شاكر فريد حسنالمربية المتقاعدة حليمة دواس ضعيف شاعرة فلسطينية من قرية عارة في المثلث، انسانة متواضعة، وناشطة متطوعة في العمل الثقافي الجماهيري بمؤسسة نغم للثقافة الوطنية بوادي عارة.

اقتحمت ميادين الشعر والابداع بعيد وفاة والدها طيب الله ثراه، فكتبت العديد من قصائد الرثاء والحزن ثم انطلقت نحو آفاق أخرى، وغاصت في أنماط وأغراض شعرية مختلفة، فمارست كتابة القصيدة النثرية والخاطرة الأدبية والومضة الشعرية الخاطفة، وحاكت من خيوط كلماتها رداءً للوطن، وتغزلت به وكتبت عنه وله الكثير من القصائد الشعرية النثرية، وخاطبت شهداء الثورة والحرية والانعتاق ومجدتهم.

حليمة دواس ضعيف شاعرة رائدة، رقيقة المشاعر، غزيرة الانتاج، عرفتها المنابر الشعرية والأوساط الأدبية والثقافية، وحققت حضورًا على الساحة المحلية.

صدر لها حتى الآن: " أنين الصمت، ومضات حليمة، برج الذاكرة، والأنامل العصماء ".

وحين نقراها نحس أننا أمام شاعرة تعيش التجربة والواقع بكل أبعاده، تعرف ما تريد، غنية المعنى، جزلة اللفظ، خصبة الخيال، دفقاتها الشعرية والشعورية مسترسلة بلا افاضة ولا تقتير، تجول بنا بين قرى ومدن وأماكن الوطن، عكا، يافا، غزة، القدس ، الاقصى، اجزم، عارة، العرافيب، الخطاف وغير ذلك من الأمكنة الكثيرة.

وقصائد حليمة دواس ضعيف تتناول الهموم الوطنية والقومية والانسانية، وتعبر فيها عن هواجسها وشجونها، ليس بالكلمات والحروف فحسب، وإنما من خلال الصور والاحداث والمواقف وكل ما يترك صداه على الأرض، ويطغى عليها الحزن الرومانسي، ونجد الوطن حاضرًا دائمًا في كل كتاباتها.

وهي تفيض بمكوناتها بلغة جميلة ذات معانٍ شفافة رفيعة، فيها من جمال الصور وسحر اللغة ما يدعو إلى المتعة والدهشة.

ومن نافلة القول، أن نصوصها حميمية، رقيقة كرقة الحرير والماس، تحقق فيها ذلك الانسجام الذي لا ينفصل بين اللغة والصور الشعرية، لغتها أقرب إلى الرومانسية، وعالمها الشعري قائم على جمال الأخيلة والصور، والومضات، والوجدانيات، وعنصر التكثيف، والمفردات اللغوية السهلة، وتلوّن قوافيها بريشة فنان، تجسد همومنا وأوجاعنا وآلامنا، وتنقل عواطفنا الجياشة ورؤيتنا واحلامنا بعفوية بسيطة غاية في الروعة والجمال. فلنسمعها تقول:

يا وطنا أسكرني حبّك

علّمني حبًك أن أبحر بالأعماق

أن أكتشف جزر الشّوق

أن أصعد قمة النشوة

وفي قصيدة أخرى تقول:

لأصرخ ملء شراييني

كل الأماكن بعدك منافي

قد بذلت المستطاع

لو خيّروني

بين أعواد المشانق

والتسكع في منافي التيه

في ليل معتم

لن أبيعك للرعاع

لن أبيعك للرعاع

نصوص حليمة دواس ضعيف عبارة عن وجدانيات وومضات وهمسات روح معذبة، فيها قهر وحزن وشجن، وفيها وجع وألم، وفيها حب وعشق للأرض والوطن والتراب، وفيها اشراقات أمل وتفاؤل، تحفل بالتراكيب المتينة، والأوصاف والتشبيهات والاستعارات التي تضيف لهذه النصوص القوة والعنفوان.

وفي النهاية حليمة دواس ضعيف عاشقة متيمة بالوطن، وهي شاعرة الوطن والأحزان بلا منازع، فلها احر التحيات والتمنيات لها بغزارة العطاء والابداع المتجدد المتواصل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

602 اليوت(1888-1965) T.S. Eliot

اختارها وترجمها عن الإنكليزية بتصرف

مصدق الحبيب

 

- هدف الادب هو تحويل الدم الى حبر.

- الشعر الأصيل ينفذ الى دواخلنا قبل ان ندرك معانيه.

- الرحلة عبر ما تروم الوصول اليه اهم من ذلك الهدف القابع في نهاية المطاف.

- الشعر ليس تحريك المشاعر او التعبير عن شخصية الشاعر، انما هو الهروب منهما! ولكن من يمتلك المشاعر والشخصية هو وحده الذي يدرك ما معنى الهروب منهما.

- لا يمكننا تغيير الماضي إلا بقبوله.

- دعنا نمضي أنا وانتِ، عندما ينشر المساء جناحيه على رقعة المساء.

- الشعراء المبتدئون يقلدون، والشعراء المحترفون يسرقون! لكن التقليد قد يشوه الأصل فيما تتحول بعض السرقات الى نتاجات أفضل بكثير من سابقاتها.

- المرء لا يخاف الموت، انما يخاف ان لا يفتقده أحد او ان يختفي من وجه الأرض دون أثر.

- إذا لم تكن لديك القدرة لتصيير الحياة وفق شروطك، فعليك قبولها وفق ما تمليه شروط الاخرين.

- المستعدون لأخذ أكبر المخاطر هم الذين يدركون الى أي مدى هم ماضون قُدماً.

- إلى أين نهرب من عالم مجنون؟ إلى مكان ما في الجانب الآخر من اليأس.

- الفكاهة محاولة جادة لقول ما هو جدي.

- جزء من التعليم هو ان تتعلم كيف ان تجعل نفسك مهتما بما ليس لديك فيه أي اهتمام او أي قابلية.

 

مبارك اباعزيشاهدت، وأنا نادرا ما أفعل، فيلما مغربيا مبنيا في قصته وفق مسار محكم، انضبطت فيه القصة لعلاقات الانفصال والاتصال التي عادة ما تجعل القصة شيقة ومغرية وجاذبة. يتعلق الحديث هنا بفيلم عنوانه "لبس قدك.."، يُعرض على الشاشات المغربية بين الحين والآخر.

انتظمت قصة الفيلم وفق أحداث رئيسية هي كالآتي؛ البطلة تريد أن تحضر عرسا وتحتاج إلى عقد لتبهر معارفها. تستعير البطلة العقد من صديقتها. يضيع العقد للبطلة، وتبحث عن سبل لإعادته لصديقتها. يلجأ الزوج إلى البنك لقرض مبلغ عشرة ملايين سنتيم، وهو ثمن العقد. تظهر البطلة في حالة من البؤس. الصديقة وجدتها منهمكة في العمل الشاق، وتخبرها بأن سبب مأساتها هو عقدها الذي اشترته من جديد بعد ضياعه. وتكمن المفاجأة العبثية في إخبار الصديقة للبطلة بأن العقد كان مزيفا، ولا يتجاوز ثمنه خمس مئة درهم.

 هذا هو المتن الحكائي المنظم بشكل جيد في مبناه، القصة تعود إلى السيدة بشرى مالك. وحين نعود إلى قصة "العقد" لموباسان، نجد أن الحكاية هي نفسها: البطلة تستعير عقدا لحضور حفلة، يضيع العقد، وتَشقى الأسرة لأعوام طويلة من أجل إعادته. وبعد أن تمر كل هذه السنوات تعرف البطلة أن العقد الذي استعارته كان مزيفا.

قبل سنوات، كنت أواظب على مشاهدة مسلسل مغربي اسمه "وجع التراب"، لا لسبب سوى أن الفيلم أشار إلى أن القصة مستوحاة من رواية لإميل زولا. وبدل أن يشار إلى ذلك في فيلم "لبس قدك.."، فضلت صاحبة القصة بشرى مالك ستر النص الأصل حتى تكسب من ذلك أصالة الحكي. والحال أن الاستيحاء من نص لأكبر القصاصين الفرنسين يرفع من قدر الفيلم لا العكس. وكثير من نصوص الروائيين العظام تحولت إلى أفلام، فكيف يؤخذ من موباسان تعبه وسهره لتأتي السيدة لتسطو على مُنجزات الآخرين.

 

مبارك أباعزي

601 نجوى كنانةعن دار السكرية للنشر والتوزيع في القاهرة، صدر للشاعرة المبدعة نجوى وهيب كنانة المقيمة في الناصرة، ديوان جديد اسمته "حلم على ناصية الحنين"، وكان قد سبقه قبل فترة اصدار آخر هو "عطر الملامح". وهو الديوان الرابع الذي يصدر لها عن دار النشر نفسها.

ويحتوي الديوان الجديد على مجموعة من النصوص النثرية، كانت نجوى نشرت جلها على صفحتها الفيسبوكية.

وهي نصوص تحاكي البوح الوجداني بتعبيراتها الرهيفة، ولغتها الباذخة، واسلوبها الشاعري المتميز المتفرد الخاص، مشفوعة بالجمالية والأصالة، تتناغم بدفق شعوري وشعري، وتعبر عن تجارب انسانية حية متشابكة مع حالات الحب والوعي والحياة والوجع والواقع والذكريات والحلم، وتزخر بالبوح والتجلي، وتنبض بالمشاعر الانسانية والرهافة الحسية والدفء الوجداني.

نجوى كنانة شاعرة تصوغ قصائدها النثرية باناملها السحرية وفكرها المتوقد وروحها الشفافة واحساسها الانساني المرهف الملتهب.

وهي لا تكتب الشعر فحسب، وإنما ترسم بالحروف والكلمات لوحات فنية تشكيلية، متعددة الألوان والأصباغ، فيتكامل الحرف واللون في تجربتها.

نصوص نجوى كنانة ذات منحى رومانسي بأجوائها وصورها الشعرية، وآيات من السحر والجمال والابداع، فيها رقة واحساس، وايحاءات ودلالات عميقة.

إنها لوحات أثيرية هادئة، نابعة وصادرة من وجدانها وشاعريتها الدافئة، غير مقيدة بأي زمان ومكان، ورغم النزف والوجع تصر على بوحها الهامس عن طريق الزخم الشعوري والعاطفة المجروحة.

نجوى كنانة مبدعة بعيدة عن الأضواء الكاذبة الزائفة، تمتلك من البوح العالي ما يجعلها ترف وتحلق في فضاء الروح، بمخيلة خصبة، وخلجات نفس، وتجلٍ. مميز، بصدق وعمق وتصوير دقيق، بلغة سردية تعبيرية لا احلى ولا أجمل.

وما يميزها جزالة العبارة، والسبك القوي المتين، والخيال المجنح، والصدق العفوي التعبيري، والجمالية الفنية.

كتابات نجوى كنانة نصية توحي بلغتها الهامسة، ذات أبعاد ذاتية وانسانية ووطنية، مفعمة بشاعريتها المتفردة الثرية بايقاعها الموسيقي العذب، وفيها شحنات نفسية وعاطفية عميقة في ذاتها الشاعرة، وتنداح بشفافيتها ورهافتها وتدفقها الشعري، محققة الدهشة والانبهار.

باختصار شديد، نجوى كنانة " برنسيس النثر " - كما قالت عنها دار السكرية -، ترفرف كاجنحة الفراشات، تقم لنا أطباقًا شهية من البوح الرقيق الناعم الهامس.

 وإنني اذ أبارك للاخت الصديقة الشاعرة نجوى وهيب كنانة، صدور ديوانها الجديد، متمنيًا لها احلامًا جديدة على ناصية الحنين ، ومزيدًا من العطاء والابداع والتألق المتواصل.

تعقيب الشاعرة نجوى وهيب كنانة

حين تشعر برعشة تسري في عروقك ..وتجتاح جذور وجدانك ..فكن على يقين بأنك تقف على شاطيء كاتب يمسك قلبا بين يديه ..تعلم كيف يقاوم بإستمرار رياح الزمن الجافة تلك المحملة بأتربة الفقد والمثقلة بغبار الحنين ..والمشبعة بأوراق ..بلون تشرين ..قلم كهذا تعلم الفرار من تعب الأيام ..ولاذ بأحضان الأنين..

لذا فقد تقبض عليه متلبسا بإسقاط دمعة أو إلقاء تنهيدة ..يلفظها بين الحرف والحين .

وقد تجده يحمل في  محبرته قارورة تفوح ملامحا بعبق الورد والرياحين ..هو قلم برتبة ربّان ..ومن كتيبة العاشقين

يعرف كيف يبقي روحه جميلة ويحتفظ بقلب معافى من نوازع البشر ..مهما شاكست مجدافه ..أمواج السنين .

وقلم كهذا ..إنك وإن غادرت سطور سفينته ..فإن ملامحه لا تغادر أبدا ..ميناء روحك .

أستاذي الفاضل والكاتب والناقد الكبير شاكر فريد حسن اغبارية ..

شكرا لأنك ..أمطرتني قمحة وأهديتني دمعة ونثرتني نجمة ..وزرعت في حقل سطوري بسمة ...وشكرا لأنك ..أنت !

أدامك الله وبارك لنا في عطائك ودمت لنا منارة وشعلة نستنير بها في عتمة الدرب ..

وشكرا لأنك قرأت ..وما أروع ما قرأت

تحياتي وإمتناني ومودتي ..دمت لنا

...نجوى ...

***

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعهل كان دستويفسكي اديبا دخل عالم الفلسفة، ام فيلسوفا دخل عالم الادب، وذلك لان الادب والفلسفة في مسيرته الابداعية متداخلان مع بعض بشكل  يكاد ان يكون عضويا ؟ الاجابة عن هذا السؤال الفكري الكبير لازالت غير واضحة المعالم تماما ليس فقط في روسيا، وانما في كل انحاء العالم المتمدن من دول وبلدان وتيارات فكرية متنوعة، رغم ان دستويفسكي – واقعيا - ابتدأ أديبا اعتياديا  بكل معنى الكلمة، وان روايته القصيرة الاولى المعروفة  وهي (المساكين) وجدت مكانتها اللائقة بها في مسيرة الادب الروسي بالذات، ولم يحاول ان يطرح نفسه فيلسوفا حتى في (مذكرات كاتب) الشهيرة في تراثه، والتي ابتدأ بكتابتها في نهاية حياته، و التي يمكن القول عنها،انها آخر كتاب أصدره دستويفسكي، وسجّل فيه انطباعاته الفكرية حول تلك الظواهر التي كانت تحيط به من كل جانب في مسيرة الحياة الروسية واحداثها آنذاك.

 توفي  دستويفسكي  في القرن التاسع عشر عام 1881، ولم تبحث الاوساط الفكرية  الروسية  هذه المسألة مباشرة بشكل جديّ وحقيقيّ ومعمّق (اي العلاقة المتبادلة في ابداعه بين الادب والفلسفة) لا اثناء حياته ولا بعد وفاته رأسا، ولكن دستويفسكي أصبح  في الوقت الحاضر (في روسيا وفي كل العالم ايضا!) اكثر الادباء الروس قربا من  الفلسفة، بل، ان صح التعبير، حتى اكثرهم التصاقا واندماجا ووحدة عضوية مع طروحات الفلسفة ومفاهيمها ومذاهبها، او بتعبير وجيز ومركّز – ان دستويفسكي الان اكثر الادباء الروس فلسفة، حتى مقارنة بتولستوي نفسه (انظر مقالتنا بعنوان – تولستوي فيلسوفا)، وتوجد الان سلسلة من اسماء الفلاسفة الروس الكبار (منذ بداية القرن العشرين فصاعدا) ترتبط – قبل كل شئ – بدراسة مفاهيم وطروحات فلسفة دستويفسكي استنادا الى نتاجاته الادبية وتحليلها، وهذه الاسماء معروفة وشهيرة مثل بيرديايف (التي تتمحور قيمته الفكرية بالاساس في تلك الآراء وألاقوال والكتابات حول فلسفة دستويفسكي، والتي انعكست في كتابه (رؤية دستويفسكي للعالم) المترجم الى العربية  – انظر مقالتنا بعنوان بيرديايف ودستويفسكي)، وميرشكوفسكي (انظر مقالتنا بعنوان الكاتب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي، وبالذات حول كتابه – دستويفسكي وتولستوي)، وروزانوف (الذي أطلق على (المفتش الاعظم) لدستويفسكي تسمية (ملحمة فلسفية)،  والتي أشار روزانوف فيها الى ان دستويفسكي قد مزج هناك (حرية الارادة مع القانون المطلق للاخلاق)، وشيستوف (انظر مقالتنا بعنوان تشيخوف والفيلسوف شيستوف)، و سولوفيوف ..الخ، ويطلق هؤلاء الفلاسفة كلهم على دستويفسكي تسمية - الكاتب الفيلسوف، وهناك كذلك اسماء فلاسفة من اوربا يؤيدون هذه الآراء ويتوحدون معهم في هذا الاتجاه، بل ويرون انه حتى توجد عند دستويفسكي بدايات الملامح الاولية والاساسية  للفلسفة الوجودية  في العالم، التي بدأت تظهر في اوربا في اواسط القرن العشرين، وذلك (لأن فلسفة دستويفسكي هي فلسفة الوجود الانساني قبل كل شئ) كما يؤكد أحد هؤلاء الفلاسفة الاوربيين.

لقد تناول الفلاسفة كافة نتاجات دستويفسكي الادبية بالتحليل، ووصلوا الى ان (الفكرة الروسية) في تلك النتاجات هي صفة انسانية مشتركة بين المجتمع الروسي والمجتمعات الاوربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وان هذه (الفكرة الروسية) هي (تجسيد لقانون الاخلاق) في  هذه المجتمعات الانسانية بغض النظر عن قومية تلك المجتمعات وثقافتها ومستوى تطورها، ولهذا اصبحت هذه المجتمعات تتقبل نتاجات دستويفسكي، وأخذت تعتبرها نتاجات تعبر عن الانسان بشكل عام في كل تلك المجتمعات قاطبة، وقد أشار دستويفسكي مرة في احدى رسائله الى أخيه قائلا، الى ان الانسان (سرّ)، وانه يحاول ان يسبر أغواره (كي يفهمه) طوال حياته، وذلك لانه (اي دستويفسكي نفسه) (يريد ان يكون انسانا)، وكان دستويفسكي يتكلم هنا عن (الانسان) بشكل عام، ولم يحدد قومية ذلك الانسان او جنسيته طبعا .

ويربط بعض الباحثين هذه الافكار مع المفاهيم الدينية المسيحية الواضحة المعالم عند دستويفسكي، والتي تكمن في تأكيده على الكنيسة الروسية الارثذوكسية والدور الذي يجب عليها ان تؤديه عالميا باعتبار ان موسكو هي – (روما الثالثة) كما كان يدعو دستويفسكي، ولهذا، فان (الفكرة الروسية) التي بلورها دستويفسكي لا تفقد (عالميتها !)، او ملامحها الاممية، رغم ارتباطها ب (الصفة الروسية) تلك، ولهذا ايضا، فان القراء في العالم يتقبلون دستويفسكي ونتاجاته الادبية ذات الروح الفلسفية بغض النظر عن قوميتهم واجناسهم .  

موضوعة دستويفسكي فيلسوفا – مسألة كبيرة في تاريخ الفكر الفلسفي الانساني، وهذه التأملات هي تذكير بالملامح الاساسية فيها ليس الا، وكم اتمنى ان يتناول أحد الفلاسفة العرب هذه الموضوعة يوما، ويدرسها بالتفصيل العميق... 

 

أ. د. ضياء نافع

 

فالح الحمرانيعلى خلفية شحة الدراسات عن الثقافة العربية بالروسية وترجمة الاعمال الادبية العربية لها، وشبه انعدام التواصل الثقافي بين العالم العربي وروسيا، صدرت في موسكو دراسة رصينة كرست لاعمال غادة السمان وجاءت بعنوان " شاعرة القصة. القاصة غادة السمان. ال60ـ 90 القرن العشرين".

والكتاب الصادر عن دار نشر جامعة العلاقات التابعة لوزارة الخارجية الروسية حيث تحاضر الباحثة في قسم لغات الشرق الاوسط، ثمرة عمل طويل ودؤوب للباحثة ناتاليا شويسكا، ودراسة موسعة وعميقة لأدب غادة السمان، كما سبق وان ترجمت للروسية بعض قصصها ودافعت عن رسالة دكتوراه باعمالها.

وكما جاء في تقديم الناشر ف" شاعرة القصة. القاصة غادة السمان. ال60ـ 90 القرن العشرين" هو اول بحث من نوعه في الاستعراب الروسي والاجنبي الذي يتناول بدراسة مجمل الإبداعات للاديبة غادة السمان، من زاوية علم ادب تقويمية تحليلية. وتنطلق الباحثة من ان اعمال السمان تمثل وثيقة سايكولوجية للعصر وللمشكلات السياسية / الاجتماعية التي لم تجد لها حلولا ناجعة لحد اليوم. وتلفت الى ان النقد العربي رصد قواسما مشتركة بين أعمال السمان وأعمال فيرجينيا وولف   وسيمون دي بوفو،ا وبالدرجة الاولى بامعان الاديبة النظر في مصائر المراة العربية.

يتوزع البحث على ثلاثة فصول، تسبح فيها الباحثة في عوالم غادة السمان الشاسعة والمتنوعة : كاتبة قصة وناقدة ادب وكاتبة مقالة في الشئون الاجتماعية والسياسية، حملت هموم عصرها وامراض المجتمعات العربية، وخاضت معركتها من اجل تنمية وعي عصري وحضاري في عقلية الانسان العربي.

تولج الباحثة الى عوالم غادة السمان من خلال مقدمة تحدد فيها الاعمال التي  تركز عليه البحث، وتظهر للقارئ بصورة اولية ملامح المنهج الادبي الذي اعتمدته السمان " الذي منذ بداية نشاطها كقاصة تفاعلت فيه الواقعية والافكار الرئيسية للوجوديين العرب وموقفهم النقدي للواقع". وترى "ان في مركز اهتمامات السمان كانت الشخصية وماهيتها وجوهرها الداخلي وحياة الروح الانسانية، ومأساوية العالم الروحي للفرد".وان قصص السمان مشبعة بالابعاد النفسية وغالبا ما يتجسد بهذا الاسلوب اهتمامها في اجواء الوعي الذاتي للانسان، وما فيه من امكانات روحية، مما يتيح اعتبار قصص الكاتبة قصص سايكوجية. وفي هذا المنحى تدور محاور اعمالها على قضية " المرأة" وموضوع الهجرة والاغتراب باشكالها المتنوعة، والقصة كرد فعل على الاحداث والنزاعات السياسية والتتناقضات الاجتماعية والبناء الاجتماعي في البلدان العربية. فاعمال السمان مشحونة بمشاعر الاحتجاج ومسكونة بروح ناقدة، علاوة على المضامين العامة والإنسانية والفلسفية. وتتميز أعمدة البنية الفنية لأعمال السمان بخصوصية اللغة الفنية وشاعرية الاسلب وايحائاته ورمزيته والتركيز على تجديد فناني الكلمة  في الغرب وممثلي الحداثة.

وتاخذنا ناتاليا شويسكا في جولة واسعة بالاعمال التي ظهرت بالعربية وغيرها من اللغات التي كرست لاعمال غادة السمان، وتظهر رؤية  وقراءته الاعمال الاديبة. وتستخلص إن كافة تلك الأعمال مشبعة بمواد تدرس الوقائع والعلاقات بينها، وتتميز بتركيز كتابها بالاساس على دراسة افق مضامين اعمال السمان القصصية، وتوجهاتها الاجتماعية وتولي اهتماما اقل لمناحي الشكل. علاوة على ان التحليل الذي يقومون فيه للاعمال القصصية، يكتسب طابعا سطحيا.

وتحدد الباحثة في الدراسة مصادر تشكيل إبداعات غادة السمان وطبيعة نشاطها الادبي. وبعد ان تمر سريعا في السيرة الشخصية، تولى شطر اهتمامها الى معالم الحياة الثقافية في ستينات القرن الماضي، ونمو النزعات الحداثية والوجودية وادب اللامعقول فيها، وتشير الى ابرز ممثليها العرب والغربيين، وبالتالي تاثيرها على الوعي الفني / الفكري

على غادة السمان التي تكتب اطروحتها عن ادب اللامعقول، وتدمن على قراءة اعلام ادباء الغرب، وليس وحدهم، الذين تركوا بصماتهم في اعمال السمان. وتواكب الدراسة ظهور اعمال السمان الادبية التي بدءتها في عيناك قدري، ومقالاتها الاجتماعية والسياسية ونشاطها الصحفي ومنحها الاحاديث الصحفية، التي شكلت منبرا للتواصل مع المتلقي العربي لتفجير وعيه في مواجهة التخلف والفقر والهزيمة والاحتلال. وتقول ان السمان استحقت التقدير والتقويم الرفيع منذ بادية نشاطها القصصي حيث وقف بثبات الى صف الكتاب المناظلين من اجل مساواة المراة.

وتقول إن روايات السمان مشبعة بالحزن ولكن ليس بالاكتئاب. وان الكاتبة لا تضع هدفها ب "إخماد حرائق"  المشاكل وفك عقد التناقضات وتتمثل مهمتها في تعريتها بصدق والإفصاح الكامل عنها وجعلها واضحة قدر الإمكان. إن فنها لا يقلد هذه الحياة الكئيبة ولكنه يمنحها بالأمل ويدفعها للمثابرة وجرأة التفكير. إن أبطال أعمال غادة السمان والعام الفني الذي أقامته واللغة المجازية التي اعتمدتها أصبحت جزء من الوعي الثقافي للقرن العشرين  ثم دخلت الواحد والعشرين ما اطلق علية يوري لوتمان " الذاكرة الجماعية الثقافية"

وما يلفت النظر ا نان اكثر من ثلث الدراسة مكرس لتحليل البنية الفنية لأعمال غادة السمان، وأدوات التعبير التي تعتمدها الخ وتكشف أمام القارئ والمختص / الناقد / المحلل نبرة الكاتبة المميزة الخاص بأسلوب إبداعاتها

وما يثير الأسف إن هذه الدراسة التي تمنح القارئ تصورا كاملا عن إبداعات غادة السمان كروائية وناقدة وكاتبة مقال، التي اعتمدت التحليل المتأني والعميق لم تشمل أعمالا أخرى هامة للأديبة البارزة، مثل روايات ليلة المليار والرواية المستحيلة وسهرة تنكرية للموتى فسيفساء دمشقية.

وفي ردها على سؤال لكاتب هذه السطور عن سبب اختيارها غادة السمان مادة لدراستها قالت ناتاليا شويسكايا: إنها كانت دائما مخلصة لأدبها وموهبتها وتمارس الكتابة لان مشاكل مجتمعها تقلقها، وخاصة وضع المرأة في المجتمع العربي وفي أوروبا وأمريكا، ولكون إن  أعمالها تُقرأ بحوالي 20 لغة في مختلف أنحاء العالم، ولأنها أديبة مجددة تكتب نثر احتجاجي، ولان النقاد يقيمون أدبها بشكل رفيع، ولأن أعمالها تثير اهتمام ليس للقارئ العادي وإنما للمستعرب، ولأنها زارت موسكو والتقت بالعلماء الروس في معهد الاستشراق وبقيت ذكرة هذا اللقاء عالقة في إذهان لدى جميع المستعربين وعلماء اللغة الذي شاركوا في اللقاء.

 

د. فالح الحمراني

 

جعفر المظفريقولون ان التحضر لا يقاس بعدد الجهزة الألكترونية التي تمتلكها الشعوب او بعدد ونوعية السيارات التي تقتنيها بل بطبيعة العلاقات والسلوك الإنساني، فهو، اي التحضر، سمة ثقافية وسلوكية اكثر منه خاصية تَمّلُك. في تعريف كهذا يحتل التعامل مع الحيوانات وخاصة الأليفة منها مكانا متقدما.

في الخمسين حوش، ذلك الحي المعقلي من مدينة البصرة، حيث قضيت طفولتي قبل أكثر من الف عام، كانت واحدة من هواياتنا اليومية قتل السلاحف التي تضل طريق العودة وهي تحاول عبورالشارع إلى نهر مجاور بسرعة سنتمتر واحد في الساعة.

وعلى طريقة (ها أخوتي ها) يصيح أول من يعثر على السلحفاة، أن هلموا يا أطفال الحجارة، فترانا نتجمع بأسرع من الضوء، كُلٌ يضع دشداشته في لباسه الداخلي، ويجعل من طويتها مخزنا للحجارة المدببة، هاتفين (الطوب احسن لو مكواري)، حتى إذا ما بدأنا الرمي فإننا لن نترك تلك المدرَّعة الضالة إلا ومصارينها تتدلى من ظهرها، ثم ننصرف وكأنا إنتصرنا على إسرائيل.

تذكرت هذه القصص وأنا أنظر لحفيدتي الأمريكية وهي تربت على ظهر سلحفاة صغيرة أهداها لها والدها مدّعيا أن ذلك سيساعدها على أن تتآلف مع الطبيعة من حولها، شجراً وحيوان، ثم تربي سلوكها الإجتماعي بشكل أفضل.

لكني شعرت ، وأنا أطيل النظر لتلك السلحفاة المتجولة بأمان أمام أنظار حفيدتي، أن ثمة (حكة) كانت تأكل باطن يدي.

وقد عرفت، وأنا الخبير بهذاالنوع من (الحكات)، أنها دعوة للبحث عن أقرب حجارة بإمكانها أن تحقق عودة الشيخ إلى صباه، وقد أشعل رغبتي تلك طنين بدأ يتصاعد في أسماعي وكأني أسمع من يصيح .. ها أخوتي ها...

غيرأن من حظ تلك السلحفاة المسكينة ان المكان كان خاليا من الأحجار، إضافة لمعرفتي أن (حفيدتي الأمريكية*) التي لم تكن أكبر حجما ولا عمرا من تلك السلحفاة، تعرف تماما كيف تتصل برقم شرطة النجدة. والنتيجة معروفة سلفا.

الشرطة سوف لن تتردد عن سوقي بتهمة إني عراقي همجي قادم من عصر الكهوف، ثم تنشر النيويورك تايمز والواشنطن بوست صورتي في الصفحة الأولى كعدو للحيوانية، ولن تتورع عن تقديمي للمحاكمة بتهمة إستعمال أسلحة الدمار الشامل للقضاء على سلحفاة أمريكية مسالمة.

 

جعفر المظفر

............................

* تحية لسيدتي إنعام كجة جي صاحبة رواية الحفيدة الأمريكية التي أعتبرها واحدة من أفضل الروايات التي قرأتها حول الإحتلال الأمريكي للعراق وذلك بإسلوبها السهل الممتنع.

 

نايف عبوشالثقافة التقليدية، كما هو معروف، كان مصدر تلقيها الرئيس، يوم ذاك، هو الكتاب الورقي. وما يرتبط به من شكليات تداول المعرفة منه، ولاسيما الاشارة المرجعية له، تمشيا مع معايير المعرفة، والمهنية، وضوابط الأمانة العلمية المعتمدة في البيئة العلمية، والساحة الثقافية يوم ذاك،مع كل ما يحيط بتلك الأسلوبية الرصينة من صعوبات.

 ومع هيمنة الثقافة الرقمية، في عصرنا الراهن، وذلك بظهور ثورة الإنترنت، وميديا المعلوماتية، بهذا الشكل المفتوح للجميع، دون قيد أو شرط،وفي كل الاتجاهات،فقد تراجعت معايير الرصانة، والمهنية في البيئة الثقافية، والمعرفية،بعد أن تم التهاون مع مرجعية المصدر، واهمال الإشارة إلى المرجع، بشيوع آلية النسخ، واللصق، واعتمادها أسلوباً سهلاً، في تشكيل الثقافة الرقمية الجديدة.

وهكذا فنحن اليوم، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة، على ما يبدو، هو الثقافة الرقمية، التي بات المتلقي يستقبل معطياتها مباشرة، من الشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي على الانترنيت، بسهولة متناهية، دون أي تقييدات تذكر، او موانع من أي نوع .

ولاشك أن هذا التطور الحاصل في ثورة المعلوماتية، هو ما فسح المجال على مصراعيه، لظهور المثقف الرقمي، او الإفتراضي، إذا جاز التعبير، متلقيا كان، او ناشرا لها، وذلك بغض النظر عن عمق ثقافته، أو سطحيتها، غثة كانت، ام زاخرة.

ويقينا فإن ان ظهور المثقف الافتراضي، بدخوله عصر المعلوماتية بقوة، قد أطاح بمعايير الثقافة التقليدية، سواء من حيث إلغاء احتكار دور النشر، والتوزيع لها، أو الحد من دور المكتبة، في تدفق المعرفة إلى الجمهور، او من حيث أزاحة معايير الجودة، وإهمال الحرص على متانة المعلومة، ودقة المضمون جانباً، واغفال مصدر التغذية، الامر الذي فسح المجال واسعاً، لظهور ثقافة عصرية مسطحة، وتفتقر إلى معايير الرصانة، التي كانت ابرز سمات ثقافة النخبة التقليدية.

وهكذا، فنحن اليوم إذن، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة الرقمية، والمثقفين الأفتراضيين، الذين باتت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بنتاجاتهم الكتابية، والفيديوية، والصورية، وفي شتى مجالات المعرفة، باعتماد اسلوب النسخ واللصق، الذي يقتل طاقة الإبداع لدى المستخدم، ويحد من تفجير الهاماته، ويحجم تفتق قدراته الكامنة، باستساغته النصوص، والمعطيات الجاهزة، ناهيك عن غمق حق صاحب النص الأصلي، او المنشور، ومهما كانت طبيعته،وهذا ما يتنافى مع مبدأ الأمانة العلمية، والحفاظ على الحقوق الفكرية للآخرين.

انها ثقافة عصر جديد، يبدو أنه لا مناص لنا من ولوجها، وبالطبع فإن لها محاسنها، في توسيع قاعدة المشاركة، وإلغاء قيود احتكار النشر، ولها في ذات الوقت، مثالبها في التسطيح، وتدني مستوى المضمون، وشيوع أسماء لا حصر لها، من كتاب، ومستخدمين افتراضيين، لا يلتفتون إلى مضمون النص، ولا يلقون بالا لمعايير الرصانة، ولا يملكون من الثقافة الحقيقية، سوى إجادة آلية النسخ، واللصق، والنشر، ليس إلا.

وما دامت الرقمنة والمعلوماتية، قد افرزت هذا النمط الآلي من التعاطي الثقافي، فإن المطلوب إزاء التفاعل مع مثل هذه الظاهرة المستفحلة، إن كان ولابد، ان يقوم المستخدمون، والمثقفون الإفتراضيون، باعتماد أسلوب المشاركة، وخاصة إذا ما وجدوا أن النص، او المنشور، او الصورة، مفيداً للقراء، ومستخدمي ميديا المعلوماتية،وذلك بدلاً من اللجوء إلى أسلوب النسخ واللصق، الذي يجافي معايير الأمانة العلمية، ويطمس حقوق منشيء النص الأصلي، ويقلص عند المستخدم، فوق كل ذلك، طاقة الإبداع

 

نايف عبوش

 

600 خليلفي صباح يوم بارد وقف رجل في إحدى محطات المترو في العاصمة الامريكية واشنطن وبدأ يعزف الكمان

عزف مقاطع مختارة من ارقي مقطوعات موسيقى العبقري باخ لمده حوالي 45 دقيقة...

خلال ذلك الوقت "لأنها كانت ساعة الذروة"، مر حوالي 1100 شخص في محطة المترو، معظمهم في طريقهم إلى العمل...

مرت ثلاث دقائق،

تباطأ رجل في منتصف العمر في سيره وتوقف لبضع ثوان، وهو يستمع لمقطوعة الموسيقي، ثم هرع للحاق بالوقت...

بعدها بدقيقة، تلقی عازف الكمان الدولار الأول!

كانت امرأة ألقت له المال بدون ان تتوقف وواصلت المسير!

شخصٌ استند إلى الجدار للاستماع إليه لبضع دقائق، ثم نظر إلی ساعته وبدأ المشي مرة أخرى وكان من الواضح أنه قد تأخر عن العمل...

كان من أبدى أكبر قدر من الاهتمام طفل عمره 3 سَنَوات، كانت والدته تحثه علی السير لكنه توقف لإلقاء نظرة على عازف الكمان...

وأخيراً، واصل الطفل المشي مكرهاً، مديرًا رأسه طوال الوقت،

وكرر هذا الأمر العديد من الأطفال الآخرين..

لكن جميع الآباء، دون استثناء، أجبروا أطفالهم على مواصلة السير

 وجميع الأطفال دون استثناء حاولوا التوقف والاستماع...

في 45 دقيقة من عزف الموسيقى، لم يتوقف ويستمع لمدة من الوقت سوى 6 أشخاص...

من الذين مروا حوالي 20 قدموا له المال، ثم واصلوا السير بوتيرة طبيعية...

كانت نهاية 45 دقيقة من العزف مبلغ 32 دولار...

عندما أنهى العزف وران الصمت، لم يلاحظ ذلك احد! ولم يصفق أحد!

لا أحد لاحظ أن عازف الكمان هذا هو "جوشو بيل"واحد من اكبر وأشهر الموسيقيين الموهوبين في العالم.

وأنه عزف مجموعة من القطع الموسيقية الأكثر تعقيدًاّ.

وانه يعزف علی كمان قيمته 3.5 مليون دولار.

وانه قبل يومين من لحظة عزفه في مترو الأنفاق، بيعت بطاقة الدخول لحفلته في أحد المسارح في بوسطن بمتوسط (100 $).

"جوشو بيل "عزف في محطة المترو ضمن تجربة نظمتها واشنطن بوست كدراسة اجتماعية حول (الإدراك وأولويات البشر)

 كانت الفكرة الاساسية هي:

- هل ندرك الجمال في جو غير مناسب وفي ساعة غير مناسبة؟

- هل نتوقف لنقدّره؟

- هل نتعرف على الموهبة في سياق غير متوقع؟

وأحد الإستنتاجات الممكنة من هذه التجربة يمكن أن تكون:

إذا لم يكن لدينا لحظة للتوقف والإستماع إلى واحد من أفضل الموسيقيين في العالم يعزف أفضل موسيقى كتبت لآلة الكمان!

فكم من الأشياء الجميلة من حولنا أثناء مسيرة الحياة تفوتنا ونحن لم نستمتع بها لانها بسيطة المظهر؟

وكم غرتنا مظاهر في حياتنا فقط لانها وضعت بصورة مبهرجة ؟

 

خليل ابراهيم الحلي

 

خالد جودة احمدالأديب شمس زاهرة ترسل أشعتها الرقيقة على النفوس، مزيج من ذهب براق وفيروز من معاني الخير والعطاء، معان دافئة من شلال متدفق من ماء عذب زلال يشفى صدى الظمآن.

الأديب قطرة من نور خيط من شعاع الحب، لمسة فرشاة ساحرة على لوحة وجدانية رائعة التكوين.

يقول الأديب الحزين الفذ "المنفلوطى" فى (النظرات):

" الأدب ليس سلعة من السلع التجارية لا هم لصاحبها سوى أن يحتال لنفاقها في سوقها، إنما الأدب فن شريف يجب أن يخلص له المتأدبون بأداء حقه والقيام على خدمته إخلاص غيرهم من المشتغلين ببقية الفنون لفنونهم "

ويقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه (ثورة الأدب):

" الأدب فن جميل غايته تبليغ الناس رسالة ما في الحياة والوجود من حق وجمال بواسطة الكلام والأديب هو الذي يؤدى هذه الرسالة "

والأديب يمتلك داخل روحه لوحته الفنية من أفكاره وأحاسيسه يزين بها جدران قلبه الأخضر وذلك هو سبيله كي ينفع الآخرين،

يقول "العقاد" في مقال له بعنوان (الإصلاح الأدبي):  

"إصلاح الآداب هو إصلاح لحياة الأمة وحل مشكلاتها وتصحيح التعبير عن حياتها الحاضرة والمستقبلية ويمكن الحكم على صلاحية هذا المقياس وجودته بمدى ما يقدمه الأدباء من فن رفيع لخدمة الأمة وما تتصف به نفوسهم من خلق كريم"

ويصف أحد الكتاب قدر ما يقدمه الأدب والأدباء من اثر في العقول والقلوب فيقول:

" بين كل المسارح التي تتقلب عليها مشاهد الحياة ليس كالأدب مسرحا يظهر عليه الإنسان بكل مظاهره الروحية والجسدية ففي الأدب يرى نفسه ممثلا وشاهدا في وقت واحد ... وهناك يشاهد نفسه من الأقماط حتى الأكفان ...

وهنالك يرى أدواره المتلونة بلون الساعات والأيام هنالك يسمع نبضات قلبه في نبضات قلب سواه، ويلمس أشواق روحه في أشواق روح سواه ويشعر بأوجاع جسمه في اوجاع جسم سواه، هنالك تتخذ عواطفه الصماء لسانا من عواطف الشاعر وتلبس أفكاره رداء من نسيج أفكار الكاتب فيرى من نفسه ما كان خافيا عنه وينطق بما كان لسانه عيا عن النطق به فيقترب من نفسه ومن العالم ...

فرب قصيدة أثارت فيه عاطفة من العواصف أو مقالة تفجرت لها في نفسه ينابيع من القوة الكامنة أو كلمة رفعت عن عينيه نقابا كثيفا أو رواية قلبت إلحاده إلي إيمان ويأسه إلي رجاء وخموله إلي عزيمة ورذيلته إلي فضيلة "

وهكذا فالأديب شمس تشرق على النفوس وتنير جنباتها المظلمة وتؤسس بها المتعة والقيمة معا، ما أروع الأدب. أيها الأديب عملك الأدبي لوحتك الفنية، وويل للمعنى والفن إن ضل الأديب في لمسات فرشاته الإنسانية على لوحته الوجدانية.

 

خالد جوده أحمد  

 

خالد جودة احمدهناك من المثقفين من يحشر كلمات ثقيلة ومفاهيم ومصطلحات مستوردة ليثبت بها تعالمه واستعلائه، ويشبع نزعته في الظهور والاحساس بالتفوق علي الآخر، ويعمد لإرهاب الآخر الثقافي بتلك العبارات الضخمة، ويكتب الساخر "يوسف معاطي" عن متحدث من هؤلاء كان يحاضر عن الناقد الإنجليزي "ت.س. أليوت" فلم يفهم الناس شيئاً، لكنهم خافوا أن يتهموا بالضحالة الثقافية، فكانوا يهزون الأدمغة دلالة الفهم، الكاتب الساخر شك في نفسه، وقال أنه لابد أن لديه "نقص أليوت".

وقد قرأت اليوم للناقد اللامع د. سيد محمد قطب أستاذ جامعة عين شمس، في بحثه حول المقارنة بين طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، ورواية قصر الشوق لنجيب محفوظ ويرصد الصلة بينهما بعنوان (طوق النجاة حوار ابن حزم ونجيب محفوظ في فلسفة الحب)، يقول في هذا المعني:

(إنه العالم البعيد الذي يصنعه الغرب ويصدره للشرق، بل إن الغرب يصدر للشرق ما هو أهم من ذلك وأكثر ثأثيرا عليه، إن الغرب يصدر للشرق الصورة التي يجب أن يكون الشرق عليها، وهذه الصورة تشمل مجالات الحياة كلها، وتجعل الشرق مقلداً سائراً خلف الغرب في الطريق الذي تحدد بعيداً عن هويته)

وسبق مطالعتي لفكرة الناقد الأريب بيوم مطالعتي لكتاب مقالي في النقد الأدبي للكاتب والروائي صبري العسكري معنون (يا قلب لا تحزن)، احتفي فكرة قريبة أيضًا، حيث تحدث عن رواية خريف البطريرك لجابرييل دي ماركيز وانتقدها لأنها تقدم للغرب الصورة التي يريدها الغرب أن تكون عالقة باذهاننا عنا.

إن صياغة الذات تستوجب ثقة بعقولنا، وثقافتنا التي تصدر عن هوية خاصة بنا، دون أن نهتز لقصف المصطلحات الثقيلة الصخرية، ليس انتقاصًا لدور المصطلح العلمي، بل رؤية صحيحة لتوظيفه في إطار الأرث الإنساني العام، دون أن يكون في حد ذاته وسيلة للاستغراب والإنبهار، وهدم الذات، وسحقها تبتلًا في محراب ثقافات مناقضة نشأت في بيئات مغايرة. وأيضًا لبناء أسلوبيتنا الخاصة فكرًا ونقدًا وفنًا. الطريق طويل جدًا، لكنه يبدأ بخطوة تليها خطوات. آراها الجدية والرؤية التي تمزج بين الأصيل والقادم النبيل.

 

خالد جودة أحمد

 

شاكر فريد حسنيعد المرحوم مفيد قويقس أحد العلامات الشعرية المضيئة في المشهد الشعري والأدبي الفلسطيني الراهن، ومن أعمدة القصيدة العمودية التي تلتزم بحور الشعر الخليلية. فهو شاعر مقتدر ومتمكن، عفوي صادق، يعانق الحرف الشامخ، أشعاره يموسقها الجمال، وقصائده ذات جماليات على مستوى اللغة والتشكيل والمضامين، ويشهد له القاصي والداني بشاعريته الفذة، ولكن مع ذلك لم يحظ بالاهتمام النقدي المطلوب والتقدير الذي لا يستحق في حياته.

ولد مفيد قويقس في قرية يركا الواقعة قضاء عكا، في ٢١/ ١١/ ١٩٥٨، أنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها، لكنه لم يواصل دراسته نتيجة الأوضاع والأحوال الصعبة، واختار مجال الأعمال الحرة.

ومنذ شبابه المبكر انضم للحزب الشيوعي وشارك في نضالاته ومعاركه الكفاحية، وبسبب مواقفه الوطنية والسياسية- الفكرية، تعرض للاعتقال والاقامة الاجبارية، ولكن ذلك زاده قناعة بطريقة السياسي وانتمائه الحزبي، والتمسك بالفكر التقدمي المستنير.

قرض مفيد الشعر وهو على مقاعد الدراسة، ونشر قصائده في صحافة الحزب الشيوعي، وفي العام ١٩٨٢ صدر ديوانه الأول الموسوم " على ضفاف جرحي نما الزيتون والغار ". وبعد اكثر من ٣٠ سنة صدر ديوانه الثاني " الغضب "، فديوانه "ذاكرة انتظار "، و" عشريات ومقطوعات"و " بكلتا يدي " (٢٠١٨).

يغلب على قصائد مفيد قويقس روح الوطنية والعروبية والقومية والطبقية، وروح الغضب والتمرد والثورة على الواقع القهري الاضطهادي، والانحياز لفقراء الوطن وكادحيه ومسحوقيه. وتناول فيها الكثير من الموضوعات والمضامين، فكتب عن الارض والوطن والجليل والعمال وأول أيار والمرأة ويوم الارض والانتفاضة وشهداء الحرية، وحاكى الحب والطبيعة في قصائد رومانسية لا احلى ولا اجمل.

قال عنه الناقد الأديب د. منير توما: " شعره كاًوراق السنديان في نعومتها وملمسها وشكلها الموحي بصلابة شجرها العريق الذي يتماهى مع أصالة مفيد قويقس في الانسانية والوطنية، كما تشهد له قصائده في ديوانه " الغضب ".

ويضيف قائلًا: " الاحساس عنده انصهار كيان، فهو يكتب بخغق قلبه، وصفاء روحه، بنبضات عروقه، وآلامه، بصدقه واخلاصه، وايمانه ليجسد احساسه الملتهب هذا بتصوير حالة من الوجد والشجن يتخللها أصداء واقع مرير صادرة بصور عاطفية شجية مؤثرة ".

مفيد قويقس جواد شعري مجنح، نذر نفسه لهذا الوطن الذي كان مسكونًا به، ونسج من خيوط عواطفه وشعاع خواطره ملاحم العشق والنضال والخلود، وكرس يراعه في الدفاع والذود عن شعبه وقضايا الوطن والحرية، واسهمت الأحداث المأساوية التي مر بها شعبه، وعاشها وعاصرها، في ايقاد جذوة الشعر المضطرم في أعماقه، فصاغت منه شاعر الكفاح والمقاومة والرفض، وشاعر الوطن والأرض، وشاعر الحب في آن.

نماذج من شعره:

درزوا قوميتي بالكذب

فكأن يبغون فصلي عن أبي

درزوها ويحهم هل حسبوا

بكتاب الزيف أنسى حسبي

ويحهم كيف استحلوا ذلهم

باقتلاع الثوب ثوب النسب

كيف يرضون على أنفسهم

انعرالا عن سليل طيب

جلس الملك على عرش وهم

بين نعلي ملكهم يلغون بي

خسئوا لا العز من شيمتهم

لا ولا هم فن سليل العرب

ويقول في قصيدة اخرى:

إني عشقتك عزة عربية

متوغل في عشقها الوجدانُ

فمن المحيط الى الخليج همومنا

جرج يوثّق بينها ولسان

عريية أفراحنا عربية

أوجاعنا وجميعنا عربانُ

لم نفتقد رغم الظلامِ هوية

بالعمق تسري واسمها الإنسان

وفي قصيدة اخرى يبوح عن انتمائه قائلًا:

سجّل على جبهة الدنيا أنا أُممي

سجّل وهناك دمي فاكتب بسيل دمي

سجّل أنا من تقلاه الخنى زمنًا

وحاصر الليل شمسي في ذرى القمم

أنا الفصيلُ الذي أمسى على مضضٍ

ولست أحمل غير الجرح والألم

ولست أملك بالدنيا سوى غضبي

والحب والجوع والأشعارِ والقيمِ

سجّل احبُّ شعوب الأرض قاطبةّ

لا فرق عندي بين العرب والعَجَمِ

القصيدة الاخيرة:

كان المرحوم مفيد قويقس قد كتب قصيدته "غسان كنفاني عائد ويبقى " ليقراها في أمسية اشهار كتاب" معارج االابداع " لعدنان كنفاني في مقر مؤسسة " الأسوار " بعكا، ولكن قبل أن يلقيها أصيب بنوبة قلبية حادة، فمكث في المستشفى لعدة أيام، ولكن كان الموت بالمرصاد له، فتوفي فجر يوم الجمعة الرايع من كانون الثاني العام ٢٠١٩ وشيع جثمانه في اليوم نفسه:

ومما جاء في قصيدته :

 

لستَ يا غسّان ذكرى

إنّما دربٌ وأفقُ

كلّ ما فيك امتدادٌ للتفاصيل

وشرقُ

عائدٌ أنت إلى عكًا وحيفا

عائدٌ بين يديك الفجر يسري

وانتظار العائدينْ

عائدٌ يا ايّها الباقي الذي لا ينتهي

بحرًا ورياحًا

وترابًا وحنينْ

لستَ ذكرى إنّما بدء الحياةْ

وانْطلاقٌ وارتقاءٌ

وسفينٌ للنجاةْ

لستَ ذكرى ونراها وترانا من بعيدٍ

أنت مَن يحيا لدينا

نحن مَن نحيا لديكْ

عائدٌ أنت ولكن

من حقوق الأرض أن تبقى

وأن نأتي إليكْ

لستَ ياغسّان ذكرى

إنّما العودة للحب الذي تحضنه

بين يديكْ

.........

عائدٌ أنت الى حيفا وعكّا

عائدٌ أنت الى كلّ مكانِ

لم تغبْ حتّى تعودَ اليومَ ذكرى

أنت ملءُ الأرض في هذا الزمانِ

فيكَ شعبٌ يتحدّى، فيكَ شعبٌ

يتعالى عن صغيرات الأماني

أينما كنت حياةً أو رفاةً

فيك شعبٌ ترتقي فيه المعاني

أينما كنتَ فأنت الحيّ دومًا

تسحق النسيان في كلّ رهانِ

ربّما الأسماء تُنسى في بلادٍ

وبلادي ليس تنسى كنفاني

جئتَ يا غسّان من أسوار عكّا

قد أتت أولى ومنها أنت ثاني

فيك شعبٌ لا يموت الحلم فيه

كاظمًا طولَ انتظارٍ واحْتقانِ

فيك مدّ البحر نحو الشطّ يهفو

ونشيدُ الأرض في كلّ الأغاني

............

ليس للشوق قياسٌ أو كثافهْ

رغم حجم الليل يجتاز المسافهْ

يصل النهرُ الى البحر مُحبًّا

رغم سدٍّ

رغم حدٍّ

رغم أشكال الليالي

رغم دعوى فَرَضَتْ يومًا

على النهر انْعطافَهْ

ليس للشوق وللحبّ حدود أو مسافهْ

فحكايا الأرض تروي قصة الحبّ الذي يحيا،

ولا يَنسى من النهر ضفافَهْ

زمنٌ يمضي

زمنٌ يقتات من أيامنا

يخشى المحبّين وأسماءَ المحبّين

وفي رؤياهُ طبع الحبّ آفهْ

لِيَرَ الكارِهُ ما شاء ومن شاء

فنحن العاشق الممتدّ في كلّ الزوايا

ومَدانا واقعٌ لا ينتهي

ليس خيالًا أو خرافهْ

..............

لكِ عكّا كلّ أسبابِ البقا

هذه الأسوار نبضٌ من ثبوتْ

كتب الدهرُ حروفًا فاقْرأي:

صامدٌ يعشقُ عكّا لا يموتْ

..............

لستَ يا غسّان ذكرى

إنّما الزيتون والفكر وهامات الرجالْ

ووضوح الماء للظامئ

في صحراء، فيها لم يكنْ إلّا الرمالْ

لم يمت سقراطُ يومًا

رغم كأس السمّ، حيًّا

بين أحياء اليتامى

لا يزالْ

لستَ يا غسّان ذكرى

ايها المكتوب في كلّ الحنايا

ليس يمحوكَ احتلالٌ

واغتيالٌ

وانتقالْ

عائدٌ أنت الى حيفا وعكّا

وجهك القائم كالماء انتعاشٌ واكتمال

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنثمة سؤال مطروح: لماذا لا ينتشر أدبنا المحلي ويشتهر شعراؤنا، ويأخذون ما يستحقون من الرعاية والاهتمام، هل هو تواجدنا تحت الاحتلال، ولا دولة تهتم بنا كشعراء- كما تقول مقبولة عبد الحليم- واذا سلمنا بهذا الطرح جدلاً، فلماذا انتشرا اذًا الشعر والأدب الفلسطيني، وتعديا الحدود واجتازا الفواصل، في مرحلة حالكة في تاريخنا الفلسطيني، هي مرحلة الحكم العسكري، وكانت حينها المنابر قليلة، ولم يكن سوى صحافة وأدبيات الحزب الشيوعي، في حين أن الحال اليوم مختلف، حيث شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، التي لا تعد ولا تحصى، فضلًا عن الصحف العربية المنتشرة في العالم العربي!!.

في هاتيك الأيام اخترق أدبنا الأسوار والفضاء وتحدى الحصار والخنق والطوق الثقافي السلطوي، ووصل الى الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي، فرددت قصائد وأشعار محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وتوفيق زياد وحنا أبو حنا وسالم جبران وغيرهم من أقطاب وأعلام الشعر والأدب الفلسطيني، ومن القصائد التي اشتهرت وانتشرت قصيدة " سجل أنا عربي " للراحل محمود درويش التي حفظتها عن ظهر قلب الجماهير العربية من المحيط وحتى الخليج، ما جعل درويش اطلاق صرخته المعروفة " انقذونا من هذا الحب القاسي ".

حتى أن الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني احتفى بأدبنا وأصدر كتابه الشهير عن أدب المقاومة الفلسطيني.

باعتقادي المتواضع أن عوامل متعددة ومختلفة وأكثرها ذاتية، لعدم انتشار أدبنا وشهرة شعراؤنا على نطاق واسع في زماننا الراهن، ومنها غياب القيم الثقافية والأخلاقية، والمستوى الشعري للقصيدة، والتركيز على الذات، والابتعاد عن المنبرية وهموم الناس وقضايا الشارع ونبض الجماهير، عدا النرجسية والتقديس والدجل والزيف الثقافي والتنافس السلبي بين أصحاب القلم، ومظاهر الغيرة والحسد، وما يجري وراء الكواليس من أحاديث نميمة وتشهير بالآخر، بالاضافة الى الشللية والانقسامات والصراعات بين الروابط والمنديات والاتحادات الأدبية، وايضًا عزوف الناس عن القراءة، وعدم اهتمام الجيل الشبابي بالشعر والقصيدة بشكل خاص والأدب عامة، والاحباط الأدبي والثقافي السائد نتيجة القرف من المظاهر الأدبية السلبية المدمرة السائدة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

محمد غانيأليس أُمرنا بالقراءة في ظلمة ليل الجهالة لحكم متعددة و مغاز متنوعة؟ أليس يشير وحي قلم القدرة الى أهمية الاهتمام بالقراءة؟ أليس واعد الاله موسى اربعين ليلة و أَتْمَمَها بعشر ليقتبس من نور وحي الإلهي جُمِع في صحف ليقتبس من جذوتها المؤمنون؟ ليس ذاك لشيء، الا ليتغلبوا على فرعون جهالاتهم التي تنتصب آلهة تسير جوارحهم الى الضلال؟ أليس بنور جذوة موسى "القراءة" تهتدي أعين السائرين في ليل الجهل الحالك؟ ألم ينمو رضيع موسى بفضل جذوة النبوة وسط قصر فرعون الجهالة فكذلك يمكن أن يرتقي رضع القراءة وسط بيداء جهالاتهم ان هم نحروا فرعون الضلال و الجهل بداخلهم؟

لأكل قلب الثمار لا بد من تجاوز القشور الى اللب، بل في كثير من الاحيان نعثر على الجواهر بعد الغوص في أعماق سطوح المحيطات فكذلك جواهر المعاني ينبغي الغوص عميقا للعثور عليها، لكن بطبيعة الحال مع اتقان فن الغطس، و الا لَغرِق النافذ للقعر دون أخذ بالأحوط  بالتسلح بالمفيد من الآليات الميسرة للوصول الى المقصد و الهدف.

أمر رسول الاسلام بالقراءة رغم انه أمي، فيه دليل على أن الامر يتجاوز المعنى السطحي لقراءة المكتوب من التراث الانساني، رغم ما فيه من الفائدة، و يتجاوزه و الحالة هاته، الى الامر بقراءة المكتوب بيد القدرة وما سطره الحق في كتاب الكون الذي سيطوى يوما ما كطي السجل للكتاب، انه أمر باستخدام الحِجَى في فهم الحكم و الاسرار الخفية و الظاهرة وراء خلق كل كائن على ارض الوجود سواء كان هذا المخلوق محسوسا أو غير مادي، و الغوص في التفكير و التدبر لغاية الحصول على نتائج و خلاصات تفيد الكائن البشري في اعمار الارض اولا و في سيره في طريق اكتشاف آثار الحق على هذا الوجود.

ليس التراث الديني وحده الذي يرفع شعار التفكر و التدبر و الاعتبار من اجل تسهيل الحياة و تيسيرها على هذا الكائن البشري سواء في شقها المادي او الروحي بل هذا ألبرت أينشتين وجدته يقرر هاته الحقيقة قائلا" لقد خلق الله الكون وفقا لقوانين لا تعترف بالمصادفة أو العشوائية" فهو بتفكيره العميق و تدبره في احوال الكون يقرر نفس الحقائق الدينية المسلم بها مند البداية لدى الموقن بها، حيث انه من المعلوم ان الحق لا يتبع اهواء مخلوقاته و إلا لفسدت السماوات و الارض و من فيهن.

ان التفكر و التدبر لب باطن الفعل الانساني لذلك ينبغي توجيه عقولنا في السبورة الكونية لاختيار ما ينبغي التفكير فيه حتى تأخذ أفعالنا صباغة الارضية التي نمشي عليها بافكارنا ففي النهاية كما ترى الاديبة الامريكية المتخصصة في كتابة القصة القصيرة  اليزابيث جيلبرت "انت لست سوى ما تفكر فيه و احاسيسك هي عبد لافكارك و انت عبد لعواطفك".

اذا تأملت ايها القارئ العزيز احوال غير الناجحين تجدهم لا يحسنون اتخاذ القرارات لا لشيء الا انهم لم يعتبروا من التجارب التي تمر أمامهم، فاللبيب من قرأ كتاب الكون و خبر تجاربه ليعرف كيف يجول بدروبه بأمان فلا تفترسه وحوش و لا يسلبه قطاع طرق، لذلك تقول الكاتبة الامريكية من اصل اسباني كوبي أناييز نين "اذا كنت بليدا لدرجة انك لا تستطيع التفكير لنفسك فتزوج" و كلامها بليغ لان فيه اشارة الى ضرورة الاستشارة من الغير عند اتخاذ القرارات حتى من طرف المتمكنين لطرق التفكير.

ان القراءة حسب نفس المفكرة أناييز نين هي "فن الانصات" بمعنى ان الصمت عين الانتباه بسائر الحواس للأخذ و الافادة من سبورة الكون، ان عملية التدبر و التفكر ان تأملناها جيدا، سنجدها سبر لما خفي وراء سطور الكون، من ظواهر المخلوقات، لاستكناه الحكم و الاسرار و التجليات الالهية على هذا الوجود، و هو عين معنى المعراج الفكرى و الروحي المطلوب منا اقتفاؤه اقتداء بالاسوة الحسنة.

أخيرا، كم  ينبغي لنا ان ننتبه الى خلع نَعْلَي الجهالة و الغفلة من اجل اثارة انتباه حواسنا و توجيهها لجذوة موسى القراءة بطور سناء السبورة الكونية من اجل تلقي الخطاب الالهي الذي لا يفتأ يخاطب عقولنا القلبية بآياته الكونية بشكل لا يتوقف لاستكناه جواهر معانيها عبر الاجيال.

 

د. محمد غاني، كاتب، المغرب.

 

قبل فترة وانا اتناول نوع من الخضار ابتسمت ابتسامة كانت من القلب فعلا لاني تذكرت اني كنت بصغري عندما اشاهد والدتي وهي تتناولها استغرب كيف تستطيع اكلها وهي بطعمها السيء هذا وسبحان الله الذي غير ذائقتي وفكرتي وصرت اتناولها بحب..! واستحضر دائما اموراً مهمة في تفكيري وطبيعتي قد تغيرت.. يغير الله محبتنا وتقبلنا لبعض الاشياء والاشخاص والاماكن وتتغير كل طبيعتنا بمرور الزمن فلماذا نحن نتمسك ببعض الافكار والاعتقادات ونرى انها من المحضورات التي لايجب الاقتراب او حتى محاولة التفكير بالبحث عن اصولها او كونها تتقبل الصح او الغلط... في السابق كنت ارى من يثبت لسنين على رأي ولايغيره انه قوي وواثق من نفسه وافكاره وآرئه، اليوم صرت ارى العكس فسرعة تطور الحياة وكل هذا الكم الهائل من المعلومات وابواب العلم المفتوحة تستوجب التطور والتغيير فكما يتغير كل شيء في الكون تتغير افكارنا وتتطور وتكبر بالبحث والتفكر والتعلم المستمر. فلا يمكن للانسان ان يبقي نفسه في اطار واحد وآراء محددة لاتتقبل النقاش ولا التغيير، حتى طباع الانسان قابلة للتغيير نحو الافضل بمجرد تغير افكاره وطريقة استجابته للاحداث من حوله. نجد الكثير من الامثلة خاصة في الحياة الريفية مثلا تكون صفة سائدة يطلقها نساء العشيرة الواحدة على انفسهن ان نساء هذه العائلة عنيدة مثلا ولا تغير رأيها وطبعا يعتقدن ان الامر فيه شيء من التميز.. او هذه العائلة رجالها مزاجهم صعب ويعتقدون انها صفة ثابتة ويتناقلها الابناء والاحفاد... والكثير من الصفات واني على يقين كل من يقرا تذكر شيء مماثل، والحقيقة ان اغلب هذه الصفات هي يتم طرحها وتمريرها من خلال الاحاديث وتكبر لتصبح افكار ثم افعال متوارثة وهذه من الادلة التي تثبت عدم محاولة الانسان تغير افكاره لعدم وعيه وانه يرى التغيير شيء غير صحيح ومخالف للنواميس والاعراف ويعمل على محاربة كل تغيير لانه ليس على طريق الاباء والاجداد..فهم يغيرون ملابسهم مع الزمن يوم بيوم ويؤثثون منازلهم بأحدث الاثاث واجملها . . . وافكارهم اثرية لم تتجدد منذ سنين..(... بل نتبع ماالفينا عليه اباءنا ...)، مما يجعل كل تعاملاتهم تحددها هذه الافكار وتجمد اي محاولة للاستنتاج او التكهن بمستقبل مختلف لان المعتقدات ثابتة اذن لايتغير شيء..!! تغيرك وتحديث افكارك يدل على انك حي وتستجيب وتستقبل اشارات الكون لك. فيقال ان من لايتغير... ينقرض..!

 

هناء عبد الكريم

 

ضياء نافعالمرحومة أ.د. حياة شرارة (1935 – 1997) والمرحوم أ.د. محمد يونس (1937 - 2009) هما علمان من اعلام   قسم اللغة الروسية في كلية الاداب ثم في كلية اللغات بجامعة بغداد، وعلمان من أعلام الباحثين باللغة العربية والمترجمين عن الروسية في قضايا الادب الروسي  بالعراق بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام، وهما ايضا شخصيتان معروفتان في الاوساط الروسية التي تتابع نشاطات الباحثين والمترجمين العرب في مجال الادب الروسي، وقد ورد اسميهما – مثلا - وتحليلا شاملا لاسهاماتهما في مجال الادب الروسي في العالم العربي على صفحات عديدة في كتاب د. الميرا علي زاده الموسوم – (الادب الروسي والعالم العربي)، الصادر في موسكو عام 2014 عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية، وكذلك في مصادر روسيّة اخرى .

لقد تناولنا في كتاباتنا عن الادب الروسي مساهمات د. حياة شرارة ود. محمد يونس في كثير من مقالاتنا (انظر، مثلا، مقالاتنا بعنوان –  حياة شرارة والادب الروسي في العراق - لقطات / ثلاث نقاط حول كتاب بلقيس شرارة – هكذا مرّت الايام / نجوم في سماء كلية اللغات / محمد يونس وداعا / محمد يونس والادب الروسي في العراق). اليوم نريد التوقف عند اطروحتي الدكتوراه لكل من حياة شرارة ومحمد يونس، اذ انهما قد كتبا اطروحتيهما عن الاديب الروسي ليف تولستوي. ان التوقف عند هذه النقطة المشتركة بينهما قد توضح بعض سماتهما العلمية، وقد تجيب عن بعض الاسئلة حولهما .

حياة شرارة وصلت الى موسكو والتحقت رأسا بقسم الدراسات العليا  يالقسم الروسي بكليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة موسكو، اذ انها كانت تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها، اما محمد يونس، فقد كان في تلك الفترة طالبا في الدراسات الاوليّة بالقسم الروسي في تلك الكليّة ليس الا . تخرّج محمد يونس اواسط الستينات وحصل على درجة الماجستير وعاد الى العراق، وقد تمّ تعينه في قسم اللغة الروسية بكلية الآداب في جامعة بغداد، أما حياة شرارة، فقد انهت دراستها العليا وحصلت على شهادة الدكتوراه بعده، وعادت كذلك الى العراق وتمّ تعينها في القسم المذكور ايضا . كتبت حياة اطروحتها عن تولستوي والتحليل النفسي في ابداعه، مع التركيز على روايته الشهيرة (آنّا كارينينا)، ونشرت حياة كتابها الاول في بغداد بعنوان – (تولستوي فنانا)، وهي اطروحتها واقعيا، ولكنها مشذبة ومزيدة ومنقحة، ولا زال هذا الكتاب يعدّ واحدا من المصادر الاساسية العربية في دراسة تولستوي، وقد صدرت عدة طبعات له. اما محمد يونس، فقد حاول التوفيق بين عمله في قسم اللغة الروسية وبين الاستمرار بالدراسات العليا في جامعة موسكو، وقد استطاع – بصعوبة بالغة – ان ينهي هذه الدراسة مع الاحتفاظ بعمله في جامعة بغداد . اطروحة محمد يونس كانت ايضا عن تولستوي، ولكن مقارنة بالادب العربي، اذ ان طبيعة ظروفه لم تسمح له بالتفرغ للدراسة في موسكو طوال الوقت، وهكذا كتب اطروحته واقعيّا في الادب المقارن . لقد راسل محمد يونس كثيرا من الادباء العرب وحصل منهم على آراء متنوعة عن تولستوي (منهم مثلا غائب طعمه فرمان وعبد المجيد لطفي)، وكم اتمنى ان تنشر هذه الاطروحة بالعربية، لعدم وجود اي مصدر عربي لحد الان يمكن ان يعوض عنها . اطروحة حياة شرارة عن تولستوي أدّت بها ان يكون اختصاصها الدقيق – (تولستوي روسيّا)، اما اطروحة محمد يونس عن تولستوي فانها ادّت به ان يكون اختصاصه الدقيق – (تولستوي عربيّا)، ولهذا، كتبت لنا حياة شرارة نتاجات رائعة ومتنوعة حول الادب الروسي البحت، اما محمد يونس، فقد كتب لنا كتابه الشهير والفريد في المكتبة العربية وهو - (الكلاسيكيون الروس والادب العربي).

حياة شرارة ومحمد يونس – اسمان كبيران في دنيا الباحثين العراقيين حول الادب الروسي، ويوحدهما – ليف تولستوي .

 

أ. د. ضياء نافع

 

اسماء محمد مصطفىالحلم هو المكان اللانهائي واللاملموس الذي نستطيع فيه تحقيق عزلتنا عن الوجع .

****

منقوصاً ولد فرح الإنسان، في زمن لايسمح  لمواكب الحب أن تحصل على حصة كاملة من الفرح .

*****

لا تتمن َ العودة الى الماضي، لتصحح أخطاءك الفادحة، إذا كانت تلك الأخطاء قد أوصلتك الى جمال روحك الآن .

*****

كلام المنطق لايعني بالضرورة أنه كلام الحق .

*****

الفاشلون يجيدون الرقص على حلبة الثرثرة . يحبكون سرد حكايا اللؤم في إذاعة الفضائح المصطنعة  .. لا نلومهم، نلوم جمهور المستمعين، يتركون المذياع مفتوحاُ وإن لم يستمعوا !!

الفاشلون يمشطون أيامهم بأسنان الحسد . نلوم الجالسين أمام المرايا، يكتفون بالنظر الى مقص الحقيقة .

الفاشلون يسكنون العراء . يعتدون على جغرافيا النقاء.  يحفرون الوهم . نلوم السابلة، ينحرفون ولايردمون الحفر!!

*****

لاتدعْ قلبك يمزقه الوجع، ولابيادرك يهشمها غضب العواصف . قوة الروح تريك حقيقة أن الفرح سنبلة قد تنحني لريح الوجع، لكنها لاتنكسر .

*****

حين يغيب القانون، يظهر معدن الإنسان .. لذا فإنّ التربية تسبق القانون في الأهمية .

*****

لحظات الفرح، على شحتهاِ، تُعلـِّمنا ولاشك، لكننا قد لانشعر بمانتعلمه منها إلاّ بعد غيابها عنا.

*****

ثمة أناس يدخلون الى حياتنا، وثمة أناس يخرجون منها، لكن ثمة من يقفون في منطقة كالبرزخ تربط او تفصل بين الدخول والخروج .. لا هُم في حياتنا .. لا هُم خارجها .. لكنهم مؤثرون على حياتنا أكثر من الداخلين والخارجين .

*****

حتى لاتخطئ كثيراً، ضع لنفسك وأفكارك وآرائك هامشاً يذكرك بأنك قد تكون على خطأ .

*****

وسط العتمة، تذكر أنّ للروح نوافذَ تلامس ضوء الأفق .

*****

لاتطلق العنان لكراهيتك، لأنك ستندم بعد حين . الكارهون المتعاملون بفظاظة وشر مع الآخرين هم الأغبى لأنهم مكروهون من الغير، لايبقى معهم صديق ولايتعاطف معهم أحد، ولايذكرهم إنسان بخير، على عكس أصحاب الحكمة والمحبة الذين مهما تتصور أنهم بنقائهم أبرياء إلاّ أنهم الأذكى، لأنهم يمسكون بزمام الأمور ويسيطرون على الغير بلطافتهم وحسن سلوكهم، كيف لايسيطرون على الآخر وهم قد سيطروا على أنفسهم أولاً؟

*****

أنا وأنت والحب .. نلتقي على حافات الفراق ..  نفترق من غير أن تعصف بنا ريح الوداع .. بداية الرحلة نهاية .. نهايتها بداية .. حبنا دائرة نتلاحق فيها .. نبحث فيها عن زوايا لالتقاط الأنفاس او منعطفات للاستراحة، لكنه بحث عبثي لأنّ كلاً منا ببساطة نصف قطر دائرة الشغف، التقى النصف الآخر وشكلا قطراً عند نقطة التصاق روحي، ولم يكتفيا بنقطة التقاء واحدة،  فامتدا بالقطر في مسيرة دائرية رسماها بأصابعهما لتتكامل .. بيد أنهما ينفصلان  كالمعتاد .. ويفترض بأيّ منهما هنا أن يعود نصفا ً يأبى او غير قابل للالتصاق من نقطة ما بالآخر .. لكن وعلى مايبدو أننا حتى في الفراق نشكل دائرة .

 

أسماء محمد مصطفى

 

594 منذر الغباريعن دار ليندا للطباعة والنشر في السويداء، صدر للشاعر والقاص السوري المبدع منذر الغباري، مجموعته الشعرية التي تحمل عنوان "الجَنّار".

جاءت المجموعة في ١١١ صفحة من الحجم المتوسط، وقدمت لها الشاعرة والناقدة والاعلامية السورية ندى محمد عادلة، واحتوت على ٤٦ قصيدة، تراوحت ما بين الوجدانيات والوطنيات، استوحى مضامينها وموضوعاتها من الواقع والوجع السوري، وهموم الناس، وآلام الشعب، وجراحات الوطن وأوجاعه.

منذر الغباري صوت أدبي سوري راق ٍمميز، يكتب الشعر العمودي الموزون، والقصيدة النثرية، والقصة القصيرة، والقصيرة جدًا، له بالاضافة الى مجمعه الشعري "الجَنّار" مجموعة قصصية بعنوان "لا تدعوني أموت".

وهو من مواليد حلب الشهباء عام ١٩٧٢، يحمل هموم شعبه ووطنه وأمته، يعانق قضايا الحرية، ويدعو للحب والتسامح والسلام.

الكتابة بالنسبة له- كما قال مرة - هي الحياة والخلود كما الوطن، وهي حديثه المقدس وكتابه المرتل، بها تتنفس روحه كما المطالعة والموسيقى التي يهواها حتى درجة العشق.

منذر الغباري شاعر ملهم قدير، وقاص بارع السرد، أخذ على عاتقه حمل عبء الهم الانساني، وتحمل بشهامة عذابات الكلمة، وما يميزه ان محورًا عاطفيًا مشتركًا هو الوشيجة الأساسية في مجمل أعماله وإبداعاته حب الانسان، وعشق الوطن والأرض السورية، والتغني بهما. شعره هو صدى لمواقفه الوطنية والقومية العروبية والسياسية والانسانية، أسلوبه رصين شفاف، وعبارته قوية متماسكة، يغني للوجدان الشعبي السوري بحب صوفي روحاني، ولا ينسى الجرح الفلسطيني والهتاف لفلسطين.

من اجواء قصائده أخترت هذا النموذج بعنوان " سيرورة الحبِّ والسَّلام ":  

 

دقُّوا نواقيسَ الحقائقِ يا بَشَرْ

وتَبَصَّرُوا بعقولكمْ وقتَ النَّظَرْ

 

غنُّوا تراتيلَ السّلامِ بِأرضنا

واسْتَقْبِلوا اللّحن َالبليغَ على الوَتَرْ

 

هذي دروبُ السِّلمِ تفتحُ بابها

توَّاقةً تهفو إلى غرسِ الشَّجَرْ

 

عادتْ سَحَائبُ غيثِنا مهطالةً

تسقي الجِراحَ تُزيلُ آثارَ الكَدَرْ

 

حنَّ السّنونو والحَمَامُ لِتُرْبِنا

قدْ كانَ في أمسٍ لهمْ أرقى مَقَرْ

 

وطني سرى رغم الخُطوبِ مُبشِّراً

بزوالِ إعصار المرارةِ والشَّرَرْ

 

وطني أزالَ عنِ العيونِ سَوادها

ومضى يُقبِّلُ كلّ دَمْعاتِ القَدَرْ

 

وطني أحالَ الجَمرَ ثلجاً نادفاً

 وَجَنَى من الصَّحراءِ ألوانَ الثَّمرْ

 

مُدُّوا كُفوفَ الحبِّ في ساحاتهِ

وتأمَّلوا أحلى الأماني والصُّوَرْ

 

مُدُّوا حِبالَ الوصْلِ في أرجائهِ

واسْتَقْطِفوا النَّجْماتِ مِنْ شُهُبِ السَّحَرْ

 

واسْتَبشِروا عَهدَ المسرَّةِ والرِّضا

آنَ الأوانُ لِنَسْتقي عِطْرَ المَطَرْ

 

تحية للصديق الشاعر والقاص الأديب السوري منذر الغباري، أبارك له الاصدار الشعري الجميل، وتمنياتي له بالمزيد من العطاء والتألق والسطوع الأدبي.

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

نايف عبوشالثقافة التقليدية، كما هو معروف، كانت مقتصرة على نخبة من الكتاب المحترفين، أكاديميا، ومهنيا، ومجموعة من الأدباء المبدعين، ولها مؤسساتها الخاصة، حيث كان مصدر التلقي الرئيسي، يوم ذاك، هو الكتاب الورقي. وما يرتبط به من شكليات تداول المعرفة منه، وما تحيط به من صعوبات، تعترض سبيل حصول المثقف عليه، مادية كانت، او عملية.

ومع ان لثقافة الكتاب الورقي نكهتها في التلقي، ولها متعتها في التداول، طيلة مرحلة ما قبل ثورة الإنترنت، والمعلوماتية، الا انها أخذت تفقد بريقها، بمزاحمة ثقافة ميديا المعلوماتية لها، وتتنحى جانباً، بتدفق المعرفة الرقمية عبر الإنترنت، بهذا الشكل المفتوح للجميع، دون قيد أو شرط، وفي كل الاتجاهات.

وهكذا فنحن اليوم، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة، على ما يبدو، هو الثقافة الرقمية، التي بات المتلقي يستقبلها مباشرة من الشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي على الانترنيت، دون أي تقييدات تذكر، او موانع من أي نوع . ولعل هذا التطور الحاصل في المعلوماتية، هو ما فسح المجال على مصراعيه، لظهور المثقف الرقمي، او الإفتراضي، إذا جاز التعبير، متلقيا كان، او مبدعا، وذلك بغض النظر عن عمق ثقافته، أو سطحيتها، غثة كانت، ام زاخرة.

ولاشك ان ظهور المثقف الافتراضي، بدخوله عصر المعلوماتية،  قد أطاح باحتكار النخب المثقفة التقليدية للساحة الثقافية، والأدبية، كما اطاح باحتكار دور النشر، والتوزيع، وحد من دور المكتبة، في تدفق المعرفة إلى الجمهور، وأزاح في نفس الوقت، معايير الجودة، والحرص على متانة المعلومة، ودقة المضمون جانباً، الامر الذي فسح المجال واسعاً، لظهور ثقافة عصرية مسطحة، وتفتقر إلى معايير الرصانة، التي كانت ابرز سمات ثقافة النخبة التقليدية.

وهكذا، فنحن اليوم إذن، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة الرقمية، والمثقفين الأفتراضيين، الذين باتت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بنتاجاتهم الكتابية، والفيديوية، والصورية، وفي شتى مجالات المعرفة.

انها ثقافة عصر جديد، يبدو أنه لا مناص لنا من ولوجها، وبالطبع فإن لها محاسنها، في توسيع قاعدة المشاركة، وإلغاء قيود احتكار النشر، ولها في ذات الوقت، مثالبها في التسطيح، وتدني مستوى المضمون، وشيوع أسماء لا حصر لها، من كتاب، ومستخدمين افتراضيين، لا يلتفتون إلى مضمون النص، ولا يلقون بالا لمعايير الرصانة، ولا يملكون من الثقافة الحقيقية، سوى إجادة آلية النسخ، واللصق.

 

نايف عبوش

 

صائب خليلاحتجت معرفة النص الدقيق لعبارة من كتاب رسول حمزتوف "داغستان بلدي"، فلم انتبه لنفسي إلا وقد طار نصف اليوم!

"داغستان بلدي" انشودة كرامة وحب وطن وأهل، مغلفة بنسمة هدوء وطمأنينة تتيح لهذه الكلمات أن تورق من جديد، بعد ان تعرضت لأشنع تمزيق وتشهير، بعضه متعمد وأكثره عارض.

إنه ترياق من الشجاعة المعطرة بالإنسانية، ضد سموم الدونية التي تملأ الجو حولنا، تنفخها وسائل اعلام يتحكم بها من يبغي الموت لهذه الأوطان. إنه إنعاش للقيم التي خنقها كتاب انتشروا ونموا بسرعة الأعشاب الضارة في ارض خصبة، وقد سيطرت المسكنة على أرواحهم فنذروا أنفسهم مبشرين بعظمة الاستسلام للقوي بحجة الواقعية. إنه مزيج بارع من دعوات القوة والرجولة إلى حد العنف الأقصى، بخنجر يوضع تحت وسادة الوليد وقد كتب على غلافه: "يد ابيك لم ترتجف وهي تحملني، فهل ستحملني يدك دون ان ترتجف؟"، مع أرق مشاعر الإنسان التي تنبهه أن يترفق بقبضته فـ "لا يخنق العشب"!

لا شيء يتردد في هذا الكتاب أكثر من الحديث عن الخناجر والسلاح والشجاعة والحصان الباسل سوى الحب والإنسان والشعر والأغنية، فكيف امتزج هذا بذاك، دون ان نجد بين يدينا خليطاً متنافراً؟

"داغستان بلدي" يكشف لنا السر! إن خير ما يدفع بالإنسان إلى الشجاعة والتضحية والدفاع عن الوطن، هو أن يكون الوطن جميلا رقيقاً مليئاً بالشعر والأغاني. واكثر دعوة قادرة على الإقناع بالتضحية من أجل القيم، هي أن يكون الصحب إنسانياً باسلاً يدعوك للفخر به والتضحية معه وله ومن أجله. أن يكون مجتمعاً يهمك رأيه بك، فلا تستطيع ان تخونه دون الإحساس بالوجع.

ولا يمكن الدعوة للتضحية والمثل ما لم تكن تلك قد نبتت في الإنسان مع حبه لوطنه منذ صغره. فلكي تكون لكلمة الوطن وقعها، يجب ان تمتزج برأس الإنسان وقلبه. وللقلب مكانة سامية في كتاب حمزتوف، لا يكاد يدانيه فيها أحد.

"هل يمكن ان نطلق في العالم كلمة لم تكن قد عاشت في القلب؟"

"أمس كنت اتسلل الى اعشاش الطيور، واغري أصدقائي بصعود الجبال.

وأتى الحب عنيفاً أزرق العينين، فجعلني دفعة واحدة، كبيراً...

أمس كنت احسبني كبيرا وراشداً، اشيباً وحكيماً حتى آخر أيامي

وأتى الحب وابتسم في بساطة.. فإذا انا ولد صغير!"

والطبيعة وجمالها جزء من وطن الانسان وانسانيته:

"ايتها العصافير، مالك صامتة منذ الفجر؟ - المطر يهطل... ونحن نستمع الى صوته..

ولماذا تصمتون انتم أيها الشعراء؟ - المطر يهطل... ونحن نستمع الى صوته! "

فعندما تتشبع الأرواح بجمال المحبوب والمكان، تجب التضحية وتجد مبررها ودافعها، ويصدق من يقول: "لا يجوز لأحد ان يكون صغيرا في المكان الذي نقف فيه". عندها سيبدو "اكثر المشاهد حقارة وشناعة"، مشهد "الرجل الذي يرتجف خوفاً".

"داغستان بلدي" هو نسغ تجربة داغستان في بناء هذا الإنسان لكي يستطيع الدفاع عن بلده الصغير ضد كل ما يحيط به من أخطار كبيرة، فنحن احوج إلى تجربتهم وأن نفهم كيف فعلوا ذلك. أن نعرف كيف بنى الداغستانيون "حصانهم الباسل الذي يمكنهم من اجتياز جميع الثنايا"، وليس الى تأمل المانيا واليابان اللتان يصر الذين امتلكهم الإحساس بالدونية بأن الاستسلام والقواعد العسكرية الأمريكية هي من بنى حضارتيهما وتقدمهما.

الكتاب مليء أولاً بالصور الأخاذة عن القرية – الوطن ومن يعيش فيه:

"التفت مرة أخرى لألقي نظرة على قريتي.. على سطح بيتنا أرى امي.. انها تقف منتصبة ووحيدة. ثم تتضاءل وتتضاءل لتصبح خطأً عمودياً صغيراً فوق الخطوط الافقية لأسطح المنازل"

وهناك الكثير من الحديث عن الأطفال في الكتاب، وتوجيههم بالأمثال والحكم، المنسوجة بمشاهد قراهم وحقولهم، ليبقى وطنهم ويبقوا:

"الأطفال الصغار يرون احلاماً كبيرة – كتابة على مهد"

"الصغير هنا يبكي ويضحك، ولا يستطيع ان ينطق بكلمة واحدة، ولكن سيأتي يوم يقول للناس جميعاً، من هو، ولماذا أتى الى هذا العالم"، ولن يستطيع ذلك ما لم يتربى على رؤية جمال وطنه ومحبته، فـ "على الانسان ان يحمل في قلبه أغاني شعبه"..

"الكذب ليس خطأً او هفوة. إنه عشب ضار في حقل روحك. إن لم ينتزع في الوقت المناسب، فيمكن ان يملأ الحقل كله".

"على كل انسان ان يفهم منذ صباه بأنه أتى إلى هذا العالم ليصبح ممثلا لشعبه، وعليه ان يكون مستعداً لتحمل أعباء هذه المهمة".

وللأغنية في "داغستان بلدي"، موقعها الخاص:

"آي داي دالالاي .. آي دولا لاي.. كلمات الأغنية مفاتيح صناديق اللغة المحرمة"

"الأغنيات ستغنيها له انت امه، وانت تهزين سريره. وبعد ذلك، فلتغن له الطيور والأنهار، وأيضاً السيوف والرصاص. أما اجمل الأغاني فلتغنها له عروسه".

ونلاحظ أن للشعر والشعراء مكانة كبيرة في تلك القصائد والحكم، كما هو الامر للشجاعة والشجعان، فـ "الشجعان والشعراء والمغنين.. أمناء على النار وهم حراسها". بل قد يتفوق الشعر على السلاح في قيمته:

"السلاح الذي قد تحتاجه مرة واحدة، تحتاج لحمله، العمر كله. وابيات الشعر نكتبها مرة واحدة، فتخدمنا العمر كله"

ولحكم القرية مكانة مميزة أيضا: "النسر الذي يقضي وقته بالرواح والمجيء بين الدجاجات في الحوش كسلا.. ليس نسراً"

"غن اذا حل الربيع.. واحك الحكايا إذا جاء الشتاء"

كنت قد قرأت هذا الكتاب واعجبت به كل الاعجاب قبل اكثر من ربع قرن، قرأته بانتباه، وسجلت الكثير من العبارات الرائعة فيه، لكني لما تصفحته اليوم وجدته أروع مما رأيته حينذاك! فالتجربة اختلفت والمشاكل التي في الراس اختلفت، وقوة الشوق الى الحياة الجميلة والكريمة ومعرفة طريقها، اختلفت كثيرا. 

داغستان بلدي كتاب للتأمل، والهضم لكي يبقى اثره في الروح، وليس لقراءة سريعة : "عندما تستيقظ من نومك، لا تقفز  من سريرك كأن أحدا عضك.. فكر قبل كل شيء بما حلمت به"

لماذا تكون "الروح" ضرورية لبقاء بلد صغير على قيد الحياة؟ لماذا يكون الشعر والأغنية والحب والجمال ضرورات لبقاء الوطن؟ لأن بدون الروح والأغنية، ستتحول الطرق العزيزة بالذكريات، إلى تراب وجدران طينية مهدمة، لا تستحق الاهتمام، كما يصفها أحد الناعقون بضرورة الاستسلام والواقعية. عندها، إن تمكن هذا السم منا فلن نجد شيئا يستحق الدفاع عنه.  لماذا تكون قصص الشجاعة وقيمها سلاحاً للدفاع عنه ولا أمل له ولأهله بدونها؟ لأنها الجسر لعبور حاجز الخوف والاحساس بالقلة أمام عدو اكبر واكثر عدداً..

وهكذا فأن "الشجعان والشعراء والمغنين والرواة .. أمناء على النار وحراسها"..

نحن بحاجة إلى ان نقرأ "داغستان بلدي" بقلوبنا ونحفظه في صدورنا، وأن نصنع مثله لأنفسنا ولأجيالنا لنعود اليه وقت ضيقنا ويأسنا، وقبل أن يتمكن اليأس منا.

 

صائب خليل