شاكر فريد حسنلقد تأخر ظهور القصة في السودان، بيد أن هذا التأخير لم يمنع الكتاب والأدباء السودانيين من اللحاق بركب الاخرين من الكتاب العرب، فشحذوا هممهم وراحوا يقرؤون ويكتبون ويبدعون رغم تعثر البدايات والبواكير عند البعض.

وحملت القصة السودانية الطابع الرومانسي والمضمون العاطفي الوجداني، الذي طغى على كتابات الأدباء الشباب، وذلك نابع من تأثرهم بالتجارب القصصية الرومانسية العربية والعالمية المترجمة في تلك الفترة. ثم ظهرت القصة الواقعية التي استمدت موضوعاتها ومحاورها من الواقع السوداني المعيش، وطرحت القضايا والمشاكل الاجتماعية والعادات التقليدية البالية السائدة في المجتمع السوداني.

ولم تأخذ القصة دورها الطليعي والريادي الفاعل في المشهد الثقافي السوداني سوى في أواخر الخمسينات والستينات وما بعد ذلك، حيث برزت القصة المرتبطة بقضايا الناس وهمومهم، والملتصقة بالواقع السوداني، التي تصور وتعبر عن أوجاع وهموم الشعب وأحلامه وطموحاته المستقبلية.

وبرز عدد من كتاب القصة والرواية، الذين اشتهرت أعمالهم الأدبية القصصية، وفي طليعتهم ومقدمتهم الكاتب الروائي الراحل الطيب صالح، الذي حقق حضورًا واسعًا، وترجمت أعماله الإبداعية إلى أكثر من لغة. وقد صدر له مجموعة من الأعمال القصصية والروائية، منها : " عرس الزين، ضو البيت، دومة ود حامد، حفنة تمر،و مريود "، بالإضافة إلى روايته " موسم الهجرة إلى الشمال "، وهي من أشهر وأجمل رواياته، وحققت انتشارًا واسعًا واهتمامًا نقديًا كبيرًا.

وتختلف هذه الرواية عن الروايات التي اعتاد القارئ العربي أن يقرأها، فهي مغرقة في التعقيد والغموض والتجريب، ولا تسير وفق الزمن والذوق العادي، ويختلط فيها الماضي بالحاضر والمستقبل، ويمتزج الواقع بالحلم والأسطورة، ولذلك من الصعب على القارئ العادي أن يستوعب ويفهم أبعادها من القراءة الأولى، إذ لا بد له أن يعيد قراءتها أكثر من مرة بتعمق واهتمام. فهي رواية محيرة، مكتنزة، متلاحمة، مشوقة وداكنة في آن.

ويلجأ الطيب صالح إلى استخدام عدة أساليب لعرض أحداث روايته، حيث يستخدم أسلوب السرد التقليدي، والترجمة الذاتية لأبطال القصة، مما يساعده على تصوير ورسم شخصياته بصدق وعفوية. فضلًا عن استخدام الحوار/ المونولوج الداخلي، ما يتيح لشخصياته فرصة التعبير عن هواجسها وأفكارها وعواطفها وانفعالاتها. وكذلك يستخدم أسلوب المذكرات والرسائل والوثائق التي توضح أبعاد هذه الشخصيات.

وقد نجح في ترسيم صور شخوصه الروائية، ولم يجعلهم يتحدثون فوق مستوى وعيهم وادراكهم، وإنما التحدث والاعتراف والبوح عن مكنونات عوالمهم الداخلية.

المشكلة الأساسية التي يطرحها الطيب صالح في روايته هي المشكلة ذاتها التي عالجها من قبله عدد من الروائيين والقصاصين العرب، وعبّر عنها توفيق الحكيم في روايته " عصفور من الشرق "، وعبّر عتها يحيى حقي في روايته " قنديل أم هاشم "، وعبّر عنها الكاتب اللبناني سهيل ادريس في روايته " الحي اللاتيني "، وهي مشكلة الصراع بين الشرق والغرب، وكيف تواجه شعوبنا هذه المشكلة، وكيف تعالجها وتتصرف تجاهها، وهل تتخلى هذه الشعوب عن ماضيها وتكون أسيرة الحضارة الغربية وتذوب فيها وتقلدها تقليدًا تامًا، أم تعود هذه الشعوب لماضيها، فترفض الحضارة الغربية وتدير لها ظهرها وتنكرها إنكارًا لا رجعة فيه، أم تتخذ موقفًا آخر يختلف عن الموقفين السابقين، وما هو هذا الموقف الجديد؟؟!. هذا هو الموضوع ولب المشكلة الرئيسية التي تعالجها رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال ".

فالطيب صالح يصور هذه المشكلة ويعبّر عنها من خلال إنسان افريقي ذي بشرة سوداء، يسافر إلى لندن وهناك يصطدم بالحضارة الغربية اصطدامًا عنيفًا مدويًا من نوع غريب. وعنصر اللون هنا له اهميته الكبيرة، فالبشرة السوداء أكثر من غيرها، التي انصب عليها غضب الغربيين وحقدهم المرير، وهي التي تفنن الغرب في تجريحها انسانيًا قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا.

فالإنسان الأسود عاش قرونًا من التعذيب والإهانة النفسية على أيدي الغرب، وهذه الإهانات تركت في النفوس الأفريقية جروحًا لا تندمل بسهولة. وهنا تكمن حدة المأساة والمعاناة ومرارتها كما يصورها ويرسمها الطيب في هذه الرواية العظيمة، فقد صور أقدار متضادة إلى اقصى حدود التضاد.

فمصطفى سعيد بطل الرواية لا ينتقل من السيدة زينب إلى لندن، أو من السيدة إلى باريس، أو من بيروت إلى باريس، كما نجد في الروايات العربية التي تناولت هذه المسألة، فالبطل الروائي الجديد ينتقل من قلب أفريقيا السوداء إلى لندن. والأحداث الرئيسية في الرواية تجري في أوائل القرن العشرين حيث كانت أفريقيا تغوص في وحل الظلم والظلام لا حدود لهما. ولكن هذا لا يعني أن الرواية ركزت تركيزًا حادًا على هذا الجانب من مشكلة اللون، وإنما العكس تمامًا. فالطيب صالح يمس هذه المشكلة ويطرحها بكل رقة وخفة ورشاقة، ومن بعيد جدًا، حتى أننا لا نكاد نلتقي بها إلا بين السطور.

ويمكننا القول أن الجرح الإنساني هو الذي ينزف داخل هذه الرواية الفذة، أكثر عمقًا من أي جرح آخر، وهو جرح الإنسان الأفريقي الأسود.

والحل الذي يطرحه ويراه الطيب صالح أمام بطل روايته القلق المضطرب المعذب، هو العودة إلى أصوله ومنابعه وجذوره ليبدأ من جديد هناك. فهذا هو الحل الصحيح والسليم. فلن يجد نفسه في لندن مهما أخذ من علمها وثقافتها، ومهما طاردته نساؤها وتعلقن به جسديًا شهوانيًا عنيفًا. ولن يشعر بالطمأنينة والراحة إلا إذا عاد إلى النبع وألقى ظهره لقشور الثقافة الغربية، وأبقى على جوهر هذه الثقافة ثم مزج هذا الجوهر بواقع بلاده ومجتمعه. فيهما فقط يصبح إنسانًا منتجًا فاعلًا وله دور حقيقي في الحياة والمجتمع.

وكل شيء في هذه الرواية له معناه وأبعاده، الحب والجنس والجريمة. وهي تعد من أنضج النماذج الروائية العربية في معالجتها لموضوع الجنس، إنها تواجه هذا الموضوع بجرأة فنية بدائية، لكنها شديدة الصدق والأصالة، ورغم جرأتها فهي لا تستسلم لموضوع الجنس، الذي يشكل عنصرًا مهمًا بين عناصرها، يخدم العمل الروائي الفني، وتظهر المواقف الجنسية طبيعية في موضعها ومكانها من الرواية وفي تعبيراتها عن ضرورات فنية موضوعية، وهذه المواقف يجب أن تقابل بجرأة وشجاعة، ولا يجوز أبدًا أن نخفي رؤوسنا في الرمال.

وعلى صعيد اللغة والنواحي الفنية في الرواية فقد تبدت مقدرة الطيب صالح اللغوية، وتمكنه من لغته الجمالية، وامتلاكه لزمامها. فتعابيره سليمة تعتمد على لغة رشيقة في غاية الصفاء والأناقة والشاعرية، لغة ناصعة مليئة بالشحنات العاطفية، وغنية بالأضواء والظلال، بعيدًا عن الثرثرة الفارغة والحشو الكلامي.

وهو يستخدم اللهجة العامية ويحافظ على الصياغات اللفظية الفصيحة ويضمن روايته أمثالًا شعبية وأغانٍ سودانية، ويشعر القارئ من خلالها بالروح الشعبية الأصيلة باستعماله اللهجة السودانية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

القاريء الكاتب3.2

يتمسك بعض المؤلفين بمفاهيم قديمة لاتلائم تطورات عصرنا ، فقد اصبح القاريء هو الكاتب والعكس صحيح . وفرت مواقع التواصل الاجتماعي فرصا نادرة للقراء بالاشتراك بالكتابة او التعليق على المقالات والمنشورات والمؤلفات وازيلت الكثير من الحواجز بين القاريء والمؤلف بدون وسيط ، واصبحت العلاقة تفاعلية مباشرة ادت الى تطورات باتجاهات مختلفة ومتناقضة احيانا .

وتغير تبعا لذلك مفهوم المتلقي من دوره كمتلق بين طرفي العملية الاعلامية لان طرفها الاول المؤلف او الكاتب تغير الى دور تفاعلي او مباشر يساهم في صياغة او اعادة صياغة بعض الافكار واقتراحات التجديد واداء فعل الكتابة على قدم المساواة مع الكتاب والمؤلفين .

طرفا العملية الاعلامية : المرسل "الكاتب او المؤلف او كاتب الرسالة" والثاني المتلقي "القاريء" ، سمي اعلاميا المتلقي لانه يقرأ ما انجزه غيره من الكتاب والمؤلفين ، ولكن العملية تغيرت واصبح فاعلا ومشاركا حقيقيا للكاتب والمؤلف من خلال قنوات التواصل والمرسلات الفورية ومناقشة الرأي حول ما قرأه وكتابة ما يوازيه دحضا او تأييدا لمحتويات الكتب والمؤلفات اي مشارك حقيقي وفاعل مع المرسل او المؤلف ، اشبه بعملية : "ديمقرطة التأليف" لذا ليس المؤلف الطرف او الفاعل الوحيد في العملية الاعلامية .

واسقطت التغيرات التي احدثتها التقنيات الجديدة الكثير من الحصون والابراج العالية التي كان يتحصن بها المؤلفون واصبحوا اكثر عرضة للمشاركة والانتقاد من مستويات ثقافية متعددة للقراء وازيلت المسافة الفاصلة بين المؤلفين والقراء لتغير دورهم من متلقين الى فاعلين ومنتقدين وموجهين ومشاركين لمحتوى المؤلفات .

ورغم هذة التغيرات في المفاهيم الاعلامية تبقى بصمة المؤلف التي تميزه عن غيره من الكتاب والمؤلفين محافظة على استمراريتها وقد تساعد بشكل او اخر على تجذير تميز الكتاب والمرلفين عن بعضهم لانها في النتيجة تساهم الى حد ما في تطوير مراحل التأليف اوالكتابة بما فيها الكتابة الابداعية .

وتصل بها الى درجة عالية في سلم التطور الذي احدثه العالم الرقمي في الحياة والسلوك وطرق ووسائل العمل .

ونما يزيد حضور القاريء ليس كمتلق صامت كما كان يحدث في الماضي او قبل ثورة المعلومات او عصر الملوماتية ان وسائل النشر متاحة له على قدم المساواة مع الكتاب والمولفين بدون تمييز مما يعزز حضوره وتغيره من متلق صامت الى مشارك بطرح افكاره ورؤيته الخاصة به مع توفر فرص نشر واسعة لديه لايصالها الى جمهوره او الجمهور .

اثبت بعض القراء بشكل عملي من فئة من ليس لديهم خبرة واسعة بالكتابة اوالتأليف وفقا لاحصائيات السوشيال ميديا ان اعداد جمهورهم يفوق اضعاف المرات جمهور وقراء الكثير من الكتاب والمؤلفين اذ استثنينا النخبة المثقفة من القراء .

ان اهم ما احدثه عصر المعلوماتية ان لا اعزالية او ابراج عالية للكتاب والمؤلفين فقد الغيت من قبل عصر التقنيات الجديدة اما من تبقى متحصنا بتلك الابراج فقد وسفقد ما تبقى له من جمهور في المستقبل اشبه بعملية انحسار جمهور القراء عن شراء الجرائد والصحف الورقية وقراءتها على الانترنيت او قراءة الاخبار على مواقع وكالات الانباء مباشرة ساعة بساعة وقد تشثمل هذه التطورات العديد من الوسائل الاعلامية التقليدية "الكلاسيكية" كالمجلات الاسبوعية والشهرية والفصلية والكتب الورقية فاضافة الى سهولة الوصول الى هذه المطبوهات على الانترنيت فانها عايرة للحدود وبالامكان قراءتها من اي بلد كان ، مما يضفي قتامة واضحة على مستقبل عمليات النشر الورقية مستقبلا ومدى الجدوى منها .

وهذه الاستنتاجات ليست تنبؤات او استنتاجات شخصية لان الاخصائيات تشير الى تضاعف اعداد مرتادي الانتريت من مختلف مستويات القراءوان وسائل الاعلام الكلاسيكية "التقليدية" بحاجة الى التكيف مع التغيرات الجديد ، ولم يعد في عصرنا ما عرف سابقا بالمتلقي او المتلقي الصامت او من يتجشم عناء شراء الجرائد والمجلات من المكتبات لان الانترنيت والموبايل "ايفون" اصبحا الخيار الاسرع والامثل للاجيال الجديدة في البحث عن الكتب والمصادر والمؤلفات والمعلومات والاخبار من الاجيال القديمة .

كما ينسحب ذلك ايضا على مشاهدة القنوات التلفزيزنية ومن اي بلد تبث لحضورها على الانترنيت على مدار اليوم ولميزاتها الفريدة وتحكم المشاهد في الوقت الذي يود مشاهدة هذه النشرة الاخبارية او ذلك المسلسل او الفليم او ما شاء من البرامج الرياصية او الثقافية ومعارض الفنون التشكيلية والنحتية او الندوات الثقافية والفنية .

وهذ الخدمات وهي غير مجانية تتيح كذلك مشاركة المشاهد بطرق تفاعلية او مباشرة مع ما يبث من برامج واخبار وندوات .

ورغم هذه التطورات التقنية العملية التي اوجدها عصر المعلوماتية هناك من يدعو الى التريث ، اما لماذا التريت؟

الجواب :

لاننا لحد الان لا نعرف اتجاهات وتطورات عصرنا!

بينما عمليا نقضي معظم اوقات فراغنا على الانترنيت والعالم الرقمي او "الافتراضي" .

 

قيس العذاري

 

 

 

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب 

ذات ايلول، كنت أضيق ذرعا بوجع صامت تعودت أن ابقيه متواريا، بعيدا عن التلصص . فقد علمني جبروت الحياة وتعنت أوجاعها، ان كل الطرق الى رحاب الفرح ضيقة، وأن امضي مبتسما بخطو لا ضجيج لانينه . كنت اعايش غربة هلامية ، كثيرة التفلت لا تنام، دندناتها تقاسيم داخلية حزينة . بحثت مطولا في غيبوبتها الرجراجة عن حجامة لمشاعري، بعيدا عن عاشقات المظاهر وثرثرات الأنا .

على ضفاف السياسة المحلية التقيتها . في إحدى المحاججات، اطلت    على سجيتها، محاطة بابتسامة مهذبة، تفوح فرحا يغنيك عن التأويل والتوجس . إعتقدت للوهلة الاولى، انها مزاجية تترفع بالصمت، وتعاتب بكل لغاته . ولكن سرعان ما بددت ذاك الانطباع، وأن الصمت الأبكم ليس من طباعها، ولا اعتزال الكلام الموزون .

في أول لقاء، ارتطمت اصطفافاتنا باحترام كيس . مع كل طريق اخذني اليها، كانت نضارة تفكيرها تقلم ذاك الارتطام، حتى تماهت آفاق اهدافنا . قادتني دعابات روحها اللماحة لخلخلة الكثير من توجعاتي التي لا يليق بها، وبما يغشاها تلميحا أوتصريحا من عطر .

عصر الاول من ايلول مضى قبل سنين وايام، صحوت من قيلولة متأخرة على صوتها يسأل :ماذا لو كنا نحتسي قهوتي معا هناك هذه الليلة ؟ مَسحت بقايا النعاس المتبقي في عيني، فتحتهما على اتساعهما، ثم أغمضتهما مستكينا وكأني أسلم الروح . أبحرت في الخيال بلهفة، وأنا أقول مستجيبا، أي دعوة خرافية هذه .

مع اول ليل ازدحم بعتمة مكتظة بالنجوم، وصلنا تباعا الى مغاريب عمان، انتبذنا مكانا مطلا على فلسطين . اشعلت شموعا احضرتها معي . ناولتني قهوة احضرتها معها . ما أن اعتدلت على كرسيها قبالتي، بادرتها وانا اتامل عينيها بالقول : مثلك أنا أؤمن بان الارواح في الليل لا تنام، بل تتلاقى اكثر . ومثلك احب متعة احصاء النجوم بعيدا عن اضواء المدينة  .

ابتسمنا ونحن ننصت لصرصار الليل البري، خلته يترنم معي سنة حلوة يا جميل . ناولتني فنجالها لتشعل سيجارتها . وقالت بعد ان نفثت دخانها باتجاهي، واستعادت قهوتها من يدي، صحيح أنك جئت مختلفا عن كل من جاء ومن يزال، ولكنك مثير في المضامين . حدثني عنك بما ييسر ابحاري فيك  ؟!

كمن كان ينتظر هذه المكاشفة، قلت مقدما اوراق اعتمادي : انجبتني نجما قدماه على الارض، كي لا أشبه احدا . اوصتني أن أكون سيد نفسي وظرفي وأنا انحاز للحياة . وكي لا انتظر على شطآنها، اوصتني بالسباحة المتقنة باتجاه حلمي، وأرضعتني تنويعات هائلة من الثقة والكبرياء، لاواجه مفردات التحدي على حواف الحياة ولججها . 

وفي المضمون، ثمرة لرضا أب ودعوة أم، إعتادت أن تكرم ولدها البكر، بدعاء استطال حتى لامس أسماع رب كل الناس . سألته ان يسعد ولدها برزق طيب، يتكئ على صحة في الجسد، ومعرفة في العقل، وسلامة في القلب، وصفاء فكر، وسكينة روح، ونفسا مطمئنة محبة للناس وسعة في حب الناس له . وقبل رحيلها سألته ان يتم نعمته عليه، بحب اجمل خلقه . من تلك اللحظة لم يعد ينافسها أحد بدعاء مثل هذا. ابواب السماء كانت مشرعة آنذاك .

في اوقات هاربة من التأريخ، كبرت وصرت أنا . وبقي وعيي في متناول هذا الدعاء . في ظلاله، تحركت بي رغبة الاستكشاف. حرصت على أن أبحث عن فرحي، بالحد من رغباتي، لا بمحاولة إشباعها . فتعلمت أن الموسيقى بلا شريك ضجيج، وأن الرقص بدونه عبء جنون . صبرت مطولا على وقت مضى خاليا منها .

كنت مؤمنا ولا زلت، أن امتلاك المرأة لتضاريس ملكةَ جمالِ ليس ضروريا، ولا حاجة لأن تمتلك حكمة زنوبيا، ولا ذكاء مريم العذراء عليها السلام أو خديجة رضي الله عنها، لتقوى على الحياة، وتتعرف على عتبات القلوب، وتتقن فنون الشراكة . يكفي ان تمتلء جنباتها بظلال وارفة والفة طازجة، لتعبر بسلام  شراكة دافئة، وأن تبحر بنجاح متجدد، في كل مفاصل الشراكة ومطباتها.

العمر جميل ولكني لم اذق اغلبه، ولم اتكسر عبر معارجه، وان تشوهت كثرة من احلامي، تشظى بعضها وضمرت اخرى، ومبكرا وصل بعضها الى نهايته . كنت لا استطيع رد الاذى الا بأنين لا يسمعه الا الله، ومن تمنت علي ان لا أخذلها . لأستحق القوامة على وصيتها، ضمدت بعضي ورممت بعضا، وحرصت على ان لا يسقط شيئا من أحلامها . فامي فيما تمنت تتكئ على الكثير مما نقشته في روحي .

وهي تجدد لي قهوتي قالت : في ما سمعت منك، كثير من الرسائل المغلقة، تشي كلها بانك قد ولدت وفي فمك ملعقة من تعب . وصمتت لتنفث دخان سيجارتها في الهواء المتجه الى رئتي .

وشفتاي تداعب حواف الفنجال الساخن الذي احتضه كعاشق بين راحتي، قلت : لست متعبا مما يحدث حولي يا سيدتي، بقدر ما انا متعب مما يحدث داخلي . شعور مؤلم ان ياتيك ما كنت تتمناه، وقد تاخر الوقت، وتغيرت انت، وتغيرت الامنيات .

قالت تسعفني : نعم فالصمت الاجباري عدو وإن كان لينا، فهو قاضم للروح، ببطء يفقدها شهيتها للحياة، رغم ما يحيط بشباكها من سمك.

رفعت شفتي عن حواف الفنجال، وقلت وانا ابحر في عينيها : لاني ملاح، لا احب العيش بلا قلق . أتمنى ان تعاد لي طفولتي، لاستمتع برفقتها واعايش شغبها من جديد .

انتصبت باسقة كالسنديانة التي كنا نجلس تحتها وقالت فرحة : رضيت بك وطنا وفرحا، اترضى بي طفلتك المشاغبة  ؟

بت أعرف معنى أن تكون أخت شعيب هي اخت هارون بالذات . فمع منتصف كل ايلول، سنة حلوة جديدة، تتمطى على وجهي فرحة كقطة شيرازية، تأبى أن تشيخ، وبلا كلل تتزنر ببسمة تخضعها لصد ما قد يطفو من حزن لا يقال، وتتسع  لألف تأويل وتأويل . 

 

 الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 15/9/2020

 

 

حاتم جعفريكفي أنه شاعر حقيقي، لذا لا مناص من أن نضفي على سيرته شيء من الخيال، وكان اﻵتي:

 ما بين باب المراد وباب الدروازة وأبوابها اﻷخريات، سنوات من العشق وضروب من اللوعة واﻷسى وبينهما أيام وليال لا تخلو من المسرة وإن على خجل. فَلَكَمْ جالها صاحب السيرة في صباه جيئة وذهابا، وَكمْ تخبَّرَ درابينها وناسها، وَكمْ من مرة دخل المقام الذي تحتضنه مدينته الكاظمية وطاف حضرتيها بجلال وخشوع، حتى أختزِنَتْ في ذاكرته لتمسي رصيدا ثمينا،سيهتدي اليه كلما داعبه الهوى وهام في رجعه، واﻷهم أن يكون شفيعه في قادم اﻷيام.

توقف هنا حيث محل بيع الزهور، إستنشق شيء  من عطرها فهالته ألوانها ومظهر بائعها الخمسيني الشديد اﻷناقة، حيث إتخذ من الرصيف الملاصق لمحله متاهة للتأمل والراحة، قاطعا بدراية منه أو دونها طريق السابلة، محاولا بعد يأسٍ وتردد وحياء إستعادة ما فاته من عذب الكلام وأرقَّهُ، يوم كان يغازل هذه ويداعب تلك أو يرمي قبلة حتى وإن ضلَّت طريقها. متطلعا بالمقبلة وأكثر منها بالمدبرة: آه كم هو مغرٍ شكل العباءة حين تنتصف غرة النسوة والصبايا.

ذهب بك العمر يا فلان، قالها بحسرة في سرِّه، ساحبا نفسا عميقا من سيكارته التي كادت أن تحرق سبابة يساره والوسطى، ليدخل محله مسرعا بعد أن باغته أحدهم، طالبا منه باقة ورد، زاهية بألوان الطيف، تفوح منها رائحة المسك. أرادها أيضا وهذا اﻷهم أن تليق بمن ستكون قرينة قلبه في غضون شهر من اﻵن، بعد أن حسم أمره، تاركا ورائه إرثا وهمّاً ثقيلين، عدا عن سنوات من الجري والصبر والإنتظار .....حتى حانت الساعة أو قيامها وليستقرَّ القمر أخيرا بين يديه.

لولا إنشغال صاحب محل الزهور بزبون آخر، لكان عاشقنا الولهان قد شكا وكشفَ له سرّه وما لاقاه وما كابده. فَمثلا أمر الإنزواء والتفرد بمعشوقته كان يُعَدَّ ضربا من  الخيال والوهم والمستحيل، حتى أوشكا هو وحبيبته على أثرها الفراق سبيلا، غير أنَّ ضربات قلبيهما التي ما إنفكت توجعهما كل يوم بل كل ساعة، هي التي حالت بينهما وبين إتخاذ القرار المرّ. عمّا أحدثك يا صاحب الزهور، عن رهط  من اﻷبناء واﻷقرباء وهم يحيطون بنا أينما إخترنا خلوة للتناغم والكلام الحلو ! أم عن لوعة غياب لسبع ليالٍ ونهارات مثلها! أم عن سفر بعيد، باغت حبيبتي مرة وباغتني مرتين.

تأمل طويلا باقة الورد التي باتت بين يديه: أنها حقا تليق بمعشوقتي دون غيرها. قالها بزهو وبصوت مسموع حتى لفت إنتباه بعض المارة. وقال أيضا: لا زال في الوقت متسع، فالساعة اﻵن لم تبلغ بعد الخامسة عصرا ولا بأس من إستراحة قصيرة حتى مجيءصديقي الذي سيرافقني وجهتي. لذا ولتزجية الوقت الفائض قرر حامل الورد التوجه صوب باب القبلة حيث مقهى محمد علي الكاظمي. وفي الطريق الى هناك لاح له من بعيد روادها وكان بها من الكثرة ما ضاقت بهم أرائكها، ولاح له أيضا علي الوردي بحضوره البهي ومسبحته وسدارته الفيصيلية ونظارته الطبية التي زادته مهابة ووقارا.

آه أي مصادفة جميلة هذه وكم تمنيتها، فها هو( الوردي) بجسده الطاهر يمشي تبخترا، لعله يتأمل ما يدور من حوله، أو ربما تجده منهمكا وعلى عادته في وجوه المارة وأزيائهم، ذاهبا الى قراءتها بتأنً وروية رغم شدة الزحام. فهذا مثلا وعلى رأيه قادما على أكثر تقدير وأرجحه من البادية الغربية، فلفحة الشمس بادية على وجهه. وذاك الذي يعتمر عقال سميكا، تبدو عليه ملامح ريف العمارة وطيبة أهلها. أمّا تلك المرأة اﻷربعينية العمر، بطولها اﻷهيف ونحافة خصرها وزيّها المديني، فهي  تعود بأصلها إن لم أكن مخطئا الى أرض نينوى، أو ربما تكون من بلاد الشام وقد جاءت لزيارة مَنْ على صلة بها، أو لحضور حفلة عرس ﻷحد اقاربها.

 قال حامل الورد محدثاً نفسه: انها فرصة نادرة. ماذا لو أرجأتَ زيارة أهل حبيبتي وأجَّلتَ مرادي بعض الوقت، وأذهب لتحية (الوردي ) وأقاسمه بعض الهموم! لِمَ لا وهو المعروف عنه ببساطته وبشاشته وطيب سريرته، وهذا ما فعلت. فبعد التحية والسلام والتفاعل السريع بينهما راح (الوردي) يشكو بُعد المسافة بين منطقة سكناه في أعظمية أبو حنيفة النعمان، وبين مقهى الكاظمي الذي إعتاد إرتياده عصر كل يوم. وبين أخذ ورد وإذا بالحديث يجرنا بعيدا حتى إستغرق منا وقتا طويلا. وﻷن في كلامه ما يؤنس الجلسة ويمتّعها، فرحتُ هاديا إياه باقة الورد، ناسياً أو متناسياً الإثنين معا،صاحبي الذي كنت أنتظره، وحبيبتي التي تنتظرني.

 على أرضية من هذا الإرث والبيئة اﻵنفة وما تخللها من أسباب وظروف جاذبة وحاضنة للجمال والموهبة، تشكلت ذائقته الشعرية. انه سيف الدين ولائي، الكاظمي الولادة، العراقي الهوى، البغدادي اﻷصيل. وعنه نقول: هو سيد اﻷغنية البغدادية أو العراقية إن شئتم يوم زهوها وتألقها، وربما تربَّع على عرشها دون أن ينازعه في ذلك أحد. قد يلومني أو لا يروق للبعض قول كهذا، لكن ما حيلتي فلكل أمرئ مما إجتهد نصيب ونصيبي في رأي هذا لا أظنه عاثرا أو مبالغا فيه.

إذن قدرة ولائي على كتابة الشعر الغنائي وبهذا الزخم والقوة، لم تأتِ بعفو خاطر أو محض صدفة، بل هي حصيلة عوامل عديدة، تظافرت في ما بينها لتنتج لنا هذه الموهبة الكبيرة وهذه القامة. ودون أدنى شك كان قد أصغى وبإمعان لسيرة اﻷغنية العراقية ومنذ بدايات القرن الماضي، بالغا أ`على درجات التفاعل معها في فترة الخمسينات واﻷكثر منها في الستينات حيث تساميها. ومذ تلك الفترة بدأ بالتوقف طويلا عند أشهر قيان بغداد ومطربيها وعلى رأسهم قراء المقام العراقي كمحمد القبانجي وحسن خيوكة، وأصغى كذلك لمنيرة الهوزوز وصديقة الملاية وغيرهم.

لم يكتفِ سيف بما لديه، ولابد والحال كذلك من تدعيم وتطوير ما بين يديه من موهبة وصولا لتحقيق حلمه وغايته. فراح مركزا على قراءة الشعر والقريب منه الى قلبه حصرا، مبتدءاً بديوان الحاج زاير بلهجته العامية الجنوبية المحببة، مارا بالعديد من أطوارها، كالحسجة والزهيري واﻷبوذية. وقرأ أيضا من شعر البادية وما حمله من قيم وأعراف ومبادئ سامية. واﻷهم من ذلك قرأ وبإمعان لملا عبود الكرخي ومنه إستمد وعلى ما أزعم ذلك الكمّ الكبير من المفردات واﻷجواء التي يمكن وضعها في خانة اللهجة الوسطى، والتي تُُعدٌ قاسما مشتركا لكل لهجات أهل العراق.

 وبذاك الخزين وذاك الثراء، دخل معترك كتابة اﻷغنية، على الرغم من وجود كتاب كبار في هذا المجال كخزعل مهدي وجبوري النجار. وما إن تجاوز العتبة اﻷولى في مسيرته، حتى تفتحت أمام سيف الدين كل اﻷبواب، وكانت بحق واسعة، رحبة. ولتتراقص من بعدها بين يديه أعذب الكلمات وأكثرها شيوعا وتقبلا وألفة. انه وبإختصار شديد، قد شرب بل قُلْ إحتسى عصارة خزين شعري هائل، بعاميته وفصحاه، بعد أن سقاها بكؤوس من أثير وتأمل.

إذن يمكن القول بأنه إخترق اﻷغنية البغدادية وبكلمات سيطرب لها المتلقي وبصرف النظر عن طبقته وفئته الإجتماعية. فسيف في كتابته وإنتقاء مفرداته كان كما الموحد والجامع بين مختلف اللهجات. وتأكيدا على هذا الرأي ستجد أغانيه حاضرة في كل مناسبة سعيدة ومحفل، فما من عرس عراقي الاّ وتكون أغنية سمر سمر حاضرة، بل هي خير ما يُفتتح به المقام حتى تحولت الى أيقونة خالدة، حُفِرَتْ  في ذاكرة العراقيين.

وإذا أردنا أن نحصي عدد اﻷغاني التي كتبها سيف الدين ولائي فهي كثيرة بل كثيرة جدا وربما بلغت اﻷلف. ومن بين تلك اﻷغاني على سبيل المثال والتي لاقت رواجا ملفتاً، أغنية هذا الحلو كاتلني يا عمة وأغنية  خالة شكو والله الله من عيونك والردته سويته وادلل عليَّ ادلل وجيرانكم يا أهل الدنيا وغيرها. وإذا نظرنا بعين فاحصة فسنجد كلمات هذه اﻷغاني تدور بجلها حول العائلة والبيت والحنين والعشق وكذلك ألم الفراق.

واللافت للنظر أيضا أن معظم الملحنين المعروفين آنذاك وممن كانت لهم بصمة واضحة في الغناء العراقي واﻷغنية البغدادية على وجه الخصوص، قد تعاملوا وتفاعلوا مع الشاعر سيف الدين ولائي ومنذ بدايات رحلته في هذا الفن وبحماس شديد، لتجد أشعاره وقد طافت سماء بلاده ودخلت أغلب البيوت العراقية، لتغنّى على نغمات من مقام الصبا والحجاز والسيكاه وغيرها. ومن أبرز هؤلاء الملحنين كبيرهم أحمد الخليل وكذلك ناظم نعيم ومحمد نوشي وخزعل مهدي. أما عن أبرز اﻷصوات النسائية التي غنت من كلمات الشاعر طيب الذكر، فستحضر هنا مجموعة ليست بالقليلة من اﻷصوات، وفي مقدمتهم الفنانة مائدة نزهت، كذلك لميعة توفيق وزهور حسين وأحلام وهبي وصبيحة ابراهيم وسليمة مراد. ومن اﻷصوات الرجالية التي تعامل معها شاعرنا، فاضل عواد وفاضل رشيد وياس خضر وعباس البصري والقائمة تطول.

وإذا كان لنا من حديث عن التلحين وأكثر من تعامل معهم شاعرنا ورافق رحلته الفنية، فسيحضر هنا أسم الملحن الكبير الراحل رضا علي. وأكاد اجزم بأن العدد اﻷكبر من أغاني شاعرنا طيب الذكر والمناسبة، كان قد لحنها هذا الفنان، ومن بينها تلك التي لا زالت تتردد على ألسنة العراقيين.

وما دمنا نتحدث عن اﻷغنية وشاعرها، فإنَّ أركانها  لا تكتمل الاّ بظلعها الثالث، وأي ظلع هذا إن لم تكن صاحبته فاتنة بغداد عفيفة إسكندر، وليس من فاتنة سواها، إذ كان لها النصيب اﻷكبر والقدح المعلى من أشعار سيف الدين ولائي، ومن ألحان رضا علي.

وﻷن أشعاره تحمل من الرقة والعذوبة ما تفوق الخيال وتطرب لها النفوس وتطيب، فقد عَبَرت أغانيه حدود بلاده لتصل دول المشرق العربي، ولتنافس كبار الكتاب العرب في هذا المجال. وإذا كان لنا من أن نستذكر بعض اﻷسماء من المطربين والمطربات من الذين غنّوا من كلمات شاعرنا، فستكون السيدة نرجس شوقي في مقدمتهم وكذلك الفنانة الكبيرة فائزة أحمد ورائعتها خي لا تسد الباب خي بوجه اﻷحباب واغنية ما يكفي دمع العين يا بويه. وأيضا لا ننسى المطربة راويه ونهاوند وأغنيتها يبا يابا اشلون عيون عندك يابه. من جديد نقول: إنّا نتحدث عن الشاعر الكبير سيف الدين ولائي.

......................

في إحدى سنوات القحط وإندلاع الحرب التي أكلت وحرقت ولمّا تشبع. في سنة 1980، سيجد سيف الدين ولائي نفسه حائراً بين التيه والدهشة، فالمكان ليس مكانه واﻷهل ليسوا بأهله، ومقهى محمد علي الكاظمي بات بعيدا، بعيدا جداَ. في جوٍّ كهذا، راح شاعرنا يتلفت في كل الإتجاهات عمَّن يدله على (شريعة النواب) وعن البلاّمة ومساءات دجلة الخير، وعن سوق حماده ورفيق مسيرته رضا علي. وعمَّن يدله على إحدى بوابات مدينته التي تركها هناك كي يستجير بها، وعن جهة القلب، عن بغداده، ولكن دون جدوى.

وما أن مشى سيف الدين ولائي بضع خطوات حتى وصل مسامعه ومن إحدى مقاهي السيدة زينب، واحدة من أجمل أغانيه وبصوت راويه: أدير العين ما عندي حبايب.... غريبه الدار بس وين الكَرايب. لم يطل به اﻷمر كثيرا، فقد أعلِنَ عن وفاته بتأريخ  25-11-1984وليُدفن هناك في مقبرة الغرباء، ليكتب على قبره: مات شاعرنا كمدا على وطنه. هل سنجد في بلاده التي تغرَّب منها أو غُرِّبَ، شارعا أو زقاقا أو حديقة ورد تحمل إسمه؟ تضم من الزهور أجملها وأعبقها عطرا، كتلك التي أهداها الى علي الوردي يوم التقاه قبل بضعة عقود.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

 

 

 

حميد بن خيبشهي ثورة اتصال يعيشها العالم، وتتراجع فيها قسوة الجغرافيا أمام التحام غير مسبوق بين أبناء آدم في شتى ربوع الأرض، حيث يفتح المرء حسابه على أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي ليجد أمامه فرصة ذهبية لتشكيل قائمة تضم مئات، وربما آلاف الأصدقاء، ويؤسس لتعارف كوني لا تؤثر فيه المسافات.

بالمقابل تتزايد الشكاوى من هشاشة العلاقات الإنسانية، ومن روابط الصداقة التي تنحل في ظرف وجيز، وربما لأتفه الأسباب. ونطالع كل يوم عشرات التدوينات والتغريدات التي تتأوه من ضربة صديق، أو جفاء صديقة. وكما هائلا من الانفعالات التي تتحدث عن غدر الخلان، وإيثار العزلة على صاحب لا يرعى المودة، وتفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب!

 هل يصح أن نسمي كل علاقة بنيت على التجاوب والارتياح النسبي صداقة؟

وكيف يمكن الوثوق بمشاعر افتراضية لم تتعرض لخبرات الواقع؟

أليس لزاما على المرء أن يتقبل الصداقة بكل ما يتخللها من مظاهر الضعف الإنساني، أم هو السعي الزائف خلف أنموذج للكمال؟

عديدة هي الأسئلة التي تكتنف هذا الموضوع بالنظر إلى تمثلات الأفراد حول الصداقة و الصديق. وبالتالي لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال تقريب ماهية الصداقة، والأبعاد الأساسية التي تميزها عن سائر العلاقات الاجتماعية. ولست هنا أعرض للمسألة من داخل دائرة البحث العلمي أو الفلسفي، أي من منظور علم النفس أو الاجتماع، أو حتى النظرية الأخلاقية كما عرضها الفلاسفة، وإنما أستجدي خبرات مبثوثة في بعض المصنفات، حيث يمتزج الانطباع والتأمل بتجارب شخصية، ترسم الإطار المحدد للصداقة الحقة، باعتبارها قيمة مركزية مترسخة في صلب الطبيعة البشرية.

في مشهد من مشاهد الحسرة المؤلمة التي تنتاب أهل النار يوم القيامة، يكتسب الصديق الحميم مكانة مميزة توحي بأهمية تلك الرابطة الاجتماعية. يقول سبحانه وتعالى في سورة الشعراء: ﴿ قالوا وهم فيها يختصمون. تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين. وما أضلنا إلا المجرمون. فمالنا من شافعين. ولا صديق حميم﴾[96-101]. أما الصديق، يقول الزمخشري في معرضه تفسيره، فهو الصادق في ودادك، الذي يُهمه ما يُهمك، والحميم هو القريب الذي يُحزنه ما يُحزنك، فكأنه استوى في الحرقة مع أصل الحميم الذي هو الماء الحار.

إن رابطة بهذه الأهمية يجدر بالعاقل أن يسعى لتأسيسها والحفاظ عليها، ويصونها من تقلبات النفس والدهر. لكن الأمر رهين أولا بإدراك ماهية الصداقة، والأسس التي تنهض عليها بمعزل عن باقي العلاقات الأخرى سريعة الذوبان ! إننا إزاء حاجة أساسية تمثل برأي ميشيل مِتياس أرقى أنماط الحياة الاجتماعية، والشرط الذي لا يمكن الاستغناء عنه للتطور الإنساني، بل يمكن أن نذهب مع مونتين إلى القول بأنها ذروة كمال الحياة الإنسانية.

تنشأ الصداقة في نسيج الفرد كميل طبيعي، لا تستحق الحياة أن تعاش بدونه على حد تعبير الفيلسوف ديموقريطس. فما إن يولد المرء في هذا العالم حتى يشعر بمسيس الحاجة إلى روابط تحقق له البهجة، وتُمده بالسند المعنوي والحافز للعمل والنجاح. تحقق الأسرة نصيبا من ذلك بحسب الإمكانات، قبل أن تبدأ رحلة البحث عن المشاركة الوجدانية، وقدر من التشابه مع الآخرين. وخلال المدى الذي تستغرقه التجربة الإنسانية ينبثق التساؤل حول محددات الصداقة الحقيقية وتجلياتها، ومؤشرات التوافق التي يمكن من خلالها ضبط شبكة العلاقات الاجتماعية لتمييز الصديق الحميم عن غيره من الأدعياء.

أجمل توصيف للقرب الوجداني الذي تنطوي عليه الصداقة هو مقولة أرسطو حين سئل: من الصديق؟ فأجاب: إنسان هو أنت، إلا أنه بالشخص غيرك! فالخصائص المشتركة، والقرب الوجداني، بالإضافة على عامل الثقة، كل هذي العناصر تسهم في تحقيق التوحد الذي يفضي في النهاية إلى الوحدة؛ أو كما قال الأعرابي لصديق: كن ببعضك لي حتى أكون بكلي لك!

ومن محدداتها أيضا تلقائية التفاعل، وشعور كل منهما بأنه على طبيعته، ولا يحتاج إلى تنميق خطابه وتصرفاته. وهي تتولد عن فهم كل طرف لشخصية الآخر وتفضيلاته ودوافعه. بمعنى أن تتجاوز الصداقة الحقيقية كل المواضعات الاجتماعية التي ألف الناس من خلالها تزييف حضورهم وسلوكهم تماشيا مع المظهر العام. وهذا المحدد رصده يحيى بن معاذ فأجاد التعبير عنه بقوله : بئس الصديق صديق تحتاج معه إلى المداراة، وبئس الصديق صديق تحتاج أن تقول له: اذكرني في دعائك، وبئس الصديق صديق يُلجئك إلى الاعتذار !

يبدو المطلب صعبا وربما عسير المنال، لذا تتردد في أدبيات المكتبة العربية أقوال مأثورة، تغذي الانطباع باستحالة العثور على صديق حميم، أو النجاح في تشكيل صداقة حقيقية تتحمل نوائب الدهر. فينسب إلى روح بن زنباع قوله لما سئل عن الصديق: هو لفظ بلا معنى، أي شيء عزيز حتى كأنه غير موجود.

ولحكيم حين سئل: أي الناس أطول سفرا؟ قال: من سافر في طلب صديق.

وآخر أمضى عشرين سنة يطلب صديقا إذا غضب لم يقل إلا الحق، فما وجده !

وهذا أبو حيان التوحيدي يهزأ ممن يثني على صديق بالخير فيقول:" وأما الذي قال في أصدقائه وجلسائه الخير، وأثنى عليهم بالجميل، ووصف جده بهم، ودل على محبته لهم فغريب!" وقس على ذلك أمثلة عديدة، تغذي السوداوية والكآبة في مئات الخواطر و التدوينات المبثوثة في مواقع التواصل تحت وطأة الانفعال وسوء التقدير.

يلعب عنصر الزمن دورا مهما في تشكيل الصداقة الحقة. فإلى جانب القرب الوجداني و الخصائص المشتركة، وغيرها من السمات الواردة آنفا، يتطلب الأمر هزات وتجارب مؤلمة في الغالب، تسهم إما في تمتين الرابطة أو تفكيكها. وغالبا ما يكون سبب انحلال الرابطة هو المنفعة والمصلحة، أو اللذة العارضة، في حين أن استمرارها رهين بقدر من التضحية والعطاء والتحمل؛ لذا حين سمع ابن عطاء رجلا يقول: أنا في طلب صديق منذ ثلاثين سنة فلا أجده، قال له: لعلك في طلب صديق تأخذ منه شيئا، ولو طلبت صديقا تعطيه شيئا لوجدت!

يُخلّ الناس بواجبات الصداقة، إما عن جهل بها أو تقليل من أهميتها. ولمّا تنفك الرابطة يُلقون بالتبعة على الزمان وفساد الحال. وأهم تلك الواجبات التي توحي بأنها وليدة تجربة شخصية وتأمل في طباع الناس: كتمان الأسرار، والمواساة في الشدائد، والنصح و المعاتبة، ثم احتمال العيوب التي لا يخلو منها بشر.

إن ما يحدث من اشتباك إنساني، في الحياة اليومية أو على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن يندرج دائما تحت مسمى الصداقة. فالرغبة في اكتساب قبول الآخرين تدفع المرء للمسايرة، والمبالغة في إرضائهم ولو على حساب القناعات والمبادئ. وهنا يتبدد جوهر الصداقة الحقة أمام صيغ المجاملة الزائدة، والتملق، وتداول عملات زائفة في سوق القيم!

ما أحسن قول بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكّرك برؤيته ربك، خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا !  

 

حميد بن خيبش

  

 

علي سيف الرعينيأن بلوغ الهدف مرهون بقوة العزيمة وثبات الإرادة وعدم الوقوف بحسرة عند أول الطريق وبالتالي يصبح الاهتداء إلى الأمل هو الوسيلة المثلى.. وباعتباره مصدر قوة تدفعنا إلى الأمام.

 انه الكفيل والحافز الذي يعطينا حب الإصرار والاستمرار ويبعث فينا مزيداً من العطاء والاقبال والرضى.. كما ان الأمل يعد الوقود الذي يزودنا الطاقة في الحركة والنهوض ومواجهة الحياة بيقين النصو بل ويضع النهاية نصراً وفوزاً وان لم تكن قد أتت وهذا بحد ذاته يمنحنا السير بخطى واثقة ومتتابعة.. وباعتبار أن الأمل جزء من النجاح إذ أن فقدان الأمل يعني تصحر النفس وتقريب للفشل وبالتالي فالنتيجة تأتي عكسية وسلبية أيضاً لكن يختلف الحال عندما يكون شعورنا بالتفاؤل والأمل لابد أننا سنحظى بالنجاح أيضاً حتى وان لم يحالفنا الحظ في بلوغ مانتمناه في المرة الأولى وما زلنا متمسكين بروح التفاؤل فذلك سيجعلنا نعيد المحاولة في تخطي درجات الصعود إلى الأعلى إلى نيل الهدف المنشود.

وعلاوة على كل ذلك يبقى الأمل سفيرنا إلى آفاق رحبة تتجلى فيها جوانب النجاح المتعددة في حياتنا اليومية الوقوع في شباك اليأس والتذمر من الواقع مسألة تولد الكثير من التعاسة

ان النظرة إلى الواقع بنظرة سوداوية بلا شك تجعلنا محبطين دائماً وبالتالي فإن الأشخاص الذين يسوقون مكاييل الشتائم على الوضع ويلعنون الواقع دائماً ماتجدهم يشكون الظروف والأحوال السيئة وأنها لم تفرج وتقرأ في عيونهم اليأس والتعاسة وكأنهم يعيشون مأساة متواصلة هؤلاء الأشخاص هم من يصنعون لأفسهم واقعاً كئيباً ويتخلون عن الأمل والتفاؤل الذي بدوره سيغير من سلوكهم وسيعيشون كما يعيش الآخرون ومن الأجدر بهم أن يجدوا في مساعيهم في التفاني وحب الخير للجميع والرضى والقبول ليتولد لديهم القناعة واليقين من أن الواقع وحالنا أحين بكثير وعند إحساسهم بذلك ستنجلي المة وحينها سيعرفون من أن الحاضر والمستقبل سنصنعه نحن بقدرما نمتلكه من عزيمة وارادة وأمل وتفاؤل.. وبالتالي ان الأمل والتفاؤل ضرورة حتمية في حين أنه عامل مساعد لبهجة الانسان في ظروف الحياة وتقلبات الأحوال فهو المعين على التغلب على فواجع الأيام وفي الحقيقة أن بعض الأشخاص يعيشون أزمة التخبط في دائرة التشاؤم والاحباط ودائماً يطلبون في الزوايا المظلمة ويتكهنون بل ويؤكدون لأنفسهم أن ما سيأتي هلاك وأن القادم موت محقق في حين أن ذلك كله لا سبيل له إلى الحقيقة انما هي دعوة جهل من قلوب مظلمة.. ودعوتي لهم أن يعيشوا الأمل والتفاؤل

معان ومدلولات..

 الأمل كلمة ذات معان ومدلولات تقودنا دائماً إلى التفاني وحب الآخرين كما أنه من أسباب جلب السعادة والبشرى في حياتنا إذ أن الأمل باب تدخل منه السعادة لتطرب نفوسنا وتجعلنا في أحسن الأحوال بل قد نصل مع الأمل إلى القمة في النجاح.

كما ان الأمل مقرون بالعزيمة والارادة لدى الانسان فرذا فقده سيكون ذلك بلاشك فقدانه إلى العزيمة وفيما أن الخضوع لتداعيات الإحباط والتذمر هزيمة تسكن في النفس قبل معرفة النتائج وبالتالي فإنه من الصواب أن نتمسك بالأمل كعنوان بارز في حياتنا العملية لتحقيق أهدافنا المرجوة أيضاً يستحسن أن ندير أعمالنا ومهامنا والأمل يكسونا ويغمرنا التفاؤل في كل اللحظات بعيداً عن التذمر والندم وإطالة الشكوى لابد أن نعمل ونواصل ونستمر ضاربين عرض الحائط بكل ما يكدر حياتنا من عوامل الاحباط واليأس اللاتي دائماً ماتقودنا إلى الهاوية.. ولولا الأمل لداهمنا الضنك والقلق قبل أن نرى صباح الغد انه السعادة التي نعيشها كل لحظة وهو النظارة التي من خلالها يظهر جمال الحياة واشراقة المستقبل.. انه المركب الذي نأوي إليه كل ليلة لنفيق في اشراقة كل يوم جديد.. لحظات فرح وبشرى بأن كل شيء سيبدوا جميلاً وسيصبح أحسن وأفضل فهو يمنحنا الاستدلال بأن الغد خير من الأمس وأن الحاضر أكثر اشراقاً من تعاسة الماضي.

كلمة مضيئة..

هي كلمة مضيئة بدايتها الرس ونهايتها نضع ثماره الأمل هو كل شيء نحلم به.. يكون قريب.  عن أعيننا فنحن الشباب لدينا أمل وطموح وخيال يوصلنا أحياناً خيالنا إلى خارج الواقع المعاش نعم ان الأمل هو الضوء الذي ننتظره كلنا وهو الكنز الذي .ننتظره نحن الشباب هو الجوهرة الثمينة التي لا ندري كيف. نحصل.عليها ان الأمل هو الجائزة الدنيوية التي تصل بنا إلى سفينة الشاطذ الذي تتوقف فيه موجات الأمل وآهات الحاضر وبالأمل نصل إلى كل ما نبتغيه من الحياة وبه نحييا ونعيش على انتظاره وبالأمس نعيش حياة استقرار وتفاؤل بالحاضر المقبل إلينا المحمل ببواخر من الهناء.. لا حياة بدون أمل ولا أمل بدون حب .. الحب هو جزء من الأمل لأنه لا يمكن أن يكون أمل بدونه لأنه هو مركز من مراكز الأمل الذي نحلم به .. الأمل هو المستقبل الواعد اذا كان أملنا هو أمل واقع لا أمل خيالي لا نستطيع الوصول إليه فإن أملنا لابد أن يكون أمل واقع نستطيع الوصول إلى.  حياة مستقرة لا تفكك ولا نزاع ولا قتل ولا تدمير لا هتك ولا تفجير .. نحن الشباب نريد تحقيق كل الآمال ولكن لا نستطيع بسبب عدم وعي المواطنين وحاجة ولاة الأمر.

نأمل ونطمح بأن تكون هناك حياة استقرار وحب وتفاهم ومن هذا الجانب فإن ولاة الأمورلا يستطيعون أن يقفوا معنا إلى نهاية المطاف مثل إكمال الدراسة الجامعية وبعدها المطالبة بدرجة وظيفية فمن هناينتهي الأمل ولن نستطيع تحقيقه فالأمل هو الغاية والهدف في مستقبلك الواعد بالخير فالأمل هو الحلية الثمينة التي تعلقها في ضدرك أيها الشاب ولكن يبقى القول اننا لن نفقد الأمل تماماً من حياتنا وخصوصاً أن الواقع اليوم يبشر بكل ماهو خير فالأمل سيظل خيطاً يهدينا إلى النجاح وحافزاً قوياً يدفعنا إلى التقدم .. وطالما ونحن متمسكون بالأمل لا تثنينا الصعوبات والمعوقات عن تحقيق طموحنا وأهدافنا في الحياة واننا على يقين من أننا اليوم نعيش أحسن حال وهذا ما يجعلنا أكثر أملاً بالمستقبل الواعدبالخير والأفضل.

 

علي سيف الرعيني

 

حسين يوسف الزويد(لا أدري هل هي قصة قصيرة أم مقال لكني فقط أقول أنها ليست كلمات من نسج الخيال وإنما هي حقائق.)

في عصر يوم ربيعي مشمس وجميل، وما أحلا الربيع في مدينة الموصل الحدباء، كنت يومها طالباً في المرحلة الثالثة من الدراسة في قسم المدني / كلية الهندسة.. أقول في عصر ذلك اليوم وبعد انتهاء المحاضرات وتناول الغداء نزلت بالباصات من المجموعة الى منطقة باب الطوب قاصداً شارع الدواسة تحديداً والذي كان حينها من أهم وأجمل الأسواق التجارية في المدينة خصوصاً للملابس والأحذية كما كان عامراً بدور السينما والمطاعم الفاخرة... أمضيت بعض الوقت في شارع الدواسة وكان أن اشتريت قميصاً من أحد المحلات ثم عدت ادراجي قبل الغروب وبالباصات أيضاً الى منطقة المجموعة قاصداً القسم الداخلي حيث كانت الأقسام التي يسكنها طلبة كلية الهندسة داخل الحرم الجامعي.

دخلت غرفتي في القسم الداخلي وبعد استراحة بسيطة فتحت العلبة الكارتونية واخرجت منها القميص والمعروف أن القميص مثبت بالدبابيس على ورقة من المقوى داخل العلبة وبعد انتزاع الدبابيس ولسبب لا أعرفه وضعت ورقة المقوى داخل دفتر ملاحظاتي الخاص بمادة المواصلات (Transportation) ربما لأن ذلك الدفتر كان قريباً مني لحظتها.

في اليوم التالي عصراً وفي نفس الأجواء الربيعية الرائعة كنا نستعد  لامتحان الفصل الثاني لمادة  (Transportation) وكان يدرسنا تلك المادة الأستاذ الدكتور عبد البر قاسم الجليلي (رحمه الله) وصادف أن اتفقت مع الزميل والأخ العزيز احمد طيبان احمد العبيدي وهو من أهالي منطقة النمرود ويعمل حاليا رئيس مهندسين في ديوان محافظة نينوى والأخ والزميل إبراهيم رمضان احمد الجبوري وهو من أهالي قرية الموالي وتقع بعد الطريق المتفرع من سوق المعاش في مدينة الموصل باتجاه تل عبطة وهو مقيم حالياً في دولة الامارات العربية، وكاتب هذه السطور  حسين يوسف الزويد من منطقة الشرقاط جنوب الموصل.

اتفقنا نحن الثلاث على الخروج للمذاكرة استعداداً للامتحان المذكور الى منطقة التلول شمال الأقسام الداخلية لطلبة الهندسة التي تقع داخل الحرم الجامعي. وأخذنا معنا فراشاً بسيطاً كان الجو مشمساً وفي شهر آذار حيث تكثر الأزهار والورود في هذا المكان وخصوصاً زهرة البيبون.

لقد كان من طبعي انا شخصياً أن تكون ملاحظاتي مبعثرة وغير منظمة ومشتتة وقد عرفت السبب في ذلك لاحقاً وبعد تخرجي ففي إحدى اللقاءات دار حديث بيني وبين الأستاذ الدكتور الكاتب والناقد والشاعر والأكاديمي حمد محمود الدوخي المختص باللغة العربية وادابها فقلت له يا دكتور أنني أعاني من ضياع بعض المسودات والمذكرات وغالباً ما تكون مشتتة ومبعثرة فأجابني بالقول هذا شيء طبيعي لأنك شاعر فلو لم تكن مشتتاً ومبعثراً لم تكن شاعراً.

أعود الى جلسة المذاكرة مع زميليَّ أحمد وأبراهيم وطبعاً كان معي دفتر ملاحظات المادة وكان بداخلة ورقة المقوى انفة الذكر بدأنا بالمذاكرة والمناقشة وكالعادة كان دفتري لا يحتوي على المعادلات والاشتقاقات أو فقط يحتوي على نتف غير مترابطة منها وبعد كل جولة مناقشة يتم التوصل الى المعادلة النهائية وبالمناسبة كانت مادة الأمتحان تتعلق بتصاميم الأقواس الأفقية والعمودية بكافة أنواعها بالطرق بالإضافة الى مواد اخرى.

اقول بعد كل نقاش كنت التقط من الزميلين المعادلة النهائية التي تخص كل قوس وحسب نوعه واقوم بتثبيتها على ورقة المقوى وهكذا الى أن امتلأت الورقة بكافة المعادلات.. أوشكت الشمس على الغروب فقررنا العودة الى القسم الداخلي يومها قلت للزميلين أحمد وأبراهيم أن مادة الامتحان اصبحت كلها في هذه الورقة من المقوى فضحكنا وعدنا.

في اليوم الثاني كان الأمتحان وحقيقةً كانت الأسئلة شاملة وهي ثلاث أسئلة :-

السؤال الأول يتضمن تصميم قوس أفقي (horizontal curve) بحيث تتضمن منطقة القوس وجود جسم او شيء على الجانب الأيسر (object) وهنا على المصمم أن يتلاعب بنصف قطر القوس تلافياً للحوادث عند الاجتياز ويعلم ذلك جيداً كل الزملاء الذين اتجهوا بعد التخرج الى العمل في ميدان الطرق والجسور، درجة هذا السؤال كانت (40).

اما السؤال الثاني فكان يتضمن تصميم قوس عمودي (vertical curve) وعليه (40) درجة أيضاً.

أما السؤال الثالث فكان من نمط الاختبار المقالي كما يسمى في طرائق التدريس وهو يتعلق بذكر فوائد الجزرة الوسطية ال(medium) وعليه (20) درجة.

بعد حوالي أسبوع أو أقل أو اكثر ظهرت نتائج ذلك الأمتحان. وبعد أن اعتلى الأستاذ المرحوم عبد البر قاسم الجليلي المنصة حاملاً معه اوراقنا الامتحانية وقبل ان يبدأ بتوزيع الأوراق علينا أخبرنا بأنه لا يجوز الاعتراض على الدرجة إطلاقاً.

تم توزيع الأوراق وكانت نتيجة الزميل أحمد طيبان فوق ال (60 من مئة) أما الزميل إبراهيم رمضان فكانت درجته فوق ال (70 من مئة) وانا كانت درجتي (80 من مئة) قلبت ورقتي فوجدت فيها درجة السؤال المتعلق بتصميم القوس الأفقي هي (40 من 40) ودرجة السؤال المتعلق بالقوس العمودي هي ( 40 من 40) أيضاً والدرجة المتعلقة بذكر فوائد الجزرة الوسطية هي (20 من 20) أي أن درجتي هي 100‪ من 100‪  وأن ما حصل هو خطأ في جمع درجات الأسئلة، فرفعت يدي معترضاً حاملاً الورقة فقال الدكتور عبد البر لا يجوز الاعتراض كما قلت لكم سابقاً فمشيت باتجاة المنصة وو ضعت ورقتي على المنضدة إمامة فقلت له يا دكتور أنا لا اعترض على الدرجة لكن هناك خطأ في جمع الدرجات من فضلك دقق ذلك وفعلاً راجع جمع الدرجات وقال جملة لا زلت أحفظها

(هذا حق أن الله لا يستحي من الحق) فشطب على درجة (80) وثبت بدلاً عنها  100‪ من 100

و بعد المحاضرة قال لي الزميل أحمد طيبان :- ( البارحة ما كانت عندك المعادلات مكتملة واليوم تأخذ مئة من الان فصاعداً بعد ما نذاكر معك).

 

د. حسين يوسف الزويد

 

 

شاكر فريد حسنمنى عادل ظاهر شاعرة نامية ذات نزعة رومانسية، تحمل عذابات الكلمة وتلجأ للغة البوح وتقتحم الصياغة اللغوية المحلقة وتكتب نصها بوجدانها، وهي ذات خصوصية وبراعة كتابية وفرادة ابداعية تتجلى وتتألق بين فضاءات القصيدة ومقامات الشعر والنثر، ومنذ أن ولجت ميدان الابداع الواسع وأنا أرصدها من بعيد وأترصد قصائدها التي تنشر لها بين حين وآخر في الصحف والمجلات والدوريات الثقافية المحلية، وفي كل مرة اقرأ له نصًا شعريًا أو نثريًا أحس أن وراء هذا النص نبضات وخلجات امرأة عاشقة وحالمة وروحًا معذبة، مرهفة، مصفّاة وصافية تبحث بالتياع عن الحب المفقود والامل الضائع.

وقد صدر لمنى ظاهر أعمال أدبية منها : " شهريار العصر، ليلكيات، طعم التفاح، حكايات جدتي، وأصابع "، وعملها الذي عنونته بـ " أصابع " نص أدبي ابداعي وجداني جميل يعبق بعطر الحب والجمال وشذا الحبق والليلك والريحان، ويجمع بين الشعر والنثر، وهو قصيدة حب آسرة وأخاذة، وضاءة بالألم والوجع والبوح الانساني وتزخر برقة العاطفة وصفاء التودد وحرارة الشوق وتتجلى فيها منى ايما تجلٍ وتخرج عن العادي والمألوف. فتكتب بحميمية ودفء وجرأة وصراحة لم نعهدها في ادبنا، وبلغة تعبيرية وايمانية مشحونة بتجربة العشق وحالة الحب والهوى السرمدي التي تسيطر على عالمها وظمأها لعناق وقبل " من يحيا على قيد الحلم وحافة الواقع"، وتوقها الدائم لمعبودها الساكن في قلبها وروحها الذي اسال شموعه على جسدها، كما تقول، ولا ترتوي كم حبه ابدًا، رغم انه لا يزال في عالم المجهول.

وتتوزع احلام منى ظاهر الانسانية المتوثبة، وزفراتها وآهاتها على مساحة اصابعها وتبدو انسانة جريئة ومتمردة وواثقة، تتحدى التقاليد الاجتماعية السائدة والموروثة وتعبر عن الذات الانسانية المقهورة والمعذبة والمقموعة، وتنقل هموم المرأة وتعلنها بصوت عالٍ وبملء الفم انها كائن بشري لها قلب واحساس وانها تحب وتعشق بقلبها ووجدانها ولا تعرف حدودا ولا قيودا لهذا الحب وانها تذوب وتتعذب وتتألم وتكتوي بنار الوجد ولظى الشوق وحرقة الفؤاد والنوى، وتقدس الحب وتعبده، الحب الذي تتحول فيه الغريزة الى وجدان حيث العطاء والتفاني والذوبان والامتزاج مع الحبيب في روح واحدة وجسد واحد.

واننا نتلمس في "أصابع" جمالية رفيعة تمتلكها شاعريتها الدافئة المتمردة داخل النص وفي الحياة على السواء والقدرة الفائقة على تطويع اللغة ومراودة النص واستخدام مهاراتها اللغوية والابداعية في التجلي الشعري والارتقاء والسمو بكتابتها الشعرية والنثرية الفنية، واستطاعت ان تفجر صورها الوانا زاهية جديدة ومعاني منسابة تجعل لها ظلالا على ظلالها.

إن " أصابع " منى ظاهر تمتاز بالحس الوجداني والطابع الرومانسي الحالم وجيشان العاطفة الثائرة وتوقد النار المستعرة في جوفها واحشائها ونفسها الشفافة الهائمة، كما تمتاز بالحركة الرشيقة والنعومة والطلاوة وقوة العبارة وجزالة اللغة ودقة التعبير وتماسك النص وبناء الهرم الشعري، وهي تغلف عباراتها بالرمز الشفاف وتتكئ على روافع الابداع وتركز على الصورة الفنية شديدة العمق والتنوع وعلى الموسيقى الشعرية والمستوى اللغوية والفني والرؤى المشفوعة بالحلم الوردي، وتبتعد عن التنميق والتصنع وتحفل نصوصها بضروب البديع من استعارات وتشابيه ناصعة وجناس وطباق.

منى ظاهر علامة جديدة في روضة الشعر المحلي، تمسك بتلابيب الدهشة وتغرف من سحر الكلمات وائتلاف المعاني وتغمرك بدفء وانسياب نصوصها وتفرض عليك ابداعها وتلقي بك في هواجس القلق وفضاء التساؤلات والاحلام.

وفي المحصلة، " أصابع " منى ظاهر رشفة عسل للعاشقين والمتيمين وعمل ادبي راقٍ  يحرك الوجدان وينعش العواطف ويستدرج المتلقي ويشرع نوافذ الحلم ويزرع حدائق الحب بأزهار الأمل وفرح العطور والطيوب، باللغة النابضة والمنحوتة والعفوية الجميلة والمضمون الانساني الوجداني والصور المدهشة والعبارات النثرية التي تنم عن احساس مرهف وعذاب انساني وعشق روحاني، لمنى اصدق التحيات والتمنيات، ونحن بانتظار المزيد من العطاء الشعري والنثري الجميل والرهيف.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

علي سيف الرعينيكانت انفاسه تلهث متعب خائف لايدري كيف نجا من الموت

لقد رأى الموت فعلاً

هاهو قميصه ممزق من آثار سقوطه وتدحرجه في الجبل بنطاله ايضا ..تقطع....الدماء تغرق جسده ...الآلام تفتك به ماعاد يدرك موضعا لوجعه..

ظل لبرهة يلاحق انفاسه

لهج لسانه بالحمد والثناء واغمض عينيه في اعياء

أماه....لقد رأيت الموت حقاًكم هو مخيف ذلك الشعور حاول جاهدا ان يستل زفرة من اعماق صدره لكنه تهاوى غارقاً وذابت قبضة يده في الفراغ

اختفت معالم الجدران ....

ثمة اضاءة خافتة اختطفته اليها ....

تراءى له هيجان نسمات الهواء تتسابق اليه تسرق منه شهقة حياة ...وتهديه زفرة انهالت معها ابتسامة فرح

رائحة الدماء فاحت ملتصقة به

انهمرت امطار غزيرة تغسل جسده

تذوق ملوحتها انها ...ليست الا دموع والدته ...

الواقفة بقربه تمسك بأطراف ثيابه وتحاول ان تضم روحه الهاربة منه

تناجي بهمساتها

يااااااااا...الله

لم يدر كم بقى من الوقت مغمىً عليه

انتشل بعضًا من ذاته المغرقة بساعات النشوة

هل انتصرنا؟

كانت اخر كلمة قالها قبل ان يعود الى حديقته الغناء وحلمه المفقود المخضر بحرية وطنه ...يلاحق فراشات السلام ...ويقبل ازهار الحب المتلونة بدماء كثير ..كثير جدا من احرار وابطال ضحوا مثله

وتستمر الحكاية اقصد

وتستمر الحرب والموت في نسج الحكايات

***

كتب/علي سيف الرعيني

 

عبد الله الفيفيالمؤسَّسات الثقافيَّة وإدارة المرحلة

أشرتُ في المساق السابق إلى أنَّ المؤسَّسات الثقافيَّة في ديار (بني عبس) ما فتئت تتخيَّل المجتمع يعيش في العصر العبَّاسي!  وتتصوَّر أنه سيحضر إلى دواوينها، وأنديتها، ومهرجاناتها، زرافاتٍ ووحدانًا، وإلَّا فليس مثقَّفًا من طراز (الجاحظ)، أو (جحظة)، أو حتى (أبي العميثل الأعرابي)!  وهيهات؛ هذا زمنٌ ولَّى بخيره وشَرِّه!

ولولا ذلك لكان من الضروريّ جدًّا تدشين مواقع حيويَّة متجدِّدة لتلك المؤسَّسات على شبكة "الإنترنت"، منذ نهايات القرن الماضي، تبثُّ فعاليَّاتها، و"تؤرشِف" أعمالها، وتسجِّل مسيرتها، وتصل إلى المتلقِّي في أيِّ مكان في العالم، وتقدِّم مادَّةً مرجعيَّةً للباحث والدارس والقارئ والمشاهد، بصفةٍ مستمرَّة، لا موسميَّة.  بحيث يظلُّ موقع تلك المؤسَّسة الثقافيَّة الإنترنتِّيُّ كتابًا مفتوحًا طوال العام والعالَم، وقناةً متدفِّقة، تصل إلى الناس مباشرةً حيثما كانوا.  وهذا لا يكلِّف الكثير. ومَن لا يصدِّق، فليسأل أصغر أطفاله!  بل لو أُخِذ بذلك لكانت تلك المواقع الإلكترونيَّة مصادر معرفةٍ، وإفادةٍ، ومراجعةٍ من قِبَل القائمين على المؤسَّسة أنفسهم؛ لتطويرها والنهوض بمستواها. 

على أن الخَلل يكمن في إدارة الثقافة على نحوٍ عصريٍّ فعَّال، وفي تنظيم فعاليَّاتها بصفةٍ تُراعي تعقيدات الحياة اليوم، وإتاحة تلقِّيها على نطاقٍ واسع، وبأسلوبٍ يواكب المستجدات، بحيث لا يُحرَم كثيرون من متابعة الأنشطة المختلفة والإفادة منها. ذلك الحرمان الذي ينشأ إمَّا لتزامنها، أو لتعارضها مع ظروف المستهدَفين، أو لبُعدهم عن أماكن إقامتها.  كما أنَّ الأخذ بوسائل الإعلام الحديثة تلك كان سيُلغي بعض العجز في فترات البيات الصيفيِّ وغير الصيفيِّ، التي تبدو لدينا خاليةً غالبًا من الحراك الثقافي.

إنَّ الثقافة اليوم لم تعُد: محاضِرًا يُلقِي دُرَره السنيَّة على الجماهير من عُلوِّ منبره، وجماهير تتجشَّم المشاق وتقطع المسافات للتحلَّق حول المحاضِر، قُدِّس سِرُّه!، كي تتلقَّف ما يُلقي عليها، وتهزُّ الرؤوس، وبعضها في سُباتٍ عميق أو في عالَم آخَر!

فشكرًا، (آنسة كرونا)، لقد علَّمتنا، وأدخلتِنا روضة الأطفال في العصر الراهن، ومَن لم يمتثل لإرادة الزمان والمكان والجدول الدراسي، نفيته من الوجود، أو جعلتِه عبرةً لمَن لا يعتبر!

ولكن، مع الأسف، لا ينبغي أن نفرط في التفاؤل.  بدليل أنَّه- كما أشرنا من قَبل- بمجرد فكِّ الحظر الكامل عن التجوال عادت في اليوم التالي حليمةُ البيروقراطيَّةُ الورقيَّةُ إلى عادتها القديمة؛ لأن البيروقراطيَّ الورقيَّ لا يجد لذَّته في الشعور بموقعه الوظيفيِّ إلَّا في التعامل بتلك الطريقة مع الناس.

...  ...  ...

- فَضَحَتْنا مِنْ «كُرونا» نَجْمَـــةٌ؛  ...  فـتَـوارَيْـنــا سَـــماءً ونُـجُـوْمـا!

هَـزَمَـــتْـنـا ذاتُ تــاجٍ حُـــرَّةٌ،  ...  لَـمْ تُـوَقِّرْنـا، زَعِـيْـمًا ، أو هَزِيْـما!

-  لَـمْ تَجِـدْ إِلَّا سُــيُـوْفًـا شُرَّعـًا  ...  مِــلْءَ يُمْناهـا، وإِيْمانـًـا سَــقِيْما!

*  *  *

- قالَ: يا أَعْمَى استَفِقْ!  ما هٰكذا  ...  تُـوْرَدُ الآيـاتُ إِصباحـًا سَدُومـا!

- قُلتُ: يا عَمِّيْ استَفِقْ! ما هٰكذا  ...  تُـوْرَدُ الآيـاتُ إِصباحـًا نَـؤُومـا!

 إِنَّ ضَعْـفَ الطِّـفْـلِ مِـنْ قُـوَّتِـهِ؛  ...  سيَـشِبُّ الطِّـفْـلُ  إِنْسانًا صَمِـيْـما

مـا «كُرونـا»  غَـيْـرُ  إِقْـلاعٍ  إلـى  ...  كَـوْكَـبٍ أَرْقَـى  سَيَـنْداحُ عَـظِيْما

مِنْ جَحِـيْمِ النَّـارِ  تَصْحُـوْ جَـنَّـةٌ  ...  مِلْءَ أَرْدانِ النَّـدَى  شِعْرًا حَكِـيْما!

*  *  *

«كَحَّ» مِنْ قَوْلِـيْ مَـلِـيًّا ، وانْبَرَى:  ...  - أَنا في حَجْرٍ؛ ففارِقْنِـيْ سَلِـيْـما!

»اِبْقَ.. قابِلْنِـي» إذا هُمْ أَفْلَحُــوا،  ...  بَعْدَ «كُوْفِيْدَ«، خُصُوصًا أو عُمُوما!

 

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

شاكر فريد حسنكتاب للمفكر اللبناني كريم مروة

" نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" هو عنوان لكتاب صادر عن دار الساقي في بيروت، لمؤلفه السياسي والمفكر اللبناني كريم مروة، الذي يعد أحد أبرز رموز التيار الماركسي في لبنان والوطن العربي، وأحد قيادات الحزب الشيوعي اللبناني سابقًا. 

الكتاب في 224 صفحة، يتناول واقع اليسار العربي، ويقدم مشروعًا لنهضته بعد الانكسارات والتراجعات الكبرى التي شهدها هذا اليسار، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار التجربة الاشتراكية العالمية، ويطرح جملة من الآراء والأفكار الجديدة التي يراها ضرورية لخروج اليسار من أزمته الراهنة. ويركز على اهمية القراءة والمراجعة النقدية الغير أيديولوجية للمتغيرات والتحولات في الحقبة التاريخية المعاصرة، بهدف استخلاص العبر والاستنتاجات والعناصر الأساسية لليسار أن يستند إليها في تحديد أهدافه ووسائل نضاله وكفاحه.

ويستند كريم مروة في مقاربته إلى تجربته الثرية الطويلة في العمل السياسي والفكري والنضالي، كونه أحد أعلام الفكر الماركسي العربي.

وبغض النظر عن آراء كريم مروة وتطلعاته التي تمثل وتلخص مشروعه الثقافي الفكري السياسي، إلا أنه، وعلى الرغم من الشيخوخة، تواق كروح الشباب إلى إعادة صياغة مشروع التغيير والعمل على ترجمة مفاعيله على الأرض، وما ينقص هذا المشروع هو توحيد الجهود للنهوض من الاوضاع التي تعاني منها البلدان والأقطار العربية.

وهذا الكتاب يستحق القراءة، وهو يعبر بصدق عن افكار كريم مروة والتصورات المستقبلية، وآرائه مطروحة وقابلة للنقاش.

يذكر أن كريم مروة تسلم مناصب قيادية ومسؤوليات حزبية، وبعد استقالته وتقاعده من العمل السياسي اليومي، تفرغ للكتابة، وتتميز كتاباته بالعمق والنظرة الثاقبة وتعتمد على النقد والنقد الذاتي. 

 أنجز وألف العديد من الكتب السياسية والفكرية والنظرية، منها : " البحث عن المستقبل، الشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث، كيف نواجه الازمة في حركة التحرر الوطني العربية، الفكر العربي وتحولات العصر، أزمة النظام العربي واشكاليات النهضة، حوار الأيديولوجيات، التجديد في الإسلام كالتجديد في الاشتراكية " وغيرها.

 

كتب : شاكر فريد حسن 

 

سمير محمد ايوبعَشوائياتٌ في الحب 

رفيقةٌ يافاوية مُناضلةٌ عتيقة، ممن يَجرُؤنَ على الخروج بلا ماكياج، لم ألتقيها منذ تزوجت . جاءت إلى قدّاس الأحد بثوبٍ أسود بسيط، تَلْحمِيُّ التطريز . تلفُّ عنقَها الجميل دون رأسها، بشالٍ أبيض مُطرَّزٍ هو الآخر . في عينيها حزنٌ داكنٌ مُوشّى بغضبٍ ظاهر . كانت تختنق بدمعٍ يأبى مغادرة مَنابعه وسَواقيه . أطْرَقْتُ مُتجهِّما حين رأتني بانتظارها أتمشى في باحة الكنيسة . سرعان ما انتبذنا مكانا قصيا. وما أن جلسنا تحت زيتونة ضخمة هناك، وقبلَ أن تقول شيئا، رمقتني بنظرةٍ طويلة، إنثالت معها كلماتٌ صامتة، اختصرت الكثير من الحكاية:

لستُ بخيرٍ يا شيخي . لم يفِ بما وعَدَت به رجولته . مِزاجيٌّ يقتل كلَّ لحظة . لا يتَّسعُ لسانه إلاّ لما لا يُطاق . أخرَجَني تردُّدُه عنْ سِياقي . بتُّ معزولةً عن كلِّ ما حَولي . بعدَ سبعِ سنينٍ عِجافٍ، مِنْ زواجٍ تقليدي، كنتَ أنت شاهدا عليه، لمْ يَعُد يُشبِهني . ولمْ يَعُد حُزْني يشبهه. إختفَت تفاصيله الصغيرة منْ دواخلي .

ودمعٌ حائرٌ يقفُ مُتربِّصا على حواف عينيها، أكْمَلَتْ بصوتٍ مُرتجف: لم يَعُد قلبيَ يَطير، تؤلمني دقاتُه المُتكاسلة . تَعجُّ نفسي بتنويعاتٍ من العقوق والخذلان . أجبرتني على صياغة صمتٍ مُخيف رغم هدوئه . تعاطَيتُ الصبر الجميل ونَفَذَ . كنت أتَحَكَّمُ بخوفي من التذمر، فصِرتُ أخافُ أن ينحرفَ خَطْوِيَ . لا أريد التَّعَوُّدَ على فراغٍ فيه الكثير مما لا يقال، ولا يَتنهدُ فيه شيءٌ، إلاّ أصابعي .

تنهدت مطولا  قبل أن تواصل بصوت يشبه الرجاء: بقايا حنين صامت، وذكريات تتفلت، وأمنيات ملجومة تتشبث بالحياة، تتمنى عليك يا شيخي، ان تأخذ بيدها إلى شيء منَ النور .

إنتبهنا  لقرع الأجراس، إتّجهنا إلى الكنيسة وهي ترفع شالها فوق رأسها . جلسنا في الصف الأخير . وهي تتابع القس ومساعده الشماس، كنت اتأمل في رسم السيد المسيح عليه السلام، وما يحيط بصليبه من ايقونات، ولساني يلهج بحمد الله واستغفاره والدعاء لوالِدَيَّ .

بعد المناولة مباشرة، خرجنا إلى حيث كنا قبل الصلاة نجلس، تمعنت في عينيها، وأصابع يدي اليمنى تداعب سبحتي، قلت: أعلم كم أنت كثيرةٌ، نبعٌ لا يشيخ ولا يمل . ومع هذا أود التأكيد لك، على أن بعض افتراضات الحياة العامة لزجة، تشَوِّشُ الرؤية ولا تصلح للإستنتاج . منها الظن أنَّ هناك فِقهٌ مُتكاملٌ للحياة، يُغطي بنفس الدرجة من الجُهوزيَّةِ، جميعَ التحولات فيها . من الخطورة بمكان، نسخ تجربةٍ أو تلفيقُ فقهٍ إنتقائي هجين . والأخطر من ذلك، التشبه بالمقارنة، والتعميم بلا تخصيص .

الشراكة يا سيدتي كالقفز من مكان عال، عقلك ينهرك أن لا تفعلي كي لا تموتي، وقلبك يوشوشك أن لا تقلقي فبإمكانك الطيران . كان عليك أن تدركي منذ البدء، أن هناك أنواعا كثيرة للغرق غير الماء، وللقتل غير الرصاص . النَّقُّ واللسانُ السليط  والمحاصرة والترصُّد وسيمفونيات العتاب، والغضب الطفولي والكيد الساذج، اخطر من الماء والرصاص .

ومن ثم أقول على العموم: حين نشارك، علينا أن ندرك أن الأشياء الجميلة لا تأتي إلا مشتركة، لا تُنْتَظَر ولا تُطْلَبْ من الآخر، بل باولويات تُصنع وتجدد بالتوافق المشترك، وتُلون معا . الشراكة ليست سوقا للتداول والمقايضة الفظة، ولا تلتزم بقانون المرابحة: إن حَبِّتْني أحِبَّك أكثر .

قالت بقلق: وإن أتت على قلبك لحظاتٌ وإشارات أثقل من الجبال، ماذا تفعل لتتوقف عن ظلم نفسك ؟!

سارَعْتُ مُقاطعا وأنا أنقل السبحة إلى أصابع يدي اليسرى: من الحقائق المُرَّة في الشراكة، أن في كل حقبة منها خصومات، لكنها ليست حواضن للإكتئاب، بقدر ما هي منصات لإنطلاق جديد .

قالت بشي من التشكيك المُتعجب: كيف ؟!

قلت بيقين: حالات النفورمن البدايات غير المتوقعة، تسبق في العادة  الضجر من التصحر، بضمة أوبسمة أو ومضة عين أو قبله عابرة عشوائية . فقبل أن تصبح العلاقة  نوعا من الطلاق الصامت، يتم الجفاء بين أركان العقل والقلب، وتتساوى الأشياء فيها كالماء، لا طعم ولا لون ولا رائحة .

إذا بتِّ عاجزةً عن الأمساك بصدى صراخك، ولتكن النهايات كما تريدينها، تحزّمي بصبرك واحملي ما تبقى منك، وارحلي بهدوء . إمضي بلا وجل، والقِ وسادتك حيث تستريح روحك، وتلاقي ضحكتك، وهناك ابني لك بيتا .

ولأن التعود يخدع صاحبه، إبتعدي بلا أسف، عمَّن بالتَّعمُّد أضلَّ طريقك . إن لم يعجبك مكانك، قومي بتغييره، فأنت لست شجرة في غابة  لتثبتي مكانك، ولا جلمود صخر . حتى الطيور تهاجر من سماء فسد فضاؤه . إذا لم تكوني في الأماكن التي تحبينها، فأنت لاجئة أينما كنت . وأنت تتلفتين على أرصفة الحياة من حولك، إفتحي بصيرتك وُسْعَ جِراحك، فهي مكتظة بشركاء محتملين، يبحثون مثلك عمَّن يوقِدُ نارا ويعزز ما يضمر في الصدور . وحين تلتقين من يعتنق روحك، تذكري أن الحب كالتدين لا إكراه فيه، ولا تعصب  وتذكري أنَّ أيَّ شراكة لا تؤيَّدُ بحسن التدبير، والصبر الجميل، والتفهم المتسامح، والمغفرة المتجددة، تتفسخ وتتلاشى .

ساعَتَها، لا تقولي إنَّ الدنيا تُعطيني ظهرَها، فأنت يا سيدتي من يجلس في المكان الغلط . إن في الحب أشياءٌ كثيرةٌ جميلةٌ، تستحق الصبر من أجلها، قبل إعلان الموت بالصمت .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

 

 

حيدر عاشورأطلقَ الرياضيُّ الصحفي (قاسم عبد الهادي) صافرته في أعقاب مباراة التحدي، المباراة التأريخية الكبيرة، التي وصف زمنها بزمن اليأس والموت المجاني الذي لازم العراق، لكن وسط بحور الدم السياسي والموت المجاني التي تصنعه الايادي الخفية والمعلنة، استطاعت كرة القدم من اعادة الالق والفرح حين فاز المنتخب العراقي بكأس أسيا في ظروف قاهرة وصعبة جداً.

فالكتاب الذي أعده" الهادي" أطلق عليه (2007 قصة انجاز)، كتاب يشبه الذي زرع البحر نخيلاً فحصد خائباً بعد سني الحرث أملاحاً وقواقع.."والهادي" يخوص وسط الظلام للبحث عن منفذ للتطور لهذه الرياضة العريقة، وهو يشير الى الفترات الذهبية لمنتخبات العراق التي حققت نتائج القمة دائماً. والزمن الآتي أشّرَ خيبات كبيرات للرياضة في العراق بحسرة أبنائه ولسان حالهم: انظروا الى رياضة العراق كيف خذلت بخسارات مريعة لا تليق بالنوارس ؟.. وكم من نتائجها ارتبكت وتأخرت بسبب من لا يعرفون اين تذهب اقدامهم الرياضية فقد ألفوا السير في الاتجاه الذي يوصلهم الى مواقع الظل.. فأصبحت الرياضة بلا قانون يحكمها ولا ضوابط منهجية تسيّرها، وكأن شعارها لا مكان سوى لدعاة التجارة والسياسة والانتهازية .فالرياضة عند هؤلاء ميدان فسيح للابتزاز واستثمار الفرص اياً كان نوعها فلم تقرّ لهم عين حتى ابعدوها عن المخلصين لها لتخلو السوح لهم وقد خلت تقريباً.

"الهادي" بكتابه يبكي على مراحل الابداع الرياضي ويذكر الجمهور والمتابعين والمتلقين ان الرياضة العراقية تخرج دائماً من الرماد كطائر العنقاء.. وهو يقول في مقدمته بمعناه: سأروي قصة الفوز الفريد للعراق بكأس أسيا 2007 رغم كل الصعوبات والممنوعات والحظر الدولي على ملاعب العراق ومنع لاعبيه من اللعب على أرضههم وجمهورهم بل أصبح صديقاً للمطارات الدولية.. وقبل سرد القصة قسم كتابه على اربعة فصول ومدخل عن تاريخ وتأسيس ومشاركات المنتخبات الوطنية.

الفصل الاول تناول فيه منتخب العراق الجديد الذي شكل عام .2005 والفصل الثاني خصصه لأحداث الفوز بكاس اسيا عام 2007 والفصل الثالث خاص بوسائل الاعلام المحلية والعربية والعالمية . والفصل الرابع الحديث عن تاريخ البطولات السبع عشرة (17) اضافة الى (9) مشاركات لمنتخب العراق الوطني.. وكشف سبب عدم مشاركة في البطولات الثمان الاخرى...

1771  قصة انجازقبل الولوج في عمق الاصدار اعتقد ان " قاسم عبد الهادي" كان يفكر  بغير الذي جاء في مصادر كتابه.. بل أراد أن يصرخ بوجه الانتهازيين من سياسيي الرياضة بشكل خاص ومحاربيها من السياسيين المتأسلمين بشكل عام.. أن ما تحقق في -كأس أسيا- كشف قدرة العراقي على مجابهة المواقف الكبيرة وان يكون اكبر منها، ليلفظ من نصّبوا انفسهم على مملكة الرياضة التي وصفها " جواو هافيلانج "* مرة بأنها طفل جميل في عالم صاخب.. الشيء الذي ما شدني عنوة في مقدمته المفعمة بالتواريخ والارقام، كان يسحبني الى كتابه لمعرفة الحقيقة التي تبدو غائبة عن ذهن الكثيرين ان الدرس العراقي الرياضي الذي لقنْه لاعبونا للسعوديين. وجدتُ شخصياً ان في كأس أسيا 2007 صراعاً بين حالتين حالة الموت وحالة كرة القدم. وما حققه اسود الرافدين على المنتخب السعودي في مباراة الحسم الاسيوي التي جرت على ملعب-بجاكرتا عاصمة اندونسيا- بهدف كالسهم للسفاح العراقي (يونس محمود). رغم أن المنتخب العراقي لعب كل مباراته خارج أرضه وحرم من تشجيع ومؤازرة جمهوره وقد افردت هذه الاجهزة الاعلامية حيزاً كبير من متابعتها للنصر الرياضي العراقي حيث اشارت الى ان العراقيين يقاتلون ويقتلون ويبنون ويذبحون وينتصرون في كل ميادين الحياة بنفس الحماس والقوة التي يحملونها في الدفاع عن وجودهم وحدودهم وعقائدهم ووطنيتهم وهويتهم وعَلمّهم ..

ماذا يوجد في مدخل الكتاب..؟

تاريخ سر الرياضة العراقية وسر تفوقها، ونظرة عن مفهوم الاهتمام بتطوير الرياضة العراقية منذ اول رأي لدخول كرة القدم للعراق قبل 1917 م وأول مباراة خارجية خاضها العراقيون عام 1951م وهي بعد سنة من انضمامه الى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) سنة 1950م. المدخل ممتلئا بلقاءات رياضية كتبها بصيغة السرد الصحفي الشفاهي وهو ما يميز قلمه بانفرادية .. حتى المقتبس منه حاول ان يوظفه توظيفاً صحفياً لتسهل قراءته وتبيان معلومته المنقولة بدقة متناهية..الممتع في المدخل الاسماء العراقية لأبطال سوح كرة القدم منذ اول نشأتها وهي تخوض تجربتها الكروية في ملاعب عربية وعالمية ومحلية. فتواريخ الرياضة مثيرة لقاعدة الابطال فالمسيرة طويلة وأسماء عملاقة دخلت وخرجت من الملاعب وهي تضع بصمتها جيلا بعد جيل..

لذا يعد الرياضي الصحفي (قاسم عبد الهادي) مؤرشفاً الكترونياً لحقبة من الزمن لم يعشها لانه من تولد 1989 . وذلك بسبب همه الرياضي وهاجسه الوحيد ان يعيد الى الواقع الرياضي ما افتقده منذ احداث 2003 وسقوط الصنم ما استلبه الاخرون غير الاختصاص ويفتح من خلال التأرخة الباب على مصرعيهِ ليشاطر الجمهور وعشاق كرة القدم كل مظلمة ساعدت على اخفاق هذه المسيرة العريقة بالأسماء والبطولات. كأن ما بين كلماته المسطّرة يقول : ما أحوج الوسط الرياضي الى محترف وخبير حاذق يبحر بما تبقى من كرة القدم بسفائنه بكل ثقة واقتدار من دون ان توقفه ريح الواهمين عن الجدف. وما أكثرهم في زمن العشوائيات الرياضية وسراقها بهوية وطن وفاسديها من اجل مصالحهم الخاصة ومؤامراتهم ضد أعظم رياضة وأكبر تاريخ لكرة القدم.

ماذا يوجد في الفصول الأربعة...؟

عادة تأخذ قصة الكتاب الاول من أي مطبوع اعلامي شكل السرد التفصيلي للفكرة والأسلوب والمعاناة  التي ترافق عادة تاريخ عريق كتاريخ كرة القدم وأبعادها التاريخية التي لا يمكن ان ينكرها أحد ..ولا أزعم أنني رياضي محترف مهما راجعت وحاولت ان اقرأ تفاصيل الارقام وقصة كأس اسيا 2007 يمكن ان يمحو من ذاكرتي مواقف بقيت عالقة بذهني فقرّبها" الهادي" أكثر..  وكتاب (2007 قصة انجاز) محاولة استدراك ما فات من بطولات عالمية وعربية ومحلية بالأرقام والتواريخ وجداول البطولات. وكل المحاولات لاستحضار القيمة الكروية العراقية، تنطوي على المجازفة في التوثيق.. فاذا كان توثيق الوقائع الرياضية او احداثها مهمة شاقة، قد يختلف اثنان عليها ممن كانوا قريبين على المشهد الرياضي برمته. وقد تجاوز "الهادي"  في ارشفته هذه الصعوبة في المشهد بالآلية التي اتبعها في طرحه وتجميعه لأفضل مواسم كرة القدم وتقريبها من الانجاز الاهم في اسيا 2007 بطريقة المثلى لفهم المراحل الرياضية الموثقة بالاسم والصورة.

دعوة الى القراءة قصة انجاز..!

لكل كاتب نزعة انسانية تطورية تحمل ومن خلال نسق كتابته طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد. ولكن هذا الكتاب كان جمالياً أكثر مما هو اختلافي اذ ينبغي قراءته خارج نطاق زمكانيته حسب مقولة لكل عصر رجاله من قبيل الفرضيات المقبولة والشواهد المسبوقة بالحدث والصورة .. وبضوء هذا الفهم الذي تناوله الكتاب فان الرياضة سارت من الاعلى الى الادنى وفق مبدأ القطيعة لا المصالحة. وكل ما يريد توصيله " قاسم عبد الهادي" عبر انجازه الرياضي ان يلقي هذا الجهد الرياضي المؤرشف بجهد غير اعتيادي اهتمام القارئ الرياضي بصورة خاصة وغير الرياضي عموماً ففي ذلك مصلحة لتاريخ كرة القدم العراقية.

أعترف كمتلق أن "الهادي" وفّق في تحقيق الجانب التاريخي لكرة القدم بهذا المنجز الذي ربطه بمعيارين للانجاز الاول بدايات القمة والثاني نهاية القمة في 2007.. والسؤال هل هناك رياضة حقيقية بقيت في العراق .. الزمن القادم وحده يجيب قاسم عبد الهادي الرياضي الصحفي الشاب.

 

حيدرعاشور

..................................

*جواو هافيلانج: رئيس سابق للإتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)

 

 

شاكر فريد حسنشوقي بزيع شاعر لبناني جميل راقٍ وناعم، أتى من الجنوب إلى الجنوب، فتح عينيه على هزيمة حزيران، وصحا على مذابح أيلول حد السكين، ولامس محاصرًا عذابات تل الزعتر. لا يكتب الشعر فحسب، بل هو ناثر بامتياز، ونثره لا يقل جمالًا وعذوبة ورقة عن شعره، يكتب بشفافية عن الأوطان والإنسان، وتمتزج في شعره المعاني الشفيفة والغنائية الرقيقة والشاعرية، بفتنة الأنوثة والوله العاطفي والعشق المشبع بالحسرات، وتبدو الكلمة لديه حية وخصبة في موقعها النسقي وإشعاعها الجمالي.

شوقي بزيع متأثر جدًا بالريف الذي نشأ فيه، وشعره غناء صامت، وصمته غناء في حناجر مندهشة، يحاكي الطبيعة والأشجار والمياه والوديان.

صدر له العديد من المجاميع الشعرية، أولها " عناوين سريعة لوطن مقتول "، و" الرحيل إلى شمس يثرب " ثم توالت مجموعاته الشعرية بالصدور، وهي " أغنية حب على نهر الليطاني، وردة الندم، مرثية الغبار، كأني غريبك بين النساء، قمصان يوسف، شهوات مبكرة ، فراديس الوحشة، جبل الباروك، سراب المثنى، ملكوت العزلة، صراخ الأشجار، لا شيء من كل هذا، كل مجدي أنني حاولت، فراشات لابتسامة بوذا، إلى أين تأخذني أيها الشعر، الحياة كما لم تحدث، ومدن الآخرين ".

شوقي بزيع يتهادى مع  الشعر الذي يصعد إليه من نبع الروح، يرسم بالكلمات والحروف، وبكل ألوان الموسيقى يلون كلامه، ويتعانق في نصوصه العمودي مع التفعيلي مع النثر المسبوك على آهاته الشاعرية الدفينة. وكما يقول د. خليل أحمد خليل :" إنه المسكوب من بئر الحب، إلى نهر الليطاني، الفنان بجماليات المرأة والأرض والسياسة، المبدع بلا ضفاف، الخطيب المعتق الذي يستهلُّ من حُزن اليراعات ما يطرب له الحبر الأخضر. ساحر، فاتن ومفتون، يضج شعره بالوطنية والعروبة، بالإنسانية وبالحُبّ، بلا استسهال للشعر، ولا استرخاص للكلام، شعره مثل قريته وأهله، شجر المقاومة الصامتة في الأرض، والناطق في جراح أغانيه ".

شوقي بزيع شاعر حقيقي مدهش، متجذر في أديم الأنوثة وخميرة الجمال، وفي الأمكنة والرثائيات وملاحم العشق التي تلازم قصائده وسرده، وهو الشاعر الذي كتب كثيرًا عن الحُبّ والأنثى، وكان يبحث في وجوه النساء وأجسادهن عن وجه مريم وساقيها. ومريم هي الفتاة التي شغفته حبًا وهو طفل صغير، لكنها ارتبطت بشخص آخر.

وفي عدد من قصائده يطرح الأسئلة الوجودية المتعلقة بالكينونة والزمن والحياة والموت.

ينتقي شوقي بزيع ألفاظه بدقة متناهية ورهافة وشفافية وحس موسيقي، وجملته الشعرية شفافة كالماء ولينة تدغدغ عواطفنا وتوقظ ما هجع من أحلامنا الخضراء. فلنسمعه يقول في هذه القصيدة التي تحمل عنوان " كم أنت أجملُ في الحنين إليك " :

آن تقترب القصيدة من نهايتها

وتشتبه الظّلال على المساءِ

الآن يبدأ ذلك الألقُ المراوغُ للحقيقةِ

عدّه العكسيّ،

للآلام ما يكفي من الشبهات

والشرفاتُ أضيقُ من حلول الذكرياتِ

على الشتاءِ

لا أرض تُرجع هذه الفوضى

على أعقابها

لأشمّ كامرأة على قبر

قميص لهاثكِ الملقى على جزع السرير

ولا تمائم كي أروِّض بالكلام الصِّرف

أحصنة الدماءِ

لا شيء يوقفني على قدَمَيْ رحيلكِ

أو يحالفني مع الضجر الملبّد بالخسارةِ

في فناء البيت،

محضُ يدينِ فارغتين في أبدية ثكلى

يدايَ،

وإذ تداهمني عواصفُ نأيكِ الهوجاءُ

تنشبُ حيرتي أظفارها كالقطة العمياءِ

في الغبشِ المرائي

كم أنت أجملُ في الحنينِ إليكِ،

كم ذكرى النساءِ أشدّ سحراً

في حساب العاشقينَ

من النساءِ

كم أنتِ بالغة الخفاء،

كأنما تتجاوزين هشاشة الأجسامِ

كي تتصالحي مع رغبة الفانينَ

في ترميم ما خسروهُ

من حلم البقاءِ

الآن تقترب القصيدةُ من نهايتها

تضيء يمامتا ذكراكِ

في غبشِ الظهيرةِ

كالنجومِ المستعادةِ من صراخ الليلِ

والنسيانُ يرفع ذلك الاسم الخماسيّ

المبالغ في تهدّجهِ

على خشب الشحوبِ

لا بدّ من هذا الفراق إذن

فأدرك أنني أعمى بدونكِ،

أنني النصفُ الضريرُ من التماعكِ

في الحصى الغافي

وحصة حاجبيكِ من انحناءِ الشمسِ

في قوس الغروبِ

لو كانت الأحلامُ أصدقَ من حنين الحالمينَ

لو القصائدُ لا تخون مؤلفيها

حين ينقلب الغناء على المغنّي

لاختلطتُ على أنينكِ

في فم القيعانِ

كالوتر الكذوبِ

صفراءُ ريحكِ في يباس الفقدِ،

أصفرُ ذلك الخفر المغطّى بالبثورِ

على ملامحكِ المطلةِ

من غبار الأمس،

أيتها الشبيهة بانبلاج يد ملوِّحة

على غرق الكتابة،

والتظاهرة الأخيرةُ للوداعةِ

في تفتحها على الآلام

كيف أُجيد تهجئة الروائحِ دون عطركِ؟

كيف أُفلح في احتساب الوقت؟

كيف أعيد تهدئة الأسرّةِ والوسائدِ،

أو أعدّ على الأصابعِ

ما تناثر من هبوبكِ

فوق صفصاف الجنوبِ؟

صدئٌ نحاسُ الوقتِ،

فحميّ صدى الأجراس،

مذبوحٌ شعاع الشمس فوق

أريكة الماضي،

الشتاءُ بلا يديكِ الطفلتينِ

يخرّ كالسحب القتيلة

عند أقدام الجبالِ

والبيتُ تنخرهُ الملوحةُ،

حيث لا قدماكِ في أرجائهِ

تتبادلانِ مهمة الطيرانِ

فوق رتابة الساعات،

لا كفّاك تنزلقانِ عن كتف الصباحِ

كرغوة الصابون،

لا عيناكِ تقتسمان بُنّهما المحيّر

مع ملائكة الأعالي

شوقي بزيع مبدع يتألق على ضفتي نهر الكتابة الشعرية والنثرية، ينسج بحبر أحلامه آفاقًا رحبة لأيامه ولقرائه، ويصوغ تعابيره بسلاسة وانسيابية تتدفق كشلال جارف، ويرسم قصيدته بكلمات ونبضات القلب وارتعاشات الروح.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

1766  حب مخيرفي ألمانيا شاب عراقي يكتُب رواية ويلعب دور البطولة.

في شباط من هذا العام وبدعوة من رئيس منتدى بغداد للثقافة والفنون في برلين، قدم الشاب العراقي غيث عدنان روايته الموسومة "حُب مخيّر في مجتمع مسيّر" أمام نخبة من المثقفين العرب الذين آثار عنوان الرواية اهتمامهم، وهي كما يبدو في إطارها العام من ناحية المضمون والأسلوب، وأيضا طريقة السرد الروائي، مؤلفه التجريبي الأول أن صح التعبير. ولا  أريد في هذا السياق أن استعرض الرواية من ناحية "النص الأدبي" وضوابط الإيقاع الروائي، بقدر تناول حصيلة هذا لإنجاز المتواضع، الذي يشكل في رأيي، معالجة اجتماعية جديرة بالاهتمام واستخلاص النتائج، لشاب عراقي طموح وثبور، يعمل ويدرس دون كلل ليرفع من شان وطنه، تاريخه، ثقافاته وحضاراته بين الأمم.

الرواية صادرة عن دار ومكتبة أولد بوك Old Book في بغداد نهاية عام 2018، وبالحجم الأكثر شيوعاً وعدد صفحات دون الغلاف والتعريف والمقدمة والفهرس 89 صفحة بحروف من حجم متوسط مريح للقراءة، تحتوي على سبعة عشر جزءاً "قصة"، اختار لها المؤلف عناوين تشير إلى أحداث وأزمان مختلفة، بطريقة تدوينية كالمذكرات اليومية. الجزء الأول يحمل عنوان "تعرف ريان على ساندرا" صفحتين. والجزء الثاني "تعلق ريان وساندرا ببعضهما" صفحة ونصف . ثم يليه "الحب العظيم بين ساندرا وريان" وصولاً للجزء الثاني عشر بعنوان "الاتفاق الجديد بين ساندرا وأبيها" ومن ثم "نار العشق ولهيب الشوق" خمس صفحات. انتهاءً بـ الجزء الأخير بعنوان "حياة ريان بفراق ساندرا" من سبع صفحات، لم يعطيه الكاتب رقماً كباقي الأجزاء. ولا أعرف إن كان متعمدا لهذا التمييز، أم متمرداً، لا يريد لروايته خاتمة دراماتيكية، دون نهاية  أسطورية سعيدة، كما هو سائد في الأفلام الرومانسية.

ولكن بصرف النظر عن القيمة الترفيه واستهداف القضايا الأخلاقية من الناحية الفلسفية، فالرواية وما تحتويه من نماذج قصصية قصيرة، هي ليست أحداثاً كبيرة، انما سرد دون مقدمات، ولكن الدخول المباشر. بحيث يتمكن القارئ من التعرف على القصة تلو الاخرى بسهولة قبل التعرف على الأبطال دون تفاصيل. أحداث وصراع ومواضيع تغطي فترات زمنية قصيرة فقط. تحتوي على مونولوج داخلي دقيق وحاد غير مرئي يكشف عن أفكار وأحاسيس شخصياتها الرئيسية.. الخاتمة، وهذا ليس من باب التحليل كما يشاء أن يكون التفسير باليونانية، يتعلق بإجراء تحقيق دقيق يتم فيه تقسيم شيء ما إلى مكوناته وفحصه وتقييمه: تتمتع الرواية بنهاية مفتوحة للحفاظ على دلالاتها الاجتماعية ودفع القارئ للتفكير. لكن ما احتواه منجز الكاتب غيث عدنان من قصص، يبدو لي ليس بمحض إرادته، إنما في ظل ظروف، تم العثور عليها وتقديمها وتداولها، لنسج قصص مُؤَلَّفه نظرا لتمييز النصوص وما تتضمنه من أنماط وهياكل سردية تم دمجها عند الكتابة.

وللحديث بإسهاب عن مفاصل الرواية القصصية، أود الاستعاضة بما عرج إليه الصديق الكاتب السوداني حامد فضل الله في مداخلته بعنوان "عتبات النص في رواية الكاتب غيث عدنان" بالقول: عنوان الرواية حب مخير في مجتمع مسير . عنوان واضح لا لبس فيه، على عكس، ما تحتفي به أحيانا عناوين بعض الكتب، بتعابير أو بصور مجازية.. نشاهد في أسفل الغلاف صورة مظللة لشاب وشابة، وفي أعلى الغلاف، نور ساطع وثلاثة عيون أو أعين مفتوحة. الصورة المظللة إشارة إلى أن هناك ما يدور في الخفاء . يريد الكاتب أن يعبر عن التنازع بين الفرد والمجتمع في المجتمعات العربية المحافظة. فالفرد هنا يسيره المجتمع وكل أفراد المجتمع تسيرهم الأعراف المجتمعية والدينية والعشائرية والقبلية. الفرد يريد أن يختار ويحقق حريته ورغباته الفردية ويمارس حريته مع من يختاره حبيبا، لكن عيون المجتمع له بالمرصاد. إن عادات وتقاليد المجتمع (مجتمع مسير) هي التي تسير العاشقين، أي أن كل المجتمع تسيره العادات والتقاليد. أريد أن أُشير هنا أيضاً، كون رواية الشاب غيث، هي الوليد الأول له، إلى ما هو بديهي، أي إمكانية الاختلاف المطلق في قراءة النص باختلاف القارئ نفسه.

بعد دعوته من بعض الجمعيات الثقافية في ألمانيا للحديث حول روايته القصصية "حُب مخيّر في مجتمع مسيّر" وانتشارها بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وجهت إحدى مؤسسات الإنتاج السينمائي في ألمانيا، دعوة للكاتب غيث عدنان للتشاور معه حول فكرة تحويل روايته إلى مسلسل تلفزيوني. وبعد لقاءات تشاورية، تمخضت عن نتائج إيجابية أدت إلى إجراء اختبارات تصويرية أولية لاختيار الممثلين من بين عشرات المدعوين، عراقيين وعرب مقيمون في ألمانيا، رشح مبدئياً لدور البطولة وفقاً للمواصفات المطلوبة، فتاة عراقية ومؤلف الرواية. وسيبدأ التصوير في العام القادم لحساب إحدى القنوات التلفزيونية الألمانية، حيث سيتم تأهيل النصوص للألمانية وتحويلها إلى سيناريو لإنتاج مسلسل من 45 حلقة. والجدير بالذكر: أن الشاب العراقي غيث عدنان من عائلة بغدادية تسكن محافظة كركوك، ترعرع وشب في مدينة التآخي في شمال العراق، وأنه يعشق الفن والحضارة والتراث الخاص ببلده العراق كثيرا. مجسدا ذلك بأسلوبه وأخلاقه والفن الذي يقدمه سواء كان غناء، شعرا أو عمل أدبي، دائما ما كان ينظر، كما يقول، نظرة الهائم المعجب بتفاصيل وطنه المخطوطة بدماء أجداده العراقيين الذين سبقوا زمانه، كما ويسعى دائما لتقديم وطنه بشكل حضاري وثقافي هادف. وليس هذا فقط بل كما ويحاول معالجة مايراه سلبا في بلده. فليس غريبا أن يرتق إلى هذا المستوى من الإبداع الذي يشكل بالنهاية، محط إعتزاز العراقيين به والاحتفاء بمنجزه.

 

عصام الياسري

 

 

حوا بطواشبدأت قناة beIN drama   بعرض حلقات المسلسل السوري «بورتريه»، من إنتاج إيمار الشام، كتابة تليد الخطيب وإخراج باسم السلكا.

المسلسل هو عمل درامي رومانسي اجتماعي تدور أحداثه بين زمنين مختلفين، ويبدأ بانفجار لا نعرف بالضبط ماذا أصاب وأحدث، ثم نسمع صوت حازم، الذي يؤدي دوره في المرحلة الثانية هافال حمدي، الشاب الذي نعرف أن بيته قد أصيب في الانفجار، وهو يروي قصة والديه من خلال مشهد رائع برأيي يلخّص المشكلة بينهما.

فيعود بنا المسلسل إلى الزمن الذي كان فيه حازم صبيا صغيرا ينتظر ابنة عمه زينة التي بمثابة أخته، وكانت فتاة في بداية مراهقتها، لتأخذه إلى المدرسة ثم إلى حديقة الألعاب. ويخرج الاثنان معا من البناية، فنرى من الجهة الأخرى امرأة تلبس الأحمر بكامل أناقتها وجمالها، تدخل إلى داخل البناية.

وبعد أن يعود الاثنان من الحديقة ويصلا إلى مدخل البناية، فجأة، تقع لوحات على الشارع من فوق البناية، واحدة تلو الأخرى، وتُسمع أصوات صراخ وصياح، ونرى المرأة التي بالأحمر تخرج من البناية وعلى وجهها إمارات القلق. وبعد هنيهة، تخرج وراءها من البناية إمرأة صارخة وهائجة، بفردة حذاء واحدة عالية الكعب في رجلها وشعر منفوش ووجه غاضب، وقد تجمّع الناس من حولهم يتأملون صامتين. فينادي عليها حازم قائلا: «ماما!»

تلتفت إليه المرأة الهائجة وتجثو على ركبتيها باكية وتحتضنه.

ثم يخرج رجل من البناية وهو يغلق زر قميصه ويتوجّه إلى المرأة الهائجة طالبا منها أن تدخل البيت كي لا يكونوا فرجة أمام الناس.

تقف المرأة على قدميها، تضحك هازئة، وتقول متوجّهة إلى الناس من حولهم: «قال صرنا فرجة قدامكن! لسا ما شفتوا الفرجة اللي أنا شفتها!»

إياد، الرجل الذي لا يريد أن يصبح فرجة أمام الناس، هو والد حازم، والذي يؤدي دوره أكثم حمادة، وهو ابن عائلة أبطال وشهداء، ذات حسب ونسب، رجل رقيق ولطيف، سكّير ونسونجي، لم يستطع أن يتابع تقليد عائلته الوطنية ولا أن يصبح في حياته أكثر من فنان تشكيلي، نفّذ رغبة أبيه بأن يتزوج إنقاذا له من حياة العدم والسُّكر والنساء، فتزوج من المرأة التي اختارته له العائلة، نوال، التي تؤدي دورها تولين البكري. وكانت نوال، كما يقول حازم بأنه سمع، إمرأة وديعة ولطيفة عند زواجها، لكنها تحوّلت إلى تلك المرأة الصارخة التي رأت أسوأ «الفرجات» من زوجها وشهدت على «تخبيصاته»، حيث يقيم علاقة عاطفية مع المرأة بالأحمر، رندة، التي تؤدي دورها مديحة كنيفاتي.

رندة، هي مذيعة ناجحة جاءت إلى المدينة هاربة من الريف ومن أبيها الظالم والمستبدّ، تعيش في شقة مع أختها سوسن، التي تؤدي دورها ريم زينو، ولها علاقة لا نعرف كنهها بالضبط، مع ضابط الأمن أيهم، الذي يؤدي دوره فادي صبيح، والذي يدّعي أنه يحبها ويلاحقها أينما ذهبت ويحاسبها على كل تحرّكاتها، بل ويهدّدها بمعرفته بعلاقتها بإياد، وكأنّ رندة هربت من استبداد أبيها إلى استبداد عاشقها.

وتستمرّ علاقة إياد ورندة، رغم التحذيرات والتهديدات، ورغم رغبتهما في إنهائها، ويستمرّ نكد نوال وصراخها، رغم استسلامها للأمر الواقع، ورغبتها بقطع ملاحقاتها لزوجها وبتجاهل علاقاته الأخرى كي يعيشا في أمن وسلام، سيما أنه لا يقصّر في واجباته تجاهها هي وابنهما حازم وتجاه بيته، حيث أنها تأكدت أن زوجها لن يغيّر من أطباعه، ولن يفعل إلا ما في ذهنه، مهما صرخت أو بكت وتعذبت. علاوة على ذلك، تقرر أن تنفّذ وعدها لحازم، في ذلك الوقت بالذات، بأن تنجب أخا أو أختا له.

المسلسل يرصد تقلّبات الزمن، وذلك التغيّر الهائل الذي تحدثه الأيام بالناس. ويتجسّد ذلك في علاقة الأختين رندة وسوسن التي تتعرّض لتحوّلٍ هائل يقلب حياتهما رأسا على عقب وتؤدي إلى اختفاء رندة من حياة إياد وعائلته.

ومما شدّ انتباهي من أداء الممثلين، تميّز حضور جلال شموط في المرحلة الأولى، حيث يؤدي دور مساعد الضابط أيهم، ويكاد لا ينطق بكلمة واحدة، لكن أداءه كان لافتا ومتميّزا كما حضوره بغرة شعره المنسدلة على جبينه، ونظرات عينيه المستطلعة بفضول، إذ أضفى أداؤه على الشخصية طرافة محبّبة، ليبدو على هيئة ذلك الشخص الغبيّ الذي يخدم معلمه ويفعل ما يقوله له فقط، يرى ولا يرى، ويسمع ولا ينطق بحرف إلا بأمر معلمه. لكن، لا شك لديّ أنه سينطق مع تقدم الحلقات ويكون له دور آخر أبعد من ذلك.

كما لفتت انتباهي نوار يوسف التي تؤدي دور زينة، ابنة عم حازم، والتي تأخذه إلى حديقة الألعاب عندما كان صبيا، فترى هناك شابا يلمّح إليها برغبته في محادثتها. زينة التي تفتقر إلى الأنوثة، تريد أن تتخلّص من حازم ليخلو لها الجو مع الشاب، لكن الاستياء يبدو عليها واضحا عندما تخفق في فعل ذلك. ولا أدري لماذا تذكرني نوار يوسف بشكران مرتجى، خاصة في دورها في المسلسل الشهير يوميات جميل وهناء. وفي مقابلة لها مع هشام حداد مؤخرا قالت شكران إنها تحسّ بالإخفاق بأنها لم تمثّل دور الحبيبة في أي عمل لأنه لم يُعرض عليها ولا مرة، وقالت في سخرية تمتزج بالاستياء: «حتى لو كنتُ طويلة القامة، ألا تعرف الطويلات كيف يحببن؟!»

لا أدري لماذا أحسّ كأن نوار يوسف ربما ستعاني من نفس المشكلة، رغم أنها ليست طويلة مثل شكران مرتجى. إنها ما تزال شابة، واعدة وموهوبة، لكن، يغلب على أدائها الحس الفكاهي الذي يفتقر إلى الأنوثة.

وأخيرا، لفت انتباهي تضاعف البحّة التي في صوت مديحة كنيفاتي، التي تمتلك صوتا جميلا ومعبّرا، لكن ماذا مع تلك البحّة التي تفقدها صوتها أحيانا كثيرة، خاصة في الطبقات الواطئة؟

«بورتريه» هو مسلسل دراميّ مشحون بالرومانسية، تدور أحداثه في إطار اجتماعي مشوّق، وتتطوّر بشكل مثير للاهتمام ليرصد علاقات الأجيال الشابة الشائكة على خلفية مشاكل وأحقاد عائلاتهم التي لم يكونوا على علم بها.

 

حوا بطواش

 

 

علي سيف الرعينيالصداقة شيء جميل إذا كان زادها الإخلاص والإخاء والشراكة. الدائمة.. وبالتالي فالصداقة تعني الشراكة في مجمل تفاصيل الحياة كما تعني التناصح وحب الخير وارتباط وثيق بين الأطراف ولعلها واحة نتفيأ فيها حين نجد أنفسنا متعبين من صخب الحياة وضجيجها لنتبادل الشكوى ونتقاسم النجاح والفشل والألم والفرح وقد تبدو الصداقة مهمة في حياة الإنسان، لذا ربما ليس هناك من أحد لا يمر من هذا الباب.. وفي اعتقادي فالأغلب ممن يتمتعون بأعداد من الأصدقاء وهناك من يكتفي بصديق أو اثنين وفي مجتمعنا قصص وروايات عن أصدقاء تبادلوا أضداد الحياة وتباينها عن قناعة وحب ولم يدعو للمصلحة والأنانية ثقب إبرة تفرقهم ونحن مدعوون في كل الأحوال إلى إعادة الاهتمام بهذا الموضوع كونه يمثل قدسية تسمو بسلوكيات الأفراد إلى أعلى المراتب.. ولكن يبقى الشق الآخر من آخرين كانوا ضحايا لديكور أطلق عليه الصداقة وبالتالي فقد ترسخ في أذهانهم طابعاً سيئاً عن. موضوع الصداقة

جوانب متعددة تاتي .تباعاوتترك اثرا اماسلبي .اوايجابي .نتيجة للصداقة.

رسالة انسانية..

 إذا لم تحقق الصداقة ما ننشده فهي ليست بالصداقة وانما يطلق عليها مسمى الصداقة وهنا ينبغي أن نعرف أن الصداقة تعد رسالة انسانية بحد ذاتها وهي مسئولية تقع على عاتق من يحملونها فهناك.اصدقاءكثر لا   لكن من هو الذي.بامكانناان. نطلق عليه. صديق؟

أقول هو الانسان الذي. يشاركني حزني وفرحي هو المرأة التي من خلالها أرى نفسي هو لسان حالي أبادله. النصح بما هو خير نتبادل الخبرات والمعلومات دون أنانية تذكر ونجاحه. يعد نجاحالي.ً أتمنى له. التفوق وهوالشئ

الذي. يتمناه. لي وبالتالي ينبغي أن نجسد كل هذه المعاني الجميلة إلى أفعال حقيقية تجعلنا نؤمن بل نتمسك بها.. وأحلى حاجة في الدنيا أن تجد صديقاً تثق به ويكون مستودع سرك.. وبما أن الحياة اليوم أصبحت قاسية إلى درجة ما أصبح من الصعب على المرء أن يستطيع أن يميز بين الطيب والخبيث كذلك اليوم هناك غالباً ماتجد أسراباً من الأصدقاء يجتمعون حول شيء واحد ورابط واحد هو الصداقة وعندئذ ستلمح أن الصداقة ماهي إلا مبرر لتلاقيهم ولا تحايل على بعض وكل واحد يريد أن يخرج إلى طريق ويبقى لأصحاب المبدأ والناس الكبار والفاهمون لمقاصد هي أصلاً غائبة عن هؤلاء البعض والذين يجعلون منها شعاراً لا أكثر.. وهم قلة قليلة من يحملون المعاني الحقيقية للصداقة وحقيقة أصبح النزر اليسير من أولئك الطيبين الذين لا يرجون من صداقتهم مصلحة أو منفعة وانما هو الحب ورد الجميل والاعجاب والتفاني والتمسك بالطرف الآخر عن قناعة ورضا لا تملقاً وزيفاً ونفاقاً.. اليوم الكثير من الناس استخدموا مصطلح الصداقة لأجل النيل لكذا وكذا فقط.

من هو الصديق؟

 تعرف الصديق بأنه الإنسان الذي يصدقك الحضور في أزماتك ليس الذي يغيب عنك عندما تحل عليك كارثة لا سمح الله وهنالك العديد من الأصدقاء الذين تكشف عنهم الأيام وبالمقابل هناك أصدقاء أثبتت الأيام أنهم أوفياء وما أسوأ الحياة أن تغتر بصديق ويفاجئك بفاجعة لم تتوقعها منه وهناك تجارب شتى في الحياة.

ان الصداقة كنز ثمين اذا حفظنا معناها.. فعلى الأقل أنها تترك ذكريات لا تنسى وبصمات خالدة فهناك من يستحق الاعتزاز بصداقة، هناك من يورث الحزن والألم لأول يوم عرفته فيها.فيماتبقى الصداقة.هي الاسمى .والاعلى ان .كانت .حقيقية .

هدف عظيم

 في حديثنا عن موضوعنا هذا الذي يرى بأن الصداقة موضوع له أهميته التاريخية والقومية  الحقيقة أنا أعتبرها نواة لتحقيق هدف عظيم اذا أتحنا الفرصة لاتساع هذا الموضوع.. بحيث تعتبر الصداقة دعامة أولى لتحقيق الوحدة العربية الشاملة وربما إلى أوسع من هذا وكما أشرت فإن هذا الموضوع يعد طاولة للتقارب  وبالتالي تخيل إذا كونا صداقات فيما بيننا على مستوى أوسع في المجتمعات العربية هذا بالتأكيد سيقود يوماً ما إلى توسع رقعة هذا الموضوع بحيث سيعمل على تقارب ودمج بعض الأسر من هذا البلد وذاك وهذا بالطبع سيساعد في تذويب كل الحواجز والحدود وسيعطي دفعة إلى الأمام ناحية مناصرة هذا الهدف ودائماً مايكون التغيير أو يبدأ التغيير من الأسرة ثم المجتمع ككل.. وهنا هي دعوة لكل الأصدقاء إلى توسيع دائرة صداقاتهم وخصوصاً الشباب لنضع على الأقل خطوة في طريق بناء وتحقيق الوحدة العربية الشاملة.

الجوانب المشرقة..

وتبعاً لما سبق تظل الصداقة من أهم الجوانب المشرقة في حياتنا لما لها من أثر نفسي ووجداني إذ إنها تجربة حية في حياتنا ولها دور بارز في تعديل اعوجاج الشخصية وبالتالي فالصداقة بصمة حاضرة في مراحل العمر المختلفة ولا يكاد أحد منا يخلو من ذكريات مخلدة في ذهنه لمواقف مع صديق له.. وهناك من أفاد واستفاد وهناك من اهتدى ومن ضل.

ومطلقاً: يمكن القول ان الصداقة هي الرفيق الدائم لمراحل العمر المختلفة ولو لم تكن الصداقة لكان كل واحد منا يعيش ملل العزلة والانطواء فهي بادرة للتجديد وتبادل الخبرات والمهارات وحتى المشاعر والأحاسيس لا تستقر إلا في المكان الذي يدفئها ويؤمن سلامتها.. وهنا نظل بحاجة إلى صديق يستوعب هذا كله.

نحلم أن نصل مع الآخرين إلى صداقة أكثر أمناً وسلاماً بعيداً عن الأنانية وحب الذات والاستحواذ على كل ماهو ايجابي وترك السلبي.. نأمل أيضاً أن نصل مع الآخرين إلى صداقة نابعة من انسانية الإنسان فكراً وسلوكاً صداقة تستشعر وجود الطرف الآخر وتضع له المكانة التي يستحقها .. إننا بأمس الحاجة إلى ذلك كله لنكون أكثر ثقة واعتزازاً بكل أصدقائنا.

 

كتب/علي سيف الرعيني

 

 

شاكر فريد حسنيعد الشاعر المصري الراحل أمل دنقل من أبرز الشعراء المحدثين المعاصرين، الذين قدموا شعرًا فنيًا ووطنيًا معًا.

كان أمل شاعرًا مطبوعًا يعرف ماذا يعني اتقان الشعر. بداياته الشعرية كبدايات كل شاعر، ولكن الهم الذي ساوره منذ صباه بضرورة إتقان وإجادة الكتابة الشعرية.

نشر أمل بواكير قصائده في صحيفة " الاهرام " وفي مجلة المجلة التي كان يرأس تحريرها الدكتور علي الراعي، ووجد نفسه محاصرًا بالأسئلة، واكتشف أنه لا يكفي للإنسان أن يكون شاعرًا قادرًا على الكتابة والإبداع. فهناك كثير من التيارات الفكرية والسياسية والثقافية التي كانت تموج في تلك المرحلة والتي لا بد له من الارتباط بها. فانقطع عن كتابة الشعر أربع سنوات حتي يضيف لموهبته الفطرية ثقافة تسعفه على الاستمرارية والإبداع المتجدد. وكرس هذه السنوات للقراءة فقط  والاغتراف  من ينابيع التراث والمعرفة، وصاحب ذلك نوع من الأزمة الروحية التي يمكن تسميتها أزمة الحرية، ففي تلك الفترة الزمنية كانت هنالك مجموعة من المثقفين والأدباء في السجون والزنازين المصرية، وفي هذا المناخ نشأ وترعرع أمل وولدت قصائده في قلب الأحداث السياسية.

كان أمل دنقل يعتبر أن الشعر ليس مجموعة شحنات من المواد الكيماوية إذا وضعت مع بعضها البعض تصنع قصيدة، فالإحساس في حضرة الشعر يأتي عن طريق الوجدان اولًا وليس عن طريق العقل.

شكل الشعر عنده فن وصناعة في الوقت نفسه واكتمال الصناعة لا يعني أن الإنسان صار شاعرًا، وكذلك فإن الشاعر الموهوب من دون ان تستقيم أدواته الفنية والإبداعية لا يمكن الإفصاح الكامل عن نفسه.

كان أمل دنقل إنسانًا وطنيًا مصريًا وقوميًا عربيًا في آن، وكان شعره في سنواته الأخيرة دليلًا ساطعًا على ذلك، وما زالت قصيدته " لا تصالح " التي نظمها بعد معاهدة كامب ديفيد، جزءًا مهمًا من الأدب الثوري العربي في تلك المرحلة، ولنسمعه يقول في هذه القصيدة التي لا تموت:

لا تصالحْ!

..ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى..:

ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،

حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،

هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،

الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..

وكأنكما

ما تزالان طفلين!

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

أنَّ سيفانِ سيفَكَ..

صوتانِ صوتَكَ

أنك إن متَّ:

للبيت ربٌّ

وللطفل أبْ

هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟

أتنسى ردائي الملطَّخَ ..

تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟

إنها الحربُ!

قد تثقل القلبَ..

لكن خلفك عار العرب

لا تصالحْ..

ولا تتوخَّ الهرب!

(2)

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم..

جئناك. كن -يا أمير- الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم.

قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

إنني كنت لك

فارسًا،

وأخًا،

ومَلِك

لم يكن الوعي الاجتماعي عند امل دنقل لينفصل عن الوعي الجمالي، فحداثة الشعر تتضمن حداثة الفكر ومعاصرته، وكان يعتبر أدونيس وجماعته قمة الهرب لاعتمادهم الابهار بديلًا للصدق، وإذا كان أدونيس معتبرًا شاعر الثورة المضادة بتفوق، فأمل مثله في ذلك كخليل حاوي، هو شاعر كبير ومجيد من شعراء الرفض والثورة العربية المعاصرة.

وكان أمل من المعجبين بشاعر المطر ابن الرافدين بدر شاكر السياب، واعتبر حسن اسماعيل وعلي محمود طه من أهم الشعراء العرب.

عاش أمل دنقل أحوال مجتمعه حتى النخاع، واستطاع أن يعيش تفاصيل الحياة اليومية في القاهرة، وانعكس ذلك بشكل واضح في الكثير من قصائده، التي استخدم فيها تفاصيل الحياة اليومية واللفتات الاجتماعية التي لا تتوفر إلا لرجل عاش واقع مجتمعه حقيقة.

لأمل دنقل خمس مجموعات شعرية صدرت عن دار العودة في بيروت، وعن دار روز اليوسف بمصر، وهي : " البكاء بين زرقاء اليمامة، تعليق على ما حدث، مقتل القمر، العهد الآتي، أحاديث في غرفة مغلقة، وأقوال جديدة في حرب البسوس ".

عانى أمل دنقل من مرض السرطان الفتاك، وأمضى الليالي والأيام متنقلًا ما بين منزله في القاهرة وبين مستشفى ومعهد الأورام في القاهرة إلى أن وافته المنية في العام 1983 وهو في أوج الشباب والعطاء.

 أشعار أمل دنقل طليعية ترفض الواقع بشكل جذري، مسكونة بروحه القلقة، إنها معارضة وثورية في محتواها، مستفزة للمشاعر والعقول، عصية على الحفظ، لتعقيد تراكيبها رغم بساطة ألفاظها وعذوبة نظمها، وكما أسلفت وذكرت فقصيدته " لا تصالح " من أقوى القصائد وأشهرها التي كتبت ضد جهود ما تسمى بالسلام.

وكانت زوجة الراحل أمل دنقل الكاتبة الناقدة والصحفية عبلة الرويني، قد أصدرت كتابًا بعنوان " الجنوبي " تجاوز 220 صفحة، وهو في باب السيرة الذاتية، تحكي فيه عن تجربتها الشخصية في إطار حديثها عن تجربة أمل، تلك التجربة التي امتزج فيها الاثنان معًا بحياة تشكلت وفق ايقاعات متنوعة، صداقة، حب، زواج، عشق، وتكوين أسرة. ولعل هذا الارتباط العميق الذي جمع بينهما، هو الذي جعل نفسيهما نفسًا واحدة، ومسيرتهما مسيرة واحدة أيضًا.

ورغم الرحيل المبكر لأمل دنقل، فما زال شعره خالدًا يروي حكاية الشعر والثورة والرفض والتمرد، وهذا ما جعله حاضرًا في قلب الثورة وفي الضمير والوجدان العربي.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

كاظم الموسويترك عباس محمود العقاد (28 حزيران/ يونيو 13-1889 آذار/ مارس  1964) تراثا كبيرا، اكثر من مائة كتاب، وكثيرا من المقالات والمخطوطات،  التي طبعت بعد وفاته. وهو لم يكمل التعليم النظامي، ورغم ذلك نجح كاتبا وشاعرا واديبا وصحفيا ومؤرخا ومترجما، كما اشتهر بمعاركه الفكرية مع أبرز كتاب وأدباء جيله بمصر، مع الشاعر أحمد شوقي، والدكتور طه حسين، والدكتور زكي مبارك، والأديب مصطفى صادق الرافعي، والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، ومع زميل مدرسته الشعرية الشاعر عبد الرحمن شكري، وخارجه مع الدكتور العراقي مصطفى جواد.. واعتبره دارسوه من أبرز كتاب عصره ببلاده مصر وخارجها، انتح الشعر والنثر، وجال في الادب والفلسفة والتاريخ والسياسة.. كتب عنه الدكتور شوقي ضيف: «هو تراث سيظل خالدا على الزمان، تقرؤه الأجيال المعاصرة والقادمة وتسيغه متمثلة فيه صورة حية نابضة من صور عبقريتنا العربية الحديثة». ومن قراءة عناوين كتبه التي أصدرها يتوضج جهده الإبداعي وشهادة له وما تركه للأجيال، من دواوينه الشعرية إلى دراسات في العبقريات والسير الشخصية الى وجهات نظر نقدية في شتى المجالات. نشرها موقع ويكيبيديا، حيث صدر أول دواوينه، يقظة الصباح (1916) وديوان وهج الظهيرة (1917) وديوان أشباح الأصيل (1921) وديوان أشجان الليل (1928) وديوان هدية الكروان (1933) وديوان عابر سبيل، ولحقه ديوان العقاد وديوان وحي الأربعين. وديوان أعاصير مغرب (1942) وختمها بديوان بعد الأعاصير.  وكما يلاحظ في العناوين انها توزع شعره على اوقات اليوم، وفتراته بين اليقظة والوهج واشباح واشجان الليل ومع امتداد العمر واعاصير الزمن. والعناوين هذه، كما تعرف في زمانه، تختصر اختيارات مقصودة يريد منها ما تدل عليه إضافة إلى محتوى نصوصها وتدرجاتها.. وتفرغ الى التراجم والعبقريات، وكان جديرا باختياراته لها، بدأها بكتابه؛ عبقرية محمد، الذي نشره عام 1940 وتلاه «إبراهيم الخليل أبو الأنبياء»، و«حياة المسيح»، ثم عاد سنة 1955 لكتابة «مطلع النور ــ فى طوالع البعثة المحمدية»، والحقها بالعبقريات الشهيرة: عبقرية عمر، وعبقرية الصديق، وعبقرية الإمام، وعبقرية خالد، وكتب «الصديقة بنت الصديق» (1943)، و«عمرو بن العاص» (1944)، و«الحسين أبو الشهداء» (1945)، و«داعي السماء بلال بن رباح» (1945)، ثم «فاطمة الزهراء والفاطميون» (1953) واصدر ما أطلق عليه بالاسلاميات: «الله.. بحث فى نشأة العقيدة الإلهية» (1947)، و«الفلسفة القرآنية» (1947)، و«الديمقراطية فى الإسلام» (1952)، ثم «الإسلام فى القرن العشرين.. حاضره ومستقبله» (1954)، و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» (1957)، و«المرأة فى القرآن الكريم» (1959) و«الإنسان فى القرآن الكريم» (1961)، و«التفكير فريضة إسلامية» (1961).. و«ما يقال عن الإسلام» (1963)، وكذلك أصدر كتبا عن عثمان بن عفان، وعمرو بن العاص ومعاوية في الميزان. وشخصيات معاصرة كسعد زغلول والشيخ محمد عبدة وغاندي، وعاهل جزيرة العرب، وهتلر، كما أخرج كتبا عن المعري وابن الرومي وابي نؤاس وشكسبير، إضافة إلى العديد من المؤلفات المتنوعة والمقالات الأخرى. وهي بمجموعها تلخص اهتماماته وقدراته وتطوره الفكري والأدبي وجهده الثقافي الواسع.

إنتمى العقاد سياسيا الى حزب الوفد، وأصبح عضوا  في مجلس النواب المصري، وعضوا في مجمع اللغة العربية، ودافع عن الافكار الديمقراطية واختلف مع الافكار الشيوعية، معتبرا "أن الديمقراطية هي التي تحمي البلدان والشعوب من الاضطرابات. وأن البلدان الديمقراطية هي التي تنتصر في الحروب، بينما تنهزم الدول القائمة علي الديكتاتورية."

اما كيف كانت طقوس العقاد فى الكتابة؟ فيجيب الدكتور شوقي ضيف، كما نقل إسماعيل الأشول عنه في ذكرى ميلاده في صحيفة الشروق: «يستيقظ فى الخامسة صباحا، ويفطر فى السابعة ويتصفح المجلات والصحف، حتى إذا كانت الساعة الثامنة انغمس فى كتابة بعض مؤلفاته لنحو ساعتين، يخلد بعدهما إلى الراحة قليلا».

وعن ملامح شخصيته يقول: «وهو ــ مع كرم طويته ــ يدمج فى عداد أصحاب المزاج العصبي الحاد، فأصغر شىء يهيجه، ولعل ذلك هو الذى جعله يكثر من خصوماته السياسية والأدبية، وهو كان لا يدخل فيها غالبا إلا إذا استفزه أحد خصومه، غير أنه كان إذا دخل فى خصومة لا ينكص على عقبيه أبدا، بل يظل مناضلا صائلا جائلا يدعو هل من مبارز؟».

واضاف شوقى ضيف، عاش العقاد «منذ مطالع حياته يؤمن بالعقل وأن الإنسان مسؤول أمامه عن عقيدته، بل لابد للعقل أن يسند العقيدة ببراهينه المنطقية، وهى فكرة توهجت توهجا شديدا فى مصنفاته الدينية أثناء المرحلة الأخيرة لحياته». وله مواقف متميزة، وسمات وصفته أو اتسم بها، سجلها له وعنه كتاب عايشوه ورووها في كتب صدرت ومقالات نشرت. من بينها، ما كتبه أنيس منصور عن العقاد من طرافة كانت واحدة من خصائص الأسلوب الحاد الذى عرف به العقاد، فيروي أنيس منصور فى كتابه عنه قائلا: عندما أعددت لقاء بين الأستاذ وبين مذيعة التلفزيون أماني ناشد ليذاع فى التلفزيون، تهيأت المرحومة أماني ناشد لهذا اللقاء، وأمضيت وقتا طويلا فى تدريبها على لقاء الأستاذ وحفظ الأسئلة (..) ثم نشرت صحيفة الأخبار أن الأستاذ العقاد سوف يتقاضى عن هذا الحديث 200 جنيه!.

وفى اليوم التالي حدثني الأستاذ عاتبا غاضبا: ما هذا الذي تنشرونه يا مولانا؟ هل كثير على رجل كالعقاد قرأ ستين ألف كتاب وأصدر ستين كتابا وأفنى عمره فى عالم الفكر والفن، أن يتقاضى هذا المبلغ؟.. إن مفعوصة مثل نجاة الصغيرة تتقاضى ما هو أكثر من ذلك فى عشر دقائق!.. يا مولانا إن بلدا يستكثر على العقاد مثل هذا المبلغ التافه، لبلد تافه، وصحافته أكثر تفاهة! ولم أعرف ما الذى أغضب الأستاذ. واستأذنته فى أن أعود إلى قراءة الخبر.. وقرأته.. وطلبته تليفونيا: يا أستاذ قرأت الخبر، ولم أجد فيه ما يغضبك.. وازداد غضب الأستاذ قائلا: ما معنى أن توضع علامة تعجب فى نهاية الخبر؟ ما هو العجب فى أن أتقاضى هذا المبلغ بينما يتقاضى طه حسين أضعاف ذلك دون أن يتعجب أحد؟.. ألا ترى أن هذا هو الذي يدعو إلى العجب. ولم أفلح فى إقناع الأستاذ أننا كثيرا ما نضع علامات التعجب دون سبب لذلك.

* نقطة حبر: يحاول بعض من ينتسبون للكتابة والسياسة استغلال اسماء مرموقة عناوينا لهم ويوقعون على بيانات من باب التعارض ولكنهم كما قال عنهم الشاعر معروف الصافي قبل عقود من السنوات:

لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن.... فالقوم بالسر غير القوم بالعلن

.....

لم يقصدوا الخير بل يستذرعون به.... رميا إلى الشر أو قصدا الى الفتن

 

كاظم الموسوي

 

سعد جاسمللشاعر الكبير الراحل: رشدي العامل

يبدو انَّ قضية السرقات الادبية كانت ولاتزال وستبقى قائمة في ظل غياب المعايير والاعراف والتقاليد والقيم الثقافية والاخلاقية في مختلف اوساطنا الثقافية العراقية والعربية.

حيث اننا نكاد كل يوم أن نقرأ ونسمع ونشاهد قيام هذا وذاك من اللصوص والادعياء والحمقى بسرقات ادبية وفكرية ومعرفية يندى لها الجبين ونشعر ازاءها بالاسى والخيبة والمرارة والانزعاج ازاء افاعيل {الهؤلاء} الذين لا يخجلون من انفسهم ولا يستحون عندما يقومون بسرقة وانتهاك نتاجات وأعمال وحقوق الادباء والكتّاب والمفكرين الذين يبذلون جهوداً كبيرة ويسهرون ويشقون ليلاً ونهاراً من اجل انتاج تلك الاعمال الابداعية ؛ والتي يهدفون من خلال تأليفها وكتابتها الى تثقيف وتنوير البشر كقرّاء ومتلقين وباحثين وطلاب علم ومعرفة وآداب وفنون ويسعون لتمكينهم من اكتساب وحيازة وعي علمي وثقافة شاملة ومعرفة فكرية وجمالية وروحية.  ومن المؤسف اننا وفي معظم الاوقات والاحايين يحدث ان نكتشف الكثير من هذه السرقات..  وقد حدثَ وبمحض مصادفة أن اكتشفتُ قيام المدعو {آدم المحمدي} بسرقة وإنتحال وتشويه قصيدة {الحسين يكتب قصيدته الاخيرة}للشاعر العراقي الكبير الراحل {رشدي العامل}

حيثُ ان هذا المحمدي كان قد قام بوضع اسمه على قصيدة الشاعر العامل بالشكل التالي:

{الحسين يكتب قصيدته الاخيرة}

 (شعر: آدم المحمدي)

وقام بنشرها في موقع {وكالة انباء براثا}على الرابط التالي:

http://ftp. burathanews. com/arabic/poetry/43453

والمؤسف والمخجل في أَمر هذا اللص المحمدي هو اعتقاده الوهمي والغبي بأننا كقراء ومتلقين وباحثين ومهتمين لسنا بالمتابعين لأغلب أو لكل ما نشر من قصائد ونصوص ومقالات ودراسات ادبية وفكرية ومعرفية في معظم المجلات والصحف والمواقع الالكترونية والثقافية منها على وجه الخصوص.

ولذا فقد قام بكل دناءة وتفاهة بسرقة هذه القصيدة المعروفة 

 والتي كان الشاعر رشدي العامل. رحمه الله. قد كتبها منذ زمن بعيد اعتقده في سبعينيات او ثمانينيات القرن  الماضي.  وكانت هذه القصيدة قد نُشرت في اكثر من مجلة وصحيفة عراقية وعربية ودولية.

والمخجل والمؤسف ان هذا السارق الوقح ؛ انه بفعلته السيئة هذه قد اقترف فعل الاساءة للامام الحسين وللشاعر الراحل ثلاث مرّات.  

المرّة الاولى: عندما سرق القصيدة بكل وقاحة وصلافة وضمير ميّت.

والمرّة الثانية: حينما قام متعمداً بجريمة ذبح وتمزيق القصيدة من خلال حذف بعض أبياتها وأسطرها وخاصة خاتمتها الرائعة؛

وثالثة: ان هذا السارق الاحمق قد لجأَ من اجل اخفاء جريمة سرقته الى تشويه القصيدة من خلال دمج ومزج ابياتها ومقاطعها وتحويلها الى ما يشبه النص السردي او المقالة او الخاطرة.  

والآن سأقوم ومن اجل الامانة الادبية والاخلاقية والتاريخية ؛

بنشر قصيدة {الحسين يكتب قصيدته الاخيرة}

 للشاعر الكبير الراحل {رشدي العامل}

وكذلك سأنشر النص الذي قام المدعو {آدم المحمدي}

بسرقته بلا خجل وبلا وازع اخلاقي وأدبي وإنساني

ومن ثم نشره في موقع {وكالة انباء براثا}

(الحسين يكتب قصيدته الاخيرة)

شعر: رشدي العامل

ها أنا الآن نصفان

نصف يعانق برد الثرى

ونصف يرف على شرفات الرماح

ها أنا والرياح

جسدي تحت لحدي

ورأسي جناح

ها أنا بين رمل الصحارى

ولون السماء

ها أنا في العراء

أنكرتني ضفاف الفرات

فلم الق قطرة ماء

فاقطع الآن من جسدي ما تشاء

سيفل الحديد الوريد

جرب الآن في جسدي ما تريد

ذاك رأسي

على طبق بارد يا يزيد

جرب الآن ما تشتهي هل تعيد

يوم بدر

إذا صهلت في الفيافي الخيول

أم تعمم سفيان

ترضي معاوية والوليد

لجناحي ترف الغصون

وترنو إلي البتول

يقبل ثغري المدى الصحابة

يبكي علي الرسول

فاضرب الآن في جسدي يا يزيد

وزع الآن ما يشترى

وزع الآن من جسدي دمه

لحمه

ثغره

حلم عينيه،  فاليوم عيد

غير ان السماوات تبكي

وثغر النبي يقبل ثغر الشهيد

* * *

زينب

وحدها في البراري

تحمل الرأس

رأسي إلى الشام

حتى الرمال

أخرجت ما تضم من الماء

وانسل من جوفها النهر

يدعو تعال

أيها الرأس أسقيك ماءً زلال

* * *

وحدها في البراري

زينبٌ تلثم الرأس

كي تستفيق الصحاري

زينب وحدها

بين رأسي مخضبة والرجال

ذاك ابني

تناوشه في الصحاري الخيول

فاستفيقي إذن يا بتول

أيقظي السيف في كف حيدر

سلي من النوم عين الرسول

* * *

ذاك رأسي تبعثر بين الرؤوس

بين برد السفوح ورمل الصحاري

صارخا بين نوم الحمام وضرب الفؤوس

ويزيد تمطى بحضن الجواري

عاريا مثل صبارة في القفار

وأنا ارتدي الدم احمر كالجلنار

وأغطي جبيني المخضب بالأرجوان

تلك عيني مفتحة

وعيونك مغمضة يا يزيد

هيئ الآن غرسك،  فاليوم عيد

* * *

في أعالي الفرات

صعدت للسفوح الظهيرة

مرت بها زينب تحمل الرأس

صامتة في الفلاة

فانحنى النخل

واستيقظ الماء في السعف

أنت صخور الفرات

وخطت على دربها القبرات

* * *

زينب في الفلاة

زينب في أعالي الفرات

مرحبا يا فرات

خانك الماء في الصيف

واستل منك المياه

أنت أغرقت في ساعة الصفر أرواحنا المزهرات

وسطوت علينا

سرقت نواعيرنا المثقلات

مرحبا يا فرات

أيها العاشق الشيخ،  خان العهود

حجبت حماماتنا

ثم أطلقت فينا الفهود

فالنجوم مسورة

والصباحات سود

جرب الآن ما تشتهي يا يزيد

جسدي في ثرى كربلاء

ورأسي بعيد

عانقتني السيوف الصفاح

وغزتني الرماح

ومشت فوق ما بعثرتني الخيول

غير ان السيول

حين تأتي

ستجفل من صوتها صهوات الخيول

* * *

تتوهج في جسدي جمرتان

تتفتح في محجري زهرتان

تتمايل فوق الجبين المخضب

تقفو خيوط الدم

في وجنتي

خصلتان

ها هنا عالمان

بين روح تفر من الجسد المطمئن

وجراح تنز

هنا عالمان

عالم خانه ناسه

وثاني سيأتي على مهل لم يخني

جرب الآن في جسدي ما تريد

فسأبقى الحسين

وتبقى

إذا ذكر الناس

هذا يزيد

* * *

غادرت نزهة العيد

هذا أوان الحساب

أوقدي الجمر في موقدي يا رباب

ودعي قطرة من دمي تتمشى مع الماء

في قهوة الصبح

عل الفناجين تسقي الشفاه

ولعل الوجوه التي أنكرتني

تغسل أهدابها بالمياه

ولعلي أعود

على غيمة من وعود

بين برق تلألأ في أفقكم والرعود

سيهز الجزيرة صوتي

ويوقظ حتى اللحود

* * *

منذ ألف تقمطني الأمهات

ويرضعنني من حليب الصدور

منذ ألف تكفنني الثاكلات

ويغرسن حولي النذور

منذ ألف يحس الجذور

دمي المستباح

إلى نخلة في أعالي الفرات

منذ ألف أدور. .  أدور. . .  أدور

وأبقى أدور

مرحبا يا فرات

مرحبا يا فرات

............

(النص الذي قام بسرقته وذبحه وتشويهه المدعو آدم المحمدي)*

منشور على الرابط التالي في وكالة اخبار براثا

http://ftp. burathanews. com/arabic/poetry/43453

{الحسين يكتب قصيدته الأخيرة}

( شعر: آدم المحمدي)

ها أنا الآن نصفان، نصفٌ يعانق برد الثرى، ونصف يرف على شرفات الرماح. ها أنا والرياح. جسدي تحت لحدي ورأسي ضياع. ها أنا بين رمل الصحارى، ولون السماء.  ها أنا في العراء. أنكرتني صفات الفرات، فلم ألق قطرة ماء. في رمال الجزيرة ضيعتُ أسمي، وغادرني الأنبياء.  فأقطع الآن من جسدي ما تشاء. سيفلُ الحديدَ الوريد.  جرب الآن في جسدي ماتريد. ذاك رأسي، على طبقٍ باردٍ يا يزيدْ.  جرب الآن ما تشتهي.  لجناحيَّ ترف الغصون وترنوا الي البتولْ. ويُقَبل ثغري المدمى الصحابة. يبكي عليَّ الرسولْ ( ص ). فأضرب الآن في جسدي يا يزيد. وزع الآن ما يشترى. وزع الآن في جسدي دمه،  ثغره، حلم عينه،  فاليوم عيدْ. غير أن السموات تبكي، وثغر النبي يُقبلُ ثغر الشهيدْ. زينبٌ وحدها في البراري، تحمل الرأسَ.. ؟رأسي إلى الشام. حتى الرمال حتى الرمال. أخرجت ما تضم من الماء، وأنسل من جوفها النهر، يدعو... ؟تعال.  تعالْ.. أيها الرأسُ أسقيك ماءً زلال وحدها في البراري زينبٌ تلمُّ الرأس، كي تستقي منها الصحارى.. زينبٌ وحدها. بين رأسي مخضبة والرجالْ. ذاك أبني تناوشه. في الصحاري الخيول. فاستفيقي أذن يا بتول، أيقظي السيفَ في كفِ حيدرَ،  سلي من النوم عين الرسول (ص)ذاك رأسي تبعثر بين الرؤوس. بين برد السفوح، ورمل الصحاري. صارخاً بين نوح الحمام،  وضرب الفؤوس ويزيد تمطى بحضن الجواري.  عارياً،  مثل صبّارة في القفاز. وأنا أرتدي الدم الأحمر كالجلنار (١) وأغطي جبيني المخضب بالأرجوان. تلك عيني مفتحة،  وعيونك مغمضةً يا يزيدْ. هيأ الآن عرسكَ،  فاليوم عيد. في أعالي الفرات.  صعدت للسفوح الظهيرة، مرت بها زينبٌ تحمل الرأسَ، صامتة في الفلاة. فانحنى النخل.  وأستيقظ الماء في السعفِ،  أنَّتْ صخور الفراتِوحطّت على دربها القبرات ( 2 )زينب في الفلاة. زينبٌ في أعالي الفرات. مرحبا يا فرات، خانك الماء في الصيفِ، واستلَ منك الحياة. أنت أغرقت في ساعة الصفر.  أرواحنا المزهراتْ. وسطوت علينا. سرقت نواعيرنا المثقلاةْ. مرحبا يا فراتْأيها العاشق الشيخُ.  خان العهودحجبت حماماتنا، ثم أطلقت فينا الفهود. فالنجوم مسورة. والصباحات سودجرب الآن ماتشتهي يا يزيدْ. جسدي في كربلاء، ورأسي بعيد. عانقتني السيوف الصفاحوغزتني الرماح. ومشت فوق ما بعثرتني الخيولْ. غير أن السيول حين تأتي، ستجعل من صوتها صهوات الخيول تتوهج في جسدي جمرتان. تتفتح في حجري زهرتان. تتمايل فوق الجبين المخضبِّ. تغفو خيوط الدمِها هنا عالمانْ. روحي تفر من الجسد المطمئن. وجراحي تنزف. ها هنا عالمانْعالمٌ خانه ناسه. وثانٍ سيأتي على مهلٍلم يخُني. جرب الآن في جسدي ما تريد سأبقى الحسين. وتبقى إذا ذكر الناسُ. هذا يزيدْغادرتُ نزهت العيدْ، هذا أوان الحسابْ. أوقدي الجمر في موقدي يا رباب. ودعي قطرات دمي، تمتزج في قهوة الصبح،  علَّ الفناجين تسقي الشفا هو لعل الوجوه التي أنكرتني،  تغسل أهدابها بالحياة. ولعلي أعود. على غيمة من وعود

سعد جاسم

............

 الجلنار: وردة صاخبة الاحمرار(1)

( 2 )القبرات: أي الحمامات