ناجي ظاهرمن الملاحظ ان الكثير من الاخوة المبتدئين خاصة في عالمي الفن التشكيلي والادب، عادة ما يفتتحون مسيرتهم "الإبداعية"، بالنقل الفوتوغرافي عن الواقع فيما يضعونه من رسومات، او بالكتابة عن احداث سبق وعاشوها، فنراهم يقومون بتسجيلها كما وقعت، ويغيب عن هؤلاء وأولئك، ان مهمة النقل عن الواقع هي من شأن المصور الفوتوغرافي، وان الكتابة الواقعية بشكلها المباشر، وكما وقعت، هي من مهمات الصحفي وليس الكاتب الاديب.

لا شك في ان الحالة الإبداعية في الفن التشكيلي والادبي، تتقاطع مع الواقع، لكنها لا تنقله نقلا مباشرا وانما هي تُعمل فيه يد الخيال، وعليه نلاحظ ان الفنان التشكيلي انما يقوم برسم أشياء من الواقع، لكن ليس كما هي، وانما كما يراها بحساسيته المفرطة وكما يشعر بها، اما في المجال الادبي، فان الكاتب الاديب المبدع انما يفكك الواقع ويقوم بإعادة صياغته عبر وجهة نظر ورؤية تضيف الى الحياة ولا تنقلها بصورتها المرئية والمعيشة.

صحيح ان النقل الفوتوغرافي في الفن التشكيلي وفي الكتابة الإبداعية، له أهميته الكامنة فيه، من ناحية البراعة باستعمال التقنيات، في الفن القدرة على استعمال الالوان، وفي الكتابة القدرة على السرد مثلا، الا ان هذا كله لا يجعل من العمل المنفذ، عملا فنيا جديرا بهذه الصفة. ما يجعل العمل الفني عملا ابداعيا بإجماع نقدي واسع هو التجربة، وهنا اشير الى ما ذكره الكاتب ليون ايديل في كتابه "القصة السيكولوجية - دراسة في علاقة علم النفس بفن القصة"، (صدر عن منشورات المكتبة الأهلية  في بيروت عام 1959، ضمن مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر). بترجمة  الكاتب المرحوم الدكتور محمود السمرة، اشير الى ما ذكره ايديل حول التجربة التي ميزت الابداع الادبي الروائي للكاتب الروسي ليو تولستوي. يتساءل ايديل بعد تقديمه مقطعا من رواية "الحرب والسلام" لليو تولستوي، ما الذي يجعل هذا المقطع ابداعا ادبيا؟ يختلف عن غيره من النصوص الوفيرة التي كتبها جنود في مذكراتهم عما عاشوه وعايشوه أيام الحرب، ويجيب انه يختلف بالتجربة الشاملة التي يقدمها لحالة الحرب.

بعيدا عن البراعة في توظيف التقنيات في الفن التشكيل، مع أهميتها النسبية، بإمكاننا ان نتساءل، إذا كان بإمكان الكاميرا ان تنقل الواقع كما هو، لماذا يُجهد "الرسام"، نفسه في نقله؟ ولماذا يبذل كل هذا الجهد المجاني؟ أضف الى هذا انه مهما بلغ من براعة لن يتمكن من الدخول في منافسة معروفة النتيجة مع الكاميرا؟ بناء على هذا أقول انه إذا كان بإمكان الكاميرا التقاط الواقع بحذافيره الصغيرة وربما تلك التي قد تغيب عن العين المتفحصة، فلماذا نقوم بالرسم أساسا؟ من اجل افحام الآخرين واقناعهم باننا متمكنون من الرسم؟ وهل هذه رسالة.. ام مماحكة عبثية.. لا قيمة لها.

فيما يتعلق بالواقعية في المجال الادبي، يمكنني الإشارة الى كتاب اراه هاما في هذا المجال للكاتب محيي الدين صبحي عنوانه" دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي"، صدر في بيروت عام  1980، يرى فيه ان تبني العديد من كتابنا العرب للواقعية في الخمسينيات والستينيات تحديدا، حرم ادبنا العرب ظهور رواية مثل " روبنسون كروزو"، للكاتب الإنجليزي دانيال ديفو وحدد من جموح الخيال في العديد من الاعمال التي نقلت الواقع نقلا فوتوغرافيا باسم الواقعية.

مجمل القول..، الواقع هو المادة الأولية الخام للإبداع الفني والادبي، وغيرهما من الابداعات الإنسانية، الا ان الخيال هو الاب الشرعي للإبداع.. ولا ابداع بلا خيال.

 

ناجي ظاهر

 

 

محمود محمد عليإن فكرة عاصمة الثقافة العربية هي فكرة استحدثها اليونسكو من خلال المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة وذلك على غرار عاصمة الثقافة الأوروبية، حيث شرع في تطبيق فكرة عاصمة الثقافية العربية سنة 1996، وجاء ذلك بناءً على اقتراح للمجموعة العربية في اليونسكو خلال اجتماع اللجنة الدولية الحكومية العشرية العالمية للتنمية الثقافية (باريس ما بين 3 و7 يناير 1995) .

وتستند الفكرة إلى أن الثقافة هي عنصر مهم في حياة المجتمع ومحور من محاور التنمية الشاملة. وتهدف إلى تنشيط المبادرات الخلاقة وتنمية الرصيد الثقافي والمخزون الفكري والحضاري، وذلك عبر إبراز القيمة الحضارية للمدينة المستضيفة لفعاليات تظاهرة عاصمة الثقافية وتنمية ما تقوم به من دور رئيسي في دعم الابداع الفكري والثقافي تعميقاً للحوار الثقافي والانفتاح على ثقافات وحضارات الشعوب وتعزيز القيم، التفاهم والتآخي، التسامح واحترام الخصوصية الثقافية.

إن برنامج عواصم الثقافة الإسلامية يهدف إلى توطيد أواصر العلاقات بين الشعوب التى تتشارك فى الكثير من المفردات والعناصر من خلال إقامة حوار إبداعى بينها وتعزيز مجالات التواصل الفكرى بين إبناء الأمة الإسلامية، ويعمل على إبراز مضامين التراث الزاخر بالمفاهيم التى تدعو إلى التسامح والتعايش أمام العالم وتقديم صورة حقيقية عن الحضارة الإسلامية العريقة.

وبرنامج عاصمة الثقافة الإسلامية يسند سنويا إلى ثلاث مدن إسلامية عريقة واحدة عن كل من المناطق الإسلامية الثلاث: العالم العربي وأفريقيا وآسيا، تضاف إليها العاصمة التي تستضيف المؤتمر الإسلامي لوزراء الثقافة الذي ينعقد كل عامين  وتمتد الاحتفالات والتظاهرات على سنة كاملة، وتم توقيع الاتفاق على اقامة هذه التظاهرة منذ عام 2001 مع انعقاد المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء الثقافة وتم اعتماده في المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة الذي انعقد في الجزائر عام 2004، وحملت مكة المكرمة اللقب الاول عام 2005 ثم تداولت المدن الاسلامية اللقب وعلى التوالى انتقل الى حلب (سوريا)، فاس (المغرب)، الاسكندرية (مصر)، القيروان (تونس)، تريم (اليمن)، تلمسان (الجزائر)، النجف (العراق) المدينة المنورة (السعودية)، الشارقة (الامارات)، نزوى (سلطنة عمان)، الكويت (الكويت)، عمان (الاردن)، المنامة (البحرين)، تونس (تونس) حتى وصلت الى القاهرة عام 2020 الذى اختارت منظمة الايسيسكو خلاله ايضا العاصمة الأوزبكية بوخارى عاصمة الثقافة الاسلامية فى المنطقة الآسيوية وباماكو بجمهورية مالى فى أفريقيا.

وتتمثل أهداف برنامج عاصمة الثقافة الإسلامية، فيما يلي :

1- نشر الثقافة الإسلامية وتجديد مضامينها وإنعاش رسالتها وتخليد الأمجاد الثقافية والحضارية للمدن التي تختار كعواصم ثقافية إسلامية بالنظر لما قامت به في خدمة الثقافة والآداب والفنون والعلوم والمعارف الإسلامية.

2- تقديم الصورة الحقيقية للحضارة الإسلامية ذات المنزع الإنساني إلى العالم أجمع من خلال إبراز المضامين الثقافية والقيم الإنسانية لهذه الحضارة

4- تعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات وإشاعة قيم التعايش والتفاهم بين الشعوب في هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها عالمنا اليوم وتستدعي من المجتمع الدولي تضافر الجهود جميعاً على شتى المستويات من أجل إنقاذ الإنسانية مما يتهددها من مخاطر جمة.

مبادرة

وخلال الأيام الماضية تسلمت مصر شعلة تنصيب القاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية خلال عام 2020، خلفاً للعاصمة التونسية، وذلك فى الاحتفال الذى أقامته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بمدينة الثقافة فى تونس.

إن اختيار القاهرة عاصمة للثقافة الاسلامية عام 2020 يؤكد مكانة مصر فى قلب العالم الإسلامي باعتبارها ملتقى للثقافات على مر العصور، وقد  قامت وزارة الثقافة المصرية بإعداد برنامج أنشطة متنوع للاحتفال بهذه المناسبة تشارك فيه جميع الهيئات والقطاعات ويتضمن العديد من الفعاليات التى تعكس جانباً من شخصية الثقافة المصرية المتفردة .

وتعدّ مدينة القاهرة التاريخية من أهم المدن التراثية وأكبرها في العالم؛ وهي تضم عدداً كبيراً من الآثار والمباني التاريخية، بما يعبر عن تاريخ القاهرة الطويل بصفتها عاصمة سياسية وثقافية وتجارية كبيرة ورائدة في الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط.

وقد أدى موقع القاهرة الاستراتيجي على حافة الدلتا بين نهر النيل شرقاً، وجبل المقطم غرباً، إلى التفاعل البشري المستمر مع الموقع، وكانت الفترة منذ القرن التاسع إلى الخامس عشر – المعروفة أيضاً بعصر النهضة الإسلامية – عصراً ذهبياً للمدينة، عندما كان للرواد من العلماء والأطباء والفلكيين وعلماء الدين والكُتاب تأثير قوي ومكانة كبيرة امتدت لما يتجاوز حدود العالم الإسلامي.

والعاصمة المصرية القاهرة، تعد نموذجاً متميزاً للمعمار الإسلامي؛ حيث تضم كثيراً من النماذج المعمارية الفريدة، من عصور الأمويين والطولونيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، ونظراً لوفرة وثراء هذا المعمار الذي يزين القاهرة، فقد عرفها العلماء والمؤرخون والجمهور باسم «مدينة الألف مئذنة».

كما أن اختيار القاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية 2020 لا يقل أهمية عن اختيار الأقصر عاصمة الثقافة العربية لعام 2017، فلهذا نتوقع من وزارة الثقافة بأنها تستعد ببرنامج ثقافى ضخم فى قلب القاهرة، يهدف إلى نشر الثقافة الإسلامية وتجديد مضامينها وإنعاش رسالتها وتخليد الأمجاد الثقافية والحضارية للمدينة لما قامت به فى خدمة الثقافة والآداب والفنون والعلوم والمعارف الإسلامية، لذا نتوقع وجود عدد من المؤتمرات المهمة عن تاريخ مصر الإسلامى ودور المدينة فى حماية التراث، كما نتوقع إقامة العديد من حفلات دينية، ودعوة وفود وفرق موسيقى إسلامية من الدول المختلفة، إضافة إلى إصدار عدد كبير من الكتب التى تحاكى تاريخ القاهرة الإسلامى وذلك حسب قول أحمد إبراهيم الشريف في مقاله باليوم السابع عن القاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية 2020 .

أعود وأكرر بأن اختيار القاهرة عاصمة للثقافة الاسلامية عام 2020 يؤكد مكانة مصر فى قلب العالم الإسلامي باعتبارها ملتقى للثقافات على مر العصور؛ فمصر هي مهد وأرض الحضارات؛ ففي مصر ولد التاريخ والحضارة البشرية منذ آلاف السنين، وكما قال المؤرّخ اليوناني هيرودت بمقولته الشهيرة مصر هي هبة النيل، نعم فأصل وجودها هو نهر النيل وعزيمة وحب أولادها لتلك الأرض التي وهبتهم المعنى الحقيقي للحياة منذ قديم الزّمان فتلك الأرض العظيمة هي أرض الحضارة والتّاريخ العريق، فهي الأرض التي قامت عليها حضارة من أعظم الحضارات التي مرّت على تاريخ البشريّة ألا وهي الحضارة الفرعونيّة القديمة والتي لا تزال آثارها شامخة حتى الآن تشهد عن عظمة المصريّين القدماء التي تحدّت كل الصّعاب وظلّت صامدة في وجه الزّمان وتقلباته.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – والحكيم يمكن ان يخطأ .

التعليق – والمثل الياباني يقول – والقرد يمكن ان يسقط من الشجرة . هناك أمثال كثيرة لدى مختلف الشعوب حول هذه الحالة  الانسانية الاعتيادية في الجياة البشرية في كل مكان، ولنتذكر مثلنا العربي الشهير - لكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة . آه من الانسان المغرور والجاهل، الذي لا يفهم هذه الحقائق الدامغة والطبيعية جدا في مسيرة حياتنا ولا يعترف بها .

**

الترجمة الحرفية – عندما تظهر عند القطط  قرون .

التعليق –  المثل العراقي المناظر لهذا المثل الاندونيسي هو-  من يبيض الديج (من بكسر الميم – عندما، الديج – الديك). المبالغة الخيالية الهائلة ضرورية في تلك الامثال التي تعني الاستحالة، وذلك كي توصل الفكرة مثل الومضة الساطعة الى المتلقّي ...

**

الترجمة الحرفية – الذي يتكلم أفضل – هو الذي ينتصر.

التعليق – تسود الحرب الاعلامية في عالمنا ومنذ زمن بعيد، والمتحاربون يطلقون على بعضهم البعض (اشاعات متنوعة بدلا من الاطلاقات النارية !!!). يقول المثل الروسي – الكلمة ليست سهما، لكنها تتوجه نحو القلب .

**

الترجمة الحرفية – بالكاد تسلّق الجبل، واذا هناك جبل آخر .

التعليق – الصورة الفنية في هذا المثل الاندونيسي جميلة ورمزية ومعبّرة جدا عن طبيعة الحياة وديمومة صعوباتها، وتذكّرنا طبعا بكلمات المعرّي الخالدة – تعب كلها الحياة فما أعجب الا .....

**

الترجمة الحرفية – والملعقة الكبيرة دون طعام لا تشبع .

التعليق – المضمون هو المهم وليس الشكل في الحياة اليومية للانسان، الذي يحتاج الى الطعام كي يشبع، وهي الحاجة الاولى لكل البشر. هناك مثل ياباني طريف جدا وحقيقي جدا يقول – الحاجة للطعام أقوى من الحب .

**

الترجمة الحرفية – عندما تعبر الابرة، يعبر الخيط .

التعليق – يصوّر هذا المثل الارتباط العضوي بين شيئين متلازمين لا يمكن الفصل بينهما، كالنار والدخان مثلا . الصورة الفنية في هذا المثل الاندونيسي مبتكرة فعلا .

**

الترجمة الحرفية – الماء العكر لا يجري من بحيرة صافية .

التعليق – يؤكد هذا المثل على (الاصل)، اذ هو الذي يحدد الامور لاحقا . مثل حاذق جدا، ومن الواضح ان المثل يدور حول الانسان (العكر)،لأن ( منبعه عكر)، وبالتالي، سيكون دوره (عكر) في المجتمع  .

**

الترجمة الحرفية – سمكة واحدة علقت بسنارتين .

التعليق – المثل العالمي يتحدّث عن – (اصطياد عصفورين بحجر واحد)، اي تحقيق هدفين بفعل واحد محدد. الصورة الفنية المعاكسة له هنا في هذا المثل الاندنوسي، اذ  ان هذا المثل يتحدّث عن حالة اخرى معاكسة تماما، وهي صراع بين اثنين من اجل تحقيق هدف واحد محدد. مثل نادر بين امثال الشعوب .

**

الترجمة الحرفية –   كثيرا – لا تعني دائما جيدا .

التعليق – الكثرة لا تعني الجودة، وهناك مثل عربي قديم يقول - كثرة على قلة خير، ويضرب هذا المثل عندما لا يرتجى من الكثرة نفع عام. المثل الاندونيسي أوسع وأشمل، ولكنه في نفس المعنى .

**

الترجمة الحرفية – اذا كان غير محظوظ، يغرق في اليابسة .

التعليق – المثل الاذربيجاني في هذا المعنى يقول – اذا بدأت الاخفاقات، فان الاسنان تتكسرحتى عند أكل الحلاوة . 

**

الترجمة الحرفية – ركض وراء الدخان، وبقي دون نار .

التعليق – صورة فنّية جميلة، وتعني وبوضوح و سطوع، ان السير وراء اهداف هلامية غير محددة يؤدي الى الضياع .

***

ا. د. ضياء نافع

...........................

من كتاب (أمثال شرقية مترجمة عن الروسية) بطبعته الثانية المزيدّة والمنقّحة، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.

ض.ن.

 

ناجي ظاهرتزود الكاتب الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، بنوع متين من الثقافة والاطلاع، الامر الذي اهله للإدلاء بآراء مختلفة وغير مألوفة في الفن والثقافة الفلسطينيين خاصة، ورغم احترامه وتقديره الشديدين لهذه الثقافة واعلامها، فقد تعامل معها برؤية متعمقة بعيدة عن التقديس المُهلك والمدمر للثقافة، ويعتبر رايه في كتابات غسان كنفاني، مثلا، رايا مختلفا وجديرا بالاهتمام.

يوسف سامي اليوسف من مواليد قرية لوبية المهجرة عام 1938، نزح إلى لبنان عام 1948، وغادر إلى سورية سنة 1956، التحق بجامعة دمشق 1960 وتخرج فيها. عاش حياته في مخيم اليرموك، في بيت متواضع بناه "حجراً على حجر"، وعلى مراحل، وكان بيته وكانت مكتبته ملاذاً لأجيال من المبدعين الفلسطينيين والسوريين والعرب المقيمين في سورية، كما شهد الكثيرون من هؤلاء.

سجل كاتبنا سيرته الذاتية في ثلاثة اجزاء، صدر اثنان منها عن "دار كنعان"، في دمشق تحت عنوان" تلك الايام"(هذا العنوان بالمناسبة، هو ايضا عنوان احدى روايات الكاتب العربي المصري فتحي غانم)، ولا يعلم ما اذا صدر الجزء الثالث منها. يعود اليوسف في سيرته هذه الى اجداده الاول فيذكرهم بالاسم، الفصل والاصل، حتى يصل الى والده الذي عمل شرطيا في فترة الانتداب، ما قبل قيام اسرائيل، ويستعرض فيها حياته اولا بأول، كأنما هو يريد ان يقدم الى قرائه شهادة تؤكد قصة انتمائه الفلسطيني وكفاحه كانسان مناضل من اجل الوجود والحياة.

كتب اليوسف وصنف العديد من المؤلفات هي: مقالاتٌ في الشعر الجاهلي- دراسة- دمشق 1975والغزل العذري- دراسة – دمشق 1978. وبحوث في المعلقات- دراسة- دمشق 1978. والشعر العربي المعاصر- دراسة- دمشق 1980و، ما الشعر العظيم ،- دراسة- دمشق 1981 وكتاب عن غسان كنفاني بعنوان، رعشة المأساة ، - دراسة- عمان 1985 وكتاب عن الشخصية والقيمة والأسلوب- دمشق2000 . وكتاب في التاريخ بعنوان "حطين "- دراسة- دمشق، 1987وآخر بعنوان "فلسطين في التاريخ القديم، – دراسة- دمشق، 1989. وكتاب عن" الخيال والحرية" دمشق 2001 و" مقدّمة للنّفري"- دراسة في فكر وتصوف محمد بن عبد الجبار النفري- دمشق ، 1997. و"ابن الفارض" – دراسة ، دمشق، 1994. وترجم عن الإنجليزية: "الديانة الفرعونية"، و"مختارات من شعر اليوت"Eliot. أما سيرته الذاتية فقد صدر منها جزآن فيما نعلم عن دار كنعان في دمشق ولا يعلم ، كما سلف، ما اذا كان الجزء الثالث، صدر ام لا.

اتيح لي قراءة بعض من مؤلفاته هذه، لا سيما كتابيه "الخيال والحرية"، و"مختارات من اليوت" و"رعشة المأساة" وهذا الاخير يبحث في كتابات وروايات الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني. يضمن اليوسف كتابه عن الخيال رؤية ادبية واعية وعميقة للأدب، وبإمكاننا اعتبار هذا الكتاب الفريد مدخلا جيدا ومرشدا لقراءة الادب وفهمه، ويلمس قارئ ترجمته لمختارات من شعر اليوت، تمكنه من اللغة الانجليزية وجديته في التعامل معها، اما كتابه عن رعشة المأساة، فانه يقيّم فيه التجربة التراجيدية التي عاشها غسان كنفاني معتبرا اياه نموذجا حيا للتجربة الفلسطينية التي تسببت فيها ظروف قاهرة.. جعلتها تختلف عن معظم التراجيديات في العالم. وهو يقرا كنفاني في كتابه هذا عنه قراءة متعمقة، ترى ما له وما عليه، ومما يقوله بجرأة غير معهود وقائمة، ان روايتي "عائد الى حيفا" و" رجال في الشمس" لا تعدوان كونهما قصتين قصيرتين ممطوطتين، او شيئا من هذا القبيل، وان احدا من نقاد كنفاني الكثيرين لم يتجرا على الادلاء بمثل هذا الراي الجدير بالنظر والمعاينة.

بعد وفاة يوسف سامي اليوسف عام 2013 مباشرة، توجهت الى عدد من الاصدقاء من مديري المؤسسات الثقافية التراثية طالبا ان ننظم ندوة تهدف الى التعريف به، او إحياء ذكراه.. فوعدوا.. ولم يفوا حتى الآن.. فهل اجدد الطلب؟

 

ناجي ظاهر

 

13310 سيزيف بحاركان الصديق الطرعاني  أسيد عيساوي، الذي أواكب وأتتبع كتاباته منذ سنوات بعيدة في صحيفة "الاتحاد" العريقة، قد أهداني باكورة أعماله الشعرية "سِيزِيف وَبِحار" الصادرة قبل فترة وجيزة عن دار الوسط للنشر في رام اللـه، واشتملت على قصائد منشورة غالبيتها سابقًا، امتدت على 150 صفحة من الحجم المتوسط، وصمم الغلاف بشّار جمال، واهداها إلى زوجته شريكة حياته ورفيقة دربه، وإلى أولاده وأحفاده  وأصدقائه وقرائه.

وتتراوح قصائد الديوان بين القصر والطول، بين الشعر والنثر، بين الجودة والجمالية الفنية فيما بينها، وبين الضعف والقوة والمتانة والصياغة الشعرية، لكن ما يجمعها هو صدق الإحساس، وكثافة العبارة، وعمق المعنى والبعد التاريخي والسياسي والوطني، والايجاز التعبيري في جملته، ومخاطبة القارئ بلغة الفكر والسياسة. وهي في المجمل نصوص تصويرية لرحلة ومأساة ومسيرة العذاب والشقاء الفلسطيني المتواصلة والمستمرة منذ قبل النكبة وحتى اليوم.

وسيزيف الذي يوظفه أسيد في خدمة غرضه الشعري ومضمون قصيدته، هو رمز العذاب الأبدي، المعروف حسب الميثولوجيا الاغريقية بالمكر والدهاء، ونجح في خداع اله الموت تاناتوس فغضب عليه كبير الآلهة زيوس وعاقبه بحمل صخرة من اسفل الجبل حتى أعلاه، وكلما وصل إلى القمة تدحرجت الصخرة إلى الوادي فيعود إلى رفعها للقمة من جديد، وهكذا إلى الأبد.

وسيزيف أسيد عيساوي هو كنعان، بما يمثله من تاريخ وثقافة وتراث وأصالة ووجود، وهو الصورة التراجيدية لشعبنا الفلسطيني المشرد والمعذب، الذي يحمل شقاءه ومأساته كل مرة، وينهض مجددًا، وما ان يقترب من تحقيق حلم الحرية والاستقلال، تتآمر عليه ذئاب الامبريالية، ويتقاذفه زعماء العالم كالكرة، وتظل قضيته تطفو على بحار من الوهم والضياع. ولنسمعه يقول :

 وصارَ كنعانُ البديل

في كنعان فيونيكيس يزرعُ القمحَ

يَنتظرُ حلولَ الغيمات

ينتظرُ هطول المطر

ويُربّي التين والزّيتونَ والكرمات

والمطر هنا هو رمز الخصب والعطاء، والأسطورة والشعر بين سيزيف وكنعان، هو صوت أسيد وصدى شعراء الوطن والمقاومة، وبين الوعي واللاوعي، وبين نبض القلب ورؤيا العقل، يكون انتظار الميلاد.

وأجواء نصوص الديوان في الغالب متفاعلة ومتماهية مع الجرح الفلسطيني الكبير، ومع الهموم القومية والعذابات الانسانية، إنها مزيج بين الشعر والأسطورة والسياسة، تؤكد صوته وصورته كفلسطيني ملتزم ومسكون بالوطن حد الثمالة، وكإنسان قومي وعروبي وناصري، قلبًا وقالبًا، يربط الماضي بالحاضر، والأسطورة بالحياة، ويقدم مجموعة من الفضاءات تتراوح بين الألم والأمل، بين الوجع والفرح، بين القهر والحرية، وبين الواقع والوهم. وصدقت الشاعرة روز اليوسف شعبان بقولها : " سيزيف وبحار قصيدة عشق لجفرا، للسنابل والوديان، لجبال الزيتون والتوت والزعتر والرمان. هي رحلة العودة المتوجة بالشوق والحنين إلى الأزقة العتيقة إلى الزهرة الشامخة في ثرى الوجدان، وهي أنشودة الحب الأبدي، وانتظار النداء الناصح الذي يكسر ويحطم العبوديةَّ والطغيان، ويرسو في شواطئ الأمان. فيولد الحب من جديد طاهرًا نقيًا بلا رتوش أو تجميل، فهو اللوتس في جماله، والتفاح في بهائه والبرتقال في شذا أزهاره والجوريُّ في احمراره ".

ديوان " سيزيف وبحار " لأسيد عيساوي ينم عن روح إنسانية عالية ووطنية عارمة، والتزام واضح بقضايا وطنه، وانحياز للجماهير، ويجسد حسًا وطنيًا وقوميًا وادبيًا بكل ما يحتوي من سطور وعبارات وجدانية مفعمة بمحبة الانسان لوطنه ولأخيه الإنسان فوق كل أرض. ونشعر بمزيج من مسحة الحزن والألم من جهة، ومركب الغضب والعنفوان من جهة أخرى، يعتملان في صدره العامر بالأيمان بقضية الوطن وامتداداته الجغرافية والتاريخية، وفي الكثير من جمله وتعبيراته إشارات ودلالات واضحة وضمنية إلى قيم المحبة والسلام والتسامح، وهي أساس الحياة المشتركة بين جميع الناس بغض النظر عن الفوارق الدينية والعرقية والقومية والسياسية والطائفية والمذهبية والايديولوجية. وباختصار شديد هو إنسان في قلبه إنسان كله رقة ومشاعر دافقة واحاسيس وطنية لاهبة وجياشة وغضب داخلي متأجج على واقع البؤس وقتامة المرحلة وقهرها، ونتيجة غياب القائد السياسي الحكيم الوحدوي الموحد الكريزماتي المكمل لمسيرة عبد الناصرية ومشروعه القومي التحرري التاريخي.

ويعمد أسيد عيساوي إلى توظيف المكان والتراث والتناص والرموز التاريخية والأسطورة، والشخوص الاغريقية التي يذكرها في قصائده استدعتها التجربة الشعورية لديه، كي تضفي عليها أهمية خاصة، فالتجربة إنما تتعامل مع هذه الشخوص والرموز والمواقف تعاملًا شعريًا على مستوى الرمز، نجدها تكشف عن المفاهيم السائدة من خلال الرمز التاريخي إلى مفاصل تاريخية بعيدة ربما تعانقت مع الحالة السائدة في مزاوجة التراث والواقعي، ولا تقف عند المعاني المعجمية بل تميل إلى تأويلات عديدة خارج النص.

إنه يوظف كل شخصية من الشخصيات التاريخية بمدلول رمزي يتسق مع شخصية معاصرة، وهذا إما رغبة في استحضار واستدعاء الشخصيات، وجعل بعض صفاتها دلالة مركزية تساير الدلالات الأخرى، وإما رغبة في استحضار شخصية تاريخية كي تؤول احدى صفاتها التي اشتهرت بها، ما يناسب الموقف والحالة.

وفي الديوان قصائد وجدانية وعاطفية في الحب مصبوغة بالرومانسية، متسمة ببساطة وسهولة بلغتها الكثيفة الأقرب إلى النثر احيانًا منها للشعر، ومتكلفة أحيانًا.

ورغم العثرات والهنات والسقطات والشوائب في هذه القصيدة أو ذاك النص النثري، يبقى الديوان محاولة وتجربة شعرية لصاحب قلم يتعاطى الكلمة، وإنسان وطني غيور على وطنه وقضايا شعبه الوطنية والمصيرية، ومناضل عرف السجون وظلام الزنازين، تجربة تحتاج أكثر إلى الصقل والنمو والتجدد في الشكل والجمالية الفنية والصياغة والأداة الشعرية والايقاع الموسيقى الذي تفتقر له الكثير من نصوصه.

إنني إذ أهنئ أسيد عيساوي بصدور ديوانه، أشكره على هديته التي اعتز بها، وأتمنى له مستقبلًا أكثر خصوبة وإشراقًا وجمالًا واخضرارًا، مع خالص التحيات.

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

صالح الرزوقجين إينيس

ترجمة صالح الرزوق


ربما هذا سؤال محير. هناك من يترنم بسؤال مبرر وهو “ما هي طبيعة الحظ الطيب الذي صادف بلاث؟”. فقد تركت وراءها مجموعة أشعار مؤثرة، ورواية، ومهنة أكاديمية متميزة، وزواجا بشاعر بريطاني معروف، وولدين. ولكن حياتها لم تكن مشرقة بشكل كامل وكانت وحيدة وغريبة. وقصر حياة بلاث، وانتحارها، قاد معظمنا للتساؤل حول أسباب هذا الموت التراجيدي.

 ربما كانت بلاث امرأة من فترة ما بعد 1950،  وواحدة من أوائل النساء في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ممن عشن حياة تتصف بالتوتر والإبداعية والنجاح. إنما ماتت مبكرا نتيجة الإضرار المتعمد بالذات “نزوع تدمير الذات”.  ويمكن القول إن الفنانين الحساسين المكبوتين يتعاطون العقاقير بإفراط. ولا سيما الذين يعانون من ظروف عالم قاس، ومتطلب، ومزيف ومحير - ومنهم الشعراء والموسيقيون والرسامون من كل الأشكال والأنواع -  ولدينا سجل حافل بأسماء فنانين توفوا بسبب العقاقير مثل جيمي هيندريكس وجينز جوبلين، وأيضا مارلين مونرو والشاعر جون بيريمان، وغيرهما من النساء والرجال الكحوليين.

وفي نظر المجتمع الحديث توجد علاقة بين تدمير الذات و الظروف الاجتماعية. وبين حالة والذهن الإنساني والظروف النفسية، وبين أخلاق الأفراد والظروف الخاصة. كل ذلك يؤثر على الخسارة المبكرة لروح الإبداع. وفي حالة سيلفيا بلاث، تجتمع كل هذه الحالات بشكل من الأشكال. السؤال لا يزال: لماذا؟. إنه لا يسعنا تقديم إجابة واضحة وعلمية. لكن أحد أحدث الأساليب لمقاربة الاضطراب العقلي هو الفيزيولوجيا. ومن المعتقد الآن بين فئة واسعة من الأطباء المحترفين أن الاضطرابات النفسية الخطيرة، سواء هي ذات أعراض دائمة أو مرحلية، يسببها خلل في توازن كيمياء الدماغ و/أو الجهاز العصبي. وهذه الأعراض المختلفة يمكن أن تنتقل بالجينات أو بالكروموزومات. ومن المعتقد أن كآبة الخبال والشيزوفرانيا التي تصيب بعض العوائل (من الجد وحتى الأحفاد) يمكن علاجها بالكيماويات مثل الليثيوم على أمل تحقيق نوع من التحسن.

غير أن فكرة الاضطراب العقلي الذي يمكن توريثه تسبب الرعب والقلق عند كثير من الأمريكيين، ولا سيما وأننا نؤمن بالتحليل النفسي لعلاج المشاكل العاطفية. و لنتذكر كمثال فيلم إنغمار بيرغمان الكلاسيكي “من وراء زجاج داكن”، وهو عن امرأة شابة تصاب بالجنون، ثم نعلم أن والدتها توفيت في مصحة للمجانين. لقد أدرك الاسكندنافيون من فترة طويلة أن الجنون يمكن أن يورث. وبدأت أمريكا بتقبل هذه الفكرة. ولكن مهما اختلفت الأسباب علينا أن لا نعمى عن العلاج الذي نسيطر به على الحالة. كالتحليل النفسي والعلاج العقلي بالعقاقير.  وكذلك الصدمة الكهربائية. وهناك اختبارات نقص لغذاء. فهي توضح لنا النقص الذي تعاني منه أجسام المرضى، و إذا كان من الممكن تعويضها بهدف استعادة نشاط وحيوية العقل. والآن يقوم بعض الأطباء بتحليل الشعر لمتابعة لمعرفة نوع النقص في العناصر الغذائية. و نحن في الوقت الراهن نتابع حركة الغذاء اللازم للصحة وو على الأخص فيتامين سي وفائدته في منع الإصابة بالبرد، أو حتى السرطان. ومن الواضح أننا نحتاج للمزيد من المعطيات الطبية. وحتى ذلك الحين، يمكن للأشخاص الحساسين أن يعتنوا بأنفسهم وأن يتبعوا طرقا للعلاج والاحتفاظ بالتوازن بين الجسم والعقل.

كانت هذه المقدمة ضرورية لنعاين آخر طور من حياة بلاث - حينما كانت مريضة جديا بالإنفلونزا لبعض الوقت، وحين استخدمت العقاقير لتتمكن من متابعة عملها أو لتجهز نفسها للنوم. فقد تبين بعد موتها أن جسمها لم يكن بحالة توازن ولا بظرف صحي ملائم. والسؤال: هل كانت تأكل وتعمل بشكل مناسب؟.  ليس لدينا أي دليل.

لكن الطب النفسي اهتم بما إذا كانت بلاث مكتئبة هوسيا، أو مكتئبة في أوقات محددة وهوسية في فترات الانتاج الإبداعي فقط، ولدينا تأكيدات أن البنت في (الجرس الزجاجي)، وربما بلاث نفسها، تعانيان من كآبة داخلية، وهي حالة يعتقد أنها مرض ولادة، أو شيء يرافق الإنسان منذ لحظة ميلاده. و لكن التقرير النهائي للحالة الصحية ربط هذه الحالات بجرعة الحبوب الزائدة. ووجد أن الحالة لم تكن، قبل ذلك، رضية بما فيه الكفاية لتسبب ردة فعل في حياة إيستير (شخصية في رواية - الجرس الزجاجي-)، وأن الأعراض التي وردت في الرواية ترسم صورة لشخصية مصابة بالكآبة  لفترة طويلة. وقد صدمت شدة الكآبة في حياة إيستير القراء، ولاحظ أحدهم أن كآبة إيستير تعبر عن كآبة الكاتبة أيضا.

ويتلخص جانب هام من مشاكل إيستير/سيلفيا العقلية، كبنتين شابتين، في أن سلوكهما أخذ شكل الانسحاب من الحياة ثم الكآبة الانتحارية. وبمقارنة هذه الحالة مع أمثلة غيرها من حالات تصيب فئة الشباب الأذكياء المضطربين، يمكن أن نلاحظ أن الشباب الذكور، الذين يعانون من مشاكل، يتصرفون مع المجتمع بطريقة عدائية، وأحيانا تأخذ شكل جناية هدامة.

أما  شخصيات بلاث المؤنثة، إيستير وجوان، كانتا بالعكس من ذلك.  لقد توارتا داخل نزوع تدمير الذات. 

ويمكن مقابلة هذه الحالة بحالة أليكس، وهو شخصية من فيلم نرويجي عنوانه “يقول من؟” ويعود لعام  1978. في هذا الفيلم الاحتجاجي، الذي كتبه وأخرجه وقام ببطولته بيتر فينارد، كان الشاعر الشاب غاضبا من جور المجتمع ومن عجزه على توفير مكان جيد له في العالم. وكان أليكس مثل إيستير، ذكيا جدا وحساسا، غير أنه اختار القتال. ولذلك انتهى به الحال إلى مستشفى للصحة العقلية. وليس مثل إيستير التي حبست نفسها في جرسها الزجاجي.

وهنا أيضا نذكر الفيلم السويدي “ماما: حياتنا الآن”  لسوزان أوستين الذي يعود لعام 1983، والذي يستعمل مفكرة أم الآنسة أوستين، المكتوبة بين 1939-1944. في هذه المفكرة التي تشبه لوحة عن مشاكل الشباب،  تكتب جيرد “ماما” الفنانة ذات المركزية العقلية الشديدة عن “جرس زجاجي” تشعر أنه يحيط بها. وعندما سئلت أوستين عن هذه الصورة وعن المفكرة الغامضة والتشابه الفاضح مع أحداث رواية بلاث (رغم عدم وجود علاقة مباشرة بين الكاتبتين)، كان جوابها كالتالي:”لا بد أن هذه حالة مشتركة وشائعة تمر بها النساء”. ومهما كانت أسباب  كآبية “الجرس الزجاجي” لا يمكن أن تعلم إذا كانت النساء تعانين منه بشكل مختلف عن الرجال. ولكن بالتأكيد هاتان المرأتان قدمتا لنا تفاصيل لا تنسى عما يمكن أن يشعر به الإنسان إذا كان محبوسا “جرس زجاجي”.

إن مصاعب تحديد الشيء الذي ذهب باتجاه خاطئ في حياة سيلفيا بلاث تجدها، طبعا، في تعقيدات سيلفيا بلاث نفسها، وكذلك في أسلوبها، وبالأخص ظرفها كامرأة. ومصاعب معرفة المرض العقلي في كل حال موجودة في مصاعب تحديد الأسباب، وبدرجة أقل في مصاعب العلاج. وفي أحد الأيام، سيتوفر اختبار لتحديد الخلل الكيميائي في الجهاز العصبي والعلاجات الخاصة لتصحيح الجسم والعقل. وحتى ذلك الحين، علينا النظر لحياة بلاث كما لو أننا ننظر لحكاية حزينة ونقول إنها كانت موبوءة بالمشاكل وبقليل من الحظ العاثر. وسنسأل أنفسنا: لو كانت لها أم أخرى، ولو أن والدها لم يمت وهي شابة، ولو كان معها صديقات إناث أكثر إيجابية، ولو تلقت علاجا طبيا ونفسيا مختلفا، أو غذاء آخر، هل ستكون على قيد الحياة اليوم؟. مثل تلك التراجيديا بأسبابها لا بد أن تقودنا لخاتمة مجدبة. ولو بدلنا أي ظرف مما سبق، ربما لم تقع المأساة. وهكذا يصبح السؤال  كما يلي: إن  كان يوجد علاج لعدة أشكال مختلفة من الكآبة، هل سيلغي وقوع تراجيديا الانتحار؟.ربما لا. ولكن قد يبدل ويطيل من حالة المعاناة العاطفية وحياة الأشخاص الحساسين. وعموما في الوقت الحالي، لسوء الحظ، لا يسعنا اكتشاف ما هو الخطأ الذي أصاب حياة بلاث. ولا يمكننا أن نكتشف بالضبط ما هي دوافع نتاجها الإبداعي. وتبقى معنا اللوحة، وأحيانا الصورة العامة، لحياتها، بنهايتها المبكرة.بالإضافة  لنشاطها الفني والشعري.

 

...........................

المصدر

   Jeanne Inness. CliffsNotes on The Bell Jar. 21 Jan 2020

 

 

 

1307 سوفثمّة مسألة مسكوت عنها في تاريخ الأدب العربي وما يزال الصّمت ضاربا من حولها... ألا وهي الأدب الذي يقوله الناس باللّغة العربية ولكن بدون اِحترام نحوها وصرفها وبلاغتها أو كما يُقال باللغة االعاميّة أو الشعبية أو اللغة اليوميّة أو اللغة المحكية أو اللّهجة المحليّة...إنه الأدب المنتشر والمنقول بالرواية بين الناس من جيل إلى جيل ولئن بدأ بعض شعراء هذا الصنف من الأدب في نشر ما تيسّر لهم من نصوصهم إلا أن الكثير من مدوّنات ذلك الأدب في الشّعر والحكايات والأخبار والطرائف والحِكم والألغاز وغيرها ـ ما يزال دون نشر ومتابعة ناهيك عن دراسة تلك النصوص والاِعتناء بها ضمن المناهج والبرامج التعليمية في مختلف المستويات من الاِبتدائي إلى الجامعي إذا ما اِستثنينا القليل النادر منها الذي يلقَى الاِهتمام في بعض النشريات المختصّة وفي المناسبات والدراسات الاِجتتماعية والتاريخية الخاصة والحال أن هذا الصنف من الأدب غزير المواضيع والمعاني ثريّ الأساليب والفنّيات وجمّ الدّلالات والإشارات بالإضافة إلى أنّه يُعتبر من أهمّ المصادر والمراجع لبعض الأحداث والأحوال وهو إضافة إلى كل ذلك يُعتبر من الأسس الكبرى للشخصية الوطنيّة ومميّزاتها

الشاعر التونسي عبد الحكيم زرير يمثّل أحد ممثّلي هذا الأدب في تونس وهو صاحب مجموعات شعرية عديدة في هذا الصنف من الشّعر من بينها نذكر

1- عيون الكلام

2- رحيق الكلام

3- مرايا الكلام

4 ـ تحت الطبع ـ ألوان الكلام

والشاعر عبد الحكيم زرير له أيضا مساهمات مُهمّة في التأليف المدرسي لمساعدة متعلّمي اللغة العربية سواء كانوا من التلاميذ أو من غيرهم حيث نشر مجموعة من الكتب المساعدة على التمكّن من اللغة العربية وهي

1- المنجد الطّريف في الصّرف والتّصريف

2- المنجد الحسم في قواعد الرّسم

3- المنجد الشّامل للنّحو الكامل

ويبدو أن حذقه للغة العربية الفصحى واِمتلاكه ناصية قواعدها ودأبه على نشرها لم يكبح ولعه يالكتابة ياللغة اليوميّة التونسية التي يجُول فيها بين مختلف المواضيع الاِجتماعية مُنتهجا النّقد الهادف من أجل الإصلاح ولكن بروح الدعابة حينا ويلهجة حادّة أحيانا فقد طرق المواضيع العائلية والسلوكيات العامة المستهجنة ووصف لنا بعض المواقف الظريفة ولم يستثن حتّى تلك الوقائع الطريفة بينه وبين زوجته مُشيعًا روح الدعابة والمرح فيصف لنا بالدقّة والتفصيل في قصيدة من القصائد حديقة منزله بأشجارها وثمارها وأزهارها وورودها وبئرها وحوضها حتى لكأنه البُحتريّ في زمانه وهو يصف بركة الخليفة المتوكّل العبّاسي...

من قصائد الشّاعر عبد الحكيم زرير الطريفة قصيدة ـ الأكلة الشعبية ـ التي تبدو كمعارضة لبعض قصائد الشاعر حسين الجزيزي التونسي ـ 1888 م ـ 1974 م والذي يُعتبر من أكبر الشعراء الهزليين وله قصائد بالفصحى عديدة في أصناف المآكل التونسية غير أن الشاعر عبد الحكيم زرير قد أضاف في قصيدته أنواعا أخرى من الأطعمة...فالطبخ يمثّل بوضوح حضارة المجتمع وهو يختزن الحياة اليومية بما فيها من تأثيرات الواقع المعيش الذي هو نتيجة التأثيرات التاريخية والاِقتصادية والجعرافية والدّينية وغيرها... ومن هذه القصيدة نُورد بعض المقاطع التي يصف فيها ما لذّ وطاب من أصناف الطعام التونسي

 

الأُكْلَة الشَّعْبِيَّة

فِي بْلاَدِي تَبْقَى مِسْمِيَّة

مَجْدْ امَّالِيَّة

لْمَاضِيَّ نَبْقَى مَشْدُودْ

كُسْكُسْ بَرْكُوسْ

مِيدُومْ بْلِيَّة مَرْفُوسْ

يْدَاوِي الْمَنْفُوسْ

عَوَّالِي مْفَوَّحْ بِالْعُودْ

هَذَا الْبَازِينْ

ثِرْدِتُّو لَلاَّتْ الْعِينْ

مْحَرْحَرْ وِبْنِينْ

أَسَاسِي لِسْحُورْ جْدُودْ

صَحْفَة لَبْلاَبِي

نَعْشَقْهَا أَنَا وَاصْحَابِي

نَهْبِطْ غَوَّابِي

وِدْمُوعِي تْبَلِّلْ لِخْدُودْ

وِصْحَيِّنْ بُرْغُلْ

كِي جِيتُو ﭭِرْسَانْ وْنِرْﭭِلْ

كَمَّلْتُو نِشْعِلْ

بِهْرِيسَة عَرْبِي مَڤْدُودْ

وِالْفَرْفُوشْ

الْجِيلْ الْحَالِي مَا عَرْفُوشْ

مانْلُومُوشْ

حَرْ الْفِلْفِلْ صَارْ مَحْدُودْ

زَلْفَة بَرْكُوكِشْ

تُغْطُسْ فِيهَا وْمَا يْلُومُوكِشْ

بَارِي يْشُوفُوكِشْ

تَاكُلْهَا وْتْبَاتْ مَحْسُودْ

صْحَنْ مْلُوخِيَّة

بِلْحِيمَة هَبْرَة وْطْرِيَّة

تْحِبِّلْهَا عْشِيَّة

شُهْرِتْهَا فَاتِتْ لَحْدُودْ

فهنيئا مريئا ويالصحّة والعافية...!! مع هذه الأطباق الشهيّة...

ومن المواضيع النقدية الاِجتماعية التي طرقها الشاعر عبد االحكيم زرير موضوع الخطوبة والاستعداد للزواج وكثرة طلبات الخطيبة ومغالاتها في شروطها التي تبلغ أن  تطلب  من خطيبها بعد الزواج أن ينقطع عن أسرته الأصلية ناهيك عن توفير  لها سيارة وخادمة إلى غير ذلك من الشروط  المجحفة وقد عدّدها الشاعر في شيء من المبالغة ولا شك وذلك ليرسم لوحة كاريكاتوية تُظهر هذه الظاهرة الاِجتماعية التي لا تشجع على بناء الأُسر وقد جعل من الحوار والسّرد أسلوبا تقوم عليه هذه القصيدة الطريفة التي يقول في بعض مقاطها

قُلْتْ اشْبِيهْ

الزّوَاجْ خْلُقْنَا لِيهْ

الْفَايْدَة تَلْقَى امَّالِيهْ

نْسَبْ وْدِينْ مْعَ الْجَمَالْ

اقْصُدْ رَبِّي

احْزَقْ رُوحِكْ وابْدَا عَبِّي

نَقِّصْ مِالْمَصْرُوفْ وخَبِّي

سَهَّلْهَا رَاهِي تِسْهَالْ

الزّوَاجْ عْبَادَة

وْقَيِّتْ تِرْتَاحِ الْوَلاَّدَة

تْكَمِّلْ دِينِكْ بِالْوَسَّادَة

بَالِكْ تِتْنَفْنَفْ الاحْوَالْ

مَاكِشْ تَايِبْ؟

شُوفْ أَصْحَابِكْ وِالْقْرَايِبْ

عَنْدِكْ نَغْمَة فِي الرّكَايِبْ

مُوتُورِكْ صَارْدْيَازَالْ

قُتْلُواُزْدُمْ

قَالْ نْحِبْ صْغِيرَة تِخْدِمْ

نْخَافْ نَاخُذْهَا كْبِيرَة وْنِنْدِمْ

وِيْجِينِي دُغْرِي الشَّنْڤَالْ

وَلاَ يْهِمِّكْ

شُوفْ بْنَيِّةْ دَارْ تْلِمِّكْ

تَعْرِفْ كَارِكْ تُرْفِقْ بأمِّكْ

تَحْفَضْلِكْ عِرْضِكْ وِالْمَالْ

هَانِي حْذَاكْ

خَمِّمْ كَمْبِسْ وَرِّي ذْكَاكْ

قَرٍّرْ مَا تْكُونِشْ بَعْكَاكْ

تْمُوتِشْ عَاشِقْ وْشَهَّال

قُولْ بَاهِي

وِنْوَفَّرْلِكْ الِّي شَاهِي

مَا تُقْنُعْنِي عُذْرِكْ وَاهِي

أُزْدُمْ مَا يْهِمِّكْ فِي مَالْ

قَالْ بَاهِي

هَذَاكَ وْخَيِّكْ آشْ شَاهِي

رَوَّحْتْ وْخَلّيتُو زَاهِي

وِالْكَبُّوسْ فُوقْ رَاسُو مَالْ

حْذَاهْ وْحِيدَة

سِكْنِتْلُو فِي الْحُومَة جْدِيدَة

تْقُولْ عْسَلْ فُوقْ عْصِيدَة

قْصَدْهَا قَالِتْلُو نُرْمَالْ

هِيَ وَرْدَة

فِي بَالُو عَلُّوشْ وْزَرْدَة

شْرُوطْهَا أَطْوَلْ مِالْبُرْدَة

وْمَكْتُوبُو أَرْطِبْ كَذَّالْ

شْرُوطْ سْمَانْ

يْحِبِّلْهُمْ جِنْ سْلِيمَانْ

مْعَاهْ عْيَالْ الشِّيخْ كَهْفَانْ

وْصَرْمِيَّة ذْخِيرِةْ نِمَّالْ

شِدْ عَنْدِكْ

تِكْتِبْلِي شْطَرْ الِّي عَنْدِكْ

وْحَدْ مَا يْجِينِي مِنْ جُنْدِكْ

وِنْشُوفْ امِّكْ كِي الْهْلاَلْ

أما الجانب الجدّي في قصائد هذا الشاعر فإنّ قصيدة ـ وينْ ماشيينْ ـ التي صاغها في ما يبدو بمناسبة ذكرى ثورة 2011 فتبدو ذات نبرة حادة لأنها كشفت عديد الخيبات التي كان من المفروض أن البلاد قد تجاوزتها وكان من المنتظر أن تتحسّن الأحوال على جميع المستويات فإذا بها تزداد تدهورا لذلك تساءل الشاعر إلى أين نحن ذاهبون ؟ فالقصيدة إذن صيحة فزع وتصريح واضح بإدانة الفاعليين السياسيين ومن يُواليهم لأنهم فشلوا في تحقيق أهداف الثورة التي اِنطلقت عفويّة معبّرةً عن المظالم العديدة وقد عاشت تونس تلك الثورة فكم كانت حالمةً بطموحات الشباب والمهمّشين وجميع الذين كانوا يعانون من الغبن والحيف وما أكثرهم ولكن تمخّض الجبل فولد فأرًا....

مُوشْ عْجَبْ

وْزِيرْ الدَّاخِلِيَّة هْرَبْ

وْبُوهَا لِلْمِنْدَافْ نْصَبْ

الدُّودَة شْكُونْ بَاشْ يُحْصُلْ فِيهَا

صِرْنَا غْرَابْ

مَا عْمَلِّنَّا حَدْ حْسَابْ

لِمْلِيحْ يْخَطِّطْ لاِنْقِلاَب

بَاشْ قَرْطَاجْ يُسْكُنْ فِيهَا

الْحَالَة سْخُونَة

وْفِي الْمَحَلِّيَّة مِرْجُونَا

الصُّوتْ تْبَاعْ بِالْكَرْدُونَة

وْشَخْطُورَة يُغْرِينَا بِيهَا

وْجَعْنِي رَاسِي

سَيِّبْ لُقْمْتِي وْلْبَاسِي

وْخُوذْ آشْ ثَمَّة مِالْكْرَاسِي

وِالطَّابُورِي كَمِّلْ بِيهَا

وِالإِعْلاَمْ

بْفَاسُو لِلْقِيَمْ هَدَّامْ

لاَزِمْنِي فَلِيجَة كْلاَمْ

لْكُلْ شِلَّة وْمَا يِكْفِيهَا

شْنُوّة حْصُلْ؟

عْلِي شْوِرِّبْ صَارْ بَطَلْ

وِشْبَيِّبْ تَبْعُو وْقْتَلْ

شْنِيَّة الْعِبْرَة الِّي فِيهَا

فِيقْ مِالنُّومْ

لِلتَّطْبِيعْ جَابُو شَالُومْ

فْضَايِحْ عَمْلِتْ رِيحِةْ ثُومْ

تْمَنْعِتْ بَاقِي يْبِثُّو فِيهَا

آشْ اخْرِتْهَا

تَلْفْزَة فِقْدِتْ وَهْرِتْهَا

فِي التَّمْيِيعْ ظُهْرِتْ قُدْرِتْهَا

وْلاَ مِنْ عَادْ يْحَاسِبْ فِيهَا

آشْ بَاشْ يِعْجِبْ

لاَمِنْ نَاوِي يْعَرِّسْ يِنْجِبْ

عَارِفْ مَصِيرُو بَاشْ يِتْعِبْ

عَمْلَة مْشُومَة يُوحِلْ فِيهَا

قَلْبُو ذَابْ

التَّنَقِّلْ صَارْ عْذَابْ

لِلْخِدْمَة وَلاَّ لْكُتَّابْ

تْفَرْعِسْ وَقْتُو ضَاعْ فِيهَا

تْحِبْ الْوَاعِي

تْرَكَّبْنِي فِالْكَارْ بَرْدَاعِي

طْلَعْتْ كَانْ كِي خْدِمْ ذْرَاعِي

فَرْدِةْ بَابْ مْكَبِّشْ فِيهَا

هَاوالاِحْبَاطْ

الْمَاء مَوْجُودْ لِلْفُسْفَاطْ

وِالْمُوَاطِنْ فُمُّو شَاطْ

شَرْبَة مَا يَخْلَطْشْ عْلِيهَا

آشْ كُونْ لِيهَا

الْمَدْرْسَة شَعْمَلْنَا فِيهَا

وِينُو السّورْ الِّي يَحْمِيهَا

وِالسَّبَّالَة لِذْرَارِيهَا

حَوْرُوهَا

بَرَامِجْهَا وْفَرّغُوهَا

وِالشَّبِيبَة مَيّعُوهَا

وْشَلّكُو الِّي يْقَرِّي فِيهَا

إنّ مثل هذين القصيدتين ـ وغيرهما كثير ـ هو إضافة وإثراء للأدب العربي في هذا القطر أو ذاك هذا الأدب الذي ظلّ تاريخه غير حافل ـ إلى حدّ بعيد ـ بما قاله الناس البسطاء والعامّة بلغتهم التي يتخاطبون بها في حياتهم اليومية معبّرين بصدق وتوهّج عن معاناتهم وأحلامهم ومواقفهم في معانٍ ومواضيعَ وحتى في أساليبَ فنيّةٍ قد تقترب في كثير من القصائد من قصائد الفصيح في الكلمات والصّور وحتّى في الإيقاع أحيانا بل قد تفوقها جمالبةً في بعض المواطن...ولا بأس في ذلك ولا ضَيْر فكلاهما صادر عن العربية في تعدّد مستوياتها التعبيرية.

 

سُوف عبيد

 

بكر السباتينفي خبايا الروح يختبئ السؤال.. كمحارة تسأل التائهين في اليباب، وفي جوفها ينتفض البوح في وجه الغناء المتصاعد من بين تكوينات اللوحة وأطياف الضوء المغموسة بهموم الإنسان كي توضح الظلال معنى قوس قزح.. أسئلة تتصاعد من بين تكوينات الوجود منذ الانفجار الكوني الكبير حتى لحظة اللقاء مع قوس الدهشة الملون، وهو يسند كقنطرة كونية سقف السماء؛ كي لا تنهار الأحلام.. فتنشر ظلها المهموس على رقعة قماش توثق للقاء المتلقي مع المجهول.. مع بوح المحارة بخبايا الروح.. هي دموع يحاصرها الشفق بألوان الحياة فيلمع على بحيرة الحزن وميض كوني أرسله قمر يأبى الأفول، وتتأمل أعماقه الداكنة طيور السنونو كي تحصد الحكايات وترويها للجدات والزهزر.. فتنتشر الأسرار بين العذارى كأنه أريج شقائق النعمان وهي تحاور جذلى النسائم وتنتفض في وجه الرياح.. فتبوح العورات بما يواري سوأة الصمت فيشتعل النهار ويعيد لزهرة النور عطرها المسلوب.

كأن اللوحةَ تعبر عن انفجار كوني للحقيقة، فتأخذ قوةُ السؤالِ التكويناتِ والكتلِ إلى أبعد من مدى الدهشة، فتترنح العقول في غيبوبة التأمل والسفر في مجاهيل الحيرة؛ كي يتنسم زعترها المورق في قلب الفنان، فيحتسى القهوة مع السنونو وهو يقلب محارة السندباد، كأنه عرافة تمتلك أسرار عناة الكنعانية وهي تحرض سنابل بعلٍ على المطر.. فيشرق قمحها بالأمل المزروع في ابتسامات عذارى الحي وفتيانه.. فتخرج من فم العرافة أسرار ريح كونية عتقها الترحال.. ولونتها عيون الدهشة بأحلام الرعاة.. وكأن السندباد ما عاد بحاراً، بل عاشقاً يهذي باسم حبيبته عَبْرَ بوادي الحنين ووديان الشوق ليلتقط من يباب الهجر صدفة اللقاء مع روحها الملوعة بحبه الكوني..

سأخرج قليلاً من سكرة البوح، وقد أترعت بنبيذ هذا العالم المسكون بالدهشة، متوغلاً أكثر في غيبوبة السؤال منقباً عن كهرمانة الروح المتحجرة في صخور تكحلت بنظرات الاستهجان، وقد سال عليها لعاب الديناصورات في الأزمان البائدة.. أقتفي أثر عشتار التي راوغتها آلهة العشق "عناة" بسمرتها الكنعانية.. لتحظى بقمح إله المطر"بعل" وهو يلوح بيد الغيم لعطايا السماء من قمح ومطر.

1308 سباتين

 بقلم بكر السباتين

21 يناير 2020

......................

* لوحة زيتية سريالية رسمت عام 2016، للروائي والتشكيلي بكر السباتين على القماش بعنوان:" لؤلؤة البوح على صدر عشتار " قياس (طول 120سم، عرض 100 سم) محفوظة في صالونه الخاص.

 

 

فالح الحجيةلم يكن للشعر العربي ولا للشعراء العرب قديما ومنذ نشاته ملك ولا امير ولم يعرف تاريخنا الادبي هذه اللفظة (إمارة الشعر) في كل العصور التي عاشها الشعرالعربي منذ العصر الجاهلي الا في عصر النهضة العربية او العصرالحديث . .

ففي العصر الجاهلي كان الادب العربي يعيش عصره الشامخ وقد عرف بتشجيعه للشعر والشعراء وعرف باسواقه الادبية التي كانت تعقد للمباريات الشعرية فتحضرها الوفود العربية من اغلب قبائل الجزيرة العربية ومن اطرافها لإلقاء نتاجهم الشعري وتتفاخر به كسوق (مجنة) في مكة وسوق (ذي المجاز) القريب من عرفات وسوق(المربد) قرب البصرة وسوق( الكناسة) من الكوفة وسوق (دومة الجندل) وسوق

(هجر) و سوق (عكاظ) الذي كان من اشهرها ’حيث كانوا يسمع الحكام الشعراء وهم ينشدون قصائدهم في لهجاتهم فيحكمون فيها للافضل والاسمى انشادا ونظما ومن جميع لغات هذه القبائل ولهجاتها منهم . فما استحسنوه من تلك اللهجات اثبتوه وتكلموا به وما لم يستحسنوه هجروه واسقطوه فصارت اللغة العربية افصح اللغات ولهجة قريش افضل اللهجات حيث خلت لهجتهم من سماجة اللهجات ومستقبح الالفاظ والعيوب اللغوية .

تلك نعدها فترة ذهبية للشعر - فترة الشعرالعربي في الجاهلية - عجت بفحول الشعراء ولم يؤمر للشعر امير وكان هناك من يستحق هذه الإمارة باجماع الشعراء والادباء والنقاد ومؤرخي الادب وهو الامير الفارس امرؤ القيس الذي امتاز بإجماع علماء الشرق والغرب بالابداع وقوة الخيال وكان أمرؤ القيس من شعراء الدنيا القلائل الذين ابتدعوا فأبدعوا واختطوا خطة سار عليها الشعراء من بعده بقصد او من غير قصد , وتلت تلك الفترة الجاهلية فترات او عصور ذهبية بلغ فيها الشعر أوجَه وقمته واحتل منزلة رفيعة خصوصا في العصر العباسي وكان الشعراء يعدون نوابغ القوم وقد كان من الشعراء في هذه الفترة فطاحلهم :ابو تمام والبحتري والمعري والمتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس . فهو ملك الشعراء واميرهم الاكبر .

وقد استحدثت فكرة (إمارة الشعر) لاول مرة في تاريخ الادب العربي عام \ 1927 عندما عقد الادباء في القاهرة اجتماعهم بدار الاوبرا الملكية المصرية برعاية الملك (فؤاد) ملك مصر حيث تم اختيار الشاعر الكبير احمد شوقي اميرا للشعراء وقدموا له الهدايا بهذه المناسبة وتوّجوه بلقب (امير الشعراء) وكان ذلك اليوم مشهودا في تاريخنا الادبي وقد احتدم الجدال في حينه بين مجموعة كبيرة من الأدباء والشعراء حول امارة الشعر في الادب العربي منهم من يقرها ومنهم من يرفضها ومنهم من رضي بالشاعر احمد شوقي اميرا للشعراء واخرين يؤمرون غيره في جدال وصراع طويل .

والشعر العربي مر بعصور شعرية معروفة و لكل من هذه العصور شعراؤها وفي كل عصر برع شاعر او اكثر بز الاخرين وفاقهم ولاجل ان نعيد للماضي حقوقا ولشعرائنا ونذكرهم بما هم فيه . لذا يحق لنا ان نسمي لكل عصر من هذه العصور الشعرية اميرا وجميعهم هم امراء الشعر العربي باجماع الشعراء ونقاد الادب العربي ومؤرخيه وهو عنوان مستحدث ارغب في اشاعته ولنظهر امراءنا في الشعر والادب ونفخر بهم . ومن هنا ساتناول بالبحث والتقصي الشعر في كل عصر من العصور وشاعرا معينا ولأعتبره في رايّ الخاص اميرا للشعر العربي فيه ممن تتوافر فيه كل الامكانات و الامتيازات والصفات الشعرية والادبية التي نجعله اميرا للفترة المعينة بلا منازع. وهي حالة ابتداع ربما يلومونني الاخرون عليها او يفضلون شاعرا اخر غير الذي اختاره ولكل احد الحق في ابداء رايه وتصويبه وربما هذه الفكرة ترقى بعالم الشعر نحو الاسمى والاسنى .

والله من وراء القصد .

 

امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــد روز

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – قول الحقيقة للصديق لا يسئ الى الصداقة.

التعليق – ونحن نقول صديقك من صدقك لا من صدّقك. قال صاحبي، ان هذا المثل الافغاني ينطبق على الاصدقاء الحقيقين فقط، فالصديق غير الحقيقي لا يتحمل الحقيقة ابدا مع الاسف، فابتسمت أنا ووافقته على ذلك .

**

الترجمة الحرفية – الفقر في الحرية افضل من الغنى في الحظر.

التعليق – الحرية أغلى من كل شئ . هناك مثل فيتنامي يقول – اذا انطلق الطير من القفص، لا تأمل انه سيرجع اليه . المثل الفيتنامي في نفس المعنى طبعا، اذ ان الطير في القفص كان يضمن طعامه وشرابه، ولكنه يفضّل الانطلاق ...

**

الترجمة الحرفية – اعمل خيرا لذاك الذي عمل لك الشر.

التعليق – دعوة نبيلة لايقاف الشر ومعالجته بشكل عقلاني، والمسامح كريم كما يقولون . هناك مثل صيني يذكّر بهذه الحالة، وهو – الانسان النبيل لا يتذكر الشر القديم.

**

الترجمة الحرفية – في الغربة تقيّم الوطن أكثر .

التعليق – نجد مثل هذه الامثال عند مختلف الشعوب التي ابتليت بالهجرة، ومنها طبعا شعوبنا العربية . توجد أمثال كثيرة حول هذا الموضوع، منها المثل الاذربيجاني – الشوك في الوطن افضل من الورد في الغربة، ويقول المثل الكوري في هذا المعنى – انسان بلا وطن اسوأ من كلب بلا بيت . امثال هذه الشعوب مبالغة في تصويرها للغربة، لأن الغربة تعيسة ورهيبة فعلا، الا ان المثل الافغاني هذا بعيد عن تلك المبالغة، ودقيق جدا في التعبير .

**

الترجمة الحرفية – بعد الموت يحكمون على الانسان بشكل أصح.

التعليق – نعم، هذا صحيح، وربما، لأننا ننفذ القول العظيم - اذكروا محاسن موتاكم، وربما، لأننا نحكم عليهم بعد موتهم بشكل موضوعي هادئ دون الخوف من ردود فعلهم تجاه ما نتحدّث به عنهم . يقول المثل الجورجي في هذا الخصوص – ما دام الانسان لم يمت فان اعماله ليست مرئية.

**

الترجمة الحرفية – الذي كان، فانه مضى .

التعليق – مثل واقعي فعلا، وهو يذكرنا بمثلنا العربي المعروف - ما فات مات.

**

الترجمة الحرفية – لا تكن حلوا اكثر مما يجب، والا سيأكلوك .

التعليق – المثل الهندي في نفس المعنى يقول - لا تكن حلوا فيأكلوك ولا مرّا فيبصقوك، و المثل العربي ايضا يقول - لا تكن لينا فتعصر ولا جافا فتكسر. لنتذكر - مرة اخرى – القول العربي الشهير – خير الامور أوسطها ...

**

الترجمة الحرفية – الرب أقوى من الشرطي .

التعليق – مثل طريف جدا، وهو تعبير صادق لتفكير الناس البسطاء امام جبروت السلطة وظلمها، فالشرطي هو رمز السلطة القاسية تجاه شعبها، وتعرف شعوبنا العربية معنى كل ذلك في مسيرة حياتنا المعاصرة .

**

الترجمة الحرفية – السير بلا هدف أفضل من الجلوس بلا هدف .

التعليق – يقول المثل الجورجي في نفس المعنى – افضل مما ان تجلس دون جدوى، اعمل دون جدوى. المثل الافغاني أوسع، فهو يدعو الى السير ليس الا...

**

الترجمة الحرفية – عند الانسان الغبي عين واحدة .

التعليق – طبعا توجد لدى الغبي عين واحدة، اذ انه لا يستطيع ان يرى جوانب الحياة باكملها . الصورة الفنية لهذا المثل ساخرة جدا ودقيقة جدا.

**

الترجمة الحرفية – في اليد خمسة أصابع، وكلها مختلفة .

التعليق – تذكرت رأسا مثلنا بلهجتنا العراقية - مو كل اصابعك سوه . المثل الافغاني يكرر نفس المفهوم، الا انه يعبّر عنه باسلوب هادئ وعلمي وموضوعي دون سخرية .

**

الترجمة الحرفية – مد رجليك حسب السجادة .

التعليق – ومن منّا لا يعرف مثلنا الشهير في كل بلداننا العربية (وكلّ بلهجته) والذي يقول - مد رجليك على كد لحافك ؟

**

الترجمة الحرفية – الانسان لا يعبر النهر بزورقين .

التعليق – مثل بخيال مدهش، ويذكّر بامثال عديدة عند مختلف الشعوب في نفس المعنى، منها – قبل كل شئ - القول العظيم والشهير للسيد المسيح – (لا يقدر أحد ان يخدم سيدين.....)

 

أ. د. ضياء نافع

 

شاكر فريد حسنصدرت قبل فترة وجيزة للكاتب القاص ابن الناصرة ناجي ظاهر، مجموعته القصصية الجديدة، التي حملت اسم "اعماق نصراوية "، ووقعت في 134 صفحة من الحجم المتوسط، واشتملت على عشرين قصة قصيرة، كتبت خلال السنوات الثلاثة المنصرمة، وتنشر لأول مرة، وصممت غلافها الفنانة التشكيلية أسماء زبيدات من سخنين.

وتجيء هذه المجموعة القصصية بعد "جنة المهجرين" الصادرة في العام المنصرم 2019.

ناجي ظاهر هو شاعر وقاص وكاتب مسرحي وصحفي عريق، له حضوره في المشهد الأدبي والثقافي الإبداعي في هذه الديار، ويحظى بمكانة مرموقة بين الأوساط الادبية، عمل جُلّ حياته محررًا أدبيًا في عدد من الصحف والمجلات المحلية. وله اكثر من خمسين مؤلفًا في الشعر والقصة والرواية والمقالة والنقد الأدبي.

وناجي كاتب متمكن من فنه القصصي، واعماله القصصية بشكل عام تعالج الإنسان في بيئته الواقعية، وتصورهما بشفافية شاعرية، وببساطة آسرة، وتتسم بصفات أسلوبية واحدة، لغة مكثفة، وجمل مقتضبة، لتكون متوترة، معبرّة ومركزة، والملاءمة بين الشكل والمضمون في علاقة متفاعلة منسجمة. ويبدو ناجي في هذه القصص كائنًا اجتماعيًا، صاحب نظرة عميقة للمجتمع، وفهمًا سياسيًا تقدميًا واعيًا، واحساسًا متألمًا في الداخل إزاء الصورة القاتمة التي يراها.

وقصص ناجي في "اعماق نصراوية " تركز على المكان، وتدور احداثها في مدينة الناصرة، في احيائها وازقتها وحاراتها القديمة، التي ولد ونشأ وعاش طفولته واحلى أيام شبابه فيها، وما زال يقيم فيها، بعد سنوات من تهجير أهله من قريتهم " سيرين ". 

وما يميز قصص هذه المجموعة وسواها من قصصه هو تنوع مواضيعها الغزيرة، وغنى مضامينها، فهي تشمل واقعنا وتدور حول الفقر والضياع ومعاناة المثقف ووجع الناس اليومي، وذات عمق بالفكرة، ما يدل على اطلاعه وثقافته الواسعة، ونلمس فيها طاقته القوية على السرد والقص والحوار، وتصوير الواقع المعاش بفنية راقية وعالية.

وشخصياته دينامية متحركة نابضة، تنفعل وتؤثر وتتأثر بمجريات الأحداث، ولغته بنكهة الشعر، وتعبق برائحة المكان وعطر البلاد ودخان الباصات في الناصرة، وتتصف بالبساطة والسلاسة والعمق الشعبي، وتخاطب جميع الشرائح المجتمعية وتدغدغ عواطفها.

وتعتمد مجموعة " اعماق نصراوية " على نهج سردي يقارب الأسلوب الروائي، فناجي يعمد ويلجأ إلى تعزيز الحدث والسير باتجاه توسعة مساحته زمنيًا ومكانيًا، وتوسيع العلاقات بين شخوص قصصه والربط بين الاحداث والذكريات، وخلق وبناء شخصيات تراكمية، ويراوح فيها بين استرداد التاريخ، وبين الماضي والحاضر، وتوظيف الصور الفنية في انتاج لغة فنية قصصية شائقة ومدهشة.

وتبقى " اعماق نصراوية " إضافة جديدة نوعية لإبداع ناجي ظاهر القصصي السردي، الذي يستحق الدراسة والاهتمام من النقاد والباحثين والدارسين والمهتمين بالأدب، مع خالص التحية وأطيب الامنيات له صديقًا ومبدعًا.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب - العشوائية 17  

عصرا وصلنا تلَّ الرمان. في أجمل مواقع التلِّ، ألمُطلة على سد الملك طلال، دلفنا بوابة دارةِ باذخة. أربعتُنا في سيارة الصديقة العراقية، أنا بجانبها، الجراح وزوجته الطبيبة في الكرسي الخلفي من السيارة.

من البوابة الرئيسة، لاحت مضيفتنا الشاعرة السودانية تتأبط يمين زوجها. تتهدل كعروس في ليلة زفافها.  توبها سوداني تقليدي، مميز برسوم تجمع ألوانا مختلفة. وهي تمد يدها مصافحة، بان نقش الحناء مطرزا عليها. إكسسواراتها من ألأبانوس، وحليها من العاج.

قرَأتْ في عينيَّ إعجابي بثوبها، فقالت فرِحة: تَعْلَم يا سيدي، أنَّ لباسَ المرأة التقليدي، هو حجر الزاوية في الهوية السودانية. يسمونه في عامية السودان، تُوبْ لا ثُوب. يتمازجُ فيه بديعُ أفريقيا ببديع العرب. يجمع بين ألأصالة والمُعاصَرة برفقٍ، ليبقى مُنسجما مع شيم الحياء وقيم الحشمة.

ونحن نعبر حديقة الدارة، تناهَت لسمعي إيقاعاتٌ موسيقية سودانية، فقلتُ مُمازحا مضيفتنا الشاعرة: تُذَكِّرُني طلتُك، بكوكب الشرق أم كلثوم، وهي ترتدي الزي السوداني.

قهقه مضيفنا الشاعر قائلا: نعم نعم، أم كلثوم  أشهر من لبس الثوب السوداني. وكان ذلك في فبراير 1968،  خلال حفلة أقامتها في مسرح أم درمان. يوم غنت روائعها: هذه ليلتي، والأطلال، وفات المعاد . يومها قالت السيده الكبيرة عبارتها الشهيرة عن أهل السودان: السودانيون دُوْلْ أهلنا، إحنا وهُمَّا اخْواتْ، إحنا الاتنين ولاد النيل .

ما أن إستقر بنا ألمقام حول بركة أنيقة، تَبينتُ أن مطربنا الليله هو سيِّد خليفة، أشهر مطربي السودان. إيقاعات أغنياته من عمق النيل والصحراء. أصغينا لأغنيته الخالدة: (إزيُّكم كيفنُّكم، أنا لِيَّا زمان ما شفتكم. مشتاق كتير كتير لِحَيِّكُم.أنا ما غريب أنا منكم ). ونحن ننتقي شرابنا المثلج من عربة إتسعت لشراب الكركدية، التمر هندي، وقصب السكر والمانجا، لامست أسماعنا، أكثر أغاني السودان تميزا وتأثيرا على الوجدان، وأكثرها رسوخاً في ذاكرتنا الجمعية  (المَامْبُو دا سُودَانِي، المَامْبُو في كِيَانِي، في عُودِي وكَمَانِي، ما أجمل ألحَانِي، يا حبيبة ما احْلاكِي، المَامْبُو في غُنَاكِي).

على وقع الموسيقى قال مضيفنا مفتتحا ثرثرتنا: قبل وصولكم  كنتُ قد إتفقت مع زوجتي، على أنَّ بين ضلوع الكثيرين منا، تغفو ألف حكاية لم يكتب لها النجاح، وحكاية ساحرة أذابت الكثير من أورام الحَزن، وغيَّرت وهي تتقافز حياتنا للأجمل. 

إستأذنَتْ مُضيفتنا زوجها لتقول: لا شيء أجمل، من أن يقصَّ علينا صاحبُ كلَّ حكايةٍ تجربَتَه. إسمحوا لي أن أكون البادئة. أشعلَتْ لُفافَتها. نفثَت سحابةً مِنْ دُخانها الأبيض الكثيف. إسترخت في مقعدها المريح وهي تقول: بعد فترة من الرحيل المفاجئ لزوجي الأول يرحمه الله، أدركتُ الفرقَ الشاسعَ بين ما بات يُبعثرني من حُزْنٍ، والأمان المُتَّكِئ على صحبةٍ كانت تُمسكُ بيدي،  تُساكن روحي. بدأتُ أدرك أنَّ لا إتفاقات مُبرمَة مستدامة مع الفرح. مع الرحيل بالموت أو غير الموت، عليك أن تقبَل هزائِمك، وعيناك مفتوحتان، بسموِ إمرأة ناضجة، لا بحُزنِ طفلٍ مشاغب.

ولكن جدلا صاخبا تقليديا بين عقلي وقلبي، كان يقلق كبريائي. عقلٌ يُوسوس بأني بما ورثت من مال، لم أعد بحاجة للآخرين. وقلبٌ سليم يؤكد، بأن بعض المال وهْمٌ. فمهما نأيتُ برفقته، فإني من الآخرين لا بد من جديد دانية . يعطيني عقلي أسبابا لأبتعد. فيعطيني قلبي ألف سبب وسبب للإقتراب.

تعاملت مع هذا الجدل الصاخب بصفاء نفس مطمئنة حكيمة، لا بذكاء عقل دهقون. فتيقنتُ أنَّ لا شيء أقوى من إرادة الحب على هذه الأرض. فقررتُ أن لا أموت عند الرابعة والأربعين مما مضى من عمري.

صارت الحياة بعده اقسى، فقررتُ تغييرَ نفسي لأعود أقوى مما كنت في ظلاله. بدأت إعادة بناء معارجي، وفق أرض حاضري لا وفق حُزْنِيَ الأبْكم، فحتى أشعة الشمسِ تُحرِقُ، إذا بالغتَ في الإِقتراب منها.

خشيتُ أن أغدوَ جِدارا من حصى، عديمة المشاعر، أوقلبا ميِّتا لا يؤثِّرُ بي. فلم أنتظر من يُحضِر ليَ الزهور. زرعتُ حدائقي. زيَّنْتُ روحي. وتعلمتُ القدرةَ على الإحتمال. فمن الذكاء مع كل وداع أو أيِّ وداعٍ، أن لا نلهث وراء العصافير على شجر الفقد أو دهاليز الرحيل، وننسى العصفور الجميل الذي في الصدر.علينا ألإدراك، أن بعض السعادة ينبع صغيرا بريئا. نحن أقوياء إن أتقنَّا ألإستماع للهمس النابع من ذواتنا، ولا نصم آذاننا عنه.

بات قطار العمر يجري بي سريعا. وأنا فيه أتخبط، ما بين خيارخاطئ، وخيار أحمق آخر، دون أن أعثر في ثناياه على خياري الحر ألحقيقي، ألذي يجسد إنسانيتي لحما ودما.

مبكرا آمنت، أن حضنا واحدا صادقا، أفضل ألف مرة من هراء آلاف ألأطباء النفسيين، ونصائح المصلحين الإجتماعيين. فالحياة مليئة بالبدائل، التي لا يمكن لأيِّ منها، أن يحل محل آخر. 

إمتلأتْ بيادري وجراري، بخذلان من الحب. مللته بل قل يأست منه. فقررتُ أن أكون وحدي سيدة ما أفعل. فأنا إمرأة لم تُخلق لتكون محل إعجاب الرجال جميعا. بل مكرسة لسعادة رجل واحد. أخرستني كرامتي. وأحالتني أوجاعي بكماء لا تشكو إلا لله. إلى أن إلتقينا في صدفةِ عشاء. أميريَ هذا، حياةُ تسري على قدمين. زُولٌ مُغرمٌ بالهدوء. له لسانٌ وشفتان. نصفُ حديثه كما ترون في إلتماعات عينيه، والنصف الآخر في حجم إبتسامته وفي رنينها. فلم أعُدْ من حينها، سيدةَ ما أشعر به. أزلتُ مِزْلاجَ قلبي. ولم أعد أحْكِمُ إغلاق أبوابه، ولانوافذه. أقسم أنني لم أعد أدري أين أضعتُ مفاتيحيَ السريَّة.

إحتشدَتْ من حولنا بشكل أنيق ومتقن، مقدمات الحب ومقتضياته وتبعاته، تذكرتُ وإياه، أنَّ الله إذا أحبَّ عبْداً، وضعَ في طريقه من بِصِدْقٍ يُحِبُّه، ومن بصدق يُحِبَّه.

مع رَجُلِيَ هذا، إنتهت جُلُّ حروبي مع عقلٍ ظالمٍ وقلبٍ مظلوم. منذ عشرين عاما ونحن نُبْحِرُ في لُجَجِ الحبِّ بعيونِ النحل، ألتي لا ترى إلا كلَّ جميل من الزهور، وإبتعدنا سوية عن عيون الذباب، ألتي لا ترى إلا كل قبيح.

وهنا، جاء من يعلن، أن ركن الطعام بات جاهزا لإستقبالنا.

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

 

 

احمد الشيخاويإن عوالم هذه المجموعة التي بين أيدينا، في انجذابها إلى أفق الطفولة البعيدة، ومغازلاتها المازجة بين الخطاب السمعي والبصري، تثبت إلى أي حدّ باستطاعة الأنثوي أن يمارس ثورة هادئة خفيضة، كي يقلب بنية مجتمعية بأكملها، ويعلن تمرده المشروع على ثقافة التشكيك في طاقة المرأة الهائلة، عموما، وقدرتها على كسر الأعراف والقيود البالية.

وهي عوالم موازية هامسة بالوجدانيات، ومكثفة لمعاني وألوان الذات والحياة، تنتصر للبعد الإنساني في أعمق تجلياته، وإن اتخذت من المحلي خلفية لها، لتنطلق فيما بعد صوب الأشمل، مفجرة الأحاسيس القومية، ذودا عن أقدس قضايا العروبة وأشدها حساسية وخطورة.

إنه حضور لا محدود للأنثوي، يلون وجود النوع البشري، ويضفي نكهة ترجيح كفة الإستطيقي، على عبورنا الإنساني، المتخفف من أوزار التاريخ وأخطائه وانكساراته.

تحاول الشاعرة المغربية أم دعاء فريدة مزياني، من خلال باكورتها هذه، أن توسّع دوائر التصالح مع الذات والغيرية والكونية، باعتماد نفس نرجسي مخملي، يعتني باللغة والصورة والدال الشعري، تفصح عن هذا التوجه،وتدافع عن هذا المذهب في أكثر من مناسبة، مثلما سنقف على مدلولات ذلك،في التماعات متفرقة من المجموعة.

تقول وهي ترسم صورة للوجع المشبع بسيكولوجية الفقد:

[أيا زمني

احفر قبرا للوجع

وأبعد رفرفة النوارس

عن شطي الحارق الثائر

فهذه أمي

سُرقت

مثلما يُسرق القمر

وأكثر] (1).

كأنها عجالة وجودية، تقترح معطيات معينة،دون أن تبرر جدلية الحياة والفناء، بيد أنها تلمّح إلى دور الشعر ووظيفته الجمالية، وعمق مخزونه ولانهائية أوعيته، المعدة سلفا، في تلافيف اللاوعي البشري، لأجل احتواء وامتصاص أمرّ الصدمات وأقواها، كضرب من امتحان يكابده الكائن،يدلل على فراغات الأمومة ومشاهد فجائعيتها.

إنها تقيس القصيدة بمنسوب، ما يمكن أن يخسره الكائن، ومن ثمّ فهي تكتب بدم،لا بحبر.

كما نقرأ لها في موضع ثان، قولها :

[استهوتني لعبة الصمّ البكم

واضطررت أن أسكن ذاتي

أغترب فيها؛

أن أومن أن الزلاّت

لا تورث الكره

لكنها تسدل السّتار

وتضيع بذلك الفصول والمشاهد

وسط دمار القلوب

والمباني

والقيم] (2).

تنخرط إبداعيا في سرب المناهضين لفكر التطرف والغلو، تنبذ معجم الكراهية بكل ألسنه ولغاته، كي تحط مثل عصفورة لا تجيد سوى الترنم بميكانيزمات الأنثوي المزدان بفوقية نرجسية، تستلم لمثل هذه العفوية والبراءة في إدمان الشعر،ومنحه الرمزية التي يستحقها وأكثر.

تثرثر شاعرتنا بقلب يغوص في بيادر الطفولة البعيدة جدا، لذا نجدها وقد نبست بها هكذا ودون تفكير حتى، في أقصى زوايا عتمة الذات والحياة، بحيث عبّرت أو صاغت فشلها في الحب كمفهوم مطلق، يتسامى عن النسبية، لكنها في المقابل أكدّت تفوقها في إدمان الحرف والانتشاء بثمالة متاهاته.

والأكيد أنه اعتراف يفيد النفي، كون فشلها في الحب،إنما يمرر علينا تجلياته، ويشوكنا بحضوره، على نحو عكسي ومقنّع، يضع القصيدة كتوأم لتيمة الحب في شتى تلاوينه، ما ينعكس بالإيجاب، إن كتابة أو أنوية أو هوية ووجودا.

كما نقتبس لها كذلك :

[لنا عيناك

أيا قدس

وجرح عطر ذكراك

أيا أنس

رتّق فتوق النّياط

ليشهق قلبي

حدّ الصهيل

ويرقص على أنغام خشخشة الورق](3)

إنها حرقة القضية، تدمي القلوب وتدين العالم برمته.

تجرف بكامل هذه اللعنة والسخط، تدق ناقوس الخطر،وتتغلّف بجرأة زائدة، تشير إلى مكمن الخلل، لا تجانبه،باعتبار القضية الفلسطينية أكبر من الشعر والهوية حتى، وبرودة التعامل معها، والتقاعس عن فكّ شفرتها وأسرارها ورموزها، إنما يفوت على الإنسانية وليس فقط العروبة، مكتسبات جمّة ويقود صوب انقراض كلي وقيامة معجلة.

إن شعر القضية يجب ألا تمتطيه الإيديولوجية المكرسة لكل هذا الذل العربي والهوان الكنعاني والتكاسل الإنساني، بشكل مجمل.

مثلما نقطف لصاحبة المجموعة، قولها، أيضا :

[كأن وهج الحرف

رديف حلكة

لا يزهر إلا كلما ادلهمّت الظلم

واستبدّ الهيام

كأنه ذبالة

حملت دفقه

بياضا يبابا

كأنما الليل جمر

ترافقه الأنجم](4).

بمختصر القول، إنها سلطة الشعر، وجبروت الحرف.

الكتابة المغدقة بولادات ثانية وموازية، تنتجها قوالب الأنثوي، مدججا بعنفوان كامل وغير منقوص، يفيض بمثل هذه الغواية.

نقرأ لها في مناسبة أخرى:

[من قال أني بحاجة لأجنحة

كي أطير

أنا القمحية

عاشقة الكروم والتراب

والعبير](5).

هكذا نتبين عبر هذه المجموعة الجميلة، محاولات تلميع صور الذات والحياة، في نطاق ثقافة الذود عن الأنثوي ومعطياته.

وهي كتابة واعدة، مثلما تبرز ذلك آخر محطات الديوان،في فضاء تجربة تراهن على تنويع الخطاب وتوسيع الرؤى، بالاتكاء على المفردة الصافية المبتكرة وإن جاورت قواميس اللفظ القشيب، وجدّفت تبعا لتيارات السجع في عدد من منصات القول الشعري.

ممارسة مفتوحة على مجالات التحول والتطور، عدل ما تراكمه من تجويدات الانغماس في الخطاب الهذياني، أو الكتابة الذهنية، مركّزة على "الحِلمية " كشرط أساسي يرتقي بجنس الشعر، وإن أبحرت الذات في الواقعية وأوغلت في الصميم الإنساني.

 

احمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من نص " القدّيسة ".

(2) مقتطف من نص " وشوشات حانية ".

(3) مقتطف من نص " أيا قدس ".

(4) مقتطف من نص " صدى الروح".

(5) مقتطف من نص" مسافرة ".

* مساءات خريفية (شعر)،فريدة مزياني أم دعاء، منشورات جامعة المبدعين المغاربة، طبعة2020.

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – من اجل الاستماع الى نفسك، تحتاج الى أيام من الصمت .

التعليق – مثل فلسفي عميق، فالانسان يجب فعلا ان يتخلص من الضجيج حوله ومن ثرثرة الآخرين كي يتفرغ لنفسه ويستمع اليها . لنتذكر الآية الكريمة –  اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا...

**

الترجمة الحرفية – الطفل ضيف في بيتك - اطعمه وعلّمه واطلقه .

التعليق – مثل رائع في التربية، وهو واضح المعالم جدا بالنسبة لطبيعة الحياة عند الهنود الحمر، ولكنه – مع ذلك - يمتلك ابعادا مشتركة مع مسيرة حياة البشر عموما، اذ نتذكر رأسا القول التربوي العظيم في تراثنا – لا تؤدبوا اولادكم باخلاقكم، لانهم خلقوا لزمان غير زمانكم .

**

الترجمة الحرفية – أقوى قوة هي اللين و المرونة.

التعليق – مثل حكيم جدا، يؤكد على الحلول المرنة والتفاهم المتبادل . كم نحتاج الى هذا المثل بعض الاحيان! لا تكن ليّنا فتعصر ولا جافّا فتكسر – هكذا يقول المثل العربي،ولا تكن حلوا فيأكلوك ولا مرّا فيبصقوك – وهكذا يقول المثل الهندي، وتتكرر نفس الفكرة عند الهنود الحمر طبعا، ولكن بشكل  واضح ومباشر وحاسم .

**

اترجمة الحرفية – تذكّر دائما، ان الابتسامة شئ مقدّس، و يجب ان تتقاسمه .

التعليق – الابتسامة علامة التفاؤل في الحياة، والمتفائل يجد طريقة في الحياة بشكل أسهل من المتشائم .  المثل يؤكد على هذا الجانب من الحياة، بل ويعتبره (مقدّسا!)، ويذكرنا طبعا بالحديث الشريف المعروف لدينا عن العلاقة العضوية بين التفاؤل وايجاد الخير، ولكن المثل يذهب أبعد، ويدعو الانسان الى ان يتقاسم) هذا الشئ المقدس مع الناس الآخرين، فما أروع ذلك !

**

الترجمة الحرفية – العدو ليس دائما عدوا، والصديق كذلك.

التعليق – مثل سياسي بامتياز، ومن الواضح ان الهنود الحمر ليسوا مثلما كانت تصورهم الافلام الامريكية، اذ انهم كانوا ينطلقون من هذا المفهوم السياسي والدبلوماسي في علاقاتهم المتشابكة مع بعضهم البعض، و هذا المثل واقعيا يتطابق مع طبيعة العلاقات الانسانية عموما، بما فيها العلاقات الشخصية ايضا...

**

الترجمة الجرفية – احذر من الانسان الذي لا يتكلم، ومن الكلب الذي لا ينبح.

التعليق –  الانسان الذي لا يتكلم عن افكاره ولا يعبّر عنها يبقى مجهولا للآخرين، وبالتالي لا يمكن التكهن بافعاله او ردود افعاله تجاه الامور المطروحة حوله، وطرافة المثل هذا هو التحذير ايضا من الكلب الذي لا ينبح، وربما يريد مثل الهنود الحمر ان يساوي هذا الانسان بذلك الكلب . يوجد مثل ياباني في نفس المعنى وهو – كن حذرا مع الذي يصمت، وهناك مثل مشهور بلهجتنا العراقية يصف نفس الحالة ولكن بشكل مرح جدا، وهو - من السكوتي طكي وموتي ومن الورواري خلي وفوتي، (السكوتي – الصامت،طكي – انفجري، الورواري – الثرثار). 

**

الترجمة الحرفية – اذا عندك ما تقوله، انهض كي يشاهدونك .

التعليق – دعوة واضحة و صريحة ودقيقة للاعلان عن الافكار التي يقتنع بها الانسان .

**

الترجمة الحرفية – تقديم الخدمات عمل روحاني.

التعليق – مثل نبيل بكل معنى الكلمة .

**

الترجمة الحرفية – احكم بقلبك وليس بعقلك .

التعليق – ما أجمل هذا المثل، اذ انه يلغي صرامة العقل عند الحكم ويدعو الى الاستماع الى عواطف القلب ورقته . انها دعوة صادقة للتسامح والعفو عند اتخاذ الاحكام . قال لي صاحبي، ان هذا المثل يذكر بقولنا الشهير – العفو عند المقدرة، فقلت له، أما انا فقد تذكرت قولا آخر وهو – المسامح كريم ...

**

الترجمة الحرفية – ذاك الذي يمتلك كثيرا من السلطة، يجب ان يستخدمها دون ضغط .

التعليق – آه لو كان هؤلاء (الهنود الحمر!!) يحكمون الان في عالمنا المعاصر، هكذا قال لي صاحبي وهو يتحسر أسفا.

**

الترجمة الحرفية – الضفدعة لا تشرب ماء البركة التي تعيش فيها .

التعليق – البركة للضفدعة هي الوطن، ولهذا فانها تحافظ عليه ولا يمكن ان تجففه . الهنود الحمر يلاحظون - و بدقة عميقة - الطبيعة وقوانينها حولهم، ويصيغون امثالهم نتيجة هذه الملاحظات الذكية، ولهذا فان امثالهم تتناسق مع مسيرة الحياة البشرية عموما لأنها ملاحظات صادقة وحقيقية . الضفدعة لا تجفف ماء البحيرة رغم عطشها وحاجتها لشرب الماء، لانه وطنها، الذي يبقى عزيزا عليها.  لنتذكر بيت الشعرالعربي الجميل والمعروف الذي ذهب مثلا عن (بلادي وان جارت عليّ عزيزة ....)  .

***

أ. د. ضياء نافع

 

ناجي ظاهرعرف الابداع الادبي والفني منذ فجرهما الاول، جانبين، احدهما هو الهامّ والآخر هو الاقل أهمية، هذان الجانبان تمثلا في الابداع الحقيقي الذي دخل الى الذاكرة البشرية، اما الجانب الاخر، فقد تمثل فيما يمكننا ان نطلق عليه الجانب الاجتماعي وكل ما يتعلق بصاحب العمل الابداعي.. لا بالعمل ذاته.

عن الجانب الاول نقول، انه الهدف والمبغى وسدرة المنتهى في الابداع عامة وفي النوعين المذكورين خاصة، فالكاتب او الفنان الحقيقي، انما يبغي من كل عمل ابداعي يقوم به وينفذه، الى مرمى واحد، هو ان يضيف الى ما سبق وقاله آخرون سابقون، ما هو جديد وجدير، لهذا نراه لا ينام الليل، ويصل هذا الأخير بالنهار كي يقدم افضل ما لديه، مستعينا بكل ما يمكنه التوسل به تحقيقا لهذه الغاية سواء كان بالاستزادة من الثقافة والاطلاع، ام بالدراسة والمتابعة لكل ما هو جديد وحتى قديم في المجال. لهذا نلاحظ ان المبدعين الحقيقيين الجديرين بصفتهم هذه، يضعون الابداع ذا المستوى الرفيع في اعلى سلم اولياتهم، غير عابئين بما يمكن ان يستتبعه انتاجهم الابداعي من انتشار وشيوع ذكر، وتحضرني في هذا السياق رؤية مختلفة لتلك التي عرفناها حتى الآن، عن ان الحرمان الفقر والجوع، هما الابوان الشرعيان للإبداع، هذا الرأي هو للمثقف السوري د. سامي الدروبي، المعروف بإثرائه المكتبة العربية بالترجمات الكاملة لكل من الاديبين الروائيين الروسيين البارزين فيودور دوستوفسكي وليو تولتسوي، ومفاده ان الفقر الجوع والحرمان قد يكونان نتيجة للحياة التقشفية التي يعيشها الانسان المبدع، وليس مقدمة لها، كما اشيع دائما، لقد اورد الدروبي رايه الثمين هذا في كتابه القيم عن " علم النفس والادب"، واعتقد ان مرماه البعيد يتمثل في ان الانسان المبدع قد ينسى العالم الا انه لا ينسى ابداعه.. مهما طاله من ظلم وعسف.

اما عن الجانب الآخر للإبداع الادبي، فهو ذاك الذي يتعلق بصاحبه وبذيوع ذكره، اعترف أن هذا الجانب هو الدافع لكتابة هذه الخاطرة، فما اكثر اولئك الذين ينشدون السمعة الادبية الطيبة في عصرنا، عصر انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي وهيمنة العولمة/ الامركة، بعد انتهاء الحرب الباردة، اي انتهاء زمن الحروب، هؤلاء لا يهمهم ما يبدعونه وينتجونه، بقدر ما يجذبهم البريق المضلل للشهرة، ومن هؤلاء اشير الى من يدعي انه شاعر اديب او مبدع فنان، دون ان يقدم اي ابداع يُعتدُّ به، ومنهم من يستكتب آخرين وينشر ما يكتبونه له بالأجرة او مجانا، مدعيا انه من بنات ابداعه، ومنهم ايضا من يستقطب بفهلويته الاجتماعية، او موضعيته الوظيفية، عددا من الاصدقاء الذين يداهمونه باللاياكات على الطالع والنازل، غير آخذين بعين الاعتبار المستوى المتدني الذي يقدمه للآخرين، من القراء والمتلقين. في هذا السياق يهمني الاشارة الى فكرة طالما رددها شعراء ومثقفون منهم الشاعر محمود درويش، مفادها ان هناك فرقا كبيرا بين الشهرة والأهمية، فقد ترى مبدعا مشهورا دون وجه حق، فيما ترى آخر مبدعا وغير مشهور، فالشهرة ليست مقياسا للإبداع، وانما مقياس الابداع.. هو الابداع ذاته.

اذا كان لي من كلمة اضيفها في نهاية هذه الكلمة، هي تلك التي تتعلق بالإبداع والتسويق، وقد سبق واشرت اليها في اكثر من كتابة وموقع، لا شك انه من حق المبدع ذاتيا، كما هو الشأن في عالمنا العربي عامة، او مدير اعمال كما هو الامر في الغرب، ان يُسوّق ما يقوم بوضعه من ابداع، شريطة الا ينسى ان الابداع وليس الانتشار المجاني هو الهدف، ومما يمكن ذكره في هذا المجال، ما قاله الكاتب الروائي الايطالي المبدع البرتو مورافيا، صاحب الروايات المشهورة عالميا: السام، امرأة من روما وانا وهو. لقد قال مورافيا ما مفاده انه من حق المبدع ان يسوق عمله بنسبة عشرة بالمائة، لكن من واجبه ان يبدع بالمتبقي اي تسعين بالمائة، وليس العكس كما يحدث لدينا.

 

ناجي ظاهر

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية - الكذب شظايا الحقيقة .

التعليق – ونحن نقول - يفوتك من الكذاب صدق كثير، وهناك امثال كثيرة لدى الشعوب تشير الى هذه الظاهرة الاجتماعية المشتركة بين البشر، منها المثل الياباني – وفي الكذب توجد حقيقة .

**

الترجمة الحرفية – الخبز عند الجيران أطيب .

التعليق – توجد امثال كثيرة عند مختلف الشعوب حول حالة الحسد والغيرة هذه عند الانسان، اذ نقول نحن، ان (مرقة الجيران أطيب) و(دجاجة الجيران أسمن)، وهناك مثل جورجي طريف يوضح هذه الحالة ويقول - زهرة الجيران تنغز الحسود مثل الشوك، وكذلك يوجد مثل افغاني طريف ايضا في هذا المعنى، وهو – حمار الغريب يبدو اقوى من حمارك ...

**

الترجمة الحرفية – لا يقدر الفأر ان يفلت من القطة الجائعة .

التعليق – وهناك مثل صيني غريب معاكس له يقول، ان الفأر الجائع مستعد ان يفترس القط . ويوجد مثل روسي في هذا المعنى يقول، الذئب الجوعان اقوى من الكلب الشبعان، وهناك مثل ياباني وفي نفس المعنى ايضا يقول - الكلب الجائع لا يخاف من العصا. كل هذه الامثال – رغم مبالغاتها - تؤكد مثلنا العربي الشهير – الجوع كافر.

**

الترجمة الحرفية – والقمر ليس بلا نواقص .

التعليق – يوجد مثل باللهجة العراقية يكرر هذا المضمون بالضبط، وهو – حتى الكمر بي لوله . (الكمر – القمر، بي - به، لوله – عيب او نقص)، وبشكل عام فان (الكمال لله وحده) .

**

الترجمة الحرفية – عندما يأكل الفقير دجاجة، يعني اما هو مريض او الدجاجة.

التعليق – مثل يثير الابتسام، رغم انه يتحدث عن وضع مأساوي بكل معنى الكلمة، اذ ان هذا يعني، ان الفقير لا يأكل الدجاج في مسيرة حياته الاعتيادية، ولنتذكر المثل الساخر الشهير باللهجة العراقية – ناس تاكل دجاج وناس تتلقى العجاج.

**

الترجمة الحرفية – أفضل شيطان مجرّب من ملاك غير مجرّب.

التعليق – يقول المثل باللهجة العراقية وفي نفس هذا المعنى - الشين التعرفه احسن من الزين المتعرفه، (الشين – السئ، التعرفه – الذي تعرفه، الزين – الجيد) . المثل الارمني يذهب أبعد من المثل العراقي، اذ يتحدث عن (شيطان !) و(ملاك!)...

**

الترجمة الحرفية – كما ينظر الاعمى الى الرب، الرب ينظر الى الاعمى .

التعليق – الايمان كامن في اعماق النفس الانسانية بغض النظر عن كل شئ، ولهذا يشعر الاعمى برعاية الرب له، وانه ينظر اليه .

**

الترجمة الحرفية – لا يغسلون الدم بالدم وانما بالماء.

التعليق – دعوة جميلة ومهمة جدا لمعالجة حالات الانتقام الرهيبة، وهي دعوة ضرورية جدا بالنسبة لكل المجتمعات الانسانية عموما، والشرقية خاصة .

**

الترجمة الحرفية – متى ما تصطاد انت السمكة، فانها طازجة .

التعليق – مثل طريف، وهو واضح المعنى طبعا، ويدعو الانسان الى الاعتماد على نفسه في تدبير كل اموره و متطلباته والاجابة عن تساؤلاته . يقول مثلنا المعروف – ما حك جلدك مثل ظفرك.

**

الترجمة الحرفية – مصيبة تجلب مصيبة .

التعليق – المصائب لا تأتي فرادى، هذا هو المثل العربي المناظر، اما المثل الروسي المناظر فيقول – المصيبة لا تأتي بمفردها ابدا، وهناك مثل روسي آخر في هذا المعنى وهو – جاءت المصيبة – افتح البوابة .

**

الترجمة الحرفية – الذي يعرف أكثر ليس الذي عاش أكثر، وانما الذي ذهب أبعد .

التعليق – معنى المثل واضح جدا، فالذي يختلط ويتفاعل مع الحياة هو الذي يمتلك المعرفة، نتيجة التجربة . نقول نحن – اسأل مجرب ولا تسأل حكيم، (الحكيم باللهجة العراقية هو الطبيب) .

**

الترجمة الحرفية – اليد الكسولة ترقد على معدة فارغة .

التعليق – يقول المثل العربي الذكي جدا – الكسل ما يطعم بصل . الصورة الفنية جميلة في المثل الارمني، الذي هو في نفس المعنى طبعا، رغم انه اكثر شمولية.

***

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر فريد حسنتأتي قيمة عميد الادب العربي الدكتور طه حسين في حياتنا الثقافية والفكرية، ليس فقط من كونه مفكرًا ومثقفًا نقديًا ضرب بسهم وافر في إثراء ميادين الانسانيات بأعمال نقدية ومنجزات بحثية ودراسات موسوعية متنوعة النواحي، وإنما تتجلى هذه القيمة باعتباره داعية تنوير، وصاحب رسالة ثقافية وفكرية تروم وضع حياتنا الثقافية برمتها على المسار الصحيح. ومن هذه الزاوية ننظر إليه ونعتبره امتدادًا طبيعيًا أصيلًا ومنطقيًا لرواد التنوير الكبار، من امثال الطهطاوي والكواكبي والافغاني ومحمد عبده وفرح انطوان وشبلي شميل وسواهم.

وبديهي أن تنصرف هموم طه حسين وغيره من رسل التنوير بالدرجة الأولى نحو هدم ركام الابنية الفكرية الرجعية القديمة واشهار عجزها وافلاسها تمهيدًا لبناء دعائم الفكر النهضوي الجديد على أسس علمية معاصرة. وهذه المرحلة الهامة التي يطلق عليها طه حسين مرحلة " هدم الهدم ".

ألف طه حسين عدة مصنفات غطت البعثة النبوية وعصر الراشدين، وقدم صورة واضحة لمسار حركة التاريخ الاسلامي  مصفاة من أكداس الغيبيات والمعجزات والخوارق والأساطير التي تراكمت على مر الزمن، وطمست معالم الحقيقة طمسًا يكون تامًا.

ويتجلى الهدف التنويري لطه حسين بوضوح في كتابه " على هامش السيرة " الذي لا يعد تاريخًا بأي حال من الاحوال بل على حد قوله مجرد " صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين لأني لم أرد بها إلى العلم ولم اقصد بها إلى التاريخ ".

وبهذا العمل والمنجز القيم استهل به بداية ذكية لمرحلة فكرية نضالية ضد الخرافة والتقليد والقداسة، مقدمًا وعارضًا أفكاره بنظرة المؤرخ والباحث الذي يجرد نفسه تجريدًا كاملًا من النزعات والعواطف مهما اختلفت مظاهرها ومصادرها وغاياتها.

وبهذا المنهج طفر طه حسين بأصول البحث في التاريخ الاسلامي طفرة هائلة، وخرج به من نطاق القدسيات والمحظورات والمحرمات إلى موضوع يخضع للبحث والتحليل والاجتماع خضوع المادة لعلم الكيمياء.

خاض طه حسين معارك فكرية وثقافية وأدبية عديدة، دفاعًا عن حرية الفكر وحرية المرأة وحرية مصر واستقلالها، وتعرض ولا يزال حتى بعد موته يتعرض لهجوم شرس من الاصوليين والسلفيين والمتأسلمين، بسبب كتابه " في الشعر الجاهلي " الذي اعتمد به على العلم والعقل، وعلى نظرية الشك المنهجي، وأدى هذا الهجوم بالتالي إلى مصادرة كتابه ما اضطره إلى تعديله واصداره تحت عنوان " في الأدب الجاهلي ".

أبقى طه حسين وراءه إرثًا أدبيًا ثقافيًا فكريًا ونقديًا هائلًا، وهذا الإرث الغني لا يتمثل فقط بالمنجزات والأعمال والدراسات النقدية والبحثية والروائية والسيرة الذاتية، وإنما بالفكر التقدمي الواعي والدعوة للعلم وحرية الفكر والاصلاح الاجتماعي والتنوير والاغتراف من معين تراثنا ونزعاته المادية.

ويمكن القول أن طه حسين استطاع تقديم صورة واضحة لحقيقة تاريخ صدر الاسلام قوامها الروايات المستقيمة من المنطق والعقل.

وفي الاجمال، طه حسين سارق النار، مفكر تنويري ومثقف نقدي تجديدي حداثي معاصر، وجد مناخًا مهيئ لاحتضان فكر التنوير والحداثة وفتح المجال أمام العقل العربي والإنساني للمغامرة والبحث والاكتشاف بحرية. وما احوج أمتنا العودة لتراثه العظيم، وغسل ما في عقولنا وأذهاننا ونفسياتنا من جهل وتخلف وادران وأمراض متأصلة فيها.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – بكل يد من يديه يريد ان يصطاد سمكة .

التعليق – صياد السمك الفيتنامي هذا لن يصطاد شيئا ابدا، لأنه لا يعرف مثلنا العربي الجميل عن الطمع، وكيف يمكن لهذا الطمع ان (يقتله !).

 **

الترجمة الحرفية – الطويل يضحك على العمالقة، والقصير يضحك على الاقزام .

التعليق – لوحة كاريكاتيرية رائعة لعالمنا، وهي (لوحة!!) تجعلنا نضحك على طويلي القامة وقصيري القامة معا، لأنهم لا يعرفون التباين الطبيعي للبشرشكلا ومضمونا، ولا يعترفون بتلك الوقائع الاساسية للحياة الانسانية . ما أعمق هذا المثل الفيتنامي وما ألطفه .

 **

الترجمة الحرفية – البيت يتيم بلا رجل، والمطبخ يتيم بلا امرأة .

التعليق – هذا هو النظام السائد في كل مكان وزمان في مسيرة حياة الانسان، وكم حاول (البعض!!) من الرفاق تغييره هنا وهناك انطلاقا من نظريات يؤمنون بها، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في التطبيق العملي لنظرياتهم تلك . المثل الفيتنامي هذا يضع النقاط على الحروف بشكل واضح وبسيط و دقيق .

 **

الترجمة الحرفية – الغني يصبح أحد الاقارب، والفقير يبقى غريبا .

التعليق – حقيقة مؤلمة في حياة الناس شرقا وغربا ...

 **

الترجمة الحرفية – المرض يدخل عبر الفم، والمصيبة تخرج من الفم .

التعليق – المعدة بيت الداء، اي ان المرض يدخل فعلا عن طريق الفم، واللسان عدو الانسان، اي ان المصيبة تخرج فعلا من الفم . ما أجمل هذه الخلاصة الواضحة والصحيحة في هذا المثل الفيتنامي الدقيق و الجميل .

 **

الترجمة الحرفية – البطن شبعانة والعيون جوعانة .

التعليق – مثلنا يصف نفس الحالة بالضبط،ويكرر نفس الصورة الفنية تقريبا. لنتذكر هذا المثل - جدره على ناره وعينه على جاره . الافكار بين الشعوب متناسقة، لأن قواعد الحياة الانسانية واحدة في كل مكان بغض النظر عن كل شئ.

 **

الترجمة الحرفية – الخمر يدخل، والكلمات تخرج .

التعليق – المثل الروسي يقول – ما يوجد في عقل الصاحي ينعكس على لسان السكران، والمثل العربي المناظر له يقول – الخمر حلاّل لعقدة اللسان . المثل الفيتنامي مختصر مفيد في وصف هذه الحالة العامة عند الانسان .

 **

الترجمة الحرفية – الماء من السقف يصب دائما الى الاسفل.

التعليق – مثل رمزي واقعي فعلا، اذ ان (عدم انتظام العمل !) في السقف، اي الذين في الاعلى، ينعكس دائما على الذين يكونون تحت السقف، اي في الاسفل . المعادلة الدائمية للعلاقات في المجتمعات الانسانية بين (الناس اللي فوق !) و (الناس اللي تحت!)...

 **

الترجمة الحرفية – دون فيل، يبدو الثور ضخما .

التعليق – كل الامور نسبية في حياتنا...

 **

الترجمة الحرفية – السمكة الكبيرة تبتلع السمكة الصغيرة .

التعليق – وكذلك الحال في (أنهار و بحار!) المجتمعات الانسانية كافة .

 **

الترجمة الحرفية – يعيش الدجاج في قفص واحد ويتعاركون فيما بينهم .

التعليق – ما أجمل هذا المثل الواقعي فعلا، وكم يذكّر بواقع بلدان عالمنا (الثالث !!!)، بما فيها بلداننا العربية طبعا. لقد قال لنا المتنبي قبل أكثر من عشرة قرون، انه (ضحك كالبكا ....) .

 **

أ.د. ضياء نافع

 

حسين ابوسعودبالأمس قتل شمس التبريزي وشارك في قتله علاء الدين ابن جلال الدين الرومي والليلة مات عزيز مؤلف رواية الكفر الحلو بعد صراع مع مرض السرطان في أحد مستشفيات قونية حيث يرقد مولانا جلال الدين الرومي الذي تحول من عالم دين الى عاشق صوفي، اغواه بذلك الدرويش شمس التبريزي.

وغادرت ايلا الامريكية عشيقة عزيز وزوجة ديفيد قونية الى أمستردام بدلا من نورثامبتون حيث زوجها واطفالها الثلاثة بعد ان خسرت كل شيء تلبية لنداءات القلب والجسد.

ذهبت الى فراشي في الثالثة فجرا ولكني لم أستطع النوم، انا لا اشبه شمس التبريزي الا في بعض الأشياء، ولا احمل من صفات الرومي شيئا لكثرة اوزاري وذنوبي، واما عزيز الهولندي المتحول الى الإسلام الصوفي دون ان يجهد نفسه بدراسة المذاهب الإسلامية الأخرى، ارتحل الى كثير من مدن العالم شرقا وغربا، كان يعلم شيئا واحدا حقيقيا وهو انه سيموت قرب معشوقه جلال الدين الرومي، وهذا ما حصل وحضر جنازته الصوفيون وغير الصوفيين، لقد كان مقبولا من الجميع، كيف لا  وقد كان عفيفا حارب شهوات النفس بكل ثبات وتبنى عددا من الايتام ولم يؤذ أحدا في حياته، ماذا يريد الانسان اكثر من هذا كي يكون مقبولا.

انا اختلف عن جلال الدين الرومي لأنه صدق شمس التبريزي بان قواعد العشق اربعون وانا أقول ان قواعد العشق لا تنتهي ابدا وكل العشاق يستطيعون ان يخترعوا قواعد جديدة في كل يوم وكل ارض وكل مناسبة.

كنت أتمنى ان استمر معك رغم الفوارق الكبيرة بيننا لا سيما فارق السن ولكني أخاف ان اٌطرد من حياتك وانا في أرذل العمر ولن أجد حينها ملاذا من الوحدة والخوف والمطر، لن اقوى على مشاركة المشردين والسكارى الشوارع الخلفية للمدينة المرطوبة.

لا اريد ان اشوه علاقتنا يوما او احمل عنك صورة غير التي رسمتها لك في مخيلتي، ها انا قد اعدت لك كل شيء واودعتك كتبي كلها واهديتك مفكرة الجيب الانيقة التي تنظم لك حياتك لمدة عام، ويعطيك إحساسا بأهمية الوقت ويشعرك بان الحياة قصيرة والأيام تجري بسرعة نحو النهاية، وباختصار شديد لن أجد مثلك في الدنيا رغم أنك لست على ما اشتهي تماما.

معذرة مولانا جلال الدين فانا لن ارضخ لصرخات شمس التبريزي طالبا مني ان احرق كتبي على رؤوس الاشهاد وابعثر اوراقي التي كدستها منذ أكثر من نصف قرن في الهواء.

قررت ان أكون قويا ولا افعل ذلك مع علمي بان هذه الأوراق وهذه الكتب سوف تٌلقى بعدي في القمامة كما يتم التخلص من ملابسي واقلامي ونظاراتي وادويتي الباقية، نعم وعدت التبريزي بحرق الكتب والأوراق والتخلص من الملابس ذات الماركات العالمية والاكتفاء بثوب من الصوف الأسود لستر عيوبي ونواقصي ونزواتي، واسير بمفردي في الدروب المظلمة بحثا عن النور والنقاء.

**

العمر ينتهي ولكن الآمال لا تنتهي والاعمال لا تنتهي وقصص الماضين لم تكتمل.

**

ساجئ الى قونية عن قريب لا لكي اخرج جثة شمس التبريزي من البئر ولا لكي اقرأ الفاتحة عند راس مولانا الرومي وانما بحثا عن قبر عزيز الروائي الهولندي في المقبرة الإسلامية القديمة، ساجئ الى قونية عن قريب لا لكي اموت هناك بلا حبيبة لان أجمل الميتات ما كان في حضن حبيبة

**

صغيرتي يقول شمس التبريزي في قاعدة من قواعده: ليس من المتأخر مطلقا ان تسال نفسك هل انا مستعد لتغيير الحياة التي احياها؟ هل انا مستعد لتغيير نفسي من الداخل؟

إذا غادرت المدينة في فجر غد، قد اغادر في فجر يوم من الأيام الا ان اثاري ستظل ماثلة في كل مكان حتى صوتي يظل متحفزا في زوايا البيت يغني المواويل الحزينة.

سترينني في كل مكان بعد ان كنت ترينني في مكان واحد واعلمي انت لست منتصرة وانا لست مهزوما ولكنه القدر وسطوته التي لا تقارع.

رغم المرارات فانا مدين لك بالكثير من لحظات السعادة التي اوهمتيني بها على انها حقيقة، لا قيمة للحياة بلا عشق

قاعدة العشق الخمسون: كل الانتصارات في العشق هي هزائم وكل هزائم العشق هي انتصارات

تهيئي لوداعي.

 

حسين أبو سعود

........................

كان الفراغ من قراءة رواية قواعد العشق الاربعون للكاتبة التركية اليف شفق، ترجمة خالد الجبيلي في اليوم الأخير من عام 2019

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب - 15

في باحة جامعة اليرموك الربداوية في شمال الاردن، قبل أيام، تقدم مني حفيدي الدارس لعلوم السياسة فيها. وقال بفرح مقدما لي باقة من زميلاته وزملائه الطلبة، كانوا برفقته: هذه زميلتنا دلال سورية من فلسطين، والعباس هذا أخ عراقي من سورية، أما الياس هذا فهو من جبل العرب في سورية، أما خديجتنا هذه، فهي لبنانية من سورية هي الاخرى، وأنا كما علمتني اردني من بلاد الشام مثلهم . كلنا كما ترى يا جدي، نعتز وبحب، أننا عرب من هنا، من سوريا الكبرى .

قلت وروحي تضمهم باعتزاز: (بلاد الشام حتى في زمن الانحدار العربي العام، ليست دولة او حيزا جغرافيا فقط، بل قصة تعاش ولا تقال أو تروى، تتناقلها الاجيال لا من خلال أعلام أو اناشيد، بل بصمات حضارية منقوشة على وجه الزمان وقلب المكان .

قالت خديجة: ولكن يا شيخنا، أوليس من الشذوذ ان تعشق مكانا محددا أو تاريخا ما، فقط لانه جزء من ذكرى جميلة تغزو روحك؟

قلت: ليس عبيا إن كانت بلاد الشام هي اصل الحكاية . لبلاد الشام كيمياء لا تسمح لأي عاق سياسي، الامعان في العنصرة، او التشظي والتحوصل في قطرية ضيقة مقيتة. سورية الكبرى قصة سرمدية، مليئة بالرموز والسحر والغموض . لا تبوح بكل مكنوناتها مرة واحدة. وكل من حاول مقاربتها، ادرك ان لا بداية لسورية، ولا نهاية لها .

سال علي: اتشكو مواطن الهلال الخصيب تقصيرا في حبنا لها؟ أسوريانا في ظل ما نعيش من انحدار، بحاجة لمن يحبها اكثر؟

قلت وأنا أرخي ذراعي الايسر على كتفه لادنيه مني، ومتواصلا مع عيونهم: لا يا ولدي، فبلاد الشام قد بلغت من الحظوة درجة، ان كل محب لها انى توجه، سيجدها باقية في قلب الزمان، وفي الواقع ماثلة، وفي الامل حاضرة . لا اعلم بلدا، قد بلغت بالحضارة، ما بلغت بلاد الشام، أوصلتها الى مراقي المجد وذروة الشرف في الارض .

حتى قيل: أن كل محب للطبيعة، سيستوطنه جمالها الصارخ , وهو يطل على جدران المدينة الوردية في البترا، التي نقشت في الصخر قبل 3000 سنة، او في شموخ سور عكا، حيث هزم نابليون، او في بقايا تدمر او بابل او بعلبك وغيرها الكثير .

ومن كان من عشاق الحضارات، سيجد بعض اجزاء هذه القصة في كل حضارة عاشت فيها وعبرتها . وسيعلم ساعتها انها كانت المهد لاول ابجدية وجدت في التاريخ . وفي ثناياها سيجد باقات من العلماء كابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية في عام 1242 .

والفرح يتراقص على قسمات وجهي، وفي نبرات صوتي أكملت: ومن عنده شغف بالايمان، سيعلم مما ترويه له أجراس الكنائس في بيت لحم، وتكبيرات قباب بيت المقدس، اننا في بلاد الشام، مسلمون منذ اكثر من 1440 سنة، ومسيحيون منذ 2020 سنة، ولكن الاهم اننا سوريون منذ حوالي 7000 سنة . قصة سوريا وان لم تبدأ بولادة العديد من الأنبياء الذين عاشوا فيها او عبروها، الا انها في نبوؤة كل نبي، وفي كل صلاة، وكل لحظة قرب من الله سبحانه .

أما الياس، فقد استأذنهم ليسألني باسمهم جميعا: كيف نخرج من سجن قطرياتنا الضيقة والسلبية، الى رحاب هويتنا الوطنية .

قلت: بالخروج الايجابي، مما اقترفه بحقكم سايكس بيكو وبعض تابعيه من المتصهينين، الى غيطان عروبة بلاد الشام،. محوطين بنسائم مشبعة برذاذ أنهر دجلة والفرات، والعاصي والاردن واليرموك، ونهرالعوجا في فلسطين والليطاني في لبنان. اطلقوا العنان لارواحكم، وارقصوا عشقا مع مطر الخير، تحت ضوء القمر، وعلى سحرانغام اول نوتة موسيقية خالدة في التاريخ، وجدت محفورة على لوح طيني في اوغاريت، ابدعها قبل 3400 سنة روح ذاك السوري العظيم، قبل الكثير من عباقرة الموسيقى في العالم).

من اين نبدأ يا جدي؟

أفقلت ونحن نتوجه الى المقصف: وانتم تعملون من اجل مستقبل افضل، لتكن لكم يا شباب، الجرأة على استخدام عقولكم، للتعرف على ما في ارواحكم من الحان لم تؤلف بعد، والكثير من القصائد التي لم تنظم بعد. بلادكم تعج بالكثير من الامنيات التي لم تتحقق، والكثير من الدعوات التي لم تستجب بعد، ولن تستجب الا بتحرير عقولكم من غيبياتها وسلبياتها .

سوريانا العظيمة بوابة العروبة الانسانية، تستحق الحياة وتليق بها . فهي هوية ثانية لكل مثقف إنسان، بالاضافة الى هوية امته الاصلية .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 7/1/2020