ضياء نافعولد تورغينيف عام 1818، بينما ولد تولستوي عام 1828، اي ان تورغينيف اكبر عمرا من تولستوي بعشر سنوات، ومن الطبيعي انه ابتدأ مسيرته الابداعية قبل تولستوي، اذ بدأ تورغينيف بنشر قصصه في مجلة ادبية شهيرة آنذاك في روسيا عام 1847، وهي القصص التي ستظهر لاحقا في كتابه - (مذكرات صياد) . اطلع تولستوي طبعا على تلك القصص وكان من اشد المعجبين بهذه (القصص المتوهجة) حسب تعبيره، بل ان تولستوي كتب في مذكراته عام 1853 قائلا – (... قرأت مذكرات صياد لتورغينيف، و من الصعب الكتابة بعد هذا الكتاب) . توجد بين مؤلفي رواية (الاباء والبنون) لتورغينيف و رواية (الحرب والسلم) لتولستوي كثيرا من الوشائج المشتركة، وكلاهما اصبحا علميين من اعلام الادب الروسي (عرّف رسول حمزاتوف الادب الروسي مرّة في لقاء صحفي كما يأتي - انه ادب... (الاباء والبنون) و(الجريمة والعقاب) و(الحرب والسلم)...) ، رغم ان الفوارق بين اهميّة الروايتين المذكورتين ومكانتهما في الادب الروسي (والعالمي ايضا) تبين بشكل واضح ودقيق الفوارق الهائلة بين هذين الاديبين بشكل عام، اذ ان رواية تولستوي (الحرب والسلم) كانت ولازالت واحدة من اعظم الروايات في تاريخ الآداب، وهي رواية فريدة ومتميّزة بكل معنى الكلمة .  هناك – مع ذلك - الكثير من التباين والاختلافات وحتى التناقضات بينهما ايضا، بل حصل مرة خلاف بسيط بينهما وتطور، و وصل الى حد ان تولستوي دعاه الى المبارزة، والتي لم تحدث والحمد لله، اذ اعتذر بعدئذ تورغينيف بعد تدخل الاصدقاء المحيطين بهم، ولكن الامر كان خطيرا لو حدث، وكان يمكن ان يتحول الى مأساة كبيرة في تاريخ الادب الروسي، رغم انهما – بعد ذلك - تباعدا عن بعض حوالي 17 عاما باكملها، ولكن العلاقات عادت بعد ان هدأت النفوس طبعا . وكل هذه الجوانب من التشابه والتباين والتناقض بينهما يشير اليها مؤرخو الادب الروسي بالتفصيل في دراساتهم وبحوثهم عن هذين الاديبين، ولا يمكن بالطبع عرض كل ذلك للقارئ العربي في اطار مقالتنا هذه عن تولستوي وتورغينيف، ولكننا سنحاول الايجاز قدر المستطاع .

تؤكد الدراسات والبحوث قبل كل شئ على التقارب والتشابه والتناغم بين تورغينيف وتولستوي بشأن الموقف من حق العبودية او حق القنانة، الذي كان سائدا في روسيا آنذاك، رغم انهما كانا ضمن هؤلاء النبلاء من مالكي الاراضي الزراعية وفلاحيها الخاضعين للعبودية، وهو موقف سياسي وفكري طبعا، ولكنه مهم فعلا، اذ انه يعني الكثير بالنسبة لروسيا ولحركة المثقفين فيها بشكل عام، وتربط تلك الدراسات هذا الموقف مع كونهما كانا ضمن كبار ادباء تحرير مجلة (سوفريمينك) في نهاية خمسينات القرن التاسع عشر (توجد صورة جميلة و مشهورة تجمعهما في المجلة مع بقية الادباء الروس مثل غانجيروف واستروفسكي، وغالبا ما ينشروها في مختلف المصادر عنهما )، وكلاهما تركا تلك المجلة بعد ان بدأت بنشر مقالات ذات توجه ثوري، لانهما لم يتفقا مع هذا الخط الفكري، الذي بدأت المجلة بانتهاجه برئاسة الشاعر نكراسوف، وهي مواقف فكرية مشتركة طبعا من قبلهما، باعتبارهما اديبين يصوران الواقع الروسي بموضوعية، ولا يدعوان الى الثورة كأسلوب لتغيير الواقع . ولكن هذا كله لا يعني، انهما كانا في اطار (جبهة فكرية واحدة) ان صحّ التعبير، اذ ان تورغينيف فلسفيا كان يميل الى النزعة الغربية، بينما كان تولستوي يؤكد دائما، ان الانسان الحقيقي يجب ان يكون قريبا من ارضه، وان الانسان الذي يبتعد عن الارض، فانه يبتعد عن انسانيته . يتناول احد الباحثين الروس مسيرة تورغينيف وتولستوي في شبابهما، وكيف ان تورغينيف (فتح عينيه) في اجواء جامعات موسكو وبطرسبورغ وبرلين ( درس في جامعة برلين بعد انهاء دراسته في روسيا)، اما تولستوي، فقد درس في جامعة قازان (درس اللغة العربية والتركية فترة، ثم درس القانون لفترة) ثم ترك الدراسة الجامعية، وتطوع بعدئذ في صفوف الجيش، وهكذا يصل هذا الباحث، الى ان تربية تورغينيف ومسيرته قد أدّت به الى النزعة الغربية نتيجة لدراسته الاكاديمية العميقة (كان تورغينيف معجبا جدا بحضارة اوربا)، بينما تولستوي كان أقرب الى الروح الشعبية الروسية، المرتبطة بالارض . ان هذه الطروحات فلسفية بحتة، ولا يمكن طبعا الاتفاق معها او الاقرار بها دون دراسة معمقة ومناقشة شاملة ومتعددة الجوانب، ولكن هذا الباحث – مع ذلك - استند الى وقائع حياتية محددة ودقيقة عندما عمل استنتاجاته حولهما.

نختتم هذه الملاحظات الوجيزة حول هذا الموضوع الكبير في تاريخ الادب الروسي بالتوقف عند الرسائل الاخيرة، التي تبادلاها تولستوي وتورغينيف، عندما كان تورغينيف في باريس طريحا على فراش الموت، اذ كتب تولستوي اليه رسالة مؤثرة يقول له فيها – (لقد شعرت كم احبكم أنا، وحتى فكرت ان اسافر الى باريس لرؤيتكم ...) وينهي تولستوي رسالته هكذا – (.. اعانقك ايها الانسان والصديق القديم والحبيب والعزيز عليّ جدا)، اما تورغينيف فقد طلب منه في جوابه ان يرجع الى الكتابة الادبية، وقد أسماه - (الكاتب العظيم للارض الروسية)

 

أ.د. ضياء نافع

 

نايف عبوشلقد أجاد الشاعر الكبير، والأديب الفحل ابو يعرب، في قصيدته (مرثية آل الزويد)، التي ألقاها من على شاشة قناة سامراء الفضائية، عندما استضافته، في برنامج خيمة وكصيد، إطراء ورثاء، أعلام مشيخة آل الزويد . وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن اسلوب المدح، والثناء، والتأسي، والرثاء، في شعر أبو يعرب، قد تجلى بشكل واضح، وفي أروع صوره، في هذه القصيدة العصماء .

ولعل ذلك المنحى الجدلي البليغ، يأتي جريا على عادة فطاحل الشعراء، باعتماد صيغة الإطراء،والتأسي معا، لدواعي الاشادة بالمعاني الإنسانية، والمناقبية الفاضلة، باعتبارها معاني إنسانية، وقيما اجتماعية راقية، تستحق التنويه، والإشادة،والتوثيق، ابتداء،ناهيك عن أن الشاعر الكبير ابو يعرب، هو نتاج القرية،وابن الديرة، الذي عاش كل تفاصيل حياتها،وتقاليدها في اطراء المكارم، وذم المفاسد، والتغني بالمعاني الرفيعة للقوم، في المجالس، والدواوين. ومن هنا نجده في مدح الشيخ الراحل خالد المحيميد الزويد يقول:

ياخالد الخير يا قطبا لمجلسنا ..  يادوحة الفضل أنعم فيك من رجل

وبقصد التأسي، وتواصلا مع نهجه في جدلية ترادف تلك المعاني ، نجده يقول:

الموت ورد وكل الخلق وارده ..... إذا انتهت للبرايا فسحة الأمل

ولأنه قد تعايش مع آل الزويد لفترة طويلة، وخبر مكارمهم، وأنس مجالستهم عن قرب ، فقد أتى على ذكرهم  تباعاً، إذ نجده يقول في إطراء الشيخ الراحل يوسف المحيميد الزويد:

إني تذكرت والذكرى مؤرقة ....... أبا حسين كريم العم والخول

قد كان يوسف ذا خلق وذا كرم ..... وكان أصبر في الشدات من جمل

 وكان مجلسه يسمو بحكمته ...... وصانه الله مولانا من الخطل

في حين يستمر في إطراء سجايا القوم، جريا على نفس الشاكلة من الثناء الرفيع، حيث يقول في الشيخ صالح: 

ولست أنسى صديق العمر صالحهم .. وكان ينصفني في القول والعمل

ليعرج برثاء مؤثر للشيخ صابر الزويد، بصيغة إطراء رقيق:

وصابر كان بين الناس محترماً ... وفي المجالس غير الحق لم يقل

ابو ربيع وكل الناس تعرفه ........ فيه الشهامة كهف الحق والمثل

ولأن الزويد عنده من أعمدة القوم، وأركان القبيلة.. وهم من بين القليل اليوم.. ممن يتمسك بالتراث، ويتشبث بالأعراف والتقاليد الاجتماعية الموروثة.. حيث يجد الضيف في ديوانهم العامر دوماً بالربع والأهل، والضيوف،كل الترحاب، ويتلمس حلاوة معايشة تلك التقاليد الأصيلة عندهم، بعفوية مطلقة، خالية من كل اصطناع، فقد تعمد الشاعر أبو يعرب خصهم في مرثيته، بالخيرية الجمعية، إجمالاً، حيث يقول فيهم:

آل الزويد وقد كانوا وما فتئوا ....... رهط إلى الخير يسعى دونما كلل

 وبإضفاء نعت (رهط الخير) على آل الزويد ، يكون الشاعر أبو يعرب قد انصفهم حقاً، فاستحقوا بهذا الوصف، أن يكونوا أمناء تراث القبيلة، والديرة.. ومن ثم فهم جديرون بكل حرف قاله بحقهم، في مرثيته الرائعة .

 

نايف عبوش

..........................................

 * مرثية آل الزويد.. قصيدة للشاعر الكبير إبراهيم  علي العبدالله (أبو يعرب)،في رثاء المرحومين: خالد ويوسف وصابر وصالح، أولاد المرحوم محيميد الزويد، شيوخ عشيرة اللهيب في محافظة صلاح الدين .

 

احمد الكنانيلشهر الصيام إيقاع خاص في ابيات مولانا جلال الدين، يتنوع بين الابتهاج به والفرحة لقدومه، وبين المناجات وذكريات الاحبة المؤلمة، نغمات مزيجة بين سعادة القدوم وألم العودة للذكريات والتي سرعان ما يستيقظ مولانا من سلطتها؛ فالماضي والالتفات اليه ذنب لا ينبغي فعله .

نغمة الفرح ظاهرة في تلك الابيات التي أنشدها مولانا في استقباله للشهر من حيث المعنى والأوزان الشعرية، وكذلك الحزن في قصائد المناجات .

آمد شهر صيام سنجق سلطان رسيد

       دست بدار أز طعام مايده جان رسيد

وسنجق السلطان عبارة عن أولائك الرجال الذين يحملون الإعلام استقبالا وتعظيماً للملك، وهو تشبيه غاية في الروعة في تصوير شهر رمضان بموكب الإعلام المُعَد لاستقبال الملك صاحب الضيافة الروحانية، ويتطلب ذلك رفع اليد عن طعام الابدان والاستعداد لغذاء من نوع آخر، فمائدة الروح حان بساطها .

جاء شهر الصيام وموكب الرايات قد وصل

ارفع اليد عن الطعام فمائدة الروح قد وصلت 

والإشارة هنا ظاهرة الى ضيافة الرحمان الواردة في الآثار النبوية "هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ الله" .

شدم بربام مه ببينم

     كه بودم من به جان دلخواه روزه

نظر كردم كلاه أز سر بيفتاد

      سرم را مست كرد آن شاه روزه

في هذين البيتين يصوّر مولانا رؤيته لهلال شهر الصوم وكيفية سقوط قبعته من على رأسه اثناء رؤيته للهلال وكأنه أصيب بحالة سكر وذهول …

وهنا اقف مندهشاً لحلاوة التصوير بين رؤية الهلال وسقوط القبعة، وبين الصوم والتجرد عن الماديات من الملبس والمأكل والتي عبّر عنها ب " كلاه " وهو الشئ الذي يغطي الرأس .

 فرؤية الهلال إيذاناً  بالدخول الى عالم علوي ولازمه التجرد مما يغطي الرأس ويحجبه عن استلهام الوحي الإلهي، هو بالضبط كالدخول الى الوادي المقدس وخلع النعلين عند بابه في قصة اللقاء الموسوي مع الله الواردة في الكتب السماوية،والدال على التجرد المادي واستقبال الرؤية الإلهية.

والمعنى في هذين البيتين أراه اشد وطأة وأعظم قيلا اذ ان سقوط الكلاه ليس كخلعه والسقوط يحصل بقوة خارجة عن الإرادة، فأنت برفعك رأسك الى الأفق الأعلى ستسقط قبعتك لا محالة بعكس الأمر بالخلع والامتثال الإرادي للآمر.

وأكثر من ذلك: ان قصة المناجاة المولوية وحالة السكر والذهول فيها حصلت لمولانا بمجرد رؤية الهلال اذ لا صوت للإله يُسمع ولا رمز يُرى، هي رؤية مجردة لهلال تحصل كل عام  ويراها كل البشر لكنها رؤية من نوع خاص عند المولوي:

نظر كردم كلاه أز سر بيفتاد

      سرم را مست كرد آن شاه روزه

 بينما حالة الصعق حصلت لموسى عند رؤيته الجبل الذي هو رمز لرؤية الله المحجوبة عن الإبصار :

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚقَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا .

وكما ان النوع الاول من ابيات المولوي يُستنشق منها نسيم قدوم رمضان البهيجة كذلك النوع الآخر من إيقاع ابيات مولانا في المناجات حيث يعلوها الحزن وتفوح منها رائحة الذكريات….

وما اعذب تلك الابيات التي تقرأ عند الإسحار وقبيل الافطار من خلال التلفاز في ايران وتنشد بصوت محمد رضا شجريان الشجي، اجراها شجريان بطلب من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وتبث في شهر رمضان من كل عام :

ین دهان بستی دهانی باز شد

تا خورنده لقمه‌ های راز شد

چ‍‍ند خوردی چرب و شی‍‍ری‍‍ن از طعام

امتحان ک‍‍ن چ‍‍ند روزی در صیام

چ‍‍ند شب‌ها خواب را گ‍‍شت‍‍ی اسی‍‍ر

 يك شب‍‍ی بی‍‍دار ش‍‍و دول‍‍ت بگی‍‍ر

*

هذا الفم عندما يغلق يفتح فما آخر

اكلتَ الكثير مما طاب من الطعام طوال تلك الايام

جرّب الصوم في بعض الايام

وطوال تلك الليالي كنت اسيرا للنوم

دع النوم في ليلة واغتنم تلك الكنوز

كنت استمع لهذه الابيات بصوت شجريان منذ الصبا وما زلت اسمعها واشعر بحالة من الحزن تنتابني واعيش لحظات صمت كلما شعرت بالحاجة اليها فراراً ممن يحيط بي .

تراني مدان لمولانا جلال الدين في لحظات الصمت والسكون . 

ثم مولانا ما ان يقبل عليه شهر رمضان الا وتطير به الذكريات الى الذين فقدهم وطالما حنّت اليهم روحه، الى رفيق دربه واستاذه الذي انقذه مما كان عليه ودلّه على طريق السالكين ذاك هم شمس الدين التبريزي:  

بیا ای شمس دین و فخر تبریز

          تویی سرلشکر اسپاه روزه

ينادي على شمس الدين ان يأتي ويقود قافلة الصائمين، اذ يراه الاولى بقيادة جيوش المؤمنين،  هو المنقذ وهذا وقت المجئ

  

احمد الكناني

   

 

سونيا عبداللطيفمن تلك الجبال والربوع الممتدة تشبع بالنسيم العليل.. عاش بين رفرفة الاشجار والمروج الخضراء يناجي الطيور.. يحاكي الزهور.. وبين الطرافة والأصالة.. وعمق الحضارة... هو الشاعر بوبكر العموري القادم من مدينة الكاف الواقعة في الشمال الغربي من بلاد تونس المجاورة للحدود الجزائرية... هو ناشط سياسي ونقابي سابقا.. وناشط ثقافي في الساحة الثقافية التونسية.. بدأ رحلته منذ الشباب عاصر العديد من الشخصيات الأدبيةوالشعرية والفنية.. له قناعاته وله قراراته.. يفعل ما يحب ويذر ما لا يريد...

وهاهو في مجموعته الشعرية برزخ 2 والتي اختار لها عنوان القطار يحملنا معه في جولاته.. متهاته.. ذكرياته بحلوها ومرها وفرحها وترحها...

تقديم الكتاب:

يتألف الكتاب من 14 قصيدة من ضمنها خمسة قصائد تحمل نفس العنوان " القطار " وقصيدتين تحت عنوان " موال 1 و2 . عدد صفحات الكتاب 117

القطار: ج. قطُر وقُطُرات . عربات السكة الحديد المتتابعة وبهذا المعنى تذهب كل الأذهان .. فحالما تذكر هذه الكلمة أو تقرأها أو تكتبها تظهر في شاشة عقل الإنسان صورة القطار الطويل الذي على السكة يسير ويحمل في عرباته الركاب .. ينقلهم من مكان لآخر..

القطار رمزيا يختلف معناه ووصف صوره من شخص لأخر بحسب الثقافة والمعرفة والنوايا والتجارب والمعاناة.

هنالك من الأشخاص من يعتبر القطار وسيلة نقل عمومية يسير في طريق ممتدة لا نهاية لها والرحلة فيه تطول وتطول... وهناك من يعتبر القطار العُمْر الذي يسوقنا ويقودنا في رحلة بلا نهاية فلا ندري متى يتوقّف بنا وكيف ينتهي أو أين ينتهيوالقطار... بل العُمْر..

آخرون يفسّرون القطار أنه الموت وقابض الأرواح فهو عزرائيل الذي ينتقل ويطوف البلدان في رحلة مستمرّة لامتناهية يقطف من البشر حيث مرّ أرواح من شاء منهم ليلقي بهم في عربته التي يجرّها وليواصل رحلة السّفر دون كلل أو ملل...

القطار هو أيضا الزّمن .. هو الوقت الذي يجري .. يمرّ بسرعة ولا يعود ولا يلتفت ويغدو مافات ملك الماضي وما هو عليه هو الحاضر وما سيأتي وسيحدث هو الغد والمستقبل..

القطار هو الإنسان بما يحمل على أكتافه من أثقال وما يخبّئ في صدره من أوزار وأسرار وما يشغل باله من هوامش أفكار وأوهام..أحزان وآلام...

القطار هو الوطن بانتصاراته وانكساراته بعظمته وانحطاطه بقوّته وضعفه .. بحكامه وأقزامه.. بققافته وجهله .. برخائه وفقره.. هو قطار من الهموم وتاريخ حضارات تعاقبت على مر الدّهور.. صراعات ونزاعات منذ الأزل وحتى الأبد..

القطار هو الكون.. السماء والاجرام.. الشمس القمر.. الأرض والنجوم..جميعهم سائرون في رحلة دون وجهة في حركة دوران وفي تتابع حول مدار ثابت ولا احد يعلم متى تنتهي حياة هذه المخلوقات والكائنات ومتى ينتهي ركضها وجريها...

القطار... قطر.. جمع قطرة....قطرة ماء... ندى..دمع ينهمر ينسكب.. يسيل.. يجفّ...

باختصار... القطار هو الحياة...

وماذا عن قطار الشاعر بوبكر العموري " ماذا يعني به..

إن قطار الشاعر في قصائده أخذ مساحة كبرى وهامة ونظرا لأهمية هذا القطار جعل له خمسة قصائد بهذا العنوان ... فهل قطار الشاعر هو تلك العربات الضخمة العديدة التي تسير فوق سكة الحديد لتنقل الركاب من محطة الى أخرى وصفيره يعلو الفضاء كلما اقترب من محطّة أو همّ بمغادرة محطة.؟

أم أن قطاره يعني الزمن الذي يأخذ العباد دون استشارتها..

..دون عودة.. دون توقّف..

فإذا كان القطار الحقيقي يستريح في المحطات ويقف حين يبلغ النهاية ليعود من جديدة في رحلة ذهاب واياب...

القطار يعود والعٌمْر ، هل يعود؟

الشاعر بوبكر العموري أطلق على قصائده في أول الصفحات

" موسيقى الاعوام الماضية" أو " قطاريات "إذ نجده يسرد محطّات من حياته.. لقشات من عمره أطلق عليها" موسيقى الأعوام " ... فهل للأعوام موسيقى تعزفها؟

في كل الحالات الموسيقى أنغام وألحان تؤدى بكل الوسائل والطرق ..وتكون بكل الحالات..صامتة وهادئة.. صاخبة ومزعجة.. ممتعة وعذبة.. مملة ومقلقة..حزينة وكئيبة..

الموسيقى ألوان إذن .. فعن أيّ لون يحدّثنا الشاعر بوبكر العموري؟ وما لون هذه الأعوام التي يذكرها في قصائده.. هكذا جعل موسيقاه مضافة إلى الأعوام (موسيقى الأعوام) ثم يثريها بوصف (نعت) الماضية فهو يشير الى ما مرّ وفات ولابدّ أنّه يستعرض محطات هامة من ماضيه من خلال استرجاع بعض الذكريات أطلق عليها " القطار "

* القطار 1:

نلاحظ أن الشاعر في هذه القصيدة يعبر عن حالة وجودية يعيشها عن قلق معشش في ذاته وينتظر الفرج لكنه لا يأتي برغم محاولاته في الانتصار على هذه المصاعب وقبل مداهمة الزمن له الذي يمرّ كعادته سريعا وقبل فوات الأوان.. فكل شيء يمضي إلا عو ثابت في مكانه لا يتزحزح لأن الفرج لم يأت والهموم لم تنجل فبقي وحيدا في محنته يعتصر جبنة المستحيل عسى أن يُفتح له باب ويدرك طريق اليقين ويجد الدّليل ويقول في ص 40~41~42

أرشف الشاي

من شفّة الوقت

مرّ القطار

ولكنني بانتظار المحطة

أرشف البحر وحدي

أعتصر

جبنة المستحيل

ثم يعيد نفس اللازمة فيقول:

مرّ القطار

والمحطات مرّت...

بانتظار المحطة علّني

أمسك وجه المستحيل

القطار هنا في نظري يقصد به الزمن والعمر والوقت وما الشاي والبحر سوى كثرة المشاكل والهموم ومرارتها أما المحطة فهي الفرج والانفراج.. وفي كل هذه الظروف الشاعر مكبّل وساكن في مكانه ( وحيد - واقف - واجف - راجف..) وبدل أن يتحوّل هو إلى المحطة ويقصدها جعل المحطة هي المتحركة والمتنقلة .. إذ يصور نفسه هو بانتظار المحطة التي لا تأتيه..

* القطار 2

في هذا القصيد الثاني الذي يحمل عنوان القطار 2 لا أظنّ القطار إلا الفرح والسعادة.. فالشاعر كرّر في قصيدته عدّة عبارات بل جملا وحتى مقاطع جاعلا إياها لازمة يعيدها في مطلع كل مقطع اذ يقول :

هل ترغبين في الحب؟

هذه الجملة تكرّرت خمس مرّات ثم كرر المقطع الآتي ستّة مرات :

قطاري

يمرّ سريعا

ولا وقت لي..

والمقطع :

كل ما قد عرفت من الحب مات

كل ما سوف يأتي احترق

تكرر مرتين

القطار هنا كما ذكرت أرجّحه للفرح .. الفرح المنتهي القصير السريع الذي لا يدوم ولا تطول فترته الزمانية المدة الكافية كي يشعر صاحبها بالسعادة والهناء الكافي ليتمتع ويستمتع.. ويقول أن كل ما عرف من الحب قد مات ويذهب به التشاؤم الى حدّ القول :

كل ما سوف يأتي احترق

وقد كررها مرتين.. فالشاعر يسأل ويتساءل ولا ينتظر إجابة على أسئلته ( هل ترغبين في الحب.. ) لأن الإجابة معلومة عنده مسبقا بحكم التّجربة وتكرار نفس الخيبة ونفس الفشل وعجز الفرح عن الدخول الى قلبه .. فالبلاد صارت غنيمة والعباد صارت كالحجر ويقول: (بلادي دم..) مرتين .. فمن أين سيعرف الفرح طريقه إليه والأحزان تملأ جيوب الوطن .. وينهي الشاعر قصيدته تأكيدا على إحساسه بالمرارة وأن سعادته مقترنة بسلامة الوطن يقول :

فآخر هذا القطار

الوطن..

* القطار 3

يهدي الشاعر قصيدته هذه لزوجته " حبيبة السعيدي " يقول: (بثلجها ودفئها ونارها) ويبدؤها بالمقطع التالي:

كيف أجدّد دمعي

بعدما اهترأت عيوني

وقد أعاد هذا المقطع ثلاثة مرات ورغم أنه عنون قصيدته ب "القطار3" إلا اننا لا نجد كلمة واحدة ذكرت لعبارة القطار لكنه تعرض إلى مفردات تتعلق بالسفر وتدل على الرحلة فما القطار سوى وسيلة نقل..(رحلتي.. السفر.. سفينة.. الاغتراب.. عودتي.. مرفإ .. أمتعة السفر.. )

على ما يبدو أن الشاعر في هذه القصيدة يسرد اعترافات لمحطات عديدة مرّ بها كان فيها الكثير من الانكسارات والزلاّت والهفوات والتقصير والتنهيد بسبب متاهات الحياة وهمومها والصراع فيها من أجل غد أفضل ويوم أسعد .. إن هذا التيه سبب لصاحبه إحساسا وشعورا بالذنب فربما يعود إلى حبيبته ليخبرها أنها الأصل والجذور التي دونها لا توجد الشجرة وأن الكائن مهما تغرّب لا يتخلّى عن أصله وعرفه ولذلك نراه يطلب من حبيبته أن تتحمّل شقاوته وتمحو ذنوبه وتغفر له اخطاءه وزلاّته فتراه يخاطبها قائلا:

من يا ترى تمحو ذنوبي؟

من يعيد الماء بعدك بعد أن قتلوني؟ ص -66~67

كيف أراك مرةأخرى وأخرى وأنتِ على جفوني؟

كيف أراك مرة أخرى وأخرى وأنتٍ من كانت عيوني؟

ثم يقول مؤكدا ص 65 :

إني أحبك/هل تفهمين/ براءتي وقصيدتي / أقولها الآن/ أحبك/رغم ما خط الزمان / على الضلوع/ من الحروب/ أحبك برغم..

* القطار 4

كم أشتهيك وكم تشتهيني

ولكنني لا أريد

مرة أخرى لا أجد أثرا لمفردة القطار في هذا القصيد ولكن هنالك من الدّلالات ما يوحي بالسفر ووجود الرحلة والمضي في الزمن والقطار هو أعظم دليل على رحلة الإنسان وسفره معنويا ومحسوسا.. ومن هذه المفردات نجد ص 84 :

أرسو- امتطائي- طريقنا - الرحيل - بلاد - المسافات - دودة السفر- على سفر..

ونراه بدأ قصيدته بذلك المقطع (كم أشتهيك- وكم تشتهيني.. ولكنني لا أريد) وجعلها لازمة يكررها عند بداية كل مقطع فقد ذكرت عشرة مرات او أكثر ... ترى ماذا أو من يشتهي الشاعر ومن التي تشتهيه وكم تبلغ نسبة الشهوة هذه بينهما مادامت مشتركة.. ويأتي الرد؟ سريعا منه بالاستدراك (لكن .. لا أريد ) فبرغم الشهوة العارمة التي تجتاحهما يقول... لا أريد... مرة أخرى عن أي شهوة يتكلم الشاعر؟

يرجع الشاعر بذكرياته باستحضار صورة الوطن وعدة أوطان عربية استبد فيها الخوف وسكنها الظلم والاستبداد وكثر فيها النهب والاستغلال إلى حد أصبح فيه المواطنون جياعا..عراة.. حفاة.. فيقول :

هل نبني خيامنا في البحر؟

أم نمضي إلى روما

ونمشي في مسارحها

وحوشا

تروضنا العبيد

الشاعر في حيرة واضطراب إن كان الغد يحمل بشرى لهذه الأوطان التي سرقت وقسّمت وفتّتت وذبحت وقتلت.. وان كان الكهان سيفرج عنها فتنفرج المعاني وكم يتمنى لو يحدث ذلك حقا كي يخسر الرهان إذ هو يشك في أن ترى البلدان العربية النور والعزة والفخر يوما كما رأتهم في العصور السابقة عندما بلغ صيتها بلاد الإفرنج والإسبان والغجر ويخشى ان تتحول شعوبها وحوشا تروضها عبيد الغجر.. فالشاعر يشتهي وطنه كما يشتهيه وطنه وأن يعود الوئام بينهما..ولا يريد ان يتحول إلى سفاح وطاغية في قومه وبين اهله...

* القطار 5

يعود الشاعر إلى قطاره ليركبه ولكنه قطار واحد أوجده في هذه القصيدة ص 100 فوجدت عبارة واحدة للقطار فيها وكذلك عبارة واحدة " المحطات " وعلى ما أظن أنه يشير بالقطار إلى العمر والزمن الذي يعبرنا ويمر بسرعة فيقول :

منذ عشرين عاما

وهذا القطار

يعجل بي

وتكررت عبارة " عشرين عاما " ثلاثة مرات ... هكذا مرت عشرون عاما على الشاعر سريعة لم يتفطن لها ولا إليها وما عرف خلالها سوى التعب والانهاك والشقاء والوهن والصراع.. فقد كان يخوض البحار ويجوس المحطات محاولا ان يوجد الحق والنور والضياء مدافعا عن الضعفاء باحثا عن العدالة والكرامة " يفرك شمسا " " يزرع نجما " محاولا تبديد المخاوف والهموم ولم ينثن عن ثنايا همومه ولن ينثني.. ونسي أن له قلبا من حقه أن يعرف الفرح .. نسي أن له قلبا يمتلكه فلم يدرك ذلك إلا بعد فوات ومضي عشرين عاما .. حين جاءته... هي ..أثارت فيه المشاعر والأحاسيس فأحس أن له قلبا... ويحب.. وإشارة إلى ضياع عمر الشباب منه عمر الحياة.. عمر الهناء..

يقول ص 104:

وما كنت أعلم

أني أملك قلبا

ولكنكِ جئتٍ

في آخر الدرب

جئتٍ

وجاء السؤال

ماذا سيفعل

هذا الشقي

بقلب يحبّ؟

الجزء الثاني:

من القصائد التي لفتت انتباهي في المجموعةالشعرية القطار للشاعر بوبكر العموري هي التي تحمل نفس العناوين فبعد القطار الذي تكرر خمسة مرات وفي خمسة قصائد نرى العنوان " موال " قد جعله عنوانا لقصيدتين ص 52 و106

عادة الموال هو بيت القصيد ... يقع التغني به وترديده بمعنى تكراره عند بداية كل مقطع جديد وللحفاظ على الإيقاع ونقول في عاميتنا " عدنا للموال القديم " او " رجعنا الى نفس الموال.." المقصود به الحديث الذي كنا خلصنا منه وأقفلنا عليه بتكرار نفس الموضوع... أو الكلام الذي لا يفيد.... كما نردد الموال في الغناء نستفتح به وعادة ما يكون شجنا ووقوفا على الأطلال.. استرجاعا لبعض الأحداث والذكريات..مناجاة..حنين.. وجع..بوح....

فما هو موال الشاعر في قصائده؟

* الموال 1

يبدأ الشاعر قصيدته ب:

تلك العيون التي أرخت سهاما

إلى القلب

أصابت

لكن قلبي مات

ويقول أن الحب قد فارق قلبه وغادره بعد أن كانا صديقين وصار يطلب الانعتاق من الحب فما الحب عنده إلا حالة من السبات ويعتبره مضيعة للوقت وخسارة في هذا الزمن المستعجل ولذلك لا فائدة منه...ويقول :

قطاري

يمر سريعا

ولا وقت لي

للسبات

مع العلم ان هذه اللازمة او الموال إن شئنا قد ورد ايضا في قصيدة القطار 2 ص 42 كالآتي:

هل ترغبين في الحب

قطاري

يمر سريعا

ولا وقت لي

كي...

أو ص 53~54

فاعتقيني من الحب

ونفس المقطع تكرر في قصيدة موال 1 مرتين ..

هل هذا هو موال الشاعر؟ هل ذلك الموال الذي يقصده حين كرره؟ وهل هذا التكرار لنفس اللازمة والمقطع صدفة أم مقصودا أم هفوة وفي قصيدتين مختلفتين؟

هكذا هو الشاعر يردد مواله بأن لا وقت له للحب وانه لن يضعف ولن ينهزم لهذا الحب ولن ينتصر الطرف المقابل عليه في الحب إلا في الرؤى إن استطاع.. فيقول ص 53 :

اتركيني بحق السماء..

فما عاد يأسر القلب

غير هذا المضيق

اتركيني

وعودي

الى غرفة النوم

والمزهرية

نامي

لعلك في الحلم

تنتصرين علي

* الموال 2

يتواصل التشظي والانشطار والانكسار بالشاعر إلى حد الملل واليأس وفقدان الأمل فالزمن عنده سراب والعمر فناء يمضي بلا عودة والأحزان تكبّله وتلفّ به لفّا من كل صوب رغم ركضه وسعيه إلى معالجة الزمن والانتصار عليه غير أنه ينهزم ويشعر أن القدر يخذله وأن العمر ينتهي وان الموت أقرب إلى نفسه وجسده من الفرح فيقول مناديا ص 106 :

أيا حبنا القابع

في دهاليز

من شرودك

تصلي لأغنية قادمة

بربك قلي

ألا تشتهي

أن تسافر فيك الزوابع

...

ألا تشتهي..

وأنتِ الطريق الوحيد

برغم المسافة

آخر المحطات... أنتِ

...

فلا تفزعي

من تمزقي بين التفاصيل

وادخلي

فأنا بيتك الكنسي

ورهبانك

ادخلي جسدي الآن

عارية

من تفاصيل أمس ثقيل

آدخلي

فما عاد في العمر إلا القليل

وأختم قراءتي لمجموعة القطار بالقول أن الشاعر بوبكر العموري كان متنقلا في قصائده عبر وبين محطات العمر العديدة راكبا قطاراته السريعة التي تشق الزمن وتعبره دون توقف أو تمهل ونراه أحيانا هائما في قطارات الأحزان الحاملة لهموم ومتاعب الوطن ناسيا ذاته وناسيا من كان له حق عليه..ناسيا حتى قلبه وعاطفته وناسيا الأقربون إليه.. لأنه كان حامل رسالة مسؤولية البحث عن الفرح لهذا الوطن .. ويمضي القطار ...

فهل يمكن اعتبار الشاعر أنه القطار أيضا .... ؟

 

إنجاز الأستاذة سونيا عبد اللطيف

 

 

جواد غلومزارتني قبل أمدٍ ليس ببعيد عائلة ابنتي المقيمة في بلاد الثلج والزمهرير فهللتُ فرحا بهم بعد ان ولّت الوحشة منّا وحزمتْ حقائبَها ورحلت هي الأخرى لتفسح المجال لنا لننشر دفء المحبة ونجتمع معا في ايام جميلة قد لا تتكرر لاحقا .

كنت على الدوام طيلة وجودهم معي في بغداد ألاعب أحفادي الصغار؛ وكم يتشوق شيخ هرم مثلي ان يرى نبتَه يكبر وينمو ويشيّد عائلة متحابّة ويثمر هو الآخر أغصانا وبراعم يانعة تنعم بربيع لقاءٍ كاد ان يكون عسيرا ولمّة حلوة أوشكت ان تصير حلما صعب التحقيق ، فما أحلى اللعب مع الصغار والاستزادة من فيض البراءة الملائكية والطهر والعفويّة الكامنة فيهم حينما تجيئك حفيدتك بكل محبة وتعلّق وهي تشدو أمامك : جدو   جدو  .

ففي يوم جمعةٍ وخلال وجودهم وقضاء زيارتهم معنا هممتُ ان أزور أصدقائي كعادتي في نهاية الأسبوع وأصلهم في شارع متنبي بغداد كي نلتقي ونتبادل الحديث في الأدب والسياسة وأوضاعنا المربكة وغير المربكة واعتذرتُ من ابنتي لأستأذن بالرواح الى لقاء أصدقائي لأني سأغيب عنهم بضع ساعات .

 وما ان سمعتْ حفيدتي الخاتون الصغيرة  اسم شارع المتنبي، أصرّت ان تكون بصحبتي وتجول معي هناك وبرّرتْ كلامها ببلاغة راقت لي قائلةً :

--- كيف اسمع بشارع المتنبي ولا أراه وهو الأقرب لي الان مسافةً كقربه الى قلبي ، فشعرت بالفرح لأنها لم ترَ مرفق بغداد الجميل وسوق كتب المتنبي ويكاد يكون هذا المكان الوحيد المتميز بجماله في حالنا الكئيب المكفهرّ الآني .

أزادتْ خاتونتي الصغيرة من طلباتها دلالاً مع جدّها وقالت انها تريد سماعة هاتف نقّال من النوع الفاخر لتتسلى وحدها بتلفونها الذكي الجديد مع دمية " باربي " وأضافت طلبا ثالثا آخر ان تشتري بالوناً ملوّنا كبيرا لتزهو به وهي تتمايل فرحا في شوارع وأزقة بغداد فأذعنتُ لتلبية كلّ طلباتها حال وصولنا .

ما ان وصلنا مقصدنا؛ جلست في المقهى المعتاد حتى استقبلني احد الأصدقاء الأدباء مرحبّا سعيدا بقدومنا، وفجأة وبدون سابق إنذار منه أخرج من جيبه سماعة هاتف جميلة جدا وملوّنة وأعطاها لحفيدتي بكل رحابة صدر دون ان يدري انها تتشوق لشرائها .

حقا دهشت لهذه الهدية الصدفة لكني كتمت دهشتي أمام صديقي واستأذنته بالانصراف شاكرا صنيعه على أمل العودة مجددا للمجالسة معه بعد تلبية طلبات حفيدتي الأخرى .

 وما ان خرجت من باب المقهى حتى بادرني صديق فنان غرافيتي بارع في رسوماته على الجدران وغير الجدران وأعطى حفيدتي بالونا منتفخا غاية في الجمال رسمت عليه بعض ملامح بغداد ومناراتها العالية وأسواقها العتيدة وأخذتْـه في يدها مسرورة به وهو معلق بخيط يراوح في الهواء حتى نسيَتْ ان تقول له شكرا بسبب سعادتها المفرطة به وبرسوماته المتقنة على سطحه .

بعدها دخلنا المركز الثقافي البغدادي ورأينا وسط ساحته أنواعا من الدمى " الباربية " الزاهية الألوان ، مختلفة الأشكال والأحجام وكلها جميلة تشدّ أنظار الفتيات بمثل عمرِها .

قررتُ ان اشتري لها ما يروقها فسألت احد الواقفين جنب الدمى عن سعر لعبةٍ أشرتُ اليها فقال لي  ان الألعاب هنا لا تباع ولكن يمكنك أخذها كهدية لهذه الفتاة الرقيقة القلب بدون مقابل لو أجبْـتـني على سؤال تُخرجه مكتوبا في قصاصة ورق في هذا الصندوق القريب منك ، ومددتُ يدي وانتشلت ورقة كُتب عليها سؤال يَسير أجبتُ عليه عاجلا فأعطاني الدمية التي أعجبتْ حفيدتي الخاتون الصغيرة وهو في غاية الامتنان والحبور .

ما هذه الصدف الثلاث السعيدة التي أبهجت صغيرتي قبل ان تبهجني وحفظتْ نقودي في جيبي التي خصصتها لشراء طلباتها الثلاثة  !!

اية فسحة ممتعة وأنا أرى كلّ ما تهفو اليه خاتونتي الصغيرة  يأتيها ويغدو طوع أمرها في بلاد أجدادها التي تطأها اول مرة ؟؟!

لا أخفي اني لم اكن أعبأ قبلا بما يقال بان الصدفة خيرٌ من ألف ميعاد حتى لمستها بيديّ ورأيتها بأمّ عينيّ .

وكم كنت جذلا سعيدا يومها وانا أتملّى حفيدتي الصغيرة تبدو عليها بشائر البهجة في وطن أجدادها الذي منحها كرم أهليه النجباء وأراها نبل العراقيين الذي سيعْلق بذاكرتها طوال حياتها وربما تقصّ حكايتها على أولادها وأحفادها كما قصصتها أنا عليكم الآن .

 

جواد غلوم

 

شاكر فريد حسند. عامر عبد اللـه جنداوي شاعر ناعم رقيق مرهف الاحساس مسترسل مجيد، خصب الخيال، طافح بوهج الكلمة الشفيفة، عرفناه بقصائده الوجدانية والعاطفية الانسانية . ولد ونهض شاعرًا، وفي فمه فم ذهبي آخر، معمد بالكلمات الجديدة الجميلة، نهر عماده حبر يراعه، ومصادره إنسانية منتفضة . يبدع في صياغة المعاني والمفردات، يطير على قمره، ويحلق في فضاء الشعر والابداع الصافي، جاعلًا لكلماته نكهة الريف والبادية، وطعم الخروب والحبق الجليلي، ويقدم على أطباقه الشعرية ألوانًا من الصيغة التعبيرية، متألقًا في تعابيره النثرية، غازلًا من ضوء الشمس حروفًا حريرية أنيقة تداعب وتدغدغ المشاعر وتلج الاعماق دون استئذان .

عامر جنداوي من مواليد قرية بير المكسور في الجليل العام 1957، أنهى دراسته الابتدائية فيها، والثانوية في شفاعمرو، التحق بجامعة حيفا، ثم بجامعتي بطرسبورغ وبير زيت، وهو حاصل على الدكتوراه بموضوع التربية من جامعة بير زيت .

اقتحم عالم الابداع منذ فترة مبكرة، فكتب الشعر والمقالة الأدبية، ونشر أشعاره وقصائده في الصحف والمجلات الأدبية والثقافية التي كانت هنا وفي الضفة الغربية، كالمواكب والشرق والفجر الادبي والبيادر .

صدر له : " في مفازة الحياة، ألم وامل، نزيف الخاطر، وقصائد لعيني السهر " .

في قصائده يتناول جنداوي بأسلوب شائق ماتع، ولغة رشيقة شجية، قضايا إنسانية ووطنية وموضوعات وجدانية وغزلية ورومانسية . نظم في جميع الاغراض كالوصف والغزل والرثاء، وشعر المحافل، والشعر الوطني الملتزم، والشعر الاجتماعي الداعي إلى التمسك بالقيم والفضائل . وكتب عن الحب، ناجى الحبيبة، وعانق الأرض وتراب الوطن، وتغنى ببلاده، وبالطبيعة الساحرة الخلابة، فأبدع وأجاد الوصف والتعبير .

من قصائده الجميلة اخترت قصيدة " مُهاجِرّ قلبي إليك"، حيث يقول :

مُهاجِرٌ قلبي إليكَ

إلى زُرقة البحرِ في عَينيَك

مًهاجِر قلبي،

إليكَ...

ولي اِسمٌ تُرَدِّدُهُ النّوارِسُ،

يحملُهُ الهُداةُ إلى المجالِسِ

وَهَبْتُ العُمْرَ لِلقَلَمِ،

يُسافِرُ

على حدّ الزّهَر

سيفًا

ورُمحًا

وبُندقيّة...

يرسُمُ خارِطةَ التُّرابِ

والحجارة...

هنا زيتونةٌ

وهنا غرسَةُ تينٍ..

هنا النّبعُ

وهنا عتْبَةُ البيت...

هنا ترعى صُغيراتُ الشّياه

وهنا الصّغارُ

يرسمون لوحةَ الصُّبح

الّذي يحلمون

لَوحَةَ الشّمسِ الّتي

لا يُبصرون...

لَوحةً لوجوهِ أصحابهم

قبل الموتِ

وبعدَ الموت.

لَوحةً لزوجاتهم...

قبل الموت

وبعد الموت...

لوحةً لبيوتهم

قبل الموت

وبعد الموتْ.

لوحةً لعدوّهم

قبل الموت

وبعد الموتْ.

هنا برجُ الحمائمِ

يُطِلُّ على ساحةِ الجارِ

يسمَعُ دَقَّةَ المِهباش

يدعوهُ لِشُربِ القهوَةِ "السّادة"

لِفنجانٍ منَ "المُرَّة"...

هنا ستُقامُ أعراسٌ

لأحياءَ ... لأمواتٍ...

لِسماءٍ تُرْبُها طُهْرٌ

أقْسَمَتْ

ألّا يُميطَ حِجابَها الأغرابُ،

للرّفيقِ

لِلصّديق

وابْنِ العمِّ...

لِغَيمةٍ سَمراءَ

تَحومُ فوقَ ضَيعَتِنا

تؤمِنُ بتناسُخِ الأرواحِ

تظهَرُ في تمّوزَ

بِانْحناءِ السّنابلِ

وَارْتفاعِ البيادِرِ...

هُنا سنبني غُرفَةً

ونفرِشُها

نُزيّنُها،

بأنوارٍ ونيرانٍ

لعَودَتِهِ...

لعَودةِ الظّلِّ

يفرِدُ فوقَ عَيْنِ "الشَّمسِ"

أجنِحَتَه...

مُهاجِرٌ قلبي

إليك... .

قصائد عامر جنداوي مترعة بالجمال الشاعري، بالاستعارات، والايحاءات، متفجرة الأحاسيس، متدفقة كالشلالات، منسابة كرقرقات الماء في الجداول والوديان، وما يميزها الرقة والعذوبة والعفوية والوضوح، دقة المفردات، جمال الاستعارة، قوة الحبكة، وتوظيف المحسنات البلاغية كالبديع والسجع والتورية.

عامر جنداوي جواد شعري أصيل يمتطي سرج القصيدة، وغواص ماهر يعرف كيف يصطاد أصداف الكلمة، يرسم صورًا تتعانق فيها الألفاظ والمعاني، وتتسامى فيها العواطف والمشاعر، ويقدم للقارئ نصوصًا بحمولة شعرية مكثفة الدلالات، يجسدها الانزياح اللفظي أسلوبًا، ويتجاوزها المألوف شكلًا، يتعالى فيها الايقاع الخارجي لجرس موسيقي حروفي وايقاع داخلي هادئ خفيف وغير صاخب .

عامر جنداوي موهبة شعرية متوقدة ذات ثقافة متنوعة، يرقص على رقة المعنى، يداعب الروح، ويعانق الحوريات بهمس الوجود، ويتنقل في ظلال الشعر، استطاع ان يحفر له اسمًا على صخرة القصيدة في المشهد الشعري والأدبي الراهن، برصانة وهدوء دون ضجيج، وغزل من الحروف والكلمات أكوام زهر من البوح الراقي والشفافية الجميلة . فله خالص التحيات والتمنيات بالنجاح الدائم والتألق المتواصل والابداع المتجدد والوصول إلى سلم المجد الشعري .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

ضياء نافعصورة بوشكين وغوركي على صفحتها الاولى دائما، جنبا لجنب مع تسميتها، وذلك لان بوشكين اقترح اصدارها آنذاك، وصدرت فعلا عام 1830 وكان بوشكين محرر صفحة الشعر فيها، الا انها توقفت عن الصدور عام 1831، أما غوركي فقد اقترح اعادة اصدارها عام 1929 في الاتحاد السوفيتي باعتبارها صحيفة ترتبط باسم بوشكين، وعادت فعلا للصدور حسب اقتراح غوركي، ولم تتوقف منذ ذلك الحين ولحد الوقت الحاضر. الحديث يدور هنا طبعا وحسب عنوان مقالتنا عن صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) الروسية الاسبوعية، والتي يعرفها القارئ العربي جيدا الان، بحيث لم نعد نكتب له ترجمة تسميتها الى العربية - (الجريدة او الصحيفة الادبية) كما كنا نفعل سابقا، عندما نكتب عنها او نترجم من موادها الثقافية المتنوعة . وتعميقا لمعرفة القارئ العربي بهذه الصحيفة وتاريخها، نحاول هنا ان نقدّم بعض الملاحظات عنها، والتي نرى – من وجهة نظرنا - انها طريفة ومهمة اولا، ونظن، ثانيا، ان القارئ العربي لا يعرفها عن هذه الصحيفة، ونعتقد بشكل عام، ان هذه الملاحظات تزيد من معرفة القارئ بالثقافة الروسية ومصادرها . 

نتوقف عند نقطة ترتبط بعدد النسخ التي تطبعها هذه الصحيفة، اذ توجد ارقام طريفة حول ذلك، وهذه الارقام هي مؤشّر لا يقبل الشك على نجاح او فشل تلك الصحيفة . كان العدد في عام 1930 هو 60 الف نسخة، وفي عام 1962 اصبح 300 الف، وفي عام1973 ارتفع الى مليون ونصف مليون نسخة، وفي عام 1982 اصبح 3 ملايين، وفي عام 1989 اصبح 6 ملايين ونصف المليون، وفي عام 1991 انخفض الى مليون ونصف، وفي عام 1993 اصبح 2 مليون، وفي عام 2010 تراجع الى150 الف فقط، وفي عام 2013 اصبح 148 الف نسخة .

ان النظرة التحليلية البسيطة على هذه الارقام ترسم لنا صورة ناطقة (ان صحّ التعبير) لهذه الصحيفة . لقد بدأت الصحيفة برقم معقول ومتواضع بالنسبة لبلد مثل الاتحاد السوفيتي في الثلاثينات - (60) الف نسخة، وتحوله الى (300) الف نسخة في الستينات ايضا رقم منطقي ومفهوم، اذ اصبح الاتحاد السوفيتي اكثر استقرارا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتغيرات المعروفة بعد وفاة ستالين والتي تسمى مرحلة ذوبان الجليد، ولكن هناك طفرة مدهشة وغريبة حدثت في السبعينات، عندما وصل الرقم الى (مليون ونصف) نسخة، وتضاعف الرقم في الثمانينات – (3 ملايين) نسخة، وفي نهاية الثمانينات اصبح (6 ملايين ونصف)، وهي ارقام ضخمة وكبيرة جدا بالنسبة لصحيفة تعنى بالادب والفن، وتعتبر لسان حال اتحاد الادباء السوفييت ليس الا. صحيح ان الصحيفة اصبحت اوسع من الاهتمام بقضايا الادب فقط، وأخذت تتناول مواضيع حادة مطروحة امام المجتمع، بما فيها السياسة والاقتصاد، الا ان الاهم، هو ان (ليتيراتورنايا غازيتا) قد تحولت الى منبر للتعبير عن تطلعات المواطن السوفيتي نحو التعايش الفكري والحضاري مع العالم المحيط به خارج مفاهيم الشعارات المعلبة والجاهزة، التي كانت (تخنقه!)، والتي ضجر منها حد القرف. اكرر الارقام مرة اخرى – في السبعينات مليون ونصف، في بداية الثمانينات 3 ملايين، في نهاية الثمانينات 6 ملايين ونصف، واذكّر القارئ، ان انهيار الاتحاد السوفيتي حدث عام 1991 . لقد استطاعت هذه الصحيفة ان تعكس كل تلك التغييرات الجذرية التي حدثت في المجتمع السوفيتي دون ان تتحول الى صحيفة سياسية تتابع الاحداث وتلهث خلفها ليس الا، وقد كنت شاهدا، عند زياراتي المتكررة اثناء العطل الصيفية في السبعينات والثمانينات الى روسيا، كيف كان القراء السوفييت يحصلون على اعداد تلك الصحيفة بصعوبة، وكيف يتجمعون عند اكشاك الصحف للحصول عليها قبل نفاذها، وقد اضطررت انا للاشتراك بها، اذ لم يكن بمقدوري ان اتنافس مع السوفييت للحصول عليها، وقد استفدت من ذلك الاشتراك بها كثيرا، لأني كنت اترجم مقالاتها اول باول في العراق، واختتم هذه الملاحظات عن الصحيفة بالاشارة الى بعض المقالات، التي لازلت اتذكر عناوينها، والتي ترجمتها من تلك الصحيفة ونشرتها في صفحة (آفاق) بجريدة الجمهورية البغدادية عندما كان الصحافي العراقي الكبير محمد كامل عارف يديرها، ومنها – (دالي يقول للحقيقة – كش ملك) و(نقاش مثل حبل طويل مع رسول حمزاتوف) و(حوار بين طبيب روسي وطبيب امريكي حول قول الحقيقة للمريض) و(الحرية – يا لها من كلمة حلوة) ..الخ، وكنت حتى اعطي بعض تلك المقالات لزملائي كي يترجموها وينشروها باسمهم لأنه لم يكن باستطاعتي القيام بكل ذلك بمفردي .

صحيفة ليتيراتورنايا غازيتا الان اصبحت واحدة من الصحف الروسية الاعتيادية، ولم تعد تطبع اعدادها بتلك النسخ الهائلة طبعا، ولكنها لازالت تمتلك بريقها العتيق ومجدها التليد ...  

 

ا. د. ضياء نافع

 

885 علي بدرإن قراءة الرواية هي بمثابة إثارة الذهن وإيقاظه ليرى واقعه من عدة زوايا مختلفة. للحصول على صورة أكثر كمالاً للواقع.

عن التقليد

من أجمل الحوارات وأهمها هو ذلك الحوار المنشور في اليوتيوب مع الروائي العراقي (علي بدر) الذي أجراه الروائي التونسي (كمال الرياحي) للقناة الوطنية التونسية الأولى. يقول في الدقيقة السابعة والنصف: (اشتغلت على التقليد، الإيميتاسيون imitation، واكتشفت ان العمل مع الغرب نقلي وليس عقلي، فلم تكن هناك حركة نقدية ازاء الافكار الواردة من الغرب، فصورة المثقف هي صورة شكلية). وذلك يحيلنا مباشرة لرواية (بابا سارتر) وبطلها فيلسوف الصدرية ذلك الذي لم يجد إلا الفسلفة الوجودية ليختارها شكلاً مزيفاً له، ليخسر وجوده مرتين.

تبالغ مجتمعاتنا العربية في التواصل بين أفرادها على المظاهر الشكلية، من طريقة قص الشعر إلى الملبس، إلى نوع وسيلة النقل المستخدمة حتى. وتجتهد الأغلبية على أن تكون متشابهة، وعلى إعدام التفرد، فتجد أن مثلاً قصات الشعر لدى الرجال متوحدة، وألوان الملابس محدودة وتشبه لون الأرض (هل ذلك تقليد للحرباء؟). لا ينبع ذلك من حس سياسي إشتراكي. أبداً. بل هو مجرد خوف من التفرد، وهو شيء من الطاعة.

أشكال أبطال علي بدر

ينشغل أبطال (علي بدر) فترة في ذلك الصراع البدائي المركز على شكلهم، وهم ينجحون بعد جهد وتوتر في إيجاد شكل ما يعبر عنهم، شكلهم الفريد، وجودهم. لكن هل يمكن أن نقول بأنهم فارغين من الداخل؟ جوف؟

تشجعت حين رأيت أن إحدى المجموعات الفيسبوكية تقترح قراءة جماعية لرواية علي بدر (أساتذة الوهم) فشاركت في القراءة وعجبتني تلك الرواية التي تشبه في فكرتها رواية (بابا ساتر)، فالموضوع هو الوجود والزيف.

ولو أردنا تحديد الشبه مع (بابا سارتر) فسنجد أن هناك عراقي يتزوج من أوربية، ثم يشعر بالفوقية لأنه فعل ذلك، رغم أن ذلك الزواج لم يكن سوى إقتران شكلي كاذب في انتماءه، تمثيلي في مظهره، غير أصيل. فعلى سبيل المثال نجد أن (منير) لا يعرف أصلا أن يتكلم الروسية لكنه يكذب قائلاً أنه يترجم قصائد عن الروسية وهو في الحقيقة يقول ما يحلو له، ورغم ذلك إلا أن الآخرين كانوا يعجبون به، رغم أننا نستطيع أن نتخيل ركاكة الشعر المترجم بدون وزن ولا قافية، وفوق ذلك يقال بطريقة إرتجالية.

الرغبة في الإبقاء على الجهل وإضافة الطابع السحري له

والشبه الآخر هو ذلك التوق الى شخصية خارقة ومبالغة في تأثيرها وقدراتها فحين قرأ الراوي تلك القصائد التي كتبها (إبراهيم) لم ينم ليلته وتغيرت نظرته للمحيط من حوله، وشعر برعب وبغموض وبإبهام. ردة الفعل المبالغة هذه كانت شيئاً يريده الراوي ربما. كان يريد شيئاً يهزه وقد قام بالتمثيل على نفسه بعض الشيء، وإلا ما هو تبرير كل تلك المشاعر العنيفة أمام قصائد قرأها. يفسر له إبراهيم الذي يحب إكالة الألقاب لنفسه مثل لقب (الدكتور فاوست)، بأنه يكتب القصائد من وحي الأشباح، تلك الأشباح التي عادة نعزي إليها ما نجهل علته. لم تغب عن الراوي التفطن إلى أن هناك رائحة موت، بل غلبة للموت على الحياة في منزل إبراهيم وطريقة تفكيره. فيما يمعن إبراهيم بجهله، بل بحبه لذلك الجهل بأعماق النفس البشرية، فيقول مثلاً أنه يحب الخفافيش لأنها سرية، وهو بذلك يحب غرابته ولا يريد أن يكشف عن سرها، فيما يقوم إبراهيم بذلك نجد أن راوينا، الذي هو ربما أكثر شباباً وإمتلاءاً بحب الحياة، يشخص ذلك الشبه مع تلك المرحلة الطفولية حين نحب كأطفال وضع الضمادات على أجسادنا لنمثل دور الجرحى مستدرين عطف الوالدين والآخرين، ممثلين دور المعانين الشهداء، ذلك (الموت المصطنع هو أكبر من أي شيء ساد حياتي).

هنالك في الرواية وصف فيه بعض التفاصيل للعملية الجنسية. اعتقد ان وصف تلك العلاقة بين نازك وعيسى وكل ما احاطها من تفاصيل يعطي ذلك الانطباع بانتفاء السحر المبهم والتضخيم للعلاقات الجنسية، يهدف بشكل ما لان نزيل الوهم، (نفس ذلك الوهم الذي كنا نحيط به الاساتذة)، هي دعوة لرؤية حقيقة الاشياء وازالة الاوهام والقبول بالعادية، عادية الاشياء حتى لو كانت تبدو مثيرة للاشمئزاز لكن هي دعوة اولا للقبول بان هذا هو ما يحدث حقاً.

مركز التحكم في حياتنا

يشعر البعض أنه هو سبب ما يحصل له من نجاح أو فشل، بأن مركز التحكم يأتي من داخله، بينما يعلل البعض الآخر ما يحصل لهم بأنه بسبب أسباب آخرى، فلو فشل في الإمتحان فإن المعلم غير جيد مثلاً أو أن الأسئلة صعبة. ويمكن أن يتحول من يمتلك مركز تحكم داخلي، في ظرف الحروب أو الكوارث الطبيعية إلى شخص يمتلك مركز تحكم خارجي لأنه أحس أنه لا يستطيع التحكم بمصيره، وهو ربما ما حصل لكل هؤلاء الذين صاروا يلجأون للأبراج بشكل مفرط. تسمى هذه النظرية في علم النفس بـ(نظرية موقع الضبط أو نظرية مركز التحكم Locus of control).

ويمكننا أن نفسر في ضوء هذه النظرية لماذا يحب إبراهيم الضياع في تنبؤات نوستراداموس، وتعليلات تتمحور على الأبراج والكواكب.

الرواية في عصرنا الحالي

رجوعاً للمقابلة المنشورة في اليوتيوب مع علي بدر فإنه يقول في الدقيقة التاسعة: (الرواية هي النقد وهي البحث، واعتقد ان الرواية هي البديل الحقيقي عن العلوم الانسانية لان تلك العلوم في الجامعات مرتبطة بالسلطة السياسية والدينية فتبقى فقط الرواية هي القادرة فعلا على بيان الحركة الاجتماعية الخفية)، ثم يتكلم بعد ذلك عن إكتشاف المدن عبر الروايات التي كتبت عنها، ثم في الدقيقة الرابعة عشر واربعين دقيقة  يتكلم عن مقولة باختين حول الشعر وكيف أنه يقوى حين تكون السلطة دكتاتورية او ارستقراطية لكن حين تضعف السلطة تتعدد الاصوات فيظهر كلام المهمشين، ثم يربط علي بدر مقولة باختين بالعراق ويقول: (وهذا ينطبق على العراق ففي الثمانينات كان صوت الشعر عالي وانخفض صوت الرواية في التسعينات في العراق لم يضعف النظام فقط بل ضعف شكل القصيدة فصارت نثرية وبدات تظهر الرواية).

ليس لدي هنا ما أضيفه لما قاله علي بدر، سوى الإشارة ربما لمقالة (وليد غالب) في موقع الناقد العراقي حول رواية (أساتذة الوهم) الذي كتب فيه عن (الهوية الثقافية)، (التكبر والغرور)، (الإستعراضية)، (الشعور بأنهم مسيرون وبالتالي غير مؤثرون بمحيطهم وبالتالي اختيار العزلة)، وغيرها من تفسيرات لهذه الرواية.

وفي الأخير أريد أن أسجل تحية للسارد في الرواية، فهو كما في رواية (بابا سارتر)، و(حارس التبغ)، يقوم بعمل أشبه بالصحفي خصوصاً في بداية الرواية، يلاحظ بموضوعية ويصف بحياد. وفيما يلجأ إبراهيم لنوستراداموس متوسوساً بالموت، ويقدم منير أصدقاءه لبعضهم البعض بلقب (شاعر) مملوءاً بتهيج المشاعر، يبقى السارد ملاحظاً لماحاً متسائلاً خلوقاً ينظر للأمام، فيه شيء من الحياة.

 

سامي عادل البدري

.....................

مراجع:

١- مقالة وليد غالب بعنوان (أساتذة الوهم لعلي بدر) على الرابط:

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/55923.php

٢- رابط مقابلة التلفزيون التونسي مع علي بدر في اليوتيوب

https://www.youtube.com/watch?v=w_P-CgOQoHM&t=1676s

 

التكرار في نص من (مثلي يحبك)، للشاعر ثامر الخفاجي، قبل   السفر الى النص، لابد لنا من اشارة ولو مقتضبة الى ان الشاعر ثامر الخفاجي، ليس من الطارئين على واحة الشعر فهو صاحب تجربة شعرية ناضجة قد حجزت مقعدها في دارة الشعراء الذين تلبسهم الشعر بوحيه فاستقبلوه بطاقته المكتملة العدة والعدد، لاسيما لغته الشعرية التي تشعر القاريء بانه امام لغة تمتلك اصالة الوجود في وضوحها وسهولة الفاظها وقوة تعبيرها عما يرمي اليه الشاعر من رؤى وافكار، فهو بذلك غني عن بهرج الكلام، فالنص الذي بين ايدينا استوقفتني فيه احدى الظواهر الادبية والمهمة في الشعر العربي على امتداد عصوره، واقصد بها ظاهرة التكرار، التي اخذت من اهتمام النقاد والدارسين المساحة اللائقة بها والتي تستحقها، والذي دعا الى الاهتمام به انه من الاساليب التعبيرية التي يلحأ اليهاالشاعر لتقوية المعاني وتعميق الدلالات، مما يمكن النص من الارتفاع في قيمته الفنية الى المستوى الذي يمنحه صفة الابداع، ولما كان التكرار رؤية شعرية خاصة بقصدية الشاعر فهي مخالفة للرؤى الشعرية الاخرى عند الاخرين، وتتمركز قيمة التكرار في القصيدة في ناحيتين الاولى موسيقية النص وبناء ايقاعه بالصيغة المعبرة عن رؤياه، وجانب معنوي متمثلا في التاكيد، باعتباره عنصر من عناصر البلاغة، يؤتى به من اجل الايحاء بسيطرة العنصر المكرر والحاحه على فكر الشاعر اوشعوره او لاشعوره، وقد اهتم النقاد والدارسون بالتكراراهتما ما بالغا، وقد فتحت الشاعرة العراقية نازك الملائكة باب التكرار من خلال اهتمامها به وهو ما سطرته في كتابها قضايا الشعر المعاصر الذي اصبح منهجا للنقاد والدارسين،ومن هذا الاهتما م بدراسة التكرار عرفنا ان للتكرار دورا مركزيا في النص الشعري يفوق ما اكتشفه الاقدمون فيه، ففي معالجة الشعر الحديث اوصلهم البحث عن الوظيفة الاسلوبية للتكرار، فتوصلوا الى انه يهدف بصورة عامة على اكتشاف المشاعر الدفينة في نفس الشاعر، والى الابانة عن دلالات داخلية فيما يشبه البث الايحائي، وعند قراءتنا لنص (من يحبك مثلي) نرى الشاعر عمد الى طريقة اراها مبتكرة من صور التكرار وذلك بان عمد الى تكرار العنوان الذي هو ثريا النص تسع مرات، وهو بفعله الابتكاري قداراد ان يستجلي مختلف الاحاسيس التي تستوطن نفسه، ويجعلها امام المتلقي مرأة تعكس شعوره ولا شعوره من خلال تحول النص نتيحة تكرار (من يحبك مثلي) الى تسع لوحات فنية شعرية اتسمت بالانسجام الايقاعي، الذي يحسه ويتمتع به المتلقي وهوينتقل مع النص من رؤية الى اخرى وهو يتابع ذلك الخيط الرؤيوي الذي يربط مقاطعها، في وحدة عضوية تمتع قراءتها، ولما كان للتكرار وظائف بلاغية متعددة، فقد حقق النص تلك الوظائف بقدرة فنية تكشف عن الحس الابتكاري عند الشاعر، ففي اللوحة الاولى يضعنا الشاعر داخل اطار صورة توحي بان الشاعر ملتهب الاحاسيس من خلال اقراره بمعرفة الاخر ومدى خظورة المغامرة معه، وهوباختياره لالفاظه بالدقة والانتقاء يجعلنا مقدما اما نص يعني ما يقول في كل الحالات والمواقف، فهويرسم صورة تهويلية تفجر التردد والخوف في نفس من لايعرف، وهذه الرؤية سنراها تتكر في اللوحات الباقية رغم اختلاف الرؤية ودلالتها اذ ان كل لوحة قد استقلت برؤيتها على امل اكتمال الصورة الكلية التي يسعى اليها الشاعر، وهو في اللوحة الثانية،فهي تكشف عن صورة من الاصرار على الوصول الى الغاية رغم علمه بوحشة الطريق الذي يعمل على تبديدها بما يرسمها من الصور الجميلة في خياله، وهو في اللوحة الثالثة يلجأ الى المواجهة للدلالة على معرفته بالعواقب فينفجر باسلوب التوبيخ الذي تدل علي الفاظه التي صاغها بعناية (انك قدر) (لايرحم) وفي اللوحة الرابعة يوحي الى المتلقي بانه لايزال يطمح ان يحقق مايريد بالاعتراف بانه لايزال مستعبدا لها ولكل ما يمثله، له في اللوحه الخامسة يثور كانه شعر بغرابة الاصرار على متابعة التجاهل فيندفع موبخا ومتوعدا (فحذار) وهنا يبلغ الشاعرذ روة انفعاله وايمانه بصحة سير ه، فيصرح انه يعرف ان الوصول الى الهدف (الجنة) يعني لابد من المرور الى النار، ويواصل التحدي في لوحته السابعة وهو يعرف بان السيف سيف حقيقي لانه لايحمله الاثائر كامل، وفي المقطع التاسع والاخير وبعد ان استكمل كشفه عن تلك المحبوبة التي حاول ان يخدع المتلقي بها واصر على عدم فك طلاسمهاورمزيتها خوفا عليها اوغيرة ممن يدعيها، وهو مؤمن بانه الوحيد يعرفها فتمسك بحبها اما الاخرين فهم عابروا سبيل.

 

احمد زكي الانباري

 

نايف عبوشمن سرير المعاناة من المرض، حيث يرقد في مستشفى أربيل، بعد اجراء عملية في الشرايين، كتب الشاعر الكبير الشيخ الدكتور حسين اليوسف الزويد قصيدته العصماء( يضيق فيك المدى)، والتي نشرها له، موقع صحيفة المثقف بعددها ٤٦٢١ الأربعاء  ١/٥/ ٢٠١٩ والتي استهلها باستفهام استنكاري مثير حقاً، يتساءل فيه:

جَوىً أصابكَ أم في رأســـكِ الهبلُ؟

                                مُذ غادروا هائمٌ مستوحشٌ وَجلُ

وهو استهلال بليغ، ينم عن حدث جلل، خيمت اصداؤه الحزينة على وجدان الشاعر، وهيمنت بتداعياتها المؤلمة على مخيلته، ليأتي الجواب صريحا، ومباشرا :

أمسيتَ وحــدكَ بعد الظاعنين و كم

                               للظاعنيـن جــراحٌ ليــس تندمــلُ

فقد ضاق به المدى على سعة فضائه، ونأت عنه كل السبل على قربها منه، لتبدو الآفاق في ناظريه قاتمة، ومعتمة، بعد أن عجزت حتى الشمس وزحل، عن جلي تلك القتامة الموحشة، التي اثخنتها أوجاع جراح الظاعنين بظلامها الحالك .

قتامةٌ ليس يُرْجى صـــفوُ كُدرتها

                             وعتمةُ ما جلَتْها الشمــسُ أو زُحَلُ

ولاشك ان تداعيات هموم الشاعر المبدع الدكتور حسين اليوسف الزويد قد تراكمت في وجدانه ، وتضاعفت كوابيس هواجسه في مخياله، وهو يواجه وجعا مضاعفا في آن واحد ، هو رحيل الشيخ خالد المحيميد الزويد، الذي بات ظاعنا، وشبح رهبة إجراء عملية الشرايين لنفسه:

أمسيتَ وحــدكَ بعد الظاعنين وكم

                               للظاعنيـن جــراحٌ ليــس تندمــلُ

ولذلك فقد بلغ الحزن ذروته في وجدانه المرهف،والمرهق بالأوجاع، بعد أن ضاقت به الدنيا:

ضاقت عليكَ و ما في الأمرِ من سِعَةٍ

                           وخابَ حبل الرجا و الوصلُ والحيلُ

ليفوض أمره إلى الله تعالى، وقد ايقن حق اليقين، أن قدر الله نافذ في خلقه لا محالة ، ولا راد له:

ففوض الحـــالَ للـــرحمن محتســباً

                         عليـــه فـــوزُ الـــذي قدْ كـــانَ يتَّكــلُ

ويقينا فأن القريض، عندما يأتي تعبيراً عن حزن عميق، ينبلج من رحم معاناة حادة، عاشها الشاعر الكبير الدكتور حسين اليوسف الزويد بكل حسه الشاعري المرهف، برحيل الشيخ خالد المحيميد الزويد ، خميرة الجيل الأول للزويد الأفاضل، وعملية معالجة الشرايين لنفسه، سيكون، بلاشك،قريضا موجعا، ينزف نعيا وجدانيا صادقاً من القلب، برحيل هذا العنوان من عناوين الزويد، وأعمدة القبيلة،لاسيما وأنهم أعلام أفاضل، يتوارثون أمانة التراث جيلاً عن جيل.

 

نايف عبوش

.................

للاطلاع

يضيق فيك المدى / د. حسين يوسف الزويد

 

 

 

 

نبيل عودةشهدت الثقافة العربية في اسرائيل في السنوات الأخيرة ظاهرة غير عادية، أفضل تسمية لها هي "الفوضى في الثقافة النقدية" وتشمل الكثير من المداخلات (او الخطابات) في ندوات مختلفة تكاد تخلو من أي قيمة نقدية.

هناك شح ملموس في الابداع الحقيقي، لكن الناقد يظن ان تكليفه للحديث بندوة يعني الخطابة بلا نقد حقيقي لمضمون النص. فنرى ان الطابع الإخواني والاستعراضي المبسط لثقافتنا النقدية هو السائد خطابة ومقالات.

لاحظت أيضا ان النقد يتحول في الكثير من الحالات لنوع من الطقس الادبي المرافق للإصدار الأدبي، وذلك بغض النظر عن مستوى الاصدار وجودته.. مع ان للنقد بشكل عام مهمات ثقافية أكثر اتساعا من مجرد متابعة الاصدارات. وقرأت في الأشهر الأخيرة اكثر من 10 مقالات نقدية معظمها لدواوين شعر.. لم اجد فيها ما يلفت النظر، الا ما تشاطر به الناقد من اللغو النقدي ولن اضيف أكثر!!

هذه الثقافة النقدية النازلة علينا بفيض عارم، اسهمت في احداث تباعد بين الابداع وبين النقد بمفهومهما الأولي، مما بات يشكل لدى بعض المبتدئين مقياسا للإبداع، أحيانا من "كاتب موسوعي" يكتب حتى مقالا عن الحياة في المريخ إذا لزم الأمر!!

جاءت علينا فترة في زمن ماضي ، سادت ثقافتنا النقدية المرجعيات الحزبية ، بمعنى تمجيد كل ابداع ادبي يبدعه ادباء الحزب، او يجد طريقه للنشر في صحافة الحزب (برضاء سياسي عن المضمون من القيادات السياسية)، وليس سرا ان الحزب الذي اعنيه هو الحزب الشيوعي الاسرائيلي، صاحب المشروع الثقافي الهام في سنوات الخمسين والستين، هذا المشروع اجهض فيما بعد وافرغ من مضمونه ، بعد ان تحول الى مجرد مشروع لرصد نقدي لعدد مختصر (احيانا لعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة) من ادباء الحزب، وتميز بتغييب كامل لأي صوت ادبي غير حزبي، او غير محسوب على المرضي عنهم، البارعين بالتملق،  ثم تحول الى ترويج تجاري واحيانا سياسي فظ .. وما كان له ان ينجو من هذا السجن الفكري المنغلق، مما أثر سلبيا على مجمل ثقافتنا، وخاصة الثقافة النقدية. مراجعة تلك الفترة تكشف ان عددا من ممارسي النقد، وبعضهم على قدر جيد من الثقافة النقدية، بدأوا يمارسون خطب ود الحزب الشيوعي، عبر الكتابة النقدية الحماسية المتماثلة مع رؤيته والمبايعة بلا تردد لإبداع أدباءه المتنفذين، ليساهم الحزب القوي والقادر وقتها، على رفع اسهمهم في العالم العربي، في إطار مشروعه الثقافي الذي أثمر اسماء ادبية احتلت لفترة طويلة طليعة الادب العربي في إسرائيل، وما تزال بعض الأسماء، رغم غيابها، نجوما تتألق في سماء الابداع الثقافي العربي.

مراجعة ما كتب وقتها من نقد، والأصح القول من تمجيد، أثر سلبا على تطور ثقافتنا النقدية، وظل التمجيد هو المضمون مع سبق الترصد والاصرار لمعظم ما يكتب من ثقافة نقدية ... وهناك غياب كامل للفكر النقدي، وللنقد الفكري، وللنقد بمفهومة الاجتماعي والسياسي العام.

الناقد أصبح مسوقا للأسماء وقد يتبين ان ناقد ما يكتب نقده قبل قراءة المادة الأدبية، او عبر التقاط مقاطع متفرقة، خاصة في الشعر الذي يحتل المساحة الأعظم من نقدنا وابداعنا.

لا انفي ان ادباء الحزب الشيوعي شكلوا التيار الادبي المركزي في الثقافة العربية في اسرائيل، ولا أحد ينفي جمالية هذا الأدب، لكن هناك أيضا ابداع رائع لأدباء غير حزبيين، واجهوا التغطية الإعلامية على كتاباتهم، في فترة سيادة الصحافة الحزبية على الاعلام المحلي. لا بد من القول ان عدم الالتزام بالمصداقية النقدية، واستبدالها بمرجعية نقدية اخوانية -حزبية، قادنا الى الضرر الذي يتحول اليوم الى اسهال نقدي يتكاثر ولا أظن ان القارئ العادي او حتى المثقف، يواكب هذا النقد الترويجي الذي يتميز بانه تسويق لكاتب النقد اولا!!

كثيرا ما استهجنت بأحاديث مغلقة مع زملاء احترم رؤيتهم الثقافية والنقدية، هذا الواقع، كانت نصيحتهم "اتركك من وجع الرأس والصدام" كنت أصر ان ما يجري أشبه بمذبحة ثقافية. رد علي باحث وناقد له مكانته "بطيخ يكسر بعضه". هذا التوجه السلبي اقلقني.

هل اخطئ بعدم الحفاظ على صمتي؟ لست معاديا لأي تجربة أدبية، لكني لا أرى ان كل نص يجب ان يحوله الناقد الى ابداع كبير، بدل التعامل مع النص بإيجابياته وسلبياته. او ان التنبيه لهذا الواقع لا يفيد ولنترك الحبل على الجرار؟!

اقلقتني هذه المسألة منذ بداياتها ولم استوعبها على حقيقتها الا بعد فترة طويلة، واعترف ان هذا الموضوع لم ينزل من اهتماماتي الفكرية منذ سنوات، ولم اتحمس لطرحه .. حتى جاء وقته بعد تكاثر الاسفاف النقدي؟  وربما ما كان ليفهمني أحد لو عالجته قبل خمس سنوات مثلا !!

قد يكون التزامي السابق بفكر أيديولوجي مغلق أثر على قدرتي من التحرر المبكر، والتفكير الابداعي حول مضامين ثقافية او سياسية مختلفة، وانا اعترف أنى لا ارى قيمة بأدب ونقد لا يتعامل مع واقع الانسان ومع عالمه الفكري .. ولا أستسيغ حتى اللغة إذا خلت من القدرة الانسيابية والغنى في المضامين الثقافية والفكرية.

أنى اربط سقوط المشروع الثقافي للحزب الشيوعي، الذي بادر اليه جيل الشيوعيين الطلائعيين، منذ اوائل الخمسينات، اي بعد النكبة الفلسطينية مباشرة، كجزء من تفكير سياسي وفهم فكري للضرورة الملحة في تطوير ثقافة المقاومة لسياسة التجهيل والاضطهاد القومي وافشال سياسة العدمية القومية، هذا النهج في وقته انجز نجاحا عاما، محدثا انطلاقة ثقافية اثارت اهتماما واسعا وتأثيرا كبيرا في العالم العربي أيضا. لكن الشيخوخة طالتها أسرع من المتوقع. اربط ذلك ليس فقط بظاهرة الثقافة النقدية المتهاوية، وانما ايضا بالتحولات السلبية التي عصفت بالحركة الشيوعية في العالم عامة وفي بلادنا على وجه الخصوص.

 غاب فرسان المشروع الثقافي، وغاب فكرهم المبدع وقدراتهم على فهم الأهمية الاخلاقية والسياسية والنضالية والثقافية لهذا المشروع. وجاء "فرسان " المشاريع الشخصانية والانتهازية والتسلط الفردي الذي رافقته ظواهر مقلقة من عبادة الفرد، تتواصل حتى اليوم، رغم غياب المعبود. ربما تحول الى تعويذة سياسية؟!

كذلك برز فقر التفكير وسطحية المفاهيم، وساد الارتجال الشخصي وغيبت القيادة الجماعية، واستبدلت بالمصفقين والمهرجين، ومن دلائل "العهد الجديد " اغلاق مجلة "الجديد"(من أبرز محرريها: اميل توما، صليبا خميس، محمود درويش، سالم جبران وسميح القاسم) التي كانت الجامعة الثقافية التنويرية التي تخرج منها أبرز مثقفي شعبنا، ونشرت الثقافة والوعي الفكري والسياسي في مواجهة سياسة التجهيل والتعتيم الثقافي للسلطة الاسرائيلية ونجحت بكسرها ... ثم غيبت من قيادات لم يعد يعنيها من التنظيم الا مكانتها الشخصية.

اقفال "الجديد" كان اقفالا لحقبة تاريخية بالغة الاهمية، واعلان سقوط المشروع الثقافي من اجندة الحزب الشيوعي. وتحولت الثقافة الى امر ثانوي، غيابها لا يلفت النظر لدى القيادات الجديدة، وأصبح الموقف السلبي من الثقافة مميزا لكل الاحزاب والحركات والمؤسسات الرسمية والشعبية...

هذا السقوط جر ظواهر سلبية، حددته اساسا بما نشهده اليوم من خطاب نقدي اخواني، الكثير من ممارسي هذا الخطاب يفتقدون للفكر النقدي وبلا ذائقة ادبية وأحيانا لا يربطهم اي رابط بالحركة الثقافية. المضحك ان معظم الكتابات النقدية تبدأ ب: " اهدانا الأديب / او الشاعر / او الصديق فلان روايته / او ديوانه لنقول رأينا فيه ... الخ " وفورا نقرأ ان صاحبنا الذي أهدي الناقد كتابه "تتجلى مواهبه " في جميع ما يكتب وان "شعره او قصصه جواهر وذهب صافي" وان القراء "مسحورين" بإبداعه رغم ان احدا لم يقرأه بعد ومن غير المتوقع ان يلفت نظر القراء حتى لو وزعه عليهم بالمجان.

مجرد تسجيل ما ذكرت يبين اننا لسنا امام مراجعة نقدية، انما غزل اخواني وتهريج ثقافي، وتفسير غيبيات بغيبيات اسوأ، ويصبح الناقد مفسرا لما كتبه صاحب العمل الذي احيانا لا يفهم هو نفسه ما كتب !!

أنظر حولي فلا أجد ادبا يستحق جهد النقد الا القليل، وهذا القليل يرفض نقدكم كما قال لي زميل شاعر مبدع من رؤيته ان نقدكم مهزلة وانه أكثر الكتابات خلوا من الفكر والمنطق ومن اللغة الأدبية ومن جمالية الصياغة ومن الذائقة الأدبية.

 

نبيل عودة

.......................

(هذا المقال صغته بناء على ملاحظات سجلتها في ندوات أدبية شاركت فيها، ومقالات نقدية قرأتها بصحافتنا منذ عام 2005، وما اعادني لتسجيلاتي يقيني ان لا شيء جديد تحت الشمس، ربما للأسوأ)

 

احمد الكنانيهي مقاربات شعرية نسج خيوطها ثلاثة من عظماء شعراء الصوفية الفرس لتكتمل لوحة نادرة رسمت بألوان الحب الزاهية، كلُ نظرالى الحب من زاويته، احدهم يشعر بحرقة الحب ويكتوي بناره مذ ان يلامسه، والآخر يتذوق طعمه ويستحسنه ثم سرعان في يسقط في فخه، وثالث شرب الحب كأسا بعد كأس فما نفذ الشرب وما ارتوي .

الحب عند الرومي:

آتش ست این بانگ نای و نیست باد

              هر که این آتش ندارد نیست باد

*

ان صوت الناي نار لا هواء

                   كل من لم يصلها فهو هباء

الحب عند مولانا جلال الدين نار حارقة، جمرٌ يتلضى ويتوقد، يبتدء كامناً تحت الرماد ثم يتوهج .

النفخ على الجمرهوالحب عند مولانا الرومي . العزف على الناي والنفخ فيه هي الصورة التي يرسمها المولوي للعشق وهي سر الوجود .

تنتهي الخليقة بنفخة ناي وتبتدء الحياة الأخرى بنفخة ناي ثانية " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ … ثم نفخ فيه أُخرى فإذا هم قيام ينظرون " .

العزف على الناي مقطوعة موسيقية تختزل الكون برمته،  يموت فيها الوجود ويحيى من جديد.

وكما ان النفخ على الجمر تارة يطفؤُه ُوأخرى يؤججه كذلك الوجود

آتش عشق ست کاندر نی فتاد

           جوشش عشق ست کاندر می فتاد

*

هي نار العشق في الناي تثور

             وهي نار العشق في الخمر تفور

اذن العالم يبتدء بالعشق ويبتني على العشق، وجاذبية الحب هي الرابط بين الوجود والموجودات، بين الله والخلق، وبين المخلوقات فيما بينهما، هو حب الهي ونوره الذي يقذفه الله  في القلوب …

وعلى هذا الأساس بنى اليونانيين فلسفتهم، وعليه بنى اخوان الصفا رسائلهم .

فالحب عند مولانا نار كامنة تتوهج، والعاشق مدرك خطورة الحب ومأسي الولوج فيه

آتشست این بانگ نای و نیست باد

               هر که این آتش ندارد نیست باد

 آتش عشقست کاندر نی فتاد

              جوشش عشقست کاندر می فتاد

نی حدیث راه پر خون می‌کند 

              قصه‌های عشق مجنون می‌کند

*

ان صوت الناي نار لا هواء

                كل من لم يصلها فهو هباء

هي نار العشق في الناي تثور

        وهي نار العشق في الخمر تفور

آنست هجماتنا أصواته

                   مزّقت استأجرنا نغماته

من رأى كالناي سمّاً ودواء

             من رأى كالناي غمّاً وعزاء

حدّث الناي بأهوال الطريق.

             وعن المجنون صبّا لا يفيق

أهل هذا الحس من لا حسّ له.

             أرهف السمع لهذه المعضلة

الحب عند حافظ :

 يشعر العاشق بلذة الحب غير مدرك لخطورة الدخول فيه، كالسباحة على الضفاف تبتدي بمتعة فائقة  لكن سرعان ما تنقلب الى صراع مع الامواج كلما آثر الولوج فيه، هكذا صورة الحب عند حافظ .

الحب عند حافظ الشيرازي سهل ممتع، وحافظ غير مدرك للمشاكل التي ترافق السير في طريق الحب

الا يا ايها الساقى ادر کاسا و ناولها

که عشق آسان نمود اول ولى افتاد مشکله

به بوى نافه اى كاخر صبا زان طره بگشايد

زتاب جعد مشكينش كه خون افتاد در دلها

*

أَلا يَا أَيهَا السَاقِي أَدِر كَأسًا ونَاوِلها

فَمَن تُوقعهُ نَفسٌ في شِرَاكِ العِشقِ يَعذِلْهَا

 

يفُوحُ الطِيبُ من جَعْدٍ بهِ رِيح ُ الصَّبا هَبَّت

وذَابَ المِسكُ في مَوجٍ مَضَى بالمهجَةِ الوَلْهَى

 

وَهَيهَاتَ الهَنا في مَنزِلِ الأحبَابِ والدَاعِي

بِجَرْسٍ صَمَّ أسمَاعِي «خُذ الأمتَاعَ واحمِلْهَا»

 

فَلَبِّ الشيخَ قُم لَوِّنْ سَجاجِيدَ التُّقَى بِالرَّاح

مَن يَرفَع عَصا التِّرحالِ مهمَا طَالَ يُنزِلْهَا

 

أمَن تَرمِي بِهِ الأموَاجُ في لَيلِ بلا قَمَرٍ

كمَن يُمسِي على الشُّطآنِ قَد ألهَاهُ ما أَلْهَى

الحب عند سعدي :

بين مولانا جلال الدين وحافظ الشيرازي هناك سعدي خطاً وسطاً سعيداً بالحب صابراً على حوادثه ونائباته، يجهر بحبه لا يعبأ بما قيل ويقال:

أصبحت مفتونا بأعين أهيفا

                 لا أستطيع الصبر عنه تعففا

والستر في دين المحبة بدعة

            أهوى وإن غضب الرقيب وعفا

وطريق مسلوب الفؤاد تحمل

             من قال اوه من الجفاء فقد جفا

دع ترمني بسهام لحظ فاتك

              من رام قوس الحاجبين تهدفا

صياد قلب فوق حبة خاله

             شرك يصيد الزاهد المتقشفا

 

معراج احمد الندويالحب والسلام والتسامح هي ألفاظ جميلة تأنس بها الأذان ونستعملها يوميا في حياتنا وننصح غيرنا بالالتزام بها. فالواقع الذي نعيشه حاليا لا يمت بأي صلة لهذه المبادئ والقيم السامية، ولكن مع الرغم هذا، لا يمكن لنا أن نغمض أبصارنا عن الدور الذي يحتله كل من الحب والسلام في حياتنا اليوميّة.

وفي الزمن الذي تبلدت فيه الأحاسيس وتخشبت فيه المشاعر وتوحش فيه الإنسان، وجفت ينابيع المودّة والحب وتقطعت فيه سبل التراحم والتآخي بين الناس. وفي العصر الحاضر، قد تكون بحاجة ماسة إلى حديث الروح والأخلاق وحديث العقل والحكمة وحديث العاطفة الصادقة واللمسة النبيلة.

إن عاطفة الحبّ التي أودعها الله فينا هي من أجمل العواطف الإنسانية وأنبلها وأعمقها أثراً، فهي منطلق كل خير، وهي بكل تجلّياتها وامتداداتها الطاقة المُلهمة للإنسان والمُحرّكة له، ولا نبالغ في القول إنّ عاطفة الحبّ هي التي تعطي الإنسان معنى إنسانيّته، لأن الإنسان من دون حب هو صخرة صمّاء، ولا يمكن أن نرى في هذه العاطفة من حيث المبدأ شيئاً سلبياً.

يساعد الحب الإنسان في اكتشاف ذاته من خلال التفكير في شخصيته وما يحب وما يكره كما يُساعد على تنمية الذات ورسم أبعادٍ أولية للمستقبل. يلعب الحب دورا بارزا في زيادة التماسك والترابط في المجتمعات المختلفة من خلال دفع البشر للتعامل مع بعضهم البعض بمودة ورحمة وتعاطف وبذلك ينتشر السلام والخير فيها.

الحب هو شعور باطني بأن يوجد سلام داخلي. وهذا الحب هو الذي يشعر الإنسان بأنه قادر على أن يقدم لآخرين مشاعر الحب لأن الحب لا يمكن أن يكوم من طرف واحد، وإنما يجب أن يكون من الطرفين الحب المتبادل. الحب يتغير نظرة الإنسان في كل شيء من الحياة  والإنسان والمجتمع والكون. وهذا هو الحب الذي يجعل الإنسان أن يشعر كأن الحياة أصبحت مزهرة بالألوان، فالإنسان  يبحث عن الحب طوال حياته منذ الطفولة إلى الشيخوخة حتى وإن لم يظهر هذه المشاعر النبيلة أمام الآخرين.

الحب هو الذي يجعلنا أن نشعر بالسلام الداخلي الذي لا يمكن لأي شخص على وجه الأرض أن يبث فينا هذا الإحساس العميق لأن الحب مشاعر ربانية يدخلنا المحبة والسلام للآخرين. فالسلام هو تتدرج في حياة الإنسان كأنه يصعد لمجموعة من الأدوار العاالية والتي يجب بها ذروتها، ويصل إلى أعلى درجته حتى يأمل بأن يعيش حية مريحة وهادية في أمن وسلام.

يستطيع الحب من قدرته الهائلة أن يتغير سلوك الإنسان الذي كان يتبع طوال حياته، يؤمن الحب بأن الإنسان خير بطبعه، طيب بفطرته,لكن الحياة الاجتماعية هي التي تفسده،  فالإنسان قد يولد في بيئة تجعله قاسيا ولكن بداخله هو يكون لين مرينا. ولقد مكرت عليه سنوات عديدة ولا يقدر على التغيير وإتباع سلوك جيد، ولكن الحب هو الشيئ الوحيد الذي سيجعله أن يقاوم هذه البئية ويتحول سلوكه تجاه الحياة والكائنات والمجتمع.

الحب هو المشاعر الوحيدة القادرة على تحول الإنسان من داخله إلى شخص كان يبحثه عنه لسنوات طويلة. والحب يعطيه قلبا جديدا ينبض بالسلام والأمن تجاه الإنسان والمجتمع. الحب يجعل الإنسان أن يشعر بأن هناك طمانية في قلبه،و يوجد فيه سلام داخلي يعمه مشاعر الحب والإخاء للآخرين لأن الحب والسلام هما مكملان لبعضها البعض، فلا يمكن أن يوجد مشاعر الحب بداخل شخص ولا يوجد بداخه سلام تجاه الآخرين.

الحب ليس مرتبطاً بالإنسان فقط، بل يمكن أن تشعر به باقي الكائنات الحية الموجودة في الكرة الأرضية، وهو شعور قوي جداً وغريب ويصعب وصفه بالكلمات، وهو فطرة من الله سبحانه وتعالى منحنا إياها لإصلاح الأرض. إن الإنسانية والتسامح مفاهيم واسعة تحمل في طياتها الكثير من معاني الحب والاحترام المتبادل وسعة الصدر والعفو والصبر وغيرها من المعاني الراقية التي يجب أن تسود بين الناس جميعاً بغض النظرعن خلفياتهم الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية والعرقية.

يلعب الحب في الإبداع الإنساني والمعرفة كوجه من وجوه فطرة الإنسان، إذ أن الحب جزء محرّك للفعل والحيوية، فلا يعقل أن تنظَّم العلاقات الإنسانية والاجتماعية من دون الحب. الحب هو رحلة الإنسان والحياة، باعتباره الكائن الأقرب إلى مشاعر الأفراد ومطالبهم وآمالهم، والمجسد لأحلام الشعوب، وهو الذي يمد الشعوب بالشجاعة من أجل تغيير العالم والمناداة بالمساواة بين الجنسين واحترام الهويات الثقافية والعرقية. هذا هو الحب الذي ينقل الإنسان إلى عوالم السحر والجمال والسلام الداخلي.

الحب يخلق فكرة السلام ونشر الأمن في ضمير الفرد ثم إلي محيط الأسرة ثم الجماعة وأخيرًا في الميدان الدولي للشعوب والأمم. فالحب هو سفير في عملية السلام وتشجيع المواطنة ونشر ثقافة العدل والتسامح بين كافة شعوب العالم وتوفير الاستقرار والأمن وتعزيز كل قيم المساواة وجهود السلام المبذولة في العالم. 

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا - الهند

 

محسن الاكرمينالموروث الثقافي المغربي ينقل لنا حمولات حكم وأمثال وأقوال لا بد من إعادة النظر في توجيه دفتها بالتعديل والضبط، أمثلة من قبيل “الصمت حكمة ” و” الصمت أبلغ من الكلام “. هي القضية التي سأتناولها بالقول ضمن باحة التفكير  ” الثورة على لغة الصمت ”.

حقيقة حين يقف التفكير عند علامة “الصمت“ الإجبارية، أقرر بألا أدخل في تعريفات الصمت، و لا في دلالاته اللغوية و الاصطلاحية، ولكن وجه المخالفة بدد المخاوف ووضع الصمت كنقيض للكلام.

 هنا استوقفني ظلنا الصامت، وتساءل عن فلسفة الصمت المسكوت عن بيانها؟. لكن حين كنت أود ركوب عنترية الكلام وبسط سيف حده  الفاصل، تيقنت من ملاحظة الظل بالمعقولية وانزويت برهة صامتا. هي ذي حكمة / فلسفة الصمت التي تربينا عليها جميعا بنسب متفاوتة، هو ذا البلوكاج الذي يصيبنا حين تجف الألسن عن الكلام المباح.

ممكن أن أثور على الموروث الثقافي/العرفي الرخو الآتي من دهاليز  تحكم ظلمة الصمت، وأنفض عباءة مقابض الصمت وأطوح بالكلام علوا مسموعا حتى وإن حمل متاعب لاحقة. اليوم لن يحاسبني إمام خطيب الجمعة حتى وإن لغوت القول وكسرت لغة الصمت ثورة، اليوم ممكن أن يكون في كلامي قفز على حواجز الصمت المستديم و المتقطع الذي يحكم ألسننا بالتلجيم جماعات وفرادى..

بين من يمجد قيمة الصمت وفضائل السكوت ويجرهما إلى باحة الحكمة و تصفية النفس و تأهيل العقل لاستيعاب المعارف المجردة. وبين من يلح إلحاح المستميت ويقول ” تحدث لكي أراك”. لكني  الآن أستسلم للتعريف وأقول، حد الصمت انسحاب وانطواء محفوف بمخاطر الاغتراب واليأس، أوثق القول أن الصمت خلل نفسي يتلذذ بوجود مظلة الخضوع فوق رؤوسنا، ولما الانبطاح بشكل ما، واستعمال اللسان فقط في المدح ولحس الأحذية  !!!.

الآن، بدأ الظل ينكمش طوله ويكشف عن ملامح وجهه الأسود، بدأ يبدي ما خفي من أنيابه منذ وضع عقدا شديدة الربط  للسان الصمت.  الآن، ظلي أراد الكلام  والبوح حتى ولو بعلامات الإشارة وممكن أن يسمى متكلما، أراد ركوب الثرثرة المباحة رغم أنه يعرفني أني محب للاختصار وأميل بالتتطبع للإنصات، أراد ظلي أن يقنعني بعدم مجاراة الصمت والتستر بين أحضان “السكوت”.

فرحت بتمام ذلك الجدال الذي فتحته مع  ظلي، سعدت حين صنع مساحة ولو ضيقة للتواصل وتكسير لغة الصمت و لو بالثورة الهادئة، هو بدء للبوح والتأمل في حدود الثورة المفزعة على فلسفية تربية الصمت. تبسمت ورأسي أرضا حين ثار ظلي على حواجز الصمت وأعلى من سيولة نبرة صوته بالكلام المباح.  قال والعهدة على ظلي، حتى ألا أتحمل ما لا طاقة لي به.  قال، أن جدلية العلاقة بين الصمت والكلام تأسست عند تدجين الإنسان و إخضاعه لمثال” شوف و اسكوت” . قال كذلك، أن الصمت يمثل حديث “الأنا” الدائري بدواخل الذات، وأن الكلام ما هو إلا تعبير خطاب من “الأنا” نحو “الآخر“ واقتحام مجهولات الرأي...

حين تأملت رؤية فلسفة ظلي اعتلاني مكر حكمته، اعتلاني ركوبه على استحضار قاموس المصطلحات الكبيرة التي لا أفقه منها إلا الفتات القليل. لكني باركت حديث ظلي وسحبته نحو شمس الصبح الشرقية. سألته عن الكلام المولد للحرية النووية، سألته عن الصمت المنتج للتأمل والوعي، سألته عن البوح بدل  مقولة ” الله يدير لينا الخير حتى في الصمت ” . أسئلة النرفزة الثورية جعلت من ظلي يغير مكان تشكله من الشرق إلى الغرب. هنا فهمت قصده بالدلالة و خديعة التأويل الموضعي، هنا فهمت أنه أراد الإيقاع  بي في ورطة الإختيار بين عمامة و جبة الحكمة الشرقية و ربطة العنق المتجلية في الفلسفة الغربية....

لظلي شيطنة حياة متمردة مرات عديدة، حتى ظلي أراد نقلي من النقل إلى العقل عبر الاستنجاد بآليات المفاهيم الكونية . قال ظلي خلاصة، أن الصمت  ما هو إلا مقاومة مستميتة يرفعها الأنا بالوعي حين تسد أبواب التواصل بالآخر سواء كان ثابتا أو متحولا، حين تتقلص مساحات التوافق ويطغى مفهوم لغة المسند والمسند إليه.

قررت اليوم مع ظلي أن نتفاوض جلوسا حول مائدة مستديرة بسؤال، متى يكون الصمت حكمة؟، ومتى نتحدث بالكلام المباح؟. لن أخفيكم سرا كان التفاوض صعبا، حتى ذكر لفظ “التعاقد” هنا ظهر كلام مستطيل من ظلنا ... أصعب مما تصورته بالليونة الحوارية الهادئة. حينها لم أستطع مراوغته حتى ظلي وتسجيل هدف سبق الفوز بالكلام والتأمل والنقد، لكن في الأخير توافقنا مستقبلا على ترك بيض صمت العدمية والسلبية في عش فزاعة الفوضى.

ابتسم الظل طويلا وقال لن أخرس بعد اليوم عن الكلام المباح “ الساكت عن الحق أخرس”، هي بداية التفكير في الوجود و الكونية، هي بداية بناء هندسة سليمة للعقل والوعي الفردي و الجماعي، هي بداية نيل حقي من تأسيس الديمقراطية والحرية، ولتكن البداية حتى من قول "لا"، هي بداية معالجة كل المشكلات القائمة… هي بداية إحياء قيمة السؤال والتحليل والتركيب والرأي والنقد…عجبت من صدق كلام الظل  حين تخلى عن مكره وشيطنته اليسارية، وتساءلت و “أنا”؟ أجابني لا تكن من المرجئة فالعالم كله يتحرك.

 

ذ/ محسن الأكرمين

 

875 زهرهزهرة الكوسى شاعرة وكاتبة ومثقفة وقارئة مميزة ومبدعة فلسطينية، عاشقة للحرف والكلمة، تمتلك ثروة لغوية هائلة، وتجربة عميقة في الحياة .

هي شاعرة الحزن والألم والجراح الفلسطينية، شاعرة الأرض والوطن والقضية والإنسان، في يأسه ورجائه وانتمائه، شاعرة حالمة رائية مألومة مجروحة باحثة في عتمة اللغة عن اشعاع ضوء، وفي سديم اللاوعي عن منقذ يطل على شمس الحياة والحقيقة .

زهرة الكوسى شاعرة طليعية ملتزمة مميزة ملهمة مهمومة بجرح وطنها وهمه اليومي، وبألم الغربة، وبتوسيع أفق القصيدة وارهاف قدراتها التعبيرية البنيوية، عمقًا ونفاذًا .

زهرة الكوسى تقيم في العاصمة السورية دمشق، وهي وحيدة بين أخوين، فقدت أمها مبكرًا، وهذا ترك أثرًا كبيرًا على شخصيتها ونفسيتها، والدها محامي ومثقف جدًا، بعثي،  فلسطيني حتى النخاع، لم تغب فلسطين عنه يومًا، وهو الذي تشرد طفلًا عام النكبة 1948 .

ثقافتها ساعدتها بالتمرد على واقعها، انضمت لصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أيام جورج حبش، حين كانت على مقاعد الدراسة الثانوية العامة، وعاصرت آنذاك المناضلين والأسرى الفلسطينيين، وتركت الجبهة بعد استقالة حبش منها .

اقترنت بالمناضل الفلسطيني المرحوم ابراهيم سلامة، وهو أسير سابق في سجون وزنازين الاحتلال الصهيوني، وفي سجن عسقلان تحديدًا، وتابعت معه حياتها كما كانت عند والدها . وشكلَّ سلامة بالنسبة لها ثروة تاريخية ووطنية وثقافية، تجد الاجابة عن كل اسئلتها، ووقفت معه في مشروعه الادبي والثقافي المهمل قبل زواجها منه، لانشغاله بالعمل السياسي النضالي . وبعد رحيله عن الدنيا بقيت تتابع مشوارها وحيدة إلا من امانته وامانة والدها، الوطن كل شيء .

اقتحمت زهرة عالم الكتابة والابداع، وتعداد دراساتها ومطالعاتها وتجاربها في الحياة صقل موهبتها الشعرية الفطرية، التي كانت تضطرم في أعماقها بتوقد وتوهج، وتتحين الفرصة للانفجار والتعبير.

كتبت المقالة الأدبية، ومارست هواية الرسم، ومع تطور ثقافتها وتنوع قراءاتها، راحت تكتب الشعر الموزون المقفى الذي ارهقها بسبب التقيد بالوزن، واضطرها كثيرًا لتغيير الصور الشعرية ليستقيم الوزن، وسرعان ما اتجهت للقصيدة النثرية والشعر الحر عن عمد وقصد، وبعد دراسة عميقة وواقعية لمعطيات الشعر الحديث، وفرت لقصائدها وحدة نموذجية بين الشكل والمضمون في نضج شعري، ووحدة عضوية حية .

ومن أهم الشعراء الذين تأثرت بهم زهرة : المتنبي، درويش، القاسم، البياتي، السياب . ومن الكتاب : غسان كنفاني، نجيب محفوظ، محمد عبد الحليم عبد اللـه، عبد الرحمن منيف، ارنست همنغواي، فيكتور هوغو، اجاثا كريستي وسواهم .

صدر لها حتى الآن سبع مجموعات شعرية، وهي : " بساط من جمر، العبور إلى المنفى، عشق دمشقي، الحلم المسافر، الطريق إليك، أنين الرمال، قبة السماء " .

ولها ايضًا كتاب بعنوان " قبة السماء " وهو بحث في السيرة الذاتية،  ويشتمل على مذكرات المرحوم زوجها الذي فقدته في العام 2013 وهو في الأسر، من خلال سؤال وجواب .

وتستعد الآن لإصدار مجموعتها القصصية الأولى بعنوان " مرايا الماء " .

زهرة كوسى شاعرة أنيقة تعزف على وطن الألم والأمل، قالت الشعر منذ صغرها، وعبرت عن عشقها لوطنها السليب وارضها المغتصبة، وعن حزنها لبعدها عنه، وخصصت شعرها لفلسطين وقضية شعبها الوطنية، وجعلت من أشعارها منارة لكل من اراد ان يقرأ عن وطنها وهمومه وأوجاعه وعذاباته وكفاح أبنائه، وسكبت فيها ذوب قلبها ونبض عروقها . وأشعارها تخلو من التكلف والصنعه اللفظية، متسمة بالطوابع السياسية والاجتماعية والانسانية .

وهي تستوحي كلماتها من روحها وقلبها وعقلها وفكرها وثقافتها، وكتاباتها متنوعة عن الوطن والحزن ووجع الغربة والحبيب / الزوج، وعن الحب والعشق والأنثى المتمردة، ومستلهمة من واقع الحياة والحالة السياسية والوطنية .

زهرة الكوسى تؤمن بان الأدب يجب أن يكون للحياة، للشعب، للمجتمع، للمستقبل، للتوعية الاجتماعية، والفكرية، والسياسية، والثقافية، ومنحازًا للإنسان وقضاياه المصيرية ولجماهير الطبقات الكادحة .

ونصوص زهرة الكوسى يطغى عليها الحزن والألم والمعاناة والشكوى، جاءت غزيرة بثروتها الفكرية المعنوية، ومتأججة في زخمها العاطفي والوجداني .

ومن ناحية النسيج الأسلوبي فقصائدها وأشعارها تتسم بوضوح الفكرة، وقوة التعبير، ودقة اللفظ، وشدة الايحاء، ومتانة اللغة وسلاستها، وشفافية البوح والتعبير، علاوة على استخدام الرمز التعبيري، والاشارة إلى الزمان والمكان، وما يضفيه ذلك على الشعر من أثر وحيوية . والصورة الشعرية عندها مقدسة لا تفرط بها، ولا تخدشها .

ومن قصائد زهرة الكوسى اخترت هذه النماذج من ديوانها " أنين الرمال " :

على وتري:

……………

- في السحاب أبني وطني

يومض البرق

أشق الطرقات

أحرث الغيم

أبذر الدم

ترتاح القبور فوق راحتي

وتغيب في ابحار الأفق

- قالت لي الأسطورة :

إن أطفالي أسراب سنونو

ستحجب الشمس عن بلاد الثلج

ولا تهدي شعاعًا منها

إلا لمساء يعبر الجسر

إلى عرس الفتى الأسمر

- يمر النهر على رؤوس أصابعي

يحمل سرّي

يسيل النور بين ضفتيه

يمعن في حزني

أحاول وقف تصدّع هجرتي

أمضي لعصفور يلتقط بقايا الندى

ووطني أمام بوابة المنفى

يطرق الأبواب

ولا مجيب ! 

- أسحب الريح من مخابئها بين الشجر

أزنر بها خصر العاصفة

أُعتّق الماء في عينيّ

أقرع باب النبع

يأتيني صفير الريح

يطل الموت من حبة قمح

يرمي صوتي على تلال الشهداء

يثمر في سنين القحط

نورًا ينحدر من شلال دماء

إلى ديجور وطني .

- أصب حنيني على مساحة النار

أقصّ ألسنة اللهب

يترامى الإعصار والإحتراق

وينام في بحر حنيني

- ثورة الشاعر تمشي

إلى منفى الأشباح

تبحث عن حرف ..

تفك به حصاره

زادًا لأموات ..

نهضوا يستقبلون العام الجديد

من شرفة دمي !

...................

الرحى :

ريشة تحمل سرنا

تحط على جرحنا

تبوح أنّا عُراة بلا وطن

وأنّا حتى الثمالة غارقون في الأحلام

تمدُّ للمستحيل أهدابها

لإستقبال أفراحنا

تهاجر مع الريح

غير أبهة بأوجاعنا

توشوشها أن قيثارة الموت

فوق أجسادنا تكسرت

رغم أننا مثل كل الناس

- في اليوم الأخير

حدثني الطفل الذي اجتاز حدود الحياة

أنه نسي اسمه العربي

في جيب قميصه المحترق

وأنه سعيد في بعده عن صدأ الرثاء

وقال :

قَطَفَنا الموت في القدس

في المنفى

في الخيام

كعاشق يقطف الورد في الأعياد

ولن ننسى ..

في الذاكرة تتدلى عناقيد من رصاص

صهيل الجدران في آذاننا

ولا نسمع البكاء

فنحن لسنا مثل كل الناس

أتعود أمي تعجن الرمل بالغيم

وتخبز على الصاج رجع انتظار !

حدثتني أن الرحى بعد موتي

دارت فوق عظامنا

بذرته زفرات الوهم في مدى الغياب

أننسى دلوًا رميناه في بئر

فانتشلنا دمنا ?

قطّروا المنايا في أفواه انبعاثنا

هتفوا : أنتم مثلنا

لن ننسى ..

فنحن لسنا مثل كل الناس .

زهرة الكوسى جواد شعري بحري، عتقت أحلام جيل فلسطيني كامل، تتوالى رحيقًا إلى رحيق، قمقمها الابداعي لا ينفذ، وهي الأجمل والأبهى بأشعارها ونصوصها الخلابة في المشهد السوري والفلسطيني الراهن . قصائدها هفهافة، شفافة، رقراقه، وكلماتها باذخة ساحرة، وحروفها ممطرة سامقة . العاطفة والجمال عناصر جلية وواضحة في قصيدتها، والهم الوطني والوجع الفلسطيني حاضران بقوة فيها، ومجامعها الشعرية تحتضن آلامها وأوجاع المنفى والحزن على الوطن .

ألف تحية عابقة بأريج زعتر الكرمل، وشذا خزامى الجليل، وعبير نعناع المثلث، نرسلها للصديقة المبدعة القابضة على جمرة عشق فلسطين، زهرة الكوسى، وتمنياتي لها بدوام الابداع والتألق والتميز، مع التقدير لقلمها السامق وكلمتها الملتزمة التي تعانق روح ووجدان المتلقي .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

اسماء محمد مصطفىلا تولد كلمة عميقة الوقع خالدة الاثر من فرح وترف، لذا فإنّ كل المؤثرين في التاريخ مدينون للوجع بكلمة شكر .

بيد أنّ ثمة أفراحاً لايشبه بعضُها الآخر، كالفرح الخلاق المختلف عن الأفراح العادية، العابرة، المتحايلة، ذلك أنه يولد من رحم أمل بعد وجع عميق، هذا النوع من الفرح يلد كلمات عميقة خالدة كذلك .

**

الخبرة الحياتية الواسعة ليست نتاج تجاربك فقط بل هي مجموع (مدى استفادتك من تجاربك وإيجابيتك في التعامل مع نتائجها، واستيعابك وفهمك تجارب الآخرين، وتثقيفك لذاتك، وتحلّيك بالموضوعية في الحكم على نفسك والآخرين بعيدا عن المزاج الشخصي والعقد النفسية والأحكام المسبقة بلا تمحص، ويقظة ضميرك كي تجيد الحكم السليم على سلوكيات الغير وتجاربهم، ووضعك هامشاً بأنك قد تكون على خطأ مهما بلغت من العلم والمعرفة والتجربة، فمالم تجربهُ لايعني أنه غير موجود)، وبغير ذلك تبقى الخبرة منقوصة والرأي فاقداً شموليته والحكم مفتقراً الدقة، ولذا فإن الخبرة، كالنضج، ليست بالسنين وحدها بل بعمق التفكير واحترامه أيضا .

**

الخبرة في التعامل مع المختلِف والمختلَف عليه أن تقول رأيك المخالف، لكن بلطف، حتى لاتجرح الآخر، فقد لايتقبل الصدق عارياً ولا الصراحة فظةً، إلاّ باستثناءات تستوجب القسوة والمباشرة . النضج هو مايرشدك الى الاختيار الصائب بين اللطف والقسوة في الطرح وفقاً للمكان والزمان والأهمية وهدف الرسالة .

حاول أن تترفق بالآخر، فقد يكون قلبه من زجاج .

**

النضج أن تدرك أنّ لاشيء يستحق القتال في الدنيا إلاّ القيم العليا وكل جميل يتأتى من ورائها، في شكل حب او حنان او تعاطف او تضامن او تعاون .. الخ .

**

النضج أن تدرك أنّ ماهو مطلق لك هو نسبي لغيرك، وبالعكس . وبين المطلق والنسبي ثمة حقائق لاتُدرَك .

**

النضج أن تكون مجنونا بمقدار ماأنت عاقل . أن لاتغادرك روح الطفولة، بل ترافق شبابك وشيخوختك في روحك وعقلك .

**

الروح القوية لاتتجعد كالجسد، عمقها بالحب الخالص هو المصل الذي يحميها من الشيخوخة . بعضهم تشيخ روحه مبكرا، لهشاشة دواخله او لجهله إمكانات الروح القوية، الخبرة والنضج الروحيان والعقليان يرشدان الإنسان الى مكامن الشباب الدائم للروح . الروح لاعمر لها .

**

بالعلم وحده، يبقى العالم ناقصا، آلياً، متحجرا، فبينما يسهم العلم بتقدم الحياة تقنيا وتيسر اختراعاته ماتعسر على البشر قبل أية خطوة او مرحلة تطور إلاّ أنه قد يزيد من القساوة ويُغيب الكثير من تجليات الروح، وهنا يأتي دور الفن بجعل العالم مكاناً ألطف .

المشكلة تكمن في من لايدرك قيمة العلم والعقل، ولايفهم روحية الفن ويريد أن يسير البشر على سكة معتقداته .

**

لاتكن خطوة على رمال الدنيا، تمحوها ريح الزمن بلاعناء.

**

فعل الغيرة القاتلة في الحب، كالكراهية تماما .. فإن كنت مريضا بالغيرة اختصر عذابات الآخر برحيل مبكر .. بدلا عن أن تسرق عمره وأنت تقتله عشرات المرات برصاص الخيبة .

 

أسماء محمد مصطفى

 

 

عبد الجبار نوريتملكني الفزع وأنا أشاهد ألسنة لهيب النار والدخان يتصاعد بشكل مرعب ومخيف في الكاتدرائية وسط عدسات المصورين والجمهور، وقد زرتها لمرتين لمشاركتي مهرجان اللومونتيه الذي يقيمه سنويا الحزب الشيوعي الفرنسي في خريف كل عام، وأقف بخشوع وتأمل حسب طقوس اليوكا أمام الكاتدرائية وأشعربوجل وقدسية أجهلها مع لهب كهربي في ذاتي ربما هو الشوق والولع الطفولي أن تقتحم أسوار البناء المعماري المذهل وأنت داخل لقبو الكاتدرائية ترى عبارة منقوشة على جدار الكنيسة لفيكتور هوجو {الزمن أعمى والأنسان أحمق} 1802 -1885 وتتزاحم في مخيلتي وقرارة ذاتي أرهاصات مضطربة ربما هي أطياف من ركام الرماد من تلك ليلة الحريق المشؤومة،في واحدة من أسوأ الحرائق التي تطال معالم تأريخية فرنسية، وعلى عجل أستحضرتُ بطلي الرواية عبرهواجسٍ مشبوبة بالخيال مرت بعجالة على مخيلتي المتعبة الأحدب (كوازيمودو) الموكل بتحريك أجراس الكنيسة الثقيلة لقوته العضلية والذكورية المرعبة وهو يلاحق جسد (أزميرالدا) الفاتنة الغجرية بعينٍ واحدةٍ وهي ترقص على أنغام أغنية شعبية فرنسية بتغريدة أنثوية ملائكية مخملية مثيرة من باحة الكنيسة وكأنها مستوحاة من وترية موزارت 40 وتلك حكايتي المنحوسة مع فكتور هيغو .

أن الحريق الذي نشب في الكاتدرائية يوم الأثنين 15 نيسان الجاري وهي الكنيسة الرئيسة في فرنسا وأقدم الكنائس الأوربية عموما وقد بدأ بناؤها عام 1160 وأنتهى عام 1345، يمثل المبنى تحفة الفن والعمارة القوطية، ويعد من المعالم التأريخية في فرنسا، ويعود تأريخ أنشاء المبنى إلى العصور الوسطى، تقع في قلب مدينة باريس الحلم الغافية على ضفاف نهر السين الخالد شاهد تأريخ فرنسا مما أثار موجة من الأستياء مع شيءٍ من الولع والتعاطف الوطني لأقتناء الكتاب، بحيث نفذت موجوداته في المكتبات وطُبعت لمرتين وأحتلت المركز الأعلى في أرقام بيع الكتب في فرنسا، حيث أعاد الحريق الذي نشب في الكاتدرائية الوهج للرواية فتصدرت المبيعات، ولشدة أشتهار الرواية تسابق تجار صناعة السينما أخراج أفلام للرواية أتذكر منها في زمننا الجميل 1956 عرض فيلم بعنوان " أحدب نوتردام " يلعب فيه الممثل الأمريكي واليوناني الأصل " أنتوني كوين " دور الأحدب والممثلة الحسناء الأيطالية "جينا لولو بريجيدا دور (أزميرالدا) .

أحدب نوتردام رواية رومانسية حقاً تحبس الأنفاس لكونها مثيرة للحزن والخيانة والحب بأشكاله القاتلة حب صوفي تعبدي حب رومانسي حب خيانة حب عبثي ويجمعها هوغو ببراعة مثيرة في بودقة واحدة مؤطرة بالأمل والتأمل والفداء والخيانة,الذي أثبت أن لهُ القدرة على التصوير في أظهار الأحدب بصورة وهو يسمو بشعوره الأنساني حين أوقعهُ بتلمس مسحة جمالية ربانية كامنة في قرارته وأعماق ذاتهِ، ويرمز الروائي العملاق بأن هذا الجمال هو جمال الدفيء الأنساني المحروم منهُ لبشاعته وعاهته البدنية المستديمة وأن هذا الجمال الخيالي يتقمصهُ الأحدب بصورة ملاك رحمة رباني بهيئة تلك المرأة الغجرية، لقد تحول الأحدب إلى كيان منعدم بسبب عاهته لكونهِ عاجز عن الفعل حتى تأتي شرارة هوغو البارعة لتنير ذاتهُ المتمثلة بأنوثة الغجرية الفائقة الجمال، والرواية تدخر أشارات إلى تلك اللعبة الغيبية القدرية في المعايير الأجتماعية والأخلاقية للقبح والجمال بمزاج (ميلودرامي) مبني على غرائب المصادفات في زمكنة ذلك العصر في عالم باريس القرن الخامس عشر والتي ميّزتْ كتابات هوغو، وهنا يدين الكاتب هوغو المجتمع بعزل العاهة وبأحتقار الضعيف ونهش المحرومين لذا صب فيها هوجو فلسفتهُ في الأنسنة وموقفه من الظلم وغياب العدل والأنصات لصوت المظلومين والضعفاء والمحرومين، متوغلا في أعماق عالم المتشردين والمهمشين وحتى الأسياد المنكسرين خلال متاهات الظلم والعبودية والسحر والتدين المصطنع في نفاق مؤلم في توظيف الدين والكنيسة في تغييب الأنسان وأستلابه، ويعلن هوغوأنتصاراتهُ للبشرية في تمحور الرواية على (العاطفة الأنسانية) التي هي الأداة الديناميكية في حركة التغيير الأجتماعي وبأعتقادي يريد أن يقول لنا : أن الحراك الشعبي في الرواية دلالات بواكير للثورة الفرنسية في أواخر القرن 18، وتدور أحداث الرواية لأواخر العصور الوسطى في عهد الملك لويس الحادي عشر عام 1482، نشرها فيكتور هوجو عام 1931، أنها دراسة تأريخية مؤطرة ببعدٍ أجتماعي وفلسفي وسياسي لأجماع النقاد (أن هوجو يمتلك قلب شاعر ورؤية سياسي)، وبالحقيقة يجب أن أعترف بأن الروايتين : البؤساء وأحدب نوتردام من أوائل الأعمال السردية لهوغوالتي تفاعلت مع مخيلتنا الطفولية ومشاعرنا البكر في سني قراءة الشباب كونتُ فكرة عن هوغو:أنه صحيح يمتلك قلب شاعر ورؤية سياسي .

أن الرواية التي كتبها هيغو تؤرخ أحداث جرتْ في القرن الخامس عشر وكُتبت في القرن التاسع عشر وتُرجمت إلى العربية خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين، والتي وصف فيها الكاتدرائية بأنّها متهالكة وتعاني من تشوهات لا تقدر ولا تحصى وتزامناً مع كارثة الحريق ساهم في تنبيه الثقافة الوطنية عند الجمهور الفرنسي صاحب السترات الصفر إلى هذه التحفة القومية الأثرية، وأحداث الرواية تدور حول (كوسيمودو) الأحدب المشوّه قارع جرس الكنيسة في القرن التاسع عشر الذي يقع في حب الغجرية الحسناء فائقة الجمال (أزميرالدا) التي تحترف الرقص وتصاحب الغجر المتجولين في عروضهم، نجح هوغو من خلال هذه الرواية ذات الأحداث الآسرة في صناعة قصة حب (متشظية) بين شخصيات ضائعة تخوض متاهات صعبة وملتبسة المفاهيم مثل القس (فرولو) والفارس (فيبس) وحب كواسيمودو الأحدب الأكثر أشكالية على أعتبار روحه الشفافة تسكن جسداًمعطوباً تطابق حكمة أحد فلاسفة القرون الوسطى {أن النفس تتشوّه حين تكون في جسد ناقص} .

وهكذا جرب هوغو الغوص في أعماق التأريخ الفرنسي وسايكولوجية القساوسة والرهبان وحتى الشماسين بالأضافة لملوك الرومان والعديد من الشخصيات الفاعلة في التأريخ، ويسمو بنجومية متألقة بل ربما أصبحت الرواية أشهر من الكاتدرائية نفسها

 

عبد الجبارنوري - ستوكهولم

 

احمد ختاويسلطة الإدهاش في مداخلة الاستاذ منصور زغواني: وروافد (الانتهاج).عند دريدا وعبد الله الغدامي أنساقا..

من بين المداخلات التي دخلت منظومة تطبيق الإدهاش وخطفت الاضواء عند الحضور والقاعة بالملتقى الوطني للنقد: منعرجا ممنهجا: مداخلة الاستاذ، الطالب منصور زغواني من جامعة مولود معمري بتيزي وزو: (تطبيق التفكيكية في الدرس الجامعي بين الطرح الدريدي والفهم النقدي العربي المعاصر عبد الله الغدامي وبسام قطوش - أنموذجا).

ما كانت سلوكيات المنهج التحصيلي كطالب لتلجمه أو تكبله. وهو ما يزال يرتوي من التحصيل الجامعي كطالب دكتوراه. بل عرج دارسا وناقدا، وأحكم - أثناء مداخلته بقبضة من حديد على مَلكة الإتزان في سرد موازين القوى لديه في التعاطي مع فحوى مداخلته من منظور دارس واعد. حيث ابتعد بوعي إدراكي عن "الاستهلاكية التحصيلية" التقريرية كنمط تحليلي تحصيلي، بعبارة أوضح لم يحشر نفسه في سياقات تقديم بحث جامعي تحصيلي خال من إيغال ملَكته وهويته المبحثية بوعي منه دائما. في عمق ورقته المبحثية الإنمائية نقدا، ودراسة تفكيكية على صعيدي الالمام وبواذر ناقد واعد في الأفق. حيث سيطر على مكونات بحثه استشهادا بهؤلاء، فيما كانت ورقته المبحثية روافد لصناعة مادة نقدية واستباقية. من منطلق سيرورة المنحى التحليلي، التفكيكي لديه، مما جعله يصنع الفارق في التعاطي مع منهجيته المبحثية من جهة. وتأطيرها وتاثيثها بمرتكزات وآليات ومقومات معرفية، مما ينبىء بأن الاستاذ، مشروع ناقد، الاستاذ منثور زغواني سيكون له شأن وأفق الدراسة والنقد. في الحقل المعرفي، وانت تصغي إليه في نبراته المعرفية وإفضاءاته وتضاريس تفكيكياته، تحس أنك أمام الغدامي نفسه، جاك دريدا، أو امام فيزيائية وجغرافية المصطلح عند الناقد والمفكر بختي بن عودة. أو أنك تشتم عطر رولان بارث، التشكيليين الروس. وهكذا بدأ هؤلاء. فالاستاذ، الطالب منصور زغواني صنع - حضورا - هذا الحضور المعرفي.

هذا استجلاء مني كمتلق لتفكيكياته التي أدهشت ذائقة الحضور، وفككت المأمول في جميع المآلات بذرة نحو السؤدد. وهذا ما يبشر به أفقه.

نتمنى له موفور السؤدد على مدارج هذا الجنس (النقد) دراية بالمكنون والمأمول.

تحية إكبار لك أيها الفذ منصور زغواني.مدْرجا وسلما على سلم النقد وليس على سلم ريشتر. وان كان ذلك، فهو ارتدادية في حداثية التفكيك وتضمين الشواهد. والاستشهاد.

 

كتب : أحمد ختاوي

 

نور الدين صمودوقعت بيدي صِدفة ـ مسودّة قصيدة أوراقي المتراكمة التي لها علاقة بالأدب والأدباء والحياة الثقافية مشرقا ومغربا وشرقا وغربا وإفرنجا وعُرْبًا ـ وهي عبارة عن قصيدةٍ شبه فكاهية كتبتها في القرن الماضي فرأيت من واجبي أن أضيفها إلى (ديوان التهاته) الذي جمعت فيه أشعاري الفكاهية التي كتبتها في بعض المناسبات بمفردي وكتبت البعض منها بالاشتراك مع بعض الشعراء الأصدقاء، قد وقعت كتبتها في القيروان بتاريخ 17/3/1979.وقد ذكرني مكانُ وتاريخُ كتابتها المثبتُ في أعلاها بأيام ثقافية لا تنسَى.

 ولنعد إلى البداية فقد ذهبت إلى مطار تونس قرطاج قبيل ذلك اليوم مع مجموعة من أسرة الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين لاستقبال وفـْدٍ ثقافي من اتحاد الكتاب السوريين بمناسبة انعقاد إحدى دورات مهرجان ابن رشيق الثقافي الذي كنا نقيمه في القيروان كل سنة، وكنا ندعو إليه الشعراء والدارسين من المشرق والمغرب العربيين للمشاركة فيه، وكان الوفد السوري، وضمنه سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وغيره من الوفود الشقيقة التي جاءت بهذه المناسبة.

وقبل أن أقدم القصيدة الفكاهية الساخرة التي ذكرتني مسودتها بموضوع هذه المقالة، أشير إلى أن المستقبلين من الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين ـ على ما أتذكر ـ هم : محمد العروسي المطوي ـ نائب رئيس الاتحاد محمد مزالي، ومصطفى الفارسي، ود: عمر بن سالم وكاتب هذه السطور، وكنا جميعا خلف السياج لا يفصل المستقبَلين والمستقبـِلين ، غير بضعة أمتار، وكنا نعتقد أنهم سيجتازون ذلك الحاجز في بضع ثوان، ولكن الانتظار من الطرفين طال واستطال، رغم أنه موجود بين المستقبـِلين نائبُ اتحاد الكتاب الذي كان في ذلك الوقت عضوا في (مجلس النواب) وأن رئيسه في الاتحاد وزير من وزراء الدولة التونسية، وأن بقية المستقبلين أدباء معروفون في تونس وغيرها في العالمين: العربي والغربي، فشعرنا جميعا بالحرج الشديد إزاء هذا الموقف الذي بلغنا عنه في ما بعد، أن شرطة الحدود ما زالت في اتصال مع وزارة الداخلية للتـّثبت في انتماءات أعضاء ذلك الوفد الثقافي الذي لا يعرف أحد من المشرفين على الحدود قيمة جد أحد الضيوف القادمين من دولة عربية شقيقة بدعوة ممن يمثلون الأدباء التونسيين الذين انتخبوهم في مؤتمرهم المشهود، كما لا يعرف واحد منهم أن جد ذلك الأمير قاوم الاستعمار الفرنسي عند احتلاله للقطر الجزائري الشقيق، وأشهد أني شاهدتُ مجموعة من (السياح) الألمان يجتازون ذلك السياج دون أن يقدموا لشرطة القمارق (جوازات سفرها) وكان في مقدمتهم (دليل سياحي تونسي) يكلمهم بالألمانية ويوجههم نحو الحافلة التي ستقلهم إلى النزل الذي سيقيمون فيه، فقلت لزميلي في الهيئة المديرة لاتحادنا: (لا شك أن بين هؤلاء الألمان يهودا ولعل منهم بعض القادمين من إسرائيل عبر ألمانيا، فكيف يسمح لهؤلاء بالدخول ويمنع الأدباء السوريون ومن بينهم حفيد الأمير عبد القادر الجزائري؟) فتبسم ضاحكا من قولي، وبعد أكثر من ساعة سمح لهم بعبور ذلك السياج ليذهبوا معنا في اليوم الوالي إلى القيروان للمشاركة في مهرجان ابن رشيق القيرواني.

انعقد ذلك المهرجان في ظروف طيبة وقـُدمت فيه أبحاث كثيرة لا يسمح المجال بذكرها هنا، وأعود إلى القصيدة الفكاهية التي عثرت على مسودتها والتي أغراني محتواها  بنشرها والتعليق عليها لشدة صلتها بتلك المناسبة، وأشير أولا إلى أنها مصدَّرة بهذه الكلمة:

(أضاع الأمير سعيد الجزائري معطفه وأضعت صوتي بـِبُحَّةٍ قوية) وذلك لشدة البرد في ذلك الوقت ولفرط وقوفنا في انتظار السماح للوفد السوري بالدخول إلى أرض تونس قبل أن يولد أكثر (شباب الدواعش) بحوالي  ثلث قرن فقلتُ مشيرا بصورة ساخرة إلى ضياع معطف حفيد الأمير عبد القادر وضياع صوتي:

قد أضاع "الأمير" في القيروان  ** معطفا لـيس مثـله في الزمـان ِ

فاشتكى قائلا: (أضعتُ صوابي **  سوف يَـغــزو الشتاء كلَّ كياني

   دثـِّروني وزملوني وهاتوا        ** (بـِشوفاج ِ)ٍ يَعـــجُّ بالنــيرانِ

  قد أضعت الصوابَ مذ ضاع مني **مِعطفٌ قد صَحِبْتـُه من زمان ِ

  عن جدودي ورِثـْته، وهْو ذخرٌ    **فابحثوا عنه عبْر كل مكان ِ)

 

 

ثم وقع ما يسميه البلاغيون بحسن التخلص في الانتقال إلى ما وقع للوفد السوري في المطار من طول مِطال (شرطة الحدود) في دخول ذلك الوفد إلى تونس، لشدة احتياطهم وتوقـّيهم، فدلوا بذلك على قدرتهم على البحث عن معطف الأمير وذلك بأسلوب ساخر ويظهر هذا على ما وضعته على لسان الأمير في هذه الأبيات:

(كلفوا الشرطة الأولى عطلونا**في المطار المحروس في كل آن ِ

كلـِّفوهم بالبحث ِ عنه، فـــإنا**قد رأينا منهم عيونا روان ِ..

في المطار العتيد إذ أوقفـــونا**وعلـيــنا من كلهم عــيــنان ِ

كل عين كمجهر ٍ ذي بــريــقٍ**أو شكتْ أن ترى الذي في جَناني

سألوني: مَن أنت؟ قلت بفـخــر ٍ:**في عروقي يَسري دم الشجعان ِ     

إنّ جدي قد قاد حربا ضروسا** ضد أهل الفساد والطغيان ِ

فهْو في الحرب قائدٌ لا يُجارَى**يُرهبُ الخصمَ في مجال الطعان ِ

     عربي أنا فهل ذاك ذنــبــي؟**نحن في الضاد والهوى صِنوان ِ

فلـْتقولوا لهؤلاء: ابحثــوا عــنْ**معطفي، إن فقـْده قد شجاني).

فأجــبــت (الجزائريّ سعيدا):**ما تراني أقول في ما اعتراني؟

فأنا قد أضعت صوتي، وصوتي**كان أحلى من نعمة الكروان ِ

فــتــراني، إذا أردت كـــلاما،**ساكبا ما أقول في الآذان ِ

فيعــيــد الصديق ما قــد وعـــاه**مثل بوق لم يشتغل من زمان ِ

صِرْتُ مثل الوزير إنْ جاء وفدٌ**أجنبي، يلوذ بالترجمان ِ

وتـــراه مشـــوِّهًــا كلمـاتي**وتراني كالأبكم الحيران ِ

إن وجدتم ما فد ضاع سعيدٌ**فابحثوا في جيوبه عن لساني

وكلامي قـد صـار هـمسًا كأني،**في  كلامي المبحوحِ، كالبغبغان ِ

وكما ترى فقد خطر لي، من باب السخرية، أن أستغلَّ ضياع معطف سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري في ذلك البرد واعتبرت أن صوتي أو لساني قد ضاع مثل ضياع معطفه فإذا وجدَ (شرطةُ ُ الحدود) المعطفَ فليبحثوا في جيوبه عن صوتي أو لساني الذي أتكلم به، وأذكر أن كل من استمع إلى تلك القصيدة الفكاهية الساخرة في (كواليس) المهرجان ضحك لها ملء شدقيه إزاء الروح المرحة التي يتمتع بها الأمير سعيد حفيد الأمير الأمير عبد القادر ومن كان معه في ذلك الوفد والوفود الأخرى خاصة من القطر الجزائري الذي نبع منه سعيد وجده الفارس الشاعر الأمير الذي قارع الاستعمار الفرنسي بالسيف والقلم، وقدم شعبُ بلاده مليون شهيد في سبيل إجلاء مستعمريه بل مغتصبيه الذين تبلغ مساحة ُ أرضهم خُمُسَ مساحةِ أرض الجزائر الكبيرة لكنّ العبرُة ليست بالكم بل بالكيف، فهل من سبيل يجعل الجرائرَ [خـَمْسَ فرنسات] (إن صح هذا التعبير) بسكون ميم العدد خَمْْسة وليس بضم خائها وميمها (خـُمُس) ولن يكون ذلك إلا بالنفوس الكريمة التي ترفع الرؤوس العظيمة، وأن يَعُمَّ هذا الأمل المنشود جميع الناطقين بالضاد، وأن لا يكون همُّ ذوي الشأن م00ن الخليج إلى المحيط، السعي الحثيث للفوز بالضأْد الخبيث، وأن يَسْعَوْا لكسب الرهان في كل ميدان، بداية من إحياء ترسانات الدفاع عن حياض الوطن والتفوق والابتكار وأن نعمل جاهدين إلى إحياء مهرجان أبي النقد في شمال إفريقيا وكامل بلاد العرب ابن رشيق المنسوب إلى القيروان، والقادم إليها من قرية جزائرية وهو في السابعة عشرة من عمره ليستقر في  القيروان مبتدئًا حياته فيها بصناعة الذهب، ومن باب ما يُسمّى بغلبة الصنعة سمى أحد كـُتُبه (قـُراضة الذهب  في نقد أشعار العرب) فقد هجر صناعة الذهب النــُّظار و تفرغ للأدب يكتبه شعرا ونثرا وينقده ويضبط قواعده التي أسسها واستخلصها من الشعر العربي الخليل  بن أحمد الفراهيدي الأسْدي (100- 178)هـ  ولله ما كان أصحّ علمَ مَن نقدمــا.

 

أ.د:  نورالدين صمود

 

ضياء نافعيربط القارئ العربي غالبا هذين الاسمين الكبيرين في الادب الروسي بالقول الشائع، الذي ينسبونه لدستويفسكي – (كلنا خرجنا من معطف غوغول)، وهو تبسيط التبسيط للحديث عن علاقة هذين الكاتبين في اطار علم الادب المقارن، ويذكرني بما قاله لي مرة احد معارفي، عندما سألته عن انطباعاته حول العاصمة النمساوية فيينا التي زارها،  والذي أجابني قائلا – (ليالي الانس في فيينا // سمعها الطير بكى وغنّى)، وقد قهقهت عندها، وقلت له، انه من المؤكد، ان اسمهان نفسها تعرف جيدا، ان الطير لا يبكي ولا يغنّي اولا، و تعرف ثانيا، ان الطير ينام طوال الليالي بغض النظر عن اي انس يجري في زوايا تلك الليالي و شعابها.

لقد كتبت مقالة قبل سنوات طويلة بعنوان – (هل خرج دستويفسكي من معطف غوغول؟) ويمكن الرجوع اليها طبعا، وتحدثت فيها بالتفصيل عن ذلك القول، و ذكرت في نهاية المقالة المذكورة كيف اني استمعت الى محاضرة ألقاها بروفيسور سوفيتي في باريس نهاية ستينات القرن العشرين عن هذا القول، بعد بحث وتمحيص طويلين له حول اوليّات ذلك، وكيف فنّد الرأي القائل، ان دستويفسكي كتب هذا القول. استجدت بعد ذلك عناصر جديدة اخرى باللغة الروسية حول هذا الموضوع، منها ما نشرته مجلة (قضايا الادب) الروسية، وما تم نشره في المعجم الكبير للتعابير والاقوال المتداولة تحت جملة – (كلنا خرجنا من معطف غوغول) ...الخ، وكل هذه المصادر تشير بالاجماع الى ان دستويفسكي لم يكتب هذه الجملة، وانها وردت في كتاب أحد الباحثين الفرنسيين حول الادب الروسي ليس الا، ولا مجال هنا للحديث التفصيلي عن كل ذلك طبعا .

دستويفسكي وغوغول والمقارنة بينهما – موضوع عميق جدا في تاريخ الادب الروسي (يكفي فقط ان نشير مثلا الى موضوعة مدينة بطرسبورغ وانعكاساتها في نتاجاتهما الادبية) ، وهو موضوع عميق ايضا في تاريخ الفلسفة الروسية  (ويكفي فقط ان نشير مثلا الى موضوعة الكنيسة الارثذوكسية الروسية في مفاهيمهما ودورها الذي ينبغي ان تؤديه في المجتمع حسب رأيهما) . لقد ابتدأ موضوع المقارنة بينهما واقعيا منذ ظهور دستويفسكي في دنيا الادب الروسي، اذ أسماه الشاعر والصحافي الروسي الكبير نكراسوف (غوغول الجديد) عندما تكلم عنه مع بيلينسكي، أما بيلينسكي نفسه، فقال، ان (غوغول هو الاب لدستويفسكي)، وكل ذلك طبعا في بداية ظهور دستويفسكي، اي قبل اعتقاله من قبل السلطة القيصرية والحكم عليه بالاعدام، ثم الغاء هذا الحكم ونفيه الى سيبيريا بدلا عن الاعدام، وهي وقائع معلومة في تاريخ روسيا وادبها، اما دستويفسكي بعد العودة من سيبيريا، ومسيرته الادبية الجديدة، ووصوله الى القمة والعالمية، فان الامر يختلف طبعا، اذ يدأ النقاد والباحثون يتناولون مبدأ المقارنة بين دستويفسكي وغوغول  باعتبارهما  قمتين من  قمم الادب الروسي والعالمي ايضا، وهناك مجموعة من الدراسات المعمّقة في هذا الخصوص، منها على سبيل المثل وليس الحصر كتاب كامل صدر عام  1921 في روسيا بعنوان – (دستويفسكي وغوغول) من تأليف تينيانوف (تأملوا سنة اصدار الكتاب، عندما كانت روسيا تتبلور لتوّها بعد ثورة اكتوبر 1917 وتتحول الى دولة الاتحاد السوفيتي)، ومؤلف الكتاب تينيانوف هو احد الادباء الروس واحد  نقاد الادب البارزين في مسيرة الادب الروسي آنذاك، وتعدّ كتبه – ولحد الان - مصادرمعتمدة للباحثين، وخصوصا عن اعلام الادب الروسي في القرن التاسع عشر مثل بوشكين وغريبويديف وغيرهم . من الممكن طبعا الاشارة الى مصادر روسية اخرى تناولت موضوع المقارنة بين غوغول ودستويفسكي من مختلف الجوانب، منها ان دستويفسكي حاول ان يحاكي غوغول (وفق اساليب مخفيّة وغير مباشرة) كي يقارعه فنيّا ويصبح بنفس مستواه، مثلما حاول غوغول ان يحاكي بوشكين (وفق تلك الاساليب ايضا) كي يصبح بنفس مستواه، ولكن هذا الجانب غير الواضح وغير المباشر يحتاج الى اثباتات وبراهين عميقة و موضوعية، ويخضع كل ذلك طبعا الى وجهات نظر شخصية للباحثين مختلفة و متباينة، بل وحتى متناقضة بعض الاحيان . اختتم العرض الوجيز لهذا الموضوع المهم في علم الادب المقارن بالاشارة الى وجود فلم وثائقي روسي بعنوان – (غوغول و دستويفسكي)، وهذه ظاهرة نادرة في الدراسات المقارنة .

دستويفسكي وغوغول – موضوع كبير ومهم في تاريخ الادب الروسي وفي علم الادب المقارن، وقد انعكس باشكال مختلفة في مسيرة النقد الادبي الروسي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وفي النقد الادبي السوفيتي، ولازال مطروحا لحد الان، وكم نحتاج – نحن العرب – الى متابعة هذا الموضوع وغيره من اجل ان نتفهم تاريخ الادب الروسي وخصائصه ...

 

أ. د. ضياء نافع