رحيم زاير الغانمإنَّ قراءة متأنية لمصطلح أدب الأطفال، تعني أنَّ للأطفال أدبا خاصا بهم يرعى هذه الفئة العمرية وتوجهاتها وانطلاقاتها، ويرعى كذلك مهاراتها اللغوية التي تعدُّ المحور الرئيس الذي ينطلق منه الأديب، في ضوء مستوى إدراك هذه الفئة من البشر، ليشعرهم بالمتعة العقلية والعاطفية، فهو بذا يستهدف النمو العقلي ويشحذه ليصل بهم إلى الإرضاء الفكري والتنويري، فالأطفال هم اللبنة الأولى التي تستند عليها الأمم في بناء آمالها و طموحاتها، أما التنامي العاطفي، وكما نعلم  بحسب علم النفس الحديث، في تحديده لسني الطفولة، هي الفئة العمرية من عمر أشهر إلى مرحلة المراهقة، لذا يكون  الطفل خلالها تحت رعاية الأسرة المباشرة، يستمد منها الحنان، أو تحت رعاية (رياض الأطفال والتعليم الابتدائية) ليتفتح عقله ويتنور فكرة في سنيه المبكرة، لذا فالطفل يبقى ينمو في رحم تسوده العاطفة وتنمية القدرات المعرفية والعقلية.

إنَّ الاهتمام بأدب الأطفال في شتى أنواعه (القصة، المسرحية، الشعر، ) أو الفنون الجمالية مثل (الرسم والنحت والموسيقى)، من شأنها أن تصنع لنا أجواءً ملائمة وصحية في نفس الوقت، لصنع جيل يتلمس الجمال والأدب، مرتكز على قيم تستهدف استنهاض طاقاته الإبداعية، وتتمكن من رسم ملامح شخصيته المستقبلية بما تحقق من معرفته  للأشياء، مستفيدا من الجو الثقافي الذي يخلق لديه وعيا مبكرا في شتى المجالات، كالأدب أو الفنون الأخرى، والأخذ من معينها الذي لا ينضب، وهذا يتجلى من خلال الاستعانة بوسائل الثقافة الحديثة التي من شأنها  منحنا مواكبة ما وصلت إليه الأمم الأخرى، في مجال الأدب والفن أو في مجال الدراسات النفسية الحديثة، التي تضع الأطفال ونشأتهم نصب أعينها.

نجد أنَّ أدب الأطفال استقر كنوع أدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وأتى هذا من خلال ما مرت به أوربا والعالم بشكل عام من ويلات أتت على البشر عموما والطفل خصوصا، فالأمم العظيمة تتنبه للأفراد الذين يشكلون عمودها الفقري، فالطفل مورد بشري هام، ورعايته من ضمن مسؤولية المؤسسة الثقافية الرسمية، أو مؤسسات أخرى مستقلة لكنَّها فاعلة لتمتعها بشخصية معنوية، من كلِّ هذا نجد تجربتنا مع الحرب كأمة ليس أقلَ شأناً من تجارب الأمم الأخرى، ولكي نتمكن من مواجهة آلة الحرب وويلاتها، يجب علينا، الإسهام في خلق جيل (يؤمن بالسلم، يؤمن بالآخر)، من خلال إيمانه بفاعلية الأدب في تأهيل الإنسان، وأن نسجل للأدباء والفنانين العراقيين تجاربهم التي يشار لها بالبنان، لكننا اليوم نشكو ندرتها أو غيابها التام في بعض المجالات، وقد يتجه البعض إلى وضع اللوم على فئة الشباب على اعتبار أنَّها فئة/ جيل، بعيدة عن القيم وغير مؤمنة بالمواطنة، وقد يذهب البعض أكثر إلى القول بعدم انضباطها، ونتساءل من أين يأتي الالتزام بالقيم أو التحلي بالانضباط -لكي نكون موضوعيين- أن لم نؤمن بخلق الفضاءات الملائمة؟ أو العمل على تواصل الأجيال معرفيا وثقافياً، ولا نخجل أن قلنا، لقد أُسس لثقافة إهمال الشباب واستفحلت هذه الثقافة لتشمل إهمال فئة الأطفال، على الرغم من رفع شعارات فضفاضة (الأطفال، شباب المستقبل وعماد الأمة)، الأمر الذي أحدث شرخا كبيرا لا يمكننا رأب صدعه ما لم تتكاتف جهود الجميع من أجل إقامة ندوات وورش تأخذ على عاتقها نشر الوعي، بفاعلية أدب الأطفال في صنع الإنسان.

قد يرى البعض الكتابة في مجال (الشعر، المسرح، القصة) للفئات العمرية الصغيرة/ الأطفال، مضيعة للجهد، وان الكتابة للكبار تأتي أُكُلُها، وهي بحسب هذه الحسابات النفعية الضيِّقة، ستشكل عائقا كبيرا- يجب علينا الإقرار به- ولأجل إنجاح مشروع تنشيط أدب الأطفال، وإعادته إلى الواجهة الثقافية، يجب أن يعمل الجميع سواء أكانوا أفرادا أم مؤسسات أدبية أو فنية، على خلق جوٍ نقي خالٍ من شوائب الحرب و أدران الأفكار المتخلفة التي قوضت عديد الفنون والآداب الحيَّة، وكذلك إشاعة روح المحبة والوئام والسلم وحرية الفكر والتوجه وحقّ الإنسان في الحياة، للمساهمة في خلق جيل يؤمن بالأخر.

 

رحيم زاير الغانم

 

رائد عبيسحققت فكرة الاسبوع الثقافي في جامعة الكوفة بكل نسخها العشرة، تجربة ثقافية وعلمية وإدارية ناجحة، وهذا النجاح لا يمثله التقييم الذاتي لمن خاض تجربة فردية في نشاطاته، بل مثل إنعطافة كبيرة في توجيه الجهد الجامعي للأساتذة والطلبة والإدارة ليكون تقييم جماعي لهذا النشاط الكبير تختزله كلمة النجاح بكل معانيها.

تركت النسخ من الاسبوع الثقافي التي كان فيها تنوع في مشاركات بقية الجامعات العراقية اثر مختلف، تمثل بتعزيز أبعاد كثيرة تنتهي كلها إلى تعزيز البعد الأهم والأكبر الا وهو الهوية الوطنية، مشاركة الجامعات العراقية ولاسيما الشمالية والجنوبية التي فيها تنوع طائفي وعرقي وحتى ثقافي خلف انطباع جديد لمعنى المشاركة والاحساس بالوطن والوطنية، اذ نجد أن مشاعر الوطنية تستيقظ من جديد، في نفوس كل من يشاهد فعاليات الاختلاط بين طلبة الجامعات العراقية الأخرى ونشاطاتهم التي تحيي ذلك الاحساس بطرق مختلفة، مرة بسماع النشيط الوطني معا ، أو التفاعل مع مسرحية تحمل الهم الوطني المشترك، أو انشودة تتغنى بحب العراق، أو بلوحات فنية ومنحوتات ورسومات تظهر البعد الحضاري والهوياتي في مشاعر المشاركين والحاضرين. وهذا ما شاهدناه في دموع الحاضرين وانفتاحهم النفسي والثقافي على فكرة التفاعل عبر برامج الاسبوع الثقافي وفقراته المتنوعة التي أظهرت مواهب طلابية كبيرة وطاقات شبابية مفرحة، في أكثر من مجال أبرزها المسرح والرسم والأناشيد الجماعية والقصائد الشعرية والتلاوة القرآنية والمنحوتات وغيرها من الأعمال اليدوية، ففكرة وبرامج الأسبوع الثقافي نفست عن هذه الطاقات الخلاقة ، وأتاحت فرص صنع الحياة بروح الشباب ، وفتحت باب الأمل للتعبير عن الذات ، بالموهبة واكتشافها، أو بالثقافة المحلية و الفرعية التي يمتلكها الطلبة المشاركون ونقلها إلى بيئة جامعية ومجتمعية جديدة، أظهرت عند هؤلاء الطلبة روح السلام الوطني ،ورغبة التعايش السلمي، والانفتاح على الآخر المختلف عنا بيئياَ أو ثقافياً أو دينياَ أو حتى لغوياَ. هذا الانطباع وفره اسبوع من النشاطات والفعاليات والتواصل بين أبناء البلد الواحد، ليعبروا عن هويتهم الوطنية بروح جماعية. فليكن الأسبوع الثقافي في جامعة الكوفة أسبوعاَ وطنياَ و إن تحذوا جامعاتنا العراقية خطواته.

 

الدكتور رائد عبيس

 

صادق السامرائيمفكرون حضاريون إنسانيون مؤثرون في الواقع الأرضي عبر الأجيال، لكنهم يميلون للإنتحار الذاتي والموضوعي بإقترابهم من القرآن، وأخذه نحو مذاهبهم ومدارسهم الفلسفية مما يدفع إلى وقوعهم في قبضة المحذور.

وما غيروا واقعا ولا إستطاعوا أن يصنعوا حالة ذات قيمة حضارية متصلة بالدين، وإنما أسهموا في التداعيات المتوالية والفرق المتحاملة على بعضها.

فلماذا هذا الميل الخسراني عند المفكرين؟

لماذا لا يتوجهون إلى بناء آليات التفكير العلمي؟

ولماذا لا ينشرون ويعلمون ثقافة السؤال؟

لماذا أغفلوا بناء العقل، وركّزوا على النص القرآني والتأويل والتفسير والقول في موضوعات قد تحسب خارج قدرات البشر وليست بمتناول عقله؟

لماذا هذه الوسوسة بالنصوص القرآنية؟

هل يحصل مثل هذا عند الهندوسيين والبوذيين وغيرهم من أصحاب الديانات العديدة في الدنيا؟

هل يتجرأ مفكر هندي أن يعيد قراءة النصوص الهندوسية أو البوذية ويقرؤها كما يحلو له؟

إن الأديان حاجات نفسية أساسية تفرضها الغيبية الفاعلة في أعماق اللاوعي البشري، ولا يمكن للبشر أن يتواصل بلا دين، فلكل مخلوق دينه، حتى الذين نسميهم ملحدين لديهم دينهم.

فالغيبية قوة تفرض نفسها على الواقع البشري، وتجبره على أن يتخذ دينا لكي يقنع نفسه ويطمئن إلى أنه  يعرف بمبتدأ وخبر رحلته فوق التراب.

وهذا التحدي الغيبي لم يكن جديدا وإنما هو أزلي ومرافق للبشر منذ أولى خطواته، ولهذا فأن أول ما بناه المعابد، وإنطلق في التفاعل مع الآلهة حتى توصل إلى صيغة الإله الواحد في بعض الأديان، وكذلك الرسل والأنبياء.

ولايمكن إخضاع الإعتقاد بدين للمحاججة العقلية والطروحات الفلسفية، لأن البشر ينتمي عاطفيا أو قلبيا إلى ما يعتقده، وبعد ذلك إذا تحرك عقله  فأنه ضمن القبضة العاطفية التي رسّخت المعتقد في كيانه.

ومن هنا فأن المفكرين والفلاسفة  عندما يقحمون عقولهم ونظرياتهم وإجتهاداتهم في الإعتقاد، يتحولون إلى غرباء، وأعداء للدين والمعتقد ويتم تكفيرهم وإنهاءهم بما ليس فيهم من قبل علماء الدين بمختلف درجاتهم،  فيجمعون على قتلهم ونبذهم وسجنهم، وكافة المفكرين الذين أصيبوا بغضب السلطان  كان بدافع من الذين يقومون على الدين.

فهم الذين أعلنوا وجوب التخلص منهم وإعتبار ما يأتون به هرطقات وخطر على وحدة الأمة والدين.

ولا يزال المفكرون  يسيرون على ذات السكة ولا يغيرون شيئا، بل يزداد التطرف تطرفا والغلو غلوا والأصولية تتنامى بسبب ما يطرحونه، فيستقبله الآخرون على أنه تهديد وهجوم على وجودهم، فيعادونهم وينكرونهم ويكفرونهم ويفتون بمحقهم.

وهكذا تجدنا أمام موجات تكفير المفكرين والفلاسفة والسبب فيهم وليس في المجتمع.

ولا بد للمفكرين  أن يستفيقوا ويقتربوا من الواقع بأسلوب آخر لضمان الأخذ بالعقل إلى دنيا العصر، وعدم التأسن أو التمحن في ذات الحفرة التي إندفنت فيها الأجيال تلو الأجيال.

فالمجتمع  لا يحتاج لتأويلات وقراءات جديدة للقرآن، ولا لمواجهات مع الأصوليين والمتمذهبين وغيرهم، المجتمع  بحاجة إلى تعلم آليات التفكير العلمي والإيمان بالجد والإجتهاد، وبناء الثقة بالنفس والقدرة على الإبتكار والتطور .

عندها سيتناسى ما يمنعه من التفاعل مع عصره المشرق مثل أبناء الدنيا المساهمة في تنمية أنوار الحضارة المعاصرة، فكلما تنور علميا إنحسر الظلام والبهتان في رأسه، وأبصر نور الحياة وسار في دروبها الواضحة المنورة بالمعرفة والجلاء.

فهل سيرعوي المفكرون ويتحررون من دائرة التأويل والتفسير المفرغة، والتي لا تجدي نفعا، بل تستولد الأضرار والدمار؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

رحيم زاير الغانممن خلال فحص بسيط لعلاقة المثقف بالمجتمع، يمكننا استشراف البون الشاسع بين الاثنين مهما حاول المثقف تبني هموم وتطلعات مجتمعه ، قد نعزوه لعدم تقبل المجتمع لدور المثقف وفاعليته في التوجيه والتغيير والرصد الذي من شأنه تقويم عمل المنظومة المجتمعية ككل، لذا صار لزام على المثقف تبّني مشروع يهدف إلى ردم الهوة التي فرضتها تراكمات عقود منصرمة، مشروع من أولوياته أن يأتي بخطاب جاذب للجماهير، إذن نحن في مواجهة تحدٍ جديد، تقع مسؤوليته على عاتق اللاعبينِ الأساسينِ المثقف والمجتمع، إن أرادا الاستمرار معا، فالهوة على ذلك في اتساع والأزمة في تفاقم، والخصومة على أشدها، قد ينتج عنها ترك بعضهما الآخر ليخوضا غمار التجربة لكن منفردين، غير مكترثين لقصر المدى الذي يمكن لهما التحليق به بجناح واحد، صراحة في ضوء ضيق الأفق هذا قد لا يتيح لهما فرصة تحقيق نتائج ايجابية يعتد بها  مستقبلا.

لذا نجد من الضروري التصالح عبر خلق جو من الانسجام يأذن للتواصل، الذي من شأنه تذويب جبال الجليد المتوهمة، فلا مثقف بمعزل عن مجتمعه والعكس صحيح، إنَّ المجتمع بما يحمل من موروث مجتمعي أو مورد بشري هام، باعتبارهما مادتا المثقف الأساسيتين فلا ثقافة من دون تراث يستمد المثقف أصالته وعمقه الإنساني، ولا ممارسة تعقب أي نهج من دون قوى فاعلة على الأرض يمكنها تنفيذ المشروع، إذا اتفقنا، أننا قبالة مشروع حقيقي يحمل لوائه مثقف ايجابي، فاعل ضمن هذه المنظومة المجتمعية.

ان على المثقف ان يعمد إلى استحداث خطاب بمقدوره التصدي للمشاريع المشبوهة التي تحاول مصادرة فاعلية المنظومة المجتمعية، بتراثها وقواها النَّشطة/ شريحة الشباب أنموذجا، عبر تبني مشروع توعوي خالٍ من الضبابية والإيهام ليجلي بذلك سوداوية وظلامية المشاريع الأخرى، واضعا في الحسبان ان تلك المشاريع قد أسست لنفسها قواعد مادية ومعنوية، أمنت بها شريحة عريضة من فئات المجتمع المستهدف نفسه، كما خلقت أجواء مناسبة لديمومتها ومقاومتها لظهور أي منافس جديد، عبر بثّ ثقافة الإقصاء والنبذ أو التخوين ان لزم الأمر، لذا لا يمكننا ان نعد مسؤولية المثقف هيِّنة، كذلك لا يجب على المثقف أن يأتي بمشروع يحمل سمة إسقاط الفرض، وان جاء محملا بهذا المُتبنى، يجب عليه المراجعة المستفيضة، قبل الإقدام والتحرك في ظل هكذا تحدي، خشية أن تأتي ردة الفعل في ترسيخ رؤى وأفكار تلك المشاريع الظلامية، من المؤكد نحن لا ندعو للقنوت بقدر النظر إلى الأمور من زاوية الاعتراف بإمكانيات الآخر، إنَّ التحدي لا يعني إثبات عبثية تلك المشاريع أو إبراز الشبهات التي تحوم حول مُتبنياتها فحسب، بل أن التحدي هنا يكمن في وعينا إلى مدى تأثيرها وفاعليتها في المجتمع، والتحرك في ضوء هذه المعطيات.

نحن نبتغي مشروعا رصينا وخطابا يعي خطورة المرحلة التي نمرُّ بها، اخذين بنظر الاعتبار إننا في مواجهة مشاريع كبرى، لها إمكانية التشظّي إلى مشاريع متناهية في الصغر/ مشاريع ناعمة، لكنَّها متعاظمة في التأثير، وكل هذا متأتٍ من مقبولية تسويقها، لذلك نرى أنَّ الأمر يدعو المثقف إلى التنبه لوعورة الطريق، وقساوة المسلك وفداحة التضحيات التي سوف يقدمها قرابين في مذبح الوعي المجتمعي، بمجرد الإتيان بمشروع مغاير، لذا أن من أولويات نجاح المشروع، الإيمان بقضيته العادلة، واليقين الراسخ بقدرته على التغيير، بمواجهة الكلمة بالكلمة والفكر بالفكر والموقف بالموقف، مع ترك فضاء الوعي مفتوحا، ومساحات المطاولة إلى ملا نهاية، مادام الهدف سامٍ والمبتغى نبيل.

 

رحيم زاير الغانم

 

عقيل العبودالإنطباع ولادة فكرة، أوصورة داخل الذهن عن شخص ما اوموصوع..

وهذه الصورة لها علاقة بالشعور، والشعور وظيفة سايكولوجية ترتبط بالعقل، او بالنظام العصبي الذي يدخل فيه الدماغ. والدماغ يمثل طريقة تفكير الإنسان بالموضوعات والقضايا. والانطباع ببساطة من كلمة ينطبع، ما يذكرني بالكاميرا الضوئية ايام زمان وطريقة التقاط الصورة والورق ومواد الطباعة الخاصة بالمحاليل والتثبيت الورقي للتصوير.

وسؤال البحث  انه كيف يمكن ان يتم خلق هذا الانطباع لدى الانسان، هل من خلال النظرة الاولى، ام من خلال التجربة الإجتماعية، اي العشرة؟ هنا بحسب التجربة ان النظرة الأولى للإنسان هي التي تخلق الإنطباع، اما العشرة، اوالمعاشرة فمعناها تطوير التجربة الحسية او مطابقة التعامل السلوكي بناء على لغة الانطباع impression.

فَلَو تم التعرف على فلان من الناس من خلال جلسة جماعية بعد تمييزه عن الاخرين من نظراته، ثقافته، طريقة حديثه، مظهره العام، ستكون دائرة، اومساحة تعاملنا معه بقدر مساحة الانطباع الذي تكوَّن لدينا اثناء جلسة التعارف. وهكذا تنطبق الأشياء على مسألة تعاملنا مع الموضوعات المختلفة. فقراءة عنوان على صفحة معيّنة، يعطينا انطباعا عن موضوع ما يراد ان يقال.

اذن الانطباع تشكل أولي للصورة، وهو مفتاح به نستعين للدخول عبر البوابة الى هرم اوثقافة الموضوع لمعرفة التفاصيل اوالمكونات الاخرى لاحقا ومن خلال معايشة هذه الفكرة اوتلك.

اذن الانطباع فكرة تلد  لتنمو من خلال السقاية والمعاشرة والمعايشة، practice and cohabitation to create your deep impression toward the   .concept of the subject or the character

وهذا مهم في تطوير الافكار تجاه القضايا بغية إيجاد الحلول الصحيحة للتعامل معها.

 

عقيل العبود 

 

رحيم زاير الغانمقد لا تخلو امة من الأمم من هوية ثقافية تحفظ لها موروثها الاجتماعي والديني واللغوي، حتى ان الهوية تتعدد إلى: هوية فريدة وهوية جماعية وهوية وطنية، فالهوية الفردية تمثل توجهات الفرد وأماله وطموحاته وطقوسه الدينية والاجتماعية، على اعتبار أنها نسق فرعي فاعل ضمن انساق منظومته الاجتماعية الفرعية الأخرى، التي تمثل مجتمعة النسق العام للهوية الثقافية للأمم والشعوب، والفاعلية تأتي من خلال تماهيها مع الأنساق سالفة الذكر، لتعد الهوية الفردية جواز عبور إلى الهوية الجماعية، من اجل تحقيق الذات ضمن النسق الأرحب، حتى إننا نجد هذين الهويتين يصبَّنَّ في بوتقة ثقافية واحدة، يمكننا توصيفها بالهوية الوطنية، الهوية المعبرة عن ذات الأمم الحيَّة التي من شأنها تنمية القدرات البشرية من ناحية الانتماء هذه المرة.

ولكي نحافظ على الهوية الوطنية، يجب الحرص على الهوية الفرعية ممثلة بهوية الفرد، اللبنة الأولى/ المؤسس الأول، لنواة تؤهل إلى الهوية الجماعية/ المجتمعية، فلا هوية من دونها، فالعادات والتقاليد والطقوس الدينية والأدب والفن، تعد نسقا فرعيا/ فرديا، تسرب إلى الجماعات ومن بعده إلى المجتمعات التي تكونت بفضل تنامي قدرات إفرادها معرفيا واقتصاديا، كي تتمكن من ترصين منظومتها.

 فكما نعلم ان الإنسان البدائي مثلا، اجتهد في معرفة الأشياء/ الطبيعة، من حوله  لحاجة الكشف عن سر ديمومة الحياة، بالإضافة إلى البحث عن القوت، لذا نجده في بحث دؤوب عمَّن يوفر له الأمان، مما يحيط به من مخاطر، محسوسة، يمكنه تلافيها كالجوع والبرد، أو غير محسوسة يقف حائرا أمامها كالخوف من الموت أوالشعور بالمرض، فأسس طقوسا خاصة بمنظومته الدينية، التي كانت عبارة عن شعائر ساذجة، اعتنقها وأسس لها مجتمعيا، فكانت تمثل هويته الثقافية آنذاك، وعلى الرغم من بساطتها وبدائيتها، لكنها هوية يمكن ان تقع تحت تصنيفنا الآنف، ممثلة بالهوية الفردية والهوية الجماعية، ومن ثم توسعت بعد حقب طويلة، ليؤسس للهوية القبيلة/ الوطنية حاليا، لغياب المنظومة الرسمية بمفهومها الحديث، وقتها، ومن الجدير بالذكر ان الهوية الثقافية للإنسان البدائي، كانت هوية راسخة على الرغم من بدائيتها، قد تُعلل بسذاجة العقل البشري/ الإنسان البدائي، إلا انه امن بموجد للكون- مهما كان هذا الموجد أولاً-، وللحاجة الماسة له ثانياً، لذا نجد الفرد/ الإنسان البدائي، هو من حقق ترسيخ الهوية، مع بساطة ما يحمل من مُعتقد.

وقد نجد العكس عند الأفراد والمجتمعات في عصرنا الحديث، فضياع الهوية أو تضييعها السمة الأبرز في ضوء ما يدور حولنا من انهيارات كبرى ضمن المؤسسة الأسرية الحاضن الفعلي للفرد، على اعتبار أنها نسقا فرعيا ينمو بجوار انساق اجتماعية ودينية قد تتنوع، لكنها لا تتقاطع فيما بينها، لما تحمله من ارث اجتماعي وثقافي واحد، مع حرصها على تنميته ضمن المنظومة المجتمعية الاشمل، بل ان الأسرة/ مجموعة الإفراد، تعمل على خلق هوية فرعية تحمل نسقا ضيق الرؤية، لا يمكنه ان يسلك طريقا إلى الأنساق الفرعية الأخرى، لانحساره بنفق فئوي منعزل، لا ينتمي لجذر ديني أو مجتمعي، مضاف إليه ما مر به الفرد من تسلخات من الداخل، ما احدث خرقا في المنظومة المجتمعية، جاء هذا من عدم استقرار المؤسسة الرسمية، لذا يمكننا عدَّ استقرارها من أسباب الشعور بالمواطنة، الذي بدوره يعمل على تصاعد في معدلات الانتماء إلى الهوية الوطنية، كونها النسق العام، الذي يوفر الأجواء المناسبة لتواشج الأنساق الفرعية التي هي عماد منظومته الوطنية، فالتقلبات السياسية والاقتصادية لها تأثيرها السلبي على نفسية الفرد، وما دام الفرد في اضطراب وتشتت، فان المنظومة المجتمعية في خطر داهم، والخطر متأتٍ هنا من الفرد، الذي يعتبر أهم البنى الفاعلة فيه، إذاً خلق الانتماء، يتوقف على إيكال الفرد مهمة البناء الحقيقي، ضمن فلك الوطن، فهو النواة لكلِّ فعل يمكننا من خلاله تحقيق نتائج ايجابية، وما دمنا ننمي الفرد، كونه المورد البشري الهام، يكون بمقدورنا تنمية الأسرة والمجتمع والوطن، بطاقات مؤمنة بالهوية الثقافية للأمة مع الحفاظ على إيمانها بهويتها الفرعية، لذا تبدو الهوية الثقافية في ضياع لما تمَّ ذكره، وقد تكون تحت طائلة التضييع ان تمَّ تجاهل أسباب تناميها كونها الممثل الحقيقي لتراث الأمة الديني والفكري والاجتماعي، فلا أمة أو شعب من دون هوية.

 

رحيم زاير الغانم

 

تارا ابراهيملدى قراءتي لرواية أليف شفق بعنوان حليب أسود، رأيت ان هنالك شيئا مشابها ما بيني وبينها.. علما انني لست بكاتبة محترفة مثلها ولم اكرس حياتي كلها للكتابة بل كاتبة هاوية أحاول ان اعبر عن نفسي وعن امور اجدها ممتعة او قابلة للتفكر واود ان اوصلها الى القراء. في هذه الرواية، تتكلم الكاتبة عن قلقها إزاء انجاب طفل كون انجابه سوف يعيق مهنتها ككاتبة، وكل الرواية تدور حول هذه المسالة من خلال مناقشات بينها ومابين اربع نساء صغيرات تعشن في داخل الكاتبة كل لها شخصيتها وكل منها لديها وجهة نظر خاصة في هذا الموضوع ما بين مع او ضد.

التوافق مابين العمل والعائلة أمر صعب وخصوصا لدى المرأة العصرية التي تحاول ان تلحق بركب ما يحدث حولها من امور، ما بين اساليب التربية الحديثة ودراسة سايكولوجية الطفل، وما يحدث في عملها من خلال تقديم افضل ما لديها كي تكون فعالة، ولها وقع في مكان عملها.. وفي نفس الوقت فهي إمرأة تحاول ان لاتنسى انوثتها وتسعى أن تكون زوجة جيدة ومثالية..

تصلني رسائل كثيرة تتساءل لماذا انقطعت عن الكتابة، فقرائي الذين تعودوا على قراءة مقالاتي كل يوم خميس ولسنوات خاب ظنهم واصبحوا يتضائلون شيئا فشيئا.. فالكتابة تحتاج الى اهتمام، اهتمام بالقراء وبما يفكرون وتحتاج الى التواصل الذي فقدته انا.. فمنذ ولادتي لطفلي الثاني اصبح الوقت لايتسع لكل ما أود ان افعله او أن أوفي بكل الالتزامات، فقررت التضحية بالكتابة.. في بعض الاحيان كانت تراودني افكار لمقالات وكنت ادون هذه الافكار كي لا انساها .. وتنتهي هذه الافكارعلى اوراق ومن ثم في سلة النفايات..

في الحقيقة ان السبب الذي منعني من الكتابة ربما يكون وقتي الذي لايتسع للكتابة والحصول على مكان صغير هادىء انثر فيه افكاري على اوراقي المتناثرة هنا وهناك.. والسبب الاخرهو التغيير الذي طرأ على وجهة نظري للحياة حيث اصبحت الآن انشد الراحة النفسية التي كنت ومازلت ابحث عنها.. البساطة في التفكير تبعدنا عن التعمق في لب الحياة، ولكن البساطة لاتوجد في قاموس كلماتي.. فابسط الاشياء لدى قريناتي قد تكون بديهية، ولكنها امورترهقني في التفكير وتجعلني اتعمق في هذه الاشياء البديهية وبالتالي وعلى عكس قريناتي فانا لا أتقبلها ولا أتبناها.. وأشعرأحيانا ان لدي أفكارغريبة واتكلم لغة اخرى غير معروفة..

نطاق تفكيري ايضا ليس محصوراعلى امور انثوية بل بامور دينية دنيوية وجودية فلسفية ترهقني وتعكرعلى حياتي.. بعض من الناس اتهموني بالتشاؤم والبعض الاخر بالكآبة.. والبعض الاخر سخرمن عقليتي وطريقة تفكيري.. أحاول ان اجد معنى للحياة.. تشبثت مرة بقراءة الكتب الفلسفية.. وبعدها بكتب انثوية.. ومن ثم بكتب التصوف للرومي.. لدى الرومي وجدت ارتياحا شديدا.. فكلماته مؤثرة وتمنح راحة غريبة.. الرومي وجد اجوبة لاسئلتي العديدة .. في بعض الاحيان كنت اعرف الاجابة ولكني كنت اود ان اسمعه او اقرأه من شخص ما..

حبي للكتابة يمنحني أملا في الحياة واستطيع القول انني لا اراديا اصبح سعيدة عندما اكتب، فهل كان انقطاعي عن الكتابة هو الذي منحني الاحساس الغريب الذي كنت احس به. الكتابة بالنسبة لي ليست ارضاءً لغروري، ومنحي شخصية تحت الاضواء، فانا افضل ان اصبح في الظل، في ظل نفسي.. وليست لاثبات الذات بل هي مشاركة روحية بيني وبين الآخرين .. ففي ظل حياتنا المعقدة هذه، الكتابة اصبحت اسلوبا للهرب من الواقع.. للهرب من عالم مادي الى عالم معنوي راقي كل ما في سلطته هي الكلمات.. فسلطتي اذن هي كلماتي.. مملكتي هي اوراقي ودفاتري, وحاسوبي الذي اعتبره من اعز الاصدقاء تربطني به علاقة حميمية.. كلماتي ليست بسلاح فانا لا أحب الحروب ولا أريد أن أسمع عن العنف.. كلماتي هي زخات مطر.. باقة ورود .. نسيم منعش.. عشب طري.. كلماتي هي أنا..

 

د. تارا إبراهيم

 

علي المرهجفي شارع المُتنبي كثير من باعة الأمل، وكُنت أنا وأخوتي بعض من هؤلاء الذين كانوا ولا يزالون يعملون ببيع الأمل لا خداع فيه لعقول المُشترين ولا تسفيه.

كُنَا حينما ينبلج الصُبح نستيقظ يستفزنا الأمل الكامن في نفوسنا لنُخطط ونعمل على ترسيم حياة له في نفوس مُرتادينا من الذين يتوقون للقائنا لا لأننا نبيع الأمل فقط، بل لكوننا نحن من نشتريه حينما يُغادره بعض من أحبتنا من الذين هاموا بحب المعرفة وماتوا بحسرة لا يأس فيها لأن في العراق نهرين وثالثهما الأمل المعقود في نفوس الحالمين أمثالنا وأمثالهم.

لا أخفيكم أنني كُنت فرحاً بشراء مكتبة تركها صاحبها حالماً بمستقبل أفضل لعراق قادم يأمل به لأولاده وللعراقيين كافة، لا لأنني راغب في الكسب وهو أمر طبيعي لأنه من مُقتضيات العمل والربح الحلال، ولكن فرحي غامر لأنني سأقلب كُتب هذا الشخص وأتفحص أحلامه وأعيش بها في ثنايا سطور الكُتب التي أشر عليها، وكم من سطور استوقفتني بكونها حكماً يستقيها مالكها من مؤلفات كبار الفلاسفة والحُكماء.

في صُفرة الورق محبة مُعتقة يرتشف القارئ الحالم من مؤلفات باعة الأمل من الكُتَاب الحالمين بحياة أفضل.

الحُلمُ والأملُ صنوان لا يفترقان عند من يشتريهما من باعة لا يعرفون أن هُناك روحاً تسري بين سطور هذه الكُتب المُصفرَة التي تحمل بين دفتيها أحلام مُشتريها الأول من الذيت لم يعرف ورثته مقدار ما كان يحمله من نزوع أثير للتضحية عنده في المال والوقت كي يُعيد تشكيل عقله بما يجعله كاشفاً لخفايا وأسرار المعرفة ليكون مُشاركاً في انتاجها قراءةً أو تأليفاً كان لهذه الكُتب العتيقة دور في تخليصه من وهم الخرافة وهيمنة اللامعقول في حياته التي مضت بلا تقدير مُستحقٌ لها.

بالطبع لم تكن كُل الكُتب التي نشتريها تبيع الأمل، فقليل منها كان يستخف بالعقل وأهله، فبعض منها كانت عتيقة ولم تكن مُعتقة بالمحبة للتعقل، إنما هي أوراق لو لم يكتبها أصحابها لكان أفضل، لأنها مؤلفات يلف كُتابها ويدورون في حلقة مُفرغة كل مراميهم ومقاصدهم تفريغ العقول من وعيها لبناء منظومة لا واعية تجعل من الناس أتباعٌ سُذَجٌ لا يفقهون تحولات الحياة ومقتضيات العلم ومُتغيراته، ليكونوا كالأنعام، بل أضل سبيلا.

الغريب العجيب أن أغلب ورثة الصنفين من الذين ورثوا مكتبات كانوا أصحابها أميّل للمعرفة العقلانية التنويرية، او الذين ورثوا مكتبات كانوا مُلّاكها من دُعاة اللاعقلانية السحرية، لم يكونوا عارفين بمضان ومُضمرات الكُتب التي ورثوها، فبعضهم كان يظن أنها كنوزاً تُساوي ملايين لا لشيء سوى أنها عتيقة، وآخرون يجهلون قيمتها فيبيعوها بأبخس الأثمان لأنها تأخذ مكاناً في البيت هم أحوج له!.

الكُتب ملاذات، بعضها ملاذات للحالمين ممن هم أمثالنا من باعة الأمل، وبعضها ملاذات لذوي الصوامع والتكايا المُنكفئين على أنفسهم من الذين لا يروا في الحياة سوى أنها ملاذ مؤقت لملاذ آمن للآخرة.

وللمؤلفين في كتابتهم شجون وللمالكين لها مآس شتى، وفق المثل الشعبي الدارج "ايجد أبو جزمه وياكل أبو كلاش" ومن جمع الكُتب كان يحلم ببناء حياة يعتقدها أفضل لوارثيه، ولكنها عند أغلب الوارثين إنما يعدَوها بمقدار ما يكسبونه من مال يتأتى من بيعها لا بمقدار ما في ثناياها من حكمة وذلك بحسب نزوع التاركين لها في توصيف الحكمة: هل هي في تسخيف عقول الوارثين لما تركوا إن كانت من سخيف القول ولا معقوله، أو هي كانت من صريح القول ومعقوله؟!.

الحكمة توصيف بحسب مُتبنيات القارئ، فبعض التاركين للكُتب العتيقة يظنون في كُتب السحر والغنوصية حكمة (مكنونة) لا يعرفها سوى السالكين لدروبها!، وبعض منهم يرى أن الحكمة إنما تكمن في تمثل القول الفلسفي في عقلانيته وتلك عبرة واعتبار لأولي الألباب.

وتلخيص القول أنني وأخوتي وبعض من صحبي من باعة شارع المُتنبي كُنّا لا نبيع الأمل بشراء القُبح في شراء مكتبات لا قيمة للعقل عند أصحابها من الذين يهيمون عشقاً في الكُتب الغنوصية والمعرفة السحرية والجوَانية، ولم تكن من اشتغالاتنا لا أنا ولا أخوتي من آل مرهج وبعض من صحبنا في هذا الشارع.

كان جُلَ همنَا رغم سعينا للربح هو المُشاركة في بناء وعي عقلاني تنويري نكون نحن ومن يشتري منَا شركاء في صناعته، ألا وهو الأمل في أن نكون أكثر تعقلاً لما يُحيط بنا من تجهيل مقصود لسلطة جاهلة وجماعات دينية تُشاركها فعل التجهيل هذا.

لقد بقينا وإلى يومنا هذا نبيع الأمل في سعينا لتوسيع مساحة التداول للكتاب الفلسفي والفكري الذي يستفز العقل ويقض مضاجع الجهل.

 

د. علي المرهج

 

ضياء نافعتم تدشين تمثال غريبويديف في طهران عام 1912، اما في موسكو فقد تم تدشينه عام 1959، والفرق الزمني بين التمثاليين حوالي نصف قرن تقريبا، وهي ظاهرة فريدة وغريبة جدا في مسيرة الادب الروسي، لم يسبق ان حدثت في روسيا مع اي شخصية بارزة اخرى في تاريخ روسيا الطويل، وقصة هذا الحدث الغريب  تستحق التوقف عندها بلا شك، لانها ترتبط بمؤلف المسرحية الشعرية – (ذو العقل يشقى)، المعروفة في تاريخ الادب الروسي والادب  العالمي ايضا (انظر مقالتنا بعنوان -  مسرحية غريبويديف الشعرية – ذو العقل يشقى).

غريبويديف كان سفير روسيا في طهران، وقد تعرضت السفارة عام 1829 الى هجوم من قبل قوى اسلامية متطرفة جدا (وليس بمعزل عن الايادي السياسية الخفية وخططها غير النظيفة وراء الكواليس طبعا )، وتم قتل كل من كان في السفارة من موظفين روس وحرّاسهم، بما فيهم السفير الروسي نفسه، بل وتم التمثيل بجثثهم، وقد تعرّفوا على جثة غريبويديف نتيجة جرح قديم في يده بعد مبارزة حدثت في مسيرة حياته.

حاولت الدولة الفارسية رأسا تسوية هذا الحدث المأساوي الرهيب مع الامبراطورية الروسية في حينها بالطرق الدبلوماسية الهادئة، وارسلت وفدا كبيرا الى روسيا برئاسة حفيد الشاه، واستطاعت فعلا تسوية الموضوع بعد مفاوضات طويلة و معقدة وصعبة، وقد قدّم الوفد هدايا فارسية نفيسة للجانب الروسي اثناء تلك الزيارة، منها قطعة ألماس نادرة جدا وسعرها خيالي كما تشير المصادر كافة، وزنها حوالي 18 غراما (90 قيراطا)، ولا زالت هذه القطعة الفريدة من الالماس معروضة - ولحد الان - في متحف الالماس الموجود في الكرملين  بموسكو، ولا زالت تثير الاعجاب الهائل من قبل كل من يشاهدها، وهو نفس الاعجاب والدهشة، التي أثارتها قطعة الالماس تلك لقيصر روسيا آنذاك عندما قدّمها الوفد الفارسي اليه عند استقباله لهم في مقر عمله .

مقتل السفير الروسي غريبويديف عام 1829 في طهران كان حدثا سياسيا هائلا في تاريخ الامبراطورية الروسية خاصة، وعلى المستوى العالمي ايضا، ولهذا، فقد تراجعت مكانة الشاعر والكاتب المسرحي غريبويديف واصبحت في (المحل الثاني) حسب التعبير الشهير للمتنبي، وقد انعكس هذا الشئ واقعيا على الجالية الروسية الكبيرة في بلاد فارس قبل الآخرين، وهكذا ولدت لديهم فكرة تخليد هذا الحدث، وقرروا اقامة تمثال لغريبويديف بالذات عند بناية السفارة الروسية في طهران لاعادة الاعتبار اليه وتخليد اسمه، وأخذوا بتجميع التبرعات من ابناء الجالية، وهكذا تمكنوا من تهيئة المبالغ اللازمة لعمل التمثال، واستطاعوا ان يحققوا خطتهم، وتم تدشين هذا التمثال الضخم للسفير عام 1912 فعلا قرب بناية السفارة الروسية في طهران حيث جرى الهجوم الغادر المذكور. غريبويديف في ذلك التمثال يجلس على كرسي فخم و يقرأ كتابا مفتوحا  يمسكه بيده اليمنى ويتكأ على الكرسي بيده اليسرى، وهو تمثال رمزي عميق المعنى، و يؤكد، ان السفير الروسي والكاتب والشاعر غريبويديف مستمر بعمله وابداعه رغم  تلك النهاية التراجيدية التي اصبح ضحيتها، ولايزال هذا التمثال موجودا في مكانه بطهران لحد الان . وهكذا استطاعت الجالية الروسية عن طريق هذا التمثال تخليد غريبويديف، والتذكير الدائم بتلك الوقائع التراجيدية والمجزرة الدموية ضد السفارة الروسية هناك، والتي قام بها المتطرفون الاسلاميون و القوى السياسية الاخرى الحليفة لهم في طهران عام 1829.

اما تمثال غريبويديف في موسكو (التي ولد فيها عام 1795) فقد ظهر كما أشرنا أعلاه عام 1959 في الذكرى 130 لمقتله التراجيدي في طهران عام 1829، وقد أقاموه قرب المكان الذي عاش فيه الكاتب في موسكو . حاول النحات لهذا التمثال ان يوحّد بين الصفتيين التي تميّز بهما غريبويديف وهي –  الشاعر والكاتب المسرحي اولا، والدبلوماسي الرفيع المستوى ثانيا، وهكذا جاء عمله الفني في فضاء واسع حيث يقف السفير الروسي بكبرياء وفخامة وشموخ، وعلى قاعدة التمثال يحيطونه ابطال مسرحيته الخالدة – ذو العقل يشقى، وهم شخصيات لا زالت حيوية وتتعايش مع المجتمع الروسي منذ ظهور هذه المسرحية في القرن التاسع عشر ولحد الان، اذ لا يمر موسم مسرحي في مختلف المدن الروسية دون عرض هذه المسرحية، وتحولت أقوال تلك الشخصيات الى أمثال وحكم لدى الشعب الروسي، وحتى عنوان المسرحية نفسه  اصبح قولا مأثورا عند الروس، وترجمته الحرفية عن الروسية هو – المصيبة من العقل، وقد ترجمه بعض المترجمين العرب هكذا فعلا، الا انه استقر بالعربية (ذو العقل يشقى) بفضل المتنبي العظيم (انظر مقالتنا - غريبويديف والمتنبي).

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

 

محمد علي جنيديلا يمكن ولا تستطيع أن تكتب عن الأستاذ عباس محمود العقاد وتغض الطرف عن معاركه السياسية.

الواقع أن للأستاذ العقاد أيضا كثيرا من معاركه الأدبية الشهيرة مع عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وغيره الكثير من كبار الأدباء والشعراء في عالمنا العربي وهذا الأمر يبدو أنه اعتياديا في رؤيتي فقد كان أديبا وشاعرا عملاقا وحوله جيل من الأدباء والمفكرين والشعراء العظماء مثله، وكلٌّ له موروثه الثقافي ووجهته ورأيته التي يتبناها ويدافع عنها، ولا يفوتني أن نفخر بأبناء هذا الجيل العظيم فإنهم ما يزالون - حقيقة -  هم النهر الخالد الذي ارتوى وسيرتوي منه أدباء الشرق العربي من أقصاه إلى أقصاه.

تُرى وما الغرابة أن تكون له معاركه السياسية أيضا !!... حتى أنه لم يسلم من نقده أو هجومه أي سياسي أقام فكره أو حكمه اعتمادا على تخويف الناس ومصادرة  أفكارهم وأرائهم وحريتهم في التعبير بالقوة القهرية الجبرية.

لقد كان الأستاذ العقاد صاحب ميزان عقلي معتدل، فعلى سبيل المثال في الوقت الذي وجد هتلر تجاوبا ومكانا في قلوب بعض المصريين ضد الإنجليز نظرا لاحتلالهم لمصر عقودا متعاقبة كان يراه الأستاذ العقاد دمويا ونازيا وهاجمه كما هاجم الصهيونية في آن واحد.

العقاد الإنسان كان لا يؤمن بالاستقواء حتى يطمئن إلى من يدافع عنه وقت اللزوم، كما أنه لم يكن ليميل أبدا إلى طائفة أو جماعة أو نحو ذلك مهما اشتركوا معه في بعض المفاهيم أو حتى العقائد، وإنما كان يميل كل الميل إلى فكرته الأساسية وهي حرية الإنسان، تلك الفكرة التي ترك لنا ومن أجلها تراثا ومخزونا أدبيا هائلا لا ينضب أبدا كما أنه رحمه الله قد أنفق حياته وهو يدافع عن إيمانه بفكرته... (حرية الإنسان)

وأنا أقدم له أزكى التحية وأجل التقدير لما بذله وقدمه لنا كعرب وللإنسانية جمعاء بمناسبة ذكرى وفاته - أرى - أن تكرار هذه النسخة الأدبية الإنسانية كنموذج الأستاذ عباس محمود العقاد من الصعب جدا أن يجود الزمان بمثيلها على الأقل في الوقت الراهن

نعم - إن هنا وهناك عمالقة في شتى فنون الأدب ولكن المناخ العام الآن كالأرض الجدباء لا ترعى نبتا أصيلا وربما لا تسمح له أصلا بأن يرى النور فوق سطح الأرض!

لذلك أكتب عن أستاذنا عباس محمود العقاد الذي أتاح له المناخ من حوله مهما كان هامش الحرية المتاح للناس كبيرا أو صغيرا حينئذ إلا أنه وجد النور به وتنفس الصعداء فزلزل الأرض من حوله إيمانا بفكرته الأساسية في الحياة ... حرية الإنسان

 

محمد محمد علي جنيدي – مصر

 

شاكر فريد حسنمحمد عادل المقيم في سورية، وعضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب الفلسطينيين في الخارج، هو كاتب سياسي فلسطيني، وقصصي بارع، عرفناه على امتداد حياته بمواقفه الوطنية الفلسطينية الجذرية المبدئية، التي لا تقبل المساومة، والتزامه حتى النخاع بقضايا شعبه الفلسطيني المكافح المقاتل والمقاوم في سبيل حريته واستقلاله، والتصاقه بالقضايا والهموم الإنسانية العامة .

شق دربه الأدبي متمكنًا من ادواته الفنية الابداعية وتنوع أساليبه السردية وموضوعاته . وهو ليس كاتبًا مبدعًا فحسب ـ وإنما مناضل ثوري جاءت كتاباته مرتبطة عضويًا بفلسطين/ الواقع والحلم، وبالقضية الوطنية المقدسة التي أعطى لها عمره، منافحًا عنها بالكلمة المقاتلة الملتزمة الثورية .

وهو يتمتع بذاكرة قوية حية، وعن ذلك يقول الأديب الفلسطيني مراد السوداني: "ومن يعرف المناضل والمبدع محمد عادل يدرك تفاصيل البلاد بحميميةٍ ودفء طالما جهر بها العم ابو عادل كما يطيب لي مناداته.. فهو يمتلك ذاكرةً مدخّرة بمرويات ومشاهدات وفعال تستحق الانتباه والتأريخ والتثبيت، كيف لا، وهو الذي حاس في المنافي وتجرع ناغرية الغربة ولمّا يزل. ولكنّه ظل على عهد فلسطين.. صنو صديقه الاقرب الشاعر الفارس خالد ابو خالد.. فكلُّ منهما يكمل سيرة الاخر.. وفي ذلك قول كثير وارف. ربتما هذه عتبة واجبة للدخول الى قصة ابي عادل ومروياته الوسيعة ".

صدر له مجموعتان قصصيتان هما : " إلى متى تحلق فوق الحدود " و" مفاتيح على شبابيك القلوب " .اضافة إلى كتابيه " أحمد الشقيري : حارس للقضية في حضوره وغيابه "، و" النفط العربي والاستراتيجية الأمريكية ".

محمد عادل في كتاباته القصصية يرسم الوطن وجراحه وعذاباته، ويصور الحنين الفلسطيني لمدن الوطن وترابه، وشوقه لعناق حيفا، ويجسد معاناة ال

الإنسان الفلسطيني في مخيمات البؤس والشقاء والجوع والتشرد . وإننا نحس في قصصه ونصوصه النثرية بنغمات الحزن ومكابدة الألم والوجع الفلسطيني والإنساني .

وتنهض قصصه في مجموعته " مفاتيح على شبابيك القلوب " الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب العام 2017، على التاريخ الوطني الفلسطيني والبطولات الفلسطينية النادرة، والمواقف الثورية النضالية، والحياة والعلاقات الاجتماعية الحميمة، وعلى الوجع الفلسطيني والمقاومة الباسلة في مواجهة الاحتلال والمشاريع التآمرية الصهيونية الامبريالية الاستعمارية والرجعية، التي تستهدف القضية وحركة التحرر الوطني الفلسطينية .

إنها حكايات وسرديات الذكريات والشوق والحنين النوستولوجي الفلسطيني، وثنائية الوطن / الحلم .

ومن نافلة القول، أن كتابات محمد عادل القصصية علاوة على فنيتها المذهلة، وحبكتها المتينة، وسردها المبهر، ولغتها الرشيقة الجذلى، فإنها تعكس، وبحق، من حيث توفر الشروط الفنية والموضوعية، موقف الكاتب والمثقف الفلسطيني الرافض للهزيمة والاستسلام، والواعي لكل ضروب العهر السياسي الذي يستزف دماء شعبنا في هذه المرحلة العصيبة الحرجة .

وعدا الوعي النافذ والرؤية الواضحة لأبعاد المخطط والمأزق الجحيمي لأبناء شعبنا الفلسطيني، فما يسم محمد عادل هو ارتباطه بالمكان الفلسطيني وابراز صورة المخيم بشكل واضح، ورؤيته المتفائلة، رغم مرارة وقتامة الواقع وبؤس المرحلة، وهذا ما يتصف به الكاتب الثوري .

محمد عادل صديقي السابح بعكس التيار، أنت على العهد باق، مميز باستقامتك وشرف الكلمة، وبالصدق الفني السردي والقصصي والحياتي، نصوصك وابداعاتك تعكس صورة حقيقية عن حياتك ومواقفك المبدئية . أنت وكتاباتك سيان، وهي صفة لا يتحلى بها كثيرون، بل قلة قليلة، خاصة في هذه الأيام التي تخلى فيها الكثير من " المثقفين " و" المبدعين " عن رسالتهم الثورية وغيرّوا مواقفهم الفكرية كالحرباء .

فلك مني صديقي واخي الكاتب الشامخ المسكون بفلسطينيته، محمد عادل، تحياتي ومحبتي وتقديري ليراعك وفكرك السياسي الوطني الثوري الراقي الراسخ، واليكم أيها القراء هذا النموذج من قصصه بغية الاطلاع والقراءة .

وديني على حيفا !

بعد أن أدّت صلاة الفجر وكعادتها منذ ما يزيد على خمسين عاما، واصلت تلاوة الدعوات وأولها أن تعود للدار التي ولدت وتربت فيها، ورأت الأيام الطيبه الأولى من عمرها في حيفا.

نظرت إلى خارج الغرفة، السماء ملبدة بالغيوم.. وصوت الريح مازال يصل إليها عبر الشقوق في بيتها المتهاوي في المخيم.. لكنها أصرت على الخروج في هذه الساعة وفي هذا الجو البارد والعاصف دون أن تخبر أحدا.. إلى أين هي ذاهبة.. ؟! ماذا تفعلين يا جدتي سألتها الطفلة الصغيرة، وين رايحة؟! أجابتها بعد أن أحكمت ربط الصرة الصغيرة: إلى حيفا يا جدتي. غادرت الطفلة الغرفة دون أن تستفسر من جدتها، ولكنها سألت أمها: وين حيفا يا أمي.. جدتي رايحة عليها.. أروح معها يما؟

نهضت زكية بسرعة سألت أمها: على وين يا مسهّل، وين رايحة يما؟ أجابت العجوز بكل هدوء وثقة: على حيفا على دارنا، امبارح كنت هناك.. طول الليل وأنا هناك.. خبزت وأكلت خبز الطابون الساخن، من خمسين سنة ما أكلت.. امبارح.. بس، اليوم راجعة إن شا الله.

خرجت من الباب نادت عليها ابنتها.. انتظري.. لحظة.. انتظري! أم عمر تمشي بثقة وهدوء حاملة صرتها، تنادي على بعض المارة الذين يعرفونها.. خير انشا الله وين يا أم عمر؟ على حيفا يا خيتا. نظر البعض بدهشة والبعض الآخر بتجاهل واستغراب، والبعض يسأل.. شو يا أم عمر: حيفا صحيح قريبة.. لكنها بعيدة وكيف بدك تسافري لها.. أسلاك حواجز.. بعدين لك خمسين سنة طالعة.. شو هالحكي.. وتمضي أم عمر في الأزقة الضيقة لا تثنيها لسعات البرد عن عزمها، فشحنتها العارمة من الشوق والحنين أنستها البرد والمطر والجو العاصف.

أبو زكي يقف إلى جانب سيارته المرسيدس القديمة التي يعرفها كل أهل المخيم.. منذ أكثر من أربعين عاما .. توجهت أم عمر إليه.. يسعد صباحك خيتا … الله يرضي عليك.. أجابها: يا مرحبا.. وين بدك أنا جاهز يا أمّ عمر.. حلّت البركة، أنت نوارة المخيم.. كل مخيم البداوي يحلف بحياتك ياغالية!

فاض الشوق والحنين بأم عمر وقالت له: وديني لحيفا يا أبو زكي.. قال بتعجّب واستغراب: وين بدك! على حيفا وينك ووين حيفا.. شو أنت مجنونة يا حرمة!؟ ردت بسرعة: لقد فاض بي الشوق والحنين وتفجرت فيّ كل ينابيع الحب والذكريات يا أبو زكي.. أنا بدي أروح إلى حيفا.. أنت المجنون مو أنا.. هناك في حيفا كنتُ مثل الوردة التي يفوح عطرها على أرض الدار.. كيف تتجرأ وتقول لي فقدت عقلك!.. شايف هالصرة المربوطة ما زالت على ربطتها منذ أن رحلنا من حيفا.. شم رائحة التراب ما زالت فيها.. معطرة ظلت كما هي لم تتبدل.. يا الله كم أنا مشتاقة أن أطير وأحط وأشوف كل ما تبقى من أهلي الذين لم يغادروا أرض فلسطين!

تجمعت بعض النسوة ممن يعرفن أم عمر.. حاولن إقناعها بالعودة إلى البيت.. قالت نعم أنا جاهزة.. وكانت تقصد بيتها ودارها في حيفا حيث الدار الواسعة والشجر المثمر والريحان والطابون.. أما هنا في هذا المخيم فالغرفة لا تكاد تأوي زوجها المقعد وأولادها الذين يذهبون للعمل في الصباح ويعودون مساء.. متعبين مرهقين.. مهدودي الحيل !

لن أعود إلا إلى بيتي.. مين رايح لحيفا يا أولاد.. ليأخذني معه.. أطفال المخيم يعرفون أم عمر جيدا.. ويحترمونها وكثيرا ما يمرون أمام بيتها يلقون عليها تحية الصباح وهي لا تنسى أن تقدم لهم بعض الفطائر في المناسبات وتحكي لهم حكايات عن الدار والطابون.. والبحر وبيوت حيفا الجميلة.. نظروا إليها بحزن شديد.. أحدهم قال لها بعيدة حيفا يا خالتي.. أنا لو أعرف أسوق سيارة لكان أوصلتك لهناك وما بدك الانتظار الطويل !

حسن الذي كان يتابع ما تقوم به أم عمر.. منذ أسابيع عديدة يسمع نداءها للعودة لم يتمكن من الصبر طويلا .. لقد شعر بانكسار كبير أمام هذا المشهد.. إنه يعرفها ويحترمها.. إنها السيدة الفاضلة المؤمنة.. والتي يشهد لها الجميع بدورها في الدفاع عن المخيم.. والدفاع عن الفقراء.. والتصدي لكل من يحاول تهميش المخيم وزيادة فقره وحرمانه!

اقترب حسن من أم عمر وطيب خاطرها.. أخذ الصرة منها ووضعها في السيارة.. قال لها سآخذك إلى أي مكان إلى حيفا ومن هناك نرى ماذا نفعل.. شهقت أم عمر من الفرحة وزغردت. قبّلت حسن.. عادت إليها الروح … شعرت وكأنّها تنبعث من جديد، قال لها حسن.. بعد أن تحرر الجنوب من الاحتلال الصهيوني.. هناك على الحدود يأتي أهلنا ليشاركوا أبناء الجنوب ولبنان فرحتهم بالنصر وتحرير الجنوب..

تحركت السيارة باتجاه الجنوب.. لم يتوقف حسن عن الحديث عن الشوق للعودة إلى فلسطين.. أنت يا أم عمر تعرفين القرى والأحياء.. والسيارات والطرقات وينابيع الماء والعتابا والميجنا.. إنك تحملين فلسطين معك وفلسطين تحملك إليها كل يوم، بضع ساعات كانت أم عمر على الحدود.. يا إلهي أشارت بيدها.. فلسطين.. أشتم رائحة غصن الليمون والذكريات.. أكيد حيفا على بعد خطوات.. كيلو مترات الأسلاك الشائكة على الحدود لم تمنع أم عمر من محاولة الزحف إلى العالم الآخر.. إلى الجنة كما قالت.. إلى التراب الذي يضم ما بقي من رفات أهلي في حيفا.. اقتربت.. نهرها الجندي الإسرائيلي.. ردت عليه بصوت عال .. ولك مين أنت هذه بلادنا أرضنا.. تحركت عدة أمتار كان الكلّ من أبناء قرى وبلدات فلسطين من المناطق المحتلة شمال فلسطين.. يقفون وراء الأسلاك الشائكة.. هذا يبحث عن أب عن أم، عن أخ، عن قريب، عن صديق، وأم عمر تتفرّس الوجوه علّها تجد من تعرفه.. صوت ينادي من خلف الأسلاك الشائكة العريضة.. يا حاجة عايشة.. أم عمر.. أنا هون.. تلتفت أم عمر … هذا الصوت ينادي اسمها.. هي.. سألت حسن: هل تسمع ما أسمع؟ قال: نعم.. ولكن من أين يأتي الصوت، هناك الجميع ينادي على الجميع.. والكل يسأل، والذي يصل من الجانب اللبناني من المخيمات يسأل.. والذي يأتي من شمال فلسطين يسأل.. وصيحات الانتصار تعلو من مقاتلي حزب الله.. وأبناء الجنوب يحيّون أبناء فلسطين نفس الوجوه خلف هذا الحد الدامي.. هذه كانت أرضاً واحدة وبلاداً واحدة.. شعب واحد قسّمه المستعمر.. لم تكن هناك حدود بل كان الجميع يعيشون في هذه البلاد منذ آلاف السنين

اقترب الصوت مجددا يا حاجة عائشة.. يا أم عمر.. أنا أم دعاس بنت أخوك.. أنا اللي بقيت هناك وعرفتك.. من الصورة اللي طلعت على التلفزيون.. اخبروني وقالوا لي هذي أم عمر.. عرفتك من دون كل اللي هون.. مدت أم عمر يدها.. ومدت ابنة أخيها يدها التصقت بالأسلاك الشائكة.. التي غرزت في جسدها.. اقتربت أكثر فأكثر والأسلاك تنهش جسدها وهي تحاول الوصول.. أمسكت يد ابنة أخيها.. وابنة أخيها تردد: أنا لازم أبوس يدك يا عمة أدخلتها بين الأسلاك رغم احتجاج العدو الصهيوني.. بكت أم عمر وسالت الدموع، شو أخبار أهلك، الجيران، الأقارب.. وأخذت تقترب أكثر حتى وجدت نفسها مطوقة بالأسلاك من جميع الجهات مع ابنة أخيها.. وحضرت بعض السيدات من كبار السنّ.. وبدأن يسألن عن أقاربهن.. وأهلهن في المخيمات.. وأم عمر تسأل عن الحاجة صفية.. ويأتي الرد العمر إلك.. والحاج مصطفى العمر إلك.. هذا ابنه مثل الحصان.. تعال سلم على أم عمر.. يزحف يرفض أوامر الجندي يقبّل أم عمر.. تسأله: خذني معك إلى حيفا.. من زمن ما حدا قابل يوصلني لحيفا.. تواصل البكاء ما هذا العالم الظالم.. متر بيني وبينكم.. ساعة أو أقل وأصل إلى حيفا.. والأوامر .. ممنوع.. ممنوع.. ارجع.. والبنادق موجهة إلى صدورنا.. تواصل أم عمر زحفها بين الأسلاك يحاول حسن إيقافها.. الدماء تغطي يدها.. يمسح حسن يدها.. أم عمر تمشي.. تنادي.. يما ما أحلى هواء الجليل.. والساحل.. والجنوب.. وكل البلاد.. .البلاد بلادنا.. وتغني:

يا ظريف الطول وقف تقلك! رايح عالغربة وبلادك أحسن لك

طلقات من الجنود الصهاينة لإرهاب المواطنين الذين بدؤوا يتوافدون.. وصيحات الله أكبر.. صيحات النصر تشقّ العنان والكل يردد.. فلسطين.. وعيونهم الدامعة على الجبال على السهول.. على الشجر.. على رائحة الغصن الحبيب.. ونسمات الهواء الرائعة من هناك.. أم عمر توجه كلامها إلى جندي إسرائيلي.. إحنا أصحاب الأرض، أنت دخيل ومستعمر.. والله لو كل العالم معك.. ما راح تبقى … إلا يجي يوم وتروح … شوف أنت غريب.. صحيح القوة معكم آه.. والخونة معكم آه والغرب معكم آه.. لكن الزمن لن يكون معكم إلى الأبد.. سيأتي يوم.. ونعود.. هذه أرضنا.. دورنا.. بياراتنا.. حقولنا.. بحرنا.. جبلنا.. أنتم يجب أن ترحلوا.. وجه الجندي البندقية.. أطلق عدة طلقات لإرهاب الجموع.. دوت طلقات من الجانبين.. وأم عمر مازالت تحضن التراب.. .والأهل والأقارب .. وتنادي من يأخذني إلى حيفا.. الساعة قاربت منتصف الليل.. والحشود تزداد.. وضاعت أم عمر بين الحشود القادمة من فلسطين والحشود القادمة من المخيمات.. والحشود القادمة من قرى وبلدات الجنوب.. والمدن اللبنانية

تذكّر حسن.. أنّ أم عمر لم تأكل منذ الصباح وربما قبل ذلك.. من أين لها هذه القوة؟ من أين لها هذا التوهج.. أخذ يبحث عنها.. ووجدها جالسة على الأرض وفي أجمل لحظاتها.. مسرورة في حبور.. تعال يا حسن.. كل من أكل بلادنا.. احضروا لي خبز الطابون.. انظر هذه الفواكه، والخضرة والأكل.. أكلت أم عمر بنهم شديد.. ووضعت الباقي في الصرة.. سوف أطعم أولاد ابني.. وبناتي.. ليذوقوا من خيرات بلادهم. طلب حسن منها العودة إلى المخيم.. فالأوضاع متوتّرة وليست مطمئنة.. هناك بعض الجرحى.. وأنا أريد أن أعود بك سالمة لأهلك.. أنا هون مرتاحة.. اذهب لوحدك أنا لن أرجع معك.. روح الله معك

رغم حلول الظلام.. تنظر أم عمر إلى الأضواء القريبة والبعيدة.. وجالت بذكرياتها.. وأمانيها إلى فلسطين، وأخذت تتنفس بعمق لتأخذ أكبر كمية من الهواء العليل القادم من الوطن.. نسمات من الهواء، حامية تحمل معها سلامات وتحيات من تحبهم هناك خلف الأسلاك.. خلف الأضواء.. .خلف الأشجار.. تابعت أم عمر الحديث مع من التقت بهم من فلسطين.. خبروني عن كل شي احكوا لي.. خمسون عاما ً.. هوت بيني وبينكم ماذا جرى.. الأرض التي أحبها.. من يمشي عليها.. من أخذها من يحرسها.. عين الماء.. الغنم.. الجرار من يملؤها بالماء.. وسؤال يجر سؤال.. وأهل الوطن لا يبخلون على أم عمر بالأجوبة.. والذكريات.. والشوق الذي يكبر كل يوم.. والشهداء الذين رووا بالدم أرض فلسطين

رأت أم عمر من خلف الأسلاك الشائكة.. هناك الوديان التي مرت بها والطيور التي تنام على أغصان الأشجار والدواب التي تنقل الماء وأخذت تغني :

يا من درى نرجع يوم ع الدار؟

رأت أم عمر الجرار.. جرار الماء الفخارية التي لا مثيل لها وهي ترشح على الوجوه والمناديل.. وكذلك تذكرت كل من طلب منها شربة ماء على الطريق وهي تنزل الجرة وترفعها رغم ثقلها لكنها كانت تشعر بالسعادة وهي تقوم بذلك.. سقى الله تذكرت برودة وطعم الماء كأنها تشرب منه الآن.. ابتل ريقها الناشف وشعرت ببرودة الماء تنساب على الوجه والجسد.. تذكرت النبع الذي لم تره منذ أكثر من نصف قرن.. إنّها الان تشرب الماء وكأنها بالقرب من النبع البارد والنظيف.. وترى الحصى الأبيض يرقد فيه.. ترى الماء العذب البارد كأنه آت من الجنة ! عاد حسن إلى المخيم.. ولم تعد أم عمر.. سأله أهل المخيم عنها.. قال لهم: إنها تلتصق بالأرض التي أحبتها، بالناس والأهل الذين تبحث عنهم.. رفضت أن تعود معي.. أخبرتني إنها تحيا من جديد مع كل كلمة تسمعها من أهالي فلسطين..

بعد أيام سأل أهل المخيم عن أم عمر.. عدة أسابيع.. بعد شهور لم يعثر أحد على أم عمر.. لم تظهر أم عمر في الشوارع ولا في الأزقـة.. ولا على شاطئ البحر.. من يدري أين ذهبت أم عمر.. البعض قال إنها مشت في ماء البحر.. حتى اختفت.. البعض قال إنها جلست على حافة أحد الأنهار المتجهة إلى البحر.. وما زالت كلماتها ترن في المخيم من يأخذني إلى حيفا.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

محمد صالح الجبوريالسرقات أنواع منها المالية و العلمية والادبية، وهي سرقات يحاسب عليها القانون وترفضها الاخلاق، وهي محرمة، لانها سرقة الجهود والاستحواذ و السيطرة عليها، بصورة غير شرعية،وأحياناً يحتمي السارق بقوة تحميه من القانون والمجتمع، السرقات الأدبية تحصل في عالمنا اليوم، رغم وجود تقنيات الكشف عنها، وحقوق النشر، كل كاتب اواديب له اسلوبه وتعبيره وقدرته الادبيه، يعرفها القراء،كنا في الماضي نشتري المجلة او الجريدة، لأن (الكاتب الفلاني) يكتب فيها، نتمتع باسلوبه وعباراته الراقيه، و تعجبنا شخصيته، ونتشوق إلى مقالاته، وربما نقلده في الكتابة، السرقات الأدبية تحصل اثناء المسابقات، عندما يرغب الشاب في الفوز وليس لدية القدرة الأدبية والطاقة الابداعية، يحاول التوجه الى السرقة،وهناك مسألة لابد من النظر اليها، بعض من الكتاب الكبار يقومون بكتابة أعمالهم واهدائها الى مشاركين في المسابقات، وتفوز هذه الاعمال، وهي ليست جهود الفائزين، وهذا عمل مخالف للقانون وله تاثير سلبي على المجتمع، على الجميع المساهمة في كشف السرقات الأدبية، وتشجيع المبدعين، ومساعدتهم في تحقيق اهدافهم، توفير الفرص للجميع، وعدم السيطرة على المشاركة في المؤتمرات والندوات والمهرجانات،لمجموعة اوفئة معينة،وأن يكون حسب الكفاءة والقدرة الإبداعية، وأن نرتقي بالإبداع والاعمال الجيدة التي تخدم المجتمع، وان يكون الذوق الراقي، والاهتمام بالشباب هو طريقنا، وان نتحلى بالاخلاق والعادات الاصيلة وان نسهم في بناء الوطن، وان نعمل بصدق ونساهم في احياء تراثنا، دمتم بالف خير.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - العراق

ليث الصندوقمتى يكون لاتحاد الأدباء الكلمة الفصل؟

منذ أكثر من عقد من الزمان لم تفلح لجنة الثقافة في البرلمان العراقي في إعداد مسودة مشروع النشيد الوطني . ومنذ ذلك الحين وحتى وقت قريب دأبت الصحافة على نقل تصريحات عدد من المعنيين بالأمر وكلهم متفقون على استمرار الخطوات الإجرائية لإكمال المشروع من دون الوصول إلى نهايته . وفي حين رجحت أكثر التصريحات اختيار أبيات من مقصورة الجواهري، إلا أن تصريحات أخرى مضت في غير هذا الإتجاه، وبالتالي لم يُحسم الخيار النهائي، ويبدو أن مخاضه سيعسر وسيطول في ضوء التجاذبات السياسية المستمرة، لاسيما أن بعض التصريحات وضعت الخيارات الأصعب التي تُعقّد من احتمالات الوصول إلى نصّ ممكن ومقبول للجميع، مثل تضمين النشيد إضافة للنص العربي نصوصاً من اللغتين الكردية والتركمانية، أو استمزاج أبيات مختارة للشعراء (الزهاوي والرصافي والجواهري والسياب والبصير) في نصّ واحد . والخياران الأخيران يُنتجان نصاً ممطوطاً ومملاً .

وبتاريخ 27 نوفمبر 2011 نشر موقع إيلاف الألكتروني مقالاً للإعلامي عبد الجبار العتابي بيّن فيه ان الموقع علم من مصادره الموثوقة بأن مقصورة الجواهري هي الأكثر حظاً من سواها من القصائد المختارة لتكون نشيداً وطنياً . وبهذا الخبر وبسواه أيضاً يظل الجواهري ومقصورته هما الأكثر تداولاً والأكثر مقبولية وترجيحاً، حتى توقفت موجة التصريحات فجأة عند نص المقصورة الذي ثبت في الذاكرة الجماعية بأنه النصّ القرار. وبتوقف موجة التصريحات لم نعد نسمع شيئاً عن الموضوع وكأنّ وباء النسيان الذي يستبدّ بذاكرة العراقيين قد استبدّ به أيضاَ . وقبل فترة وجيزة أعاد الإعلام فتح الملف مع تغييرات جوهرية، إذ لم تعد المقصورة هي المعنية، بل القصيدة المعنية هي لشاعر شعبي لم يُعرف عنه أنّ له مساهمات أدبية أو شعرية في الصحافة الثقافية، ولم يعرف عنه إصداره لمجموعة شعرية باللغة الفصحى وهو أسعد الغريري الذي كلّ ما يُعرف عنه أنه مؤلف أغان شعبية رائجة . ويُقال – والعهدة على القائل – أنّ رجل دين معروف أيّد اختيار قصيدة هذا الأخير لتكون النشيد الوطني، علماً أنه ليست في القصيدة أية إشارة إلى طرائق الوضوء الصحيح، ولا إلى مبطلاته . وبذلك تكون الصورة الماثلة وكأنّ نصّ الغريري أزاح المقصورة مدعوماً بفتوى مبطّنة .

هذا، ولم يصدر عن اتحاد الأدباء، وهو الذي يطلق على نفسه تسمية (إتحاد الجواهري) أيّ تعليق لفكّ تشابك الخيوط هذا، كذلك لم تعلق وزارة الثقافة ولا لجنة الثقافة البرلمانية . ورداً على صمت الجهات المعنية تولى الشارع الكلام، فازدحمت مواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الألكترونية والصحافة بالتعليقات والتقولات والتأويلات فالمآدب المجانية تفتح شهية المدعوين . وانقسم العراقيون كعادتهم في كل مناسبة ما بين رافض أو مؤيد لأحد النصين أو لأحد الشاعرين، وخرجت بعض تلك المداخلات عن إطار التحليل النقدي والمنطقي، وانساقت وراء اتهامات يمكن وضعها في واحدة أو أكثر من الخانات الأربعة التالية :

- فبعضها ينطوي على طائفية مقيتة .

- وبعضها الآخر عنصريّ اكثر مقتاً يُعيد معزوفة الصراع العربي الفارسي، وينسب الجواهري إلى أرومة فارسية، من دون أن يخجل مُتبنو هذا الطرح الممجوج من أن يكون أكبر قمة شعرية في تاريخ وطنهم المعاصر فارسياً .

- وبحث آخرون عن حفرة في التاريخ الشخصي للشاعرين ليملؤوها بالبنزين .

- بينما رجح الآخرون أن تكون أيادي أعوان النظام السابق وراء اختيار قصيدة الغريري الذي قيل عنه - ولست أدري مدى صحة ذلك - أنه كان أحد العاملين تحت إمرة إبن رئيس النظام السابق، ومن المقربين إليه .

ومن الواضح أن كل تلك التقولات لا تعدو أن تكون مواقف شخصية لا تصلح معاييرَ لتقويم وتفكيك وفهم النصوص، ولو نحيناها جانباً ونظرنا إلى الأمر من زاويته الإبداعية فقط، آخذين بالاعتبار أن الأمم لا تُفاخر بما لديها من المواهب والكفاءات فحسب، بل بالأفضل والأجود من بينها، وذلك يسري على أناشيدها الوطنية التي هي خلاصة إرثها الثقافي، وعصارة عبقرية خيرة مبدعيها، فأنه ليس من العسير أن تبرز المقصورة من بين كنوز الإرث الثقافي غير المادي لهذا البلد، ويبرز الجواهري في طليعة مبدعيه .

ومع احترامي وتقديري للشاعر أسعد الغريري، وأنا لا أنظر إليه هنا كشخص بل كنص، فأقول أن غلبة الطابع الإنشادي لقصيدته كاعتمادها للازمة محددة، وكخفة إيقاعها وسرعته وازدحامها بالقوافي الداخلية والخارجية، كل تلك العناصر لم تفلح في منح القصيدة امتيازاً، إذ استخدمت استخداماً شكلياً أضفى عليها خطابية صاخبة وإنفعالية غنائية مفتعلة . إضافة إلى أن تلك العناصر الإنشادية ظلت محصورة في حدود التزويق اللفظي ولم تُفعّل دلالياً، وبالتالي تحولت إلى غطاء صوتي للتستر على ضعف المحتوى الدلالي . وحتى هذا الدور الذي أريد لها لم تفلح في تأديته، فانفضحت بها هشاشة القصيدة وافتقارها إلى الصور المتماسكة والمركبة، والانتقالات المرنة والسريعة، والإيحاءات الذكية . وبالعموم فقد اتسمت القصيدة باجترار الخطاب الوطني الإنشائي السائد، وتكرار ما اعتادت عليه الأجيال من صيغ ومفردات، ولم تأت بالمأمول .

وبعد ذلك فأني لا أتحرّج أن أقول أنه ليس من الإنصاف وضع النصين: (ألمقصورة، وسلام عليك عراق القيم) في ميزان واحد، وليس من الإنصاف وضع الميراث الثقافي لشاعريها في ميزان واحد . وبما أننا نتحدث عن المقصورة، وما أدراك ما المقصورة؟ فأنه لمن الشرف أن يُباهي العراق العرب والعالم بها نشيداً وطنياً .

آمُل أن يكون للمثقفين ممثلين في إتحادهم، إتحاد الأدباء، عفواً إتحاد الجواهري، آمُل أن تكون لهم كلمة مدوية ومسموعة في وضع الأمور في نصابها الصحيح، وحسم الإختيار للنص الأبهى والأكثر تمثيلاً لعظمة البلد، وعدم السماح لتيار التداعي الشامل أن يجرف حتى الأرث الذي نفاخر به جميعاً .    

 

ليث الصندوق

 

سوف عبيدإنّ المتصفّح لمجلّة ـ الرّسالة ـ المصريّة في عددها 76 الصّادر بتاريخ 17 ديسمبر 1934 يقرأ قطعة شعريّة لأبي القاسم الشّابي بعنوان ـ الحقّ ـ يبدو أن ّ المجلة نشرتها بعد علمها بوفاته الذي كان بتاريخ 9 أكتوبر 1934 فقد ورد اِسم الشّابي مسبوقًا ب ـ المرحوم ـ 1934 و هذا نصّها

الحقّ

ألا أيّها الظُلمُ المُصعِّرُ خَدَّهُ

رُويدَك إنّ الدّهرَ يَبنِي ويَهْدِمُ

 

أغرَّكَ أنّ الشّعبَ مُغْضٍ على قَذًى

لكَ الويلُ منْ يوم بهِ الشرُّ قَشْعَمُ

 

ألا إنّ أحلامَ البلادِ دفينةٌ

تُجمْجمُ في أعماقِها ما تُجمْجمُ

 

ولكنْ سيأتي بعد لَأْيٍ نُشورُها

ويَنبثقُ اليومُ الذي يترنّمُ

 

هُو الحقُّ يبقَى ساكنًا فإذا طغَى

بأعماقهِ السُّخطُ العَصُوفُ يُدمْدِمُ

 

ويَنْحَطّ كالصّخْر الأصَمّ إذا هوَى

على هَام أصنام العُتُوِّ فيُحْطَمُ

 

إذا صُعِقَ الجبّارُ تحت قُيودهِ

سيَعلمُ أوجاعَ الحياةِ ويَفْهمُ

وبعد مراجعة ديوان الشّابي ـ أغاني الحياة ـ لم أعثر على هذه القطعة وإنّما وجدت بيتين في موضوع الحقّ وهما بعنوان ـ الحقّ عند النّاس

750 الشابي

الحقّ عند النّاس

الحقُّ عند بني الدّنيا إذا عَدلُوا

قَيْدٌ يُغلّ به الجبّارُ مَنْ غَلبَا

 

فقاتلُ الجُند يدعُوهُ الورَى بطلَا

وقاتلُ الفردِ سَفّاكٌ إذا صُلبَا

غير أنّ هذه القطعة ـ الحقّ ـ المنشورة في مجلّة ـ الرّسالة ـ المصرية والغير موجودة في ديوان ـ أغاني الحياة ـ نقرأ البعض من أبياتها أو كلماتها في غضون قصيدة ـ إلى الطاغية ـ التي مطلعها

يَقُولونَ صَوْتُ المُسْتَذِلِّين خَافِتٌ

وسَمعَ طغاةِ الأرض أطرَشُ أضخمُ

حبث ورد فيها بعض أبيات من قصيدة ـ الحقّ ـ مثل قوله في وسطها

أَلاّ إنَّ أحلامَ البلادِ دفينةٌ

تُجَمْجِمُ فِي أعْماقِهَا مَا تُجَمْجِمُ

وقد أبقى الشّابي فيها على البيت الأخير يعدما أبدل  في عجزه قليلا

إذا صعق الجبّارُ تحتَ قيوده

يُصِيخُ لأوجاعِ الحَياة ِ وَيَفْهَمُ

وكذلك نجد صدى قصيدة ـ الحقّ ـ في متن قصيدة ـ زئير العاصفة ـ التي مطلعها

تُسائلُنِي: ما لي سكتُّ، ولم أُهِبْ

بقومِي، وديجُورُ المصائبِ مُظْلِمُ

حيث جعل فيها بيتا واحدا من قصيدة ـ الحقّ ـ وهو البيت الأوّل

ألا أيّها الظُلمُ المُصعِّرُ خَدَّهُ

رُويدك إنّ الدّهرَ يَبنِي ويهدِمُ

وقد نلمس بعض الأثر في هذه القصيدة ـ زئير العاصفة ـ  من بيت قصيدة ـ الحقّ ـ وهو

ويَنْحَطّ كالصّخْر الأصَمّ إذا هوَى

على هَام أصنام العُتُوِّ فيُحْطَمُ

في بيت قصيدة ـ زئير العاصفة ـ حيث ورد

وهل تَعتلِي إلا نُفوسٌ أبيِّةٌ

تُصدِّعُ أغلالَ الهَوانِ وَتَحطِمُ

فيمكن حينئذ ان نلاحط أنّ مقطوعة ـ الحقّ ـ المنشورة في مجلة ـ الرّسالة ـ بعد رحيل الشّابي قد اِستغنى عنها في ديوانه ـ أغاني الحياة ـ وجعل بعض أبياتها وكلماتها في غضون قصيدتيْ ـ إلى الطاغية ـ و ـ زئير العاصفة ـ

وقد عرضتُ هذه المسألة على صديقي الشّاعر الدكتور نور الدين صمّود الذي له معرفة ودراية بديوان الشّابي وآثاره فرأى هو أيضا أنّ النص الذي نشرته مجلة الرسالة إثر وفاة الشابي مستلّ من قصيدتي ـ  زئير العاصفة وإلى الطاغية ـ

والسؤال يبقى هل أنّ الشابي أرسل نص قصيدته المنشورة في المجلة قبل وفاته أو أنّ القائمين على المجلة هم الذين اِقتطعوا بعض الأبيات من القصيدتين المذكورتين وجعلوا منها  القصيدة المنشورة ؟

أنا أرجّح أنّ الشّاعر كان قد أرسل هذه القصيدة المنشورة ـ الحقّ ـ إلى المجلة لكنه اِستغنى عنها وضمّن بعض أبياتها بعد ذلك في قصيدتيْ ـ  زئير العاصفة وإلى الطاغية ـ ومثل هذا الأمر معروف لدى الشعراء.

ولعل البحث يكشف لنا ملابسات أخرى حول هذه القصيدة .

 

.سُوف عبيد

 

 

مصطفى غلمانلا يعشق الحرف إلا من احترق به. وأنا واحد من هؤلاء، عشقت الحرف وتكوثرت بلظاه.

لمعنى الاحتراق شيء لا يهمس به، لغير من لا يؤمن بالتخاطر، والتناظر الحدسي، ومفاضلة القول الحسن. فالاحتراق غرق وموت وقيامة وانبعاث جديد، وترف أزلي غامر. الموت حياة في النعيم والجحيم، في الدربة على القادم. تمجيد البصر وتطويع البصيرة.

لا يفتر الحسن حيضرة من الإصغاء لروح الحرف وهي تخفق من التوهج والوجد، كأنها في الحالات الكلامية تنشب كثلا من الرموز والعلامات السابحة في ذرى العبارة، بين سكون وصمت، سديم وضياء، رواء وعطش، غيم وشموس محدقة. وحقيق بهذه التقاطعات أن تولد الفرادة الحلاجية القائلة:

سكوت ثم صمت ثم خرس                وعلم ثم وجد ثم رمس

وطين ثم نار ثم نـــــــــور                وبرد ثم ظل ثم شمــس

ولينظر الناس متى شاءوا، هل يصلوا هذا الموئل المعلوم، ينتبدوه بين فسائل الاصطبار والانتقالات الزمنية. كأني بهم يرددون مع الشاعر :

سر السرائر مطوي بإثبـــــــات        في جانب الأفق من نور بطيات

فكيف والكيف معروف بظاهره         فالغيب باطنه للذات بالــــــذات

ولا ينفك هذا السر أن يخرم ثباته الغامر بوحدة النفس وعزلتها، فترتفع كمائن السطوة واشتعالها على براق من التحليق والتحلق.

إن سر احتدام نزعة المحو في بياض الورق من خلال أعمال الشاعر والتشكيلي الكاليجرافي الحسن حيضرة، ذلك الانقياد المستتر لماهية الحب المكتوم، المحذور بشأفة العري، المقضوم بنقش الحجر. لا أجد له حائطا ينكتب على مفازاته سوى قول الحلاج:

الحب ما دام مكتوبا على خطر     وغاية الأمن أن تدنو من الحـــــذر

وأطيب الحب ما نم الحديث به      كالنار لا تأت نفعا وهي في الحجر

وحيضرة ينكتم في جبة الحب، محفوفا متلبسا، لا يدنو منه إلا خوفا من الوقوع بين قيوده. كما أنه لا يأسر الغوائل، إلا محدقا مهرقا بين طيوبه وتواشيحه.

جزء من تجارب الحرف الشعري الصوفي لدى حيضرة، القريب من روح الطوبيا يلامس هذا الأفق العذب من نعرات الحب وعبراته. نساء يستلقين على وسائد الحرف كأنهن يتحفزن لاستكناه نسائم الريح المسافرة بين جنائن المسك وعطور السواقي، يزيد الورود عطشا والماء اشتياقا:

يا نسيم الريح قولي للرشا     لم يزدني الورد إلا عطشا

أفيوثر حيضرة شرب الماء على مفرق الكاس، وهو مأخوذ بخيالات الظلال من كاسات المحبة؟!

إنه لا يأل جهدا من التجسد بينهما، متساويا بالعناق أحيانا، وأخرى بالإصغاء العميق لنايات الوجود وهي تشحذ عيونها الطلية بقلوب العاشقين. إنها ترى ما لا تراه عيون الناظرين ولا تدركه حواسها المنفلتة:

قلوب العاشقين لها عيون      ترى ما لا يراه الناظرون

وألسنة بأسرار تناجــــي         تغيب عن الكرام الكاتبين

وأجنحة تطير بغير ريش        إلى ملكوت رب العالمين

إني لا أقرأ أعمال الشاعر والفنان الحسن حيضرة بعيون الشاعر أو قلب الناظر العاشق. بل أقرأها كتابا مغلولا بالتجلي والتخاطر والاستدلال. فأما التجلي ففي كمونه وكبحه وإخفائه وتمثله. وأما التخاطر ففي إحساسه وتوسطه وتراهنه وتوارده. وأما الاستدلال ففي انتقاله وتفسيره وإثباته.

أفلا يكون حيضرة الصوفي المراكشي الحكيم فريد عصره ونور زمنه وعبقري حرفه، يشيح اللثام عن إنيته المتوثبة العائدة إلى فثنتها القديمة العتيقة المتذللة، تدنو من كشف الحقائق كأنها تبحث عن ملاذات مغايرة من أجل التخفي والإضمار ؟! ورب قائل، والختم لا مفر للحلاج:

أدنيــتني منك حتى ظننت أنك أنـــــــــي

وغبت في الوجد حتى أفنيتني بك عنـي

يا نعمتي في حياتي وراحتي بعد دـفنـي

مالي بغيرك أنس إذا كنت خوفي وأمني

يا من رياض معانيه قد حوت كل فـــن

وإن تمنيت شيئا فأنت كل التمـــــــــني

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

.........................

هوامش:

*  ديوان الحلاج يليه كتاب الطواسين: ترجمة وتحقيق كامل مصطفى الشيبي وبولص نويا اليسوعي – منشورات الجمل / ط 3 / 2007

* ديوان " أنا أكتب إذن أنا أمحو" مولاي الحسن حيضرة – المطبعة الوطنية ط1 2017 .

 

محمد الدعميواحدة من النتائج العرضية، أو العفوية التي طلع بها كتابي الجديد (دون تعمد) الموسوم (العقل المستشرق) The Orientalizing Mind، هي النتيجة التي رصدتها بعد صدوره، أي أثناء تعريبي للكتاب لصالح إحدى دور النشر العربية المهمة، وأقصد بهذه النتيجة: “طبقات المستشرقين”.

والحق، فإن البحث أعلاه قد قام على افتراضية أساس، وهي أن الاستشراق المحترف والذي أطلقت عليه عنوان “الاستشراق السعيدي” يختلف تماما عن “الاستشراق الرومانسي”! فإذا كان الأول متواشجا مع تقديم خدمات للإمبراطوريات الأوروبية على عصرها الذهبي الزائل، فإن الثاني يتواشج مع الأدباء الليبراليين/الرومانسيين الذين أحبوا الشرق أو جوانب منه لذاتها ولقيمتها الجمالية أو الوجدانية أو لصلتها برجل القلم ذاته.

إلا أن التفكير بهذا الموضوع وبحثه على نحو أكاديمي متخصص لأكثر من ثلاثة عقود قادني إلى استمكان ووضع المزيد من الأصناف التي يمكن تقسيم المستشرقين عليها: ففي الحال الأولى، أي الاستشراق السعيدي، نلاحظ (1) المستشرق الإداري الإمبراطوري المتمركز في “الميتروبوليتان”، العاصمة الإمبراطورية، أما لندن أو باريس أو روما، أو سواها من العواصم الإمبريالية؛ (2) المستشرق الميداني، وهو المستشرق المرتحل، الذي لا تربطه صلة استقرار بالمكاتب في العواصم، لأنه قادر على الحركة ويعتمد في عمله عليها، على جمع البيانات خلال تجواله وسياحاته بين الأقوام وعبر الأقاليم. وهو المستشرق المسؤول عن تجهيز زميله الأول أعلاه بالبيانات والمعلومات، على سبيل تيسير التخطيط والتنظير اعتمادا عليها، ثم استخلاص النتائج المفيدة حولها.

أما الاستشراق الرومانسي، فيقع على صنفين موازيين كذلك، أي: هؤلاء الذين يتعاملون مع الشرق عبر الارتحال الخيالي، وأغلبهم كانوا ينطلقون مما تجهزه به حكايات (ألف ليلة وليلة) وسواها من الحكايات المتموضعة في الشرق العربي الإسلامي، من نوع (المقامات)، وحكايات الحكمة، ولكن على ألسن الحيوان، من نوع كتاب ابن المقفع (كليلة ودمنة)، ناهيك عن القصص التوراتي والإنجليني، (الكتاب المقدس) بعهديه القديم والجديد، إذ تتموقع قصصه على “أراضي الكتاب المقدس”، من أور، جنوب بلاد الرافدين، إلى فلسطين على البحر المتوسط.

ثم يأتي دور المستشرق الرومانسي المرتحل، من نوع الكتاب الأميركان “ميلفل” Melvill ومواطنه “مارك توين” Twain، و”واشنطن إرفنج” Irving و”هاريت مارتنو”Martinue. لم يتمكن هؤلاء أن يحتووا حبهم للشرق العربي الإسلامي خاصة، فانطلقوا إليه إرتحالا، قاضين عقود وسنوات من حياتهم في أصقاعه وغامرين أنفسهم بين أقوامه، بحثا عن التجربة المباشرة والشذرات الإبداعية. زد على ذلك المؤرخين والمحققين والجغرافيين منهم. ثم يأتي دور المختصين في شؤون الشرق الأوسط والشرق الأدنى والشرق الأقصى في الجامعات والجمعيات ومراكز البحث المتخصصة (في الولايات المتحدة، خصوصا).

 

ا. د. محمد الدعمي

 

ضياء نافعاستلمت من الدكتور عماد غانم رسالة الكترونية بهذا العنوان، وقد أثارت اهتمامي الشديد طبعا. الدكتور عماد غانم أحد طلبة قسم اللغة الالمانية في كلية اللغات بجامعة بغداد، وقد سافر الى المانيا بعد تخرّجه، وحصل هناك على شهادة الدكتوراه باختصاصه، وبقي في المانيا، واصبح واحدا من العاملين البارزين في مجال الاعلام الالماني – العربي بفضل عصاميته وموهبته، وهو كأي عراقي حقيقي واصيل يتابع أحداث العراق العامة بشكل عام، والاحداث الثقافية خاصة بدقّة وتفصيل، وقد أطلع طبعا على مقالتي بعنوان – (أ.د. علي منصور... وداعا)، والتي كتبتها بعد رحيل المرحوم علي منصور(وهو أحد اساتذته عندما كان طالبا في قسم اللغة الالمانية) وأثار انتباهه ما أشرت اليه في نهاية مقالتي تلك حول استعداد (دار نوار للنشر) لطبع مخطوطات الكتب التي أبقاها المرحوم علي منصور، وكتب تعليقا يشير فيه الى استعداده بتزويدنا بمخطوطة المرحوم والتي يحتفظ بها وهي بعنوان – (معجم المصطلحات الادبية / الماني - عربي)، وهذا ما تم فعلا، ويجري الان طبع المخطوطة هذه في بغداد (بدار نوارللنشر) وباشراف أ.م. الدكتوره هديل اسماعيل والاستاذ الدكتور غازي شريف .

هذه مقدمة ضرورية لتعريف القارئ بالدكتور عماد غانم، اما رسالته، التي أشرت اليها في بداية هذه المقالة، فانها تختلف عن عمله الرائد والجميل الذي سيؤدي الى نشر مخطوطة أ.د. علي منصور. رسالته الشخصية لي ترتبط بتشيخوف، فقد عثر د.غانم اثناء بحثه في المصادر العراقية والعربية عن بدايات الادب الالماني المنشور بالعربية وكيفية تقبّل القراء العرب له، عثر على كتاب عراقي صادر في البصرة عام 1934 يتضمن قصتين مترجمتين لتشيخوف. الكتاب هذا بعنوان – (مجموعة قصص من الادب الحديث)، وهو من تأليف عبد الوهاب الامين . لقد ارسل د.عماد هذه الرسالة لي لانه يعرف اهتمامي العلمي بالموضوع طبعا،  وسألني عن امكانية متابعة هذه المعلومة الطريفة .

شكرا جزيلا يا اخي د. عماد على هذه الرسالة المهمة جدا في تاريخ الادب الروسي في العراق بشكل عام، وتاريخ دراسة انتشاره في العراق، ودراسة موضوعة تشيخوف في العراق بالذات، ولكنني في الوقت الحاضر خارج العراق، وبالتالي لا استطيع متابعة هذه المسألة كما يجب، لهذا أودّ ان اتوجه هنا الى طلبتي سابقا، والذين يشغلون الان مواقع طليعية ضمن التدريسيين في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد (دون ذكر الاسماء)، اتوجّه لكم يا اعزائي، ان تجدوا هذا الكتاب (والذي يذكر د.عماد انه موجود في المكتبة الوطنية ببغداد)، وان تحددوا عناوين القصتين ومستوى ترجمتها، وتقارنوها بالنص الروسي، وكل ما هو ضروري لدراستها . ان ظهور قصتين لتشيخوف في البصرة عام 1934 (اي بعد ثلاثين سنة من وفاة تشيخوف ليس الا) – مسألة تثير الفخر للمثقفين العراقيين، ويمكن لهذا الموضوع ان يترجم الى اللغة الروسية، وان ينشر في روسيا، اذ لا توجد في المصادر الروسية عن الادب الروسي في العالم العربي اي اشارة الى ذلك.

هيا يا اعزائي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد  للعمل من اجل  تحقيق هذه المهمة العلمية الجميلة والممتعة والتي يمكن ان نفتخر بها  في العراق، بل ويمكن حتى ان  (نباهي !) بها الآخرين . هيا الى دراسة مساهمات المثقفين العراقيين الاوائل وتقييم ابداعاتهم .  

 

  أ.د. ضياء نافع

 

حسين علي خضيرلا شك أننا بني البشر معرضون للاختطاف، لكن ما طرحه السعداوي في قصته (اختطاف) التي نشرت ضمن مجموعته القصصية (الوجه العاري داخل الحلم) يدعو للتوقف عنده وإبداء رأيٍ محايدٍ بعيداً عن المجاملات، تدور احداث القصة حول عملية اختطاف رجل عجوز اسمه (عبد السميع)، يطلب الخاطفون مبلغا ماليا من أبنائه، لكن ردة فعل أبنائه تنطوي على شيء من البرود، إذ يقول ولده: (أقتلاه ... لا يعنيني الموضوع) (1)، وتنتهي القصة بالإفراج عن الرجل العجوز، بعد قراءتي هذه القصة، يبدو لي ان السعداوي في هذه القصة كما لو انه كتبها على عجالة من أمره لان حبكة القصة لم تثر فيَ اية عاطفة كقارئ، وتتبعت خيطوها دون عناء، فقد بدت لي النهاية من السطر الأول لهذه القصة اما قتل المخطوف او الإفراج عنه، فلم نتعود من السعداوي ان يكشف خيوط أدواته من البداية، إذ يقول: (في الغرفة العفنة شبه المعتمة التي وضعه الخاطفون فيها...) (2)، بهذه الأسطر بدا قصته السعداوي ، وما جاء فيها من استهلال كان ضعيفا جداً، اما بالنسبة لاستخدام الكلمات الدارجة والبذيئة ان جاز التعبير، فلا أرى فائدة من استخدامها في النص، فقد كان يمكن للسعداوي – في ظني - ان يستغني عنها بعبارات اخرى ولكنه استخدمها على لسان احد ابطال قصته، فيقول: (أْكل خرة واسكت.) ومن ثم يقول: (... ولم يستطيع منع نفسه، وهو يغالب نعاسه، من تشَمم رائحة خراء متوهَمة قادمة من الدلو البلاستيكي الفارغ في زاوية الغرفة.) (3)، السؤال المهم الذي يدور في بالي هل شخص السعداوي الواقع على لسان ابطاله في هذه القصة وأشار الى السلبيات الموجودة في هذه الحادثة، الجواب: نعم، ولكن هل كان نقل صورة الواقع بالمستوى المطلوب، الجواب: كلا، لان الحوار الذي دار بين ابطال القصة ضعيف ولا يرتقي الى ما قدمه السعداوي من اعمال رصينة، والعمل يخلو من الإثارة ولا يشد القارئ لمتابعة الأحداث، فضلا عن تعالي صوت السارد على باقي أبطال القصة.

 

حسين علي خضير

...........................

المصدر

 1- الوجه العاري داخل الحلم / تأليف أحمد السعداوي؛ دار الرافدين – الطبعة الثانية: بيروت لبنان، 2018. ص 85. 2- نفس المصدر، ص 77. 3- نفس المصدر، 81.

 

بموجب قرار الامم المتحدة رقم661 الصادر في 6 اب1990فرضت العقوبات الاقتصادية على العراق او مايسمى (الحصار الاقتصادي) وقد شملت العقوبات حظرا تجاريا كاملا باستثناء المواد الطبية والغذائية المحدودة، وقد خضع الشعب لنظام البطاقة التموينية التي كانت تضم المواد الغذائية الاساسية وحليب الطفل الذي ينقطع عند بلوغه عمر السنة ليستبدل بعد ذلك اما بالعصير اوالماءاو يفطم الطفل رغم حاجته الماسة للحليب، ولايخفى على احد ان العقوبات طالت بصورة مباشرة الطبقة المتوسطة المتمثلة بالموظفين واصحاب المحال والطبقة الفقيرة المتمثلة بالكسبة الذين يجنون قوتهم يوما بيوم كالعامل والسائق والخ...

استمرت العقوبات سنين طويلة استنفذت جهد العراقيين وصبرهم، وبدا الناس ببيع كل شئ واي شئ لسد الحاجة، فنشطت بذلك سوق المواد المستعملة كحل بديل لمواجهة الغلاء ونقص السيولة النقدية، فكان البيع على قدم وساق كل شئ قابل للبيع والشراء قطع الاثاث، مواد منزلية، مفروشات، ملابس، اجهزة كهربائية، حتى العاب الاطفال لم تسلم من البيع والشراء، فكانت بحق سنين عجاف بكل ماتحمل الكلمة من معنى..

وهنا برز دورالمراة العرقية وبقوة، فلم تدخر وسعا في سبيل توفير الحياة المريحة لعائلتها، مارست جميع المهن خياطة، خبازة، طباخة، كانت تتفنن في كل شئ، تكيل حصة كل يوم بمثقال لكي تصل الى نهاية الشهر بسلام، لم يكن الطحين فاخرا بل في اغلب الاحيان مخلوطا بالذرة وغير قابل للخبز لكنها كانت تخبزه بروحها وجهدها لتصنع منه ارغفة لتطعم به اسرتها وهي قانعة وراضية بل ومبتسمة وممتنة وهي ترى الفرحة في عيون افراد اسرتها، اغلب البيوتات كانت تصنع الخبز والمعجنات والكبة بانواعهاوالمخللات والمربيات والمعجون ودبس التمر، وكانت المراة العراقية تتفنن بصنع الحلويات من التمر بسبب غلاء السكر انذاك، وتحوّر طبخ الطعام بايجاد بدائل اخرى في حال شحت عندها اي مادة، وكانت الموائد عامرة بما لذ وطاب ومن مواد محلية بسيطة، وقد كانت تزرع بحديقتها ماامكنها من خضروات تغنيها عن شرائها من السوق لتوفر ثمنها، ناهيك عن تربيتها للدواجن للحصول على البيض،

في كل بيت كان تنور وماكنة خياطة وادوات حياكة، كل هذه الاعمال كانت تزاولها برضىً وقناعة، فتغير فصال ملابسها القديمة لتبدو بحلّة جديدة لها ولاطفالها بل وتتباهى لانها خاطت فستان او حاكت بلوزا او جاكيتا لابنها او لابنتهاوتشعر بالفخر والراحة لانها ادخلت الفرحة على نفوس اطفالها في العيد، فحققت بذلك اكتفاءا ذاتيا استطاعت من خلاله ان تصل بعائلتها الى بر الامان..

لم تجعل هذه المراة السنين تتغلب عليها بل تغلبت هي على السنين وصرعتها وحولت الالم الى امل والعسر الى يسر والحزن الى ابتسامة، واستمرت الحياة رغم صعوبتها ورغم سنينها العجاف واصبحت ذكريات بحلوها ومرها..

لقد ادارت المراة العراقية رحى السنين العجاف بكفاءة وصبر عاليين وحافظت على اسرتها من العسر رغم التقشف ورغم الماسي لاستشهاد احد افراد اسرتها وبقيت صامدة رغم كل شئ ولازالت تقدم اروع الصور لتكون بحق امراة مع مرتبة الشرف..

 

مريم لطفي

 

عقيل العبودربما من اكثر المبيعات انتشارا وترويجا بالنّسبة للمرأة هي أدوات المكياج، ومواد التجميل، كالأصباغ،  والرموش، والعطور، والكريمات الخاصة بالبشرة وما شابه.

يضاف اليها يافظات الإعلام التجاري المتعلقة بقصات الشعر  والملحقات التي ترتبط بشفط اي تخليص الجسم من السمنة والشحوم الزائدة والتي تحتاج الى عمليات أشبه بالكبرى وفي مستشفيات خاصة.

وكل ذلك بغية إظهار المحاسن التي تتناسب ومقاييس النظر الى جمال وأنوثة المرأة، هذا الكائن الرقيق. وهذا الموضوع طبعا يحتاج الى تخصيص مالي يفي بالتكاليف المفروضة خلال ما يسمى بعمليات التجميل والتي اتخذت مسارات متعددة من ضمنها تغيير الأسنان والقوالب الخاصة بالفكين.

والأمر بالطبع يَصْب في تحسين الشكل الخارجي فقط، ما يضفي انطباعا عن حسن المظهر حيث الشعر الجميل، والعيون الجذابة بألوانها ورموشها، والبشرة الناعمة.

ولكن وبإعتبار ان المرأة تبحث عن طريقة تعبر فيها عن رقتها ومظهرها الحسن وروعتها، تم تناسي أوإهمال الوجه الثاني للجمال،  والذي يعد اكثر اشراقا واهم منفعة من الوجه الاول أي الشكل.

 وهو قضية ال inside expression؛ التعبير الدّاخلي، المعنى الذي يظهر حقيقة المرأة  وبحسب الفئة العُمرية، حيث من الملاحظ عدم الاكتراث لمراعاة الصوت، والتصرُّف، ولياقة الذوق، واللباقة في الكلام والثقافة والتعامل وفقا لآلية التصنيف السايكولوجي للمجتمع ما يحقق اللياقة السلوكية، حيث التصرف  مع الزوج غيره مع الأب، والابن، والجار، والصديق، بما يتناسب والحالة الاجتماعية للموضوع. وهذه من الأمور التي للأسف يصعب الإرتقاء اليها لدى الكثير، رغم انها من المكونات الاساسية لجمال المرأة، سيما ونحن في عصر يتاح فيه للجميع فهم هذه الحقيقة وبأرقى المظاهر.

 

عقيل العبود