faroq mawasiقد يزاد بعض أحرف المعاني في مواضع معينة من الكلمات، وغالبًا ما يكون ذلك للتأكيد، والأحرف الزائدة تسمى أيضًا أحرف الصلة، ويعبّرون بالصلة، لأنه يتوصل بها إلى إعراب لم يكن قبل إثباتها، أو لتزيين اللفظ واستقامته.

...

من هذه الأحرف الباء.

تزاد الباء في المواضع التالية*:

* في خبر (ليس) و (ما) الحجازية، نحو {أليس الله بأحكم الحاكمين}- التين، 8 {وما ربك بظلاّم  للعبيد}- فصّلت، 46.

* في فاعل فعل التعجب إذا ورد على صيغة (أفْـعِـلْ)، نحو: أكرِمْ بزيد! فزيد هو فاعل زيدت عليه الباء، و(أكرِمْ) معناها كرُم- فعل ماض جاء على صيغة الأمر. وردت هذه الصيغة في الآية: {..أبْصِرْ به وأسمِعْ ما لهم من دونه من وليّ..}- الكهف، 26.

زيادة الباء في هذه الصيغة التعجبية واجبة.

..

* في فاعل (كفى)= {كفى بالله شهيدًا}- الرعد، 43،  والتقدير: كفى الله شهيدًا (فلفظ الجلالة فاعل كفى مجرور لفظًا مرفوع محلاً، و "شهيدًا"- تمييز منصوب)، ومنهم من يعرب:

 لفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من  ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

..

*في المفعول به: {ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلُكة}- البقرة، 195، {وهُزّي إليك بجذع النخلة}- مريم، 25.

وفي نحو قول المتنبي:

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا *** وحسبُ المنايا أن يكنّ أمانيا

الباء حرف جر زائد، الكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، داءً- تمييز منصوب، والمصدر المؤول من (أن والفعل)= رؤيتك- في محل رفع  فاعل كفى.

ملاحظة:

لا تزاد الباء في فاعل (كفى) أو مفعولها إذا كانت بمعنى أغنى، نحو "كفى المالُ الفقير"، ولا التي بمعنى الوقاية- {وكفى الله المؤمنين القتالَ}- الأحزاب، 24، وعلى ذكر هذه الآية، فثمة خطأ يتكرر في الاستشهاد بها، إذ يضيف بعضهم (شر) قبل كلمة (القتال).

يضاف إلى جزئية المفعول به:

 * بعد (عليك) – وهي اسم فعل أمر، واستخدام الصيغة كثير، نحو- عليك بالأمانة، عليكم بالصلاة...إلخ، فالأمانة مفعول به في محل نصب (لأن اسم الفعل يعني الزمْ)، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.

..

* في التوكيد بألفاظ التوكيد المعنوي- كالنفس والعين، جاء الشيخ بنفسه.

* تزاد في المبتدأ نحو: بحسبِك الجائزةُ- أي حسبك جائزةٌ، وفي نحو:

كيف بك إذا نجحت؟ فالكاف هي منقلبة عن ضمير منفصل (أنت) وإعرابها مبتدأ مؤخر، و"كيف" خبر مقدم.

* كذلك تزاد بعد (إذا الفجائية)، نحو: خرجت فإذا بالمطر. فالمطر مبتدأ مرفوع محلاً وخبره محذوف.

 

* تزاد في الحال المنفي عاملها كقول الشاعر:

فما رجعت بخائبةٍ ركابٌ *** حكيمُ بنُ المسيَّبِ منتهاها

* تزاد في خبر كان، ويشترط أن يسبقها نفي أو نهي:

وإن مُدّتِ الأيدي إلى الزاد لم أكنْ *** بأعجلِهم إذ أجشع القوم أعجلُ

...

استشهدت أعلاه بعدد من الآيات، وجدير هنا أن أتحدث بإيجاز عن موضوع زيادة الحرف في القرآن:

...................................

ذهب كثير من اللغويين والبلاغيين إلى أن القرآن ليس فيه أحرف زائدة، وكانت في الموضوع مناقشات واسعة وطويلة.

غير أن  أكثر النحويين رأوا  أن هناك أحرفًا زائدة في القرآن وكلام العرب، إلا أن مرادهم بذلك أنها زيدت لضرب بلاغي، وغالبًا هو التأكيد، فزيادة الحرف زيادة في المعنى.

من المعاني التي يذكرها العلماء للحروف الموسومة بالزيادة:

1- التأكيد   2- التقليل    3- الجرس الصوتي

4- إفادة الفصل الزمني

 إلى غير ذلك من الفوائد التي تعرف من السياق.

....

هذه المادة مركَّزة، استقيتها من مصادر مختلفة.

 

 

faroq mawasiمن مآثر الخليل بن أحمد الفراهيدي* أنه وضع علامات الشكل، فالضمة اعتمدها من الواو، والفتحة من الألف ثم جعلها أفقية "  َ "(لتمييزها عن الألف القصيرة في نحو هٰذا)، والكسرة أخذها من الياء (المتوسطة بدون نقطتين، وبدون رأس)، وهكذا.

...

سُمّي الضمُّ رَفعًا لأن الضمة من الواو، ومخرج الواو من الشفتين، وهما أرفع من الفم.

وأما لفظة (الضمّة) فلأننا نضم الشفتين عند نطقها.

..

سمي الفتح نصبًا لأن الفتحة من الألف، والألف حرف منتصب يمتد إلى أعلى الحنك.

وأما لفظة (الفتحة) فلأننا نفتح الشفتين، وجرب أن تلفظ (قَرَأَ) مثلاً وسيتبين لك ابتعاد الفكين بعضهما عن بعض.

..

سمي الكسر جرًا لأنه من الياء التي تهوي عند النطق بها سُفلاً، فكأنه مأخوذ من جَـرِّ الجبل، وهو سفحه.

نلاحظ أن هناك من يسمي الجرّ الخَفْض، وهو النزول والانحدار في صوت الياء.

والخفض- انخفاض الفك السفلي عند النطق بالحرف المكسور.

يقول الإمام أحمد الطيبي المتوفّى سنة 979 هـ:

وَكُـلُّ مَضْمُـومٍ فَلَـنْ يَتِـمَّا *** إِلَّا بِـضَـمِّ الشَّفَتَـيْنِ ضَـمَّـا

وَذُو انْخِفَاضٍ بِانْخِفَاضٍ لِلْفَـمِ *** يَتِـمُّ وَالْمَفْتُوحُ بِالْفَتْـحِ افْهَـمِ

...

سمي الجزم جزمًا لأنه يقطع الحركة، فالفعل جزم= قطع.

والسكون من معنى انقطاع الحركة، ولا عمل للفم فيه.

...

حدثني أبي أنه كان يتعلم في الكُتّاب، وكانوا يسمون الحركات: رَفْعة، نَصبَة، خَفْضة (بدل الضمة، الفتحة، الكسرة)، وأما السكون فكانوا يسمونه (لا شيء عليه)، ولم يكونوا يلفظون همزة "شيء"= شي.

...

كثيرًا ما أستمع إلى أطفالنا وحتى بعض شعرائنا يمدّون الضمة أو الفتحة أو الكسرة في قراءاتهم، فيكسرون البيت إذا كان موزونًا، ويسببون الإزعاج في هذا التمطيط غير المسوَّغ.

من جهة أخرى يجب إشباع حروف المد= الألف والواو والياء وعدم اختزالها أو اختلاسها.

..

على ذكر القراءة:

لا أعرف سبب قراءة الشكل عند الوقف، فما أكثر ما سمعت العنوان يقرأه المعلمون مشكولاً حتى الحرف الأخير: المدرســةُ! الكلبُ والحمامةُ!

يجدر بنا أن نقف ونشكل اللفظ بالسكون في آخر المدرسه، الحمامه، فهل سمعتم أحدًا يقرأ:

{قل هوَ الله أحدٌ}- بتنوين "أحدٌ؟

..

للتعريف:

* الخَلِيل بن احمد، (100 هـ- 170 هـ - 718م 786م):

 الخليل بن أحمد الفراهيدي من أئمة اللغة والأدب، هو واضع علم العَروض، أخذه من الموسيقا، وكان عارفًا بها. ودرس لدى عبد الله بن أبي إسحاق الحَضْرمي، وعلى علماء البصرة مثل أبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي وغيرهم.

كان الخليل أستاذ سيبويه، والأصمعي وغيرهما. ولد في عُمان ومات في البصرة، وعاش فقيرًا صابرًا. وصف بأنه كان شعث الرأس، شاحب اللون، متمزق الثياب، مغمورًا في الناس وكأنه لا يُعرف. ولكن ما يهمنا أنه جمع تقوى وزهدًا وورعًا، فأشغل نفسه بالعلم والعبادة. وقد فُتحت له مغاليق أبواب العلوم، فهو عالم اللغة والنحو والعروض والموسيقا، وكذلك كان شاعرًا.

...

عن وفاته قال الذهبي في سببها- في كتاب "تاريخ الإسلام":

"يقال: كان سبب وفاة الخليل أنّه قال أريد أن أعمل نوعًا من الحساب تمضي به الجارية إلى الفامي (البائع)، فلا يمكنه أن يظلمها، فدخل المسجد وهو يعمل فكره، فصدمتهُ سارية وهو غافل، فلاقى مصرعه. وقيل: بل صدمته الّسارية وتوفي بعدها، وهو يقطِّع بحرًا من العروض".

 (ابن خَلِّكان، وفيات الأعيان، ج2، ص 248).

من مؤلفاته: معجم العين، كتاب العَروض، كتاب النقط والشكل، كتاب الإيقاع، كتاب معاني الحروف.

 

diaa nafieالترجمة الحرفية – أصعب شئ للانسان أن يعرف نفسه.

التعليق – ما اعمق هذا المثل، وهو مناظر شكلا ومضمونا لمثلنا العربي العميق ايضا – رحم الله امرءا عرف قدر نفسه.

+++++

الترجمة الحرفية – الغنى ذنب امام الرب، والفقر ذنب امام الناس.

التعليق –الاغنياء يجمعون ثروتهم بطرق غير نظيفة في الغالب، ولهذا هم مذنبون امام الرب، والفقراء ذنب من ذنوب المجتمع وقوانينه غير العادلة . مثل يلخص بدقة مسيرة الانسانية وعبر كل تاريخها .

+++++

الترجمة الحرفية – اذا  كنت قادرا  على ان تذنب، فكن قادرا على ان تندم.

التعليق – ما أجمل هذا المثل الجورجي، الذي يدعو الى الندم على الذنوب التي ارتكبها الانسان، والندم هو ( نصف الصلاح ) كما يقول المثل الروسي الطريف. لنتذكرالحديث الشريف –  كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

+++++

الترجمة الحرفية – افضل مما ان تجلس دون جدوى، اعمل دون جدوى.

التعليق – مثل ساخر وجميل و منطقي ومفيد فعلا. الجلوس دون جدوى لا معنى له، ولكن العمل دون جدوى يؤدي في نهاية المطاف الى نتائج ملموسة و محددة، ولا يمكن لهذه النتائج ان تكون بلا فائدة للشخص نفسه وللمجتمع ايضا .

+++++

الترجمة الحرفية – الذي سرقوه ارتكب  مئة ذنب، اما الذي سرق فذنب واحد.

التعليق – لان المسروق شك بالجميع من حوله، والشك بالاخرين (وهم ابرياء) هو ذنب كبير يتحمل وزره الشخص نفسه، اما السارق فانه يعرف ذنبه المحدد، وهو السرقة. مثل طريف يدعو الى التأمل الفلسفي العميق، واستخلاص العبر.

+++++

الترجمة الحرفية – لساني الثرثار صفعني على خدي.

التعليق – مثل في غاية الطرافة، اللسان عدو الانسان كما يقول المثل العربي، ولكن المثل الجورجي جعل هذا العدو يصفع الانسان على خده، وهنا بالذات تكمن طرافة الصورة الفنية في هذا المثل.

+++++

الترجمة الحرفية – ارقد بلا عشاء كي تستيقظ صباحا بلا ديون.

التعليق – من الافضل ان تبقى جائعا من ان تقع في هموم الديون ومشاكلها الكثيرة. لنتذكر القول المشهور في تراثنا لعلي بن ابي طالب (ع)، الذي  حمل الحديد والصخر، ولكنه ( لم يجد أثقل من الدين...).

+++++

الترجمة الحرفية – اذا لم تر الظلام لا تعرف قيمة الضياء.

التعليق – مبدأ المقارنة لفهم جوهر الاشياء نراه في امثال شعوب كثيرة، بما فيها  طبعا الامثال العربية. 

+++++

الترجمة الحرفية – الذي يسير في الامام - جسر للذي يسير في الخلف.

التعليق – السائر في الامام هو طليعة، وبالتالي فهو يقدر ان يحدد هدف المسيرة كلها، ويعرف اين يبني ( الجسر ) الذي يسير عليه الآخرون من بعده. 

+++++

الترجمة الحرفية – الثرثار يتعب من الاخرس.

التعليق – لأن الاخرس لا يمكن ان يتجاوب مع الثرثار . كل علاقة بين البشر يجب ان تكون متوازية – هذا هو المعنى الجوهري للمثل الجورجي.

+++++

الترجمة الحرفية – في البحر نجا، وفي قطرة ماء غرق.

التعليق – خرج سالما من مشاكل كبيرة، ولم يخرج سالما من مشاكل تافهة صغيرة. غالبا ما يحدث ذلك في مسيرة الحياة .

+++++

الترجمة الحرفية – تأتي الدموع دائما بعد الضحك.

التعليق – يوجد (ضحك كالبكا) كما يقول المتنبي، ويوجد (ضحك عبر الدموع) كما يقول التعبير الروسي المرتبط  بنتاجات غوغول، ولكن المثل الجورجي يتحدث هنا عن الدموع التي تأتي بعد الضحك بالذات، وهي مأساة يعاني منها الانسان في كل زمان ومكان.

+++++

الترجمة الحرفية – غبي واحد رمى الالماس في البحر، والف ذكي لم يستطع  ارجاعه.

التعليق – يقف الانسان الذكي عاجزا فعلا امام حماقة الانسان الغبي وتصرفاته . الصورة الفنية للمثل الجورجي  هنا معبٌرة حقا ومقنعة فعلا وطريفة جدا .

+++++

الترجمة الحرفية – الانسان جبار بقلبه والشجرة بجذورها .

التعليق – القلب والجذور مخفيان  في الاعماق عن الانظار، ولهذا فانهما يمنحان الجبروت للانسان وللشجرة . مثل رمزي وفلسفي جميل .

 

faroq mawasiيقول صالح بن عبد القدوس:

لو يُرزقون الناسُ حسبَ عقولهم *** ألفيتَ أكثرَ من ترى يتصدّق

لكنه فضلُ المليك عليهمُ *** هذا عليه موسَّع ومضيَّق

(ديوان صالح بن عبد القدوس، ص 138)

..

يبدو أن شاعرنا لا يرى أن الرزق بالعقل،  ولو كان ذلك كذلك لرأيت معظم الناس يتصدقون، ومع ذلك فهو يؤمن في البيت الثاني بقوله تعالى: {وفي السماء رزقُكم وما توعَدون}- الذاريات، 22.

 

وللشاعر نفسه في الرزق أيضًا:

وليس رزق الفتى من حسن حيلته ***  لكنْ جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام

كالصَّيد يُحرمه الرّامي المجيدُ وقد ***  يرمي فيُرزَقه من ليس بالرّامي

(الديوان، ص 155)

..

 

لاحظت أنه استعمل لغة (أكلوني البراغيث)= يرزقون الناس، وهي واردة في القرآن وفي الشعر القديم، وقد رأى البعض أنه لا يجوز أن يكون فاعلاً أو نائب فاعل لفعل واحد، لكن خرّجها الحريري  وغيره على أن الكلمة التالية للضمير هي بدل.

..

قال أبو تمّام ما يشبه معنى البيت الأول:

ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ***  ويُكدي الفتى في دهره وهو عالم

ولو كانتِ الأرزاقُ تجري على الحِجا *** هلكن إذن من جهلهن البهائم

إذن ليست المسألة متعلقة بالعلم والمعرفة، فلو كان الأمر كذلك لما رزقت  البهائم، فهذا تمثيل أو حجة في البلاغة.

...

يقول المعري:

لا تطلبنّ بغير حظ رتبةً **  قلم البليغ بغير حظ مِغزلُ

سكن السماكانِ السماءَ كلاهما ***  هذا له رمحٌ وهذا أعزل

السماكان هما من أبراج السماء، نجمان نيّران أحدهما في الشمال وهو الرامح، والأعزل وهو في الجنوب. من الطريف أن صاحبنا يتحدث كثيرًا في شعره عن النجوم وحركاتها أكثر مما يتحدث به البصير.

فالحظ إذن هو الذي يفعل الأفاعيل، و"الحياة حظوظ"-  كما نقول في الأمثال، فقلم البليغ بدون الحظ يكون كالمغزل أو أية أداة أخرى في أيدي الناس. والتشبيه ضمني.

قال آخر:

لا تنظرنّ إلى الجهالة والحجا **  وانظر إلى الإدبار والإقبال

كم من صحيح العقل أخطأه الغنى ***  وعديم عقل فاز بالأموال

إذن ليست المسألة "بالشطارة"، ولا يظنن ظانّ أننا هنا  نتهم الأغنياء بقلة العقل والتدبير، بل هي مشاعر الشعراء بعد أن رأوا أن شعرهم وعلومهم "لا تطعم خبزًا"، وكنت قد تحدثت في الجزء الأول من كتابي -قطوف دانية في اللغة العربية" عن ارتباط التعبير "عيش الأديب" بمعنى الفقر، وقلة الحظ والنكد.

(انظر: قطوف دانية  ج1، ص 201- 202.)

...

قال بعضهم:

قالوا أقمتُ وما رُزقت وإنما *** بالسير يكتسب اللبيب ويُرزَق

فأجبتهم ما كل سير نافع *** الحظ ينفع لا الرحيل المقلق

 

هذا القول كان في خاطر ابن زريق الذي اشتهر بقصيدته اليتيمة (لا تعذليه)، وقد فارق حبيبته ليبحث عن رزقه:

 ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ  *** عزمٌ إِلى سَفَرٍ بِالرغمِ يُزمِعُهُ

 كَأَنَّما هُوَ فِي حَـلِّ وَمُرتحَلٍ *** مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ

 إِذا الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنًى  *** وَلَو إِلى السَنـدّ أَضحى وَهُوَ يقطعُهُ

 تأبى المطالبُ إلا أن تُكلّفَه  *** للرزق سعيًا ولكن ليس يجمعهُ

 وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ واصِلَةً  *** رزقًَا وَلا دَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ

...

يقول آخر:

كم من غلام أديب فيصل ذكر *** شهم مهيب كحدّ السيف ذي الشطب

يمسي ويضحي من الإفلاس في تعب ***  يقلّب الكف بالنيران واللهب

وآخرٍ جلفِ طبعٍ لا خلاق له *** مذبذب العقل ثورًا منتن الذنب

لا يعرف الميم من واو إذا كتبا ***  ولا يميّز بين التين والعنب

قد أقبلت نحوه الأيام ضاحكة ***  وأخدمته الليالي كل ذي حسب

 

تشبيهه لا يعرف  الميم من الواو فيه صورة حسية، يذكرني بما وصفت به معلمًا:

إن شاء يكتب رؤية ورؤى *** حار الجهول وضاقت السبل

...

لكن الشافعي عرف جدية الحظ وعبثيته، فقدم لنا صورًا فيها مبالغة، ولكنها صادقة، ورغم ذلك فهو يجانب الحقيقة في قوله إن مَن رُزق الحجا حُرم الغنى، فكم من عالم يعيش في رغد، وكم من "جاهل" يعيش مملقًا.

يقول الشاعر:

فإذا سمعت بأن مجدودًا حوى *** عودًا فأثمر في يديه فصدّق

وإذا سمعت بأنّ محرومًا أتى *** ماء ليشربه فغاض فصدق

لو كان بالحِيَل الغنى لوجدتَني ***  بنجوم أقطار السماء تعلقي

لكنّ من رُزق الحجا حُرم الغنى *** ضدّان مفترقان أيَّ تفرّق

ومن الدليل على القضاء وحكمه ***  بؤسُ اللبيب وطيبُ عيش الأحمق

وأحقُّ خلق اللّه بالهمّ امرؤ ***  ذو همة يُبلى برزق ضيق

...

دعت أم الاسكندر لولدها فقالت رزقك الله حظًا يخدمك به ذوو العقول!

 ولا رزقك عقلاً تخدم به ذوي الحظوظ!

هل هي على حق؟

..

وخُيِّـر رجل بين أمرين فأبى أن يختار، وقال أنا بجَِـدّي أوثق مني بعقلي.

يذكرني ذلك بما أورده  ابن عبد ربِّه في (العقد الفريد- ج6، ص 204):

"قيل لرئيس الحكماء: الأغنياء أفضل أم العلماء؟ قال: العلماء.

 قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر ما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟

 قال: ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال، وجهل الأغنياء بحق العلم.

...

أختم بقول أبي العلاء المعري، وهو يسوّغ الزندقة بسبب انقطاع الرزق:

إذا كان لا يحظى برزقك عاقل *** وترزق مجنونًا وترزق أحمقا

فلا ذنب يا رب السماءِ على امرئ *** رأى منك ما لا يُشتهى فتزندقا

انظر النقد القاسي الذي وجهه إليه ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية)، ج15 – أحداث سنة 449هـ .

 

saad jasemعلى الرغم من مرور اكثر من اربعة عشر عاماً على واقعة الاغتيال المأساوي لشاعر الصمت والعزلة: الشاعر العراقي الكبير محمود البريكان؛ فمازال نتاجه الابداعي مغيبّا ومختفياً ولم يرَ النور الذي يليق به بوصفه منجزاً ابداعياً وارثاً مهماً لشاعر رائد عاش حياته زاهداً  وطاهر الروح وأَبيض القلب ونادر الوجود .

ومن اللافت للانتباه ان الاراء قد تعددت بشأن اختفاء ارث البريكان؛ حيث ان هناك من يقول: ان نتاجه الشعري قد سُرق قبل رحيله بمدة قصيرة، ولم يعرف حتى هذه اللحظة مصير قصائده وكتاباته المسروقة؛ وهناك من يقول ان ذلك النتاج قد سُرقَ بطريقة غامضة ومتعمدة وجرى اخفاؤه مباشرة بعد حادث اغتياله الفاجع .

صحيح ان البريكان كان يعيش عزلة اختيارية خاصة جداً . وكان بعيداً عن الاضواء ومُقلاً او بالاحرى عازفاً عن النشر بمحض ارادته واختياره؛ الا انه لم يكن صامتاً او متوقفاً عن كتابة الشعر والنثر والتأملات الفكرية

بل كان- وهذا مايؤكده بعض أصدقائه المقربين والخُلّص؛ دائم الانهماك والانشغال والتواصل بكتابة قصائده ؛ وكان خلال رحلته الابداعية الهادئة من الخارج والصاخبة من الاعماق قد أنجز الكثير من القصائد التي لم تُنشر على الاطلاق، وذلك لأنه كان متريثاً في عملية نشر خزينه الشعري الكبير.

ان المؤسف في الامر والذي يدعو للدهشة والحيرة والاستغراب انه  ومنذ رحيله لم تسع أية مؤسسة ثقافية إلى البحث والتحري عن ارث البريكان الذي نعتقد بأنه ارث هام جداً ؛ لا بل انه ارث واثر ادبي لايقل اهمية عن اي اثر وطني وابداعي آخر، ولذا فإننا ندعو جميع الجهات ذات العلاقة كوزارة الثقافة والاثار العراقية واتحاد الادباء والكتاب العراقيين بمركزه الرئيس وفرعه في مدينة البصرة والمؤسسات الثقافية الاخرى الى تفعيل عملية البحث والتحري عن ارث البريكان الابداعي الذي اذا ماعثرنا عليه ونشرناه فأننا سننصف شاعراً لم يُنصف في حياته أَبداً؛ وكذلك فاننا سنرفد ونعيد للثقافة العراقية والشعرية العربية منجزاً ابداعياً لشاعر حقيقي له فرادته وريادته وشعلة خلوده الابدي .

 

diaa nafieالترجمة الحرفية – البداية الجيدة نصف النجاح.

التعليق – يقول المثل الروسي في نفس المعنى – البداية الطيبة تشفط نصف العمل .

+++++

الترجمة الحرفية – الهدية غير المتوقعة تمنح سرورا اكثر.

التعليق – يوجد مثل ايطالي قريب من معنى هذا المثل الهندي وهو – الهدية التي تقدم دون طلب تكون أجمل مرتين .

+++++

الترجمة الحرفية - في روح المجرم يوجد خوف دائم.

التعليق – مثل عالمي، وتوجد صيغ عديدة له وفي نفس المعنى عند مختلف الشعوب، فنحن نقول- (كاد المريب ان يقول خذوني)، ويقول المثل الروسي الطريف – تتوهج القبعة على اللص...

+++++

الترجمة الحرفية – يعطي مرآة للاعمى.

التعليق – والمثل باللهجة العراقية يقول – (ينطي الجوز للماعنده سنون ) ( ينطي – يعطي // للماعنده- للذي ليس عنده // سنون – أسنان). المثل الهندي في نفس المعنى، ولكن الصورة الفنية فيه اكثر وضوحا و دقة وربما يمكن اعتبارها اكثرمرارة و قسوة ايضا، بينما المثل العراقي اكثر طرافة وأقل مرارة .

+++++

الترجمة الحرفية – توجد مبالغة دائما عند حديثك عن عقلك و عن ثروة الغرباء.

التعليق – مثل حقيقي وصادق فعلا، وهو يوحد ظاهرتين – الاولى هي مرض ال( الانا) النفسي، الذي يعاني منه الكثير من الناس في مجتمعاتنا مع الاسف، و الظاهرة الثانية هي الحسد تجاه نجاح الآخرين.

+++++

الترجمة الحرفية – فقط الارجل التي تسير يمكن ان تتزحلق.

التعليق – مثل عالمي بصيغ كثيرة، وقد استقر عندنا كما يأتي - من لا يعمل لا يخطأ، والمثل الروسي يستخدم فعلين هما - (يسير و يقع)، و في المثل الصيني يوجد فعل - (يتسلق) بدلا من ( يسير)، اما المثل الهندي فيستخدم فعل - (يتزحلق)، وربما هو الاكثر طرافة.

+++++

الترجمة الحرفية – عندما تثرثر الضفادع، من الافضل السكوت.

التعليق – حكمة عميقة فعلا، اذ ماذا يمكن ان يقول الانسان وسط ثرثرة ونقيق (الضفادع !) التي تحيطنا في المجتمع من كل جانب، وهي تثرثر وتثرثر و تثرثر...

+++++

الترجمة الحرفية – لا شئ يمكن ان ينعش الانسان مثل الكلمة الطيبة .

التعليق – الكلمة الطيبة صدقة حسب الحديث الشريف، والكلمة تداوي كما يقول المثل الروسي . المثل الهندي هنا يحدد للكلمة الطيبة دورا جديدا ويقول انها (تنعش!) الانسان افضل من اي شئ آخر، وهي ملاحظة طريفة و صحيحة فعلا.

+++++

الترجمة الحرفية – حتى لو كانت الاحذية من ذهب، يلبسونها بالقدمين.

التعليق – الحذاء يبقي حذاءا حتى لو كان من الذهب، وما احوج الانسان ان يأخذ هذه الحكمة العميقة بنظر الاعتبار. تستخدم معظم الشعوب كلمة ( الحذاء) تحقيرا للاشياء والاشخاص، بما فيها طبعا شعوبنا العربية.

+++++

الترجمة الحرفية – ليس صعبا لذاك الذي عبر البحر ان يعبر القناة.

التعليق – معنى المثل واضح، فالشخص الذي مر بتجارب قاسية وصعبة في مسيرة حياته، يستطيع ان يتعامل ايضا – وبنجاح - مع تجارب ابسط من تلك التي اجتازها.

+++++

الترجمة الحرفية – دون معاناة لا تحصل على السعادة.

التعليق – يوجد بيت شعر ذهب مثلا وهو –

ومن طلب العلا من غير كد   اضاع العمر في طلب المحال.

ويوجد مثل باللهجة العراقية في نفس المعنى يقول – ماكو راحة الا بعد تعب (ماكو – لا يوجد).

+++++

الترجمة الحرفية – العين الحولة افضل من العين العمية.

التعليق – يوجد مثل عالمي في هذا المعنى يقول – الاعور ملك في بلاد العميان، وهناك مثل باللهجة العراقية في نفس المعنى يقول - التبربش ولا العمى ( التبربش – الرؤية بالكاد).

+++++

الترجمة الحرفية – على الطبيب ان يمتلك عين صقر وقلب اسد ويد امرأة.

التعليق – وصف دقيق ورائع للطبيب الماهر والحاذق والناجح، فعين الصقر رمز للنظرة الثاقبة، وقلب الاسد رمز للشجاعة والاقدام، ويد المرأة رمز للرحمة و الحنان والرعاية، ويحتاج الطبيب الى كل هذه الصفات فعلا لمعالجة مرضاه.

+++++

الترجمة الحرفية – الاشياء التي يعملونها بسرعة لا يمكن ان تكون جيدة.

التعليق – توجد امثال كثيرة بالعربية حول العجلة، ولعل اشهرها هو - (في العجلة الندامة...)، او - (اياك والعجلة بالامور قبل اوانها ...) الا ان المثل الهندي هنا محدد، و يذكٌر بمثل باللهجة العراقية، وهو – (جفيان شر ملا عليوي) (اي العمل بسرعة و كيفما يكون العمل بغض النظر عن النتائج)، او ما يعنيه التعبير العراقي الساخر، والذي يعرفه العراقيون جيدا وهو – (شلح واعبر).

+++++

الترجمة الحرفية – الذيل في كل مكان يسير وراء الفيل.

التعليق – لا يمكن للذيل ان يسير في المقدمة ابدا، حتى ولوكان ذيل الفيل، وكذلك لا يمكن لل(ذيلية !) ايضا ان تشغل مكانا مهما او طليعيا في مسيرة حياتنا، حتى لو كانت مرتبطة ب (اكبر فيل في المجتمع!)

 

faroq mawasiأَلا،  أمَا،  ها،   يا،   كلا

 يُبدأ بها الكلام، والغرض منها تنبيه السامع إلى ما يأتي بعدها من كلام.

لأسلوب التنبيه أدوات، هي: الهاء، و(ألا) بتخفيف اللام، و(أما) و(يا)، و (كلا).

...

أما (الهاء) فتدخل على:

* أداة الإشارة (ذا) فنقول: هذا، هذه، هذان، هاتان، ولا تدخل على اسم الإشارة للبعيد.

*  ضمير الرفع المخبَر عنه باسم الإشارة، نحو قوله سبحانه: {ها أنتم أولاء}- النساء،109.

ونجد التنبيه أحيانًا وإن لم يكن بعدَهُ اسمُ إشارةٍ، كقول الشاعر:

فَها أَنا تائِبٌ مِن حُبِّ لَيْلى *** فَما لَكَ كُلَّما ذُكِرَتْ تَذوبُ!

غيرَ أنها، إن دخلت على ضمير الرفع، فالأكثرُ أن يَليَهُ اسمُ الاشارةِ،

نحو: ها أنا ذا، وتكتب (هأنذا)، ها نحنُ أُولاءِ. ها أنتم أُولاءِ. ها هو ذا. ها هما ذانِ. ها هم أُولاءِ.

* بعد (أي) في النداء، نحو: {يأيها الذين آمنوا....}، وهي في هذا واجبة للتنبيه على أنه المقصود بالنداء.

* على الماضي المقرون بِقد، نحو "ها قد رجعتُ".

....

(ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، وهي أداة استفتاح، يُستفتح بها الكلام، وتفيد التنبيه وطلب الشيء بلين ورفق، وتفيد مع التنبيه، تحقق ما بعدها، كقوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}- يونس، 62- وترد (إنّ) غالبًا بعدها.

...

(أمَا) بفتح الميم المخففة، يُستفتح بها الكلام، وتفيد تنبيه السامع إلى ما يُلقى إليه من الكلام.

أكثر ما ترد قبل القسم: أما والله  لقد نجح الكسول بعد تقصيره.

أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر

وتأتي تحقيقًا لما بعدها:

أما إنك فائز لمثابرتك.

...

(يا) أصلها حرف نداء، فإن لم يكن بعدها منادى ظاهر، كانت حرفاً يقصد به تنبيه السامع إلى ما بعدها، نحو: يا ليت شعري! {أَلا  يا  اسجُدوا..}في بعض القراءات- النمل، 25.

يا رُبّ عالمٍ يصنع سوءًا للبشرية. 

وقيل إنها حرف نداء والمنادى محذوف.

...

كلا- إذا لم تكن بمعنى الزجر والردع والنفي، نحو {كلاّ والقمر}- المدّثّر، 32،

{كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}- سورة المطففين، 15.

 

faroq mawasiأعرف أن هناك ضوابط في اللغة العربية هي الشد والمد وهمزة الوصل وهمزة القطع.

 أما الشد فيدل على إدغام حرفين متجانسين، ويرمز إليه بـ ( ّ ) فوق الحرف، وهو هنا مدار السؤال أو البحث.

..

أخذت  أرى وأقرأ وأسمع أن هناك من يطالب الكاتب بوجوب إثبات الشدة، ولا أدري من أي مصدر استقى ذلك؟ أين هذه القاعدة؟ ولماذا عليّ أن أكتب"الشَّدّة"- هكذا؟

أعرف أن هناك ضرورة لشكل هذا الحرف أو ذاك بقصد التوضيح وتيسير القراءة، فإذا كتبت "عُرِف"- مثلاً عرفت أنها المبني للمجهول، عن طريق الضمة والكسرة، وإذا أردت الرباعي فأكتبها: عُرّف (فأعرف ذلك عن طريق الشدة).

فما حاجة كلمتي (الشد) و (المد) في السطر الأول للشدات؟

...

تصفحت كتابات كبار المحققين مثل عبد السلام هارون ومحمود محمد شاكر وأحمد محمد شاكر وغيرهم كثير فما وجدت هذا التقيد بلزوم إثباتها، فالمنطق أن تكتب شكل الحرف بالحركة الملائمة منعًا لـلَّبس.

أضع الشدة في نحو: ذَكّـر، يركّب، مسيَّر، تحمّل، وعلى أي حرف فيه لَبس، وإزالة اللَّـبس ليست قاصرة على الشدة، فكل حرف له أهميته، فلو لم أشكُل اللام في (لبس) لكان هناك من يقرأها بالضم.

أضع الشدة كذلك وألتزم بها إذا كان النص كله مشكولاً.

...

أسأل:

 هل هناك مصدر معتمد من كتابات علمائنا من يوجب إثبات الشدة؟

ابحثوا معي!

 

rasheeda alrakikكثيرا ما تجتاحنا أحاسيس نستطعم من خلالها النعم ونتأمل أنفسنا في حضور غيرنا بنوع من الرضا.

نقرأ عن أنفسنا من خلال صفحات ذكرياتنا، نسطرها كما سطرت نفسها في أذهاننا الموشومة بلحظات من الألم والمعاناة، لكنها لم تكن لحظات يأس وسخط. وكأننا نتكلم عن موعد فرح محتوم وقد علق بأذهاننا انتظار ليسر بعد كل عسر، بل كلما اشتد العسر ندرك أكيد أنها ستفرج من ينابيع الأمل.

تعلمنا أن الألم من صفات الحياة ووجه من وجوهها، بل إنه صفحة من صفحاتها المطوية، والأكيد أنه لم يكن يوما أبديا.

تعلمنا أن في الحرمان مناعة، وأنه سر وجود الأماني والأمنيات، بل إنه كلما اشتد الحرمان كانت الرغبات أشد وعلى قدر الحرمان تأتي العزائم.

وكأنه نوع من التوازن النفسي، نستطيع من خلاله أن نستطعم كل جميل ونبحث عن جمال أكبر، وفي ذلك إقرار لكل الممكنات وإقرار لاستحقاقنا لنصيبنا من السعادة.

كنا نرى في لحظات الألم وقفة تأمل وتريث ومعالجة وتحليل . كان يختلط الفكر بالعواطف لتنتج كتابات قد نسميها هواجس أو خواطر. تمر السنين لنقرأها فنحس بأحاسيسها ولكن بلغة اليوم وبأحداث اليوم وبهمسات اليوم، لقد كان صمودا في وجه المستقبل المجهول، بل هي نوع من الاستمرارية بين الماضي والحاضر باعتباري أنا هو هو.

لقد اجتمع الفكر والإحساس ليخلق تناغما فريدا من خلال التواصل الإيجابي مع الذات وتقبلها وحسن تقديرها. إنه التصالح مع الذات الذي منحتها، فأعطتك قدرة على مواجهة التحديات وتقبل فكرة التغيير المستمر على صفحات حياتك. لقد كنت مقتنعا باستحقاقك لسعادة أكبر، ليتمظهر ذلك في سلوكاتك من ود للآخرين وحيوية في الإقبال على الحياة والتفاؤل عند المصائب والمرونة في الفعل والقدرة على التكيف مع البيئة المحيطة. إنها سمات الشخصية السعيدة كما نتمناها، إنها القدرة على النهوض وعلى التحكم في مجرى حياتنا باعتبار كل واحد منا فاعلا فيها وليس منفعلا بها.

هل تعلم أنني أنا أنت، إنه المجال المشترك، نحن نتذوق جميعا أحاسيس الحب والكره، الألم واللذة، اليأس والسعادة، العطاء والحرمان، الخوف والطمأنينة. هذا ما نجده بداخلنا ككهف يسوده الظلام، والغريب أن كل شرارة تنير المكان وتمنحنا الرغبة في الكشف عن المزيد.

 ولأن السعادة  هي غاية الوجود الإنساني، بوجودها تتغذى آمالنا وتؤجج مشاعرنا الإيجابية وتتقوى رغبتنا في الحياة بل وتعطي معنى لها من أجل الاستمرار ومن أجل غد أفضل.

نتكلم عن الإحساس بالسعادة كما عشقناه عشناه وكما تعلمنا أن نعيشه بالكثير من الإيمان بالقدر دون تغييب لقدرات البشر.

ألا ترى معي اليوم أننا لم نستطيع تحقيق المعادلة الصعبة، وأصبحت السعادة أمرا مستعصيا؟

ألا ترى معي أنه يحق لنا أن نقف عند مشروع أهم هو صناعة الإنسان، كمشروع يخدم الإنسانية بدل الضياع في البحث عن مصادر خارجية لإسعاده؟

نسمع من بعض الفقراء شكواهم أن المال يحل كل مشاكلهم وسبب في سعادتهم، مع أنه قد يكون سبب معاناة البعض وتخبطهم في الكثير من المشاكل. كما قد ينهار العاطل باحثا عن فرص العمل كمصدر لسعادته مع أنه قد يكون مصدر تعاسة بعض العمال وسبب للضغوطات النفسية والروتين اليومي. وقد يتألم العاقر باحثا عن ذرية تحمل اسمه من بنون غير أن الكثير من يعتبرهم مصدر هم وغم وشقاء...

و كأننا نعرّف السعادة بأنها هي ما نحتاج إليه لينقلب من جديد إلى مصدر للشقاء، فكيف يخرج الإنسان من مأزق السعادة المستعصية؟ ألا يمكن أن يكون جوهرها هو الرضا والتقبل للذات كنوع من المصالحة معها بحسن التواصل والانصات لأحاسيسها وذبذبات الحياة بداخلها بصوت الأمل والإيمان بالقدر ومواجهة الامتحان بالصبر والعمل باستمرارية وانضباط؟

كان على الذات أن تعرف أنها مصدر آلامها كلما تشبثت بمعتقداتها السلبية عن نفسها وعن مصيرها، وعن كونها مفعولا بها وأن الحظ يقفل أبوابه في وجهها...

لقد جعلت صفات الذات إذن من السعادة أمرا مستعصيا، فكان عملها عليها شهيد، عندما استكانت للأحداث وجعلتها توجهها حيث أرادت ولم تترك مجالا لإرادتها وقدراتها لتوجيه الأحداث، ولم تتعجل الفرج بالعمل المستمر، ولم تطرق باب الأمل ليزودها بحب الحياة وحب الذات وضرورة الاستمرار .

لقد اعتقد الإنسان أن البحث عن السعادة هو بحث عن قطعة ماس في الأعماق، والحقيقة أن بدرة الماس موجودة بذواتنا، هي ما يجعنا نصمد أمام الأمواج العاتية ونشعر بنشوة الغطس في أعماقها ونجيد السباحة ونطفو فوقها ونصل لبر الأمان بالكثير من الأمل وبالتحقيق الدائم للسعادة الموعودة.

 

بقلم: رشيدة الركيك

 

akeel alabodوانت تقول لون الصورة، يتبادر الى ذهنك لون الصورة التي ترسمها، فلو رسمت الشمس مثلا، سيتعين عليك تخصيص اللون الأصفر الذهبي، واذا رسمت البحر، سيكون اللون بين الاخضر، والأزرق، والأبيض، وهكذا مع بقية الصور، والمعنى ان لون الصورة هو موضوع الصورة الذي له لون اوالوان.

وتلك الألوان عادة ما تكون في مخيلة الفنان الذي يرسم الصورة، وتقنية اللون، اي فهم تركيبة اللون تمنح الصورة ابعادا إضافية.

اما صورة اللون، فان ابعادها متعددة، بمعنى ان صورة الأزرق، والأبيض لا تعني السماء، اوالغيوم فقط، انما هنالك معانٍ اخرى غير ملموسة، كالصفاء، والرقة، والعيون الزرق.

لذلك فان لصورة اللون بعدان؛ الاول ملموس، والثاني غير ملموس؛ محسوس، والمحسوس هذا أطلق عليه البعد المنتشر، كونه يشتغل على عدة أزمنة، وعدة أمكنة بدون حواجز، بعكس لون الصورة الذي تراه يحتوي بعدا وحدا، وهو الملموس اي الظاهري فقط، والذي يشتغل على المسافة القريبة، فيكون اكثر وضوحا من غيره.

رغم ان الملموس اصله محسوس، ولكن المحسوس هذا يبقى خبيئا فقط في مخيلة ومشاعر الفنان، او الناظر، ويعتمد في ابعاده على تلك المخيلة والمشاعر، ليلقي بظله في نفس الفنان وروحه وحسه، كالمنشور الذي تتوزع ألوانه بعد ان تتحقق الرؤية، اوالمشاهدة اللونية.

من هنا فان المخيلة تلتقط اللون من خلال البصر، وتفسره بحسب المعنى الضمني للموضوع، وترسم الموضوع ببعدين؛ الاول، لوني، والثاني صوري، اما البعداللوني، فانه يتوزع في  الخيال وفقا لإبعاد زمانية ومكانية متحركة، بينما البعد الصوري تراه يختبيء فقط خلف جدران الصورة الملموسة، ويترك الامر الى ذائقة الناظر، اي خياله المتنوع، ليعلق حول الموضوع بطريقة شاملة.

 

عقيل العبود 

 

 

faroq mawasiمع أحرف التفسير أيْ، (أنْ) ، (إذا)

(أيْ) موضوعة  لتفسير ما قبلها، سواءٌ أكانت مفردًا، أم جملة.

ما قبلها مفرد نحو: ركبت جوادًا أيْ حصانًا، فيكون ما بعد (أيْ) عطف بيان أو بدلاً، ومثل ذلك: نزل غيثٌ أيْ مطرٌ.

ما قبل (أي) جملة، نحو: يده طويلة أي هو سارق.

يقول الشاعر:

وترمينني بالطرْف أيْ أنتَ مذنبٌ *** وتقلينني لكنَّ إياكِ لا أقْلي

جملة (أنت مذنب) تفسيرية لا محل لها في الإعراب.

...

(أنْ) المفسرة تكون لتفسير الجمل فقط، فتكون بعد جملة فيها معنى القول دون لفظه، نحو الفعل أوحى، نادى:

{فأوحينا إليه أنِ اصنعِ الفُلكَ..}- النحل، 68.

{ونودوا أنْ تلكم الجنةُ..}-  الأعراف، 43.

كتبت إليه أنِ اجتهدْ.

يشترط ألا يسبق (أن) التفسيرية حرف جر، فإذا قلت: كتبت إليه بأن يجتهد، فعندها تكون (أن) مصدرية ناصبة.

يشترط ثانيًا أن يكون قبلها جملة مفيدة، فإذا قلنا: {وآخر دعواهم أنِ الحمدُ لله}- يونس، 10 كانت (أن) مخففة من الثقيلة.

يشترط  ثالثًا أن يكون بعد (أن) جملة، فلا يصح أن أقول مثلاً: أوحيت إليه كَـلَمًا أن خطابًا، فكلمة (أنْ) لا تأتي إلا قبل جملة، فهنا نستعمل (أي)- أوحيت إليه كَلَمًا أي خطابًا.

..

نعود إلى الآية في سورة النحل:

نلاحظ أن معنى (أوحينا إليه= معنى اصنع الفلك) فكانت زيادة الثانية توضيحًا للأولى، وأن "أوحينا" فيها معنى القول لا لفظه، ولم تقترن (أن) بحرف جر ظاهر، وهي بمعنى "أيْ".

من الجدير بالذكر أن الفخر الرازي  قال: "إننا لا نسلّم بأنها (أنْ - في الآية بعد كلمة أوحى)  مفسرة، وقد انتفى شرط التفسير، لأن الوحي هنا إلهام باتفاق، وليس في الإلهام معنى القول، وإنما هي مصدرية أي- باتخاذ الجبال بيوتًا".

وعلى ذلك يصح إعراب: أن مصدرية، والمصدر المؤول من (أن والفعل) وتقديره= اتخاذ في محل نصب بنزع الخافض...

...

في جملة "أشرت إليه أنْ لا تسافر" هناك أكثر من إمكان للإعراب:

أنْ لا تسافرُ=  أنْ- مفسرة، لا – حرف نفي، تسافرُ- مضارع مرفوع...إلخ

أن لا تسافِرْ= أنْ مفسرة، لا ناهية وجازمة، تسافرْ- مضارع مجزوم بلا.... إلخ

أنْ لا تسافرَ=  أنْ حرف نصب مصدري، لا- حرف نفي، تسافرَ- مضارع منصوب بأن...إلخ

في جملة "أشرت إليه أن يسافرَُ" جاز في المضارع رفعه على اعتبار (أن) مفسرة، وجاز نصبه على اعتبار (أن) ناصبة. أما الجزم فلا يجوز هنا، فليس في الجملة ما يدعو للجزم.

...

عدّ بعض اللغويين (إذا) حرف تفسير في نحو:

ازدردتُ الطعامَ إذا ابتلعتَـه.

هنا تكون تاء الفاعل في (ابتلعت) مفتوحة لأن التفسير للمخاطب، وهذا خلاف قولنا الجملة مع (أي):

ازدردت الطعامَ أيِ ابتلعتُه (هنا التاء مضمومة).

 

...........................

للتوسع:

علي رضا: المرجع في اللغة العربية، ج3، ص 196.

الأمير أمين ناصر الدين (دقائق العربية)، ص 144.

محيي الدين درويش: إعراب القرآن الكريم وبيانه، ج4، ص 272.

إميل يعقوب: معجم الإعراب والإملاء، ص 50، 88، 104.

محمد إسبر ، بلال الجندي: الشامل –معجم في علوم اللغة العربية، ص 208، 220.

 

madona askarعندما يتوقّف قطار حياتكِ عند محطّة ما، في لحظة ما، قريبة كانت أم بعيدة، وتترجّلين منه منهكة متعبة، توبّخ عقلك وروحك وخزات عيون ترنو إلى حياة مضت، أو حياة قادمة. عندما تشتعل في داخلكِ الحسرة والحزن وربّما النّدم على قرارات خائبة، وآمال مندثرة في أهداف الغير. استرقي حبّة ضوء واقتحمي بها العتمة.

تراجعي خلف أسوار حيرتكِ واضطرابكِ وبؤسكِ، ومزّقي شرنقة سجنتِ ذاتك فيها بحجّة التّقاليد، والأعراف، والفهم الخاطئ، والصّمت غير المبرّر، والانسحاق أمام عنصريّة المجتمع المتباهي بتخلّفه وجهله. انطلقي إلى الأمام، نحو هدف تضعينه أنتِ نصب عينيكِ، بغضّ النّظر عن حجمه. لا تكترثي للمحطّة، لا ولا للجموع المتسائلة عن سبب التّحوّل والتّبدّل، انطلقي وحسب.

قد يكون الواقع أقوى وأشدّ قسوة من تجاعيد ارتسمت على قلبك قبل أن تلامس جفونكِ وتبهت جمالكِ. قد تكون الخطوة الأولى متعثّرة، مرتبكة، وقد تُمسك بكِ يداً خفيّة لتجذّركِ في مكانكِ. تفلّتي منها، من نفسك، وحرّري الإنسان المائت في داخلكِ، وأحيي أنفاسه واستمرّي.

قد تتساءلين، وتتردّدين، وتلجمين لحظة الوعي، وتبغضين لحظة حرّيّة، وتكرهين الدّقائق الّتي تأبى أن تعانق عقارب السّاعة وتعود إلى الوراء لترمّم ما هدّمته الأنانيّة، وما دمّره التملّك، وما أحرقه اللّوم والعتب، وما أسرته الذّاكرة واسترجعته كلّما ومض الدّمع في عينيكِ خفيةً. تمرّدي بهدوء على ذاتك أوّلاً، وإن لم يكن بالإمكان أن تفجّري النّور المحاط بالعتمة، كوني رسولة النّور والحبّ والجمال.

أتركي المحطّة، والنّاس، والألسنة، والعقول المريضة، والنّفوس المنخدعة والخبيثة، والأدوية، والطّبيب الّذي يردّد على مسمعك: "حاولي أن تسترخي"، وتجاهلي الواعظ الّذي لا يملك إلّا عبارة: "اصبري!"، ويخشى أن يقول: "تحرّري!". أَصغي للّحظة الواعية، لقلبكِ المتعب من النّبض المنتظم، وحوّلي أنظاركِ إلى الهدف الّذي يناديكِ واسعي لتحقيقه طالما أنّك تتنفّسين.

لا تحسبي السّنين بحسب الأيّام والسّاعات، بل عيشي كأنّك تحيينَ أبداً، وارتشفي خلقاً جديداً يرتسم في عمق أعماقكِ. أعتقي جمالكِ الدّاخليّ وابتسمي، ولتكن مرآتك نافذة على المستقبل، مشرّعة على حلم وإن كان بعيداً. أكملي بما تبقّى منكِ، واستجمعي قواكِ وفكركِ وحبّكِ لتكوني أنتِ.

 ابني عالمكِ في داخلكِ أوّلاً،  وادّخري القوّة الكامنة في عمقك. سيأتي يوم تخرجين  إلى آفاق أرحب وأوسع، وتحقّقين ذاتكِ وإنسانيّتكِ وتكونين "المرأة"، الّتي تحمل في ذاتها الكون بأسره. لا يغرينّكِ الكلام المستهلك عن الحريّة، عن الجمال الخارجيّ، عن الأنوثة المستهلكة. تحرّري في العمق، حيث الإنسان ينتظر الحياة. تحرّري لتعايني جمالكِ الحقيقيّ، وقوّتكِ المانحة. تحرّري، وافعلي ما لا تقوى بعضهنّ على فعله، وارتقي، وحلّقي. ولتعيشي كما ينبغي للإنسان أن يحيا.

 

مادونا عسكر/ لبنان