نايف عبوش.. حان الوقت أن نكون مع قصيدته الرائعة توأم الحق


ما كان في نيتي أن أنشر هذه القصيدة .. لأن الزميل العزيز الشاعر الكبير والأديب الفحل ابو يعرب، رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جناته، كان قد قرأ علي بعضمة لسانه، نصها المكتوب بخط يده، ساعة نظمه لها، في لقاء مباشر له معي، ووعدني يوم ذاك، بتضمينها في الطبعة الأخيرة من مجموعته الشعرية (الحب في قريتي).

أما وأن الأمانة العلمية تقتضي نسب الفضل والإبداع لأهله.. وحيث قد رحل عنا أبو يعرب إلى جوار ربه.. وبقصد إظهار ما ابدعه للناس، وعدم كتمه.. كان لابد لي من نشر هذه القصيدة العصماء، فقد حان الوقت لها، أن تبصر النور ،لتكون في متناول الجميع، شاكرا للراحل أبي يعرب لطفه، وكرم فضله في نظمها، بهذه البلاغة الساحرة، عساها أن تكون في ميزان حسناته.

ولا غرابة في أن تأتي القصيدة على هذا النحو من الإطراء الجميل. فالشاعر أبو يعرب رحمه الله تعالى ، بما هو نتاج القرية، وابن الديرة، الذي عايش كل تفاصيل مفردات حياتها، وناسها، ظل كيسا،ووفيا، ومنشدا، لجذور نشأته الريفية، رغم كل ضغوط العصرنة الصاخبة ، واستمر على هذا الحال في تواصله الوجداني مع مجايليه، من زملاء الدراسة، وأصدقاء العمل، سواء كان ذلك التواصل، وجاهيا مباشراً ، أو من خلال الرسائل، والنظم شعرا.

وجربا على عادته، فقد احتل المدح، والثناء، في قصيده مساحة واسعة من نظمه، متغنيا بمناقب زملائه، كما الأفاضل من وجهاء القوم، على قاعدة ولا تبخسوا الناس أشياءهم . ولذلك يلاحظ المتلقي أن اسلوبه في المدح، قد امتاز بالتركيز على إطراء المناقب الفاضلة، لدواعي الاشادة بالمعاني الرفيعة ، والسجايا الراقية، لمن يختصهم في شعره بالمدح، والإطراء ، ليكونوا مثالاً للاقتداء، والتأسي، حيث ظل هاجسه الأول من المدح،هو الحرص على رفع شأن قيم الفضيلة، والسمو بها، وتشجيع الجمهور على ممارستها.

رحم الله زميلنا العزيز الأديب الفحل، والشاعر الجهبذ، أبا يعرب، وجزاه الله تعالى عن الديرة وأهلها، كل خير.

وفي ما يلي نص القصيدة :

(توأم الحق)

مهداة إلى الأستاذ نايف عبوش المدون المبدع..

يا نايف الخير ياقسط الموازين ........ وتوأم الحق في كل الميادين

أنت المدون فيه الكل قد وثقوا .......... أنت اليراع لإبداع وتدوين

يرنو إليك شباب يقتدون بكم .......... ويستعين بكم أهل الدواوين

هم يقرأون الذي خطت اناملكم ..... ويستفيدون من تلك العناوين

لأنها حكمة باتت منزهة .......... من المكاسب والإسفاف والدون

ياقدوة لشباب كلهم ألق .................وأسوة لزرافات المها العين

كأنك اليوم للإبداع سارية ............ حباك ربك إعجاب الملايين

فنشر درك مكنون غلا ثمناً ....... ودر بعض البرايا غير مكنون

إذا تضوع حيناً مسك ذي ألق .......يفوح مسكك في كل الأحايين

أم البشير تشد الأزر في ثقة .... وعشرة العمر من أقوى البراهين

إني وعثمان سبطي لا نفارقه ... نعشو لضوئه من حين إلى حين

إني رأيت أبا كهلان منشرحا ............ لما تخط بلا جيم ولا سين

وثلة من صلاح الدين معجبة .......... كما يراسلكم أبناء ذي النون

جزاك ربي عن الحدباء صالحة ........... فإنها قلعة للضاد والدين

إذا سعيت إلى إحصا مناقبه .......... فإن سعيك هذا غير مضمون

***

ابو يعرب

 

 

 

علي سيف الرعينيالهدية قديمة قدم البشرية نفسها فقد ذكر في القرآن أن نبي الله سليمان عليه السلام عندما أرسلت له بلقيس ملكة سبأ هدية لتكون بداية تحاورهما ردها سيدنا سليمان وقال «بل أنتم بهديتكم تفرحون» وبالتالي فقد عرفت الهدية منذ فترة طويلة من الزمن ولاتزال موضع التبادل بين البشر.

ثمة علاقات وروابط تجمع بين الناس في المناسبات المختلفة ولكل مجتمع من المجتمعات مجموعة من العادات والتقاليد المختلفة التي تميزهم عن غيرهم ومن ضمن هذه العادات عادة تبادل الهدايا في المناسبات المختلفة.

وقد اكتسب الناس في تبادل الهدايا نوعاً من التقاليد والعادات والأعراف بحيث غدت وكأنها جزء حيوي من حياتنا الاجتماعية.

ونظراً لأهمية الهدية وتأثيرها نطرح السؤال التالي: كيف يمكننا توظيف الهدية حتى تكون وسيلة فعالة في استمالة القلوب وتألفها حتى تمتزج بماء المحبة والإخاء؟

إذاً ماذا عن الهدية من منظور الدين؟

لقد جاء ذكر الهدية في القرآن والسنة النبوية الشريفة وذلك لما لها من أثر في النفوس واستحباب قبولها ولو القليل منها والمكافأة عليها،حيث ندب الدين الإسلامي إلى الهدية وحث عليها واعتبرها عنصراً يزيد المحبة والمودة بين القلوب وقد أجمعت الأمة على جواز أخذ الهدية ورغب الإسلام في إعطائها لمافي ذلك من تأليف القلوب وتوثيق عرى المحبة والتواصل بين الناس وتنمية العلاقات بينهم.. وتقريب بعضهم ببعض وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على قبول الهدية ولو قلت لمافيها من التكاتف وعدم احتقار الشيء القليل فلا يحتقر الإسلام الهدية مهما صغرت..

ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولايقبل الصدقة ويثيب على الهدية لأنها تعتبر تعبيراً عن الوفاء والإخلاص للصديق لأنها المفتاح لفتح علاقات جديدة ومتينة وهي الحل الأمثل للقضاء على العداوات والاحقاد والضغائن التي تحملها القلوب لبعضها البعض.. والهدية لاتقيم بقيمتها المادية وإنما بقيمتها المعنوية وبما ترمز إليه من محبة وصفاء نفوس وحسن سيرة.. فالشريعة الإسلامية تطلب كل ما يقرب إلى قلوب الناس ويغرس فيهم المحبة ويؤكد فيها روابط الأفراد الاجتماعية..

إن الهدية ترتبط في تقديمها وفي قبولها بنوع من الشرف والسمعة وذيوع الصيت كماهو سائد في عدد من قبائل الهنودالحمر.. وهو مايهدف إلى اكتساب المزيد من الشرف والسمعة الطيبة وذيوع الصيت عن طريق المديح والاعطاء والمبالغة في الرد ويلجأ الشخص إلى إحراق الكثير من ممتلكاته ليدلل على استهانته بالأشياء المادية التي تؤلف ثروة الرجل العادي.

إن في تبادل الهدايا توطيد للعلاقات الاجتماعية حيث إنه في مجتمع ما قد يضطر الفرد أحياناً أن يستبدل بعض السلع ذات القيمة الاجتماعية المنخفضة بسلع ذات قيمة اجتماعية عالية تحت وطأة الظروف الخاصة التي يعيش فيها وخاصة فيما يتعلق بالتزاماته نحو أقاربه أو حاجة هؤلاء الماسة لتلك.. وبالتالي فإن المجتمع ينظر بعين الاعتبار إلى الشخص الذي يعمل على تحويل ثروته من السلع الدنيا إلى السلع ذات القيمة الاجتماعية والسبب يعود إلى أن هذا الشخص قادر على العطاء بالقدر الذي يحترمه هذا المجتمع.

المكانة الاجتماعية والهدايا..

يرتبط تبادل الهدايا في الكثير من المجتمعات بالمركز الاجتماعي ففي مجتمع ما يتبع الأشخاص عدة طرق للحصول على المكانة الاجتماعية ويعتقد بعض العلماء أن الأفراد في المجتمعات البدائية يلجأون إلى تجميع السلع للحصول على المزيد من المكانة الاجتماعية وهذا اعتقاد ربما خاطئ فالرجل البدائي يسعى للحصول على السلع لكنه لايحتفظ بها لنفسه بل يتخلص منها بعدة طرق ومن هذه الطرق الإزالة والتدمير والتحويل وكلما ارتفعت قيمة الهدية المقدمة ارتفعت مكانة الشخص الاجتماعية.

والهدية قد تقدم على شكل خدمات أو أشياء مادية مقابل خدمات فمثلاً قد تقدم الهدايا على شكل خدمات والخدمات يصعب تقييمها أو تقديرها تقديراً دقيقاً.. وبالرغم من أن هذه الظاهرة قد خضعت كغيرها من الظواهر الاجتماعية للتغير والتطور.. فأصبح لها أشكالاً عديدة وصوراً مختلفة ودلالات متعددة إلا أن الصفة أو السمة الغالبة هي وجود الالزامية فيها..

والهدايا في المجتمعات البدائية قد يبدو أنها تقدم عن تفضل وإرادة بينما هي في حقيقة الأمر ليست اختيارية بل جبرية ولغرض معين وأطلق عليها الالزامية.. والهدية الالزامية هي التي تأخذ عنصر الالزام والاجبار بمعنى أنه يحتم على الشخص المهدى إليه رد الهدية بمثلها أو مايساويها في القيمة.

هدايا المناسبات..

من المناسبات التي تقدم فيها الهدية هدايا الزواج وهي تبدأ أولاً بهدايا الخطوبة وهذا النوع من الهدايا يعبر عن طلب المودة والمحبة وتوثيق العلاقات بين الخطيبين وبداية للعلاقة الجديدة بينهما ستبقى كنوع من الذكرى لما بعد الزواج،وتختلف هدايا الخطوبة تبعاً للايدلوجية السائدة في المجتمع والمستوى الاقتصادي للأفراد فمثلاً في بعض المجتمعات يقدم العريس طقماً من الذهب وساعة غالية والبعض الآخر يقدم حقيبة مليئة بالثياب والعطور وأموراً خاصة بالمرأة.

كذلك هدايا الأعياد وهدايا زيارة المرضى وغيرها من المناسبات

هدايا الزواج..

أما عن الهدايا واختلافها من مجتمع واخرفقد تختلف الهدية من مجتمع لآخر لكنها قائمة وموجودة في كل الأحوال فمثلاً في جمهورية مصر العربية يقدم العريس في حفل الخطوبة الشبكة وهي عبارة عن دبلة وعدد من الأساور أما أم العريس فتقدم بعض زجاجات الشراب ومشطاً ومنديل وغيرهما من الهدايا التي تخص العروس...ويتم الاتفاق بين أهل العروس والعريس بعد تقديم الخطبة بحضور الشيخ وفي هذه الجلسة تحدد «الشيلة» وهي عبارة عن دقيق وقمح وذبائح وخضروات يرسلها العريس في ليلة الفرح كمساعدة لهم في حفل الزواج ومن بعض العادات أيضاً في بعض المجتمعات أنه بعد الاتفاق على الخطبة وتقديم هدايا الخطوبة يقوم أهل العريس بإرسال كميات من الفاكهة لبيت العروس ويقوم أهل العروس بتوزيع هذه الكميات على الجيران والأقارب.

وكما أشرنا سابقاً بأن هدايا الزواج تختلف باختلاف العادات والتقاليد في المجتمعات.

وهدية الزواج تكون من العريس أو أهله تعبيراً عن المحبة والسرور والترحاب والاستهلال بالخير وهناك أيضاً هدايا الصباحية وتكون في صباح اليوم الثاني من ليلة الزفاف وقد تكون مقدمة من الزوج للزوجة وفي بعض المجتمعات تعتبر هدية الصباحية واجباً يقدمه العريس لعروسه.. وهناك بعض العادات التي تميز أقاليم عن أقاليم أخرى.ومن الهدايا المنتشرة في معظم المجتمعات هدايا الوضع أي الولادة وهدايا الختان وهدايا زيارة المريض.

للهدية أثر إيجابي وهو ما ينجم عنها من حالات وثمار مجزية ومنها استنباط المحبة قبل وجودها فعندما تتعرف على جيران أو شخص ما فيكون المبادرة بالهدية لاستنباط المحبة وغرس بذرتها فتكون بداية لما يأتي بعدها من علاقات ومعاملات وإحسان وإكرام أيضاً لإظهار المودة.. فمثلاً قد يكون لك صديق تربطك به علاقة قوية وصلة وطيدة وتريد أن تعبر له عن محبتك له ومكانته في نفسك فتلك الهدية دليل على تقديرك الكبير له..

أيضاً لدفع الضغينة وإزالة الجفوة وبكل هذه الأغراض قد نصل إلى أكبر أثر في القلوب والنفوس.

للهدية معنى ومغزى ورمز ينبغي فهمه: افرض مثلاً أنك تعرفت على صديق لك فإنك تود أن يكون بينك وبينه علاقة ولقاء وحديث ومناقشة ومزاورة وربما يطول الوقت حتى تحصل الألفة التامة لكن كما يقولون الهدية رسول الحب فابعث له بهديتك تكن لك رسولاً. وما يأتي بعدها سيكون أفضل بالتأكيد.

أيضاً تحين فرصة المناسبة للإهداء وهذا بلا شك سيضاعف الفرح على النفوس وله أثر كبير في الربط بين الهدية والمناسبة..وهذا سيؤكد متابعتك لصديقك واهتمامك به ومعرفة أخباره.

أيضاً لابد من الإشارة إلى شيء مهم وهو أن لايفهم البعض أن الهدية تقاس بقيمتها المادية أو ضخامتها وإنما في مغزاها ومعناها وبالتالي فالهدية تطوي وتختصر معاني كثيرة ورسائل عديدة وبالتالي إذا أردنا أن تدوم الهدايا فعلينا البعد عن التكلف

وهكذا تظل الهدية هي ذلك المدلول السحري والسفير المقيم المعبر عما يكنه صاحبها من احترام وتقدير ومودة وهي المرشد السامي إلى أغوار النفس لتضع تفاصيل حياة مفعمة بالحب والتقدير وقد ظلت الهدية وسيلة للحصول على المزيد من التي الى والألفة وجرساً يوقظ مشاعر القرب والتآلف ويوثق سطوراً خالدة في ذاكرة القلوب.. نأمل أن نجدد العهد مع إخواننا وأصدقائنا بتبادل الهدايا ليستمر الود بيننا ونبقى عند حسن ظن الجميع

 

كتب/علي سيف الرعيني

 

ضياء نافعصدرت هذه المجلة الشهرية عام 1955 في موسكو باقتراح ومبادرة من الكاتب الروسي السوفيتي كاتايف (1897 - 1986)، والذي اصبح اول رئيس تحرير لها . وهي مجلة ادبية – فنية مصوّرة للشباب السوفيتي، وكلمة (يونّست) بالروسية تعني مرحلة الشباب، مرحلة (الصبا والجمال !)، و هذه المجلة تختلف كليّا عن بقيّة المجلات الادبية الروسية الاخرى (التي يسمونها  السميكة، او (الثخينة) كما ترجمها مرة احد الطلبة العراقيين المرحين في موسكو)، اذ ان تلك المجلة تمتاز فعلا بالرشاقة، وهي الصفة الاساسية لمجلة (يونّست)، رشاقة (الصبا والجمال)، رشاقة نصوص الشباب ومواضيعها، والتي كانت تبتعد – وبشكل واضح المعالم - عن المفاهيم الصارمة والحازمة (لقوانين!) الواقعية الاشتراكية والبطل الايجابي (المعلّب !) وغيرها من تلك المفاهيم التي اختفت تقريبا الان من الواقع الروسي، ولكنها كانت سائدة ومسيطرة - وبقوة - في الاجواء الفكرية السوفيتية آنذاك، وليس من باب الصدفة ابدا، ان المجلة ظهرت بالذات عام 1955، اي في بداية المرحلة الفكرية السوفيتية الجديدة ، التي يسمونها في تاريخ الفكر الروسي - (مرحلة ذوبان الجليد)، والتي حدثت بعد وفاة ستالين عام  1953، والمرتبطة بالوقائع المعروفة والتغيّرات الجذرية التى أعقبت ذلك الحدث النوعي الكبير في مسيرة دولة الاتحاد السوفيتي وقيادتها السياسية والحزب الشيوعي الحاكم فيها وتاريخ الادب والفن الروسي بشكل خاص، ومسيرة كل الشعوب السوفيتية عموما.  

عندما التحقنا في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو بداية الستينيات في القرن الماضي لاحظنا هذه المجلة بيد بعض الطلبة الروس، ولاحظنا ايضا الاهتمام غير الاعتيادي من قبلهم بتلك المجلة، الا انهم كانوا يتجنبون الحديث عن المجلة معنا- نحن الطلبة الاجانب - اذ لم يتحرر الانسان السوفيتي آنذاك من الخوف و التوجس والحيطة و الحذر من كل اجنبي مهما يكن موقفه السياسي، خصوصا وان الحديث عن هذه المجلة بالذات كان يجب ان يتناول حتما السمة الجديدة لهذه المجلة واتجاهاتها الفكرية، وهو موضوع حساس،و قد يضطر السوفيتي ان يقول بعض الافكار الممنوعة او شبه الممنوعة في اطار المجتمع السوفيتي في تلك الاوقات. وانتبهنا كذلك الى شعار تلك المجلة المتميّز، وهو الرسم التخطيطي الجميل على غلافها (يمثّل وجه فتاة شابة)،  هذا الرسم التخطيطي البسيط والمدهش الجمال في آن، والذي اصبح شهيرا ومعروفا في الاتحاد السوفيتي لدرجة، انه تم رسمه كشاهد على قبر ذلك الفنان التشكيلي الذي رسمه، وهذا يعني طبعا كيف كان هذا الفنان التشكيلي يفتخر بلوحته التخطيطية تلك، ويمكن القول، ان رسم اللوحة على شاهد القبر يعدّ  ظاهرة نادرة جدا في تاريخ الفنون التشكيلية ليس فقط في روسيا، وانما في العالم ايضا .

هدف المجلة هو البحث عن الاسماء الادبية الشابة الجديدة في دنيا الادب الروسي، وقد نفّذ رؤساء تحرير المجلة هذه المهمة تنفيذا مبدعا، وهم من كبار الادباء في الاتحاد السوفيتي انذآك، مثل كاتايف، الذي اقترح تأسيسها كما ذكرنا اعلاه، وهو رئيس تحريرها  منذ سنة التأسيس 1955 الى عام 1961، وبوريس بوليفوي (من عام 1961 الى عام 1981)، واندريه ديمينتيف (من عام 1981 الى عام 1992)، وغيرهم . اما اذا استعرضنا اسماء الادباء الذين ظهرت نتاجاتهم على صفحات تلك المجلة، فسيكون من الواضح لدينا، كيف ساهمت هذه المجلة في اغناء الادب الروسي آنذاك، فقد نشرت نتاجات يفتوشينكو واكسيونوف وفوزنيسينسكي واسكاندر وفوينوفيتش وليونوف وغيرهم، والذين يعتبرون الان من ابرز الاسماء الادبية  بروسيا في القرن العشرين، وليس فقط في روسيا، وهي اسماء معروفة حتى للقراء العرب، الذين يتابعون الادب الروسي باللغة العربية فقط .

هذه بعض الكلمات عن مجلة يونّست، اما الكلمة الختامية عنها، فانها تتناول اعداد النسخ التي صدرت لهذه المجلة، اذ ان عدد النسخ من اي مطبوع هو دليل واقعي ملموس يبيّن المسيرة الحقيقية لذلك المطبوع . اعداد النسخ لمجلة يونّست كانت كما يأتي – في عام التأسيس 1955 كان عدد النسخ 100 الف نسخة، وبعد ثلاث سنوات، اي في عام 1958 اصبح 300 الف نسخة، واستمر هذا العدد بالازدياد، اذ ان المجلة اصبحت تجسّد روح الشباب السوفيتي وتطلعاته نحو التغيير، وقد وصل  عدد النسخ المطبوعة عام 1989 رقما مذهلا وهو 3 مليون و100 الف نسخة،الا انه انخفض عام 1991 الى مليون، وهو العام الذي شهد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد هذا الانهيار، تراجعت اعداد النسخ، واصبح عام 1994 – 33 الف نسخة، واستمر بالتراجع واصبح 6500 نسخة فقط عام 2015، ثم اصبح 3500 نسخة فقط عام 2019 . لقد انتهى عصر هذه المجلة بانتهاء الدولة السوفيتية، حيث كان الشباب متعطشا لاي كلمة تعارض ولو بشكل غير مباشر تلك المفاهيم الصارمة في الادب والفن وكل ممنوع مرغوب كما يقال، اما في روسيا الان، فان الوضع اصبح مختلفا تماما، وعلى الرغم من ان مجلة (يونّست) لازالت تصدر، الا انها لم تعد لسان حال الشباب، كما كانت في السابق...   

 

أ. د. ضياء نافع

 

في الذكرى السنوية الاولى لرحيل الشاعر أمجد ناصر

المرة الاولى قرأت او سمعت بها بامجد ناصر في دمشق وعن شعراء شباب يقيمون في بيروت قبل حصار بيروت العام 1982، كنا مندهشين من هؤلاء الخليط من العراقيين والفلسطينين والاردنين واللبنانيين والسوريين الذين يكبروننا باعوام قليلة، كيف يجمعون بين الشعر والمقاومة، حتى بدوا لنا حالمين اكثر مما هم مفاومين .ليس هنالك قاسم مشترك بين اشعارهم سوى المجايلة، تصلنا بين حين واخر منشورات من بيروت، اشبه بالجداريات الثورية المتحمسة ولكن غير متطرفة، بل عقلانية في اكثر الاحيان لا تطالب بغير ما اقره مجلس الامن وهيئة الامم المتحدة من حقوق سلبتها اسرائبل بالقوة من الفلسطينيين بعد وقوعها تحت الاحتلال .

ليس لدينا اي معرفة سابقة سوى تلك المنشورات والجرائد التي تنشر اشعارهم، تصدر في بيروت وتصل لدمشق بشكل رسمي احيانا او بالتهريب منها جريدة السفير التي تبنت نشر اكثر قصائدهم، خطت طرقا مختلفة عن الشعر السائد، واسست لقصيدة مختلفة هي في الواقع او التقييم النقدي الصارم تنتمي الى النصوص النثرية التي تقع بين الشعر والنثر . ولكن تحمل افكارا تجديدية تثير السخط لدى الشعراء التقليديين، لدرجة اتهامهم بتخريب التراث الشعري العربي والاساءة الى اللغة والشعر وما الى ذلك من اتهامات مضللة . بينما نجد العكس فهم ربما اكثر حرصا على التراث واللغة، ونجد بشكل ملموس تأثر بعضهم بالقصائد النثرية الصوفية او النثر الصوفي وبكلاميي البصرة ابان وبعد ثورة الزنج . واضحة احيانا ومواربة في اكثر الاحيان .

امجد ناصر الذي عرفنا فيما بعد بانه اردني الجنسية واسمه كما اعلن عنه فيما بعد: يحيى النعيمات، من اكثر هؤلاء الشعراء نشاطا عمل محررا بمجلات ومنشورات المقاومة، وبعد اطباق الحصار على بيروت خرجوا مع المقاومة الى تونس ومن ثم تفرقوا باصقاع الارض، بحيث شكل  غيلان العراقي ومشرق غانم ومهدي قاسم وجميل حتمل السوري فيما بعد توفى في باريس واختفاء ايو سرحان الشاعر الشعبي المعروف من بيروت

من اشهر قصائده "الكنطرة" :

حدر التراجي برد … والكَنطره ابعيده

وأمشي وأكَول أوصلت والكَنطره ابعيده

ونكَضني مشي الدرب والشوق هز الكَلب …

والكَنطره ابعيده حلمانه برد الصبح …

رجَّف خلاخيلي يا دفو جمّل دفو ..

يا كَمر ضوّيلي ويا ذهب خيط الشمس طوكَين سويلي

لايكَلي طوق الذهب والدغش ما ريده

أمشي وأكَول أوصلت والكَنطره ابعيده

 لحنها الفنان كوكب حمزة .

 اختفى ابو سرحان من بيروت بعد الحصار الى الان كنا نجد انفسنا غير بعيدين عنهم سياسيا وادبيا .

بعد حصار بيروت لم نعد نسمع او نقرأ لهم سوى القليل او ما ينشر هنا وهناك في الجرائد والمجلات، حتى صدور جريدة بلندن اسمها الفدس العربي اصبحت من الجرائد المعروفة عربيا وربما عالميا بفضل أمجد ناصر ورئيس تحريرها الاستاذ عبد الباري عطوان .لم اكن قد التقيت بامجد ناصر بعد، ولا اعلم بانه المسؤول او المشرف على الفسم الثقافي بالجريدة .وفي عام 1993 او ربما العام 1994، ارسلت الى الجريدة مقالا ادبيا او متابعة نقدية عن اصدار ثقافي جديد، فوصلتني رسالة من أمجد يخبرني ان المادة الادبية التي ارسلتها وصلت وستنشر قريبا، واستمرت علاقتنا بمراسلات قليلة بين حين واخر .

وحين اخبرته بانني اود زيارة لندن، اشترط علي ان اكون ضيفه، فوجئت بكرمه قبل ان نتعارف، وفي اليوم التالي لوصولي الى لندن زرت مقر الجريدة الرئيسي بلندن، فوجدته اكثر كرما، فقد عمل لي اكلة بامية ببيته: فكانت امسية لا تنسى بالنسبة لي على الاقل لانني ظننت بانني اعرف عنه اكثر مما هو يعرف عني. وتعرفت من خلاله على القاص والروائي عبدالله صخي، ولا اتذكر سوى دماثة اخلاقه فقد تحدثت معه في التلفون لمرة واحدة.

ولكن قبل ايام شعرت بصدمة وحزن شديد، حين قرأت مقالا لمقداد مسعود عن امجد: "حصتي بين سيافين.." بعد ان انقطع التواصل بيننا، اشبه بمرثية له، جعلتني اتسمر على الصوفة كما يسميها المشرقيون غير العراقيين، فاضطررت للبحث عن صفحات أمجد ناصر، فاصطدمت بنصه الملحمي: "لا يولد فجر من دون جرح" او "قناع المحارب".

تطغى عليه شعرية عالية ونفس طويل بلغة قريبة من لغة الملاحم ولكن تمتاز عليها بمعالجة موضوع ذاتي قل ان نجد له ما يناظره في النصوص الحديثة،يصور فيه مراحل علاجه الفاشل كما اخبره الطبيب بومضات شعرية تبرق في النص وتطغى عليه احيانا او تحدد مساره.

فتأكدت مما قرأت، ولكن يصعب تصديق ان هذه الشعلة الهائلة من النشاط والحيوية، يمكن ان تنطفئ في يوم ما، او كما اخبرته، ظننت حين قرأت مفال مقداد مسعود بانه "يسخر"  او يسخر من ادعاء المرض، وطلبت منه ان ينتزع تلك "الوردة الشيطانية" كما سماها بنصه من رأسه ليعود الى نشاطه مجددا، وذكرته بعبارته الاثيرة : "نحن لم نتغير"  ..

كيف نتغير، وهل تغير شيء لنتغير؟!

صدرت للشاعر 12 مجموعة شعرية اخرها: "هنا الوردة". و"في بلاد ماركيز" - كتاب رحلات صدر الكتاب هدية مع مجلة دبي الثقافية الصادرة عن دار الصدى عام 2012. وكتب عن دواوين كبار الشعراء والنقاد العرب كـ (أدونيس، صبحي حديدي، حاتم الصكر، كمال أبو ديب، صبري حافظ، عباس بيضون، محمد بدوي، قاسم حداد، فخري صالح، محمد علي شمس الدين، شوقي بزيع..) واخرون

وصدرت له في لندن: "الاعمال الشعرية الكاملة" بمجلد، وقعه ضمن احتفالية خاصة بمعرض عمان للكتاب قبل رحيله .

 

قيس العذاري

 

 

نايف عبوشمع التطور الحضاري، والتقدم الصناعي، والاكتضاض السكاني، تتفاقم مشكلة التلوث، وتتضاعف انعكاساتها الخطيرة على صحة الإنسان، والحياة العامة، يوماً بعد يوم .

وقد يكون التلوث البيئي قد ازداد سوءا في العصر الحديث، بسبب النفايات والمخلفات الناجمة عن النشاط الصناعي، بالإضافة إلى التصحر والجفاف، ونفايات الاستلاك الآدمي اليومي، الذي تضاعف بالانفجار السكاني.

وبجانب المنعكسات السلبية لتلوث البيئة على الصحة العامة، فان تشويه معالم البيئة، والحاق الضرر بجماليات ملامح مجسماتها، وفضاءاتها الطبيعية، والمدنية، قد اصبح من الانشغالات العامة التي تهم الجميع، بعد أن فقدت البيئة بالتصحر، والجور الزراعي، وتوسع النشاط الصناعي، الكثير من مقومات هيئتها الأصلية التي كانت عليها ، حتى باتت الأنهار، والغابات اليوم ، غير الغابات والأنهار، أيام زمان، واضحت البراري والفضاءات، غير تلك التي كنا نعهدها سالف الأيام.

لذلك فقد بات الحفاظ على البيئة، وحمايتها من التلوث، ضرورة حضارية ملحة، تحتاج إلى وعي اجتماعي متقدم. فالتوعية بالإهتمام بالبيئة، والمحافظة على نظافتها، و تفادي المساس بهيئتها المورفولوجية، مهمة اجتماعية، بل، واخلاقية، على قاعدة (ان الله لايصلح عمل المفسدين)، حيث تظل النظافة في تراثنا العربي الاسلامي من الايمان، أولاً وقبل كل شيء ، وبالتالي فان تعميمها من خلال التربية العائلية، والتعليم بمختلف مراحله، والترويج للحفاظ عليها بوسائل الإعلام المختلفة، سيحد بلا شك، من خطورة التساهل في حمايتها، والتمادي في إلحاق الضرر بها .

فليحافظ كل منا على نظافة بيئة مكانه، بدافع حرص ذاتي، ووعي بأهمية المحافظة على نظافة بيئة المكان، وحمايته من التلوث، والمحافظة على معالمه كلما كان ذلك ممكنا . وبذلك نضمن استدامة نظافة بيئتنا، والحفاظ على مظاهر جمالياتها العامة، بكل أبعادها المكانية، والنوعية.

 

نايف عبوش

يسري عبد الغنيشهدت الفترة التي أعقبت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت (1798-1801) شغفا ملحوظا بكتابة تاريخ تلك الفترة القصيرة والمثيرة للجدل، على الصعيدين الفرنسي والمصري، دفع معاصرين لها إلى تسجيل شهادات كتبوها في مذكرات ويوميات حملت صبغة التاريخ والتوثيق للفترة، لكنها انطلقت بدوافع شخصية تجاه قائدهم.

تأثرت تلك الكتابات، لاسيما في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بحالة انقسام في الرأي بين شهود العيان من القادة الفرنسيين أنفسهم، بحسب اتجاهاتهم الفكرية ودرجة ولائهم لقائد الحملة بونابرت، فخرجت كتاباتهم متباينة من حيث واقع السرد التاريخي وتفسيره.

جاءت هذه المذكرات، التي كتبها بعض القادة والضباط والجنود البسطاء أحيانا، متوافقة مع أهواء بونابرت الراغب في تعظيم مجده بالتعتيم على إخفاقات عسكرية في مصر، في حين جاءت أخرى فاضحة لوقائع شكلت خطورة على مستقبل القائد الشاب ومجده وانتصاراته السياسية والعسكرية في أوروبا تحت لواء الثورة الفرنسية.

وعليه فقد تأثرت الكتابات، لاسيما في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بحالة انقسام بين شهود العيان من القادة الفرنسيين

انقسامات واتجاهات

يرصد مؤرخون ثلاثة اتجاهات فكرية سادت المجتمع الفرنسي خلال القرن التاسع عشر، ونهضت بدور في كتابة تاريخ الحملة الفرنسية على مصر عموما، وبونابرت على وجه الخصوص :

- اتجاه انطلق في شخص بونابرت "الإمبراطور"، جعله موضوعا لسرد وقائع حملته، ركز على تمجيده كقائد بارز، متسترا أو مبررا لإخفاقاته أمام المجتمع الفرنسي والرأي العام الأوروبي.

- اتجاه أعقب سقوط حكم بونابرت في عام 1815، وهو اتجاه دعمته الملكية الفرنسية العائدة في أسرة بوربون (1815-1830)، ركز على فضح دعاية بونابرت وتقليل شأنه، واعتبار حملة مصر أولى حملاته الفاشلة وبداية هزائم فرنسا بقيادته.

- اتجاه وُصف بالقومي، حافظ أنصاره على مكتسبات الثورة الفرنسية كإرث لا يمكن قصره على شخص واحد مهما عظمت مكانته، ركز على اعتبار حملة مصر واحدة من حروب الثورة "المتميزة" لنشر مبادئها خارج الحدود الفرنسية.

تحديات

اتخذت السلطة الفرنسية، المتمثلة في شخص بونابرت وقتها، موقفا شديد العداء تجاه كل ما يُكتب سلبا في مذكرات قادة عسكريين شاركوا في حملته على مصر، وبرزت صرامته في رد فعله تجاه مذكرات الجنرال رينيه، أحد أبرز قادته، والتي نشرها في باريس عام 1802، بعد عام واحد من عودة الجيش إلى فرنسا، تحت عنوان "مصر بعد معركة هيليوبولس".

كشف رينيه في مذكراته حالة تخبط واضطراب الجيش الفرنسي في مصر، وتكبد بلاده، ممثلة في حكومة "الديركتوار (الإدارة)" وقتها، خسائر بشرية ومادية فادحة، الأمر الذي دفع بونابرت إلى إصدار قرار يحظر تداول مذكرات رينيه وملاحقتها في المكتبات ومصادرة نسخها.

أدرك بونابرت مدى خطورة نشر حقائق ومعلومات حساسة عن حملة مصر، وأن ذلك قد يفقده بريقه العسكري والسياسي، لكونها تفتح المجال أمام خصوم يتحينون فرصة الإطاحة به، ومحاسبته على إخفاقه في تحقيق أهداف روج لها، ومن ثم تنحيته عن المشهد الفرنسي.

بيد أن إنجلترا، عدو فرنسا التاريخي، نجحت في الحصول على نسخة من مذكرات رينيه وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية ونشرتها في العام نفسه تحت نفس العنوان، وقدمتها إلى أوروبا بإشادة ناشرها الذي وصف رينيه بحياديته في نقل معلوماته.

لقد عززت مذكرات رينيه رغبة بونابرت في محاولة التخلص من وثائق وتقارير قد تدينه، محفوظة في دور الأرشيف الفرنسية، وتقول مصادر تاريخية إنه أرسل سكرتيره الخاص لوي دو بورين في 17 يونيو/حزيران عام 1802 إلى مسؤول عن دور الأرشيف وطالبه بتسليم كل ما بحوزته من أوراق ووثائق تتعلق بمصر.

ملاحقات وعقوبات

بدأ بونابرت يتعقب كل ما ينشر عنه في سياق حملته المصرية، لاسيما بعد صدور مذكرات أخرى كتبها جندي فرنسي شارك في الحملة يدعى جاك ميو بعنوان "مذكرات تاريخ الحملات على مصر وسوريا خلال السنوات السادسة والسابعة والثامنة للجمهورية الفرنسية"، فضح فيها تردي أوضاع جنود وجيش الحملة، فأمر بونابرت بتشكيل لجنة معنية بمراجعة الكتب قبل نشرها وتنقيح ما يرد فيها، وشمل الإجراء كل ما يُكتب عن حملة مصر تحديدا و حروب الثورة الفرنسية عموما.

ويقول المؤرخ الفرنسي فليكس بونتاي في دراسته "نابليون الأول ونظام السلطة في فرنسا" إن توطيد حكم نابليون "جعله يحكم رقابته على نشر مذكرات رجاله العسكريين الذين شاركوه في حملته على مصر، وأعطى صلاحيات واسعة لمجلس الدولة وصلت إلى حد تحديد عدد نسخ الكتاب وحذف معلومات يعتبرها المجلس غير مناسبة، وأحيانا فرض غرامات مالية على الكاتب أو إصدار قرارات اعتقال ومصادرة ممتلكاته، فالمجلس هو جهة ترعى حماية مصالح فرنسا المتمثلة في دولة الإمبراطور بونابرت".

أسهم القرار في عزوف عسكريين بالفعل عن كتابة شهادات ومذكرات خشية الإجراءات الجديدة، حتى وإن كانوا من أنصار بونابرت في الجيش، مثل الضابط هوويه، الذي كتب في مقدمة مذكراته بعنوان "حملة مصر: مذكرات ضابط في الجيش الفرنسي"، المحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة، أنه كان يخدم في فرقة الجنرال رينيه.

أكد هوويه أن "كتابته لتاريخ العمليات العسكرية في مصر وسوريا هي بمثابة رد على كل من يحاول الإساءة لحملة نابليون في مصر" والاتهامات الموجهة إليه بأنه كبد الجيش والدولة خسائر كبيرة، فجعل هوويه الحملة الفرنسية وقائدها في كتابة مذكراته جزءا أساسيا من التاريخ القومي لفرنسا.

حذر هوويه من تقديم صورة "قاتمة ومشوهة" عن حملة مصر وقائدها، لأن هذا الاتجاه "سيؤدي إلى طمس كل النتائج العظيمة والمبهرة التي صنعها جيشنا الباسل"، والتي رأى هوويه أنها "جديرة بالإشادة لتكون محل فخر الأجيال المتعاقبة في فرنسا".

اتبع هوويه أسلوبا خطابيا أخرج نصا موجها بجدارة للقاريء الفرنسي لتاريخ الحملة على مصر على المستويين الحضاري والعسكري، مستخدما صيغا لغوية ترفع من شأن مؤسسته العسكرية وقائدها.

كما حاول هوويه تهميش صورة المقاومة المصرية لبونابرت، وصوّر المصريين على أنهم مجتمع "مستسلم بلا إرادة"، حتى أنه لم يتحدث عن ثورة القاهرة الأولى ضد بونابرت إلا في جزء من صفحة واحدة، بل حاول التقليل من أهميتها ووصفها نصا بأنها "تمرد عام وانتفاضة شعبية"، على الرغم من أنه يضع لها عنوانا فرعيا في هامش مذكراته باسم "ثورة القاهرة والأقاليم في 22 إلى 26 أكتوبر (1798)".

جعل هوويه أسباب الثورة مجرد اعتراض مصريين على الإدارة الجديدة للبلاد التي وضعها بونابرت، وألقى باللائمة على المماليك كمحرك لها دفاعا عن مصالحهم الشخصية، لإعلاء مجد قائده أمام القارئ الفرنسي والتعتيم على بعض الإخفاقات.

"وداعا للمجد"

طاردت حملة مصر بونابرت حتى نفيه في جزيرة سانت هيلانة عام 1815، وهو ما يتضح في حرصه على تقديم تصورات وتفسيرات، بإيجاز أثناء سرد وقائع تاريخ حروبه في مذكراته المعروفة باسم "الميموريال"، والتي أملاها على الكونت لاكاز، وبالتفصيل في مذكرات أخرى أملاها على الجنرال برتران بعنوان "حملات مصر وسوريا 1798-1799 مذكرات تاريخ نابليون كما أملاها بنفسه في سانت هيلانة"، ونُشرت عام 1847.

شهدت ساحة نشر مذكرات العسكريين نشاطا كبيرا بعد سقوط بونابرت عام 1815 وعودة الملكية لفرنسا في أسرة بوربون 1815-1830، التي استفادت من حالة الاستياء من الرقابة على حركة النشر وتكميم الأفواه، لذا أطلقت الملكية الجديدة العنان لمذكرات ضباط الحملة، المعارضين لبونابرت، وهو ما يتضح من إشارة عرفان كتبها ناشر يدعى موريسو عام 1818 في مقدمة مذكرات بعنوان "مذكرات عن حملة مصر"، كتبها جوزيف ماري مواريه، أحد الضباط المشاركين في الحملة.

يؤكد الناشر في مقدمة مذكرات مواريه أنه "أصبح من الممكن الآن كشف الحقيقة، ولا يوجد سبب للصمت، ولم نعد نخشى سطوة الرقباء".

أتاح نشر مذكرات مواريه فرصة اغتنمها الضابط لانتقاد بونابرت علنا في أكثر من موضع، لاسيما عند حديثه عن واقعة تسليم سلطة القيادة العامة للجيش لخليفته الجنرال كليبر، وهروب بونابرت سرا إلى فرنسا، إذ لجأ مواريه إلى حيلة المقارنة النصية للمفاضلة بين أبرز قائدين للحملة.

يقول مواريه: "لم يكن بونابرت يعمل إلا لمصلحته الشخصية، ولم يضع أمام عينيه سوى رفعة شأنه. أما الجنرال (كليبر)، الذي لم يفكر في نفسه، لم يكن ينتظر من رفعة إلا ما يستحقه بالفعل دون أن يسعى إلى ذلك. ولو أن الأول -بونابرت -لم ير أملا في إمكانية الاستحواذ على السلطة العليا في وطنه فرنسا لبقي في مصر، ليقيم لنفسه دولة مستقلة ثمنها دماؤنا جميعا".

ويضيف: "إنه (بونابرت) مثل قيصر، يرى من الأفضل أن يكون الرجل الأول في القاهرة، بدلا من الرجل الثاني في باريس".

اتخذت الملكية الجديدة إجراء مغايرا لموقف بونابرت وإن كان مماثلا له من حيث الهدف، إذ فرضت رقابة أيضا على نشر مذكرات أو كتابات عسكرية تبرز بونابرت بطلا أو تفتح طريقا أمام أنصاره الجمهوريين لرد اعتباره، وهو ما أكده هوويه في مقدمة مذكراته، مشيرا إلى أن الملكية "أجبرت الصحف على الحط من قدر الأمجاد العسكرية لتلك الفترة".

تحولات وضغوط

لم تسلم موسوعة وصف مصر العلمية من الإجراءات الجديدة، إذ يشير العالم شامبليون-فيجاك في دراسته "فورييه ونابليون: مصر ومئة يوم" الصادرة في باريس عام 1844 إلى أن "الرقابة الملكية طالت مجلدات موسوعة وصف مصر نفسها وبدأت تراجع كل صغيرة وكبيرة، لا لشيء سوى أنها المشروع الثقافي الضخم الذي يُنسب إلى بونابرت وحملته"، بغية حذف كل ما يشير بوضوح إلى شخص قائدها.

أحكمت سلطة البوربون قبضتها على كتابة مذكرات وشهادات العسكريين الموالين لبونابرت، واتهمتهم بالولاء له ولفترة حكمه، فسادت حالة صمت جديدة في انتظار الفرصة السياسية المواتية لسرد شهادات تتسم باستقلالية الرأي، ربما تصحح المسار، بحسب وجهة نظر كتّابها، بعيدا عن ضغوط أنظمة حاكمة.

ويقول الكولونيل شالبران في مذكراته "الفرنسيون في مصر أو ذكريات حملتي مصر وسوريا"، المنشورة في باريس عام 1855، إن تلك الضغوط "دفعت جيل العسكريين المتقاعدين من الخدمة العسكرية الموالين لبونابرت إلى عقد لقاءات (سرية على الأرجح) لمناقشة كل ما ينشر عن حملتهم ومراجعة ما لديهم من وثائق للشروع في كتابة مذكرات تخدم تصحيح مسار تلك التفسيرات التي اعتبروها شوهت حملتهم وقائدهم".

ويصف هوويه في مذكراته أن حملة مصر "عانت من تشويه وتزييف الحقائق على مدار 30 عاما من عودة جيش الشرق (جيش الحملة) إلى البلاد"، ويوصم تلك الكتابات بـ "منتج يتسم بالغباء"، في حين وصفها الجنرال بورين، وزير الخارجية في عهد بونابرت، في مذكراته بأنها كتابات "محتالين" أضفوا عليها "الطابع التاريخي".

إنفراجة

خرج بعض القادة عن صمتهم مغتنمين الاستياء السائد وقتها في المجتمع اعتراضا على الأوضاع التي آلت إليها فرنسا بعد انهيار "إمبراطورية بونابرت"، فضلا عن تأجج الغضب المجتمعي بسبب أساليب القمع التي لجأت إليها الملكية، الأمر الذي أفضى إلى ثورة أطاحت بأسرة البوربون في عام 1830، وفقا للمؤرخ /محمد فؤاد شكري في دراسته "الصراع بين البرجوازية والإقطاع 1789-1848".

لم تفرز الثورة والإطاحة بأسرة البوربون نظاما جمهوريا جديدا، بل يشير شكري في دراسته، إلى أن أوروبا "كانت تخشى من قيام نظام جمهوري حربي في فرنسا على غرار ما أعقب الثورة الفرنسية عام 1789، وكان من البديهي أن تواصل أسرة أورليان الحاكمة الجديدة (1830-1848) نوعا من الرقابة للبقاء في السلطة، فسادت من جديد حالة حذر وحيطة من نشر مذكرات تعلي من شأن بونابرت والنظام الجمهوري".

ويمكن رصد أمثلة مثل شهادة الضابط شارل ريشاردو ومذكراته بعنوان "مذكرات جديدة عن حملة الجيش الفرنسي على مصر وسوريا"، التي باتت تتحين فرصة سقوط الملكية وإعلان الجمهورية الفرنسية الثانية عام 1848، كذلك الجنرال بارون ديفيرنوا، الذي شارك في معظم الحروب الفرنسية وعزوفه عن نشر مذكراته بعنوان "مع بونابرت في إيطاليا ومصر"، بسبب "سخطه على النظام الملكي في فرنسا" كما يشير فيها.

وإن كانت الرقابة على نشر مذكرات العسكريين باختلاف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية قد أسهمت في تفاوت ملامح الصورة عن تلك الفترة وبونابرت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، فإن حالة انفراجة برزت مع بداية القرن العشرين، وهيأت فرصة نشر وثائق بطريقة أكثر استقلالية، حسبما أشار الفرنسي لاجونكيير في دراسته "حملة مصر"، المؤلفة من خمسة مجلدات نشرها بين عامي 1897 و 1906.

ويقول لاجونكيير: "أعاقت الظروف الحرجة لفرنسا في تلك الفترة نشر الحقائق، والآن وبعد مرور قرن على الحملة، فقد الجدل بشأنها جدواه، وتراجعت الأسطورة، وأصبح التاريخ الموضوعي المحايد كتابا مفتوحا".

عكست كتابة تاريخ حملة بونابرت على مصر تخبطا تاريخيا على الصعيدين العسكري والسياسي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، فإن كان الاتجاه الثوري في كتابة تاريخ تلك الحملة قد تراجعت قوته مع عودة الملكية لفرنسا، إلا أن النصف الثاني من نفس القرن شهد إنطلاقة جديدة لهذا الاتجاه في الكتابة، لاسيما في أعقاب ثورة 1871 وتأسيس الجمهورية الفرنسية الثالثة عام 1880.

وتقول ليلى عنان، أستاذ الحضارة الفرنسية بجامعة القاهرة، في دراستها "الحملة الفرنسية تنوير أم تزوير؟" إن أسباب الحملة الفرنسية على مصر كأي حدث، تاريخي أو غير تاريخي، تتشعب أسبابها وتعود جذورها إلى ماض سحيق.

وتضيف عنان: "البعض يراها آخر الحروب الصليبية، ويرى البعض الآخر أنها أول موجات الغزو الاستعماري الأوروبي الكاسح في القرن التاسع عشر، لكن بعض المؤرخين يتعاملون معها كحدث ثانوي، ويمرون عليها مرور الكرام وهم يسردون تاريخ فرنسا، والبعض الآخر يتعامل معها منفصلة عما سبقها أو لحقها من أحداث، كأنها ثمرة أتت من فراغ، دون شجرة تحملها، اللهم إلا بعلاقتها بقائدها الشهير (بونابرت) الذي أصبح إمبراطورا غيّر مجرى الأحداث في أوروبا كلها".

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

 

بوجمعة وعليالمرأة نصف المجتمع وأكثر حسابيا، لكنها المجتمع كله من حيث الأهمية والدور الاستراتيجي الذي تقوم به، فهي نصف المجتمع؛ الذي يربي وينشئ النص الآخر (الرجل)، لذلك فإن رقي وتطور وتنمية المجتمعات قيميا وتريويا واقتصاديا وثقافيا يقوم على المرأة أولا أخيرا.

إن تعليم المرأة وتعلميها يشكلان عنصرا فارقا في تعليم الأجيال وتربيتها، فهي الأم التي تربي الأبناء على القيم والمبادئ وترضعهم حليب الصدق ولوفاء والإخلاص والشهامة وربما العكس، وهي الزوجة التي تحفظ سر الزوج في نفسها وأبنائها، يقول الشاعر أحمد شوقي:

الأم مدرسة أذا أعددتها === أعددت شعبا طيب الأعراق

فإعداد المرأة من خلال حسن تربيتها وتعليمها على القيم، يشكل أساس إعداد أجيال واعية وعارفة ومتشبعة بالقيم والأخلاق الدينية والإنسانية، وهي القيم والأخلاق التي تجعل من الإنسان كائنا محوريا في هذا الكون، بل إنها أساس تكليفه بإعمار الأرض وإصلاحها.

إن صعود المجتمعات أو انهيارها على جميع المستويات وخاصة القيمية والأخلاقية يرتبط أشد الارتباط بالمرأة، لذلك عمل الساعون إلى تخريب المجتمعات الدينية - خاصة الإسلامية- على تحييد أو تمييع دورها في المجتمع وإفراغه من البعد القيمي والتربوي والأخلاقي، يقول المفكر المغربي المهدي المنجرة" إذا أرت أن تهدم حضارة أمة فهناك ثلاثة وسائل أبرزها، هدم الأسرة من خلال تغييب دور الأم وجعلها تخجل من وصفها ربة البيت".

إن دور المرأة في المجتمع دور محوري تقوم عليه كل الأدوار الأخرى، وبالتالي فإن أي خلل (ضعف أو نقص)  في هذا الدور يكون له تأثير سلبي على الأدوار الأخرى، لذلك قيل: وراء كل عظيم أمرة، أمه أو زوجته أو هما معا.

 

د. بوجمعة وعلي - المغرب

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال خنيفرة

"تعني الذكاء او "الاختراق: Hacker, Hacking

كمفردة ليس لها علاقة بتهكير برامج ومواقع الويب او شبكات الانترنيت لانها سابقة لها سميت بعد انتشار الشبكات بـ "القرصنة" والمؤدي او المتلاعب بالقرصان والقرصنة "أي جهد تقني يبذله الشخص للتلاعب، والتحكم بسير المنظومة الطبيعيّ للشبكات أو الأجهزة، وبالتالي فإنّ القرصان أو المخترق هو الشخص المسؤول عن عمليّة الاختراق، والتلاعب بخطّ سير عمل الأجهزة والشبكات".

مناسبة التعريف بمعنى الهاكر ان الخوف يأخد بعض المستخدمين من سرقة بياناتهم او بياناتهم الشخصية لانها مجرد اوهام والسبب يمكن لاي شخص الوصول الى هذه البيانات سواء من خلال الشبكة او الموبايل او معلومات الحصول على بريد الكتروني او سجلات الاحوال الشخصية . وهذه معلومات لا تعتبر سرية او يمكن الاطلاع عليها بطريقة او اخرى حتى عند السفر او طلب فيزا هناك فورمات تحتوي على هذه المعلومات . لذلك لا تعتبر من البيات السرية ولا يوجد داعي للخوف من سرقة هذه البيانات . اما محتوى البريد الالكتروني والمراسلات   يمكن الحصول عليها من خلال الشركات المزودة بعناوين البريد ُE.mail او الكمبيوتر المركزي المزود لخدمة الانترنيت على النطاق العالمي ومقره الولايات المتحدة .

لا داعي للخوف في كلا الحالتين لانه لا توجد صعوبة في الوصول الى البيانات الشخصية والمراسلات الخاصة ولا يستخدمها ذوو النشاطات السرية "الجواسيس" لهذه الاسباب . والخوف من سرقة البيانات الشخصية والمراسلات والنشاطات الكتابية الاخرى مجرد اوهام سببها اهتزاز الشخص نفسيا لان يفترض انه يدرك مقدما ان عالم الانترنيت ليس عالما سريا ولا يجذب اليه الجواسيس والعملاء لسهولة كشف نشاطات المستخدمين .

وهناك نوع اخر من القرصنة تسمى "القرصنة الاخلاقية" يؤديها المقرصن من خلال برامج خاصة يمكنها اختراق شبكات الانترنيت، وهي عبارة عن عمليات اختراق يقوم بها مخترقون، وخبراء مهرة، وذلك لتحديد نقاط الضعف في النظام المراد حمايته وتصحيحها، وينقسم عالم القرصنة الإلكترونيّة إلى "قسمين؛ الأول القراصنة الفاسدين الملقّبين بالقبّعات السوداء، وأمّا بالنسبة القسم الثاني فهو القراصنة الأخلاقيين والملقّبين بالقبعات البيضاء، وإنّ وجود القبعات البيضاء أو القرصنة الأخلاقيّة في عالم الإنترنت أمر مهم جداً، حيث إنّ الإنترنت يحتوي على معلومات لا تعدّ ولا تحصى خاصّة وسريّة، لهذا هناك تحديث مستمرّ للنظام، وتطوير دائم لأنظمة الحماية، لمنع القراصنة الفاسدين من الوصول إلى المعلومات والبيانات المصنفة "سرية" وهي في كل الاحوال لا تهم المستخدم العادي لان بياناته ومراسلاته متاحة ويمكن الوصول اليها بسهولة .

تأثير الهاكر محدود زمنيا لا يتجاوز بضعة ساعات او 24 ساعة على مدار اليوم وتعود الشبكة الى العمل بانتظام والمواقع المخترقة الى العمل بشكل طبيبعي ، لان الباحثين الذين كانوا يلهون باختراع برامح تعيق الانترنيت او تخترق شبكة البث بهدف التسلية وليس التخريب ولكن الهاكر تطور منذ ذلك الوقت وتطورت برامج التهكير ولكنها بقيت وقتية ويمكن معالجتها من قبل شبكات الحماية وبرامجها المتطورة .

يعني الهاكر  في بدايته كان هدفه التسلية وليس التخريب او مباراة بالذكاء بين الباحثين وليس لاجل التخريب كما يحدث الان او قد يحدث مستقبلا .

***

قيس العذاري 

24.8.2020

 

حاتم السرويهل يعرف صديقي المثقف الشاب الذي يدمن وضع السيجارة بين أصبعيه والمسبحة حول رقبته، ويفضل أن يبدو بوهيميًا في مظهره، ما هو كتاب الأغاني، ومن يكون مؤلفه؟ وهل يعرف ما هو " الإمتاع والمؤانسة "وهل سمع ولو لمرة عن أبي حيان التوحيدي؟.

بالطبع لم يسمع ولم يقرأ ، لأنه لا يقرأ غير سطرٍ واحد كل يوم: "التدخين ضار جدًا بالصحة ويسبب الوفاة " ولست أدري حتى الآن كُنْهَ العلاقة بين المثقف والسيجارة، كما أنني لا أعرف على وجه الدقة من الذي أدخل في ذهن الشاب أن المثقف لابد أن يكون مدخنا؟!.

أيها الشاب اترك هذا الادعاء الطفولي ولو مؤقتًا، وتعالَ معي إلى كنف آبائك رواد الشعر والكلمة. انظر.. ها هو أبو الفرج الأصفهاني يسطر أغانيه، سجلٌ حافل يطلعنا فيه على حياتنا العربية قديمًا في جانبها اللاهي، وقصورها العامرة، ولياليها الساهرة، وإلى هذا تجد مُلَح الأشعار وعجائب الأخبار. ثم اخرج من هذا إلى " الإمتاع والمؤانسة "وهو أيضًا ديوان أسمار وقعت في أربعين ليلة، وفيه نقل التوحيدي نبض عصره وأعني به القرن الرابع الهجري، وعَرَّفَنا بهموم المثقفين آنذاك. وإذا كان " الأغاني " كتاب لهو، وكان " ألف ليلة وليلة " كتابًا في حكايات السحر وتحليقٌ في الخيال؛ فإن " الإمتاع والمؤانسة " كتاب فكرٍ وعلم وتأريخ وحكمة، وفيه الحكايات أيضًا.

صديقي الشاب المثقف، أو الذي يريد أن يكون مثقفًا، ما المشكلة في أن تقرأ " الأغاني " على ما فيه من الألفاظ المخجلة والتعبيرات الفاحشة؟! ألست إذا خلوت إلى نفسك تشاهد على النت أفلام الـ.......؟؟ فلماذا لا يردعك ضميرك عن مشاهدة الخنا ثم تدعي أنه يحول بينك وبين كتابٍ في الأدب؟! والحق أن الذي يمنعك من القراءة هو السأم وليس الخلق، عزيزي الشاب اجعل من القراءة مبادرة للخروج من بلاهة المراهقين إلى حصافة الرجال.

ولا تقل أن في " ألف ليلة وليلة " - مثلًا- ما يخدش الحياء، لا تجعل من نفسك أضحوكة، فإن كتابًا تقرؤه - على ما فيه- خيرٌ من التسكع مع البنات، ثم إن هذا الكتاب فيه الأسطورة والعوالم المسحورة، فهو دون شك غذاءٌ للخيال، وانطلاقٌ من قيود المادة وسطوة الحواس، وتعبيرٌ عن شغف الإنسان بالمجهول وتوقه إلى معرفته.

أما " الإمتاع والمؤانسة " فمؤلفه يفكر ويحلل وينتقد ويؤرخ، ويعقد صلحًا بين الفكر والوجدان، ويوفق بين العقل والعاطفة، فالإنسان ليس كله ذهن وليس كله قلب؛ وإنما فيه الاثنان يكملان بعضهما.

والإمتاع اسمٌ على مسمى؛ بيد أن ما فيه من المتعة لا يخاطب الغرائز ولا يروي الشهوات؛ وإنما هي نشوة الروح ولذة الفكر، وما ظنك بسِفْرٍ جليل فيه الفكر الفلسفي والعلم اللغوي والنقد الأدبي والتاريخ الإنساني، ثم أن كاتبه إلى ذلك لا ينصب نفسه أستاذًا على القارئ، ويهمه أيضًا أن يروح عنه بالحكايات والأخبار؛ وبهذا يدخل بنا أبو حيان في نوعٍ من الفن لا تجده تقريبًا إلا عند العرب، هو فن المؤانسة.

ويحدثنا الأستاذ/ محمد الخولي في كتابه المهم " دليل القارئ الذكي إلى عيون التراث العربي " عن لؤلؤة أبي حيان، أعني كتاب " الإمتاع والمؤانسة " فيقول: " يصفه الأستاذ أحمد أمين بأنه كتابٌ ممتع مؤنسٌ كاسمه.. وأنت تكاد بين صفحاته تضع يدك على نبض عصرٍ بأكمله، هو عراق النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وتكاد بين سطوره تسمع أصوات الوزراء وهم يأمرون، والمفكرون وهم يتناقشون، وعلماء الكلام والإلهيات وهم يتجادلون، وأهل النحو والبلاغة وهم يتناظرون، ناهيك عما يحف هذه الليالي والأسمار من خصومات وأفاكيه ونوادر. في الكتاب مثلًا المناظرة الفريدة بين المنطق اليوناني وبين النحو العربي، وقد دارت بين عالمين كبيرين: أبي سعيد السيرافي، ومتى بن يونس، وفيه أيضًا النص الوحيد الذي كشف للمؤرخين عن شخصية واضعي رسائل " إخوان الصفا " الجمعية السياسية الدينية المغلقة التي ظهرت في البصرة في القرن العاشر الميلادي. وعن أبي حيان نقل سائر الدارسين والرواة ".

وبعد هذه الفصول الرائعة والرائدة يضع أبو حيان في ختام صفحات كتابه رسالتين: إحداهما إلى الوزير ابن سعدان، والثانية إلى الشيخ المهندس أبي الوفاء الذي عرفه بالوزير ابن سعدان وطلب منه أن ينقل إليه مسامراته معه مكتوبةً فخرج بذلك " الإمتاع والمؤانسة " إلى النور.. ما فحوى الرسالة؟ إنه يستجدي ويتسول ويطلب المِنَحَ والجوائز، وبهذا صح فيه ما ذكره عنه القفطي في " أخبار الحكماء " إذ يقول عنه: بدأ كتابه صوفيًا، وفي أوسطه كان محدثًا يتكلم بالأخبار، وفي آخره كان شحاذًا! إنه المُنْحَدَر: بداية فلسفية ثم أسمار وأحاديث وأخيرًا تسوُّل!.

وربما أمكن القول أن الفقر والتعاسة التي أحاطت بحياة أبي حيان، والمرارة التي ذاقها منذ طفولته من الدنيا والناس، هي التي وصلت به إلى تلك الهاوية ولا عزاء للعبقرية، بل إنه أصيب أخيرًا بالاكتئاب وتحت وطأة حالة اكتئابية فظيعة عمل على إحراق جميع كتبه، ولا أخفيكم أنني أكتب هذه السطور شاعرًا بالحزن، لكن لم الحزن وقد ترفق بنا القدر فأنقذ لنا من المحرقة الحَيَّانِيَّة أكثر من كتاب، ومنهم أحد أجمل الكتب في تراثنا العربي " الإمتاع والمؤانسة ".

والظاهر يا إخوتي أن حياة الأدباء وأصحاب الفكر كانت ولا تزال ميدان الشهد والدموع، شهد الثقافة ولذة الامتلاء المعرفي والشعور بالغنى (غنى النفس) ودموع الاغتراب حين يشعر الأديب بالوحدة، وحين تنفر منه العامة والخاصة، ويرى نفسه غير مرغوب في صحبته ولا في حديثه ولا حتى في وجوده، ثم يفتش جيوبه فلا يجد إلا قروشًا لا تكفيه.

والأمثلة على فقر العلماء وتعاستهم أكثر من أن تُحْصَر؛ فهذا هو الناقد العظيم أبو هلال العسكري كان يخرج كل يومٍ مع الفجر إلى سوق البزازين ليبيع أقمشة بدراهم يسيرة ولا يملك من الدنيا غير هذا؛ فلما طفح به الكيل أنشد يقول:

جلوسيَ في سوقٍ أبيع وأشتري.. دليلٌ على أن الأنامَ قرودُ

ولا خيرَ في قومٍ يُذَلُّ كرامُهُم.. ويعظُمُ فيهم نذلهم ويسودُ

ويهجوهم عني رثاثةُ كسوتي.. هجاءً قبيحًا ما عليه مزيدُ

فهذا كلام رجلٍ عاش من ألف ومائة عام؛ فكيف بالله لو عاش في أيامنا هذه؟!

بقي أن أعرفكم بأن (التوحيدي) ليس نسبةً إلى التوحيد الذي هو عقيدة المسلمين؛ وإنما هو نسبة إلى نوعٍ من التمور كان والد أبي حيان واسمه محمد بن عباس يبيعه في العراق، وهو المذكور في بيت المتنبي:

يترشفن من فمي قطراتٍ.. هن فيه أحلى من التوحيد

فالتوحيد هو تمر عراقي شغف به المتنبي، والعراق على ما نعرف بلد التمور والنخيل، وقد ذكرت هذه المعلومة لشاعرٍ ملحد فلم يصدق، وليس من الأهمية أن يصدق، وطالما كان همه أن يخترق طابوهات الجنس والدين، وأن يستشهد بأبيات الأولين وأقوالهم على ضلاله، فشأنه وما يختار، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهب أن المتنبي أخطأ فهل أنت إمعة؟ أنت شاعر أو تزعم أنك شاعر فلماذا تقلد المتنبي مع أنك ترى نفسك أفضل منه؟! عجائب...

 

حاتم السروي

 

علي سيف الرعينيالسلام ثقافة سلوكية وممارسة اخلاقية .وليس شعارانرفعه عندالحاجة ونمضي بافعال لاتمت بصلة للسلام .

كيف يتحقق السلام والتسامح والاخاءفي حين نمارس الكره والحقدلبعضناكثقافة وسلوك في واقعنا؟؟

كيف نصنع السلام ومازالت نفوسنامملؤه بالضغينة وتبييت النوايا الخبيثة ؟؟

كيف نصنع السلام وبايدينا نحمل معاول الهدم ؟؟

كيف نصنع السلام ونحن نخزن ادوات الصراع في بيوتنا؟؟

كيف نصنع السلام ونحن نقتل بعضناوندمراوطاننا؟؟

اننااليوم مدعوون اكثر من أي وقت مضى الى كيف يمكن التفكير في موضوعات القيم والتواصل والتسامح والتصالح والتنوع من دون أن نأخذ في الاعتبار اشكال العنف وسيلة تسمو فوق تفكيرنا؟ وكيف يمكن التفكير حاليا في الرابطة الاجتماعية، في شروط العيش المشترك في مجتمع يسوده الاخاء والمحبة والتراحم والتعاون في بناء وتنمية ارضنا ، مافائدة الكلام حول التصالح والتسامح ان لم يكن ثقافة تمارس في الواقع وقناعة في النفوس الامارة بالسوء والتي تعيث فساداً بحق الاخر وحق العام من طريق ومدرسة وشارع ومؤسسة ومستشفى وارض لاننا بذلك ندمر انفسنا قبل ان ندمر غيرنا كيف لناان نتوحدوننبذكل الخلافات اذاكناغيرقادرين ان نمارس ذلك التسامح مع انفسنااولا؟؟

ان الحاجة اليوم اصبحت ضرورة حتمية اذامااردناالعودةالى بناءاوطاننا..

 

كتب/علي سيف الرعيني

 

ضياء نافعبوريس ايفافوفيتش بورسوف (1905 – 1997) يرتبط في ذاكرتنا باسم كامران قره داغي، الذي ترجم عن الروسية كتابه الشهير – (الواقعية اليوم وابدا) في سبعينيات القرن العشرين، وقامت وزارة الاعلام العراقية في حينها بنشره، ولكنها حذفت (في اللحظة الاخيرة) اسم المترجم كامران قره داغي من الغلاف، لانه ترك بغداد والتحق بالحركة المسلحة آنذاك في كردستان العراق (انظر مقالتنا بعنوان – كامران قره داغي والادب الروسي في العراق)، وهكذا اصبح كتاب بورسوف (تاريخيّا!)، لانه اول كتاب مترجم (بضم الميم) يصدر عن وزارة الاعلام العراقية دون اشارة الى اسم المترجم، او بتعبير أدق، بحذف اسم المترجم قبيل اصداره (والاسرار لا تبقى اسرارا في العراق) كما هو معروف. والكتاب هذا اصبح مشهورا ايضا، لانه يتناول  الادب الروسي  بشكل موضوعي وشامل وعميق، وتلقفه القراء بحب ولهفة، خصوصا وانه مترجم بامانة و بلغة عربية رقراقة وسليمة و سلسة من قبل مترجم كبير ومبدع هو كامران قره داغي . ثم تم اصدار الطبعة الثانية من هذا الكتاب ولكن باسم المترجم كامران قره داغي هذه المرّة بعد ان هدأت العواطف والعواصف و عودة المترجم الى بغداد . ان قصة هذا الكتاب جعلت بورسوف اسما معروفا للقارئ العراقي بشكل ما، وهذا هو تفسير طبيعة عنوان مقالتنا، ولكننا في نفس الوقت يمكن ان نطرح السؤال من جانب آخر، وهو - هل يعرف القراء في العراق او في عالمنا العربي بشكل عام من هو هذا الناقد الادبي فعلا؟ لقد (دردشت) مع عدد من الزملاء حول بورسوف، ووجدت آراء متضاربة جدا بشأنه، فمنهم من يرى، ان كامران قره داغي قدّمه لنا ليس دون هدف معيّن، وانما باعتباره الكتاب المضاد لروجيه غارودي وكتابه (واقعية بلا ضفاف) الشهير (وقد تعجبّت جدا عندما استمعت الى هذا التحليل العراقي العميق!!!)، ومنهم من يرى، ان بورسوف هو النسخة الماركسية (المحسّنة) لمفهوم الادب والفن، ومنهم لم يسمع باسمه ولا يعرفه اصلا . وبعد هذه (الدردشات الطريفة والغريبة ايضا!) بدأت بكتابة هذه المقالة عن بورسوف، وهي محاولة لرسم صورة تخطيطية لبورسوف لا اكثر، اذ ان الصورة التفصيلية لهذا الناقد الادبي الروسي السوفيتي تحتاج الى تفصيلات متشعبة وغور في مؤلفاته العديدة حول الادباء الروس الكبار، وحول مكانة النقد الادبي في الحياة الفكرية عموما (يوجد لديه كتاب صدر عام 1976 بعنوان – النقد كأدب)، بورسوف الذي حصل على شهادة دكتوراه علوم في اختصاصه، واصبح بروفيسورا في جامعة لينينغراد (1948 – 1966)، ثم بروفيسورا في معهد غيرتسن التربوي في لينينغراد (1966 – والى تاريخ وفاته عام 1997) .

ولد بورسوف في قرية بضواحي فارونش في الامبراطورية الروسية عام 1905، وبقي هناك ومارس مختلف المهن الفلاحية في قريته، ولم يدرس في المدرسة سوى 3 سنوات فقط، حيث انهى الصف الثالث الابتدائي ليس الا، ثم حدثت الحرب العالمية الاولى 1914 ثم ثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية، ثم الحرب الاهلية في روسيا بعد تلك الثورة بين (الجيش الاحمر والجيش الابيض!)، وبعد ان استقرت السلطة السوفيتية بشكل او بآخر، انتقل بورسوف الى مركز مدينة فارونش وانهى هناك المدرسة (كان عمره 25سنة آنذاك)، ثم تخرّج  في معهد خاص بالصحافة والنشر في موسكو، ثم التحق بالدراسات العليا في اكاديمية الفنون وحصل على شهادة الكانديدات (دكتوراه فلسفه) هناك، وكانت اطروحته عن البناء الفني لابطال رواية تولستوي (الحرب والسلم)، وجاءت الحرب العالمية الثانية عام 1941، فالتحق بالجبهة مثل كل الشباب الروسي، وهناك (وسط نيران الحرب الرهيبة تلك) انتمى الى الحزب الشيوعي السوفيتي عام 1942 عن قناعة تامة، وبقي محافظا على انتمائه الفكري هذا الى نهاية حياته، ولم يساهم بحركة البيريسترويكا (اعادة البناء) في الثمانينات، وكان ضد الغاء دولة الاتحاد السوفيتي بقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي، و توفي في روسيا الاتحادية عام 1997 . لقد عاصر بورسوف الامبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي وروسيا الاتحادية، ولكنه استمر طوال الوقت مخلصا لافكاره الشيوعية السوفيتية، التي اقتنع بها في بداية مسيرته وبقي امينا لها الى نهاية حياته.

هذا عرض وجيز جدا لمسيرة حياة بورسوف، ولا يمكن ان يكون هذا العرض متكاملا دون الاشارة الى اهم اعماله المنشورة في كتب ومقالات وبحوث . ظهر اول مقال له عام 1935 في مجلة (زفزدا) الادبية بلينينغراد وكان بعنوان – نظام تولستوي الاستيتيكي، اما اول كتاب له فصدر عام 1951 بعنوان – الام لغوركي وقضايا الواقعية الاشتراكية، وأصدر طبعة ثانية موسّعة و مزيدة لهذا الكتاب عام1955، علما انه كتاب  مهم من وجهة  النظر السوفيتية الرسمية المعروفة آنذاك حول مفاهيم الواقعية الاشتراكية، وليس من باب الصدفة ابدا ان هذا الكتاب قد تم ترجمته في بعض دول المعسكر الاشتراكي، اذ ظهر في ثلاث دول اشتراكية آنذاك هي – بلغاريا وجيكوسلوفاكيا وهنغاريا . لقد اصدر بورسوف اكثر من عشرة كتب تتناول الادباء والنقاد الروس الكبار، ومن اهمها كتاب بعنوان – شخصية دستويفسكي، وهو رواية وبحث، وصدر بطبعتين الاولى عام 1974 والثانية عام 1979، وكتاب آخر بعنوان – مصير بوشكين، وهو ايضا رواية وبحث، وصدر ايضا بطبعتين الاولى عام 1985 والثانية عام 1989 .

دراسة مسيرة بورسوف ونتاجاته النقدية المتنوعة بموضوعية تعني دراسة التجربة السوفيتية الفكرية في مجال الادب بكل جوانبها الايجابية والسلبية معا، وهي دراسة تستحق فعلا اهتمام الباحثين العرب.

 

أ.د. ضياء نافع

 

عبد الجبار نوريWhy we should all read to Destoveske

فيودورديستوفيسكي يمثل جيل الواقعية السحرية، أثرى المكتبة الروسية والعالمية ب 43 منجزا علميا أدبياً، وهو واحد من أكبر الكتاب الروس ومن أفضل الكتاب العالميين، وأنجازاته تلك كانت لها الأثر العميق في أدب القرن العشرين، شخصياتهُ دائماً في أقصى درجات التأهب في أقناع المشاهد بالواقعية السردية وكأنّهم يقفون على حافة الهاوية والأستعداد للغوص عميقاً في النفس البشرية لكي يقدم وصفاً تحليلياً ثاقباً للوضعية السياسية والسوسيولوجية والروحية لروسيا في ذلك الوقت، العديد من أعماله تعد مصدر ألهام للفكر والأدب المعاصر، أنه أحد أعضاء جماعة التفكير المتحرر (جماعة بيترا شيفيسكي)، وفي عالم ديستوفيسكي صراع بين الرحمن والشيطان والخير والشر والحقيقة والزيف وكل هذه الجائحات  وفايروساتها المدمرة أستوطنت الذات البشرية .

أصدقائي الأعزاء من أراد منكم قراءة  منجزات هذا الروائي العبقري أن يربط حزام الأمان لتغوص معه في رحلة شاقة فيها من الصعوبة لتصل إلى أغوار النفس البشرية، وأنصح أن تقرأ كتبه بالترتيب لكونها تخضع لسايكولوجية النفس والتسلسل الزمني تتخللها أرهاصات الصراعات الطبقية، ويريك من اليأس والأحباط وكأنك واقف على حافة الهاوية، ولأن كل مذكرات أبطاله السابقة يذكرها في أعماله الأخيرة، مثلاً أنا قبل أن أقرأ الأخوة كارموزوف قرأت : رواياته الأم، الفقراء، الأبله، المراهق، المقامر، والجريمة والعقاب، حينها تصل لملامسة ومعايشة الذات البشرية وهواجسها المتأججة في تلك الأعماق المظلمة هي ما تسمى النفس البشرية بأسلوب أدبي رفيع، صاحب قريحة نادراً ما يجود بها الزمن، وأنه ظاهرة أجتماعية فلسفية واقعية جادة، أنك عندما تقرأ لهُ تتحوّل دراماتيكياً إلى كتبه الأخرى فترى الأنسان والحياة شيئاً آخر مختلفاً تماماً في نظر الروسي ديستوفيسكي، وأن كل رواية تقارب الألف صفحة تتطلب التركيز خاصة في أسماء أبطال الرواية فيغيرها تارة بأسمه وأخرى بأسم العائلة، لا تشعر بلحظة ملل قط بل تنتقل من دهشة لأخرى ومن أنفعال لآخر، هنا يحتاج إلى التمهل والتأمل والصبر لبريق اللحظات كي يستقر المغزى في الذهن، فهو مفكرٌ وليس واعظاً يقول في روايته (الأبله):

خيرٌ للأنسان أن يكون تعيساً وعارفاً من يكون سعيداً ومخدوعاً، ويقول في روايته " الجريمة والعقاب-ربما تبدو للبعض غريبة – {أيكون جريمة قتل قملة قذرة ضارة، قتل عجوز لا يحتاج أليها أحد، مرابية تمتص دم الفقراء، إلا أن قتلها ليمحو أربعين خطيئة، لا أضن أن هذا الفعل جريمة، ولا أريد أن أتطهّر منهٌ وأكفر عنهُ} ----

ورواياته تحوي فهماً عميقاً للنفس البشرية، تفرّس وتأمّل في  نفوس ورغبات البشر أحلامهم طموحاتهم، وتلك الصراعات الداخلية بين الأنسان ونفسهِ وبينهُ وبين الآخرين  كما قدم تحليلاً ثاقباً للحالة السياسية والأجتماعية والروحية لروسيا في ذلك الوقت، والعديد من أعمالهُ المعروفة تعد مصدر ألهام للفكر والأدب المعاصر، فهو كاتب قدير وعالم نفس محترف وفيلسوف فهم سايكولوجية أعماق النفس البشرية في زواياها المظلمة، ورجل دين لاهوتي ومخابراتي بوليسي كما ظهر في روايته " الجريمة والعقاب "،  ففي عالم دوستوفيسكي تتصارع الأضداد الخير مع الشر، الحقيقة مع الزيف، الرحمن مع الشيطان الخلود والحرية، والعدالة السماوية والأنسانية والغريزة، الجنون والتعقل، الأضطراب والأعتدال وبين الجن المارد الشرير والجن الملائكي المسالم، وبين الأنسان السوي والمراهق، وبين الأهبل والعاقل السوي وكل ذلك في أعماق نفس الأنسان .

وهكذا هو الأمر في الأرض والسماء، لذا أن قراءة  ديستوفيسكي تتطلب الأنصاف والتأمل وذلك من أجل الدخول إلى الروعة الكامنة في أعماق الواقع، فهو يدفع الأنسان بأن يميّزْ بين الخير والشر، ويرى أن نهب محبتنا للرب أحراراً دون أن ننصاع لهُ عبيداً .

يقول فيه (فرويد) تعلمتُ سلوك النفس البشرية من روايات ديستوفيسكي، وقال فيه الفيلسوف هيغل: (يمكن أن يكون في موقع النبي المصلح)، وأمتدحهُ الفيلسوف الوجودي "مارتن هديجر" وعالم الرياضيات الحديثة " لودويك، وعالم الفيزياء " أنشتاين " أذاً فهو أستاذ كل الأزمنة ، دوستوفيسكي ذلك الروائي الروسي عليم بميتافيزيقيا الكينونة البشرية وبنهايات ممزوجة بالبراكماتية مطابقة للواقع، تمكن من فك شفرة الأنسان والغوص في أعماقه، تمكن من أن يلخص البشرية بأكملها ضمن صفحة واحدة فقط، أي عقلٍ أي روحٍ أية أمكانياتٍ  وأي أيمانٍ وأية طاقة وووأي فكرٍ يحملهُ هذا الرجل؟ في صراعات البشرية جميعها تتجسد بعوالم يصنعها على الورق لشخوص خيالية بقدر ما هي واقعية، من أعماله الثرة {المساكين، الشبيه، بيت الموتى، الجريمة والعقاب، المقامر، الأبله، الشياطين، الزوج الأبدي، مراهق، حلم رجل مضحك، مذكرات كاتب، زوجة رجل آخر وزوج تحت السرير} وتعتبر رواية "الأخوة كارامازوف" قمة أعماله وواحدة من الأنجازات العليا في الأدب العالمي بشهادة عظماء الفلاسفة والباحثين والمفكرين من أعلى القمة الهرمية للأدب العالمي، ولد في موسكو عام 1821 – وتوفي عام 1881م .

ببراعة سحريةحول بعض من رواياته إلى روايات بوليسية جعل القاريء لا يهتم بالقاتل أكثر مما يهتم بالأسباب والدوافع بالوجود الأنساني وتعريتها من جلبابها المزيف بتحليل وثيق لكل شخصية فأوصى بنظرية سايكولوجية {أن مقياس درجات الرذيلة هو مقياس واحد بالنسبة للجميع وحتى أن أختلفت بالدرجات لأن لطخة السوء تبقى}.

فديستوفيسكي – حسب قناعتي – في روايته المتألقة " الأخوة كارمازوف " أسس لنظام طبقي طوباوي شبيه بالمدينة الفاضلة الفنتازية الخيالية، الذي لا يقوم على عرق أو دين بل على الأخلاق، وكان محور البناء الفني للرواية هو الخير والشر في نزاع شرس وقتال دموي بكافة الأسلحة المحرمة لينتصر أحدهما، فأوهم الشر نفسه أنهُ المنتصر في الرواية بقتل الأب وسجن الأبن مؤبد في سيبيريا، وموت الأبن الغير شرعي القاتل الحقيقي بمرض الصرع، وضياع الأسرة، لكن بقاء الأبن الصغير (أليوشا) البراءة والطيبة والجمال فهوالأخ الورع النقي والمسالم الشمعة التي تضيء دروب الأسرة المظلمة وهذا يعني بقاء الخير والسلام والوئام وقبول الأخر هو المنتصر في النهاية .

كلمة أخيرة /أن الصراع بين الخير والشر أزلي تأريخي بين قابيل وهابيل، أنتصر الجلاد قابيل بقتله أخيه هابيل ولكن الضحية هابيل أنتصر بحصوله على رضا الرب ووسام الذكر الحسن،  كذلك الشخوص القيادية الدكتاتورية قد تحكموا برقاب العباد لفترة من الزمن مثل نيرون هتلر جاوجيسكو صدام لأرتفاع نسبة الشر في دمائهم حد البلازما فلطخوا بدرجات من الرذيلة التي تنبأ بها مؤلف الرواية العبقري ديستوفيسكي،  وقد يزول الظالم الشرير كما زال في العراق بيد أن الظلم بقي بعد 2003 لسيطرة بعض أصحاب القرار الأشرار الذين مزقوا الشعب وباعوا الوطن وفتحوا أبوابه أمام عصابات الكراهية والموت  وبرابرة خارج الزمن العصابات الداعشية وتحكمها في رقاب العراقيين والسوريين وتكفير جميع من في الأرض ولكن سرعان ما أن يزولوا كأشرار وقتلة  أمام المحررين الأخيار، والحوارالفكري في حب الخير ونبذ الشر وتكريس السلام وقبول الأخرين.

 

عبد الجبار النوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

.......................

مراجع وهوامش

كتاب الأخوة كارمازوف / ترجمة سامي البارودي2010

دوستوفيسكي – ميخائيل باختين -  ترجمة جميل نصيف التكريتي- 1986م

 

يسري عبد الغنيتستخدم كلمة باروك عادة لوصف طراز من العمارة ازدهر في أوربا في القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر الميلادي، ويمكن لعشاق الفن مشاهدة أجمل أشكال هذا الطراز، وأكثرها أصالة في إيطاليا، وأسبانيا، وألمانيا، والنمسا .

ومع أن كلمة باروك تستخدم في بريطانيا عند التحدث عن عصر معين من تاريخ العمارة، إلا أنها تستخدم في داخل قارة أوربا استخدامًا أكثر اتساعًا، فهي تطلق مثلاً على: الأزياء، وعلى الكلام، والأدب، وسائر الفنون الأخرى مثل الرسم، والنحت، والأثاث .

ومصدر اشتقاق الكلمة غير معروف تمامًا، ويقول بعض مؤرخي الفن: إنه مأخوذ من الكلمة الأسبانية (باروكو)، ومعناها اللؤلؤة الكبيرة غير المنتظمة الشكل، وفي بداية الأمر كانت الكلمة تستخدم بطريقة انتقادية وجامدة للدلالة على الكيفية التي تحولت بها العمارة التقليدية النقية في عصر النهضة، إلى طراز خشن بالغ التعقيد .

واليوم يعرف الباروك بأنه طراز معماري جاد أو ملتزم أو كلاسيك، وإن كان الشعور يؤكد أن هذا الطراز لا يستحق أن يعامل بجدية كباقي الطرازات الفنية، غير أنه يجب ألا يغيب عن الأذهان، أن أحد أهداف فن العمارة هو راحة العين، فإذا كان استخدام كل أنواع الحليات يضيف إلى جمال المبنى، فإن المهندس المعماري يكون محقًا في استخدامه .

وفي بريطانيا يطق عادة على الباروك لفظ (آخر عهد النهضة)، وأعظم اثنين من مهندسي عمارة الباروك هما : السير / كريستوفر رين، الذي بنى كاتدرائية القديس بطرس، والسير / جون فانبرا الذي شيد بيوتًا ريفية عظيمة الشأن، مثل قصر بلنهايم، وقلعة هاوارد، وقد استخدم كل من هذين المهندسين الأشكال الأساسية لفن النهضة الإيطالية، مثل : القباب المزدوجة، والأعمدة الرومانية، والأقبية المستديرة، وأضاف إليها تصميمات من وحيه الخصب .

ويجدر بالقارئ هنا أن يعود إلى إيطاليا لكي يستطيع أن يفهم الجو الذي نشأ فيه طراز الباروك، كان الإيطاليون في القرن السابع عشر الميلادي، يرغبون في تناسي مرارة الحروب الدينية البغيضة التي دارت رحاها خلال القرن السادس عشر الميلادي، وكان الباباوات، والكرادلة، من أشد المناصرين للفنون الجميلة، وكانوا يأملون في تخليد ذكراهم عن طريق تشييد الكنائس، والقصور والمقابر الباذخة الثمن .

هذا، وقد كلف الفنانون والمعماريون ببناء كنائس ضخمة فخمة بالغة الروعة، وقد زينت واجهاتها بزخارف ضخمة بديعة، وفي الداخل كانت شعلة من الفخامة وازدهار الألوان، برز فيها بصفة خاصة الذهب والرخام .

أما التماثيل فكانت هي الأخرى آية في روعة النحت والألوان، وكان من أبرز الفنانين الإيطاليين الذين أبدعوا في طراز الباروك، في تلك الآونة، برنيني (1598 م ـ 1690 م)، و بوروميني (1599 م ـ 1667 م)، وقد ابتكر كل منهما الكثير والكثير من التصميمات الجديدة الرائعة الجذابة، والتي أصبحت فيما بعد علامة مميزة لكثير من العمارة الباروكية .

وكلنا من محبي الفنون يعرفون كنيسة (سانت أجنيس) في روما، التي بناها بوروميني، ومع أنه كان يهدف من هذا المشروع أن يثير الدهشة والإعجاب بالجدة في التصميم، إلا أن النتيجة كانت في الواقع جميلة ومبهجة، ولا سيما في تصميم برجي الأجراس .

وإذا دخلت أي كنيسة من كنائس القرن السابع عشر الميلادي في روما، استحوذ عليك الذهول لروعة الزخرفة، وأينما نظرت وجدت الرخام بألوانه العديدة، والبرونز، والذهب، والتماثيل، والزخارف الجصية، في المشاكي والطنوف، أما القباب والبواكي فمكسوة بالرسومات الجصية للقديسين والملائكة .

وبرنيني، فضلاً عن كونه مهندسًا معماريًا معروفًا، كان من أعظم مثالي عصره، وأشهر أعماله مجموعة الأعمدة في كاتدرائية القديس بطرس بروما، ويمكن إدراك عبقريته في العديد من الكنائس، والمذابح، والمقابر، والتماثيل، والنافورات، وتمثال الفارس للإمبراطور قسطنطين، وهو من صنعه، ويبين لنا كيف كان برنيني يبدع التأثيرات الواقعية بتأكيد الثنيات في رداء الفارس، وفي معرفة الجواد وذيله .

ويقول لنا تاريخ الفن : إن من بين النعوت التي يوصف بها عصر الباروك، أنه جرئ، ومتقن، وباذخ، وغير متوقع، وقد كان التأثير الأسباني شديدًا في إيطاليا خلال القرن السابع عشر الميلادي، وكان للأسبان ذوقهم الخاص في الاحتفالات التي تتصف بالبذخ، وفي الخطب الرنانة المنمقة، والملابس الفضفاضة، فقد كان ذلك هو الطابع الأكثر غرابة في الروح الباروكية .

كان الناس يتخاطبون ويتراسلون مستخدمين لغة متكلفة وعبارات منمقة، وكان من الشائع أن يكون للشخص الواحد عدة ألقاب، وفي الحفلات الفخمة الباذخة كان يصل المدعون في عربات مطعمة بالذهب، وفي الكراسي المحمولة، وكانت ملابس السيدات تحلى بالمجوهرات، والرجال يضعون رياشًا طويلة فوق قبعاتهم، وياقات من الدانتيلا حول أعناقهم، وعلى أطراف أكمامهم وأحذيتهم .

وفي مثل تلك الحفلات، كان الضيوف يرتشفون القهوة والشيكولاته، وهي مستحدثات تم جلبها من المستعمرات الأسبانية في العالم الجديد (الأمريكتين)، ويستمعون للشعراء يقرأون ما كتبوه من قصائد، أو للموسيقيين يعزفون لحنًا جديدًا على آلة الكلافيكورد  .

ويظهر الطراز الباروكي كأقوى ما يكون في أعمال العمارة والنحت، وكان طراز عصر النهضة يميل إلى الالتزام الشديد بالطرازين اليوناني والروماني، في حين أن الطراز الباروكي قد حول عمارة عصر النهضة إلى طراز أكثر إشعاعًا، كثير المبالغة في استخدام الزخارف المنحنية والمدرجات والأعمدة الملتوية .

وما زالت المتاحف الأوربية بوجه عام والإيطالية بوجه خاص، تحتفظ لنا بقطع من الأثاث الجميل الذي تم صنعه في العصر الباروكي، فنجد سريرًا إيطاليًا، أو كرسيًا فرنسيًا بمساند، أو منضدة هولندية، أو صوان دهن باللاكيه إنجليزي الصنع، أو دولاب ألماني تم زخرفته بزخارف مبدعة رائعة، حتى عرش الإمبراطور  نيوبو ليتان والذي صنع في هذا العصر يبدو تحفة فنية متفردة، كما تحتفظ هذه المتاحف بالعديد من الصور التي تظهر الحفلات الباذخة في هذا العصر، حيث نرى في إحدى هذه اللوحات الضيوف يصلون عند السلم الرئيسي لأحد القصور الإيطالية الفارهة لحضور حفلة مسائية .

حقًا إنه عصر باذخ في كل شيء، قد نعترض عليه لأن الإسراف الزائد عن الحد لا يتفق مع الفطرة السوية، ولكن لا يمكن أن نتجاهله كحقبة فنية لم تشمل العمارة فقط بل شملت كل أوجه الحياة المعاشة .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

كاظم الموسويقبل سنوات نصب في مكتبة اللغات الأجنبية بموسكو تمثال من البرونز للروائي العراقي غائب طعمة فرمان في ذكرى رحيله اعترافا بابداعه الأدبي والترجمات التي أنتجها خلال حياته بالعاصمة الروسية، التي عاش ودفن فيها. يمثل هذا التمثال رمزا لاحترام المبدع وتكريما له ولما أبدعه وإنتجه في بلد عرف بهذا العمل، واعترافا لما تركه فيه من أثر ثقافي. وهو استحقاق ابداع الأديب وتذكير بعطاءاته وجهوده الثقافية ومساهمته في صناعة جسور الثقافة والتواصل الحضاري. ولعل هذا التمثال يسد جميلا للمبدع ويذكر الآخرين بذلك.

عرف بأنه "غائب بن طعمة بن فرمان بن رزوقي بن حمادي بن ناصر ال سماعيل الموسوي الجزائري من أهالي محلة المربعة في بغداد ولد في بغداد عام  1927(وفق إجابته لسؤال عنه)، وتوفي في موسكو في العام 1990."

والان ثلاثة عقود مرت على اخر يوم من حياة/ رواية غائب الواقعية.. يوم 18 من شهر آب/ أغسطس عام 1990 غاب غائب في غربته في موسكو التي عاش فيها آخر سنوات عمره وكتب فيها كل الروايات التي نصبته واحدا من رواد الرواية العراقية والعربية الفنية الحديثة.

ولد في حي شعبي، وفيه عاش سنواته الأولى التي ظلت منقوشة في ذاكرته، مع ما أحدثته مناخات الحرب العالمية الثانية والحياة السياسية العراقية في تكوين شخصيته الإبداعية والسياسية، والتي نقل أجواءها في استرجاعاته وحنينه الى مرابعه الاولى وحبه للتراث والتاريخ في معظم رواياته. وترك العراق إلى القاهرة وهو ابن عشرين عاما لاستكمال دراسته اللغة الإنجليزية، ليبدأ منها رحلة الغربة والهجرة، وهناك التقى بأعلام الثقافة والأدب وعاش حياة القاهرة الثقافية وابهر في مجالسها، وقبل عودته إلى العراق للعمل في الصحافة والكتابة لرفض تعينه في مؤسسات الحكومة، نشر عددا من القصص القصيرة والمقالات الادبية، عبرت عن تطوره الادبي والفكري، وعكست قدراته وإمكانات بروزه الفني والثقافي. وهو القائل انه من الجيل الذي فتح عينيه والحرب العالمية قائمة بكل ما تحمله من مدلولات، النضال ضد الفاشية والتطلع إلى جلاء الجيوش من بلاده، والاستفادة من الانفتاح العام وفتح نوافذ ثقافية على كل الاتجاهات للنهل منها والاقتناع بالواقعية منهجا وأسلوبا. وبعد مشاركته في عدد من المؤتمرات الثقافية اصدر كتابه السياسي الأول: الحكم الأسود في العراق، فأسقطت عنه جنسيته العراقية، وتوجه إلى الصين، ولكنه عاد منها بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وحين ضاقت به مدينته بغداد هاجر إلى موسكو ليمضي ما تبقى له من العمر ويبدع فيها كل تلك الروايات التي خلدت اسمه ووضعته في مكانته الرائدة.‏

اصدر غائب عام 1954 مجموعته الأولى بعنوان: حصيد الرحى، وتلتها عام 1959 مجموعته الثانية مولود آخر ، وتتالت بعدها رواياته المعروفة: النخلة والجيران، خمسة أصوات، المخاض، القربان، ظلال على النافذة، آلام السيد معروف، المرتجى والمؤجل، المركب. كما ترجم نحو ثلاثين كتابا معظمها قصص وروايات ومقالات للعديد من أعمال رواد وكتاب عظام في الأدب الروسي وغيره إلى العربية. ومن بينها ترجمته لأعمال تورغينيف في خمسة مجلدات، ورواية لتولستوي، ومجموعة قصص لدوستويفسكي، وأعمال شتى لشاعر روسيا الأبرز بوشكين، وغيرها.

عكس غائب في رواياته المجتمع العراقي في مراحل سياسية مهمة في تاريخه، منذ الأربعينات من القرن الماضي، راسما لوحة بانورامية لواقع الطبقات الكادحة في ظروف الاحتلال البريطاني قبل الثورة، ومن ثم الصراعات السياسية بين أحزابها فيما بعد اندلاعها، متعمقا في شخصياتها وأزمنتها ومكانها وظلالها وآلامها وغربتها ومعاناتها وصراعاتها من اجل حياة كريمة وخلاص من القيود والأغلال والاغتراب. حين حولت النخلة والجيران إلى المسرح الفني الحديث في بغداد أصبحت اكثر شعبية وشهرة لاسيما شخصياتها الشعبية التي باتت تتردد أسماؤها على السن الناس وتتناقل حواراتها وتعليقاتها في الشارع العام. مبينا فيها قدرته الفنية والروائية في التعبير عن أبطالها وسرد حياتهم الاجتماعية التي تعكس واقع المجتمع العراقي في تلك الفترة، إلى درجة أصبحت مثار اهتمام واسع بين النقاد والقراء والمشاهدين رغم أنها عن مرحلة زمنية سابقة وظرف تاريخي آخر. قدم غائب فيها صدقا فنيا وجهدا واضحا في بنائها ولغتها وانساقها الفنية. ومثلها انكب الروائي في كتابة الروايات الأخرى بدرجات متوازية معها في السرد والبناء والإبداع.‏

عبّر غائب عن المنفى، في كلمته إلى المؤتمر الذي عقد في تشرين اول/ اكتوبر 1988 في يوغسلافيا تحت عنوان الأدب والمنفى: “ان للمنفى تاريخا طويلا في العراق يعرفه المثقفون العراقيون، ومع تقدم الزمن، وشيوع المفاهيم الديمقراطية، وارتفاع أصوات متزايدة لاحترام حقوق الإنسان صارت اعداد متزايدة على النقيض من روح العصر تجد نفسها مضطرة لمغادرة وطنها، واللجوء إلى أي بلد يؤمن الإقامة لها، حتى شرق المثقفون العراقيون المنفيون وغربوا وهم المعروفون بتعلقهم بأرض وطنهم. والآن لا يكاد يوجد بلد في العالم لا يضم أعدادا منهم..”.

وبحرارة غائب وبصيرته الإبداعية، وهو من أوائل الروائيين المعاصرين المنفيين، وفي تلك الفترة المبكرة نسبيا لاحظ حياة المنفى الحقيقية لأعداد المثقفين العراقيين في المنافي البعيدة عن وطنهم وشعبهم وكتابهم ولغتهم وأحاسيسهم الإبداعية، وتلمس من تجربة طويلة صعوبات المنفى، “حيث تنقطع الصلة بينهم وبين قرائهم ويجدون أنفسهم في أحبولة الاسترخاء، والكسل، ويضطرون إلى ممارسة أعمال بعيدة جدا عن ممارستهم الأصلية، وهي الكتابة والإبداع، والتواصل مع الجمهور الذي تربّوا بين ظهرانيه”. ويتساءل بألم المبدع الكبير: ما أتعس الكاتب الموهوب، حين يترك القلم جانبا، ويرتضي بما يؤمن لقيمة الخبز؟.. ويرد عليه بحرقة: ذلك هو المنفى المزدوج، المنفى السجن/ مسخ النفس، الانطفاء.

ورغم ان الروائي غائب رسم أحزانه في ورقته المتماهية مع موضوع الندوة إلا انه وضع الحقائق المرة عن حالة المنفى القسرية، وحتى الاختيارية للمبدع. وزادها ألما وحزناً انه أرخ للحالة الثقافية الراهنة ولم يستطع تدوينها، حيث مات ودفن في المنفى، ولم يتواصل مع أشقائه في المهنة الصعبة، مهنة الكتابة والحرف المنشور والمقروء، ولم يعرف ان زملاءه المجايلين له إبداعيا قد ساروا على دربه الذي ارتسمه وعانى منه، مثل فؤاد التكرلي أو عبد الرحمن مجيد الربيعي أو محمود سعيد، وان أجيالا جديدة ممن خطو خطواته الفنية تمرنوا كذلك في السير على نهج آلامه ومحنته في الغربة.

اهتمت أوساط ثقافية ومؤسسات أكاديمية بعد وفاته في إعادة البحث والكتابة عنه (اغلبها خارج وطنه)، حيث صدرت دراسات أكاديمية عنه للنقاد والباحثين خالد المصري، وزهير شليبة وفاطمة عيسى وعلي إبراهيم وأسامة غانم، وميساء نبيل، ومقالات ومقابلات عنه ومعه لأحمد النعمان، وزينب باقر جواد. وهناك عدد من الدراسات التي مازالت مخطوطة او انتهت مناقشتها اكاديميا قريبا.. وذكر الدكتور ضياء نافع، أن وزارة الثقافة  أطلقت اسمه على إحدى قاعاتها, زمن الوزير مفيد الجزائري. وان ثلاثة من طلابه كتبوا أطروحات عن ترجماته للأدب الروسي، الأول خلف الموسوي والثاني جاسم الدليمي، والثالث كامل العزاوي” .. كما كتب عنه ابرز الكتاب والنقاد العرب في مناسبات الاحتفاء به وتذكره. مثلما قال عنه غسان كنفاني بانه من احسن من يمسكون القلم، ويضيف له دارسه، ليس من حيث الشكل وحسب، بل من حيث الصيغ الفنية (السرد، الحوار، البناء الدرامي). ومع كل ذلك فان غائب يستحق الاهتمام اكثر بإبداعه وتعريف الأجيال الجديدة من الكتاب والروائيين بدوره ومساهماته الثقافية.

* نقطة حبر: أقوال مأثورة من (الواتس لور)

- اذا اردت النجاح فعليك الالتزام بقاعدة واحدة وأساسية، لا تدع الفاشلين يتحكمون في حياتك.

- ثلاثة لا تقترب منهم ابدا، الحصان من الخلف، والثور من الامام، والجاهل من جميع الاتجاهات.

 

كاظم الموسوي

 

صادق السامرائيالشعراء كتاب التأريخ الحقيقيون الصادقون، ولكي نعرف التأريخ علينا أن نعود إلى ما دونه الشعراء في فترات حياتهم، فقصائدهم فيها إنعكاسات ساطعة لما يحصل في زمانهم ومكانهم.

كنتُ في حوار مع أحد الأصدقاء الضالعين في الدراسات التأريخية وهو بدرجة الأستاذية، أستفهم منه عمّا حل بمدينة عربية من خراب، فأغرقني بأسباب عديدة، فقلت له لكن الشاعر الفلاني قد وصف خرابها بقصائده مما يعني أنها تخربت بعد فترة وجيزة، وهذا لا يتفق والأسباب التي ذكرتها والتي جاءت بعد عدة عقود من وصف الشاعر للخراب، فأنتبه وذكر لي بعض الأبيات التي يحفظها من قصائد شاعرنا الذي وثّق ما حل بالمدينة بوضوح.

وعندما نعود إلى شعراء الأمة الكبار نجد أن قصائدهم مدونات تأريخية ترسم الحال والأحوال بدقة متناهية، فشعراء أمثال أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، الرصافي الزهاوي الجواهري، وغيرهم من شعراء الأمة عبر مسيرتها يكتبون التأريخ بقصائدهم.

وكلما قرأت للجواهري أجده قد كتب تأريخ القرن العشرين ودوّنه في شعره، ولا يوجد أبرع منه في تدوين التأريخ بأحداثه وتطوراته وما جرى في أيامه من مواقف ومنازلات.

فتجد في ما يؤرخه الشعراء رؤى وتصورات ذات قيمة عملية وقدرة على إستجلاء الموقف وتقرير العلاج، لكن معظم ما تمخضت عنه قصائدهم لم يؤخذ بالحسبان.

والواقع يشير إلى أن الشعراء العرب قد تناولوا مشاكل العرب، وتنبؤوا بتداعياتها ووضعوا لها الحلول، وأشاروا بوضوح إلى بيت الداء والدواء.

ولهذا عندما نقرأ أشعارهم تجدنا نقول وكأنهم يكتبون عن أحوالنا المعاصرة، ولكي تبحث عن بلسم لجراح الأمة وعللها، عليك بالرجوع إلى دواوين الشعراء المؤرخين لهمومها!!

ويبدو أن الدراسات التأريخية ستبقى ناقصة وغير وافية إن لم تستعن بما كتبه الشعراء عن الفترة التي يدرسونها ويريدون البحث فيها.

فالشعراء هم أصدق من كتب التأريخ، ومن أمهر الأساة الذين عالجوا وجيع الأمة في مسيرتها المشحونة بالتحديات والأحداث والأزمات.

وإن الشعر تأريخ العرب!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

محسن الاكرمينقد يصيبنا العوز والفقر في التفكير، ولا نقدر البحث عن إجابات مريحة لسؤال: ما معنى الحياة؟ ! ما معنى الحياة بدون علامة استفهام في زمن الحاكم (كويد 19) المستبد، وغيره من حمالة حطب مال الريع، ومن إخوة أبي لهب بالرضاعة في إفساد سياسة الحياة. ما معنى الحياة؟ والحاكم (كوفيد 19) يعدم أنفاسا بالفتك يوميا، ويزيد من ممارسة عنفه الفيزيائي العلني على الأنفس (المقهورة). ما معنى الحياة؟ وقد نستمع إلى موسيقى راقصة على ماء يخت بحر قريب، بالموازاة ونحن في البر نعيش خوف الموت والاختناق الفوضوي. ما معنى الحياة؟ وفينا من يجيد رقصة الذئاب وبلا أنياب مخيفة، وبعيدا عن بر الوباء !!! وتعلن الراقصة جهارا (من حقي نفرح)، إنها الحرية غير المسؤولة في بلاد الذئاب التي تظهر وتختفي. ما معنى الحياة؟ وقد نبني للراقصات صرح الملك سيدنا سليمان من أنياب بقايا سمك متخثّر في التاريخ الماضي، ونهمل توفير حتى سرير تطبيب لمريض منهوك ولا يتنفس، ومقعد تعليم لتلميذ في المغرب العميق.

لن أبحث بالمرة عن تفاصيل (ما معنى الحياة؟) فيما ورد من مطلق أحكام الديانات السماوية، ولا من عموم الفلسفات الدنيوية والفكرية، فهي طبعا يمكن أن تكون إجابات تحمل الثنائية، ويمكن أن تحاصرني بالصمت والتيه، ولا أقدر حينها على الكلام المباح ! لن ألتمس العون لا من رؤى بوذا في فلسفية الحياة، وحجمها الوفير في تخليص البشرية من مشاهد الروتين اليومي، ولما حتى في رقصة (اليوجا الروحية) على متن يخت في زمن استبداد (كورونا) بالأجساد العليلة. لن أطيل كذلك التمعن في قراءة ألواح هرمس فمن سوء ما ورد من نصائحها، تم تسويغ عيش الاستكانة وهرولة المشي التصاقا مع ذوي أعراف البر والبحر.

قد نبتغي تغييرا وثورة على تلك الأفكار التي تبقينا في خانات السلبية (ما فاز إلا النوم)، وانعدام التفكير خارج علبة الصندوق. فمطلب الثورة على تزايد أدراج سلم المعاناة و(الحكرة) وكثرة فجوات الفوارق الاجتماعية، بات مستحضرا في زمن (كورونا) ومن الركائز الأولى لأي نموذج تنموي جديد يجب أن تتصدره علوا ديباجة التمكين (العدالة الاجتماعة) في (معنى الحياة). الثورة على سياسة اليأس والتيئيس التي تصنع التسويفات غير المنتهية في الزمان والمكان. الثورة على الالهاءات المتتالية وصناعة كبسولات (لعب وكول) وتسويق رقصة مع ذئاب البحر، في ظل أزمة (حياة وموت) بالوطن. الثورة على من يستفيد من سياسة القلق المتنامي وقد يصطحبه بالاحتكار والاستغلال نحو صناديق الاقتراع الانتخابي، ويصبح من وجهاء تبّت يدا السياسة، ومن حمالة حطب المال.

لنفكر، بمستويات عليا عند رؤية الإيجاب في (ما معنى الحياة؟)، وبدون محفزات آتية من أحكام التحليل والتحريم، ولا حتى من التأويل. لنفكر، في إزالة التوتر وعلامات المعاناة في إدراك سببية صناعة القهر وحياة المقهور، وهو يختنق حقدا من رقصة الذئاب في البر والبحر. لنفكر، في ردود أفعال رزينة لا تنسينا رقصة البحر ولا ريع كهرباء البرلمان، فالنسيان قد حسّن الأداء الديمقراطي بالمغرب. لنفكر، في حاجاتنا البسيطة، وفي واقع المواطن (المهلوك)، وفي صناعة كرامة استحقاق نقاط عدل تشمل الوطن والمواطن بالتمكين المتوازي، وبلا سجل اجتماعي (بإخراج فلم هندي) يعترف بالفقر ويحصيه بالتنقيط. لنفكر، في تقليل التوتر النفسي والحقد الاجتماعي غير المجدي نفعا للوطن، ونصنع ربح معركة سلمية تجاه قتل الجهل وسياسة (سامحوني) الطبقية. لنفكر،في كيفية الخلاص من بؤرة جائحة الفساد الكبير (حوت البر والرمال والتراب والبحر...) بالموازاة مع جائحة (كورونا) الصغرى التي أفزعتنا حقا وعرت عوراتنا البدينة. لنفكر، في التأسيس لوعي يمتلك آليات التصالح مع الذات والآخر وأرض الوطن (كلنا نتحمل المسؤولية). لنفكر، كيف نتصالح مع أجوبة صادقة عن سؤال (ما معنى الحياة؟)، ومع طبيعة الحياة التي نرتضيها بالجمع لا بالإفراد الطبقي والتمييز الأفقي، حينها ستكون كل الإجابات التي نحصل عليها تتضمن تمكين الكرامة وتحقيق العدل.

 

محسن الأكرمين

 

 

احمد عزت سليميومًا بعد يوم، يتم القصف بالكثير من الرسائل الإعلامية التي نادرًا ما نتوقف عن التفكير في ما يطلبون منا التفكير به أو فعله أو الشعور به، فلقد كتب الكثير عن معايير الجمال غير الواقعية التي تتمسك بها النساء مثل الممثلات والنماذج والشخصيات التلفزيونية وكرقيقة للغاية، مما كان له تأثير ضار على عادات متنوعة حتى الأكل واحترام الذات ولعدد لا يحصى من النساء... لكن في السنوات الأخيرة، لاحظنا شيئًا آخر: ـــ  ظهرت وسائل الإعلام التي تستهدف النساء على نماذج ليست فقط رقيقة جدًا، ولكن أيضًا عضلية ومن أجل ترويج إعلاناتها وتحقيق مكاسب رأسمالية   .

يدرس علماء نفس مشكلات صورة الجسم، بهدف اختبار ما إذا كانت النساء على دراية بهذا الاتجاه - وما إذا كانوا يتطلعون إلى هذا المظهر بأنفسهم ...

نمو فجوة الجسم

حتى الآن، ربما تدرك معظم النساء التناقض بين أجسادهن والنساء النحيفات اللواتي يظهرن على التلفزيون وفي المجلات... وقد تم تحديد هذا التفاوت لأول مرة في دراسة عام 1980 التي قارنت أوزان جسم النساء الأمريكيات العاديات بشخصيات إعلامية بارزة، ومتسابقات ملكة جمال أمريكا والألعاب الجمالية على الإنترنت... ووجد الباحثون أنه بين عامي 1959 و 1978، زاد متوسط أوزان الإناث في عموم السكان، بينما كانت النساء اللواتي يظهرن في وسائل الإعلام في الواقع أرق .

هذا أمر مهم، خاصة بالنسبة للنساء، فإن التعرض لأجسام أنحف يساهم في استياء الجسم، مما قد يؤدي إلى تفاقم مزاجك ويؤدي إلى انخفاض احترام الذات .. أولئك الذين يتطلعون إلى هذا الرقم المثالي يمكن أن ينتهي بهم الأمر في الانخراط في سلوكيات سلبية مثل الأكل أو التطهير التقييدي، وفي دراسة عام 2002، كشف الباحثون النساء في جزيرة فيجي للتلفزيون الغربي .. قبل الدراسة، كان سكان الجزيرة يفضلون الشخصيات النسائية الأكبر، حيث يرونهم علامة على الصحة ..  ولكن بعد إدخال التلفزيون الغربي، وجد الباحثون أن النساء أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات الطعام المضطربة مثل القيء واتباع نظام غذائي مقيد، وكل ذلك في محاولة للظهور بشكل نحيف.

ولادة "النوبة" - ومعيار جديد؟

بينما تواصل الرسائل الإعلامية تشجيع النساء على تغيير أجسادهن، فإن المنصات المستخدمة لاستهلاك وسائل الإعلام تتغير، ففي السنوات الأخيرة، انفجر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي , وفي العديد من هذه المنصات، تستطيع النساء اختيار المحتوى الذي يجب متابعته و "الإعجاب" بمواقع التواصل الاجتماعي، من Facebook إلى Instagram، تأخذ هذه المعلومات وتغذيها في خوارزمية، والتي تؤثر بعد ذلك على المحتوى الذي يتم الإعلان عنه وعرضه للمستخدمين على خلاصاتهم.

أحد الاتجاهات التي اكتسبت قوة الجر هي " النوبة " هذه هي الصور ومقاطع الفيديو التي تصور النساء المنخرطات في التدريبات أو الأوضاع التي تبرز مجموعات عضلية معينة مثل البطن أو الأرداف،في تعزيز العضلات، يبدو أن هذه الصور تعزز ممارسة التمارين الصحية .. لكن تحليلات النص المصاحبة للصور وجدت أنها غالبًا ما تتضمن رسائل تحفز على الشعور بالذنب تركز على صورة الجسم (على سبيل المثال، "قم بامتصاصها الآن، حتى لا تضطر إلى امتصاصها لاحقًا". )

في الواقع، أظهرت إحدى الدراسات أن نسبة ساحقة (72 في المائة) من هذه الوظائف تؤكد المظهر، وليس الصحة (22 في المائة  (وهو مظهر ليس فقط عضليًا، ولكنه أيضًا رفيع.

هل هذا هو المثال الجديد؟

سعت دراسات للإجابة على هذا السؤال

في البداية، قدمت هذه الدراسات 78 مشاركة من الطالبات الجامعيات مع صور للفائزين في مسابقة ملكة جمال الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1999 و 2013،  ولأن الفائزين يتم اختيارهم سنويًا، فإنهم يمثلون تمثيلًا ملائمًا لما يعتبر جذابًا، من أجل الدراسة، تمتصوير الفائزين في المسابقة من العنق إلى الأسفل مرتدين ملابس السباحة السوداء المكونة من قطعتين،  ثم صنف المشاركون كل فائزة على مستوى النحافة والعضلية والجاذبية، أظهرت التقييمات أن الفائزين أصبحوا أكثر نحافة وأكثر قوة على مدى 15 عامًا.

وفي دراسة ثانية، ما إذا كانت النساء قد بدأن يفضلن هذا النوع الرفيع من الجسم.

لذلك قدمت الدراسة 64 مشاركة من الإناث مع نسختين من سبع صور مختلفة، ظهرت نسخة واحدة نموذج عضلي رقيق،  في الجانب الآخر، تمت إزالة النغمة العضلية والتعريف رقميًا، تاركًا النموذج يبدو رفيعًا فقط، شاهد المشاركون هذه الصور واحدًا تلو الآخر بترتيب عشوائي، وطُلب منهم تقييمها على النحافة والعضلية والجاذبية، وتحديد مدى شيوعها في الصور في وسائل الإعلام وقد أظهرت النتائج أنه يمكن للمشاركين اكتشاف الفرق في العضلات بين الصور وتصنيفها جميعًا على أنها نموذجية للصور الإعلامية، ومع ذلك، لم يحددوا بوضوح نوعًا واحدًا من الشكل على أنه أكثر جاذبية من الآخر.

في الجزء الأخير من الدراسة، أظهرت للمشاركين زوج الصور جنبًا إلى جنب وطلب منهم تحديد ما يفضلونه،  عند تقديم الصور بهذا التنسيق، اختار المشاركون بأغلبية ساحقة الصورة الرفيعة والعضلية على الصورة الرفيعة فقط.

آثار حميدة، آثار ضارة

قد تتساءل: ـــ أليس صحيًا أن النساء يفضلن العضلات بشكل متزايد؟

لقد درست الدراسات تأثير عرض الأجسام النحيفة، ووجدت أن لها تأثيرًا سلبيًا على صورة الجسد للمشاهدات. تماما مثل الدراسات السابقة على الصور الإعلامية التي تشجع على النحافة، ورؤية رقيقة، ويمكن للمرأة أن العضلات يؤدي إلى المزاج السلبي و انخفض رضا الجسم ، إن إضافة العضلات إلى النحافة هي التي لها هذا التأثير ؛ إذا رأت النساء نساء أخريات لائقات ولكن غير ضعيفات، فلن نرى نفس التأثير...يبدو كما لو أن البحث عن جسد منغم يضيف شيئًا واحدًا إضافيًا يجب السعي إليه - طبقة أخرى من الضغط على النساء ..: ليس فقط أنهن بحاجة إلى تقييد تناول السعرات الحرارية، ولكنهم بحاجة أيضًا إلى إضافة روتين تمارين لبناء العضلات ...نظرًا لوجود جانب خادع من الخطاب المحيط بـ "النوبة" - مع آثار حميدة على أن الأمر يتعلق بكل بساطة بصحة جيدة - نخشى أن تكون ثقافتنا في خضم ترويج أكثر سمية لجسم أنثوي مثالي لا يؤدي إلا إلى المزيد من عدم الرضا.

 

أحمد عزت سليم

عضواتحاد كتاب مصر

 

حتى تكون كاتبا محترفا صاحب رسالة ولكي تحصل على جمهور مقبول ولا اقول عريضا من القراء الباحثين عن الحقيقة،عليك أن تنهض بذائقة القراء وتسمو بأفكارهم ومفاهيمهم الى أفق أرحب، ولاريب ان مثل ذلكم السمو المشفوع بالرقي بحاجة الى تأثير آسر يشع من بين حروف الكلمات ليسلط الاضواء الكاشفة على النقاط المعتمة بشكل جلي وماتع حتى لايجد القارئ المهتم رغبة بتركه عند المنتصف ومغادرته الى مقال آخر قبل ان يمتع عقله وناظريه ببقية السطور الى نهايتها، وعليك ان تتقمص طريقة تفكير القراء ومشاعرهم فتستشعر وانت تكتب المقال متى يمكن ان تتسلل السآمة الى قلوبهم فيشرعوا بقلب الصفحة، لتفاجئهم بومضة تمنعهم من الرحيل من دون اكمال النص، تهديهم شذرة تعمل كساعة منبه لتنشيطهم وتنبيههم مجددا بغية مواصلة قراءة بقية السطور وصولا الى نهاية المقال كل ذلك بهدف ضمان إيصال الرسالة و" الترياق الناجع " المراد ايصاله لهم على الوجه الأمثل ولكبح جماح " السم الناقع " وإزالته من عقولهم واجسادهم التي سبق وان لدغتهم بها مقالات مضادة كتبت بأقلام اصحاب النوايا والافكار والطروحات والرسائل السامة !

ولا أكتمكم سرا لقد وجدت ومن خلال كتابة المقالات وقراءة وتحريرالكثير منها لبقية الزملاء والكتاب الاحبة بحكم عملي الصحفي الاتي:

* المقال الذي يتضمن قصة واقعية مؤثرة لها علاقة وطيدة بمضمون المقال سواء اكانت مستلة من الماضي البعيد والقريب أم من الحاضر المنظور لها دور كبير في التأثير على المتلقي حتى أنه ليجد فيها متعته الكبيرة احيانا، وضالته أحايين وبالاخص تلك التي تخالف مألوفهم المشوه مثال على ذلك، ان" تأتي على بيان حقيقة ابو زيد الهلالي وبيان كيف أنه كان اداة قومية وطائفية بيد حكام ما للقضاء على خصومهم من الطوائف والقوميات الاخرى في شمال افريقيا، كذلك فضح شخصية روبن هود وهو فارس صليبي تلوث سيفه وقوسه ونشابه بدماء المسلمين في الحروب الصليبية بخلاف ما يروج له من أنه نصير للضعفاء والمظلومين، كل ذلك في معرض حديثك عن الشجاعة والبطولة والفروسية الحقيقة والمزيفة" فهذه لها دور كبير جدا في التأثير فضلا عن تصحيح المفاهيم .

* المقال الذي يتضمن مثلا عربيا أو أكثر من امثال العرب الاصيلة له دور في التأثير لاسيما اذا ما رافق المثل شرح عارض في سياق النص وليس خارجه، لتثقيف القراء بتراثهم، على أن يكون له علاقة بالمضمون كليا ولايغرد خارج سربه بتاتا نحو " جنت على نفسها براقش " و " اشأم من طويس " و " أشأم من خبز الحولاء " و" دقوا بينهم عطر منشم " و " رمتني بدائها وانسلت " و" تجوع الحرة ولا تأكل بثديها " و " سبق السيف العذل " و " بلغ السيل الزبى " و " اذا كنت كذوبا فكن ذكورا " و " يكاد المريب يقول خذوني " و " خلا لك الجو فبيضي واصفري " و " هزلت وسامها كل مفلس " و" ماهكذا تورد الابل يا سعد " ولطالما كتب المثل الاخير واستشهد به بالمقلوب فيكتبون " ماهكذا تورد يا سعد الابل " و " كمجير ام عامر " وغيرها الكثير فمن شأن تلكم الامثال بما تضمه بين حناياها من مثل وقيم أصيلة ولكل مثل منها قصة تناقتلها الاجيال كابرا عن كابر أن تختصر عليك الكثير من الكلمات وتختزل لك الكثير من السطور لتفسح لك المجال واسعا للتفرغ لغيرها بغية إيصال الفكرة المنشودة كما ينبغي لها ان تصل الى القراء .

* ابيات الحكمة ولكل بيت منها شاعر ومناسبة وقصة ماتعة نحو "المُستجيرُ بعمروٍ عِندَ كَربَتِهِ. كالمُستَجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنارِ" و " ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ" و " "لسانك لا تذكر به عورة امرئ.. فكلك عورات وللناس ألسن" و " فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً حَفِظتَ شَيئاً وَغابَت عَنكَ أَشياءُ"، و " تَبغي النَجاةَ وَلَم تَسلُك مسالكها.. إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ" و " أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة.. ربداء تجفل من صفير الصافرِ" و " لا تأسفن على غدر الزمان لطالما.. رقصت على جثث الأسود كلاب" وهكذا من ابيات الحكمة التي تستهوي القراء وتأسرهم لتكون بمثابة جسر بإيصال الفكرة اليهم .

* الامثال الشعبية العربية المناسبة للنص محببة جدا نحو الامثال الشامية : " يلي مالو بنات ما حدا بيعرف امتى مات، " إذا بدك يكبر همك خود واحدة قد أمك"، " الحظ لما بيواتي بيساوي الاعمى ساعاتي"... ونحو الامثال العراقية " من قلة الخيل شدوا على الكلاب سروج "، " الما يعرف تدابيره حنطته تاكل شعيره "، " دخانكم عمانا وطبيخكم ما اجانا " ...ونحو الامثال المصرية " أقلب القدرة على فُمها تطلع البنت لأمها"، " اخرة خدمة الغُز علقة "، "أبوك البصل وأمك التوم، منين لك الريحة الحلوة يا مشؤوم." وغيرها الاف مؤلفة من الامثال الشعبية لكل بلد عربي، بعضها يتشابه بالمضمون ويختلف بالمنطوق، وكثير منها يتشابه بالمنطوق والمضمون الا انه يختلف باللفظ الدارج بحسب اللهجات المحلية .

* ما يصدق على الاشعار والامثال الشعبية والعربية الفصحى يصدق ولا شك على الحكم العربية الفصحى والشعبية نحو " انا أدعي على ابني آه، بس اكره ليقول آمين "، " طعن اللسان كوخز السنان"، " لا تكن صلباً فتكسر ولا لينا فتعصر" ونحوها .

وبناء على كل ما تقدم انصح من اراد ان يكون كاتبا محترفا ان يحفظ عن ظهر قلب اكبر قدر ممكن من الامثال والحكم والابيات الشعرية الحكيمة " الفصحى منها والشعبية " وان يكون قارئا نهما لأبرز واغرب احداث التأريخ بهدف استدعائها الى الذهن لحظة الحاجة لها بإلحاح لتنساب مع القلم الى الورق ساعة امتطائك صهوة قلمك لتشق غبار الكلمات فتحدث عصفا ذهنيا ووجدانيا مناسبا للمتلقي تجعله عاشقا لما تكتب من غير اطالة مملة ولا اختزال مخل وانما الميل الى التوسط والاعتدال بينهما وخير الامور على الدوام اوسطها، ذاك ان الوسط وكما تعلمون هو على الدوام " فضيلة بين رذيلتين " .

 

احمد الحاج

 

يسري عبد الغنيفرجيل شاعر روماني شهير، نظم ذات مرة قصيدة موجهة إلى صديقه إسينيوس بوليو، تنبأ فيها بمولد طفل سيكون له شأن عظيم في إدخال عهد جديد من السلام والازدهار في ربوع العالم، ولما كانت تلك القصيدة قد نظمت قبل ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) بحوالي أربعين سنة، فإن المسيحيين الأوائل اعتبروا فرجيل رجلاً متنبئًا، لأنه تمكن من التنبؤ بميلاد السيد المسيح .

وقد زاد من هذه الشهرة أن والدة فرجيل وكانت تدعى ماجيا، وهي كلمة مشتقة من اللاتينية ماجوس، ومعناها الساحر أو الساحرة، أما اليوم فلا يظن أحد أن فرجيل كان ساحرًا، إلا أن شهرته كواحد من أعظم شعراء أللاتينية قد زادت ونمت .

فرجيل الذي اعتبره الشاعر الايطالي / دانتي صاحب (الكوميديا الإلهية)، آخر عظماء الشعر الوثنيين، وقد اختاره دليلاً في كتابه (الجحيم والمطهر)، عندما قام بالرحلة التي تخيلها إلى العالم الآخر، وبالطبع لم يكن من الممكن اصطحاب فرجيل إلى الجنة لأنه لم يعمد أو لم يدخل الديانة المسيحية!!!.

ولد بابليوس فرجيليوس مارو، يوم 15 من أكتوبر عام 70 ق . م، وهي قرية صغيرة قريبة من مانتوا التي تقع في وادي نهر ألبو في شمال إيطاليا، كان والده مزارعًا بسيطًا، وقد عاش فرجيل في الريف الإيطالي حتى الثانية عشرة من عمره، فنشأ شديد الحب للريف، وقد ظهر أثر ذلك جليًا فيما بعد في الكثير من أشعاره التي تغنى فيها بجمال المناظر الريفية .

وبدأ فرجيل دراسته في كريمونا، وعندما بلغ سن السادسة عشرة أرسل إلى ميلانو، فمكث بها عامًا ثم انتقل إلى روما، حيث التحق بإحدى مدارس أدب اللغة، وبجوار ذلك درس الطب والفلك، كما أنه حاول أن يعمل في مهنة المحاماة، ولكن من الواضح أن هذه المهنة لم تكن تناسب طبيعته التي كانت تتميز بالخجل وغرابة الأطوار، والواقع أنه لم يظهر في المحكمة سوى مرة واحدة، ويبدو أنه خسر القضية التي كان يترافع فيها، فكان ذلك سببًا في أنه غير خططه وعاد إلى مسقط رأسه شاعرًا بالخيبة والمرارة .

لم تكن حالة شاعرنا الصحية تتحمل الإرهاق، ولهذا نجد أنه لم يشترك في الحياة العامة، سواء كجندي أو كسياسي، ومع ذلك فإن الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين أغسطس و بروتس، على أثر مقتل يوليوس قيصر، كانت سببًا في إلحاق الأذى به، ذلك أن أغسطس أراد أن يكافئ  جنوده المخلصين، فأمر بمصادرة بعض الأراضي في منطقتي كريمونا و مانتوا ووزعها عليهم، وكانت مزرعة فرجيل من بينها، فصودرت ظلمًا وعدوانًا وطرد هو وأسرته منها، وعلى ذلك اتجه مرة ثانية إلى روما، ولكنه في هذه المرة كان أسعد حظًا من سابقتها .

كانت العاصمة روما تمر بفترة سلام وازدهار، وكان الإمبراطور أغسطس، تدليلاً منه على إحلال السلام، قد أمر بإغلاق أبواب معبد جانوس، التي لم تكن تفتح إلا في حالة الحرب، كما أن النمو التجاري قد أضفى على المدينة المزيد من الثراء، فازدهرت الآداب والعلوم والفنون، وأقيمت أقواس النصر، وشقت القنوات، وشيدت المسارح التي لا يزال الكثير منها باقيًا إلى يومنا هذا .

وكان مايكناس، أحد نبلاء الرومان في ذلك الوقت، مشهورًا برعاية الشعراء والفنانين، ومن بينهم هوراس الشاعر الروماني الأشهر، وقد أصبح مايكناس وأغسطس راعيين لفرجيل، ومنذ ذلك الوقت أخذ فرجيل يقسم وقته بين روما ونابولي، وأصبح شاعر العهد الجديد الذي كان الإمبراطور / أغسطس قد شرع في إقامته .

لقد كان فرجيل يستلهم أشعاره بصفة خاصة من الريف، وكانت باكورة أعماله ديوانه عن الزراعة، ومجموعة أشعاره الرعوية، وفيها يصف الحياة الآمنة في الريف، كما يصف مختلف أنواع الزراعة، وقد نظم تلك القصائد بناءًا على اقتراح أغسطس، الذي كان يرغب في تنمية حب الريف في قلوب الرومان، الذين جعلهم الثراء يحتقرون أعمال الفلاحة الشاقة، وقد استغرق فرجيل في نظم هذه الأشعار وتنقيحها قرابة سبع سنوات، فقد كان يقرض الشعر بتؤدة، فيكتب أبيات في الصباح، ويقضي باقي اليوم في صقلها وتصحيحها وتجويدها .

وقد أمضى فرجيل السنوات العشرة الأخيرة من حياته في تأليف أشهر أعماله وهي (الإنياذة)، التي حيى فيها تاريخ الرومان وعظمتهم، من خلال أسطورة آينياس القائد الطروادي، الذي يقال أنه كان مؤسس الشعب الروماني أو الجد الأكبر للرومان، وقد أصبحت الإنياذة مصدر جميع المعارف للشعب الروماني، بل يعتبرها البعض من كتب التنبؤات، وقد كان الرومان يعتقدون أن الصفحة التي يفتح عندها الكتاب بطريقة عشوائية أو عن طريق المصادفة، تشتمل على النبأ المرتقب، والنصيحة المنشودة .

حل المرض بفرجيل، كان ذلك خلال رحلة يقوم بها للشرق، كان يأمل من خلالها أن يتم ملحمة الإنياذة، وفي أثناء رحلة العودة اشتد عليه المرض، وما أن وصل إلى برنديزي، التي كانت لا تزال ميناء إيطاليا الرئيسية لليونان، حتى شعر بدنو أجله، وكان يحمل معه مخطوطات الإنياذة التي كانت لا تزال في حاجة للمراجعة والتصحيح والصقل .

وقد آثر الشاعر فرجيل ألا تنشر إحدى مؤلفاته بالحالة التي كان يعتبرها غير كاملة، فأوصى بأن تحرق الإنياذة بعد وفاته .

كانت وفاة فرجيل في العشرين من شهر سبتمبر عام 19 ق . م بالقرب من نابولي على طريق أصبح اليوم مغمورًا بمياه البحر، وقد أمر الإمبراطور /  أغسطس بعدم تنفيذ وصية الشاعر فرجيل، والتي طالب فيها بحرق الإنياذة، وبذلك احتفظ لنا بإحدى روائع الشعر في جميع العصور .

وعلى قبر فرجيل توجد بعض أبيات من الشعر يقال أن فرجيل نفسه هو الذي كتبها، وضمنها ملخصًا لتاريخ حياته وأعماله: " لقد ولدت في مانتوا، ومت في كالابريا، والآن تحتضني نابولي "، ويقول أيضًا: " لقد قلت الشعر في الرعاة، وفي الزراعة، وفي الأبطال " .

وتحتفظ المتاحف الإيطالية بمجموعة رسومات معبرة، نجد فيها فرجيل وهو يقرأ على مايكيناس بعض الأشعار الرعوية، ونرى أيضًا الإمبراطور / أغسطس يحول بأوامره دون حرق مخطوطات الإنياذة مخالفًا بذلك وصية فرجيل .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ضياء نافعمجلة (روسكايا  ليتيراتورا) (الادب الروسي) الروسية تصدر منذ عام 1958 ولحد الان، اي ان عمرها في هذا العام (2020) قد بلغ (62) سنة باكملها، ولم تتوقف طوال هذه الفترة عن الصدور، وهي واحدة من المجلات المعتمدة علميا في مجال الادب الروسي وتاريخه . يصدر المجلة معهد الادب الروسي في بطرسبورغ (والذي يسمى ايضا بيت بوشكين) التابع لاكاديمية العلوم الروسية، وهذا ما يميّزها عن المجلات الادبية الاخرى، التي تصدر في روسيا، اذ انها المجلة الوحيدة ذات الصفتين – الصفة الاكاديمية الصرفة باعتبارها لسان حال معهد الادب الروسي في اكاديمية العلوم الروسية، وثانيا - الصفة الجماهيرية الواسعة الانتشار بين القراء في آن واحد.

المجلة فصلية، اي تصدر اربع مرات في السنة، ولهذا فانها (لا تلهث!) وراء الاحداث السريعة في الحياة الثقافية مثل المجلات الادبية الشهرية، وهي صفة واضحة المعالم على صفحاتها، صفة جعلتها مجلة اكاديمية متأنية جدا وبكل معنى الكلمة، رغم انها تواظب على (التزاحم) مع المجلات الادبية الروسية الاخرى اربع مرّات سنويا، وهي سمة تفتقدها المجلات الاكاديمية عادة، التي غالبا ما تكون محصورة باوساط المتخصصين ليس الا، اذ ان هذه المجلات لا تصدر بشكل فصلي، وانما تكون سنوية في الغالب او نصف سنوية في احسن الاحوال، وهي مجلات (شبه محنّطة) كما يسميها البعض، ورغم ان هذه التسمية – من وجهة نظرنا - متطرفة جدا وغير موضوعية جدا و قاسية و حتى لئيمة الى حد ما، الا ان تلك المجلات فعلا لا تمتلك جمهورها الواسع من القراء واقعيا، وانما تستخدم لاغراض الترقيات العلمية بالاساس للعاملين في الاوساط الاكاديمية، ولا تتعدى حدود تلك المؤسسات واللجان المختصة بتلك الترقيات في هذه المؤسسات . وباختصار، فان مجلة (الادب الروسي) تتضمن فعلا السمتين (وكما أشرنا اعلاه)، السمة الاكاديمية البحتة، والسمة الآخرى الخاصة بالمجلات التي ينتظرها القراء للتمتع بها والاستفادة منها، وليس من باب الصدفة ابدا، ان هذه المجلة تتفاخر باشتراك جامعات ومكتبات عامة بها من(34) بلدا في العالم خارج روسيا، حيث توجد في جامعاتها اقسام علمية خاصة بدراسة  الادب الروسي ومتابعته، وعدد الاشتراكات هذه يستحق الفخر والاعتزاز  فعلا .

تتناول المجلة كل مراحل الادب الروسي قاطبة بالدراسة والتحليل ابتداء من تراثه الشفاهي وعبر الادب الروسي القديم وصولا الى القرن الثامن عشر، ثم تألق هذا الادب ونضوجه في القرن التاسع عشر وحتى يومنا الحالي في القرن الحادي والعشرين، اي انها مجلة شاملة  لدراسة الادب الروسي باكمله، ويذكرني نهج هذه المجلة ببرنامج دراستنا للادب الروسي في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، اذ اننا درسنا ايضا الادب الروسي الشفاهي (الفلكلور) اولا، ثم الادب الروسي القديم وصولا الى ادب القرن الثامن عشر، ثم تتوقف المناهج بتفصيل اكثر عند دراسة ادب القرن التاسع عشر، الذي يقسم الى قسمين، يدرس القسم الاول ادباء النصف الاول من القرن، ويتناول القسم الثاني ادباء النصف الثاني، ثم ادب القرن العشرين والذي يقسم ايضا الى قبل ثورة اكتوبر وبعدها، ولازال هذا النهج الاكاديمي العلمي سائدا رغم كل التغيّرات الجذرية المعروفة التي حدثت في مسيرة روسيا .

  أصدر معهد الادب الروسي في اكاديمية العلوم الروسية اليكترونيا كل اعداد هذه المجلة منذ صدورها عام 1958 ولحد عام 2017، وهو عمل علمي هائل يعزز عملية البحث العلمي في مجال الادب الروسي وتاريخه الطويل، ويجعل هذه الاعداد بمتناول الجميع، وقد اطلعت عليه وادهشني فعلا، وكم كنت اتمنى – وانا أقرأ محتويات تلك المجلة الغنيّة ببحوثها الشاملة العميقة – ان أجد يوما اعمالا مماثلة لاصداراتنا ومجلاتنا، اذ ان كل المحاولات التي لدينا لحد الان في هذا المجال مبتورة او مشوشة، لانها محاولات فردية بشكل او بآخر، ولم تخضع لضوابط صارمة ودقيقة من قبل مؤسسات علمية رصينة، والحديث عن ضياع تراثنا الفكري وجهود المؤلفين العراقيين الذين ساهموا في تلك المجلات يثير الشجون طبعا .

اختتم مقالتي عن مجلة الادب الروسي بالاشارة، الى ان المجلة طوال هذا الستين سنة واكثر من مسيرتها كانت برئاسة تحرير اربع اشخاص فقط لا غير، وكل رؤساء التحرير هؤلاء كانوا من العلماء المتميّزين في مجال اختصاصهم، وهو علم اللغة الروسية وآدابها (الفيلولوجيا الروسية)، وهم من الحاصلين طبعا على اعلى الشهادات العلمية في اختصاصهم واعضاء في اكاديمية العلوم الروسية، وكانت هناك دائما في هيئة التحرير مجموعة واسعة من الباحثين الموهوبين المتخصصين، الذين يحملون ايضا شهادات علمية رفيعة، ويعملون في مجال تخصصهم العلمي الدقيق حصرا .  

تحية اعجاب واحترام وتقدير لمجلة روسكايا ليتيراتورا (الادب الروسي) وهيئة تحريرها ولمعهد الادب الروسي (بيت بوشكين) في اكاديمية العلوم الروسية، الذي يصدرها منذ عام  1958 ولحد الان.

 

أ.د. ضياء نافع