محمد صالح الجبوريالبرامج التلفزيونية التي لها مكانة في القلوب تبقى لها نكهة، وطعم مميز، وإسلوب ممتع تنقلنا إلى عالم آخر، هذه البرامج التي تحاور شخصيات معروفة متمكنة في الأداء واللغة، وحسن الكلام، ولها القدرة على طرح مواضيع منوعة في مختلف مجالات الحياة، ومن تلك البرامج المتميزة برنامج (أطراف الحديث) الذي يعده ويقدمه: د. مجيد السامرائي وهو برنامج ناجح يلقى إعجاب المستمعين في كل مكان، السامرائي يحاور ضيوفه بمهنية عالية، ويحاول باسلوبه الحصول على المعلومات المهمة منهم، وهو يختار أفضل الشخصيات التاريخية والعلمية والفنية والرياضية، ربما قدمت قناة الشرقية هذا البرنامج من أفضل برامجها، وهي لديها برامج منوعة تهم شؤون الناس، و تهتم بمشاكلهم، الإعلام يقدم كل شيء يهم المواطن، برنامج اطراف الحديث ينقلنا إلى عالم الماضي بطيبته، والى تلك السنوات التي مرت ولم تبقى سوى ذكرياتها، في الماضي نكهة طيبة، المستمع يرغب أن يحصل على معلومات في مختلف المجالات، والحديث مع شخصيات مهمة ومعروفة يضيف للحوار أهمية كبيرة، إن نجاح البرنامج يعتمد على انتقاء الشخصيات، وإختيار المواضيع، وكفاءة المعد وثقافته ومعلوماته، و سيطرته على الحوار، د. مجيد السامرائي شخصية إعلامية مقتدرة، له خبرة في الحوار، ويحظى بإهتمام المستمعين، تحياتي له، البرنامج وثق أحداث وتواريخ مهمة لشخصيات مهمة ومهن وحرف في مختلف مجالات الحياة، ولبرنامجه الممتع النجاح والموفقية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

ضياء نافعيحتفل العراق وروسيا في هذا العام (2019) بالذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وانطلاقا من هذه الذكرى اليوبيلية وتحية لها، فقد قررت لجنة تحديد الفائزين بجائزة نوّارلتعزيز الحوار العراقي – الروسي لعام 2019 اليوبيلي هذا منح جائزتين  اثنتين بدلا من جائزة واحدة كما كان الامر في العام الماضي عند تأسيس هذه الجائزة، واحدة للعراق واخرى لروسيا، اي ان العراق وروسيا فازا معا لهذا العام (في الذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات بينهما) بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي - الروسي، وذلك لأنهما باتخاذهما القرار باقامة علاقات دبلوماسية بينهما يعني انهما يسعيان معا لاقامة حوار دائم بين الجانبين، وهذا القرار (الذي تم اتخاذه العام 1944) بحد ذاته يجسّد خطوة مهمة جدا في انطلاقة مسيرة هذا الحوار وتعزيزه  لاحقا .

  يستلم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي في دورته الثانية للعام 2019 باسم العراق سفير جمهورية العراق في روسيا السيد حيدر منصور هادي العذاري باعتباره رئيس هيئة تمثيل العراق في روسيا، ويستلم الجائزة باسم روسيا سفير روسيا الاتحادية في العراق السيد مكسيم كنستونتينوفتش مكسيموف باعتباره رئيس هيئة تمثيل روسيا في العراق. هذا وستجري مراسم تسليم الجائزتين في الحفل الكبير، الذي تقيمه بموسكو سفارة جمهورية العراق في روسيا الاتحادية (لمناسبة الذكرى 75 للعلاقات بينهما) مساء التاسع من ايلول / سبتمبر 2019، وهو اليوم الذي وقّع فيه الجانبان اقامة علاقات دبلوماسية بينهما في عام 1944، اي قبل 75 سنة .

لتزدهر وتتعزز العلاقات العراقية – الروسية لمصلحة الشعبين الصديقين 

عاشت جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي

 

أ. د. ضياء نافع                    

 

النذور عادة غرست في الروح الانسانية من عهود موغلة في القدم . فقد درج الانسان عليها في حالات الشدة والأزمات التي يمر بها وتجعله فريسة سهلة للهموم والأحزان، تتقاسمه نوازع شتى لا خلاص منها لذا يلجأ الى النذور .

وقد ذكرت النذور ووجوب الايفاء بها لله تعالى واجبا لابدَّ من القيام به في قوله تعالى "ويوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا" ولا يصح النذر الا لله تعالى حيث لا يستطيع المحال والصعب ولا يقوم ايُّ أمر صغر أم كبر الا بإرادته هو . غير ان بعض العامة درجت خطأ على التقرب بالنذور لغير الله أعاذنا الله . وغالبا ما يكون الخطأ باللسان لا بالفعل حيث تكون النية لله ولا ينطقها الناذر بل يذكر من يظنه شفيعا له عند الله . والنذر الأشهر والأصح أن يصوم الانسان لله – كما فعل زكريا – أو أن ينذر الرجل أو المرأة أن يذبح خروفا أو عجلا ويوزع لحوم ما يذبح على الفقراء والمحتاجين أو يوزع مالا أو طعاما أو كسوة .

سأحاول المرور ببعض النذور التي كانت ولا زالت معروفة عند العوائل البغدادية علما ان أغلب من ينذر هن النساء .

1) - كرصة وحنونة

في حالات الأزمات حيث لا حل تعرفه المرأة للتخلص من أزمة أحكمت قبضتها عليها الا النذر فتنذر أن تُخرج من خبزها كرصة (وهي الرغيف) مشفوعة بحنونة (وهي رغيف صغير يُصنع عادة للطفل) ترميهما طعاما للكلب ايِّ كلب ان تخلصت من أزمتها تلك وقد تفعل ذلك اثناء قطعها العهد وقبل تحقق ما تطلب .

2) – شموع الخضر

تنذر المرأة أن توقد للرجل الصالح (خضر الياس) ان تخلصت من مشكلتها التي تقض مضجعها توقد بضعة شمعات وعادة ما تثبتها على (كربة : وهي أصل السعفة الذي يرتبط بالنخلة) وبعد أن توقدها تدفعها برفق في النهر على مقربة من مرقد الرجل الصالح أو اية شريعة اخرى تطل منها على النهر .

3) - حلال المشاكل

توزع المرأة اثناء الأزمات على جاراتها وصديقاتها حفنات من خليط (الكرزات : المكسرات) وتطلب منهن الاحتفاظ بالبذور والقشور فاذا ما تم لها ذلك رمت كل ذلك في النهر وانتظرت الفرج .

4) - خبز العباس

تنذر البغدادية أن توزع على جاراتها بعد انفراج أزمتها خبزا ملفوفا على شيء من خضرة منوعة طازجة وبعض الأحيان يحتوي على شيء من الجبن الأبيض بعد تحقق مرادها .

5) - حلاقة شعر الطفل

تنذر الام التي لا يعيش لها وليد ذكر أو التي لم تنجب ذكرا حتى الآن أن تحلق شعر رأسه في مرقد الصحابي الجليل حلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم (سلمان الفارسي) وتزن الشعر المتساقط ثم توزع بمثل وزنه نقودا على الفقراء فان كانت غنية وزعت ذهبا بمثل وزن الشعر المتساقط عند الحلاقة .

6) - شمعة مريمانة

نادرا ما تنذر المرأة التي يتأخر أو يمتنع انجابها لسبب ما الى (مريم العذراء) شمعة كبيرة تذهب بها الى احدى الكنائس المعروفة ويكون ذلك عادة قبل الحمل.

7) المشي حافية

تنذر بعض النساء أن تذهب حافية القدمين لا ترتدي الا عباءة تخاط عليها تذهب الى مرقدٍ من مراقد الأولياء الصالحين ان تحقق لها ما تريد .

8) - الكدية

تنذر بعض النساء أن تطوف على البيوت متسولة ان تحقق ما تريد . وغالبا ما تجمع ثمن ذبيحة فتذبحها لوجه الله ثم تكف عن تسولها .

9) - الرقص

تنذر بعض النسوة أن ترقص في الشارع ان تحقق حلمها فان تحقق اضطرت للطلب من جاراتها أن يحطنها بدائرة تسترها لتقوم بحركة واحدة أو إثنتين إيفاءً بنذرها .

10)- عشاء أم البنين

قد تخرج المرأة عشاء لفرد أو أكثر تأخذه لأحد بيوت الفقراء أن تحقق لها ما تبتغي .

11) - لبس الكونية

تنذر المرأة أن تلبس خلقاً أو (جونية: وهي كيس سكر أو رز) وتسير بها بين الناس ان تحقق حلمها ومرادها، فان تحقق حلمها لبست الجونية وسارت خارج دارها ولو خطوتين ثم دخلت الدار وسارعت الى خلعها .

12) - زكريا

تنذر من لم تكن تحمل أن تصوم وربما مع الصمت وان تصنع طعاما معينا وهو نوع من الحلوى تُسمّى (زردة وحليب) وأنواعا اخرى وتوقد شموعا في صينية تملأ بأوراق الآس توضع الشموع في أباريق فخارية على عدد الذكور الذين أنجبتهم وأما الاناث فتضع على عددهن شربات (تنك) تثبت الشمعات بفوهاتها ويكون ذلك في الأحد الأول من شهر شعبان .

13)- صوم البنات

تصوم بعض البنات يوما معينا من شهر شعبان طلبا لتحقيق مرادهن بالزواج و يفطرن عادة على خبز شعير وماء بير (بئر) .

***

سمية العبيدي

 

حسين علي خضيرحاولت عدة مرات ان أتفادى الكتابة عن الكاتب المعاصر ديمتري بيكوف المتعدد المواهب – وهو كاتب، وصحفي، وناثر، وشاعر، وناقد والخ. ولكن آرائه الغريبة والمثيرة الى الجدل وانتقاده الى قامات ادبية كبيرة في عالم الادب الروسي، كل هذه الأسباب دعتني اكتب هذا المقال، فما يهمني من هذا المقال هو طريقة نقده للكتَاب والشعراء الموهوبين وغير الموهوبين، وطبعا، القائمة طويلة، ولا مجال لنا في ذكر الأسماء التي تحدث عنها بيكوف، ولكن اخترنا اسمين كبيرين في عالم الشعر والنثر هما: الشاعرة الكبيرة آنا اخماتوفا والكاتب العظيم دوستويفسكي، والغريب في الامر ان هذا الكاتب له العديد من المعجبين في روسيا، لكن طريقة كتابته او انتقاده تجعل الشخص في صدمة واستياء مما يطرحه هذ الكاتب الغريب الأطوار، حتى ان الكاتب والناقد المعاصر المعروف رومان سينجين تحدث عنه، حينما سألوه في احدى اللقاءات: " من هو ديمتري بيكوف بالنسبة لكم – شاعر، ناثر، كاتب مقال، كاتب مسرحية، محاضر ام ظاهرة فريدة؟... يجب ان انوه فكرت لفترة طويلة، قبل ان اجاوب، وسوف أجيب، على الأرجح، ومن المتوقع انه ظاهرة فريدة، اقرأ واستمع الى بيكوف كثيراً. في بعض الأحيان يقول ويكتب أشياء مثيرة الى الاستياء. أود ان أجادله، لقد فعلت ذلك عن طريق الكتابة مرتين فقط، ولكن فكرياً أفعل ذلك كثيراً، وبفضل ديمتري لفوفيتش كثيرا ما قدراتي العقلية لاتزال لم تتأكسد أبداً."، وعلى ما يبدو ان الكاتب رومان سينجين مستاء من أفكاره التي تثير الشك، وعدم احترام الرموز الأدبية الروسية التي تركت بصمة كبيرة في الأدب الروسي، ودليل على ذلك ان الناقد رومان سينجين يقول فكرياً اني أجادله كثيراً وهذه اشارة واضحة ان رومان لا يتفق مع بيكوف فيما يطرحه من افكار.

اما الان دعونا نكشف لكم بعض من آرائه الغريبة: فقد تحدث في محاضراته التي يلقيها باستمرار عن رايه بالشاعرة الكبيرة آنا اخماتوفا بمناسبة يوم ذكرى ولادتها، وكان رأيه بالنسبة لي غريباً وصادماً لا ينم عن كونه ناقداً معروفاً، فيقول عنها: " تجسد اخماتوفا النموذج للمرأة الفاسقة المقدسة، وهو النموذج الذي جسدته وغرسته لأول مرة في الادب الروسي ". ياله من ناقد غريب!!!، ولم يكتفي بذلك، بل حتى الكاتب الكبير دوستويفسكي لم ينجو من افكاره الغريبة، فيقول عنه : " ... ماذا يمثل مبدئياً بالنسبة لي أهمية دوستويفسكي؟ انا أعده كاتباً كبيراً للمقالات السياسية والاجتماعية والهجائية، ومؤلف أهاجي مشهور، ومقالاته الاجتماعية لها شأن كبير جداً. أسلوبه حسب أدعاء باختين اقرب الى المونولوج ومتعدد الأصوات، صوته أجش، تتقطع انفاسه همساً، الذي نسمعه دائماً في نصوصه، مكتوباً على طريقة تلقين ومسجل باختزال، وهذا الامر قريب جداً الى الأسلوب الصحفي، اما بالنسبة لعرضه بارعاً ودائماً ساخراً لراي ما وحيداً كان او متعدداً الأصوات. جميع ابطاله يتحدثون بطريقة متشابها. وجميعهم مرضى بأمراضهم الخاصة. لعل الكلمات الصادقة لتولستوي تنطبق عليه: (انه واثق من أنه إذا كان مريضا – فالعالم كله مريض). هو كاتب ساخر كبير، ومؤلف هجائي رائع، له القدرة على ان يكون مضحكاً، وفرحاً، ومألوفا واحيانا عنيفاً. ولكن على الأغلب لا انوي ان اسميه فناناً، أولاً، هنا بذات كفنان قام بأشياء جيدة حتى عام 1865، ومن ثم استمر الفن بتراجع متزايد عند اول اهجوة صدرت (الشياطين) – هي نقطة الذروة في اعماله، اما (الإخوة كارمازوف) – هي رواية بصورة عامة غير متوازنة التي فيها الأحاديث والجدل والخطب اكثر من العمل ولوحات والمناظر الطبيعية. المناظر عند دوستويفسكي تغيب تقريباً ما عدا المدن. ثانياً، الأكثر أهمية على وجه الدقة هو قبل كل شيء أبداً لم يدعي فناناً. وهو في الغالب مفكراً، وعالم نفساني، ومحلل. كفنان هو يترك انطباعاً بشيء من الضيق وافتقار الى الوسائل بمعنى انه رتيب جداً. ويبدو ان تفاقم المرض لديه ادى به الى السيطرة اقل على قدراته الفنية الخاصة به. كانت لديه مواضيع لأجدال فيها دائما تنتمي الى صورة قاتمة الى اعماق الوعي الإنساني، على سبيل المثال قصة (بوبوك) مكتوبة بشكل مدهش وهي حلم وكابوس مخيف جداً، وبودي ان أقول بشكل واضح كان مملاً وغير طبيعي. او انه يؤثر تأثيراً عاطفياً رائعا في سر ما يسمى انسان القبو. اي مثل هكذا تعليم ذاتي وواعي وهكذا سادية مكبوتة بهذا المعنى لا مثيل لها بالنسبة له ". هنا يجب ان نوجه سؤالا، اذا كان دوستويفسكي ليس فناناً فمن هو الفنان برأيك يا سيد بيكوف؟! لو تمعنا قليلا فيما يقوله بيكوف نجد انه نفس الذي سبقه فلاديمير بيكوف، لديه عقدة من مجد دوستويفسكي، الذي قالها علناً: "لا اخفي، ان لديه رغبة شديدة ان انتزع المجد من دوستويفسكي "، وعلى ما يبدو ان بيكوف أيضاً لديه هذه العقدة، ويحاول بطريقته الساحرة ولسانه السليط وقدرته على اقناع الآخرين في تكوين هذه الفكرة التي تختمر في رأسهُ مثل الذي سبقه نابوكوف. وطبعاً، هذا غيض من فيض مما يطرحه ديمتري بيكوف، الذي معدل محاضراته في اليوم الواحد تتجاوز مراحل حياته.

 

حسين علي خضير

 

صادق السامرائيمبروك لصحيفة المثقف الغراء هذه القدرة المتميزة على إستقطاب العقول الثقافية المعرفية المنورة من جميع التخصصات والإهتمامات، مما يدل على نجاحها الفائق وقابليتها على إستيعاب الإرادة الإنسانية المتمثلة بتعبيراتها المتنوعة.

هذا الإنصباب الفكري المتدفق في وعاء صحيفة المثقف ليعطي مثالا حيا وواقعيا على قدرة الأمة على أن تنصهر طاقاتها في وعاء كينونة حضارية أصيلة، وقد تحقق ذلك في مسيراتها عبر العصور ووفقا لمنطلقات الأجيال وهمتها في التعبير الأمثل عن ذاتها المتفاعلة المنطلقة نحو العلاء.

ووفقا لذلك فأن صحيفة المثقف أصبحت أمام مسؤولية كبيرة في إيجاد الكيفيات والآليات التي تحقق الإستثمار التنويري لهذه الطاقات المعرفية المتوافدة إلى صفحاتها، بعد أن ذاع صيتها وترسخت قيمها ومعانيها الإنسانية ورفعت رايات التسامح والألفة الإنسانية السامية.

فهل ستتمكن من صناعة التيار الثقافي القادر على التأثير والتغيير؟

فالأمة بحاجة إلى تيار ثقافي فاعل في الواقع ومؤثر بمسيرة الأجيال لكي تمتلك الحصانة الكافية، التي توقيها من أوبئة التضليل والتغرير والخداع العاصفة بأرجاء الحياة، التي تحولت إلى مزادات تجارية لذوي التطلعات المغرضة والعاهات النفسية والسلوكية الخطيرة.

فلا يمكن للحياة أن تتطور وترتقي إلى عصرها دون تيار ثقافي معرفي متفاعل مع مفرداتها اليومية، ومتمكن من تنوير العقول وتهذيب النفس والإرتقاء بالسلوك إلى مديات أخلاقية تستطيع أن تحافظ على توازن الخطوات الإيجابية ووضع الأسس الحكيمة لبناء عقلاني منير.

ويبدو أن صحيفة المثقف قد إمتلكت الأهلية والمهارة الإعلامية والقدرة التأثيرية على صناعة التيار الثقافي، الذي يرفد العقول بما ينيرها ويزيل عنها غشاوات الضلال والبهتان، ويمكنها من رؤية مواضع خطواتها وإستحضار مستقبلها.

وربما لا يعرف قيمة هذا الإنجاز الحضاري الفياض غير رئيس تحريرها، الذي إنطلق بها برعما يحلم بالمروج والبساتين ذات الأشجار المثمرة المعطاء، فكانت بالجد والإجتهاد والمثابرة والتواصل والإصرار والتصميم على التحقق والنماء والإزدهار، فكانت مثلما ترعرعت في الخيال والضمير والوجدان.

ويا حبذا لو تكون المقالات المنشورة فيها لم تنشر في مواقع أو صحف أخرى، فما يسود أن بعض المقالات المنشورة فيها تجدها قد نشرت في أكثر من موقع آخر قبلها، وهذا يُفقد الصحيفة خصوصيتها وقيمتها الثقافية.

كما نأمل أن تكون التعليقات ذات إسهامات ثقافية وتنويرية لا للمجاملة وحسب.

مع التقدير لهذا الصرح الثقافي الفياض، وتمنياتنا لرئيس تحريرها بدوام العافية وتمام الصحة ومديد العمر، لكي تبلغ رسالة المثقف هدفها وتتواصل مع الأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

احمد الكنانيالحوارات الشعرية المستلهمة من النصوص الدينية دائما ما يكون لها وقعها الخاص ويكتب لها البقاء والتجدد في اغلب الأحيان؛ ولعلها تلتمس الخلود من ذات النص الملهـِم، وعند الكلام عن الحوارات الشعرية الخالدة تأتي في الطليعة رائعة ابي العلاء المعري في رسالة الغفران المستلهمة من قصة المعراج القرآنية.

شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء كان ملهما في صياغة حوارات الشعراء في الجنة، ومصدر الهامه قصة المعراج النبوي اذ كان قاب قوسين او ادنى من الملكوت الأعلى، الِهامٌ جليّ في رسالة الغفران يظهر مدى تاثير الرحلة الليلية للنبي على صياغة الحوار بين الاعشى من جهة وبين الجعدين النابغة الجعدي والنابغة الذبياني من جهة اخرى؛ بسبك كاروع ما يكون الابداع الادبي او المسرحي..

اللغة الساخرة او الكوميديا في رسالة الغفران هي العنوان الاكبر الذي اختطه جمع غفير من الكتَاب والادباء عند دراستهم وتقييمهم لرسالة الغفران بمن فيهم عميد الادب العربي طه حسين عندما وصفها بأنها مليئة بالسخرية المؤلمة من الجن والملائكة جميعا. هذا في الشرق .

وفي الغرب تأتي في المقدمة ثلاثية الكوميديا الإلهية الجحيم والمطهر والجنة لدانتي أليفييري الذي وجد نفسه تِائها في غياهب ظلمات الغابة اذ يلتقي بالشاعر الروماني فيرجيل ويقوده الى العالم الآخر حيث الجحيم والعذاب وعالم الشياطين والمخلوقات الأخرى وتبدأ رحلة الخروج من الجحيم بمعية المنقذ فيرجيل.

وهنالك حوارية شعرية مستلهمة من قصة موسى وفرعون التوراتية القرآنية ستكون محور مقالتي اذ لم اجد من اشاراليها رغم أهميتها القصوى التي لا تقل أهمية عن رسالة الغفران والكوميديا الإلهية .

ولان حوارية الفرعون هذه كتبت بالفارسية فقد ظلت حبيسة لغتها ولم يلتفت اليها احد على الرغم ان مبدعها شاعر هو الأعظم في التاريخ .

جلال الدين الرومي في ديوانه المثنوي وفي القسم الثالث منه ينفرد بحوارية شعرية يتيمة المضمون وتعتبر من مختصاته، حاول من خلالها استلهام الصراع بين موسى وفرعون في النص التوراتي القرآني وأجاد في طرح معتقداته الصوفية في إطار تلك الحوارية .

 حوارية موسى وفرعون تبتدء عند إلقاء موسى لعصاه فأذا هي حية تسعى، وتختتم بهزيمة فرعون ورهطه وإقرارهم بالهزيمة والإيمان برب موسى .

كل المعطيات تشير الى غلبة موسى بالمعجزة التي منحها إياه الرب اذ جعل من عصاه التي يتوكأ عليها ثعبان تلقف ما يأفكون، والمنازلة الكبرى بين السحرة وموسى انتهت بأذعان السحرة وإيمانهم برب موسى وأتت على ما خطط له الفرعون من الوقيعة بموسى وأخيه وبني إسرائيل قاطبة :

فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ .

الحوار يبدأه فرعون كقبول بالهزيمة وإذعان بأنتصار موسى فيصوره الرومي بهذه الطريقة :

 

تو بدان غره مشو کش ساختی

در دل خلقان هراس انداختی

 

 يخاطب فرعون موسى في هذين البيتين: بأن اثبات النبوة والقدرة بمعجزة الافعى هي في الواقع إلقاء للرعب في قلوب الخلق:

 " در دل خلقان هراس انداختی " .

تخويف المصريين في الحقيقة ليس نصراً، إنما النصر هو ما فعله الفراعنة وما أثبتوه في مصر:

" عاقبت در مصر ما رسوا شدند "

ما فعله الفراعنة في مصر يعتبر اشد وطأة من فعل المعجزات .

والسؤال المهم في هذا الموضوع هو :

ما الذي فعله الفراعنة في مصر واعتبره الفرعون نصرا على موسى؟

والجواب هو ما ذكره جلال الدين الرومي في القسم السادس من المثنوي:

موجب ايمان نباشد معجزات  بوي جنسيت کند جذب صفات

معجزات از بهر قهر دشمنست        بوي جنسيت پي دل بردنست

ان موجبات الإيمان ليس الإتيان بالمعجزات و إثبات القدرة على فعل خوارق الطبيعة، وإنما إثبات النبوءات يتأتى عن طريق جذب الصفات وكاريزما الشخصية الجذابة واختطاف القلوب كما يسميها الرومي، ويعتقد فرعون بحسب حوارية الرومي انه مَلَكَ قلوب المصريين وموسى أرعبهم، وهي المعادلة الرابحة في إثبات الذات في مثل هكذا صراعات .

سر هذه الحوارية يكمن في فهم جدوى معجزات الأنبياء، ولعل الرائد في تسليط الضوء عليها هو ابن خلدون في المقدمة اذ يعتقد ان المعجزات هي حاصل قوة نفوس الأنبياء بالمستوى الذي يجعلهم يتصرفون بمجريات الطبيعة بقدرات خارقة، وتنسب هذه المقولة الى الحكماء أيضاً .

ثم ان معجزة النبي هي في جعل افئدة الناس تهوي اليه بقوة شخصيته وقدرته على توحيد القبائل والمحيطين به على ما يفهم من كلام ابن خلدون، تلك ميزة هي قمة الإعجاز، وأكثر وقعاً مما يروى من خوارق ومعجزات منسوبة الى النبي .

وللحقيقة أقول ان خوارق الطبيعة والإعجاز البلاغي لم تجذب بلالا ولا عمار ولا سلمان الى الإيمان اذ لا تعنيهم خوارق البلاغة كثيراً، وإنما هي القيم السامية من المساواة والعدل وقوة شخصية النبي اجتذبت كبار الصحابة، وزعت فيهم المثُل العليا .

جلال الدين الرومي ابدع في ترسيخ هذا المعنى في حواريته الفرعونية الموسوية وأسس لمعنى المعجزة بمعناها العرفاني القائم على الحب الذي هو اصل الإيمان لا الخوف والرهبة الآتية من خوارق الطبيعة .

 

احمد الكناني

 

 

ضياء نافعبوشكين- قبل كل شئ – شاعر كبير، اي ان الشعر يأتي اولا عندما يجري الحديث عنه، اذ انه (شمس الشعر الروسي) بلا منازع، ولكن بوشكين ساهم – وبشكل كبير وهائل ورائع ايضا – في مجالات ابداعية اخرى، فما هو الجانب الثاني في ابداع بوشكين يا ترى؟ يعتقد بعض الباحثين، ان النثر يأتي (ثانيا)، اذ مازالت قصصه ورواياته القصيرة شاخصة في عالم الادب الروسي، ويشيرون مثلا الى ابنة الضابط (حسب ترجمة الدروبي والتي اختلف المترجمون العرب على ترجمة عنوانها لاحقا!)، وهناك من يرى، ان مسرح بوشكين اهم من نثره، ويذكرون مسرحيته التاريخية – (بوريس غودونوف) والتي لازالت تتفاعل مع الحياة الروسية المعاصرة ولحد الان، وذلك عندما يدور الكلام عن المسرح الروسي او التاريخ الروسي، ويظن آخرون، ان هناك جوانب ابداعية اخرى في نشاط هذا (المعلّم !) الكبير، وان تلك الجوانب هي التي تستحق ان تكون (ثانيا) . وبغض النظر عن تحديد الموقع (الثاني!) في ابداع بوشكين (وكل ذلك يخضع للنظرة النسبية للباحثين طبعا، اذ يجد كل باحث تبرير موقفه تجاه بوشكين وابداعه)، فاننا نود ان نتوقف في مقالتنا هذه عند جانب مهم في مسيرته الابداعية، وهو بوشكين - الكاتب المسرحي في تاريخ الادب الروسي، وفي تاريخ المسرح الروسي .

هذا الموضوع يذكّرني رأسا بحدث محفور في اعماق روحي، وهو - كيف جاءت المرحومة أ.د. حياة شرارة مرة اليّ (عندما كنّا نعمل سويّة في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد)، وقالت لي انها ترجمت تراجيديات بوشكين الصغيرة عن الروسية، وتريد ان تقدمها الى وزارة الاعلام العراقية لنشرها في كتاب، ولكنها مترددة جدا، لانها تخشى ان يحيلون الترجمة الى شخص غير مؤهل لمراجعتها كما كانت الامور متبعة بشأن اي كتاب مترجم تنشره الوزارة، ويبدأ هذا الشخص (يتفلسف برآسي !) (هكذا قالت لي المرحومة حياة مازحة)، ولهذا سألتني، هل توافق ان تكون انت المراجع لتلك المسرحيات؟ فقلت لها، اني اوافق على ذلك دون اي تردد، وأضفت قائلا، انها يجب ان تكون مثل جبرا ابراهيم جبرا، الذي يشترط عدم مراجعة ترجماته من قبل مراجعين، وانها جديرة ان تشغل مكانة جبرا في عالم الترجمة عن الروسية في العراق، (انظر مقالتنا بعنوان – حياة شرارة والادب الروسي في العراق / لقطات) . وهكذا صدر كتاب المرحومة حياة عن وزارة الاعلام العراقية بعنوان – (مسرحيات بوشكين)، وهو اول كتاب عراقي متكامل عن مسرح بوشكين، اذ يضم نصوص المسرحيات تلك، التي أسماها بوشكين – (تراجيديات صغيرة) بترجمة د. حياة شرارة عن الروسية، وبمقدمة عن مسرح بوشكين بقلمي، والمقدمة تلك هي في الاصل بحث نشرته اولا في مجلة كلية الآداب / جامعة بغداد (وقدمته في حينها للترقية العلمية حسب تعليمات الترقيات العلمية في الجامعة)، واتفقنا (حياة وانا) انه يصلح ان يكون مقدمة لكتابها المترجم ذاك، وهذا ما تمّ فعلا. ولهذا، فان مسرح بوشكين – بالنسبة لي شخصيا - يرتبط بترقيتي العلمية في الجامعة، ويرتبط ايضا باول كتاب عن مسرح بوشكين في العراق اصدرته المرحومة المبدعة حياة شرارة .

 تراجيديات بوشكين (الصغيرة!) تلك هي مسرحيات (كبيرة!) الاهمية في تاريخ الادب المسرحي الروسي، اذ انها تعدّ كلمة جديدة لم يسبق لاحد قبل بوشكين في روسيا ان قدّم شيئا مماثلا لها، وكتب بوشكين تلك المسرحيات عام 1830، اي عندما كان في قمّة (نضوجه الابداعي!) ان صحّ التعبير (توفي بوشكين عام 1837)، وليس عبثا، ان تلك المسرحيات كانت تعكس مواضيع انسانية شاملة، او (امميّة) كما أسماها باحث سوفيتي مرّة في محاولة لاستخدام المصطلح السياسي المعروف في سياق النقد الادبي. التراجيديات الصغيرة، او (مآس صغيرة) كما جاءت في بعض الترجمات العربية، كانت تدور حول صفات عامة توجد عند البشر كافة، صفات وردت الى ذهن بوشكين نتيجة قراءآت واسعة جدا في الادآب العالمية، (اي لا تتناول الخصائص القومية البحتة ولا الاحداث القومية)، كالحسد مثلا (انظر مقالتنا بعنوان – مسرحية بوشكين الشعرية موتسارت و ساليري) .

المسرحية المركزية لبوشكين هي (بوريس غودونوف) طبعا، والتي قرأ بوشكين مقاطع منها لقيصر روسيا الكساندر الاول عندما استقبله بعد الغاء عملية النفي وعودة الشاعر الى بطرسبورغ، وهي دراما تاريخية ضخمة ومليئة بالاحداث والشخوص، بدأ بوشكين بكتابتها بعد ان اطّلع على نتاج كارامزين الشهير (تاريخ الدولة الروسية)، ويرى بعض النقاد، ان بوشكين اراد ان يكون (شكسبير روسيا) بواسطة هذا العمل المسرحي الكبير . استمر بوشكين بكتابة هذه المسرحية طوال سنوات، ونشرها عام 1830 فقط، ولم يستطع ان يراها على خشبة المسرح اثناء حياته نتيجة عوامل كثيرة، منها سياسية وفكرية، ومنها كذلك صعوبة تحقيق ذلك تقنيا . لقد تم تقديم تلك المسرحية على خشبة المسرح الروسي بعد اكثر من ثلاثين سنة على وفاة بوشكين، ولا زالت تعرض لحد الان، بل انها تحولت حتى الى اوبرا، والى عروض موسيقية غنائية متنوعة، وحولتها السينما الروسية منذ اواسط القرن العشرين الى افلام سينمائية عديدة، وكان آخرها فلم سينمائي تم انتاجه عام 2011 ليس الا...

شمس الشعر الروسي بوشكين استطاع ان يمنح لشعبه ايضا المسرح الشعري الروسي، وهو عمل ابداعي كبير وعنصر ضروري جدا في تاريخ كل شعب من شعوب العالم المتحضّر...  

 

 أ. د. ضياء نافع

 

 

مهرجان عروس البحر الذي انطلقت فعاليات دورته الحادية عشر، والثانية دوليا، يوم الأربعاء 14 اوت 2019 وذلك بولاية المنستير بالجمهورية التونسية. هذا المهرجان الذي انطلق من المحلية الى العالمية والذي التأم يومه الرابع 17 اوت 2019 بقصر بلدية دار شعبان تحت اشراف رئيسة بلدية دار شعبان الفهري "سعيدة الصيد" موعد امضاء بروتوكول التوأمة بين جمعية لؤلؤة مهرجان عروس البحر بالمنستير برئاسة الشاعرة فوزية فرحات وهيئة الحوار الثقافي الدائم فرع تونس، برئاسة الشاعرة أمان الله الغربي. اثبت انه لا غنى للعالم العربي والإسلامي عن التواصل وعن حوار الثقافات وهو عن جدارة عرس الادب والثقافة والشعر والمحبة والاخاء والتواصل واللحمة العربية. هذا العرس الكبير المترامي الاطراف والممتد بقيمته العالمية والادبية والفكرية والثقافية كذب ولو جزئيا مقولة فرق تسد وحطم السياج الذي صنعه الاستعمار والمستعمرون والطامعون والخونة والاغرار هؤلاء حبلهم الذي فتلوه حبل غرر... وحبال شباكهم التي نسجوها حولنا ولنا ليدخلونا في المصيدة ونحن في غفلةٌ اليقظة لتفكيك العالم العربي وتشتيته ونشر العداوة والبغضاء بين افراد شعبه حبال مهترئة اكل عليها الدهر وشرب، حبال اهون من خيط العنكبوت وغير موثوق بها. حيث اجتمع ممثلون مثقفون وسفراء الادب والثقافة والسلام من عديد الدول العربية كل اتى مسرعا متحمسا للقاء وحّد فيه العالم العربي ادبا وشعرا وثقافة دون النظر الى مرجعية سياسية ولا جغرافية ولا دينية. وحّد دون الرجوع الى اطيافه ونحله وملله ودينه. الكل هنا بتونس حل واجتمع في عرس الثقافة والادب يتكلمون بلغة واحدة وبلهجة اجتمعت فيها الابجدية العربية في فرح دؤوب وكانهم يعرفون بعضهم بعضا ومن بلد واحد بل من حي واحد لا بل من منزل واحد وعائلة واحدة، وواحة اخوة لا يفرقهم عرق ولا دم اخوة كان لقاءهم سجال بين القاء الكلمات وبين القاء الشعر واصداح الموسيقى الراقية والضحك جو حميمي رائع. ايام مهرجان عروس البحر الثلاث حطمت فيها كل مقاييس ومساعي التفرقة والعنصرية المذهبية والطائفية والعرقية والجنسية والطبقية واللون بكل تجلياتها ومعانيها المباشرة وغير المباشرة، اننا نحن العرب فردا واحدا ويدا واحدة مهما كانت السياسات والمرجعيات الاديولوجية ان اردنا البناء بنينا ولو تألب علينا العالم باسره وان اردنا الانتصار انتصرنا ولو فرقونا طرائق قددا وشتتونا شتاتا شتاتا إنها العروبة تتجلى في اسمى وارقى معانيها ومدلولاتها اللغوية واللفظية المادية والمعنوية نحن العرب من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب نبقى عربا كائنا واحدا. الى هذا المهرجان كل هب مستجيبا للدعوة من كندا ولبنان ومصر والعراق والجزائر. ومن مصر حضر الدكتور اشرف كمال رئيس تحرير جريدة الوفد المصرية وموقع بوابة الوفد، المتحصل على جائزة أفضل عمل صحفى متميز ونائب الدكتور عبد الكريم بعلبكي أمين عام هيئة الحوار الثقافي الدائم بلبنان وأمين عام الاتحاد الدولي للصحافة والفنون، والدكتورة والشاعرة والاعلامية غادة الارناؤوط ممثلة الجمعية اللبنانية لمساعدة مرضى السرطان والأمراض المستعصية في كندا ورئيسة فرع كندا لهيئة الحوار الثقافي الدائم بكندا وسفيرة السلام العالمي. والاعلامية الشاعرة فوزية فرحات رئيسة جمعية لؤلؤة مهرجان عروس البحر الدولي بالمنستير وسفيرة السلام العالمي، والشاعرة أمان الله الغربي رئيسة فرع تونس لهيئة الحوار الثقافي الدائم، والاستاذ والاعلامي رفيق بالرزاقة عضو مستشار بمجلس الأمانة العامة لهيئة الحوار الثقافي الدائم. كما وقع تكريم ثلة من الشعراء والسفراء، سفراء الكلمة الطيبة، الكلمة المفيدة والادب والشعر.

 

الاديبة فوزية بن حورية  - تونس

 

مجدي ابراهيمإحياء طاقات الأمة معناه معرفة سرِّ قوتها، والتبصير بما في هذه الطاقات من ذخيرة حية نافعة. وإذا ما كانت القوة الحقيقية طاقة نافعة عاملة مؤثرة، كان إحياء طاقات الأمة معناه معرفة أسرار قوتها، والتبشير بما في هذه الأسرار من قوة بديلاً عن التنفير من عوامل الضعف؛ فلا يُعقل أن تكون هناك أمة بمثل تلك الموارد والقدرات والروابط والصلات، وتكون في نفس الوقت ذات طاقات معطلة، اللهم إلا أذا أراد لها أبناؤها تعطيل تلك الطاقات النافعة المثمرة فيها، وتغييب الدور الحيوي لها.

على أن تعطيل طاقات الأمة من الداخل أقبح وأشرّ عليها من أعدائها في الخارج؛ فالعدو الخارجي معروف وموصوف بأنه دخيل مستعمر يريد أن يسرق حقوق الآخرين، ينهب خيراتهم كلما استطاع ثم يسلب أراضيهم ويشردهم ويشتتهم ويذلهم ويهينهم طمعاً في إبادتهم من على وجه الأرض لو أنه استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ ليحل حلول المغتصب الدائم في الأرض الخراب!

أما العدو الداخلي فهو خبئ غير معروف يفسد من الداخل؛ لأنه قد يكون أخاك أو قريبك أو جارك أو صديقك أو نفسك التي بين جنبيك، وهو أعلم بالنقيصة والمعابة من عدوك الخارجي. وقد أصابت فطرة الشاعر العربي ولم تخطئ حين صَوَّرت هذا المعنى بالدقة ليكون سنة الحياة الدائمة فقالت: " أحذر عدوك مرة، وأحذر صديقك ألف مرة .. فلربما أنقلب الصديق، فكان أعلم بالمضرة".

وعليه؛ فإذا ما انهارت قوة الأمة، فلتثق أن العدوان قد أصابها من الداخل وحكم عليها أبناؤها بالانهيار لما أن فرطوا في أعز ما تملك من مقومات الوحدة، فكانوا السبب الأوَّل والأخير في تفتيت عناصر القوة الجامعة والرباط الموصول؛ وأهمها وأولاها هو اللغة كما سيجيء تفصيله في سياق هذا الحديث الطويل. لكننا هنا نعرض أولاً لظروف وملابسات الواقع العربي من زاوية نقدية قبل أن نتطرق للتفاصيل التي من خلالها ندرك أهمية اللغة العربية فينا، ونعقب ذلك كله بدراسة عن "قيم من اللغة" فنقول :

لَعَلَّ هذا هو سر الفرقة الناتجة عن تشتت الأمة العربية وتضارب مصالحها على مستوى الأنظمة والشعوب، وهو السبب في قلة توحّدها لمواجهة أحلك المحن وأخطرها على المستويين : الداخلي والخارجي؛ أعني الفُرْقَة التي تأتي من الداخل، والعصمة المفقودة بفقدان "مبدأ التوحيد"، وإحساس المرء فيها بالهزيمة الروحية والانكسار المعنوي، وغياب أسس التربية الوطنية القائمة قبلاً على دعائم إيمانية، وأهمها وأرقاها نزوعاً إلى الأهمية هو : أن حبّ الوطن وتقديس ترابه جزء لا يتجزأ من القيم الإيمانية التي أمرت بها الأديان السماوية والشرائع الدينية، وأن خيانة الأوطان هى في الأصل خيانة لله تعالى، وأن تبديد قواها الاقتصادية، والهروب بأكثر من ثلاثة أرباع مواردها وأموالها، وفساد الضمير المهني على وجه العموم كائناً ما كان هذا الضمير (علمياً أو أدبياً أو أخلاقياً) أو ما شئت أن تضيف، واستخدام ثروات الوطن وأمواله في تدعيم مظاهر المجون والخلاعة وقلة الأدب، وتردى الأذواق إلى أسوأ درجات الغيبوبة الفنية، واحتكار الموارد والمقدرات الحيوية لصالح طبقة معينة من الناس...

كل هذا كله من الظواهر الطارئة على المجتمع المصري خاصة، فيها بغير ريب خيانة للوطن وفقدان للوطنية بمقدار ما فيها من "إرادة التخريب"، تتعطل فيها بالضرورة طاقات الأمة النافعة ويغيب الدور الحيوي لأبنائها من حيث أرادوا لها الإصلاح أو ظنوا أنهم يُصْلحون.

وأغلب الظن عندي أن السلبيات التي تَفَشَّتْ في المجتمع العربي عموماً - والمصري منه على وجه الخصوص - في الآونة الأخيرة تهضم حق الأمة هضماً مروُّعاً، وتحيق بدعائم الوطنية فتبيدها أو تكاد من حيث لا تشعر؛ لأنها من الأسس الهدامة تنخر كما السوس في أركانها الثوابت.

عندما نرى السخافة هى السائدة، ونرى التسيب والفساد والقبح والخلاعة والمجون ، أموراً من أقوى علامات التحلل من القيم الجميلة، يكون من الطبيعي أن تنهار فينا الأعصاب خوفاً من البقية الباقية من المعاني السامية قيماً نبيلة أن تضيع وسط هذا الصخب اللعين يجتاح الشعور صباح مساء بغير تريث أو هوادة، يشهده الجميع في سخافة العقول وضحالة الأذواق، لكأنه المستنقع الآسن ممزوجاً بعكارة الإثم والفجور، والمتاجرة بالرخيص من القول والفكر، والرخيص من الأفعال والتصرفات مما قد يطفح به الشارع العربي فضلاً عن النوادي، ومما قد يظهر في مجون غريب فج على شاشات الفضائيات!

فيجيء رد الفعل تباعاً قوياً عارماً. وليس من شك في أن الإنسان المخلص لوطنيته ولأمته ولإنسانيته المكرمة قطعاً عند الله في كل حال، وعلى أية حال، أرادها الله؛ يرفض الهزيمة التي تسوقه كما السائمة نحو ما يشتهي، ويرغب، ويتمنى، ويطلب، حينذاك يجد من نفسه أن كل شهواته هزائم، وكل رغائبه عوائق، وكل أمنياته قواطع، وكل مطالبه انكسارات، حتى إذا ما وجد من نفسه رفضاً لهذا كله؛ فهو النصر المحقق لأمته ولوطنيته ولإنسانيته، وذلك حين يطمح بالبصيرة إلى ما فوق التراب، وحين يرغب في تحقيق أعلى من رغبة الهزائم المخزية على الدوام بغير انقطاع.

فالهزيمة الحقيقية هى هزيمة الروح من الداخل، وهزيمة القلوب أمام نفوس طاغية وأجساد مستأسدة : هى هزيمة الضمير أمام طغيان المادة وإلحاح المطالب والرغبات، ولا هزيمة على الإطلاق والإنسان معتصم بحبه لوطنه فيما لو كان حبّ الوطن على الحقيقة جزاً لا يتجزأ من حب الله، وهو معتصم بحبه لأمته، ومعتصم بعصمة الرقابة الباطنة على الضمير من أن تعصف به ريح نحن لا ندري : من أين وادٍ هبت؛ فغيَّرت بهبوبها أصولاً، وكادت تقلع من الأصول جذوراً.

على أننا لا نتجاوز الصواب لو أننا قلنا إنه لابد أن يكون هناك "تضامن عربي" حاضراً وفاعلاً بالحقيقة، لا مفر من وجوده شئنا أو أبينا، فإذا لم يكن "التضامن" موجوداً على المستويين : الشعبي والرسمي، فلن تتحول هذه الأمة على مر الأيام، وإزاء تلك التحديات، إلا إلى بقايا تتآكل وتتلاشى في غير ما يعود عليها إلا بالخسران الأكيد.

هذا "التضامن" المطلوب يرتد لا محالة إلى معرفة مصدر القوة العربية والإسلامية ذلك المصدر الذي يعمل أعداء العربية له ألف حساب وحساب. والعروبة - يا صاح - ليست كلاماً يجري على ورق، ولا هى كانت ألفاظاً في خطب تُرَص بغير ضابط يضبطها من فاعلية يصدقها العمل المشهود في الواقع المقروء، ولكنها حياة حافلة بالجهاد يتآزر فيها الكيان العربي كله جملة وتفصيلاً. وتقوم فيما تقوم عليه على وحدة الدين واللغة والوطنية (أو إنْ شئت الدقة قلت"القومية")؛ ليكون كيانها هذا أشْبَه شيء بالكيان الثقافي، أو هو نفسه الكيان الثقافي بالفعل، فما لم يكن العربي قادراً على "التوحيد في ذاته"، وعلى التلازم المضبوط داخلياً بين نوازعه ودوافعه وبواعثه؛ فلن يكون مدركاً للتوحيد الديني، ومن ثمَّ فهو يفتقر بالتالي إلى التوحيد اللغوي مقدار افتقاره إلى التوحيد الوطني أو القومي على التعميم. فما كانت غفلته عن التوحيد الديني محققة بالفعل؛ إلا لأنه لا يعلم شيئاً عن التوحيد النفسي، أو التوحيد الذاتي الذي ينبثق من ذلك التوحيد الديني حقيقة، وينتج عنه بالمباشرة والتعلق، والذي يُراد به (أي التوحيد الذاتي) الانسجام الداخلي في الفرد العربي ثم تحقيق ذلك الانسجام بين كيانات العروبة في الجسد العربي جملة.

ومن مصادر تلك القوة فينا أننا بالأحرى قادرون على التوحُّد والتماسك والاتفاق، لكن هذه "القدرة" تتحوّل مع عدم استخدامها في المواضع الملائمة إلى جُبْن كريه يضعفنا أمام أنفسنا أولاً قبل أن يضعفنا أمام الآخرين. ومَردُّ تلك "القدرة" فينا أن اعتقادنا على الدوام أننا "أمة واحدة"، وأن عروبتنا لا يزال فيها رمق أخير تتردد في أنفاسه روح الصمود أمام التحديات؛ حتى ولو كانت (أي التحديات) قد أُجْملت كلها في عصر واحد، أو في زمن واحد، أو في فترة إنهيارية واحدة !

لكننا في الأصل أصحاب "اعتقاد"؛ والاعتقاد فينا هو من صميم الوجود؛ لأنه المصير الذي نلاقي فيه الله فنحاسب على عقائدنا وأفكارنا تماماً كما نحاسب على أعمالنا وتصرفاتنا .. نحن أصحاب "اعتقاد" مع حرصنا عليه يتحوّل فينا إلى حقيقة واقعة تقبل الممارسة والتطبيق، ويعز علينا فقدانها فيما لو فقدنا تباعاً ينبوع الوحدة فلا يغيض. أو إنْ شئت قلت : إن الاعتقاد الذي نمارسه ونطبقه يتحوَّل على مر الزمن إلى حقيقة ملموسة، رغم التنازع البادي والفُرْقة الظاهرة تشهدها في سائر أنحاء الأمة العربية.

ويشهد الواقع كما يشهد التاريخ، أننا ما من عصر من العصور، ولا زمن من الأزمنة، إلا وكنا فيه عرضة للغزو والاستعمار، وفي كل عصر وفي كل زمن، تراق دماء ذكية من أجل التطهير؛ وليس فينا ذلك الاستسلام الذي يفت في عضد العروبة، فيحيلها إلى أنقاض وأشلاء، ليس فينا ذلك الخنوع والرضوخ والانبطاح وممارسة القبح الذي يأباه إيمان التحدي، ويأنف منه طبع العربي الصلب القوي المعهود.

لا تزال هناك حلقة مفقودة بين الماضي والحاضر، عمل على فقدانها أناس وجدوا في أنفسهم دوافع القدرة على القطيعة التامة بين ما هو طارق وتليد. واستمع إليهم بكل أسف قطاعات عريضة من الجماعات العربية؛ فتمسكت بكل ما هو طارق مستحدث، وأهملت على الجانب الآخر إهمالاً خبيثاً كل ما هو أصيل تليد.

فكانت - من أجل هذا - أمتنا العربية كالتائه في بلد غريب لا يعرف له موطناً يأوي إليه، وانتعشت هذه الثقافة في كثير من المجتمعات، ورددها الكثير من الكتَّاب والقراء في المدارس العليا ودور العلم والجامعات والمنتديات الثقافية، ومع كثرة رسلها ومؤيديها والداعين لها، لم يعد هناك مكان للخلاف معها؛ لأن الخلاف معناه وصمة العار الذي يلحق بكل من لم يعد يحترم تلك الثقافات، وأضحى الاختلاف معها من مظاهر النقمة الظاهرة والعزلة على المجتمع بكافة مستوياته!

وهكذا ترى ثمار هذه الثقافات أمامك في غاية التردي والفوضى والانقسام. وكان مما أهملته تلك الثقافات في خبث ملعون هو لغتنا العربية : ذخيرة الطاقة الحيّة النافعة ومصدر الوحدة العربية القائمة في صميمها على الوعي القومي النابع من تلك المشاركة الروحيّة العميقة في مرتكزات أربعة : اللغة, والعقيدة, والثقافة, والحضارة.

ولا شك في أن هذا الإهمال الخبيث المتعمِّد، يرتدُ إلى كراهة العروبة والإسلام والدين واللغة والوطنية جميعاً. إنما الأمر كله لا يخلو من سوء طوية. كان أبو منصور الثعالبي في مقدمة كتابه :"فقه اللغة العربية" يقول :" من أحبّ الله تعالى أحبَّ رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، ومن أحبّ الرسول العربي أحبّ العرب, ومن أحبّ العرب أحبّ العربية، ومن أحبّ العربية عنى بها، وثابر عليها وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وأتاه حسن سريرة فيه، أعتقد أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خير الرسل, والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذْ هى أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد؛ ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحُّر في جلائلها ودقائقها؛ إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هى عمدة الإيمان؛ لكفى بها فضلاً يحسنُ فيهما أثره ويطيب في الدارين ثمره" (أ. ه).

هذه العبارات الأصيلة الطيبة تثبت في غير جدال أن للغتنا العربية أثراً في تكوين عقليتنا وتدبير تفكيرنا، وتصريف أفعالنا، وهداية سلوكنا يفوق كل أثر سواه.

وإنه لمن اللغط المنفِّر والتجديد المختلق أن يرى البعض منا اليوم أننا نفكر بلغة ثم نتعامل ونتحدث بلغة أخرى، وأن الحياة اليومية تجري على غير وفاق من الحياة الشعورية، وأن اللغة فينا لا تجدد نفسها، وأن مصيرها إلى جمود وانتكاس وزوال. هذا كله لغطُ طويل وثورة في غير موضعها. ومن العجب العاجب أن يموت اللغط اليوم كما مات بالأمس؛ وتموت الثورة التي في غير موضعها كما ماتت ثورات قبلها وثورات، فأما الزبد فيذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس. وفي النهاية : تحيا اللغة العربية؛ وليسقط الذين افتعلوا حولها الثورات.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

  

 

شاكر فريد حسنلا يختلف الراحل أحمد حسين القاص عن الشاعر، فهو يبرع ويبدع في كلا اللونين والاتجاهين، وله اسلوبه الخاص المتميز الذي يتفرد به عن مجايليه وغيره من الأقلام القصصية الفلسطينية والعربية، ويحقق شروط الفن المعرفي والايديولوجي والمعرفي والجمالي من وجهة نظر واقعية باعتبار أن الشرط الجمالي من حيث وظيفة الفن المغايرة لوظيفة العلم الذي يعطينا معرفة الواقع بصورة جمالية، ويقدم لنا أحمد نموذجًا ابداعيًا نرى فيه الظاهرة تشع من الجوهر بشكل واضح .

وباعتقادي أن احمد حسين قامة وظاهرة أدبية قلما نجد لها مثيلًا في الادب الفلسطيني والعربي المعاصر، من حيث التوجه والرؤيا الوطنية والفكرية والالتزام بقضايا وهموم شعبنا، وبقضايا الانسان أينما وكيفما كان .

ظهرت أول كتابات راحلنا أحمد حسين القصصية على صفحات مجلة " الفجر " التي كان يشرف على صفحاتها الادبية شقيقه الشاعر الشهيد راشد حسين، وكان فيها من الحدة والتميز في مضامينها وطرحها ومعالجتها لموضوعات قومية وثورية ووطنية مختلف لما كان يكتب في تلك المرحلة التي سيطرت فيها الروح القومية الناصرية، ما تلقفها القراء بشغف وأقبل على قراءتها ومواكبتها والاحتفاء بها .

وفي منتصف الستينات توقف أحمد عن الكتابة لمدة طويلة، نتيجة لعدم توفر منابر النشر الملتزمة التي تتفق مع فكره وتوجهاته، لكنه عاد في بداية السبعينات ليكتب وينشر ويرفد المشهد الابداعي بقصصه القصيرة، على صفحات مجلة " الجديد " الثقافية الفكرية، وكان يوقعها باسم مستعار هو " أحمد ناظم " .

وفي اواخر السبعينات وتحديدًا في العام 1979 قامت دار " الصوت " في الناصرة، لنشر الوعي والفكر الفلسطيني بإصدار مجموعته القصصية الموسومة " أحمد حسين "، وكتبت اللجنة الادبية للصوت في مستهلها : " تتسم هذه المجموعة بالوعي النافذ والرؤية الواضحة لأبعاد المأزق الجحيمي لأبناء الشعب الفلسطيني إذ هو الضحية وإنما عبر مؤامرات مستمرة ومتنوعة وذلك لكون هذا الشعب صاحب حق هو بمثابة الضمير الشاهد على تداخل المصالح المشتركة بين الصهيونية كفكر ومنشأ والترديدات الحضارية المعوقة والغبية على الساحة الفكرية العربية، ومن هنا تأتي الثورة لتكون رفضا ونفيا لواقع فاسد صورته هذه المجموعة من خلال شخصيات قصصية كالشيخ على الثائر على مفاهيم اسطورية، وقعنا كلنا تحت تأثيرها المباشر، وغير المباشر، وذلك في سبيل ان نصبح " قاعدة مثلث " نصرخ مع " عيد " " يما ااااااه " فلسطيني وكفى " .

ما يميز قصص أحمد حسين في أنها تعبر بمعظمها عن مواقف اجتماعية وسياسية ووطنية وقومية وفكرية وتراثية تتناول مسألة الصراع الفلسطيني – الصهيوني، أي ان قصصه تلتزم القضية الوطنية بمختلف أبعادها . فقصصه تعكس بواقعية وبصدق واقع العرب الفلسطينيين في البلاد من جميع النواحي في مواجهة القهر والظلم التاريخي، وتختصر أبعاد القضية بتركيز مكثف .

وتعتمد قصص أحمد حسين المونولوج الداخلي والمهارة في بناء الأحداث وتطوراتها وعنصر المفاجأة الذي يشد القارئ، وشخصياته واقعية مسحوبة من حياة الريف والقرية الفلسطينية، وجلها شخصيات حية متحركة تتأثر بالأحداث وما يدور في محيطها، ونجده يسبر اغوارها ويتعمق في نفسياتها ويكشف عما يختلج في أعماقها .

وتنساب حواراته باللغة العامية القروية التي تلائم شخصياته التي ينتمي بمجملها للطبقات الشعبية الفقيرة المسحوقة .

أحمد حسين قاص بارع يمتلك قدرة وصفية كبيرة، وفي قصصه صور موحية عميقة مسحوبة من واقع الاحداث، ويوظف في قصصه الامثال العامية والتراث الشعبي .

ويبقى القول، أحمد حسين منشد الالم والوجع الفلسطيني، والصوت الكنعاني، الذي صوّر في قصصه أحزاننا وآلامنا وأحلامنا وطموحاتنا الوطنية، وهو المغني الجوال الذي ستبقى كنعان وعنات تبكيانه وتشتاق له عشتروت، وتحنُّ اليه المدن والاماكن التي أحبته وأحبها، إنه آخر العاشقين، لم يخلص أحد للفن والابداع القصصي كما أخلص لفنه الجمالي .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

حكمت مهدي جباركتب الكثير ممن يهتمون بالشأن السياسي والثقافي حول أهمية الثقافة والتثقيف لمن يخوض في عالم السياسة. حيث انتشرت المئات من المقالات في الصحف المحلية وفي المواقع الألكترونية مؤكدة على ضرورة أن من الواجب الملح أن يكون السياسي مثقفا بما تتصف به الثقافة من خصال تنور الوعي وتفتح العقول.

صحيح أنه لا يوجد من يجهل دور الثقافة في تطوير الوعي السياسي ومن ثم تغيير المجتمع وبناء الدولة بما تتضمنه من اداء حكومي ومجتمعي عموما، ولا نظن أن هناك من يجهل هذا الدور للثقافة والوعي لاسيما الطبقة النخبوية اذا جاز وصفها بالطبقة، ونعني هنا النخب كافة، السياسية الاقتصادية الاجتماعية والقانونية والدينية وسوى ذلك من المجالات العملية الاخرى.

نحن لا نقول أن الثقافة أهم من السياسة ولا السياسة أهم من الثقافة. أو هل الثقافة تتفوق على الاقتصاد والتخطيط لبناء الدولة أما العكس هو الصحيح، فالنتيجة من حيث الأهمية سوف تكون لصالح السياسة والاقتصاد، وربما تكون الثقافة في أسفل قائمة الأهمية، وقد نحصل على النتائج نفسها اذا ما قمنا بتوجيه السؤال الى النخب السياسية والاقتصادية وغيرها.

ثم لماذا ينظر بعض السياسيين الى المثقف على دور ثانويا وكماليا. وربما وصل ببعض السياسيين ليعتبروا المثقف ذيلا لهم. أو انه بلا تأثير يُذكر في مجال البناء المجتمعي او السياسي وحتى الاقتصادي، فالسياسي العامل في حقل السياسة لا ينظر للثقافة على أنها صاحبة الشأن الفاعل في مجال تطوير المجتمع، وقد ينطبق هذا الرأي على الخبير الاقتصادي او عالم الاجتماع او حتى بعض المفكرين، هناك من هذه الطبقة من لا يعبأ بالدور الكبير للثقافة في بناء الدولة والمجتمع.

أننا ندعوا الى جعل الثقافة حاضرة في الفعل السياسي، بل حاضرة وموجهة لجميع مجالات الحياة الاخرى كالتعليم والصحة والأمن وما شابه، فلا خير في سياسي نصف مثقف او عديم الثقافة، وكيف يمكن أن نحصل على كادر سياسي جيد من دون ان يكون كادرا واعيا مثقفا؟؟.

وهكذا مطلوب أن تأخذ الثقافة دورها في مجالات الحياة كافة ليس بالقول فقط، بل بالدعم الفعلي لها والاهتمام الحقيقي بها من لدن الساسة وجميع النخب الفاعلة في الدولة والمجتمع.

 

حكمت مهدي جبار

 

في مسرحية البطة البرية، يقدم لنا هنريك إبسن شخصية هدفيغ كشخصية مركزية. إلا أن القارئ للمسرحية يتألم، وهو يشاهد الظلم الكبير الذي تعرضت له هدفيغ منذ البداية. فالطفلة التي لا تتجاوز الأربعة عشرة ربيعاً من عمرها، لديها مشكلة في عينيها تهددها بالعمى الأكيد وحتمي الوقوع. لم تكن هدفيغ مرفهة كبقية الأطفال في عمرها، بل كانت تضطلع بمسؤوليات أكبر من سنها، إذ كانت تشارك أبويها في أعمال البيت واستوديو التصوير الذي يشغل ركناً من البيت.

طيلة أحداث المسرحية، كانت هدفيغ هي الشخصية المعذبة، وبالتالي الشخصية المثيرة للشفقة، فقد انطوت حالتها النفسية على الكثير من الحزن والكآبة. لم تأت كآبة هدفيغ فقط من سماء النرويج الملبدة بالغيوم القاتمة، أو من التصاقها بالبيت احتماءً من الثلج والصقيع، أو من مرض عينيها، وضوء القناديل الخافت الذي يبث في روحها الضيق. بل كانت خلافات والديها هي المسبب الرئيس لكآبتها وعدم راحتها.

لقد دبت بين والديها خلافات عميقة، أدت إلى ترك أبيها للمنزل، ووصلت إلى حد تخوينه لأمها، وإلى حد تشكيكه في نسب ابنته إليه. تألمت هدفيغ كثيراً لهذا الحال، وقررت فعل أي شيء يكون من شأنه إصلاح الموقف وإعادة المياه لمجاريها. اقترح عليها صديق أبيها غريغرز ويرل أن تقتل البطة البرية التي تربيها وتحبها كروحها، فربما تكون البطة البرية هي قربان عودة الوئام الأسري لها ولوالديها.

أمسكت هدفيغ المسدس وتوجهت لقتل البطة البرية، لكن الرصاصة سكنت صدرها بدلاً من أن تسكن جسد البطة. لقد قتلت نفسها بالخطأ، لتضع حداً لحياة قصيرة لم تكن أبداً مريحة. ماتت وهي تحاول إعادة الحب والدفء إلى أسرتها، فنجحت في ذلك رغم موتها، عندما وفقت بين أبويها، ورققت قلبيهما، في مشهد البكاء والعويل والنوح عليها.

 

محمد جهاد إسماعيل

كاتب من فلسطين

 

جمال العتابيمازال المعماري خالد السلطاني منحازاً إلى كشوفاته المعمارية التي يعبّر عنها دائماً بالبحث والدراسة الأصيلة، والمتابعة لفن العمارة، بحرصٍ متناهٍ، وكأنه يعالج أمراً جديداً في غاية الدقة والتعقيد، ثمة حوار خفي بين الصورة والمثال لديه، بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمضمور، لكنه حوار محكوم بإمتحانات الإنسان ومجاهداته وأقيسته، ذلك لأنه حينما أقام وحدته مع العمارة، أصبح منحاه الوجودي، وهو تاريخ مقروء بالصورة، والمعاودة الحرة للأصوات الداخلية التي تبعثها العمارة .

وإمتلك خالد السلطاني حقه التاريخي، انه إستطاع من أن يحيل هذا الفن إلى مادة مكتوبة ومقروءة، مكّن بها القارىء غير المتخصص أن يجد في ما يكتبه السلطاني عبر الصحافة، قدراً من التناغم والتوازن مع الفن المعماري الذي تتسع فضاءاته ما بين العلم والهندسة والتشكيل، فألف مبانيه الخاصة بمعانيه المبسطة والجميلة، إلى فن يفهمه العامة من الناس ويتذوقوه، فهو يقول: تمكنت من نقل العمارة من خانة الأرستقراطية اللمّاعة، أو من برجها العاجي، وأحلتها إلى فن يهفو إليه الإنسان، وإستطاع أن يستبدل (حرفيات) فن العمارة، (بجماليات) تشكيل منظورة ومقروءة، وإذا جاز لنا التشبيه، يمكننا القول ان السلطاني في منطلقاته تلك، يماثل الأثر الذي تركه ماركس في الفكر الإنساني، إذ جعل الفلسفة تمشي على رجليها، بعدما كانت تسير على رأسها مع (هيغل)، ليظل الفن المعماري موصولاً بالإنسان، متآلفاً معه .

بدأ خالد السلطاني رحلته الإبداعية في هذا العالم من جوف تلك المدينة المظللة بالنخيل، والمطلة على نهر دجلة، من (الصويرة) الواقعة جنوب العاصمة، التي يختصرها بـ(كراج الصويرة) والإذاعة، لأنهما الموقعان الوحيدان اللذان يعرفهما السلطاني في بغداد، وتحسست يداه زمناً من خشونة المدن العراقية وفقرها، وعانى من شحّة الحياة، وتقاسم وعائلته طعم الفاقة مع أبناء مدينته، عائلته التي فقدت الأب بحادث سير منذ سنوات عمره المبكرة، وكان هذا الحال محفزاً للتفوق في مراحل الدراسة جميعها، بدءاً من المتوسطة والثانوية في الكوت، وفي أعلى مراحل الدراسة في (الإتحاد السوفييتي)، إذ تمتع ببعثة دراسية حكومية بعد تموز58 .

إمتدت رحلة السلطاني سنين طويلة كان يبحث من خلالها عن حافز مثير يحمله على تكوين مأثرته الفنية المعاصرة، فوجد في العمارة العراقية مفردات متناثرة، إستطاع أن يحيها على رجيع نبض قلبه وروحه، وأسئلة وجوده، ووجد فيه باعثاً يغرينا بالتأمل في النقوش والأقواس والحجارة ومواد البناء والشناشيل، والتصاميم الهندسية، وظهرت محاولاته وكأنها مصائد سحرية لإقتناص أسرار هذا العالم الذي لاسبيل إلى إدراك إبعاده، إلا بفهم الأنسان الفنان الذي أوحى بها.

يقول خالد السلطاني بتواضع شديد عن نفسه: أنا معلّم ناقل للمعرفة، مهنتي معلم، وهي مهنة عظيمة ونبيلة، وقادر على أدائها، كنت مغرماً بكتابات يوسف السباعي منذ صغري، تعرفت على تفاصيل حياته، قرأت في الأدب، القصة والرواية، وبدأت رحلتي في القراءة منذ أن أطاعت على مجلة الهاتف لجعفر الخليلي في أربعينيات القرن الماضي، لفت إنتباهي مشهد أحد شهود محاكمات (محكمة الشعب) عام 59، وهو يحمل حفنة من التراب، يعبرعنه كرمز للإرتباط بالوطن . هذا الرمز تحول إلى ديوان شعر للجواهري رافقه طوال سنوات الدراسة .

كان السلطاني يعدّ الجواهري قديساً للشعر، فراح يبحث عن ديوان له في مكتبات المتنبي، ووجد ضالّته في المكتبة العصرية، وكانت اولى الخطوات للقاء الجواهري بمكتبه في جريدة الرأي العام على مقربة من مقهى الزهاوي، ملتمساً إياه أن يذيل الديوان بتوقيعه، فنال مراده وحقق مبتغاه، ولابد أن يقطع مسيرة الزمن وهو يحمل قصائد الجواهري، يستعيد بها الوطن، وصوته العميق، وضفاف الصويرة وبساتينها .

همست للسلطاني وهو يأخذني في جولة بمتاحف كوبنهاغن وعمارتها الجميلة، هل تأثرت بفن العمارة الروسية؟ كيف لا! يجيبني: أود أن ألفت إنتباهك الى ان الحداثة في العمارة بدأت من هناك، منذ عشرينات القرن المنصرم، من صنع كل هذا الجمال في المتاحف والقصور والمباني ؟ كيف تآلفت كل الرموز التاريخية والفنية بقوة الأداء والأصالة والتعبير؟ والوفاء للمدرسة الروسية في الفن المعماري، فتحولت إلى أثر إنساني خالد لا يمحوه الزمان، انه الينبوع الذي نهلت منه .

السلطاني وهو يقترب من عامه الثمانين، ما يزال يمتلك أعلى طاقة روحية ممكنة، ليضعنا دائماً نقف بدهشة لقدراته الإبداعية ومنجزه المعرفي والمعماري.

 

جمال العتابي

 

محمد عبد الكريم يوسفيمكن أن يتعلم المبتدئ بالإدارة من أعمال الكاتب الياباني الكبير هاروكي مورا كامي العديد من القيم الإدارية وعلى رأسها التركيز الكبير والتصميم والنظام.

لوحة حياة:

ولد هاروكي في مدينة كيوتو عام 1949، وأمضى معظم فترة صباه في كوبا ومنذ طفولته تأثر موراكامي بالثقافة الغربية وبالتحديد الموسيقى والأدب الغربيين. درس الدراما في جامعة واسيدا في طوكيو وهناك تعرف على زوجته يوكو. لاقت أعماله نجاح باهرًا حيث تصدرت قوائم أفضل الكتب مبيعًا سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وترجمت إلى أكثر من 50 لغة عالمية. حصل موراكامي أيضًا على عدة جوائز أدبية عالمية منها جائزة عالم الفنتازيا وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة وجائزة فرانز كافكا وجائزة جائزة القدس.

من أبرز أعماله رواية مطاردة الخراف الجامحة والغابة النروجية وكافكا على الشاطئ وإيتشي كيو هاتشي يون. يَظهر تأثر موراكامي بالكُتاب الغربيين، مثل رايموند تشاندلر وكورت فونيجت واضحًا بشكل جَلي الأمر الذي دفع بعض المؤسسات الأدبية اليابانية لانتقاد بعض أعماله لبُعدها على المنهج الأدبي الياباني. وغالبًا ما تتسم أعمال موراكامي بالسريالية والسوداوية والقَدَرية. كما تتناول معظم رواياته موضوع الانسلاخ الاجتماعي والوحدة والأحلام. يُعد موراكامي من أهم رموز أدب ما بعد الحداثة.

عندما تقترب من عوالم الكاتب الياباني هاروكي مورا كامي تكتشف أنه من العباقرة في النظام والتركيز والتصميم وفلسفة الزن. إنه تجسيد لحالة الحكمة الحقيقية والعاطفة الجياشة والمهارات الإبداعية والإرادة الاستثنائية.

إن مكونات أعماله الأدبية وقصصه المستقاة من الحياة تشكل لكل مبتدئ في الإدارة مصدر إلهام قابل للتطبيق وسنركز في هذا المقال على ما يمكن للمبتدئ الذي يعتمد على التكنولوجيا العصرية أن يستقيه من الكاتب الكبير في حياته وعمله على حد سواء. قد يكون في طليعة الدروس التي نتعلمها من مورا كامي ما يلي:

علينا أن نجد ما نحبه وعلينا أن نلتزم به:

كان مورا كامي فاشلا ومتأخرا حيث كتب أول عمل له وهو في التاسعة والعشرين من عمره. وفي أحد الأيام وبينما كان يشاهد البيسبول، أدرك أن قدره هو أن يكون كاتباً. في ذلك الوقت كان يمتلك حانة تعزف فيها موسيقى الجاز، لكن التجربة في لعبة البيسبول كان لها تأثير دائم على قلبه. بدأ الكتابة وخلال السنوات القليلة التالية تغيرت مسيرة حياته.

 سواء كان الإنسان مدونًا على شبكة الإنترنت أو مهندس برمجيات أو مؤسسًا لمشروع ما فقد يعاني من نفس الشعور: منشور يجب كتابته أو قطعة مشفرة يدب تدوينها أو شركة تحتاج إلى الإنشاء. هذه بعض لحظات الحقيقة والوضوح الثمينة والتي ينبغي أن نتابعها كلما أمكننا ذلك.

 واجه مورا كامي الاختيار بين عمله ومهنته ككاتب. وعلى الرغم من أن المستقبل لم يكن مؤكدًا إلا أنه التزم بالكتابة وباع الحانة التي تُعزف فيها موسيقى الجاز التي يمتلكها. وبعد فترة وجيزة من التركيز على الكتابة بدوام كامل، أدرك أن قصته الخيالية كانت تعاني الكثير لأنها غير مناسبة ناحية الشكل. ترك مورا كامي التدخين وبدأ يمارس رياضة الجري. اليوم يمارس مورا كامي هذه الرياضة يوميا.

 كل مبتدئ في هذه الحياة يواجه دائما الخيارات التي تقوده إلى الحيرة. والمفتاح لكل مسائل الحياة يكمن في الالتزام والتركيز وإعطاء الوقت الكافي لكل شيء. هناك دائمًا عقبات وتحديات في هذه الحياة، ولكن إذا كان الإنسان يعرف خياراته والتزاماته يمكنه التغلب عليها بيسر وسهولة.

على الإنسان أن يتمسك بما يعرفه:

لقد قرأت العديد من روايات موراكامي قبل البدء في كتابة أي شيء عنه. وقد عرفت عنه وعن عوالمه الكثير من المعلومات فرواياته في جزء منها تروي تجربته الشخصية في الحياة. تتحدث كتبه بشكل متكرر عن موسيقى الجاز ويتحدث في روايته التي تحمل عنوان " جنوب الحدود، غرب الشمس ". تدور أحداث الرواية حول صاحب شريط موسيقى الجاز. يحب موراكامي القطط ويستخدمها لإنشاء صور فريدة ساحرة. والأهم من ذلك كله، يكتب موراكامي عن الحب والعاطفة والشعور بالوحدة.

 وفي لحظة من اللحظات يقرر الإنسان أن يقوم باستثمارات أو مشاريع هندسية أو تجارية وعلية أن يجري الدراسات وأن يتمسك بما يمتلكه من معارف. قد يشعر بخيبة أمل في البداية لكنه سرعان ما يدرك أنه على صواب وفق أراء هاروكي موراكامي.

 يخطئ العديد من الأفراد والشركات في القفز إلى مناطق لا يعرفون الكثير عنها. ينجح القليل منهم، لكن معظمهم لا ينجحون أبدًا. من الأفضل أن يبدأ الإنسان العمل حول الموضوع الذي هو خبير فيه أو يعرف الكثير عنه. ويمنح ذلك ميزة إضافية ويضمن أنه لا يضيع وقته في تجارب قد لا يكون منها طائل.

 ابدأ باكرا وانتهي باكرا:

تحفل حياة مورا كامي بالروتين. ينهض من الفراش حوالي الساعة 5 صباحًا ويذهب إلى الفراش بحلول الساعة 10 مساءً. لا يتناول العشاء في وقت متأخر من الليل ويقوم بالنزهات المفضلة لديه. يعمل في كتبه يوميا وينجز جمال وسحر ما يكتب عن طريق توزيع العمل بالتساوي على كل يوم.

 تعلمت هذا الدرس لأول مرة عندما كنت أشاهد إحدى السيدات وهي تفوز بذهبية في أولمبياد سيدني عام 2000 فقد فازت بالمركز الأول برياضة الجري وكانت تركض مثل الروبوت سرعتها واحدة خلال دورة اللعب بأكملها.

 تؤسس الشركات الناشئة بسرعة وتحاول العمل بكثافة. تحاول أن تجري بسرعة كبيرة ثم تحترق بسرعة كبيرة. يعتقد العديد من رواد المال والأعمال الشباب أن الشركات الناشئة تشبه سباق الجري تتسابق من البداية إلى خط النهاية. في الواقع، حياة الشركات الناشئة تشبه السباق، والمهم هو أن يسير المتسابق بانتظام وخطى ثابتة.

لا تستسلم أبدا وابحث دائما عن الإبداع:

 ولعل أكثر ما يلفت النظر حول هاروكي موراكامي هو إبداعه. وربما كانت الرواية الأكثر إثارة هي رواية "يوميات طائر الزنبرك" التي كتبها مورا كامي وهي قصة خيالية "تجريبية" ساحرة. يواجه القارىء أثناء القراءة عالمًا من الصور والأفكار والشخصيات الغامضة والنهايات المفتوحة لقصصه الغريبة.

 كل رواية من روايات موراكامي مختلفة عن الأخرى وتتميز بشيء غريب يشد القارىء دون أن يدري. لا يشعر موراكامي أبدًا بالاستقرار وتجده يبحث دائمًا عن طرق جديدة للتعبير عن نفسه. يقول دائما إن الكتابة ليست سهلة بالنسبة له. ويسكب العمل الإبداعي بعناية صافية ونتيجة لشغف خالص. لكن المشكلة تكمن في أن المؤلف يسعى إلى كسر الأساليب التي أنشأها بالأمس والمضي قدمًا نحو منطقة جديدة غير مستكشفة وإلا يتحول إلى مثقف من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة.

 العاطفة والإبداع من العوامل الهامة لبدء العمل في عالم المال والأعمال. وبدون هذين المكونين الرئيسيين، لن يكون هناك نجاح على الإطلاق. ولكن مثلما يحتاج الفنان إلى إعادة ابتكار نفسه هكذا تفعل الشركات الناشئة أيضًا. لن تكون الموجة الأصلية للإبداع التي ستقودك إلى الأمام، بل السعي والإرادة التي لن تحسمها أبداً والتي تجعل الأحلام تتحقق اليوم وغدا وإلى يوم يرزقون.

 

 بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

جواد غلومحينما نجول بين الناس في مراكز التجمعات واكتظاظ الملأ في الأسواق والتجمعات البشرية عندنا؛ نلحظ بان هناك شعور بالاختناق والنرفزة والسخط والتوتر والنظرات العدوانية الظاهرة في الوجوه والنظر الشزر؛ وتكاد تكون هذه الحالة ظاهرة شائعة في كل مرافق الحياة، في الشارع والسوق وأماكن العمل وتكاد الابتسامات تختفي من العابرين والسابلة وكأن التجهّم والانقباض سمة شائعة وظاهرة في طلعات الناس أينما اتجهتْ وحيثما حللت. حتى نسينا وصية رسولنا الكريم " تبسّمك في وجه أخيك صدقة" ولم نعد نعيرها اهتماما وإتباعا.

ولأني مواطن عراقيّ بسيط وكثير العِشرة وانبساطي حتى مع القرباء والغرباء معاً، كثيرا ما أتساءل: ترى لماذا لا يبتسم العراقيون مع ان الابتسامة تتيح للقلب الراحة وتخفّض من ضغط الدم وتقلل الإجهاد ويشعر باقي الجسم بالراحة كما انها تعطي إحساسا بالتعاطف مع الآخرين وخلق الثقة المتبادلة في المجتمع؟؟.

وهل أكثر من الابتسامة حافزا لدفع الانسان نحو العمل وزيادة الانتاجية والعطاء وتزيد من حالة التعاطف بين البشر من خلال زيادة إفراز مادة "الاندروفين" كما يطلق عليها الاطباء والتي تخلق مزاجا حلوا وشعورا بالسعادة والتآلف والمودة لكل من تلقاه وقد أثبتت الدراسات النفسية في سايكولوجيا علم النفس ان البسمة العفوية البارزة في طلعة الانسان تخفف كثيرا من الآلام وتعتبر مسكّنا طبيعيا لأية حالة وجع او ألم قد تمر بك وتزيد من مناعة الجسد لمواجهة حالات الاكتئاب والسوداوية وتُظهرك أقل من عمرك الحقيقي.

حقا نعجب نحن العرب عموما والعراقيين بشكلٍ أخصّ وهذا ما أهجسه بنفسي بسبب معايشتي الدائمة واختلاطي المستمر بينهم هنا وهناك.

لا أبرر حالات التجهم وانقباض طلعة إنساننا بما مرّ به شعبنا من ويلات وحروب وسلطات غاشمة وأذىً؛ فقد مرّت ويلات اكثر قسوة وتدميرا على شعوب اخرى لكنها لم تفقد ابتسامتها وهي في احلك الظروف .

فاذا رأينا احدا دائم الابتسام فيتبادر الى أذهاننا شيء غير قليل من التساؤل لمعرفة سرّ هذه البسمة مع انها حالة طيبة تشرح الصدر وتبعث البهجة في النفوس .

وللطرافة أذكر ما يجري في بيوتاتنا ووسطنا الاجتماعي:

هنا في بلادي لو ابتسمت لأخيك سيقول لك: عجَباً؛ ما الذي تريده مني؟ !

ولو أقبلتَ على أمّك ضاحكا مبتسما ستقول لك: خيراً ما الذي عملت لنفسك حتى تنفرج أساريرك!!

ولو أقدمت على أبيك مبتسما سينهرك ويقول لك: اذهب ليس عندي مالاً أعطيه لك فاغرب عن وجهي .

اما لو تبسمتَ لغريب سيبادرك بالسؤال: هل تعرفني؟؟ أتريد ان تصنع مثيلاً لي؟

أخيرا وبعد ان تلقى الجفوة والصلافة من هؤلاء الأقرب المقربين لك، ستلجأ وحدك ضاحكا مبتسما؛ عندها ستسمع من السابلة من يقول انك سائر باتجاه طريق الجنون وستصل سريعا الى عنابر مستشفى الأمراض العقلية وتفتح لك العصفورية أبوابها على مصراعيها أو كما نسميها في العراق باسم " الشمّاعية " .

 

جواد غلوم

 

ضياء نافعهذا موضوع مثير للقارئ العربي، اذ انه يقترب من عالم السياسة ويسير على حافة حدوده (الملغومة دائما!)، بل ان بعض القراء العرب ربما يعتقدون انه موضوع سياسي بحت حول تاريخ الحركة الاشتراكية ومسيرتها بالذات، اذ انه يرتبط ب (قائد الثورة الاشتراكية في روسيا والعالم ايضا - لينين) و(قائد الواقعية الاشتراكية في الادب الروسي والادب العالمي ايضا - غوركي) . لكن هذا الموضوع لا يرتبط بعالم السياسة مباشرة رغم كل هذا التقارب فعلا، بل يتحدث عن جزء غير واضح المعالم للقارئ العربي (وربما يمكن القول شبه مجهول تقريبا) من تاريخ العلاقة الفكرية المعقدة والمتشابكة بين أديب روسي كبير برز في بداية القرن العشرين هو مكسيم غوركي وبين شخص لم يكن مشهورا جدا في تلك الفترة هو لينين، ولكنه سيكون قائدا لثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية الروسية، والتي أدّت به الى ان يصبح- بعد نجاح تلك الثورة - واحدا من أشهر رجالات القرن العشرين (وهو كذلك ولحد الان ونحن في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين) ليس فقط في روسيا، بل في العالم أجمع .

 كلاهما، غوركي ولينين ولدا في روسيا (غوركي العام 1868 ولينين العام 1870، اي انهما متقاربان جدا من حيث العمر)، ولكنهما تعارفا والتقيا خارج روسيا، لانهما تركا وطنهما المشترك لاسباب سياسية، اذ اصبح لينين قائدا لحزب مضاد للقيصرية الروسية ويسعى لاسقاطها، واصبح غوركي اديبا كبيرا ومعارضا للنظام ايضا، ويؤيد اهداف ذلك الحزب (الذي يقوده لينين) بكل قواه الفكرية والمادية. تعمّقت علاقتهما خارج روسيا (كل من موقعه) وخصوصا في ايطاليا (كان غوركي يسكن هناك، وزاره لينين وبقي بضيافته فترة)، واستمرت العلاقة بينهما ايضا في روسيا عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917، وهناك الكثير جدا من المصادر الروسية، التي تتحدث عن تفصيلات تلك العلاقات المتبادلة بينهما، وانتهت طبعا بوفاة لينين العام 1924، عندما طلب غوركي ان يضعوا اكليلا من الورود باسمه ويكتبون عليه – (وداعا يا صديقي). وكتب غوركي بعد وفاة لينين مقالة كبيرة وطويلة عنه، وهي واقعيا صورة قلمية فنية ووثائقية رائعة، وتم نشرها في كتيب خاص في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وصدرت بلغات عديدة، منها لغتنا العربية، بل ويقال في بعض المصادر الروسية، ان ستالين كان يطمح ويتمنى ان يكتب عنه غوركي شيئا مماثلا، ولكن غوركي لم يكتب ذلك . لم يتناول غوركي في كتابه عن لينين كل ما حدث بينهما، بما فيها خلافاته معه طبعا، والتي حدثت اثناء تلك المسيرة الطويلة معا (وهو أمر طبيعي)، ونحاول في هذه المقالة ان نشير الى بعض تلك الخلافات بشكل وجيز وضمن نقاط، اذ انها تكاد ان تكون شبه مجهولة تقريبا في المصادر العربية عموما.

الخلاف الاول ظهر عندما نشر غوركي كتابه الشهير (الاعتراف)، والذي صدر العام 1908، عندما كان في كابري بايطاليا . لقد حاول غوركي في روايته القصيرة تلك ان يعكس طروحاته الفلسفية بشأن توحيد الافكار الدينية للشعب الروسي مع الاهداف الثورية (التي كان يؤمن بها غوركي)، وهي وجهة نظر غير جديدة في الفكر الروسي اصلا، ولكنها كانت جديدة بالنسبة لغوركي ومسيرته الابداعيه (وهو مؤلف رواية الام !) . لقد أكّد غوركي هناك، ان القيم الاخلاقية والروحية اكثر أهمية لنجاح الثورة من العناصر الاقتصادية والسياسية . وقف لينين ضد هذه الطروحات الفكرية الجديدة لغوركي بشكل مباشر وحاد جدا، وانتقده بشدة وعلنية، بل واعتبرها غير صحيحة تماما، ولكن غوركي أصرّ على موقفه الفكري هذا. ان هذا الخلاف العلني بينهما هو واقعيا يجسّد عدم توافق السياسي المحترف لينين مع الكاتب والمفكر غوركي، وهو عدم توافق دائم بين السياسيين من جهة، وبين الكتّاب والادباء والفنانين بشكل عام من جهة اخرى، اذ ان المبدع يعبّر عن افكاره بحرية مطلقة دون الأخذ بنظر الاعتبار متطلبات السياسيين واهدافهم المحددة ضمن مسيرة صارمة وشعارات حزبية مرسومة، وهي ظاهرة عامة (اي التناقض بين السياسيين والمبدعين)، وغالبا ما نجدها في مسيرة الحياة وفي كل المجتمعات، بما فيها طبعا مجتمعاتنا العربية.

الخلاف الثاني بين غوركي ولينين حدث بعد فترة قصيرة جدا من انتصار ثورة اكتوبر 1917، اذ كان غوركي يصدر جريدة اسمها – (الحياة الجديدة)، وقد هاجم غوركي في جريدته تلك الخروقات التي حدثت في الايام الاولى للثورة، وكتب يقول، ان (... لينين وتروتسكي قد تسمموا بالسم العفن للسلطة ...وانعكس ذلك في علاقة العار تجاه حرية الكلمة، والحرية الشخصية وضد مجمل الحقوق، التي ناضلوا من اجل انتصارها ....)، بل وقارن لينين حتى بالقيصر وتصرفاته تجاه حرية الفكر واضطهاده لها . وكل هذه الخلافات انعكست في كتاب أصدره غوركي بعنوان – (افكار في غير أوانها)، والذي اعيد طبعه فقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولا يسمح المجال للتوقف عنده تفصيلا، ولكن من الضروري الاشارة هنا، ان غوركي قد تراجع عن تلك الافكار بعد محاولة اغتيال لينين، واعتذر له عندما زاره بعد المحاولة تلك، ولكن مع هذا، فقد ارتأت السلطة ان يسافر غوركي الى اوربا (للعلاج!)، (وبعكسه سنرحّلك..)، كما قال له لينين مازحا...

 

أ. د. ضياء نافع

 

عمار كاظم محمدتلعب الترجمة في حياة الشعوب والحضارات دورا محوريا ومهما جدا في احداث التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية في المجتمعات التي تطمح نحو التطور والرقي، ذلك ان الترجمة هي دائما جسر التواصل والتلاقح الحضاري بين الشعوب والامم وهي الدافع والمحرك الرئيسي للتطور، فكلما ازدادت حركة الترجمة وما ينتج في ميدانها المعرفي، كلما زادت الافكار والتطلعات والسعي نحو التغيير بما تنتجه من افكار جديدة ومعارف تزيد افق المجتمعات وتزودها بالحلول لما يعترض سبيلها من مشاكل.

لقد سمي عصر المأمون بعصر الترجمة او العصر الذهبي للترجمة لما مثله هذا النشاط من فعالية مهمة كانت السبب لحركة الفكر العربي النشطة فيما بعد، لكننا وازاء هذا الواقع المزري والمهزوم فكريا وثقافيا مع تزايد سيطرة الفكر الدوغمائي والقبول الخانع اضحت حالة الترجمة كحال الواقع الثقافي الذي نعيشه حيث تطرد العملة السيئة دائما العملة الجيدة من السوق كما يقال .

ربما ترتبط حالة الترجمة بحال القراءة في العراق وفي العالم العربي عموما وليس ما اتحدث عنه الان هو مجرد انشاء او من فضول الكلام فبحسب احصائيات اطلعت عليها على موقع منظمة اليونسكو فقد بلغ عدد الكتب المترجمة إلى العربية في ثلاثة عقود من عام 1970 إلى عام 2000  ما يعادل 6881 كتابا وهذا ما يعادل ما نقل إلى اللغة الليتوانية التي يبلغ عدد الناطقين بها أربعة ملايين شخص فقط،  وكان تقرير الأمم المتحدة قد كشف عن وضع مزر بهذا الخصوص إذ أن العرب لا يترجمون إلا خمس ما يترجمه اليونانيون في الوقت الحاضر، اما في احصائيات عام 2005 على صعيد الترجمة فنصيب كل مليون مواطن عربي من الكتب المترجمة يساوي 4.4 كتاب، بينما يبلغ نصيب كل مليون إسرائيلي 380 كتابا، وكل مليون مجري 500 كتاب، وكل مليون اسباني ما يقارب 950 كتابا، أما عن سوق الكتب، فتبلغ في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي 30 مليار دولار، ونحو 10 مليار دولار في اليابان، وتسع مليارات دولار في بريطانيا، وتبلغ مبيعات الكتب اجمالاً في كل انحاء العالم 88 مليار دولار، نصيب العالم العربي واحد المائة فقط.

ونعود مرة اخرى الى الترجمة واهميتها وصعوبتها في ذات الوقت فان من المفارقات العجيبة أن أكبر رب عمل للمترجمين العرب في البلاد العربية هو القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج، ذلك أن الالية التي تعرقل حركة حركة الترجمة في العالم العربي هي عدم جود سوق عربية للمترجم العربي ماعدا سوق العقود والوثائق الشخصية التي تبقى سوقا صغيرة قياسا بعدد المترجمين الذين يمارسون ترجمة العقود والوثائق الشخصية، اما العلوم التي تدرس في الجامعات العراقية عموما فهي تدرس باللغة الانكليزية وهذه خسارة كبيرة للمترجم والطالب واللغة العربية والثقافة العربية، فلا سياسة رسمية للترجمة العلمية والأدبية، ولا سوق للترجمة التجارية والوظيفية، ولا بنك معلومات للمترجمين وللأعمال المترجمة، ولا دور نشر تهتم كثيرا بنشر ما يترجم .. ولا شركات توزيع للكتب يوثق بكلامها ..، ولا تكوين يواكب السوق الدولية ويرقى إلى مستوى التحديات التي يواجهها المترجم، ولا مصادر عربية كثيرة يطمأن إليها في دراسات الترجمة والبحث فيها.

امام مشاكل كبيرة كهذي بالاضافة الى تردي واقع التعليم الاساسي يتخرج سنويا الالاف من طلاب اللغات والتربية والاداب واغلبهم الا ما ندر وهم غير متمكنين في الاساس من اللغة التي تعلموها والتي سينسوها بعد سنوات من البطالة والعمل في حقول أخرى بعيدة كل البعد عن اختصاصهم ودراستهم ناهيك عن الكسل العقلي الناتج عن عدم المطالعة والقراءة والاحتكاك بمن يتكلمون تلك اللغة.

المترجم في عالمنا العربي دائما موضع للشك والريبة واتذكر في سنوات العراق المظلمة منذ عام 2005 الى 2008 كيف كانت كلمة مترجم كافية وحدها لارسالك الى الجحيم بدون مقدمات وكيف تعرض الكثير من الاساتذه الى التهديد والاغتيال لمجرد انهم يعرفون لغة اخرى او على ضوء اعتبارات طائفية او سياسية دون التفكير في ان رحيلهم او اختفائهم هو خسارة للبلاد وللتعليم المتردي من الاساس في تلك الفترة .

على ضوء ذلك كيف يمكن أن نقيم حال الترجمة في العراق وماهي المعايير التي يمكن بها معرفة قيمة الترجمة في اي كتاب يصدر دون وجود مؤسسة تعنى بتقييم جودة الترجمة واجازتها باعتبارها صالحة للنشر من عدمها خصوصا في عراق ما بعد عام 2003 والفوضى التي نعيش فيها من تداخل التخصصات وغياب المؤسسة الرسمية عن اداء دورها وامتلائها بالفساد والبطالة المقنعة وعدم وجود منهج واضح لاتجاه الترجمة وما يراد منها في هذه المرحلة؟.

ان غياب كل تلك المقومات في وقتنا الحالي جعلت من حقل الترجمة لا يمثل سوى جهد فردي يقع عبئه على عاتق المترجمين وحدهم في الاختيار والعمل وتطوير الذات اما ما يتعلق بترجمة الكتاب فهي خاضعة لمتطلبات العمل التجاري والرواج في السوق وما ترغب به دور النشر دون ان يكافأ الجهد المبذول بالترجمة ما يستحقه فعلا من كد وتفكير وبحث ومعاناة.

 

ان مهمة المترجم في الوقت الحالي مهمة مضاعفة الصعوبة فهو من ناحية بحاجة الى تطوير نفسه وثقافته في اللغة التي يترجم عنها وفي ذات الوقت ابقاء جسر التواصل مع الثقافات الاخرى صالحا على الرغم من العقبات ونقلها الى المجتمع الذي يعيش فيه علها تحدث فرقا في المفاهيم وتنعكس على الواقع باتجاه تحسينة نحو الافضل وهي مهمة ليست بالسهلة لكن المخلصين الحقيقيين يقومون بها على الرغم من كل شيء او كما يقول سكوت فيتزجرالد " عصفور حي خير من نسر محنط".

يقول عالم اللغات الاسباني خوليو كاساريس " تعتبر الترجمة دائرة للكمارك تمر من خلالها سلع مهربة من المصطلحات الاجنبية اكثر مما تمر من اية حدود لغوية اخرى ان لم يكن موظفو الكمارك يقظين"  وهو يقودنا للتساؤل هل الترجمة علم ام فن ؟  والجواب أن الترجمة في التخصص علم وفي الادب فن، اي بمعنى أنه وفيما يتعلق بالكتب العلمية فان على المترجم ان يكون مدركا للمفاهيم والاصطلاحات في التخصص بينما حين يتعلق الامر بالكتب ذات الطابع الادبي والفني ان يكون المترجم على معرفة واطلاع على التعابير والتراكيب اللغوية وما يوازيها في حقل اللغة المنقول اليها لاضفاء الطابع الفني على العمل بشكله الابداعي.

ان هذا بالتأكيد يعني ان على المترجم ان يكون واسع الاطلاع ويقرأ في كل الحقول وفي كل ما يقع تحت يده في مختلف التخصصات ويضيف يوميا الى قاموسه اللغوي والمعرفي ما يعينه على اداء وظيفته في الترجمة في مختلف الحقول مما يعني وعلى حد قول احد استاذة الترجمة إن " المترجم مثقف رغم انفه " ذلك أن كل معلومة وكل مصطلح وكل قراءة جديدة هي بالتأكيد اضافة وتوسيع في افق المعرفة لدى المترجم وتمكين له من الخوض في غمار الترجمة بادوات متجددة .

في النهاية فانني اعتبر ان الترجمة تجربة لا تقل في عملها وجهدها عن تجربة مؤلف الكتاب، فالمترجم في رأيي يعيد ابداع العمل في لغة اخرى ليوصل لنا التجربة بكل ما تنطوي عليه قدر جهده وقدر ما تسمح به اللغة المنقول اليها العمل رغم انها تتفاوت بالتأكيد من مترجم الى آخر طبقا لمهارته وقدرته وثقافته وموهبته في الصياغة، تبقى الاعمال العظيمة المنقولة الينا في لغتنا هي نتاج لجهد الترجمة ويبقى المترجم دائما الجندي المجهول في هذه العملية ولولاه لما عرفنا الكثير مما يبدع في عالمنا ولظلت الثقافة العربية محصورة في افق ضيق لا يتجاوز مدياتها وبيئتها المحلية .

 

عمار كاظم محـمد

 

1077 جذوروصلني بالبريد هدية جميلة من الصديق القديم الشاعر مجيد حسيسي، ابن بلدة دالية الكرمل، وهي ديوانه الشعري الجديد "جذور كرملية" الصادر عن دار "الحديث" لصاحبها الناشر فهيم أبو ركن، الذّي جاء في 145صفحة من الحجم المتوسط والورق الصقيل وبطباعة أنيقة وغلاف مقوى، واشتمل على باقة فواحة الأريج والعبير من قصائده العذبة السلسة، التي تتناول موضوعات واغراض شعرية متنوعة، في الحب والوطن والارض والطبيعة والرثاء والقلق الوجودي وهموم العصر وقضايا الإنسان والحيا.

مجيد حسيسي شاعر وكاتب أنيق ومجيد، معرفتي به تعود الى سبعينات القرن الماضي حين كان ينشر قصائده وكتاباته الادبية في صحيفة " الانباء " المحتجبة، وهو ينتمي لرهط من شعراء وأدباء الكرمل أمثال: المرحوم سلمان ناطور ووهيب نديم وهبة وزياد شاهين والراحل معين حاطوم وفرحات فرحات وفهيم أبو ركن وهيام قبلان وملحم خطيب وسواهم . وديوانه " جذور كرملية " هو الكتاب الثالث عشر الذي يصدر له بعد " كلمات متشردة، القضية رقم 31 مع الأديب فرحات فرحات، أبدية النار الباردة، وهج الأصوات النازفة، محطات، منك الثرى، حيفا والمهاجر، البديلة، بصمات من ذهب، وطني على ظهري، عزف على جراح الصمت، وبيت القصيدة".

يهدي مجيد حسيسي ديوانه الى " أفراد أسرته، والأهل والاقارب، والاصدقاء الأوفياء، والى شريكة حياته، زوجته الحبيبة التي شاركته انتماءه "، التي يقول عنها: " ركيزة البيت، ورمز الطهر في زمن الجفاء".

واستُهِلَّ الديوان بمقدمة للناقد د. منير توما، وهي نص الكلمة التي كان قد القاها في حفل تكريم مجيد بدالية الكرمل، ومما قاله: " إنه المبدع المتألق بإبداعاته من شعر ونثر دون كللٍ أو ملل، بل يمارس ذلك بمتعة واشتياق نحو الإتيان بحلو الكلام في قصائد بالغة التمام، تتنوع بروافدها وفروعها، وفي مقدّمتها الحِكمة ومحبّة الإنسان لأخيه الإنسان من خلال أغراض شتى طرقها أستاذنا وشاعرنا الكريم فأجاد وأبدع على الدوام، ليس بموهبته الشعرية المتميزة فحسب، بل بكرمه الحاتمي في مواقف متعدّدة عهدناها بشخصه الكريم، وخُلقه النبيل، ومنبته الأصيل " .

 

قصائد الديوان في شتى الأغراض، وجدانية، إنسانية، غزلية، وطنية، فلسفية، رثائية، ووصفية، بالغة الجمال، ناضجة فنيًا، رصينة، جزلة، متينة الحبكة والتراكيب، رفيعة، رقيقة، منسابة كشلال، فيها حزن وشجن، وفيها انتماء وطني واضح، واشراقات أمل، مترعة بالعواطف الصادقة الجياشّة، ومشحونة بالوجدان المتقد والإحساس الانساني المرهف النابض، ومثخنة بالجمالية الفنية والعفوية والشفافية الناعمة الهادئة، وفيها من الرؤى والافكار الدالة على عناصر الابداع والجمال وسعة الخيال المجنح والوصول الى نص شعري بليغ التأثير والتعبير والاشارات .

وما يسم هذه القصائد صدق العاطفة، وحرارة التجربة، والعمق والتكثيف في الصور والمعاني، والقوة وجودة السبك، والانسيابية المموسقة في معانيها وأفكارها وابعادها الإنسانية، ودقة الوصف والتعابير، والقدرة الفائقة على اختيار الكلمات والمفردات المجازية البلاغية الجميلة الفصيحة.

مجيد حسيسي شاعر تسكنه الروح والنزعة الإنسانية، يتمتع بثقافة حسية وجمالية، وصاحب فكر متوقد نيّر، لم يترك غرضًا ولا بابًا ولا موضوعًا شعريًا لم يطرقه ويتفاعل معه . يحمل وطنه في قلبه، وعلى ظهره، ولم يتركه أبدًا يتدحرج كصخرة سيزيف، غنى للحب والوطن والانسان، وناجى الحبيبة، وطرح قضايا المرأة، وتفاعل مع الظواهر الاجتماعية وجعل من فؤاده دفيئة للمعاناة والمكابدة والمشاعر الإنسانية، مكللًا بالحب والعشق والشوق والحنان، متوجًا بالقلق الوجودي العصري من شرور الحياة ومآسيها، داعيَا للتسامح والسلام والمحبة بين أبناء البشر والديانات السماوية .

ومن نوافل القول أن نصوص ديوان مجيد حسيسي " جذور كرملية " تحمل بعدًا وجدانيًا وانسانيًا عامًا، مزنرة بحرارة الوجدان، مشرعة على هموم وآمال رحبة، ومغمسة بوجدانيات وطقوس الحب والاشراق، إنها شذرات مصفاة مكثفة، قالت وأسمعت، فوصلت شذية ندية حريرية تعرف الطريق إلى البهاء، وتعرف كيف تتغلغل في النفس ريحانًا عندما تود النفس البشرية الخروج الى الفتها وطبيعتها المتجددة، تزخر بالفتنة التي لا تخطئها عين او احساس يتلبس البلاغة في تكسير المألوف وصولًا الى ما هو فوق الواقع والخيال ما يجعل الدهشة تتألق وتتوهج بقدر حيوي في القصيدة .

ومن أنفاس الشاعر وأجواء الديوان اخترت قصيدته " كوني ظلالي " .. حيث يقول:

 

أقومُ إليكِ أشكوكِ لأحيا

وأُحيي فيكِ أيَامَ الوصالِ

فلا الأيّامُ تُسعفنا لنبقى

ولا الأحلامُ تأتي بالمُحالِ

فأنتِ بنفسِ إحساسي حنينٌ

وأنتِ الحُسْنُ كحّلهُ مقالي

فهاتي السّعدَ نجدلُهُ بحرفي

ضفيرةَ عَشْقِ أحلامِ الخيالِ

لنمسحَ كلَّ إحساسٍ بسوءٍ

ونمسِكَ في تلابيبِ الجَمالِ

فكوني كل آمالي وسَعدي

وكوني الشمسَ لي كوني ظلالي

وفي المجمل ديوان "جذور كرملية" لمجيد حسيسي يكشف عن واحد من أكثر شعراء الداخل الفلسطيني رقة وعذوبة وانسانية وانسيابية، فهو يصطاد قصيدته اصطيادًا، ويكتفي بما يصيد من رشاقة اللغة وجذلى صورتها، فلا يتكلفها ولا تتكلفه، ولا يزيد عليها أكثر مما تستحق، حتى انها تبدو سمفونيات حب وحياة وامل واغنيات وترانيم شجية وشذية، أو سلسلة معزوفات موسيقية تتهادى بين نسائم ربيعية، أو لقطات ولوحات تشكيلية رسمت لتكون قصائد عشق وجمال ودفق عذب هفهاف .

فكل الشكر والتحية للصديق الشاعر العريق الراقي الملهم مجيد حسيسي، مع أحر التهاني بصدور ديوانه "جذور كرملية" واطيب التمنيات له بالعمر المديد والحياة العريضة والعطاء المتجدد المتواصل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

1074 ندوةمنذ القديم والأدباء والفلاسفة يأخذون من العلم بنصيب بل كانوا يتعمقون فيه ولا يكون الإنسان فيلسوفا مثلا إلا إذا كان رياضيا حتى إن أفلاطون كتب على باب أكاديميته "من ليس مهندسا فلا يطرقن علينا بابنا" واحتذت الثقافة الإسلامية حذو الثقافات القديمة فكان الأدباء والفلاسفة علماء في ذات الوقت شأن الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن خلدون عرف الأدب بأنه الأخذ من كل فن بطرف لكن تبحر العلوم وتخصصها جعل هذا الأمر مستعصيا في العصر الحديث مما جعل الإحاطة بها أمرا مستحيلا لكن الإلمام بقواعدها العامة أو المعارف الإجمالية أمر لازب والذي لا يتوفر على تلك المعارف العامة تكون ثقافته عرجاء ومعرفته شوهاء فالأصل أن يتوفر المثقف على مبادئ العلوم العامة بل إنها تساعده في تخصصه سواء أكان فنيا أم أدبيا أم فلسفيا والجهل بها قد يوقعه في أخطاء جسيمة تطعن في مصداقية ثقافته وجدوى حكمته شأن العالم الذي لا يتمكن من اللغة فيعجز عن التعبير أو يقع في أخطاء لغوية تضر بمصداقية معرفته وتجعله مضطربا في مواجهة الجمهور فكما أن مبادئ العلوم لا زمة للأديب أو المتفلسف لاشك أن مبادئ اللغة والآداب لازمة للعلماء والفلك هو أحد أشرف العلوم وأسنى المعارف لأنه مرتبط بالسماء الشامخة الباذخة اللانهائية والمعانقة للمطلق فكل ما يرتبط بها هو مرتبط بالمطلق والسامي واللانهائي.

2- علم الفلك نشأته ومساهمة علماء الإسلام فيه:

وفي ثقافتنا العربية الإسلامية شكلت المعارف الفلكية زادا خصبا لقريحة الفلاسفة والشعراء والنثار بل الفلك نشأ أول الأمر من رحم الملاحظة المستديمة بدافع الفضول الإنساني أو الحاجة البشرية المرتبطة بالطقس والمطر وما يتعلق به من رزق ومن كلأ ومراع وسفر في الفيافي وفي أعالي البحار أو ضبط الزمن ومعرفة المواسم الدينية والعبادات وكان للإنسان العربي فضل في إثبات ملاحظاته وتدوين أرصاده شان الشعوب القديمة كالبابليين والفراعنة والإغريق فالآيات القرآنية صريحة في الحديث عن عظمة الله في خلق السماوات والنجوم والكواكب والحاجة إلى ضبط أوقات الصلوات والمواسم الدينية واتجاه القبلة تحتم على العقل المسلم ضرورة تحري هذه المعارف وضبطها وتدوينها وإتاحتها للناس لحاجتهم الماسة إليها والمسلمون الذين عنوا بنقل المعارف القديمة الهندية والفارسية والإغريقية عنوا بترجمة التراث الفلكي القديم وهضمه ثم الإضافة إليه فالبابليون مثلا تركوا معجزات في المعرفة الفلكية لعل أهما "الساروس" أي الدورة والتي تعني أن كل كسوف شمسي يتكرر بعد 11 سنة تقريبا كما اكتشفوا فلك البروج ويعني ذلك المسار الذي تتبعه الشمس في حركتها الظاهرية خلال العام والإغريق منذ أرسطارخس وإيراتوستين قعدوا المعارف الفلكية مستعينين بالرياضيات فاستطاع إيراتوستين حساب محيط الأرض مسترشدا ببئر شهيرة في الإسكندرية ويعد بطليموس أب العلوم الفلكية فهو الذي جمعها ونسقها وبوبها في كتابه العظيم" المجسطي في الفلك" والعنوان يوحي بالفخامة والعظمة وهضم العقل المسلم تلك المعارف ثم شرع في نقدها وتقديم الإثراء والقواعد والاكتشافات الجديدة شأن عبد الرحمن الصوفي الذي استدرك على بطليموس بعض النجوم فيما يعرف بالمجموعات النجمية في كتابه الشهير "صور الكواكب الثمانية والأربعين" والبتاني دارس قوانين حركة القمر وعمر الخيام مصلح الأزياج والبيروني المتبحر في النجوم حتى عده الغربيون أعظم عقل في التاريخ على الإطلاق وكانت الاكتشافات الإسلامية قاعدة علمية ولعل أعظم نظرية إسلامية هي تلك التي نسفت نظرية بطليموس الذي جعل الأرض محور الكون والنجوم والكواكب والشمس تدور حولها منخدعا بالحركات الظاهرة لها فأعاد علماء الإسلام الأرض إلى موقعها الحقيقي فجعلوا الشمس محور الكون والكواكب تدور حولها وكانت هذه النظرية سندا لكوبرنيكوس في إذاعة نظريته الجديدة تلك التي شكلت ثورة في علم الفلك في العصر الحديث ثم استعان بها كبلر وجاليليو ونيوتن ويكفي العقل المسلم فخرا أن أسماء كثير من النجوم مازالت بأسمائها العربية في الأطالس الفلكية الحديثة كفم الحوت والدبران وسعد السعود والطائر وهناك أكثر من تسعين نجما مثبتا باسمه العربي في الأطالس الفلكية الأمريكية والأوروبية واستدرك البيروني على إيراتوستين في حساب محيط الأرض واقترب كثيرا من الرقم الحقيقي هذا غيض من فيض المعارف الإسلامية الفلكية التي توجت المسلمين سادة العلوم الفلكية في العصر العباسي خاصة مما جعل العلامة جورج سارتون يفرد لهم جزء خاصا في كتابه العظيم "مقدمة لتاريخ العلم" وأثنى عليهم كل المستشرقين الغربيين كتوينبي وستانوود كوب وآدم ميتز وجوستاف لوبون وغيرهم

3- علاقات تاريخية بين الأدب والفلك:

 عرف ابن خلدون الأدب بأنه الأخذ من كل فن بطرف أي نصيب ولا غرو أن وجدنا الثقافة الفلكية حاضرة في الشعر والنثر القديم والحديث بل رأينا كثيرا من الأدباء يتوفرون على معرفة فلكية دقيقة وصحيحة بحسب ما توفر ذلك الزمن والمعرفة الفلكية حاضرة بمفرداتها في النص القرآني وتشكل دافعا للعقل لسبر أغوار الكون وللعين لتسريح النظر في آفاق السماء " والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول الخلق نعيده" "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" "والسماء والطارق وما أدراك ما لطارق النجم الثاقب" وأنه هو رب الشعرى" وترى تلك المعرفة الفلكية البسيطة المبنية على الملاحظة والتجربة والتي شكلت نواة المعرفة الفلكية قبل الإسلام حاضرة في الشعر والنثر ففي الأمثال العربية القديمة "أريها السها وتريني القمر" فالسها نجم خفي في كوكبة الدب الأكبر وفي الذيل تحديدا تمتحن به قوة البصر ومن يراه بعينه المجردة فإن بصره حديد ومعنى المثل أنك توضح لشخص أمرا دقيقا أو خفيا فيعرض عنه ويتحدث لك عن الجلي الواضح كمن يشير إلى القمر ومن لا يرى القمر؟ وشكلت النجوم بجمالها وسموها والشمس بعظمتها وفائدتها والقمر بلونه الماسي تشبيهات بليغة وكنايات لطيفة واستعارات بديعة في الشعر كما جاء في قول النابغة:

فإنك شمس والملوك كواكب: إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

**

فإنك كالليل الذي هو مدركي: وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

 وفي قول لبيد بن ربيعة:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع: وتبقى الديار بعدنا والمصانع

وفي معلقة امرئ القيس الشهيرة الخالدة المتأملة في جمال الليل ووحشته والوسواس الطارئ على الخاطر والخوف المقترب من صميم القلب:

وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلــــــــي

قفلت له لمـــــــا تمطى بصلبه وأردف أعجـازا وناء بكلـــكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجـل بصبح وما الإصباح منك بأمثـل

فيا لك من ليل كأن نجومــــــــه  بكل مغار الفتل شدت بيذبــــل

ويرد كثيرا في شعر الجاهليين ذكر الأنواء ومفردها نوء وهي تعني أفول نجم في المغرب وطلوع نظيره من المشرق والنوء مرتبط بنزول الغيث ونمو النبات وتوفر الكلأ حتى قالت العرب في أقوالها:" مطرنا بنجم السماك الأعزل" أو بنجم الشرطان أو النثرة ... وبقيت هذه الكلمة في كلامنا الدارج فنطلقها على المطر عامة والأنواء مرتبطة بمنازل القمر في ثمان وعشرين منزلة ينزل القمر في كل ليلة في واحدة ومنها الشرطان والبطين والدبران وسعد السعود وسعد الأخبية وسعد الذابح وسعد بلع .. ويحضر ذكر هذه المنازل في أشعار الجاهليين كثيرا.

ومن الطرائف التي تساق في هذه المقام أنه إذا كان نجم الشعرى اليمانية قد ارتبط بضبط السنة الشمسية وكان شروقه في الفجر إيذانا بفيضان النيل وما يتبع ذلك من ماء وطمي ورزق وزراعة فإن القاهرة عاصمة المعز اسمها فلكي تماما فالقاهر اسم المريخ كما أن كيوان اسم زحل والمريخ في العربية الجميل الحسن فلا شك أن ذلك الكوكب الأحمر الجميل والمرهب قد أثار بحسنه خيال المعز وبناة العاصمة فقرر تسمية المدينة الجديدة على القاهر أي المريخ وهكذا طلعت القاهرة فلكية بامتياز.

ومما ورد من إشارات فلكية لطيفة في الشعر الأموي قول شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة:

أيها المنكح الثريا سهيلا: عمرك الله كيف يلتقيان؟

هي شامية إذا ما استقلت: وسهيل إذا استقل يمان

والثريا التي يتحدث عنا الشاعر كانت امرأة فاتنة أحبها عمر لكنها تزوجت من سهيل وهو غير كفؤ لها بحسب رأي الشاعر فكيف تم الجمع بينهما ؟ وهل يمكن الجمع بين الثريا تلك النجوم الست المجتمعة في برج الثور والتي تنتمي للسماء الشمالية ونجم سهيل في كوكبة الجؤجؤ المنتمي لجنوب الكرة السماوية والذي يرى من نصف الكرة الجنوبية وهو نجم عملاق يبعد عن الأرض ب400سنة ضوئية ويتخذ كنقطة مرجعية في توجيه السفن الفضائية في رحلاتها بين الكواكب إضافة إلى الشمس.

لكن المعرفة الفلكية تظهر بشكل جلي في شعر أبي العلاء المعري والذي يدفع إلى الحيرة في ذلك كون الشاعر ضريرا فكيف تهيأت له هذه الدقة في الوصف للكواكب والنجوم والتي يعجز عنها المبصرون؟

في مرثيته الشهيرة لأبي حمزة الفقيه والتي مطلعها:

غير مجد في ملتي واعتقادي : نوح باك ولا ترنم شاد

الأبيات الأخيرة فلكية بامتياز:

زحل أشرف الكواكب دارا: من لقاء الردى على ميعاد

ولنار المريخ من حدثان الده: ر مطف وإن علت في اتقاد

والثريا رهينة بافتراق الشم: ل حتى تعد في الأفـــــــــراد

واللبيب اللبيب من ليس يغ: تر بكون مصيره للفســـــــاد

وفي قصيدته الشهيرة "عللاني" وهي قصيدة شبابية نافس فيها المعري المبصرين معرفة دقيقة بالمجموعات النجمية وحركتها الظاهرية وغروبها وشروق غيرها بلغت حد الإعجاز:

رب ليل كأنه الصبح في ال:حسن وإن كان أسود الطيلسان

ليلتي هذه عروس من الز:نج عليها قلائد من جمــــــــــــان

وكان الهلال يهوى الثريا :فهما للوداع معتنقــــــــــــــــــان

وسهيل كوجنة الحب في الل: ون وقلب المحب في الخفقان

ضرجته دما سيوف الأعادي: فبكت رحمة له الشعريـــــــان

ثم شاب الدجى وخاف من الهج:ر فغطى المشيب بالزعفران

ونضا فجره على نسره الوا:قع سيفا فهم بالطيـــــــــــــــــران

فهو هنا يشير إلى الهلال والثريا والشعرى الشامية واليمانية والنسر الواقع بشكل دقيق لا يعرفه المبصرون.

وتحدث المعري في أشعاره عن الاقتران أي اجتماع الكواكب وهي ظاهرة فلكية دورية حيث تقترب الكواكب من بعضها للراصد الأرضي ومن أهمها اقتران المشتري بزحل وكان العرب يتفاءلون به خيرا:

قران المشتري زحلا يرجى:لإيقاظ النواظر من كراها

وهيهات البرية في ضلال: وقد فطن اللبيب لما اعتراها

تقضى الناس جيلا بعد جيل: وخلفت النجوم كما تراهــا

بل تساءل عن مولد الشمس القديم في مثل قوله:

ومولد هذي الشمس أعياك حده: وخبر لب أنه متقادم

وفي قصيدة وصف" معركة عمورية" وهي قصيدة خالدة من قصائد الشعر العربي العباسي يتحدث الشاعر عن ظهور مذنب لعله مذنب هالي وتشاؤم المنجمين منه واعتقادهم بخسارة المعركة إذا قرر المعتصم خوضها والمذنب في السماء ومن الحكمة تأجيل الحرب لكن المعتصم كفر بالمنجمين واحتكم إلى السيف وحرر عمورية وكسب المعركة:

السيف أصدق إنباء من الكتب: في حده الحد بين الجد واللعــــــــب

بيض الصفائح لا سود الصحائف: في متونهن جلاء الشـــك والريب

والعلم في شهي الأرماح لامعة: بين الخميسين لا في السبعة الشهــــب

وخوفو الناس من دهياء مظلمة: إذا بدا الكوكب الـــــــغربي ذو الذنب

وصيروا الأبراج العليا مرتبة: ماكــــــــــــــــان منقلبا أو غير منقلب

كما تحضر المعارف الفلكية البرهانية والعيانية في النثر في خطب الإمام علي في نهج البلاغة وفي مقامات الهمذاني والحريري ناهيك عن نثر الرازي والكندي وابن سينا وابن طفيل وابن رشد والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وإخوان الصفا وغيرهم.

3.4- الثقافة الفلكية في الأدب الحديث ونماذج لأدباء اشتغلوا بالفلك:

بتطور العلوم في العصر الحديث هذا التطور الر هيب ومنها علم الفلك الذي كشفت لنا فيه المراصد عن عوالم جديدة لم نكن نسمع بها ولا أسلافنا من سدم ومجرات وكوازارات وعدسات تثاقلية وثقوب سوداء وغيرها وأمام الفضول المتزايد لاكتناه سر المجهول واستجابة فطرية لقوله تعالى "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" خاض كثير من الأدباء في لجة السماء راصدين ودارسين ومستمتعين ونجد حضورا قويا للنجوم والكواكب والأقمار في أشعارهم حتى إن السياب الذي أقعده المرض في عز شبابه وطوح به الألم تمنى نفسه سندبادا لا يخوض في بحر الأرض بل في بحر السماء حيث النجوم سفن والهلال زورق وهو السندباد:

وفي المساء كنت أستحم بالنجوم

عيناني تلتقطهن نجمة فنجمة وأركب الهلال سفينة

كاني سندباد في ارتحال

شراعي الغيوم ومرفئي المحال

ولعل محمود باشا الفلكي هو أكبر عربي خاض في الفلك وجمع بين التاريخ والأدب والعلم وقد حقق الكسوف الذي وقع في زمن النبي عليه السلام يوم وفاة ولده إبراهيم وحدد مدته والساروس الذي ينتمي إلية والمناطق التي مسها من الكرة الأرضية. ولعميد النثار في القرن التاسع عشر الشيخ ناصيف اليازجي في كتابه البديع " مجمع البحرين" أي الشعر والنثر مقامة فلكية ذكر فيها منازل القمر، وأسماء البروج، والأنواء وأسماء الشهور القمرية قديما، وأيام الأسبوع الجاهلية وحذا حذوه ولد إبراهيم فاشتغل بالمعارف الفلكية فضلا عن تبحره في اللغة العربية. وتحضر المعرفة الفلكية في كتابات جرجي زيدان ويعقوب صروف وشبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم.

ولعل المعرفة الفلكية تحضر بشكل جلي في كتابات الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير مجلة العربي السابق والعالم الكيمائي وصاحب كتاب فلكي أدبي بامتياز "مع الله في السماء" وفي كتابات مصطفى محمود الذي اشتغل بالفلك وهو الطبيب المختص في الأمراض الصدرية والصوفي النبيل وقد بنى مسجدا في الزمالك وبنى إلى جواره مرصدا صغيرا حتى يتعبد المؤمن في المحراب وفي قبة السماء معا وقد دعا الكاتب الكبير نجيب محفوظ إلى زيارة المرصد ولبى نجيب الدعوة وقال عقب ذلك :لقد رأيت أشياء رهيبة.

فالعلم يقود إلى الإيمان والعلم غذاء والدين دواء كما ذكر حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي.

5- ضرورة الحفاظ على مثل هذه الندوات العلمية وتكريسها في شكل ندوات دورية وجعل شهر أغسطس شهرا عربيا للسماء

 إن على شبابنا اليوم الاقتداء بالسلف في الأخذ بالعلوم وللأمة ماض مزهر فيها فالمستقبل في العلم وعبادة العالم ليس كمثلها عبادة كما أن على القيمين على تدبير الشأن العام تكريس الندوات العلمية الدورية في ربوع الوطن العربي تتبادل فيها الأراء وتتلاقح فيها العقول فهي معرفة وفرجة وتسلية وتربية ولم لا جعل شهر أغسطس شهر السماء وتخصيص ليلة عربية ليلة لمراقبة ورصد السماء أسوة بالدول المتقدمة ؟

 

إبراهيم مشارة

...........

كلمة ألقيت عصر الجمعة 16 أغسطس في ندوة علمية أطرها  المرصد الجزائري للفلك والفيزياء الفلكية والجيوفيزياء  في بلدتي زمورة

 

يتحدث ساراماغو في روايته التي نالت جائزة نوبل للاداب عن وباء يصيب السكان يعميهم فجأة ويخوض اول العميان وطبيبه ومجموعة من مرضاه و زوجة الطبيب الوحيدة التي لا تصاب بهذا الوباء مغامرات في اماكن الحجر الصحي و نزاعات يسلط فيها الكاتب ضوءا ساطعاً على الرغبة في التسلط و التحكم و ولادة الانظمة المستبدة و الاستضعاف و كذلك ينجح في تصوير مشهد الانتفاض ضد الظلم و ضعف المجتمعات تجاه الظلم وانخراطها في انانايتها التي تجعلها ضعيفة امام المتسلطين.

ثم يرسم ساراماغو مشهداً سينمائياً مؤثراً عن حالة الفوضى التي تصيب المدينة بعد اصابة كل سكانها بالعمى و كيف يصبح العيش صعباً في خضم تلك الفوضى التي يصورها بعيون الناجية الوحيدة من الوباء وهي زوجة الطبيب التي يصور من خلالها المشاهد التي تراها ويصور كيف تتبلور جماعات من العميان يتوكأون على مجموعاتهم ليتمكنوا من العيش والعثور على اماكن تأويهم وابتكار اساليب لمعايشة العمى كما يصور اولئك الذين يعيشون على الحكاوى الفارغة و لا هم لهم سوى التبشير بالقيامة ونهاية البشرية والجحيم والهلاك و الخ .

من المؤكد ان ساراماغو كان مبدعاً ليس في تشكيل منحوتته الروائية بل في ابتكار الموضوع والخيال الثري الذي صور من خلاله البشرية دون عيون ولعله اراد من وراء ذلك ان يقول ايضاً اننا مع اننا نمتلك عيون ونستطيع ان نرى الا ان هناك عالماً ربما خفي عنا نحتاج الى حاسة خاصة لادراكه و لربما نحتاج الى تطور خاص في عقولنا لكي ندركه.

لقد تغير العالم من حول العميان لمجرد انهم فقدوا نظرهم فأصبحوا يرونه من خلال ذاكرتهم ويتخيلونه عبر خيالاتهم

والسؤال هو ماذا لو كان في هذا العالم الوسيع جوانب خفية عنا؟

ماذا لو كنا عميان ولا نرى سوى تخيلات؟

ماذا لو كان ما ندركه لا يساوي شيئاً امام ما خفي عنا؟

هل هذه الاسئلة مشروعة و لها ما يبررها؟

ادرك تماماً ان تلك الاسئلة بحاجة لاجابات وان ساراماغو فتح كوة بأتجاه ما و لربما من الصحيح القول ان عالمنا حقاً عالم العميان.

 

 اياد نجم الجيزاني