فاتن عبد السلام بلانإلى كل الأدباء/ت في الوطن العربي، الذين قدّموا ثمار إبداعاتهم للإنسان ولم يُنصَفوا في حياتهم ولم يكرّموا إلا بعد رحيلهم، عليكم وعلى الدنيا السلام .

**

الأدباء أنبياءُ الحروف على الأرض، حاملو رسائل إنسانية منوّعة، مبتكرو البسمة على الوجوه، والنوافذ التي تحرّر القارئ من همومه وقضاياه بل وتُفضي به إلى دائرة الأمل والشمس، وبطرق مختلفة من فنون الأدب "رواية، مقامة، شعر، نثر، قصة، هايكو، إلخ " .

هذي اللُحمة المُتجانسة بين الأديب والمُتلقّي تقرّب الخواطر، توحّد الأفكار وتنقل الأحاسيس التي يشعر بها الكثير منّا ولم يستطع التعبير عنها بلغته .

في حياتنا يتقن الأديب دوره كالمعلم، و الطبيب، و المهندس، أو أي مهنة أخرى شريفة وبسيطة، فالأدب موهبة قبل أن يكون حرفة، نية قبل أن يكون فعل .

فالأديب ناطق رسمي باسم الإنسان والشارع والوطن والوجع والفرح، صوته يتجلّي مسموعًا في أعماله ومنجزاته، ويقع على عاتقه مسؤولية إنشاء جيل مثقف متنوّر يتحدّى الصعوبات ويُقاوم تيارات الجهل، جيل نقي خالص من العيوب النفسية، ناجح، عصامي، يعتمد على قدراته وذاته .

في وطننا العربي أسماء لامعة لأدباء/ت خدموا القارئ العربي ومازالوا، بإرضاء ذوقه وتطلعاته وعلى كافة الأصعدة، منهم من حالفهم الحظ وساندتهم الهيئات الثقافية والدولة، وكانت لهم الجدار المنيع، واليد الحانية عليهم وعلى نتاجاتهم الفكرية والأدبية، وفي المقابل الكثير من الأدباء/ت لم يقف الحظ إلى جانبهم، ولم تُقدَّم لهم اليد المُشجّعة، ولم يسندهم الجدار المُحفّز، فارتقوا بانسانيتهم وجهودهم حتى السحاب .

موضوعي هذا يصبّ في خانة واحدة (تكريم الأديب العربي) في بلده أولاً _ وهذا الأهم _ وفي الوطن العربي ثانيًا، تكريمًا له، لعطائه، لجهوده، لإنجازاته، لرسالته المُهمّة التي يرسّخها لمن حوله ولمن بعده .

الكثير من أدبائنا العرب كُرّموا من قبل وزارات الثقافة واتحاد الكتّاب والجهات المسؤولة والمهرجانات الأدبية وهم على قيد الحياة، وقُلّدوا أوسمة وشهادات شُكر، على مابذلوه من مساعٍ في نهضة الأدب والبلاد والمُتلقّي العربي، والكثير من أدبائنا الذين أثروا مكتبة الأدب العربي بنتاجاتهم المختلفة _ فكانت لهم علامات فارقة وتحديثات وأرقام يصعُب عدّها أو تقليدها _ لم يحظوا بتكريم، بل رحلوا عن عالمنا المادي وحياتنا هذي دون الإحساس بإمتنان واحد من قِبل الجهات المسؤولة و رؤية مرضية لردّ الجميل بالجميل .

هؤلاء هم المهضومة المسحوقة حقوقهم، الغير مُلتفت إليهم وإلى مشوارهم الثري الغني في حياتهم .

هذي الفئة من العمالقة الأدباء، التي نستهم بل تناستهم الجهات الثقافية المعنية، ما ذنبهم؟ أين دور هذي الجهات أمام دور الأديب المبرِّز؟ أين تقديرهم لنضاله بحرفه ووقته وجُهده من أجل الإنسان والمجتمع؟ أين أدمغتهم وقلوبهم وعدالتهم؟

وهل في عالم الأدب تفضيل أديب عن أديب؟ هل تلعب الواسطات والمحسوبيات دورها في عالم الأدب أيضًا؟؟ وهل تنحاز هذي الجهات إلى البعض وتهمل البعض؟؟

للأسف في مجتمعاتنا العربية وتحديدًا في عالم الأدب والكتابة، كل ما ذكرته سابقًا هو الصحيح، بل ويتعدّاه في محاربة الأديب نفسيًا ومجتمعيًا، بل ويتضاعف بنسيانه والتعتيم عليه، أهكذا يُكافأ بعض أدبائنا في أوطاننا ؟!!

جُلَّ ما أثروا به الأدب العربي والإنساني، وجُلّ ما تناسوهم في حياتهم، وكأن التكريم مقرون فقط بلحظة رحيلهم !!

أولئك الأدباء اللامعون، لم تشفع لهم منجزاتهم، بل لم ينصفهم المعنيون بالشؤون الثقافية، في حين نشاهد عن طريق الإعلام العالمي تكريمًا لأدباء شباب لم يلمع نجمهم كثيرًا، ولم تمتلئ حقائبهم بإنجازات كإنجازات بعض أدبائنا العرب الذين سخّروا حياتهم في خدمة الإنسانية .

هل نزيح هذا اللا اهتمام عن عاتق المسؤولين ونرميه على كاهل الحظ؟؟ ونتناسى دور من له كل الدور في توسيم الأديب بوسام وشهادة تقدير؟ مع العلم أن الكثير من أدبائنا نذروا أنفسهم لإنارة الطريق لمن بعدهم دون المطالبة بتقدير أو تكريم .

بكل إنسانية وتقدير منّا، يجب علينا كقرّاء وجهات معينة مسؤولة، تكريم الأديب في حياته لا بعد وفاته، هل تستحق مبادرة التكريم كل الجهد الذي يقوم به المعنيون بعد وفاة الأديب؟ مَن سيُكرّم في هذي الحالة، روحة التي رحلت أم مَن؟ وهل سينفع التكريم بعد رحيله؟ لا فلن تقرّ به عينه ولن تفرح روحه !

للأسف تلك الفئة من أدبائنا في دائرة الظلم دائرة (النسيان)، لا يلتفتون إليهم إلا بعد وفاتهم، هم المنسيون في حياتهم والمكرّمون بعد رحيلهم !!، فأينكم أيُّها المنصفون؟

(كرّموني قبل أن تفقدوني)

هذي الجُملة أمنية وحلم وشِعار، "قبل الانجاز الأدبي وبعده"، لكل أديب رسول أبدع وجاد وأثرى وخدم عالمنا الإنساني .

لفتة جميلة منكم أيُّها المعنيّون المثقّفون : كرّموهم في حياتهم قبل أن تفقدوهم بعد رحيلهم .

بعد رحيلك

روحك تضحك

تكريم .. !!

 

فاتن عبدالسلام بلان

 

محمد صالح الجبوريالمهمة الأساسية لمعارض الكتب هي توفير الكتب المنوعة، وبمختلف اختصاصاتها الادبية والعلمية والثقافية للقراء، ومن شركات تتميز برصانتها العلمية وبطباعتها الجيدة، وان تكون الكتب باسعارمناسبة او زهيدة، ونشر الثقافة، وهذه رسالتها إلى المثقفين، الجميع يعلم ان الكتاب لا يقدر بثمن، لما يحمل من معلومات، ومن التحديات التي تواجه معارض الكتب انتشار الكتب الالكترونية، والمواقع الإلكترونية،التي تعرض الكتب مجانيا، ولابد من أن تقوم شركات الكتب بطرح كتب مجانية في المعارض لتشجيع القراء لزيارة هذه المعارض، وينبغي ان لايقتصر اقامة المعارض في المدن الكبيرة، بل يكون في المدن الصغيرة ايضا، ان مسالة الثقافة تهم الجميع، و انتشارها يفيد الجميع،وخاصة عندما تكون رصينة، تتناسب مع القيم العليا، والعادات والتقاليد الاصيلة، وترفض المفاهيم التي تتعارض مع الاخلاق والقيم الراقية للمجتمع، ان الافكار التي تطرح في الكتب ينبغي ان تتناسب مع خصوصية المجتمع، وان تكون ضد الافكار السيئة الدخيلة على المجتمع،ان قيمة الكتاب بما يحتويه من معلومات،وتبقى اسعار الكتب عاملا مهما في نجاح المعارض، اذا كانت مناسبة السعر يكون الإقبال على الشراء أكثر، ولايعرف قيمة الكتاب الامحبيه هم (العاشقون) للحرف الجميل، الذين احبوا الكتاب، وهو صديقهم ورفيقهم في حلهم وترحالهم، ويبقى الكتاب عزيزا على القلوب، وخاصة (المثقفين) الذين يعرفون قيمته. وتوجد هناك إحصائيات لعدد الزوار، وعددالكتب المباعة في كل معرض، الكتاب يمثل الثقافة والادب والعلم، مع الاماني لكم بالموفقية والنجاح.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

تارا ابراهيمبعد عودتهم من الغربة الى بلدهم بعد سنوات، اصبح هاجسهم بل وكابوسهم الوحيد هو التأقلم مع مجتمعهم من جديد على الرغم من انهم ليسوا بالغريبين عن مجتمعهم الام بل هم ولدوا وترعرعوا فيه الى ان أتى ذلك اليوم الذي تركوا فيه وطنهم لسبب او لاخر..الغريب انهم عندما يعودون يبدأون بالتذمر بحجة ان المجتمع تغير وانه لم يعد شيء كسابق عهده وان الناس تغيروا وليسوا هؤلاء الذي كان رسمهم في مخيلته قبل الرحيل.

يقال ان التأقلم مع مجتمع جديد هو صعب ولكن العودة والتأقلم مع المجتمع الام هوأصعب كون المغترب يعود متغيرا بل ومعتنقا  أفكارا  جديدة ونظام حياة جديد فلدى العودة تبدأ المحنة الحقيقية في التأقلم بكل جوانبه المادية والمعنوية، ويبات محتارا ما بين مبادئة القديمة والمبادئ الجديدة التي اعتنقها في الغربة، ويعيش في عالمين متوازيين مختلفين لايتداخلان. والمغترب هو انسان غريب على مجتمعه الام والمجتمع الذي تبناه، غريب على مجتمعه الام كونه تخلى عن كثيرمن الاخلاقيات والقيم التي تربى عليها، وفي الوقت نفسه في المجتمع الاخر هو إنسان لاينتمي اليه بل يحاول التاقلم فيه بتبني قيم جديدة وإلا عليه ان يعيش في قوقعة يحيط نفسه بها كي لا يتأثر بالمجتمع الجديد.

مؤخرا باتت وسائل الاعلام الفرنسية تسهب التكلم عن هؤلاء الذين يعودون الى فرنسا بعد سنوات من التغرب كي تواجههم مشكلات متعددة لدى الوصول الى الوطن الام الذي عادة يجب ان تحيطهم بحنانها وعطفها ولكن العكس ان هذا الوطن ذو احضان باردة غيرمرفق بابنائه المحتاجين اليه، فالفرنسي عندما يعود الى بلاده يجب اولا ان يبحث عن مكان للاقامة بها ان لم يكن له عائلة او اصدقاء، وغالبا ما ينتهي به الامر الى الاقامة في فندق أوما شابه، لتأتي بعد ذلك مرحلة البحث عن العمل، حيث لايستطيع ان يأجرشقة  ان لم يكن له عمل ليأمن دفع الايجار، كما يجب عليه ان يسجل الاطفال في المدارس وهي ايضا تعتمد على مكان سكن دائم وليس مؤقت، وهنا تبدا المحنة الثانية...وبما ان كل شيء في فرنسا منوط بحساب بنكي جاري، فاي شخص لايستطيع ان يفتح حسابا اذا لم يكن له محل اقامة دائمة وهنا تأتي محنة أخرى... وهذا ما يسميه الفرنسيون تأثيركرة الثلج المتدحرجة حيث يصبح حجمها كبيرا وبالتالي تكبر المشكلات وتدخل في دائرة متشابكة من الصعوبة بمكان حلها بسهولة...في بعض الاحيان يترك الفرنسيون البلد بعد مدة قصيرة من الوصول كونهم لايتحملون بيروقراطية الدوائر الرسمية من البنك والمدارس والتأمين الصحي..الخ والبعض الآخر يبقى صامدا كي يجتازالصعوبات وبالتالي يتاقلم شيئا فشيئا...

وفي الحقيقة عودة الـتأقلم من جديد هي صعبة ومسألة نفسية اكثر من ان تكون مادية، كون هذه العراقيل قد تكون مسبب الاحباط ولكنها ستزول مع الزمن..ولكن الجانب المعنوي من التأقلم هوالاصعب، لذا يحاول المغتربون البحث عن الاشياء الايجابية في المجتمع الفرنسي مثل الثقافة والفن التي تشتهر بهما والتمتع بالأكل وبفنه في بلد يتصدرالمرتبة الاولى في تنوع ورقي مأكولاته ولذتها، الخ من الامور التي تريح المغترب في بلده.. ويكتشف الفرنسي لدى عودته ان الفرنسيين اناس انطوائيون غيرمتفتحين للثقافات الاخرى.. ويبدأ بالبحث عن اشخاص مثله، اشخاص عادوا من الغربة ولايستطيعون التأقلم مع مجتمعهم ..فهناك الكثيرمن المواقع الاجتماعية التي خصصت للتعارف ما بين المغتربين في بلدهم..لانهن يعتقدون انهم يفهمون بعضهم البعض..وفي النهاية هؤلاء يعيشون في وطن داخل وطن، اي وطن خيالي او تجريدي يضم اشخاص مغتربين في بلدهم ..وبالتالي تنتهي الرحلة بالعزلة والعيش في نطاق صغيرمع بعض التفاعل مع المجتمع الام.

 

د. تارا إبراهيم

 

علي المرهجيملأ القصب أهوار العراق، وهو نبات ينتعش بسُقيا الماء الذي وصفته الكُتب القديمة والفلسفات والديانات على أنه "أصل الحياة"وجعلنا من الماء كُل شيء حيَ" وقال طاليس أبو الفلسفة "أن أصل الوجود هو الماء".

للقصبة عند السومريين صفات عجيبة توحي بالدهشة والمهابة كما يقول هنري فرانكفورت في كتابه (ما قبل الفلسفة)، "ففي نموها المُمرع في الأهوار قوة غامضة، وللقصب قُدرة إتيان العجب، كالموسيقى الصادحة في ناي الراعي، أو العلامات المليئة بالمعاني التي تتركها قصبة الكاتب فتتحول إلى أقاصيص وقصائد"

لذلك اعتقد العراقيون القدامى بـ "آلهة القصب، ورسّمها بشكل إنساني كسيدة مُحترمة، ولأقصاب مرسومة معها: فهي تنمو من كتفيها وتستمد حياتها منها مُباشرة".

القصب بيت ومضيف ولقاءات حميمية بين الأحبة، فالمضيف "كوخ قصبي بالغ السعة يُشاد من أعمدة ضخمة من قصب قوي، وحِصر قَصبية كبيرة من (البواري) وهي أيضاً مصنوعة من القصب، ومن جدارين جانبيين يُقامان من قصب وحِصر أيضاً" كما يروي د.شاكر مُصطفى سليم في كتابه الأهم (الجبايش). لا اعتبار اجتماعي كبير لمن لا قُدرة له على بناء وإدامة المضيف، فمن لا يملك مضيفاً كبيراً مصنوعاً من القصب لا يُعدَ من (الأجاويد).

وكلكامش في ملحمته ينقل كلام الآلهة للكوخ ليقول له مُخاطباً:

"إسمع يا كوخ القصب وافهم يا حائط

أيها الرجل "الشروباكي" يا ابن "أوبار ـ توتو"

قوض البيت وإبنَ لك فلكاً (سفينة)

تخلَ عن مالِك وانشد النجاة

انبذ المُلك وخلص حياتك"

والآلهة لها بيوت من قصب، وسومر من معانيها "أرض سيد القصب" الإله "أنكي" إله الماء.

وقدَ كتب د.زهير صاحب كتاباً بعنوان "أغنية القصب" عن تاريخ الحضارة السومرية وفنونها..

في نمو القصب وطوله بهاءٌ وحياة، فهو ممشوق القوام في خضرته حياته لأهل الأهوار الذين بنوا حضارتهم الأولى من معين القصب والطين.

كان الصابئة في جنوب العراق هُم من يُجيدون منح الحياة للقصب كما يذكر د.شاكر مُصطفى سليم عبر تحويله لأدوات مُصنّعة تُساعد أهل الهور في الإفادة منه، فهُم من يُتقنون صناعة "الفالة" أداة للصيد منه، وهم من يُجيدون "تفشيق القصب" وحياكة "الحصر" كالبساط مصنوع من القصب للجلوس، وحياكة القصب كي يكون بمثابة السقف للمنازل والبيوت.

من القصب تُصنع الآثاث وتُبنى البيوت وتُحاط بالأسيجة المصنوعة من القصب أيضاً، وهو وقود أهل سومر لسهولة اشتعاله بعد تيبسه.

القصبُ إمارة وتجارة وحياة مكسب ليس فيها خسارة، فهو تجارة يُقايض أهله ومالكوه به ما يحتاجونه من مواد مع المناطق المُجاورة، وهو مكسب لأنه نبت ماء يستمر وجوده باستمرار صيرورة الماء، لذا فهو تجارة لا تبور، ومكسب دائم ليس فيه فتور...

كسب السومريون بفضله حياة وحضارة، وكسبنا نحن العراقيين بفضله تباهياً بين الأمم بأننا أمة كلما دار بنا الزمان ودالت الدول نستكين قليلاً ولكننا لا نهجعُ لأننا نستمد من حضارة القصب وشموخه بعض من "أنويتنا" واعجابنا بذواتنا وإن لم يكن لنا اليوم تأثير في حاضر الأمم يُذكر...

 

ا. د. علي المرهج

 

شاكر الساعديI am Iraqi - I read

مذ كنت شاباً يافعاً منتصف السبعينات من القرن الماضي،كنت أتردد على شارع المتنبي لأشاهد الكتب التي تباع هناك في مكتباته المعروفة آنذاك، وبالخصوص يوم الجمعة يصبح مكتظاً بالناس كما هو اليوم ،ومتنفساً للمثقفين العراقيين البغداديين وأبناء المحافظات، وأول رواية أشتريها من هذا الشارع القديم المتجدد كانت رواية الشك للكاتب الانكليزي (كولن ولسن) 1932- 2013بسعر 50 فلساً، لازلت أحتفظ بها إلى ألان مع مجموعة من إصدارات الموسوعة الصغير التي تصدرها وزارة الثقافة العراقية آنذاك .

العراق بلد الأفكار

لقد شهد العراق خلال فترة سبعينات القرن العشرين موجه من النشاطات الفكرية تبعث على الارتياح من وجهة النظر الثقافية الصرفة، قبل وصول أبن العوجة (2003- 1980) إلى دفة الحكم في العراق، فمئات الصحف والمجلات والمطبوعات تتدفق شهرياً على المكتبات في عموم البلاد.. احتفالات ومهرجانات وخطب وقصائد في القاعات والمساجد على مدار السنة.. نقاشات وحوارات على الهواء.. مؤلفات ذات قيمة فكرية عالية تطبع عدة مرات، ودائماً هناك استجابة ورواج لا مثيل له.

إن حياتي العملية شديدة التداخل مع محبتي للقراءة لدرجة أنني لا أستطيع الفصل بين الاثنتين، وشخصيتي هي نتاج الجمع بين كل شخصيات الكتب التي أحببتها وأصبحت جزءا من ذاكرتي، فأنا عشت في العراق وسوف أموت فيه، لم أذهب إلي مدينة بطرسبرغ والتي كانت تسمى لينين غراد الروسية، لكني أحفظ أبرز معالمها التي أخذني فيها دستويفسكي وتولستوي ذات يوم، ولم أشاهد ماذا حدث لباريس العاصمة الفرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، فتطوع الكاتب الأمريكي أرنست همنغواي ليخبرني بكل التفاصيل، ولم أزر مدينة براغ عاصمة التشيك، إلا أن الروائي ميلان كونديرا قدم لي وصفا ممتعًا لما يدور في شوارعها، ولم أسافر إلى مدينة سدني عاصمة أستراليا لأطلع على معالمهما السياحية والثقافية، لكني أطلع يومياُ على صحيفة المثقف الصادرة فيها لازداد معرفة وثقافة ووعياً .. وأصبحت أعرف من خلال خبرتي في الكتب، إن القُراء يعيشون أكثر من حياة في عصر العولمة والانترنت .

كان القارئ النهم ومنهم أنا يمتاز عن غيره بأنه صاحب فكرٍ وهدفٍ وهُوية، تدفعه الأفكار التحررية التي يحملها في عقله المكتنز بحلو الثمر، وجميل الدرر، مع كتابه يجد الأنس، وحسن الرفقة معه، كما قال الشاعر العراقي الكبير المتنبي915  –965 م (وخيرُ جليسٍ في الزمان كتاب).

بينما الغالبية من الناس اليوم غارقة في أطروحات التراث الديني وحروب المسلمين الأوائل، وفي الأزمات، والفتن الطائفية، وقصص التاريخ المشكوك بمصداقيتها، لا هّم عندهم غير الإعمال والأفعال والممارسات والجلسات الدينية أو الطائفية، وكأن الحياة لا طريق فيها غير طريق البكاء على الماضي والتحدث المفرط بالمحرمات والمستحبات، والاساطيراللامعقولة والأمنيات البعيدة عن الواقع.

مفهوم القراءة

مفهوم القراءة الذي نعرفه الآن لم يصل إلى معناه الشامل إلا بعد أن ظهرت الكتب بشكلها المعروف وازدياد إعدادها وإشكالها من حيث الكتاب الكبير أو الكُتيب الصغير والفضل يعود في ذلك إلى اختراع المطابع وتطورها، والتي جعلت من الحصول على الكتاب أمراً ميسراً لكل الطبقات الاجتماعية خاصة المتوسطة والفقيرة، وأصبحت القراءة مع نهايات القرن التاسع عشر إلى ما بعد منتصف القرن العشرين نشاطاً منتشراً وشائعاً ساهم بشكل عظيم في تقدم الأمم ورُقيها،إلا إن هذا النشاط المعرفي بدأ بالتراجع تدريجيا مع ظهور التلفاز والسينما ثم الكمبيوتر حتى انتشار الانترنت وصولاً إلى مواقع التواصل الاجتماعي حالياً.

العزوف عن القراءة

لا شك أن ظاهرة العزوف عن القراءة لدى الشباب تثير القلق لدى مختلف فئات المجتمع، ويسعى المثقفون لمحاولة إعادة الثقافة إلى مجاريها الحقيقية، من خلال أساليب علمية وواقعية وجمالية جاذبة، فواقع التواصل الاجتماعي المختلفة سرقت منهم الجمال الحقيقي والقيمة والفائدة، فلا يعقل أن تكون الصور الثابتة والمتحرّكة التي يتلقاها الطفل بشكل عشوائي في مواقع التواصل الاجتماعي بشتى صورها أساس الثقافة العامة والتعلمّ العرضي الذي يخضع له الأبناء، ويصبح التواصل بين الأسر وأبنائها أو بين الأجيال شبه معدوم بل يستثير الخوف والقلق على حاضر ومستقبل الأجيال.

فلو أردنا اليوم شراء هاتف جديد من شارع الربيعي وسط بغداد مثلاً، ولكم أن تتصوروا كم موديلات حديثة من الهواتف الذكية والخارقة الذكاء هناك، تفوق أسعارها أسعار الكتب المباعة .. هذا هاتف فيه كاميرا أمامية وهذا فيه أكثر من كاميرا.. هذا بذاكرة وسرعة تفوق كل الأنواع الأخرى، لكن هذا يخزن عددٌ أكبر من المسجاة والصور.. هذا ضد الماء وهذا ضد الخدش وهذا ضد الكسر وذاك فيه مميزات الحماية ضد الضياع والسرقة.. هذا الهاتف يأتي بألوان عدة وهذا الهاتف يحتوي على بطارية تدوم عدة أيام ويمكن شحنها بسرعات خارقة.. هذا الهاتف المشهور قد تم تجميعه في اليابان وهذا في كوريا وهذا من ألمانيا.. كالكتاب هذا مطبوع في العراق وهذا في لبنان ومصر وبلدان الخليج العربي.. لكن الفرق بين شراء الهواتف وشراء الكتب كالفرق بين الخير والشر وبين الفاكهة المرة والفاكهة الحلوة، والمرأة الجميلة والأخرى القبيحة، كلها مستساغة، ولكن أغلب الناس (فيما يعشقون مذاهب).

أذن لماذا لا نقيم معارض للهواتف النقالة (الموبايلات) المستوردة بدلاً من معارض الكتب المطبوعة وطنياً ؟ وما فائدة معارض الكتب وهي تفتتح وتقام من قبل حكومة فاسدة ؟، فالثقافة ليست رداء خارجي مزركش تلبسه الدولة، أنما هو واقع عملي يراه الناس في أداء أجهزة ومؤسسات الدولة، وسلوك يلمسه الناس في وسائل الإعلام وفي المؤسسات التربوية والتعليمية وكذلك في الشارع.

معارض الكتب

والسؤال الذي يطرح نفسه .. هل هناك فائدة من إقامة معارض الكتب في العراق التي تقام سنوياً في بغداد وأربيل والبصرة وغيرها ؟، والجواب : لابد أن تتحمل الطبقة المثقفة العراقية أعباء المهمة بعيداً عن سلطة الدولة، وان تفرض شخصيتها المعنوية المستقلة في أدارة تلك الفعاليات الثقافية الوطنية المهمة، وعليها أن تبعد سلطة وتدخلات الرقيب الحكومي..لأن الثقافة الحقيقية هي التي تقف مع الشعب دائماً،  لدعم الجوانب الايجابية، وتخليص المجتمع من الآثار والجوانب السلبية .

اجعل الكتاب صديقك الدائم الذي لا يفارقك، ولا تجعله حبيس المنزل، ضع كتاباً في السيارة، واقرأه كلما سنحت لك الفرصة، في أي مكان وكل مكان، ألا ترى الشعوب الأخرى يقرؤون في الأماكن العامة، والمتنزهات، والمطاعم، وحتى في المستشفيات كبارهم وصغارهم؟ ونحن شعب (أقرء باسم ربك الذي خلق).. والقراءة ليست محصورة بمكان معين كالمكتبة أو المنزل فقط.

فأظهر كتابك أمام عامة الناس كما تظهر هاتفك النقال وتتباهى به، وأنهل من المعرفة والثقافة العامة، ولا تلتفت لمن يقول : يتظاهر بأنه مثقف، لا تخجل من التباهي بصديقك الحقيقي الذي يفيدك دون مقابل، لأن الإكثار من الغذاء مضر، إلا غذاء العقل لا ضرر من الإكثار منه.

لعبة البوبجي بديل الكتاب

لعبة «البوبجي»، اليوم حققت شهرة واسعة بين الشباب، ليس على نطاق الوطن العربي فحسب، بل في جميع أنحاء العالم، ففيها ترى مشاركين من كل الجنسيات، واستطاعت هذه اللعبة النووية أن تسيطر بقوة على ساحة الألعاب في العالم، وكانت سبباً أساسياً لعزلة كثير من الناس والعائلات في البيت الواحد، ومن أسباب انتشار هذه اللعبة هو عامل التسلية، وأوقات الفراغ لدى معظم الشباب، كذلك الملل وعدم وجود عمل للانشغال به، مشاكل اجتماعية، والعامل الأساسي للجوء الأفراد أليها هي النشوة النفسية التي يحصل عليها اللاعب من خلال هذه اللعبة، المشاكل الأسرية والزوجية على حد سواء، أيضاً جو يفرضه الأصدقاء، والهروب من عالم الواقع إلى العالم الافتراضي .

يوم وطني للقراءة

ألان أصبح لدى العالم يوماً خاصاً لكل شيء تقريباً، لكل فرد من أفراد الأسرة، للأصدقاء، للمياه والكهرباء، للمعلومات والصحة والمرض، نعم حتى إن الأمراض لها أيامً مخصصة في جدول العام، فهناك اليوم العالمي للسكري، والتوحد، والسرطان، والقولون، والزهايمر، والصداع، والتوتر، واضطراب نبضات القلب.. واليوم العالمي للغة العربية، والإنجليزية، والإسبانية، وماذا عن الموسيقى؟ نعم اليوم العالمي للجاز، والروك، وموسيقى الأشجار والعصافير والشلالات.

نعم هناك مناسبات لها أهدافها الجيدة فعلًا، فمثلًا إنه لأمر مستحسن أن يكون هناك يومًا وطنياً للربيع يوحد العراقيين، لكي نحتفل به جميعاً، ويوم وطني لتحرير العراق من البعث، ومن داعش، ومن المحتمل نحتفل بيوم تحرير العراق من الفاسدين، بعد أعادة أموال العراق المنهوبة .. وربما نخصص يوم للقراءة يحتفل فيه العراقيون في مهرجانات شعبية من شماله إلى جنوبه وكل واحد فيهم يمسك كتاب بيده اليمنى يهنئ بعضهم بعضاً في هذا اليوم المجيد، ينثرون الورود والزغاريد ويوزعون الحلوى في الشوارع والمهرجانات بهذه المناسبة السعيدة، بدل من توزيعها في المأتم الشخصية وشبه الرسمية... كيف لا والعالم يحتفل كل عام بعيد الحب و بمرض ألزهايمر، وبعيد الطفولة، وبالأسرة، نعم لأن الأسرة اللبنة الأولى للمجتمع ويحتاج أن تتذكرها، كما تتذكر أمك، وتتذكر الماء الذي تشربه، والأشجار التي تحيط بك، والشعر الذي تقرؤه، واللغة التي تتحدث بها، ولكن .............. متى نقرأ ؟

 

 شاكر عبد موسى الساعدي/ العراق/ ميسان

 

823 لورنس (1885 – 1930) D.H. Lawrence

اختارها وترجمها عن الإنگليزية بتصرف

مصدق الحبيب

***

- الروح الإنسانية تحتاج الجمال أكثر مما تحتاج الخبز.

- ليس هناك تواضع وجمال أكثر ما في الوردة رغم ان جذورها تمتد في الوحل وغذائها من روث الحيوانات.

- ما لجمال إلا شعور وتجربة اذ انه لا يتقرر بقالب ثابت ولا بملامح محددة، بل هو الوهج وحرارة الإحساس بالنقاء والصفاء والرقة.

- الذي يبحث عن الحب يثبت لنفسه انه غير قادر على الحب، وإلا فاذا كان محبا ومحبوبا فلا حاجة له في البحث عن الحب.

- اذا لم تمتلك المرأة لمسة خفيفة من الدلع، فإنها ستصبح جافة كالعصا.

- كلما اشتد لهيب نار الحب بين حبيبين كلما تعمقت الثقة بينهما وكلما ازداد الخطر، ذلك ان منح الثقة الكاملة لأي طرف هي المشكلة لان كل منهما يبحر بسفينته الخاصة حتى لو أبحرا في نفس البحر ونفس الاتجاه. ومع ذلك يبقى الحب الموثوق أعظم التجارب الإنسانية.

- المال يفسدك إذا ملكته ويذلك إذا فقدته.

- الاخلاق والقيم والعدالة والحق مبادئ لا تتغير مع الطقس ولا تختلف مع أيام التقويم.

- ثق بالقصة ولا تثق بالقاص ذلك ان مهمة الناقد اللائقة هي انقاذ القصة من القاص الذي اختلقها.

- ليس النقد الادبي سوى سجل لمشاعر الناقد، ذلك ان النقد ليس بعلم، انما هو مبني على قاعدة من القيم التي يرفضها العلم اصلاً. فالنص الادبي يحاكم وفقا للعواطف، وما نراه حول الشكل والمحتوى والصيغة والنمط قد لا يكون سوى رطانة عقيمة.

 

 

سوف عبيدتمتاز الحركة الشعرية في تونس بالتنوّع سواء في مستوى لغة القصائد أو في الأشكال الفنيّة وكذلك في تعدّد المضامبن وهذا ما يجعل المدوّنة الشعرية التونسية مختلفة المباني ومتعدّدة المعاني وقد لاحظنا ذلك بمناسبة الأمسية الشعرية التي نظّمها نادي الأدب بجمعية اِبن عرفة الثقافية يوم الجمعة 29 مارس 2019 والتي جمعت أصواتا شعرية متنوعة  لعلها تشبه الباقة التي تتشكل فيها شتّى الورود والزهور أو كالسنفونية التي تنضمّ فيها عديد الأصوات والأنغام في تآلف وانسجام وهذا ما يؤكد المسار الذي دأبت عليه الحركة الشعرية في تونس وهو مسار يمتاز يالتعدد والاختلاف بحيث أنّ كل تجربة شعرية تكاد لا تشبه أخرى قالشعر التونسي  شجرة محتلفة الأغصان متعددة الثّمار

***

الشّاعر عبد الحكيم زريّر

814 عبد الحكيم ريرهو شاعر زَجل نشر عدبد الدواوين وكتب في مواضيع الجدّ والهزل من النّقد الاجتماعي والسياسي إلى الغزل وحتى استعراض أصناف الطعام

فقد تمكن من الإحاطة بمختلف المواضيع بفضل قدرته على اللسان اليومي التونسي الأصيل وإضافة إلى ذلك فق أصدر كتبا تعليمية في اللغة العربية وكتب أبضا بعض القصائد العمودية بالفصحى وحتى باللغة الفرنسية والإنقليزية

 قصيد ـ الزِّينْ يْفَرَّقْ

الزِّينْ يْفَرَّقْ

فِيهْ الِّي نِيرَانُو تْحَرَّقْ

وْفِيهْ الِّي وِدْيَانُو تْغَرَّقْ

مْلَوَّنْ مَا عَنْدُو هَوِيَّة

زِينْ جْبَالِي

فَرْفَشْنِي وْبَهْذِلْ بْحَالِي

تْمَلَّكْ وَاقْعِي وْخْيَالِي

شْرَبْنِي وْشَيْ مَا خَلَّى فِيَّ

زِينْ حْمَايِدْ

مِتْفَوَّقْ مِنْ غِيرْ شْهَايِدْ

لاَ لْبِسْ مْڤايِسْ لاَ حْدَايِدْ

وَهْرَة وْهِيبَة وْ فَنْطَازِيَّة

زِينْ سْبَاسِبْ

حُبُّو فِي مَكْنُونِي رَاسِبْ

مْعَذَّبْنِي وْمَا نِيشْ مْحَاسِبْ

نَعْمِلْ نَاسِي يْفَكَّرْ فِيَّ

زِينْ سْهُولْ

مِتْمَوِّجْ كِي بْحَرْ سْبُولْ

خَلاَّنِي مْرَهْوِجْ مَزْطُولْ

نَاسِي أَهْلِي وِامَّالِيَّة

زِينْ سْوَانِي

بْعِطْرْ زْهُورُو مْلِكْنِي سْبَانِي

مَقْوَى خْمُورُو يَا وْخَيّانِي

سْكِرْتْ مْضَيَّعْ كُلْ ثْنِيَّة

زِينْ حْدُودْ

لَحْظُو بْرَقْ بْلاَشْ رْعُودْ

صَايِدْ حَبْ بْلاَشْ بَارُودْ

صَادْنِي وْمَا جْهِزْ عْلِيَّ

الزّينْ البَحْرِي

نْسَايْمُو سِكْنِتْ فِي نَحْرِي

مْبَدَّعْ مِتْفَنِّنْ فِي سِحْرِي

غْرُفْنِي وْمَا رَسَّاشِي بِيَّ

الزِّينْ الـﭭِبْلِي

مْحَذَّرْنِي مِنُّو الِّي قَبْلِي

وَانَا مْحَذِرْ مِنُّو شِبْلِي

رْيَاحُو عَاتِيَة وْقْوِيَّة

وِالْجَنُوبِي

مْعَرَّضْلِي فِي كُلْ دْرُوبِي

آسِرْنِي بْكِلْمِةْ مَحْبُوبِي

بْنَظْرَة يِتْحَكَّمْ فِيَّ

زِينْ صْحَارِي

وَهْجُو حْرَقْنِي شَعْلِلْ نَارِي

مَهْمَا عْمَلْتْ نْحِبْ نْدَارِي

يِغْلِبْنِي وْيُظْهُرْ عْلِيَّ

زِينْ الصُّوَّة

شْرَفْ وْهِمَّة وْصَبْرْ وْقُوَّة

فِي كِلْمَة، مُولاَتُو حْلُوَّة

عَسْلَة صَافِيَة بَرِّيَّة

زِينْ سْوَاحِلْ

بْخُلْخَالُو الْمَايِلْ عَالْكَاحِلْ

مْغَرَّقْنِي وْلْتَوَّة وَاحِلْ

فِي رْمَالُو الِّي غَرِّتْ بِيَّ

زِينْ زْنُوجْ

رَهْوَجْنِي خَلاَّنِي نْمُوجْ

مْدَوَّخْنِي لْتَوَّة مَخْلُوجْ

ﭭلْبِي دَڨ وْصُلْ الْمِيَّة

زِينْ قْصُورْ

فِيهْ شْمُوسْ وْفِيهْ بْدُورْ

وْفِيهْ نْجُومْ فِي فْلَكْ تْدُورْ

شُفْتْ خْيَالُو بَدَّعْ بِيَّ

الزّينْ الْبَلْدِي

نَبْقَى نَحْكِي عْلِيهْ لْوِلْدِي

لاَهُو سِنْدِي لاَهُو هِنْدِي

مَعْرُوفَة بِيهْ الْبَلْدِيَّة

زِينْ عْرَبْ

خُنَّارُو آشْ عَبَّا كْتُبْ

مَنْقُوشْ وبِحْرُوفْ ذْهَبْ

زْرَعْ الْغِيرَة فِي الْغَرْبِيّة

التُّونْسِيَّة

كَامْلَة حُرَّة وْذْكِيَّة

عِلْمْ وْفَنْ وْمَفْهُومِيَّة

بِنْتْ بْلاَدِي فِي عِينَيَّ

***

الشّاعرة سونيا عبد اللطيف

815 سونيا عبداللطيفأصدرت مجموعتين شعريتين وفي قصائدها انتصار للحرية وتصوير لملامح الحياة اليومية وفي نصوصها بحث عن الأشكال الجديدة من بينها شكل قصيد الومضة وفي هذه القصيدة تعبر بوضوح عن تبنيها للقضية الفلسطينية وتشهر بالمواقف العربية التي تقف عائقا دون تحرير فلسطين

قصيدة ـ القدس

والشّمسِ التي سعّرتْ

ومُهجتِها التي اشتعلتّ

وسياطِها التي توهّجتْ

والبسمةِ التي اغتصبتْ

وفلسطينَ التي ذبّحتْ

وشعبِها الأبيّ العنيد

عصافيرُ الحجارة العتيدة

لم تنتهِ

أقسمتْ بالجنّةِ لا ولن تنحيَ

ستظلُّ تحاربُ الظّلم  إلى  آخرِ الرّمن

إلى الأبدِ

الظّلامُ يا نسورُ حتما سينجلي

وتحيا مغارسُ التّينِ و الزّيتونِ

لترى العزّ من جديد

كما كانتّ في الأزلِ

وهذه الحلازينُ فوق الرؤوس

مازالتْ ترتشي وتنتشي

بمدّ حزمِ الدّولارات

وقلائدِ الذّهب

تحت السرّة أو تحت الإبط

وأياديهم ملطّخةٌ بذاك السّائل الأحمر

ويْحها ! مازالت تتصافحُ ولم تستحِ

كاللّقلق الذي قضّى الدّهرَ يلحس الصّحون

ولم يحتسِ

وبالذّلِّ مازال يرتضي

ثمّ يقسمُ بسمكة أفريل ويختفي

وبالخسارة ورجمِ الأبرياء يحتفي

فلسطينُ...

بيييييعتْ... بيعتْ يا عصافير

منذ صفقة بعقود بيع الذمّة

ويا للحسرة

عُمْيٌ... بُكْمً... صُمٌّ

كلُّ العرب

من سيعيد القدسَ

ويعيد لها قبابها العسجد ؟

وحدها النّوارس الفتيّة

على العهد وفيّة

تُقاوم العدوّ بشتّى السّبل

تزرع الشّوك في حناجر آكل الجماجم

يسقونهم خمرا من عصير العلقم والحنظل

القدس يا....

القدس يا .......

تفدى بالرّوح و الدّم

ولا تباع بمال او بالذّهبـ

***

الشّاعر محمد القماطي

816 محمد القماطيوهو فنّان تشكيلي أيضا يكتب نصوص الشعرية باللغة الفصحى والعامية وبالفرنسية وفي قصائده ينحُو إلى نقد الواقع السّياسي والاِجتماعي سواء المحلّي أو العربي لكنّ ذلك الإلتزام لا يمنعه من البوح بوجدانه الغزلي حينا ومن التعبير عن حنينه إلى مرابع طفولته بما تزخر به من شجون وذكريات ونلمح ذلك بوضوح في قصيدته ـ الحُوش ـ وهي باللسان العامي التّونسي إذْ يستحضر فيها الأشخاص والوقائع والتفاصيل التي عاشها في أركانه سنوات الصّبا كأنّه يقف على الأطلال

قصيد ـ ياحوش أمّي ـ

يا حوش ما فيك امي

بلا ريح داير عجاجة

لا نشكي فيك همي

ولا تنقضى فيك حاجة

يا حوش امي

كل تركينة فيها انفاسك

غاد الطبونة دخنها عجعاجي

و منا السقيفة تملأ و اتفرغ

ماشين جايين من أضيافك

شكون قال اليوم باش تتبلج

يا حوش امي

براد اتاي المكشكش

و الكانون نار وجاجة

المنسج و الخلالة و الوشوش

وزغاريد النساجة

والبخور ريحته اترهوج

إتخلي الرجالة في حالة

يا حوش امي

وينهي ارانب و دجاجه

وينهي قطاطسة و كلابة

وينهي عبايتو بجرانة

فاطمة و زهرة و دادة الحنانة

يا حسرة كيف كانت مليانة

ياحوش امي

وينهي ريحة الماكلة الفائحة

الكسكسي و الكسرة المغلوقة

والعصيدة بالوزفة الشائحة

والبسيسة بالاقمي اتزهي لخلوقة

يا حوش امي

محلى حركت امي في حوشها

محلى مشيتها والحنة في كفوفها

ومحلى ضحكتها على فمها سواكها

وينهي تكللتها و اخراصها

وينهي فوطتها و ثوبها و احوالها

ياحسرة على زين امي و خيالها

ياحوش امي

وينهي هاك اللمة

وينهي السهرية

معى الخالة و العمة

وبابا و سيدي وصحن الغلة

شوي تاي و ضحكة و كلمة حلوة

محلاها سهرية بلي فمة

يا حوش امي

اليوم يا حوش امي وينك

ما قعد فيك كان الحجر

لا عاد لمة ولا عيد عيدك

خالي و بابك امسكر

لا زائر ولا اشكون اريدك

انا بعيد خرشي متنكر

ما عاد اتفيدني ولا نفيدك

خليك انت امسكر….

وخليني غريب و بهمي ما انزيدك..

يا حوش امي….

***

الشّاعرة زهرة الحواشي

817 ليلى الحواشيأصدرت ثلاث مجموعات شعرية وكل مجموعة تضم ثلاثة أقسام هي قصائد بالفصحى والعامية التونسية وبالفرنسية وفي نصوص الشاعرة تعبير واضح عن إدانة الاستبداد والظلم الاجتماعي مع تصوير لشجونها الذاتية

 

Si un jour je t'aimais

 

..... Mes rêves deviendraient réalité

.....Que de lettres je t'écrirais

....Comme nos ancêtres se faisaient

......Dans le grand azur

.....Nous nous embrasserions

....... Et dans sa douce fraicheur

.... Ensemble nous fondrions

.... Vers les étoiles l'eau nous empoterait

.....Tels deux anges

.....Sans soucis sans patrie

.... Sans toi

.... Sans moi

.... Sans toit

..... Sans poids

.... Seule notre flamme d'amour

.... Nous bénirait nous entourerait

....Nous ferions l'ombre des dieux sur terre

...... Vers les cieux envolés

..... A chaque aurore .aux humains retournés

.....Leur apprenant à aimer

... A chanter l'amour en fidelité

....Aprés s' être tendrement égarés

.... Dans ce merveilleux rêve qui brillait

.... En emblème nous envahissait

... Célébrant la gloire du frémissement

..... Et d'orgasme jusqu'à l'évanuissement  .

***

الشّاعرة منية جلال

818 منية جلالشاعرة قررت بعد تردد أن تخرج من صمتها وتتهيأ لإصدار ديوانها الأول وفي هذه القصيدة استحضار لأسطورة شهرزاد وشهريار حيث جعلت منهما رمزا للتعبير عن موقفها المنطلق من الحرية والاعتزاز بالذات وفي القصيدة إدانة واضحة لجبروت النزعة الذكورية المهيمنة في التاريخ

قصيدة ـ  ليست النّساء سواء

قال ذات مساء

" أنت حواء....و أنثى حواء !....

و كل حواء ليست إلا خدر عشق و هواء "

عذرا يا شهريار النساء

أقم ولائمك عند العشاء و بعد العشاء

أذب هواك و ذب مع كل الأهواء

و غازل ما طاب لك من النساء....و الأسماء.

بدء من الألف وصولا إلى الياء

عذرا يا شهريار النساء:

أنا حواء....و أنثى حواء...

و لكن تذكر: ليست النساء سواء

و أنني لست ككل النساء

و أن اسمي وحده كاف و رب السماء

فأنا الميم:

و الميم حرف....حرف المدى....

فالأرض مدى....و الأفق مدى

و أصل المدى ميزان الحياة

و أنا النون:

و النون حرف....حرف الندى

فالشم ندى....و السمع ندى....و البصر ندى....

نور الضياء....نور السناء

و لو لا الضياء ما ازدان المدى....

و أنا الياء:

و الياء حرف....حرف اليقين....يقين الشعراء....

بأن الحب انتماء....و جنة عدن الحياة

عرضها الأرض و السماء

جنة رواء و ارتواء

تختصر المدى....و تختصر الصّدى

عطاء موفورا....و حسن جزاء....

لأهل الهوى....

و أما التاء....و أنا التاء

و التاء حرف....حرف الترتيل....حرف التبتل

حرف المبتدئ و المنتهي....

حرف التجلي....تجلي الأصفياء

كما المعراج و الإسراء....

هذه مفاخر اسمي يا شهريار النساء

فكيف بي ؟....و بروحي اللتي تضارع الضياء

تصافح نجوم السماء؟

و بروحي القدسي الذي ينير الفضاء يعانق الشهب و السنا؟

عذرا يا شهريار النساء....

فبيننا فواصل و نقاط و حروف ليست سواء

و قدحي و قدحك كأسان:

كما الجنة و اللّظى....

كما الداء و الدّواء

كما البقاء و الفناء

***

819 ليلى حمديالشّاعرة ليلى حمدي

صدرت لها مجموعة شعرية أولى بعنوان ـ اِمرأة ...أحيانا ـ وهي ذات أبعاد   وجدانية زاخرة بمعاناة المرأة المعاصرة التي تعبّر عن آلامها وآمالها مستحضرة الطفولة باِعتبارها الجنّة الضّائعة وفي شعرها تعبير عن وضع الإنسان المأزوم في عصر التناقضات والتحدّيات

قصيد ـ تقيم خيامك في الغيم

لا أراك ...

تنهش ارتياب الذاكرة

لا أراك ...

بؤر تستتر بحدقة طفل

تكبله خطاك

كيف

كيف..... اراك !!!

كن شاعرا ايها القلب

ومرر عقارب ذهول الزمن

كن شاعرا

لينشغل عنك المستحيل

كن شاعرا واصقل بيديك النزيف

واعتصر من غمامك

مطرا..

لتمطر

كن شاعرا ايها القلب

كطيف مسافر

كذريعة المجاز في خمر الكلام

كحلم يسل من حلم

كن

شاغرا ...

كحرف مكسور

كزنبقة يقصر وصفها او يطول

كالظلال تمتد من عطر الذاكرة

الى اتقاد العناصر

الى ..هشاشة الفصول

كن شاغرا ايها القلب

بعيدا

كتجاوزات الخيال

من هنا ...مروا

وكنت الممر

من هنا عبروا.. وسحبوا مراكبهم

وتركوا الصور

كن شاعرا ايها القلب

او شاغرا

كي لا تعلو فوق البحار أحزانك

ولا تتساقط داخلي موجا

فتنكسر

***

820 سمير مجيد الباتيالشّاعر سمير مجيد البياتي

هو شاعر وفنان تشكيلي أصدر مجموعتين شعريتين وكتابا عن الفن التشكيلي التونسي وأقام عديد المعارض في تونس والأستاذ سمير مجيد البياتي عراقي متخرّج من كليّة الفنون الجميلة ببغداد وهو مقيم بتونس منذ سنوات عديدة وهو عضو في عديد الجمعيات الثقافية التونسية ومساهم في الحركة الثقافية ويمتاز شعره بالإيجاز واللّمح والدّهشة والحنين إلى العراق وقصيدته الأخيرة هذه كتبها بمناسبة غرق 100 شخص في عبارة بالموصل في شهر مارس 2019

قصيد ـ العبّارة

كلُّ شيءٍ في العراق قد تغيّر

أولها:

الإنسانُ الذي يكره الإنسانَ حدَّ القتل.

وثانيها:

الطبيعةُ.. التي ودّعت وانتحبت وندبت نخيلَها وثمارَها بقبورٍ جماعية

وثالثها:

النهرُ.. الله يا نهرَيْ دجلةَ والفرات

كم تغنّينا بكما

يا دجلةَ الخير

كم عشقنا عذوبةَ مائِك

كم اطعمتَنا بألذِّ الأسماك

وخلقت لنا أجمل الضحكات

أنت أيها النهرُ الحنون

لماذا.. لماذا كلُّ هذا الغضب

نحن لم نسمِّمْ ماءَك وأنت تعرف

ولم نقتلْ أسماكَك.

تعاتبُنا وتغضبُ كلَّ هذا الغضب

لماذا تنسى..

هل فقدتَ ذاكرتك

لماذا كلُّ هذا الجنون

هل تبحث لك عن موطنٍ آخر

لماذا بتَّ تكرهُنا كلَّ هذا الكره

نحن معك.. وأنت على حق

كلُّ شيءٍ قد تلوَّث

كل شيء قد تدمَّر

النهرُ يا إخوتي قد تسمَّم

حتى باتت الأسماكُ لا تحبُّ النهر

والنهرُ لا يحب الأسماكَ ولا البشر.

 

سُوف عبيد

 

ضياء نافعكان يمكن لعنوان هذه المقالة ان يكون – شبّر/ عارف / القرة داغي، اي حكمت شبّر ومحمد عارف وكامران القرة داغي، وكان يمكن ايضا ان يكون –  ثلاثي لينينغراد العراقي ومصيره، وكان يمكن ان يكون ايضا - و ببساطة - حلقة جديدة برقم جديد ليس الا في سلسلة مقالاتي عن (عراقيين مرّوا بموسكو)، والتي احاول ان اسجّل فيها تاريخ العراقيين، الذين درسوا بروسيا في النصف الثاني من القرن العشرين فصاعدا، والذين لم يكتبوا هم انفسهم – وكما ينبغي ان يكتبوا - عن تجربتهم و تاريخهم الممتع والجديد في مسيرة المجتمع العراقي، وكذلك لم يكتب عنهم – مع الاسف – الآخرون ايضا بشكل عام، ولا عن دورهم اللاحق (والمبدع) في مسيرة الحياة العراقية بعد تخرّجهم، والذين (طمغتّهم! رسميّا وشعبيّا) النظرة العراقية الساذجة جدا ب (الطمّغة) (والطمّغة باللهجة العراقية تعني الختم) الماركسية – اللينينية – الستالينية - السوفيتية، وهي نظرة، أقل ما يمكن وصفها، انها بليدة بكل معنى الكلمة، والتي لازالت الى حد ما قائمة (وبشكل من الاشكال) رغم انف كل الحقائق الموضوعية (وغير الموضوعية ايضا) مع الاسف الشديد .

ثلاثي لينينغراد تبلور صدفة وفي اطار جامعة لينينغراد العريقة اوائل الستينات من القرن العشرين، اذ تم ارسال هؤلاء العراقيين الثلاثة للدراسة في تلك الجامعة، وهم حكمت شبّر- للدراسة في كليّة القانون (قسم الدراسات العليا)، ومحمد كامل عارف للدراسة الاولية في كليّة الصحافة، وكامران قرة داغي للدراسة الاولية في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها). جمعتهم قبل كل شئ عراقيتهم طبعا واختصاصاتهم في العلوم الانسانية عامة والسكن في نفس الاقسام الداخلية للجامعة، و لكنهم – مع كل تلك العوامل - اصبحوا قريبين الى بعض بعد ان اكتشفوا ان افكارهم (واحلامهم الفكرية ايضا) توحّدهم . يقول البعض انهم جميعا كانوا يساريين، ولهذا اصبحوا قريبين الى بعض، ولكن معظم الطلبة العراقيين آنذاك كانوا يساريين بشكل او بآخر، فلماذا برز هذا الثلاثي اللينينغرادي بالذات؟ . لقد وحدّتهم بذرة الابداع، التي كانت كامنة في اعماقهم، فمحمد كامل عارف كان قاصا عراقيا واعدا وصحافيا حتى قبل ان يصل الى الاتحاد السوفيتي، وحكمت شبر كان يحلم (في اعماقه) ان يكون شاعرا، رغم انه كان خريج كلية الحقوق (هكذا كان اسمها آنذاك) من جامعة بغداد ويملك الحق ان يكون محاميا في العراق، وكامران قرة داغي كان مشروعا لكاتب في مجال الترجمة و الصحافة، حيث يمكن ان يستخدم عدة لغات كان يتقنها آنذاك بشكل رائع، وهي الكردية (لأنه كردي) والعربية (لأنه عراقي) والانكليزية (لأنه درس في كلية بغداد الشهيرة)، وأضاف الى تلك اللغات عندئذ اللغة الروسية. وساهمت الاحداث التي كانت تحيطهم في الاتحاد السوفيتي بتقريب بعضهم الى البعض ايضا، فبعد انقلاب 8 شباط 1963 تأسست لجنة الدفاع عن الشعب العراقي برئاسة الجواهري الكبير خارج الوطن، واصبح هذا (الثلاثي!) نواة هذه اللجنة في لينينغراد، ولم يكن ذلك عفويا بالطبع .

بعد انهاء الدراسة، عاد الثلاثي الى بغداد، واصبح الدكتور حكمت شبّر استاذا جامعيا في كلية القانون وصدرت اطروحته بالعربية ضمن كتب وزارة الثقافة والاعلام، واصبح محمد كامل عارف صحافيا بارزا وارتبطت باسمه صفحة (آفاق) التي أسسّها في جريدة الجمهورية البغدادية، والتي لعبت دورا متميّزا ورائدا في مسيرة الصحافة العراقية والثقافة العراقية آنذاك ، واصبح كامران قرة داغي مترجما حرّا في الصحف والمجلات والاذاعة والتلفزيون والمركز الثقافي السوفيتي، مترجما يشار اليه بالبنان، كما يقول التعبير العربي الجميل، اذ ارتبط باسمه عمله الابداعي المستقل كمترجم، اي خارج التعيين الرسمي في الدوائر الحكومية كما كان يسعى الجميع، وهو موقع جديد ومبتكر خلقه كامران نفسه لحاضره ومستقبله . واستمرّت علاقات الصداقة والودّ و التواصل بين ذلك الثلاثي اللينينغرادي في بغداد مثلما كانت في لينينغراد، وكنت شاهدا - من بعيد - على ذلك التواصل الجميل بينهم في بداية السبعينيات ببغداد ، رغم اني لم اكن قريبا جدا – نسبيا- من ثلاثي لينينغراد ذاك .

 لكن الرياح العراقية تجري عكس ما تشتهي سفن العراق المحمّلة بثروات وادي الرافدين، اذ ان مقود تلك الرياح بايدي مراقبين خارج الحدود الجغرافية لدجلة والفرات، وهم الذين يوجّهون اتجاهاتها حسب رغباتهم ومصالحهم، و هبّت تلك الرياح – وبقوّة شديدة - من خارج الحدود و(طشّرت) الثلاثي اللينينغرادي العتيد، وليس فقط الثلاثي ...

لازال (أقطاب!) هذا الثلاثي يتفاعلون مع الحياة بحيوية وابداع كل من موقعه الجديد، ولازالوا يتواصلون مع بعض من بعيد ومن قريب ايضا، رغم ان عواصف تلك الرياح اللعينية فرّقتهم عن بعض ...

كم اتمنى ان أقرأ يوما ما  ذكرياتهم عن مسيرتهم باقلامهم هم، اذ ان هذا يعني، اننا سوف نقرأ  صفحة في غاية الاهمية في تاريخ العراق المعاصر، وصفحة رائعة الجمال في تاريخ المذكرات...

 

أ. د. ضياء نافع

 

رحيم زاير الغانمفي ظلِّ الحراك الثقافي الذي نشط في فترة ما بعد التغيير برزت للعلن أسماء وعناوين لفتت لها أنظار الجميع، وبدأت تتصدر المشهد برمته، حتى بات المتتبع العادي أو المختص، يهدر من وقته الكثير لمتابعة ما ينتج عنها، لكن المتتبع فوجئ بانهيال كم هائل كنتاج مرحلة ما بعد التغيير، أصبح من الصعوبة مجاراتها قرائيا وفرز غثّها من سمينها، كيف به ان احتاج الأمر بالمتتبع ان اراد فرز النوع الفاعل من هذا (الكم) الذي صار عامل من عوامل صرف ذهن المتلقي عمَّا تجود به الطاقات الحقَّة على اعتبار أنها تمثل النوعي المائز، لكن ما تم كشفه من تشاكل النتاجات وتعالقها  أربكت  المشهد الثقافي برمته، ليتبلور توجه جديد كردة فعل تجاه ما أفرزته المرحلة.

في الحقيقة الوهن الذي أصاب المنظومة الثقافية وأن أشرنا إلى أسباب تناميه في مقال سابق، ولا بأس في التذكير ببعضها لصلتها بجوهر ما سيتم طرحه، فمن جملة الأسباب غياب المؤسسة الرصينة التي ترعى النتاجات الثقافية بمختلف توجهاتها، (أدب، فكر، فنون، علوم حديثة، نظريات اقتصادية.....الخ)، ليس من المستبعد انحطاط ثقافي يضرب اطناب الوسط النوعي، لمزاحمة الكمي / الرديء،  من خلال تصدي بعض الإفراد للحراك الثقافي في فترة ما بعد التغيير بخلفيات ثقافية بسيطة جنبا إلى جنب مع الطاقات المتنورة/ ظاهرا ومضمونا، عدا ذلك تصدرها المشهد، التي لا تنم عن عدم إدراك ووعي لخطورة التحديات من قبلها فحسب، بل خطورة عزوف النوعي عن مجاراة الآخر/ التحدي وما ينتج عنه، من مواجهة مستقبلا، ولا نجامل من تقاعس المثقف الحقيقي وانكفاءه على نفسه وترك دفة الثقافة لتديرها فزاعات برداء وعصا تبيض على عصفورة أم رأسها الطير ولا ردة فعل غير الزعيق والنعيق، من دون شعور بالمسؤولية الأخلاقية اتجاه طرح الأفضل للساحة الثقافية، وما دمنا لا نقدم النموذج الحقيقي لقيادة المؤسسة مفترض الفاعلية بمواصفة رأس الهرم، صاحب الرؤية والفكر النيِّر، قد لا نمتلك القدرة على إحقاق النوع الثقافي الأصيل، على قاعدة، (فاقد الشيء لا يعطيه)، ان الخوض في هكذا موضوعات فيه دعوة للجميع إلى  مراجعة الذات، وخلق الأجواء الثقافية الملائمة، لكي نستعيد ثقة المتلقي بنا مجددا ما دامت الورش في مختلف المحافظات العراقية تتبنى عزوف مختلف الفئات عن تلقي المعرفة، ممثلة بقطيعة دائمة مع القراءة والاطلاع، إذ عُدَّ الكتاب آخر الهم، وهنا يأتي الدور التنويري للمثقف النوعي، فالنوع لا يقف عند حدّ النتاج فقط، بل ان من واجباته التصدي، عبر إبراز أهمية العقل، ان القراءة لا تتجمد عند حقل من دون حقل ثانٍ،  لكي تتسع المدارك العقلية والمعرفية التي نتأسف لتقويض فعلها في أذهان فئة الشباب، هذه الفئة المهمة والفاعلة في بناء الوطن والإنسان وما قد يناط  بها من حمل راية التنوير في الميادين كافة.

ولا نبغي دورا للشباب في نطاق الحقل الأدبي أو الفني، وإنما مطلبنا يتعداه إلى حقول  في، (العلوم والاقتصاد والتقنيات الحديثة) التي أصبحت عصب الحياة، وفضاء رحب لتقدم الأمم، الذي يمكننا من خلاله رفع قدراتنا المعيشية والانتعاش الاقتصادي.

قد يتبادر إلى ذهن البعض ان خطابنا  موجها الى مؤسسة بعينها، أو انه يخص في بعضه مؤسسة من دون غيرها، ان عجلة الثقافة لا تقف عند عتبة أو تتجاوز شريحة ما ، بل تتعداها إلى مختلف التوجهات، من اجل خلق فهم جديد عن الثقافة، الثقافة ليست كلمة تطلق جزافاً فهي ليست عنوانا مؤسسي خامل، او وظيفي ينتهي دوره بمجرد اكتمال تحققه، الثقافة فعل، ولكل فعل نتائجه، الثقافة منجز، يمكننا تطبيقه على ارض الواقع، الثقافة بحث علمي لا يافطات تعلق على الجدران، الثقافة إنعاش لفتور الكساد العقلي والعلمي والاقتصادي والمعرفي، الثقافة حياة، فلا سبيل لتوقفها.

مما تقدم يجب التنبه إلى الكم  بمقدار التنبه للنوع، مع مراعاة الكم/ الفائض، عن الثقافة، إي ما يطرح من نتاج ثقافي، والكم الهائل/ الفائض، البشري المستشري في مفاصل المؤسسات الحيوية، الذي ان تمكنا من تدويره لخلصنا إلى حلول سريعة من شأنها بث ثقافة الحياة، في مفاصل هامة ذات جدوى، ويأتي هذا من تمكن  النوعي الثقافي/ الطاقة البشرية الخلاقة، إدارة وفق رؤية واضحة غير مشتتة، في اقتصاد للموارد والطاقات، وبهذا نكون قد وصلنا للمبتغى، مع مراعاة تقويم وتنمية الكم/ الفائض، من اجل دفع عجلة الحياة، فليس الهدف إقصاء الآخر بقدر توفير فرصة حقيقة له ليعرف نفسه ومستوى إمكاناته، ولنعمل معه لتنميتها، وليس بغريب فقد نجده في يوم ما يتصدى بفهمه الجديد وفق منهج علمي الذي سيمنحه الكفاءة المرجوة.

 

رحيم زاير الغانم

 

شاكر فريد حسنيافا عروس زهت، وحضارة سطعت في فضاء فلسطين، واعتبرت عاصمة ثقافية لها بدون منازع . وقد شكلت مركزًا ثقافيًا وفنيًا هامًا، ففيها أقيمت دور السينما والمسارح والأندية الثقافية والأمسيات والأنشطة الثقافية والفنية المتنوعة، وفيها صدرت الصحف والمجلات الأدبية والفكرية، كالجهاد والدفاع وفلسطين والكفاح والحوادث والحرية والجبل والحرية والحقوق والجريدة والمستقبل والأخبار والاقدام ونداء الارض والصراط المستقيم وصوت الحق وغير ذلك .

وزارها الكثير من الفنانين الكتاب والشعراء والمثقفين العرب، وغنت فيها كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم، وأحيت عدة حفلات فيها، بعد ان وصلت ميناءها في شراعها الخاص، وصدح صوتها في أروقتها بحفلة ساهرة بقاعة " أبولو " التي ازدانت واجهتها المركزية بتمثال لها .

ومن الذين زارها من الفنانين كان محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش وأسمهان ويوسف وهبي، ومن الشعراء والكتاب : توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وميخائيل نعيمة وبشارة الخوري  والجواهري وغيرهم .

 وسوف أتوقف هنا مع الشاعر العراقي الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري، الذي جاءها زائرًا وفي قلبه حبًا وشوقًا كبيرًا لها ولبحرها وبرتقالها وأزقتها . وهو شاعر معاصر من أهم وأبرز شعراء العرب في العصر الحديث، من مواليد العام 1899، وتوفي في دمشق العام 1997 . وقد انخرط في العمل السياسي وكان من مؤسسي الحزب الوطني العراقي . وقد صدرت مجموعته الشعرية الأولى وهو في الخامسة والعشرين من عمره بعنوان " خواطر الشعر في الحب والوطن والمديح "، وتبع ذلك " بين الشعور والعاطفة "، و" ديوان الجواهري " و" بريد الغربة "، و" بريد العودة " و" أيها الألق " و" خلجاتي " وكتاب " ذكرياتي " .

واشتهر بقصيدته "يا دجلة الخير" التي قالها في الحنين إلى الوطن والاشتياق له بعد ان غادره، وإلى دجلته وضفافها واصطفاق أمواجها.

وكان الجواهري قد أتى إلى يافا زائرًا، بعد ان كلفته هيئة الاذاعة البريطانية في النصف الأول من الأربعينات، لإحياء أمسية أدبية وشعرية فيها، ولما وصلها بالطائرة، استقبل بالترحاب، وأقيم له حفل فخم وجميل في " النادي العربي "، حضرته وجوه فلسطينية بارزة وشخصيات ثقافية وأدبية وسياسية واجتماعية اعتبارية، وألقى قصيدته الرائعة " يافا الجميلة " قوبلت بالتصفيق والعيون الدامعة . ونشرت القصيدة في حينه بجريدة " الرأي العام " الصادرة في السادس عشر من آذار العام 1945، ويقول فيها :

بـ " يافا " يومَ حُطّ بها الركابُ

                 تَمَطّرَ عارضٌ ودجا سَحابُ

ولفّ العادةَ الحسناءَ ليلٌ

                مُريبُ الخطو ليسَ به شِهابُ

وأوسعها الرَذاذُ السَحّ لَثْمًا

                فَفيها مِنْ تحرّشَهِ اضطرابُ

و " يافا " والغُيومُ تَطوفُ فيها

                 كحالِمةٍ   يُجلّلُها    اكتئابُ

وعاريَةُ المحاسن مُغْرياتٍ

               بكفّ  الغَيمِ خِيطِ  لها  ثيابُ

كأنّ الجوّ بينَ الشمس تُزْهَى

              وبينَ الشمس  غَطَّاها  نِقابُ

فؤادٌ عامَرُ الإَيمانِ هاجَتْ

             وساوسُهُ   فخامَرَهُ    ارتيابُ

وقفتُ مُوزّعَ النّظراتِ فيها

              لِطَرفي في  مَغَانيها  انْسيابُ

وموجُ البحر يَغسِلُ أخْمَصَيْها

                 وبالأنواءِ تغتسلُ   القِبابُ

و " بيّاراتُها " ضَربَتْ نِطاقًا

                يُخطّطُها كما رُسِمَ  الكتابُ

فقلت وقد أخذتُ بِسِحر " يافا "

                    وأترابٍ ليافا  تُستطابُ

" فلسطينُ " ونعْمَ الأمُّ، هذي

                     بَناتُكِ كلُّها خَوْدٌ كَعابُ

أقلّتني من الزوراءِ ريحٌ

                إلى " يافا " وحلّقَ بي عُقابُ

فيا لَكَ " طائرًا " مَرحًا عليه

                طيورُ الجوّ من حَنَقِ غِضابُ

كأنّ الشوقَ الأرَجُ الثنايا

                 وفُتِّح مِنْ جِنانِ الخُّلدِ بابُ

ولاحَ " اللُّدَّ " مُنبسِطَا عليه

                مِن الزَهَراتِ يانِعة خِضابُ

نظرْتُ بمُقْلةٍ غطَّى عليها

                مِن الدمعِ الضّليل بها حِجابُ

وقلتُ وما أحيرُ سوى عِتابٍ

                   ولستُ بعارفٍ لِمَن العتابُ

أحقّاً بينَنا اختلَفَتْ حدودٌ

              وما اختلَفَ الطريقُ ولا الترابُ

ولا افترقًتْ وجوهٌ عن وجوهٍ

               ولا الَضّادُّ الفصيحُ ولا الكِتابُ

فيا داري إذا ضاقَت ديارٌ

               ويا صَحبيْ إذا قلَّ   الصحابُ

ويا مُتسابِقينَ إلى احضاني

               شَفيعي  عِندهم  أدبٌ    لُباب ُ

ويا غُرّ السجايا لم يَمُنُّوا

               بِما لَطُفوا عليَّ  ولم   يُحابوا

ثِقوا أنّا تُوَحِّدُنا همومٌ

                مٌشاركةٌ  ويجمعُنا   مُصاب

تَشِعُّ كريمةً في كل طَرَفٍ

                عراقيٍّ  جُروحُكُمُ   الرغاب

يُزَكينا من الماضي تُراثٌ

                 وفي مُستَقْبَل جَذِلٍ نِصاب

قَوافيَّ التي ذوَّبتُ قامَتْ

                  بِعُذري إنها قلبٌ   مُذابٌ 

وما ضاقَ القريضُ به ستمحو

                 عواثِرَه صدورُكم الرّحاب

لئن حُمَّ الوَداعُ فضِقتُ ذَرعًا

                 بِهِ، واشتفّ مُهجَتيَ الذَّهاب

فمن أهلي إلى أهلي رجوعٌ

                  وعنْ وطني إلى وطني إياب

وكتب الجواهري في مذكراته قائلًا عن هذه الزيارة : " لقد كانت رحلة من رحلات العمر لا تنسى، مع هذا – وسامحوني – ان أقول، يا ليتني لم أرَ (فلسطين الجنة)، ولو أن وشيجتي بها كانت وشيجة (بشار بن برد) بالأشياء والعوالم، بالأذن لا بالعين، فلكان ذلك أفضل ولكان وقع الفاجعة عليَّ أقل " .

مات الجواهري وبقيت يافا شامخة صامدة، وسيظل هو ويافا القصيدة، الغافية على البحر، في الذاكرة الجمعية والتاريخ الثقافي والأدبي وروايتنا الفلسطينية .

                

بقلم: شاكر فريد حسن     

 

حسام محي الدينإستطاع "سالم بخشي" الروائي العراقي المتألّق في روايته "إنانا ونبّاش القبور" الصادرة عن دار ضفاف في بغداد عام  2018  أن يضعنا على منصّةِ معاناته المجتمعية العفوية، التي تتأتّى من مأساوية المشهد العراقي بين الحرب والموت والظلم والتهجير، في حيرة الرؤيا الوجودية النابعة من أسئلة المصير الانساني التي تحضر في تاريخ كل أمة من الامم، والتي تقدم لنا المعادل الموضوعي لذلك الواقع الذي لا يفتأ يطارد شخصياته في ذواتهم المتشظية بين مشاعر مختلفة من حب الولد والزوج الى حب الوطن والارض، إلى اظهار وحشية الحكام في فترات محددة، وهو – أي الكاتب – في كل ذلك لا يحاولُ اخفاء شخصيته وموقفه الروائي بشكل تام، وانما يظهر بين الحين والآخر كراوٍ عليم داخل كَوْنِ القصّ في اللحظة التي لا تعود الحاجة ماسّة الى سرد الشخصية الروائية بعد أن تستنفد ما يجب ان تقوله . وبمعنى آخر فإن تبادلاً لوظيفة الراوي العليم تنتقل بين مشاهد الرواية بين الكاتب وشخصياته كل على حِدَة، بسلاسة ابداعية لا يكادُ يحسُّ معها القارىء بتبدُّل ضمير الغائب (الكاتب)  بضمير المتكلم (الشخصية) وذلك لانغماسه في تقصي التفاصيل المتسلسلة مع تصاعد الحدث الروائي . واذا ما اشتعلت الرواية بالصور الرمزية بين إنانا والشيطان والخضر وغيرهم والتي تحاول التعبيرعن دلالات مأساوية الواقع العراقي في فترة ما،  فإن  تقنيات الرواية الجديدة قد حضرت بقوة في بِنى النص السردي، فمن ثبات المكان وتماهي الازمنة، الى الانحرافات السردية المتكررة، الى حلقات سردية متداخلة، فضلاً عن كسر النمط الكلاسيكي لصورة البطل الروائي المعروفة، حيث جعل الكاتب شخصيات روايته متساوين في البطولة، ولكلٍّ منهم دوره المؤثر في مجريات احداثها، بما يخدم غاياته الفنية، ويجسدُ كينونة تلك الغاية أصدق تجسيد . وغير ذلك فإن "سالم بخشي" لمس معاناة الانسان العراقي بمطاردته تفاصيل حياته اليومية المُرهقة، والامساك بتلابيبها وتوليفها في سردية طرية العود أطلقها بعدئذٍ إلينا - الى المتلقي او الجمهور – مقتفياً سمات تاريخ المجتمع العراقي عبر سنواتٍ طويلة سابقة ولاحقة لروايته بحيث تصلح لأن تتكلم بإسم العراقي المؤمن الصالح المسالم المقهور في كل حين ومكان من تاريخ العراق الحديث . فمن "رغد" التي تعاني في دفن أبيها، الى الأم (أم حكيم) التي مات أبناؤها وحفيدها في تفجير انتحاري، كما واستشهد زوجها في حرب 1973، الى " ام ثامر " التي ايضاً توفي ولدها، إلى حادثة جسر الكاظم التي أيضاً راح ضحيتها المئات من الشهداء، كان كلُّ ذلك التاريخ والحاضر - وربما لاحقاً المستقبل - المأساوي من الموت سائداً في ثنايا النص السردي للكاتب، الذي كان صوت المعاناة لذلك المواطن العراقي المطحون معنوياً وعضوياً  تحت عباءة الانظمة او السياسات التي تتوالى على التحكم بالبلاد والعباد، والذي - أي الكاتب - نجح  في ايصال موقف وجودي متقدم مما يعتري العالم من حوله .  إنّ قراءةً نقدية وافية لرواية " إنانا ونباش القبور " في عُجالة، لا تحيط بمجملِ سماتها الروائية في اسئلة الدِّين والمحبة والحرب والموت ولكنها بالتأكيد أرضية صلبة لتأسيس وانطلاق إرادة الوصول الى تحديد المصير الانساني والاجابة عن أسئلته التي تُطرح في كل مكان وزمان عبر التاريخ .

 

حسام محيي الدين  / لبنان

 

تعتبر مكتبة الأسكوريال مقصداً لكثير من الباحثين، لاحتوائها على ثروة من الكتب المطبوعة والمخطوطة. وقد بلغت مخطوطاتها نحو عشر آلاف بلغات متعددة. منها حوالي ألفين باللغة العربية. وهو أكبر عدد تضمنته المكتبات في إسبانيا. وليس هذا كل ما تجمّع في أقبية الاسكوريال من المخطوطات العربية مؤخراً حتى اليوم، فبعد بناء الاسكوريال جمعت بعض المخطوطات من القواعد الأندلسية واستمر هذا الجمع حتى أضيفت إليه سنة 1612م ثلاثة آلاف مخطوطة، وبذلك بلغ عدد المخطوطات العربية وحدها في قصر الأسكوريال نحو عشرة آلاف مخطوطة، ولكن سنة 1671م شب حريق أكل أكثر هذه المخطوطات ولم يفلت منها غير ألفين هي المتبقية اليوم.

لقد كانت المخطوطات العربية التي احتوتها مكتبة الاوسكوريال هي صورة ناطقة عن عظمة الحضارة العربية في القرون الوسطى ودليل على دور العرب في الحضارة النسانية .

من هنا لابد من وقفة تامل في قصة المخطوط العربي في اسبانيا وضرورة العناية بالمخطوطات العربية في كل مكان لدراستها والاهتمام بها لما لها من اهمية في تاريخ التراث العربي وتوضيح ابعاد الحضارة العربية . وفي الاندلس ارتبط الكتاب العربي بوجود العرب والقائمين على الحضارة العربية هناك ولكنه لم يخرج بخروجهم وبقى رغم كل الظروف التي مرت .

حيث ان الوجود العربي في اسبانيا استمر لاكثر من ثمانية قرون فان سقوط غرناطة لم يكن نهاية الوجود البشري العربي ولا نهاية التاثير العلمي والثقافي والحضاري العربي في اسبانيا .

قد بدأت قصة المخطوط العربي في الاندلس منذ الفتح العربي مع نهاية القرن الاول الهجري واستقرت باستقرار العرب حتى غدت الاندلس مركزا جديدا من مراكز الفكر والحضارة في تلك الحقبة من الزمن واصبحت قرطبة وغرناطة وطليطلة في حركتها العلمية الثقافية ندا لبغداد ودمشق والفسطاط على ان التفاعل الحضاري والتبادل بينهما كان يسير بشكل منظم، فكانت الرحلات من الاندلس الى المشرق وبالعكس مستمرة، وكانت الصلات التجارية والثقافية متشابكة ومبيرة، ومن خلال هذه العلاقات ولثناء الرحلات انتقل الكتاب العربي وتقاربت المعارف، ومن يتطلع الى نمو الثقافة العربية في الاندلس وخلال فترة زمنية قصيرة يدرك سرعة انتقال الكتاب العربي والجهود الكبيرة التي بذلت في استنساخ المخطوطات التي ظهرت في المشرق العربي، بل ان جهود الامراء العرب في قرطبة كانت كبيرة باتجاه بناء صرح حضاري في الاندلس من خلال:-

اولا:- تشجيع حركة التاليف والترجمة والبحث.

ثانيا:- تشجيع العلماء في المشرق العربي للانتقال الى الاندلس ورعاية اهل العلم والفن للاسراع في هجرة العلماء والمبدعين اللى الاندلس.

ثالثا:- نقل الكتاب العربي واستنساخ المخطوطات العربية التي تصدر في المشرق العربي.

وقد ادى هذا كله الى نشاط ثقافي شامل، ساعد في شيوع الكتاب العربي وانتشاره في دور العلم و المساجد التي كانت جامعات حقيقية . وقد كان عصر الحكم المستنصر عصرا ذهبيا في الاندلس حيث انشئت دور خاصة للاستنساخ فقد جاء في كتاب " المعجب في تلخيص اخبار العرب " لعبد الواحد المراكشي نقلا من كتاب عن اخبار قرطبة (كان بالربض الشرقي من قرطبة) (أي الضاحية الشرقية  -  مئة وسبعون امرأة، كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي ...) هذا في ناحية من نواحي قرطبة فكيف بجميع اطراف الاندلس.

كما كان لحكم المستنصر 250- 266 هجري (961- 976 م) عمالا مكلفون باستنساخ الكتب القديمة ام الحديثة في كل من بغداد ودمشق والاسكندرية، ومن قصص اهتمامة بالكتب انه سمع بتاليف الصفهاني كتابه (الاغاني) فارسل اليه الف دينار من الذهب فبعث الاصفهاني بنسخة من كتابه قبل اخراجه الى العراق .

ان كتابات الباحثين والمستشرقين امثال الدوميلي وتوماس ارنولد وجاك ريسلر تؤكد ان الكتب والمخطوطات العربية في اسبانيا هي اساس بدء النهضة في اوربا كما انها النتاج الحضاري العربي الممتد من بغداد الى قرطبة .

واعتبر قصر الاوسكوريال من اعظم الصروح الملكية في اوربا في ذلك الوقت، فقد اهتم الملك فيليب الثاني شخصيا بببانئه عام 1557م وامر بتزويده بكل زخرفة متميزة ومواد البناء من رخام واحجار واخشاب واهتم بالمكتبة التي احتلت الجناح الايمن من القصر والتي اشتملت ليس فقط على الكتب والمخطوطات المهمه بل الرسوم والتحف النفيسة وكان الملك فليب قد اصدر امرا بايداع أي مخطوطة او كتاب يعثر عليه في جميع انحاء اسبانيا الى هذه المكتبة غير ان عدد الكتب والمخطوطات العربية خصوصا قد زادت بشكل مفاجئ حين استولت سفن الملك فيليب الثالث سنه 1612 م على المنطقة الساحلية من المغرب مابين اسفي واغادير حيث تم الاستيلاء على مكتبة مولاي زيدان سلطان المغرب والتي كانت تظم اكثر من ثلاثة الاف مجلد نفيس.

هذا وان الهجرة المعاكسة من الندلس الى بلاد المغرب العربي حيث حمل المهاجرون ماتيسر لهم من الكتب والمخطوطات تؤكد ان التراث الاندلسي قد تشتت بسبب تلك الهجرة وبسبب التعصب ومارافق مطاردة العرب من حملات احراق الكتب والمخطوطات العربية في ساحات المدن الكبرى كغرناطة وقرطبة واشبليا وطليطلة وغيرها .

وفي عام 1671 م حيث شب حريق هائل في قصر الاسكوريال التهم الكثير من الكتب ولم يبق من المخطوطات والمتب العربية الا ما يقدر بثلاثة  الاف كتاب ومخطوطة.

 

ا. م. هديل عادل كمال

 

ضياء نافعقال صاحبي، انك لم ترسم صورة تفصيلية ومتكاملة عن مجلة (قضايا الادب) الروسية في مقالتك عن هذه المجلة المهمة (انظر مقالتنا بعنوان – عن مجلة قضايا الادب الروسية)، وان المعلومات التي جاءت في تلك المقالة كانت نظرية بحتة و تخطيطية فقط ان صح التعبير، وان هذه المعلومات غير كافية لتعريف القراء العرب تفصيليا وتطبيقيا بمجلة ادبية تمتلك اهميتها وتاريخها في مسيرة روسيا منذ ان كانت سوفيتية، ثم استمرّت (المجلة) بالصدور في ظل نظام روسيا الجديد ولازالت تصدر لحد الان . وأضاف صاحبي قائلا، ان تلك المقالة واقعيا - (يتيمة!) بالعربية، اذ لا توجد مصادر عربية كثيرة وكافية تتناول الصحافة الروسية و اصداراتها بشكل عام ولا تتناول ايضا تلك المجلة بشكل خاص، ولهذا فان تلك المقالة جاءت (مبتورة! كما قال صاحبي) وتحتاج الى اضافات تفصيلية و توسيع الجانب التطبيقي والعملي فيها . قلت له، ان المصادر العربية في كل المواضيع الروسية تقريبا غير كافية بشكل عام، وان هذه المهمة الواسعة الآفاق تقع على عاتق الجانبين الروسي والعربي في مجملها النهائي، وبالذات على التعاون بين الدولة الروسية والدول العربية في المجالات الرسمية والشعبية، وانها قضية كبيرة جدا لأنها تتطلب وضع الخطط المسبقة وتوزيع ادوار المساهمة من كل جانب ومسؤولياته المحددة، و لا يستطيع شخص واحد او حتى عدة اشخاص ان ينجزوا هذه المهمة مهما حاولوا ومهما كانت امكانياتهم وطاقاتهم . أتفق صاحبي معي في هذا الرأي، لكنه أضاف، انه كان يمكن لي ان اورد - مع ذلك - امثلة محددة مما تنشره تلك المجلة من بحوث ومقالات وتعليقات وملاحظات ...الخ كي تكون عند القارئ صورة محددة وامثلة ملموسة عن مضامين تلك المجلة . ضحكت أنا، وقلت له، انني أشرفت على اطروحتين في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد، واحدة عن الادب الروسي في مجلة الاقلام العراقية، والثانية عن الادب الروسي في مجلة الثقافة الاجنبية العراقية (انظر مقالتنا بعنوان – اطاريح الماجستير التي أشرفت عليها)، وكم كنت أتمنى – بعد الانتهاء من عملنا ذاك - ان يصدر في العراق فهرس متكامل (فهرس ليس الا) يتضمن اشارة الى عناوين كل المقالات حول الادب الروسي في تلك المجلتين فقط، ومع ذلك لم نستطع تحقيق هذه (الامنية!) رغم انجازنا الاطروحتين بنجاح في حينها، فكيف تريد يا صاحبي العزيز ان أعطيك امثلة عن المقالات والبحوث وغيرها في مجلة (قضايا الادب) الروسية، والتي تصدر منذ اكثر من ستين سنة في روسيا دون انقطاع ؟ اقتنع صاحبي طبعا بما قلته بشكل عام، لكنه – مع ذلك – أخذ (ينغبش) كما نقول بلهجتنا العراقية، و سألني، هل استخدمت مواد هذه المجلة في مقالاتك عن الادب الروسي مثلا؟ وكيف؟ واين؟ فقلت له نعم طبعا، لكني لا استطيع الان الاشارة الى التفاصيل بالضبط، وان ذلك يقتضي مراجعة شاملة ودقيقة لمقالاتي، رغم اني استطيع الان ان اضرب مثلا لاهمية المجلات الادبية الروسية بشكل عام، والمثل هو مقالة لي بعنوان – تولستوي والتولستويون، والتي اخذتها في حينها من مجلة (نوفي مير)، واردت ان اترجمها كاملة من تلك المجلة لاهميتها واصالتها، اذ انها كانت تتناول مفهوم (التولستوية) في روسيا وانتشارها في بعض الدول الاخرى، اي المفهوم العالمي لنظرية تولستوي الفلسفية وكيف انعكست هذه النظرية في التطبيق العالمي، ولكن ظروفي آنذاك لم تسمح لي بذلك مع الاسف، ولهذا اضطررت ان اعطي خلاصة وافية لتلك المقالة ليس الا، ومع ذلك، فقد استقبلها القراء بايجابية، بل ان مجموعة من طلبتي (الذين عشقوا اختصاصهم بعد تخرجهم !) لاموني، لان هذا الموضوع المهم لم يكن ضمن مفردات مادة تاريخ الادب الروسي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد عندما كنت اقوم بتدريس تلك المادة في القسم المذكور آنذاك .

ختاما، ومن اجل الا (يزعل !) صاحبي وربما بعض القراء الاعزاء، قررت – مع ذلك – ان ارفق في نهاية هذه التفصيلات (الصغيرة!) عن تلك المجلة (الكبيرة!) نماذج لعناوين مقالات مختارة ومنتقاة من العدد السادس لعام 2018 من عمرها (المديد!)، نماذج لمقالات ارى انها ربما تستحق الترجمة الى العربية، او في الاقل، تستحق الاطلاع والتأمّل، او تستحق التفكير العميق حول مختلف جوانبها، او تستحق طبعا جمعها وترجمتها واصدارها بكتاب خاص يضم مقالات مختارة من مجلة (قضايا الادب)، و يضاف الى المكتبة العربية في الادب الروسي، ليكون واحدا من المصادر العربية المهمة للقراء العرب وللباحثين العرب ايضا في مجال الادب الروسي، وهذه العناوين هي:

 1 - تورغينيف في مرآة علم الثقافة المعاصر

2- اصدارات (قصائد في النثر) لتورغينيف في فرنسا اثناء حياته .

(كان عام 2018 سنة الاحتفال بالذكرى 200 لميلاد تورغينيف)

3 – ترجمة جديدة مع هوامش ل (كلمة عن فوج ايغور) (وهي ملحمة صادرة في القرن الثاني عشر باللغة الروسية القديمة، وتعدّ واحدة من بدايات الادب الروسي . (وبالمناسبة فقد ترجمها الى العربية في حينها المترجم العراقي خميس حرج نشمي - انظر مقالتنا الرابعة بعنوان المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي)

4– اوسيب ماندلشتام بين كييف.. ولينينغراد.. (1927 – 1929) . المصادر الحقيقية لشعر ماندلشتام ونثره .

5 – بين كافيرين و بونين .

6 – الجسر كرمز..في رواية الجريمة والعقاب .

هل تريدون المزيد ؟ 

 

  أ.د. ضياء نافع

 

نور الدين صمودعرفنا في بداية تكويننا الثقافي والعلمي اسم العالم الموسوعي الكبير فؤاد أفرام البستاني عن طريق سلسلة "الروائع" التي كان يُعَرِّفُ فيها بالشعراء والكتاب والعلماء والأدباء العرب من الجاهلية إلى العصر الحديث، ثم عرفته بعد ذلك عن كثب في الجامعة اللبنانية ببيروت، عندما كان رئيسا لها، وكانت له، إلى جانب رئاسته للجامعة، محاضرات ودروس يلقيها على طلبته، ولم يكن يتقيد فيها بموضوعها الأساسي بل كان يتوسع فيها توسعا محمودا غير محدود يفتح فيها أقواسا تفضي إلى أقواس، وقد بقي منها في الذاكرة الشيء الكثير في شتى المواضيع الخارجة من عناوينها الأساسية، من ذلك أنه تعرض (ذات محاضرة) إلى (البهائية) تعرضا علميا لا يمكن أن يجده، من يريد أن يعرفه، في كتب الأعلام ولا في دوائر المعارف.

لقد فتح أستاذنا البستاني قوسا - عن هذه النِّحلة أو الدين الذي يستقر مناصروه في يافا من أرض فلسطين - تعرَّضَ فيه تعرُّضا طريفا إلى زعيمها (عبد البهاء أو البهاء الأبهى)، وما زلتُ أذكر أنه قد قال عنه، (إن جبران خليل جبران كان سبب شهرته في أمريكا، وذلك أن جبران رسمه رسما جميلا، فتعلقت به كثير من النساء الأمريكيات واعتنقن دعوته أو ما دعاه دينا)،

ولعل هذه الكلمة من أستاذنا البستاني لم تكن لِتعلقَ بذاكرتي لو لم أكن قد عرفتُ قبل ذلك في تونس بعضا من أتباعه المناصرين الذين يصطادون من يرون فيهم استعدادا للتجاوب معهم، وكان لهم مناوؤون يقفون ضد دعواهم بالمرصاد، وقد تعرفت في بداية خمسينيات القرن العشرين على اثنين (أخ وأخته) قدما من مصر، وكانت لي صلة بواحد من أتباع البهائية لإشرافه على حصة أدبية كان يذيع فيها ما يصله من محاولات(الأدباء الهواة) بالإذاعة التونسية عندما كنت في بداية الطريق، ثم توطدت علاقتي به بعد ذلك وعرفته معرفة ثقافية، ورغم ذلك فإنه، للحقيقة والتاريخ، أشهد أنه لم يحدثني عن هذا المذهب، ولم يحاول جذبي إلى البهائية، وقد صار لي صديقا، عندما أصبحت معروفا في عالم الأدب.

لقد مرت على ملاحظة البستاني المتعلقة برسم جبران الذي كان سببا في شهرة زعيم البهائية عقود عديدة، ظلت خلالها تقفز إلى ذاكرتي، إلى أن تحققت من صحتها عندما أقرأتُ رسالة كتبها جبران إلى صديقته الأمريكية (ماري هسكل) نشرت ترجمتها في كتاب (من وحي رسائل جبران المجموعة الأولى اختارها وترجمها بتصرف إميل خليل بيدس) وهي مؤرخة في 19 نيسان (أفريل) 1912.

ومن خلالها نفهم أن جبران قد نام ليلة ذلك اليوم مهموما تحت كابوس من جراء ما حل بسفينة "تيتانيك" التي غاصت في البحر قُبيل كتابة تلك الرسالة بخمسة أيام، واستفاق على ذلك الكابوس الذي سماه المترجم ضاغوطا.

وهذه هي الرسالة بتارخ 19 نيسان "أفريل" 1912 (قبيل الفجر، داعب جفني الوسنُ. الهواء متشرِّبٌ برائحة المأساة. "التيتانيك" التي غاصت في اليَمِّ بما تحمله من بشر..نغّصني الفِكرُ، ورمضتني الكارثة – هؤلاء الأبرياء – ذرفتُ الدمع الهتون.

نهضت في السادسة وضاغوط الكارثة لا يفارقني..ولكن الاغتسال بالماء البارد، ثم فنجان القهوة فرّجا عن مخنقي).

وانتقل جبران إلى الحديث عن رسم عبد البهاء، فذكر الوقت الذي بدأ فيه رسمه والوقت الذي انتهى فيه منه، وإلى الحاضرين والحاضرات بصفة خاصة، وذكر الانطباع الذي خلفه رسمه في نفس صاحبه ونفوس أتباعه وفي نفس جبران أيضا فقال:

(في السابعة والنصف كنت مع عبد البهاء، رئيس البهائيين في بلاد فارس.

في الثامنة بدأنا العمل. وتوافد الناس وجُلّهم من النساء. جلسوا خاشعين ينظرون بعيونٍ لا تَطْرِفُ.

في التاسعة اكتمل الرسم وابتسم عبد البهاء. ما هي إلا كفتحة عينٍ وغمْضتِها حتى أقبل عليَّ الحاضرون باندفاع عجيب، هذا يهنِّئُني، وهذا يشد على يدي – كأنني أسديتُ لكل واحد خدمة – وهذا يقول: معجزة! هبط الوحْيُ عليك! وذاك يقول: اكتشفتَ روحَ المعلم! كلٌّ قال كلمته..وقال هو باللسان العربي: "الذي يعمل مع الروح لا يفشل، فيكَ قوَّةٌ مستمَدّةٌ من الله!" واستدرَك: "الأنبياء والشعراء يرتوون من نور الله!" وتبسّم ثانية – وكانت في بسمته قصة عاصفة، قصة سوريا وبلاد العرب وبلاد فارس.

أتباعه أحبّوا الرسم لأنه صورة كالأصل..وأنا أحببته لأنه تعبير عن الناحية الأفضل مني.

جفوني ثقيلة، الكرى أثقلها. أتكفيني ساعاتٌ ثلاث؟ أنام فيها وأستعيد القوة المبددة؟!  "خليل")

ومن خلال هذه الرسالة تأكدت أن أستاذنا البستاني قد كان على علم بهذا الرسم الذي رسمه جبران لعبد البهاء، وأن ما قاله لنا صحيح، أما أنه كان سببا في شهرته فهذا يحتاج إلى ما يؤكده.

وقد كتب جبران رسالة أخرى إلى ماري هسكل في 16 أياّر(ماي) 1912 أي بعد أقل من شهر من الرسالة السابقة، تحدث فيها مرة أخرى عن عبد البهاء فقال: (عاد عبد البهاء إلى نيويورك منذ أيام قليلة. أقامت له لجنة السلام النسائية حفلة كبرى في فندق أستور، تكلم عدد من الخطباء، وكان السلامُ موضوعَ الحديث الذي هطلت به الألسنُ. السلام...السلام... السلام الدولي..العالَمي. شيء مملٌّ، إعادة متعبة، بلا طعم، بلا نكهة، السلام... السلام... ترديد وإعادة.. جرس على وتيرة واحدة. السلام منية الدهور، والدنيا أصغر من أن تبلغ الوطر. أنا أقول: ليكنْ هناك حربٌ! ليستعرِ الأوارُ! ليقتتل أبناء الوطن إلى أن تُسفكَ آخرُ قطرة من الدّم الملوّث! لماذا يهجس الإنسان بالسلام وهو محروم من راحة النفس في نظام يستحق الزوال، بلْهَ محكوم عليه بالزوال). "خليل"

وهي رسالة تستحق التأمل والتمعُّن والتحليل، نفهم منها أن جبران لم يكن متأثرا بما يَدَّعيه البهاء وأتباعه في أمريكا خاصة، ويبدو أن أتباعه كانوا مبهورين بهيأته ومظهره وأُبَّهَتِهِ وببهجته وبالرسم الذي وضعه له جبران أكثر من إعجابهم بما يدعو إليه من نِحلة، وأما دعوته إلى السلام فهو شعار خلاب يجلب الجميع، لكن الكلام الذي كانوا يرددونه في ذلك الاحتفال، كان اجترارا باردا غير مقنع أو مؤثِّر.

وقد أبدى جبران في رسالته رأيا غريبا حول الحرب والسلام يحتاج إلى نقد ومناقشة وَرَدٍّ وتساؤل لمعرفة أسبابه ودواعيه.

 

أ . د: نورالدين  صمود

 

سوف عبيدالقصيدة الأخيرة: بادئ ذي بدء نقرأ عنوان القصيدة وهو ـ القصيدة الأخيرة ـ والقراءة تحتمل أكثر من معنى فيحتمل أن يكون المقصود أن الشّاعر يعرض علينا آخر ماكتب من القصائد ومن الممكن أيضا أن تكون بمعنى أنّها خاتمة القصائد لديه.. إنها على كل حال تبدأ بداية غريبة عجيبة فلكتابة هذه القصيدة يطلب الشاعر عشرين يدًا وورقةً على مدى الغابة الاِستوائية لأنها قصيدة اِستثنائية لا تقدر يدٌ واحدةٌ على كتابتها ولا ورقةٌ عادية أن تتّسع لها ناهيك عن قلم عاديّ ليكتبها فلابدّ للشاعر إذن من قلم بحجم نخلة أمّا الحبر فإنّ محبرة عادية ليس بوسعها أن تكون كافية لكلمات هذه القصيدة لذلك يطلب الشّاعر أن يغمس ذلك القلم الكبير في مِداد غزير لا يمكن أن يكون إلا من بئر .

فيا عجبا لهذه القصيدة التي لا تقدر على نسخها إلا عشرون يدًا ولا يَسَعُ نَصَّها إلا ورقةٌ بمساحة غابة اِستوائية ولا يمكن كتابتُها إلا بقلم كالنّخلة طولا أمّا حبرُها فهو من مَعين بئر فالمحبرة لا تفي بكتابة نصّها .

أريدُ ليْ عشرين يدًا

 وورقة ً باتساع ِ غابة ٍ اسـتوائـية 

 وقـَلما ً بحجم ِ نخلة

مع بئر ٍ من حبر ٍ أسود  ..

ـ 2 ـ

القصيدة الأخيرة ليحي السماوي قصيدة ليست كالقصائد فهي تتحدث عن الفقراء والأطفال والأمّهات وعن تجّار الحروب وعن السّاسة والقرويّات والشّعارات بتعابير جديدة صادمة ومن خلال أوصاف مُغايرة لما تعوّدنا عليه من مفردات مستعملة في سِجِلّات لا تخطر على بال القارئ إنّه تعبير صادم ومزعج يريد الشّاعر من خلاله إحداث الزّلزال القوّي وإيقاع الشّرخ الكبير في المتقبّل للقصيدة لعلّ الشّاعر يبلّغ الهَوْل العظيم الذي أصابه والاِشمئزاز الذي صار يشعر به في وطنه حيث يقول:

فأنا أريدُ

 أن أكتبَ قصيدتي الأخيرة َ..

 عن فقراء يُزاحمون الكلاب َ

 على ما تجود به ِ

  براميل ُ نِفايات ِ المطاعم  ..

 عن أطفال ٍ استبدلوا آنية َ الشـَحاذة ِ

 بالدُمى   ..

وصناديقَ صبغ ِ الأحذية ِ

بالدفاتر المدرسية ِ..

عن الأمهات اللواتي جفـَّتْ أثداؤهنَّ

فخلطن الحليبَ بالنشـَأ  ..

عن تجّار الحروب

الذين  يخلطون الطحينَ بنشارة ِ الخشب  ..

والتبغَ بروثِ البقر ِ..

عن الساسة الذين تخّشـَّبوا

لفرط تشبُّث ِ" عجيزاتهم " بكرسيِّ السلطة

متسببينَ

 في إصابة الوطن بالبواسير ..

عن القرويات يبحثن في الحقول عن الروثِ والبَعْـر ِ

للمواقد الطينية ِ

 في وطن ٍ يطفو فوق بحيرة  نفط ..

 عن الشّعارات التي اتـَّـسختْ منها الجدران ..

ـ 3 ـ

فاجعةٌ هذه القصيدة حينًا ومؤلمة حينًا وتثير السّخط أحيانا وتبعث على الاِشمئزاز بل القَرف أيضا فقد كشفت الوجه البائس والتّعيس للأوضاع التي يعيشها الإنسان العربي الذي إلى أيّ حدّ يمكن أن نطلق عليه صفة الإنسان وهو يعيش ولا يحيا أو يحيا ولا يعيش...؟؟؟

الشّاعر رافض بل مشاكس وهو غير منسجم مع المتعارف عليه في سلوكيّات النّاس وحتّى في ممارسات مختلف الشّعراء المتهالكين على المنابر والموائد وتظلّ الحريّة هي الطموح والحلم لدى الشّاعر يحي السماوي الذي لا يمارسها إلا في الكتابة :

إليَّ .. إليَّ بأدوات الكتابة

 لأكتب قصيدتي الأخيرة َ

 فأقرأها  لا من على منبر في مسجد

أو مائدة في حانة ..

إنما

من على قمة جبل نفايات الحروب ..

 فأنا لا أمارسُ حريَّـتي إلآ على الورق ..

ـ 4 ـ

فاجعٌ هذا الزّمن بما فيه من ظلم وألم واِنخرام للقيم الإنسانية حتّى صار الوطن قبرا والقبر وطنا...وتلك قمّة المأساة حيث تنتهي القصيدة بخاتمة مفزعة :

ورجائي ـ لو متُّ :

 أن تتركوا عينيَّ مفتوحتين على اتساعهما ..

فأنا أريدُ أن أعرفَ

 أيهما أكثر ظلاما :

 قبري ؟

 أم

 الوطن ؟

ـ 5 ـ

القصيدة الأخيرة للشّاعر يحي السّماوي  قصيدة صادمة دمّرت أسس الجمالية الشعرية المعروفة وأبدعت جمالية أخرى هي جمالية الغرابة بل نقول ـ الاِشمئزاز ـ لكنه اِشمئزاز بديع !

سُوف عبيد ـ تونس

   https://www.soufabid.com/

.........................

 

القصيدة الأخيرة

يحيى السماوي

*

أريدُ ليْ عشرين يدا ً..

وورقة ً باتساع ِ غابة ٍ اسـتوائـية  ..

وقـَلما ً بحجم ِ نخلة

مع بئر ٍ من حبر ٍ أسود  ..

فأنا أريدُ

أن أكتبَ قصيدتي الأخيرة َ..

عن فقراء يُزاحمون الكلاب َ

على ما تجود به ِ

براميل ُ نِفايات ِ المطاعم  ..

عن أطفال ٍ استبدلوا آنية َ الشـَحاذة ِ

بالدُمى   ..

وصناديقَ صبغ ِ الأحذية ِ

بالدفاتر المدرسية ِ..

عن الأمهات اللواتي جفـَّتْ أثداؤهنَّ

فخلطن الحليبَ بالنشـَأ  ..

عن تجّار الحروب

الذين  يخلطون الطحينَ بنشارة ِ الخشب  ..

والتبغَ بروثِ البقر ِ..

عن الساسة الذين تخّشـَّبوا

لفرط تشبُّث ِ" عجيزاتهم " بكرسيِّ السلطة

متسببينَ

في إصابة الوطن بالبواسير ..

عن القرويات يبحثن في الحقول عن الروثِ والبَعْـر ِ

للمواقد الطينية ِ

في وطن ٍ يطفو فوق بحيرة  نفط ..

عن الشعارات التي اتـَّـسختْ منها الجدران ..

إليَّ .. إليَّ بأدوات الكتابة

لأكتب قصيدتي الأخيرة َ

فأقرأها  لا من على منبر في مسجد

أو مائدة في حانة ..

إنما

من على قمة جبل نفايات الحروب ..

فأنا لا أمارسُ حريَّـتي إلآ على الورق ..

ورجائي ـ لو متُّ :

أن تتركوا عينيَّ مفتوحتين على اتساعهما ..

فأنا أريدُ أن أعرفَ

أيهما أكثر ظلاما :

قبري ؟

أم

الوطن ؟

 

 

شاكر فريد حسنيعتبر الكاتب المبدع والناقد الفلسطيني” شاكر فريد حسن”، من الأسماء النقدية، التي احتلت موقعا متميزا في المشهد الأدبي والثقافي العربي، بفعل خصوصية النص النقدي الذي يكتبه، وبفضل حضوره الجميل المتميز، في الساحة المحلية و العربية، في مختلف الفضاءات الأدبية و الثقافية .

كتب الناقد والكاتب”  شاكر فريد حسن” في مجالات متعددة من فنون الكتابة، كتب  المقالة والتعليق والتحليل السياسي والنقد الأدبي، والبحث التاريخي والثقافي والفكر الفلسفي، والمعالجات الاجتماعية والأدبية، والتراجم والخواطر الشعرية والنثرية، فلقيت كتاباته أصداء ايجابية طيبة من مختلف الأجيال والأذواق،  في  داخل فلسطين المحتلة وخارجها .

الناقد الكبير ” شاكر فريد حسن ” يتمتع بذوق سليم، فهو عُدَّة الناقد ووسيلته الأولى فإليه يرجع “ إدراك جمال الأدب والشعور بما فيه من نقص، وإليه نلجأ في تعليل ذلك وتفسيره وبه نستعين في اقتراح أحسن الوسائل لتحقيق الخواص الأدبية المؤثرة  “.. كما أنه ناقد منظم، منتبه الذهن مرن التفكير، يبعث فينا شعوراً بجمال الأدب .

بإيجاز تتوافر في كتابات الأستاذ ” شاكر فريد حسن ” كل صفات الناقد المتميز، الثقافة والذوق والخبرة والدربة والتمرس،إلى جانب أنه يتمتع  بنقاء ضمير الناقد الأدبي  المحايد .

“شاكر فريد حسن” كاتب وناقد وشاعر فلسطيني، من قرية مصمص شمال فلسطين، درس المرحلة الابتدائية في مدارسها وأكمل دراسته الثانوية في كفر قرع، لم يكمل دراسته الجامعية نتيجة لظروف اقتصادية صعبة .

شاكر فريد رجل عصامي شق طريقه في الحياة بكل عزيمة وقوة ومضاء، متكئا على إرادة لا تلين، وروح لا تعرف اليأس ولا الكلل .

قال في سيرته الذاتية:  “شغفت بالكلمة، وعشقت القراءة ولغة الضاد منذ الصغر، وتثقفت على نفسي، فقرأت مئات الكتب في جميع المجالات الأدبية والفلسفية والاجتماعية والتراثية والنفسية ”

بدأت انطلاقة الكاتب والناقد شاكر فريد الواسعة في عالم الصحافة في المناطق الفلسطينية بعد عام 1967م، وأخذ ينشر كتاباته في صحف الضفة  الغربية “القدس ” و ”الشعب ” و ”الفجر” وفي المجلات والدوريات الثقافية والأدبية التي كانت تصدر آنذاك، كالفجر الأدبي والبيادر الأدبي والكاتب والشراع والعهد والعودة والحصاد، ومن ثم في صحف “الأيام” و” الحياة الجديدة”.

بعد أن قدمنا إيجازاً عن حياة ودور الأستاذ ” شاكر فريد حسن ” في إثراء الحياة النقدية الفلسطينية  والعربية .. ستناول فيما يلي لوناً أخر من نشاطه الإبداعي  .. خاصة في مجال الشعر ..

عندما تقرأ نصا شعرياً من نصوص الشاعر(شاكر فريد حسن ) تبحر في عوالم ساحرة من الجمال والجلال، فتجد تشكيلات الجمال السردي، بأبعاده  الإنسانية والذاتية والوطنية  .

في قصيدة ( منحازون ) يعلن الشاعر انحيازه للوطن الفلسطيني، الذي حلم دائما به يكبر ويتغير ويتجدد ويتحرر ..منحازون لوديانه وسهوله وناسه، لفقرائه للطبقة الكادحة من عماله وفلاحيه ..  لأغانيه الشعبية، لتراثه ومفكريه ومُصّلِحيّه .

نحن منحازون لهذا الوطن

لترابه وأشجاره … لوديانه وسهوله

منحازون لناسه … فقرائه وجياعه

منحازون لفكرهم الطبقي

منحازون للتراث لكنعان وعنات

وجفرا  وزريف الطول  والدلعونا

منحازون لرسالة الغفران …..وفكر النهضة والتنوير

في قصيدة (أبجدية الشعر) يرى الشاعر أن للشعر رسالة وظيفة، ويطالب  الأدباء والشعراء بالالتزام بقضايا الإنسان والانحياز للفقراء، ومشاركة الناس همومهم الاجتماعية والسياسية ومواقفهم الوطنية، والوقوف بحزم لمواجهة ما يتطلّبه ذلك ..وكل شعر يخرج عن دائرة الالتزام.. فلا نكهة ولا طعم أو لون له، فالشاعر كما يتضح من قصائده، يؤكد انتماءه للطبقة العاملة .

قصائدنا بلا نكهة  … ولا رائحة ولا لون  …وبلا طعم

ان لم تكن هادفة  … وإذا  لم تنحاز للفقراء

وتنتصر للإنسان …وتحمل في ثناياها

شذا الورد  …وعبق التوليب

وحب الوطن  …والأرض

يحمل الشاعر “شاكر فريد حسن ”  حملة شعواء عنيفة  في قصيدة ” صرخة بلد “على  الخونة الذين تاجروا بقضايا الوطن والإنسان، الذين خانوا العهد فسرقوا الحب من صدور الشباب والنساء والشيوخ، ونهبوا خلسة ورقصوا على جراح الوطن،  لن نغفر لكم خيانتكم  ولن نسامحكم .. وسنحاسبكم حساباً عسيرا .. فيقول :

آه منكم ..ومن غدركم يا ….من وثقت بكم

لكن رقصتم على جراحي …وقتلتموني من وراء ستار

سرقتم الحب من …صدور الشباب

والفرح من عيون النساء

وسلبتم النصر من قلوب الشيوخ والأطفال

من الوريد إلى الوريد

لن أسامحكم ..ولن اغفر لكم خيانتكم الكبرى

ويختتم قصيدة “صرخة بلد ” بتحية الشرفاء الأحرار من أبناء الوطن، لكم أيها الشرفاء الحسنى والخير والغبطة والسعادة، كما يؤكد الشاعر على بقائه على العهد، محبا للوطن مقاوماً للاستسلام والتفريط .. فهو قصيدة غاضبة … في وجه الأعاصير العاتية .

وطوبى للشرفاء منكم ..وسأبقى على العهد

حكاية حب ..وقصيدة لا تنتهي

قصيدة غاضبة …قصيدة غاضبة

إذا كان الشاعر ( شاكر فريد حسن ) يبدو ثائراً ومتمردا مهموماً وحازماً في قصائده الوطنية التي أشرنا إليها سابقاً، معلناً انحيازه لبسطاء الشعب وفقرائه، لا يعرف المداهنة  والاستسلام والزيف…. فإننا نراه في قصائده الغزلية والوجدانية رقيقاً .. ناعم العبارة، تتسم  لغته بالشفافية المنمقة وبالتوهج العاطفي و الإحساس الصادق … ويتجلى ذلك بكل وضوح في قصيدة “ كان حلمي أن امتلكك ”  يستقصي فيها كل الاحتمالات الواردة في مسألة الحب، فيستهل الشاعر قصيدته ببيان ما يتمناه من  امتلك الحبيبة التي ستأتي لمحراب حبه متعبدة عاشقة ومعانقة، و ويبين مفهومه للحب، فالحب كالندى كالمطر كالفكرة،  ثم يضيف أنه عاجز عن تفسير هذا الحب، الذي يستثير في النفس المتناقضات، ويتساءل هل ستعذبينني باسم الحب ؟ وأنا الذي بحثت عنك كثيراً، حتى وقعت في حبك، فكتبتك بدمي على وجه الشمس، وفي سجل العشاق .

كان حلمي أن امتلكك

وأن تأتيني متعبدة في محراب

العشق …تحاصرينني …وتعانقيني

فأرتل مع البلابل والسنونو …أحبك …أحبك …أحبك

فالحب يا حبيبتي ..كالندى كالمطر كالفكرة

لا يعرف الحدود ….إنه درب الفرح

وعنوان السعادة .. أترى تحبيني كما أحبك

ام ستعذبينني باسم الحب… وكما يقولون لذة الحب في عذابه

وأنا الذي بحثت عنك طويلًا …في ليالي الشتاء الباردة

وراء الغيوم والسحب السوداء ..حتى وقعت في مصيدة حبك

فكتبتك بدم أوردتي …على وجه الشمس …وفي مدونة العشاق

يدمج ” شاكر فريد حسن ” في قصيدته الرائعة  (علمتني العشق) المثقلة بالمشاعر الإنسانية الوجدانية بين حب الحبيبة، وحب الوطن المسلوب .. فالوطن محبوب وإن سرقوه واحتلوه، نلاحظ هنا التماهي بين حب الوطن والحبيبة .. وهذا ديدن الشعراء الفلسطينيين . و في هذا المقام نذكر ما قاله الشاعر الكبير محمود درويش :-  “أكتب عن الحب الذي ولد في وسط قضية فيحمل ملامحها وهمومها ويصبح جزءا منها”. لنقرأ معاً قصيدة الشاعر شاكر فريد حسن .

اسمك حبيبتي أعذب لحن ونشيد

كم تبهرني ابتسامتك .. ورقتك وجمال عينيك ..وبحة صوتك

وكم يدهشني عطرك فواح العبق

فقد علمتني كيف ..يكون العشق والوله

وأحببتك حبين ..حب الروح…وحب الجسد

وأحار بين رقتين .. فأغفو على ضفاف نهديك

وأحس برقة عود الرمان .. النابت في قانا الجليل

فأهمس في أذنيك:  آه يا وطني المسلوب

ما أجملك وان احتلوك ..وسرقوك مني

مجمل القول يتميز الأستاذ (شاكر فريد حسن) كناقد  برشاقة اللغة ولديه القدرة على بناء مفردات لغوية خاصة به، كما يتميز بالتفكير المنطقي للوصول للحقائق المرجوة من النقد، إلى جانب ذلك فهو ناقد مطلع واسع الثقافة، منفتح على الأفكار الجديدة .

وشاكر فريد حسن شاعر منتم وملتزم فكريا للطبقة العاملة .. يعبر عن همومها وتطلعاتها وآمالها، فهو شاعر يمزج بين حب الحبيبة والوطن .. لكل الود والاحترام لهذا الرجل  العصامي الملتزم .. ننتظر منه المزيد من العطاء والإبداع .

 

هاشم خليل عبد الغني – الأردن

....................

* الصورة الكاتب شاكر فريد حسن

 

 

أراني كحادي العيس أحدو صورا تسكن خاطري، تميل بي وأميل بها، تهمّ بي وأهمّ بها أكثر، فأصير كراعٍ تسوقه الإبل وتغني له كي يتبعها فيطرب لصوتها غير آبه لما سيقوله عنه معشر الرعاة إن وجدوه على حالته هذه أو لما ستقوله الإبل التي تسوقه حيث تشاء. هل تتحدث الإبل مع بعضها؟ هل يتغامزون ويضحكون على بعضهم أو يذكرون حاديهم بما يكره أو بما يحب؟ هم " أمم أمثالكم " ولكنا لا نصدق هذا القول وننتظر عالما أشقرا كي يبرهن على صدق القول أو كذبه بتجربة يطيق فهمَها عقلُ المتكبر، فما لا يفهمه عقله لا وجود له.

الإبل أكثر حياءً من كثير من البشر

ذات ليلة في مدينة تنام مبكرا وبعد وجبة عشاء تناولها الرجل مع حبيبته وابنته وذاك الواسع العينين طويل الرموش الذي يكره من كل قلبه ضرورة أن تكون ساكنا لا متحركا في مطعم يتوسط مركز المدينة، تسلل الى سمعه نغم فطرب له فتبعه، في الطريق اليه قفزت أمامه صورة لوالديه ينظران اليه مبتسمَين، ورأى أخرى لفتاة تعشق ممارسة الرياضة وتستطيع أن تعطيك تقريرا مفصلا عن كل مطاعم بغداد، ثم اُخرى لصاحبة القطط ، الكل كانوا مبتسمين، حتى القطة العرجاء المؤدبة كانت مبتسمة، تظن صاحبة القطط أنّ هناك ما يربطها بالقطة العرجاء ولكن الرجل لا يرى رابطا الا الذي يسكن مخيلتها ولا وجود له على أرض الواقع. كان مصدرُ النغم عازفَ كيتار طلب الرجل منه أن يعيد عزف ما انتهى منه لتوه، ففعل مبتسما فاكرمه بمبلغ من المال لم يتعوده ذلك العازف فاجتهد كثيرا ليرضي الرجل وعائلته، لم يشأ ذلك المستمتع بصور خياله الممزوجة بليلته الجميلة أنْ يعرف اسما لتلك الموسيقى إذ تذكر أنّ لذة الفعل الأول لا تكرار لها، فقرر الاستمتاع بلحظته مع ضحكات أميرته الصغيرة ونظرات واسع العينين طويل الرموش.

الفاعل واحد والقابِل مختلف، والقابل هو مستقبِل الفعل. تسمع الكلامَ ويسمعه غيرك في الوقت نفسه، تذوب أنت ولسان حال غيرك " ماذا قال آنفا ".

أمِنْ تَذَكـرِ جـيــرانٍ بـذي سَــلَـمِ   مَـزَجْت دمعــاً جـرى من مُقـلةٍ بــدمِ

أمْ هـبّـت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ   وأومضَ البرقُ في الظلماء مِن إضَمِ

يقول سيث ستيفنز دايفدوتز مؤلف كتاب " الكل يكذب " الصادر بالإنكليزية بأن الكذب ظاهرة يومية بل أنّ الانسان يكذب حتى على نفسه  دون أنْ يشعر ولكنه يميل لقول الصدق لمحركات البحث  الموجودة على الانترنت مثل كوكل وياهو وغيرها، وبرهن على كلامه من خلال مراجعة مليارات من المعلومات المخزونة في محركات البحث تلك، تنبأ المؤلف بفوز دونالد ترامب بسباق الرئاسة الأمريكية قبل سنتين من انتخابه رئيسا، وتحدث عن تجارب مثيرة لا حصر لها عن طريق تحليل المعلومات التي يدخلها الناس في محركات البحث وربطها بإحصائيات عن أمور شتى فتوصل الى علاقة راسخة بينهما. قد لا يقول أحدهم ما يريد قوله في استطلاعات الرأي ولكنه يعترف بأعمق اسراره الى موقع كوكل مثلا. ويقول الكاتب أيضا بأنّ مواقع الكترونية كثيرة كالفيس بوك مثلا تجري علينا تجارب يومية دون أنْ نشعر قد يصل عددها الى الالف يوميا في حين أنّ التجارب التي تقوم بها شركات الادوية العالمية مجتمعة لا يتعدى عددها بضع مئات سنويا. انها مسألة وقت فقط لتستطيع المواقع الالكترونية معرفتنا ومن ثم التحكم بنا مستقبلا شئنا أم أبينا.

إنّ تطبيقات ومواقع الانترنت المجانية التي نستخدمها يوميا تعتبر مستخدميها سلعة وفئران تجارب وتحدث الكاتب عن بعض السيناريوهات السوداء إذا ما استخدمت تلك المعرفة استخداما سيئا.

قد يقول أحدهم، ما الفائدة من ذكر ذلك مثلا في بلد يصدر النفط والأموال والعقول ويستورد كل شيء حتى الخضراوات والفواكه ومنتجات الالبان والبقول؟ لا أدري.

مَنْ أراد أنْ تكونَ كلمتُه من رأسه فلتكنْ لقمتُه من فأسه، ونظام الدولة أفضل الفؤوس، فالفأس يبني ما تصدّع، ويحرث الأرض ويزرع، يخيف العدو ويردع، فإنْ تجرّأ فيده يقطع. هل رأيت محتلا يعطي فأسا؟ فيصير البلد بلا عصا لمن عصى، ويطفو على سطحه كلُّ عاصٍ لجرأته على الباطل كما الزيت يعلو الماء فيظن المرء أنّ الإناء كله زيت. وهنا أقول: أنّ مقارنة مجتمع بلا نظام بآخر بنظام متجذر فيه لعقود طويلة لا تصح أبدا، ومن غير المعقول أن تمدح مواطني دولة بنظام أصيل وتذم آخرين بلا نظام، فالنظام هو المحرك للمجتمعات، كافل لحرياتها وحام لحقوقها ومانع لكل ما يعيق حركتها، وبغيابه تتعود العين على الفوضى فتألفها فتصير عادة، ورغم ذلك كله ترى فئة في أرقى المجتمعات تستغل أدنى فرصة لتعلو فوق الماء كالزيت، فانقطاع الكهرباء في دولة متقدمة أو حصول أحداث شغب لسبب ما كفيل بإحداث الفوضى لوقت معين ريثما يستطيع نظام الدولة السيطرة عليها ليعيد المجتمع الى حركته الطبيعية. الأجدى أن نذم أنظمة لا يحلو لها الا زعزعة أنظمتنا كأنها تفطمنا كالوليد لنعيش بقية حياتنا في حالة من الفوضى الخلاقة.

بداية الكبر والحقد من الشهوة، ورسوخ الشهوة من العادة، ومن صار آكلا للطين فكل من يحول بينه وبين الطين يصير عدوا. قالها مولانا جلال الدين قبل قرون. 

لمّـا كان الله قد وهب لعصا العدل فمـاً لتأكل الحصى وحبال سحرة فرعون التي خُـيّـل للناس من سحرهم أنها تسعى، اعلمْ أنّ كلَّ من أراد كسر تلك العصا استحق الضرب بها.

" ما تلك بيمينك يا موسى " هل من المعقول أنْ تسأل أحدا يحمل عصا عن ماهية ما يحمله؟ هنا أراد الحق أنْ يؤنس عبده ويتودد له، كأحدنا - ولله المثل الأعلى - يسأل طفلا يحمل دمية عما بيده ليزيل ما علق بالطفل من خوف أو رهبة، ولو أجاب موسى قائلا عصا وسكت لكان ذلك من سوء الأدب في حضرة جلال الله، فأراد أن يستأنس بربه فاسترسل " هي عصاي" فلا داع للضمير هي ولا داع للياء بعد عصا، وزاد الكليم " أتوكأُ عليها وأهشّ بها على غنمي" ثم أنهى كلامه أدبا لكيلا يكون مكثرا " ولي فيها مآرب اُخرى "، ولكن موسى عندما أكثر الكلام مع العبد الصالح كان الجواب " هذا فراق بيني وبينك ".

وهنا أقول:

يا مَنْ تفتشُ في القرآن عن خطأٍ   إنّ المعانيَ قد ضاقت بها الكَـلِـمُ

لا أحد، حين يحكي، يحكي كل شيء.

كَـثُـرَ الكلام وقلّت الأفعال وكُسرت العصا ولا ظلّ للفأس يحمينا من صيف المحتل، وهذا عين مراد من خاف وعد الله في سورة الإسراء ولا احسب أنّ من ظل يردد حجج المحتل البالية الا مكشوف عورة لا يستطيع سترها.

عندما يُعتصر القلب ينزف، ونزيفه هذا يعتمد على ما تشبع به القلب أولا، يقول عاشق المعنى بعد أن صار قلبه مرآةً تعكس النور خمرا يشربه أهل الطريق المعبد بالألم الى أعتاب الجميل، أنّ المفتاح هو الإحسان. كيف؟ قالها المظلوم بسخرية لا تكاد تغطي على ملامح قلبه. فأجاب العاشق: الإحسان أن تحسن حركتك في الكون، فكل حركة أدت خيرا فهي عبادة، فالبناء عبادة والتعليم عبادة واحترام النظام عبادة، والضرب على يد الباغي عبادة، وحفظ هيبة الدولة عبادة، و بناء جيش عقيدته حب الوطن عبادة، والحرص على اقتصاد الدولة وحسن التخطيط لمستقبلها عبادة، محاربة الجشع والفساد عبادة، وأفضل العبادة عبادة القلب لا الجوارح، لذلك كان الإحسان شرطا للنصر، فعندما تبلغ القلوب الحناجر، وترى دينَ الله كلٌ به يتاجر، مِن افّـاقٍ وحاسدٍ وسارق وفاجر، فهذا من سوء حركتنا - عبادتنا - في الكون ، فزَهدَ الناس في دين الله فصارت شوكة الذين جعلهم الله " أكثر نفيرا"  قوية، أي أكثر عددا ومالا واعلى صوتا.

ثم زاد ذلك الثمل بالمعنى: نسارع لاستنكار قتل مصلين في مسجد سكن مشرق الشمس، ونشجب ونستنكر أفعال دولة سكنت مغربها على الدوام، نلوم الزمان والمكان والحال والأحوال والمبتدأ والخبر والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، نلوم من يقصفون عربا ويسبون عربا ويحتلون عربا، نلوم حتى دواب الأرض ولا نلوم تلك الأمارة بالسوء وهي تقتلنا قبل أعدائنا، ننام ورائحة الحرام من اجسادنا قد وصلت السماء السابعة ونستغرب أنّ دعاءنا لا يجاب. الله طيب لا يقبل الا طيبا وعبادتكم تفوح منها رائحة البصل.

وخالف النفسَ والشيطانَ واعصِهما   وإنْ هما مَـحّـصـاك النُّـصحَ فاتّـهـمِ

مـولاي صـلّ وسـلــّم دائـمـا أبــــدا   على حـبـيـبـكَ خيـرِ الخـلقِ كـلّـهــمِ

يـا رب صـلّ علـى مـحمـدٍ وعـلـى    ساداتــنــا آلــــه وصَحــبــه الكِــرَمِ

يقول ابن سينا: لما غلا ثمني، عَــدِمت المشتري.

لا يكتب الحُرّ الا انتصارا للجمال، كملك عرشه من حجر ما ضرته عروش من القشَ تخاف الماء والنار. متى خافت الصخرة أكوام القش؟

 

د. تميم امجد توفيق

 

ضياء نافععاش الكساندر سرغييفيتش غريبويديف 34 سنة (1795 – 1829)، وعاش الكساندر سرغييفيتش بوشكين 38 سنة (1799 – 1837) (كلاهما – وياللغرابة - بنفس الاسم واسم الاب !!!)، اي ان غريبويديف كان اكبر من بوشكين اربع سنوات فقط عندما كانا على قيد الحياة، و ليست هذه الفترة كبيرة بين الاثنين، رغم انها انعكست في بداية مسيرة حياتهما بشكل واضح المعالم، اذ لم يشارك بوشكين في الحرب الفرنسية – الروسية (عندما هجم نابليون على روسيا عام 1812)، فقد كان عمر بوشكين آنذاك 13 سنة ليس الاّ، اما غريبويديف فقد تطوع للمشاركة في الحرب، ولكن كلاهما ذهبا بعدئذ للعمل في وزارة الخارجية الروسية . اصبح غريبويديف سفيرا لروسيا في طهران وهناك قتله المتطرفون الاسلاميون عام 1829(انظر مقالتنا بعنوان – تمثال غريبويديف في طهران اولا، ثم في موسكو ثانيا)، اما بوشكين فلم يكن ياخذ بنظر الاعتبار عمله في الخارجية، لكنه اصبح مع ذلك (سفيرا في روسيا وفي العالم !) للادب الروسي كما كتب أحد الباحثين الروس وهو يحاول المقارنة بينهما ، وتم قتل بوشكين ايضا في مبارزة مع اللاجئ دانتيس عام 1837 . اتهمتهما الحكومة الروسية بعد حركة الديسمبريين 1825 بالانتماء الى تلك الحركة، وحقّقت معهما (جرى حتى استدعاء غريبويديف واحتجازه رهن التحقيق لفترة طويلة)، ولكن لم تثبت الحكومة اي شئ ضدهما، وألغت بعدئذ كل الاجراءآت ضدهما بالنسبة لهذه القضية.

لاحظ الباحثون، ان بطل مسرحية غريبويديف الشعرية (ذو العقل يشقى، وهي النتاج المركزي له) كان بعمر بوشكين، وان بطل رواية بوشكين الشعرية (يفغيني اونيغين، وهي النتاج المركزي له ايضا) كان بعمر غريبويديف، ومن المؤكد ان ذلك جاء بمحض الصدفة ليس الا، الا ان ذلك – مع هذا – اصبح موضوعا للتأمل لدى الباحثين الروس الذين يدرسون موضوع المقارنة بين الاديبين وفي كل المجالات المتنوعة وبالتفصيل، اذ أشار بعضهم، الى ان بوشكين اراد ان يكون بطله في روايته الشعرية تلك (انضج منه، اي من بوشكين نفسه)، وان غريبويديف اراد ان يكون بطله في مسرحيته الشعرية (اصغر منه، اي من غريبويديف نفسه). لكن كل نقاط التشابه والتباين في هذه الدراسات الادبية المقارنة (وما أكثرها طبعا) بين الاثنين لم تؤثر على المحصلة الاخيرة والنهائية، و التي جعلت الباحثين الروس يسمون غريبويديف (مولير روسيا)، ويسمون بوشكين (شكسبير روسيا)، وهناك دراسات واسعة وعميقة بالروسية حول دور غريبويديف و دور بوشكين في تاريخ المسرح الروسي ومسيرته وتطوره.

لقد كانت العلاقات بين غريبويديف وبوشكين علاقة الند للند، بل ان غريبويدف كان يبدو بعض الاحيان حتى أكثر سطوعا من بوشكين بموقعه المتميّز (والذي كان يتقدّم في ذلك الموقع الوظيفي بوضوح) في وزارة الخارجية الروسية، ومعرفته للعديد من اللغات (منها لغتنا العربية قليلا، انظر مقالتنا بعنوان غريبويديف والمتنبي)، رغم ان بوشكين أصبح طبعا في تلك الفترة واحدا من أكبر الاسماء وابرزها في دنيا الادب الروسي شعرا ونثرا ومسرحا وصحافة . ومع كل هذا، فان بوشكين وغريبويديف لم يصبحا صديقين قريبين، رغم انهما كانا يعرفان بعضهما البعض والتقيا عدة مرات معا، ولكن عندما قتلوا غريبويديف في طهران، فان بوشكين كان من ضمن المستقبلين لجثمانه في القوقاز، وقد كتب بوشكين عن ذلك في كتابه (رحلة الى ارضروم) (الذي ترجمه الزميل عبد الله حبه عن الروسية قبل فترة وجيزة وصدر عن دار المدى في بغداد )، وتحدّث بوشكين في ذلك الكتاب عن تاريخ تعارفه بغريبويديف وطبيعة علاقاته معه.

النقطة الاساسية في موضوعة بوشكين وغريبويدف، والتي يركز عليها الباحثون الروس عندما يتناولونها في بحوثهم (وهم على حق)، هي الآراء التي طرحها بوشكين حول مسرحية غريبويدف (ذو العقل يشقى)، هذه الآراء التنبؤية بكل معنى الكلمة، والتي توقع بوشكين فيها ان تتحول الكثير من مقاطع تلك المسرحية الى حكم وامثال روسيّة، وهذا ماتم فعلا . آراء بوشكين حول مسرحية غريبويديف جاءت في عدة رسائل شخصية كتبها بوشكين لاصدقائه ومنهم بيستوجيف وفيازمسكي في اواسط العشرينات من القرن التاسع عشر، وقد دخلت هذه الرسائل باعتبارها وثائق في مؤلفات بوشكين الكاملة، وكذلك تم نشرها في كتاب بعنوان – (بوشكين عن الادب)، وهو كتاب يضم كل المقالات والملاحظات التي كتبها بوشكين حول الادب والادباء .

موضوعة بوشكين وغريبويديف لازالت مطروحة وحيوية في تاريخ الادب الروسي وفي مسيرة دراسات الادب المقارن (في اطار الادب الروسي نفسه)، ولكن هذه الموضوعة بعيدة عن قضايا الادب الروسي في العالم العربي، اذ لا يعرف القارئ العربي لحد الان النتاج المركزي لغريبويديف – (ذو العقل يشقى)، وبالتالي لا يعرف طبعا اهمية هذا الكاتب وقيمته في مسيرة الادب الروسي كما يجب، اذ لم يتجاسر اي مترجم عربي على ترجمة تلك المسرحية الشعرية لحد الان حسب علمنا المتواضع . دعونا نأمل ان نرى هذه المسرحية الشعرية بالعربية يوما ما ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

اسماء محمد مصطفىالرد بالكلمات على حاقد او حاسد مضيعة للوقت. الإنجازات خيرُ رد. *****

بيننا، مَن تجربته فيها وجع كبير وجمال كبير أيضاً، كل دمعة فيها حكاية، كل حكاية فيها درس إنساني، كل درس يجعله حين ينظر الى نفسه عبر مرآة الروح لايرى الوجع بمقدار ما يرى الجمال الذي اكتشفه واستطاع أن يصل اليه او ينميه أكثر مروراً على جسر المعاناة والحرمان والأذى، وقد لايكون للجسر نهاية، كذلك قوة الروح والعقل والجمال ليست لها نهاية .

*****

لستَ بخير، لكنك بخير !!

حين يجعلك الألم شخصاً أفضل، ذلك مؤشر بأنك على مستوى عالٍ من النضج .. تؤذيك الحياة فتقابلها بعطاء قد يخفف من آلام الآخرين .

*****

لاتحن ِ رأسك لهزات الزمن . انظر الى الشجرة المسنة تعاند الريح وتواصل شموخها في السماء ورسوخها في الأرض بالرغم من شظايا خريفها .

*****

لاتقسُ في حكمك على قلب لم يبلغ سن الرشد أمامك، فهو قد يتعمد التصرف بطيش، طمعاً بوصايتك .

*****

منذ طفولتك ظلمتك الدنيا كثيرا وحرمتك من أمور وأشياء كثيرة، من بينها أبسط حقوقك، ولطالما شعرنا بدمعتك المتوارية وراء هيبتك، لكن هذه الحياة مثلما حرمتك، منحتك حب بناتك وأولادك واحفادك وكل من يعرفك، زرعتِ الحب وحصدته حباً، تتحولين الى محاربة شرسة حين يحاول آخرون إيذاءنا، صحيح يقلقنا حرصك المفرط، لكننا ورثنا عنك روح المحارب الشرس .. وتلك القوة التي تجعلنا نتصدى للرياح العاتية ونعاندها حتى ننتصر ونحقق مانريد .. وقفتِ معنا جميعا، ومعي كنت خير سند في محنتي ونوبات مرضي وأحطتِ طفلتي برعايتك عند غيابي .. شكرا لأنك أمي .

*****

كل مصدر او شكل او صيغة او وسيلة من وسائل الإتصالات الثقافية يثري بلاشك، المشاهدة والاستماع تثريان الفكر لكن بدرجة أقل من القراءة، فهما لاتغذيان لغة المشاهد او المستمع كما تغذي القراءة لغة القارئ كتابة وتحدثاً، فعل القراءة أقوى تأثيراً في لغة الكتابة او التعبير عن الفكرة، لأن التركيز على اللغة في القراءة أقوى من المشاهدة، كما أن القراءة تمنحك فرصة أكبر للتخيل والتأمل، ذلك أن بإمكانك أن تتوقف عند سطر ما لتتأمل ماقرأت، ولكن المشاهدة ترسخ المعلومة في الذاكرة أكثر لأنها مرتبطة بصورة إلاّ أنها سريعة فلاتمنحك فرصة التأمل وتفحص اللغة بمقدار ما يمنحه الكتاب . مثال على ذلك : رواية تقرؤها وفيلم مأخوذ عن الرواية، الرواية الكتاب تقدم لك أحداثاً في لغة تركز عليها بقراءتها فتتأمل وتتخيل وتستنتج، أما الرواية الفيلم فهي أحداث مصورة وحوارات (لغة) لكن الاستفادة اللغوية من الحوارات تكون أقل مما في الكتاب، كما أنّ الفيلم لايمنحك فرصة كفاية لتفكر، وإلاَ تسبب التفكير بقطع في المتابعة .

*****

عادة تحوم القطط حول القمامة في البيوت بحثا عن طعام لها، ويقوم الناس بطردها حفاظا على النظافة .. ولكن، من الجميل واللطيف أن تضع بعض الطعام الزائد عن حاجتك مما تستسيغه القطط والكلاب والطيور قرب عتبة بيتك او على سطحه كي تشبع جوعها، وتكون بذلك قد عملت خيرا .افعل ذلك يومياً او بين وقت وآخر وستشعر بالراحة لأنك تساعد هذه الحيوانات المسكينة الضعيفة .

 

أسماء محمد مصطفى

 

حسام محي الدينيرتدي المسرح العربي حلّة متجددة كلما تقادمت الأيام، ويندفعُ مؤزّراً بشخصيات مسرحية هامة في التأليف والاخراج والتمثيل كرؤية فنية واعية موائمة لطبيعة المناخ السياسي والاجتماعي القائم والذي تدور حوله بالضرورة نتاجات المسرح الحالي . وهذا جِدُّ مُجْدٍ بعدَ المراحل التاريخية التي قطعها المسرح العربي منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى يومنا، بل بالتحديد منذ منتصف ذلك القرن حيث ظهرت ملامح هوية عربية مسرحية انطلقت من لبنان مع المسرحي والمؤلف المخضرم اللبناني " مارون النقاش (1817 – 1855) الذي استغل مهنته كتاجر وجاب في اوروبا وبالتحديد ايطاليا مطلعاً على الفن المسرحي فيها عياناً ومتأثراً به لا شكّ،وهو ما تجسد لدى عودته الى لبنان في المسرحية الشعرية العربية الاولى التي ألفها ومثلها النقاش في بيته في بيروت عام 1848  بعنوان " البخيل " التي حاكى فيها مسرحية موليير الشهيــــــــــرة "L avare  " والتي بدَتْ فيها موهبته الحقة تلتها اعمال اخرى، تأثر فيها بالمسرح الغربي ولكنه ألبسها الزي العربي لغةً ومواءمةً مع الذوق العام وقتذاك . بعد وفاة مارون النقاش اقتصر النشاط المسرحي في لبنان  على حفلات المدارس والارساليات والمعاهد العلمية في لبنان فانتقل النشاط المسرحي الى مصر، وسافر اليها سليم النقاش ابن أخ مارون وغيره من ابناء وطنه كيوسف الخياط، وسليمان القرداحي واسكندر فرح (الذي كان الشيخ سلامة حجازي أحد اعضاء جوقته المصرية حيناً من الدهر)، الذين ألفوا الفرق المسرحية وقدموا عروضاً كثيرة جلّها في القاهرة لحقهم ايضاً من لبنان فرح انطون الذي كان ناقداً ومسرحياً في آن معاً، إلى جورج أبيض اللبناني ايضاً الذي ارسله الخديوي آنذاك الى فرنسا للتعلم ونقل الفن المسرحي الى مصر وهو ما حصل فعلاً فكان جورج أبيض كما يقول الدكتور علي الراعي " أول ممثل عربي يتلقى فنون التمثيل بطريقة علمية على يد فنان فرنسي كبير هو : سليفان " . أما النصوص التي اعتمدت آنذاك فهي في غالبيتها المترجمة عن الفرنسية، مع بعض النصوص التي تناولت التاريخ العربي، ولكنها جميعها انصبت على الجانب الاخلاقي التربوي في تمجيد الامة وابطالها والتعلق بمآثرها .

بعد هذا العرض الوجيز الذي افتتحناه بمارون النقاش الذي ولد المسرح على يديه في لبنان والذي اعتمد النص الادبي كأساس في نجاح اللحظة المسرحية في حينه، لا بد من الانتقال الى " أحمد ابو خليل القباني " (1833 – 1903) في سوريا الذي بدأ نشاطه بعد سنوات من وفاة النقاش وطرْقِه باب المسرح العربي، فقدّم في دمشق العام 1871  مسرحية " الشيخ وضاح ومصباح وقوت الارواح " ثم عرض مسرحيات اخرى عديدة  قبل ان ينتقل ايضاً الى مصر لمتابعة نشاطه المسرحي هناك مع فرقته المسرحية الخاصة ، دون اعتماد وتفضيل النص الادبي كالنقاش،  بل مؤثراً الغناء والرقص لانجاح المسرحية في مواقفها التي طغت عليها الكوميديا بشكل عام، فضلاً عن القصص  والسير الشعبية وبعض النصوص التي اقتبسها عن الاتراك، وهو وان جاء مسرحه  اضعف نصّاً من نصوص النقاش الا أنه فتح الطريق امام العمل المسرحي الشعبي  الساخر والناقد رقصاً وانشاداً وموسيقى ولم يتأخر في اللحاق بنشاط المسرحيين اللبنانيين الذين سبقوه الى ارض الكنانة عارضين ما في جعبتهم الفنية المسرحية على الملأ .

ويبقى الى النقاش والقباني  المُبدع " يعقوب صنوع " (1839 – 1912 ) المصري المولد والمنشأ الذي تهيّأت له الظروف فسافر الى اوروبا وعاين المسرح كنظيره النقاش سابقاً، ثم عاد الى مصر وقام بتأسيس فرقة مسرحية كأقرانه الذين سبقوه وعاصروه، وعرض اعماله التي وصل عددها الى اثنتين وثلاثين مسرحية، معتمداً فيها الاوبريت لأول مرة، ولكنه اصطدم بعد نشاط كبير  بالخديوي الذي اعتبر بعض مسرحياته ضد السلطة وقتذاك، فتوقف نشاطه وانتقل الى باريس وتوفي فيها بعد ان عاش فيها سنوات طويلة ناشطاً ادبياً وسياسيا.

إنّ الرواد الثلاثة مارون النقاش وابو خليل القباني ويعقوب صنوع هم وبشبه اجماع الباحثين الثالـــــــوث أو " الترويكا " العربية المُبدعة التي قام عليها المسرح العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر، فشكلوا بالتوازي زمنياً ومكانياً وفكرياً تأصيل وريادة الفكرة المسرحية العربية الحديثة : الأول في مسرحه الجاد المؤسس على النص الادبي، والثاني في مسرحه النقدي الشعبي الكوميدي، والثالث في مسرحه الاوبرالي الغنائي . وهي انماط  ثلاثة وان تأثرت بالفكرة الغربية للمسرح وبالنصوص المقتبسة الى حد كبير من ابداعات الفرنسيين والايطاليين وغيرهم الا انها رسّختْ أسُس اكتمال فن ادبي لا يزال يشكل الوجه الحضاري للتاريخ العربي في الادب والدراما، دون اغفال توالي العمل المسرحي الخالص تأليفاً وتجسيداً فيما بعد مع تطور مراحل التاريخ المسرحي العربي حتى اليوم،  ودون التغاضي عن النشاط المسرحي العربي العام بعد ذلك والذي نشأ وتطور في البلدان العربية الاخرى ولكن بعد عقود طويلة من ولادته في مصر وسوريا ولبنان .

 

حسام محيي الدين / لبنان