التأمل والتفكير، ولا بد في البداية من أن نرصد بعض الظواهر التي تشكل ملامح قصيدة الشباب بالشكل الذي تكتب به حاليا.

نلاحظ بأن قصيدة الشباب هاته تشهد على مستوى الكم والتراكم انتعاشا ملحوظا، وهو أمر يشير إلى عدة حقائق تشي في أغلبها بأن التراكم إياه وفي جانب كبير منه هو نتيجة أسباب ليست أدبية، لأن الشعر غير متحقق فيه إن كليا أو جزئيا.

من هنا كان الحديث عن التجربة الشعرية أو الحساسية الشعرية عند الشباب محفوفا بالمطبات والمزالق، نظرا لكون هذه التجربة أو الحساسية لم تتبلور بعد بشكل كاف يسمح لنا بالحكم عليها حكما عادلا، بيد أن هذا لا يمنع من القول بأن الشعراء المفروض فيهم أن يكونوا في مستوى تجربة ذات خصوصية باعتبار المدة الزمنية التي قضوها في كتابة الشعر لم يفتأوا يراوحون مكانهم داخل دائرة مغلقة، وكأن هذه المراوحة قدر مفروض عليهم لا يجدون عنه للخلاص منه محيصا، فقصائدهم تتشابه في الشكل أو في المضمون أو فيهما معا، وتعوزها مواصفات الاكتمال والقدرة على الرقي في الثاني منهما ـ أي المضمون ـ ، والسبب في نظري يعود إلى احتمالين اثنين أرجح الثاني منهما:

الاحتمال الأول هو أن هؤلاء الشعراء الشباب يصدرون في كتاباتهم عن واقع واحد، يستقون منه تجاربهم، فالواقع له تأثير واحد عليهم أدى بهم بشيء من الصرامة إلى التشابه في الكتابة، فما دام واقعهم واحد فلماذا لا تكون كتاباتهم واحدة، بمعنى أنها كتابة متشابهة.

الاحتمال الثاني هو أن هؤلاء الشعراء الشباب يستنسخون تجارب غيرهم ويترسمون خطاها، حتى أن القاريء لا يعدم في قصائد هؤلاء لمسات أدونيس أو درويش أو حجازي أو عبد الصبور أو غيرهم جلية واضحة للعيان، ولذا كان خلوها من معاناة حقيقية شيئا طبيعيا، ونحن هنا مدعوون إزاء هذه الحالة أن نحذر السقوط في بئر الحديث عن كتابة تفتقر إلى الأصالة.

إن تجربة الشعر لدى الشباب تبدو لكأنها مرْبدة الملامح، ولربما هي غامضة لا تكاد تبين. وحتى لا نكون عدميين وحتى لا نتهم بأننا مغرقون في التشاؤم نقول بأننا أحيانا قد نقع على أسماء بعدد أصابع اليد الواحدة تسعى جاهدة للإنفلات من قبضة هذه الحالة الرديئة التي يشهدها الواقع كي تكون لنفسها خصوصيتها وفرادتها.

داخل المشهد الشعري نلاحظ مجموعة من الأسماء خاضت غمار الكتابة منذ مدة، وتلح على الحضور المستمر أو هي تعلن عن حضورها بين الفينة والأخرى في منابر إعلامية وفي ملتقيات شعرية، لكنها لم تتزحزح قيد أنملة عن النقطة التي بدأت منها مشوار الكتابة، فبقيت متخلفة لم تحقق أي تقدم نوعي، رغم أن بعض هذه الأسماء يمتاز بإسهاله في الكتابة مقارنة مع أسماء أخرى، ويتجلى تخلفها في اللغة التي تكتب بها، والتقنيات التي تستخدمها في إنشاء القصيدة.فاللغة لديها تقريرية خطابية أو مبهمة أو هي مزج بين الخطابة والإبهام، لكنها لا تسمو أبدا إلى مرتبة الشعر بما يتطلبه من انزياح على مستوى الكلمة أو الجملة أو على مستوى الصورة الشعرية.

أما التقنيات التي تستخدمها فهي ضعيفة ومبتذلة، كاللجوء إلى التكرار أو التقديم والتأخير على صعيد أجزاء الجملة، بحيث يخيل للقاريء أنه أمام نص من السخف أن ينسب إلى الشعر.

أنبه أنني هنا لا أتحدث عن قصيدة النثر، والسبب هو أن هذه القصيدة لم تكتب لحد الآن بشكل مرض وبصيغة تخولها لأن توضع في خانة الشعر، فهي وإن كانت تحتضن العديد من الممارسين لها إلا أنها لم تستطع أن تقدم لنا أسماء مهمة يشار إليها بالبنان كما هو الشأن بالنسبة للشعراء الكبار فيها أمثال أنسي الحاج ومحمد الماغوط وعباس بيضون وسركون بولص، أقول هذا وأنا أعي بأن الشعر قد يتحقق في النثر ولا يتحقق في قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، ولو أن القصيدة الموزونة لا بد أن تجد فيها شيئا جميلا حسب ما يراه صديقي الشاعر المغربي إدريس الملياني.

ونحن نتحدث عن التجربة الشعرية لدى الشباب لابد أن نعرج على أولئك الذين يحلو لهم أن يتكلموا عن الإيقاع بمناسبة وبدون مناسبة، ويرفضون التعامل مع عروض الخليل بدعاوى سخيفة بعيدة عن المنطق وليست بذات حجة، تدفع المرء إلى السخرية منهم والرثاء لهم في أن واحد، فأنا أزعم بأن هؤلاء المتنطعين يجهلون الإيقاع والعروض معا، ورفضهم للعروض ناتج عن أمور لا تخفى عن اللبيب، ولهؤلاء نقول بأن القصيدة الحرة ـ أعني قصيدة التفعيلة ـ لم تأتي من فراغ هكذا ضربة لازب، بل أتت من صميم الشعر العربي وبالإستناد إلى عروض الخليل أساسا، فكانت تطويرا للقصيدة العمودية وليست إلغاء لها كما يتوهمون ويريدون أن يوهموا الغير بذلك، وقد أعطى هذا التطوير للقصيدة إمكانيات جديدة للشاعر لم تكن متاحة له من قبل، فتخلص من الروي والإلتزام بالقافية [1]، وأصبح بوسعه الانطلاق إلى فضاءات أرحب وأوسع، هذا الفتح الشعري منح القصيدة العربية الحرة نفسا جديدا وكبيرا، بيد أنه لم يسحب البساط من تحت أقدام القصيدة العمودية، فهذه الأخيرة ما زال لديها أن تقول أشياء كثيرة[2].

وإذاَ فالتطوير لا يتم عبر التنكر لميراث أصيل متين من تراث الأمة العربية، بل يتم ذلك عبر تمثل ما هو كائن لاستشراف ما هو ممكن للوصول إليه في ظل أصالة الشعر العربي، فمن السخف والصفاقة أن نتحدث عن شيء ونحن نجهله، ونمضي إلى أكثر من ذلك فنرفضه، والأدهى من هذا كله أن جد من يصغي إلينا ويأخذ بكلامنا.

إن الذين يفعلون هذا إنما هم يدافعون عن الرداءة لتحتل مقعد الشرف، و فعلا هذا ما حصل، وها نحن نرى الحضيض الذي وصل إليه الشعر على أيديهم، لكن التاريخ حكمه وقاس وعادل، وهولن ينسى لهم هذا، وسيعلمون أي منقلب ينقلبون.

والآن لنلتفت قليلا إلى القاموس الشعري لدى الشباب فنقول إنه قاموس يغلب عليه طابع الاقتباس، فجملة من المفردات ترد في قصائدهم كرموز تحمل نفس الدلالة التي وظفت بها لدى شعراء آخرينِ [3]، العامل الذي يفقد العمل الشعري حرارته ويهبط به درجات عن مرتبة الإبداع والخلْق.

أما أهم ما تشكو منه قصيدة الشباب وهو القاصم لظهرها فهو خلوها من الرؤية نظرا لــ:

- عدم إدراك طبيعة الشعر كعمل فني يتطلب الفرادة.

- التعامل مع المواضيع المتناولة بقليل من الانتباه والمبالاة.

- التقليد ومحاكاة تجارب الآخرين.

وهكذا يكون الحديث عن شعر الشباب حديثا ذا شجون، إن لم يؤرق صاحبه فهو على الأقل سيتركه يتساءل عن المصير الذي سيؤول إليه الشعر العربي على يد هؤلاء الشباب. ونحن بدافع الغيرة على الشعر نقول بأننا نريد من هؤلاء الشباب أن يكونوا في مستوى المسؤولية، وأن يضطلعوا بها خير اضطلاع حتى يمكنهم أن يضيفوا إلى الشعر عمقا تزهى به القصيدة بوصفها فنا.

 

مصطفى معروفي

........................

إشارات:

[1] بعض الرواد ـ نازك الملائكة مثلا ـ يلحون على أن تحضر القافية والروي من حين لأخر في القصيدة الحرة كإثراء للإيقاع.

[2] من الملفت للنظر أن تظهر القصيدة العمودية بشكل صارخ مع انتفاضة أطفال الحجارة وحرب الخليج الأولى والثانية،و مع ما يسمى بالربيع العربي،فهل القصيدة العمودية لا تتحرك إلا بالأحداث الكبيرة؟

[3] مثلا لفظة "مطر" توظف بنفس الدلالة التي وظفت بها عند بدر شاكر السياب، مع أن مفردة كهذه غنية بالدلالات تكفينا الرجوع فيها إلى السياب أو غيره.

 

ahmad khameesaljanabiكثير من المحررين الصحفيين الجدد تظهر لديهم مشكلات في كيفية كتابة التقرير التلفزيوني لهذا الحدث او ذاك وهذا الامر طبيعي فمن خلال الممارسة والاصرار على التعلم يمكن صقل مهارات الكتابة. إن التقرير الاخباري في التلفزيون يعد دعامة اساسية لنشرة الأخبار فهو اي التقرير يجب ان يكون محتواه سلسا وبلغة مفهومة ومن مصادر موثوق بها. إذن كيف يمكن كتابة التقرير التلفزيوني؟. إن كتابة التقرير الإخباري تعتمد على الفكرة الرئيسيّة التي يدور حولها خبر أو حدث ما، ويختلف التقرير الإخباري الصحفي عن التلفزيوني؛ لأنّ التقرير المُعدّ للكتابة الصحفية يعتمد على أسلوب الكتابة فقط، وليس على الكتابة والإلقاء كما في التلفاز. نرى انه على كاتب التقرير الالتزام بالمعرفة الكافية بلغة كتابة التقرير، إتقان القواعد النحوية إتقاناً تاماً، امتلاك الموهبة في فن الكتابة، القدرة على توصيل الأفكار، استخدام عنوان مفهوم وواضح.

 مهم جدا ان يركز كاتب التقرير على انتقاء العبارات القوية والقصيرة في طرح الفكرة الرئيسية التي تكون في بداية التقرير الأخباري وان تكون مشوقة ومقنعة. ضروري ان يختار كاتب التقرير عنواناً مميزاً له، حتى يتمكّن من جذب المشاهد.

التقرير الإخباري هو وصف تفصيلي للأحداث ويمكن لكاتب ومحرر التقرير ان يبدي رأيه الشخصي اثناء الكتابة وفقا للسياقات المهنية.

يجب ان يتصف التقرير التلفزيوني بالمصداقية، والموضوعية، أي لا يحمل الكثير من المبالغة في الوصف، أو إضافة كلمات، وجُمل قد تسبب تغيير الفكرة الرئيسية التي يعتمد عليها وبالنهاية جعله غير واقعي.

ان اختلاف المواضيع له التأثير على طريقة كتابة التقارير، لذلك لكل خبر أسلوب كتابة خاصة فيه، فمثلاً  النصوص التي تُكتب حول مواضيع سياسية، أو اقتصادية، تمتاز بطبيعتها الجدية؛ لأنها تطرح قضايا مهمة، وتختلف عن نصوص القضايا العامة، كالاجتماعية والثقافية، وغيرها من الأنواع الأخرى، لنصوص الأخبار الصحفية.

 

بقلم د. احمد خميس الجنابي

كاتب عراقي

 

amar hamidالمثقف، هو فرد يتميز عن باقي افراد مجتمعه بتناول الافكار والقضايا المختلفة ان كانت علمية او ادبية او تاريخية واخضاعها وفق مدى معرفته الى النقد والتحليل والاستنتاج، وعادةً مايؤثر المثقف على المجتمع الذي يعيش فيه ويعمل على توعية افراده بتوجيه الرأي العام الى قضية تهمه وتدعوا الى تطويره، وعندما نتناول موضوع المثقف العراقي المعاصر سنرى انه مر بمراحل معقدة تعكس ما مر به العراق خلال فترة ظهور وتطور الحركة الثقافية.

شهدت هوية المثقف العراقي الحديث عدة تغيرات في بٌنيتها منذ البداية فمع وصول المطبعة والتي تعتبر من اعظم الاختراعات البشرية الى العراق ثم ظهور اول جريدة في بغداد (الزوراء) سنة 1869 أدّت الى بروز فئة تختلف عن باقي فئات المجتمع آنذاك تُعرف بأسم (الافندية)، لم تكن هذه الطبقة بداية نشوئها تلعب دورا ايجابيا للتفاعل مع المجتمع المحيط بها والغارق في الجهل فتميزت شخصيتها بالنرجسية والاستعلاء على الناس، يذكر علي الوردي "ان الافندية في العهد العثماني يشكلون طبقة تتميز عن سائر الناس بصفات خاصة بها لايشاركها فيها غيرها الا قليلا وكان افراد هذه الطبقة يتعالون على الناس فلا يخالطونهم الا بنطاق محدود ولهم نواديهم الخاصة بهم واسلوبهم في الحياة" وعلى هذا الاساس فأن الافندية كطبقة مثقفة عاشت زمانها لم تكن فيه على استعداد لتأخذ دورها الحقيقي كمؤثر توعوي بل اتجهت بما تمتلكه من مميزات عصرها الى التزلف للطبقات الحاكمة والولاة في سبيل المنفعة والتسلط، ان النزعة السياسة المسيطرة في ذلك الزمان وما انتجته من طبقة مثقفة "تابعة" لها لم تكن لتشغل نفسها بأمور مثل توعية الشعوب او المطالبة بحقوقهم.

تأخذ موجة الوعي الثقافي خطاً تصاعديا مع دخول القوات البريطانية لتفتح الطريق امام سيلٍ من الافكار والأعمال الادبية والثقافية التي تُعرف بالأدب الحديث الداعية الى التحرر والحقوق المدنية وفي تلك الفترة ظهرت اولى بوادر المثقف الطامح الى تحريك المجتمع والتعامل مع معطيات مثل مبادئ الثورة الفرنسية وتحرير المرأة والخروج على العُرف والتقليد وكان اهم اقطاب تلك التيارات في ذلك الزمن عراقياً هم كل من (معروف الرصافي) و(جميل صدقي الزهاوي) لكنها ايضا لم تترك ذلك الاثر الواضح في المجتمع حيث مثَّلت تلك الفترة بداية الصراع بين الاحزاب المُشكَّلة حديثا ومصاعب تشكيل الوزارات واللغط الذي كان يدور حولها،يأتي بعد تلك المرحلة تعاظم دور الحركات الثقافية المؤدلجة بالتوجه السياسي خصوصا اليساري التي شاع تأثيرها بعد سقوط النظام الملكي وتطبيق مبدأ ما يسمى (المثقف العضوي) الذي أسس له الفيلسوف اليساري الايطالي أنطونيو غرامشي  الذي يبين فيه انه على المثقف (والذي يصفه بالمثقف العضوي) ان يحمل هموم كل الناس وهموم الطبقات الفقيرة ويرتبط بقضايا امته وقد ذهبت الطبقة الثقافية في العراق الى ذلك حين استقطبت الحركة اليسارية أغلب الطبقة الثقافية في العراق ونجحت نجاحا لافتاً في تحقيق ما دعى اليه (غرامشي) ويمكن اعتبار هذه الفترة هي الفترة الذهبية او قمة الهرم في مجال ارتباط المثقف بمجتمعه وهمومه وقضاياه ومايميز هذه الفترة ايضا انها شهدت صراعا آيديولوجيا بين الفكر الثقافي ذي الصبغة اليسارية وحزب البعث المناوئ الذي تبنى الفكر القومي المتعصب عنوانا له وصعوده نحو السلطة بشكل سريع ومشبوه تلا مرحلة عبدالكريم قاسم ومع صعود المد القومي الذي ركز على التوجيه بأجبار المجتمع على أتباع نهج يُلغي الاتجاهات الثقافية المتعددة ما ادى الى تراجع تدريجي في ارتباط المثقف العراقي بقضايا مجتمعه الى ان دخل العراق في مرحلة التعبئة العسكرية في الثمانيات وسنوات الحصار حيث ضعف هذا الترابط مابين المثقف والشعب ووصل الى ادنى درجاته.

بعد التغيير وسقوط النظام الشمولي الذي ثَقَّفَ (للقائد والحزب) طوال عقود مضت، شهدت الحركة الثقافية انتعاشاً كبيراً وشهدت تلك الفترة رجوع او سهولة اتصال المثقفين والادباء الذين عاشوا في المنافي بوطنهم وساهمت تكنلوجيا البث الفضائي ومواقع التواصل الاجتماعي في تقريب المسافة بين المثقف ومجتمعه ويبدو ان الامر في تصاعد ايجابي مستمر ولكن وبسبب الفساد الحكومي الحالي والنفوذ الحزبي تواجه العلاقة بين المثقف ومجتمعه نوعا من التصادم المستمر مع الدولة بشكلها الحالي والطبقة المثقفة التي يمكن القول انها تقف الان على اقرب مسافة لهموم المجتمع وحاجاته اصبحت مركزا تجتذب حولها المجتمع خصوصا من الشباب من اجل معالجة قضاياه وبسبب ذلك اصبح المثقف عامل قلق لما يشكله حاليا من تهديد لمصالح واطماع الاحزاب المنضوية في نظام الدولة الحالي في العراق.

في الواقع نحن نشهد الان نوعا من المثقف العراقي متمردا على الحالة التي يعيش عليها ابناء بلده داعيا اياهم الى الانتفاض على واقعهم والتنبيه الى افكار الطائفية والفئوية واخطارها فيما تحاول التركيبة الحاكمة الان وبسبب ما حققه المثقف العراقي حالي من حضور أما مهادنته او ركوب الموجة لجذب اكبر عدد من الناس وضمان تواجدها وسط المجتمع وعلى ذلك للمثقف ان يكون واعيا لجهود تقويض ارتباطه بقضايا مجتمعه والحرص على الاستمرار بهذا الارتباط.

 عمار حميد

evan aliرغم التطور الحاصل في البشرية بداية بأشكال التكنولوجيا المتعددة ونهاية بتطور وسائل الدمار والفوضى والحروب التي تجتاح الامم والشعوب وما بينهما لا حصر ولا حدود لما يصنع وينتج في مصانع ومعامل ومنشأت العالم فأن هنالك اشياء قيمة بقت على حالها ولم تجرها مسيرة التطور الى صفوفها ومهما طال الزمن فأن قيمتها تزداد اضعافا من هذه الاشياء (الكتاب) فرغم اجتياح العالم الكترونيا اي سيطرة الشبكة العنكبوتية على كافة مفاصل حياة الانسان اعلاميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا فأن الجانب الاخر (الكتاب الورقي) يقاوم ويناضل ويكافح ويتصدى بكل بسالة وشجاعة لمحاولات الاجتياح الالكتروني لذا وان تطورت وسائل واشكال التكنولوجيا الرقمية فأن هذا غير كافي للعزوف والانصراف عن الكتاب الورقي فشبكة الانترنيت مليئة ومتشعبة بكافة صور العلم والمعرفة والفكر والثقافة والمعلومة لكن من المستحيل ان تتخطى (الورق) الذي يصنع منه الكتاب وان مضت السنوات والقرون والعصور لأن العالم الالكتروني هو افتراضي غير ملموس بل مرئي وقابل للتغير والتبديل بفعل التطورات الحاصلة للمعلومة على مدار الوقت اما الكتاب الورقي فهو ملموس ومرئي وغير قابل لفرضية قطع الغيار لذا فأن الاجواء التي تحيط بالمبدعين لا تخلو من الورق فهو وسيلتهم لنقل رموز عقولهم اليه وبالتالي وسيلتهم لنقل الافكار والقضايا لعقولهم وهذا ما يحدث مع الوسيلة الرقمية مناصفة بينهما لكن مع نقطة هامة جدا الا وهي الكتاب الورقي يحتفظ بشكله الهندسي وكتلته التي تحتل الفراغ وفكره وسطوره وحروفه وكلماته وفواصله وهوامشها الذي يمد العقل في الماضي والحاضر والمستقبل اضافة الى اشياء اخرى منها ان الوسيلة الانجح لترفيه العقل هو الورق الملموس المقروء لذا فالعملية تنقل مشاهد حية وحقيقية لحالة التواصل الناجمة بينهما بفعل اقترانهما الحسي ......

1235 zibaryفهنالك فرق كبير بين المكتبة الالكترونية والورقية فالاولى يمكن الاحتفاظ بها في قرص صغير مكون من خلايا وجزيئات جامدة تعمل بفعل الترددات الالكترونية ويمكن وضع الالاف الملفات والمستندات فيه بينما الثانية فهي تحتل المكان وتخترق الفراغ وتزين الاجواء الملحمية نقاءا وصفاءا التي يعيشها الفرد المبدع شاعرا وكاتبا وقاصا وتتشكيليا ومسرحيا وموسيقيا .... الخ هنا يمكن تشبيه القضية بأشياء كثيرة مثلا أنواع السيارات وكلفتها ورفاهيتها فهنالك سيارة اقتصادية بينما في الطرف الاخر سيارة ذات مواصفات تكنولوجية خارقة هنا الفرق واضح بينهما حيث الاولى تكلفة التواصل معها ضئيلة مناسبة للفرد بينما الثانية باهضة الثمن قطع غيارها نادرة وان وجدت فتكلفة الحصول عليها تعادل اضعاف الحصول على قطع غيار السيارة العادية لكن هنا يطرح السؤال نفسه ......

اي موقع الرقي والفخامة؟

هنا مربط الفرس هنا القضية هنا الكلمة السحرية التي تفصل جملتين متباعدتين عن بعضهما فالكتاب الورقي يتسم بالرقي والفخامة على عكس الكتاب الالكتروني الذي وان اجتاح العالم فلن يزلزل عرش الورق قيد انملة فدور النشر ستواصل طبع وتوزيع ونشر الحروف والكلمات بصيغتها الحقيقة والقراء الحقيقيون والمبدعون سيقفون في المكتبات وطوابير المهرجانات الدولية التي تجمع تحت سقفها ما لذ وطاب من الحرف والكلمة والعلم والمعرفة والثقافة والفكر والفلسفة على شكل كتل هندسية فنية حاضنة للمكان والفضاء تنتظر موعدها لتحتفل مع القراء الحقيقيين والمبدعين .......

فتحية لاربيل الحبيبة التي تحتضن في نيسان من كل عام اضخم مهرجان واعظم كرنفال للكتاب ......

لذا ما ان دخلت باحة المعرض هذه السنة للمرة السابعة على التوالي ضمن الدورات السابقة وقفت منتصب القامة خرجت حينها ابتساماتي وهطلت دموع الحرف والكلمة من عيناي والقيت تحية الثورة والابداع على الالاف الكتب وقلت .....

ها نحن نلتقي مجددا يا رفاق الدرب ......

فالمجد لمن يقرأ المجد لمن يتثقف لمن يهزم الجهل والتخلف

رأيت حينها رايات الابداع عالية شامخة خفاقة تحيني .....

فبدأت اولى خطوات حصاد الكتب بالعقل والقلب

 

ايفان زيباري - شاعر وكاتب

 

mohamad aldamiقضّ دخول الماكينة جميع مفاصل الحياة في بريطانيا عصر الثورة الصناعية مضاجع أذكى العقول حقبة ذاك، من كارلايل Carlyle إلى وليام موريس Morris، من بين آخرين كثر، إذ قلبت الماكينة الحياة من أنساقها الاجتماعية والإنتاجية المترسبة من العصر الوسيط، لتنتقل بريطانيا نحو أبواب العصر الحديث. وإذا ما كانت استجابات العبقريات حقبة ذاك لهذا الحدث الجلل متنوعة، ومتناقضة أحيانًا، بين “اشتراكي يوتيوبي” متفائل من نمط موريس، وبين متشائم رجوعي من نمط رسكن Ruskin، فإن ما يجري اليوم في عالمنا المعاصر مما لم يكن يخطر على بال هؤلاء المفكرين الفكتوريين قط يدل على أننا حيال أنماط جديدة من المآزق والهزات والرجات العنيفة.

وإذا كانت الحساسية الفكتورية قد استجابت لدخول الماكينة الحياة الحضرية والريفية بشيء من “القلق الحضاري والروحي” مع شيء من الخوف من المستقبل ومصير الإنسان المنظور، فإن ما يواجهنا الآن أعسر بكثير من ذلك الذي بقي يواجه عبقريات العصر الفكتوري. ودليل ذلك لا يستعصي على الفهم والإدراك، وهو: أن بواعث الخوف الفكتوري كانت تتلخص في الخوف من احتمالات أن تحل الماكينة محل العضلة الآدمية في الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري، بينما أن خوفنا اليوم لا يكمن في مواجهة هذا الاستبدال (المكننة بديلًا عن العضلة) فقط، وإنما يكمن في حذف النوع الآدمي كليةً من الأنشطة الفكرية، زيادة على الأنشطة الآلية والحركية.

لذا يواجه النوع الآدمي اليوم معضلة الاستغناء عنه، بل وحتى عن ملكاته الذهنية والتفكيرية والمنطقية، باعتبار تدشين العصر الجاري لما يسمى بـ”الذكاء الصناعي”، لأن هذا الذكاء (الذي أنتجه الذكاء الفطري للإنسان في بداية الأمر) يجعل الحياة تستغني عن استعمال الذكاء البشري الطبيعي: فأنت اليوم لا تحتاج حتى إلى خريطة تساعدك على الوصول إلى موضع ما. الهاتف الذكي هو الذي يقوم بكل شيء، بل هو الذي يكون رفيقك بدلًا عن اصحابك القدماء.

إن مركب “المكننة والذكاء الصناعي” إنما يضع البشرية أمام مفترق طرق من النوع الذي لا يمكن أن يصدق من متاعب وتعقيدات، مبعثها المقولة المشهورة: “استعمله، أو افقده” Use it, or Lose it، فإذا أنت لم تستعمل أقدامك، على سبيل المثال، فإنك يمكن أن تخسرهما عبر مرور الزمن ليستحيلا أعضاءً أثريةً، كالطيور الداجنة التي فقدت القدرة على الطيران، بسبب التدجين وعدم استعمالها أجنحتها. وكذا هو الحال مع الإنسان، فهو إن لم يستعمل أي عضو مما حباه الله له، فإنه يمكن أن يخسره حسب قانون التقادم وعدم التوظيف. وإذا كان فيلم “الأزمنة الحديثة” Modern Times لتشارلي شابلن قد أماط اللثام عن مخاطر المكننة الزائدة على إنسانية الإنسان، فإننا اليوم بحاجة إلى أفلام وكتابات وتشكيلات ثقافية كاملة كي نتمكن من الحفاظ على أدمغتنا التي تتعرض اليوم إلى غزو الذكاء الاصطناعي: فبعد أن كنا نحسب الحسابات بعقولنا دون حاجة للحاسبات، لم نعد نحتاج لذلك الآن. بل إني قد شاهدت قبل بضعة أيام سيارة أجرة صالون “ذاتية القيادة” Self-driving أو Autonomous ، أي أنها لا تحتاج لقائد يجلس وراء المقود، فهي تقود نفسها بنفسها، ولا داعي لوجع الرأس وللنقابات ولرجال المرور وسواها من هيئات حماية حقوق العمال والعمالة. أما شركة Amazon التي تضطلع الآن بطباعة ونشر وتوزيع كتبي باللغة الإنجليزية، فلديها الآن أسطول كامل من “الـــدرونات” Drones التي حذفت دور البريد ودور “البوسطجي” معه، على تنوعاته، لأنها ترسل إليك ما تبتاع على الكومبيوتر عبر الإنترنت بالدرون إلى بيتك، بل وربما إلى غرفة نومك، عبر النافذة المطلة على الشارع، إن شئت! ناهيك عن ظاهرة إغلاق المئات من مراكز التسوق عبر العالم الغربي بسبب حلول الإنترنت محلها.

إن تسريح العقل الآدمي من العمل، كما يحدث الآن على نحو تدريجي، عبر العالم الغربي، إنما سيقود إلى “إحالته على التقاعد” كي يستغني النوع الآدمي عن خدماته بالذكاء الصناعي/الرقمي.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها الكاهن الأكبر عاطف (ليڤي) ابن الكاهن الأكبر، ناجي بن خضر (أبيشع بن فنحاس) (١٩١٩-٢٠٠١، كاهن أكبر ١٩٩٨-٢٠٠١، شاعر ومرنم وعالم بالشريعة السامرية) بالعربية على بنياميم صدقة (١٩٤٤-) الذي سجّلها وقام بترجمتها إلى العبرية وصياغتها. نُشرت هذه القصّة في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددين ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٤٩-٥٣.

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”سجّلتُ هذه القصّة التي رواها عليّ الكاهن عاطف بن ناجي (ليڤي بن أبيشع). يجلس الكاهن مسترخيًا على الأريكة في غرفة الضيوف عند مضيفيْنا مريم وفياض (زبولن) ألطيف اللذين استمعا للقصّة بتشوّق، كما أنّني تابعت بأذنين مرهفتين أحداثَ القصة مع وردة ألطيف والدة زبولن. اعتقدنا أنّه من الخطأ جعل هذه القصة مقتصرةً على هذا العدد المحدود من المستمعين، لذلك ننشرها هنا بدون زيادة أو نقصان.

أيّام جميلة في عورتا

ينبغي أن أقصّ عليكم أعجوبة حصلت لنا في حوزة قبر إلعزار بن أهرون الكاهن الأكبر، عليه السلام، بجانب عورتا. زيارة هذا المكان، هي إحدى المُتع بالنسبة لي. وأفضل وقت في السنة للزيارة، هو في فصل الصيف. كنّا نتجمّع مجموعاتٍ مجموعات للخروج من نابلس، مشيًا على الأقدام أو على ظهور الدوابّ، متوجّهين إلى القرية الواقعة قُبالة جبل جريزيم، بيت الله.

أجمل أيّام السنة، كانت تلك التي قضيناها بحوزة القبر، تحت شجرة البُطمة، حيث كنّا نردّد الصلواتِ والأناشيدَ في مدح ذكرى الكاهن إلعزار عليه السلام.

ما زلت أذكر وكأنّ الأحداث تجري أمام ناظريّ الآنَ، في ثلاثينات القرن الماضي، كنت  فتى ودأبنا على زيارة ذلك المكان برئاسة عمّي الكاهن الأكبر توفيق بن خضر بن إسحق (متصليح بن فنحاس)، رحمه الله (ظلل الله على روحه الطاهرة). يغمرني الانفعال عندما أتذكّر منظر عمّي توفيق، وهو جالس في صدر الساحة بجانب شاهد القبر، إنّه منظر مهيب، مفعم بمخافة الله، يحرّك رأسه على صوت الأناشيد، ولحيته الكبيرة البيضاء تُضفي عليه شخصية قدّيس. ما أروع ذلك المنظر.

في تلك الأيّام كنّا نقضي بعض الأيّام في ذلك المكان، ومعنا الزاد الكافي وبعض الخِراف، كنّا ننحر كلّ يوم ونشوي اللحم في الأفران الكثيرة التي حفرناها هناك. أطلتُ المقدّمة أكثر من اللازم، ولم أصل بعد إلى بداية القصّة. من الواضح، أنّ ما كان آنذاك، كان أكثر إثارة ممّا لدينا اليوم. اليوم، أنا أنضمّ إلى مجموعات، تتوجّه لإحياء ذكرى الكاهن الأكبر إلعزار. إذا كانت تأخذ معها الزاد، فلا يكفي التزوّد فقط بالعرق، إذ لا معنى للمكوث في المكان بدون نحر الخراف وشيّ لحمها في الأفران.

من الأفضل لمن يجلب معه لحمًا مشويًّا، أن يحترم نفسه ويبقى في بيته، ولا يذهب إلى عورتا. لذلك إنّي مستعدّ للانضمام لمجموعات تُحضر معها لحم الخروف للشواء، كما هي الحال في عيد الفسح، ومن نافلة القول أنّني سأساهم في تسديد التكاليف مثل الآخرين.

من لم يكن هناك؟

عن إحدى هذه الزيارات، بودّي أن أروي لكم. كان ذلك عام ١٩٥٢، أذكر العام بالضبط، لأنّ حاييم ڤايتسمان، رئيس دولة إسرائيل الأوّل، توفي وانتُخب بعده صديقُنا الكبير السيد إسحق بن تسڤي (بن صابي، في اللفظ السامري) ليكون الرئيس الثاني. تجمّع عشرون رجلًا وامرأة للذهاب إلى عورتا.

من لم يكن هناك؟ راضي بن الأمين صدقة (رتصون بنياميم صدقة) ما كان، لأنّه قبل ذلك بسنة انتقل من نابلس إلى تل أبيب. حضر جميع أصدقائي وأقاربي. كان معنا والد الكاهن الأكبر  ناجي (أبيشع) وشقيقي عادل (صديق) أمدّ الله في عمره، أبناء عمّي خضر (فنحاس) بن إبراهيم وعاهد بن غزال (بريت بن طابية)، يوسف بن أبي الحسن (أب حسده) اللاوي، العبد بن سليم (عوبديا بن شالوم) الطيف، إسماعيل بن إبراهيم (شموئيل بن أبراهام) ألطيف، الكاهن أبو الحسن (أب حسده) بن يعقوب رحمه الله، راضي (رتصون) بن إبراهيم ألطيف، إبراهيم بن فيّاض (زبولن) ألطيف، توفيق بن صباح المفرجي (متصليح بن صفر مرحيڤ)، رحمهم الله، وهناك آخرون.

من النساء اللواتي رافقننا أذكر عينية التي أصبحت زوجتي في ما بعد، وسمية بنت توفيق بن يوشع (سمحه بنت متصليح يهوشع) رحمها الله.

أخذنا معنا الأواني وبعض الخضراوات والفواكه. علمنا بأنّ خرافًا للبيع موجودة في القرية نفسها. لا أدري كيف، إلا أنّنا قطعنا مسافة سبعة كيلومترات من نابلس لعورتا بسرعة. عند وصولنا المكان لم نشعر بأي تعب، لأنّ العمل كلّه كان ينتظرنا. بعض سكّان القرية جاؤوا نحونا إلى المسرب المؤدي إلى حوزة القبر. واحد منهم، طويل القامة وضخم الجسم، كان يجرّ كبشًا ضخمًا بقرنيه.

أشرتُ إلى الكبش وقلت: بكم؟

وحياة النبي، كبش مليح، هادا الكبش، مش أقلّ من عشر دنانير، قال القروي.

وكيف يعني عشر دنانير، بعشر دنانير بشتري قطيع كامل، سألت.

وحياة النبي، مش أقل، قال الفلاح بصوت عال.

كان أخذ وعطاء شديد إلى أن رضي الرجل في النهاية وقال: من شان العُزير المقدّس ببيعكم إيّاه بخمس دنانير! رضينا ودفعنا له خمسة دنانير وأخذنا الكبش. فجأة، لم يعد الكبش يُعجب أبناء عمّي خضر وعاهد. قال عاهد: الكبش كبير وجيّد حقًّا ولكنه ليس كبيرًا وجيدًا بما فيه الكفاية لكل الحاضرين، كان من الأفضل لو لم نشتره. من أين أحصُل لكم على كبش آخرَ، في كل القرية لا يوجد إلا هذا الكبش؟ صرختُ بهم! ليكن بدون لحم خروف، أعِدِ الخروف له والنقود إلينا، قال خضر.

لم أستطع قَبول أقوالهم، ما المجيء إلى عورتا، إلى قبر سيّدنا الكاهن إلعزار، بدون تناول لحم خروف مشوي، خارج لتوّه من الفرن (التنور)؟ وين بتصير، هادا مستحيل! عقدت العزم على الذهاب إلى نابلس لإحضار خروف آخر. حاول خضر وعاهد أن يثنياني عن ذلك قائلين: ها هنّ النساء معنا، نطلب منهن تحضير المجدرة [أرز وعدس] لكل الموجودين. مجدرة، آكلها في البيت أيضا، بسوى كان نيجي لهون لعورتا من شانا؟ صرخت بهم وأردفت قائلًا: قفوا هنا وسأعود بعد قليل من نابلس بخروف. هزّوا لي برؤوسهم من أعلى إلى أسفل، تابعتِ المجموعةُ سيرَها نحو حوزة القبر، وأنا قفلت عائدًا إلى نابلس عدْوا. تمتّعت بقوّة كبيرة، فوصلت نابلس بعد وقت قصير.

خروف من نابلس

يا لها من صدفة، رأيت أمامي قرويًّا يجُرّ خروفًا برأسه إلى الذبح. كان حجمه صغيرا، حوالي نصف حجم الخروف الذي اشتريناه في عورتا. لم تتوفّر لي فرصة للمفاصلة لوقت طويل؛ دسست بيد البائع مبلغ خمسة الدنانير الذي طالب به، حملت الخروف بيدي إلى خارج المدينة، إلى القرية.

وصلت عورتا، ولم أشعر بأيّ تعب رغم المسافة الطويلة، التي قطعتها في ذلك اليوم. صوت الغناء والصلاة ينطلق من حوزة القبر، جررت الخروف نحو المكان. رآني خضر وعاهد من بعيد وبدل أن يُشجّعاني لأنّني تكبّدت مشقّة جلب الخروف الثاني، سارعا بإحاطتي علمًا بصوت عال جدًّا بأنّهما لا يرغبان بلحم خروف اليوم، شهيتهم ولّت، وثانيًا ذلك الخروف الكبير الذي اشتريناه وأودعتهما إياه للمحافظة عليه قد هرب، ولا يعرفون إلى أين.

أسمعتم مثل هذا الأمر؟ صفقت يديّ بحزن وأخذت في تأنيبهما، وفي تلك الأثناء أرخيت قليلًا الحبل المربوط بقرني الخروف الذي معي. انتهز الخروف تلك الفرصة وولّى هاربًا هو أيضا. وبما أن عشرة دنانير لم تكن مبلغًا زهيدًا بالنسبة لي، طاردت الخروف الهارب بين الشجيرات وسرعان ما رأيت أمامي فجأة خروفين هاربين، الخروف الأوّل والثاني اللذين اشتريناهما.

هرب الخروفان وأنا خلفهما، وعلى حين غِرّة تبيّن لي أنّ وجهتيهما منطقة القبر، أسرعا ووصلا هناك ودخلا من بوابة حوزة القبر.

إنّها آية من السماء، قال عاهد وأضاف قائلا: كُتب على الخرفان النحر وإلا لما فرّت إلى حوزة القبر.

فرن العجيبة

خضر هزّ رأسه موافقًا، وسمعت هتافات الموافقة من قبل كل الحاضرين، ودبّت الحيوية فيهم وكأنّ دمًا جديدًا ضخّ فيهم. أولائك الذين قد قبلوا المجدرة، سرّوا بسماعهم أن لائحة الطعام فيها لحم خروف مشوي أيضا. راح خضر ويوسف يبحثان عن فرن لتنظيفه وإعداده للشيّ. كانت هناك بعض الأفران التي حفرناها في خلال زياراتنا السابقة، وطممنا فوّهاتها قليلا بعد الشيّ لاستخدامها في زيارة أخرى. صاح يوسف فجأة: إلى أين أنتما ذاهبان، هنا فرن بجانب شجرة البطمة.

ما هذا، فرن بجانب البطمة؟ صحتُ وأنا أركض إليه، لم يُحفر هناك فرن قطّ، وأردف يوسف: وأنا مستغرب من هذا أيضا! تقدّمنا إلى المكان ورأينا على بعد بضعة أمتار من البطمة فرنًا في الأرض نظيفا جدّا من الحطب والشجيرات والتراب والحصى. حجارته مرتبة بشكل جيّد وكأنها تدعو شيّ لحم الخراف، فرن كبير، بعمق مترين تقريبا.

نظرات الاستغراب ارتسمت على وجوه كلّ الحاضرين. كلّ واحد نظر إلى الآخر: ما هذا الذي فعله الله لنا؟ أقسم يوسف أنّه لم ير لا هو ولا أيّ واحد آخر من الحاضرين أيّ فرن في هذا المكان قطّ.

ها هي النار والحطب

لم يكن وقت لمزيد من الدهشة والاستغراب فعمل كثير كان ينتظرنا. خرج الجميع خارج المكان لجمع الحطب والشجيرات لتسخين الفرن. وفجأةً أحسست بدافع للنظر نحو الزاوية الشرقية، هناك في المحراب من تحت النقوش على الحجر وهي شهادة على شراء إبراهيم وسلامة (شلومو) ولدي يعقوب [بن مرجان لطيف] الدنفيְֶ[اللذين رمّما حوزة القبر وأعاداها كما كانت في أواخر القرن التاسع عشر] وضعت ثلاث سلات كبيرة الواحدة فوق الأخرى.

تقدّمت إلى هناك ووجدت مستغربًا في السلة الواحدة عددًا كبيرًا من جذوع الشجر مقطوعة  وفي السلتين الأخريين ورق عنب وأغصان يابسة. بدأت أصيح فرحًا وناديت كلّ الموجودين ليأتوا ليروا بأمّ أعينهم. تفاقم التعجّب والدهشة، ها هي النار والحطب للصعيدة.

أعليّ أن أقصّ عليكم بأنّ ما وجدنا من الحطب والفروع والأغصان التي في السلات، كانت كافية لتسخين الفرن لدرجة كافية لشيّ اللحم جيدا؟ هل تستغربون إذا ما قلت لكم، أنّنا تمكنّا من تسخين الفرن قبل تحضير خضر ورفاقه اللحمَ للشيّ، شكّ قطع اللحم في الأسياخ الحديدية الصغيرة التي جلبناها معنا؟ هل هناك حاجة لإبلاغكم بأن اللحم قد شوي جيدًّا بعد وقت قصير وكان مذاقه كمذاق قربان الفسح؟

عمِلتِ النساء جاهداتٍ أيضًا، وطهون لنا مجدرة بطعم جنّة عدن، وكانت وجبة تستحقّ اللحم المشوي جيّدا. وهكذا والبطن ملآن، وبحنجرة مشبعة ببخار العرق السامري الأبيض، أنشدنا بصوت عالٍ مديح الكاهن الأكبر إلعزار:

يا سيّدنا إلعزار

برضاك ها أنت معنا

بفضل مرتدي التاج

من فضلك لا تضيّعنا

في صباح اليوم التالي رجعنا إلى نابلس وآثار العجائب التي عايشناها مرتسمةٌ على وجوهنا. قصّة مماثلة، سمعها أبناء الطائفة من المشتركين، تسبّبت في زيادة التسبيح والمديح لعظمة إلعزار عليه السلام.

لن أنسى أبدًا ما حدث لنا في حوزة قبر الكاهن الأكبر إلعزار، السلام عليه وعلى روحه الطاهرة. يا ليت الله يجعلنا نلتقي به في عاقبة الأيّام، في جنّة عدن، مع الأنبياء والصدّيقين الكاملين.“

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

mohanad salahقبل الحرب العالمية الأولى لم يكن للسينما وجود في العراق وبالرغم من إن أول فيلم عرض في العام 1909، لكن لم يكن هنالك نشاط سينمائي واضح قد برز للساحة بعد . حيث ظلت الأفلام الأجنبية الصامتة هي المتاحة . حتى قام بعض التجار في تشييد دور للعرض السينمائي في بغداد وقسم من المدن العراقية الكبيرة. وفي عام 1922 بدأت دور السينما بالإزدياد تدريجيا وزاد معها عدد الأفلام الصامتة حتى الوصول الى عرض الأفلام الناطقة . وبعد عام 1927 ومع إزدهار الحركة الفنية بين القاهرة وبغداد وبزوغ عصر السينما المصرية . بدأ أول تعاون بين البلدين ولم يكن هذا معتمدا على الحكومات، بل على الفنانين .. زخرت السينما العراقية برصيد ضخم ولا يستهان به من الأعمال التي وصلت إلى الذائقة المحلية والعربية، وإكتسبت إقبالا واسعا منذ إنبثاقها الأول الذي تزامن مع حركة السينما عالميا وعربيا . فتمخض عن ذلك نشوء أرض خصبة مهدت لإنتشار دور السينما وإزدهارها، والتأسيس لعلاقات وثيقة بين (الجمهور والنتاج) .. كانت الإشعاع الساحر الذي خطف لب العقول وإنتقل بالقارئ من مساحات الكتابة والخيال نحو الترجمة الصورية المتحركة التي كان يحلم بها، أو يطمح بجزء بسيط  يسد رغباته في الجنوح نحو تحقيق هذا الكم الهائل من الأفكار المقتصرة على قدراته في إستحضارها كأطياف مرسومة فكريا .. إنها المزيج الأمثل الذي جمع كل الفنون والآداب في عمل واحد حمل مسمى (فيلم)، وأصبحت هذه الأفلام فيما بعد تغزو أركان المجتمع

(المتحضر) وتعتبر من دلالات تقدمه على باقي الأنسجة المجتمعية .. الشاشة الكبيرة اللامعة التي كانت في يوم ما تمثل المشهد الثقافي المتقدم وتتصدر الذائقة الفكرية للجمهور . أصبحت ذات طابع نخبوي تدريجيا بعد ظهور (التلفاز) وإنبثاق عصر التطور التكنولوجي الذي سمح للناس بأن يتوسعوا في رغباتهم نحو أفق يكون أكثر إنفتاحا وتنوعا . لم تستطع (السينما) تقديمه لهم . بينما إنحسرت الرغبة السينمائية على (المشاهدة) الأولى . التي يكون فيها المتلقي قد حقق قصب السبق على أقرانه لفرصة الإستيعاب المتقدم قبل تصدير المادة المعروضة وإستهلاكها من قبل الجميع على شاشات التلفاز . هذا بالإضافة إلى الرؤية الجمالية التي لم توفرها الشاشة الصغيرة في بدايات ظهورها. وكحال المسرح أضحت السينما تتحول تدريجيا من كونها ممثل إنساني لما تطمح الشعوب لطرحه، ويجعل العائلة بأكملها حاضرة دون حرج أو إمتعاض قد تسببه بعض اللقطات التي تؤدي إلى خدش الحياء، لتكون ممثلة لما يريده روادها الذين يطمحون بغالبهم لأفلام فيها الكثير من الإباحية والإيحاء الجنسي، أو تحتوي على الأكشن والمعارك والخيال في أفضل الأحوال .. مما جعل مجتمعا كالمجتمع الشرقي يبتعد تدريجيا عن دور السينما كي يحافظ على التكوين النسقي للتربية التي نشأ عليها، ويكتفي بما ينتقيه هو من الأفلام التي يجدها ملائمة للعائلة عبر شرائها أو إنتقائها عبر ما تعرضه القنوات التلفازية .. بينما بقيت السينما الحقيقية مقتصرة على ما يتناوله طلبة المعاهد والأكاديميات المختصون بمجال السمعية والمرئية . وهي لا تتعدى كونها مجرد أفلام وثائقية أو بحثية بجهود ذاتية لا تلبي طموح التطور .. وفي الوقت الذي تبتعد فيه بعض البلدان عن المساحة الثقافية الخاصة بالسينما . نشأت على دمارها وتشظيها بلدان أخرى أعدت نفسها كي تعرف ما هي الأخطاء التي بسببها وصلت السينما لكسادها .. فبدأت تشتغل على نقاط مشعة تمثل الواقع المجتمعي والتاريخي والذي لا ينحرف عن مسارات السينما النظيفة الخالية مما يسيء للآخر . فأصبحت المواد التاريخية والمشاكل التي يواجهها المجتمع في الحياة اليومية والخيال العلمي القريب من التحقيق . هي المواد التي وظفتها هذه البلدان لتعيد تشكيل الخارطة السينمائية في المنطقة . ومع هكذا نتاج سيكون من المستحيل دخول جمهور منحط لدور السينما، لتكون هذه الدور إنطلاقة حقيقية ورصينة لإعادة تكوين ذائقة التلقي . وإستعادة التكوين الصوري الذي تطمح له . دون اللجوء إلى ما يسمى بـ (السينما التجارية) .. كما إنها تواكب في الوقت ذاته حركات التطور الصوري والحركي عند الدول التي إزدهرت فيها شاشات العرض وبقيت محافظة على كيانها . مثل فن الأكشن والتنوع الحركي والخدع البصرية، وإعتماد التكوين الإنتاجي للأفلام على سعة كبيرة من الثقة بقدرتها على تحقيق واردات تكفي لتجاوز تكاليف الإنتاج . مما أسهم في تشجيع الحركة الفنية على الإستمرار في إنتاج المزيد . وكلما تطورت الأفلام تتطور معها الرغبة في تطور حس المشاهدة والتأثير في ما يحتويه العقل البشري من غايات (إنسانية)، وهو في حقيقته معتمد على وجود هكذا غايات أصلا، ولن يكون بحاجة لخلقها. إنه يمارس دور تحفيزها فقط، ويجعلها هي الغالبة على كل مظاهر التشوه الأخلاقي والفوضوي التي ربما تتجه لها السينما التجارية .. على المختصين في مجالات العرض المرئي على المساحات الكبيرة أن يخرجوا من دائرة اليأس التي وصلوا لها . ويثورا على سبات إكتفائهم بأمجاد السينما التي تحققت سابقا .. عليهم أن يستعيدوا الثقة بأنفسهم أولا للقدرة على الإستفادة من كل الأخطاء والمساوئ التي وصلت بالفن السينمائي لهذا الركود والتشظي . والإنتقال به من مرحلة الإنقراض إلى التنوع والإزدهار . عليهم أن يتيحوا المجال أمام العديد من تجارب المواهب السينمائية الشابة والإستماع الى مشاريعها وإعطائها الثقة الكافية على التغيير . هنا فقط نستطيع أن نشرع في التأسيس لحقل سينمائي جديد يعيد للمجتمع الثقة في أن يرتاد دور العرض ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيُخَـطِّئ مصطفى جواد في كتابه (قل، ولا تقل!، ص 156) من يقول:

هذا أمر هامّ، والصواب لديه: هذا أمر مُهِـمّ،

ذلك لأن الفعل في رأيه هو (أهَمَّ)، واسم الفاعل مُهمّ.

...

ولكن،

ذكرت المعجمات أن (همّه) الأمر بمعنى (أهمّـه).

وهمَّه الأمرُ همًّا ومَهَمة: إذا أحزنه وأقلقه (كأهمه فاهتم)، واهتم به".

(الزَّبيدي: تاج العروس).

ونحو ذلك تجده في المصباح المنير للفيومي، القاموس المحيط للفيروز آبادي، لسان العرب لابن منظور، والمعجم الوسيط والمنجد.

..

(همّه) و (أهمّه) من معانيهما: أقلقه وأحزنه فاسم الفاعل لكلمة (همّ) هو (هامّ)

واسم الفاعل لكلمة (أهمّ) هو (مُهِـمّ).

(هامّ ومهمّ) اكتسبتا دلالة جديدة فأهمني الأمر أو همّني = أثار قلقي وبالتالي- تركيزي أو اهتمامي، وجعلني أتابع الأمر.

..

أما الأمر الذي يكون في شغلنا ومتابعتنا فهو: مَهَمّـة أو مُهِـمّة،

 فالكلمة الأولى مصدر ميمي  من الفعل (همّ)،

والكلمة الثانية بضم الميم فهي اسم فاعل مؤنث من الفعل: أهمّ- فالمُهِم هو الأمر الشديد، والمؤنث = مُهِمّـة.

في هذه الأخيرة عادة ما نحذف الاسم الموصوف، فبدلاً من قولنا:

 سافرت في مسألةٍ مهِمَّة، نقول: سافرت في مُهِمّة.

..

وردت (أهمّ) في القرآن الكريم:

{وطائفة قد أهمَتْهم أنفسهم}- آل عمران، 154 أي حملتهم على الهمّ، أي القلق.

كما وردت كثيرًا في الأدب القديم شعرًا ونثرًا،

قول تأبط شرًّا:

قليلُ التشكّي للمُهمِّ يُصيبه ***  كثيرُ الهوى شتَّى النّوى والمسالكِ

حسان بن ثابت:

ونُحاولُ الأمرَ المهمَّ خطابُهُ ***  فِيهِمْ، ونَفصِلُ كلَّ أمرٍ مُعضِل

الخنساء:

الحاملُ الثّقلَ المهمَّ ***  مِنَ المُلِمَّاتِ الفَوادحْ

البحتري:

وألقيت أمري في مُهمّ أموره *** ليحمل رضوى ما تعمّد كاهلهْ

..

يقول إبراهيم اليازجي:

"إن قولك هذا أمر مُهمّ أفصح من قولك- هذا أمر هامّ".

(نقلاً عن كتاب الأب جرجي جنن: مغالط الكتاب ومناهج الصواب، ص 125.)

نلاحظ في قول اليازجي دليلاً على صحة (هامّ)، فلا وجه لتخطئة استعمال "هامّ" بمعنى الأمر المقلق أو الشاغل للبال، حتى وإن كان أقل فصاحة- على رأيه.

في تقديري أن سبب دعواه هو كون القرآن استخدم (أهمّ)، وهي أيضًا اللفظة الواردة في الشعر القديم، ثم إن في المزيد لفظًا يدل على  زيادة في المعنى؛ وقد أشار الرضيّ في شرح الشافية إلى أن هذه الزيادة تعني التأكيد والمبالغة.

وعليه فالمُـهِـمّ والمُـهِـمّـة أكثر استخدامًا في اللغة،

وليس ثمة من خطأ في قولنا: هامّ ومَـهَـمّـة.

..

الأمر الجدير بالإشارة إلى أن المُحْدَثين استحدثوا بناء مصدر صناعي من (أهمّ) فكانت لفظة (أهمّية) موفقة في التعبير عن الأمر الذي شأنه جليل أو خطير.

..

السؤال هنا: هل لهذا التوضيح أهميّة؟

 

ب. فاروق مواسي

 

said alsheikhالكاتب الذي لا تقف خلفه مؤسسة ما رسمية كانت أو خاصة، هو كاتب محاصر بلا شك. لا يدرك الشهرة كما يدركها أقرانه المكرّسون من قبل المؤسسات. وهذا لا يعني أنه أقلّ إبداعاً منهم، بل هو ربما يفوقهم في موهبته وفي نصاعة صوته الذي يختلف ولا يتماشى مع همهمات القطيع.

 وعلى ما يبدو أنّ الكاتب في الغرب استطاع أن يكسر دور المؤسسة في صناعة الكاتب، ليؤسس لنفسه مؤسسة تنقل صوته وتضعه على تماس مباشر مع العامة من القرّاء، بعيداً عن الدور الوظيفي للمؤسسة الرسمية التي تخلق لكاتبها المكرّس نخبة تجتمع على النفاق في إعلاء قيمة نصوصه دون أي حس تجاه العملية الإبداعية.

الظاهرة التي لفتت انتباهي في السويد، أنّ كتاباً مشهورين يجلسون خلف طاولات يعرضون عليها آخر إصداراتهم، وذلك عند مداخل المحلات الكبيرة ويوقّعونها لمن يريد اقتناء الكتاب. وطبعا بإمكان الناس الحوار مع الكاتب حول إبداعه. ويظل الكاتب ينتقل بمعرضه الشخصي (إذا جاز لنا التعبير) من محل إلى محل في المدينة الواحدة إلى أن ينتقل إلى مدينة أخرى. واللافت أن الكتب لا تحمل اسم دار للنشر، وأنّ حقوق الطبع محفوظة باسم الكاتب.

 لقد استفاد الكاتب من نظام الطباعة الحديثة التي باتت توفرها الأنظمة الرقمية، في أن يطبع فقط احتياجاته الشخصية والتسويقية من الكتب.. هو من يكتب وهو من يسوّق، وللكتاب صفحة على الإنترنت بإمكان المتابعين حجز نسخهم من خلالها ليصار بعد ذلك إرسالها إلى عناوينهم. وكل شيء يجري تحت إدارة الكاتب، بعيداً عن سلطة دور النشر التقليدية التي غالباً ما تخفي حقيقة أرقام المبيعات وعدد النسخ المطبوعة.

إن نظام "الطباعة عند الطلب" قد وفّر للكاتب، إن كان مبتدئاً أو مهما علا شأنه استقلالية تامة جنّبته محاباة السلطات المُمْسكة بعمليات النشر والتوزيع. وهو ما ألغى دور الرقيب أيضاً لتجد حرية الرأي والتعبير لنفسها مساحة أكبر وتتوسع باضطراد نحو فضاء يخلو من المداهنة. ومع هذا النظام ما عادت الكتب تتكدس في مخازن دور النشر أو عند الكاتب في مواسم بوار الكتاب.

الكاتب بات يمتلك الناصية، وبعد أن كانت دور النشر تدوّخه في تحمّل نفقات طباعة كتابه من دون مردود يذكر، وبعد أن كانت تتجاهله السلطات الثقافية إن كان يغرد خارج السرب ومحافظاً على استقلاليته وحريته، بات هو من يزوّد شركات التوزيع بإصداراته حتى إلى خارج مكان إقامته وهو عزيز وحر بكلمته وعمله في إطار مؤسسته الخاصة.

 

سعيد الشيخ - كاتب فلسطيني 

 

rasheeda alrakikيبدو أن الإنسان يعيش وجودا متفردا، وجود فيه من الصفات الإنسانية ما يجعل كل إنسان ذات مفكرة، يردد مفاهيم وكأنها لصيقة به، معتقدا أنها لا تجد معنى إلا في الوجود الإنساني:الحرية،الإرادة، القدرة، الإختيار، و المسؤولية.

تتمايل الذات وكأنها في عز شبابها بقوة وصمود، تتباهى بما قد تفعل في هذا الوجود، لكنها تصطدم عادة مثلما يصطدم من يجري بقوة وهيجان بحائط ليعيده إلى الوراء مسافرا إلى الحدود الأخرى على اعتبار أن لكل ذات حدودا تلقى فيها كل صفاتها في عالم الضياع، حينها تبقى الحرية مجرد شعار يغيب فيه الإحساس بالمسؤولية. أما الإرادة والقدرة لم تعد سوى أجنحة الإنسان في عالمه الإستيهامي كلما وقع وجد واقعه بعيدا عما تخيله.

تلك الحدود هي لحظات العيش في ما نسميه بالقلق الوجودي تنتاب الإنسان ككائن عاقل يمنطق ويدبر ويهندس ولكن ربك تدبيره أعظم، ويسير بنا القدر إلى المنال.

القلق الوجودي، لا يمكن أن يعيشه ويتعايش معه إلا كائن واحد، كائن زمني يعيش الحاضر في انتظار المستقبل، يعيش الحاضر ممزوجا بمخاوف قد تعد مرضية، تحف بكل واقع إنساني، والخوف دائما خوف من مجهول يباغتنا، خوف من مستقبل يصفعنا أو من مصير يستصغرنا، ومن قدر يحطمنا أومن أخبار تهزنا ، مع أننا نعيش على أمل تحقيق ما لم نحققه.

القلق الوجودي هو صوت العاصفة المخيف، والقدر الذي يعطل كل قدرة على التفكير وكل إرادة إنسانية متبجحة وكل شموخ يجعل كل نبتة تحارب التراب لتلامس الأفق مقررة التغيير.

 يبدو الإنسان ضعيفا محاطا بموتى أحياء لا تستطيع إنتشاله من براثين الضياع، يعم الصمت القاتل غير أنه يبدو ضجيجا من الكلمات، كل كلمة تحمل دلالات ومعاني، وكأنه عمق الوجود الذي على الإنسان الغوص فيه.

يتكلم الإنسان بثقل المعاني وصبيب الأحاسيس معبرا عن قلقه الوجودي، حينها لا يستطيع العقل أن يبرر الأوضاع ويمنطقها ويصنفها وفقا لقواعد الفكر.

لحظة القلق الوجودي، ينصهر فيه العقل باللاعقل وتتوه الأحاسيس وتضيع الذات باحثة عن موقفها مستسلمة لمصيرها المؤكد والذي لا تملك سوى قبول دون رفض، هو نيل لما قدمه القدر وصوته القاهر لكل البشر.

أُسكتت الذات الناطقة عن الكلام المباح، بعدما بحثت عن كل صيغة للإرادة و القدرة و الإختيار، سكتت عن الكلام لأنها أدركت حينها أنها لا تملك سوى الكلام الخال من المعنى الوجودي، المؤدي أكيد إلى المعنى العميق، وأن حقيقة الإنسان كائن لا تتجاوز قدراته مجالها دون أن تحاول الدخول في مجال أعظم غير مجالها.

هي إذن إشكالية الإنسان بين الضرورة والحرية وكأننا أمام حرية بشرية في إطارها بوجود ضرورات أخرى تعجزها وتظهر الإنسان مخلوقا كباقي المخلوقات.

لحظة القلق الوجودي هي لحظة الخوف من الضرورات التي لا تقهر.لحظة لا يستطيع الإنسان التحكم في نبضات قلبه الخائف ولغة جسدية مثيرة لأن العقل في لحظة فقدان توازنه وسيطرته على الإندفاعات الجسدية.

يبدو وكأن الإنسان تورط في تفرده وتمنى أن لا يعيش إلا كما تعيش باقي الكائنات لحظاتها بكل هدوء.

لم هذا العمق الوجودي الذي قدّر للإنسان أن يعيشه بهذا القلق؟ لما هذه السلطة الوجودية؟ هل يقبل الإنسان الرفض و اختيار نمط وجوده دون المغالاة في التفكير و دون أن يشغل المستقبل حاجزا بالغ الأهمية في حياتنا؟ أليس في ذلك انطواء الإنسان وتجاهل لكل القدرات الوجودية الأخرى؟

لن يخرجنا إذن من هذا الغضب و القهر الوجودي سوى الإحساس بالرضا والإستسلام للقدر المحتوم.

يبدو أن هناك مكونا رابعا في حياة الإنسان بعد المكون العقلي والنفسي و الجسدي ولربما هو أساس توازن الإنسان في لحظات القلق الوجودي، إنه البعد الروحي الذي يجعل الإنسان يتمتع بواقع الإحساس بأنه في أيدي آمنة مصدر قوته، لتجتاحه نسمة الإرتياح والهدوء على المستوى الوجودي، هو الإحساس بالجلال والعظمة في كُنه الوجود، وما الوجود الإنساني إلا فاعل مثلما هو منفعل فيه.

هكذا بين الوجود والعدم قلق الوجود وما تعيشه الذات من مخاوف قد تصبح وساوس تكون سببا في انهيارها، ليصبح وجودها عدما تستطيع تلفظ آخر أنفاسها معبرة عن سخط وعن هوس في شكل حكم ترددها الذوات مستنيرة بالعقل محبطة المشاعر ومكبلة لكل القدرات مثيرة لكل توتر وانطواء وحذر.

العيش في القلق الوجودي يجعل الإنسان في ملتقى الطرقات بين كائن يتباهى بما راكم من أعمال ومن تحديات ومن قهر للوجود الطبيعي وبين كائن عليه أن يتناسى كل شيء وينسى حقيقته ، ليعترف بحقيقة أخرى أنه كائن عاجز وأن حريته لا تكاد تتجاوز إطاره كمخلوق وأن ما يستطيع تغييره لن يكون إلا فكرة ليغير سلوكه، ويصطدم اليوم بفكرة هي أن للحرية الإنسانية حدودا وأن الفعل فيما يمكن فعله بعد مراجعة وهدم وندم.

كان على الوجود الإنساني أن يعرف حقيقته هو أنه قد يتحول العقل كمسبب لعذاب الإنسان خصوصا عندما نلخص قدراته فيه. يبدو أن العقل ليس وحده جوهر الإنسان، ربما ما خفي كان أعظم بل هو عمق الوجود الإنساني.

حقيقة استطاع الإنسان أن يلامس الكواكب الأخرى وأن يحلم العيش فيها غير أنه لم يستطع أن يعرف كُنه حقيقته، فالغريب يسكننا على نحو غريب و الظلمة العتمة هي ما يسكن فينا زاخرة بكل المتناقضات. غير أن معرفة ما يوجد في الكون وعظمته دليل على عظمة الخالق وضعف الإنسان. فهل نستطيع أن نواجه الموت أو نأخره؟ هل نستطيع أن نمحو المرض من قاموسنا البشري؟ أو موت أعز الناس أو نزيح عنهم الألم وكل معاناتهم اليومية مع المرض المزمن؟

أكيد لا يمكن أن تكون للحياة معنى طالما هي حياة عادية لم يستطع الإنسان الخروج عن كونه كائنا حيا.

فحين يُسائل الوجود و يُمشكله من أجل الوصول إلى عمقه وجوهر حقيقته يتحقق ما يُنتظر منا، وإلا سوف يتوه الإنسان في لحظات من الوجود الصاخب، بعيدا عن كل تأمل يستطيع الكشف من خلاله عن المفارقات الوجودية باحثا عن حدود السواء فيها، فيستحق نعمة الوجود المتميز الذي لا يخلو من الفكر المتنور ومن النفوس المضطربة ومن الجسد الموشوم بالتعب والتوتر مهتديا بلحظات الهدوء،عندها ستظهر القيم الإنسانية التائهة ليستقيم الوجود الإنساني في إطار أخلاق كونية ثابتة فنشعر بأمان وجودي و القدرة على حياة بسيطة هادئة، فيها من التفاؤل ما يكفي لنحب الحياة ونقبل عليها.  

عموما وإن سكتت عن الكلام المباح، فعذرا سيظل القلق الوجودي جوهر الوجود الإنساني يكتسحنا في جل لحظات حياتنا. قد لا نخرج منه دون فك شفراته و أخد المعاني التي تقودنا إلى وجود الإنسان بعد لحظات من الضياع المؤقت و قبل أن يوصنا للعدم، لنعيش حالة أخرى بين الوجود والعدم.

 

بقلم رشيدة الركيك

mohanad salahالتعامل مع النتاج الثقافي برمته يضعنا أمام معايير مهنية يجب أن نتبع أساسياتها قبل الولوج في أي تجربة نضعها على طاولة القراءة والتلقي . لأننا سنقع في أخطاء لا نهاية لها بمجرد إنحرافنا عن المسار الصحيح الذي يجب إتخاذه عند البحث أو التناول . الذي سينحرف بشكل طبيعي من كونه معرفي إلى مناطق إجتماعية تخضع للتأثير العاطفي و(الآيروسي)، مما يتيح المجال أمام العديد من المزيفين والمزيفات في الوسط الثقافي لإختراق الثوابت الفكرية، وهم يعزفون ألحان (الغنج أو الصداقة) عند مجسات الآخرين . الذين يشكلون بدورهم النوافذ التي ستطل من خلالها هذه التجارب المعاقة لذائقة الجمهور، وهو يثق تماما بأن ما يقرأه أو يتلقاه قد خضع للفلترة قبل تصديره له كمادة قابلة للتناول الفكري . لم يعرف حينها بأنه قد خضع لجريمة قد إشترك فيها صاحبي النتاج المصدر (النافذة / التجربة) .. ربما يكون المجتمع الغربي قد تجاوز لحد كبير هكذا ظواهر قد تشوه معالم مشهده الثقافي، أو إن جمهوره قد إمتلك ثقافة ووعي تؤهلانه لكشف أي خدعة قد تمارس معه . وفي كلا الحالتين، فهو يعيش حالة صحية على العكس مما تزخر به الحواضن الشرقية والعربية من أمراض إجتماعية متظخمة أثرت بشكل كبير على نتاجه الثقافي . وجعلته يعيش مراحل من الإزدواجية اللامتناهية راحت ضحيتها العديد من المواهب التي إندثرت وتلاشت بين (الأعراف والتقاليد المجتمعية وإستغلال المصدر للنتاج) . أنا أحاول أن أضع يدي على جرح عميق يتهرب الكثيرون من تناوله أو الإقتراب منه . لأنهم بذلك سيكشفون الوجه الحقيقي لما وصلت له الساحة الثقافية ومدى التخبط الذي تعيشه . الوسط الثقافي الذي تلجأ له (المرأة المثقفة) للنجاة من أنياب العرف المجتمعي الذي ظلمها كثيرا وأثرا سلبا على عملية تحويل موهبتها إلى نتاج يستحق الفخر والرعاية . المرأة التي تتخيل بأن هذا (الوسط) سينصفها وينتشلها بكل مهنية ومعرفة من كل براثن الجهل والظلامية التي تعيش ضمن نطاقها . إنه الحلم الكبير الذي تحاول بكل قوة أن تصل له كي تتنفس .. إنها كـ (مثقفة) تقرأ وبشكل دائم عن مناصرة المرأة ومساواتها مع الرجل . وعلى الآخر أن يتناولها كتجربة بعيدا عن شكلها أو لونها أو محاسنها . لكنها للأسف وبعد تحمل المشقة لكل هذا الطريق الذي قطعته كي تصل لحلمها . ستصدم بالواقع المؤلم جدا، الذي سيجعلها تلعن اليوم الذي ولدت فيه (إمرأة) تحمل بين طيات عقلها بذور المعرفة والوعي . عندما تكتشف بأن كل ما قرأته كان تمهيدا لدخولها شباك (المصدر) الذي يتعامل معها

 كـ (أنثى) خلقت لإرضاء رغباته وملذاته . بدل أن يقدم لها يد العون في إخراجها من الدوامة التي ستقضي على موهبتها مهما كان شكلها .. إنه يمارس معها أقسى أنواع الحيل والألاعيب فقط كي يستغل (جسدها) ويصل بعد ذلك إلى مراحل متقدمة من الإبتزاز والمساومة . فإما أن تنسحب من هذا الوسط (المريض) أو تستمر في حالتين . الأولى تجعلها خاضعة لما وصلت له . والثانية أن تلجأ إلى تكوين مجاميع ثقافية (نسوية) لا تخضع لمعايير الرجل، والحالة الثانية هي الأكثر رواجا هذه الأيام .. هذا لا يعني بأن الوسط الثقافي هزيل وخالي من أناس يملكون أدوات فكرية وثقافية حقيقية للتعامل مع تجارب (المرأة المثقفة) . إنهم موجودون لكن بقلة . فهم يتعاملون مع هذه التجارب من خلال نتاجها فقط . إن ذلك يشبه لحد ما نظام المسابقات (الشريفة) والخالية من الغش . عندما تقوم لجنة التحكيم بفحص النصوص بدون أسماء الكتاب، فهم بذلك سينظرون لحجم التجربة فقط، وليس لإسم أو نوع أو شكل كاتبها . وبالتالي سيكون الفائز هو النص المنتج دون الحاجة لمعرفة كاتبه . متى يفهم الكثير من مجانين الثقافة بأنهم يسيرون بالمشهد الثقافي (النسوي) نحو متاهة كبيرة سيكون الخاسر الوحيد فيها هم (الجمهور والمرأة المثقفة) ..؟! متى يعي الجمهور بأن هنالك العديد من التجارب النسوية تستحق منه الوقوف بوجه (المصدر المزيف) الذي يتلاعب بعقله ..؟! . لو تصفحنا للحظة بعض مواقع التواصل الإجتماعي سنكتشف الكثير من المواهب (الأنثوية) التي تجاوزت بإبداعها وألقها ما نقرأه في الكتب والصحف لـ (بعض) الكاتبات والفنانات (المزيفات) . لماذا لم تجد هذه المواهب (نافذة) إعلامية تطل من خلالها علينا ؟!! الجواب بسيط جدا . ما علينا سوى أن ننتزع هذا المشهد المشوه الذي ترتديه عقولنا كي نرى الحقيقة المؤلمة كما هي دون كذب أو رتوش .. علينا أن نفهم بأن

(المرأة المثقفة) تخضع اليوم لأبشع أنواع الظلم والإستغلال وبطرق عدة لا حصر لها. علينا أن ندافع عن حقوقها متى ما فهمنا بأنها (تجربة ثقافية) وليست عاهرة نستغل جسدها ومفاتنها متى شئنا ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيخَطّئ مازن المبارك في كتابه (نحو وعي لغوي، ص 102) وزهدي جار الله في كتابه (الكتابة الصحيحة، ص 396) وغيرهما من يقول: تَوَفَّى فلان (بالبناء للمعلوم) ومن يقول "رأيت المُتَوَفِّي".

والصواب في رأيهم أن يبنى الفعل للمجهول، فنقول: تُوِفّي فلان فهو المُتَوَفَّى، ويستشهدون بالآية الكريمة:

{الله يَتوفّى الأنفسَ حين موتِها}- الزُّمَر، ص 42.

فتبعًا للآية فإن الله هو المتوَفِّي.

..

أما الآية- {والذين يُتَوَفَّون منكم ويذرون أزواجًا}- البقرة، 234- بالبناء للمجهول، فقد قرأها علي –كرّم الله وجهه- بالبناء للمعلوم (والذين يَتَوَفّون منكم...)-

قال ابن جِنِّي في (المحتسب، ج1، ص 125):

"ومن ذلك ما رواه أبو عبدالرحمن السُّلَمي عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: {وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُم}- البقرة، 234 بفتح الياء. قال ابن مجاهد: ولا يُقرأ بها.

 قال أبوالفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أي: والذين يَتَوَفَّون أيّامَهم أو أعمارَهم أو آجالهم".

كذلك علّق أبو جعفر النحاس في كتابه (إعراب القرآن) على هذه القراءة قائلاً "فمعناه يستوفي أجله".

(نقلاً عن كتاب أحمد مختار عمر- العربية الصحيحة، ص 135.)

...

جاء في (لسان العرب) وفي (تاج العروس):

تَوَفّـي فلان: استيفاء مدّته التي وُفِّيَـت له، وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا.

أما فعل المصدر (تَوَفِّـي) فهو تَوَفّى تَوَفَِـيًا- أي استوفى المدة المقدرة لبقائه حيًا.

..

الخلاصة أننا لا نخطئ إذا قلنا أو كتبنا: تَوَفّى فلان، وهو المُتَوَفّي، وذلك بمعنى استوفى أجله، فهو المستوفي.

..

 لكني شخصيًا أفضّل البناء للمجهول، وربما بتأثير الآية في قراءة حفص، وكما هي واردة في المصحف الشريف.

 

ب. فاروق مواسي