mohamad aldamiلقد تطورت بغداد في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية حتى غدت جوهرة المدائن، مدينة كونية Cosmopolitan، أشبه بنيويورك أو لندن اليوم في دورها العولمي، حسب معايير العصر الوسيط. ومرد ذلك هو تطور اقتصادات رأس المال والسوق الحرة التي أفرزت، من بين ظواهر أخرى الأثرياء والفقراء…

تفرز مجتمعات الحواضر ظواهر مثيرة وغريبة عدة، بسبب طبيعة المدينة إناءً اجتماعيًّا ضخمًا يمور بأنواع البشر والحرف والأسواق وقنوات التبادل والتفاعل الأخرى. وقد اشتهرت بغداد مذ تأسيسها على أيدي الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور بمثل هذه الظواهر التي تستحق الرصد والتحليل نظرًا لعكسها تعقيدات الحياة الاجتماعية وتدرجات السلم الطبقي داخل مجتمع المدينة.

لذا ذهب أغلب دارسي كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى أن بغداد كانت، على أغلب الظن، هي مسرح حكايات (الليالي العربية)، كما يسمى الغربيون هذا الكنز التراثي المهم الذي لا تنضب مناجمه من الحكايات الطريفة.

ومذاك بقيت بغداد مدينة ولَّادة لأنواع الشواخص التي سجلها (ألف ليلة وليلة) ثم خلدها عبر حكاياته التي خيل لشهريار بأنها حلقات لا تنتهي من قصص الإثارة، كما اشتهرت من بين هذه الحكايات الطريفة الحكايات التي كان أبطالها من النوع النادر، والمضحك أحيانًا، لذا نستذكر هذه الشواخص والشخصيات حتى الآن، وهي شخصيات طريفة من نوع جحا، وأبي القاسم الطنبوري (صاحب أشهر حذاء في التاريخ، ربما)، ناهيك عن سواهم ممن لا يمكن أن يظفر بهم النسيان، ابتداءً من “الشاطر حسن”، وانتهاءً بــ”علاء الدين” و”علي بابا” و”كهرمانة”، من بين آخرين.

لقد تطورت بغداد في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية حتى غدت جوهرة المدائن، مدينة كونية Cosmopolitan، أشبه بنيويورك أو لندن اليوم في دورها العولمي، حسب معايير العصر الوسيط. ومرد ذلك هو تطور اقتصادات رأس المال والسوق الحرة التي أفرزت، من بين ظواهر أخرى الأثرياء والفقراء، بينما أدى هذا التمايز الطبقي إلى ظهور الشخصيات الطريفة أعلاه، وشخصيات أخرى من الذين فضلوا العيش على هامش المجتمع بسبب ما ابتلوا به من حاجة وعوز قادهم إلى استمراء الاستجداء وطلب العون ممن أغدق الله عليهم بالكثير من خيرات. وكان من هؤلاء “المتسولين” و”الشحاذين” عدد لا بأس به ممن حباهم الله بالذكاء الفطري، فكانوا “حكواتيين” ظرفاء كذلك، كما كان بعضهم “شعراء” جيدين، وهم هؤلاء الذين أطلقت تواريخ الأدب العربي عليهم عنوان “شعراء الجدية”، بمعنى الاستجداء، ومنهم ابن الهبارية الذي قال:

يقول أبو سعيد إذ رآني .. عفيفًا منذ عام ما شربتُ

على يد أي شيخ تبت قل لي .. فقلت على يد الإفلاس تبتُ

ويقول شاعر آخر:

لا تدخل السوق إن كنت مفلسًا.. تزداد همًّا يا قليل الدراهمِ

ويقول ابن دريد، كناية عن خيبة أمل له:

سمعت بذكر الناس هندًا ولم أزل .. أخا صبوةٍ حتى نظرت إلى هندِ

فلما أراني الله هندًا وزرتها .. تمنيت أن أزداد بعدًا على بعدِ

وهكذا، أثرى هؤلاء الظرفاء الحياة الاجتماعية الحضرية في العصر الوسيط، بإضافة شيء من الطرافة والسخرية على الوجود الحضري آنذاك، ناهيك عمّا ينطوي عليه هذا النوع من الشعر من بعد احتجاجي اجتماعي..

 

أ.د. محمد الدعمي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي رواها السيّد فيّاض (زبولون) بن يوسف ألطيف الدنفي (١٩٢٩- ، معلّم لغة إنجليزية في مدارس نابلس، ناشط اجتماعي) بالعامّية الفلسطينية النابلسية، لبنياميم راضي صدقة (١٩٤٤ــ) الذي نقلها بدوره  إلى العبرية ونشرها في الدورية السامرية  أ. ب.- أخبار السامرة، عدد ١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٣٠-٣٢. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّرين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”كنت في الواقع قد قصصت عليكم قصصًا كثيرة عن تلك الأيّام القاسية، التي مرّت عليّ في صباي، ولكن عرفنا فتراتٍ جميلةً أيضًا، عشنا فيها في بحبوحة في البيت، الرزق كان متوّفرًا ووالدي، أبو فيّاض، يوسف بن فيّاض بن إسحق الدنفي، تمكّن من جني أرباح جيّدة من الأعمال الكثيرة التي كان يزاولها. تسألون بالتأكيد، إذا كانت الحالة هكذا فأين  ذلك المال الوفير الذي جمعه، ولماذا لم يورثه لنا؟

عليّ الاعتراف هنا، وحياة أبي لن تعتبرها سيّئة. من الأمور التي لم يعرفها أبي قطّ في حياته كان الادّخار. لم يحسن الادّخار، كان في حياته يجني المال الوفير، وكان يبذر أكثر من ذلك، وعليه كانت النتيجة أن فترات الجوع والقلّة كانت أطولَ من فترات البحبوحة والوفرة.

لا ريب أنّكم تعلمون أنّ همّ السامري طيلةَ السنة هو تأمين الدخل الكافي، كي يقضي أيام الأعياد المركزية، الفسح والعرش وخاصّة الفسح، برغد وسعادة. اليوم، يقضي قسم كبير من أبناء طائفتنا كلّ السنة على جبل جريزيم. في الماضي، كان المكوث على جبل جريزيم لمناسبة عيد الفسح، طموح ومبتغى كلّ فرد من أبناء طائفتنا.

سبت موسم الفسح، قُبيل قربان الفسح، [ذكرى لقاء موسى بشقيقه أهرون بعد فراق دام ستين عامًا] كان السامريون يصعدون إلى الجبل، وينصبون خيامهم هناك، وهكذا كانوا يمدّدون متعتهم السنوية، إذا لا أحلى من أيّام ما قبل عيد الفسح. في كل صباح كنّا ننزل مشيًا إلى المدينة للدراسة وللعمل. هكذا كانت تلك الأيّام الحلوة. مع أنّ القرش في جيوبهم كان قليلا، إلا أنّ قلب السامري كان يحنّ على الآخر، أكثر ممّا هي الحال في هذه الأيّام.

أودّ أن أروي لكم عن إحدى فترات والدي الجميلة، في إحدى سنوات الانتداب البريطاني، حدث ما يلي في وقفة الفسح وفي غضون سبعة أيّام عيد المصّة. آونتها زاول أبي بيع الوقود، وبشكل خاصّ لوسائل نقل الجيش البريطاني. عدد السيارات آنذاك كان قليلًا جدّا، في كلّ فلسطين أيضا. أدار الدكّان الكبير لتخزين تنكات الوقود والدي وجار عربي. وفي ذلك الدكّان كان بالإمكان الحصول على تنكات زيت للسيارات. مخزون كافٍ كان دائمًا متوفرًا في الدكّان، وهكذا كان قبل موعد الفسح ببضعة أيّام، في ليلة صعود أبي إلى الجبل بعائلته، للقيام بفريضة الفسح. صعِدنا كلّنا إلى الجبل قبل حلول عيد الفسح بشهرين تقريبًا، أقام والدي تخشيبة مربّعة الشكل وهناك بتنا كلّنا. كان ينزل يوميًا إلى نابلس للعمل في بيع الوَقود.

قبل العيد بيومين، توجّه إليه تاجر وقود عربي عارضًا عليه شراء احتياط إضافي من الوقود، خمسين تنكة، وفي كلّ واحدة منها خمسة عشر لترا. في البداية مال والدي إلى رفض ذلك العرض، فهو منشغل جدًّا في التحضيرات للفسح، وعلى كلّ حال، سيتغيّب عن العمل طيلة سبعة أيّام العيد.  بعد إعادة النظر في العرض، قرّر مع كلّ ذلك الشراء. قال في نفسه، هذا المخزون لبداية استئناف العمل بعد العيد لن يضرّ. ”ما سعر التنكة هذه المرّة؟“، سأل أبي التاجرَ كعادة التجّار. ”قسمًا بالله وبحياة محمّد رسوله“ - أقسم التاجر - ”إذا كنت أجرؤ على خداعك فسأكون ملعونًا في أعينهما، سعر التنكة هو ثلاثة قروش ونصف، لكن لك، فنحن إخوان، السعر ثلاثة قروش! ”أنظر، إنّي في وقفة العيد“، قال أبي للتاجر - ”وماذا سأفعل بكل هذا الوقود، ربّما من الأفضل الانتظار إلى ما بعد العيد، وعندها لن أُحْرم نفسي من خيرك“.

فهم التاجر ما في كلام أبي من تلويح، فوافق على خفض سعر التنكة بمليمين فأصبح ثمنها ثمانية وعشرين مليمًا. بهذا السعر وافق والدي شراء مائة وخمسين تنكة. بينما كان ينقل التنكات من الشاحنة إلى الدكّان، وصل تاجر آخر بشاحنة أيضًا محمّلة بتنكات الوقود، وهو بدوره استطاع إقناع أبي بشراء مائة وخمسين تنكة أخرى بسعر ستّة وعشرين ملّيمًا للتنكة.

بعد أن ابتاع أبي كل التنكات، أخذ يفكّر بينه وبين نفسه فيما إذا كان قد أبرم صفقة ناجحة أم لا، فهناك خطر هبوط أسعار الوقود في خلال عشرة أيّام غيابه عن العمل، وينقلب الربح خسارة فادحة. أخيرًا هدّأ نفسه في التفكير بإقامة فرائض الله الهامّة جدّا، مثل قربان الفسح والحجّ، ويجوز له أن يأمل بأنّ الله، على الأقلّ، سيساعده في عدم الخسارة. ּأقفل أبي الدكّان بقفلين، ومزلاجين مصلّبين على الباب، وصعِد للاحتفال بالعيد مع عائلته وطائفته.

قرّب الوالد القربان بموعده ومرّ العيد عليه بسرور، شُوي اللحم كما ينبغي، وأُكل على عجل مع المصّة والمارور. كانت معنويات أبي عالية، ونحن الأولاد، أبناؤه وابنته فرحنا بفرحه. انقضى القربان وما بعده، حلّ يوم السبت بعد مضي ثلاثة أيّام قبل أن تخرج أُسَر السامريين من خيمة لخيمة لجلب بركة العيد. ּأصدقاء السامريين من عرب نابلس تكبّدوا الصعود إلى معسكر الخيام والتخشيبات على الجبل للمعايدة.

من بين القادمين من نابلس، كان تاجر من مقرّبي والدي، وطلب التحدّث مع أبي على انفراد. رافقه أبي إلى ركن في التخشيبة وطلب منه أن ينطق بما عنده. سأل التاجرُ أبي ”سمعت أنك اشتريت قبل العيد بضع مئات من تنكات البنزين وخزنتها في دكّانك، الذي أقفلته بالقفل والمزلاج، بكم اشتريت التنكة؟“ سأل التاجر.

آثر أبي ألا يجيب على السؤال. لم ينتظر التاجر جوابًا وتابع ”ربّما لا تدري يا صديقي، ولكن منذ ذلك الوقت صار سعر البنزين كسعر الذهب، إن لم يكن أكثر. إنّ ثمن كلّ تنكة يصل اليوم الليرة والنصف“. استمع أبي لكلام التاجر، وفضّل عدم أخذه على محمل الجدّ، لأنّ ذلك التاجر يميل إلى السُّكر بسهولة من بعض كؤوس العرق التي كانت على طاولة أبي. إنّه يتحدّث كالسكران، قال أبي في نفسه وودّع التاجر المتأرجح على رجليه عند خروجه من التخشيبة، بعد أن كرّر القسَم بالله وبرسوله بأنّ كلامه صحيح، لا غُبار عليه.

”نحن في أيّام العيد“ - قال أبي للتاجر المنفعل - ”لا وقت للكلام عن التجارة، بعد نهاية عيدنا سأنزل إلى المدينة لأرى ما هي الأوضاع“. انتظر أبي صابرًا حتى نهاية أيّام العيد، ولكنّ ذلك كان ظاهريًّا. لاحظت أنّه يستلقي للنوم وهو يقظ، عيناه مفتوحتان، لأنّ الشكّ أخذ ينغز مخّه، قد يكون كلام التاجر صحيحا.

في اليوم التالي لعيد المصّة، نزل أبي إلى الحانوت. وقبل أن يفتحها، توقّفت بجانبها سيّارتان كبيرتان تابعتان للجيش البريطاني. قفز منهما ضابطان وسألا بصوت واحد، فيما إذا كان لديه وَقود للبيع. أجاب أبي بالإيجاب. ”بكم تبيعنا التنكة الواحدة“؟ سأل الضابطان. ”بليرة ونصف“ ردّ أبي، متذكّرًا قول التاجر؛ ”بعنا تنكتين لكل واحد“ - قال له الضابطان. باعهما أبي كالمطلوب، وفورًا بعد سفرهما، أقفل والدي حانوته وخرج ليتحقّق من الثمن الحقيقي. كان تخمينه صائبًا [حَزَر مزبوط]، السعر كان أعلى، ليرتان ثمن التنكة!

باع أبي كل مخزونه في خلال يومين، ما اشتراه في وقفة العيد، وما كان عنده من قبل، ووصل ربحه أكثر من ألفي ليرة، مبلغ ضخم في تلك الأيّام. تقاسم أبي وشريكه الربح غير المتوقّع. شكر الشريك اللهَ لأنّه جلب له شريكًا سامريًا، عرف متى يغلق حانوته؛ أمّا أبي فقد نظر إلى الأعلى وشكر بحرارة ربّ إسرائيل“.

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

faroq mawasiسبحان الله! .. كم تفصح العيون عن علاقتها أو موقفها من أمر، نراها وهي ترانا، تروي وتحكي، فدعني أنظر إلى عينيك، لأقول لك شيئًا عنك.

 العين تخبر عن صدق الشخص سذاجته، أو ذكائه، مكره، خداعه أو حميميته، من منا لم يستعمل عبارة "حط عينك بعيني" ليتأكد من صدق النوايا؟

فالعين ترجمان القلب.

لن أتحدث عن العيون وجمالها، فما أكثر ما رواه الشعراء غزلاً وهيامًا، ولكني هنا أنظر إلى العينين لأستكشف ما تخفيان أو ما تخبئان أو تفصحان، وحتى إذا عشق العاشق، فهو يُعرَف، فالأخطل الصغير يقول:

والصبُّ تفضحه عيونه ***  وتنمُّ عن وجدٍ شُئونه

...

ما زلت أذكر نصًا قرأته في كتاب دراسي- لميّ زيادة، تقول فيه:

"العيون التي تشعر،

والعيون التي تفكر،

والعيون التي تتمتع،

والعيون التي تترنم،

وتلك التي عسكرت فيها الأحقاد والحفائظ،

وتلك التي غزرت في شعابها الأسرار،

جميع العيون وجميع أسرار العيون،

تلك التي يظل فيها الوحي طُلّعة خبأة،

وتلك التي تكاثفت عليها أغشية الخمول،

وتلك التي يتسع سوادها أمام من تحب وينكمش لدى من تكره،

وتلك التي لا تفتأ سائلة: من أنت، وكلما أجبتها زادت استفهامًا،

وتلك التي تصرخ: بي احتياج إلى الألم، أليس بين الناس من يتقن تعذيبي؟

وتلك التي تقول: بي حاجة إلى الاستبداد، فأين ضحيتي؟

وتلك التي تبتسم وتتوسل،

وتلك التي تظل مستطلعة خفايات وهي تقول: ألا تعرفني؟

وتلك التي يتعاقب في مياهها كل استخبار، وكل انجذاب وكل نفي وكل إثبات.

العيون جميع العيون- ألا تدهشك العيون؟

..

وتلك التي غزرت في شعابها الأسرار"

"في عمق أعماقها ترى كل مشهد، وكل وجه وكل شيء".

(مي زيادة- ظلمات وأشعة، وقد نشر النص أولاً في عدد الهلال- ديسمبر 1920).

..

اقتبست لكم جزءًا من نصها (أسرار العيون)، وهو نص رائع فيه هذا العرض للعيون بكل ما يمر عليها من عواطف وحركة، ولون ورؤى.

...

في الشعر يقول الإمام علي –كرّم الله وجهه-:

والعين تعلم في عينَيْ محدِّثها *** إن كان من حزبها أو من أعاديها

عيناك دلّتا عينيَّ منك على *** أشياءَ لولاهما ما كنت تُبديها

(الديوان، ص 172)، بل وجدت له معنى قريبًا هو:

وفي العين غنًى للعين *** أن تنطقَ أفواه

(ص 168)

وهذا المعنى ورد في الشعر الجاهلي، فزهير بن أبي سُلمى يقول لنا:

فإن تكُ في صديق أو عدو *** تُخبِّرْك العيون عن القلوبِ

والمثل العربي القديم يوافق ذلك:

"رب لحظ أنمّ من لفظ".

ثم نقرأ للحَيْص بَيْص الشاعر العباسي:

العين تبدي الذي في قلب صاحبها *** من الشناءة أو حب الذي كانا

إن البغيضَ له عين تكشّفه *** لا تستطيع لما في القلب كتمانا

فالعين تنطق والأفواه صامتة *** حتى ترى من ضمير القلب تِبيانا

وهذا كقول المتنبي:

يُخْفِي العَدَاوَةَ وَهيَ غَيْر خَفِيَّةٍ *** نَظَرُ العَدُو بِمَا أَسَرَّ يَبُوحُ

..

حقًا فالبغض والحب يظهران في مرآة العينين، وخاصة الكراهية، والغضب، وأنتم تعرفون الكناية "عينه تقدح شرر".

لا بد إلا أن تنكشف البغضاء مهما حاول صاحبها أن يخادع، يقول الشاعر صَرَّ دُرّ:

إن العيون لتبدي في نواظرها *** ما في القلوب من البغضاء والإحنِ

..

فهكذا ينطق الطرف عن مترجَم الخاطر، وفي العينين لغة أية لغة، ولها قراؤها!

واسمحوا لي أن أذكر لكم  جزءًا من قصيدة لي (عينان) قلت فيها:

..

قال لها:

العينانِ حَنانْ

وغِناءٌ وَعبيرٌ وأمانْ

وعَصافيرُ الرَّغْبَةِ تَشْدو

شَدْوًا يَجْعلُ قلبي بُسْتانْ

والبستانُ على شَطٍّ يَجْعَلُ ريقَكِ شَهْدا

فمتى ألْقى العيْنَينِ أنا وَحدي

حَتَّى أُتْلُوَ آياتي في صَوْتٍ أندى؟

..

قالت:

آمَنْتُ بِأنَّ عَلى عَيْنَيْكَ وَميضًا، تاريخًا، ذِكْرى

وبِأَنَّ اللَّونَ المَحزونَ سماءٌ وَصَلاهْ

أرْحَلُ فيها أقرأُها سِرًّا جَهْرا

أَنْهَلُ فيها حَتَّى تصبح مِرْساتي نَهْرا

فَأَقولُ لِوَجْدٍ يهَبُ الحُبَّ فيوُجِدُني:

العينانِ جِنان

ونِداءٌ وغِناءٌ وحَياهْ

وَهزارُ الشَّوْقِ يُغَرِّدُ أُغْنِيَةً

تَرْجَمَها قَلْبي

أَحْفَظُها حَرْفًا حَرفا...إلخ

..

كم توفر العينان طاقة هائلة للتواصل والتعبير، خاصة فيما يتعلق بالأحاسيس والعواطف والمشاعر.

العيون  لغة، فيها ترجمة، حركاتها حافلة بالصور- تدل على المحبة وعلى الكره، على الغضب والرضا، على الجاذبية والقوة، على  المكر والدّهاء، والصفاء والرّخاء، واليقظة والحلم، الفتور والإصرار...إلخ

العيون كتاب نتصفحه، فاقرءوا عيون بعضكم بعضًا!

 

ب. فاروق مواسي.

 

faroq mawasiأن يكون بين أبي فراس الحمْداني والمتنبي قطيعة أو جفاء فأمر طبيعي، خاصة وأن أبا فراس شاعر له جولته وصولته في الدولة الحمْدانية، فهو ابن عم سيف الدولة أمير حلب،  وها قد وفد إليها شاعرغريب حظي برضا الأمير سيف الدولة وإعجابه، فيستأثر بحبه، بل هو يجيزه بما لا يجيز غيره، مما جعل أبا فراس يخاطب ابن عمه، فيقول:

" إن هذا المتشدّق كثيرالإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينارعن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرًا يأتون بما هو خير من شعره."

(انظر: البديعي: الصبح المُنبي عن حيثية المتنبي ، ص 88- 92)

..

غمر المتنبي شعراء عصره وحجبهم إلا أبا فراس، فهو صاحب ملَكة شعرية ترفِدها مكانته فارسًا في الدولة الحمْدانية.

لكن الغريب، بل المدهش أن نرى في أبي فراس هذه الحافظة التي ذُكرت عنه، فالمتنبي ينشد قصيدته في عتاب سيف الدولة، وأبو فراس يتصدّى له بعد كل بيت ليثبت له وللمجلس أنه لم يأت بجديد، وكأنه قد أعد الردود مسبقًا.

اعترض  أبو فراس المتنبي عدة مرات، واستوقفه وهو يلقي قصيدته التي مطلعها:

واحرَّ قلباهُ ممَّن قلبُه شبِمُ ***ومَن بجسمي وحالي عنده سقمُ

 الشاعر الحمْداني يذكر المآخذ على هذا البيت أو ذاك، بل يتهمه بأنه طرق معنى تلو المعنى مما قاله غيره من الشعراء الأوائل.

يقرأ المتنبي قصيدته التي أعدّها، فيوقفه أبو فراس ليردّ عليه مما اختزنه في محفوظه، حتى البيت الذي أضافه المتنبي بعد أن أهين في مجلس الأمير:

إن كان سركم ما قال حاسدنا *** فما لجرح إذا أرضاكم ألم

يجد هذا "الحاسد" الرد عليه، بأنك "سرقت" المعنى من شاعر قبلك، ولم يكتف بشاعر واحد بل أتى بشاعر ثان، وقد سبقا في المعنى نفسه.

لنقرأ هذه المسرحية الأدبية النادرة وقد أوردها البديعي (م.س):

"وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع يعمل القصيدة التي أولها:

وأحرَّ قلباهُ مّمن قلبه شَبِمُ *** ومَنْ بجسمي وحاليِ عنده سَقَمُ

وجاء وأنشدها، وجعل يتظلّم فيها من التقصير في حقّه كقوله:

مالي أكتَّمُ حُبًّا قد برى جَسدي *** وتدَّعى حبَّ سيف الدّولة الأممُ

إن كان يجمعُنا حُبٌّ لغُرَّته ***  فليت أنَّا بقدر الحبّ نَقتسمُ

قد زرتُهُ وسيوفُ الهندِ مُغْمَدَةٌ *** وقد نظرتُ إليه والسيوف دَمُ

فهمّ جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله:

يا أعدلَ الناسِ إلاّ في معاملتي *** فيكَ الخِصامُ وأنتَ الخَصْمُ والحَكمُ

فقال أبو فراس: مسخت قول دِعْبِل وادّعيته وهو:

ولست أرجو انتصافًا منك ما ذَرَفَتْ ***  عيني دموعًا وأنتَ الخصمُ والحكمُ

فقال المتنبي:

أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً *** أن تحَسَب الشحمَ فيمنْ شحمُه وَرَمُ

فعلم أبو فراس أنه يعنيه؛ فقال:

 ومن أنت يا دعيَّ كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟

فاستمر المتنبي في إنشاده، ولم يردّ إلى أن قال:

سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ***  بأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ

أنَا الذي نظر الأعمى إلى أدبي *** وأسمعتْ كلماتي مَن به صمَمُ

فزاد ذلك غيظًا في أبي فراس، وقال:

 سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد في قوله:

أوضحتُ من طُرُق الآداب ما اشتكلتْ *** دهرًا وأظهرتُ إغرابًا وإبداعا

حتى فتحتُ بإعجاز خُصِصْتُ به ***  للعُمْي والصَّمّ أبْصارًا وأسْماعا

ولما وصل إلى قوله:

والخيلُ والليلُ والبيْداء تعرفني *** والحرب والضرب والقرطاسُ والقلمُ

(في الديوان: الخيل والليل والبيداء تعرفني *** والسيف والرمح والقرطاس والقلم)

قال أبو فراس:

 وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة، والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقتَه من كلام غيرك، وتأخذ جوائز الأمير؟

أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسوَد النَّخَعي الكُوفّي المعروف بابن العريان العثماني، وهو:

أعاذلتي كم مَهمهٍ قد قطعتُهُ ***  أليفَ وُحوش ساكنًا غيرَ هائبِ

أنا ابن الفلا والطعنِ والضرب والسُّرَى *** وجُرْدِ المَذاكِي والقَنا والقواضَبِ

حليمٌ وَقورٌ في البوادي وهيبتي ***  لها في قلوب الناس بطشُ الكتائبِ

فقال المتنبي:

وما انتفاعُ أخيِ الدُّنيا بناظره *** إذا استوتْ عندَه الأنوارُ والظُّلَمُ

قال أبو فراس: وسرقت هذا من مَعْقِل العِجْلي، وهو:

إذا لم أُميَّز بين نورٍ وظُلْمة *** بعينيَّ فالعيَنان زُورٌ وباطِلُ

ولمحمد بن أحمد بن أبي مُرّة المكّي مثله، وهو:

إذا المرءُ لم يدركْ بعينيه ما يُرَى ***  فما الفرق بين العُمْيِ والبُصَرَاء

فغضبَ سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها، وضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:

إن كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا ***  فما لجرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ

فقال أبو فراس: أخذت هذا من قول بشار:

إذا رضيتُمْ بأن نُجْفَى وسَرَّكُمُ  ***  قَولُ الوُشاةِ فلا شَكْوَى ولا ضَجَر

ومثله لابن الرومي وهو:

إذا ما الفجائُع أكسبني *** رضاك فما الدهرُ بالفاجع

فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قاله أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي عنه في الحال، وأدناه إليه، وقَبَّل رأسه، وأجازه بألف دينار، ثم أردفهُ بألف أخرى.

...

كل ذلك لم يفتّ من عضد المتنبي، فالبيت الذي يقوله- حتى لو كان هناك ما سُبق فيه - بالمعنى نفسه، فإنه تظل له مكانته واشتهاره، فمثلاً في بيت أبي العتاهية:

ما كل ما يتمنى المر يدركه *** رب امرئ حتفُه فيما تمنّاه

فقد أورده المتنبي باختلاف العجز، وبتشبيه تمثيلي مبدع بارع:

ما كل ما يتمنى المر يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

..

 هذه مسألة تناولها النقاد بآراء متباينة، لكني هنا أتوقف عند أبي فراس متسائلاً:

هل حقًا كان بهذه الموسوعية؟

يرتجل الإجابة والأدباء في مجلس سيف الدولة ينصتون، وكأن المسرحية  لعبة (بنغ بونغ)، يقول المتنبي، فيصده أبو فراس ويتحداه، وكأنك لم تقل جديدًا.

لقد بدا أبو فراس دارسًا خطيرًا للشعر، بل عارفًا بما يعنيه المتنبي، يردّ ردّه باندفاع، وكأنه على انتظار لما سيقال.

مسرحية جميلة،  ولا ننس استمرار المتنبي في إلقائه، ومن جهة أخرى يقرأ أبو فراس في حماسة معينة الأبيات التي يراها أنها الأصل. وأمامنا مشهد الأمير المتقلب في التعامل مع المتنبي، ولنتخيل بعد ذلك الشعراء في المجلس وهم يستمعون إلى الشاعر وإلى أبي فراس!

...

هل نجد ذلك اليوم؟

 

سيناريو مفترض لملحمة تاريخية فريدة للبطولة الفلسطينية القيادية...

* في القرن الثامن عشر، وعلى ضفاف بحيرة طبرية وفي جبال الجليل ومرج بني عامر، بدأ رجل من عامة الناس رحلته، نحو اكبر هدف يمكن ان يحلم به رجل في تلك الأيام: تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال واقامة الدولة العربية في فلسطين، متحديا بذلك حكمة أكبر دولة في العالم آنذاك (الدولة العثمانية) وسطوتها المنبسطة على ثلاث قارات: اوروبا وآسيا وأفريقيا...كان اسمه  "ظاهر العمر الزيداني" (1689 – 1775).

* أنا اخاف من الموت، لكن انطفاء قنديلي قبل انطفاء قناديلكم، لا يمكن أن يخيفني، سأدفع الموت ما استطعت الى خارج طبرية، ولعلي استطيع أن ادفعه أبعد من ذلك في يوم ما!

* مذهولا كان يسير، كما لو أنه يسير في حلم، الى أن ايقظته واحدة منهن بيد تربت على كتفه: ما دمت اشتريت قنديلا أبها الجميل، فان عليك أن تضيئه لتتمكن من رؤية حسنك وتتمكن من رؤية حسننا أكثر!

* في الخيل عزة لا يستطيع الانسان أن يفهمها، انها تحزن ولا تبوح، وتتألم ولا تنكسر يا ظاهر. كأن ما تسرب من الفرس البيضاء الى داخلك، لم يكن حليبها وحدها، ولكن عليك أن تتذكر انك انسان اولا واخيرا. قالت له نجمة.

* اريد شعبا كاملا من الأبطال، لا شعبا من الخائفين بين هذين البحرين: بحر الجليل وبحر عكا. البطولة الحقيقية في ان تكونوا آمنين الى ذلك الحد الذي لا تحتاجون فيه لأية بطولة اخرى..

* هذه البلاد بلادك وبلادي يا سعد مثلما هي بلادهم. هذه بلاد كل من يجرؤ على الدفاع عنها، اما الجبناء فلا بلاد لهم، لأن جبنهم هو بلادهم الوحيدة الاي باستطاعتهم ان يرحلو ا اليها الآن، دون أسف عليهم!

* أصبحت كرامة الناس فوق أي اعتبار، وحقوقهم خطا احمر لا يجرؤ احد على الاقتراب منه.

* كان القنديل الأول قنديله والثاني قنديل يوسف والثالث قنديل ظاهر: حدق في الشعلات الثلاث، الشعل المضيئة غير العابئة بشيء سوى فرصها بقدرتها على تبديد بحر الظلام!

* باشر ظاهر استعداده، شكل قوة من الف وخمسمائة رجل، من طبرية وما حولها، من حلفائه عرب الصقر، وبدا بتدريبهم بما يكفل دخول القلعة ورد برسالة...

* لم نأت الى هنا الا لننتصر..خاطب الظاهر عسكره بصوت مجلجل.

* العهد وخطوات الريح: لم تكن الناصرة بحاجة الى حرب كي يدخلها ظاهر، اذا انطلق بهدؤ من عرابة ودير حنا وطبرية وصفد، ليضم اطرافها اليه، ويبسط نفوذه وحمايته عليها، وعلى مرج بني عامر.

* كان جبل نابلس ملكا خاصا لسلاطين آل عثمان، وكان المال المقرر عليه خمسمائة كيس في السنة، يدفعها شيوخ الجبل لوزير دمشق، ليرسلها بدوره الى اسطنبول مباشرة، ولذا كانت تلك اول معركة يخوضها ظاهر ضد الدولة العثمانية، لانها الحرب الاولى التي يواجه فيها أشد حلفاء الدولة اخلاصا لها ودفاعا عن مصالحها.

* لكن ما آراده ظاهر قد حدث: أن تكون كل أراضيهم الساحلية تحت سيطرته. ولم يكن هناك أكثر فرحا من أهالي المرج والناصرة، الذين رأوا قوة الجرار تلك تعود الى قفصها، وتحكم بنفسها اغلاق الباب على نفسها.

* على بوابة الكنيسة البشارة، سجد وصلى، رفع يديه وشكر مريم العذراء، واستدار امام العيون المحدقة به، التي امتلأت، تأثرا بالدمع: كل ما يلزم الكنيسة من قناطير الزيت يتم احضاره لها في الموسم...

* لم يصل ظاهر شيئا حول رسالة وزير صيد، بقي صامتا. دار في الشوارع يساعد الناس، ويرفع الحجارة التي اغلقت ويصلح ابوابا تكسرت، ويعيد البضائع ويوزع الحلوى على الصغار...

* حق الدولة أن تأخذ الميري، اما اذلال الناس وتمريغ كراماتهم في الوحل فليس من حق الدولة، لأن الكرامة التي وهبنا اياها ربنا ليست ملكا للدولة..

* فتحت أبواب المدينة لتجار روسيا وايطاليا وفرنسا ومالطا والبندقية، وامتلأت بالمنسوجات القطنية والصوفية والسكر والأسلحة والورق والأواني الزجاجية، وعادت السفن التي جاءت محملة بهذا كله ممتلئة بالقطن والكتان والصوف والصابون والقمح والزيت والسمسم.

* ...وانت تعرف، أن ظاهر الذي يبسط نفوذه اليوم على معظم بلاد فلسطين، استطاع أن ينشىء جيشا كبيرا، واستطاع ان يكسب دول كبرى بعلاقاته التجارية والسياسية معها، ولم تعد هناك دولة واحدة لها قنصل في بيروت او صيدا او دمشق...الا ولها قنصل في عكا يسير امور رعايا بلاده وعلاقات بلاده مع ظاهر.

* تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، واجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها، في حين كانت صور في يد حلفاءه المتاولة، وبيروت في يد حلفاءه الشهابيين..ولم يبق للدولة سوى ميناء طرابلس في الشمال..

* في فترة حكم ظاهر، تقاسم أهالي شفاعمرو بترتيب من ظاهر، اراضي المشاع فيما بينهم: الدروز والمسيحيون...وكانت عشرات العائلات السورية المسيحية وصلت الى شفا عمرو ايضا، بسبب انتشار الأمن والاستقرار والتسامح.

* رفض ظاهر، وأصر: لا اعطيهم اكثر مما اعطيتهم، وكتب لهما: وكي يكون لهم حقهم في الأمان في الآمان وتربية اولادهم دون خوف، حاربت اعدائي. كي تكون للناس كرامة حاربت اعدائي. وكي املأ هذه الطرقات بالامان حاربت أعدائي.

* في ظهيرة السابع والعشرين من شهر آب من عام 1770، وصل ذلك المركب الذي انتظره ظاهر اخيرا، حاملا تلك الجارية "الكرجية" (من جبال القفقاس)، التي لم ترى العين أجمل منها.

* ولي طلب أخير قبل ان انام، اريدك أن ترفع طرف غطاء العربة، لأني أظن أننا وصلنا الى تلك المنطقة التي كلما مررت عبرها، وقفت طويلا اتاملها...كانت واحدة من اجمل المناطق بين الناصرة وعكا.

* ها أنت تعود وتتذكر القناديل! هل انطفأ قنديلك في ذلك اليوم البعيد ام انه كان يخبىء ضوءه، يدخره لكي ترى كل ما رأيته، وتعيش كل ما عشته يا ظاهر حتى هذا اليوم؟!

* مقيدا بقي ظاهر في عكا، منتظرا وصول اخبار تبدد مخاوفه، فهو يدرك أن معركة دمشق هي اكبر معركة يخوضها، وان تحقيق النصر فيها، سيكون ذروة استقلال البلاد ما بين البحرين، دون ان تغيب القدس عن باله، لكنه ادرك ان ستنتهي ما ان تسقط دمشق.

* يوم ظاهر: كان النصر ساحقا، ومهيأ لاحتضان نصر آخر سريع وخاطف، حيث واصل جيش ظاهر مطاردة الجيش المهزوم حتى صيدا، وقبل ان يصلها، وصلت اخبار هزيمة الأمير يوسف، واخبار المطاردة، ففر العساكر تاركين المدينة، فأدرك ظاهر أن عليه أن بقص أجنحة دمشق كلها، بعد معركتين فاصلتين استطاع بهما القضاء تماما على هيبة الدولة وهيبة ونفوذ حلفائها، ولم يكن هناك افضل من حصار دمشق نفسها بالسيطرة على اربد وعجلون...

* هز ظاهر رأسه مستعيدا زمنا كاملا:

-ذات يوم بعيد قالت القناديل لاخوتي ما قاله الرمل لوكيلك!

* تلك الانجازات كلها، كانت كافية ليحلق ولو كان جبلا!

* تعرفين يا امي! لم تزل ليلة القناديل تلح علي بين حين وآخر. لقد اصبحت بعيدة، وظل قنديلي الذي انطفأ مشتعلا! ولكن منذ ذلك اليوم احسه يخبو اكثر فاكثر، كلما رأيت قنديلا احبه يطفأ، لقد انطفأ قنديل أبي ليكون لي قنديل.

* ابنائي! والله منذ أن كبرو لم ارهم يفعلون شيئا سوى ارسال الريح تلو الريح لاطفاء ما تبقى من ضؤ في هذا القنديل! كم يتمنون لي العتمة.

* تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، وأجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها (لم ينتبه الكاتب ولا الناشر لتكرار هذا النص في فقرة اخرى)!

* حين دخل الى يافا، في الأول من نيسان،لم يكن جيش محمد ابو الذهب بحاجة ملحة لخوض معركة! كان بحاجة لأخذ قسط من الراحة بين اشجار البرتقال والتوت والرمان، وبالقرب من نواعير مياه يافا العذبة، وعلى شاطىء بحرها الأكثر صفاء من اي بحر رآه ابو الذهب من قبل.

* ارسل علي الى ابيه أن يغادر المدينة، لأنه لا يريد أن يرى رأسه مقطوعا تحت قدمي ابو الذهب! ففي النهاية هو ابوه! ولن يرضيه أن يحدث له هذا!

* ارجوك ايها الأمير، هذا مقام مقدس عند المسيحيين وقريب الى قلوب المسلمين وهذا المزار ملجأ للفقراء والمساكين، والمقام كنيسة قديمة، ونحن لم نسمع من قبل ان احدا قام بهدم بناء بناه الأولون، فبالله عليك لا تفعل ذلك.

* صوب "الدنكلزي" واطلق رصاصته القاتلة، التي اصابت قلب ظاهر. لكنه لم يسقط، ظل واقفا والدم يتدفق من صدره، وعيناه مثبتتان الى وجه "الدنكزلي"، العينان نفسهما القويتان الثاقبتان. عند ذلك سحب الدنكزلي سيفه، واغار على ظاهر، وبكل قوته قطع عنقه، ففار الدم من جسده، متحولا الى اكبر شعلة قنديل يمكن أن يراها احد تحت الشمس وراحت تتقد وتعلو، وتعلو.

* خطا الدنكزلي الخطوة الأخيرة، ودفعه بقدمه، فسقط، وقربه كان هناك رأسه ملقى بعينين لم يفارقهما البريق.

هكذا انهي تلخيصي "المميز" لهذه الرواية الطويلة البالغة الاسهاب والتفاصيل (أكثر من 550 صفحة)، والتي تحفل بالتعبيرات الشكسبيرية "القدرية" والسرد التفصيلي السينمائي الدرامي المدهش، وكأن الروائي يكتب بقصد سيناريو سينمائي ملحمي لقصة منسية من قصص البطولات الفلسطينية التي حدثت قبل حوالي ثلاثة قرون، ولا يوجد مجال حقا للمقارنة مع الواقع الفلسطيني الحالي البائس، المتخم بالخلافات والانقسامات والزعامات والولاءآت وربما "الخيانات"، حيث ربما الحاجة ماسة لوجود عصري لزعيم فلسطيني فذ وتاريخي وقوي ومسلح بارادة حديدية مثل "ظاهر العمر الزيداني"!

 

مهند النابلسي

...................

*  الخص عادة الروايات بهذه الطريقة الموجزة التي تستند لسرد اهم الفقرات والجمل (من وجهة نظري النقدية)، ثم أذهب لتلخيص منهجية واسلوب الكاتب بشكل لافت، وباعتقادي ان هذا ملائم للكثير من القراء المثقفين المستعجلين (في عصر الانترنت الرقمي)  واللذين لا يرغبون ربما بقضاء الساعات الطويلة لقراءة رواية ما، ولكنهم يهتمون بالالمام بالخطوط الرئيسية وتصفح احداثها الجوهرية.

   

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها جلال (كڤود) بن يوسف صدقة (١٩٢٢-٢٠٠٢) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٧-٢٩. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/ الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّرين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

قربان الفسح

”تعال وانظر ما فعلوا بساحة قربان الفسح هذه السنة! صبّوا قسمًا كبيرًا منها بالإسمنت، كيما يكون الوقوف هناك أكثر راحة، غرسوا النباتات والزهور ليتمتّع الجميع بمنظر جميل، أضافوا ثلاثة أفران لشيّ الخراف جيّدًا بدون بقايا ماء، كما كان يحدث في السنوات الماضية. تغيّر منظر الساحة كليًّا، لدرجة أنّه لا يمكن التعرّف عليها. المزيد من الراحة، على حساب منظر الساحة الطبيعي.

ما زلتُ أسأل نفسي: لماذا ينبغي أن تكون هناك راحة أكثر في قربان الفسح؟ إذ أن آبائنا خرجوا من مصر على عجل، حتّى أنّ العجين لم يختمر، ومن لم يسرع بإرادته، دفعه المصريون الذين هرعوا لطرد الشعب. أين هي الراحة هنا إذن؟ دعنا نترك قربان الفسح، ونتركّز في خبز مصّة الفسح. أتستطيع أنت أصلًا، أن تقارن طريقة خبز المصّة في الماضي بما يجري في أيّامنا هذه؟ لا، لا أقصد المصّة ذاتها، إنّا هي هي، ولكن وسائل الراحة مختلفة. في الماضي كان ذلك مقرونًا بالمشقّة، إلا أنّ الفرح كان أعظم. في أيّامنا هذه، وسائل الراحة متوفّرة لحدّ كبير بخصوص خبز المصّة، إلا أنّ ذلك أصبح أمرًا مفروغًا منه، ولا يحمل في طيّاته فرحًا ملحوظا. شيء ما من فرحة الخروج من مصر، آخذٌ بالتناقص بمرور السنين. ألا تشاركني هذا الشعور؟

في الماضي كانت عملية خبز المصّة شيئًا آخرَ. وجب أوّلًا بالطبع، تجميع الحطب للموقدة، جذع شجرة مقطوع يابس جدّا، وبجانبه بعض الأغصان الجافّة لتسريع اشتعال الجذع البطيء. بعد ذلك، كنّا نصفّ اللبنات في صفّين، ونضع عليهما غطاء مقعّرًا من الحديد المسمّى بلغة العرب [بني إسماعيل] بالصاج. كنّا، بعد بعض المحاولات الفاشلة والعجقة والجلبة، نتمكّن من إشعال النار تحت الصاج. عملية الخبز كانت تبدأ بعد تسخين الصاج جيّدا. هذا ليس كلّ شيء. لا حطب مشتعلًا، بدون دخان كثيف، يدخل الأعين والخياشيم، والأفواه وماذا أيضًا، إنّه يجعل أعين العاملين في الخبز تذرف الدموع والأفواه تلهج وتلغط؛ هنا امرأة تقرّص العجين [بِتْكوبِج]، وهنا الخابز وهنا من يلتقط المصّة المخبوزة من على الصاج، وهنا من يُلقّم النار المشتعلة بالمزيد من الخطب الجافّ. بالرغم من كل الشكاوى والصيحات، كان يخيّم جوّ من الإثارة والفرح الكبير؛ تبارى الخبّازون فيما بينهم حول عدد ساعات الخبز، والعدد القياسي لما خبز من المصّة.

اليوم، في المقابل، كلّ شيء ميكانيكي تقريبًا، فرن الغاز حلّ محلّ الحطب، فرن غاز بقالب مسطّح وعليه الصاج، لا دخان ولا حاجة للمزيد من الحطب، كلّ شيء يتمّ بسرعة فائقة، بالكاد ننتهي من احتساء الشاي اللذيذ الذي تقدّمه ربّة البيت للمشتركين في العمل المقدّس.

لا شكّ يوجد بيننا استفزازيون ومتشائمون شتّى، يتوقّعون شيّ الخراف في المستقبل في أفران كهربائية، ولكن لا تُشغلوا بالكم، فهذا لن يحصل أبدًا، ليس بسبب السوّاح ولا الخوف ممّا سيقولون، ولكن بسبب السبب الأهمّ، المذاق. لا  مأكلَ ألذَّ طعمًا من لحم الخروف المشويّ في فرن أرضي وفق الطرق الأصلية. والحقيقة أنّ كثيرين يشوون بنفس الطريقة في الأيّام الواقعة بين ثاني يوم العيد والسابق لآخره (عيد الفسح الممتدّ على أسبوع) لخير دليل على ما أقول، وإن أضفت لوسائل الراحة التي ذكرتها، وانعدام الضغط من حولنا، الذي نعرفه للمرّة الرابعة والعشرين [١٩٩٢]، منذ حرب ١٩٦٧، عندها أمامك الصورة كاملة.

وكي ּأعرِض لك صورة متوازنة، عليّ أن أقصّ عليك عن خبز المصّة في فترة أخرى صعبة، حيث عشنا في ضغط وجهل بما سيولِده الغد. تلك الأيّام التي كان فيها كلّ يوم جديد أسوأَ من سابقه، إنّها أيام حرب ١٩٤٨، أذكر أنّه في السنين الثلاث أو الأربع، ١٩٤٧-١٩٥٠، مُنع السامريون من خارج نابلس من الوصول إلى جبل جريزيم للمشاركة في تأدية فريضة قربان الفسح. ما دار من أحداث بين اليهود والعرب، الاعتداءات المتبادلة، إغلاق الحدود السياسية بوجهنا، كل هذه الأمور أَضْفت علينا جوًّا من الضغط الشديد والهلع، شمل كل مكان تواجدنا فيه، في تل أبيب ويافا. كلّ من أخرج رأسه خارج بيته ليُلقي نظرة على ما يجري في الخارج، كان يعرّض حياته للخطر.

أخذ عيد الفسح يقترب، ولا أحد منّا، سكان يافا وتل أبيب، خدع نفسه بأنّه يستطيع أن يصل إلى جبل جريزيم. كنّا بحاجة لتأمين طحين المصّة من المحيط القريب منّا. في الخارج كانت مجموعات هائجة من مُثيري الشغب، تطلق النار على كل ذاهب وآيب تقريبا. سُمع إطلاق الرصاص من كل جهة، أطلق اليهود والعرب الرصاص على بعضهم البعض، وكنّا نحن بينهم في وَسَط نار الجحيم.

قلنا لأنفسنا لا خبز، كالمعلوم، في الفسح. مُنعنا من تقريب القربان، كلّنا كنّا بعيدين، أمّا خبز المصِّة فكان في متناول اليد. ما زلت أتذكّر أفراد الشلّة، الذين كانوا في يافا، مثل الأشقّاء، إسحق ويعقوب وسرور (ساسون)، أبناء فارس (پيرتص) صدقة،خليل (أبراهام) بن شاكر (يِسّخار) مفرج (مرحيڤ)، إبراهيم بن نور، شقيقي كمال (تميم) وأنا وآخرين. لا تسألني كيف حصلنا على المصّة، تمّ ذلك بطريقة ما، إذ لا بدّ من المجازفة حتّى، من أجل القيام بفريضة ما. في آخر المطاف، قعد خليل بن شاكر، رحمه الله،  ليخبز المصّة على الصاج. جلسنا كلّنا في رِواق مدخل بيتنا. كنتُ أقلّب المصّة وإحدى النساء كانت تقرّص العجين  [بِتْكوبِج] وخليل بن شاكر يبسّطه [يرقّه] ويقذفه إلى الأعلى ليستدير أكثر على وجه الصاج الملتهب بالنار التي تحته. شقيقي كمال كان يضيف الحطب بمعاونة سرور صدقة، رحمة الله عليه، الذي كان متحمّسًا لمدّ يد العون في العمل المقدّس؛ كأنّ كل شيء كان منسّقًا. كلّ تقليب مصّة على الصاج كان يرافقه سيل من إطلاق الرصاص خارج البيت، بعد ذلك سُمع صوت طائرات محلّقة وبعدها سُمع دويّ انفجارات بالقرب من البيت. تابعنا عملنا وكأنّ شيئًا لم يحدث. ألقى علينا الجيران نظراتِهم بخوف شديد وهم متراصّون على درابزينات الدرج في مداخل البيوت. حثّونا على ترك كلّ شيء والاختباء في البيت: ”كيف تجرؤون على عمل هذا والرصاص يدوّي في الخارج“؟ إنّهم سيروْن الدخان يتصاعد من بيتنا، ويبدأون بإطلاق الرصاص علينا“، زعق الجيران علينا.

لم نأبه لصيحاتهم. تأدية فريضة خبز المصّة كانت في نظرنا أهمَّ من أيّ اعتبار آخر. إبراهيم بن مفرج، إنسان ورع جدًّا في إيمانه، يُضفي من ּثقته القوية بالنفس علينا جميعًا، ابتسم وقال لجيراننا: ”لا تهتمّوا، نحن السامريون، يحمينا الله من أيّ شرّ“. عند سماعنا لكلماته اغرورقت أعيننا ولم ندر لماذا، هل بسبب الدخان الكثيف الذي انطلق من تحت الصاج، أم بسبب تذكّرنا أنّ في تلك اللحظات، يُنهي إخواننا على جبل جريزيم استعدادتِهم الأخيرة لقربان فسح العام ١٩٤٨“.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

عندما يطلب "جان-بيار مارييل" اناء من المياه الساخنة، يتجاهله النادل اللئيم بأحد مطاعم الشانزليزيه، فينتظر بلا جدوى...فهل يعود السبب الى مؤامرة ضد الممثلين "المتقاعدين" ام لأن نجمه قد أفل ولميعد جذابا وشخصية هامة؟ هذا هو المشهد اللافت الذي يستهل به فيلم "الممثلون" للمخرج الفرنسي "برتران بلييه":

ثم تشتعل الخلافات وتنشأ المشاكل، ويختفي الوئام والانسجام بمثل هذه الأجواء "النكدية" الطاغية: فيتشاجر جان كلود بريالي مع بيار أرديتي، كما يكن سامي فراي وأندريه دوسوليه الكراهية لبعضهما البعض، ولا تتردد جوزيان بالاسكو بالانضمام لجوقة الكراهية احيانا، في حين يفرط "ميشال بيكولي" بتناول الكحول بادمان، كما يزعج "كلود ريش" الجميع بمزاجه النكد المتقلب، كما انضم للفريق النجم الفرنسي الشهير "جون بول بلموندو" بكاريزميته وطاقته المعهودة... هكذا تتعرى الشخصيات الحقيقية للممثلين (بقصد) وكأنهم يقفون امام "مرآة" كاشفة، ونصل لحالة متدحرجة متضخمة من الازعاج والنكد، حيث تبدو "الحالة النكدية" وكانها وباء معدي لا علاج لها!

يعود المخرج الفرنسي المبدع "برتران بلييه" ليقدم بعد غياب طويل هذا الفيلم الغريب، الذي يجذبك لمشاهدته لأنه يعكس طبائع البشر وخيباتهم واحباطاتهم ونكدهم المعدي، وينجح بالغوص بحيوات الفنانين المليئة بالجروح والندوب والمعاناة، مقدما ممارسات ومهارات اخراجية فذة، ومتلاعبا بالمشاهد "المنجذب" عبر مواجهة ما يعرفة الناس عن الممثلين وما يعرفه هو عنهم وما يعرفونه هم عن أنفسهم وطبيعة مزاجهم...فيلم تجريبي لافت وممتع!

أفضل ما في هذا الفيلم الغريب نجاح "بلييه" في دمج المشاهد بالأحداث، ودفعه للتفاعل والقلق تجاه مصائر هؤلاء الممثلين (نخبة من النجوم المشهورين سابقا) اللذين بدأوا يعانون من الفراغ والتهميش والاقصاء مع دخولهم القسري لمرحلة التقاعد او اقترابهم التدريجي من الشيخوخة والموت،  فهو يدفع الامور بعيدا بشريطه المميز، وينجح باعطاء "ممثليه" الموهوبين مرآة صافية تعكس لهم صورهم ووجوههم وسلوكياتهم ،وتكاد تبدو كمرآة او "كشمس" كاشفة تعكس للجميع المخاوف والهواجس بلا تنميق وتجميل وبجراة مطلقة

...وقد وجدت تشابها لحد ما مع التحفة السينمائية  الحديثة "بيردمان"، الذي يتعرض لحياة وهواجس ممثل مسرحي "قديم" يستبسل لاسترجاع مجده الاستعراضي (وكذلك عائلته وكيانه الشخصي)، بعد أن أفل نجمه او كاد، حيث يغوص بنا المخرج المكسيكي الفذ "اليخاندرو انياريتو" في "منولوج طويل صادم"  مستعرضا احباطات وهواجس "الممثل العجوز" الذي بدا وكأنه يتفوق على ذاته (مع باقي الممثلين وخصوصا ابنته والممثل اللامع ادوارد نورتون، الذي ظهر بشخصية جديدة وتم التعاقد معه خصيصا لانجاح المسرحية)...هذا الفيلم الغريب الذي يتناول قصة ممثل سابق (أبدع بتقمص الشخصية مايكل كيتون) كان يؤدي دور بطل خارق، وهو يحاول هنا جاهدا استعادة شهرته وكاريزميته النجومية كممثل مسرحي، وقد صور بطريقة "مسرحية" عبر "مونولوج" ايقاعي متصاعد طويل مستعرضا بشكل مشوق ومبتكر خيبات وهواجس واستعدادات الممثل "المتقاعد" والمنسي، والذي يسعى ثانية بحماس لاعادة اطلاق مجده "المطفي" عبر مسرحية جديدة، مستخدما ممثلا شابا مشهورا جذابا للنساء وعابث ولامبالي، وعبر اجواء سينمائية فريدة مدمجة مع لقطات فنتازية وموسيقى معبرة لاهثة وحوارات "غير مسبوقة" ذكية ومعبرة وساخرة، حيث  نرقب بالتدريج خفايا المشاعر وتطورات حالة الممثل والمحيطين به وانطباعات الجمهور بتلقائية معبرة، كما بحالة مغادرته للمسرح "شبه عاري" بعد ان انغلق الباب فجأة من الداخل، او كما بتصوره لهلوسات والكائنات "الخرافية الروبوتية" لأفلام الخيال العلمي السائدة حاليا، او كما بطيرانه "الفانتازي" المفاجىء بانحاء الحي،حت ىتصل الامور لذروة متوقعة وصادمة عندما يطلق الرصاص على أنفه قاصدا الانتحار (بالمشاهد قبل الأخيرة) وهو يتقمص دور الزوج المغدور والبطل الخائب، اوعندما يختفي من شرفة غرفته بالمستشفى وكأنه قذف بنفسه من النافذة، فيما تشير ايماءآت ابنته المذهولة "ايما ستون" لكونه  طار من النافذة "كرجل طير خارق" وكأنه تحررأخيرا من كل الضغوطات والهواجس والخيبات والاحباطات بعد تأكده من النجاح الساحق الذي حققته مسرحيته اخيرا...ولكن أليس الموت بحد ذاته يعد (فلسفيا) تحررا من عبء الحياة وخيباتها، وخاصة بعد وصول المبدع لذروة مجده ونجاحه، وربما يختلف هذا الشريط (المتفاءل نسبيا) عن فيلم المخرج الفرنسي بهذه النقطة تحديدا التي تزرع الأمل في النفوس، وان كان التركيز "النرجسي" هائلا وغير مسبوق بهذا الفيلم، كما بدا لبطل وكأنه يتوهم بتمتعه ببعض القدرات الخاصة الخارقة!

وجدت نفسي منساقا بشكل عفوي للمقارنة بين هذين الفيلمين الغريبين الشيقين بالرغم من قدم الأول الذي انتج بالعام 2000 وحداثة الثاني (المرشح لعدة اوسكارات) والمنتج بالعام 2014، ولو أن "الكوميديا السوداء" هي السمة العامة لهذين العملين الرائعين، الا أن الفيلم الفرنسي يغوص بحالات متدحرجة من التشاؤم والنكد وربما الواقعية "المحتملة الحدوث"، فيما يميل شريط المخرج المكسيكي للابهار والطرافة والفانتازيا، وهنا يكمن الفرق.

التقييم *** و **** حسب التسلسل

 

مهند النابلسي

................

الرجل الطائر أو هو فيلم كوميديا سوداء أمريكي 2014 من إخراج أليخاندرو غونزالس إناريتو الذي قام بالمشاركة في كتابته وإنتاجه. الفيلم من بطولة مايكل كيتون وإيما ستون وإدوارد نورتون وأندريا ريسبوروج وأيمي رايان وزاك غاليفياناكيس ونعومي واتس.

   

  

moamar habarراسلني الزميل ياسر يكن، فقال: "السلام عليكم، أستاذ معمر، أرغب في تعلم طريقتك في تلخيص كتاب تقرأه واستخراج زبدته. شكرا لك".

أجبته قائلا: وعليكم السلام، بعد الشكر والثناء، أضع تحت تصرفك بعض المقالات التي كتبتها في ذات الشأن، وحين تنتهي من قراءتها ننتقل لنقاط أخرى تعترضك وتريد التوسع فيها بالشرح والأمثلة.

وكان المقال الأول بعنوان " قصتي مع عرض الكتب"، والثاني بعنوان "كيف تستفيد من قراءة كتاب"، ثم شرع صاحب الأسطر في تقديم بعض الخطوات لعرض الكتاب وتلخيصه، والمستمدة من القراءة والتجربة، وهي:

القراءة الكثيرة، والمتعددة، والمتضاربة حتى يجمع المرء أكبر قدر ممكن من المعلومات.

هناك قراءة عابرة وقراءة متعمدة، وعلى قدر كل واحدة يكون العرض والاختصار.

لابد من القارىء أن يكون مستقلا عن الكاتب والكتاب حتى يستطيع أن يعرض بحرية.

القارىء مطالب أن لا يبغض الكاتب أو الكتاب حتى يستطيع أن يختصر ويستفيد منه دون أن يعميه الحقد والبغض.

التركيز على النقاط التي حاول الكاتب التركيز عليها، بغض النظر عن كونك تؤيده أو تعارضه.

التركيز أيضا على النقاط التي تحاشى الكاتب عرضها، لأسباب ذكرها أو تعمد عدم ذكرها، لأنه ربما أهم نقطة في الكتاب هي التي تعمد الكاتب عدم ذكرها.

وأنت تلخص الكتاب حاول أن تستحضر ما قرأته عن الكاتب أو الكتاب، ووظف بقدر ذاكرتك بقدر ما يخدم عرض الكتاب وتلخيصه.

تطرق للموضوع الذي تتقنه وتحسنه ولك فيه رأي و كلمة،  وحدث عن المصطلح المطروح إذا كنت تتقنه وتحسنه.

بعض الأسئلة التي تحيرك ولم تجد لها إجابة، أعد طرحها وأنت تعرض للكتاب، فإن طرحها سينبهك ويدفع القارىء إلى الإجابة عنها.

تعامل مع الكاتب باحترام شديد حتى لو عارضته، لأن الاحترام ينير الصدر ويساعدك على العرض والاختصار.

وأنت تعرض الكتاب، حاول أن تفرق بين مصطلحاتك ومصطلحات الكاتب، كأن تقول ويسميهم الكاتب بـ "الأهالي"، ليعرف القارىء أن لك مصطلح خاص بك، ومخالف لصاحب الكتاب.

حاول أن تعرض لأمتك من الكتب ما يرفع الهمم، ويبعد عنها اليأس.

الكتابة رسالة، فانقل رسالة طاهرة نقية وأنت تعرض الكتاب.

إذا كنت تبغض شخصا أو فكرة ولا تستطيع التخلص من هذا الحقد، أنصحك أن تبتعد عن عرض كتابه، فإنك ستسىء لصاحبه، ولن تبتدع في العرض أبدا، فالحقد والبغض يعمي.

ركز في البداية على الكاتب الذي تقرأ له والكتاب الذي تتأثر به، لأنه سيكون سهلا على العرض والتلخيص، ولن يكلفك مجهودا، وستكون في غنى عن الصراع، لأنه سيدفعك إلى القراءة ومواصلة العرض لا حقا.

وأنت تعرض الكتاب، دوّن رأيك وبيّن أنه رأيك حتى لا يختلط برأي الكاتب.

راجع باستمرار ما قرأته وما دونته، فكل قراءة تختلف عن القراءة السابقة، وأحسن من السابقة وأفضل، فقد حدث لي أن قرأت كتابا 3 مرات، وكانت القراءة الثالثة مخالفة تماما للقراءة الأولى.

لو كنت متعدد اللغات لكان أفضل وقرأت للكثير بلغات متعددة، ولأن تعرض فكرة بلغات أفضل من أن تعرضها بلغة واحدة.

إبدأ بالكتب ذات الحجم الصغير 100-200 صفحة.

وأنت تقرأ قم باستخراج الأهم وضعه جانبا، وإذا كان الكتاب من الحجم الكبير يستحسن عرضه بالفصل، وإذا صادفتك فكرة هامة قم بعرضها دون انتظار أن تنتهي من الكتاب. فهناك بعض النقاط تلفت النظر، فلا تنتظر أن تنهي قراءة الكتاب، فقد تضيع النقطة التي لفتت الانتباه، فقم بعرض الفكرة، وحين تنتهي واصل القراءة، وتوقف عند كل نقطة تثير الانتباه، فهناك عنوان يثير،  صورة تلفت الانتباه، واسم يستوجب التوقف عنده، وتعبير مثير، ومقارنه غريبة عجيبة، وغيرها من الأمور التي تلفت القارىء المتتبع.

أكتب وأنت في كامل تفاعلك مع الفكرة، وإذا خشيت من الانفعال أكتبها واتركها جانبا وعد إليها، لأنه إذا طال عليها الأمد أصابتها البرودة والخمول.

لا أنصح باستعمال الورقة إطلاقا لسهولة ضياعها، وصعوبة مراجعتها، وأنصح بشدة وبقوة بتسويد الكتاب، وتسجيل الملاحظات عبر الكتاب لسهولة الرجوع عليه، وسهولة الاستفادة منه لأن الكلمة المعنية أو الملاحظة المطروحة تكون ضمن الكتاب، ويكفي حينها القراءة الخفيفة لاسترجاع المعنى وتنشيط الذاكرة.

حين تعرض الكتاب وتقوم بتلخيصه وتتلقى في المقابل ردودا قاسية، أو مشينة، أو مؤيدة أو موضحة، وترد عليها بعلم وأدب، إحتفظ بأقوالك والردود و ضفها لعرضك للكتاب، فتثري بذلك وتفيد.

 وعن سؤال حول الكتاب العصري عبر شاشة الحاسوب، يجيب صاحب الأسطر وباستمرار، حين يؤكد قائلا: لا يوجد أفضل من شراء كتاب ومعانقة كتاب.

هذه ملاحظات نابعة عن تجربة في قراءة، وتصفح، وعرض، وتلخيص الكتب على مدار سنوات، راجيا أن يستفيد منها قارئ هذه الأسطر، ويوجه صاحبها لما هو أفضل للقارئ والناقد معا.

 

معمر حبار

 

رواية شعرية تتحدث عن هواجس الحب والثورة والأبطال والوجع والحزن و"الجاهلية الجزائرية"!

* لا شيء يسمع الحماقات الأكثر في العالم... مثل لوحة في متحف.

*أتدري.. ان أصعب شيء على الاطلاق هو مواجهة الذاكرة بواقع مناقض لها.

* ان الناس اللذين يلهموننا هم اناس توقفنا امامهم ذات يوم لسبب او لآخر.

* فقسنطينة مدينة مناقضة، لا تعترف بالشهوة ولا تجيز الشوق، انما تاخذ خلسة كل شيء.

*هناك عظمة ما، في ان نغادر المكان ونحن في قمة نجاحنا.. انه الفرق بين عامة الناس والرجال الاستثنائيين.

* لقد اراد ان يذهب الى الموت مكابرا وليس مهزوما ومكرها.

* فكيف يمكن لانسان بائس فارغ، وغارق في مشكلات يومية تافهة، ذي عقلية متخلفة عن العالم بعشرات السنين، ان يبني وطنا، ان يقوم بأية ثورة صناعية او زراعية، او اية ثورة اخرى.

*...لأن الموظف في النهاية هو رجل استبدل برجولته كرسيا!

*الجبال لا تلتقي الا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى... وعندها لا تتصافح، بل تتحول الى تراب واحد.

* أما الذين يبدو عليهم فائض من الايمان، فهم غالبا ما يكونون أفرغو انفسهم من الداخل او عرضوا كل ايمانهم في الواجهة، لأسباب لا علاقة لها بالله!

* العبادة درعنا السرية.

* ليس من حق وزير ان يشكو... فلا أحد اجبره على ان يكون وزيرا!

* الآن المعايشة اليومية تقتل الحلم وتغتال قداسة الأشياء.

*انه جنون أن لا تاخذ حقك من هذا الوطن...أنت تحمل شهادتك على جسدك.

* لو تدري لذة ان تمشي في شارع مرفوع الرأس، أن تقابل أي شخص بسيط اوهام جدا، دون ان تشعر بالخجل.

* بدأت اتصالح مع الأشياء، اقمت علاقات طبيعية جدا مع نهر السين.. مع جسر ميرابو.. مع كل المعالم التي كانت تقابلني في تلك النافذة.

* نحن لا نغفر يسهولة لمن يجعلنا بسعادة عابرة، ونغفر أقل، لمن يقتل احلامنا امامنا دون أدنى شعور بالجريمة.

* لا تطرق الباب كل هذا الطرق...فلم اعد هنا!

 

مهند النابلسي 

 

faroq mawasiالعقل هو ضد الجهل وضد الحُمق، وهو التثبّت في الأمور، والتمييز والفهم.

الفعل (عقل) معناه حبس، ويبدو أن معنى العقل مأخوذ منها، فالعقل يحبس النفس عن الهوى، ويقيدها بما هو نافع للإنسان.

يقول (لسان العرب) سمي العقل عقلاً، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك.

...

ما أكثر ما ذكر المعري (العقل) في شعره، وكثيرًا ما استشهد هذا الأديب أو ذاك بقول المعري:

كذَب الظنُّ لا إمامَ سوى العقـــ *** لِ مشيرًا في صبحه والمساءِ

فإذا ما أطعته جلَب الرحـ  *** ـمةَ عند المسير والإرساء

 قال المعرّي هذا النص مخالفًا أولئك الداعين في عصره لإمام منتظر، فعنده أن صاحب العقل لا يضلّ، وهو يميز الصدق من سواه:

أما العقول فآلت أنه كذِبٌ ***  والعقل غرسٌ له بالصدق أثمار

..

العقل كلمة لها علاقة بـ (العِقال) – التقييد بالحجة والمنطق، والمعري اللغوي يربط بينهما:

والعقل في معنى العقال ولفظه *** فالخير يعقِد، والسَّفاه يحلّهُ

هكذا إذن فأصحاب الترّهات  الدينية كما وصفهم:

تستّروا بأمور في ديانتهم *** وإنما دينهمْ دينُ الزناديق

نكذّب العقلَ في تصديق كاذبهم *** والعقلُ أولى بتكذيب وتصديق

..

إذن، فما عليك أيها الإنسان إلا بهذا النصح الذي يُسديه الشاعر:

تفكّر فقد حار هذا الدليلُ *** وما يكشفُ النهجَ إلا الفِكرْ

وقال ما هو في معناه:

فليس يُظلم قلب *** وفيه للّبِّ جذوه

..

يقول:

"والعقل أنفس ما حُبيت..."

فكل ما لا يقرّه عقلك فهو قبيح لا تعمل به:

فشاور العقل واترك غيره هَدَرًا *** فالعقل خير مشير ضمّه النادي

فتحكيم العقل في كل مسألة من أهم ما دعا إليه المعري، ومع الأسف، فإن تغييب العقل هو الذي يسود في كثير من المسائل، وخاصة الدينية منها:

فلا تقبلن ْ ما يخبرونك ضِلّةً *** إذا لم يؤيد ما أتَوك به العقل

فاللب أي العقل هو قطب الرحى:

اللب قطب، والأمور له رحى ***  فيه تُديَّر كلها وتُدار

أي أن مرجع الأمور كلها إلى العقل، فالرحى هي حجر الطحن، والقطب هو ملتقى الأمور وهو الوتد الذي يدار عليه الحجر.

يمضي المعري ويقول:

والحديث المسموع يوزن بالعقـ   *** ـل، فيضوى إليه عُرف ونكر

أي إننا بالعقل نرفض ونقبل، "فاقبل إذا ما نهاك العقل أو أمرا"، و"عليك العقلُ فافعل ما رآه جميلا..."

يقول المعري ملخصًا سلوكه في حياته:

نهانيَ عقلي عن أمور كثيرة *** وطبعي إليها بالغريزة جاذبي

ويقول:

سأتبع من يدعو إلى الخير جاهدًا *** وأرحل عنها ما إمامي سوى عقلي

..

ما علينا إذن إلا التفكير:

"وما يكشف النهجَ غير الفِكر"، كما ذكرنا أعلاه،  فالله وهبنا العقل لنعمل وفقه، ولكن ثمة من يغفل عنه:

تركتِ مصباح عقلٍ ما اهتديتِ به *** والله أعطاكِ من نور الحجى قبسا

فالمسترشد بالعقل يرى الطريق القويم،

 "وكم أمرَ العقل السليم بصالح".

 

مع ب. فاروق مواسي

 

kamal alhardiالعشق تجربة إنسانية فيها من المرارات بقدر ما فيها من المسكرات. وقد صوره الشعراء بغزليات وصاغه المثالون بمنحوتات وعزفه الموسيقيون بمقطوعات ورسمه الفنانون على لوحات وسرده الرواة على صفحات وصار أفلاما ومسلسلات ، لدرجة أن أضحى هو الظاهرة الإنسانية الأكثر رواجا في كوكب الأرض بلا منافس!

ولكن ما الذي يجعل العشق لدى الإنسان هو العاطفة الأقوى إذا ما قورن بالمشاعر الأخرى كالكره والحقد والغضب ..؟ الجواب ببساطة: لأن الحب هو ما يجعل من الإنسان إنسان.

ذات يوم شاتي رآها للمرة الأولى في إحدى مدرجات الجامعة فأدمنت عيناه رؤياها فقرر أن يصارحها بحبه آملا في أن يكون له مكان في قلبها إن كان شاغرا. تردد كثيرا مخافة أن يصدمه جوابها فيعدمه، لكنه تجاسر وقرر أن يمض فيما كان قد عقد العزم على إمضائه. وبعد أن استجمع كافة قواها ذهب قاصدا إياها، ولما كان على مقربة منها تحولت نبضات قلبه إلى ضربات شتتت أفكاره وبعثرت ما كان قد أعده في ذهنه ليقوله. لم يبق على لسانه سوى التحية الصباحية التي ألقاها عليها وهو على غير ثقة من أنه سيلقيها بصيغتها الصحيحة. ولحظة أن ردت تحيته بتحية أحسن منها أشعلت جذوة عشقه والتي غدت فيما بعد نارا ربما ليس للشمس أن تكون قبس منها!

مرت سنوات الدراسة الأربع والعشق بينهما في ازدياد مطرد لا تفتر حرارته ولا تخبو جذوته، فما كان منهما سوى أن قررا الارتباط برباط الزوجية المقدس. تكلل الحب بالزواج وأوتي بها إليه في ليلة البناء (الدخلة). بنى بها وبنت به فكأنما كانا يتذوقان نكهة العشق على مرافئ القمر ! وبعد مرور ستة عشر عاما من زواجهما لم يغادرا تلك المرافئ بل لا يزالان يتفيئان تلك المرافئ ليقولا بذلك لكل عاشق أن الزواج يذكي العشق ويجعله أكمل وأجمل.

 

كمال الهردي: كاتب وروائي يمني

 

 

faroq mawasiسألني سائل: قالت الضفدع قولاً *** فسّرته الحكماء

لماذا نقول (فسرته) والحكماء- جمع لعاقل؟

..

من خلال مراجعة في كتب اللغة نجد أنه  يصح التذكير والتأنيث، في الجموع التالية:

•  جمع التكسير للعقلاء سواء أكان المفرد مذكّرًا أم مؤنّثًا، نحو أنشد (وأنشدت) الشعراء، فسّر الحكماء أو فسرت، وبكى (بكت)  الثواكل، وحضر (حضرت) الأوانس.

 وأرى أن الأفضل في لغتنا المعيارية اليوم-  التذكير مع المذكّر، فنقول: قال الخطباء، والتأنيث مع المؤنث: قالت الشواعر.

فنحن وإن جاز لنا لغة أن نقول: الرجال جاءوا، والرجال جاءت، فإننا نفضل الصيغة الأولى في لغتنا المعاصرة.

اجتمع التذكير والتأنيث في الجمع التالي- العصاة، وذلك في قول ليلى الأخيلية:

أحَجاجُ لا تعطي العصاةَ مناهمُ ***  ولا الله يُعطي للعصاة مناها

•  اسم الجنس الجمعي- وهو ما يُفرَّق بينه وبين واحده بالهاء، كالتمر، والبقر والنخل:

رعى البقر أو رعت.

وفي القرآن وردت (النخل) في التذكير: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} القمر، 20- وفي التأنيث: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} ق، 10-

* - جمع المذكر المنتهي بـ (ات) كطلَحات وحمَزات، أو ملحقًا بجمع المذكر السالم كبنين- جاز فيه الوجهان تذكيره وتأنيثه، والتذكير أشيع.

*- اسم الجمع، نحو الرهط، الإبل، القوم، العرب، فنقول: قال العرب، وقالت العرب، وانتصر (انتصرت) الروم في حروبهم (في حروبها). فإذا استخدمنا صيغة فعلينا أن نتابعها في الضمير بعدها، فنقول:

 "انتصر الروم في حروبهم"، ولا نقول هنا-  (في حروبها).

• متى يَجب تذكير الجمع؟

يجب التذكير إذا كان الجمع جمعًا مذكرًا سالمًا: صام المسلمون. ألقى المحاضرون محاضراتهم.

...

متى يَجِبُ تأنيث الجمع؟

يجب تأنيث الجمع إذا:

* كان الجمع جمعًا مؤنثًا سالمًا حقيقيًا ظاهرًا، نحو "جاءت الفاطماتُ".

وكذلك مع جمع المذكر غير العاقل إذا جمع جمعًا مؤنثًا سالمًا، فنقول:

اتسعت المجلّدات، وبُنيت الحمّامات، وفي الإصطبلات حيواناتها.

* أن يكون جمع التكسير لغير العاقل، فنقول: أشرقت الوجوه، وبكت العيون، وتلألأت الجواهر في إشعاعها...إلخ

 

ب. فاروق مواسي

 

hamid taoulostليست هذه المرة الأولى التي أصاب فيها بعسر الكتابة، وأتوقف، لأيام وربما لأسابيع، أمام المواضيع والأحداث الدسمة المثيرة، مغلول اليد، لا أسود بياضا، معقوف القلم لا أنقش رسما، معقود الحرف لا أخط حرفاً، مشلول التفكير لا استطيع التسلل لمخابئ الحرف المتراكمة في ذهني، ولا أقوى، لا أقهرا ولا طواعية، استدارج ما يعج بخاطري من أفكار وتعابير، لترميزها على شكل كلمات مكتوبة، وكأن تلك الحروف، التي كانت إلى حين منسكبة بغزارة، قد تكلست بدواخلي وتحجر جويانها، أو أن الحبر الذي كان منسابا سيله، قد جف وتيبست مساراته، وضن علي البوح، وتعصلج معي التعبير، البسيط منه والمعقد، بالرغم من توافر مكونات الإبداع، وظروف التفكير والتصور والتعبير، واستفزاز شهوة الكتابة، شبقية التحدي والحماس العارمة، وبالرغم من توفر والمحرضات الذاتية و المحفزات الموضوعية واستفزازيتها، من رفاهية الأجواء، وصفاء اللحظة الإبداعية، وجمالية الأمكنة، وتوافر الأقلام والحواسب، وكل ما لا يبقي ولا يدر الورق على بياضه، وبالرغم من اتساع دوائر ومجالات التأمل والتفكير، فقد اعتراني هذه الأيام ضعف في الإنتاج، والدي يمكن أن نسميه تجاوزا "عسر الكتابة" على غرار عسر الهضم الذي يصيب البَطين المَبْطُون، فأرعبني الأمر، وارتعشت له جوانحي، وخشيت أن تكون تلك بداية النهاية، وإني انزلقت في دوامة الملل والتكرار والرتابة، أخطر أعداء فعل الكتابة، وأكثر ما يرعب هواتها و جميع من يهيم بها، وان موهبة رصف الكلام ستهجرني، ولا أعود لتسطير المنثور منه والمنظوم، ولا أتمكن من تنسيق الحرف والوصف بسلاسة وجمال وبموضوعية واثقان.

فهل يا تري سيستمر معي هذا الذي اعتراني، وأتوقف نهائيا عن التواصل والاتصال بالآخرين، بالكتابة التي قبل أن تكون أي فعل، فهي وسيلة ووسيط يوظّف لنقل الرؤيا والأفكار والمشاعر للمحيط الاجتماعي الذي نتفاعل معه؟

لا وألف لا، إنها حالة عابرة و"بلوكاج" خفيف - ليس كـ"بلوكاج" تشكيل الحكومة -سيزول بزوال أسبابه النفسية الظرفية، كما توزول أوجاع البطنة بزوال مسبباتها، فما يدريني فلعل الفرج يأتي بعد حين، وأعود لهوايتي التي وجدت فيها نفسي التي قضيت العمر أبحث عنها، فهجرت من أجلها كل شيء، حتى لذة النوم، وكل أملي معقود على من أقسم بـ" ن والقلم وما يسطرون"، وبالمناسبة لقد ذكرني القلم بإحدى عادات المرحوم والدي، والتي ما كنت أعرف الحكمة منها، وهي تعوده،رحمة الله عليه، وضع القلم على أذنه اليمنى، وتحسسه لها من حين لآخر، بنشوة وسرور، للتأكد مما إذا كان القلم باق في موضعه، ربما لإهتمام "ناس زمان بالقلم وقدسيته، أو لسهولة الوصول إليه عند اللزوم، أو لتجنب إضاعة الوقت في البحث عنه في الجيوب عند الحاجة إليه، وبفس المناسبة أحالتني عادة المرحوم والدي إلى عادة أخرى، وهي تباهي المتعلمين وعلى الأخص المعلمين من بينهم، بوضع عدد من الأقلام في الجيب الخارجي لستراتهم.

وفي الختام أتعتذر لقرائي الأجلاء إن أخلفت وعدا أو تخلفت عن موعدا، وتحيتي ومحبتي واحترامي لكل من يقرأ مكتباتي رافضا أو مؤيدا.

حميد طولست

 

balkis alrobaieوأنا في طريقي الى استراليا، توقفت في الشارقة وسنحت لي الفرصة أن التقي الدكتور عمر عبد العزيز، رئيس قسم البحوث والدراسات بدائرة الثقافة والاعلام في الشارقة ورئيس تحرير مجلة (الرافد) الثقافية ورئيس مجلس الادارة في النادي ."الثقافي العربي في الشارقة . ووقتها أهداني مجموعة كتب من ضمنها رواية مريوم يُقال " أن الروائي الحقيقي هو الذي يأخذ القارئ باسلوب سردي مشوق ومتين حتى "آخر عبارة في روايته.” وهذا ما لمسته عند قراءتي لرواية " مريوم  الصادرة عن دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة.

ورغم أن الرواية لايتجاوز عدد صفحاتها عن التسعين صفحة، لكنها تتميز بالفكر والفلسفة واللغة، ويجد القاريء أن الروائي والمفكرعمر عبد العزيز موسوعة في المعارف الأدبية والعلمية ولديه قدرات لغوية فائقة وامكانيات كبيرة في ترويض اللغة العربية ليرسم بالكلمات مشاهد كاريكاتيرية أو تراجيدية. ففي هذه . الرواية رسم لنا مشهدا تراجيديا حول موت ومراسم دفن مريوم كانت الأستعدادات على اشدها، والخرق البيضاء الناصعة تخرج من ابواب ..) المنازل، والأبخرة تتناوب معارج تشكيلاتها السديمية، والأطفال في حيرة مما يجري والطيور تهرب من اوكارها كما لو أن بها مسا من جنون مريوم، والبحر يتحول الى (.مرايا زجاجية تومض بصواعق من ضياء فاقع رغم معرفتي السابقة بالدكتور عمر منذ أن كان مديرا عاما لتلفزيون عدن، لكني من خلال قراءتي للرواية وجدته مفكرا وسياسيا ضليعا بالتاريخ السياسي العربي والعالمي. ففي "رواية" مريوم " كشف للقاريء المفارقات في القانون الدولي العام .ومعنى الظلم والتدخلات السافرة في شؤون الغير والاعمال العدوانية ضدر الدول ان القانون الدولي الخاص ينحسر في حضوره الافقي العالمي يوما بعد آخر …) وتنتظم مرئياته في اطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية حمًالة الاوجه في تفسيرها وتطويعها، كما أن لغة تلك المعاهدات والاتفاقيات تتسم بقدر كبير من التجريد، وهي صفة عامة في لغة القوانين المكتوبة، حتى أن التعريف التقليدي للقانون يُختصر في (."قول القائل" القانون هو فن استخدام اللغة.

قبل أن أقرأ الرواية لم اكن اعرف أن هناك بجعة سوداء موطنها استراليا ففي " مريوم " قدًم لنا الروائي ثقافة معرفية عن البجعة السوداء . (. . تلك المعجزة التي ارهقت كاهل المستكشفين الاوربيين لقارة استراليا.. يوم شاهدوا بجعاً بلون اسود لم يروه ولم يعرفوه من ذي قبل، فكان التفسير المباشر للذهن الاستيهامي الميتافيزيقي أن تلك البجعات ليست سوى سحر أسود من صنع السكان الأصليين، وربما كانت.طاقة شيطانية تُجبر رائيها على التعوذ منها).

وقادني فضولي وأنا في سدني أن أرى هذا الطائر، ووجدته جميلا ورشيقا وناصع .السواد، له منقار أحمر وعيون حمراء وبعض الريش الابيض تحت الجناحين وهنا استنتجت أن الروائي وبطريقة ذكية ودون أن يشتت تفكير القاريء، قرن .جمال البجع الأسود بجمال مريوم ورشاقتها .

الرواية ثرية بالمفردات التعبيرية وبسحر اللغة العربية التي استخدمها المؤلف في وصف مريوم (.. في حالة تماه ساحر مع جمالها الظاهرفي استقامة عودها الخيزراني، و ضفائرها المعقودة وراء مستودع الخفاء الملهم، وأناملها المنسكبة بليونة أنامل الجوكندا، والتجسيم الهيليني واضح الملامح، واستوائها المنظوم على درب سيرها المتعرج بتهاديات جسدها النحيل، وابتسامتها الذكية النابعة من اسنان (.مرصوفة حد البهاء المشع برحيق عذوبة من ماء زلال.

في رواية "مريوم" رصد لنا المؤلف التحولات التي حصلت لدبي وما وصلت اليه الآن بعد أن كانت (.. دبي مدينة ساحلية تنتظم في مساراتها انساق من منازل خشبية تنتمي لأنماط العمارة الانجليزية الفيكتورية، واخرى هندية البناء، وبعض من البراجيل " المحلية المنتصبة امام الشموس والضياء، وكثرة كاثرة من المنازل ” المشيدة من الخوص وسعف النخيل).

ودبي الآن ليس كما كانت في زمن الاربعينيات من القرن الماضي بعد أن كانت بيوت ساحلية متهالكة وخيما رثة. فهي الآن تزخر بأبراجها العالية وحدائقها الغناء ونوافير المياه المشعة بالأنوار الجميلة.

وفي الختام أقول أن للدكتور عمر عبد العزيز قدرة كبيرة في بناء عناصر رواية مريوم” . فقد تدرج في بناء شخصية مريوم التي يقول عنها اهل الحارة بأنها مصابة بمس من الجنون، حتى اوصلها لحالة الأسوياء كما للدكتور عمر المام بالشعر والشعراء واختياره لبعض الأبيات الشعرية أضاف متعة للسرد المشوق والمتين للرواية . ففي الصفحة 46 من الرواية ذكر أبياتا من الشعر للحسين ابن منصور وكأني بها اناجي زوجي الشهيد ابا ظفر

والله ما طلعت شمس ولا غربت"

ألا وحبك مقرون بأنفاسي

ولاجلست الى قوم أحدثهم

"ألا وانت حديثي بين جلاسي

 

يبدو أن واجهتنا الثقافية المتمثلة بالإعلام العربي لم تعد تقتصر بمعظمها على النقل فقط من المحطات والمواقع الغربية؛ وإنما تعداه إلى نقل العبارات والاصطلاحات الإنجليزية وترجمتها ترجمة حرفية بشكل لا يندرج ضمن قالب ثقافتنا وفكرنا العربي، ومعظم الترجمات جاءت غير مستساغة الفهم لمن هو على غير اطلاع بالمصطلح الإنجليزي.

سأسرد إليكم هنا بعضاً من تلك العبارات والاصطلاحات المنقولة من الإنجليزية، والتي هي أصلاً موجودة في لغتنا العربية، والتي تم مؤخراً استخدامها وتداولها بشكل كبير، حتى في المقابلات التلفزيونية:

1. "التفكير خارج الصندوق"، نقلاً عن الإنجليزية thinking out of the box

والعبارة المرادفة في لغتنا العربية هي ببساطة " التفكير الخلاّق"

2. "العودة إلى المربع الأول"، نقلاً أيضاً عن الإنجليزية Back to square one

والمرادف السلس الموجود في لغتنا العربية هو "العودة إلى نقطة الصفر أو نقطة البداية"

3. "سياسة العصا والجزرة"، نقلا أيضاً عن المصطلح الإنجليزي Carrot and stick policy

ومرة أخرى، لغتنا العربية لديها المرادف الجميل "سياسة الترغيب والترهيب"

4. "يضحك في أكمامه"، ترجمة لــ Laugh in his sleeves

لدينا في لغتنا العربية وحتى المستخدمة في حياتنا اليومية "يضحك في سرّه"، فمصطلح "يضحك في أكمامه" والذي سمعته غير مرّة متعجباً لا ينفع – يا مثقفينا - في فصل الصيف الحارّ!

هل كانت اللغة العربية يوماً فقيرة لهذه الدرجة كي تخلو من هكذا عبارات أو اصطلاحات أو تشبيهات بسيطة، أم بات من يتعامل معها يومياً ويتحدثها لا يقرأ إلا ما قرأه أيام المدرسة؟! كيف يتقبّل المحررون الإخباريون هذه اللغة إلا إن كان كانوا يعتقدون أنها اصطلاحات حداثية أتت بها اللغات الأخرى، ولم يواكبها المجمع العربي بعد؟!

هناك طبعاً عشرات الأسئلة فيما يتعلق بالإعلام العربي الهزيل لغة ومضموناً وانتقاصا لمقام اللغة العربية، التي لن يجيب عليها تطبيقاً من خلال شاشاته، إلا إذا وُضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح، وأُزيحت المحسوبيات من على منصاته! 

 

محمــد عرّوب

أكاديمي وكاتب سوري

 

ali mohamadalyousifاذكر اني ارسلت رسالة لصديق اديب قلت: ان اردأ انواع العاطفة هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه. وقتها لم اكن قرأت عبارة المتصوف (النفري) التي اصبحت على كل لسان: ( كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) واول من عالجها الشاعر المفكر ادونيس، ليتلقفها بعده العديدين من الادباء والشعراء والنقاد بالشرح والتأويل والاضافة، حتى ان شاعرا عراقيا ضاق ذرعا ولم يعد يحتمل فما كان منه الا ان وضع كتابا يقع في ستين صفحة فقط حجم متوسط رد فيه  فهم ادونيس لعبارة النفري التصوفية .

وقد اعجبتني العبارة، فهي مكتنزة بمدلولها، محملة بعمق رؤوي ودلالة تأويل فلسفي تصوفي استبطاني وجداني، مما حدا بي عنونة مخطوطة  مجموعة شعرية لي مستوحيا الدلالة اللغوية المباشرة في عبارة النفري فكان عنوان مجموعتي (توهج العشق ... احتضار الكلمات) .

بعيدا عن المحايثة الفلسفية، والاستبطان الكشفي التصوفي فأن عنوان مجموعتي الشعرية، النصوص النثرية (قصيدة نثر) تحمل تضادا جدليا واضحا فالكلمتان اللتان تتصدران العنوان (توهج العشق) والاخريتان اللتان تقعان في عجز العبارة (احتضار الكلمات) توضحان التناقض الجدلي بين بداية العنوان ونهايته.

يذهب الشعراء ونقاد الشعر في دراساتهم وارائهم ان العمل الابداعي المكتوب يكون فيه العنوان (ثريا النص) يمثل الاضاءة الاولية لمحمول النص لدى المتلقي . وتحت عنوان ثريا النص جاء كتاب القاص والروائي الراحل محمود عبد الوهاب في جمعه اراء (استبيان) مجموعة من الادباء والكتاب والفنانين في سؤالهم ماذا يعني عندهم عنوان النص او عنوان الكتاب . وكان حصيلة اجاباتهم تلك كتابه المذكور .

المهم ان الجدل التصوفي العميق في عبارة النفري بحسب فهمنا لها تنم عن خلاصة تجربة انفرادية اغترابية ذاتية تدخل في غمار الحدس الاستكشافي بما يحمله من السمو والرفعة الى ما فوق المدرك المحسوس عن طريق مسالك الحلول التصوفي الوجدي العارفاني .

من السهل ملاحظة في عنوان (توهج العشق ... احتضار الكلمات) النبرة الحّسية العاطفية الوجدانية العالية، فنجد (توهج العشق) عبارة ممتلئة بايحاء دلالي قاطع، يقابلها ويكملها في علاقة تضاد جدلي كلمتي (احتضار الكلمات) فهي على النقيض مع ما سبقها وتوحي بانحدار بارد يصل قمة العجز الكلامي والوصول الى احتضار المفردة الشعرية وانعدام قدرة امتلاك وسيلة التعبير التي تشاكل وتماهي حالة توهج العشق.

المتداول العادي في الفعالية اللغوية المنطوقة والمكتوبة هي التي يتطابق فيها اللفظ او المفردة اللغوية في الدلالة مع المدرك المحسوس احادي الجانب الذي لا يتقبل بسهولة- هذا خارج مقاييس النقد ومعيار خصوصية الفن-، لغة التأويل والحفر في خلفيات النص ومدلولاته الاستقبالية . في حال التنميط وتماثل اللغة الشعرية مع المدرك المحسوس نجد ان اللغة هنا تؤكد فاعلية المنطق اللغوي العقلي، وتعدم فاعلية واهمية المخيال اللاشعوري التصويري الانفعالي في استخدام اللغة جماليا الذي يمثل جوهر فاعلية المنجز الشعري .

في تأكيد العرب القدامى فاعلية المخيال المخصب للشاعرية اوجزوها باقل المفردات قائلين : (اعذب الشعر اكذبه) وفي هذا تأكيد على اهمية الصورة الشعرية والمخيال المخصب للفعالية الشعرية، وفي اجتراح الشاعر لصور ابداعية شعرية غير مسبوقة وتشكيل اللغة جماليا بما يخرجها عن السياق العام في المتداول العادي بين الناس والتخاطب اللغوي الكلامي .

وفي تأكيدنا صوابية هذا المنحى نجد في موروثنا الشعري القديم لدى فحول الشعراء ما اطلقوا عليه (الارتجال) في قول الشعر وفي المناظرة الخطابية النثرية ايضا،فارتجال الشاعر قصيدة تقوم على تحفيز حسي انفعالي لقريحة وموهبة الشاعر المتنامية في مرحلة لاحقة،يستلمها المخيال الشعري المخصب في القاء القصيدة  التي نجد انعدام المدرك المحسوس فيها،على سبيل المثال قصائد تصف وقائع حربية ومعارك عرفها الشاعر والاخرون سماعا شفاهيا، ولم يشاهدها الشاعر او شارك بها،ويطلب منه النظم الشعري فيها . بعض قصائد ابي الطيب المتنبي في (السيفيات) في تغطية انتصارات حروب سيف الدولة الحمداني تدخل في هذا الباب، كذلك فعل الشاعر ابو تمام حبيب ابن اوس الطائي في مدحه الخليفة المعتصم في قصيدته التي مطلعها :

السيف اصدق انباءا من الكتب ...  في حده الحد بين الجد واللعب

ويوجد الكثير من الشعر العربي القديم والحديث يندرج في هذا المنحى، منحى اللا تجربة الحسية الواقعية في تعويض توظيف المخيال والموهبة الشعرية في نظم الشعر.

 

علي محمد اليوسف

 

faroq mawasiيخطّي الحريري في (درّة الغواص، ص 56) وعباس أبو السعود في (أزاهير الفصحى)، ص 135، وأمين آل نصر الدين (دقائق العربية)، ص 124 من يضيف (كافّة) إلى ما بعدها، أو من يستعملها معرفة (الكافّة) كأن يقول القائل: حضر كافّة الضيوف، أو حضرت الكافّة، بدعوى أنها لم تستعمل إلا حالاً استنادًا إلى طريقة ورودها في القرآن الكريم، نحو:

 {وما أرسلناك إلا كافّة للناس بشيرًا ونذيرًا}- سبأ، 28

{يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة}- البقرة، 208.

{وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة – التوبة 36.

وغيرها.

ولكن،

وردت (كافّة) في رسالة نُسبت إلى الخليفة عمر، واطلع عليها إمام الفصاحة علي -كرم الله وجهه-، وأجازها، حيث ورد فيها:

"قد جعلت لآل بني كاكلة على كافّة المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبًا إبريزًا..".

نص الرسالة تجده في:

عباس حسن، النحو الوافي، ج2، ص 379، وهو يقتبس من حاشية الصبّان على شرح الأشموني ج2، فيقول "إن الصبّان عرض لتفصيلات أخرى تختص بهذه الكلمة وباستعمالها، وعلى هامش (القاموس المحيط) مادة (كفّ) نص منقول عن شرح القاموس يجيز استعمال هذه الكلمة مقرونة بـ (ال) أو مضافة وأن رفض هذين الاستعمالين لا مسوّغ له".

انظر كذلك: محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص 218.

...

إذا كان الحريري يشدد علينا ألا نقول (كافة) مضافة، فلماذا كتب هو في كتابه نفسه:

"وتشهد الآية باتفاق كافة أهل الملل"- درة الغواص- ص 239.

ويُلاحظ أن الزَّبيدي في (تاج العروس) تحفّظ من إدخال لام التعريف على (كافّة) في مادة "كف"، لكنه يقع فيما تحفظ منه، ففي مادة (ن د ي) يقول: "كما ذهبت إليه الكافّة".

على هذا يصح لنا أن نقول:

 حضر كافة الضيوف، كما نقول: حضر الضيوف كافة.

ونقول كما قال الزبيدي: "ذهبت إليه الكافّة".

..

إضافة:

ثم إن التعبير (كافتهم) يتردد في لغة الأدب والتفسير، نحو ما ورد في مقدمة كتاب (تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل):

"فشكر الله سعيهم ورحم كافّتهم"، ونحو ما ورد في (المنقذ من الضلال) للغزالي، وقد جعل ذلك عنوانًا:

"أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهم"....إلخ

ومثل (كافتهم) قرأت نماذج أخرى فيها (كافّتنا)، و (كافّتكم)، (كافّتها)، فلماذا التشديد على (كافّة) ووجوب أن تكون حالاً، وهي تستجيب في اللغة لحالات إعرابية مختلفة؟

 

ب. فاروق مواسي

 

الشعر.. بحر القصيدة، حذاري ان تقارنوا فيه، بين قصيدة وأخرى، لشعراء قطعوا مراحل بعيدة في شوطه المتلاطم؛ لأنكم ستقعون في لوم أسراره الأخرى، وتتفاجؤون بأنه لايخضع ابدا للمقارنات السطحية العابرة، او المعمقة ببلادة نظر!، فكفوا عن ادب المسابقات الأبتر؛ لأنه سيقطع أذناب القصائد العملاقة، ويضيفها إلى (بتراوات) القصائد الأخرى!

الشعر..في درسي هذا: يحتوي على خلاصات متراكمة، وأعاجيب، وظاهر، وباطن، وآني، وبعد حيني، وغمز ولمز، وهمز ولكز، (وهش ونش)، وأصيل ومزيف، وغث وسمين، وعليل وسقيم، ومحتضر وشاب، كلاهما في صورة شاب!، وقبيح وحسن كلاهما في صورة ظاهر الحسن، فإذا لم تكن باطنيا، فلا تصف الدواء، لتقتل المريض بدل الداء!

الشعر.. أمير محترم مادام وحيه بعيد عن مكيدة المسابقات، فإذا دخل في غمارها، سلبت إمارته، وبطل سحره، وفُضِح الجاني عليه، وزجه في هكذا مسابقات سيحجم من دافعيته، ويؤثر على تناسل القصائد من القصائد لقرون وقرون!.

الشعر.. يعاني من داء التذوق المريض عند معظم المحكمين، أكثر مما يعاني من داء الفصاحة والإجادة، والابتكار والصورة والتحديث، عند المزاولين.لذلك أسيء له من حيث غُلّقت أبوابه، وأخفيت محاسنه، وألقيت عليه مساوئ الغير.

الشعر.. جبل، وليس من العدل أن تأتي بقمة الجبل فتساويها بقاع المنحدر، ثم تطلق عليه طلقة الرحمة، بعقلك النقدي الصنمي الخرف!

ومن فكرة هذا الدرس اقول نصيحة ورحمة بهذا الكم الهائل من الناعقين: إذا أردت أن تقارن بين قصيدة وأخرى، فعليك ان تتردد ألف مرة ومرة؛ لأنك اما ستشتري حسنات ظاهرة، او تدحض سيئات ظاهرة، ويظل الباطن يلعنك كثيرا!

الشعر.. يريدك ان تقرأه من محيطه إلى خليجه، قراءة إيقاعية تتناسب وجوقة موكبه الرسمي، لاان تجره الى تدني هامشيتك العارضة وتطفلك على مائدة النقد، فتلبسه مساوئك، وتخلع عنه محاسنه، لترميها في شدة تلاطمك الصنمي البهيج!

الشعر.. كرامة الكرامات، فمن الجور ان نمتحنه امتحانين في رَحلة واحدة: امتحان الحكم الجاهل، وامتحان المنافس الجاهل: فيضج فينا بصوت المتنبي قائلا:

يااعدل الناس الا في معاملتي:

                  فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ

والصواب:

يا اظلم الناس حتى في معاملتي

                  فيك الخصام وأنت الخصم لاالحكمُ!

ولو علم جدي المتنبي رحمه الله تعالى!، أني عارضتُ بيته الشهير هذا بهكذا تداخل عرضي بديهي، لقال: خلّفتك في آخر زماني لتملأ أول مكاني، فطوبى لما تقول!

 

بقلم- رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

 

sameh owdaعلى بعد همسة من الشوق، وبالقرب من لهفة الحنين، كانوا هنا، وغادروا كما غيم الربيع، لكن الفرق أن هاماتهم تركت آثارها، فنما الشوقُ على جدار اللغة، هذه هي تجليات القلب حين يعانق القلب، تصمت الشفاه عن الهمس، تاركةً بحراً مائجاً من الظلال الوارفة في سمائنا الملبدة بكل ما هو جميل .. وحزين.

بالأمس حط رحال وفد من الروائيين العرب من المشاركين في ملتقى الرواية العربية الأول، في ربوع قلقيلية، وهم قامات وأقلام لها صولاتها، تؤنس السطور كلما فاضت أحبارها، الوفد الذي صهر الحدود الفاصلة فأتى إلينا عربياً (خالصاً) ..!! زار محافظة قلقيلية، وعايش هموم حياة الموطن الفلسطيني الذي يتجذر في أرضه فيسقيها من فؤاده عرقاً باذخاً، عرقاً رقراقاً .. فتأبى ذرات التراب الحبلى بالحنين .. الا أن تطرح الليمون والجوافا .. وما اشتهت الأنفس .. وألفت الروح.

هنا حيثُ الحدود الفاصلة، قبلةٌ على جذع شجرة المشمش في أرض عبد السلام غرب المدينة..

 وهناك لمسة أنيقة على غصن زيتونة غرسها طفلٌ في مدرسة الصمود بعزون عتمة الباقية..

 أما في خيمة الأسرى، فقد تركوا دمعة حارقة، نعم هي دمعة الروائي السودني "حمور زيادة".

كل هذه الأيقونات الفريدة .. معلقة في سماء قلقيلية على بعد قُبلة تحت الشمس بقليل، أو ما بعد الفضاء اللغوي الذي نعرفه، ربما تكون لغتنا ركيكة إذا ما حاولنا إعادة صياغة مدلولات تلك الزيارة بأبعادها المختلفة، وبتجلياتها الرقيقة، لأنها أكدت أن الملح والماء يصنعان نصراً حتى لو كان بأمعاء خاوية.

المثقف العربي عندما يعايش الحالة بعيدً عن جوهرها، ويلقي بذاته المبدعة بعيداً عن الشعارات الزائفة التي يتداولها الإعلام العربي في السجال الدائر بين (الإسناد، والتطبيع). هنا تسقط كلُ جمل الإنشاء، أمام حقيقة ساطعة، لأنه عندما تكون المواجهة حقيقية بين المحتل والشعب الفلسطيني تتجلى حقائق الوحدة بدلاً من زيف الانقسام.

في الحالة الفلسطينية .. هناك ثابتٌ وحيدٌ هو الوطن الممتد من عهد كنعان إلى عهد هذا الإنسان الصامد منذ ذلك التاريخ وحتى تسع وستين عاماً من الموت.

تسعٌ وستون عاماً من اللجوء لم تغيب الذاكرة الجمعية للشعب الذي أريد له أن يكون خارج المكان مشرداً خلف الحدود الفاصلة.

هذا المكان الممتلئ بقدسية التاريخ وحتمية الانتصار المؤجل .. الكتاب العرب رأوا حقائق شاسعة انتابها بعض الضبابية عندما كانوا هناك، لأنهم لامسوا الحقيقة عن قرب، وأنا على يقين بأن ما عاينوه ولامسوه من حقائق .. سيكون الرد الأمثل على أولئك الذين أبحروا  بعيداً عن مينائنا الأزلي، وذلك من خلال قلائد أدبية أبديه خالدة ، لأن حتمية الحقيقة أبقى من هوائية الشعارات.

ولأننا متيقنون من عدالة ما نصبوا إليه فإن مقولات التطبيع التي ستخرُ واقعة في ساحات السجال اليومي بين الإرادة الشعبية الجامعة، وبين مفردات السياسة التي تأتي بين قوسين (ربح، وخسارة).  وسط هذا السجال هناك حق راسخ وتسع وستون موتاً من النكبة، وأمعاء اقتربت من يومها الثلاثين من الجوع .. تنتظرُ من يمسح حزنها، ويطبب جرحاً أوغل المحتل فيها.

على بعد قبلة .. فاصلة رواية .. ليست رواية الفلسطيني وحده، وإنما هي رواية الكل العربي ضمن المسؤولية الجمعية وما يتبعها من مسؤوليات أخرى إنسانية.

على بعد قبلة .. فاصلة، دهاء يريد للشفاه إلا تلتحم مع الوردة، أنتم هناك في فضاءاتكم ضمن واقع لا يمكن تجاهله، لكنني على ثقة حتمية أن النصر نصنعه معاً رغم الحدود والأسلاك الفاصلة.

في هذه العجالة المستظلة بشذى أزهار الليمون في بيارات قلقيلية، والممزوجة مع مشاعر الأصالة للزائرين (الأهل)، لست أحاول استدرار عطف أحد... إنما هي الكلمات وحدها تنطلق من إحساس لا نعاينه كل يوم. زيارتكم تركت أثرا لا يمحى، وقبلتكم تركت أثارا أعظم من أن تنسى. فإلى اللقاء.

قبلة، وفاصلة ..

 

بقلم : سامح عوده – فلسطين

 

faroq mawasiسألني صديق: البيت التالي (لعله للفرزدق؟) يحيّرني أمره:

ما قالَ (لا) قطّ إلاّ في تشهّدِهِ ***  لولا التشهّدُ كانت لاءَهُ نعمُ

فلربما كان من الواجب أن يُكتَبَ هكذا:

ما قالَ لا قطّ إلاّ في تشهّدِهِ *** لولا التشهّد كانت لاؤهُ نعم

لعلّ ذلك يخفّف من وطأة ما فيهِ من خطأ نحوي.

 وإلاّ فهل لديكم تفسير لهذا اللحن؟

عزيزي، ولك تحية!

 أولاً- البيت للفرزدق، ومنهم من يرويه للحَزين الكِناني أو لداود بن سَلْم، لذلك فإن علامة استفهامك على حق، مع أن الشائع أن القصيدة للفرزدق.

ولكنك لست على حق إذ كتبت (لاؤه نعم ُ) والصواب (لاءَه نعم). لأن (لاء) خبر مقدم منصوب.

وهذا من باب "القلب" في اللغة، فكان المعنى:

لولا الشهادة الأولى ونقول فيها: لا إله إلا الله - لكانت هذه الـ (لا) نعم، وذلك لكثرة كرمه وإيجابه وقبوله وباستمرارية قول (نعم) المتردد عنده، فهو مضطر اضطرارًا لاستخدام (لا) في صلاته.

أما "القلب" فهو تبديل الكلمات واحدة بدل الأخرى، فقد ورد في القرآن الكريم:

{وأولئك الأغلال في أعناقهم}- الرعد، 5،  فالأعناق هي التي تكون في الأغلال ولكنه قَلب هنا.

ومنه قول رؤبة:

ومهمهٍ مغبرّة أرجاؤه ***   كأن لونَ أرضه سماؤه

أي كأن لون سمائه لونُ أرضه، فعكس التشبيه، وحذف المضاف.

ويدخل "القلب" في باب المبالغة.

اسمح لي أن أذكر من شعري ما قلته في هذا الباب:

إذ قام ينزع جسمَه المدفونَ في ثوبِ العذاب

وأتى بعريٍ وانتباه

ينزع (جسمه) بدل (ثوبه)، وهذا من كثرة القهر، والمعاناة.

أرجو أن أكون واضحًا، فقد كان من حق المتلقي أن يسمع الـ (لا) نعمًا لكثرة ما يستجيب هذا الممدوح، فيقول: كانت لاؤه نعمًا - إذا اعتبرناهما اسمين، لكنه قلب مبالغة، فجعل كلمة الـ (نعم) لاءَه (خبر كان).

 القلب في البلاغة هو للمبالغة، و الباحث يجد الكثير منه.

أحب أن أضيف لك أن القصيدة بما فيها البيت- إذا صحت أنها لداود بن سلم، فالمخاطب فيها هو قُثَم بن عباس، وإذا صحت أنها للحزين فالمخاطَب هو عبد الله بن عبد الملك، بل ثمة من رواها لخالد بن يزيد مولى قثم وقد قالها فيه (انظر الأغاني ج 15، ص 263).

جدير بالذكر أن اللغويين لاحظوا الخروج عن الأصل النحوي (الذي سميته أنت لحنًا)، فروى بعضهم البيت هكذا:

لولا التشهد لم ينطق بذاك فم

وبعد،

 أراك يا صديقي ما زلت مصرًا على رأيك، فأين طالعت (كانت لاؤه نعمُ)؟ في أي مصدر جدي؟  اذكر لي اسم كتاب واحد رجاء!

ثم إن (القلب) ليس مصطلحًا معروفًا في كتب البلاغة التي درسناها أو نعرفها، وهو لا يسمى (قلب المعاني) لأن هذا مصطلح آخر في سياق آخر، فقد تعرفت إلى القلب من كتاب (إعراب القرآن الكريم وبيانه، ج6، ص 309) لمحيي الدين الدرويش..

ثم إن الرواية الأخرى (لم ينطق بذاك فم) لا تقلل من شأن، ولا من سيرورة الرواية التي نعرفها، فإذا أنكرها بعض النحويين فلا يعني أنها خطأ أو لحن.

 

ب. فاروق مواسي