علي المرهجفي بابل كانت أشجار النخيل لكثرة مواردها من أكبر ثروات البلاد، هكذا يذكر (غوساف لوبون) في كتابه (حضارة بابل وآشور)..

لقد قاومت بابل بحضارتها وإنسانها قوة الصحراء الهادمة. حركة التجارة فيها مما يُلفت الأنظار حين التبصر في تاريخ هذه الأقوام، لقد كانت بابل من الوجهة الجغرافية مركزاً وسطاً تتجه إليه العيون، حتى صارت في نظر القدماء مهد الجنس البشري، فهُناك (في بابل) تبلبلت الألسن.

يُقال أنها مدينة في أمة، وقيل أنها شيدتها (سمير أميس)، رغم أن وجود بابل يسبق وجود (سمير أميس) بنت الحضارة الآشورية، وقيل أنها من بابل وتزوجت ملك (نينوى) (شمسو حُدد الخامس في القرن التاسع قبل الميلاد، ولا أخوض في هذا المعترك في التدوين التاريخي فله رجاله، ولكن ربط بابل بسمير أميس عندي هو ربط جمال بجمال، لأن (سمير أميس) هي الملهمة للجمال، وبابل حضاة الجمال لا يليق بها مليكة سوى جميلة فائقة الجمال مثل (سمير أميس)، وقد ذكرت المصادر أنها هي التي بنت مدينة (آشور).

لقد ظلَت بابل سيدة آسيا ـ كما يقول لوبون.

مع (نبو خذ نصر) بلغت بابل أوجها في الجمال والعمران، "حتى أصبحت أعجوبة العالم القديم".

كان "ضياء العلم وبهجة الرخاء كانا دعامة مجد بابل"، وقد بقيَ "من الأدلة على عظمة بابل...أنها لا يزال إللى اليوم مُرادفاً لألفاظ الزينة، والأنس، والسرور، والشهوات"، فلن توجد لها مدينة لها مثل هذه الشهرة الشائعة الرائعة الفتاَنة...حتى صح فيها الوصف "بابل كأس ذهب بيد الربَ، تُسكر كل الأرض، ومن خمرها شعوب الأرض تشربُ".

1009 bablalami

بفضل بابل وحضارتها ازدهرت حضارات أمم مجاورة لها، ومنها الحضارة (العيلامية) في بلاد فارس...

لقد كانت الحضارة الفارسية ربيبة الحضارة البابلية، فكانت اللغة الأكدية هي لغة التخاطب الرسمي عندهم والمقبولة في المراسلات الدولية دبلوماسياً كما يقول ـ ليو أبونهايم ـ في كتابه (بلاد ما بين النهرين، ص85).

في بابل كُتبت أوَل شريعة يحترم أهلها القانون ويعملون وفق مبدأي الحقوق والواجبات، فلكل فرد حقوق وعليه واجبات بما فيهم الملك (حمورابي) الذي وصفه (جورج رو الطبيب والآثاري) في كتابه (العراق القديم) بـ "رجل السياسة" (طبعة بغداد، دار الرشيد، ص268).

1009 1bablalami

وضع حمورابي شريعة لتسيير أمور دولته، وهي دستورها و(مشروطتها) في وقتها وأوانها، إن لم تكن مُتقدمة على الزمان!، فقال عنها أصحاب كتاب (العراق القديم) من المؤلفين الروس بترجمة د.سليم طه التكريتي "أنها قوانين قد حمت المواطنين الذين أصبحوا أرقاء بسبب الدين من المُعاملة السيئة التي كانوا يتعرضون لها يد قسم من أسيادهم. (طبعة بغداد، ص80)، لذا قام حمورابي بتشريع مجموعة من القوانين الادارية والاجتماعية والدينية بقصد تثبيت مركزية الحكومة والدولة (جورج رو: ص273) الغرض منها احقاق الحق وانصاف المظلومين.

بابل مدينة الجمال والحضارة، مدينة الآلهة، مدينة المدنية، يصنع أهلها تاريخ أمم لاحقة لهم.

 

ا. د. علي المرهج

 

عمار حميدبعد الاعتراف الدولي بمدينة بابل جزءا من التراث البشري وادخالها الى قائمة اليونسكو الخاصة بهذا التراث ضمن جلسة لجنة التراث العالمي التي عقدت في العاصم الاذربيجانية باكو تنتظر المدينة الاثرية تحديات كبيرة فالآن يقع على الحكومة العراقية التزاما تجاه المطالب التي فرضتها منظمة اليونسكو من اجل الاستمرار بذلك الاعتراف من خلال ازالة التجاوزات التي وضعت داخل بابل ومن ابرزها القصر الذي تم بناءه من قبل النظام السابق فوق احد التلول الأثرية التي لم يتم الكشف عنها والمنتجع السياحي في المدينة وأنبوب نفطي يمر داخل خرائب المدينة الاثرية وبالمقابل ستدخل بابل في برنامج يتضمن مساعدات مالية ضمن شروط معينة.

عانت هذه المدينة بعد خرابها وتحولها الى اطلال الى مرحلة ثانية من الخراب من خلال عمليات التنقيب غير المنظم من قبل لصوص الاثار على مر الزمن وتحولها الى مقلع للطابوق الذي استخدم في بناء بيوت الحلة واجزاء من سدة الهندية , لكن الخراب الكبير اتي على يد من دمر العراق بشكل كامل وذلك من خلال محو اساسات المدينة الاصلية والبناء فوقها ووضع اسمه في قطع الطابوق المستخدم في البناء ثم تحولها بعد الاحتلال الى قاعدة عسكرية استقرت فيها القوات الامريكية لسنوات طوال.

1009 1bablalami

هذا الاعتراف يعود بمدينة بابل الى العالمية وعنوانا يجمع العراقيين بمختلف هوياتهم الفرعية وايقاظ الحس الوطني بداخلهم كما انه سيولّد شعورا بأهمية الاثار العراقية والحفاظ عليها وزيارتها والتعرف على معالم هوية بلاد الرافدين وحضاراته المتعددة والغنية من خلال الاكتشافات الاثرية ففي هذه السنة وحدها تم العثور على مواقع اثرية مهمة وجديدة  والذي كان اخرها ما كُشفته احد البعثات الألمانية في بحيرة سد الموصل من قصر كبير يعود الى مملكة ميتاني احد اكثر الامبراطوريات غموضا في الشرق الاوسط وكذلك ماكشف من اثار آشورية عثر عليها بالصدفة قرب احد معامل البلوك في منطقة فايدة على طريق الموصل بالاضافة الى ماعثرت عليه البعثة الفرنسية في مدينة لارسا جنوب العراق من معبد كبير وصومعة للغالال يعود تاريخها الى الألف السابع للميلاد.

وعودا الى بابل والفوز الذي احرزته بعودتها الى الصدارة العالمية سيكون امام العراق حتى العام القادم حسب اشتراط اللجنة المقررة للحفاظ على هذا المنجز وفي ظل الفساد والروتين والبيروقراطية المقيتة سيكون هذا التحدي كبيرا لها.

 

عمار حميد مهدي

 

 

1010 مواعيد النوارسالقصيدة لديها بوح ورسم وانسياب بين الحلم والأمل والحنين..

تمضي القصائد لا تلوي على غير القول بالشجن والدواخل تنحت هبوبها مثل ريح ناعمة..حيث البوح مجال قول وتذكر وتقصد وذهاب للآفاق في هدأة من هذا التداعي الكوني المريب..

من هنا نلج عوالم القصائد في دنيا شاعرة تنحت حلمها الملون بالكلمات تتقصد مواعيد تجاه النوارس..في ضروب من رومانسية الحال .

الشاعرة راضية بصيلة تأخذنا الى حيز من مجالها الشعر ضمن عنوان جديد هو " مواعيد النوارس "  الذي جاء في 86 صفحة من القطع المتوسط والصادر عن مطبعة النصر بالقيروان ضم 28 قصيدة ...

من مناخات الديوان تقول الشاعرة راضية بصيلة

" تتسلل نسائمك

و تأسرني ...

حتى أشواقي

التي وأدتها

انصهرت

حين تعثرت لغتي

بين شفتيك

ما عدت أعرفني..."

القصيدة لديها بوح ورسم وانسياب بين الحلم والأمل والحنين كل ذلك في حيز من الاحساس بالغربة حيث الحلم النبيل في أكوان موحشة وعوالم من الخيبات لكنها تظل الشاعرة حاضنة القول بالحكاية المقيمة بين سحر الكلام وعنفوان الحلم والدهشة..

تقول الشاعرة في هذا السياق

" الجامع امنياتي معه

أطرز فيه الاماني

وارتق حلمنا

بانتظاري

وارقبني من هناك حتى انام .."

 "مواعيد النوارس"   مجال شعري وفسحة لرومانسية بوجه السقوط والتداعيات حيث القصائد ومنها "عبور" و" على مشارف الطريق"  و"عودة الفينيق"   و"سفر في الوريد» " و"ساعة الغروب " و "شهقة فرح»" و"قطرة للحياة "... قصائد الأمل المفعم بالحلم ..قصائد الوجد تجاه الانكسار والخوف والقلق ..

كتبنا كم

غنينا كم

رفقة كانوا هنا

وتواروا

ولم تبق

غير صور معلقة

على جدار الذاكرة

مواعيد النوارس للشاعرة راضية بصيلة سفر آخر حيث الكتابة ملاذ وحلم وبحث عن المعاني تنحت وجدانياتها في مساحة محفوفة باللامعنى والسقوط حيث يبقى الشعر وجهة باذخة للنشيد والغناء الخافت..

 

شمس الدين العوني

 

نستنتج من اسم هذا الجنس الأدبي أنه أدب متخيل ليس واقعياً، وأنه متصل بالعلم والاكتشافات والتكنولوجيا. نشأ هذا الجنس الأدبي في الغرب، وبرز ظهوره مع قيام الثورة الصناعية، وتزاحم ظهور المكتشفات العلمية في البلاد الغربية. العديد من الأسماء الأدبية اللامعة أدلت بدلوها في هذا الفن الجميل، ولعل جول فيرن وهربرت جورج ويلز هما من يأتيان في الصدارة.

بإمكان الباحث أن يدرك بوضوح، مدى ندرة وضحالة هذا الجنس الأدبي عربياً، فنصوص الخيال العلمي لا تظهر في أدبنا العربي، إلا على استحياء، وبشكل محدود. وهذا منشأه يعود إلى عقليتنا العربية وطريقة تفكيرنا، فتفكيرنا نحن العرب يتنافر مع منهجية أدب الخيال العلمي.

فكر الخيال العلمي مرتبط في حد ذاته بالمستقبل، واستشراف المستقبل، ومعروف عنا نحن العرب أننا لا نحسن النظر إلى المستقبل، فنحن بارعون في الماضوية والسلفية والالتفات الدائم للوراء.

شيء طبيعي أن يتأخر هذا الفن عند العرب، وأن يتقدم في الجهة المقابلة عند الغرب. فالعقل الغربي منشغل بقضايا المستقبل، يخطط للعقود والقرون القادمة، بينما العقل العربي منشغل بقضايا الماضي، ليملأ بها فراغ الحاضر وعجزه عن رؤية المستقبل. هم منشغلون في بحوث غزو الفضاء والثقوب السوداء والسفر عبر الزمن وتطوير الروبوتات والنانوتكنولوجي، فيما نحن منهمكون بالبكاء على أمجاد كانت لنا في الأندلس، نتجادل ونقتتل حول ما جرى في معركة الجمل وسقيفة بني ساعدة.

إذا ما أراد الأدباء العرب أن ينهضوا بأدب الخيال العلمي، فهذا يتطلب منهم أن يتحرروا من قوالب التفكير الجامدة، وأن يتملصوا من الطريقة الكلاسيكية التي يكتبون بها الأدب. فكتابة نص الخيال العلمي تحتاج إلى قدر كبير من المجازفة والانطلاق، لأنها محاولة جادة لارتياد المستقبل وخوض غمار المجهول، بكل ما في ذلك من مغامرة وخروج عن المألوف.

 

محمد جهاد إسماعيل - كاتب من فلسطين

 

1002 محمد بكريةأهدانا الصديق الشاعر الإعلامي، ابن عرابة البطوف المقيم في زهرة المدائن، محمد بكرية مشكورًا، مجموعته الشعرية الجديدة "لا تسافر أيّها الحلم" الصادرة عن دار "يافا العلمية" للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان، وهي المجموعة الرابعة التي يصدرها بعد "على المقعد المهترئ"، و"روح محمولة على الريح" و"على صراط من الوهم" .

جاءت المجموعة في 100 صفحة من الحجم المتوسط، وتتضمن اضمامة من قصائده الجزلة المتينة وعميقة المعاني والأبعاد، التي تحمل الطابع الإنساني والسياسي والتاريخي، وراجعتها لغويًا عقيلته الاذاعية سماح حسنين بكرية، وأهداها إلى " والدتي التي مشّطت بيدٍ وجه الارض وحلبت الغيمَ بيدها الثانية حتى تفتّق زرعُها .. زوجتي الغالية سماح .. شقيقتي الكبرى نوال "أم ماجد "، أمّنا، ضوء الفجر إنْ عبست الأيام ُ واسودّتْ سماؤها .. صديقّاي الصغيران، غسان وإبراهيم ياسين بكرية، علّ الأيامَ تبشّرُ بمستقبل أكثر بهاءً وأمنا من الحاضر " .

وكتبت الاديبة د. راوية جرجورة بربارة مقدمة شمولية غاصت وابحرت ونفذت إلى عمق قصيدة محمد بكرية المدجج بالثقافة التراثية والتاريخ والجغرافيا، وتغني كلمتها عن القراءات النقدية والاستعراضية، ولا تترك أي شيء للناقد قوله، ومما قالته : " كل قصيدة حملت صليبها وسارت درب الآلام لتصلب الحقيقة امامَنا هناك على الجلجلة . تصلبَ أمامنا  آهات حلب، وتمسح دمع الشام، وتقلب مفاهيم النبوّة في زمنٍ قدْ اختمَرَتْ فيه الأرض من دمٍ الأطفالِ، واصبحت بدايات قابيل وهابيل أحداث ايّامنا الحاضرة، في زمنٍ يقتل فيه الأخ أخاه، وتقتل فيه الكلمات وجه الصفحات وتخدش حياة صمتِنا " .

والقصيدة لدى الشاعر محمد بكرية هي بوح ورسم وانسياب وتعبير عن الواقع والحلم والأمل والحنين إلى الماضي والتداعي الكوني، فينحت حلمه المُلَوّن بالكلمات، راسمًا صورة للواقع والعلاقات البشرية في عالم موحش، رابطًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، كل ذلك بروح إنسانية خالصة، ونفس درويشي، واتكاء على التاريخ، حاضنًا القول بالتناص والأسطورة والجغرافيا والدين وسفر التكوين، بين سحر ودهشة الكلمة وعنفوان الحلم وجزالة التعبير، وصدق المعاني .

وتحفل قصائد الديوان بالأبعاد التاريخية والدلالات العميقة الموحية، ومن يبغي قراءتها واستيعابها وفهم مبتغاها ومعانيها ورؤاها، فعليه ان يكون مسلحًا بثقافة تراثية دينية، ملمًا بالتاريخ والجغرافيا والأديان، فهو يوظف الكثير من الأسماء والأحداث والامكنة التاريخية والرموز الدينية والأسطورية والشخصيات الفكرية والفلسفية، وحسنًا فعل محمد حين خصص هوامش في نهايات قصائده للتعريف بهذه الشخوص والرموز والاحداث والمعارك التاريخية .

وقصائد محمد بكرية تزخر بالحياة والحيوية، يسجلّ فيها عالمًا كاملًا معبأ بالمآسي والحروب والعنف والأسى والغضب، ويرسم بألسنة النار المتأججة في اعصابه وتهاويل الحلم الجاحظ  في عينيه، الخط البياني الذي يصل ما بين الحرب والسلام، بين الكراهية والمحبة، بأسلوب ناضج يعتمد الصورة والإيحاء والرمز والرؤية والرؤيا، والغوص في أعماق النفسية العربية من خلال تداخل رائع بين الماضي والحاضر، يمدَّ قصيدته بالحياة والحركة والدينامية والتوهج، ويوحي لنا أننا لم نكن وانتهينا، بل كنا ونكون .

ويتميز محمد بكرية عن غيره من الشعراء بأنه يتجدد بشكل دائم، مستفيدًا من قراءاته وتجاربه، فهو يغير أساليبه وأدواته، مع المحافظة على مواضيعه ومضامينه وأشكاله التعبيرية الفنية الجمالية، ويقوم الايقاع الداخلي في قصيدته مقام النغم الصاخب الذي لا يعرف السكون إلا لحظة التحول لانغام جديدة، أكثر غنى، واكثر تعبيرًا، ينظمها عقد مفردات وكلمات تحمل اللون والضوء والشحنات العاطفية الانفعالية بالحدث، والحيوية، التي تشكل بمجملها عناصر الميلاد الذي يفتح أمامه حقلًا معرفيًا واسعًا من التطور والحركة الدائمة .

ونلمس في ثنايا قصائد المجموعة شظايا مرارات الواقع إلى حد الرؤية القاتمة، فهو حزين حتى درجة الموت، روحه تتوجع وتتألم، ونفسه تئن، ويوظف ويسخر أفكار حادثة صلب السيد المسيح،  الذي اكتأبت نفسه أيضًا حتى الموت، ومصدر الاكتئاب القديم والحديث واحد .

محمد بكرية هو شاعر الدهشة والتمرد والصخب، وشاعر الانسانية والمعنى بما يخفيه من رموز واشارات، ويستنبطه من تأويلات في أزقة القهر والوجع اليومي والتردي، عرف كيف يستفيد من التراث الذي تمثله واستوعبه واعتمده كمسوغ يدعم رأيه وموقفه وبنية قصيدته، التي نشأت وولدت في بؤرة التوتر واللهب والغليان والاحترابات الداخلية والصراعات الطائفية والمذهبية والعشائرية والعائلية .

ومن مناخات الديوان قصيدة عن حلب الشهباء، التي استوحاها مما جرى في هذه المدينة السورية من إراقة دماء وتهجير وتغريب وخراب ودمار في البنى التحتية، واكتوت بلهيب الحرب المجنونة الطويلة بين قوات النظام السوري وبين قوى المؤامرة والارهاب والظلام الداعشية بكل مسمياتها، فلنسمعه يقول بكل وجع ومرارة :

آهٍ، آهٍ، يا حَلَب

دمعُ العَينِ قد نَضَب

شُدّي أزرَكِ وارفعي عنكِ هذا الوَصَب

فجَري الارضَ والسما نارًا وغضبَ

آه يا حَلَب،

أيستكينُ حَبْلُ الوتينِ وعلى فَرْجكِ يلهو هذا المُغْتَصِب؟

آه يا أطفالَ حلَب،

كونوا طيورَ الأبابيلٍ

ترميهم بحجارةٍ من لَهب

ويمكننا أن نقرر في النهاية أن محمد بكرية في مجموعته الشعرية "لا تسافر أيّها الحلم" نجح في تقديم صورة للأبعاد الإنسانية للمأساة الكونية الحقيقية، وأصاب نجاحًا لا بأس به يعد ويبشر بنجاحات أخرى فيما لو تابع وواصل الكتابة في هذا المضمار . فله التحية وخالص الود، وتمنياتي له المزيد من العطاء والتألق والاصدارات الأخرى، وإلى أمام .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

محمد صالح الجبوريبدأت فكرة تأسيس إذاعة بغداد منذ الثلاثينات في عهد الملك غازي رحمه الله، اما تاريخ التأسيس الرسمي يعود إلى 1/7/1936، وكانت أول إذاعة عربية، وساهمت في نشر الثقافة والآداب والعلوم، وبث الوعي الوطني والقومي بين الأهالي، وبث برامج سياسية وإجتماعية وصحية، وتابع المستمعون العرب الإذاعة من مختلف أرجاء المعمورة، ونقلت أخبار الحرب العالمية الثانية، والأحداث التي حصلت في تلك الفترة، وكان شراء المذياع أمرا صعبا، لغلاء سعره، وكان الأهالي يتابعون البرامج من خلال المقاهي، فكان المذياع يوضع في المقهى يبث البرامج المنوعة، المقهى كانت مكانا ثقافيا يتواجد فيه الناس على مختلف مشاربهم، ويشهد حراكا سياسيا، وتُعرض فيه اراء الأحزاب المؤيدة والمعارضة للسلطة، والرأي والرأي الآخر، وعمل في الإذاعة من ابرز المذيعين، وأصحاب الخبرة في الإعلام، كانت إذاعة بغداد لها سمعتها و شخصيتها، ومهنيتها، في ذلك الزمان كان الدور للمذياع قبل ظهور التلفاز، ووسائل الإعلام الأخرى، وعند حدوث انقلابات عسكرية إو ثورات يتم السيطرة على الأذاعة، التي من خلالها تبث البيانات، الرحمة للراحلين الذين عملوا في الاذاعة والشفاء للمرضى أن شاء الله، تحية إلى إذاعة بغداد في عيدها وللعاملين فيها، وساهمت في اعداد وتقديم برامج الإذاعة نخب مثقفة لها الخبرة والثقافة، وتبقى اذاعة بغداد محبوبة إلى الجميع. وعيدك مبارك لإذاعة بغداد.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

سوف عبيدالصديق الشاعر والأديب محمد الصغير عرفته منذ أكثر من ثلاثين عاما فهو من الأعضاء القدامى في اتحاد الكتاب التونسيين وهو من الشعراء الذين يكتبون وينشرون بعيدا عن صخب الساحات وأضواء الإعلام وفي رصيده عديد المجموعات الشعرية منها خاصة

 ـ في طريق الورد ـ أمواج ـ للبحر أنغامه ـ من الأعماق ـ مرافئ لا تنام ـ مسار يتجدد

والسّمة الواضحة في قصائد محمد الصغير نلاحظ فيها بكل وضوح كثافة الوجدان المرهف فأغلب مواضيعه صادرة عن عواطف شفافة مفعمة بالتعبير عن الجمال في شتى مظاهره وصادرة عن حب الموطن في عديد مجالاته وبأسلوب ذي لغة عربية تنزع إلى الصفاء لكنها سلسة العبارة موحية الصورة ولا عجب في ذلك فالشاعر متخرج من التعليم الزيتوني الأصيل وقد زاول التدريس والتفقد على مدى سنوات طويلة فكل إناء بما فيه يرشح

ـ 2 ـ

ولأن الأدب لا يعترف بمقولة الأعمار وإنما لا تزيده السنوات إلا خبرة ودربة فقد أصدر الصديق محمد الصغير كتابا جديدا بعنوان - نقوش في الذاكرة - هو مجموعة نصوص يتحدث فيها عن مسيرته الشخصية والأدبية والتربوية فكأن تلك النصوص حلقات متصلة لفلم تاريخي يؤرخ حياة شاعر من خلال تصويره لبيئه الأولى في قرية من جزيرة قرقنة التونسية فيستحضر شخصيات أسرته التي كانت تصارع الطبيعة برا وبحرا لكسب قوتها بكد اليمين وبشرف مما جعله يواصل دراسته رغم عديد التحديات فيذكر باعتزاز معلّميه وشيوخه ولا ينسى أصدقاءه وزملاءه وهو من خلال استرجاعه لذكرياته ينقل لنا بعض المواقف الطريفة مثل انتقاله لأول مرة عبر البحر من مسقط رأسه جزيرة قرقنة إلى مدينة صفاقس وكيف هبت الريح مما جعل المركب الشراعي قاب قوسين أو أدنى من الغرق وقد امتلأ قدر الطعام بماء البحر فكان ذلك أخف الأضرار

ـ 3 ـ

وعندما انتقل الشاعر إلى تونس العاصمة واصل دراسته في جامع الزيتونة فذكر لنا الكثير من شيوخه بتقدير وثناء ومن المصادفة أنه عندما ذكرهم تذكرت أني تتلمذت إلى بعضهم سواء في المدرسة الصادقية أو في معهد ابن شرف مما أثار في نفسي شجون الحنين والعرفان لهم وقد توقف الشاعر في هذه المرحلة عند الخلاف السياسي الذي اندلع بين الطلبة الزيتونيين وشقهم إلى فئتين متصارعتين قبيل استقلال البلاد سنة  فكان من 1956 فكان من الأجدر حسب رأيه التوحد من أجل التحرر من الاستعمار ثم بناء الدولة الوطنية وإن مثل هذه الذكريات يمكن أن تكون مرجعا مهما عن  مرحلة تاريخية من تاريخ تونس الذي ساهم فيه رجال التربية ليس بنشر التعليم في جميع مناطق البلاد حتى النائية فيها وإنما كان لهم الفضل في بعث المشاريع الاجتماعية وغيرها فقد كان أولئك المعلمون الأفذاذ منارات تشيع المعرفة والوعي  والوطنية بروح البذل والعطاء فلصديقنا الشاعر  محمد الصغير أن يفخر بأنه أحدهم

- 4 -

الكتاب إذن وثيقة أدبية وتاريخية بما حواه من معلومات وصور لشخصيات ولمجلات وبطاقات وغيرها تعود لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى أواخر سنوات القرن العشرين وفصوله الممتعة  بسرد تفاصيل الوقائع هي اسحضار حميمي لفترات ومواقف من حياة الشاعر محمد الصغير المولود سنة 1931 فالكتاب يمثل شهادات مهمة عن مسيرة مثقف حاول أن يضيف وأن يكون عنصرا إيجابيا رغم التحديات فتحية شكر وتقدير على مواصلته الكتابة والنشر  ونحن على خطاه وعلى درب جيله سائرون

 

سوف عبيد

 

عقيل العبودحبره لم ينضب رغم علاقتنا المشتركة مع الورق طوال هذه الحفنة من السنين.

الحلقة الأولى كانت تجمع ضحكة صبي لا يعرف من الدنيا الا تلك المسارات المتعثرة لمدرسته الإبتدائية، وبيته المطل على ساحة تحيط بها الأشجار والأرصفة ما يجعلها صالحة للعبة كرة القدم، اوباقي ألعاب الساحة والميدان.

القلب باعتباره يجمع تلك المشاعر، أفكاره بقيت تدور في رحلة انفاس اتحدت اشلاؤها لتصنع من نبض هذا الامتداد الفيزيائي اول كلمة في كيمياء الحروف.

انذاك دار،  تلك المكونات الثلاثة، كانت اول أغنية راح يعزفها رفيقي الذي ما زال بصحبتي حتى يومي هذا.

والملاحظ ان للكلمة مدارات لم تنضب من الفضاءات، لذلك كان الرسم هو الآخر قد أعلن صلته الوثيقة بتلك العلاقة، حتى انني دون إرادة مني ذات يوم، رسمت نخلة تحيط بها الشمس عند الغروب وبجانبها غيمة مسافرة، ويوم حضر المعلم (المعيد)* في التربية الفنية ما نسميه المطبق ليدقق في تلك اللوحة، أخذ الورقة مندهشا وقرر ان أكون احد المشتركين  في مرسم المدرسة.

المركزية الابتدائية المختلطة آنذاك. نعم لقد كانت اللوحة تجمع بين زواياها سعيفات نخلة، لحظة ابتعاد ضوء استفزه ذلك الشحوب ليصنع من صورته سحراً  متدفقة ألوانه، ليبقى ضيفا هكذا في ذاكرتي التي بقيت، محفورة فيها انغام قصيدة سمعتها مغناة على لسان السياب عن جيكور، وتلك قرية بقي يداعب صمتها المطر.

لذلك استئنافا جلسنا معا نحن الاحبة، لننشد ترنيمة حزن لوطن لو كان شاعرنا الكبير حيا فيه، لأسقط جبروت وجوده الصنمي بحثا عن قصائد جديدة.

 

عقيل العبود

.......................

* المعيد: معلم متدرب   

 

هناك مشاعر واحاسيس ليست لنا القدرة عن التعبير عنها بالكلمات. قد تكون النظرات هي لغة التعبير وهناك كلمات لاتعبر عن احاسيسنا ابد: "فيامن اشتقت أليه حفظك الله واسعدك بعدد ماهزني الشوق والحنين لعينيك"

في زمن مضى من العمر سمعت أناسا كثيرين يتحدثون عن لغة الكلام بالعيون والكثير من الحكايات والاغاني وأنها تخص العاشقين وهي لغة لا يفهمها إلا من وصل إلى قمة العشق، لم أفهم ما تعنيه هذه الكلمات وهذه اللغة لم أعرها أي اهتمام في حياتي أتت بك الايام إلي في زمان بعيد ما وأخبرتني أنك تحبني وأنك تفهمني دائما وتفهم ما سأقوله من دون كلام فقط بالنظر ألى عيناي لم أصدق أي من هذه الخرافات حتى أني لم أصدق ما قلته رفضتك تماما لم تيأس حاولت مرارا وتكرارا وكنت أراك دائما عندما تنظر إلي تتحدث بكلام كنت أود قوله كنت تقول لي لقد فهمت من نظرت عيناكي ماتودين قوله فاضحك تلك الضحكة الساخرة وأكمل طريقي لكن بعد مدة قصيرة كنت جالسة ليلا في شرفة منزلي وانا في هذا البلد الغريب أحتسي القهوة فكرت بكلام أولئك الذين تحدثوا عن لغة العيون وفكرت بك وبكل شيء كنت تقوله عندما تنظر إلى عيناي وأنك تفهمني فكرت بكلامك قليلاً لا أعلم شعور راودني وبدأ بالتسلل إلى قلبي وعقلي بأن أصدق ما قلته وفي اليوم التالي بدأت بالمضي مع هذا الشعور وبعد زمن لا أعلم وكأنه بدأت أفهمك بدأت أفهم لغة عيناك دون كلام تلك اللغة التي كنت أسخر بها هل حقا بدأت أنا بفعلها أجل بدأت أفهمك دون كلام فقط بالنظر إليك يا له من شعور جميل وصادق حقاً شعور رائع لا يوجد أي كلمة يمكن أن توصف لغة العيون

 

بقلم :ذكرى البياتي

توفيق النصاريفي هذا المقال سأذکر بعض الکلمات الدارجة في اللهجة الأهوازية والتي تنسب إلى مدن مختلفة في العالم. فاليکم نص المقال:

کان نوع من الدقيق يستخدم لصنع الحلويات التقليدية يُسمى في الأهواز بـ "طحين بمبي"، يمتاز هذا الطحين بالنعومة والجودة العالية ويكثر شرائه في شهر رمضان لصنع الـ"ماغوطة" والـ"محلبيَّة" وماشاكلهما من الحَلْوَيات هذا الطحين يُنسب إلى مدينة بمبئي الهندية لأنه کان یأتي من هناك.

کما کان نوع من النبق يُسمى "النبگ البمباوي"، يتميز بكبر حجمه قياسًا بالنبق المحلي، ويكون بحجم بسرة البرحي تقریبًا، تمَّ استيراد شجرته من الهند وانتشرت بكثرة في بساتين مدينتي المحمرة وعبادان، وقد سُمي ب ''البمباوي'' نسبة إلى مدينة مومباي (بمبئی) मुंबई الهندية. مومباي عاصمة محافظة ماهاراشترا الهندية.

وياوي من الکلمات الأخرى المنسوبة إلى المدن. وبخور الياوي معروف في الأهواز. هذا البخور نسبة إلى جزيرة جاوة الأندونيسية وفي اللهجة يقلبون الجيم ياءً فقالوا : ياوه والنسبة إليها: ياوي. علمًا أن جاوة تعد الجزيرة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم.

أیضًا كان هناك نوع من الكلاب يسمى "الگرجي" والكلمة قد وردت في الفية الشاعر الشعبي العباداني "طاهر اسحاق القيم" الذي عاش في زمن الشيخ خزعل:

القاف قَلَت حیلته وصار الفقیر      یضوج مثل أم طوگ لو رادت تطیر

من تحط بالگاع للگرجي تصیر    ومن تطیر الباز یتلگاها

تنسب هذه الكلاب إلى بلاد "الگرج" أو جورجيا (گرجستان).

ومن الکلمات المنسوبة إلى المدن العراقیة اذكر" الزبيري" وهو نوع من الحمیر عرف بهذا الاسم في الأهواز، وقد سُمي بذلک نسبة إلى مدينة الزبير في محافظة البصرة التي تنسب "الزبير بن العوام" ابن عمة النبي. وكنا نطلق على درّاجات فونيكس ٢٨ القديمة اسم: زبيري. وسُميت هذه الدراجات بالزبيري تشبيها ب "الحمار الزبيري"! وذلك لخفتها وقدرتها على تحمل وعورة الطريق.

والكلمة التي أختم بها هذا المقال هي البرنو وهي بندقية معروفة تنسب إلى مدينة برنو التشيكية. تم تصميم هذه البندقية في التشيك بعد الحرب العالمية الأولى وتم إنتاجها في البلاد بين عامي ١٩٢٤ و١٩٤٢. وبرنو هي ثاني مدن التشيك من حيث عدد السكان.

 

توفيق النصاري

 

 

شاكر فريد حسنالناظر في الحياة الثقافية والمشهد الإبداعي الادبي في البلاد، يلاحظ التحول والتغير الذي طرأ على حالنا الثقافي مقارنة مع الماضي، ويتمثل ذلك في بروز الكثير من الأقلام والأصوات النسائية التي أخذت دورها الايجابي الهام وتسهم في مجالات الأبداع المختلفة، وتبادر وتشارك في مختلف الأنشطة والفعاليات الثقافية والأمسيات الشعرية والأدبية، وهذه ظاهرة مباركة ومشجعة تستحق الثناء عليها والاشادة بها، رغم التباين والفرق في المستوى الأدبي، في حين كنا نفتقر للقلم النسائي في سنوات ماضية، وعرفنا أسماء نسائية قليلة مع ما نلاحظه في الوقت الراهن، فضلًا عن ازدهار وانتشار الكتابة للطفل، التي تتراوح بين الكتابة الرائعة الناجحة، وبين الكتابة السطحية التجارية التي لا تخدم الهدف التربوي المرجو .

وفي المقابل نرى احتجاب وغياب المجلات الأدبية والثقافية، التي شكلت حاضنة للأقلام الأدبية والإبداعات والفنون الجميلة المختلفة والمتنوعة، حيث توقفت عن الصدور مجلات " الجديد والغد الشبابية والشرق والموكب ومواقف ومشارف والأفق والأسوار وغيرها، ولم يبق في الوادي سوى مجلة " الإصلاح " الثقافية المستقلة الصادرة عن دار "الاماني" في عرعرة، ويشرف عليها ويحرر صفحاتها الأستاذ الكاتب ابن الخطاف مفيد صيداوي، والتي تصدر بانتظام كل شهر، رغم الامكانيات المحدودة، وشح الدعم المالي وانعدام الميزانيات . وكذلك غياب الملاحق الأدبية والصفحات الثقافية في الصحف الأسبوعية المحلية، وغياب المحرر الأدبي الضليع والمشرف الثقافي المتمكن كما عهدنا ذلك في سنوات غابرة، وإن وجدت بعض النصوص والمقالات الأدبية فإن أول ما يطالها مقص الشطب أو التأجيل والحجب حين وصول الاعلان التجاري قبل ارسال الصحيفة للطبع .

هذا بالإضافة إلى انحسار بل انعدام الدعم من قبل المؤسسات العربية بكل تشكيلاتها وتنوعها، عدا مشكلة نشر وتوزيع الكتاب المحلي، فصاحب الكتاب هو الكاتب والممول والمدقق اللغوي والمصحح والمشرف على الطباعة والمراجعه والقائم على التوزيع، الذي بات للأسف مجانًا واهداءات للمعارف والأصدقاء، وكثيرًا لا يقرأ الكتاب من قبلهم ويوضع على الرفوف كأدوات الزينة إلى أن يتطاير الغبار منه .

عدا المنافسات السلبية والقيل والقال والنميمة والنفاق والدجل الثقافي السائد بين أهل الكتابة .

هذه هي الصورة الحقيقية للوضع الثقافي الحالي المتهالك الذي يترنح، ويقود إلى الشعور إلى الإحباط وخيبة الأمل الذاتية، الأمر الذي يحتاج للرعاية والاهتمام أكثر من قبل الناس والمؤسسات الثقافية والمجالس المحلية واتحادات الكتاب والأدباء، التي لم تقم بدورها المرتجى في دعم واصدار الكتب والمؤلفات والنصوص الادبية، ونتيجة انعدام الدعم هنالك العديد من الاعمال الأدبية المميزة ذات الجودة والمستوى الرفيع تبقى في الأدراج بفعل الحالة الاقتصادية للمبدعين، وهم بغالبيتهم من الفقراء ويعانون شظف العيش حتى درجة "الإفلاس" ولا يجدون احيانا ثمن علبة السجائر والاوراق وقلم الباركر أو السائل الذي اعتادوا الكتابة بهما .

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية: الماء يغسل كل شئ عدا الشرف الملوّث .

التعليق: كلمة الشرف هنا تعني كل تصرفات الانسان الاخلاقية عموما، اذ كيف يمكن (غسل !)الخيانة او الغدر اوالسرقة ...الخ هذه التصرفات التي (تلوّث) شرف الانسان؟. المثل الصربي هذا جميل و عميق و مبتكر شكلا ومضمونا .

**

الترجمة الحرفية: الانسان دون حريّة، مثل السمكة دون ماء.

التعليق: مثل عظيم يمجّد الحريّة ويعتبرها اساس الحياة الانسانية، اذ انه يؤكد، ان الانسان ( يختنق و يموت!) دون حرية، مثل السمكة دون ماء . توجد في الصورة الفنية لهذا المثل مبالغة، لكنها مبالغة رائعة .

**

الترجمة الحرفية: الكذب يقفز على قدم واحدة، الحقيقة تمشي على قدمين.

التعليق: الصورة الفنيّة في هذا المثل جميلة جدا ومبتكرة بكل معنى الكلمة، والمعنى العام لهذا المثل يؤكد قوة الحقيقة وصلابتها مقارنة بالكذب . يقول المثل الروسي: الحقيقة بالنار لا تحرق وبالماء لا تغرق، والصورة الفنية في هذا المثل الروسي جميلة وحاسمة ايضا، الا انها في المثل الصربي أكثر رشاقة وطرافة وخيالا.

**

الترجمة الحرفية: عند رجل عجوز زوجة شابة: المصيبة جاهزة.

التعليق: مثل واضح المعنى والمعالم، ويمكن القول انه عام وشامل ومفهوم في المجتمعات الانسانية كافة .

**

الترجمة الحرفية: من الشرارة الصغيرة نيران كبيرة .

التعليق: ونحن نقول في مثلنا العربي الشهير: معظم النارمن مستصغر الشرر، اي ان المعنى يتكرر، والصورة الفنية كذلك . يوجد مثل عربي طريف في هذا المعنى ايضا وهو: شرارة تحرق حارة، ويوجد مثل روسي يقول: احترقت موسكو من شمعة بكوبيكات.

**

الترجمة الحرفية: الضربة من يد الحبيب لا توجع.

التعليق: ونحن نقول في مثلنا العربي وبكل اللهجات العربية: ضرب الحبيب زبيب . المثل العربي اكثر طرافة ومرحا و جمالا وخيالا، لكن المثل الصربي اكثر واقعية و دقّة.

**

الترجمة الحرفية: عش كما تقدر اذا لا تقدر ان تعيش كما تريد .

التعليق: كتب ابو الاسود الدؤلي في وقته بيت شعر بهذا المعنى، وهو:

اذا لم تستطع شيئا فدعه/// وجاوزه الى ما تستطيع

**

الترجمة الحرفية: لا خبز دون اليد، ولا يد دون الخيز.

التعليق: مثل رمزي بسيط وعميق جدا، اذ انه يتناول العلاقة العضوية الدائمية بين العمل و ديمومة الحياة ويصوّرها بشكل واضح فعلا، فاليد (تعمل) الخبز، والخبز (يديم) الحياة، وبدون هذا التعايش العضوي الضروري بينهما لا يمكن للحياة ان تستمر. مثل فلسفي طريف رغم بساطته الظاهرية .

**

الترجمة الحرفية: عيون الخوف واسعة.

التعليق: يوجد مثل روسي مطابق تماما، وهو دليل لا يقبل الشك حول التقارب الروحي والفكري بين الشعبين الروسي والصربي باعتبارهما شعوب سلافية . معنى المثل واضح طبعا وصحيح جدا، فالانسان الخائف يفقد الرؤية الموضوعية للامور، ويرى الخطر في كل شئ يحيطه . يوجد مثل عربي يعكس هذه الحالة بشكل دقيق، وهو: ان لم تقتل الخوف قتلك.

 

أ.د. ضياء نافع

 

زهير الخويلدي"حزمت أمري على هجر الأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور"1[1]

يعود الفضل للعلماء الذين انحدروا من تاريخنا الحضاري في اكتشاف صورة العالم كما نعيشها اليوم بعدما ابتكروا أدب الرحلة وفن السفر وعلم الملاحة وتعلقوا بتجارب الهجرة والسياحة والتنقل بين البلدان وضربوا الأرض وركبوا البحر وجالوا في الآفاق واشتهر منهم في هذا المجال كل من ابن حوقل وابن جبير الأندلسي والمسعودي والشريف الإدريسي وياقوت الحموي والحسن الوزان أو ليون الإفريقي والمقدسي وحسان المراكشي وابن رسته وأحمد ابن فضلان وزيارته بلاد الروس والترك والصقالبة.

بيد أن ابن بطوطة وابن ماجد هم الأشهر والأهم في هذا الميدان وذلك لما أفادوه من رحلاتهم من أخبار واكتشافات ولامتلاكهم رؤية تاريخية وإحاطة بالجغرافيا السياسية والذوق الفني والتحليل الثقافي المقارن.

لقد انطلق محمد ابن عبد الله ابن بطوطة المولود سنة 1304 والمتوفي سنة 1377 والمنحدر من قبيلة لواتة في رحلته الاستكشافية للعالم من مسقط رأسه بطنجة من بلاد المغرب وزار الجزائر وتونس ومصر والسودان والحبشة والشام والحجاز واليمن والعراق وفارس وبلاد ماوراء النهرين والهند والصين وجاوة وبلاد الترك والروم وغرب إفريقيا ووسطها وجاب الصحراء الكبرى والجبال العالية والسواحل البحرية وبلغ آسيا الوسطى وجنوب آسيا وشرق إفريقيا والصومال وأرض الأندلس وشواطئ المحيط الأطلسي.

لقد بلغت المسارات التي انخرط فيها أمير الرحالين مسافات طويلة واستغرقت عقودا بأسرها وتطلبت بذل تضحيات جسيمة من الناحية المادية والاجتماعية ولكنها كانت رحلة غنية ومثمرة ومفيدة إلى أبعد الحدود.

لقد كان ابن بطوطة يتقن العديد من اللغات إلى جانب العربية والأمازيغية والتركية والفارسية وبرع في الشعر والأدب والرواية وترك لنا كتابه الشهير "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" الذي صور فيها معظم البلدان التي زارها ووصف ما رأى من عادات وتقاليد وذكر الكثير من الأحداث والأفراد ونال به شهرة أول رحالة منفرد قبل بداية النقل البخاري وتمت ترجمة بعض فصوله إلى اللغة الألمانية.

لقد دوّن أهمية التصنيع في تقدم الدول وتسهيل استعمال النقود الورقية للعمليات التجارية وتوقف عند الوجبات الغذائية والنبتات والتوابل المستعملة في المطبخ وفي الطب واهتم بالحيوانات الأهلية والملابس وانتبه إلى جمالية صور الصين العظيم وتعجب من تجاوب الشعوب الأسيوية في جزر ماليزيا وأندونيسيا والفلبين وبلاد التتار والأتراك مع ثقافته وحلم بعد عبوره الصحراء بجلب كنوز الذهب من أدغال إفريقيا.

لقد تعرض أثناء رحلاته للكثير من المخاطر والأهوال وعاش وضعيات قصوى تغلب عليها بالاستعانة بالصبر والتسلح بالإرادة وبالتقرب من الملوك والسلاطين والأمراء وساهم في توطيد السلم بين الدول وإبرام اتفاقيات صلح وتوقيع معاهدات في التبادل التجاري وقام بالتعريف بثقافته وآدابه وقيمها الكونية.

لقد بلغ القاضي الرحالة ابن بطوطة مراده من الدنيا ومراميه من الحياة بالسياحة في الأرض ومقابلة معظم شعوب الكون والتعرف على عاداتهم وتقاليدهم والالتقاء بهم في أماكن تواجدهم والتواصل  مع حكامهم. لقد انتهى به المطاف إلى تفقد البحر المتوسط وزيارة جزره من الشرق إلى الغرب مبينا أهميته في العالم. فهل يمكن استئناف هذه النزعة الاستطلاعية التي اتصفت بها الشعوب الحرة وإيقاظ روح المغامرة في الفضاء من سباتها؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

المصدر:

محمد ابن عبد الله ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، دار إحياء العلوم، بيروت، 1987، 799صفحة.

 

محمد سيف المفتيقال عن نفسه: في كل عصر يوجد ناس من كل العصور وأنا لا أريد أن أكون نسخة من التكرار الأبدي، أريد أن أكون وحيد نفسي وعصري وحياتي ولعنتي ورضائي وموتي وبعثي وتشبثي بما أنا وما لست أنا وما لست بعد إياه بالذي كان ولم يكن...

الخبز الحافي رواية السيد محمد شكري المغربي الامازيغي تناولت كل ما يخدش الحياء العربي الغيور كما قيل عنها. أنتقده كثير من النقاد وهاجمه كثير من المثقفين لأنه أخذنا معه صغارا وكبارا الى مواقع الرذيلة، الى سنوات طفولته التي لم يقضي ليلة فيها إلا سكرانا أو راقدا بجوار غانية أو بتفريغ رغباته الجنسية في لعبته الجنسية التي صنعها من الطبيعة. حدثنا شكري في روايته عن الحفاة الحالمين بنعل والباحثين عن فتات الخبز في زمن المجاعة. كان الروائي صريحا فيما يتعلمه أطفال الشوارع في العالم السفلي، الموجود تقريبا في معظم المدن الكبيرة. 

يتحدث كذلك الراوي عن واقعة قتل والده لأخيه ودفنه في قبر مندثر منسي في زاوية المقبرة البعيدة، حادثة لم تثني والده عن الاستمرار في شرب الخمور والتمتع بالـ "كيف" مع الأصدقاء، معتمدا على دخل ابنه القاصر الذي جعله يعمل كحمار. ويحدثنا عن فوضى المشاعر المختلجة في داخله عندما كان يسمع كيف كان ابوه يأخذ حقه الشرعي من أمه في نفس الغرفة التي يسكنون فيها جميعا، لم يكن يعلم أكثر من أن القبلات والحركات تنفخ بطن أمه لتلد بعد تسعة أشهر بائسا أو بائسة جديدة. طرح قضية عنف الرجل وأمراض الحرب النفسية بواقعية بسيطة.

حدثنا بجرأة لم نعتد عليها في عالمنا العربي عن كيفية استغلاله وهو طفل قاصر لم يبلغ الـ 18 من قبل رجل كبير السن مترهل البطن مقابل ثمن بخس، وكيف قام هو باستغلال صبي آخر ناكرا فعلته أمام اهله.

وجه للكاتب كثير من النقد وبطريقة أو بأخرى كان يدور هذا النقد حول كيف يمكن له في هذه السن المبكرة أن يتحدث عن المواخير وشراء لذة سريعة بهذه الطريقة، ونقد موجه الى طبيعة عمله الشرعي وغير الشرعي، من التهريب الى السرقة الخ الخ. اعتبر النقاد ما قدمه محمد شكري خدشا للذوق العربي وتشويها للذائقة العربية.

 الغريب في هذه الرواية أن الروائي محمد شكري حرم من فرصة تعلم اللغة حتى بلغ العشرين، وكتب روايته سنة 1972 ولم تنشر بالعربية إلا بعد أن ترجمت الى 38 لغة. أيا ترى هل بول بولز الذي ترجمها الى الإنجليزية سنة 1973 لم يخشى من تدمير الذائقة الامريكية والاوربية، على كل حال لم تنشر بالعربية إلا بعد عشرة أعوام من نشرها.

السؤال الذي يطرح نفسه. هل هي رواية اباحية؟

من وجهة نظري هذه الرواية هي مرآة المجتمع العربي، وكل من لا يتحمل النظر الى صورته في هذه المرآة هو أجبن من يلاقي واقعه. علينا أن نطرح على أنفسنا سؤالا مهما. هل ما طرحه الروائي في سيرته الذاتية قدح وتشويه من خيال أم حقيقة؟

الجواب بالأجماع (قصة واقعية) ولنفترض جدلا أن الخبز الحافي قصة خيالية، لكن هناك آلاف الحالات يعيشون مثل هذه الظروف.

لهذا السبب ارى أن النقد الموجهة لهذه الرواية ولشخص محمد شكري ابن الريف المغربي، الذي هرب منه مع عائلته باحثين عن قطعة خبز يابسة بدل أكل الحيوانات النافقة هو تهرب من الواقع. شعوبنا لا تتحدث عن العنف على انه ظاهرة يجب الوقوف عندها وتسمى بمسميات مختلفة، توجيه، تهذيب أو تربية، شعوبنا أجبن من أن تواجه واقعها المعقد، ولا تجرأ على تسميه الأسماء بمسمياتها لأنها في هذه الحالة تتطلب مواجهة وعمل جديد قد يتعارض مع اعتادت عليه شعوبنا لقرون وقرون. ذنب محمد رشدي أنه بدلا من قوله إن الشوارع كانت تعج ببائعات الهوى قال إنه كانت تعج بالـ "قحاب"، وقد اتفق مع البعض أنه كان بإمكانه نقل الحقيقة بكلمات أرق، لكنها رغم كل شيء لن تغير من صورة الواقع شيئا.

الناقد الأدبي ورجل الدين والمثقف هو الجهة التي ينظر اليها المجتمع على أنها الجهة التصحيحية للمسارات والنزعات الخاطئة في المجتمع، فاذا قاموا هم بنقد هذه الرواية وتجميل الواقع بالكلمات فنحن أمام معضلة التصحيح، هل سنستمر بتسمية االسرطان بـ

 " ذاك المرض".

أنا منحاز لـ الروائي محمد شكري.

لكوني روائي وكاتب ولي رواية ابين فيها كثير من جوانب حياة اللاجئين بطريقة واضحة أو ممكن تسميتها فاضحة فإنني اتعاطف مع المرحوم محمد شكري، لأن العالم العربي لم يدرك حتى هذا اليوم. أننا ككتاب عندما نتعرى أمام الجمهور فأننا نمنحه فرصة تعلم التشريح واكتشاف اعضائنا ورغباتنا الإنسانية، شذوذا كانت أم طبيعية. ففي المحصلة النهاية هي رغبات إنسانية، رغم أنني لست مع الكتابة الإباحية إلا أنني أرى أن الخبز الحافي هي مرآة علينا الوقوف أمامها..

تقول السيدة linda Noor رئيسة منظمة Minotenk  النرويجية في محاضرتها الأخيرة في أوسلو والتي تناولت الصحة الجنسية، (لجوء الناس الى الجنس قد يكون هروب من واقع يعج بالمعاناة، فمن المهم أن يدركوا معنى الصحة الجنسية) هذا هو ما جعل الروائي يستجدي هلاكه بين أحضان المومسات. فكيف لو عاش الانسان في ظروف حرب، فقر، خوف وجوع دفعة واحدة كما يحدث اليوم في كثير من بلداننا. انتشار الدعارة في مجتمعاتنا العربية دليل على واقع مرير يعاني منه المواطن من أنظمة حكم الأقلية والعائلة، وعدم العدالة في توزيع الفرص والأنظمة الفاسدة البعيدة عن الديمقراطية والقائمة طويلة.

مرت على بلداننا عدة أزمات وحروب والأنظمة مستمرة بالتصحيح والتحسين بالكلام، تحسين الواقع بالكلمات يبقي الحيالة على ما هي عليه. دولنا بحاجة لتغيير فعلي وعدم تحميل المواطن البسيط جرم القيادات الاستبدادية.

وكما ختم محمد رشدي روايته عند زيارته قبر أخيه طالبا من صديقه قراءة القرآن على روحه.

" أثناء قراءته كنت أنثر الزهور والريحان على بعض القبور وعلى الأرض غير المقبرة بعد. كان مدفونا هناك. ربما تحت قدمي أو تحت قدمي عبد المالك أوفي مكان ما. فجأة فكرت. لكن لماذا هذه القراءة على قبر أخي المجهول؟ إنه لم يذنب. لم يعش سوى مرضه ثم قتله أبي. تذكرت قول الشيخ الذي دفنه: (أخوك الآن مع الملائكة).

أخي صار ملاكا وأنا؟ سأكون شيطانا، هذا لا ريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة والكبار شياطين.

لقد فاتني أن أكون ملاكاً" 

بما لا يقبل الشك فإن كلمات محمد رشدي قد خدشت الحياء العربي فهاجمت مجتمعاتنا كلمات الرواية ونسيت الطفل الذي نشأ في الشارع ومعاناته، ومعاناة الكثير من أمثاله حتى هذا اليوم في بلداننا، أن الواقع يخدش جبين الإنسانية وهو دليل دامغ على مجتمعاتنا المريضة لا تملك إحساسا إنسانيا بمستوى مأساتنا. ناموا ولا تستيقظوا.. هنيئا نوم النعامات.

 

محمد سيف المفتي

 

نايف عبوشظلت الموصل على الدوام حاضرة في اذهان من عاشوا تفاصيل بيئتها الثرية، تحضرا، ورقيا، وحسا مرهفا.. فتغنوا بأمجادها.

ولعل لتموضعها المكاني على ضفاف دجلة الخالد، قبالة ربوة البوسيف بالتواءاتها المتهدجة، في توأمية عجيبة مع شطآن النهر الساحرة، وطقسها الخلاب، ذي الرببعين، أثرا بالغا، في تثوير إبداعات، وشحن مشاعر ابنائها من الشعراء والأدباء، بإرهاصات الرقة، والإبداع، وانثيالات فيوضات انتمائهم للمكان، والبيئة، والإنسان معا.

على أن غابات الغرب، وأحراش الطرفا، وأسراب النوارس، ربما شكلت هي الأخرى بامتدادها الطبيعي على ضفتي النهر الازلي، المنساب من جوانح الموصل حتى اطراف ديرة جنوب الموصل، بتماثل يرتقي الى درجة التطابق، آصرة تواصل مكاني وجداني، فكانت بتلك الشواخص الساحرة، مصدر إيحاء غني لمشاعر الشعراء الجياشة، التي تفاعلت مع عناصر هذا الفضاء المفتوح، بتناسل صور جميلة، من الغزل العذري بتلك الميساء الممشوقة.

والشاعر المبدع.. احمد علي السالم.. ابوكوثر..كعنصر حي من عناصر كائنات تلك البيئة، ببعدها الريفي من أطراف جنوب الموصل، المتعاشق عضويا مع بعدها الحضري، قد تفاعل ابداعيا مع مشهد حركة ذلك الحال، ما جعل عشقه للموصل الحدباء ايقونة حب أزلي، استقرت في صلب عملية التشكل الشعري لتجلياته الوجدانية، التي تجسدت في نظم قصيدته الرائعة (سينية الحدباء)، لتعكس اندماجه، وتماهيه العاطفي، مع كائنات بيئته الموحية له، ريفا، ومدينة، وتوازيه الروحي مع مجسمات المكان، التي تفوح بصدق انتماء الشاعر لموصله الحبيبة، عندما يقول:

وفي عيوني ترى الحدباء شاخصـة  ام الرمــاح وعهــدي ناسـها ناســي

حورية الجيد في سـيمائها حــــدب   كأنـــها مــلك يـرنــو لـجــلاســــي

غفت على النهر واهتزت جوانبها   بالورد والكرم والصفصاف والاس

ام الربيعين مــا ابهــى مــرابعــها   ومــــا ارق هـــواها والـهوى قاسي

ويبدو انه عندما اراد استحضار الماضي كنوع من الحنين الى مرموزاته الموصلية، يوم كان يسكنها للدراسة، فذلك لأنه لا يريد لماضيه أن يغادر عالم حاضره، لاسيما وان ماضيه الجميل قد سكن الذاكرة، واستطاب الإقامة الدائمة في دهاليزها العميقة، فاستحال عليه الإفلات منها، حتى مع حقيقة يقينه بأن الماضي بهيئته التي يحن اليها لن يعود، فهو مثل ماء نهر دجلتها المنساب مع مجراه الازلي، لا يرجع اليها بعد ان غادر الى اطرافها باتجاه المصب، الى حيث لا رجعة، بعد ان تزاحمت خيالاته بالخواطر الموجعة :

وهمت واحتشد الماضي بـذاكرتــي   وزاحمـتني خيالاتـي وأحـداسـي

وعاد بي خاطري والقلب يوجعنـي   الى عهود الصبا والراح والكاس

ولا جرم ان استغراق الشاعر احمد علي السالم، في الماضي بهذه الارتجاعية التلقائية، يضمر رغبته الصريحة لتعويض حاضره المقفر بانزياحه المكاني بمرور الزمن عن فضاء لوحة المدينة الجميلة، والتشبث بالماضي كحلم وردي يتطلع اليه، حتى ولو جاء بصيغة استذكار عاطفي، مع يقينه بصعوبة الوصول اليه. لكن حبه للموصل الحدباء يظل متلبسا ذاته الوجدانية، حيث نتلمس ذلك بوضوح في قوله :

يميل قلبي لها والروح تعشقها   ممشوقة القد مثل الغصن مياس

اميرة كالزلال العذب صافية    كأنـها درة في كــف غطـــاس

انها إلفة عجيبة بين الشاعر احمد علي السالم، ومحبوبته الموصل الحدباء، التي يميل اليها دوما قلبه، وتعشقها ابدا روحه، فلا ينفك يتغنى ببهائها في مجالس الدواوين، وفي المقابسات الشعرية التي تجري عادة في المناسبات العامة في ربوع ديرته جنوب الموصل. ولعلها ظاهرة اجتماعية ثقافية، تستحق التأمل، وتسليط الضوء عليها من قبل المهتمين بالأدب، والثقافة، والتراث، من الباحثين، والأكاديميين، والكتاب، وغيرهم .

 

نايف عبوش

 

ضياء نافعلا يمكن ان يكون عنوان مقالتنا صحيحا اذا قلنا - (بونين في العراق)، فهو ليس مثل غوركي او تشيخوف او بوشكين او دستويفسكي او تولستوي او تورغينيف...الخ اسماء الادباء الروس الكبار والمشاهير عندنا، والذين بدأت شهرتهم بالتدريج منذ الثلث الاول للقرن العشرين فصاعدا، لكن بونين مع ذلك دخل الى العراق بشكل متأخر مقارنة بتلك الاسماء، وانه دخل دون (تأشيرة دخول، او فيزا كما نقول)، لأنه كان من المغضوب عليهم في الاتحاد السوفيتي بعد رفضه لثورة اكتوبر، ثم هجرته من روسيا السوفيتية، ثم (ثالثة الاثافي!) وهي حصوله على جائزة نوبل للآداب في الثلاثينات، ولكنه – مع هذا - فقد حصل على (الاقامة !) القانونية في بلدنا رغم هذا الدخول غير القانوني والمتأخر، ويمكن الان ان نقول انه موجود بيننا في العراق - بشكل او بآخر - مثل بقية الادباء الروس الكبار، الذين ذكرناهم اعلاه، رغم انه لم يصل بعد الى شهرتهم وشعبيتهم الواسعة.

 بونين في العراق يرتبط قبل كل شئ باسم د. جودت هوشيار، والذي يمثّل ظاهرة فريدة وجميلة جدا في تاريخ الادب الروسي في العراق، اذ انه جاء الى الادب الروسي من اختصاص بعيد جدا عن الادب، وهو الهندسة والكهرباء، فقد تخرّج في معهد الطاقة (جامعة الطاقة الان) في موسكو، حيث كان معنا ضمن الطلبة العراقيين الاوائل في الاتحاد السوفيتي بداية الستينات، وحصل على شهادة الدكتوراه في اختصاصه ذاك، وعاد الى العراق وعمل بشكل ناجح هناك في مجال اختصاصه، ولكن جودت كان عاشقا كبيرا للادب الروسي، وقد تفاعل مع هذا الادب بحكم دراسته الطويلة في روسيا واتقانه للغة الروسية بشكل معمق وممتاز، والعشق يمنح للعاشق قوة جبّارة وخارقة كما هو معروف، ويستطيع العاشق بها ان يحقق المعجزات، وهذا ما حدث فعلا، وهكذا برز د. جودت هوشيار في مجال الترجمة عن اللغة الروسية، وأصدرت له وزارة الاعلام العراقية كتابا مترجما عن الروسية في بداية السبعينات عنوانه – (دراسات معاصرة)، وفيه اشارات عميقة الى بونين، ثم نشر قصصا مترجمة لبونين في الدوريات العراقية، وانتبه الى ترجماته استاذ جيلنا د. علي جواد الطاهر، الذي كان يرصد ما يجري آنذاك في مجال الادب بعيونه النقدية الذكية، وطرح استفسارا حول بونين، اذ لم يكن لا بونين ولا هوشيار من الاسماء المعروفة آنذاك للطاهر، ويفخر د. جودت بكل هذه التفاصيل حول بدايات مسيرته الترجمية حول بونين، والذي تبين انه (اي جودت هوشيار) كان من المعجبين جدا بادبه ومن المطلعين بعمق على ابداعه. وأذكر جيدا، ان صديقي المرحوم د. احسان فؤاد (الشاعر الكردي الرقيق وخريج جامعة موسكو والمثقف العميق)، الذي كان مديرا عاما لمديرية الثقافة الكردية في وزارة الاعلام (و التي أصدرت بالذات ذلك الكتاب آنذاك) كان معجبا جدا بموهبة جودت الترجمية والادبية عموما، وقد حدّثني مرة عن ذلك . واستمر د. جودت بتقديم بونين لنا لحد الان في نشاطه الادبي المتنوع، اذ لانزال نقرأ نصوصا لبونين بترجمته ودراسات عميقة وجميلة عن مكانته في مسيرة الادب الروسي، وكم اتمنى ان ارى يوما كتابا خاصا يضم تلك الكتابات البونينية (ان صحّ التعبير)، خصوصا وان جودت هوشيار اصبح اليوم نجما من نجوم الباحثين العراقيين في مجال الادب الروسي والعالمي ايضا، وذلك عندما (تحرر!) من اختصاصه الهندسي الكهربائي وتفرّغ كليّا لعشقه الادبي ...

ولابد من التوقف هنا عند اسم آخر هو - حسين علي خضير الشويلي، التدريسي الان في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد، الذي أصدر اول ديوان لبونين في العراق، وربما في عالمنا العربي ايضا حسب علمي المتواضع حول شعر بونين بالعربية . الشويلي كان طالبا في قسمنا، وقد طلب منيّ – بحكم العلاقة بين الطالب واستاذه – ان اكتب مقدمة لديوانه ذاك، وقد كتبت تلك المقدمة بكل سرور وحب ، وصدر الديوان فعلا بترجمته الحلوة تلك ومقدمتي (انظرمقالتنا بعنوان – مترجم جديد في قبيلتنا). وأصدر الشويلي كتابا آخر في بغداد يضم مختارات من الشعر الروسي، وهناك ايضا بعض قصائد لبونين . يقول البعض، ان الشويلي كان جريئا جدا حين أقدم في اول عمل ترجمي له على هذه الخطوة، وانه كان يجب عليه ان يتمرّن اكثر في مجال الترجمة قبل ذلك، ولكن البعض الآخر يقول، ان اي عمل ابداعي يتطلب الشجاعة والاقدام، وان عمله هو محاولة جريئة تحمل روح الشباب وحماسه، وانه اجتهاد ابداعي جميل، ومثل كل اجتهاد، قد يخطئ وقد يصيب، ولكنه عمل جيد ومفيد في كلا الحالتين.

ويجب الاشارة حتما الى اسم عبد الله حبه عند الكلام عن بونين الذي يدق باب العراق، فهو الذي ترجم كتابه الشهير (الدروب الظليلة)، رغم ان الكتاب صدر في موسكو ضمن منشورات دار رادوغا المعروفة عام1987 (انظر مقالتنا بعنوان – عبد الله حبه والادب الروسي) . ان عبد الله حبه عراقي اصيل يعيش في موسكو منذ ستينيات القرن العشرين ولحد الان نتيجة ظروفه الحياتية الخاصة (اي حوالي ستين سنة !)، ولكن نشاطه الابداعي يمكن ان نسجله لوطنه الام - العراق ايضا، وليس عبثا، ان دار المدى العراقية قد اعادت اصدار هذا الكتاب في العراق قبل فترة قصيرة...

بونين يدق باب العراق، فلنفتح له الابواب على مصراعيها، واهلا وسهلا ومرحبا بالمبدعين الروس وغير الروس من امثاله في البلاد التي تحتضن اور وبابل ونينوى وبغداد والكوفة وسرّ من رأى...         

 

أ.د. ضياء نافع

 

نجيب طلالأخْـتـاه ويا أخـتـاه،.. يا رابطة الـدم بيننا... يا أختـاه، يا أصغر إخوتي، ماكنتُ أتخيل أن يـرِّن ذاك الملعُـون؛ حاملا نعْـيكِ، نعْي أوْ وفاة أو حـتف ٌ أوموتٌ ....سيان، أمام نهاية مفاجئة غير مفهومة؛ نهاية أعادتْ بسرعة برق لافِـت؛ شريط حياتك بيننا وخارجها ..وأتساءل بحُـرقة الوداع .ما كنت أتوقع أن تسقط ورقـَتكِ في عِـز القوة والحيوية؛ رغم متاعب الحياة وهمـوم أبنائك الثلاث ومتطلباتهم، ثلاثة أبناء من الصعب تربيتهم في زمن تكلفته باهضة؛ وارتخاء زوج مُهمل في أداء عمله، عمل يَـدر نقودا محترمة؛ من ألبسة تقليدية بين يديه شهْـدا؛ لكنَ لعْـنة الكيف والمخدرات نخرت قِـواه؛ وأمسى كسولا وكسولا...ولا مباليا ...لا مباليا بأسرته وحاجياتها؛ لكن روحك المعنوية؛ وتربيتك الأصيلة؛ ما فـرطتِ فيه ولا في أبنائك؛ بقيتِ مكافحة؛ مناضلة، من أجل لقمة عيش بالكاد .لم تتشكِ يوما من الخصاصة ولا من الجـِراح؛ لنا ولغيرنا؛ رافعة رأسك بشموخ أمام الجيران وأمام بعض أفـراد عائلتك التي كانت ترحَـل إليك لقضاء عطل الصيف شمالا، مؤمنة بأن الشكوى مذلة ومنقصة؛ لذا كنتِ تحاولين قـَدر الجهد طرد اليأس والحاجة؛ تخـْفين دموع طعنات غدر الزمان بك؛ مُتشمرة على سواعدكِ بتقديم خدمات الدعم التعليمي لأبناء الحي وما جاوره؛ ولقد كانوا خير سند في دعمك روحيا وماديا؛ مقابل هـذا حاولتِ العودة لموهبتك في طرز وحياكة المنادل والأغطية لمن يرغب في ذلك . لكي تكوني سعيدة، وتحقيق معْـنى لذاك الاسم المدون في الوثائق الرسمية – [سعـيدة ]- وما كنت ِسعـيدة حقا في دنياك، تِلك أسماء خَـداعة: مـزيفة . أسماء لا تفي بمعناها ودلالتها تطبيقا وتفعيلا في أرض واقع مادي ملموس، واقع معـاش وعَـصي عن الفهم.

إذ تبقى هي تلك أسماء للتمييز بين هذا وذاك لحظة النداء؛ ومن يختارها يوم الذبيحة / العقيقة: يُخادع نفـسه؟ وهل تلك الأسماء التي نحملها، تنطبق عليها (سورة النـجم 23): إن هي إلا أسْمَاءٌ سميتموها أَنتـمْ وَآبَاؤُكم مَّا أَنزَل اللَّه بِهَا مِن سُلطان إِن يَتبـعُونَ إِلا الظـنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفُـس..؟ لأن الاسم يبدو إثــما لحامله؛ كأننا أوثان ملعونة، وأصنام تتحرك في فـَلـَك يعاكس طموحات الإنسان ورغباته، كيف لاسْـم {سعيدة} قـيْد حياتها يُصرَّف عمليا؟ وما عَـرفتْ صاحبته ُالسعْـدَ ولا الفـَرح؟ يومَ ولدتْ في زمن النكسة / الهزيمة العربية بشهرين توفي والِـدنا؛ وما حققتِ الصبابة في عِـناقِـه والاحتماء في حضنه والنظر في وجْهه الصلب بروح الجندية التي غرستها فيه الثكنات (الفرنسية) عشتِ وعِـشنا اليتـم؟ رغم كفاح الوالدة وتكالب عائلتها علينا؛ ومحاولتها مرات ومرات بيع أثاثنا المُـلمع والمفضوض، وما كانتْ تملكه من أساِورَ من ذهب خـالص، لكي نعـيش ونتعلم، وإرضاء تكالب إخوتها الذين هم أخوالك وخالتك، تلك الشرذِمة ما ساعـدونا ولا أسعـدونا يوما . بل ظلوا في منزلنا الذي اشتراه والدنا .ذاك المنزل المتواضع؛ الذي لم يراه يوما ولم ينم فيه ساعة؟ تلك الشرذمة،، كانتْ تنتظرما ستجود به القيادة العليا للجندية الفرنسية؛ من تحصيل معاش والدنا . إنَّه الطمع ُ، حول غـنيمة التقاعد ذاك الذي كانت والدتنا رغم صغر سنها تتقاتل هنا وهناك من أجل الحصول عليه وإبقاء الأجر الشهري مـن بلدٍ لا يعْـرف إلا الصرامة والضبط الإداري. هـنا فبوح الصدمة أعاد بي للطفولة ومجرياتها والسؤال المؤرق الذي كنتُ أردده مرات ومرات: أي منطق يمنطق كينونتنا هل نحْـن هنا أم هناك؟ لأننا نعيش في بلـَد ونعـيش ونتربى بأموال بلد آخـر إنها لمفارقة (؟) 

تذكرين يا أختاه وإن كنتِ الآن تفترشين الـترى؛ وتتلحفين بلـَـحْـد ولـُحود مرتبة على جسدك الذي فقد الحركة؛ أنك يوميا – تقريبا- كنت تبكين؛ ولا ندري لماذا؟ لأن حضن الجَـدة كان يأويك بقـوة؛لأنه كان شاعرا لما البكاء بدون سبب في نـظرنا؟ لـكنْ اكتشفنا السبب بعْـد وفاة جَـدتك وأنت في المتوسط؛ بأن زملاء قسمك الأول والثاني؛ كانوا ينادونك باليتيمة، آه ثم آه... اليُـتـْم معْـيَرة وسـُبَّة يا تربة الإسلام ...،،

حاولتِ الاجتهاد وفـُزت بالثانوية العامة؛ وانخرطت في شعبة التاريخ القديم؟ رفضتُ هاته الشعبة لإيماني ما فائدة معرفة رموس ورُمولوس مؤسسو روما وديكتاتورية سولا....؟ والحاجة تنادي؛ والفقر ينشر جناحيه علينا بدون هوادة؟ تلك الشعبة: لمن شبع بطنه؛ كنت لا أنافقكِ يا أختاه .تلك شعْـبة الترف والمترفين لمن يريد معرفة كيف نمت ظاهرة العبيد الأجنبي واستفحال الإقطاع،، لأننا في الأصل لسنا مجتمعا معرفيا؛ بقدرما نحن مجتمع خبزي؟ هكذا تأسست الدول العربية من عهد الخيمة إلى العمارة، فكنت عنيدة لقرارك؛ فـَسقطت في المحظور؛ ولم تستطيعي إتمام دراستك لجفاء مادة التاريخ الروماني والبطليمي.

ففكرتِ الهجرة لإحدى دول الخليج؛ دون علمي، لكن افتضح الأمر حينما لم تتوصلي بجواز سفرك في الإبان؛ يوم كان الجواز لا يأخذه إلا الراسخون في المواطنة (؟) فالتجأت والدتي إليَّ؛ للبحث عن مصيره؟ فوجَـدناه في مديرية الأمن مركونا يحتاج لبحث خاص؟؟ والمسؤول كان صديقا قريبا من حَـارتِنا وقتئذ . فـقام بالواجب يومه الجمعة؛ وكان سفـَـركِ غـدا (السبت) ولا أدري لماذا هاته المواربة؟ لكي لا أعارض، ما كنت سأعارض؛ لأنني كنت مدركا أن العودة لامحالة. وكذلك كان: لم تمض ثلاث سنوات فهربتِ من أصحابِ العقال والإيمان السنوي، مما رأيت ِ بأم عينيك من استبداد واستعباد أناسها للمهاجرين ( العرب) رغم أنك كنتِ في كـنـَفِ أميرة ترعَيْ أبناءها . فبعد الهروب بشهور، ارتميت في حضن الزواج غفـلة ً لتهاجِـر مدينتك نحو الشمال؛ وأنتِ صغيرة السن والتجاربِ؛ لأن أطرافا وشرذمة قوم تحالفوا بناء على: زُيِّنَ للناس حُبُّ الشهوات من النساء وَالْبَنِينَ والقناطير مِنَ الذَّهَـبِ وَالْفـضَّةِ ( ال عمران 14) لكي يتم زواجكِ لماذا؟ لا ندري؛ لأنني لم أكن مساهما في الحضور؛ لأن تلك الشرذمة رفضت حضور زوجتي ما الأسباب؟ لأنها زوجتي، وكفى، ونسيتْ وأغفلـت ْ والدتنا- رحمة الله عليها-:وَزَيَّنَ لـهُمُ الشَّيْطَان أعمالهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل فَهُمْ لا يَهتدونَ (النمل 24) فوافقتْ وباركتْ زواجكِ ...ليبدأ مسلسل المآسي والفاقة والحاجة؛ لكي لا تكوني سعيدة ولن ولم تعرفِ ما معنى سعـيدة كمفهوم مُفعل في كينونتكِ؟ إنه اسم بدون دلالة . عجبي فالاسم الوحيد ذو دلالة - الموت- إنَّـه زَوالُ الحياةِ عَن كـلِّ كَائِن حَيّ .هل هي سنةُ الحياة أم لعْـبة قـَدرية لكي لا نفرح بالحياة؟ إذ الغريب في ليلة عيد الفطر؛ بدل أن تفرحي بمتـم الصيام؛ ولجتِ سكرات الموت؛ متقلبة بين الموت الأحمر والأسود، وإن كان في نظر الآخرين أنكِ أصبت بالمَوْت الزُّؤام؛ باعـتباره زَوَالُ الحَيَاةِ فجـأَةً؟ أي سرعة تلك؛ وأنتِ أصبتِ بجلطة دماغية في الأغلب إشعار بزَوَال الْحَيَاةِ قَتْلاً (أحمر)، الْمَوْتُ وخَنْقا (أسود) ثلاثة أيام من الغيبوبة مرفوقة بصِراع الذات لذاتها وصَرع بين الدماغ والجسَد، لتكون النهاية؟ والذي يستعصى عن الفهم والإدراك؛ مهما طال البوح؛ جدتكِ ماتتْ بجلطة، والدتنا توفيتْ بجلطة، ربما والدنا بدوره توفي بجلطة ونحْـن لا ندري لأننا كـُنا صغارا لا نفهم ما معنى الموت أنذاك ....

 

نـجيب طــلال - تــطوان

 

 

جودت هوشياركان جي دي موباسان (1850- 1893) موظفا مدنيا متواضعا في وزارة البحرية حتى عام 1880، حين كتب رواية قصيرة (نوفيلا) تحت عنوان " كرة الشحم " للمجموعة القصصية المشتركة، التي كان يعدها أميل زولا عن الحرب الفرنسية – البروسية . نشرت النوفيلا ضمن المجموعة التي شارك فيها ايضا زولا نفسه، وعدد من كتّاب المذهب الطبيعي، وصدرت تحت عنوان " أمسيات ميدان " في عام 1880 .

تدور احداث القصة خلال الحرب الفرنسية – البروسية، حينما قرر عشرة افراد من علية القوم بينهم راهبتان وسيدة سمينة مغادرة مدينة الرون المحتلة خوفا من الحرب، والسفر الى ميناء هافر – الذي كان ما يزال تحت سيطرة القوات الفرنسية - في عربة ركاب يجرها ستة خيول، نظرا لسؤ الطقس، بدلا من أربعة خيول في الظروف المناخية العادية. وفي حالة اقتراب القوات البروسية من الميناء فانهم كانوا يعتزمون الرحيل بالباخرة الى انجلترا ..

كان اسم السيدة السمينة  اليزابيث رووسيه، وهي من بنات الهوى، الملقبة ( بول دو سويف) أو كرة الشحم، بسبب جسمها الممتليء المثير للنظر، وكانت جميلة وضاءة، ذات بشرة بيضاء ووجه أشبه بتفاحة حمراء .

كان الطقس عاصفا، والثلج لا يكف عن السقوط،عندما تحركت العربة من روان قبيل الفجر على أمل أن تصل هافرمع حلول المساء. وما كاد هؤلاء القوم يتعرفون على حقيقة السيدة السمينة حتى نأوا بأنفسهم عنها، وباعدوا بينهم وبينها .

ولكن الحال ازداد  سوءا ساعة بعد ساعة . وأخذ الثلج المتساقط يعلو شيئا فشيئا. كانت العربة المثقلة تخبط فوق سطح أبيض متصل ممتد على مد البصر. واخذت العربة تشق طريقها بصعوبة بالغة، وتعثرت في مواضع عديدة فأنهضوها.

لم يدر بخلد أحد من هؤلاء القوم، ان الركب سيتأخر كثيراً . ولهذا لم يجلبوا معهم أي طعام . ولكن السفر طال، وامضهم الجوع . وتبين لهم ان " كرة الشحم " كانت بعيدة النظر، وهي الوحيدة التي أحضرت معها غذاءً شهياً، فنسوا زرايتهم بها واقبلوا كراما على ما عرضته عليهم من الطعام .واستمرت الرحلة. وعند وصولهم الى مدينة توتسن، قرروا أخذ قسط من الراحة والمبيت في نزل على الطريق . وتبين لهم أن القوات البروسية، قد احتلت النزل واتخذته مركزا للقيادة . وبعد قضاء ليلة واحدة للأستراحة . فوجيء الركاب  في الصباح بقرار قائد الحامية بمنعهم من السفر . حيث أخبرهم صاحب النزل أن القائد البروسي أمره بعدم ربط الخيول بعربتهم حتى تقضي بول دي سويف ليلة معه في غرفته، لكنها رفضت الإنصياع لأمره في غضب ثائر. وكانت قد ذرفت الكثير من الدموع في روان على الشباب الفرنسي الذين سحقتهم آلة الحرب الدموية.

ولكن رفاق السفر حرصا على حياتهم وحريتهم ضرعوا اليها بشتى الحجج حتى استسلمت آخر الأمر . وفي الصباح التالي استأنف الركاب رحلتهم وعادوا من جديد الى النأي بأنفسهم عن بول دي سويف زراية بها، رغم أنها أقدمت على التضحية الكبرى من أجلهم .

فهم في هذه المرة قد أحضروا غذاءهم، ولكنها نسيت أن تفعل ذلك بسبب ما كان تشعر به من اذلال واضطراب، ففتحوا حقائبهم وأقبلوا على الطعام نهمين، ولم يعرضوا عليها كسرة من زادهم، فثارت عبراتها وتلألأت في مآقيها الدموع، فغمغموا ورعا وتقى (انها دموع العار)

تتجلى في هذه القصة اسلوب موباسان الحي النابض والذي نراه في جميع نتاجاته اللاحقة : جمل قصيرة رشيقة، وتكثيف بليغ، وتحليل عميق للنفس البشرية وتصوير دقيق للنفاق الاجتماعي وغباء البشر .

اثارت " كرة الشحم ".إنتباه الأوساط الثقافية، ووصفها غوستاف فلوبير بانها تحفة أدبية، ودفعت بموباسان الى الصف الأول بين كتّاب فرنسا .وهذه حالة نادرة في تأريخ الأدب العالمي . وأدى به نجاحه العظيم الى هجر وظيفته الروتينية المملة في وزارة البحرية ، والاتجاه بكليته للأدب رواية وقصة . حيث تهافتت دور النشر والمجلات الأدبية على نشر نتاجاته الجديدة لقاء مبالغ مالية سخية، وأصبحت صالونات المجتمع المخملي الباريسي تعد حضوره فيها من دواعي الشرف، مما أثار حفيظة وحسد زملائه الكتّاب .

وخلال عقد واحد ونيف من الزمان (1880-1891) خلف موباسان نهراً غزيرا من الأعمال الأدبية الرائعة، التي تشكل بمجموعها 29 مجلداً، تتكون من ست روايات وستة عشر مجموعة قصصية تضم حوالي 300 قصة، ومن ديوان شعر، وثلاثة كتب رحلات، وعشرات المقالات الأدبية عن ابداع فلوبير وتورغينيف وغيرهما . وقال أندريه موروا إن روايات وقصص موباسان توالت الواحدة بعد الأخرى، وولدت كما التفاح على الشجرة .

موباسان بهر الناس بالكشف عن غباء البشر وخداعهم، وبهجومه اللاذع على كل صور النفاق الاجتماعي وعلى رجال الدين المتاجرين بالطوبائيات لاغراض ومآرب شخصية

وابتداء من عام 1887 – اخذت اعماله الابداعية تتسم  بنظرة تشاؤمية للحياة بسبب الواقع الفرنسي الذي سماه ب( العهد الذهبي للأوغاد والتافهين ) . ورغم ان مجده الأدبي قد اتاح له ان ينعم بالمال الوفير، وامتلاك أربعة قصور ويخت فاخر، الا ان نمط الحياة الجامح الذي عاشه سرعان ما قوض صحته، وادى الى اصابته بمرض الزهري الذي لم يكن له اي علاج في ذلك الوقت. ولقد قاوم المرض بكل قواه،واعتزل الناس على ظهر يخته الخاص وقام برحلات بحرية الى كل من كورسيكا وانجلترا وايطاليا والجزائر وتونس

في رواياته " بيير وجان " ( 1888 )، و" قوي كالموت " ( 1889)، و" قلوبنا "، ( 1890) ومجموعاته القصصية " النسر" (1887)، و" من اليد اليسرى " ( 1889)، و" جمال عديم الفائدة " ( 1890) ثمة احساس الانسان بالعجز، وتوحده المأساوي في عالم لا يرحم، وتفاهته امام الموت.

. وفي السنوات الاخيرة من حياته عاش حياة وحدة واكتئاب وهذا المزاج يبدو جليا في قصته القصيرة "هورلا " . ورغم تفاقم المرض عليه فانه واصل الكتابة وعانى أول الأمر من القلق والارق والصداع الشنيع،، وأصبح العمل الأدبي أكثر صعوبة بمضي الزمن، وظلت روايته " انجيليوس " غير مكتملة . ثم بدأ بصره يضعف شيئا فشيئا واصبح على حافة العمى . وفي ديسمبر 1891 حاول الانتحار بقطع حنجرته ونزف الكثير من الدماء ولكن تم انقاذه في آخر لحظة ووضعه في مصحة للامراض النفسية في باريس. وعلى النقيض مما أُشيعَ عنه، لم يصب موباسان بالهوس والجنون، وأن فترة بقائه في أحد المصحات النفسية لم تكن لسببٍ نفساني، وإنما بسبب الارق الحاد الدائم والامٍ جسديةٍ مبرحة  حيث توفى في يوليو 1993  وأوصى أن يكتب على شاهد قبره العبارة التالية : " كنت متعطشا لكل شيء، ولكني لم أجد متعة في أي شيء.

قال موباسان ذات يوم لصديقه ( دماريا دي هيريديا )  مازحا : " لقد اقتحمت الادب كالشهاب، وسأغادره كالصاعقة ". حقا اخترق موباسان سماء الأدب كالشهاب واحترق بسرعة .

القصة القصيرة في ابداع موباسان

تجلت موهبة موباسان الأدبية ومهارته الفنية في قصصه القصيرة، التي تركزت فيها السمات المميزة لأسلوبه المتفرد . وهي التي أهلته لاحتلال مكانة مرموقة في الأدب الفرنسي.

خلق موباسان نمطاً جديداً من القصة القصيرة لم يكن معروفاً في الأدب الفرنسي وفي الأدب الأوروبي عموما .فقد كانت القصة القصيرة في عصر النهضة تغلب عليها الكوميديا، وتعتمد حبكة مسلية، مليئة بالاحداث الميلودرامية المتلاحقة دون أي محاولة للتعبير عن العوالم الداخلية للشخصيات، وما يعتمل داخلها من افكار ومشاعر واحاسيس .

أخذ موباسان يقدم للقاريء لأول مرة قطعة من الحياة مع التوغل الى عوالم الشخصيات ووصف مشاعر الانسان التي لا تظهر للسطح في الحياة اليومية . وهذا ما اصطلح على تسميته " النص المبطن " أي تضمين النص بمعنى داخلي إضافي يضاف الى النص في ذهن القاريء الذكي .

في فصص موباسان اناس من جميع طبقات وفئات المجتمع الفرنسي ( الارستقراطيون، القساوسة، وعمال المصانع والمزارع، والبحارة، وكبار السن، والاطفال ) . والقاريء يحس وكأنه يرى الزوايا المظلمة والمشبوهة في الواقع اليومي، وما يحدث في الحانات الصاخبة وفي غرف قصور العاصمة الفرنسية .

تأثر العديد من كبار الكتاب في العالم بعالم موباسان واسلوبه الجذاب، من ابرزهم ( أو.هنري، وسومرست موم، واسحاق بابل ). وكان موباسان محل اعجاب فريدريش نيتشة، وليف تولستوي وايفان تورغينيف، وانطون تشيخوف، وايفان بونين .

قال تشيخوف ذات مرة لايفان بونين عام 1897 في يالطا :" نحن مدينون لموباسان في شرعنة جنس القصة القصيرة .فقد عانيتُ كثيرا لانني اكتب القصة القصيرة، لأن النقّاد عندنا يقيمون العمل الأدبي حسب الطول.ولولا موباسان لكانت القصة القصيرة لا تعد ادباً ".

كما أتى تشيخوف على ذكر موباسان في العديد من أعماله الأدبية، وأثنى على مهارته الفنية قائلاً : " أنه أفضل كاتب فرنسي الى جانب فلوبير , موباسان كفنان كلمة، وضع متطلبات ضخمة للفن القصصي، بحيث باتت الكتابة على النمط القديم مستحيلة " .

أما بابل فقد كان منذ خطواته الأولى في عالم الادب، مسحورا بقصص موباسان . وكان يقول ان مدينته ( اوديسا) المشمسة،عروسة البحر الأسود، هي مرسيليا الروسية، وانها لا بد أن تنجب في يوم من الأيام ( موباسانها ) الروسي . وقصة " جي دي موباسان (1932) هي واحدة من أجمل وأشهر قصص إسحاق بابل .

موباسان في روسيا

كانت الطبقة الأرستقراطية الروسية في العهد القيصري تتحدث اللغة الفرنسية في حياتها اليومية، وتتابع  كل ما هو جديد في الحياة الفنية والثقافية الفرنسية . فتاة الرون - رغم مهنتها الرذيلة - أثارت اعجاب المثقفين الروس .

لعب ايفان تورغينيف – الذي كان شبه مقيم في باريس، وتربطه علاقات صداقة وثيقة مع العديد من ابرز الكتاب الفرنسيين، بينهم غوستاف فلوبير واميل زولا - دورا ملحوظاً في تعريف الوسط الادبي الروسي باعمال موباسان، فقد كان حلقة الوصل بين الادبين الروسي والفرنسي . وكان تورغينيف قد تعرف على موباسان في مجلس غوستاف فلوبير، واطلع على مؤلفاته اولا بأول، وثمن عاليا موهبته المميزة . وتوقع له مستقبلا ادبيا باهراً، وقال انه ياتي في المرتبة الثانية بعد تولستوي من حيث الموهبة، وعن طريقه اطلع موباسان على اعمال ليف تولستوي ومنها روايتي "الحرب والسلام " و"آنّا كارينينا " . وقصة " موت ايفان ايليتش " . وكان موباسان بدوره يعد تورغينيف احد اساتذته في الأدب . وقد أهدى اليه مجموعته القصصية " منزل تيليه "

كانت روايات وقصص موباسان تترجم الى اللغة الروسية بعد فترة وجيزة من نشرها في فرنسا . فعلى سبيل المثال لا الحصر . نشرت رواية موباسان الأولى " الحياة " في فرنسا عام 1883 وظهرت مترجمة الى الروسية في السنة ذاتها، وكذلك رواياته الخمس الأخرى " الصديق اللطيف " ( 1885) و" مونت أريول " (1886)، "بيير وجان " (1887- 1888)  و" قوي كالموت " ( 1889 )، و" قلوبنا" ( 1890) . كما كانت الصحف والمجلات الروسية تتسابق الى ترجمة ونشر أعمال موباسان ويقبل عليها الجمهور القاريء الروسي اقبالا، لا يجده كاتب فرنسي آخر .

موباسان وتولستوي

كان تورغينيف يزور وطنه بين حين وآخر، وعندما عاد من باريس عام 1981 زار ليف تولستوي في ضيعته المعروفة بإسم (ياسنيا بوليانا). وكالعادة تحدثا طويلاً عن أبرز الأحداث الأدبية في باريس وموسكو . وكان تورغينيف قد جلب معه نسخاّ من مجموعة قصص موباسان " منزل تيليه " الصادرة في باريس حديثا.

عندما زرتُ منزل (الآن متحف) تولستوي  في (ياسنايا بوليانا) أثار انتباهي مكتبته الشخصية، حيث وجدت فيها مؤلفات أشهر الفلاسفة والكتّاب الروس والأجانب، بينها النسخ الفرنسية الأصيلة لمؤلفات موباسان، وكذلك ما ترجم منها الى اللغة الروسية . فقد كان تولستوي حريصا على متابعة الحركة الأدبية الفرنسية، وقراءة أعمال غوستاف فلوبير وأميل زولا، وأناتول فرانس، وجي دي موباسان باللغة الفرنسية فور صدورها في باريس

ثمة قصة لموباسان عنوانها " في الميناء " وهي قصة رائعة . وقد بلغ اعجاب تولستوي بهذه القصة مبلغا حمله على ترجمتها الى اللغة الروسية بتصرف، واطلق عليها اسم " فرانسوازا " ونشرها ضمن كتابه " دائرة القراءة ". كما أشاد تولستوي برواية موباسان الأولى المسماة " الحياة " حيث أعاد قراءتها عدة مرات، وقال عنها أنها رواية ممتازة، وربما أفضل رواية فرنسية بعد رواية " البؤساء " لفيكتور هيجو .

كتب ليف تولستوي دراسة مطولة عن جوهر الفن عموما وعن أعمال موباسان خصوصاً  - والتي تحتفظ بكل قيمتها حتى اليوم  – كمقدمة للترجمة الروسية لمؤلفات جي دي موباسان، التي صدر الجزء الأول منها في موسكو عام 1894 وكانت للدراسة صدى ايجابي واسع في روسيا والدول الأوروبية وخاصة في فرنسا والمانيا.

جاءت الدراسة خلال تلك الفترة الساخنة، التي كان فيها تولستوي يعيد النظر في دور الفن في حياة الفرد والمجتمع . وشكلت لاحقاً اساساً لأطروحته  الشهيرة "ما الفن " .

وكما أشار (بوبوف) سكرتير تولستوي في رسالة الى  احد النقاد ، مؤرخة في 4 مارس 1994  ان موباسان كان مجرد ذريعة  للكاتب العظيم  لبسط آرائه في الفن عموماً .

وكتب تولستوي يقول: "

ربما لم يكن ثمة كاتب آخر آمن بهذا الاخلاص، ان كل النعم، ومعنى الحياة تكمن في المرأة والحب . لقد وصف موباسان بقوة مشاعره المتأججة المرأة، وحب المرأة من كافة الجوانب . وربما لا يوجد في تأريخ الأدب كاتب آخر وصف بهذا الوضوح، وهذه الدقة كافة النواحي الفظيعة للظاهرة ذاتها التي لاحت له كأسمى الظواهر . وكلما أوغل موباسان في هذه الظاهرة، تجلت له على نحو أوضح، وتعرّت من قشورها، ولم تبق منها سوى نتائجها ".

وصف موباسان في رواياته وقصصه الماركيزات، والعاملات، والبنات النحبفات، والممتلئات، والسيدات الناضجات، والأمهات ذوات الخبرة، الشقراوات منهن والسمراوات . وأغرم بالجمال الأنثوي، حيث تشكل منحنيات الجسد، وملامح الوجه ثيمة رئيسية في أعماله   .

ولا شك ان تولستوي كان قاسيا في حكمه على معظم روايات موباسان، الذي كان طوال حياته الإبداعية يحاول تحليل عيوب الطبيعة البشرية . واتخذ في هذا التحليل موقف المدقق الموضوعي وليس موقف الواعظ . وهو موقف يتناقض مع كل تقاليد الأدب الروسي للقرن التاسع عشر، مما يفسّر احكام  تولستوي الأخلاقية الصارمة حول عدد من روايات موباسان .

ولكن الرواية لا تشكل سوى جزءاً يسيرا من نتاجات موباسان، فقد كتب الى جانب ذلك – عددا كبيرا من القصص القصيرة، التي نالت اعجاب تولستوي وثمنها عاليا .

ان الفن شيء والأخلاق شيء آخر . وكان موباسان يقول:" هل تطلبون مني موقفاً أخلاقياً؟ ليس لدي هذه الحشمة الأدبية . وما هي هذه الحشمة؟ . امنحوا الكاتب حرية التفكير والابداع وفقا لميوله، وسماته الروحية والنفسية، التي تميز درجة استثارته الوجدانية، ويتجلى ذلك في سلوكه وموقفه تجاه الواقع المحيط به ".

 

د. جودت هوشيار

 

نايف عبوشالشاعر أبو يعرب، كتب الشعر منذ نعومة اظفاره،وذلك لموهبته، وتمكنه، وبلاغته، وتراكم تجربته. وقد طرق كل أجناس الشعر المعروفة، من الغزل، إلى الرثاء، إلى المديح، إلى الحكمة، إلى غيرها، وباقتدار واضح .

ويلاحظ المتابع لنظمه، أن قريضه في المدح،والرثاء، هو نتاج بيئة ريفية النكهة، والتقاليد، حيث يسود أعرافها الفخر، والاعتزاز بمكارم القوم ،ومن ثم فإن قريضه يأتي في صميم ممارسة جنس المدح في الشعر العربي الأصيل، في ابراز المناقب الرفيعة، والمعاني النبيلة، التي يتسم بها الأفاضل من الناس، من الذين يخصهم الشاعر أبو يعرب في قصيده بالثناء، في حين يأتي الرثاء في نظمه، تأسيا، وأسفا على غياب أصحاب تلك المكارم، أو ميل الأيام بهم .

وبذلك فإن الشاعر أبو يعرب، بجدلية الثناء، والرثاء، وهو يحاكي بنظمه، اسلوبية شعرية عربية متجذرة بالأصالة،إنما يساهم ومن خلال اسلوب الاطراء شعرا، في ترسيخ نهج القيم، ويعزز التقاليد النبيلة في المجتمع، ويشجع على تنميتها، وإشاعتها بين الناس،ويحفز الأجيال للمسارعة على فعل الفضيلة، كلما أمكن ذلك.

ومن هنا يمكن القول إن اسلوب المدح، والثناء،و التأسي، والرثاء في قصيده، والذي احتل مساحة واسعة من نظمه، يأتي جريا على عادة فطاحل الشعراء،وذلك بالتركيز على صيغة الإطراء،والتأسي، لدواعي الاشادة بالمعاني الإنسانية، والمناقبية الفاضلة، باعتبارها معاني إنسانية، وقيما اجتماعية راقية، تستحق التنويه، والإشادة،والتوثيق، ابتداء، وبقصد التأسي والتواصل مع تلك المعاني ثانياً . ففي قصيدته (تسح دمعا) في رثاء صاحبيه خيرالله، وجمال الشعلان، نجده يقول:

فأنت إذا الزمان أصاب قوماً       بضائقة بسطت لهم يداكا

وخير الله كان بنا حفيا               وكان بهذه الدنيا ملاكا

ومن هذا المنطلق، يلاحظ أن أسلوب الرثاء المقترن بالمدح في نظمه، يستهدف رفع شأن قيم الفضيلة، والسمو بها إلى أرفع مكانة، بقصد تعميق معاني الشهامة، وترسيخ قيم الانتخاء، والتكافل، بين أبناء المجتمع، وتشجيع الجمهور على ممارستها، حيث يقول في مدح صاحبيه قحطان وعماد الشعلان:

دعوت الله ان يرعى عمادا         وقحطانا فهم أهل لذاكا

فدم ذخراً وحصنا ياعماد            تجير المستجير إذا دعاكا

سلام الله ما طلعت نجوم            فشعري رغم صدقه ما وفاكا

ولذلك، فلا عجب أن نجد قصائده في جدلية ترابط الرثاء والثناء ،تلقى قبولاً واسعا بين الجمهور، وتحظى بالتداول، والإستشهاد بها، في توكيد تلك المعاني، والقيم .

 

نايف عبوش

 

شاكر فريد حسنمعرفتي بالصديق القديم الشاعر الغنائي موسى محمد حلف، تعود إلى اواخر السبعينات من القرن الماضي، من خلال ما كان يكتبه وينشره من قصائد وجدانية ذات طابع غنائي، في الملحق الأدبي والثقافي لصحيفة " الأنباء " المحتجبة، ثم في مجلة "الشرق" المحتجبة أيضًا، ثم من خلال الرسائل التي كنا قد تبادلناها في تلك الحقبة الزمنية، وبعدها تعرفت عليه شخصيًا من خلال زيارتي له في بيته بقريته الصغيرة الهادئة النائية عرب الحليف القريبة والمتاخمة لبسمة طبعون، حيث الطبيعة الخضراء الجميلة الساحرة الموحية والملهمة للشعر، وقد قضينا ليلة ماتعة لم تبرح خيالي وذاكرتي حتى الآن، ولكن هموم الحياة وانشغالاتها والتزاماتها حالت دون مواصلة اللقاءات .

وكنت أجريت مع موسى لقاءً حول موهبته وتجربته ومسيرته الشعرية نشرت آنذاك في صحيفة " الأنباء " .

وفي العام 1980 صدرت باكورة أعماله الشعرية بعنوان "رحلتي غربة .. ودموع"، وكان قد اهداني نسخة منها. وهي صادرة عن منشورات مكتب " المجتمع " لمؤسسه وصاحبه طيب الذكر المرحوم الصديق الشاعر ميشيل حداد (أبو الاديب)، ثم صدر ديوانه الثاني الموسوم " بطاقات البدء والنهاية " في العام 1992 . وكان الصديق الشاعر والكاتب عامر جنداوي قد كتب متابعة نقدية عنه في مجلة " الشرق " لصاحبها الأديب د. محمود عباسي .

موسى محمد حلف عانق نور الحياة في الخامس من نيسان العام 1959 في عرب الحلف، أنهى دراسته الثانوية بالكلية الأرثوذكسية بحيفا، والأكاديمية بدار المعلمين العرب في حيفا، ثم اشتغل معلمًا فمفتشًا للغة العربية بلواء الشمال، وحصل في العام 2017 على لقب المفتش المتميز من قبل وزارة التربية والتعليم .

ومنذ صغره شغف موسى بالمطالعة وقراءة الكتب، عشق الحرف والكلمة ولغة الضاد، وكان ميالًا للشعر وكتابته، امتلك موهبة حقة، وكانت البذرة صالحة، لكنه اختفى وغاب عن ساحة الأدب والإبداع، ولا ادري اذا كان ما زال يكتب، أم ان هاجس الشعر قد تركه، فمنذ فترة طويلة لم اقرأ له .

عرف موسى كصاحب الكلمات الملحنة المغناة، منها أغنية " الموج الأزرق " التي لحنها الفنان طه ياسين وأداها المطرب خليل أبو نقولا، وأغنية " ناطرك على العين سهران " للكرملي سمير أبو فارس، وهي ايضًا من الحان طه ياسين، وسواها .

نشر موسى قصائده وأشعاره في عدد من الصحف والمجلات والدوريات الأدبية والمحلية، وكانت على مستوى راقٍ . وهو شاعر تموزي رومانسي حالم، وصوت رهيف شفيف، اتصف بالرقة والطلاوة وشفافية الروح، وصدق الحرف، وأناقة الكلمة، وجمال التعابير وسبك الكلمات وصياغتها . تنوعت مواضيعه واغراضه وموتيفاته، وقد تغنى بالحب والطبيعة والجمال، تغزل بالمرأة، وناجى الحبيبة، وخاطب أمه واهداها ديوانه الأول، وحاكى الوطن والطبيعة، وتحدث عن الحزن والسفر والترحال، وتألق في الغزل والوصف، واكثر من البوح الرهيف، واستخدام ضميري المتكلم والمخاطب (أنا) معتدًا ومعتزًا بنفسه، لدرجة أنه استهل ديوانه الشعري الثاني بالعزة والأنفة والشموخ، قائلًا :

أنا المدّ في عاصفات البحار

وموج سيرغي وصرح أشم

وقارب حب .. اذا ما المحار

تغنى فاثلج صدر الخضم .

وموسى في قصائده يكثر من توظيف واستخدام التعابير الرومانسية، ذات الدلات والايحاءات المختلفة، كالزهر وحبات الندى والقمر والشمس والنجوم والبحر والسماء والمطر والخمائل والنرجس والغسق والغدير والحرير والعطر والنورس والاقحوان والجلنار والغار والجداول واللؤلو وغيرها الكثير .

ومن قصائده الأولى اخترت هذا النموذج .. فيقول :

ويكبر حبي ليصبح مطرَا

وجئتك أحمل فوق جبيني

غارًا وحبًا

وأشفي جراح الشيوخ

وشوق اليتامى ..

وامسح كل سهاد العذارى

ليكبر حبي ويصبح تبرًا

ويصبح أهلي ...

فأرجع كل ليالي العتابا

ومن نافل القول أن قصائد ونصوص موسى حلف بمنتهى الجمال والروعة، فيها احساس مرهف، وخيال رومانسي مجنح، وبعد انساني، وروح وجدانية عميقة، وحسن اختيار للمفردة المعبرة العذبة المموسقة الأخاذة المدوزنة، وتأتي منسابة، متناغمة، متجانسة، بعيدة عن التكلف، سهلة ممتنعة وعفوية جدًا .

وكان الشاعر الناقد ا. د . فاروق مواسي قد تناول بالعرض والتحليل والنقد قصيدته "أنفاس الظباء"، نشرها في كتابه "قصيدة وشاعر" . وهي قصيدة غزلية وجدانية جميلة، وكما يقول عنها " فيها أنفاس الشعر الصافي ورقة العاشق اللهفان، وتدل على حالة وجد يعبر عنها بصدق شعوري بعيد عن التكلف أو تركيب العبارات، أنه يتلاحم مع طبيعة بلاده، ويضفرها نجمًا لعينين أخاذتين، هي خلاصة الانتماء ومعنى الوفاء . وكل ذلك تأتي له في بحر " الرمل .. المشبع بالغنائية والشفافية، وخاصة إذا اندفعت فيه ألفاظ رقيقة وتكرارات مترددة بعذوبة، هذا التكرار الذي تساوق في القصيدة من معنى إلى معنى، لكنه المعنى الواحد في الصور المركبة " .

ولنسمعه يقول في هذه القصيدة الرائعة :

عندما يرسم طل الفجر

عينيك قصيدة...

ويغني لحنَهُ...

جدول في ناظريك

وشراع ينطوي...

في قاربي...

أسلب النجم..وأهديه

لعينيك وشاحا..

.

حين أرض.. أنت فيها

ترتوي غيثا دقيقا

وندى..

يكبر الزيتون فيها

ويصير النرجس الفتان...

نارًا تتلظى..

في قلوب العاشقين

.

عندما ينقش عصفور

على خد الورود الحالمة..

حلما حرا.. وشوقا غردا

وحبال النور فيها..

يكتوي ثلج السفوح الناعسة

أجمع الورد لنهديك غلاله.

.

كلما زينك الصمت جمالاً

وخيالاً جامحا..

يصبح الصمت صلاة

وطقوسًا.. نزرع الدفء

على سمر الشفاه التائهة

.

عندما في السفح ينمو

"زعتر"

وتوشح..

نفسها الوديان بالعطر

الذي

ملأ السفح بأنفاس الظباء..

أكتب الشمس لعينيك

نشيدًا

كي يصير الصبح أحلى..

كي يصير الغيث رقراقـًا

جميلا..

كي يذيب النجم في عينيك

للكون قصيده..

وفي الاجمال، موسى حلف شاعر غنائي ايقاعي حساس، وصوت شعري دافئ عذب خلّاب في سمفونية الشعر الرومانسي، سرقته مهنة التفتيش، غاب عن الأنظار، لم ينتشر ويشتهر، وبقي في دائرة الظل، فخسره الشعر والابداع الصافي، فله أجمل واطيب الامنيات، مع محبتي وشوقي وتقديري، ونأمل أن نقرأ له نصوصًا جديدة .

 

بقلم: شاكر فريد حسن