هيثم نافل واليالحكمة إن زادت نقصت، وإن طالت قصرت

العزلة بداية الحكمة

الفن يجعل المرء أكثر إنسانية

لا تغسل الروح إلا دموع الصمت ووحدة التأمل

الموسيقى لها القدرة على طرد رياء الإنسان

غالباً ما يكون الكاتب أفضل من كتبه ومؤلفاته

كلما اقتربت النشوة من الوجد كلما اقتربت من حقيقتها الصادقة

غالباً ما يكون الفقير الذكي أرهف حساً من الغني الذكي

كلما ابتعد الفن عن محور المنشأ كلما اقترب من فيض العالمية

الثقافة لا تعني سوى ذوق وإحساس

الفنان محامٍ الوجدان

من يرغب بأن يسمع العالم صوته لابد من سقي الحقيقة بالعذاب

لا نحتاج اليوم إلى مرسل قادم من الله، بل إلى إنسان نابع من رحم الأرض

الشهادة التي لم يحصل عليها تولستوي حققها الحسين

يحق لنا الوصف ولا يجيز لنا التخمين

الإنسان لم يكن يوماً طيباً، بل يحاول أن يكون كذلك

الخلود هو حياة الإنسان المبدع على الأرض

الموت هو العمر الذي يكبر مع الإنسان منذ ولادته

الحياة تجربة قصيرة مجهولة المعالم

الإنسان مجموعة أفكار بعثرها الله فيه

الوطن خدعة من أجل تثبيت سلطة الحاكم

الأرض كالبحر؛ صامتان، لا يفكران بالأخذ كما العطاء

 

بقلم: هيثم نافل والي

 

يسري عبد الغنيالمسرح فن جديد شاع في العصر الحديث بعد النهضة الأدبيّة التي أتت بعد الحملة الفرنسيّة علی مصر لأنّ العرب بعد هذه الحملة تعرّفوا علی الغرب واطلّعوا علی المدنية ثم بدوؤا بإنشاءِ المطابع فظهرت علی إثره الصّحف ثم تاسسّت الجمعيات وبنيت المدارس والمكتبات وظهرت الفنون المختلفة ومنها المسرح.

«المسرح من فنون القول وإن اشترك فيه مع الكلمة والحركة والتعبير بالصوت وملامح الوجه إلی جانب الإطار وهو البناء المسرحي ذو الجدران الثّلاثة بما يشمل من مناظر وديكور وستارة وإضاءة وما إلی ذلك.»

كتب عبد الرّحمن الشّرقاوي مسرحياته لمعالجة القضايا المعاصرة وبدأ بمسرح، "مأساة جميلة"، عام، ثمّ "الفتی مهران"، عام 1966م، ثمّ "الحسين ثائراً والحسين شهيداً" عام 1969م، ثمّ "وطني عكا" عام 1970م، ثمّ "النسر الأحمر" عام 1976م، وأخيراً "عرابي زعيم الفلاحين", عام 1985م.

«كتب الشّرقاوي مسرحياته الشعرية في تجربة رائدة لتطويع شعر التفعيلية كأداة التعبير، ولمعالجة القضايا المعاصرة، في وقت كان هذا الشعر الجديد ذاته، ما يزال يجاهد أمام تقاليد عريقه لموسيقی الشعر العمودي ولم تكن أقدامه قد رسخت بعد ولمحاولة توظيف شعر جديد، يخالف الشعر العمودي القديم.. وواضح من عناوين مسرحياته مثل "مأساة جميلة" أنّه أراد أن يقّدم الماساة التي تبرز الصراع بين الفرد و القوی التي تريد السيطرة عليه وقهره.»

«تعتبر الشخصات إحدی العناصر الأساسيّة في تركيب بنية المسرحيّة والشّرقاوي في مسرحيّاته اعتمد علی الشخصّيات التاريخّيه المعروفة وهذا العمل يحتاج إلی مسرحي متمكن يعرف الحوادث التاريخيّة يخلق أثراً فيناً جميلاً والشخصيات هي وسيلة المؤلف المسرحي الأولی لكي يترجم فكرة القصّة، إلی حركة وصراع لكي تكتمل الشخصية لابّد أن تعتبر عن إنسان متعدد الأبعاد، له حياته الخارجية الظاهرة التي نراها تتحرك علی المسرح.»

و«في مسرحتيه "الفتی مهران" نري أنّه نشأ في القرية، بين الفلاحين الطيبين الفقراءِ ورأی حوله رفاهية المترفين المهفهفين، كما رأی منذ طفولته القصور والخرائب... ». «والبطل في مسرحتيه "النّسر الأحمر" هو "صلاح الدين الأيوبي"، منحها الشّرقاوي بطولة مسرحيته، واختار الشّرقاوي شعار النّسر الأحمر ليكون رمزاً لبطله "صلاح الدين" فالنسّر رمز القّوة والانقضاض والنُبل...»

«فَإِذا سَكتُم بعدَ ذاكَ علَی الْحَديقةِ

وارْتضی الْإنسانُ ذَلّةَ

فأَنا سأَذبحُ مِنْ جَديدٍ

وأظّلُ اُقتل مِن جَديدٍ..

وأظّلُ اُقتلُ كُلَ يَومٍ أَلفَ قتلةٍ

سَأَظلُّ اُقتلُ كلَّما سَكت الْغيّورُ

وكلُّمّا أَقفی الْصبور..

سَأَظّلُ اُقتلُ كُلَّما رُغمت أُنوفٌ في المْذلّةِ». و«الحسين نموذج للتأثر الذي استشبع الظلم، فقادمه بكل ما اُوتي من فضائل، دون الاستعانة بأسلحة أعدائه الذين قتلوه باسم الإسلام...وقد صور الشّرقاوي "الحسين" شهيداً، منذ البداية، فقد امتلك نقاء الروح، وصدق القول...».

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

نايف عبوشلعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل الجديد من الشباب، حيث يلاحظ تلاشي الكثير من العادات، والتقاليد الاجتماعية المتوارثة، ولاسيما بعد اضمحلال مجالس السمر في الدواوين، ورحيل المخضرمين العمالقة، من الرواة، والنسابة، والمدونين، والباحثين، الذين كانوا أدوات تناول جاد، وتداول حي للتراث في مجالس السمر، والمناسبات الاجتماعية، ناهيك عن ضعف حس الإهتمام الجمعي بثقافة الموروث الشعبي في الوقت الحاضر .

ولاشك ان انفتاح الشعوب على التمدن والعصرنة، وهبوب رياح التغيير عليها بلا قيود، في ظل تحديات العولمة، كعامل موضوعي  مضاف، بما يمتلكه، من قدرات فنية، ووسائل إعلامية هائلة، في ظل ثورة الاتصال والمعلوماتية، بفضائها المفتوح في كل الاتجاهات بلا نهايات، هو الآخر عامل تأثير وتفكيك فعال، ويعمل بشكل سلبي على اضمحلال حيوية التراث،وخفوت وهجه، وذلك ما بات يشكل هواجس تحديات داهمة، تهدد التراث بالمسخ، والإقصاء، بل والكنس، والإفناء، عاجلا أم آجلا.

 لذلك فان الأمر بات يتطلب من كل المعنيين بأمر التراث، من الكتاب، والأدباء،والشعراء، والرواة، وأعمدة القوم، تشجيع التواصل مع التراث،بكل مكوناته الإيجابية، والحرص على توثيق تاريخ، وتراث كل ديرة، وفي إطار تواصل استلهامي حي مع الماضي،في نفس الوقت الذي نتعايش فيه مع الإيجابي من معطيات العصرنة،وبالشكل الذي يحقق توأمة متوازنة إذا صح التعبير، وبالطريقة التي يمكن أن تبدد القلق الماثل أمامنا، على مصير التراث. 

ولعل ذلك النهج هو ما يمكن تلمسه بوضوح، في المسعى النبيل، والجاد، للكاتبة المبدعة الدكتورة نعمات الطراونة، التي أخذت على عاتقها تناول التراث الريفي بالبحث، والتوثيق، في ومضات تراثية، بمقالات متتالية لها، نشرتها مجلة صدى الريف الورقية التي تصدر في الموصل، والتي قامت بجمع تلك المقالات التراثية، وتبنت طبعها في كتاب تحت عنوان (من ذكريات القرية)، ليكون مصدراً مكتوباً وموثقا في الموروث الشعبي الريفي، يمكن لكل المهتمين به، الرجوع إليه عند الحاجة في هذا المجال.

ولا ريب أن الكاتبة الدكتورة نعمات الطراونة باعتمادها مثل تلك الأسلوبية التوافقية المتوازنة في تعاملها مع الموروث الشعبي الريفي، وحرصها على توثيقها كتابياً، تكون قد ابتدأت الخطوة الأولى في مسار الحفاظ المنشود، على ما يمكننا الحفاظ عليه، من بقايا تراثنا الديني، والثقافي، والاجتماعي، والشعبي،المهدد بالاندثار، والانقراض السريع، باعتبار إن القطيعة مع التراث، وبتفاعلها مع عوادي الزمن، ستأتي على كل ملامحه، وما يترتب على مثل تلك القطيعة من استلاب للأصالة، ومس بنقاء الهوية، وضياع ملامحها .

وحسنا فعلت مجلة صدى في جمع المقالات، والمبادرة لطبعها في كتاب، ليأخذ مداه الواسع بين القراء والمهتمين بالتراث،في كامل الساحة الثقافية العرببة. ومن هنا فإنه لابد من الاشارة إلى أن كتاب الدكتورة نعمات الطراونة (من ذكريات القرية)، سيحظى  بإعجاب الكثير من المهتمين بالشأن التراثي الشعبي في الساحة العراقية، ونظيراتها العربية، مع أن جوهر متن الكتاب، يركز على تناول الموروث الريفي الأردني بشكل خاص، وذلك بسبب طبيعة التماثل في العادات، والتقاليد التراثية الريفية في البلدان العربية، وتطابقها في كثير من المفردات، إلى حد كبير، رغم خصوصية البعض منها .

 

نايف عبوش

 

صادق السامرائيكنت في حديث هاتفي مع أحد أساتذتنا المعروفين في ميادين الأدب والثقافة، وقد أصابته نوائب الدهر بسهامها فأقعدته وحيدا يعالج مرارة الغربة والوحشة، ويتأمل رحلة الحياة ما بين أيامه المتألقة وأحواله المتوجعة .

يقول: إن مصيرنا واحد.. ومهما كانت حالنا وإمكانياتنا المالية سننتهي إلى أسوأ حال، وهذا مصير المثقف العراقي!!

وأخذ يذكر هذا الشاعر الذي أمضى العمر بقريضه وعطاءاته الإبداعية وإنتهي إلى العدم، وذلك المثقف الذي صار مصيره كذا، وبعد أن إنتهى من ذكر العديد من الأسماء، توقف متأثرا بجراح الموقف،

ثم أردف قائلا: وأنا لن أشذ عنهم، فأراني أواجه ذات المصير!!

وقال: لماذا ينتهي المثقف منا في غياهب الحرمان والفاقة؟!

ويمضي يحدثني عن مرارة التجربة التي مرّ بها ولا يزال، حيث الوحشة والغربة وفرقة الأحباب، وقلة الحيلة، والجلوس على مقعد، بعد أن فقد قدرة المشي لما أصاب ساقيه من ضعف وشلل.

وسألته: كيف يطعم نفسه ويرتب أمر شقته؟

فقال: لا أدري، وحيد مقعد، وقد بلغت من العمر عتيا!!

وكان قلبه يصرخ جازعا: أين المثقفين والأهل والأصدقاء والأحبة في محنتي، لماذا نهمل المثقف ولا نحسب له شأنا؟

كان الأستاذ متألما ومتورطا في حالته، التي لا يعرف الخروج منها وقد تردت صحته، والناس –كما يرى- من حوله في غياهب التجاهل وعدم الإهتمام.

وختم كلامه بجزعٍ قائلا: مصيرنا قاسي، فالمثقف يعيش لعنة الثقافة!!

وحسبته يقول (لعنة أكدٍ) المتوارثة عبر العصور بتعبيراتها المتنوعة.

 فقلت: أن العلاقة بين اللعنتين متقاربة، فلعنة أكد قد أوجدت لعنة الثقافة وأخواتها!!

فقال: آخٍ من اللعنات فما أكثرها!!

وبعد المكالمة، تساءلت: لماذا لا يتعاضد المثقفون العراقيون؟

وهل أن المثقفين في المجتمعات الأخرى يهملون بعضهم ولا يكترثون بمصيرهم؟

وتواردت العديد من الخطابات والنداءات التي قرأناها على مر السنين، حيث رسائل المناشدة للمساعدة في علاج أو إسعاف أحد المثقفين، ولا تجد إستجابة إيجابية في أكثر المرات.

وأستاذنا الكريم قد كتب مناشدات، وكتب الآخرون يناشدون المعونة في علاجه وتقديم الخدمة اللازمة له، وما نفعت كل النداءات وما أثمرت.

وأنه لمن العيب الحضاري والإنساني، أن يترك أي مجتمع إنسانه المثقف يموت في أحوال صعبة ويلاقي مصيره لوحده، من غير إسناد مادي ومعنوي، وهذا يؤكد أن المجتمع لا يريد مثقفيه، ولا يرغب بهم، ربما لشعوره بأنهم لا يقدمون الخدمة  الصالحة ولا يملكون قوة التغيير والتأثير.

وهذا الإهمال يكشف ضعف علاقة المثقف بالمجتمع، وتنكر المثقف للمثقف، وذلك واضح في ما يتم نشره في جميع الصحف.

فهل إتّحد المثقفون، وهل لهم صوت ودور وقيمة في صناعة الحاضر والمستقبل؟

وهل هناك علة في شخصية الإنسان المثقف تساهم في وصوله إلى أقسى مصير؟!

وهل عرفنا قيمة الثقافة ودور المثقف في الحياة، أم أننا ننكرهما كنكراننا لكل ما يمت إلينا بصلة؟!

تساؤلات عديدة تواكبت وأنا أتكلم مع أستاذنا الفاضل المقعد الحزين، والحيرة تعصف في خيالي، حتى أخذت أفكر بالآتيات والعاديات، التي تختار المثقف  وتتصيده كأنه غنيمتها وفريستها الأشهى والأطيب!!

وكلٌ منا يمكنه أن يُعرّف المثقف وفقا لرؤاه، لكن المصير واحد في معظم الأحوال، وعلى خطى الأستاذ المكبّل بالأوجاع!!

 

د. صادق السامرائي

 

بدايةً، ينبغي القول إن عبارة  "زِير نساء" تُطلَق على الشخص الذي يُحادِث النساء ويُزاورهن. قال ابن منظور في لسان العرب: (قِيل: الزِّير المُخالِط لهنَّ في الباطل. ويُقال: فُلان زِيرُ نساء إذا كان يحب زيارتهن ومحادثتهن ومجالستهن. سُمِّيَ بذلك لكثرة زيارته لهن).

وتفكير الرجال في قضايا العشق والغرام يختلف عن تفكير النساء. وهناك عبارة شهيرة في هذا السياق: (الرجال يعشقون النساء من المظهر، والنساء يعشقن الرجال من الكلام، لهذا السبب، النساء يضعن المكياج، والرجال دائمًا يكذبون !).

وهذا يُشير بوضوح إلى انجذاب المرأة إلى كلام الرجل وعباراته اللطيفة وتلميحاته الشاعرية. ولا يوجد أفضل من الشعراء للعب هذا الدور الحسَّاس، فهم القادرون على زخرفة الكلام، والتلاعب بالألفاظ، وصناعة المعاني والصور الفنية المؤثرة. لذلك، ليس غريبًا أن يكون أغلب أبطال قصص الحب في التراث العربي هُم مِن الشعراء. إنهم يصنعون الكلام، ويُخلِّدون اللحظة.

ومِن الشعراء البارزين في مجال العشق والغرام، مسلم بن الوليد (140هـ _ 208 هـ). وهو فارسي الأصل، عربي الولاء. ويُعتبَر رأس مدرسة البديع (عِلم تُعرَف به وجوه تحسين الكلام، من حيث الألفاظ ووضوح الدلالة، على نحو يُكسِب التعبير الشعري طرافةً وجِدَّة).

انقطعَ إلى يزيد بن مزيد الشيباني أحد كبار قادة هارون الرشيد. وعندما صارت مقاليد الأمور في يد الفضل بن سهل وزير المأمون في أول خلافته، قرَّبه وأنعم عليه بالمناصب والأموال والضِّياع. وقد أنفقَ أمواله الكثيرة على الخمر والنساء، وكان شغله الشاغل هو تلبية شهواته ولذاته. ولَمَّا قُتِل الفضل، لزم مسلم بن الوليد منزله، وتركَ اللهو، وأقبلَ على العبادة، حتى وفاته.

عُرف مسلم بن الوليد بلقبه " صريع الغواني "، وقد لقَّبه هارون الرشيد بِه، لِقَوله في قصيدته التي مدحه فيها: (هل العَيشُ إلا أن تروحَ معَ الصِّبا... وتغدو صَريعَ الكأسِ والأعينِ النُّجْلِ).

والغواني جَمْع غَانِيَة. والغانيةُ هي التي استغنت بجمالها عن مدح الناس، أو التي غَنِيَتْ بزوجها عن غَيْره.

كان مسلم بن الوليد مفتونًا بجمال النساء ودلالهن، وحريصًا أشد الحرص على إقامة العلاقات معهن. وعبَّر عن ذلك بأشعار كثيرة، وصُوَر فنية شديدة التأثير، وكان مُقبلًا على اللهو مع النساء، ونَيل لذة المغامرات الغرامية. لكنه لَم يغرق في المُجون، ولَم يُجاهر بارتكاب المعاصي والآثام مِثل الشاعر أبي نُوَاس، الذي احترفَ المجون جِهارًا نهارًا. لقد أقامَ مسلم بن الوليد علاقاته الغرامية بعيدًا عن الأنظار، وصنع عالمه السحري مع الخمر والنساء في الظل، وراء الأبواب المغلقة. وكانَ يظهر أمام الناس كرَجل وقور، وزَوج صالح مُخلِص لزوجته، ويتحرَّك في المجتمع بكل أدب واتزان وهدوء. وكان حريصًا على اسمه وسُمعته وكرامته ونظرة الناس إليه.

لكن السؤال الذي يطرح نَفْسَه: ما سبب هذا التناقض الصارخ في حياة مسلم بن الوليد ؟. إنه يعيش حياتين مُنفصلتين، حياة في السر، وحياة في العلن. ولكل حياة أسلوبها الخاص ومشاعرها المحدَّدة. ما الذي يُجبره أن يكون إنسانًا مُزْدَوَجًا _ إن جاز التعبير _ ؟.

لقد وقع هذا الشاعر في صراع بين رغباته الذاتية والقيود الاجتماعية. أرادَ الانطلاق والتحرر من قوانين العقل الجمعي التي تفرض على الفرد أن يضبط شهواته وغرائزه، ولا يُطلِق لها العِنان. ومن خالفَ هذا الأمر، فإنه سيتعرَّض للاحتقار واللوم والفضيحة والتشهير، وتُصبح سُمعته سيئة للغاية، ويتم نَبْذه، وتسليط الأضواء عليه كعنصر فاسد في المجتمع.

وهذه العقوبة لا يَقْدِر الشاعر على تحمُّلها، ولا يستطيع أن يدفع ضريبة الانشقاق عن الاتجاه العام في المجتمع. لذلك اختار الحياة السِّرية البعيدة عن الأضواء. ومَهما كان السَبَّاح قويًّا وعنيدًا، فهو لا يستطيع أن يسبح ضِد تَيَّار النهر، لأن العقل الجمعي أقوى من العقل الفردي. والكثرةُ غَلبت الشجاعة.

بنى مسلم بن الوليد حياته بشكل مُزدوَج، كَي يُحقِّق رغباته وشهواته، ويُلَبِّيَ طموحاته الشخصية، وفي نَفْس الوقت، يُحافظ على نظرة المجتمع له باعتباره رَجلًا فاضلًا ذا سُمعة طيبة، ويتمتع بِحُسن السيرة والسلوك. وهكذا، يَضرب عصفورين بحجر واحد.

إن هذا الانفصام في الشخصية له تبعات شديدة الخطورة على النَّفْس، لأن يُحوِّل الإنسان إلى كائن اصطناعي هُلامي يَلعب على الحبلَيْن، ويخلط الأوراق تبعًا لثنائية (الوجه / القناع). وبالتالي، يدخل الإنسان في حرب مع نفْسه، ويخسر الانسجام والطمأنينة وراحة البال، ويفتقد إلى قيمة التصالح مع الذات. وعندئذٍ، يغيب السلام الداخلي والأمن الروحي، ويفقد الإنسان قدرته على صناعة الفِعل، لأن حياته تصبح رَدَّة فِعل لأحكام الآخرين، أي إنه يَخسر رُوح المُبادَرة، ويصبح شبحًا هاربًا من الضوء إلى حياة الظل، ومرآةً تعكس حياةَ الآخرين، ولا تشعر بحياتها الخاصة.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

يسري عبد الغنيرسومات أو جداريات الحج فن شعبى فطرى تميزت به مصر عن غيرها من الدول العربية الكعبة والروضة الشريفة والحجر الأسود أبرز الرسومات المنتشرة على حوائط المنازل باحثون أجانب تحدثوا عن رسومات الحج المنقوشة على بيوت الصعيد فى عدد من الكتب فرسومات الحج فن فطرى هو امتداد للفن المصري القديم المنقوش فى المقابر والمعابد وبكل أسف فأن المنازل والتقنيات الحديثة قضت على فن رسومات الحج

عقب انتهاء موسم الحج وعودة الحجاج إلى ديارهم سالمين، تتزين واجهات المنازل برسومات ونقوش تعبر عن تفاصيل رحلة الحج، يطلق عليها الكثير رسومات الحج، وهى فن فطرى خالص تميزت به مصر عن أى مكان آخر فى الوطن العربى، وكان لصعيد مصر الاهتمام الأكبر بهذه النقوش والرسومات التى تعبر عن أداء فريضة الحج، فالشعب المصري من أكثر الشعوب حبًا للأراضي المقدسة بمكة المكرمة والمدينة المنورة.

لقد كانت الرسومات التصويرية التي ينقشونها على جدران منازلهم بعد عودتهم سالمين إلى ديارهم وأهلهم من رحلة الحج أبلغ دليل على هذا العشق الذي لا ينافسهم فيه أحد، فهم يقومون برسم ونقش الأماكن المقدسة لكي تظل أمام أعينهم يتذكرون من خلالها رحلتهم الروحانية المقدسة إلى بيت الله الحرام و مسجد وقبر النبي (صلى الله عليه وسلم).

حملت حوائط منازل الحجاج بصعيد مصر العديد من الرسومات التى تتغير من بيت لآخر، لكن أكثرها نقشًا وانتشارًا على حوائط وواجهات المنازل "الكعبة المشرفة، الروضة الشريفة، صورة تخيلية للبراق، مقام سيدنا إبراهيم، الحجر الأسود، وسيلة المواصلات سواء طائرة أو باخرة وقديمًا الجمل"، لكن تبقى الكعبة المشرفة هى الأهم والأبرز.

رسومات الحج لم تقتصر على الأشكال والصور، فقد انتشر بجانبها عدد من الجُمل المشهورة التى لا يخلو منها أى بيت عليه هذه الرسومات، ومن أهم هذه الجمل قول الله تعالى"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" سورة الحج27 والحديث الشريف: "مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ"رواه البخاري" 1196"ومسلم"1391" وبعض الأقوال مثل"من زار قبرى وجبت له شفاعتى".

وقد كان لكل قرية أو منطقة فنانوها المعدودون الذين يجيدون رسم وتصوير هذه النقوش، ولكل منهم أسلوبه الخاص الذى يتفرد به عن غيره فى هذا الفن، فمنهم من كان يكثر كتابة بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو الأقوال المأثورة باستخدام الخطوط المختلفة، ومنهم من يكثر استخدام الرسومات والمناظر على حساب الكلمات، وقد كان لرسام هذا الفن الجميل أهمية خاصة فى صعيد مصر، فكانوا يكرمونه ويغدقون عليه بالأموال من قبل الرجال والنساء على حد سواء، وتبدأ عملية رسم الحوائط وتزيينها قبل عودة الحاج بأيام قليلة من فريضة الحج، حيث يقوم أبناؤه باستئجار "رسام محترف" لكى يرسم وينقش تفاصيل الرحلة المقدسة التى قضاها فى بيت الله الحرام على جدران المنزل.

وقد اهتم الباحثون الأجانب بهذا الفن الفطري الذي اشتهرت به مصر عن سائر البلدان العربية، فخلال جولاتهم بصعيد مصر لفتت أنظارهم الرسومات المنقوشة على معظم البيوت الصعيدية، حتى أن بعضهم قام بتأليف كتب عن رحلة الحج المصرية منها كتاب يحمل عنوان "لوحات الحج" صدر عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من تأليف الكاتبة آفون نيل والمصور آن باركر"Ann Parker؛ Avon Neal" فى سبتمبر 2009، وكتاب آخر للمستشرق الإنجليزي إدوارد لين"Edward lane" يحمل عنوان"المصريون المحدثون" ذكر فيه أنّ المصريين كانوا يقومون بتزيين بيوتهم برسومات الحج فى القرن الثامن عشر، فقبل عودة الحاجّ بثلاثة أيّام يقومون بتلوين الباب والحجارة باللونين الأبيض والأحمر بطريقة بدائية، وكان يتم ذلك بناءً على طلب مسبق من الحاج لأهله قبل سفره، ويشير إلى أن جذور الحضارة الفرعونية وتأصلها في نفوس المصريين هي التي أدّت إلى انتشار هذا الفنّ، حيث تحوّل البيت الجنوبي إلى صورة مصغرة من معبد فرعوني، فالمصري القديم كان يستخدم الأدوات البسيطة في الرسم على المعابد من ريشة وجبس وألوان وجير، وهى الأدوات نفسها التي يستخدمها الفنان الشعبي في الرسومات الآن، وهي رسومات استُلهمت في الحقب التاريخية الماضية مثل العهد المملوكي والعهد العثماني.

جداريات الحج فن مصرى فطرى وامتداد للفن المصري القديم - جداريات المقابر والمعابد - وهو لا يرتبط بدين معين، فالفراعنة استخدموا هذه الرسومات والنقوش بكثرة داخل المقابر للتعبير عن رحلة البعث والخلود، واهتم به الأقباط من خلال الرسومات الموجودة على جدران الكنائس والتى تسمى بـ "جداريات الفرسك"، مستخدمين فيها ألوان الأكسيد الطبيعية المختلطة بزلال البيض، ثم انتقل هذا التراث إلى العصر الإسلامى الحديث، فبدأ الإنسان المسلم يرسم الرحلة المقدسة للحج وما تحمله من رموز مثل "الكعبة، الطائرة أو الباخرة، غار حراء، الجمل.. إلخ".

و أحيانًا يقوم بعض الأشخاص برسم صورهم الشخصية على جدران المنازل بعد تأديتهم لفريضة الحج، ويحرص معظم المصريين على تسجيل الرحلة على جدران المنازل لأنهم يعتبرونها مدعاة للفخر والتميز بتأديتهم فرض الله وحصولهم على لقب "حاج"، وهو اللفظ الذي له مكانة خاصة لدى المسلمين.

 

د. يسري عبد الغني

 

 

عبرت الشارع من جهة المسرح الوطني الى الرصيف المقابل، كانت محلات الكهربائيات، تصطف وتمتدُ على رصيف الشارع وتخفي جماله، لم تستطع الأشجار الخضراء، إعادة رونقه وجماله، وشعرتُ بالارتباك عند الرصيف، كمن يهربُ منه، كانت ساحة التحرير لا تبعد كثيراً، وقريبة، ولكن لا توجد مظاهرات اليوم، يجب الانتظار ليوم الجمعة..ولا أتذكر الى أين كنت أنوي الذهاب، فقد أتيتُ لعملٍ ما ونسيته، واصبحت الكرادة والمسرح الوطني، بعيدين عني .

قال سائق التكسي، سأوصلك الى الكرنتينه، قلتُ له من بداية الشارع أو من كهرمانة، فسألني :

تنزل قرب الساحة؟

 أشرت له "نعم"، وسمع تعليقي "أي ساحة"، وضحك بسخرية! كانت هنالك بنزين خانة جديدة، تسدُ الساحة وتخنقُ الفضاء من بداية الشارع وتلقي بظلالها على ما تبقى من جماله وهدوئه، دخل في الشوارع الفرعية ذات شارع واحد، وبيوتها الهادئة، ووقف على مسافة بعيدة من الساحة، وقال وهو يضحك «خلّصتك منها»، يقصد البنزين خانة ولكنني ما زلت اراها من مكان توقفه فشكرتهُ واشرت اليها فضحك ..واعطاني رقم موبايله، وطلب مني الاتصال به بأيّ وقتٍ اشاء.

....

كانت ساحة السباع كالحة ومنزوعة الأشجار وصاخبة تعج بالسيارات، قطعتُ الساحة الى شارع الهادي، وقبل نهايته، لاحت أسلاك الكهرباء الممتدة بكلّ اتجاه، وسوق الشارع المزدحم، والبنايات والخرائب المهملة على الساحة الصغيرة، نهاية الشارع، حتى تشعر بأنك لست في بغداد.. في ساحة السباع أو الهادي أو الأمين وباب الشيخ، رفضت هذه الاحياء البغدادية المختلطة، بشدّة، كانتونات عزل السُنّة عن الشيعة، بأوج سُعار الطائفية بين عاميّ 2006 و2007 م، وكوفئت بالإهمال المتعمد، وتبدو كأنها خارج خدمات أمانة العاصمة، رغم إنّها وسط بغداد.

 صدمني الاهمال وشعرت بالتوجس من الذهاب الى الميدان أو الرشيد، كان جامع الخلاني القريب عبارة عن خرائب بجدرانه العالية المحاذية للرصيف، وما زال بعض القاشاني الأخضر والأزرق، يتثبتُ بجدرانه وقبته المستديرة، كأنّهُ يشكو لشارع الهادي، ولكنهُ لا يجد في شارع الهادي وساحته الشبيهة بمكب للنفايات، سوى خرائب مُماثلة، فيلوذ بالصمت والسكينة والهدوء .

 احياء وسط بغداد عبارة عن خرائب وساحات لجمع الانقاض، وتقطعُ الشوارع حواجز تفيض عن الحاجة ونقاط سيطرة تخيف المارة، وأنت تتمشى، أنس أنك في وضعٍ أمني مضطرب، عليك ان تشعر بأنك في أمان رغم ان كل ما يحيط بك لا يشعرك بالامان حين تتجول في بغداد، واذا لم تستطع أن تشعر بالامان، عليك ان تبقى في بيتك أو ترحل وتسافر .

.....

من شارع العلاوي أو من نهاية نفق الشارع والجسر أو المُجسّر الجديد، بداية الشارع باتجاه الكرادة، يرتفعُ حائطٌ كونكريتي هائل، يحمي المنطقة الخضراء، ويعزِلُها عن الاحياء المجاورة، ويظلُ يلف مع الشارع الى نهايته، وقبل أن ادخل في الشارع، فكّرت بالرجوع والذهاب الى شارع الرشيد، فتذكرتُ محلات الزيوت وإطارات السيارات والاكسسوارات التي غزت الشارع، وتوقفت .

......

عدتُ الى رصيف المسرح الوطني، ىتذكر العمل الذي اتيت من اجله بدون هواجس أو أحلام، كانت الكرادة خلف المسرح، هادئة بلا ضجيج، أردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله .. ولكنني نسيت!

قطعتُ الشارع مرّة ثانية من رصيف المسرح الوطني الى الرصيف المقابل، وشعرتُ بالارتباك، لكثرة الكهربائيات المعروضة على الرصيف، والمتسوقين وأصوات السيارات والحاجز أو نقطة التفتيش القريبة بنهاية الشارع، فقد عجزت الإعلانات الكبيرة الملونة والأشجار الخضراء الجميلة والمُشذّبة عن إعادة رونقه وجماله .

 كنت في تلك اللحظة على بعد خطوات من دجلة وأبو نؤاس، ولكنهُ فارغ الآن، بهذه الساعة، كأنّهُ بلا مقاهي أو رواد ومشروبات، اردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله في الكرادة قرب المسرح الوطني، ولكنني نسيتهُ .. قلت "سهام" ستذكّرني به، تذهبُ خصيصاً لمحلاتٍ قريبة من كهرمانة، تبيعُ أكياس "جبس مُملح" من مختلف الاحجام أو بالوزن، وتأكلُ أكثر مما تشتري ..

ولكنني نسيتُ أن اسألها !!

حين عدتُ مشياً

مرة ثانية الى كهرمانة.

 

قيس العذاري

......................

بغداد قبل انتفاضة تشرين التي بدأت يوم : 25.10.2020 م

 

ضياء نافععندما ولد سيرغي  يسينين العام 1895، كان مكسيم غوركي اديبا معروفا في روسيا الامبراطورية، اذ ان غوركي اكبر من يسينين ب (27) سنة. وعندما توفى يسينين العام 1925 كان غوركي خارج روسيا السوفيتية - مرة اخرى – مضطرّا، وذلك نتيجة لخلافه مع السلطة السوفيتية هذه المرّة (انظر مقالتنا بعنوان – غوركي ولينين). وعندما نشر يسينين اول قصيدة له العام 1914 في احدى المجلات الخاصة بادب الاطفال، كان غوركي  لا يزال خارج روسيا هاربا من مطاردة السلطة القيصرية له لنشاطه السياسي والفكري المعارض للنظام القيصري الروسي آنذاك، وكان يلتقي خارج روسيا القيصرية مع لينين نفسه ويشارك بنشاطات حزبه  الماركسي المعروف، الذي سيحقق ثورة اكتوبر 1917، ويحوّل دولة روسيا الامبراطورية الى دولة الاتحاد السوفيتي .  الكاتبان غوركي ويسينين – باختصار -  عاشا في روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية، وفي زمن واحد متقارب، لكن مسيرتهما الحياتية كانت مختلفة تماما، ورغم كل هذا الاختلاف النوعي الكبير (شكلا ومضمونا) في مسيرتيهما ونتاجاتهما، فانهما – مع ذلك – يعدّان الان قمّتين من سلسلة قمم الادب الروسي في النصف الاول من القرن العشرين، وانطلاقا من هذه الحقيقة الساطعة والثابتة في تاريخ الادب الروسي، تناول الباحثون الروس موضوعة المقارنة بينهما، اي العلاقة بين عالمين اثنين مختلفين تماما في زمن روسيّ واحد، وهي موضوعة طريفة فعلا، وهذا ما نحاول الحديث عنه بشكل عام (اي عن اهم ملامح هذه المقارنة) في مقالتنا هذه .

المقارنة تبدأ بين الوقائع في طفولة غوركي ويسينين، اذ انها (اي الطفولة) تنعكس لاحقا وحتما في بلورة خصائص المبدعين كافة . طفولة غوركي كانت صعبة وقاسية جدا، وهي تذكّر بجملة  كتبها تشيخوف مرّة واصبحت قولا شائعا باللغة الروسية، وهذه الجملة هي– (في طفولتي لم تكن عندي طفولة) . طفولة الصبي اليتيم غوركي معروفة بشكل عام للقارئ العربي، اذ انه كتبها في روايته الثلاثية المعروفة والمترجمة الى العربية (طفولتي / في الناس / جامعاتي)، ويعرف هذا القارئ ان غوركي اضطرفي طفولته ان يمارس  مختلف الاعمال التي يضطر الانسان ان يمتهنها وهو في وضعه التعيس هذا، مهن مثل  صبغ جلود الاحذية وغيرها من المهن، وان غوركي لم يستطع - نتيجة هذا الظرف الصعب - ان يكمل سوى مدرسة مهنية ليس الا. طفولة يسينين تختلف تماما، اذ انه قضاها في قريته الروسية  التي ولد فيها (وانعكست مناظرها الريفّية الخلاّبة لاحقا في شعره)، وكان يدرس في المدرسة (ويلتهم!) الكتب الموجودة في مكتبتها العامة، وهناك تعرّف يسينين على الادباء الروس ومنهم غوركي، والذي كان يكنّ له اعجابا متناهيا كمناضل وكأديب متميّز في مسيرة الادب الروسي، ولهذا، وعندما أصدر يسينين اول ديوان شعر له، فانه اهداه الى غوركي، وحدث ذلك في بداية عام 1916، عندما التقيا اول مرة في مدينة بيتروغراد (وهي المدينة التي تحولت الى لينينغراد ثم عادت الى بطرسبورغ وهو اسمها الاصلي)، بعد عودة غوركي من ايطاليا الى روسيا، وقد كتب يسينين في ذلك الاهداء على ديوان شعره جملة تعبّر عن موقفه هذا تجاه غوركي، وقد جاء في ذلك الاهداء – (الى مكسيم غوركي كاتب الارض والانسان ...)،، وتمّ عرض هذا الكتاب باهداء يسينين في معرض اقيم في متحف يسينين بموسكو لمناسبة مرور 150 عاما على ميلاد غوركي العام 2018 بموسكو .

غوركي كان مراقبا فذّا لمسيرة الادب الروسي، وكان يتابع بدقّة كل الاسماء الجديدة في هذا الادب، ويحاول ان يرعاها حسب امكانياته،   وقد لاحظ غوركي بالطبع موهبة يسينين المتميّزة رأسا، ودعاه للمشاركة في النشر بمجلة (ليتوبيس)، التي بدأت لتوّها، واستجاب يسينين لهذه الدعوة،والتي جاءت من قبل كاتب يعتزّ به مثل غوركي، وظهرت فعلا في العدد الثاني (شباط 1916) للمجلة قصيدة ليسينين، ثم نشر غوركي قصائد ليسينين في جريدته (الحياة الجديدة) التي بدأ باصدارها آنذاك، وهي الصحيفة لعبت دورا كبيرا في التعبير عن خلافات غوركي مع السلطة السوفيتية . ومن الطريف ان نذكر هنا، ان اعجاب غوركي بشعر يسينين قد انعكس حتى على مراسلات غوركي مع الاديب الفرنسي رومان رولان، اذ وجد الباحثون جملة كتبها غوركي الى رولان، يخبره فيها بظهور شاعر روسي عبقري شاب في روسيا السوفيتية هو يسينين . نختتم مقالتنا هذه بمقطع بما كتبه غوركي عن يسينين، – (... أثارتني قصائده حتى الدموع ...اردت حتى ان ابكي...ولم استطع ان اقول له اي كلمات مديح، والتي اعتقد انه ليس بحاجة اليها ...ان تلك القصائد تجعلك تفكّر وبلا ارادتك...ان الطبيعة قد خلقته ليكون لسان حالها... وانها خلقته للشعر .. وللتعبير عن حزن الحقول ..وعن الحب تجاه كل ما هو حي في العالم).

غوركي ويسينين موضوعة جميلة في تاريخ الادب الروسي، وهي تستحق – وبجدارة – ان يوليها الباحثون انتباههم، والتعمق في دراسة الآراء التي كتباها او ذكراها كلاهما عن بعضهما البعض، والتوقف عند آراء الآخرين حول هذه العلاقة وتحليلها ...

 

ا.د. ضياء نافع

 

كاظم الموسويلا أتذكر الان أن كنت قد قراتها ايام الشباب التي كنا نتنافس في القراءات ونتسابق في المتابعات. ايام كنا طلابا في المراحل المتوسطة والثانوية من التعليم، أو في دار المعلمين، ونهتم بالادب بكل فروعه، الشعرية أو النثرية، وما يتعلق به من مجلات ومطبوعات. وكنت مع صديقي رياض، ابن مدير دائرة الثقافة، نشتغل بالقراءة وتبادل الكتب واستعارتها من المكتبة العامة أو من ما كان بيتهم حافلا به من اخر الاصدارات الثقافية ومكتبته عامرة بالكتب ومنها طبعا الروايات العربية، واتذكر اني تخصصت بجمع اعداد من مجلة الثقافة (رئيس التحرير محمد فريد أبو حديد) ومجلة الرسالة (رئيس التحرير احمد حسن الزيات) ودوريات اخرى، وهو تفرغ لجمع الطوابع البريدية والمراسلات. ولكل منهما قصة مناسبة قد يأتي يوم للتفصيل فيها. واستعدت التذكر عن "عودة الروح"، لتوفيق الحكيم, (ولد عام 1898 وتوفي 26  تموز/ يوليو 1987) وانا أطالع كتاب المناضل الاشتراكي احمد بهاء الدين شعبان، "عبد الناصر مثقفا"، وذكره الرواية نقلا عما أشار له الناقد الر احل رجاء النقاش عن تأثر جمال عبد الناصر بمحتوى الرواية بعد قراءتها واستخلاصه منها فكرتين، فكرة الوحدة الوطنية، وفكرة عودة الروح لمصر في دورها الحضاري، واضاف لها احمد فكرة ثالثة " التوحد" او الجمع بين الموضوع والذات، بين الأمة والزعيم أو بين الشعب والقائد.

بحثت في الانترنت عن الرواية، وحملّتها الكترونيا فوجدت الطبعة الرابعة في جزءين من منشورات المطبعة النموذجية عام 1957 في 515 صفحة من القطع المتوسط، وكانت الطبعة الأولى صدرت عن مطبعة الرغائب عام 1933 وبعد الغلاف نشرت دار النشر  عناوين الكتب الصادرة له في اللغة العربية، وهي في ذلك العام عدد كبير، ومن ثم ما صدر له في اللغات الأجنبية وكذلك كان عددا كبيرا. بالنسبة لعودة الروح ترجمت إلى اللغة الروسية عام 1935 والى اللغة الفرنسية عام1937 ومقتطفات منها إلى الإنجليزية عام 1942  ومن ثم نشرت مقتطفات من كتابات النقاد الاجانب عنها في وسائل الإعلام، وكل هذا كان في عام صدور الرواية في طبعتها الرابعة. كم طبعة أخرى وكم ترجمة وكم رأيا كتب عن الرواية وعن ما كتبه الحكيم ونشره، لا اريد هنا متابعته والعمل عليه، فليس هنا وقته وظروفه و لابد من تفرغ له، وانما بادرني سؤال عن الاهتمام الثقافي والاحترام والتقدير للابداع والمبدعين، واين كنا واين أصبحنا رغم كل التطورات والتحولات على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والفنية والتقنية؟!.

اعود الى الرواية وماكتبه عنها نقاد اجانب، ترجمته دار النشر وصدّرت الطبعة به، فكتب جوليان جيمار في "لوبيتي هافر" في 1937/7/21: قرأت هذا الكتاب بلذة عظيمة لأنه ينقل القارئ دفعة واحدة، الى وسط عائلة مصرية، نستطيع أن نقف في الحال على عيوبها ومحاسنها، وذلك في بساطة وبغير تزين وتصنع، أن القارئ ليحس أن ما يقرأ هو الحقيقة، وأنه ليشعر أن هذه العائلة هي صورة طبق الأصل لشعب بأكمله.

وكتب جان ديستبو في "سيرانو" في1937/7/23 : اننا نلمس من تلك المؤلفات التي لو وجدت عندنا لنعتها، "موريس بريس" بقصة "النشاط القومي" وليس لمدلولها غير معنى واحد، هو أن الروح العائدة إنما هي روح فلاح مصر العريقة في القدم. وكتب راوول توسكان في "ايكودي لا نييفر" في1937/7/24  هذه القصة التي تصور حياة أسرة برجوازية مصرية صغيرة لتدل على معنى من الحياة والحقيقة يثير الدهشة، وهي في عين الوقت تظهر لنا كيف أن هذه الأمة الجميلة، أصبحت قادرة على كسر اغلالها.

وكتب غرديير لوبلتييه في "لوبنيون" في1937/8/1 كل شيء يسحرنا في هذه الرواية، التي ترسم لنا من جديد عظمة روح شعب.. أما مارك دي لا فورج فكتب في "فير لافنير" في 1937/8/1  ان رواية توفيق الحكيم وهو من أكبر كتاب العالم العربي، لتفيض حياة وتشتمل على كثير من الأسانيد الحقيقية. وكتب مارسيل مارتينيه في أيلول/ سبتمبر 1937  انه كتاب جميل ممتليء حيوية وتاثيرا وذكاء مع فكاهة، ولكن نزعته الوطنية مما يضايق قليلا، على الأقل فيما يختص بي، غير اني افهم جيدا أن ظروف الحياة المصرية الحاضرة تجعل من الصعب محو هذه النزعة، دون المساس بصدق الكتاب كله، وإنه لمن الظاهر فيه فضلا عن ذلك وجود بعض عناصر ادب، "الطبقات الفقيرة" أو على الأقل ادب شعبي لا شك فيه.. وكل هذا في لهجة بعيدة عن الفتور والمجاملة والترفع الكاذب.

هذه بعض آراء مما نشر من الكتاب والنقاد الأجانب وهناك الكثير منها في تقييم الرواية وعودة الروح المصرية والانتصار للشعب وتطلعاته في التحرر والانطلاق لآفاق التغيير والعمران. وكما لخص بعض النقاد جوهر الرواية في وصف الشعب وطبقاته الاجتماعية وما يعتمل داخلها من تحولات وتطورات تنتهي بالفرح والتوحد النضالي للتغيير ورفض الواقع الذي كان عليه الشعب المصري.

بدا توفيق الحكيم كاسم مبدع في ما أصدره من مسرحيات وروايات وكتب اخرى، واتفق الكثير من النقاد والقراء على قدراته الإبداعية وتصوير الوقائع والحقائق الوطنية والشعبية، ومنه أو عبره، في إلابداع، سجل حافل لنضال الشعب المصري واعتبار ما وثقه في إبداعه شهادة تاريخ ودليل حيوية الشعب والتعبير عن قضاياه برمزية أفراده أو في تسلسل الأحداث وحركة النص الإبداعي وحبكته وعتباته وخياله الفني وانسجامه اللغوي معه في الإبداع الذي مازال مقروءا ومعتبرا لرائد مهما اختلف حوله أو مهما تغيرت معه اتجاهات الريح السياسية، منه أو عليه. وفي كل الاحوال فرض إبداعه نفسه في كتب التعليم المدرسية في فقرات أو فصول الادب العربي الحديث، في أغلب البلدان العربية وخارجها، وظل مع نخبة الرواد من جيله أسماء مضيئة في الإبداع والثقافة والتاريخ يحن اليهم ويذكرون بود واعتزاز وتقدير.

 

كاظم الموسوي

.......................

* نقطة حبر: (من منشورات مكررة على الواتس آب)

"أسوأ اختراعين في تاريخ البشرية، السلاح الناري لأنه سمح للجبان بقتل الابطال، ووسائل التواصل لأنها سمحت للجاهل بشتم أصحاب الفكر."

 

يسري عبد الغنيعن ضرورة الترجمة قال إرنست رينان :” إن الأثر غير المترجم يعتبر نصف منشور” . أي أننا لا نستطيع تصوّر أمة تعيش على تراثها فقط، بل يجب التفتح على العالم وما يجري خارج الحدود، ويشمل أيضا الاقتصاد والعلم . ويُذكر أن الكاتب المعروف ميخائيل نعيمة قد سٌئّل مرة عن الترجمة فقال: “فلنٌترجم ” ورددّها ثلاث مرات، وهي دعوة صريحة إلى الترجمة . ومادامت الترجمة ضرورة لابد منها لنقل العلوم والآداب من لغة إلى أخرى أو أكثر، فإنه من الضروري أيضا أن نعرف كيف نٌترجّم، حيث يذهب الكثير إلى أن أحسن ترجمة هي الترجمة الحرفية بينما يذهب البعض إلى التأكيد على الترجمة بتصرف، في حين أن البعض الآخر يحث على أن تكون الترجمة أمينة للأصل، أي أننا لا نٌظّهر عليها على أنها ترجمة بحيث يتخيل إلينا أننا نقرأ في النص الأصلي . ومن بين المترجمين والباحثين الذين يحٌثون على الترجمة الحرفية الدكتور سهيل إدريس حيث صرح في أحد الحوارات مع مجلة الحوادث اللبنانية : ” إن الترجمة الحرفية أصلح ما نقدمه للقارئ شرط عدم تشويه النص الأجنبي ” . ويضيف الدكتور سهيل في هذا المجال ” أننا إذا اعتمدنا الترجمة الحرفية فإننا سنخفّف من خيانة الترجمة بشكل كبير وبذلك نتجنب كثيرا من الخلل وإذا كان ثمة غموض أو التباس في النص المترجم، فربما كان ذلك في أصل النص، وليس في طريقة ترجمته، وهذا لا يكون المترجم مسؤولا عنه بقدر ما كان مسؤولا عنه النص الأصلي، والمهّم في هذه النقطة أننا نٌوسع آفاقنا الفكرية أيضا بنقل روح النص الأجنبي وبهذا نٌغني المضمون الفكري الذي نطلبه في كل نص أجنبي “. أما الكلام بخصوص أننا نقوم بعمل خياني عندما نقوم بالترجمة مثل ترجمة الشعر، وبذلك قاموا بتعميم حٌكمهم على الترجمة بصفة عامة، وحجتهم في ذلك ما جاء به كبير المترجمين الغربيين وهو ” إدمون كاري ” حين قال في كتابه الترجمة في العصر الحديث الذي صدر في جنيف سنة 1956 وبالضبط في الصفحة رقم 91، (ليس هناك من شك في أن الترجمة الشعرية تطرح صعوبات هائلة وملازمة،الشيء الذي يجعل القارئ يشعر دوما بأنها تختلس ما هو جوهري في الأثر الأصلي، وفي الحقيقة تٌعتبر الصعوبة الأولى مشتركة بين كل ترجمة فنية، تلك هي صعوبة نقل الشكل و الأسلوب و الشخصية الذاتية للأثر لأن الشاعر لا يتكلم لغة كل الناس ” ولذلك كان على المترجّم أن يعيد ـ بطٌرقه الخاصة ـ عنصرا ذاتيا محضا ..أضف إلى ذلك أن اللمسات الأكثر مألوفية التي يستخدمها الشاعر، لا تحوي نفس اللون من بلد إلى آخر“.

 

بقلم:د. .يسري عبد الغني

جواد غلوم"من إحداثيات الكورونا"

لفت نظري أثناء فترة الحظر الصحي الذي فُرض علينا الشهور الماضية وما زال حتى الان  بسبب فيروس / كوفيد 19 خبرٌ أذاعته أكثر من قناة تلفزيونية ألمانية قبل بضعة أيام في نشرة أخبارها تحت عنوان: "الكورونا لا تقف في وجه الحب" .

 أوردت فيه تلك القنوات خبرا مصوّرا عن سيدة ألمانية كبيرة بالسن، تلتقي بحبيبها السويسري، المريض والطاعن في السن أيضا عند نقطة الحدود التي أغلقت بين البلدين بسورٍ هو عبارة عن شبكة معدنية عالية ؛ إذ تجلس السيدة عند آخر خطوة من حدود بلادها ويجلس الرجل عند آخر نقطة من حدود بلاده أيضا، يضع كل منهما طاولة صغيرة متحركة أمامه، فوقها كأس زجاجية، كما شاهدت كأسا أخرى ممتلئة ؛ أظنها جعةً أو نوعا من العصائر على طاولة الرجل، وقليلا من المقرمشات والأطعمة البسيطة .. يبقيان هناك على هذه الحال طوال بعد الظهر ولا يهتمان بالأجواء بردت ام سخنت ولا الرياح هبّت ام سكنت يتقابلان في العراء حتى تغيب الشمس، يرويان القصص والأخبار ويتسليان معاً في أحاديث تبدو شيقة أحسستها من خلال طلعتهما المبتسمة وإشراقة وجهيهما والسعادة الظاهرة عليهما في اللقاء .

الخبر بحدّ ذاته لطيف وطريف وملفت حقاً فقد تحديا الحجر وعزما ان يلتقيا مهما كلّف الامر حياتهما، ولم يعبآ بالمخاطر التي أحدثها هذا الكوفيد الأحمق .

المتحابان تجاوزا الثمانين من عمرهما، ومع هذا بقيت شعلة الحب متقدة لا تخبو في قلبيهما، ولم تمنعهما الحدود المغلقة من اللقاء اذ خاطرا بحياتهما ليلتئم شملهما حديثاً ورؤيا بلا اقتران جسدي مع وجود الحاجز .

 ففي دراسة ألمانية حديثة قرأتها منذ فترة تؤكد أن الحب لا يعرف عمرا طال أم قصر، انه يتحدّى مراحل الانسان الزمنية ؛ ليس هذا  فحسب، وإنما ثبت أيضا أن الحب مرتبط ارتباطا وثيقا بالصداقة، وإلاّ فأنه محال ان يدوم بلا علاقات صداقية ترمم المحبة وتبلسمها لو توعكت قليلا .وبدون الصداقة الصدوقة في العلاقة بين اثنين لن يدوم الحب أكثر من بضع سنوات، إذ يجب على المُحّب أن يكون قادرا على أن يشارك حميمه جميع اهتماماته وأفكاره، كما لو أنه يشاركها مع أفضل أصدقائه، وبهذا المنحى يكون الحبيب عادة " الصديق المفضّل ".

هذا عن صفة الحب عند كبار السن، ولكن هل يحب الأطفال؟

أجابت الدراسة بنعم . فكما أن الطفل يحب والديه، فأنه يحب صديقه أو صديقته ويتعلق بها .

وهذا ما نلحظه في المدارس عندما يرجو طفل من المعلمة أن يجلس قرب فلان من التلاميذ أو فلانة .. يلعبان معا، يتحادثان بعفوية، أو يقدم شيئا من فطوره لها ويستعير كراسته، وقد يعانقها ويقبلها وبالعكس .

حتى اليوم لا نعرف كل قدرات دماغ البشر على التحكّم بمشاعرنا، ولا شك اننا سنكتشف يوما بعد آخر ان الحب هو مُحرّك هذه الحياة وجوهرها، وانه يولد معنا ولا يموت حتى بعد موتنا، وقصة روميو وجولييت أو قيس وليلى وشيرين وفرهاد خير مثال على ذلك فهذه القصص تبقى خالدة وتتوارثها الأجيال .

واذا كان الحب أجمل نعم الله علينا نحن البشر، واذا كانت الدراسات الحديثة تؤكد قدرة الأطفال على الحب، فمن المؤكد ان الكهول أيضا يستطيعون الاستمرار بالحب مهما تقدموا بالعمر .

فالعمر يجري ويلاحقه  الحب والفرح أينما سرى وحيثما أزفَ، نحن نقرر أن نبقى شبابا في الحب أو أن تموت خلايا قلوبنا وتبهت أرواحنا من دون محبة .

تلك هي الحياة أوصتنا بالحب شيبا وشبانا وفتية، لأن الوصول اليه أيضا يكون بالحب وليس بالحقد والكراهية ؛ فالحياة لم تعطنا ولا تعطينا كل ما نحب ولكن من نحبهم يعطوننا كل الحياة .

أؤمن أنه في كل دواخلنا قنديل مليء بزيت المحبة ؛ لا يحتاج منّا إلا الى شعلة صغيرة ليملأ الدنيا ضياء وبهاء ويفوح عطراً وعبيرا .

فلتضيئوا وتتوضئوا به بالحبّ وتتطهروا بمائه الرائق الدافق ولتلعنوا الظلمة ومطفئي شموع المحبة لتسيروا في طرق الحياة بمرأى كاشف، ولا تعبأوا بعثراتها ومطبّاتها وأخاديدها طالما مصباح المحبة يبقى مشتعلاً في دروب الحياة السالكة والوعرة معاً .

 

جواد غلوم

 

نيرمين ماجد البورنوقد تختلف الوجوه كثيراً وتتلون بصور وأشكال وستائر متعددة ولكن الأرواح تتشابه بإيمانها وانسانيتها، فنجد أروحهم تتوحد بالواجهة للحياة ودوما يجمعهم طريق واحد، فلا تتوقع أن يملك الجميع نفس صبغتك وأخلاقك وسلوكك واتجاهك وردود أفعالك وتربيتك، نعم الطين واحد لكن الأرواح تختلف، ولكن السيئ من يتلطف لك ويتودد ويتثعلب عند حاجته فتجده يبخل اذا شح الزمان معك، فتجنب واحذر أن تلوث روحك بزيفه لأنه سيجعلك تشك في بوصلتك المزروعة في قلبك، وستتأسف كثيرا على مصاحبتك لمن لا يستحق، حينها سيسدل الستار عن فصل أسود في حياتك وستدرك أن لغة الأرواح بحاجة الى فراسة الأنفس وما يحاك في الصدور من مشاعر حقيقية صادقة.

 داخل كل إنسان صوت يعرف من خلاله ماهية الصواب والخطأ، والقلب بئر تختزنُ فيه كل أسرار النفس والحياة، فأنصت له ما استطعت، واستمع لنبض حديثه، ودقائق ما يخبرك به، فكما أن هناك من يحبك بلا سبب سوى أنك أنت، فهناك أيضا من يكرهك بلا سبب، هؤلاء يبتسمون في وجهك وفي وجه القطط والمارة بنفس الابتسامة ونفس التعابير هم يحبونك كما يحبون الشكولاتة والمعكرونة والكولا يحبوك لكن غيابك عنهم لن يحدث فرقا، لذا يجب أن تميز بين ما يحبك لذاتك ولروحك ومن يحبك لمجرد أنك عابر فلا تراهن على ودهم، وأعلم أنه لا راحة لحسود ولا وفاء لبخيل ولا صديق لملول ولا مروؤه لكذوب ولا رأي لخائن ولا سؤدد لسيء الخلق.

تجاذب الأرواح الطيبة من أسمي وأرقي العلاقات الإنسانية على الإطلاق، فكل إنسان له شبيه روحي يتناسب ويتناغم  ويتلاقى معه سواء أكان صديق ، حبيب، أخ، قط، لأن الوجوه والأشكال تتكرر أما الأرواح فلا تتكرر، فعالم الأرواح يتعدى الشكليات والماديات حيث التجانس في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية يورث تجاذب الأرواح وهذا ما يسمى بالتخاطر العاطفي أو الالتقاء الروحي، أرواح التقت واتفقت واشتاقت وحنت، فالأروح جنود مجندة يجمعها تجانس عجيب وإنسانية وانسجام فكري تساق لبعضها البعض كما تساق إلينا الأرزاق فتلتقي فتقترن فتتعانق فتكتشف فتسعد!!! يقول مصطفى محمود رحمه الله: (الحب ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي، هو نتيجة انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة )، ويقول مصطفى العقاد: (نحن لا نحب حين نختار، ولا نختار حين نحب، إننا مع القضاء والقدر حين نولد، وحين نحب وحين نموت) .

1667 نيرمين قد تلتقي الأرواح في مكان ما في محاضرة أو ملتقي أو سوق أو تجمع أو فرح أو فجأة تجد شخصا مال قلبك اليه ليس عاطفيا بل راحة نفسية داخلية كما لو أنك تعرفه أو تعرفها منذ أمد بعيد، ولو تحدثت اليه بما حدث معك ستجده يسرد لك ما حصل معه كما لو يكن مطابق لما حدث معك فالأمر مثير وباعث على التأمل والتفكير، وقد تتساءل أترانا التقينا في زمان أو مكان سابق من قبل! وقد يحدث أن تقابل إنسانًا ولأول مرة ايضًا، ولكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة تجد النفور وعدم القبول لديك، بل تتمنى ألا يحدث تلاقٍ حتى لا تضطر الى استخدام كل عبارات المجاملة ومفردات الدبلوماسية المنمقة التي تحفظها للتخلص منه، فالأرواح أذن لها القدرة على التخاطر وإدراك خبايا الأنفس وأثرها عميق بعمق تجاذب تلك الأرواح ، القلوب مرايا تشع فالقلوب الطيبة من الناس تحن الي شاكلتها والقلوب الشريرة نظير ذلك يميل الى نظيرة ومن يشاكله، اذن كل إنسان له شبيه روحي يتناسب معه.

في علم النفس، سبب عدم قدرتك على إخراج شخص ‏من تفكيرك هو أن الشخص ذاته يفكر بك، إنه ‏تجانس الأرواح، والتشابه الأخلاقي يولد تجاذبا في الأرواح، فروحه ببساطه تحمل نفس المشاعر ‏ونفس الأفكار ونفس العمق والإحساس، إنها كيمياء القلوب، يقول جبران خليل جبران: "ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تأتي بالمعاشرة الطويلة، ‏إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي"، تتصل الأرواح مع بعضها عن طريق التخاطر بالقلوب للإحساس ببعضهم، فلا تحتاج إلى وسائل الالكترونية حتى تتواصل وتتلاحم مع بعضها البعض حتى لو كانوا بينهم مئات الكيلو مترات، فقط بحاجة الى احساس وشعور بالروح الأخرى لا غير، ولعل أحد أسباب التقاء روحك مع روح هذا الإنسان هو التقاء الصفات الموجودة لديك وتشابهها مع الصفات الموجودة فيه، فالأرواح اذن تتصافح قبل أن تتصافح الأيدي والعيون، فلنبحث بدواخل أرواحنا ولنكتشف ذواتنا ولنتعرف على سمو أرواحنا حتى نسمو ونسعد، أبحثوا عن الأرواح الطيبة وأكتفوا بإخبارهم بأنهم كالزهور الجميلة في الحدائق، وبأنكم تشعرون بطيب أرواحهم، وأن هذا العالم جميل بوجودهم.

محظوظون من تحيط بهم أرواح جميلة طيبة مخلصة نقية وفية تسندك في محنك وكربك وفرحك، تحزن لحزنك وتفرح لسعادتك ونجاحك وتخلق ابتسامة من عبس، تتحمل مزاجيتك وتقلبات فكرك لأنها حقا تعرف من أنت وماذا تكون، تفهمك بصمتك بتقاسيم وجهك تحكي وتلتمس لك ألف عذر وعذر لا ترهقها ولا تجحدها المسافات والبعد ولا قله اللقاءات، يصنعون من نور الصباح فرحا واشراقا ونورا ومن بسمة الأصحاب عيداً فتجدهم يتغافلون عن الحزن الطفيف، يفعلون المعروف دون انتظار الشكر، فلو كنت تملك صديقا يحبك لروحك فأنت انسان محظوظ تملك كنوز الدنيا وما فيها، فالأرواح الجميلة تجبرك على أن تقترب منها لأن حديثها عذب وقربها راحة وملازمتها سعادة، فهي لا تمل ولا تثقل على الروح فكل الأشياء تنسي الا التي لمست قلبك  وسكنت روحك وباتت موطنك، فهنيئا لكلّ من رزقه الله هذه الكنوز وجعله يحضن روح صادقة نقية عذبة تشبهه في العمق الجميل، وأعلم انه ليس بالضرورة أن تكون بارع الجمال كي تكون جذابا للآخرين، بل ابحث عن جمالك الداخلي والروحي والذي بالتأكيد سيضفي عليك الصدق والجمال والثقة بالنفس لان صدق المشاعر أشياء لا تشتري هيا عفوية ووفية بين الأصدقاء، لذلك كن قريبا ممن يشعرك بالفرح ورفيقا للذي يري في قربك السعادة.

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

يسري عبد الغنيوفي مساء يوم الأحد الموافق السادس والعشرين من شهر يوليو سنة 1987، أفلت شمس حياة توفيق الحكيم، واستخفت عن الأبصار في طيات الغيوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى .

وكان حتماً مقضياً أن تأفل وتغيب، مهما طالت سنوات العمر، وتلك سنة الله المحتومة، ولن نجد لسنة الله تبديلا، غير أن نورها لا يزال وسيبقى أبداً منبعثاً من ثنايا إنتاجه الفكري والإبداعي الخصب الوفير، والذي ما توانى عن التجديد والصدور خلال ما يزيد عن ستين عاماً .

وهذا الإنتاج الثري المنوع في : الفكر، والمسرح، والرواية، والسيرة الذاتية، والقصة، والخاطرة، والمقالة، والنقد النظري، هذا الإنتاج الذي يكاد يعادل ـ دون مبالغة ـ إنتاج جيل بأكمله من الأجيال المتأخرة .

لذا، يعتبر توفيق الحكيم بذاته مؤسسة فكرية إبداعية بارزة، متقدمة، مؤسسة للتوعية الثقافية والاستنارة الفكرية، وإن أنصفنا لقلنا : بمنهج شخصي خاص، وروح فكرية متفردة.. ولكن، ألا يتفرد بذلك ـ عادة ـ كبار الكتاب وأصحاب الأساليب المتميزة الذين هم نسيج وحدههم؟!.

وإذا كان لتاريخ الدراما العربية منذ نشأتها وحتى الآن أن يتسلسل في حلقات من التطور، فإن إسهام الحكيم فيه، يتمثل في حلقة كبيرة متميزة، تتنوع بداخلها الأشكال والأساليب الدرامية من : مأساة، وملهاة، ومأسلهاة، وهزلية . ومن: واقعية، ورومانسية، وذهنية، ورمزية، وعبثية ... إلى آخر هذه الأساليب التي تمكن منها توفيق الحكيم في إبداعه الفني المتميز .

نضيف إلى ذلك محاولاته الحميدة في التنظير الدرامي، وابتكاره المسراوية (القالب الفني الذي يجمع بين المسرحية والرواية)، وتجديده في القالب المسرحي العربي، ولا نبتعد عن الصواب إذا قلنا : إن إبداعه لهذا القالب، وابتكاره للغة المسرحية الثالثة (الفصعامية)، كان له أكبر الأثر الفاعل في حركة وتطور المسرح العربي الحديث والمعاصر .

إن تلك الحلقة الذهبية البارزة التي أضافها الحكيم إلى حركة الدراما العربية، ونعني بها المسرحية، تتضاءل أمامها كماً وكيفاً كل الحلقات التي سبقتها، وكذلك كل التي لحقت بها .

وعليه احتل الحكيم عن جدارة، ولسنوات قادمة مديدة، احتل قمة الإبداع في الوطن العربي، بل وأفسح لنفسه بها مكاناً بين مؤلفي الدراما في العالم الخارجي، ومن ثم قلما نجد مؤلفاً عربياً معاصراً، لم يقرأ بعضاً من نتاج الحكيم الإبداعي، ولم يتأثر بفكره وبتقنياته الفنية، حتى ولو على نحو معارض أو مقلد أو رافض .

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

محمد السعديأطلقت مؤسسة بيدر في شهر آيار من هذا العام ٢٠٢٠، في التعاون مع مؤسسة أبن رشد ومعرض الكتاب العربي برنامجها الثقافي والفني والفكري على منصة تطبيق (زووم) . ورغم قصر إنطلاقته في أستضافته لشخصيات مهمة في مجالاتها الأبداعية والفكرية وذو شأن في الأبداع والثقافة، لكن الملاحظ وهذا الشيء المفرح هو كثرة متابعيه عبر ناصيات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية مما ترك للمشرفين على العمل مساحة أوسع من التواصل والمتابعة والتقديم، وكل واحد من هؤلاء كانت له بصمته الإعلامية هبة نبيل والشاعر أحمد الثرواني والمخرج مصطفى عبود والفريق الذي يعمل خلف الكواليس . كان الضيف الأول لبرنامج سومريون الموسيقار نصير شيمه، وكان هناك أتفاق مسبق مع مؤسسة بيدر سيكون ضيفها في أحياء حفل موسيقي كبير على أهم مسارح مدينة مالمو السويدية، وفي لقاء يعد الأول من نوعه في هذه المدينة النائمة على هدوء موج بحر البلطيق، لكن الجائحة اللعينة كورونا في تهديد حياة الناس ومنع التجمعات هي التي عرقلت من قيام هذه الفعالية الكبيرة في مدينة مالمو / السويدية، كان ينتظر أن يكون لقاء مباشر مع محبيه ومتابيعه من الجالية العربية والأوربيين كما أشارت المبدعة هبة نبيل في لقائها معه عبر شاشة زووم . وبسبب تلك الظروف الطارئة، كان ضيفنا الأول في برنامجنا سومريون والذي مازال محط أهتمام ومتابعة من متابعي وناشطي ناصيات التواصل . في هذا اللقاء الطويل من عمر البرنامج روى الموسيقار نصير شيمه أهم محطات حياته ومرابع طفولته ومشاريع المستقبل ومواقفه الانسانية . وقد نشرت الحلقات ومازالت على منصة تطبيق زووم وبث مباشر على شبكة بيدر على (فيسبوك).

هند كامل الفنانة المتألقة والمبدعة كانت ضيفة البرنامج في حوار هاديء ومتنوع وصريح وبعيداً عن المجاملات في تصديها للمشهد الثقافي العراقي بين الطموح والمعوقات . وهند كامل برزت كممثلة في مطلع الثمانينات وحققت موقعاً متقدماً في الدراما العراقية والعربية .

علي بدر الملحن العراقي هو أيضاً أطل على شاشة برنامجنا مع الاعلامية هبة نبيل في تعقب تسلسلي لاهم محطاته في عالم التلحين وأفاق النهوض بالاغنية العراقية كلمة ولحن وغناء وأنعكاساتها على مزاج الناس وتأثير محيط البيئة على تطورها .

خليل فاضل الممثل المبدع الشاب أبن القامة العراقية الكبيرة فاضل خليل، كان ضيفاً هادئاً في الحوار معه بعيداً عن التكلف وصريحاً في طروحاته، وأتحف الحلقة بصوته الشجن بمقاطع من الغناء العراقي .  

حيدر النعيمي.. إعلامي دؤوب ومؤسس مهرجان الفن العراقي من خلال تواصله وأهتماماته بالفن والفنانين العراقيين صاحب جاهزة الهلال الذهبي. كان ضيفنا في حلقة برنامجنا سومريون الخامسة في حوار صريح عن أهم محطات حياته والمعوقات التي تواجهه ومشاريعه الكبيرة للمستقبل .  

كان ضيف برنامج سومريون في الترتيبة السادسة الممثل العراقي حسين عجاج خفيف الظل وممتع الحديث عن تجربته الفنية وتطلعاته حول الدراما العراقية وأفاق النهوض بها. وعكس من خلال حواره مع الاعلامية هبة نبيل عن أهم الاعمال التي قدمها عراقية وعربية . وعن ماذا يحمل في جعبته من جديد من أعمال تمس واقعنا العراقي أو تعكس جزء من معاناته التي طالت لعدة أسباب .

رأت مجموعة برنامج (سومريون) وعلى ضوء المقترحات التي قدمت لها من قبل جمهرة المتابعين للبرنامج، وهي حقاً كانت ضمن جدولة أعمالنا في أستضافة نجوم ومبدعين عرب لأجل التنويع والخروج من المحيط المحلي العراقي الى فضاءات أوسع . كانت ضيفتنا في الترتيبة السابعة المخرجة والمنتجة الشابة البحرينية إيناس يعقوب . وأني سبق وألتقيتها في مهرجان فني وثقافي عربي في العاصمة تونس العام ٢٠١٧مهرجان الإذاعة والتلفزيون في دورته التاسعة عشر  . وقد حصلت على جائزة من أدارة المهرجان لأحد أفلامها الوثائقية المتحركة (حول أبن بطوطة). الرحالة العربي . وقد نجحت في أختياراتها لقضايا تاريخية تشكل مركز أشعاع فكري وتاريخي في تاريخنا مثل الفيلم الوثائقي (رجال رسول الله) . وقد منحها الرئيس الفلسطيني محمد عباس شهادة تقديرية بأسم الثقافة والأداب .

كان ضيف هبة نبيل الشاعر العراقي الكبير حمزة الحلفي في حوار مفتوح وجريء عن أهم محطات حياته الابداعية وعلاقتها بالوضع العام العراقي وفي التعبير عن معطياتها الكامنة في التواصل مع الابداع والأوجاع . شاعر شفاف وقريب الى النفس البشرية ليس فقط شعراً وأنما روحاً بتواضع شأن الكبار . وهذا ما لمسناه في حواره المتواصل لساعة من الزمن . بدأ من بدايات طفولته وتأثرها بالبيئة وبالذين سبقوه من مبدعين وتأثره بهم ليس فقط شعراً وأنما فكراً وسلوكاً بعقلية اليسار .

كان ضيف الحلقة التاسعة الناشط المدني والممثل المميز حيدر عبد ثامر في حديث شيق وممتع عن أهم محطات حياته، من طفولته ورغم حرماناتها لكنها كانت نقطة إنطلاقته الاولى نحو التمثيل والشهرة . وفي شهور مضت كان ضيفنا في السويد واللقاء مع جمع عراقي وعربي في أمسية جمعتنا بمبنى أبن رشد بالتعاون مع مؤسسة البيدر في الحديث عن بطولات شبابنا في أنتفاضة تشرين . كان نموذجاً حياً وصادقاً في رؤياه عن بطولات شبابنا في ساحة التحرير وفي نقل صور حيه عن يومياتهم ومعاناتهم وتحديهم لاساليب الحكومة وميليشياتها من أجل شعار نازل أخذ حقي وأريد وطن .

الفنان المبدع باسم الباسم كان ضيف حلقتنا (سومريون) العاشرة . الفنان الذي قدم أعمالاً مشتركة على المسارح ودور السينما السويدية في تناول قضايا أجتماعية وتاريخية تعكس جوانب مهمة من العلاقة والأندماج مع السويديين .

وفي ختام هذه الحلقة نكون قد أنهينا الفصل الأول من برنامجنا سومرين وخليكم على موعدنا معكم في حلقات جديدة وشخصيات مبدعة ومهمة في الأوساط الثقافية والادبية . وقد ترك فريق العمل بصماته الواضحة في نجاح البرنامج المتمثل بالاعلامية المجتهدة هبة نبيل وأعداد الشاعر المبدع أحمد الثرواني وأخراج المبدع مصطفى عبود وللذين خلف الكواليس تحية وتقدير ولفريق العمل الحب والود .

 

محمد السعدي

مالمو / ٢٠٢٠

 

 

 

احمد عزت سليملا توجد أرض محايدة.. أصبح الجسم والوجه والشعر سياسيًا.. الجمال يتعلق بالاحترام والقيمة والحق في الوجود دون الحاجة إلى تغيير هويتك بشكل أساسي.. بالنسبة للمرأة السوداء، فإن رؤية شعرها الطبيعي على أنه جميل يعني أن تجعيد شعرها الغريب لا يشير إلى كونها غير مهنية.. بالنسبة للمرأة ذات الحجم الزائد، فإن تضمين لفات بطنها في الحديث عن الجمال يعني أنها لن تتعرض للتبرئ من قبل الغرباء لتناولها الحلوى في الأماكن العامة ؛ لن تضطر إلى أن تثبت لصاحب العمل أنها ليست كسولة أو بدون قوة إرادة أو تفتقر إلى ضبط النفس..

عندما يُنظر إلى تجاعيد المسنة على أنها جميلة، فهذا يعني أنها تُرى بالفعل.. لا يتم تجاهلها كإنسان كامل: ـــ جنسية، ـــ مضحكة، ــــ ذكية، و ــــ أكثر احتمالية، ــــ أنها متورطة بعمق في العالم من حولها .

إن رؤية الجمال في عضلات تموج المرأة يعني تبني قوتها، وكذلك تجنب فكرة أن جمال الأنثى معادل للضعف والضعف.. ــــ فالقوة الجسدية الخالصة مذهلة.

اقرأ تي شيرت على منصة عرض أزياء مشهرة بالتنانير Balmain في ربيع 2020 في باريس: ـــ " من أنت "... المدير الإبداعي للعلامة التجارية، أوليفييه روستينغ، معروف بتركيزه على الشمولية في الجمال... وقد ساعد هو، إلى جانب كيم كارداشيان، على تعميم فكرة " السميك النحيف "، وهو وصف القرن الحادي والعشرين لشخصية الساعة الرملية مع التعديلات التي أجريت على الرياضة... يصف " السميك النحيف " امرأة ذات صدرية بارزة وثديين وفخذين، ولكن بجسم متوسط نحيف.. إنه نوع الجسم الذي باع عددًا لا يحصى من المدربين الخصر وتم تطبيقه على النساء مثل المغنية ورائدة الأزياء ريهانا الذين ليس لديهم اللياقة البدنية الهزيلة لماراثون .

قد يكون السمك السميك مجرد نوع آخر من الجسم تستحوذ عليه المرأة.. لكنه يمنح المرأة أيضًا ترخيصًا لصياغة مصطلح لوصف جسمها، وتحويله إلى علامة تصنيف شهيرة، والبدء في حساب الإعجابات.. لـــ تملك من أنت..

عندما أنظر إلى صور مجموعات من النساء في إجازة، أو أم مع طفلها، أرى الصداقة والولاء والفرح والحب... ترى أناسًا يبدون نشيطين وواثقين.. ربما لو أتيحت لي الفرصة للتحدث معهم، ستجدهم أذكياء وذكيين أو يتمتعون بشخصية ساحرة بشكل لا يصدق.. إذا تعرفت عليهم وأعجبتهم، متأكد من أنك ستصفهم أيضًا بـــ " الجميلة "..

إذا نظرت إلى صورة لوالدتك، فسوف ترى واحدة من أجمل الناس في العالم - ليس بسبب عظام وجنتيها أو شكلها الأنيق، ولكن لأنك تعرف قلبها وإنسانيتها الرائعة .

كثقافة، نقدم خدمة كلامية لفكرة أن ما يهم هو الجمال الداخلي في حين أن النسخة الخارجية هي التي تحمل العملة الاجتماعية الحقيقية.. تجرئونا النظرة الجديدة على الجمال على الإعلان عن شخص لم نلتق به بشكل جميل.. يجبرنا هذا على افتراض الأفضل حول الناس.. تطلب منا التواصل مع الناس بطريقة طفولية تقريبًا من حيث الانفتاح والسهولة..

لا يطلب منا الجمال الحديث أن نأتي إلى الطاولة دون حكم... يطلب منا ببساطة أن نفترض أن لكل شخص حاضر الحق في الحضور..

 

أحمد عزت سليم

 

شاكر فريد حسندفعت هزيمة حزيران الإنسان الفلسطيني إلى أجندة وخنادق جديدة، فراح يواجه المحتل بالحجارة والمقلاع، وأخذ يقاتل عن حقه بالوجود والحياة والحرية والاستقلال، بأساليب وطرق شتى إزاء التهديد لطمس شخصيته القومية والثقافية ونزع هويته التاريخية. وجاء الابداع والنشاط الفني كأداة نضالية فاعلة في الدفاع عن البعد الحضاري للشعب الفلسطيني والحفاظ على لغته وتراثه وفنونه. وشكلت الفنون الفلسطينية بمختلف أشكالها والوانها رافدًا مهمًا من روافد النضال والمواجهة والمقاومة في سبيل التحرر والاستقلال الوطني. 

وفي هذا الجو النضالي الذي نشأ في ظل الواقع الفلسطيني الجديد ولدت ونبتت أشعار وقصائد شاعرة جبل النار فدوى طوقان، كامتداد للشعر المقاوم الرافض المتمثل بنصوص الشعراء توفيق زياد وراشد حسين ومحمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران وحنا أبو حنا وحنا ابراهيم وسواهم.

وفي خضم هذا المناخ ظهرت أصوات شعرية جديدة في الاراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967 امثال خليل توما وأحمد عبد أحمد وليلى علوش وسميرة خطيب وليلى كرنيك وأسعد الأسعد وعلي الخليلي وعبد القادر صالح وعبد الناصر صالح وماجد الدجاني وباسم النبريص ومحمد حلمي الريشة ووداد البرغوثي وجمال سلسع وغيرهم.

ولم تكن القصيدة هي اللون الوحيد الذي وقف على قدميه، فكانت القصة القصيرة والرواية، ومن الأسماء التي برزت في هذا الميدان التي دافعت عن الوطن وعبرت عن الواقع الفلسطيني ومسيرة شعبنا الفلسطيني التحررية نذكر جمال بنورة ومحمود شقير وأكرم هنية وسحر خليفة وسامي الكيلاني وزكي العيلة وعبد اللـه تايه ومحمد ايوب وحمدي الكحلوت وغريب عسقلاني وعبد السلام عابد وغير ذلك.

كذلك فقد نما وتطور الغناء الشعبي كمرآة لكفاح الشعب الفلسطيني، المتجسد في الفنان الشعبي الأحمر راجح السلفيتي، الذي توجه للمرأة الفلسطينية هاتفًا : " تعلمي سر النضال تقدمي للموت ولا تتألمي "، وفي الفنان الكبير مصطفى الكرد صاحب الاغاني السياسية الوطنية الملتزمة، والزجال ثائر البرغوثي. كما ظهرت فرق الدبكة والرقص الشعبي في الجامعات الفلسطينية.

ومن الملامح البارزة في نضال الشعب الفلسطيني الحضاري والتحرري هو صيانة التراث والتاريخ الشفوي الفلسطيني، وفي هذا المجال برز جميل السلحوت وعلي عثمان وعلي الخليلي وجمعية " انعاش الأسرة " في البيرة، التي عملت على إصدار مجلة " التراث والمجتمع ".

وامتد النشاط الفني إلى الرسم التشكيلي والكاريكاتير، وتم تنظيم الكثير من المعارض الفنية التشكيلية. وفي هذا الجانب عرفنا التشكيليين عصام بدر وسليمان منصور وكامل المغني وتيسير بركات وفتحي غبن وغيرهم.

ولعب المسرح أيضًا دورًا تعبويًا هامًا في النشاط الثقافي والفني الفلسطيني، وشهدت مدن وقرى ومخيمات المناطق المحتلة نشاطات وفعاليات مسرحية متعددة، وظهرت الكثير من الفرق المسرحية، التي عانت من المضايقات والحصار والخنق الاحتلالي. ولعل من أهم كتاب المسرح كان الراحل محمد كمال جبر.        

 

  بقلم : شاكر فريد حسن                                                                                        

 

أيها البحر، يا حلم العشاق في ليالي السمر، يا متّسعا للحكمة، يا من ألقى فيك الله ما ألقى من الكنوز والدرر، وملح الحياة.

أيها البحر يا زرقة الآمال، وأنين البحّارين في ليالي الإبحار، والسفر الطويل. ما الذي جعل منك حضنا للموت، ونعشا لمن امتطوك وهم يتشبّثون بأوهام الأمان من خلالك؟!

أيها البحر، تتداولك الحكايات حبًّا، ورعبًا، وأملا، وكم من الذين امتطوك، وغادروا تلاقوا بأحلامهم حين توهّجت في تلك الديار البعيدة خلف حدود البحار والمحيطات برنين الذهب والأمان!

ولكن أهو قدر السوري أن يضيّع في الأوهام برّ أمانه حين امتطاك على ظهر مركب مطاطي هشّ، أو سفينة صفّ فيهما الموتُ أشخاصا على رزنامة العمر، وهم يدركون أنهم سيغدون طعاما لأقراشك، وحيتانك، وأسماكك الضعيفة أيضًا، وقد أوهموه بالوصول إلى ذاك المرفأ البعيد في رحلة فراره من مجرمين قتلة بوصلةُ عقولهم لم تعرف يوما سوى اتجاه وحيد.

أيها البحر، السوريّ، وهو يلتجئ إليك أدرك تماما ما كان ينتظره، ولكنه أمام جحيمين يراك فردوسه المنشود، أوهامه كانت تحوّل له البحر كتابا كبيرا سيفك طلاسمه كما اعتاد. ذاك السوري المتميّز، الأبيّ، سليل الحضارات، والتاريخ الشهي، من المستحيل أنه لم يكن قد فكّر بما ينتظره في البحر، ولكنه الفرار، الفرار من قدر الموت قتلا إلى الموت غرقا، لذا حمل حقائبه على ظهره، وأطفاله، ومن بقي من أهله متصافحا مع تجار الحرب، ومجرميها.

  ترى كم مجرم أيها السوري تكالب عليك، وعلى إجهاض أحلامك بالعدالة الاجتماعية، وبمستقبل يعيش فيه أطفالك عيشة غير التي عشتها؟!

  إنها الحرب أيها السوري، الحرب التي لم يُبتكر مثلها من قبل، إنها الحرب التي كشفت شرهها للملأ، الحرب التي عرّت الشياطين في أنحاء الأرض جميعها، الشياطين الذين يتلذّذون بقتلك، وسحقك بالمبيدات الكيماوية، وكأنك لا شيء، لا ذاك اللعاب الأبيض الذي انثال من شفاه أبنائك، أطفالا وشبانا، وأمام عيون المتفرّجين بلا اكتراث، إنك من قبل عرفت شياطين اللقمة، وشياطين الفساد، وشياطين التّشبيح، وشياطين الاستذلال، والاستعباد، والتّخلف، والقهر، والتّباهي، ولكنك لم تكن إلا اليوم لتتكشف لك الأبالسة بوجوه أكثر قتامة من لجج البحار التي تهاديت فيها عزيزا، وأنت تهبط إليها حين تشقّقت ضلوع مركب أقلّك مع غيرك من اللائذين بالأمل، لا يتسع إلا لنزهة، وقد فررت إليه بنفسك، وأطفالك، وامرأتك بعد أن أجبروك على الفرار، وأنت تحمل حقيبة سفر خفيفة، مثلها تلك التي تتأبّطها فوق ظهرك لنزهة، أو لتريّض ونثرت فيها فتات دولارات، نقدت جُلّها لتجّار الحرب كي يصفعوا بك قاع البحر، حين لم تعد السفينة تستطيع احتمال ذاك العدد الضخم الذي حشروه فيها من أترابك، وأبناء حيك، ووطنك الذين انفلتوا إلى السفر هاربين من فظائع الموت والخراب، والحرق، والقصف باختراعهم المدهش، تلك البراميل التي دحرجوها عليك من سقف ليس بينه وبين الله سوى لحظات من الابتهال!

 أيها السوري تُرى كم ابتهلت إلى الله، وأنت بيدك تلك قد أجْبرتَ على تلقيم البحر جسد طفلك الذي اشتكى ساكنا من الحمى، فأكرهوه على الموت صارخين: إنّ المركب لا يتسع للموتى!.

 لا تحزن حين سلبوك طفلك، وصنّفوه في عداد الموتى!.

 أيها السوري. ألم يكن البحر أرحم منهم حين استقبلك بين أحضانه أميرا، بل سطانا، وحوّلك إلى قطرات ملح، وموجات تتغنى بالحرية.

أيها السوري، يا نورس البحر، وعبق زرقته، وسلاسة كنوزه. لا تظهر الأسى تجاه ما تراه من داخل أعماق مدفنك، فحين جمعوا حقائبكم، ورصفوها في متحف إيطالي، وحين حوّلوا جثثكم التي أردفها البحر إلى الشواطئ إعلانا في جريدة، أو إطارا يوقّع تحته الساخطون على الحريات، والمدّعون بإسقاط العبودية للإنسان، لم يدركوا سرّ البحر، ولا رسائله الحكيمة.

 إنهم أبالسة العالم الحر الذين في وجهك أشهروا الفيتو مرات، وما يزالون، الذين لا يعنيهم تقلبك في العراء جوعا، وعطشا، ومرضا، وتشرّدا، وسحقا.

 أيها السوري العظيم. يكفيك منهم أن حقيبتك تلك تشهد للبحر بأنه الرحيم المحبّ الحاني، إنه حين قذف بها إليهم كان يدرك ما استودعتها من الأحلام، والإصرار على الحرية، فركزها في الأرض لواء شاهقا ينتصب في وجه الطغيان، وقتلة الإنسان.

  أيها السوري. ابتسم من قعر البحر، والمحيط لحقيبتك. إن أمانيّك التي أودعتها إياها قد تحوّلت إلى فراشات ستُدغدغ ضمير العالم الغافي يوما، وإن به طال الزمان.

 

أمان السيد

كاتبة سورية  أسترالية

 

 

يسري عبد الغنيالأدب يجتاز مشكلة أعقد من مشكلة الصحافة ووسائل الإعلام لأنه لا يستطيع اصطناع لغة خاطئة، ولكن جيل القصاصين والروائيين ابتداءً من يحيى حقي، وحتى أديبنا العالمي / نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، وغيرهم ..، لم يملكوا اللغة العربية الفصحى على شروط طه حسين، ولكننا لا نستطيع أن نقول أنهم لا يملكون فن الكلمة، أو فن القول، كما سماه شيخ الأمناء / أمين الخولي.

يبدو أننا سنعود إلى نظرية الناقد الفرنسي الشهير / سانت بيف، الذي قال : إن الأسلوب هو الرجل، ولكن طبيعة اللغة الفرنسية تختلف عن طبيعة اللغة العربية، لأن الطفل الفرنسي يعرف اللغة في أشعار (فيكتور هوجو) ولكن الطفل العربي لا يعرف كيف يقرأ شعر المتنبي أو شعر شوقي، وقد يصعب ذلك على بعض المعلمين والكتاب والأدباء .

لقد كان يوسف السباعي يفخر دائماً بترجمة والده / محمد السباعي لرباعيات الخيام، ولكنه لم يحاول دراسة هذه الترجمة الشعرية أو المنظومة الشعرية دراسة جادة متأنية .

ويبدو لي أنه لو اتبع يوسف السباعي أسلوب والده في الكتابة، لامتنع عن الكتابة من الأساس، فإن أسلوب الأب لا يصلح لكتابة القصص أو الروايات التي كتبها الابن .

كثيرون لا يعرفون أن أمير الشعراء / أحمد شوقي حاول تأليف روايات شعرية عصرية، فعجز عن ذلك بسبب اللغة .. هناك مسرحيتان شعريتان لشوقي هما (الست هدى ) و(البخيلة)، وكلاهما تدوران في حي (الحنفي) الذي يربط حي السيدة زينب بحي عابدين جنوب القاهرة، والمعروف أن (شوقي) ولد وشب في حي (الحنفي)، ويقال أن شوقي عانى الأمرين في كتابة هاتين الروايتين، حيث أنه كتبهما أكثر من مرة، وأنه لم يستكمل رواية (البخيلة)، كما أنه أعاد كتابة (الست هدى) المسرحية الاجتماعية الوحيدة له، ورغم إتمامه لها فقد اعترف بأنه لم يكتبها بالشكل الشعبي الذي كان يريده، كما اعترف بأن المسودات الأولى لهذه المسرحية كانت مضحكة .

هل هذه اللغة العربية الفصحى لغة تاريخية؟، كيف تحيا؟، أو كيف تموت؟، أو كيف تنبعث بعثاً جديداً؟، لقد كتب يوسف السباعي كما أراد، ولم يلتزم اللغة العربية الفصحى، وهذه هي المشكلة التي تواجه الأدب العربي الآن، لأن القراء في الأجيال القادمة لم ولن يستطيعوا فهم قصص وروايات وأشعار كتبت بألفاظ ليس لها قاموس خاص معترف به .

نحن اليوم لا نستطيع فهم بعض النصوص التي كتبت في عصور سابقة، قبل هذه اللغة التي تمازج بين الفصحى والعامية، أو التي كتبت بلهجة عامية متغيرة عبر العصور .

مساكين أدباء عصرنا من الروائيين والشعراء والقصاصين، إنهم يحتاجون إلى مجامع لغوية جديدة، تضع لهم قواميس جديدة تشرح ألفاظهم لمن يريد أن يقرأ كتاباتهم، لأن لسان العرب لابن منظور، وكذلك القاموس المحيط للفيروز آبادي وغيرهما من القواميس لن تستطيع شرح هذه الألفاظ ... !!

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

الدعاية والتسويق4،4

ما زلنا مع ريد ا سي لانه من اهم مصنعي الكتب الرقمية مع شركات انتاج معدودة استطاعت ان تحقق قفزات كبيرة على مستوى الانتاج والتسويق . وطرح منذ سنوات برامج للتدريب على الانترنيت عن اهم الخطوات لعمليات صناعة الكتاب الرقمي الى جانب دورات تدريبة من الممكن اذا اجتازها المتدرب الحصول على شهادة تخرج تسمح له بالعمل في مجال صناعة الكتب الرقيمة وبثها على الانترنيت بطريقتين مجانية ومدفوعة الثمن .

عملية انفتاح شركات تصنيع الكتب الرقمية على المتدربين تكاد تلغي عمليات انتاج الكتب القديمة "الورقية" لانها تسمح للمتدرب او المتخرج من خلال موقع الشركة الدخول في عملية التصنيع من خلال صفحات خاصة على مواقعها تمنحها مجانا للمتدربين ويمكن للمتدرب تسجيلها باسمه من خلال "فورم" الاشتراك بمراحل التدريب والانتاج .

الشيء الجيد ان المؤلفين يمكنهم الاستفادة من فرص التدريب لتصنيع كتبهم بانفسهم ويحصلون على مساعدة من ريد ا سي لادراج مؤلفاتهم على قوائم البيع لدى اكبر الشركات العالمية لتسويق وبيع الكتب الرقمية "امازون" . المعنى ان هذه الدورات التدربية لا تعني شركات او دور النشر الرقمية فقط وانما للمؤلفين كذلك اصبح بامكانهم انتاج كتبهم بانفسهم .

مستقبل صناعة الكتاب وتسويقه بيد مؤلفه

لاول مرة بتأريخ صناعة الكتاب التي تمتد منذ اكتشاف غوتنبرغ للالة الكاتبة "الطابعة" ووسائل انتاج الكتب والمؤلفات "المطابع" بيد مؤلف الكتاب .

وهذه من نتائح عصر المعلوماتية او العالم الرقمي ومعطياته التي تعتمد على ذكاء المستخدمين والمشاركة الفعالة في صناعة عالمنا المعاصر والتأثير من خلال وسائله على الرأي العام ومستويات الحريات الشخصية والعامة من خلال وسائل العمل والانتاج الجديدة .

المؤلف اصبح في غنى عن الوسائل القديمة والبطيئة في عملية صناعة وانتاج مؤلفاته على العالم الرقمي والوصول الى الجمهور في مختلف البلدان بلغته الاساس بدون تدخل او رقابة من اي جهة كانت رسمية او مهنية او حزبية، التي طالما احبطت الكتاب وعرقلت وصول كتبهم ومؤلفاتهم الى القراء او الجمهور .

وذلك لا يلغي الصراع الذي ما زال قائما بين المؤلفين ومنتجي او دور النشر الرقمية لان المؤلفين يفضلون اصدار كتبهم ومؤلفاتهم من خلال دور النشر الكبيرة التي لها حضور عالمي على منصات تسويق الكتب والمؤلفات، ولان بعض هذه الدور تمتلك منصات عالمية خاصة بها لتسويق وبيع الكتب والمؤلفات بحرية تامة بدون رقابة على محتوى المؤلفات او "عابرة للبلدان والرقابة" .

انتهى

 

قيس العذاري

25.7.2020

...........

 يوهان غنزفلايش تسر لادن تسوم غوتنبرغ : Johannes Gutenberg " 1398 م - 1468 م "

المصدر: ويكبيديا

 

 

يسري عبد الغنينموذج متفرد ليتنا نحتذيه!!

ظهرت في مصر منذ سنة (1868 م)، جمعيات علمية وأدبية، هدفها تشجيع دراسة الآداب والعلوم، ونشر الكتب، ومن أشهرها وأبرزها أثرًا (لجنة التأليف والترجمة والنشر) التي أسست سنة (1914م)، وقد تضافرت فيها جهود جماعة من الأدباء والعلماء، فترجمت طائفة من عيون الدب الغربي، وأخرجت كثيرًا من المؤلفات القيمة .

لجنة التأليف والنشر بقيت، سنين، حيّة قائمة ترفد الثقافة العربيّة بخير الزاد؛ تأليفاً، وتحقيقاً، وترجمة. ولم يأفل نجمها حتّى أخذ القرن يوغل في نصفه الثاني؛ فتبدّلت أحوال كثيرة، وخفيت معالم، وظهرت معالم أخرى، وتقهقر نشاط الأفراد، وأمسكت الدولة بكلّ المنافذ.

غير أنّ ما صنعته لجنة التأليف والترجمة والنشر شيء لا يقدر الزمن أن يطويه.

كانت "اللجنة" قد نشأت حين أراد فتية ناشئون، مازالوا في صدر أعمارهم، أن ينهضوا ببلدهم من خلال نشر العلم، والمعرفة الصحيحة؛ لكي يقوى، ويقدر أن يُدير شؤونه؛ فعقدوا العزم على أن يُنشئوا لجنة تنشر الكتب الرصينة النافعة، وأن يتعاضدوا على تمويلها، وأن ينهضوا بأعبائها كلّها. وقد كان في الصدارة منهم: الدكتور / أحمد أمين، والعلامة / أحمد زكي باشا شيخ العروبة، والبحاثة / أحمد عبد السلام الكرداني، والدكتور / محمّد عبد الواحد خلّاف، والناقد الكاتب / محمّد أحمد الغمراوي، والمؤرخ المحقق / عبد الحميد العبادي، والأديب / محمّد فريد أبو حديد، ووالكاتب / حسن مختار رسمي، والأستاذ / يوسف الجندي، والأستاذ / صبري أبو علم.

كلّهم كانوا من ذوي الثقافة الرصينة المتينة. إذ كان منهم من سلك سبيل العلم الصرف مع إقبال على اللغة والأدب، وكان منهم من أخذ بالتراث العربيّ مع إقبال على ثقافة العصر، وكان منهم رجال قانون يحبّون العربيّة .

فلا غرو أن يتمَّ للجنة بهم التوازن، وأن يسلكوا بها سبيل الحكمة، وأن لا ينشأ ميل يفضي إلى جورِ قديمٍ على حديث، أو حديثٍ على قديم. ثمّ إنّها هيّأت أمرها ووضعت قانوناً يحكم عملها؛ حتّى تجيء خطواتها سليمة صحيحة؛ كلّ خطوة في موضعها، وانتخبتْ الدكتور / أحمد أمين رئيساً لها، فأحسن إدارتها، وبلغ بها غايتها؛ فصارت تجدّد له الرئاسة كلّما انتهت مدتها. وبدأت مسيرتها في تأليف كتب مدرسيّة؛ ليأخذ الناشئة المعرفة واضحة مستقيمة في لغة عربيّة فصيحة؛ وكان أوّل كتاب أصدرته في الكيمياء؛ ألّفه العلامة / أحمد زكي باشا، والبحاثة / أحمد عبد السلام الكرداني .

وقد كان من نظام اللجنة؛ أن تُحيل كلّ كتاب يقدّم إليها على خبيرين قبل طباعته؛ فإن أقرّه الخبيران أخذ سبيله نحو المطبعة، وإن بدا لهما رأي فيه انتفع منه المؤلف في تقويم كتابه حتّى يستوي بعيداً عمّا يشوبه .

ثمّ اتّسع نطاقها، وجعلت من شأنها أن تنشر الأصيل من المؤلفات، وأن تنقل إلى العربيّة ثمرات الفكر الأوربيّ، وأن تحقّق وتنشر عيون التراث العربيّ؛ فكان من ذلك أن نشرت ( قصّة الفلسفة اليونانيّة) و(قصّة الفلسفة الحديثة)، و(قصّة الأدب في العالم) من تأليف الدكتور / زكي نجيب محمود، و(فجر الإسلام ) و(ضحى الإسلام) و(ظهر الإسلام) من تأليف أحمد أمين.

وكان من الترجمة أن نشرت (تاريخ الفلسفة في الإسلام )، تأليف / دي بور، وترجمة / محمّد عبد الهادي أبو ريدة، و(تاريخ الفلسفة الغربيّة)، تأليف / برتراند رسل، وترجمة / زكي نجيب محمود، و(قواعد النقد الأدبي) تأليف / لاسل آبر كرومبي، وترجمة / الدكتور محمّد عوض محمّد، و(محاورات أفلاطون) ترجمة / زكي نجيب محمود، و(دفاع عن الأدب) تأليف / ديهامل، وترجمة/ الدكتور محمّد مندور، و(قصّة الحضارة) تأليف / ول ديورانت، وترجمة / زكي نجيب محمود، ومحمّد بدران وآخرين .

وكان من تحقيق التراث أن نشرت (شرح حماسة أبي تمّام للمرزوقي) تحقيق /عبد السلام محمّد هارون, و(العقد الفريد ) تأليف / ابن عبد ربّه، وتحقيق م إبراهيم الأبياري وأحمد الزين.

وغير ذلك ممّا كان ركناً عزيزاً من أركان الأدب الحديث. ولم تكن اللجنة مغلقة على أعضائها المؤسسين؛ بل إن بابها كان مفتوحاً لكلّ ذي مقدرة على التأليف والترجمة فالتحق بها محمّد بدران، وزكي نجيب محمود، وآخرون .

ومن ينظر في آثارها يدرك اتّساع أفق القائمين عليها، ورصانة فكرهم؛ ذلك أنّ سواقي المعرفة تجري عندهم؛ يجاور القديم منها الحديث، والشرقيّ الغربيّ، من دون نفور أو نشوز. وتوطّدت مكانتها بين الكتّاب والقرّاء، ورأت أن تُصدر مجلّة أسبوعيّة فأصدرت (الثقافة) في سنة 1939، وصاحبُ شأنِها القائمُ بأمرها رئيسُ اللجنة / أحمد أمين نفسه. واستطاعت (الثقافة) أن تجد لها حيّزاً بين القرّاء على الرغم ممّا كان لمجلّة (الرسالة) من مدى، ونفاذ.

وقد بقي صدورها متّصلاً حتّى سنة 1953؛ إذ انقطعت عن الصدور، وخلت ساحة الأدب منها ومن (الرسالة) لتنشأ مجلّات أخرى. ووقف أحمد أمين، وهو يقصّ سيرة حياته، عند "اللجنة" قائلاً: " وقد تكوّنت اللجنة... سنة 1914، ونحن الآن سنة 1953 فيكون قد مضى عليها أكثر من ست وثلاثين سنة، وقد طبعت من الكتب أكثر من مائتي كتاب، وكانت لا تقرر كتاباً إلّا إذا حوّلته على اثنين خبيرين بالموضوع يبديان فيه رأياً بالصلاحيّة أو عدمها، أو حاجته إلى التعديل. ولبثت طول هذه المدّة رئيساً للجنة يعاد انتخابي فيها رئيساً لها كلّ عام. وازداد عدد أعضائها إلى أكثر من ثمانين عضواً من خيرة المتعلمين... وأسست لها مطبعة خاصّة... ".

وقد كانت إدارة أحمد أمين للجنة موضع تقدير، وحسن ثناء، فقد منحها من وقته وجهده ورجاحة رأيه شيئاً كثيراً؛ لولا شائبة ما كان أغناه عنها (وهذا ما سمعته من العديدين من أهل الفكر والأدب من الجيل السابق لنا) ؛ إذ كان يضع اسمه أحياناً على كتب كأنّه شريك في التأليف، على حين أنّ جهده فيها لم يزد على قراءتها، وهي مخطوطة، وإجازة نشرها؛ كصنعه في (قصّة الفلسفة اليونانيّة)، و(قصّة الفلسفة الحديثة )، و(قصّة الأدب في العالم) وكلّها من تأليف زكي نجيب محمود ! وكصنعه في (شرح حماسة أبي تمّام). أقول ما أغناه عن ذلك؛ وهو الكاتب المؤلف ذو التصانيف الكثيرة !

وأحبّ أن أنقل ما تحدّث به زكي نجيب محمود عن اللجنة ومبناها القديم؛ إذ يقول: " 9 شارع الكرداسي (المتفرع من شارع المالية بحي أللاظوغلي القريب من السيدة زينب) بناء قديم كسيح تكاد تتقوّس جدرانه وتهوي سقوفه؛ لكنّه جزء لا يتجزّأ من حياتي، ومن حياة رجال كثيرين، بل إنّه جزء لا يتجزّأ من تاريخ الأدب المصريّ الحديث، فكما ترتبط الحركات الأدبيّة أحياناً بهذا "الصالون" أو ذاك المنتدى، فسترتبط الحركة الأدبيّة المصريّة من بعض وجوهها بهذا البناء المتهافت 9 شارع الكرداسي، ففي حجراته قامت مشروعات وصدرت مطبوعات واجتمعت حلقات الأدباء والمتأدبين يسمرون وينقدون" .

نعم! إنّ منزلة لجنة التأليف والترجمة والنشر كبيرة في تاريخ الأدب الحديث، في النصف الأوّل من القرن العشرين؛ لكنّها بعد أن توغّل القرن في نصفه الثاني خفتْ بريقُها، ويبس أديمُها، وتهيّأ الزمان لأنماط أخرى من النشر والناشرين؛ غير أنّها تظلّ مفخرة من مفاخر آباء الثقافة العربيّة الحديثة!

 

بقلم: د. يسري عبد الغني