الحياة عندما تكشف أقنعة بعض الأصدقاء أو اﻷقارب تكشفها بقسوه لدرجة إننا نحتاج وقتاً طويلاً لنستوعب بشاعة الوجوه الحقيقية التي تقاسمنا معها ذكرياتنا فالصديق او القريب او ايا كانت المسميات ومعظم صلات القرابة او علاقات الصداقة او الحب او اي شكل من اشكال العلاقات بين الناس نجدها عبارة عن وهم او كذبة كبيرة نروج لها و نستند عليها كي نستمر بعبور بحار الحياة العميقة الغامضة والمليئة باﻷسرار واﻷوجاع، الخالية احيانا من لمسات الأحبة ومن كانوا يسكنون المقل!

أما عني، فكثيرا ما فرطّت وبسخاء مع غيري، لا لشيء فقط لأن حنيني اكبر من اهمالهم، ومحبتي أجل وأعظم من زيفهم، كنت احيانا انتظر عطف ذاك ورد هذا وكنت اصدق ان المسافات تطوى بالمحبة وان الدعاء والتواصل هما مراسيل بين القلوب النقية لكن الحقيقة اثبتت لي ان البعيد عن العين بعيد عن القلب ولا حقيقة سواها فمن لم يشعر بك وقت حزنك وقهرك وفرحك وفشلك ونجاحك ولم يشاركك كل ماتمر به وانما فقط ينتظر هل انت ما زلت على قيد الحياة ليكتب بين فترة واخرى "كيف حالك " مكررة وممزوجة بمشاعر مملة وان مت فيهيج اصفرارا ليس فراقا وحزنا من القلب وانما تانيب ضمير ان ما زال ذلك الضمير حي بين تلك الخبائث والاحقاد والخذلان المتعمد منهم .

قد يكتب عني الكثير ويعدد خصالي الجميلة وقربه مني ليرضي حجمه الصغير الذي يظن انه قد يخفى كل ذاك امام الباري العظيم وسيقول للعالم اني كنت وكنت ولاغير سواك هناك بقلبي وبخاطري الكثير لكن سأكتفي،

تبا لكل العلاقات والقرابات والصداقات التي لاتذيل بتوقيع كل يوم او يومين او اسبوع او شهر بذلك الوسم المعبر حقيقة عن الصدق والمحبة بحجم القلوب التي تحملها .

تبا لكل المسافات والسنين التي قتلت اجمل اللحظات واجمل العلاقات والذكريات .

تبا لكل اﻷيام بل الشهور والسنين التي مرت وأنا اصدق تلك المشاعر حتى تعبت من كثر مراسلات روحي وهي تنتظر حروفهم لتربت على كلماتي

وبقينا انا ويدي المتعبة من كثرة نقر حروف الاشتياق على كيبورد هاتفي

ومللت حتى مواقع التواصل الاجتماعي من كثر مامرت عليها حروفي اليائسة الحارة وردودهم البعيده الباردة.

لن اكون كما كنت، صدقا ضجرت من كثرة المحاولات لجعل العالم الذي يربطنا مليء بصدق الاحاسيس فأنتم لديكم عالمكم وانا ايقنت اني خارج عوالم اكثر بل اكاد اجزم جميع من اعرف سوى من اعيش معهم ولهم وفيهم ....

 

بقلم: ذكرى البياتي

 

احمد الكنانيالماورائية في عناوين المقالات يقصد بها في العادة تلك الأبحاث التي تدور حول الموضوع ولا تتعرض له، كما يقال ما وراء الفقه عند البحث عن العلوم المتعلقة بالفقه لا الفقه نفسه، او يقال ما وراء الفن عندما يتعلق الموضوع بأمر يدور خلف كواليس الفن وليس الفن بذاته.

 وليس المقصود بالماورائية المعنى الفلسفي للكلمة وهي الميتافيزيقيا او ما وراء الطبيعة وكل ما يتعلق بالأمور غير المحسوسة، والكلام هنا ليس في الشعر كمادة أدبية متسامية وإنما هو كلام في البيئة الحاوية للشعر؛ بأعتبارها ظاهرة اجتماعية نعيشها في منتدياتنا الحقيقية اوالافتراضية .

الحديث عن الوجه الآخر للشعر، حديث لابد منه وان جحده العوام، وسكت عنه الانام، كلام عن الطرف المقابل للجهة المشرقة والمُشعّة للشعر والتي لا تنتمي للأدب الملتزم بحال وان عُدّت من أنواعه ...

الدكتور علي الوردي في كتابه " أسطورة الأدب الرفيع " أعطى لنفسه الحق في نقد الشعر العربي القديم وإسداء النصح للشعراء المحدثين عندما نعت الشعراء العرب بالشحاذين الذين يمتدحون السلاطين الظلمة أملاً بالجائزة الدسمة او جارية دعجاء، وآخرون يتفننون بوصف الخمرة والتغزل بالغلمان ...هذا فيما يخص قديم الشعر .

أما حديث الشعر فقد طالب معاصريه من الشعراء اتبّاع اللغة الميسرة المفهومة،والابتعاد عن شوارد اللغة وشواذها؛ اذ ليس من المعقول ان تقرأ شعرا وبين يديك قاموسأً لغوياً ترجع اليه بين الفينة والأخرى .

ولم ير نفسه متطفلاً عَلى الأدب او تطرق لموضوع ليس من شأنه او اختصاصه؛ لان ناقد الشعر ليس بالضرورة شاعر والقصيدة الشعرية او المقطوعة النثرية هي لوحة فنية وظاهرة اجتماعية في الوقت ذاته.

تسجيل ملاحظة ما او حتى نقد موقف ادبي لهذا او ذاك شعراً او رواية لا يدخل في باب الفضول والتطفّل إنما هو تشخيص ظواهر قد تتفاقم محدثة مشكلة اجتماعية يصعب تداركها أحيانا كثيرة، خصوصا وأمر النشر بات مفتوحاً على مصراعيه لكل من دب، حتى اصبح رواد الفيسبوك يلتمس العذر من المتابعين لان صفحته لم تضف موضوعا ما ليوم او يومين وكأن الناس جالسون ينتظرونه لينهلوا من فيض علمه ...

لا مجال للمجاملات في المعرفة وان اختلطت الأمور على كثير من الناس اذ اعتقدوا ان الواقع المعاش وموقع التواصل اصبح واحداً فإن تفضل عليك بأعجاب او قلب احمر يتطلب الامر ان تردها اليه بمثلها او بأحسن منها وان لم يعجبك ما ينشره اذ متطلبات الالتزام  الاجتماعي تقتضي ذلك ...

ذات مرة عوتبت على إعجاب بَدَرَ مني لمقالة صديق نشرها على الفيسبوك يتحدث بها عن ظاهرة توزيع شهادات الدكتوراه الافتخارية هذه الأيام؛ لان الشهادة العالمية قد تفقد معناها والحال هذه، وهذا ما اتفق معه تماما، وقد اتفق حصول هذه الظاهرة في سالف الأيام في الدراسات الدينية اذ اصبح لقب " أية الله " رخيصاً يطلق على من لا حظ له من العلم فأختلط الحابل بالنابل ... الصديقة المعاتبة كانت ممن استلم هذه الشهادة الافتخارية واللياقة الاجتماعية تقتضي السكوت المطلق، وعدم ابداء الإعجاب بمن يطرح رأياً مخالفا حفاظاً على قيم العلم  .

الشعر الحر او قصيدة النثر ليست تصورات ذهنية مبعثرة نابعة من هلوسات سكران على قارعة الطريق يحسبها الجاهل صور بلاغية فيهلهل لها ويمجّد بها فيزيد الثمل ثمالة ..

والرواية والقصة ليست خواطر نسوان بعد منتصف الليل لتشبع صفحتها بأكاليل الورود الحمراء من متابع شرب السهر مدامعه ..

قرأت رواية لإحداهن ذات يوم كانت قد أهدتها لي ثم بدأت تغدق من على صفحتها الشكر والتقدير لفلان لقيامه بالترجمة الانگليزية وعلى آخر لترجمته الألمانية ... والسؤال المضمر: كيف للقارئ الشكسبيري او ذاك الألماني فهم مضمون رواية لم اعرف من لغتها الأم رأسها من ذيلها ..

موضة حفلات توقيع الكتب بحاجة الى حفلات نقدية للكتاب للحد من الهبوط الأدبي والتصحّر الثقافي .

مما طاله النقد في أسطورة الأدب الرفيع للوردي المديح من الشعر والتفاخر بالقبيلة والأنساب لانه دعوة للاقتتال وإقصاء الآخر وهو عكس المرجو من الشعر من الدعوة السلام والوئام

 

احمد الكناني

 

 

قحطان الفرج الله"گطان احميد صرت آنه"

(وحميد هذا سيد كان يصيد السمك، اخرج (سليّته) ظهر فيها عربيدا)

لا يزال الأدب الشعبي مهملاً في العراق، ولازالت أرضه بكرًا لم تمتد لها يد لتنقب في صفاته وتحليل ميوله واتجاهاته، "الأدب الشعبي في العراق واسع في مداه، متباين في اتجاهاته مختلف في ضروبه، غير أن الضرب السائد والشائع منه والذي يجذب انتباه الناس هو الشعر الشعبي" هذا ما يراه عامر رشيد.

 لكني اعتقد أن الشعر الشعبي هو المادة الخام المشكلة للكثير من فنون الاداب الشعبية والفولكلورية في العراق، والمساهمة في تعدد أطوار الغناء والرقص والتلحين. وهذا لا يعني عدم وجود محاولات جادة لدراسة أنواع معينة من فنون الأدب الشعبي اخص بالذكر الجهود الكبيرة التي قام بها (الأب انستاس ماري الكرملي) في جمع الأغاني العامية العراقية، وقام بشرحها وضبط ألفاظها بجهد كبير الاستاذ عامر رشيد السامرائي، وكذلك الجهد الفذ الذي قام به الأديب الراحل (علي الخاقاني) في حلقات فنون الأدب الشعبي والعديد من المصنفات الاخرى، وكذلك جهد الاستاذ (حمودي الراوي) في كتابه الغناء العراقي، وكذلك جهد الراحل (عبد الحميد العلوچي) في المدخل إلى الفلكلور العراقي، و(سعيد الديوچي) في الرقص عند العرب، و(ماجد شبر) في كتابه عن الأدب الشعبي العراقي وَ(عَبَد الأمير جعفر) في الأغنية الفولكلورية، وَعَبَد الحسين المفوعر السوداني في الشعر العامي والشعراء القدامى ،وغير ذلك من الاسماء المهمة، ولا اغفل الجهد العظيم لمجلة التراث الشعبي.

 ولكني اعتقد أن ميدان الأدب الشعبي لا يقتصر في محور الجمع والتدوين لانها خطوة أولى على طريق ممتد بمئات الالف من الخطوات التي تتداخل مع علوم معرفية واجتماعية ونفسية عديدة، "إن دراسة الأدب الشعبي يجب أن لا تقتصر على تبيان أنواعه وأوزانه وتثبيت نصوصه فحسب. بل أنها تتطلب بحثا مسهبا وعلميا"

يعتقد الكثير من دارسي الأدب الشعبي إن أول محولات قتله تكون في التدوين، الذي يمنعه من النمو والتطور والانتشار بالطريقة الشفاهية، ولكني اسير مع الرأي الذي ذهب إليه الراحل (عبد الحميد يونس) الذي يرى التدوين مرحلة مهمة تعطي المتسع المطلوب لدراسة الظواهر الإبداعية وتنميتها وتهيئة الظرف المناسب لنموها.

إن مدينة سوق الشيوخ من المدن القليلة في العالم المصابة بعشق الشعر على الدوام، والمنتجة له والمهتمة بتدوينه، ولا اريد أن اعدد اسماء ويسقط بعضها فاقع في حرج لكثرتها واتساعها.

يُعد جهد الباحث والشاعر (ماجد السفاح) هذه المرة لم يقتصر على الجمع والتصنيف والتقصي، وإن كان هذا جهد عظيم لا شك، بل انه حاول تحليل واستقصاء منابع فنون الابوذية وأطوارها ونسبتها إلى مرجعياتها حسب ما توفر له من مصادر، وكذلك رصد ما يرتبط بهذا الفن من أطوار غنائية، وكذلك ما يقترب منه من فنون قد تكون هي منبع تشكيله الأول.

 فقد رصد 1347 بيتاً من الابوذية متوزعة في شتى الأصناف والأنواع كالابوذية (المطلقة، والمولد، والابوذية المشط وما يعرف بالزنجيل، والمدور، والمعلق، والمطرز، والمقطع والخماسي، والمنثور او المشطر.. الخ) وكذلك رصد ما تعالق مع هذا الفن من أطوار غناء ك( المجراوي، الشطري، القرناوي، المشموم، المثكل، الجادري وغيرها)، وكذلك رصد الصلة بين فن الابوذية وفن (الهوسة/الأهزوجة) وهو فن يتصل بالرقص الجنوبي المعتمد على دبكات إيقاعية يقوم بها المنشد (المهوال) وجموع المحتفين به.

يطرح ماجد السفاح من جديد بعد كتابه السابق (رحلتي مع الابوذية) سلاله مملوءة بفاكهة مدارس البسطاء والنبلاء معا، دواوين الجنوب العامرة بالخير والكرم، ليقول: اني واضع بين أيديكم عصارة ألم وحبّ وشغف، تعرفوا على ما فيها من شخصية عراقية (إذا طابت غنت، وإذا حزنت أنّت).

إن إزدراء الجامعات العراقية للأدب الشعبي وعدم أفراد كرسي خاص له في الدراسات الأكاديمية، جريمة علمية فادحة لازالت مستمرة تمتد جذورها من عقدة النظرة الدونية لكل ما هو شعبي أو (عامي) بحسب تسمية الجاحظ (أدب العامة، أو أدب العوام) فهل المحتواى الشعبي لا يرقى إلى طبقة التمدن؟ أم لان أسلوبه عامي؟ فان كان هذا أو ذاك فهذه أعذار متهافته لان العامية أصبحت وببساطة أحد أهم مصادر المعجم الفصيح... ينبغي علينا ان نعتمد تعريف الأدب بمفهومه العام لحل هذه الإشكالية دون تحيز أو أدلجة،  فالأدب هو التعبير عن التجارب الشعورية بطريقة إبداعية، وذلك التعبير إنما يتم بأساليب متعددة الصور والأدوات، وكل هذا لصيق الواقع.

 إن ما يغنيه العراقي اليوم هو من نتاج الشعر الشعبي وعصارة فكر وألم وحب وحرمان اجيال عديدة من الناس وجدت في أدواتها الفنية المتاحة حاجه إشباع فردية وجماعية لا يمكن إهماله على الدوام، فالعامية تخللت جميع الفنون الشعرية والمسرحية والسردية وحتى الإذاعية، أهمالها على الدوام لن يقتلها لن يحجمها، لكنه يعيق تهذيبها وتصنيفها والاستفادة منها علمياً، واجتماعياً.

 

قحطان الفرج الله

 

التوقيعات في التراث والتاريخ نوعان:

1- توقيعات الوزراء: وهي كلام يتسم بالإختصار والتركيز والبلاغة موجه من خليفة أو وزير أو سلطان الى من هو دونه يأمره أو ينهاه أو يوجهه الى ما يريده منه ويبتغيه ويكون غالبا في المسائل الديوانية الرسمية .

2- توقيعات الغرباء: وهي فن أدبي شعبي يتخذ له الآن مكانا وسطا بين الأدب والتراث فهو يمت لكل منهما بصلة ما. و يمتلأ الزمن المعلوم والمعروف بعد انتشار الكتابة على امتداده بالكثير الكثير من توقيعات الغرباء . فحيثما أدرنا وجوهنا رأيناها، في مكان مناسب أو غير مناسب . فقديما حيثما وقفت قافلة ما للاستراحة والطعام و إراحة الدواب وُجد من يعتزل الجميع - وقد هاج به الشوق - ليخطّ على صخرة ما - قد يكتب على الرمال أيضا وتلك لا نحظى بها أبدا لان الرمال تسفيها فلا أثر لها - ينقش اسم حبيبته أو بيت شعر فيه ذكرها. أو يشكو هموم سفره لله كتابة، أو يكتب هواجسه أو توقعاته أو أدعيته أو اسمه بعض الأحيان مع كلمة للذكرى الى غير ذلك مما تجود به قريحته . وكثيرا ما وجد مثل ذلك في استرحات الطرق أو في الخانات . ويُعد من قبيل توقيعات الغرباء كل ما كُتب على الأشجار أو الأحجار أو الجدران أو في سيارات النقل العام أو على مصاطب المتنزهات وعلى مناضد الدراسة وجدران المدارس من تعليقات وحتى على الأوراق النقدية الورقية سواء أكانت الكتابة كلمة واحدة أو سطور من النثر أو أبيات من الشعر سواء أكانت من قول كاتبها أو من الأقوال المعروفة المتداولة بين الناس .

ولا أجدُ في نفسي شططا كبيرا أذا أحصيت ضمن ذلك  قصائد شهيرة معروفة كتبها أو قالها الشعراء في غربتهم وألحقتها بتوقيعات الغرباء وان عُلم أصحابها وقائلوها ومع انها لا مختصرة ولا مركزة كما يفترض بتوقيعات الغرباء غير انها تتسم بصفتين تتشابه بها مع توقيعات الغرباء وهما كونها جميعا كتبت في الغربة وان موجة من الشعور العارم والحنين الى الأهل الوطن تلفّها وأخص بالذكر قصيدة (لا تعذليه) لابن زُريق البغدادي ومطلعها

لا تعذليه فان العذل يولعه  قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

وقصيدة مالك بن الريب (الا ليت شعري) ومطلعها

الا ليت شعري هل أبيتن ليلة     بجنب الغضا ازجي القلاص النواجيا

كذلك قصيدة أحمد شوقي التي كتبها وهو منفي في الأندلس من قبل الانكليز يخاطب بها الحمام

يا نائح الطلح أشباه عوادينا           نشجى لواديك أم تأسى لوادينا

ماذا تقص علينا غير انّ يدا          قصت جناحك جالت في حواشينا

رمى بنا البين أيكا غير سامرنا    أخا الغريب وظلا غير نادينا

فان يكُ الجنس يا بن الطلح فرّقنا   ان المصائب يجمعن المصابينا

وكذلك قول الشاعرة في الطريق الى دمشق

أيقنت أن عبــــاءتي    رحلت وان الحين حيني

بين الملاذ ومنزلي    كبدي يُقطّـــر في يميني

بغداد فيـــك أحبتي    فارعي الورود وودعيني

وقصائد اخرى كثار كُتبت في المنافي أو في الطرق اليها . وان لم تُكتب على حجر ولا شجر .

وفي زمننــــا هذا حين كانت بغداد و غيرها من مدن العراق الحبيب مليئة بحافلات النقل العام (ذكرها الله بالخير) تجوب شوارعها وتوصل أبناءها من محلات أعمالهم ومن مدارسهم وكلياتهم ومن مصانعهم الى حيث ترقد بيوتهم بانتظار أن يدخلوها بسلام آمنين . كان بعض الركاب - وأخص منهم الشباب والمراهقين - يحرك يده بكتابة يظنّها جميلة أو طريفة على الجلد الذي يُغلّف كراسيها وعلى جوانب السيارة العامة وقد نجد من كتب بعض الشتائم والألفاظ النابية . وكلنا نستنكر منهم ذلك غير انه يُعد أيضا من توقيعات الغرباء .

ولطالما استلفتت نظري كتاباتهم فمنهم من يكتب آية من القرآن الكريم أو حديثا نبويا شريفا ومنهم من يكتب حكمة ما أو بيت شعر جميل أو مشهور ومنهم من يكتب اسم حبيبته أو أسماء أصدقائه أو يكتب اسمه مع أوصاف مثل البطل أو العبقري الى غير ذلك ، والأخيرة غالبا ما تعبر عن أُمنية مكنونة في صدور من كتبها. حتى الصبيان وهم يلعبون في أزقتهم أو الأزقة المجاورة لهم ترى بعضهم يتجه الى جدار ما ليخط عليه بقلم يحمله أو بأداة حادة - يبرزها من جيبه أو تقع في يده بالصدفة - ذكرى أو اسما أو عبارة يحبها أو مطلع أُغنية يحفظها أو اسم فريق رياضي يفضله أو ممثلة تعجبه الى غير ذلك، مسندا لمن يذكره ما يشاء من مثالب أو مناقب مما يختزنه العقل البشري في خزانته العجيبة .

ولو درسنا كتاباتهم وتمهلنا عند معانيها ومقاصدها لاستطعنا أن نتعرف على حالاتهم النفسية وعلى أحاسيسهم، ونتعرف على تأثير الغربة في نفوس المبتعدين عن أرضهم وديارهم اذ يتقبلها بعضهم ببساطة ورحابة صدر في حين أنها تؤثر سلبا على غيرهم حتى قد تصل بهم حد المرض أو الموت كآبة .

ومن كتابات الغرباء أيضا ما يكتبه على السيارات مساعدو السائقين أو من يعمل على سياراتهم من قبيل منظفي السيارات أو من يقومون بتصليح أعطالها أو بعض المستطرقين من قبيل (اغسلوني) أو من قبل السائقين أنفسهم من عبارات مثل (محبوبة سمراء) أو (الحسود لا يسود ) أو (يا ناظري صلي على النبي) الى غير ذلك من عبارات تشي بما في نفوس أصحابها وتعكس خوفهم من الأقدار والأعطال .

وقلما يكتب الغرباء توقيعاتهم وهم في حالة انتشاء وسرور .

فهي نوع من طاقة سلبية مكبوتة ومشاعر ملتهبة لا بد من تفريجها والتعبير عنها آنيا بطريقة من الطرق مألوفة كانت أو غير مألوفة سواء سمح المكان والزمان بمثل ذلك أو لم يسمح، انّها توقيعات الغرباء .

***

سمية العبيدي

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها: حينَ تعودُ الأشياءُ إلى خزائنِ الماضي، تُصبحُ قابلةً للتأويلِ أكثر، وتحملُ معانيَ تبدو في الحاضرِ أجملَ، ويبدو الحاضرُ إزاءَها كئيباً، ويمسُّنا إحساسٌ، بأنَّ هذا الحاضرَ، لا مكانَ له في المستقبلِ، عندَها سنعرفُ أنَّنا لا ننتظرُ مستقبلاً مُنتِجاً، أو أنَّنا نعيشُ الحاضرَ كأنَّه الأبدُ.

كم كنتُ مؤمناً على مستوى المنطقِ، أو قوانينِ العلمِ، أنَّ الحاضرَ سيمضي، وأنَّ المستقبلَ سيأتي، وأنَّ لا شيءَ يسيطرُ على الزَّمنِ، فالزَّمنُ هو الحقيقةُ المُطلقةُ في هذا العالمِ ؛ فهو وحدَه مَن يجلبُ التغيرَ إلى الأشياءِ أو الإنسان .

غيرَ أنَّ تفكيري في ذلك أخذ يتغيَّرُ، وصرتُ أرى أنَّ الأشياءَ تتغيَّرُ في ذاتِها بعيداً عن الزَّمن، وكأنَّها هي التي تُشعرُنا بوجودِ الزَّمنِ، لذلك أجدني منحازاً لتغييرِ الفكرةِ ؛ فأذهبُ إلى أنَّ التغيُّرَ هو الذي يجلبُ الزَّمنَ، أو أنَّ التغيُّرَ هو الزَّمنُ، أو على الأقلِّ هو تجلِّي الزَّمنِ في العالمِ والأشياءِ والإنسانِ .

كم حاولتُ أن أبحثَ عن ماهيِّةِ الزَّمنِ، ربما لا أمتلكُ إمكانيَّاتِ الحديثِ عن الزَّمنِ الفيزيائي، وعقلي ما زالَ قاصراً عن استيعابِ نيوتن أو اينشتاين، غيرَ أنِّي مهووسٌ بزمنٍ مختلفٍ، لعلِّي أكونُ مصيباً إن أطلقتُ عليه الزَّمنَ الرومانسيَّ، فكلمةُ الرومانسِّي تتيحُ لي حيَّزاً كبيراً لتأويلِ الزَّمنِ، فأرى (الشَّيبَ) صورةً أخرى للزَّمنِ، وأرى تساقطَ بعض الأسنانِ من جوفِ فمِ رجلٍ طاعنٍ في العمرِ، أو طاعنٍ في الفقرِ، صورةً لزمنٍ آخرَ، وأحياناً أشعرُ أنَّ (الموتَ) ما هو إلا لحظةٌ تختزلُ "الانتهاءَ والبدءَ"، وهي شكلٌ آخر من أشكالِ الزَّمنِ، وإذا ما ذهبنا بعيداً في تأمُّلِ فكرةِ الموتِ، فإنَّنا سنصلُ إلى نتيجةٍ تجعلُ الموتَ قوَّةً تُشكِّلُ ماضينا، وتُشكِّلُ حاضرَنا ومستقبلَنا في الوقتِ نفسهِ، فهو بالتَّمثيلِ الرياضيِّ النُّقطةُ التي تُمثِّلُ حالتي الانقطاعِ والاتصالِ، لأنَّه يؤذنُ بانقطاعِ الحاضرِ، ويؤذنُ في الوقتِ نفسِه بتجدُّدِ هذا الحاضرِ، وهنا فإنَّ الموتَ يدفعُنا أن نمضي في طريقِنا نحو النِّهاياتِ المعلومةِ، أو المجهولةِ، عندئذٍ يُمكننا أن نقولِ: إنَّ الموتَ حياةٌ ؛ أي بالموتِ نحيا . 

كلٌ ذلك يأخذني إلى فكرةِ أنَّ الموتَ يمنحنا القوَّةَ والشَّجاعةَ والإرادةَ، لمواجهةِ الحاضرِ المؤلمِ، والمستقبلِ المجهولِ، لذلك ليس غريباً أن يدفعنَا الموتُ إلى الخلاصِ أو الحريَّةِ أو العدلِ، فالموتُ بمعناه العميقِ هو خلاصٌ وحريَّةٌ وعدلٌ .

 

د.عاطف الدرابسة

.........................

هامش:

حين يكونُ الموتُ عميقاً : لا فرقَ يا حبيبةُ بين المقابرِ والفنادقِ .

 

منى زيتونلا أعتبر نفسي قارئة روايات بالدرجة الأولى، لكن في المرحلة الجامعية قرأت بعض روايات كبار الأدباء المصريين. وكانت "النظارة السوداء" إحدى أعلى تلك الروايات التي قرأتها قيمة، ولا زلت أتفكر كلما تذكرتها وأتساءل: أي شيطان أوحى بها إلى إحسان؟! من أين أتته هذه الفكرة البسيطة وبكل هذا العمق؟!

تدور القصة حول فتاة لاهية، تتلف وقتها فيما لا يفيد، ويعرفها أصدقاؤها والمحيطون بها بنظارتها السوداء التي تداري بها عينيها عن الجميع، ولا تكاد تخلعها. هذه الفتاة تلتقي في حفل بمهندس شاب جاد، يبدو أنه حضر الحفل من باب المجاملة. هذا المهندس يتضح فيما بعد من حوادث القصة أنه معني بحقوق عمال المصنع الذي يعمل فيه، يتكلم بلسانهم ويطلبها لهم.

شغلت الفتاة الجميلة بال المهندس الشاب، وكانت النظارة السوداء في نظره قناعًا تتقنع به الفتاة لتخفي به حقيقة نفسها عن العالم. ولأن هذا المهندس ينظر إلى نفسه نظرة إيجابية يستمدها من نظرة الناس إليه، والفتاة على النقيض منه، فقد حاول أن يسحبها إلى عالمه. بدأ ذلك بعيادة بعض عمال المصنع المرضى وتعريفها بهم.

بدأت الفتاة تحب العالم الجديد الذي يجرّها إليه، وتشعر لأول مرة أن لها ولحياتها قيمة من خلال مساعدة الآخرين. وكان بدهيًا أن تعمقت صلتها بالمهندس الشاب في تلك الفترة قبل أن يحدث انقلاب الأدوار.

كانت لحظة التحول الكبرى في القصة عندما استطاع صاحب المصنع وابنته إغراء الشاب الجاد نصير الضعفاء السابق ولسان حالهم لينضم إلى طرف رأس المال ويناهض حقوق الضعفاء الذين طالما ناصرهم، ولم يجد العمال من يلجأون إليه ليكون صوتهم إلا تلك الفتاة، والتي وقفت تجأر مطالبة بحقوقهم بعد أن خلعت نظارتها السوداء!

ويتجلى عمق هذه القصة على بساطتها في رأيي في أمرين: الأول؛ أن اثنين من عالمين مختلفين ليس بين عالميهما رابط، تجاذبا والتقيا في المنتصف، ثم استطاع تحويلها إلى عالمه، لينقلب هو بعدها ليحيا في عالمها الأناني التافه، فافترقا بعد لقاء قصير، لأنها لم تعد معه من حيث أتت، بل اكتشفت أنها تنتمي إلى العالم الثاني الذي شدّها إليه، لا تريد أن تغادره. لم يكن الافتراق بأن اشتاقت إلى حياة اللهو والترف فتركته إليه وبقي هو في عالم المُثل، بل افترقا بأن عكس كل منهما وجهته وتحول إلى عالم الآخر.

كان هذا هو المعنى الذي وقف عنده إحسان، وهو معنى ظاهري رغم شدة جماله، وهناك في رأيي معنى أعمق منه يبدو في الرواية.

هذا المعنى الثاني والأهم، هو إلى أي حد قد لا يعرف الإنسان حقيقة نفسه! حتى تضعه الأقدار أمام موقف يمثل صدمة له يعيد من بعده استكشاف نفسه، وربما يكتشف أن حقيقته على العكس تمامًا مما يظن!

فالقضية الأساسية ليست ما يظنه الناس عنك، بل القضية الأساسية هي ما تظنه أنت عن نفسك، وكما قد ينخدع فيك الناس قد تنخدع أنت في نفسك ولا تعرف حقيقتها!

من الواضح أن الفتاة كانت تحتقر نفسها وتداريها عن الناس، بينما الشاب كان يحترم نفسه، إلى أن اكتشف كل منهما أنه يحمل نفسًا أخرى بين جنبيه غير التي كان يعرفها. ليست نفسًا غيّرها الموقف، بل نفسًا استكشفها ووجدها داخله.

لم يكن خلع الفتاة النظارة السوداء رمزًا فقط لخلع استهتارها وانخلاعها من عالمها التافه غير ذي القيمة، بل كان خلعًا لمعرفتها الزائفة بنفسها، خلعًا لنفسها القديمة التي اكتشفت لتوها أنها ليست هي!

لذا أرى التنبيه إلى أهمية الوعي بالذات أقوى ما في النظارة السوداء. وكم بيننا من لا يعي بذاته.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونمن أجمل ما نُسب إلى سيدنا الإمام علي من شعر قوله:

احرص على حفظ القلوب من الأذى *** فرجوعها بعد التنافر يصعب

إن القلوب إذا تنافر ودها *** شبه الزجاجة كسرها لا يشعب

والمتابع للصفحات الاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي سيجدها تمتلئ بعبارات كُتبت بالعامية أو الفصحى، تحث الناس على التخفيف من ضبطهم الانفعالي لانفعالاتهم السلبية كالغضب والضيق، وعدم الاكتراث بردود أفعال الآخرين إزاء ما يظهر من سلوكيات هؤلاء الغاضبين الحانقين، وإشعار المعترضين أن التعبير عن هذه الانفعالات السلبية دون مصاحبتها بأي تعبير لفظي يوضح أسبابها هو من حقوقهم!

من أمثلة ذلك:

- "عمرهم ما هيفهموا إنك بتمر بحالة صعبة ومخنوق ومضغوط. هيفهموا بس إنك عصبي وبقيت خنيق، فما تحاولش تشرح"!

لم يسأل من كتب هذا الكلام نفسه: ما ذنب الناس أن يصبح من تنصحه هذه النصيحة عصبيًا خنيقًا معهم؟! وهل صاحبك فقط من لديه مشاكل؟! لا يفهم هذا أن حق الإنسان على من يحب أن يقفوا جانبه ويساندوه، وليس أن يُفرغ فيهم شحنة غضبه، ويسيء معاملتهم.

- "عندما أتغير عليك فجأة تأكد بأني أريدك أن تشعر بي، لا أن تتركني. لكن إن كنت تراها فرصتك، فهي لك!"

هذا المتحدث غبي؛ يريد أن يتغير في معاملته مع صديقه أو شريكه ليجعله يشعر بمعاناته، والثاني عندما يبدي انزعاجًا يُفسر هذا بأنه تصيد منه للفرصة! ماذا لو جربت أن تخبره بما تشعر به بدلًا من هذا الفيلم الهندي؟!

- "الشخص الذي يحبك يتحمل أسلوبك. يحن عليك رغم قسوتك عليه. ويخبرك أنه سيكون معك دائمًا"!

الحقيقة أن أقصى درجة من الانحطاط الانفعالي يمكن لبشر أن يصل إليها أن يتصور أن من حقه أن يسيء التعامل مع الناس ويقسو عليهم، وأن من لا يتحمل إساءته لا يحبه!

- "ذات مرة وثقت بمكانتي عند أحدهم، فتركته لأتأكد، وجل من لا يخطئ"!

لا يسعني إلا مصارحتك بأنك مخطئ يا أحدهم! كيف تترك هذا المريض الذي تركك معتبرًا إياك فردة جورب لن تتحرك من مكانك مهما أهملك؟!

****

هذا الكلام الفارغ من كل معنى يذكرني بأغبى وأجمل بكائية غنائية كتبها الأبنودي وغناها عبد الحليم في أحد أفلامه، ليعبر عن حزنه عندما رجع من رحلة عربدة، ولم يرحب به أصدقاؤه!

"مشيت على الأشواك، وجيت لأحبابك. لا عرفوا ايه ودّاك ولا عرفوا ايه جابك"!

مخطئون هم! ليس لهم حق في فعلتهم! وأحضان الحبايب شوك يا قلبي! لكن فعلًا "ايه ودّاك وايه جابك؟!"

ربما يظن بعض الناس أنني أتفلسف والأمر لا يستحق، لكن الحقيقة أن مستوى انحدار الذكاء الاجتماعي لدى بعض الأفراد في مجتمعنا صار مبهرًا؛ وهم يظنون أن تغيير معاملتهم مع من يخالطوهم هكذا دون توضيح، هو حق طبيعي لهم، ومن الواضح أن هناك من يروج للفكرة على مواقع التواصل لدرجة تجعل هناك من يتصورون أن هذه سلوكيات طبيعية، بل ويمكن التبرير لها! والأهم أن لديهم من الوقاحة ما يسمح بانتقاد الآخرين الرافضين لهذه الطريقة في المعاملة.

في الدول ذات الثقافات الراقية نجد عندهم إدراكًا لقيمة تعلم أي شيء في الحياة. المرأة الحامل حتى يحين موعد ولادتها تكون قد قرأت على الأقل عشرة كتب عن الحمل وتربية الطفل. والمقبل على الزواج يقرأ عن الحياة الزوجية وكيفية التعامل مع شريك الحياة. ومن يجد نفسه غير ناجح في حياته الشخصية أو عمله لأن مهارات التواصل لديه ضعيفة يقرأ ويأخذ دورات لتحسينها على يد متخصصين.

أما نحن فأمورنا كلها تمشي بالعشوائية، نمضي في حياتنا بطريقة "العك"، ونفشل تمامًا في رؤية أثر سلوكياتنا السيئة على ردود أفعال الآخرين تجاهنا! بل من الممكن أن نشعر بالمظلومية ونلومهم!

لا تستهينوا بكسر القلوب، فالحزن يضعف عضلة القلب، ويمزق الأوتار؛ الحزن يمكن أن يميت. جرِّب أن تقترب ممن تحب حين تحزن، أن تفضفض وتخبره بما يحزنك. فرق بين أن يحزن لأجلك حين يعلم ما يحزنك، فتتقاسما الحزن ويخف ألمك، وبين أن يحزن بسبب سوء تصرفاتك معه. لا تكن أنانيًا وتنقل حزنك إليه.

ثقافة الاعتذار

معلوم أننا نفتقد كثيرًا ثقافة الاختلاف في مجتمعاتنا، وهذا سبب رئيسي لكثير من مشاكلنا، لكني أعتقد في وجود سبب ثانٍ مهم لما نواجهه من مشاكل اجتماعية، وهو أن ثقافة الاعتذار مفقودة عندنا هي الأخرى.

المفترض أن على من يخطئ أن يُقر بخطئه، ويعتذر عنه، لكن كثيرين تربوا على تجاهل أهمية الاعتذار، والمماطلة فيه وإضاعة الوقت، فلأن الوقت يمر ولا يقف عند الموقف الذي أخطأ فيه أحدهم، ولأن حوادثًا كثيرة قد حدثت بعد ذاك الموقف الذي كان يتطلب الاعتذار، فهو يتعلل بأن من يبقى متذكرًا للموقف الأول هو المخطئ! وبعد فترة نراه يتعامل مع من كان ينبغي تقديم الاعتذار له وكأن شيئًا لم يكن!

هذه الثقافة لا تقتصر ندرتها عند الأفراد في مجتمعنا، بل ونجد الحال بالمثل في الجماعات الفرعية في المجتمع، ونلمسها في جميع الميادين على تنوعها. لا مسئول عندنا يعتذر، ولا جماعة أو حزب أو مؤيدوهم يعرفون شجاعة الاعتذار. والشخصيات التي تقر بغلطها وتتحمل مسئوليتها ما أقلها، وهذا ليس بالأمر الهين.

وما يساعد في تفاقم المشكلة، وإظهار توابعها، أن من لا يعتذر هو في الحقيقة لا يدرك خطأه إدراكًا حقيقيًا، ومن ثم لا توجد ضمانات كافية أن ما حدث من خطأ لن يتكرر.

كما أن الاعتذار لا معنى له دون مبادرة؛ فالاعتذار الحقيقي ليس أن تلقى إنسانًا أخطأ في حقك فيحاول مراضاتك فقط لأنه رآك! وليس أن تذهب إلى المخطئ طمعًا في أن يُقدم اعتذارًا!

هناك أيضًا إشكالية قيمة المخطئ وعمره؛ حيث يتعارض احترامنا للشخص وتقديرنا لمكانته الاجتماعية أو عمره وفقًا لثقافة مجتمعنا مع اعتذاره إلى من هم دونه مكانة وسنًا، رغم أن السُنة النبوية الشريفة مليئة بدروس وعبر عن ترضية الرسول الكريم لكل من ظن أنه أخطأ في حقه.

كما أنه من أشد صور نقص الذكاء الاجتماعي أن تُتاح لبعض الناس فرصة لإصلاح الخطأ والاعتذار عنه، ولكنه يُسوِّف ويظل يتصرف كما ولو أن تلك الفرصة التي أُتيحت ستظل متاحة إلى الأبد!

قال من قبلنا: الاحترام تربية وليس ضعفًا، والاعتذار خُلق وليس مذلة.

 

د. منى زيتون

 

قاسم محمد الساعديأغنية

ما الفائدة أن تتذكر وقت خمول ألروح وتحاول اصطياد ألذكريات بصنارة صدئة، لكن تفاجأ ان نزيف الاسئلة مستمر سيما وان الذاكرة ليست شجرة عارية فكل اوراقها مازالت عالقة فيها، روحي التي افلتت من اسارها تؤرخ لليلة صيفية على سطح احد منازل الاصدقاء .. كانت الاغنية مسامحك

شما تغيب مسامحك وأتأمل تعود)

وليفي وأريدن صالحك وشيردك ردود)

هذا الشجن السومري المطرز بالحزن يأخذك الى أول قصيدة حب كتبت قبل اربعة ألاف سنة كنبتها صبية  ابحث عني إلى أن تجدني)

قلبي مثل طيور تصفق باجنحتها اين نجدك ... و

تسكرها حجم الاه التي تنتزع من الروح انتزاعا

يا ما إلك ضحّيت والنوب أضحّي

ما يجي بعينك ليش زادي ولا ملحي

ليس ثمة علامة واضحة علّي لا ميت ولا حي

تلفاز

حين اسرعت الرياح الباردة وهي تصخب كنت اجلس قرب المدفأة في ليلة باردة حين صمت التلفاز كأنه اصيب بنوبة قلبية مفاجئة، الى اين ؟ اذهب نحن الذين صيرنا البؤس خجولين .. ذهبت الى محل صديقي المهندس والشاعر عبد الامير اللامي ابا عادل وضعت التلفاز على المنضدة الخشبية حتى تناوله ووضعه على رف عال و انزل تلفاز ابيض

قال :خذه يا قاسم  وكذكرى من زهر التفاح

بدا صوت التلفاز يبدا بالأغنية

مسامحك)

لو ما إلك يا فلان بكليبي ألف آه )

ما سامحيتك  يوم ولا هجرك أرضاه )

ومثل حرائق الغابات تضيء عتمة الشوارع القريبة بدأ ايقاع الاغنية يتسرب الى الروح وكمن مسه السحر صرت منقاد اكثر فأكثر للوهم الذي يطلق صيحات ماكرة في الروح التي غدت كومة ميتة باردة

لقاء

تنام الايام بين ذراعي السؤال الذي مات في الحال

الاكاذيب ليست عملة  لها وجهين (طره وكتبه) بل وجه واحد قبيح جدا

في مرطبات (مشمشه ) بدأت تقص علي الاكاذيب عن مسابقة للرسم اصغي اليها وضجيج الزبائن مشتبك مع قلقي، كأني اجلس مع شخص لا مرئي مرت امامي لقاءات كثر جمعتنا، لكن أنا مصّر على اجتياز نهر الضباب رغم ان كل ضياء الدنيا لا ينفع اعمى

المتيم الذي امامك ينظر الى دبوس شالك والى شفتيك وهي ترتفع ... وثمة مراسيم للتوديع تطوف على اسوار اللقاء

حين خرجنا نظرت للسماء العالية فوق رأسينا شاهدة على اخر لقاء

في الباص الذي أقلني من المنصور الى البيت، يسير ببط وحين وصل الى الرأس الخلفي لتمثال ابا جعفر المنصور رفع سائق صوت المذياع

كفْ لعبة الهجران وارحم دليلي

ما غمض جفني بيوم ولا نمت ليلي

قلبي الذي بدا كمغارة مهجورة

يلعن من؟

ويسامح من؟

ويلوم من؟

اغنية مسامحك .. الحان وغناء القنان عودة فاضل

 

قاسم محمد مجيد

 

محمد صالح الجبوريالاذاعي محمود المسلمي إذاعي ومعد ومقدم برامج في القسم العربي بالإذاعة البريطانية، يتمتع بصوت جميل عذب وقدرة وكفاءة في الأداء والتقديم، من ابرز برامجه (همزة وصل)، الذي يتناول مواضيعاً ثقافية وادبية وإجتماعية، يتابع البرنامج مستمعي من مختلف دول العالم العربي، برامج يكتشف المواهب الشبابية، ويقيم علاقات طيبة بين المستمعين، انا اقترح ان يقدم البرنامج حلقة عن دور الإذاعي محمود المسلمي في تقديم واعداد البرنامج، ويتم مشاركة المستمعين  في طرح الأسئلة، الأذاعة البريطانية قدمت برامج متميزة في ألفترة الماضية، أبرزها (قول على قول)، و(ندوة المستمعين) و(لكل سؤال جواب) و(الواحة) و(العالم هذا المساء) و(السياسة بين السائل والمجيب)، ونالت إهتمام المستمعين  منذ الحرب العالمية الثانية، كانت تتميز بمصداقية وثقة في نقل الأخبار والأحداث، كان القسم العربي من أهم الإذاعات التي لها صدى واسع في العالم العربي، الدعوة إلى الإذاعي محمود المسلمي بتقديم حلقة خاصة يتم فيها تقييم برنامج (همزة وصل)، تحياتي لمحبي همزة وصل، وأتمنى للبرنامج ومحبيه النجاح والموفقية، تحية إلى مستمعي البرنامج والإذاعة في كل مكان.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

إن أهمية اللغة تكمن في قدرتها على جمع شظايا المعاني الرمزية التي تتفجَّر في الحروف والكلمات. وهذه القدرة اللغوية الذاتية لها دلالات فكرية وأشكال اجتماعية. وكُلما اقتربَ الفكرُ الذهني من بُنية المجتمع الواقعية، اقتربت الرموز اللغوية من العلاقات الاجتماعية المُعاشة. أي إن الرموز تأخذ أشكالًا اجتماعية واقعية، وتُصبح على تماس مباشر بحياة الإنسان القائمة على التفاصيل والمشاعر والأحداث اليومية .

وكُل إنسان يعيش حياتَيْن معًا:حياة في جِسمه (الحياة الداخلية)، وحياة في مجتمعه (الحياة الخارجية) . وعليه أن يجد القواسم المشتركة بين هاتَيْن الحياتَيْن، كي يُحافظ على التوازن بين الأشياء، ويحميَ نَفْسَه من فقدان المشاعر والأحاسيس . وهاتان الحياتان تسيران جنبًا إلى جنب، وتتوازيان حِينًا، وتتقاطعان حِينًا آخر . ولا يُمكن السيطرة عليهما إلا بإيجاد فلسفة (التزامن / التعاقب)، وتحديد مدى تغلغلها في النسق الحياتي والفكر الذهني .

والتزامنُ هو حُدوث العلاقات الاجتماعية في نفْس اللحظة، أمَّا التعاقب فهو حدوث العلاقات الاجتماعية علاقةً بعد أُخرى . وهذه المنظومة الفلسفية (التزامن/ التعاقب) في غاية الأهمية، لأنها تكشف طبيعة العلاقات الاجتماعية، وتُميِّز الوجوهَ مِن الأقنعة، وتُفرِّق بين المشاعر الحقيقة والمشاعر المصلحية . والإنسانُ كائن مُحايد، ووجوده سابقٌ على جَوهره. وما يُحدِّد جوهرَ الإنسان هو علاقاته بنفْسه والناس والبيئة والطبيعة. ووَفْق هذه العلاقات، تتحدَّد شخصية الإنسانية، وتتشكَّل منظومته القِيَمِيَّة، وتتكرَّس صفاته وأخلاقه وفلسفته في الحياة، ويتَّضح مساره ومصيره، لأن المسار يَكشف طبيعة المصير، وكُل جوهر له مَظهر . ولا يُمكن فصل المُرتكزات الإنسانية عن سياقها التاريخي، وطبيعتها الاجتماعية، ونظامها اللغوي، وإطارها المشاعري .

وكُلما سيطرَ الإنسانُ على نفْسه بكل تناقضاتها وتشابكاتها، سيطرَ على العناصر المحيطة به، والمنتشرة حَوْله، لأن الذات الإنسانية هي الأساس في عملية ولادة العلاقات الاجتماعية، وتشكُّلِ الوعي الذهني، الذي ينعكس على المنظومة الإنسانية بكل تفاصيلها .

وإذا اعتنى الإنسانُ بنفْسه سيظهر في المِرآة جميلًا، ولكنه إذا اعتنى بالمِرآة ونَسِيَ نَفْسَه، فلن يتغيَّر شيء، لأن الأصل - وليس الصورة - هو أساس القيم المعرفية، والعلاقاتُ الاجتماعية صورة مُنعكسة عن الأصل . ومهما كانت الصورة في المِرآة جميلةً وبرَّاقة، ستظل صورةً، والإنسانُ الواقف أمام المِرآة هو الأصل، والتَّعويل عليه، وهو المصدر (المنبع) . ومنبعُ النهر هو الذي يُحدِّد اتجاه روافده وطبيعتها. ومهما كان البرواز أنيقًا وغاليًا، سيظل إطارًا خشبيًّا أو بلاستيكيًّا بلا رُوح، لأن الروح في الجسد (الأصل) والذكرياتِ  (المصدر) .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

نايف عبوشابتداءً لابد من التسليم، بأن الإبداع، موهبة فطرية، تولد مع الإنسان الموهوب. وعادة ما تظهر علامات الإبداع على الموهوب منذ بواكير طفولته. فيظهر في غالب الأحيان، طفلاً نشطا، وحركيا بين أقرانه، حيث تراه يستنبط العابا غير مالوفة، ويقوم بحركات تجلب انتباه الآخرين، حتى أن أقرانه ينقادون له، ويقومون بتقليد افعاله، وقد يجلب انتباه كبار السن المحيطين به أيضاً، فيحظى بعطفهم، ورعايتهم، فيؤثرونه في المودة، ويقربونه منهم مجلساً، وقد يتنبأ له البعض منهم بمستقبل واعد.

وهكذا تظل الموهبة، بما هي ظاهرة ابداعية قابلة للأستيلا، كلما مارس الإنسان التأمل.. واستطاع بخياله المتطلع.. ان يحلق بإحساسه المرهف..  بين صعيد أرض واقعه المثقل بالمعاناة..  وبين فضاء سماء احلامه المفتوحة الافاق بالإيحاءات .

ومن هنا يلاحظ ان الكتابة بما هي موهبة انسانية، تظل في جانب اساسي منها حالة مزاجية، وتحتاج إلى حس مرهف، وإلى حدث يقدح شرارة إشعال ومضة الانثيال من حافات الوجدان.

ولذلك لا بد لمبدع النص، من ان يطلق عنان خياله في التطلُّع، من دون أن يتعمد اختلاق مرموزات نصه بطريقة ميكانيكية، بحيث يقترب فيما يسرده انثيالا، من حقيقة صور واقعه المعاش، رغم أنه يعتمد في سرده للأحداث داخل بنية نصه، على خياله، في استيلاد صور عناصر واقعه الحي، ليصبها بسياق إبداعي في بنية النص.   

ولاشك ان صقل الموهبة بالاختصاص.. ودعمها بالممارسة المهنية والدربة.. يرتقي بعطاء الكاتب الى افاق متقدمة من الرصانة المتكاملة الساحرة، التي تقترب بنصوصه المنثالة، من حقيقة اللوحة الفنية المكتضة بالصور، او القصيدة الشعرية الزاخرة بالبواحات، او المقطوعة النثرية الرشيقة التعبير . 

وما دام الأمر كذلك، فإن التنطع، ومحاولة اصطناع الموهبة، سيكون تكلفا مقرفا، ويضع صاحبه في دائرة السخرية، وتسفيه أدائه، مهما حاول أن يطبعه بالعفوية، إذ لاشك ان المتلقي، سيتفاعل بسهولة وتلقائية، مع ذلك النص الابداعي، الذي يلامس همومه بصدق، ويعبر عن معاناته بشفافية، ويمنحه اعلى قدر من المتعة،والغذاء الروحي في نفس الوقت. فالنص كأي معطى أبداعي، هو حلقة الوصل بين المبدع، ومتلقيه، ما دام يتصف بالتلقائية التعبيرية عن الهموم، والقدرة على الإيحاء، والتأثير في الآخرين .

 

نايف عبوش

 

عقيل العبوديوميا اذهب الى ستاربوكس القريبة من المنطقة التي اسكن فيها، وميزتها انها واقعة في دار بيع الكتب والقرطاسية، التي من انعامها، انها يُسمَحُ للزبون فيها ان يقرأ من الكتب المرفوفة ما لذَّ وطاب.

علما انه كما اشرت سابقا في وصف المكان اعلاه، حيث لكل زاوية موضوع، فقسم الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلى غرار ذلك، باقي العلوم التي انعم الله بها على عبده، ليشتغل بعقله، وحسه، بل بجميع زوايا مشاعره، وضميره، ووجدانه. أي بكيانه الإنساني، ما يذكرني بدار الحكمة، وبيوتات الثقافة، إبان زمن الخط الصاعد من الحضارة في مجتمعاتنا، كما يعبر احد المفكرين.

 حيث للفلك، والطب، والجغرافية، والرياضيات، والأدب ، وكل ما تشتهي النفس الراقية، حضورات زكية، كما لحقل اللغات ايضا، ما يجعل المهتمين بأمر هذه النِعَم، مثلهم كمثل الذين يقصدون مطاعم الأكلات الشهية تلذذا، بتلك الوجبات التي تُقَدَم مع الورد، وأناقة النادلات اللائي يستقبلن الزبائن بتلك الابتسامات، والتحايا الممزوجة مع المجاملات الناعمة.

وهذا طبعا مع نكهة الموسيقى الهادئة، تلك التي لا تخلو من سمفونيات هايدن، وموزارت، مضافا اليها القهوة المطعمة بالحليب، والعسل.

وتلك فضاءات تسرقني كما غيري، لأطوف في رحابها، الى درجة لا اقدر مغادرتها، الا بعد إكمال ملخص عن كتاب، ما اسميه مائدتي الثقافية.

وذلك امر استهواني، بل أضاف شيئا آخر الى خبرتي الأكاديمية، لتلخيص كتب وموضوعات متنوعة، ولكن ليس بالنمط التقليدي، بل على  شاكلة الوجبات السريعة التي تعدها ال McDonald’s، هكذا يطيب لي وصفه.

 باعتبار ان طريقتي في التلخيص، وبحسب ما يتناسب مع الوقت والامكان، تعتمد قراءة العنوان الرئيس، ثم قراءة محتويات الكتاب، وخاتمته، وحقل ال Glossary، أي المعاني الخاصة بالمصطلحات المهمة في المادة، مع التركيز على بعض الفصول، وذلك مسبوقا بتصوير المغلف بوجهين، بغية الإشارة اليه في حقل ال sources أو ال references، كأمر مهم في تثبيت معلومات دار الطباعة، وتاريخ النشر بغية ادراجها عند التأليف لاحقا.

والأمر مفيد في تعزيز الثقة بالنفس كونه على اساسه، يتم الاستمتاع بلغة ثانية قراءة، وكتابة، وبمعرفة  تشدّ القارئ اليها في جميع فروع المعرفة.

ولذلك ونظرا للفائدة، أقول، بما ان الكتابة تستهوي المعنيين، لذلك فلا بأس ان تكون هذه المهمة عبارة عن ملخصات يومية موجزة لما هو متيسر من المصادر.

 والغاية من الفكرة، تحقيق أمرين؛ الأول، القراءة، والثاني، الخبرة، وهذا يصب في تعزيز نشر الثقافة الرصينة، ما يقدم للقارئ طبخة شهية في باب المعرفة.

 عندئذٍ، ستعم الفائدة الأكاديمية، والثقافية، والإجتماعية، وكذلك يصار الى بناء نسيج ثقافي متكامل، يمكن الاستفادة منه في تشجيع لغة القراءة بين الشباب والمثقفين عبر بيوتات، وجلسات، ومنابر ثقافية، املا بإعادة تأهيل دار الحكمة الذي افتقدناه كما فقداننا لمفردات ثقافتنا الأصيلة.

 

عقيل العبود

 

ضياء نافعلم يعترف ماياكوفسكي بالاسماء الكبرى في تاريخ الادب الروسي في بداية طريقه الادبي، مثل بقية الادباء الذين كانوا ينتمون الى تيّار أدبي وفني برز في بداية القرن العشرين بروسيا وهو – (الفوتوريزم)، اي (المستقبلية)، ولا مجال هنا طبعا للحديث عن هذا التيّار ومكانته في مسيرة الادب والفن في روسيا . كان ماياكوفسكي متحمسا جدا لتلك الآراء، ومتطرفا كالعادة في مواقفه الحادة، ولهذا فقد رفض حتى بوشكين، انطلاقا من ضرورة التخلص من الماضي، والارتباط مع الحاضر فقط، والانطلاق منه نحو المستقبل. لقد دعى ماياكوفسكي في تلك الفترة المبكرة من مسيرته الابداعية الى (...اسقاط بوشكين من منصة العصر الحديث وخلعه والاطاحة به..)، وهذه الكلمات موثّقة ومنشورة في المصادر الروسية عن ماياكوفسكي وعن تيّار المستقبلية وأنصارها عموما. وأذكر ان أحد أصدقائي من الطلبة الروس، الذي كان يدرس معي في جامعة موسكو في الستينيا ت، والذي كان معجبا جدا بماياكوفسكي، قال لنا مرة، انه قرأ حول تلك الفترة من مسيرة ماياكوفسكي ما معناه، ان ماياكوفسكي كان يرغب ان يقود بوشكين الى جدار ويوقفه عند ذلك الجدار ويعدمه رميا بالرصاص، ولازلت أتذكر الاشمئزاز والامتعاض والاستهجان الذي ساد عند جميع الطلبة من الذين كانوا يستمعون الى ذلك الحديث آنذاك، وقد علّق أحد المستمعين عندها قائلا – طبعا اراد ماياكوفسكي ان يعدم بوشكين لانه كان يرغب ان يخلق اوزانا موسيقيّة جديدة ومبتكرة من قبله في مسيرة الشعر الروسي، ولكن بوشكين العظيم كان له بالمرصاد، ولم يسمح له بتاتا بذلك، رغم ان بوشكين عاش ومات قبل ماياكوفسكي بقرن كامل من الزمن . وفي تاريخ الادب الروسي توجد حادثة طريفة (سبق لي ان تحدثت عنها تفصيلا في احدى مقالاتي القديمة ببغداد السبعينات حول ماياكوفسكي)، واعيد ملخّصها الان، وهي ان لينين حضر في احدى مؤتمرات الشباب السوفيتي مرة، وسألهم – (هل تقرأون شعر بوشكين؟)، فأجابوه – كلا، نحن لا نقرأ شعر البرجوازي بوشكين، وانما نقرأ شعر البروليتاري ماياكوفسكي، فاجابهم لينين مبتسما بجملته الشهيرة والواضحة وضوح الشمس كما يقول تعبيرنا العربي الجميل، اذ قال – لكن شعر بوشكين أفضل .

موقف ماياكوفسكي من بوشكين بدأ بالتغيّر تدريجيا، اذ انه صرّح برغبته (الاطاحة !) ببوشكين في عام 1912 (ولد ماياكوفسكي العام 1893)، ومن الواضح تماما، ان مثل هذه (الاقوال!) يطلقها عادة الشباب الغض المتطرف في كل زمان ومكان (قالها عن بوشكين ايضا بازاروف – بطل رواية تورغينيف الآباء والبنون) . ان الآراء الفكرية و المواقف المرتبطة بها، مثل كل البشر، تنضج وتتطور وتتغيّر بمرور الايام والشهور والاعوام، وهذا ماحدث طبعا مع ماياكوفسكي، الذي كتب العام 1924، اي بعد 12 سنة من أقواله المتطرفة تلك، كتب قصيدة طويلة جدا وجميلة ومكتوبة طبعا باسلوب ماياكوفسكي و بعنوان – (اليوبيلية)، وهي مكرسّة للذكرى (125) لميلاد بوشكين، وتوجد اشارة في المصادر الروسية الى ان ماياكوفسكي كتب هذه القصيدة وكان الشاعر ماندلشتام يقرأ له رواية بوشكين الشعرية – (يفغيني اونيغين)، رغم ان ماياكوفسكي – كما تشير تلك المصادر نفسها – كان يعرفها عن ظهر قلب تقريبا.

لم يصل ماياكوفسكي طبعا الى قصيدته عن بوشكين تلك رأسا، اذ ان آراء المستقبليين وغيرهم من الشباب المتطرف حول (الاطاحة!) بالتراث الادبي الروسي (بما فيهم تولستوي ودستويفسكي ايضا) اصطدمت واقعيا بموقف الناس الطبيعي والسليم دائما من ذلك التراث العظيم، بل ان موقف لوناتشارسكي، وزير التعليم والثقافة السوفيتي الاول (انظر مقالتنا بعنوان - لوناتشارسكي الفيلسوف والاديب والوزير) من ذلك التراث كان مضادا كليا لتلك الآراء المتطرفة تجاه رفض التراث، وقد بدأ موقف ماياكوفسكي من بوشكين يتغيّر، اذ أعلن انه ضد تحويل بوشكين الى تمثال، اي الى مفهوم (الصنم!) ان صح التعبير، وانما هو (اي ماياكوفسكي) مع التفاعل الحيوي والحياتي بشعر بوشكين، وقد كتب ماياكوفسكي في قصيدته الجميلة تلك كل ما اراد ان يقوله عن بوشكين –

أنا الوحيد / الذي يأسف / لانك لست حيّا / ....... احبك / لكن حيّا / وليس مومياء .......

 

أ. د. ضياء نافع

 

احمد الكنانيصاحب هذه القصيدة يمتلك من القدرة الشعرية ما يمكّنه من تطويع المفاهيم العميقة الخاصة بالسالكين الخلُص وتعبيدها حتى لعابري السبيل مهما كانت وجهتهم ..

اختياره للهجة الدارجة لتمرير أفكاره الى عموم الناس ليس قصوراً منه في استخدام الفصحى، هو يرى ان الشعر ليس حكراً على طبقة النبلاء، والأفكار بعمومها بحاجة الى إنزالها الى ادنى مستوياتها لترتفع بالناس الى اعلى المستويات، وليس العكس ..

كنت اشعر بالغرابة الممتزجة بالأسى لما ينشر في الفضاء الإلكتروني من مقالات وقصائد شعر وڤيديوهات تثير غبار الماضي السحيق، وكلام عن عقائد او ما صّيروه عقائد كان يلقّن بها ابناء ذاك الزمان تتناسب مع السذاجة التي يتحلون بها، كلام عن ولايات تكوينية وأخرى تشريعية، ولاية أناس بعضهم على بعض مستمدة من ولاية الإله .. كل ذلك ارضاء لعامة الناس والنزول عند رغباتهم، بدلا من النهوض والارتقاء بها الى ابعد حدود الطموحات، وعند السؤال عن جدوى تلك الأبحاث والأدب المؤجج والمستفز، يجاب: بان الناس ترغب بذلك  وتستمتع بها اكثر من اي شيء اخر .

محمود بيرم التونسي ومن خلال نتاجه الشعري كان يحمل هموم التثقيف الجماهيري والارتقاء به عن طريق الزجل الممتزج بالفكاهة احيانا الى حالة الثقافة العامة والوعي العام ؛ اذ لا طبقية في أدب بيرم، بأن تكون هناك طبقة مثقفة يتعامل معها على أساس من الثورية الرائجة تلك الايام، وطبقة اخرى هي عموم الشعب وهؤلاء لا يستحقون الكثير من العناء، فالتغيير ان هو حاصل فعلى عاتق المثقفين دون سواهم،هذه المفردة لا وجود لها في قاموس التونسي …

بعض من شعره يحمل افكار صوفية عميقة المغزى، تصب في ذاك الاتجاه الذي اختطه لنفسه ؛ من اشراك الناس كل الناس في التشبّع من تلك المفاهيم،  وقصيدته القلب يعشق كل جميل مثالها البارز .

مطلع القصيدة يقول:

واللي صدق فى الحب قليل

وان دام يدوم يوم ولا يومين

.

واللي هويته اليوم 

دايم وصاله دوم

.

لا يعاتب اللى يتوب

ولا فى طبعه اللوم

.

واحد مافيش غيره

 ملا الوجود نوره

.

دعاني لبّيته    

لحد باب بيته

.

 واما تجلى لي

بالدمع ناجيته …

هناك تداع للمعاني حصل لي مع هذه القصيدة مثير للاستغراب جعلني اقرأ واستمع لمعظم ما نظمه بيرم من شعر لعلّي اهتدى الى أسباب ذلك التداعي .

 حصل ذلك في طريق عودتي الى المنزل ليلا وفي السيارة اعتدت سماع الموسيقى الصوفية او ام كلثوم احيانا .. وفي لحظة سماعي لأم كلثوم وهي تنشد القلب يعشق كل جميل تبادر الى ذهني ابيات جلال الدين الرومي وبذات المضمون ايضا .. وكنت احسبها من مختصات هو  ..

 فهل هي مشتركات فكرية

ام سرقات شعرية

ام ماذا !!

ابيات مولانا جلال الدين من نوع الشعر القصصي الطويل المتضمن لمقاطع وفصول .. في خاتمتها يقول الرومي:

این جهان کوهست و فعل ما ندا

             سوی ما آید نداها را صدا

ترجمة تلك الابيات الغزيرة بأفكارها الوجيزة بألفاظها  كالاتي :

هذا العالم كجبل وأفعالنا فيه نداء

                 نداؤنا راجع إلينا كالصَدى

هذا هو الإنسان المعنوي  الذي يمثله مولانا جلال الدين ونظرته المتوازنة الى الكون أخذاً وعطاءاً، فبقدر ما تعطي في هذا العالم بقدره ما يرجع إليك؛ ان شر فشر وان خير فخير، هو اشبه بالصدى المتردد بين ارجاء الجبل …

 وهذه اشبه بالقواعد الأخلاقية غير المنضبطة بقوانين الطبيعة والفيزياء لكنها احساس نشعر به، كما في قول القائل: " من طرق باب الناس طُرق بابه "

ثم يبدأ مولانا في تعريف الحب الحقيقي ويوصي بالعشق الدائم، بل ان مقولة الحب لا تصدق الا على بقاء الحب ودوامه ؛ لانه حبل عقدته إلهية لا تنفك أبداً، في قبال الحب المؤقت الذي يدوم يوماً او يومين ذلك الذي يعتريه التغيّر والتّبدل بحسب الظروف والأحوال وهو ما يطلق عليه مولانا تسمية  حب الموتى الذي لا أمل فيه ولا رجاء، والعشق الباقي هو عشق الحي الذي لا يموت، وهو الشراب الذي أرتوى من رحيقه الأنبياء:

زانک عشق مردگان پاینده نیست

         زانک مرده سوی ما آینده نیست

عشق زنده در روان و در بصر

            هر دمی باشد ز غنچه تازه تر

عشق آن زنده گزین کو باقیست

          کز شراب جان‌فزایت ساقیست

عشق آن بگزین که جمله انبیا

الى اخر الابيات …..

احسب ان هناك تقاربا في المعنى بين ابيات الرومي وما كتبه بيرم التونسي،  ولا أدّعي السرقات الشعرية، رغم انه واقع في مخالبها في قضية الاتهام الصادرة من زكريا احمد وهي احد أسباب القطيعة بينهما ..

اذا لم اجد اي علاقة بين بيرم والأدب الفارسي سوى صورة له على غلاف احد دواوينه نقشت على يده علامة الأسد والشمس (شير وخورشيد) وهي شعار الإمبراطورية الفارسية المتوسطة للعلم الإيراني في ازمنة الشاهات ..

لا يوجد عندي ما أدافع به عن الرومي لعدم كفاية الأدلة .

 

احمد الكناني

 

ضياء نافعاطلعت على مقالة طريفة جدا بالروسية عنوانها: (مئة حقيقة عن غوركي)، مقالة ذكرّتني رأسا بالقول العربي الذكي والدقيق: (ما قلّ ودلّ). تتضمن تلك المقالة مئة فقرة وجيزة ومختصرة جدا حول حياة غوركي وابداعه، وقد كتبها – كما هو واضح - متخصصون في تاريخ ومسيرة هذا الاديب الروسي الكبير، ووجدت في تلك المقالة وقائع وحقائق وآراء مختلفة ومتنوعة جدا، قسم منها يتناول وقائع معروفة عن غوركي ولكنها منسية الى حد ما ولم تعد مثيرة للقارئ رغم اهميتها، وقسم يرتبط بحياة غوركي وابداعه ولكنه يثير نقاشات عديدة ويتطلب اثباتات وبراهين وتحديد مصادر دقيقة حول ما ورد في تلك الوقائع، واود هنا ان استعرض للقارئ العربي بشكل عام بعض تلك الفقرات ليس الا، التي جاءت في هذه المقالة واعلق عليها من وجهة نظري، واظن، ان عرض تلك الفقرات ومناقشتها ربما سيكون مفيدا (وممتعا ايضا) للقارئ العربي، الذي يجب عليه – بلا شك - ان يطلع على آراء القراء والباحثين الروس المعاصرين حول أديب مثل غوركي، وذلك لأن هذا الكاتب الروسي قريب جدا من اجواء القارئ العربي ونفسيته نتيجة عوامل آيديولوجية معروفة في مسيرة مجتمعاتنا العربية.

الوقائع الاولى في هذه الفقرات (والتي أشرنا اليها في اعلاه على انها معروفة ولكن منسية) تتمحور حول اسمه الحقيقي (بيشكوف)، وانه اصبح يتيم الاب والام عندما كان عمره 11 سنة، وانه اضطر ان يمارس مختلف المهن، ومنها غسل الصحون في المطاعم، وان تعليمه يرتبط بمدرسة مهنية ليس الا، وان اسم (غوركي) الذي يعني (المرّ) ظهر لاول مرة عام 1892 في احدى الصحف المحلية . بعد ذلك تأتي الفقرات التي نريد ان نتوقف عندها ونعلق عليها بشكل او بآخر، مثلا، ان غوركي كان يقرأ بسرعة 4 ألف كلمة في الدقيقة الواحدة، وهي معلومة جديدة لم يسبق لنا الاطلاع عليها، اذ انها ترتبط باتجاه جديد نسبيا يسمى – (القراءة السريعة) ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين (اي بعد وفاة غوركي عام 1936)، ويخضع هذا الاتجاه لقوانين وقواعد وضوابط محددة وصارمة، ولا تشير تلك الفقرة الى مصدر هذه المعلومة الجديدة والطريفة عن غوركي . توجد فقرة تشير، الى ان دماغ غوركي تم انتزاعه بعد تشريحه وتم الاحتفاظ به لغرض دراسته لاحقا من قبل المختصين، ومن المعروف ان دماغ لينين خضع ايضا لمثل هذه العملية، وهي طريقة كانت متّبعة في الاتحاد السوفيتي، ولكنها لم تسفر عن نتائج عملية وعلمية واضحة، وقد تركوها بعد فترة .

 هناك فقرة اخرى تثير النقاش(وخصوصا للقارئ العربي) حول علاقة غوركي بلينين، اذ تشير الى ان غوركي كان غالبا ما ينتقد سياسة لينين . ان المفهوم السائد في الوعي الاجتماعي العربي يؤكد على ان هناك تجانس هارموني بين افكار لينين وغوركي، وان كلاهما كانا يسعيان الى تحقيق هدف واحد وهو الثورة (وهو رأي سوفيتي معروف)، ولكن هذه الفقرة تتناقض مع ذلك المفهوم . لا يوجد مصدر محدد ودقيق في تلك المقالة على ما جاء في الفقرة هذه، وعلى الرغم من ان القارئ العربي بعيد نسبيا عن الافكار المعاصرة السائدة في روسيا اليوم، الا ان هذا القارئ سيندهش من هذه الفقرة فعلا . ان العلاقة بين غوركي ولينين مسألة لم يتناولها الباحثون العرب بشكل متكامل، اما القارئ الروسي فلم يعد مهتما بها كما كان الامر في الاتحاد السوفيتي، واتمنى ان تسمح ظروفي بالعودة الى هذا الموضوع وكتابة اضاءة حوله، اذ انه لازال موضوعا مهمّا للقارئ العربي. هناك فقرة في تلك المقالة عن ستالين تقول، ان غوركي كان الكاتب المفضّل لستالين، وهي فقرة عامة جدا، اذ ان ستالين كان يتابع نتاجات الادباء السوفييت كافة، وتشير كل المصادر الروسية الى ان ستالين كان يرى في غوركي الكاتب الوحيد الذي يصلح ان يكون رئيسا لاتحاد الادباء السوفيت في حينه، والذي يمكن ان يوحدهم، وبشكل عام، فان علاقة غوركي وستالين تستحق ايضا كتابة خاصة وموسّعة. في ختام هذا العرض نود التوقف عند فقرة مهمة جاءت في تلك المقالة، وهي تخص مصطلح (الواقعية المثالية). تقول الفقرة، ان غوركي قد طرح مسائل ترتبط بمفهوم (الواقعية المثالية)، اي ان غوركي لم يطرح مفهوم الواقعية الاشتراكية، التي تبناها المؤتمر التأسيسي الاول لاتحاد الادباء السوفيت عام 1934 المشهور، هذا المصطلح الذي اصبح شائعا في آداب الشعوب السوفيتية، وفي اوساط الادب اليساري في العالم ايضا، بما فيه عالمنا العربي طبعا . ان مفهوم الواقعية الاشتراكية اصبح الان مسألة ترتبط بالماضي ليس الا، ولم تعد مطروحة بتاتا في عالم الادب والفن الروسي منذ سبعينيات القرن العشرين، اي عندما كان الاتحاد السوفيتي موجودا، وقد تناولت المصادر الروسية المعاصرة موقف غوركي من ذلك المفهوم، الذي تم فرضه واقعيا في الاوساط الحزبية السوفيتية . وموضوع الواقعية الاشتراكية في عالمنا العربي جدير طبعا بدراسته والتوقف الموضوعي الهادئ عنده.

مكسيم غوركي – واحد من عمالقة الادب والفكر الروسي، وابداعه لايزال بحاجة الى دراسات جديدة ومعمقة لسبر غور ذلك الابداع وفهم ابعاده، واتمنى ان تكون ملاحظاتنا الوجيزة هذه مساهمة متواضعة في التأكيد على ذلك .

 

أ. د. ضياء نافع

 

كريم مرزة الاسديرأيت بعض الأدباء والشعراء والكتاب يخطئون - على وجه الخصوص- قي كتابة الهمزة على الألف، أو تحتها، لهذه الأسماء والأفعال، وهذا لا يصح ولا يجوز مطلقا، أمّا إذا وضعت  حركة فتح أو كسر، فالحركة ليست بحرف ولا همزة. أمّا إذا جاءت الكلمة في بداية الكلام، أو الجملة؛  فلا بأس من وضع الحركة؛ لأن العرب لا يبدأون بساكن.

إذًا لا يجوز مطلقًا كتابة الهمزة في بداية  الأسماء والأفعال الآتية:

1 - في الأسماء العشَرة: (اسم)، (است)، (ابن)، (ابنة)، (ابنُم)، (امرؤ)، (امرأة)؛ فهذه سبعة، ويدخل فيها مثنى هذه الأسماء السبعة ( اسمان، استان، ابنان، ابنتان، امرأتان؛ و مثلها (اثنان)، و(اثنتان)، هذا مثنى الرفع، وكذلك مثنى النصب والجر لهذه الأسماء( اسمين، استين، ابنين، ابنتين، امرأتين، اثنين، اثنتين)، وفي كل حالات الإضافة لمثنى هذه الأسماء تحذف النون، ولا تكتب الهمزة على الألف في أول الكلمات، لأنها همزة وصل، وليس بهمزة قطع!!

وكذلك لا تكتب الهمزة على ألف  (ايمُنُ اللهِ) - و لغاتها، نحو (ايمَن الله) بفتح الميم، و(ايم الله).

ملاحظة، كلمة (أبناء)، وهي جمع كلمة (ابن) تكتب الهمزة.

2 - في الأفعال: لا تكتب الهمزة مطلقًا على ألف بداية الأفعال، أو المصادر المذكورة:

- أمر الفعل الثلاثي، كما في: (اقرأ)، (ادرس)، (اركض).

في أمر الفعلين الخماسي والسداسي وماضيهما ومصدرهما،: الخماسي: (ارْتفعْ)، (ارْتفعَ)، (ارتفاع)؛ السداسي: (استدركْ)، (استدركَ)، (استدراك).

وكما تعلمون همزة الفعل المضارع للمتكلم تكتب في جميع الأحوال: أرتفعُ (أنا)، أستدركُ (أنا)؛ وهي من الحروف الأربعة ( أنيت)، التي تدخل الفعل المضارع .

ملاحظة مهمة:

الحق وضع الكسرة أو الفتحة فوق الألف للأسماء والأفعال والمصادر - المذكورة آنفًا-  في بداية الكلام أو الجمل لا بأس به، لأن العرب لا يبدأون بساكن، على حين الهمزة كبقية الحروف الصحيحة مدى كمها الزمني  الصوتي أكبر من الحركات، أما حروف اللين (واي)؛ فكمها الزمني  الصوتي أقل من الحروف الصحيحة، وأكثر من الحركات المناسبة لها، لذا في الشعر العربي لا يجوز إبدال ألف التأسيس بحرف صحيح ساكن (من الصوامت)، ولا  الحروف الرديفة (واي اللينات؛ وهي الصوائت) بحروف صحيحة!! لأن الوزن يختل على الأذن المرهفة؛ لتباين الكم الزمني  الصوتي؛ نعم لغتنا العربية الخالدة دقيقة جداً، لا تقبل الخطأ، ولله في خلقه ولغاتهم شؤون!

 

كريم مرزة الأسدي

.................

كتبت بحثًا موسعًا عن قواعد كتابة الهمزة في جميع مواضعها؛ وهمزتي القطع والوصل؛ والألف اللينة، أرجو مراجعته؛ وهذا التنبية لكثرة الأخطاء في هذه المواضع. 

 

نجيب طلالسنوات عـدة لم أستمتع بمشاهدة عروض مسرحية للفرق الهاوية الجزائرية التي تحمل نكهة خاصة ؛ لكن شاءت الصدفة في مهرجان وجدة لدورته (6) أن نشاهد عملا لتعاونية فن الخشبة لمدينة سيدي بلعباس. عمل موندرامي تحت عنوان (أنا والسطح) كتابة وإخراجا  ل-  محمد الشواط – الذي تمرس على الكتابة الموندرامية رفقة الفنان- قندسي بومدين – بحيث يحاول أن يعكس الواقع الاجتماعي و المعيشي الحيّ على المسرح؛ وإن كان المسرح ليس هو الواقع في تجلياته الفيزيائية . ولكن المسرح الجزائري من خصائصه أنه يستند على الوقائع الآنية والأحداث الواقعية  ؛ وإن كانت بعض الأعمال تحاول ترسيخ الترميز وتوظيف الإشارات والرموز وليس [الرمزية] كاتجاه إبداعي. يظل العرض كاشفا واقعيته ؛ وهناك عروض تغرق نفسها في واقعية الواقعية ؛ مما تتيه في المحلية وتتلخبط أثناء خروجها من فضائها الخاص؛ وهـذا ما وقـع للعرض (أنا والسطح) بحيث حاول الممثل الشاب- محمد بن رمضان- استنزاف كل طاقته وقدراته من أجل خلق تواصل فعال بين العرض / المتلقي. وإقحام بعض الإشارات ذات بعْـد(خاص) أكيد لا وجود لها في النص الأصلي ك:موازين/ النيبت/ شباب الزلطة/ الرقية /..../ وإن كان العرض فعلا حاول أن يحقق تواصلا معه جمهوروإن كان قليل العـدد؛ فذاك التواصل نتيجة عاملين أولهما سياسي: محاولة التواصل الحميمي بين الشعب الجزائري / المغربي؛ وهذا تجلى قويا في المقابلات الإفريقية (مؤخرا) والعامل الثاني التركيب الدرامي للحكايات؛ بطريقة جد ذكية . بحيث تم سرد ها انطلاقا من ملابس الشخصيات المنشورة فوق السطح ؛ وهذا توظيف دلالي عميق جدا ؛ ساهم في بناء سينوغرافيا العَـرض بجمالية خاصة رغم بساطتها . وتحكمت في  حركية وتموقعات - الممثل- والتلاعب بالإيقاع المسرحي، حسب قوة كل حكاية . كل حكاية تكشف عن واقع الشريحة الإجتماعية  لمجتمع سيدي بلعباس . والسؤال الذي يطرح نفسه بعْـد انتهاء العرض هل سطح/ واقع: سيدي بلعباس يتركب إلا من البسطاء والمهمشين(فقط) أليس هناك أغنياء / بورجوازيون/ رجال السلطة/ مسؤولين لهم وعليهم حكايا؟ لأن (السطح) كسطح يبدو ظاهريا كأيقونة فوق الركح، من خلال الغسيل المنشور؛ لكن الوجه الحقيقي هو (الواقع) الذي تم نشر غسيله بشكل سطحي دونما تعمق في حقيقة من أنتج تلك الحكايات ؛ وإن كانت هنالك إشارة حول ماهية تحسين الوضعية ،من خلال اللعب بأصابع اليدين  (هذوا يبغو هذوا... هذوا وهذوا يتأمروا على هذوا ... هذوا ضد هذوا.... .الله يخلينا هذوا وهذوا) كإشارة إمـا للمسؤولين / احزاب/ لوبيات/ عصابات/ التي وردت في سياق حكاية الشخص (الزاي) حول التعليم؛ والتي تقمصها – الممثل – ذاك القاطن في السطح والذي يروي حكاية واقعه ، كاشفا أنه كان بطلا معروفا . ومن خلال قميصه الرياضي(الأخضر) والحامل لرقم [(3) ] يتبين ضمنيا أنه كان ضمن فريق [اتحاد سيدي بلعباس لكرة القـدم] ولكن لعفته/ أنفته فالزمان بقساوته  غـدر به ؛ مما ارتمى في ركن من أركان أحد السطوح؛ وهذه مأساة العَـديد من الرياضيين والمبدعين [الشرفاء] في الوطن العربي؛ وليس في سيدي بلعباس (وحدها) رغم أنه تعلم؛ ونال قسطا من الدراسة ؛ والتي توضحها حكاية تكشف عن واقع التعليم الطبقي حسب جغرافية المنطقة؛ هنا كان الإلقاء مضطربا بحيث حاول تغيير الإيقاع الصوتي؛ فانخرط في لغة  المخمرين/ السكارى؛ وأسلوب هذا الإلقاء يتكرر في بعض الحكايا؛ وتلك مسؤولية (الإخراج) وليس للممثل – محمد بن رمضان- الذي بدل أقسى جهده في تلوين الخطاب والإلقاء لكل شخصية على حـدة بدء من حليمة الشوافة؛ وإن كان لباسها يوحي لإحـدى الراقصات؛ ولكن باقي الألبسة لها علائق وطيدة بشخصيتها ك (المعطف) بالمقاوم (عمي سعيد) الذي لم ينل حقه ونصيبه من الثورة ؛ كباقي المستفيدين والذين لم يقاوموا الاستعمار .فـظل يصرخ باحثا عن (إنصافه)؟ مرورا ب (رباطة العنق) كإحالة ل(عمي الطاهر) الذي يتقدم في كل دورة للانتخابات . ولم يفرح بفوز ولو مرة واحدة ؛ رغم تبذيره وصرفه لمئات وألاف الدينارات على شباب الحي؟ أما (الجلباب) فكان إحالة طبيعية للفقيه (عمي علي) صاحب الرقية الشرعية. الذي اعتقل ثم سجن وبعدها أصيب بجنون ؛ بعْـدما توفيت فتاة على يديه ، محاولا إخراج (الجن) من جسدها! وحسب ما أذكر أن هذا الحدث وقع سنة 2016 بسيدي بلعباس فعلا لسيدة في اواسط العقد الرابع ماتت في المستشفى؛ ففتح تحقيق بعد وجود علامات وكمدات وضرب مبرح على جسدها. فهاته الحكاية كانت من أقوى حكايا سطح سيدي بلعباس والتي تقابلها حكاية (عمي بوعلام) الذي تم توظيف (العباية/ الدراعية / الرزة) كإحالة أنه من شيوخ (القصبة/الأغنية البدوية) الذي تعامل مع أغلب شيوخ سيدي بلعباس بدء من الشيخة حبيبة والشيخة ريتمي والجنية ....؛ في الأعراس والحفلات وغيرها لكنه لم ينل حظه ؛ وظل ممنوعا من الظهور؟ مرورا بشخصية غامضة لها علاقة ب (الصاك/ حامل للأمتعة الرياضية) المنشور في السطح . فكل ما هو معروف عنه  يعتقل باستمرار؛ كأن السجن مكان للفسحة عنده : فهل الصاك إحالة كتاجر للمخدرات أم الخمورأم ممارسة العنف...؟ فالمسرحية لم توضح ذلك .هنا تظهر حكاية المواطن/ السلبي/العاطل- البطال- الذي يعيش اللامبالاة والاستسلام معتبرا أن الوضع طبيعي ؛ وذلك من خلال ترديده  (الحمدلله /الدعوة راها رايحة) تجاه كل ما يقع من أحداث. لكن الإشكالية  مرة أخرى تكمن  في الإلقاء هل ذاك المواطن عادي أم مخمور؟ ولكن المثقف يدعو لليقظة والاستيقاظ بنوع من الهيسترية مهرولا بين الأزقة والشوارع؛ مما نسمع بشكل مفاجئ أغنية [يا ويح من طاح في البير وصعاب عليه طلوعو ...] كإشارة أن الوضعية  الإجتماعية للشريحة المهمشة والفقيرة والبسيطة ؛ لن تتبدل وستزداد تفاقما؛ هنا سلبية العرض تتجلى ! وفي هذا السياق تأتي مكالمة هاتفية (مجهولة) للمقيم في (السطح) بأن (السطح) سيهدم وسيرحل للمجهول؛ لتزداد سلبية الواقع المجتمعي .فهذا الخبر وإن حاول – الممثل- التفاعل معه لحَـد الاندماج الكلي؛ لكن طاقته استنزفت وظهر نوع من الفتور وشبه عياء؛ وله عـذره بحكم صعوبة التشخيص (المونودرامي) والإخراج لم يترك مساحات بيضاء كتقنية لكي يتنفس - الممثل- وإن كانت هناك مقاطع غنائية؛ ولكنها مرتبطة بالفعل الدرامي؛ الذي فرض التعامل معها حركيا ؛ وليس استراحة . وفي إطار المقاطع الغنائية؛ أعتقد بأن إقحام الموسيقى الكناوية (سيدي حمو) بمثابة حيرة النص ومخرجه من النهاية؛ بمعنى كيف يمكن إنهاء العرض ؛ لأن المقطع لم تصاحبه الإضاءة الحمراء  لتحقيق الترابط الجمالي والفكري بالموسيقى؛ وجذبة – الممثل-  التي كانت بشكل مفاجئ وبالأحرى بشكل عفوي،  وهو يحمل الشخصيات/ الملابس/ على كتفيه  لم يتضح مدى أهمية تلك الجذبة / الموسيقى هل هي إشارة لبقاء الاستعباد أم الانعتاق منه؟

ومهما حاولنا ملامسة بعض الهفوات أو النقائص الجمالية والفكرية لمسرحية (أنا والسطح) يبقى عملا له نكهته الخالصة من حيث تفعيل بانورامي لواقع الإجتماعي لفضاء سيدي بلعباس الذي هو جزء من الوطن العربي؛ وإن كان العمل غارقا في محليته .

 

نـجيب طــلال

 

حسن الحضريتأويل النص يحتاج إلى أن تسبقه عملية استقراء صحيحة، لِما يتعلق بمضونه؛ منعًا للَّبس والخلط والأخطاء الناتجة عن التحريف والتصحيف وغير ذلك مما يخلُّ بالمعنى، وكثيرًا ما تختلط بعض المعاني على الرُّواة والنُّقَّاد، فيحملون الألفاظ على غير محملها، ويجتهدون فيضيفون إلى مجملها ما يفصِّله، ثم تجري به المتابعات فيصبح تأصيلًا لأمرٍ ما.

ومما عبث به التحريف وسوء الفهم؛ ما رُوِي عن شيخٍ هذليٍّ كان خالًا للفرزدق؛ أنه قال: "جئت الفرزدق ودخلت على رواته، فوجدتهم يعدِّلون ما انحرف من شعره، ثم أتيت جريرًا، وجئت رواته وهم يقوِّمون ما انحرف من شعره".

فهذا الكلام يوهم أن جريرًا والفرزدق كانا يقعان في عيوب الشعر، وبكثرةٍ، وأن رُواتهما هم الذين كانوا يقوِّمون شعرهما وينقحونه، وكأنَّهما لا يحسنان الشعر!!، وفي كلام بعض النقاد ما يدل على وقوعهم في هذا الوهَم، حيث يبدو في كلامهم تأصيله باعتباره حقيقة؛ ومن ذلك قول الدكتور شوقي ضيف: "ولم يكونوا يروون شعرهما فحسب؛ بل كانوا ينقحونه ويهذبونه".

وعند استقراء الواقع يتبين أن كلام الهذلي، معناه أن الرواة كانوا يقُومون بفصل كل قصيدة أو مقطوعة عن غيرها مما قاله الشاعر في مجلسٍ واحدٍ، أو في مجالس متقاربة الزمان والمكان؛ ومن لديه علمٌ بصناعة الشعر يعلم أن الشاعر ربما قال في مناسبة بعينها بيتًا أو أبياتًا، ثم عدل إلى قافية أخرى، أو رويٍّ آخر، أو وزنٍ آخر، فكان الرواة ينظِّمون ذلك في أثناء جمعهم، وهذا ليس معناه أن الشاعر أخطأ؛ بل الشاعر قال قصائد ومقطوعاتٍ وأبياتًا متفرقة، جمعها الرواة كما تجمعها صفحات الكتب الآن؛ كل قصيدة أو مقطوعة قائمة بذاتها تحت عنوان واحد.

وأغلب الظن أن كلام الهذلي تم تحريفه، ولعلَّ من حرَّفه كان يقصد شرحه بناءً على فهمِه، وحيث إنه قد أساء فهمَه؛ خرج الشرح مخرج التحريف؛ وثمة احتمالات أخرى واردة، وكلها تدور حول اللَّبس والتحريف، وما يعنينا أن هذا المعنى الذي وصل إلينا في رواية الهذلي بهذه الألفاظ؛ لا يمكن أن يقع في عصرٍ أدركه كثيرٌ من الصحابة -رضي الله عنهم- الذين نزل فيهم القرآن الكريم متحدِّيًا فصاحتهم وبلاغتهم.

وهذا ليس معناه عدم وقوع شيء من تلك الأخطاء عند القدماء؛ فقد ورد شيء يسيرٌ جدًّا من ذلك، عن النابغة الذبياني وبشر بن أبي خازم، لا يمكن اعتباره ظاهرة؛ بل هو من قبيل السهو، وعدم ترديد الشاعر لِما ينْظمه قبل أن ينشده؛ والدليل أن النابغة فطن لذلك حين غنَّوه بشعره، وكذلك بشر بن أبي خازم حين نبَّهه أخوه.

إن الحكم على مسألة بعينها، في عصرٍ بعينه؛ يتطلب الإلمام بتفاصيل تلك المسألة، وطبيعة ذلك العصر، والأشخاص الذين تتعلق بهم المسألة؛ لأن ذلك كله يساعد في إصدار الحكم الصحيح.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

شاكر فريد حسنمن حمص السورية يأتينا صوت شعري عابق بشذا الليلك والياسمين الشامي، باهظ الرقة والعذوبة، مشع كالقناديل، جريء، صادق البوح والتعبير، يمتلك الايحاء الشعوري والخيال المجنح، الذي يشحن نسيجها الشعري والنثري بحالات عنيفة، وصور حسية ونفسية وجمالية، ويمنحه قوة وترابطًا وثيقًا كأنه سلسلة ذهبية أو عقد بديع الصنع .

إنه صوت الصديقة الشاعرة سهى سلوم، التي تشغل مربية للغة الانجليزية، وتنشر كتاباتها في عدد من المواقع الالكترونية وعلى صفحتها الفيسبوكية وفي بعض الصحف الورقية، وصدر لها حتى الآن 3 دواوين شعرية وهي : " ذاكرة زهرة الليلك، ربة العاصي، وعشق الغياب "، بالإضافة الى كتاب مشترك مع الروائي المصري ابراهيم جاد اللـه بعنوان " كن انت " .

نصوص سهى سلوم وجدانية وعاطفية انسانية ورومانسية ووطنية ناضجة، تزخر بالإحساس الدافئ والأنوثة الجياشة . فهي تسرق المشاعر، تحلق في فضاءات الجمال والدهشة، وتطوف على بساتين المفردات، تحافظ على جماليات النص بشعرية المتداول اليومي، وتميل إلى المفردة الواضحة، والجملة البسيطة الدالة بيسر، وتمتاز بسهولة اللفظ، ووضوح المفردة وسلاستها، والتلاعب بالكلمات والالفاظ، والتفنن بالمعاني، بأسلوب متجانس شكلًا ومضمونًا .

سهى سلوم في نصوصها وقصائدها ونثرياتها تحاكي الحب والحبيب، تخاطب المرأة / الانثى، وتكتب عن همومها واحلامها، وتعبر عن عواطفها وانفعالاتها الوجدانية واختلاجاتها، تعانق الهم الإنساني، وجراح وطنها السوري، وتصور مدينتها .. فتقول :

مدينتي التي أحب

صنعت من قوالب الحلوى

أحجار بناء :

هذا كوخٌ من حلاوة الجبن

وذاك مسجد من حلاوة

الجنة والنار

وتلك كنيسة من قطع الهريسة

وهذه طاولات حانة

من مستطيلات الشعيبيات

وذاك هرمٌ من الحلاوة الخبزية ,

لتخبئ سر عشقها

بين دهاليزه .

سهى سلوم ترسم كلماتها التي تختارها بدقة وعناية لوحات نثرية مكثفة جميلة، مكتظة بالأحاسيس العاطفية المدهشة، المكتوبة بحبر الصدق والوجد، وتزخر نصوصها بالنزعة الوجدانية والروح الوطنية والعاطفة القوية الصادقة النابضة بالدفء والشفافية والعفوية التعبيرية، فهي تخرج من القلب وتقع في القلب .

إنها شاعرة الانوثة الايروسية، والعاطفة الصادقة، تحكمها رؤية وجدانية، تنجح في تصوير انفعالاتها المضطربة، مستخدمة مفردات وتراكيب لغوية تحدث جرسًا موسيقيًا داخليًا ورنين، ويلتقي في نصها الصور الشعرية الدالة واللماحة والفنية الجديدة المتوهجة بالمشاعر والألوان والايحاءات، والمحسنات اللفظية كالإيقاع والتنسيق .. ولنقرأ هذا النص المشبع بحرارة الروح والايحاءات الجسدية :

ألبس أوراق السماء

في ليلة صيف نبيذية

أرفع كأس ورود خديك

لتثمل الشفاه بالقبل

أغزل لون الخمر

ثوباً لتفاح نهدك

ولبياض الكتف

أطرز وريقات التوت

هوسٌ هو العشق

حين تجتاحك موجات زرقاء

مثيرة حد الإغماء

.

.

أنا فيض صيف

بانتظار مطرك

يغرقني

لست امرأة

أنا ظل روحك

أميل بهمسة هوس

وبأخرى أراقص وهج الشمس .

سهى سلوم شحرورة حمصية / سورية / شامية تراقص وهج الشمس، تسجع على أيكة الشعر والنثر، وتغرد على فنن بصوت وكلمات تحفل بالإحساس الانثوي وصخاب العاطفة، الذي بلامس كل قلب، وكل جسد، ويستفز كل نفس تتوق للجمال الشاعري العذب، والصدق العفوي، والتعبير الايحائي الموغل بالايروسية . فلها خالص التحيات، والتمنيات لها بدوام العطاء المتجدد، والحضور القوي، والاشعاع الساطع في المشهد الشعري السوري والعربي المعاصر .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعفي العام 1908 كان بيكاسو (الذي ولد في اسبانيا العام 1881) شابّا فقيرا ومجهولا وعاشقا (كعادته طبعا !)، وكان يعيش (بعد انتقاله الى فرنسا) مع حبيبته فيرناندا اوليفيه في غرفة بمنطقة  مونمارتر الباريسية (مكان الرساميين ومقرهم في باريس لحد الان)، وتقع تلك الغرفة اسفل الطابق الارضي في البناية، اي (سرداب)، وهناك كان مسكنه ومرسمه . زاره  صديقه الفرنسي الشاب هنري ماتيس (الذي سيصبح رساما عالميا ايضا) ومعه رجل يهوى جمع اللوحات الفنية اسمه سيرغي شوكين، وهو روسي، والذي اعطى تقييما دقيقا وصحيحا لابداع هذا الرسّام الشاب الاسباني، واشترى منه لوحتين بسعر كان يعدّ خياليا في ذلك الوقت . واستمر الروسي شوكين بزيارة مرسم بيكاسو الى عام 1914، واصبح زبونا دائما له، واشترى منه خلال هذه الفترة 50 لوحة (والكثير منها الان يعتبر من  ضمن اللوحات المتميزة والشهيرة لبيكاسو). وهكذا استطاع بيكاسو الانتقال الى منطقة مونبرناس وشغل مرسما واسعا وجديدا بفضل هذا الزبون الروسي . وليس عبثا، ان الباحثين الروس يعتبرون هذا (التعارف!) بين بيكاسو وشوكين هو نقطة مهمة جدا في تاريخ العلاقات الوديّة (ان صح التعبير) بين بيكاسو وروسيا طوال حياته . ويتحدث الباحثون الروس ايضا عن الزوجة الاولى لبيكاسو، وهي راقصة الباليه الروسية اولغا خوخلوفا، التي تزوجها بيكاسو العام 1918، واستمر زواجهما حوالي عشر سنوات (رغم انهما رسميا كانا يعتبران  متزوجين الى عام 1955)، وهي التي ولدت له اول طفل في حياته، ويعتبرون زواجه هذا عاملا مهما ايضا في تعميق تلك العلاقات الروحية بين بيكاسو وروسيا .

كان لبيكاسو علاقة مع الكثير من فناني المسرح الروسي، الذين كانوا يزورون باريس، وكذلك مع الادباء والشعراء الروس، ولعل ابرز تلك الاسماء كان المخرج المسرحي الشهير ميرخولد، الذي قدّم العام 1930 في باريس مسرحية غوغول المعروفة – (المفتش)، ويقال، ان بيكاسو كان يتابع كل تلك العروض بشكل دائم تقريبا، وحتى انه اراد (اي بيكاسو) ان يشترك مع هذا الفنان الروسي بتقديم  مسرحية (هاملت) على خشبة المسرح، الا ان السلطات السوفيتية آنذاك لم تسمح بهذا التعاون الفني بينهما، وعندما تم اعدام المخرج المسرحي الكبير ميرخولد العام 1940 من قبل الاجهزة الامنية في روسيا السوفيتية (تم اعادة اعتباره بعد وفاة ستالين)، صرح بيكاسو، انه يعدّ هذه العملية الرهيبة (ضربة هائلة له شخصيا).

ومن بين الشخصيات الروسية البارزة في العلاقات مع بيكاسو هو الشاعر ماياكوفسكي، وقد تعارفا العام 1922 . كان ماياكوفسكي من المعجبين بفن بيكاسو اعجابا شديدا، وكتب عنه  مرّة قائلا، ان بيكاسو هو –  (...أكبر الفنانين التشكيليين حجما وأهميّة .. في الفن التشكيلي العالمي ..)، وبيكاسو بدوره كان معجبا ايضا بماياكوفسكي، وقال عنه، انه معجب به لأن ماياكوفسكي  لا يخضع لمسيرة التاريخ، وانما يحاول ان يساهم في عملية خلقه وصياغته.

وعند الكلام عن بيكاسو وروسيا، يجب التوقف عند ايليا ايرنبورغ حتما، والذي تمتد صداقته مع بيكاسو اكثر من نصف قرن . ان العلاقة بين بيكاسو وايرنبورغ تعدّ موضوعا قائما بحد ذاته في تاريخ الفكر الروسي ، وتوجد فعلا عدة دراسات تفصيلية عن هذا الموضوع باللغة الروسية، حيث يتناول الباحثون الروس ما كتبه ايرنبورغ في مذكراته الشهيرة، والتي صدرت بعدة مجلدات تحت عنوان – (الناس، السنوات، الحياة) . لقد ساهم ايرنبورغ  مساهمة شجاعة جدا وذكية في تقديم بيكاسو بصورة صحيحة وموضوعية للجمهور السوفيتي، الذي كان يخضع للرأي  (الرسمي !) السائد في الاتحاد السوفيتي آنذاك عن (البرجوازي المعادي للفن الواقعي)، هذا الرأي المتزمت والصارم والعنيف، الذي استطاع حتى ان يغلق العام 1948 متحف الفن الغربي في موسكو .

 ان مرحلة (ذوبان الجليد) في الاتحاد السوفيتي، التي حدثت بعد وفاة ستالين (1953) قد ساعدت – بلا شك - على اعادة النظر في الآراء المتزمتة التي كانت سائدة عندئذ، ومنها الموقف من بيكاسو طبعا، وهكذا تم افتتاح معرض خاص له العام 1956 في موسكو، وكانت تتصدره لوحته عن (حمامة السلام)، هذه اللوحة الشهيرة التي اصبحت رمزا لحركة السلام العالمي (المرتبطة كما هو معروف بالحركة الشيوعية العالمية)، وهكذا حصل بيكاسو حتى على جائزة لينين للسلام العالمي، واصبح اسم بيكاسو ولوحاته واقعا طبيعيا في الحياة الفنية السوفيتية آنذاك، ثم استمر هذا الوضع وتطوّر لاحقا في روسيا الاتحادية طبعا .

بيكاسو في روسيا الان – جزء لا يتجزأ من الفن التشكيلي العالمي، جزء رائع الجمال والابداع والابتكار ...   

 

أ. د. ضياء نافع