جودت هوشيارألغيت الرقابة على المطبوعات في روسيا منذ حوالي ثلاثين عاما. وكان المتوقع أن يشهد هذا الأدب ازدهارا حقيقيا في أجواء الحرية والليبرالية، ولكن حدث العكس تماماً. حيث قلّ عدد القراء بشكل حاد، وعانت المجلات الأدبية (السميكة) المرموقة من انخفاض شديد في مبيعاتها، ولم تعد الأعمال الأدبية تنشر بعشرات أو مئات آلاف النسخ، كما كان الأمر في الحقبة السوفيتية، بل بعدة آلاف من النسخ في أفضل الأحوال . فما الذي حدث؟.

يقول البعض ان السبب يعود الى شيوع الأنترنيت، ووسائل الترفيه الجديدة. وهذا صحيح الى حد كبير . ولكني أعتقد أن السبب الرئيسي يكمن في إلغاء دور النشر الحكومية الرصينة، وإنشاء دور النشر الخاصة التجارية في روسيا، والتي باتت تتحكم بكل ما يتعلق بطباعة الكتب ونشرها وتوزيعها وإشهارها. ولم تعد تنشر الا الكتب الرائجة تجاريا، وهي في معظمها كتب خفيفة لا تتسم بقيمة فكرية وفنية كبيرة، وتنتمي الى أدب الرعب والجريمة أو المغامرات، أو الروايات النسائية لتسلية ربات البيوت، او روايات الحب الرخيص، التي تجد اقبالا من المراهقات . كتب تُقرأ مرة واحدة  لقضاء الوقت ثم تُرمى غالبا في حاويات القمامة .

دور النشر الروسية اليوم حصرت الأدب في دائرة ضيقة من المؤلفين، وهي تقوم بتسليط الضؤ عليهم وإشهارهم بكل وسائل الدعاية المتاحة. وتلتف حول كل دار نشر كبيرة مجموعة من (النقاد) العاملين لصالحها، والذين يحاولون تلميع صور هؤلاء المؤلفين بكيل المديح عليهم وعلى اعمالهم . وهؤلاء النقاد بدورهم – كرؤساء أو أعضاء في لجان التحكيم - يتحكمون بآليات منح الجوائز الأدبية الى من تختارهم تلك الدور. ويوجد اليوم في روسيا عدد كبير من الجوائز الأدبية، يصعب حصرها، منها جوائز مجزية  مثل جوائز (كتاب العام، البوكر في نسختها الروسية ، الكتاب الأكثر مبيعا) وأخرى معنوية ،وتحمل في العادة أسماء كبار الكتّاب الروس . وتمنح الجوائز في احيان كثيرة لكتب راكدة، من اجل زيادة مبيعاتها . أما جائزة البوكر الروسية، فأنها تمنح في العادة لأي رواية تحاكي الاتجاهات الأدبية الغربية ، أو لا صلة لها بالتراث الأدبي الروسي العظيم ..

 أما الأدباء الذين لا يكتبون للسوق (حسب الطلب) فقد أصبحوا على هامش المشهد الثقافي، مهما كانت مواهبهم عظيمة، وأعمالهم متفردة ورائدة . وهذا لا يعني عدم وجود دور نشر رصينة، تهتم بالأدب الرفيع، ولكنها دور نشر صغيرة ذات موارد وامكانيات شحيحة، وطرق الإشهار شبه موصدة أمامها. وبذلك أصبح الكتاب سلعة في السوق، وليس مصدرأ للثقافة والمعرفة والمتعة الجمالية الحقيقية ، كما كان الأمر في الماضي ..

 

د. جودت هوشيار

 

يعد التعليم الالكتروني بيئة مرنة  توفّرها لعناصر متعددة في العملية التعليمية كالمرونة في الوقت والمرونة في المحتوى والمرونة المتعلقة بشروط الالتحاق، والمرونة المتعلقة بالمنهج بالتسليم كما إن الارتقاء بمستويات التعليم، والتعلّم والإبداع. وتخفيض تكلفة التعليم خلق بيئة تعليمية تفاعلية سهلة من خلال تقنيات إلكترونية جديدة والتنوّع في مصادر المعلومات والخبرة. وتعزيز العلاقة بين أولياء الأمور والمدرسة، وبين المدرسة والبيئة الخارجية. ودعم عملية التفاعل بين الطلاب والأساتذة من خلال تبادل الخبرات التربوية والآراء والمناقشات والحوارات الهادفة لتبادل الآراء والإستعانة بقنوات الاتصال المختلفة كالبريد الإلكتروني والمحادثة والفصول الافتراضية على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي او المنصات العلمية الافتراضية . فضلًا عن إكساب الأساتذة  المهارات التقنية لاستخدام التقنيات التعليمية الحديثة لجميع الاختصاصات مع إكساب الطلاب المهارات والكفاءات اللازمة لاستخدام تقنيات الاتصال والمعلومات. ان تطوير دور الاستاذ  في العملية التعليمية حتى يتواكب مع التطورات العلمية والتكنولوجية المستمرة والمتلاحقةمن خلال الدورات والورش الافتراضية التي زادت خبرته التقنية  اصبح ضرورة .

كما ان توسيع دائرة اتصالات الطالب من خلال شبكات الاتصالات العالمية والمحلية وعدم الاقتصار على الاستاذوالمنهج المقرر كمصدر أساسي للمعرفة مع ربط الموقع التعليمي بمواقع تعليمية أخرى كي يستزيد الطالب والباحث منها كذلك خلق شبكات تعليمية متوازنة  ومتجددة  لتنظيم وإدارة عمل المؤسسات التعليمية.  ولهذا كله فان بيئة التعليم الالكتروني بيئة مناسبة جدا ومتطورة للأستاذ والطالب   وتفوقت على التعليم الاعتيادي اصبح الطالب يناقش يظهر رأيه يبدع اضهر  امكانياته وربًّ ضارة نافعة .

 

الكاتبة د. رجاء الجبوري

احمد بلحاج اية وارهامفوق سَطيحةٍ بَلِيلةٍ بنسائمِ ليلةٍ صَيفيةٍ، مُبحِرةٍ في ضوء النجوم، جلستُ مع عمتي المُشعَّةِ حِكمةً، أشربُ من حديثها وحكاياتها المستفيضة، وتشربُ هي من كأسِ نَزَقي ما يَجعلُها تُكركرُ ضحكاً، وتستلقي على قفاها كَطفلةٍ في أوجِ عبَقها.

عمتي هاته امرأةٌ بدينةٌ، مُشرقةُ الملامح، بهيةُ الصورة، لا تَشْبَع العينُ من النظر إليها، حَرَثَتْ ثمانين حَوْلاً، ولمْ يَخْبُ بصرُها، ولم تُفارقْ أسنانُها فمَها، إذا ضحكتْ خِلتَ الجوهرَ يضحك.وكنتُ حينما أشتاق إلى ابتسامتها البيضاء، أُقُوم خفيةً بدغدغتها، فينسَلُّ النورُ من فمها مَصحوباً بكلماتِ وعيدٍ ، في طيِّها كنوزٌ من المحبَّة التي لا تفْنَى.هي امرأة من زمن الحُب ، وزمن المحافظة، وزمن المعرفة التي تَربِطكَ بالسماء.عَرَج زوجُها وأبناؤها إلى حيث البشَر الفانون، فبقيتْ وحيدةً تَقرأُ سِفْرَ الوجودِ بعقلٍ لا يَشيخُ، وكلما سألتُها بمكرٍ:

- ألم تقرَفي يا عمتي من الوحدة؟!ألا تُفكرين في الزواج ثانية؟!

- ومن قال لك إنني في وحدة؟! القرفُ هو تفكيرُك هذا، فالراحلون في قلبي، أُكلِّمُهُم باستمرار ، وألمَسُهم بروحي، كما تلمَس أصابعي سُبحَتي وتتفاعل معها بالنبض. إننا يا بُنَيَّ حيثما يكون انتباهُنا تكون حياتنا وطاقتنا وأحبابنا.فالغيابُ لا يُزهرُ إلا في نفْسٍ فقَدَتْ انتباهَها.فالتقدم في الحياة علَّمني أن أُحِبَّها على أيِّ شكلٍ كانتْ، وإنَّ خُطوةً فيها بعكازتي هاته لأَجْدَى لي من آلاف الخطوات في الضفة الأخرى بغير عكاز.فلْتَعُدْ بانتباهك من الظواهر والمؤثرات والمغريات التي لا تنتهي إلى ما يَحْدُثُ في داخلك، وستُدرِكُ سِرَّ ما أقولُهُ لك.

- كيف أعود إلى ما يحدث في داخلي وهو غيمٌ، وأتركُ هذه الأحلام، والذكريات، وأحلامَ اليقظة، والتمنيات، التي تجري من حولي بدَلاَلٍ.؟! لا شك؛واعذُريني على القول؛أنك في أفق التخريف!!.

- إن لم تفعل ذلك ستَفقدُ قُدرتك على معرفة طاقاتك الخفية.فبالتَّأمُّل في دواخلنا نَكتشف حقيقةَ ما يجري خارجَنا من ظواهرَ، قد يعجز عقلُنا أحيانا عن تفسيرها، ولأمْر مَا كانت الروحُ سَيدَ الجسد، وعينَه على الخارج، وميزانَ خياراته وأفعاله واستجاباته.وكلُّ تأمُّلٍ لا يَعقبُه جرَسُ الوعيِ هو تأملٌ زائف ومغشوشٌ، إذْ من الطبيعي عند نهاية تأمُّلِنا أن يَرِنَّ جرسُ وعيِنا، وأن نُحسَّ بعد سماعه أن كل ما نفعله يمضِي بسلاسة وتناغمٍ، ومَعَ تناغمِ السلوك نَسْعدُ بما يأتينا من عطاءٍ، ويختفي منا الخوفُ من أن نكون قد قصَّرنا.

وأيّاً يكنْ زمنُك، فأنت نباتُه، وقد تَعْلَقُ في الحياة بموقفٍ ما مُحَيِّرٍ، وتتساءل ما إذا كان جرَسُ وعيِك سيدقُّ من جديد، وما إذا كان ذلك الموقفُ سينتهي بك في هاويةٍ، أو سيرفعك إلى قِمَّةٍ، فلا تَقِفْ فوقَ حَبْل الحيرة مُرتبِكاً، وامْضِ حيثُ يقودُك نورُ حَدسِك، فالحدسُ هو بوصَلةُ الذات.إذ كثيرا ما نكون أحيانا عالقين إلى حدِّ أننا نشعر أن جَرَس وعينا قد صمتَ، وأصابه الخرسُ، وأننا بين فكَّيْ مِحنَةٍ ستُمزِّق عُمُرَنا كله، فيُغرِقُنا اليأسُ اللزِجُ الأسودُ، ونكاد نَهْوِي ، فإذا الجرس يَدقُّ، وفي دقَّاته ضوءٌ صاعدٌ من الأعماق ، يُبَصِّرُنا بالمَخْرَجِ.

كنتُ أنظرُ إليها بإعجابٍ، وهي تتحدَّثُ كنبْعٍ قُدسِيٍّ، لا يكاد بَصَري يَزيغ عن لؤلؤ فمِها، حتى حسبتُ الأمسيةَ على السّطيحَةِ فُسحةً فيما لم تصلْ إليه الحِكمَة بعدُ من أراضٍ نورانيةٍ.فعمتي هاته الصاعدةُ في الزمن بالحِكمة كانت تُجسِّدُ التأمُّلَ مَاشِياً، بمعنى أننا حين نمشي لا نمشي لنصل إلى مكان ما، بل لنكون تماما حيث نحْن، و في مَشْيِنا سيتَّضحُ لنا أن خطواتنا ليست هي بعينها، وإنما هي خطوات أخرى متجدِّدَةٌ مع كل نفَسٍ.

قد يكون التفكيرُ فيمن نُحبُّ لصّاً يَسرقُنا منه، وهذا هو ما حدث لي، حيث غفلتُ عن عمتي وهي تتكلم، وحين حوَّلتُ نظري إليها ألفيتُ ملاكا نائماً مُلتحِفاً بوقارٍ، مُفْتَرّاً عن ابتسامةٍ يَمَّحِي تحتها اكفهرارُ الليل والنهار.

كلما فتحتُ ذاكرتي فاض منه عسَلُ حديثها، ومنه هذا الذي أخذتُهُ من حكيها، حين ذهبتُ إلي منزلها، لاصطحابها إلى مَسْكَني قصد تجديدِ حياتنا فيه بأظروفاتها، وأملوحاتها وأفكوهاتها، التي يُباطِنها الجِد، ويَغلِّفُها وَلَهُ الحِكمة، وعِطرُ المحبَّة.فقد قلتُ لها ونحن نُزمع على الخروج من بيتها إلى بيتي:

- هل جمعتِ كل الملابس التي تحتاجين إليها أيتها العمة؟.

- أتسخَرُ مني أيها المعتوه؟! نحن في الحياة يا ولدي لا نحتاج إلى كثير من الأشياء، بل نحتاج إلى جَمْعِ كل أجزاء نَفْسِنا مع بعضها البعض، إذ بهذا الجَمْع نُوَّحِّدُ عالَمَ الأضداد..ذلك العالم الذي نلتفتُ إليه دون أن نُبصِره، ولو أبصرناه لغاب عنَّا طَعْمُ الوجود، ولَنَشفَ عَرَقُ مُعاناتنا الذي يُحسِّسُنا بذواتنا.والأهَمُّ من هذا كله هو التعبيرُ عن شُكرِنا وامتناننا لكل شيءٍ يُشارِكُنا الوجودَ، ويُدْفِئُنا فيه حتى ولو لم نَرَهُ، وإنَّ لحظةَ التقديرِ هاته هي التي تَزيدُنا عُمُراً مَعْرِفِيّاً، وتملأنا طِيبةً ووعياً، فنَنْسَرُّ بكل ما في الحياة من أشكالٍ، حيث تَبْدو لنا مُختلفةً إلى درجة الإدهاش.ولا تَحسِبَنَّ مَجيئَك عندي، أو ذهابي عندك، مُجردَ طقسٍ حياتيٍّ عابرٍ، بل هو تَحَوُّلُ أفكارٍ، نُمْعنُ في صياغتِها باستمرارٍ، ونُمُوُّ مُعتَقَدٍ يَرسُم أحلامَنا، بهدفِ مَنْحِ مُستقْبَلنا لمسةً من الأمان والاستقرار.فلا تَتَعَجَّلْ الذهابَ، فعندما يَحينُ وقتُه، فنحْن بكل بساطةٍ سنذهبُ، ولْتُرَكِّزْ بالكامل على اللحظةِ التي نَحْن فيها الآن، إذ فيها تستقرُّ قلوبُنا وعقولُنا، فلا تَمنَحْ لمخاوفِ المُستقبَل، أو لأشباحِ الماضي أيةَ فرصةٍ للتَّسَلُّل إلى داخلك.فما يجب أن نعيَه حقا هو أن كل بُرهةٍ في حياتنا ما هي إلا شكلٌ مُصغَّرٌ للحياة الطويلة على الأرض، لذا ينبغي أن نتَعَلَّم كيف نتعاملُ معها بصِدقٍ وحُبٍّ، وأن لا نكون كأولئك الذين يَسِيرون تَحْتَ وَهْمِ أنهُمْ هُمُ الذين يَفْعلُون كلَّ شيء في الحياة، وأنهم هم الذين يُدِيرُون الأشياءَ فيها وَفقاً لرغباتهم.إن الإنسان أضعفُ من أن يَتَحكَّم في الحياة، وأضعفُ من أن يَزعم أنه قادرٌ على إصلاحها، فالإصلاح يَنْصبُ على ما هو ثابتٌ ومُنذرٌ بالعُقمِ، والحياةُ متغيرةٌ ومتجددة، بل هي كل يوم في شأنٍ.وهذا الزعم لا يأتي إلا من الذين يَفْصِلُون التأمُّلَ عن الحياة، ويعتقدون أن كل طائر يستطيعُ أن يَعبُرَ السماءَ بجناحٍ واحدٍ.

تَفَرَّستُ فيها ونحن نَطْوِي الطريقَ إلى دارِي، وكأنها كائنٌ سماويٌّ يُحَدِّق في كائنٍ أرضىٍّ يَرْشَحُ غباءً. وقلتُ في نفسي :ما أسعدني بهذا الكائن الذي سيزرعُ البِشْر بين أهلي، أثناء سفري في رمضان.

فهل اكتملتْ حقا سعادتي؟!لقد أتاها النداءُ من الملإ الأعلى، فأجابتْه وهي صائمةٌ، وأتاني نعيُها وأنا بين يَدَيِ المَباضِعِ التي تَشرَبُ من دَمِي في مصحَّةّ الغُربة. هل أسْحبُ انتباهي من سَكْرةِ الآلام، وصحوةِ الموتِ اللتين أنا فيهما؟! وكيف؟ وأنا المريضُ العاجز الذي لم يَكُن يَجِدُ الشفاءَ إلا في حضنها؟ أم هل أَسْحَبُ انتباهي من العالَم الخارجي، وأُوَّجِّهُهُ نحو نفْسِي كما كانت تطلبُ منِّي؟! ذاهلٌ..ذاهلٌ أنا، وكلما وعيتُ ذُهولي سَقَطتُ أسيرَ ذهولٍ عاصفٍ جديدٍ

(أمتَدُّ بين الموتِ

والجدوى

ولا جَدوَى الحُضورِ

فكل ذاك مكرَّرُ

مُتشعِّبَ الأزماتِ

غابٌ من أسًى ملءَ العيونِ

كأَنَّ قلبيِ مِسْعَرُ

حُزني يَعاسِيبُ

تُلسِّعُ بعضَها

وأنا بمفتَرَق الغياب أُبرِّرُ.)*

***

أحمد بلحاج آية وارهام

..........................

*عمر عنَّاز:خجلا يتعرَّق البرتقال، ط1، كتاب (دبي الثقافية)، منشورات دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، دبي، أكتوبر 2009م، صص:79، 78.

 

 

صادق السامرائيذات يوم كنت أتجول في شوارع طوكيو اليابانية، وفي زحمة الناس، إسترعى إنتباهي إنتفاء القبلات في شوارعها، فسألت صديقي الياباني قائلا: لم ألحظ شابا يقبّل شابة في شوارعكم المكتظة بالناس!!

فحدجني مندهشا وقال: التقبيل في الأماكن العامة مُستهْجَن وليس من ثقافة المجتمع، إنهم يقبّلون بعضهم ولكن ليس أمام أعين الناس.

حضرت هذه الملاحظة في زمن الكورونا، الذي ألغى القبلات، وجعل الناس تخشى من بعضها، حتى بين المتزوجين والعاشقين المتيمين ببعضهم، فخلت شوارع المجتمعات المتقدمة والغربية خصوصا من القبلات!!

الكورونا تحدّت الحب والعواطف البشرية، وأرغمت الناس على الإنغماس في وحدتهم، وأملت عليهم تحسبات وتخوفات لم تخطر على بالهم من قبل.

البشر شرّ على البشر!!

البشر يُميتُ البشر!!

القبلة  تقتلنا!!

الحبّ في خطر!!

الشفاه متعطشة، القلوب متلهفة، الأبدان متشوقة، القبلات ممنوعة، فكيف يتواصل البشر المغموس بالقبلات وما بعدها؟

الوجوه مندهشة، النظرات متحيرة، الكلمات ملثمة، الوجوه مكممة، التخاطب بالعيون يسود، والحال كما كان ربما يعود أو لا يعود!!

في زمن الإيدز قالت إحداهن وكان الحديث عن الحب : " إذا رغبت بالحب أمارسه وليكن ما يكن"!!

قال لها أحدهم: ربما يعني إصابتكِ بالإيدز!!

قالت: "عليَّ أن أعيش اللحظة"!!

وما يدور في المجتمعات التي تعلمت الحرية وممارسة الحياة إلى أقصاها، أن مبدأ " أعيش لحظتي" ربما سيسود، مما يعني أن عدد الضحايا سيتنامى، لكنها الحياة التي لا يمكن أن توضع في صندوق، والناس تريد ممارسة الحياة، وسيكون الموت أحد مفرداتها العادية، وكأننا عدنا مئات السنين إلى الوراء، حيث الموت الرفيق الأقرب للبشر الذي يشعر بالسعادة لأنه إستيقظ من نومه بعافية وسلامة.

فهل  سيأخذنا الكورونا إلى عوالم العصور الخاليات؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

شاكر فريد حسنكانت الصديقة الشاعرة ابنة طمرة الجليلية نهاية كنعان- عرموش، أهدتني ديوانها الشعري "عتبات الحنين" الصادر قبل فترة وجيزة، عن دار صامد للطباعة والنشر والتوزيع في لبنان، وهو ديوانها الرابع بعد " أريج الرذاذ والحبق "و " وضفيرتان "، و " وخيط عسل ".

جاء الديوان في 180 صفحة من الحجم المتوسط، بتصميم جميل، وطباعة أنيقة، ولوحة الغلاف بريشة الرسام العالمي العربي الفلسطيني وليد أبو شقرة. أما الاهداء فإلى " الذين افتقدهم بحبي حتى يمدّوني بمدد يطيل عمري وانتظاري ويشغف شوقي ويزيد إصراري، بأن أكون برفقتهم في دار الدنيا ودار القرار، إلى روح الشيخ ناظم الحقاني وجميع الأولياء الصالحين في معارج النور ".

وكتب الدكتور سمير محمد أيوب  استهلالية وتقديم للديوان، فحلّق في عالم نهاية الشعري، وغاص في عمق نصوصها، واستنتج أن عتبات الحنين " مجموعة قصائد مشحونة بمعجم لغوي يعبر عن مفارقات واقع مهزوم مأزوم، يفضي إلى غضب مقاوم، تمثل الادب الملتزم مضمونًا وافصاحا بامتياز وفق غائية ترتقي إلى الوطن وحلم أهله. وهي منحازة لوعيها، تتنقل بين حنين إلى الماضي، والحنين لأمل حائر منطلق نحو مستقبل في نهاية النفق ".

نهاية كنعان-عرموش صوت شعري عذب ورقيق له حضوره وصداه في الساحة الأدبية المحلية وبين الأوساط والمحافل الثقافية في بلادنا، عرفناها منذ أكثر من ربع قرن من خلال ما كانت تنشره من قصائد وخواطر وصور قلمية وقصص قصيرة على صفحات جريدة " الاتحاد " العريقة وسواها من الدوريات والملاحق الأدبية والثقافية. وعلى امتداد هذه السنوات اشتغلت على موهبتها، وعملت على صقل شخصيتها، وتطوير أدواتها، وإثراء تجربتها حتى وصلت ما وصلت إليه وبلغته من مستوى رفيع في هذا الديوان الماتع، الذي يشتمل على قصائد في غاية الصدق والسبك والجمال الفني والتعبيري، تستهله بقصيدة فيها لوعة وحزن وشجن وشوق وذكريات صاخبة ، كتبتها لروح والدها، تقول في مطلعها:

ما بينَ الحُبّ والمّطر

ذكرياتٌ صاخبةٌ

تَنْهل على صدريَ بالأناهيدِ

تُثقِلُ الدمع بالتفاتةِ

نحو الصّدى لرأيٍ سديدِ

يا مالكَ العمرِ

صدَأتْ طُرقاتي

مِنْ غيابِ خّطواتِك

بالشوقِ الأكيدِ

ومن يقرأ الديوان يلمس أن نهاية كنعان- عرموش ليست شاعرة تتألق في شعرها الصناعة الفنية أو تزخر بموهبة الشعر فحسب، إنما هي شاعرة كصفاء الماء، مرهفة الإحساس، حريرية الحروف، تحمل في نصوصها مع القيمة الجمالية قيمًا فكرية وإنسانية ودينية كبيره، وفنها يمتزج بإنسانيتها ووطنيتها الصادقة وإيمانها العقيدي، ونصوصها مستمدة ومستلهمة من ينابيع شاعريتها الملهمة وفكرها الواعي وعقلها الناضج، ونلمح النزعة الإنسانية تُلوّن قصيدتها التي تجيء منسابة واضحة بعيدًا عن التقريرية والمباشرة، دون ترهل وضبابية وافتعال وحشو مفرط، بل بشفافية وتلقائية، وجمالية صورها الشعرية تعكس شغفًا بلغة السحر والبيان، وأسلوبها البوحي التعبيري يبلغ غاية الاتقان في الإيحاء. إنها تكتب قصيدتها بإحساسها العالي ونبضها الوجداني وروحها الشاعرية المرهفة وخيالها الخصب، وترسم كلماتها المتناسقة عبر لوحة فنية إبداعية متعددة الألوان والصور التي يستذوقها القارئ، بكل طلاوتها ورونقها ونكهتها الخاصة وصورها الفاتنة.

نهاية كنعان- عرموش تنساب في قصائد " عتبات الحنين " انسيابًا ثريًا متدفقًا سلسًا، بمضامينها وعناوينها وثيماتها، وتقدم لنا نصوصًا من الشعر الوجداني الحنيني والوطني العشقي، يجمع مواطن الجمال، ويجمع ايضًا بين العاطفة والحنين للماضي والمستقبل المنظور، والوطن، والحالة السياسية والاجتماعية، وتصوير الهم والوجع اليومي والتمسك بالثرى وتراب الوطن. وإننا نجد أنفسنا أمام شاعرة اتخذت الحرف الأنيق معبدًا ترتل فيه ترانيم العشق واناشيد الحب والحنين لوطنها الغالي المقدس، وتعلن فيه وفاءها له، والفخر بأبنائه الصامدين فوق أرضه رغم الليل الطويل والآفاق المظلمة.

وبالرومانسية المتعانقة مع الطبيعة وكائناتها المتوحدة تتجلى رؤى نهاية ونظرتها إلى الحياة والوجود، ونشعر بالقلق الوجودي الطافح الذي يطفو على سطح كلماتها، المشبع بفكر وفلسفة واعية بمنطق الأشياء، وبواقعية تؤمن بالإرادة والقدرة على التعبير، وبذاتها الشعرية الوثابة المفعمة بالعنفوان، تتوهج فنيًا وجماليًا بلغتها الموحية الشفافة الشجية  المترعة بالنداوة، والموسيقى الصافية الهادئة، ولنسمعها تقول في قصيدتها " غائبة " :

غائبةٌ في سهادي

بينَ ملامحِكَ

أضيعُ وأضيعُ

وأنيني معَكَ

أحبُّك ولا أريدُ الا أمسحَ أدمعَكِ

يا بحري

ما أعمقَكَ

لؤلؤة أن أغوصَ

في حسرة مرادي

يا قيودي ..

ما أطيبَ معشرِكَ

يا حفنةَ دمعِي ..

يا مطرِي الشادي بعبقِي

والوطن في قصائد الديوان هو الحُبّ والجمال، والحُبّ هو الوطن، وما الفاصلة بينهما سوى حُبّ جدلي عميق كامن في الوجدان، فهي " تكتب تاريخًا يضم قارورة عطر، عصارتها وطن مذاب بدمها، بالحبر الباقي في أقلامنا "، وهو الوطن " الشامخ المعشش في ضياعنا، أينما رحلنا، وأينما غبنا "، و "نحن غاباته المتشابكة في رحمه "، وهي " المتناسقة في آفاقه، المحلقة بعطرها في أجوائه "، تصنع " توازنًا وأحلامًا نقيّة ".

وفي الديوان الكثير من الومضات الشعرية المكثفة الهامسة الطافحة بالرقة، التي تحاكي خلجات النفس، بالمقابل مع قصائد أكثر طولًا، منها على سبيل المثال لا الحصر :" أنا شمس، قدْ تمرُّ، حنين، عشقي، جناحي، حفنة دمعي، مُثْقَلونَ، نعم، مطر، عمري، أحلام " وغيرها.

ونلحظ في نصوص ديوان نهاية النفس الشعري والتجلي والسمو التخيلي الشفاف، وبراعة التصوير، والتعبير الحسي من خلال السهولة والانسيابية في الالفاظ والمعاني البعيدة عن التعقيد والصعوبة والوعورة، وتجيء قصائدها كالشهد والبلسم، متشحة ومصبوغة وزاخرة بالصور الفنية الموحية العميقة بمغزاها وأبعادها وجماليتها، ولا أدل على ذلك من قصيدتها " تراني "، حيث تقول :

أبحثُ عنكَ

في دواخلي

وقد ضيَّعتُكَ

بين أروقة عُهودي

التي لا تُطالُ

فاقتحمتَ

تربَّعتَ وافترشتَ روحي

وأقبلتَ

وامتلكتَ

أأنتَ المشتاقُ مثليَ

وتعلمُ بجنونِ عشقي

الذي به أدمنتُ؟!

ديوان "عتبات الحنين" لنهاية كنعان- عرموش يشي بشاعرية مرهفة، متدفقة وجياشة بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية والوطنية، وخيالٍ مجنحٍ بمنطق الإبداع القائم على التكثيف والإيحاءات والمفارقات والمعنى البديع، لا تترك أي حالة شعورية دون أن تسطرها وتصوغ لحظتها بالسبك المتين والتعبير الجمالي الحسي الحي، بصور كلامية خلّابة، وأوصاف وتشبيهات واستعارات بلاغية، وتصوير يثير الوجدان ويحرك العواطف، وهذا هو الشعر..!

باختصار شديد، نهاية كنعان- عرموش في ديوانها ، شاعرة أنيقة بحروفها ومفرداتها وجملتها، جزلة العبارة، ولقصيدتها رونق لا يخفى، ولعلني أتفق مع الدكتور سمير محمد أيوب بأن الديوان يستحق أن يقرأ بتبصر، وحقًا أنني تبصرته واستمتعت بقراءته.

 أبارك للصديقة الشاعرة نهاية كنعان- عرموش بصدور ديوانها الجديد "عتبات الحنين"، متمنيًا لها النجاح والتألق وبلوغ ما تصبو إليه، ولها خالص التحيات.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعالى روح المبدع العراقي الراحل علي الشوك.

ض.ن.

اردت ان اهدي هذه المقالة الى الكثيرين من المعجبين بالشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا، ولكني قررت ان اهديها الى علي الشوك بالذات، لاني اتذكر جملته في مقالته عن أخماتوفا بعنوان – (كنت أمتلك كل شئ / نموذج اديب زمن الدكتاتورية)، والجملة تقول -  (كانت تثير فضولي كثيرا باسمها الاسلامي.. فهي من سلالة جنكيز خان.. وقد اختارت اسمها التتري من جهة امها..). ومقالة علي الشوك المذكورة رائعة من وجهة نظري، وقد سبق لي ان كتبت حولها مقالة خاصة بعنوان – (علي الشوك والادب الروسي)، ولكني اريد هنا ان اتحدث عن موضوع آخر تماما، موضوع يرتبط ب (اسمها الاسلامي!) كما يقول الشوك، وهذا الموضوع، كما يشير عنوان مقالتنا، عن أخماتوفا، التي هي (ليست أخماتوفا !!!) .

قبل كل شئ، يجب ان نتوقف قليلا عند لقب أخماتوفا باللغة الروسية، كي نوضّح أصله. اصل هذه اللقب هو الاسم العربي المعروف – (أحمد)، ولكن لا يوجد حرف الحاء بالروسية، وهكذا يتحول الحاء تلقائيا الى خاء، الموجود بالروسية، اما حرف الدال، فانه (وحسب قواعد التلفظ الروسية) يصبح مخففا لانه جاء في نهاية الكلمة، وهكذا يتحول الى تاء، ويضاف حرف الالف بعد الميم الى هذا الاسم تعويضا عن الفتحة، لعدم وجود (الحركات) بالروسية، وهكذا يتحوّل (أحمد) بالعربية الى (أخمات) بالروسية، وعندما يكون هذا الاسم لقبا للشخص، فانه وحسب القواعد الروسية ايضا يصبح (أخماتوف) للمذكر، و(أخماتوفا) للمؤنث، مثل ايفانوف وايفانوفا وبيتروف وبيتروفا ...الخ الالقاب الروسية المعروفة للجميع . وعليه، فان لقب الشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا هو عربي الاصل وليس تتريا، ولكنه خضع للقواعد الروسية ليس الا واصبح هكذا . علي الشوك يقول، ان اسمها (وهو يقصد هنا - لقبها) أثار فضوله، لانه (اسم اسلامي)، وما ذهب اليه علي الشوك بخصوص لقبها صحيح جزئيا، ولكن لا توجد (لغة اسلامية!)، و اللغة العربية هي لغة الاسلام طبعا، ولهذا اقول (صحيح جزئيا) حول ما كتب علي الشوك . هذا الاسم عربي بحت، ودخل الى لغات كثيرة اخرى (بما فيها التترية) عن طريق الاسلام طبعا، وعليه، اكرر، انه يمكن لنا ان نقول وبكل ثقة، ان لقب هذه الشاعرة الروسية عربي الاصل، وهو (أحمد)، وعندما دخل هذا الاسم العربي البحت الى اللغة الروسية، فانه خضع طبعا للقواعد الروسية وصياغتها، وهكذا تحول الى أخماتوفا .

النقطة الثانية، التي نريد ان نتوقف عندها قليلا ايضا، و ترتبط  بما أشرنا اليه أعلاه حول اصول لقبها، هي ان الشاعرة آنّا أخماتوفا نفسها لم تذكر، ان اصل اللقب الذي اختارته لنفسها هو عربي الاصل، وانما قالت، انه تتري، ويرتبط باسم احد اجدادها البعيدين من ناحية الام، وكل المصادر الروسية طبعا تؤكد وتكرر هذا الشئ، اي تعيد ما قالته وكتبته الشاعرة نفسها حول ذلك اللقب، ولم أجد اي اشارة في المصادر الروسية كافة الى ان اصول لقبها عربي، بل ان الجميع يقولون انه تتري، وعلى الاغلب، فان الشاعرة نفسها لم تكن تتصوّر ذلك ايضا، وهي اصلا لم تفكّر بعمق ورويّة بخصوص ذلك اللقب، اذ انها كانت صبية في مقتبل عمرها، وهناك جملة طريفة كتبتها ليديا جوكوفسكايا في مذكراتها عن اخماتوفا تؤكد هذه الحقيقة،  والجملة جاءت على لسان اخماتوفا نفسها، والتي تقول فيها، انه (... فقط الفتاة المجنونة كان يمكن لها ان تختار هذا اللقب التتري لشاعرة روسية...)، اي ان اخماتوفا اختارت اللقب وهي فتاة مراهقة في ذلك العمر اليافع دون تفكير وتأملّ كما يجب .

اللقب الذي اختارته الشاعرة الروسية الشابة كان لاحدى جداتها من امها، والتي اكتسبته (اي اللقب) عند زواجها من اخماتوف التتري، وهو تتري متروّس، وكان اختيار الشاعرة لهذا اللقب لان والدها قد منعها منعا باتا من استخدام لقب عائلتهم عندما بدأت بنشر قصائدها، واعتبر ان ذلك يسئ الى اسم العائلة، وهكذا اضطرت الى اختيار اسم مستعار لنشر قصائدها، ووجدت اسم زوج ام جدتها لامها بهذا اللقب، واعجبت به واختارته (وهي فتاة مراهقة) نتيجة لرغبتها بالتفرّد، اضافة الى جمالية الاسم وجرسه ان صح التعبير، ولانه يتناغم مع روحية الاجواء الغرائبية التي كانت سائدة في روسيا بداية القرن العشرين بين الشعراء، ولانه يذكّر بلقب الخان أخمات، الذي يرجع اصوله - حسب الاقوال والاساطير - الى جنكيز خان نفسه في تلك القرون البعيدة.

آنّا أخماتوفا ليست أخماتوفا في الواقع، بل هي آنّا  أندريفنا غورينكو، التي ولدت عام 1889 في اوديسا باوكراينا في الامبراطورية الروسية، وتوفيت عام 1966 في الاتحاد السوفيتي، وتم دفنها في ضواحي لينينغراد، وعند قبرها ينتصب الصليب مثل قبور كل المسيحيين الارثذوكس، ولا علاقة لآنا أندريفنا غورينكو بأي تتري اسمه احمد او اخمات او اخماتوف، وهي ليست من احفاد جنكيز خان باي حال من الاحوال ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

صادق السامرائيأبو يوسف يعقوب بن إسحاق الصبّاح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، العربي العراقي المسلم الكوفي، مولود في مدينة الكوفة حيث كان أبوه واليا عليها، وعاصر المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل وتوفي في زمن المعتمد.

أمضى فترة من صباه في البصرة بعد وفاة والده، وذهب إلى بغداد حيث تعهده المأمون وعينه في بيت الحكمة، لترجمة كتب الفلسفة اليونانية.

وعندما توفى المأمون عام (833 م)، أعقبه المعتصم الذي عبّر عن إعجابه بالكندي وإصطفاه مربيا لإبنه أحمد، وقد إجتهد الكندي بتربية الخليفة المنتظر على مبادئه ومعارفه، وتعلق به أحمد ونهل من علمه الكثير حتى صار معبرا عن لسان حال عقله، ويُذكر أنه مُنِعَ من الخلافة بسبب ذلك.

ويُقال أن مؤلفات الكندي بلغت 241 في مجالات المعرفة المتنوعة، كالفلسفة والمنطق والطب والحساب والكيمياء والموسيقى، وتنسب إليه كلمة موسيقى، وهو الذي أضاف وترا خامسا للعود ووضع سلما موسيقيا، وتوفي في مدينة بغداد عام (873 م) وعمره سبعين سنة.

وكان مولعا بالكتب ولديه مكتبة شخصية تُسمى (الكُندية) جمع فيها نفائس المخطوطات في زمانه، وقد تم الإستحواذ عليها من قبل المتوكل وبعد أعوام أعيدت له، لكنها تبعثرت بعد وفاته.

الكندي الذي لا يوجد ما يشير إليه في موطنه غير مستشفى الكندي، التي ربما تغير إسمها وصارت منسوبة لعمامة ما، ولا أظن له أثر في مدينة الكوفة، كنصب أو مدرسة ومكتبة بإسمه، أو قاعة في جامعة الكوفة، وما قرأنا عن مؤتمر أو ندوة لإحياء ذكراه وتمثل أفكاره وإنجازاته، والإحتفاء الوحيد بالكندي حصل في (9-12\12\1962) في بغداد.

هذا العربي العراقي الكندي أبو الفلسفة العربية ومنار مسيرتها، التي تواصلت من بعده بقيادة الفارابي وإبن سينا ومَن جاء بعدهما، يتناساه حتى أبناء مدينته ولا تجدهم يكتبون عنه أو يصدرون كتابا بإسمه.

وتلك صورة لواقعنا التي تشير إلى جهلنا بذاتنا وموضوعنا، وإهمالنا لرموزنا وعلمائنا وعدم الإقتداء بهم، والتعلم من مناهجهم وتطويرها والوصول بها إلى ذروتها.

فالعلم لا يُبنى من العدم وإنما بتفاعل العقول وتلاقحها، لتتطور وتتوالد وتأتي بما هو معاصر ومفيد.

تحية لهذا الرمز المعرفي الكوفي العراقي العربي، الذي يستحق منا أن نضعه في مكانه التنويري المناسب، لكي تهتدي بمشاعل معارفه الأجيال وتتنامى وتتحقق بعصرها الوهاج.

 

د. صادق السامرائي

 

احمد بلحاج اية وارهامفي حوار ليليٍّ مع صاحبي المعروفِ بقفزاته الفكريةِ التي تفوق القفزَ بالزانة، لفتَ انتباهي إلى أمرٍ لم أكُن أُعِيرُه انْتباهي من قبلُ، وما كنتُ أتصوَّر أنني قد أعِيرُه له كذلك، لولا ما فيه من غرابةٍ، فهو يتعَلَّق بأحذيةِ الأقدامِ، وبأحذيةِ النفوسِ. وأنا ما سمعتُ قطُّ أنَّ للنفس حذاءً تنتَعلُه وتمشِي به، إلى أَنْ بادَهَني بالقول:

- ما هو أول شيء نفعلُه حين نَروم الدخولَ إلى مكانٍ نُعزُّهُ؟!

- نخلَعُ أحذيتنا بالطبع.

- ولِمَ نَفعل ذلك؟

- لأننا لا نُريد أن نُدْخِلَ إليه الأتربةَ والأوساخَ التي تأخذُها الأحذيةُ مَجانا من الشارع، وبذلك نكون قد أبقَينا على نظافته، بل الأكثرُ أهميةً من هذا كله هو أن إزالةَ حِذائِنا دليلٌ على تقديرنا للمكان.

- جيد؛فلِمَ إذن لا تفعل ذلك حين تريد الدخول إلى ذاتك؟!

ذُهلتُ، وشعرتُ بأنني تلقيتُ ضربة قاضية من ملاكمٍ محترفٍ، لن يستطيع بعدها عقلي الوقوفَ على قدميه، ومواصلةَ مثل هذا النوع من الملاكمة الفكرية.وبدأتُ أُحاوِل التحكُّمَ في أنفاسي، واسترجَاعها وعدِّها، دون أن أتَدَخلَّ في إيقاعها، ودون أن أتكئ على أيِّ شيءٍ، فالاتكاءُ عجزٌ ، وقد علَّمونا في صِغَرنا أن نَتَّكئ كلما سقطْنا على الغير لننهض، وهذا عجْزٌ فظيعٌ، ولم يُعَلِّمونا كيف نَقومُ دون استنادٍ على شيءٍ، وكيف نعتَمدُ على توازنِنا الطبيعي، وقوتِنا الأصلية.فحين نتوَقَّف عن الاتكاء على الآخر سنتوقف كذلك عن الاتكاء عليه في مجالاتٍ أخرى من حياتنا، وسنكُفُّ عن مُطالبة الآخرين بالعِناية بنا، وعن التظاهرِ بأنَّنا أضعفُ كثيرا من أن نرعَى حياتَنا ، ونعتنيَ بها.

أَخرَجَني من سَهوي وشرودي صَوْتُ صاحبي المُتقَطِّر زَهواً:

- مالَكَ أُبْلِسْتَ، ولبِسْتَ صمتَ الكهوف؟!

- وكيف لا أصمُتُ، وأنت قد صنعْتَ للنفْسِ حذاءً؟!

- لا تَنزَعجْ، ولا تفزَعْ من أيِّ قوْلٍ لم يَستوعبْه عقلُك، وخُذْ فسحةً للتأمُّل فيه.فعندما تأتي الأفكارُ لا تَكْبِتْها أوتُكْرِهْهَا على غير ماهِيَّتِها، بل فقطُّ راقبْ ما يأتي بعينين مغمَضَتين، و بِنَفْسٍ مفتوحة المقلتين، ثم عُدْ إلى لحظتِكَ الحاضرةِ يَظْهرْ لك خَيطُ الحقيقة، فالأفكارُ تأتي وتَذهبُ، وكذلك ردودُ الأفعال عليها، فلا حاجةَ لك في التعَلُّق بها ، ما دُمتَ مُرتكِزاً على نفسك، لا على سِواكَ.

- وأنَّى لي بهذا الذي تقول؟! وأنا أَرَى كثيرا من الأقوال؛ومنها قولُك عن حِذاء النفس؛حَيَّةً تَسعَى، وتَتَلَوَّى لتُفسِد يَقيني، وتُعَكِّر ما أَشعُر به من حُبٍّ عميقٍ للحياة، ومِن إعجابٍ بالذات، وخَوْفِي الأعمَى هو أن يُرسلَ عليها كُرهٌ مَا حجارةَ سِجِّيله. آهٍ، يا صاحبي لو علمتَ كم أتمَنى أن أحيا الحياةَ بكل مَعْنَى الكلمةِ، وأن أمحوَ منها الوجهَ الذي لا تُحتَمل رؤيتُه، وأن أتركَ نفْسِي تَختَبرُ كل ما يَظهَر باسمِ الحياةِ ، ثم تتخَلَّى عن ذلك كله.

- لن تصلَ إلى هذا ونفْسُك تَنتَعِل حذاءَها، ظانَّة أنها بالغةٌ مَعْناها. فكَم مرة أصغيتَ إلى الأصوات المتناسلة حولك؟ وكم مرة سمعتَ الصمتَ عند تَحلُّلِ الأصوات؟ وكم شربتَ كلمات الآخرين، ورأيتَ البكاءَ الخفيَّ فيها؟ إذا لم تكُن فعلتَ ذلك فأنت بعيدٌ عن ذاتك، ولن تَرجعَ إليها، وتَدخلَ إليها، للتعرُّف عليها، إِذْ لا بدَّ لك من نزْعِ نَعْلَيْ نفْسِكَ حتى لا تُدخِل إليها أوضارَ الخارج، فنْعلُها هو أعظمُ حمَّالِ أوباءٍ وأضرارٍ إلى الذات. وإذن؛ فلا تَسألنِّي عن شيءٍ حتى تَتَخَلَّى عن نَعْلَيْ نفْسك.

وَهَبَّ مُنْتَصِباً، وتَمْتَمَ:

(كما رأيتُك تَرعاني بكل هوًى

أكونُ فيه، خشِيتُ المكرَ يرعاني

نبَّهتُ نفْسي على ما فيه من خُدَعٍ

والحقُّ خادِعُها في عقد إيماني

للهِ مَكرٌ ومَكرِي لا يُفارقُنِي

وكيف حالةُ مَن يُولِيهِ مَكرانِ؟!

قد كنتُ أرجو اعتصاماً عنهما بهما

لو استوى فيهما هَجري وكِتماني

لكنني قد رأيتُ الفرقَ بينهما

بما تحقَّقْتُ في سِرِّي وإعلاني

لمَّا تحقَّقْتُ ما كنتُ أجهلُه

منِّي، وبانَ لعينِي نُورُ بُرهان

إني لأعلم من نفْسي وصورتِها

أَنِّي نتيجةُ أفلاكٍ وأركان

ما زلتُ أطلبه حتى يُحقِّق لي

بأنني عينُ مَنْ عليه سوَّاني

إني علِمْتُ به إذْ كان أعلمني

أني علمتُ به والأمرُ أمران)*

وتَركَني أَصْطبِغ بالحَيرة وبالخذلان، وبعدما توقعتُ منه أن يأخذني إلى النجوم، أوقعَني في الجُبِّ.ولكنني بُعيْدَ استغراقٍ طويلٍ في كلماته أدركتُ أن النجومُ هي هنا، في داخلي، وفي النفَسِ الذي أتنفَّسُه، وفي الإنصاتِ الأعمق إلى أصواتِ الصَّمت، وما وراء الصمت، وتلك هي ذاتي، تجلَّتْ لي في رَفْرَفٍ خُضْرٍ من التأمُّل، وقالت:

- اَصِغِ إلى الَّذي يُصْغِي، لا لنفسك التي عليك تَبْغِي.فهي عادةً ما تُحاولُ إدخالَكَ في تجربة المُعاناة، ثم تقول: ما أنا بمُصْرِخِكَ، أنتَ وحدَك مَن أردْتَ تَغيِيرَ العالم، ولم أُسَوِّلْ لكَ ذلك.وأينَ هذا العالمُ الذي تَزعُم أنك ستغيره؟هو لا يَراك، فكيف تَحلُم بتغييرِ من لا يَراك أيها الواهم؟! لا تَركضْ خلفَ العالم لتُصلحَه، بلِ اجْلسْ إلى ذاتك، وقَوِّمْ نفسكَ، ففيها انطوى العالمُ كله.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

..................

* ابن العربي: الديوان الكبير، تحقيق ودراسة وتقديم: عبد الإله بن عرفة، ط1، منشورات دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت 2018م، 370، 369/4

 

عصمت نصارخرج جحا وجميع الحضور، من الباحثين والضيوف والمستشرقين بابتسامة تصورها الوجوه تعبّر عن الامتنان والسرور.

وانتقلوا من قاعة المحاضرات إلى أخرى مجاورة خُصصت للبوفيهات، والمشروبات، والباتيهات، والحبشتكنات، وكل ما يؤكل ويقال له هات هات.

واقترب أحد الفضلاء ممّن عُرف عنه الفطنة والذكاء ويدعى محسن عبد القادر، وسأل جحا: أنت ليه شديت على أبو سريع؟ الشاب مغلطش وعبر عن اللي بيتقال في الشارع بلسان شجيع، مهو لازم يسأل ويتطاول، واحنا نرد وبالحسنة نتجادل.

هو مش الريس حسام قبل ما يقعد على الكرسي إدّى للشعب الأمل ووعدهم ببكرة كبير، فلوس وبغددة، والفطور برجر والغدا بط وفطير، وحاجات كتير تانية، في جناين أم الدنيا، وقعدنا نقول كلنا تحيا مصر، ونشكر ربنا من الفجر للعشاء ونسبح من المغرب للعصر.

جحا : أيوة قال، ومكنش بيغني ولا بيرص موال، ولا كان حلنجي ولا بلحة ولا أهبل ولا عبيط ولا غشيم ولا محتال، زي ما بيقولوا على الفيس والقنوات إياها وبيتريقوا على كلامه والعفوي من الأفعال، اسمع يا صديقي أنا مش هدافع عنه ولو إني في الحقيقة بحبه، ولكن في الصراحة راحة، وإذا عُرف السبب انكشف السحر وانعرفت اللعَب. هو اللي وعد بيه مستحيل، ولا أحلام بنشوفها في الليل؟ لا والله، بس عايز الناس تشد الحيل، وتشتغل وتبطل تواكل، ويعرفوا إن البُنا والإصلاح عايز إخلاص وأمانة ونضافة في الذمم من القاضي والتاجر والشرطي والعامل، وإذا الكل بقى واحد هيعدلوا الدفة من الميل، ويوزنوا الكفة ويسدوا الخرم اللي في الكيل. هو مش خدها مخروبة، ولقمة مسمومة، وشجرة معطوبة، وصبية متقطع هدومها، وكلاب السكك حواليها عاوزة تهبشها وتؤرمها، والكل غضبان عليها الأبيض والأصفر والأحمر والأسمر، حتى اللي من جلدها، واللي واجب يصونوا عرضها، بيتاجروا في همومها. الراجل حاول ينضّف، ويهدي الغضبان ويصالح ده ويعاهد ده وبالكلمة الحلوة يلطف.

أما البيت من جوة فلقى أصحاب التوكيلات مستنيين، ماسكين في إيد سرة الدهب وفي التانية مطاوي وسكاكين، ها؟ هتسمع الكلام، ولا نشوهك ونطلعك من الخونة واللئام، حصتنا اوعى تقرب منها، وخطتنا في الشفط اوعى تعدل عنها، فلوس مش دافعيين، مصانع ومرافق ومصحات ومدارس عشان الناس اللي تحت مش بانيين، عدالة وتكافل ودعم رغيف الشقيانين، وإذاعة خطب عبدالناصر مش سامعين، لأنها كلام فارغ مايصدقوش في عصر العولمة ورأس المال إلا المجانين.

مش بس كدة دول راحوا في قنواتهم وأحزابهم وجمعياتهم يقولوله (مفتاح النهضة لا معانا ولا معاك شايلينه الكبار في علبتهم، أما الفلوس اللي معانا أصولها مش بتاعتنا ولو زنقت علينا أصحابها هياخدوها ويروحوا على بيتهم، أصل الباب مقفول من برة، بسلسلة وجنزير وقفل إلكتروني وبصمة صوت وكتابة بالشفرة). لو كنت مكانه يا صاحبي هتعمل إيه، هتقعد زي الكلامنجية تفتي وتشرع، وتقنن وتقرع، وتشتم وتتكرع، وتقول هو اللي جرى كان ليه، وامبارح كان أفضل وده ذنب اللي غضبنا عليه، وشوفوا في سواد بكرة هنعمل إيه. ولو انت زي دول فبقولك اللي فات مات، وبكرة جاية انتخابات، بالورقة القلم حاسبوه، وبعين العدل انقدوه، ولو مش عايزينه مشوه، ودوروا من بينكم على واحد تاني على الكرسي المخروم وقعدوه.

أحد الشباب ويدعى فوزي أبو كيفه: جرى إيه يا عم جحا انت ليه واخدها أفش، واللي بيخالفك في الرأي من بطنه بتهبشه هبش، وبتجزره وتعلقه، هو انت من الجمالية ولا من قلعة الكبش؟، أنا عاوزك تفسرلي أمرين: فين الأمن والأمان، والشهداء بيسقطوا في سيناء ويتفجروا في روكسي ويدبحوا في حلوان، وتتفجر كنيستين وعربية المنيا باسم الدين، أما الأمر التاني موضوع الجزيرتين، هما بتوعهم ولا هنبيعهم ولا هنرهنهم وناكل بالدين.

جحا: اسمع يا أبا كيفه انت بتحارب إرهابيين، لا ليهم مكان ثابت ولا ملة ولا دين، وباختصار عصابات متأجرين، تضرب وتجري وفي لحظة تختفي عن العين، وعليك يا باشا تطلعهم من بين الملايين، مش ولاد بلدك بس دول من أمريكا لحد الصين. والحكم على المسائل عملية نسبية، مش هقولك العراق ولا اليمن ولا سوريا، لا هقولك فرنسا وإنجلترا وكتير من الولايات الأمريكية، والمدن الإيطالية والألمانية، الكل بينكوي بالإرهاب بس اللي ميزهم إن كل الشعب عارف وفاهم، مش بيهللوا زينا من فوق السطوح ويتريقوا على السلالم، والكارثة الأكبر إنهم بيقولوا الباك بيدخل جون في نفسه والواد بيعاشر خالته ويحلل زنا المحارم. والتاريخ ياما هيقول، عن والي عكا الخاين والروم والصحبة وهينفضح مين المسئول.

أما موضوع الجزيرتين فميتخدش بمنطق البهاليل، ولا المهيجتية وتجار السياسة ولا شعارات الدلاديل، الموضوع محتاج عقل وتحليل، لأنه متشفر وحله عند الحاوي وفقهاء اللغة وعلماء التأويل، هي عهود الغرام اللي بيكتبوها العشاق والبغايا والغاصبين والمغتصبين في عز شهوة المتعة فيها حلال ولا حرام؟ ولما العقل يفوق ويصحى من المنام، مش من حقه يغير الكلام، ويبدل الملابس ويغير الأعلام، فهمت يا ابن الكرام، مهي دي حكمة الشيخ عبدالسلام.

دكتور عبدالعظيم المسئول عن التنظيم: يجب على الحضور، الانتهاء من تناول الشاي والقهوة والفطور، والعودة إلى قاعة المؤتمرات، لاستئناف الحوارات، واستجاب جحا وصحبته، ومن كانوا في معيته، وراحوا يطالعون برنامج الجلسات، فأدركوا أن أولاها عن مكانة الحمار في التاريخ والحضارات.

بدأت الجلسة الأولى بحديث المؤرخين والإعلاميين، وتضم أربعة أبحاث علمية عن قيمة الحمار التاريخية والسياسية والأدبية والثقافية. فبدأ الكلام الزميل الكريم، الدكتور أشرف إبراهيم قائلا: قبل الحديث عن السير والأخبار، أقدم الكثير من الأسف والاعتذار، على ما بدر من بعض الحضور في حق معلمنا جحا منظم المؤتمر، وأثني على ردوده وما جاء فيها من كلام معتبر، وليعلم الجميع، ومنهم صديقنا أبو سريع أن حبيبنا الحمار له في التاريخ مائة دلو وألف ذراع، وكلامي مش أونطة، ولا زي الروج ومكياج الستات اللي بيحطوه في الشنطة، وده واضح بالتوثيق، لعين الخصم قبل الصديق، والمناقشة مفتوحة، والهدف واضح وهو تدقيق الخبر والتحقيق.

فتروي المراجع والمصادر الموثقة أن الموطن الأصلي للحمار كان في صحراء أفريقيا، منذ قرابة اثنتي عشرة ألف سنة، حرًا طليقًا شأن كل العباد، نحو 4000 عام قبل الميلاد، وقيل أنه ظهر لأول مرة في الجزائر والصومال في عصر الإمبراطورية الرومانية، وكان في صورة وحشية، وطباع عنيفة وبربرية، أما حبيبنا أبو الصابرين، فكان أول ظهوره في أرض النوبة من مملكة المصريين، صاحَب الفلاح وأعانه على الحرث والزراعة والكفاح، وحمل الغلال والبضاعة، ولم يبخل عليه بلبنه للشرب أو الرضاعة، فأصبح المصريون ينتمون إليه، ويحنون عليه –فالعرق دساس، والأخوة في الرضاعة معلومة عند الناس-. وعرفته سوريا وحدثت عنه الكتابات المسمارية. وعليه فإننا نؤكد بالخبر اليقين أن الحمار المصري شارك في بناء حضارات البربر، وعلم المصريين، وحضارة العراق، والكلدانيين، والفينيقيين، ومملكة الحمريين أتباع حمير بن سبأ والقحطانيين. ولم يشارك حمار الشرق في الحروب إلا في النادر من الأخبار، أما في الغرب فركبه الإيطاليون والفرنسيون والأمريكان ونقلوا على ظهره السلاح وصواريخ الدمار، ولم يسلم حمارنا من كيد الإرهابيين فنجدهم في سيناء فجروه، فقتلوا به البشر وبإديهم عذبوه.

وكان في بلاد اليونان صاحب كرامة وسيرة محبوبة، وكان لحمه يقدم قربان إلى (برياب Priape) إله الخصوبة، وفي القوة كان مضرب المثل في أحاديث النساء فتمدحه العذارى، وتتغنى به المرأة اللعوب. وكتبت عنه الأساطير ورفعته إلى درجة القداسة، وألبسته الحرير والدباج ووضعت في عنقه الذهب وعلى رأسه تاج الرئاسة، وذلك لدوره في عيد باخوس، وحمله لآنيات الخمر التي تجلب البهجة وتزيل من على الوجوه العبوس، وتنشر الفرحة والابتسامة بين الغانيات، وتشجع الزواج بين الفتية والفتيات.

هذه كانت لمحة تاريخية، عن دور الحمار في حضارتنا الإنسانية، ولن أكرر ما قيل في الماضي من الجلسات، عن مكانة حبيبنا الحمار في تاريخ الديانات. أما دوره في السياسة والأدب، فسوف أترك الحديث عنه لأصدقائي من الساسة من الإفرنج والعرب، ولا يسعني إلا أن أكرر شكري على حسن الاستماع، وعدم المقاطعة وإهلاك الوقت في الجدل والصراع.

أحد الصحفيين ويدعى سيف أبو خزاعة : قرأت في كتابات المستشرقين، الكائدين للإسلام والملاعيين، أن في سالف الأزمان كان خليفة المسلمين، وحامي الحمى والدين، حمار، فهل هذا صحيح؟ أجبني من فضلك وأكثر من التوضيح.

العالم الهمام : علمنا أن الحمار قد اشتهر عند العرب، بالصبر والجلد، ولم يُعرف عنه في الشدائد التخاذل أو اللعب. لذلك أطلق المؤرخون على من تجتمع فيه هذه الصفات لقب الحمار. وكان منهم آخر خلفاء بني أمية، مروان بن محمد (688-750 م) صاحب الطلعة البهية. الذي امتدحه العقلاء، من الساسة والأدباء، والوزراء. ووصفوا عهده الذي استمر ست سنوات، بأنه زمن الإصلاحات، في آخر ملك الأمويين الذي أنهكه الظلم وأعياه الفساد ودمرته المؤامرات. وأنه قُتل في مصر ودُفن في الفيوم وكان حاسمًا يقوّم أعداءه بالشدة، وآثر السلم مع الرعية وأراد أن يبرأ الجسد المحموم من المِدة.

وروى ابن كثير أن محمد بن أبي عامر المشهور بالحاجب المنصور (938-1002 م) كان في الأصل حمّارا وحلم بمنصب الخلافة فباع حماره ودخل في زمرة الشرطة، حتى أضحى قائد قرطة، ثم ترقى حتى أصبح وصيا على عرش الأندلس في عهد هشام المؤيد بالله أحد خلفاء الدولة الأموية وقد عُرف عنه الشدة والشجاعة، والعدل والطيبة والكياسة والدهاء والبراعة. وأكد المؤرخون أنه كان يقوم مقام الخليفة، يأمر وينهي ويصدر القوانين ويخرج على الرعية في الأعياد بملابس التشريفة.

وخلاصة الموضوع أن الخليفة الذي لُقب بالحمار، والآخر الذي عُرف بأنه كان حمّار، كانا من أكابر الأشراف والأخيار، فدخلا التاريخ من أوسع أبوابه، وذلك لأنهما كانا من أنصار الحمار وأحبابه.

ووقف أحد الملتحين ويدعى حمزة أبوشُدافة: أتتهكمون على الخلافة، وتلبسون عباءة المؤرخين، وتنشرون الأكاذيب فأنتم والله معشر المضللين، ولا يصلح معكم إلا جهاد النصرة وجيوش داعش لأنكم جميعكم من المرتدين، ألم يكذب أحدكم النبي وشكك في رواية المسجد الأقصى وزعم أنه من العارفين، ثم جاء بعد ذلك وسب وقدح رمز العروبة وقائد حطين، السلطان الورع صلاح الدين، وصرح نفر منكم بأنه من أكابر الكتاب ووصفه بعضكم بأنه من المستنيرين.

الدكتور أشرف إبراهيم: اسمع يا بني لا تسيء للعلماء ولا تنتقد المؤرخين، فجميعهم لا يعيبه التفاف الإعلاميين حول المشهورين من الجاهلين، والشخص المقصود كُتب عن شطحاته وأكاذيبه وافتراءاته مئات النقود وعشرات الردود.

جحا: اسمع يا ولد دعوناكم للتفكير، وليس للتكفير، وأسلوبك في الكلام، وإلقاءك علينا بالتهم الجسام، أحط من أسلوب البهائم في الاعتراض، وصنيعك الأحمق لن يحقق لك المراد، وغضبك وصراخك في القاعة ليس له تبرير، إلا تعكير الأجواء، وتشتيت الأذهان عن أخبار أعاظم الحمير.

وللحديث بقيّة

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

اميرة مصطفى محمود"من النور تبتدي الحياة"، عبارة أخيرة بمقدمة مميزة عميقة موجزة، لمسلسل مختلف يبدو اختلافه واضحا من اللقطة الأولى.

يشارك الفنان يوسف الشريف في الخارطة الدرامية الرمضانية الحالية بفكرةٍ مميزة كعادته وإن كانت تلك الأخيرة غير محسوبة على التميز وحسب وإنما تحسب كذلك على الجرأة وبُعد النظر!

وكانت الحلقة الأولى كفيلة بأن تنقل ملامح تلك الفكرة للمُشاهد بوضوح وإن كنت أراها هي البطل الأول لهذا العمل. وعلى الرغم من اجتهادات البعض في ربط تلك الفكرة وإنسابها، بالاقتباس، إلى السينما الغربية، وبغض النظر عن نفي أصحاب العمل لتلك التأويلات وتأكيدهم على مصريته، فلا يمكن النظر إلى تلك النوعية من الأعمال واعتبارها بعد الآن حصرا أو حكرا على الخيال الغربي، لأن تلك الأفكار لم تعد محصورة على الخيال العلمي بل تجاوزت الخيال إلى أرض الواقع وصار الذكاء الإصطناعي مصطلحا مألوفا واقعيا ملموسا على هذا الكوكب ومتاحا لكل أجناس السينمات. فهي فعليا قد تحررت من النظرة الخاصة الخيالية المستحيلة، إلى العامة المستقبلية المحتملة.

يظهر الديكور مدعما برؤية تكنولوجية متقدمة ملائمة ومتماشية مع الزمن الحديث وفق التصورات المستقبلية للطفرة التكنولوجية والتي كان أحدث ما وصلنا عنها هو الجيل الخامس، ولا أدري تحديدا عدد الأجيال التي قفزها التأليف والإخراج بالعمل. كما يتضح لنا فيما بعد مستوى متقدم جدا من الجرافيك!

وتعكس لنا الحلقة الأولى بشكل توضيحي غير مباشر، فضلا عن الجانب المبهر لتلك التكنولوجيا المستقبلية، جانبا آخر موازيا ومرعبا، أبرزه المخرج ببساطة بلقطة واحدة صامتة، حين قام البطل من سريره ليجد كل شيء معطل من حوله بلا كهرباء وبلا ماء وبلا حواسيب وخدمات صوتية آلية فورية، لمجرد أن نفدت شحنة مكعب الطاقة. ربما أراد أن يضع أمامنا، من أول وهلة قبل أن ننشرح برفاهية المستقبل، التكنولوجيا بصورتها الحقيقية وبوجهيها في آن واحد!

لا ينبغي أن ندع دسامة الفكرة وكثافة التفاصيل بالحلقة تشغلنا عن الأداء التمثيلي المتقن بخاصة بعض المشاهد المميزة. فعلى سبيل المثال، وبداية بالأداء الطبيعي الرائع للفنان المحترم يوسف الشريف بتلقائيته وانفعالاته غير المتكلفة، فضلا عن مساهمته الرائعة بفكرة المسلسل. ولا يمكن إغفال عبقرية النظرة، بالظهور الأول للفنان أحمد وفيق بما تعكسه من شر فضلا عن تعبيرات وجهه الهادئة التي تمثل ببراعة الوجه الرزين المسيطر الآمر للشر، فيما برع مساعده بملامحه المتجهمة وتعبيراته الصارمة، في تمثيل وجها آخر موازيا للشر. كذلك الأداء الطبيعي للفنانة ناهد السباعي خاصة في مشهد لها مع البطل بالشارع ولهجتها المتغيرة الواهنة الطبيعية كامرأة حامل بعد إرهاق المشي وهي تشير إلى وصول الأتوبيس. ولا ننسى البلاهة خفيفة الظل والأداء المرح لصبي الورشة "سعادة" كما التلقائية الظريفة للبائع الذي كان على الأغلب من هواة أكل البط المهجن على أي طائر والسلام!

أما عن الحوار على مدار الحلقة فكان معبرا بغير تطويل. ومن أبرع الحوارات ذلك الذي جرى ما بين زين وعم إبراهيم، ومن أكثر العبارات المؤثرة الصادقة التي قيلت فيه، تلك التي كانت على لسان الأخير حين أهدى ألبوما للصور إلى زين وقال أنه على مدار الحروب والهجرات التي عايشها، لم يجد أي ذكرى تصلح لتخليدها في ألبوم للصور.

ومن ضمن الجوانب المتقنة بالعمل هو البوستر الخاص بالمسلسل والذي يعكس صورة البطل بنصفيه البشري والآلي.

ولا نغفل روعة موسيقى التتر التي تحمل إلينا في بدايتها شيئا خفيا كأنه الصدى القادم من المستقبل البعيد. وكذلك بوستر التتر وإفراده لمساحة بارزة لشخصية عزيز بما ينم عن أهمية الدور أو الأثر الذي سوف يصنعه وهو للفنان المتميز عمرو عبد الجليل!

أما عن تصاميم الملابس فبدت الرسمية منها غريبة لكننا نتفهم ملائمتها لطبيعة ومركز تلك الشخصيات لكنني أتسائل عن لماذا لم يطرأ أي تغيير مقابل على ملابس البطل وسائر الشخصيات العادية إذ بدت ملابسهم عصرية أو بالأحرى رجعية بالنسبة إلى ذلك المستقبل. فكان من المتوقع أن يطرأ شيء من التغير العمومي على موضات وأنماط أزياء هكذا عصر!

في الحقيقة لم يقتصر الرعب الدرامي في تلك الحلقة على النظرة إلى الوجه الآخر القبيح للطفرة التكنولوجية والتطور والذكاء لاصطناعي وحسب، بل كان متمثلا كذلك على المستوى البشري حيث يؤكد العمل، على ما يبدو، على حقيقة مؤسفة بأن التطور التكنولوجي لا يخلو أبدا من وحشية وتدهور إنساني وإنحطاط بشري! فالإنسان بكل أسف حين يتطور، ينسى أن يرتقي.

وفي لفتة تناقضية ساخرة غير مباشرة، تعكس موقفا مشابها يكاد يكون مطابقا لآخر نعاصره، كان المخرج خرج علينا ببراعة وببساطة، بمشهدين واقعيين إلى حد كبير، أولهما كان مشهدا مذاعا على الشاشة قبالة البطل زين، يتكلم فيه من يبدو أنه أحد المسؤلين المنوطين بنفي وجود أي مشكلة أو إنسابها إلى المواطنين بشكل ما، قائلا أن نقطة واحدة من مكعب الطاقة تكفي ليوم ونقطتين ليسا إلا سفه..، في حين أن المشهد الثاني كان لزوجة البطل التي ركبت الحافلة ليملي عليها صوت آلي أن تضع نصف نقطة لرحلة الذهاب ونصف آخر، بقية النقطة، للعودة، وذلك بدوره يذكرنا بمشهد مماثل حد التطابق كان قام ببطولته وزيرٌ للتضامن الإجتماعي في الزمن المعاصر، مع اختلاف طفيف في الحوار لا المضمون، في حديثه الذي يبشِّر الذي بجيبه عدد لا داعي لذكره من الجنيهات بأنه قد تخطى خط الفقر بنجاح! ربما أراد المخرج بذلك أن يقول أن ثمة ثوابت لن تتغير على مر القرون والمسؤلين!

لكن السؤال الذي تثيره الحلقة ضمن محتواها المثير، هو ما دام ذلك المستقبل كان قد قام على جثمان دولة إسرائيل وأمريكا، فمن إذن صاحب يد الشر المهيمنة وقتذاك؟!

وجدير بالملاحظة والتأمل، ذلك المشهد ما بين صاحب الورشة والفتاة التي ذهبت إليه لشراء الأعضاء الآلية اللازمة لتصنيع الروبوت الخاص بها، وكانت تحاول اقناعه والتأثير عليه ليساعدها فأخرجت إليه من حقيبتها المكعب خاصتها وقالت بينما تستعطفه أن به ثمان نقاط هي كل ما تملك. يعكس لنا ذلك المشهد المهم استنتاجا منطقيا مروعا مرتبطا بالتصور الذي طرحه العمل حول إلغاء مبدأ العملات النقدية والاستعاضة عنها بمكعبات الطاقة كعملة  موحدة، وما وراء تلك الفرضية من هدف خبيث غير مباشر هو ضمان السيطرة والتحكم في دخول ومدخرات الأفراد من خلال محدودية النقاط المسموح بها لكل فرد بواقع حصص محددة من النقاط  تصرف لهم إلكترونيا في مواعيد محددة، وفي ذلك الطرح ما هو مطابقا لتصور ما كان تكلم عنه أحد الكتاب الغربيين، والمعروف باسم "هانجر جيم" ربما كانوا تعمدوا التطرق إليه عبر المسلسل أو كان محض توارد خواطر وتصورات!

وبذلك فقد استعرضت الحلقة ومهدت بذات الوقت للعديد من الجوانب الشائكة والقصص المثيرة التي نتوقع أن تتفاقم على مدار الحلقات القادمة!

 

أميرة مصطفى محمود

كاتبة وروائية مصرية

 

 

عبد العزيز كحيللم ألتفت كثيرا إلى خبر حصول عبد الوهاب عيساوي على جائزة "بوكر" لكن شدني احتفاء الفرنكوبربريست بالرواية وثانؤهم الغريب عليها، وهم التيار المعروف بتضايقه من كل ما هو عربي فضلا عن الإسلامي، لم يلتفتوا  يوما إلى تكريم أي كاتب له خلفية عربية إسلامية من الجزائريين فضلا عن غيرهم، فبحثت الأمر ووجدت السرّ: الرواية تتكلم عن "الإحتلال العثماني" للجزائر... بطل العجب، ويبطل أكثر حين نعلم أن الجائزة المتوّجة لها تمنحها دولة الإمارت في إطار مخطط محكم يهدف إلى إفساد تديّن المسلمين وتغريبهم والتشويش على ثوابتهم، جنبا إلى جنب مع الحرب المسلحة والانقلابات العسكرية التي تقف خلفها – مع أطراف الحلف العربي المتصهين – في أكثر من بلد عربي، هي – مع هذا الحلف – خلف المؤامرات وشيطنة الاسلام  والتحريض ضد العلماء والدعاة والمصلحين، ومنح الجوائز جزء من هذا المخطط الشيطاني الذين يرتكز – من بين عوامل أخرى – على شيطنة العثمانيين القدامى والنظام الحاكم في تركيا حاليا لاعتزازه بالعثمانيين.

 و"بوكر" جائزة انجليزية اشترتها الإمارات لتوظيفها في مخططها الهدام، وهي مثل عدد من الجوائز الكبرى لها خلفية ايديولوجية وأبعاد سياسية، فهي لا تخدم الأدب بل سوء الأدب لأنها موجهة وغير بريئة.

هذه أولى الأثافي أما الثانية فهي وجود أمين الزاوي في اللجنة التي تمنح الجائزة، والرجل مجاهر ببغضه الشديد للإسلام عقيدة وتديّنا وتاريخا، يبدئ ويعيد في هذا كلما تكلم أو كتب، وهو – مع آخرين على شاكلته – قرة عين أعداء الاسلام في الداخل والخارج، ذكّرتني عضويته في هذه اللجنة بعضوية أركون في لجنة ستازي التي شرّعت منع الخمار في فرنسا، أي هو شاهد زور يبصم بالعشرة على كل ما ينتقص من الإسلام وأهله،  والتواجد العثماني في البلاد العربية عامة وفي الجزائر خاصة غصة كبرى في حلوق العلمانيين اللادينيين والفرنكوبربريست، فهم يتكلمون عن "الوجود الفرنسي" في الجزائر وعن "حملة نابليون" على مصر ويؤكدون على "الإحتلال العثماني" هنا وهناك...هذه عباراتهم: وجود فرنسي، حملة فرنسية، احتلال عثماني...ولا يخفى على العارفين بالساحة الأدبية ان أية جائزة كبرى – مثل نوبل وغونكور – لا تُمنح لعربي ولا لمسلم إلا إذا كان إنتاجه يتنكر للعرب والإسلام والمسلمين، هذا هو الشأن مع نجيب محفوظ و الطاهر بن جلون وعمر بلهوشات وآسيا جبار  وكمال داود وأضرابهم...وأنا لست هنا متحاملا على هؤلاء بسبب خلافي الإديولوجي معهم وأتمنى من القراء أن يطالعوا على سبيل المثال رواية " مرسو، تحقيق مضاد" (بالفرنسية) التي نال بها كمال داود الجائزة الفخمة سنة 2015 ليتأكدوا من ضحالتها.

 ما الذي يجعلني أفرح لتكريم هذا الكاتب وروايته "الديوان الإسبرطي"؟ لأنه جزائري؟ لأنه يكتب بالعربية؟ هذا تفكير سطحي عاطفي...أولا من الناحية الأدبية أرى أن لغة الكتاب أقل من المتوسط حتى لا أقول ركيكة، ثم أمين الزاوي عضو في اللجنة التي تمنحها، و- شخصيا – لا أتمنى أن يتسلم جزائري حرّ أبيّ جائزة من نظام حكم استبدادي ظالم يحارب الاسلام والأحرار دون هوادة ويتحالف مع الصهاينة ضدهم، إذًا لغة غير راقية، أمين الزاوي، الإمارات العبرية ..c’est trop...وأنبه إلى أن اعتبار العثمانيين غزاة يقتضي إطلاق الوصف على الفاتحين الأوائل، وهو ما يهدف اليه التغريبيون وعبّر عنه كاتب ياسين بصراحة كاملة ، فهذه الرواية المكتوبة بالعربية سمّ قاتل لا تُمتع القارئ بأي شكل....لكاتبها وللترسانة الإعلامية العلمانية أن يتعتزوا كما يشاؤون، لكن ذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئا: هذا التكريم جزء من الحملة المستعرة ضد الإسلام وأتباعه وتاريخه، ولا يأتين أحد ليصدع رؤوسنا بحكاية النقد الأدبي، يريد منا أن نخرس لأننا لسنا من أهل هذا الفن.. هذا كلام مضحك لا يصلح للدفاع عن قضية ...لمن يؤلف الكاتب؟ للجمهور أم للنقاد؟ وهل ينتظر القراء رأي النقاد ليطالعوا أية رواية أو قصيدة أو مقال أدبي؟ النقد الأدبي تخصص أكاديمي أما المقياس فهو القراء، ولسنا عاجزين عن الإدراك حتى ننتظر الضوء الأخضر أو التفسير من طرف النقاد.. عندما ينشر أي كاتب فهو بالدرجة الأولى والأخيرة في مواجهة الجمهور وليس النقاد...ينطبق هذا على الأدب والسينما والمسرح والرسم وغيرها من الفنون.

لا بأس من الإشارة إلى أن الجملة الأولى في الرواية هي :" إن الشيطان إله هذا العالم يا صديقي المبجل"...وكنت أعتزم نشر مقتطفات من الرواية تؤكد منحى العثمانوفوبيا التي تنضح بها لكن اتسع الخرق على الراقع، اخترتُ هكذا هذه الجملة في ص 323 لأنها تعبّر عن قناعات العلمانيين المتسترين بما يسمى "الانسانية": " أملي في هذه الحياة كلها إيصال الجسر بين هوتي الشرق والغرب (...) لا يهم أن أكون اسماعيل أو توماس، أو حتى مسيحيا أو مسلما، المهمّ ان أكون معك إنسانا (...) نحن الذين سنعيد للإنسان قدسيته".

أختم بالإشارة إلى أن الرواية تحاول الإشارة إلى الاحتلال الفرنسي لتسويته بما تسميه الاحتلال العثماني لكن بقفازات من حرير وبتركيز كبير على الأفكار "الفرنسية التنويرية"  التي ستنعم بها الجزائر في ظل فرنسا العظيمة...فهمتم الرسالة؟

 

عبد العزيز كحيل

 

 

جمال العتابيالمسؤولية الوطنية في المنعطفات الصعبة تبدو باهظة التكاليف، لانها تتطلب عقولاً متنورة، شجاعة، مبادرة، تستطيع أن تتحمل أعباء المهمات، لإدامة ماهو حي من الإرث التاريخي والحضاري الإنساني العراقي. إن الخوف المزمن من الحقيقة والمصارحة والإعتراف، يقودنا الى العطل والجمود والتخلف، بما يدعو لإثارة السؤال الوطني الأهم، ذي الصلة بحقيقة الأزمة التي تتعمق في المجتمع، أين المؤسسات الفكرية والثقافية العراقيةالتي تغيّر نمط الحياة، وتعيد إنتاج المعرفة وأدواتها.؟ أين ذاك الأثر الحضاري الشاهد على الأنساق العلمية والنيّات الصافية، والولادات المبدعة للعمل الثقافي؟

من يعيد للمجمع العلمي العراقي بريق زمانه الخاص؟ كتجربة مازالت تتحرك في أعماقنا؟ إنه الزمن الذي قطعه المجمع منذ تأسيسه عام 1947مهتماً بدراسة علوم اللغة العربية، على يد كبار أساتذتها، كعلامات مضيئة في إرثنا الثقافي ماتزال تتردد أصداء أسمائهم بقوة، لا كإستذكارات ماضٍ غائبة ، بل نماذج وطنية مخلصة، حاضرة دائماً في الموقف الرصين والإنحياز للعلم، محتفظة بأهميتها الرمزية.

لا يمكن ان نعفو أنفسنا من المساءلة عن (مجمع علمي) مهّد له الشاعران الزهاوي والرصافي، وأسس له منذ  عقود من الزمن، محمد بهجت الأثري ومحمد رضا الشبيبي ومنير القاضي ومصطفى جواد وناجي معروف وعبد الرزاق محيي الدين وصالح أحمد العلي وتوفيق السويدي، وغيرهم من الأعلام، هؤلاء شيدوا ظاهرة علمية تعرف في دول العالم المتحضرة كأكاديميات للعلوم تضمّ في العادة كبار العلماء والمفكرين والمبدعين، هم بُناة التقدم في بلدانهم.

ماالذي نفعله لإيقاظ الحكومة من سباتها لكي تلتفت الى هذه التجربة الجديرة بالرعاية والإنتباه؟ إذ لا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسى حين يقارن مآل المجمع العلمي اليوم، بما كان عليه قبل خمسة أو ستة عقود. من الزمن، وأغلب هذا الإنطباع مصدره تلك الأمثلة التي غاب عنها التنافس العلمي، لينتمي بعضها الى السياسة القصيرة النظر، والمضحية بمصير صرح علمي على حساب مصالحها الحزبية الضيقة، وبلا شك ان هذه المؤسسة المستقلة، هي إحدى الكيانات التي صنعتها اليد العراقية بإمتياز، وليس هناك  من حق تمتلكه أية جهة تبيح لنفسها شطب جزءٍمن تاريخ العراق المضيء، وتصادر جهود تلك الأيادي.

نحن نقف اليوم على خط مفترض، فيه من خطوط الدفاع عن الوطن، إذا لم يكن واضحاً على الأرض، فإنما هو واضح في أعماق وضمائر ونفوس جيل من المثقفين والأكاديميين والعلماء، وفي زعمنا ان الخطاب الثقافي المعرفي يتسع لتنوع مناهج التفكير والرؤى في حقول المعرفة كافة، وفي جميع الخطى والمساعي لابدّ من التطلع نحو وضع دعامات راسخةٍللتقاليد العلمية الرصينة، والدعوة إلى مراجعة دقيقة ومتأنية في السبل التي حملت غير المؤهلين بالحق في منصات العضوية، ولاسيما في المدة التي أعقبت إحتلال العراق 2003، وفتح ملفات المؤسسات الفكرية والأكاديمية والثقافية، لتجديد أولوياتها  وتوجهاتها، ومفردات عملها الإداري والمالي، والتوقف عند حجم الإنفاق والتخصيصات المالية لهذه المؤسسات، بالمقارنة مع حجم الإنتاج ونوعيته.

كان المجمع العلمي العراقي، من أكثر المعاني إفصاحاً بجدارته العلمية، مأثرته، انه ظل يحتفظ بحيوية دوره في الوسط الأكاديمي، مشكّلاً وحدهُ ظاهرة ثقافية، غطت مساحة تجاوزت النصف قرن، بأبعادها الفكرية وآثارها المتميزة، وإستطاع المجمع خلال تلك الفسحة أن يجتذب عدداً ممتازاً من الأساتذة في حقول إختصاصاتهم، وأسّس المجمع نواةً طباعية تحولت بمرور الزمن الى مؤسسة طباعية مرموقة،  أنفقت عليها الدولة بسخاء، وتصدت لطباعة إصدارات المجمع كافة، ومنها مجلته الرصينة، التي كانت تصدر بتوقيتات ثابتة ومستقرة، تحولت الى مرجع مهم للباحثين، بفضل الأسماء المشاركة في التحرير والنشر.

لكن من سلّم البلاد للخراب، وأسس لحكم التغانم والنهب، أجهز على المجمع وإستباحه، فتهاوت المكتبة، وتحولت المطبعة إلى كيان من حجر، وإختصر المبنى الجميل في طرازه المعماري ومهندسه الخالد رفعت الجادرجي، كل أجواء الموت والعدم، التي ظلت تتفجر دماءً وحرائق وحروب طوائف، بعد إحتلال العراق.

إن إلتباس مرجعيات الثقافة والمعرفة مع مناورات أهل السياسة، لا يمنع من إعادة الحياة للمجمع بما يستحقه من رعاية، على وفق رؤى واضحة، صحيحة التكوين وصفاء التوجه، مع ما تحمل بعض الاجراءات المخلصة والمتأخرة من إشارات إيجابية. لترميم المجمع من الداخل، (إستبعاد سطوة الأحزاب)، والعودة به الى الدور الأصيل الذي تبناه، ليستعيد حيويته وحريته.

 

جمال العتّابي

 

محمد الزموريللعزلة حسناتها، لكن نظرا لطول امدها، أفرغت من جميع حسناتها، وأصبحنا نعيش في قلق مستديم، وأرق مزمن، أسئلة وجودية عديدة تداهم عزلتنا الإلزامية، وتجعل من فعل القراءة، تبديد غير مجدي لفائض الوقت الذي نعيشه. فالعزلة الاختيارية منتجة ويمكن أن تغيرك وتسهم في تغيير العالم، أما العزلة الإلزامية فهي لا تساهم الا في تطور نوبات الاكتئاب والرهاب الاجتماعي والوساس القهري.

في ظل العزلة الالزامية يبدو أن الجميع لاحظوا أن حياتهم قد تحولت إلى حالة بيولوجية بحتة، ليست مبتورة الأبعاد الاجتماعية والسياسية فحسب، بل أيضًا الإنسانية والعاطفية. إن المجتمع الذي يعيش في حالة طوارئ دائمة لا يمكن أن يكون مجتمعًا حرًا.

ليس من المستغرب أننا نتحدث عن الحرب من أجل الفيروس. إن تدابير الطوارئ تجبرنا بالفعل على العيش في ظروف حظر التجول. لكن الحرب مع عدو غير مرئي يمكنه الاختباء في أي شخص آخر هي أكثر الحروب عبثية! إنها في الواقع حرب أهلية، العدو ليس في الخارج، إنه في داخلنا. الأخرون يعتبرون الآن كناقلين محتملين للفيروس الذي يجب تجنبه بأي ثمن، والذي يجب أن تبقى على بعد متر واحد على الأقل لتجنبه، الموتى – موتانا – ليس لهم الحق في إقامة جنازة، ولا نعرف ماذا سيحدث لجثث أحبائنا. جيرتنا تم إلغاؤها. ماذا يحدث للعلاقات الإنسانية في بلد اعتاد على العيش بهذه الطريقة لا أحد يدري إلى متى؟ وما هو المجتمع الذي لم تتبقى له قيمة سوى البقاء؟

العزلة الإلزامية، لا يسعني أن أحبها إلا لبرهةٍ وجيزة. لا يسعني البقاء في مكاني فريسة هذه العزلة المشحونة بالقلق. أنتظر مجيء صديق. لكن الصديق لا يأتي. ألعن من أعماق قلبي هاتين الذراعين المخلوقتين للاحتضان. أودُّ لو أتخلَّص من يدي. وأن أفقد حاسة اللمس. في مثل هذه الحالة الروحية، لن أحتمل أي لقاء.

فالسعادة تناقض العزلة المفروضة، والرذيلة الوحيدة السوداء هي أن تتيقن بأنك وحيد وسط زخم اجتماعي مزيف. فنحن لا نحبّ أحدا أبدا. ما نحبّه فقط هو فكرتنا عمّن نتوهّم أننا نحبّهم. ما نحبّه هو مفهومنا عن ذواتنا.

أنا هامش في مدينة لا وجود لها. أنا تعليق مسهب على كتاب لم يُكتب بعد. أنا شخصية في رواية تمرّ مرور الأثير وتتوارى دون أن تكون قد وُجدت. أكتب وكأنّني أنفّذ عقوبة ما. والعقوبة القصوى هي أن اعرف أن كلّ ما كتبته عديم الجدوى، ناقص ويفتقر إلى اليقين. فالذين يعانون معاناة حقيقية لا يشكّلون مجتمعا. من يعاني يعاني منفردا.

صديقي ليس إيجاد مساراتك في الحياة أمرًا هينًا، أو واضحًا، "فنيتشه" يوافق ما ذهب إليه "بيكاسو" حين قال: «لمعرفةِ ما سترسمه، عليك أن تبدأ بالرسم». لا بدّ من البدء في سلوكِ الطريق من أجل استكشاف ذاتك واستكشاف مساراتك في الحياة، وقد اعتبر "نيتشه" أن الترياق الحقيقي الوحيد لهذه الغربة الوجودية يتلخص في أنه: «لا أحد يستطيع أن يبني لك الجسر الذي ستسلكه أنتَ، أنتَ ولا أحد سواك، لعبور نهر الحياة. قد يكون هناك عدد لا يُحصى من الممرات والجسور والمسارات وأنصاف الآلهة التي ستحملك إلى الضفة الأخرى بكل سرور. لكن ثمن هذا رهن نفسك والتخلي عنها لأجلهم. هناك طريق واحدٌ في العالم لا يستطيع أحد أن يسلكه سواك. إلى أين يفضي؟ لا تسأل، امشِ!».

يقول "تولستوي" في كتابه "اعتراف" (1882) "لا بأس، ستملك آلاف الأفدنة من الأراضي في محافظة سامارا و300 حصان، وماذا بعد؟… حسن جدًا، ستكون أشهر من جوجول أو بوشكين أو شكسبير أو موليير، أو من جميع كتاب العالم – فما نفع هذا؟ ولم أستطع أن أجد جوابًا على الإطلاق".

كان احساس "تولستوي" العميق بالعدم هو حقيقةً معاركه، كانت حياته وأدبه معركة لتأخير الموت، أو السيطرة عليه، فإذا كان الموت هو الأفضل الآن فلا حاجة لتأخيره، ولهذا كان الانتحار أحد مصادر إلهام "تولستوي"، ليسيطر به على المواعيد الخارجة عن سيطرتنا، ومثال على ذلك في روايته «آنا كارنينا» والتي ظهر فيها الانتحار مرتين، الأولى لعامل في سكة القطار، والثاني انتحار "آنا كارنينا" نفسها، بعد ضياع كل شيء في حياتها؛ السعادة الزوجية، الابن، والزوج، والعشيق، والمكانة، والخذلان من أقرب المقربين.

"ساراماجو" هو الآخر عرف في أدبه بنظرته السوداوية الساخرة مما حوله من أفكار راسخة، فسخر من الخلود الذي شكل حلم الخلائق على هذه الأرض، ووضع النص في مواجهة متفردة مع القارئ؛ فاعتمد على أسلوب تغيب فيه الشخصيات الفردية والحوار عنصرًا أساسيًّا، ليستفرد بالقارئ وخيالاته، مستخدمًا تفاصيل التفاصيل في السرد لمزيد من التضييق والإحكام. وفي رواية "ساراماجو" «انقطاعات الموت» أدرج نصًا فى مديح الموت، دون ضغينة أو كراهية أو تذبذب في موقفه منه، فهو هنا يدعونا لمحبة الموت بحس فكاهي لاذع، بعدما انقطع الموت فى دولة صغيرة – لا اسم لها-وأصبح سكانها لا يموتون ويبقى مريضهم على حاله. بدا الأمر للسكان رائعًا في البداية، فهو الخلود، ولكنهم سرعان ما شعروا بالكارثة، فقد أثار غياب الموت فوضى ليس لها مثيل، في المؤسسة الحكومية، والمؤسسة الدينية والفلسفة، والمواطن العادي، حتى أصبح على البشرية أن تقبل طريقة تقسيم كل منهما للنفس البشرية.

في حين كان الخلاف الأبرز بين كل من "كارل يونج" وأستاذه، الذي سرعان ما انقلب عليه، "سيجموند فرويد" يكمن في الموت بوصفه وجه العملة الآخر للحياة، فحين قسم "فرويد" النفس البشرية إلى جزأين أساسيين، هما الوعي واللاوعي الذي عده مستودعًا لكافة الرغبات الجنسية الخفية، والذكريات المؤلمة، والأفكار التي يخشى الإنسان الإعلان عنها، اعتقد "يونج" أن اللاوعي إنما ينقسم إلى قسمين أسماهما اللاوعي الذاتي واللاوعي الجمعي، ويضم هذا الأخير التجارب الجمعية المشتركة مع النوع البشري ككل، وذلك يعني أن البشر جميعًا يولدون بمجموعة من المفاهيم والتجارب، يتوارثونها جيلًا بعد جيل منذ بدء الخليقة وحتى آخر الزمان، ولعل أبرزها حقيقة الموت، فنحن في الحقيقة يجب أن نموت لكي تستمر الحياة.

في ظل هذه الآراء والتيارات والمذاهب، يبرز فيروس "كورونا" بقوّة كمحور لنقاشات المهتمّين بالفكر والفلسفة: بعضهم يرى أنه فكَّك نظرية صراع الحضارات "لهينينغتون"، وأن وجوده ألغى معالم العولمة بمعناها التقليدي، آخرون وصفوا الفيروس التاجي بأنه عطّل فكرة الفرد ككيان أخلاقي، وهدم الفلسفة، في حين أبرز البعض استثمار النظام الرأسمالي للخوف من "كورونا" بغية مزيد من التحكّم في حياة الناس وسلوكياتهم وتقييد حرياتهم، من خلال إعادة الاعتبار لـ"الدولة الأمنية"، وآخرون رأوا أنه استطاع بناء نظرية أخرى لنهاية التاريخ بشكل يخالف ما قاله "فوكوياما"، أما أنا فأرى بأن جائحة (كوفيد-19) قد برهنت بطريقة قطعية أن أسعار الموت أصبحت تنافس أسعار الحياة.

 

أ/محمد إبراهيم الزموري

باحث في العلوم الإنسانية والقانونية.

 

شاكر فريد حسنرمضان هذه المرة في ظل جائحة الكورونا زاخر بالبرامج والمسلسلات والأعمال الدرامية المتنوعة على شاشات الفضائيات العربية، لكن الغالبية منها مسلسلات سخيفة تافهة هابطة ورديئة، ونحن الذين نعاني القهر السياسي والطبقي والاقتصادي لسنا بحاجة لهذا الهراء الممجوج المطروق، ولمثل هذه المواقف والاجندات السياسية التي تتناولها وتطرحها.

فهذه المسلسلات تستهدف كي وتزييف الوعي العربي وتشويه الذوق العام وتزييف التاريخ، والانتقاص من الكفاح والنضال التحرري البطولي الفلسطيني، وتسييد فكر انهزامي وثقافة جديدة، وخلق ذائقة هابطة ورديئة للمشاهدين العرب، واشغالهم في مشاهدة ومتابعة مسلسلات بعيدة عن واقعنا وهمومنا اليومية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

فقناة ال. ام بي سي ارتأت أن تقدم للمشاهد العربي مسلسل " أم هارون "، الذي يعج بتزييف الحقائق والوقائع والأحداث التاريخية، والهدف واضح وهو الترويج لأفكار انهزامية استسلامية وبث روح اليأس والاحباط في النفوس، والترويج لأجندات ومواقف تطبيعية مهرولة لدولة الاحتلال والعدوان، من خلال تجميل صورة الآخر، والمس بالنسيج الاجتماعي والتحريض الطائفي والمذهبي والديني.

وأمام هذا الكم الهائل من المسلسلات الدرامية العربية الهابطة، انفردت قناة الميادين عن بقية المحطات الفضائية، ولم تحد عن أجندتها وخطابها وبوصلتها وأهدافها السياسية، فقدمت للمشاهد العربي مسلسل " حارس القدس "، عن قداسة المطران جورج/ هيلاريون كابوتجي، والذي يتناول سيرة شخصية وقامة دينية ووطنية يشار لها بالبنان، ويشهد لها القاصي والداني باستقامتها ومبدئيتها ومواقفها المشرفة، وهو من اخراج باسل الخطيب الذي عودنا تقديم مجموعة من المسلسلات السورية الهادفة ذات الرسائل التربوية والقيمية والسياسية والثقافية، ولها بصمة هامة في الدراما السورية العربية الحديثة، والثقافة عمومًا.

وفكرة هذا المسلسل بدأت بعيد وفاة المطران، واعتمادًا على كتاب (ذكرياتي بالسجن) للمطران نفسه، وما تختزنه الذاكرة الوطنية حول المطران، فضلًا عن حوارات مع عدد ممن عايشوه وعاصروه، وما زالوا على قيد الحياة. فكل التقدير والتحية لقناة الميادين التي تحترم الذوق العربي وتعرف ماذا تقدم له ما يثري عقله وفكره ويرتقي بذوقه، وبئس الفضائيات العربية التي تشوه ذوقنا وتاريخنا وتحاول سلخنا عن واقعنا وثقافتنا.

إننا بحاجة إلى أفلام ومسلسلات جادة وهادفة تحمل رسالة وطنية وقومية وهادفة ومؤثرة للارتقاء بالوعي العربي والذوق الفني العام، وتتصدى لكل أشكال الهزيمة والتطبيع الثقافي والفني والسياسي، ويعزز هويتنا الوطنية العربية والحفاظ على ارثنا التاريخي الماجد.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد بلحاج اية وارهاماستيقظتُ ذات ليلة خريفية لأجدَني غارقاً في عَرقٍ لزِجٍ أصفرَ، مريضاً، ساخناً كفُرنٍ، فعزوتُ ذلك إلى حُمّى عابرةٍ، ولكنها مع مرور ثلاث ليالٍ ظلَّتْ ساكنةً في جسدي كلاجئةٍ

فرَّت من إبادةٍ عِرقيةٍ.فقد فقدْتُ السيطرةَ على مزاجي، واختلَّ توازني، وانتفخَتْ عيناي، واخضرَّ هذَيَاني، وامتدَّتْ أشجارُ هواجسي في أراضي النهارِ والليل.

وبعد زيارة عدَدٍ من الأطبَّاء، أمدُّوني؛عَقِبَ التشخيصات المتنوِّعة؛ بأدويةٍ كثيرة، ووعدُوني بعد تناولها بالشفاء، دون أن يُسَمُّوا لي مَرضِي، فانحنيتُ لأوامرهم، وابتلعتُ أصنافاً مُقرفةً من الأقراص مُختلفةَ الألوان، وتحمَّلتُ حُقَناً لَسَعاتُ العقارب أحَنُّ منها.غير أن حالتي بقيَتْ كحَجَر في الماء، لا يَذُوبُ ولا يَتحرَّك، فيئِسْتُ من نفْسي، وصِرتُ أُمْطِرُ زُواري بأسئلةٍ حمقاء كقطراتِ سَرابٍ في فمِ عصفورٍ كسيرِ الجناح، مما دعا مُعايِدِيَّ إلى التخفيفِ من مُعايَدَتي، وإلى الشعور بالحَرَج، إلا واحدا منهم، فقد تَباطَأ حتى انصرف الآخرون سِراعاً، ثم قال لي:

- أنت صديق قديم لي، ما يؤلمك يؤلمني، ولن أغشَّك في النصيحة، وإن مرضك ليس في جسمك كما تعتقد، وإنما هو في سُويداء نفسك، ولا أحد غيرك لديه حقيقتُك، فلا تُزعجْ أصدقاءك بأسئلتك، إنْ أردتَ الاحتفاظَ بهم، فكَمْ مِن صداقةٍ قتلَتْها الأسئلةُ الخرقاءُ، فلا تَنتظِرْ أجوبةً حقيقيةً عن أسئلةِ حياتك، بل عليك أن تكتشفها في داخلك، ولا شيء غير هذا يُجْدِيكَ في عِلَّتك.

- يا لك من قاسٍ، لا يُمطر شفقةً ولا رحمةً، الخلاءُ الموحشُ المُكفهِرُّ ألينُ منك، وأكثرُ سماحة!!.

- صدِّقْني، إن الوهمَ بَاضَ في أعماقك، فخِلتَ نفسك مريضا، وكم كُثْرٌ هؤلاء الذين هم نُظَراؤك، والذين لا يكتشفون الرؤوسَ التي على أكتافهم، ولا يُكَرِّمونها، ولا القلوبَ التي تَدقُّ في صدورهم مغتبطةً بالحياة.

- إن ما تراه وهماً فِيَّ أراه أنا حقيقة، وبين الوهم والحقيقة شعرةٌ لا يراها غير الأسوياء، وبرزخٌ لا يَعبُره غير الفؤاد المغسول بالنور.

(إن الوجود كتاب فيه مرقومُ

لكنه منه معلوم وموهومُ

والمُحْدَثاتُ هي الموهوم منه، ومَنْ

يُقالُ فيه إلهٌ فهْو معلومُ

وليس يَحكُم في الأعيانِ من أحدٍ

إلا وحاكمه عليه محكومُ

إنْ قلتُ هوَ، قال هذا لستُ أعرفُه

أو قلتُ لا، قال هذا فيه تقسيم

متى يُصَدِّقُ بالإحساسِ يُكْذِبُه

لكنَّه الأمرُ مَرحومٌ ومحرومُ

فمنْكَ تَعْلَمُ ما تَحوِيهِ من عَجَبٍ

لا من سِواكَ، لهذا أنت منهومُ

لا يَعْلَم الأمرَ مَن تُروِيهِ شَربتُهُ

وكيف يُدرِكُ عَرْفَ المِسْكِ مَزكُوم؟)*

- مشكلتُك أنك تُريد أن تَضع رأساً فوق رأسك، ليفكِّرَ لك في حياتك ومصيرك، وأنا لا أرضَى لك هذا، ولا أُحَبِّذُه، فاسبَحْ في بحرك، ولا تَجذِبْني إليك، واترُكْني سابحاً وحدي في بحر التأمُّل حتى لا أكون مثلك مريضا.

وتركني مُصَفِّقاً الباب خلفه كريحٍ تأكلُ ذاتَها من الغيظ، فجَزعتُ، وطَفقْتُ أُفكِّرُ فيما أنا فيه من داءٍ، ومن قلقٍ، وعدمِ رضاءٍ عن حياتي، ومن مُشكلاتٍ شتَّى رَكِبتْني.لا شك أن هناك خَطأً ما، أو شيئاً مفقوداً جعلَني أتخلخلُ، وأمضِي عميقاً في الاضطراب.فالداء سَهمٌ مسمومٌ، وعليَّ أَنْ أعرفه بنفسي، لا بغيري، وكيف سأسحبُ ذلك السهم مني، وأتخلَّصُ منه، ولا أعتمد على الآخرين في نزعه.

وصعدْتُ من جُبِّ نفسي بحبال الأملِ، ووقفتُ على صخرة التَّأمُّل، لاغيا من وجودي كل النقاشات والتساؤلات عن مَرَضي، ووضعتُ حدّاً للحديث عنه، فتمثَّلَ لي السهمُ مُجرَّدَ قشَّةٍ نحيلةٍ تستحيلُ رؤيتُها على العين، فعلِمتُ أن الوهم الذي وصَمَني به صاحبي ما هو إلا هذه القشة، فأمسكتُ بها ونزعتُها من ذاكرتي، ثم نفختُ عليها فإذا هي لا شيءَ يَطيرُ إلى لا شيءَ، وعلمتُ كذلك أن العديد من الأشياء التي .نَتُوقُ إليها ونسعى خلفها، ونعتقد أننا لا نستطيع الحياةَ بدونها هي المرضُ والسهم المسموم الذي لا نَحْذَر منه. فقررتُ من بعد ما بَصُرتُ بهذا أن أضع رأسي على وِسادة التأمل، وليس على وسادة الغير، وأن أقْضِيَ سحابةَ الأيام في ممارسة التأمُّل، وأن أتحمَّل جُرعةً كبيرة من الواقع، حتى لا ألجأَ إلى الوهم لِطَمْأنةِ نفسي، فأُصَابَ بذلك السهم المسموم، وأعيش ألماً وخيبةً هائلين.

إن حقائق حياتنا، عندما نكون قادرين على معرفتها، هي ذاتها التي ستُحَرِّرنا من المعاناة التي تُعذِّبُنا، فالتمكُّن من تحمُّل الواقع، هو الكفيل بتخفيفِ المعاناة، ورغم أنه قد يوجَد شيءٌ من الألم إلا أنه ألمٌ فقطُّ، فلمَ نُضيف إليه المعاناة؛التي هي في جوهرها رفضُ اختبارِ الحياة كما هي؟!.

لا شك أنه بعد مواجهة مرضٍ، أو صعوبةٍ، أو كارثةٍ ما، تَضطَرِمُ في دواخلنا رغبةُ الفهم والتفسير، إلا أن الحقيقة الأعمقَ هي أنَّنَا لا نعرف، ولا نستطيع إدراكَ كثير ممَّا يَحدُث في الوجود، وكل التفسيرات والتأويلات التي تأتي ما هي إلا بمثابة مُواساةٍ وعزاءٍ سَطحِيٍّ، أما العقل مهما بلغ سموُّه فإنه سيبقى متواضعاً ومرِناً، ولن يدَّعيَ أنه مُحيطٌ بحقائق الحياة، مُدركٌ لدقائقها، يتعلَّمُ ببساطة من صَدَمات الكوارث، ويَقبَل الخوضَ فيها دون استسلام.

فكَم من الوقت نحتاج لنرى الأشياء في جوهريَّتِها، وكما هي تماما؟وكَم فردٍ منا يُمكنُه تَحمُّل ذلك؟فمنذ - وَوَفْقاً لحِكمة(زِنْ) - تعلَّمتُ أنَّ حَاجِبَيَّ أفُقيانِ، وأنَّ أنْفِي عَموديٌّتعافَيتُ.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

.......................

* ابن العري: الديوان الكبير، تحقيق ودراسة وتعليق:عبد الإله بن عرفة، ط1، منشورات دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت2018م، 276/4.

 

شاكر فريد حسنعايدة نصراللـه، ابنة أم الفحم، كاتبة وشاعرة وفنانة تشكيلية، وناقدة فنية مختصة في الفن متعدد الاتجاهات، تكتب القصة القصيرة والشعر والنقد الفني والمسرحي، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه عن اطروحتها تمثلات الجسد في الفن القصصي الفلسطيني.

وكنا عرفنا عايدة كقاصة من خلال ما كانت تنشره من قصص في مجلتي الجديد، والغد المحتجبتين، في الثمانينيات. وقد تعرفت عليها شخصيًا عندما عملت بمكتب الاتحاد في أم الفحم، الذي كان يديره المناضل العريق توفيق حصري (أبو الهمام) أمد اللـه بعمره، وكان يعمل فيه ايضًا صديقي العزيز النقابي جهاد عقل، وكثيرًا ما كنا نجتمع في حلقة نتبادل الأفكار والآراء، ونطرح قضايا الثقافة وهموم السياسة والمجتمع.

وسبق وكتبت عن عايدة مقالة نشرت في حينه، على صفحات الأهالي، التي كان يرأس تحريرها الشاعر والصحافي القدير المرحوم سالم جبران، ثم كتبت عنها مداخلة نقدية حملت عنوان عايدة نصراللـه اشراقة الفن القصصي والروائي والرسم بالكلمات على الجسد، نشرت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية المحلية والعربية والعالمية.

وكان قد صدر لها ثلاث مجموعات قصصية هي: حفنات وأنين المقاهي ومهد من ورق الشجر، ولها رواية بالألمانية عنوانها عزيزي من وراء البحار، وفي مجال النقد الفني والمسرحي والأدبي لها عشرات المقالات الأكاديمية، وشاركت في عدد من المعارض والمؤتمرات المحلية والدولية.

وفي بداية هذا العام 2020 صدر ديوانها الشعري الأول الموسوم ألوانٌ مِنَ الحُبْ، ويشتمل على قصائد في الحُب والرومانسية والوطن والسياسة والهموم الإنسانية والقلق الوجودي الحضاري، متشحة بمسحة من الحزن والشجن وفي الوقت نفسه فيها أمل وتفاؤل رغم الألم والوجع الداخلي العميق في داخلها.

وتطفح قصائد الديوان بالتعابير الرومانسية والايحاءات والأبعاد الواسعة والصور الشعرية الجديدة المبتكرة، والأوصاف البليغة، والاستعارات الجميلة، والخيال المجنح، بمنتهى العمق في معانيها وتعابيرها ونزعتها الإنسانية، بأسلوب مدهش، ولغة باذخة ثرية ورشيقة.

ومن جميل ما قرأت لعايدة قصيدة عتبة الدار، التي تقول فيها:

على عتبة الدار

خلعت مني المدينة

موسيقى الجاز

المسافات

وقفت عارية

إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

لاقتني الجدران القديمة

صيحات الباعة

أحضان أطفالي

عيون أمي

قفز أبي من غفوته المؤبدة

ومضت عيناه بوجهي

غامت عيناي

فوقفت عارية

إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

سكنتني ضفائر جدتي الضريرة

أيام

عبث على صدرها مفتاح الدار القديمة

واهتز خصرها على شجرة الزيتون

وزغرد مد لاج البوابة

لقفتني كل خوابي البيت

التي تنهدت من فراغها

من كوابيس عن جن مجهول

تنطتت في المخيلة

فرغت الخوابي من الجن

ومن التنهيدة

...إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

أطلت الجارات من الذاكرة

خرجت وجوههن من الطابون

نفثت حرارتها على الصدور العارمة

التي توطنتها أحاديث الغزل السري

سال الزيت من أفخاذهن

والغسيل المنشور لاح من بعيد

في أوج صباحات

التهبت بالعناق

غادرتني الذكرى

ذهب العناق

وخلت الدار إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

عايدة نصرالـله شاعرة متمكنة من ادواتها، تملك القدرة على التصوير والتعبير الشعري، تكتب بجرأة قلّ مثيلها في زمن الصمت والرمادة، وتجيد أيصال مغزى قصيدتها ومعانيها للقارئ، ما يمنحها قراءة ممتعة وشائقة.

أجنحتها قوية وثائرة، تطير وتحلّق في الفضاءات التي تريد، إلى حيث المرأة التي لطالما حلمت بها، لا قيود ولا أغلال ولا خطوط حمراء، حيث الأنثى المتحررة، المتمردة، المثقفة الواعية لرسالتها، التي تعشق أنوثتها وتبوح بها بكل ثقة وجرأة.

كلماتها قريبة للقلب والفكر، مؤثرة، تنفذ فينا كرصاصة، وتبحث دومًا عن الذات التي بداخلنا. وهي تقدم في ديوانها مجموعة من الفضاءات الشعرية، تتراوح بين الواقع والحلم. أحيي الصديقة الكاتبة عايدة نصرالـله، وأبارك لها صدور ديوانها ألوانٌ مِنَ الحُبْ ، متمنيًا لها حياة زاخرة بالعطاء والأبداع والتألق، ومكللة بالصحة والعافية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

حيدر الحدراويالخير كل الخير في الماء، ينساب في المنحدرات، فيملأ الوديان، تاركاً القمم باسقة غير عابئاً بها، فهو الذي صنعها وجعل لها وزناً ومكاناً مهماً لدى أرباب القوارب والزوارق، لكن الماء لم يسئل نفسه يوماً هل هذه القمم جديرة بما منحها من منزلة أم لا؟!، الماء نفسه لا يعبأ أيضاً بما غمره في الوادي من كنوز لا زالت مغمورة لم تكتشف ولم تبرز للسطح الا ما ندر، ولا يهمه سوى ان يحافظ على اللون الأخضر في جنبات الوادي وعلى سفوح الجبال، إدامة لاستمرار جمال الطبيعة الخلاب والذي لا يكون إلا به وينعدم بإنعدامه.

للماء تيارات داخلية وأمواج قد تتلاعب بها الرياح من الخارج، يبلل هذه القمة فتخضر، وينحسر عن تلك القمة فتجف وتصفر، لعل القمة التي جفت واصفرت خير من تلك القمة التي أخضرت، لكن الأمر ليس بيده، فالرياح من الخارج قررت، وتياراته من الداخل لعلها انقادت أو تمردت، وربما أذعنت الى أهواءها أو الى أجندات خارجية، رغم هذا وذاك يبقى الماء سر الحياة والجمال.

في زمن الانهيارات الثقافية الجيولوجية التي رفعت بعض القمم وأطاحت بالبعض الأخر لا عن كفاءة واقتدار وتمكن، بل ربما الصدفة لعبت دورها، أو مواربات الكواليس الخلفية تهادنت مع أصابع طامعة خفية على أن تزعج الماء وتغضبه كي ينحسر عن بعض الأماكن لتبرز اليابسة، القاحلة، البور، السبخة، التي لا تنفع في شيء، أو يسحب وجوده من أعماق التربة فيحدث الانهيار، تندرس قمم كانت كفوءة في مواجهة أخطار الرياح والأعاصير، وترقت قمم كانت بالأمس ترزح في عالمي الجهل والظلام.

حال الثقافة الراهن لا يختلف كثيراً عن حال الماء، فالرياح الخارجية لعبت بها وقادتها نحو الحضيض، وتياراتها الداخلية انقادت الى سطوة الرياح ولعلها انسجمت معها، على أثر ذلك اختفت المكتبات الكبيرة وشحت الكتب بعد ان غادرها روادها، أو بعد طغيان ثقافات أخرى، كثقافة الدولار والاثراء، أو كثقافة الطبخ والغذاء فانتشرت المطاعم بدلا من المكتبات، وحلت الوجبات السريعة بديلاً عن بائعي الكتب على الأرصفة، بينما ازدهرت فضائيات الطبخ بشكل واسع مقابل خفوت في الفضائيات الثقافية التي تناقش الكتب والأفكار.

لعل اسلوب العرض الثقافي أصبح مملاً، لا يستهوي حتى رواده، أو ربما تسلقت شخصيات بعيدة عن عوالم الثقافة والفكر والعطاء الإنساني وتجاهل الشخصيات الإبداعية الحقة والمؤهلة علمياً وثقافياً وإبداعياً، لأسباب كثيرة لعل من أبرزها التداخلات السياسية أو الدينية أو حتى الدولارية على غرار المقولة القديمة (من لا مال له، لا علم له)، فالعالم الفقير والمبدع المعدم التزما الكواليس وركنا الى عالمي التجاهل والنسيان .

رغم ذاك، هناك من المبدعين من حطموا القيود وكسروا السلاسل وتسلقوا الحواجز، وظهروا عنوة على كل التيارات والأمواج ليعلنوا عن وجودهم كذوات نبيلة وإبداع إنساني لا زالت موجودة رغم كل عوامل التعرية الثقافية، الدكتور صالح الطائي خير مثال نقدمه بشكل سريع ومختصر كنموذج للإبداع الإنساني في زمن ليس ككل الأزمان .

صالح الطائيد. صالح الطائي برز في مجالات عدة، لعل ابرزها :

1- البحث:

تميزت بحوثه بالصبغة الاسلامية العصرية، والنظرة الثاقبة والتحليل الدقيق، كما أمتاز أسلوبه البحثي :

أ/ الرصانة العلمية .

ب/ الشجاعة في الطرح.

ج/ الفكر الناهض .

د/ الترفع عما لا يليق والابتعاد عن الخرافات وتعريتها.

هـ/ الحيادية والترفع عن الميول الشخصية.

و/ إختيار دقيق لمواضيع البحث.

ز/ تعرية المنتشر والمتداول ووضعه بين كفتي الميزان العلمي الرصين.

ح/ توخي الأمانة العلمية.

ط/ الدقة العلمية.

مع كل ذاك وأكثر، لا غرابة ان تفوز بحوثه بجوائز قيمة، وتنال الاهتمام والرعاية من جهات مختلفة.

جانب من مؤلفاته في المجال البحثي:

أ‌- الإمام الحسن العسكري آخر الممهدين للغيبة .

ب‌- خرافة دولة الخلافة.

ت‌- جزئيات في السيرة النبوية.

ث‌- نظرية فارسية التشيع.

ج‌- عوالم الحكومة المهدوية، بجزئين.

ح‌- خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم.

خ‌- الحركات المهدوية المدعية.

د‌- ثائر في قرن الدماء؛ سعيد بن جبير.

ذ‌- الحسن بن علي الإمامة المنسية، بجزئين.

ر‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير.

ز‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة المثلة وحرق البشر.

س‌- رجال البصرة في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري.

 

2- أديب:

تتجلى في نصوص د. صالح الطائي الأديب القيم الإنسانية والتربوية لافتة للنظر من حيث الهيكل والبناء، وهو غني عن التعريف في هذا المجال، ومن أبرز نتاجاته الأدبية:

أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية.

ب/ مقدمات وأصول.

ج/ سعود الأسدي سيد اللغتين.

3- ناقد:

ككل أديب محترف يميل الى نقد الأعمال الأدبية، لكن نقده يتسم بالبناء والموضوعية، كأن صفة النقدية تلازم كل أديب ذو ذوق رفيع، ومن أعماله في هذا المجال:

أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية

4- شاعر:

قيل إن ( الشعر نزهة الأدباء)، لا يكاد هناك أديباً لا يكتب أو يمارس الشعر فغالباً ما يجد له متنفساً بين أبياتها بعد أن تنتابه لحظات شاعرية أو حالة من الحنين الى شيء ما يختلج في صدره، ومن أعماله في هذا الصدد:

أ‌- نوبات شعرية .

ب‌- عوالم الروح أو ملكوت الروح ( نصوص نثرية) .

بيد أن أعماله الشعرية أو النثرية يسودها الفعل المضارع، على العكس من الشعراء المتقدمين بالسن حيث يسود شعرهم الزمن الماضي، ربما لشخصيته الفريدة أو لقلبه المفعم بالشباب والحيوية.

5- كاتب:

د. صالح الطائي غني عن التعريف ككاتب، فله المئات من المقالات المنشورة في الصحف وعبر الشبكة العنكبوتية، فهو في هذا المجال كالسيل الجارف لغزارة نتاجاته وفي مختلف المواضيع .

شخصيته:

تميزت شخصية د. صالح الطائي بميزات عدة :

1- القلب الطيب: والكبير والذي يمكنه احتواء الكل ممن يتفق معه وممن يختلف معه .

2- الروح الشبابية : المفعمة بالهمة والنشاط، لا ينفك عن الكتابة ولا يكل من التفكير .

3- الإنفتاح : تميزت شخصيته بالانفتاح على الجميع، دونما استثناء، جميع الأعمار وجميع الفئات .

4- التواضع: صفة ملازمة لكل شخصية ناجحة، لا مجال للترفع الا عما يجب الترفع عنه، وهنا يضرب د. صالح لطائي اروع المعاني من خلال شخصيته المتواضعة.

5- الروح الوطنية : وشعور عال ورقيق تجاه الوطن وابناء الوطن، شعور بالانتماء (للوطن) والتواصل (مع أبنائه)، يؤذيه ما يؤذي الوطن والشعب فيصرح عما يختلج في صدره بمرارة وألم، وإن لم يتعرض هو للأذى شخصياً، ويفرحه ما يفرح الوطن وسكانه (وإن قل) فيدون ذلك بفرح وسرور، وإن لم يصبه شيء من ذلك المفرخ السار.

6- المهابة : لكل ما تقدم وأكثر، ظهرت على شخصيته المهابة في قلب من يراه يقابله، وهنا المهابة مهابة إحترام وتقدير لنبل شخصه .

يستمر الماء بإرسال أمواجه، الصغيرة والكبيرة، بعض المبدعين ممن لا يجيد العوم قد تغرقه الأمواج الصغيرة، والبعض الأخر من المبدعين لا تغرقهم إلا أمواج كبيرة وعاتية، رغم هذا وذاك يبقى هناك دوماً ودائماً مبدعين كالجبال الباسقة، لن ترقى المياه إليهم كي تطمرهم، مهما كانت الأمواج عالية، وسوف ينبثقون من بينها ويثبتون للعالم انهم أكبر منها وأشد مراساً.

 

حيدر الحدراوي

.......................

* الصورة الثانية للدكتور صالح الطائي

 

 

 

احمد بلحاج اية وارهامتحت سقيفة من الهدوء جلستُ، متأمِّلاً أعماقي في مرآة الغروب، وكأنني نَسْرٌ منهَكٌ من التَّحْوِيم في الأعالي بأجنحةِ الخيبةِ.فقد قضيتُ يومي كله متململاً، ضجِرا، متألِّماً، شاكّاً في أنفاسي وفي وجودي، متسائلاً عن غاية جلوسي هنا، وما الذي يبقيني فيه؟! هل يكون طعْمُ الوحدة مُشتَقّاً من طَعْم الوهْم؟!عاجزٌ أنا عن تَخيُّلِ كيفَ سأحتملُ حالتي هاته.

بدأتُ بالبكاء، واستَنَدَتْ روحي على روحي، خوفاً من الارتعاش المُشتعِلِ بالانفجار، وخُيِّلَ لي أن الحياة بلا حُبٍّ شَرابٌ مَسمومٌ لا حاجةَ لي به، ومع كل ما لَديَّ من مالٍ أحسَستُ بأن تقديري لذاتي قد اختفَى، وبأن الأشياء تنظرُ إليَّ بإشفاقٍ، ثم تَزْورُّ عني مُخرِجةً ألسنتَها استهزاءً، وارتَفعَ نشيجي، وأدركتُ أنه أيّاً كان عَددُ أصابعِ عقلي، فإني لن أكتب إلا بأصابع يدي نكايةً في هذا العقل القِرْدِ الذي أَوْصَلَني إلى ما أنا فيه الآن (قلتُ ذلك بصوتٍ مرتفعٍ كعمودِ دُخانٍ صاعدٍ في السماء.)

- العقل القرد؟! ما هذا أيها الرجل؟ أقَبَّلَتْكَ في شرودك لوثَةُ فاتنةٍ فاغمةٍ؟!

وانتبَهْتُ؛ على صوت الصديق الذي كان يُجالسُني في السقيفة؛ إلى نفسي، وتمتمتُ:

- إن الأمر لكذلك، ولا تجادلْنِي في الذي أَوْرَدَنِي هذا المَوردَ.

- دائماً تُغْرِبُ.

- إنما العقلُ القِردُ هو الذي يُغْرِبُ.

- وما هو هذا العقل أيها المُثْخَن بالحِكمة؟!

- إنه هو ذلك الجزء الذي لا يعرف أبدا الراحةَ في داخلنا، يَنطُّ كقرد من غُصنِ شيءٍ، إلى غُصنِ شيء آخرَ، ومِن النقيض إلى النقيض، لا يكُفُّ عن الثرثرة، ولا يَرضَى بأمرٍ ولا عنه، هو دائما خائفٌ ومترقبٌ ومتلهفٌ، من طبيعتِه إفسادُ ما يقَع تحت يديه، وإطلاقُ الأحكام من غير تَروٍّ، لا يُعجبُه شيءٌ ولو كان أجملَ من الجمال، فهو نهرٌ من النقد والرفض جارفٌ، يقتنع بنفسه، لا بسواه، ويرى أن الحق معه أينما تحرَّك وقفز.ألا تر ى أن الحياة تحت ظل كائن كهذا تصير أصغر وأضيقَ وأبأس؟!.

- معك كل الحق، واعذرني إن تركتُ صحبةَ مَنْ عقلُه كهذا العقل، ثم سلَّم ونهضَ مُردِّداً:

(إِذا جُهِل السؤالُ، فإنَّ فيما

تَراهُ إِجابةً عِلْمُ السؤالِ

رأيتُ عَمىً تَكَوَّن من عماءٍ

وأين هُدى البيان من الضَّلالِ

إذا عاينْتُ ذَا سَير حثيثٍ

فذاك السيرُ في طلب النوالِ

ألَا إنّ الكمال لمن تَرَدَّى

بأرديةِ الجلال مع الجمالِ

فيَفهمُ ما يَكُون بغير قولٍ

ويَعجَزُ فهمُه عند المقالِ

لو أن الأمرَ تضبطُه عقولٌ

لأصبَح في إِسارٍ غَيرِ والِ

وقَيَّده اللبيبُ وقَيَّدتْهُ

صروفُ الحادثات مع الليالي

فإن الأمر تقيِيدٌ بوجهٍ

وإطلاقٌ بوجهٍ باعتلال)*

فخمَّنْتُ أن الوسوسةَ بدأتْ تأكله، وأنه لن يتذَّوَّق فاكهة النوم، فالكثيرون منا ينامون عندما يتعبون، والكثيرون ينامون لينسَوْا عالمَهم المؤلمَ، أو ليذُوبوا في أحلامٍ لا أرجلَ لها.ولكنَّ مَنْ نفَشَ فيه ماعزُ الوسوسة لن يغتسل بالنوم قطُّ.

وكلما نمْنا بعُمقٍ أكثر زادت قُدرتُنا، ليس على معرفةِ ما نُريده فحسب، بل وعلى السعي إليه بإرادةٍ أقوى، وشكلٍ أوضح، دون أن نَتَسَوَّلَه من أحدٍ، فالحياة ليستْ منحةً إلا من الخالق، وعلينا أن نُدرك أننا لسنا متسَوِّلين فيها تحت أي ظرف.وإذا كنا نمضي عبْر سنواتِ وجودِنا على هذه الأرض إلى الأحبَّة والأصدقاء والأقرباء، فليس معنى ذلك أننا نشْحذ منهم شيئاً، حتى عندما يُصيبنا القلقُ والضيقُ، وإنما غايتُنا أن نتأكد أنهم أسوياءُ، وأنهم غيرُ مَرضَى، وأن أسلوبهم في الحياة هو الذي يُثْبتُ ذلك، فالتصرف بأساليبَ مريضةٍ هو الذي يُصَيِّرنا مَرْضَى..مَرْضَى الجشعِ الذي يُسيِّرنا بالعقلِ القِرْدِ، فنخضعُ له وهو مُمْعِنٌ في ثَقْبِ أرواحنا دون هوادة، الأمرُ الذي نُصْبِح معه من دون الشعور بالأمان والرضا، وساقطين في هُوة اليأسِ، بعد تحقيقِ ما دَفَعَنا إليه من أهدافٍ، ومُستَحمِّين في فراغٍ عميقٍ قارسٍ كبُحيرةِ العدمِ.وبقَدْرِ ما يَقلُّ رضانا يَزيدُ يَأسُنا.

خرجتُ من السقيفة، فألفيتُ صاحبي رابضاً بالقرب منها، رمَقَني بحِدةٍ، ووضعَ كفَّه على كَتفِي، فشعرتُ بدِفْءِ المحبَّة يسري في جسدي، وقلتُ له:

ـ تعالَ نتعاونْ على فَكِّ ذاتَيْنا من أَسْرِ هذا العقل القرد، فنحن معتقلان لديه، حتى ولو تظاهرْنا بغير ذلك، فكُلُّ شخصٍ فيه عقلٌ قردٌ، وإن لم نعمل على إخراج هذا الطاغية من رؤوسنا سنكون كمن (يبكي من العطش وهو في وسَط الماء).

ـ انشغلنا عنه بالتحدُّث عن عالَمِ الشكل، وعالَمِ الفراغِ، وعالم البَشَر، ونَسِينا مفاعيلَه المستترةَ فينا، والمتلاعبةَ بنا.ولم ننتبهْ إلى أن كل الأشياء تنتهي إلى فَراغٍ، وأن كل فراغٍ يَتَحوَّل إلى شكلٍ، وبينهما نسعى ظانِّين أننا سنَقْتَرِن بالسعادة، وما هي إلا معاناةٌ تَتَشَمَّسُ في دواخلنا.

ـ حقا، لقد رَكِبَنَا وَهْمُ امتلاكِ العقل، فتُهنا في غابةِ الأشياء.

عانقتُ صاحبي كأني لن أُعانقه مرة أخرى، وكأننا لن ننظر إلى ما وراء الحياة، حيث لا يمكن أن نخسر أي شيء.وعندما نفهم هذا، ونُوقِف التعلقَ بذواتنا يختفي العقلُ القِردُ، وتَبدَأُ المُعاناةُ في الانحسار.

انظرْ إلى الربحِ والخسارةِ بعينيِ العَدَمِ، لا بعينيِ الوجودِ، واعْتَبرْهُما لا مِنْ ذاتك، وتخَلَّ عنهما إلى الأبد، تَكُنْ في الكون أسعد.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

 

محمد الدعميأما لغتنا الحبيبة (العربية) فهي الأخرى قد تعرضت لمختلف أشكال التغير وقوى التعرية والاندثار، إذ ماتت العديد من لهجاتها القديمة على نحو متتالٍ عبر الدهور والقرون المتتالية، ولم يبق من هذه اللهجات سوى ما يسمى بــ”لغة قريش”، شكرا للرسول الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) وللقرآن الكريم اللذين حفظا اللغة العربية لنا عبر الأجيال وتتالي الأزمان، لتنتهي إلينا كما نعرفها ونتعلمها وندرسها ونستعملها اليوم. علما أن فضل الإسلام في الحفاظ على “لغة أهل الجنة”ـ لم يكن محدودا بالعرب من متكلمي “لغة الضاد”، لغةً أُمًّا، ذلك أن فضله كان عابرا للحدود القومية والإثنية، بل وحتى الثقافية المحلية لتصبح العربية واحدة من أكثر اللغات انتشارا وتداولا عبر العالم، مستذكرا مقالتي المهمة لـ(الوطن): “تعلم العربية ولو في واشنطن”.

ومع ما مر ذكره حول “لغة العرب” وقصتها، فإن على المرء أن يلاحظ أن اللغة العربية قد بقيت هدفا لأعداء العرب، بوصفها العمود الفقري للوحدة القومية، ولتماسك ثقافة هؤلاء الذين يستعملونها من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، منذ العصر الوسيط، أي مع ظهور وتبلور “الحركة الشعوبية”، مذاك حتى عصرنا الجاري هذا، إذ تتعرض هذه اللغة العالمية، والمعتمدة في أروقة الأمم المتحدة وفي سواها من المنظمات الدولية والمنتديات العالمية، إلى أشكال عدة من الهجمات الخطيرة التي حاولت النيل منها ومن التمسك بها كلغة عالمية، وأهم هذه الهجمات والمؤامرات:

(1) مؤامرة تغليب العاميات والدارجات على الفصحى: وهي مؤامرة تتجسد في الدعوة إلى الكتابة والتكلم بالعاميات كالعراقية (البغدادية) أو المصرية أو اللبنانية، مدعية تيسير التفاهم بواسطة العربية للأجيال الناشئة، باعتبار أن الفصحى لم تعد عملية ولم تعد قادرة على مواكبة حاجات الأجيال الشابة الصاعدة الجديدة. زد على ذلك اعتمادها الهجمات المتكررة ضد اللغة العربية الموصوفة بــ”الوسطى”، أو “الأكثر انتشارا” بمعنى اللغة العربية الشائعة المعتمدة في نشرات الأنباء وعبر الأثير في البيانات العامة، باعتبار الفصحى القديمة صعبة الفهم من قبل عامة الجمهور المتلقي؛ (2) تشطير وتقسيم اللغة العربية أفقيا (أي على أساس جغرافي وإقليمي) بمعنى اعتماد اللهجات المحلية الدارجة بدائل للفصحى، خصوصا بقدر تعلق الأمر بشرذمة اللغة العربية عبر الأقاليم التي عانت من الاستعمار الاستيطاني، مثل الجزائر ودول المغرب الشقيقة الأخرى. ناهيك عن مؤامرات تغليب اللهجات المستعملة بين قبائل البربر عبر شمال إفريقيا، كما هي عليه الحال مع “الأمازيغية”، بوصفها جزءا من نزعة وطنية مقاومة “للتعريب”! (3) مؤامرة صد ومقاومة كل جهد من شأنه توحيد العربية تحت بيرق الفصحى، من نوع رفض أو إهمال قرارات الهيئات والمنظمات القومية الخاصة بترسيخ وإشاعة التداول بالفصحى، كقرارات المجالس اللغوية المعتمدة قوميا، مثل مجلس اللغة العربية (القاهرة) والمجمع العلمي العراقي (بغداد) وما شابه أو طابق في كل من الشقيقة سوريا وسواها من بلدان عالمنا العربي الكبير، خصوصا عبر دول المغرب العربي الشقيق (4) مؤامرة الدعوة إلى نبذ اللغة العربية بوصفها لغة “محلية”، لا تقوى على منافسة اللغات العالمية (كالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية). بل، وعد التخاطب بالعربية شكلا من أشكال “التخلف” وضعف المعرفة أو الفشل في مواكبة العصر. (5) مؤامرة مقاومة تعريب المناهج والمقررات الجامعية، بدعوى أنها لا تساعد الدارس في الجامعة على التقدم نحو الدراسات العليا عن طريق المزيد من المعارف المتخصصة المنشورة باللغات الأوروبية! (6) مؤامرة إيجاد وإشاعة “لغة عالمية” جديدة لتحل محل جميع لغات العالم، ومنها لغتنا العربية. (7) مؤامرة فرض التفريق بين النشء والشبيبة العربية، من جهة، وبين النصوص العربية الجاهلية ونصوص صدر الإسلام، باعتبارها نصوصا غير مفهومة من قبل الشبيبة والنشء، وأنها بحاجة لأن “تترجم” إلى لغة عربية ميسرة قابلة للفهم وللاستيعاب من قبل الأجيال الجديدة!

 

أ.د. محمد الدعمي

 

رشيدة الركيككلما سمعت صباحا صياح  الديك علمت أن الحياة مستمرة، وأنه يوم جديد يحمل في طياته أحداث جديدة قد تضمد جراح بعضنا، مثلما قد تحمل أحداثا مؤلمة للبعض الآخر.

ذلك حالنا مع الحياة وكأن الألم سنة من سننها، ولكن سيظل كل يوم جديد تشع نوره

وتسطع شمسه مبهجة ببريقها، مرسلة طاقتها الدافئة كلما اشتد برد قارص وقاهر لقدرات الإنسان على التحمل.

سيطل كل يوم جميل بشتى صوره المعبرة أمام عيوننا، وبأصوات الطبيعة وزقزقة العصافير معلنة بداية جديدة لحياة منتظرة، وإن عشنا ظلاما قيل عنه حالك، إلا أنه سمح لضوء القمر وشكله الجميل بالظهور، فسمح لضوء النجوم بالبريق  ليجعل من الظلام بريقا ملفتا للنظر معبرا عن جماله.

علمتنا الحياة في كل يوم أن الألم من دواعي العيش، وأنه مطلب أساسي لتذوق طعم السعادة وتميزها عن غيرها. هكذا فقد يجعلنا ألم الفراق أن نتغزل في جمال مفتقد، وقد يجعلنا الصمت المخيف مصدرا لهدوء نحتاجه بعد ضجيج كنا نعتقد أنه الحياة.

كلما خرجنا للشوارع بدت لنا مهجورة من سكانها، ووجدنا السكينة سكنتها، اليوم حياتنا على الأرض فرض ملامحها فيروسا مجهريا، أدخل الناس مساكنهم وأطعمهم من خيراتهم وكدهم، فارضا ثقافة جديدة في الأكل والعلاقات الإنسانية بل حتى في التعليم، و كأنه نسق جديد ومتكامل للحياة.

قد يتألم البعض ويشتكي من حاله، وقد يهدأ البعض الآخر من هول التغيير، وقد تحمل فئة شعارات منشغلة عن ما يقع أو منشغلة به، بينما تنشط كلمات معبرة ويسيل مداد أقلام المفكرين والمثقفين بسخاء في تحليل وقراءة ما يقع، كل من منظوره وحسب تكوينه الخاص.

 ومع ذلك كل واحد يرى في زمن كورونا ما يراه، هو بالنسبة للبعض لعنة أصابت البشرية وحيرت العلماء وأظهرت قلة حيلتهم بعد قرون من الغرور والجري وراء التراكمات العلمية.

نعم قطعنا أشواطا بخطوات طوال عراض وبسرعة مهولة، أردنا تخطي قوانين الزمن بابتكار آلة السفر عبر الزمن للرجوع إلى الوراء أو حتى في اتجاه المستقبل.

صار كل شيء ممكنا فغيرنا حتى من شكلنا بحجة التجميل والبحث عن الكمال ونحث الأطباء في ملامحنا بحجة البحث عن الجمال  وكأننا نعرف معناه ، أو حتى له صورة واحد متفق عليه بين الشعوب والأفراد، إلى أن اختلطت علينا بعض الأشكال من تشابهها.

لقد ادعى الإنسان التنبؤ بالكثير من الظواهر وفق مبدأ السببية بدعوة حماية الأرض،

إلى أن اغتر بحياة كثيرة البريق تسير بمنطق التقدم الخطي في اتجاه التطور، لكن وبشكل مفاجئ تقف حركة الحياة على الأرض خوفا من نهايتها على يد فيروس مجهري قيل عنه ذكي، وقيل عنه ضعيف، وقيل عنه قاتل ولا أحد يعرف حقيقته...

وإن كنا نعيش الألم ونتعايش معه في شتى مناحي الحياة، إلا أنه لم يكن يوما ألمنا واحدا ومصيرنا مشتركا. اعتقد كل واحد منا  أن مشاكله أكبر وأن معضلته ليس لها حلا، وأنه لا يملك سوى التحسر على أحلام تبخرت أو حتى صارت سرابا.

ولأول مرة في التاريخ يشتكي البشر من نفس المصير والمآل، ولأول مرة في التاريخ نصطدم بتنبؤ العالم والجاهل بشكل غريب ويلتقي العلم بغيره، فقيل سيظل يراودنا شبح هذا الفيروس، وقيل سنقهره كما قهرنا غيره وسنعود أسيادا على الطبيعة من جديد...

وفي جميع الحالات تغيرت ملامح الحياة، لم تعد عادية كما كنا نردد كل يوم، فأصبح ذاك العادي ما نأمل تحقيقه لما له من نعم، وأصبح للألم رسالة وهو تذوق طعم الجمال.

وبين هذا الحال وذاك ستبتسم الحياة كلما نظرنا للسماء وجدناها على عادتها، وما علينا نحن إلا أن نضحك في وجهها كلما مدتنا بطاقتها ونورها، لعلنا استطعنا المقاومة والتحمل ، وتعلمنا  في كل مرة أنه لولا الألم لما رفعنا أعيننا للأعلى لندرك أن للكون رب يدبره.

 

بقلم رشيدة الركيك