كاظم الموسويالبلوك الرابع، عنوان السكن لطلبة الدراسات العليا، الدكتوراه، في أكاديمية العلوم الاجتماعية البلغارية في صوفيا، وهو عنوان لمبنى أنيق من الحجر والطابوق الاحمر، تزينه الشبابيك العريضة الواسعة، مكون من اكثر من ستة طوابق، ويحتوي كل طابق على اكثر من عشر شقق سكنية، مخصصة للطلبة، وتحته مطعم بار واستعلامات بكل معانيها.. وخلفه مبنى عنوانه فندق، للضيوف والقيادات الحزبية المقيمة، وكنت اقيم في وسط الطابق الخامس، ويضم البلوك الرابع والفندق، طلبة باحثين من اليمن وفلسطين المحتلة ومهاجرها والاردن وبلغار وروس وآخرين من جنسيات أوروبية او لاتينية.

البلوك جزء من المجمع الأكاديمي المسيج بحدائق وأشجار عالية من كل جهاته، ضاما بين اسواره وجدرانه اكثر من مبنى/ بلوك، للمراحل الدراسية الأخرى والاختصاصات والفروع العلمية والحزبية التي تفرغت لها الأكاديمية، ومبان للدراسة والتدريس والادارة، ومستوصفا واسواقا ومكتبة ومكتب بريد وخدمات جلى تغني الداخل فيه من الخروج اليومي منه، وتسد حاجات الطلبة الباحثين عن العلم والمعرفة، والمكلفين من أحزابهم وتنظيماتهم للدراسة واثراء معارفهم والعودة إلى ساحاتهم لمواصلة الكفاح بوعي جديد مسلح بالمعرفة العلمية والخبرة النظرية التي تسعى الأحزاب إلى الارتقاء بها والتعبير عنها بما يمكن أن يبني أجيالا حزبية ممارسة ومتمرسة وقادرة وقديرة وتحمل المسؤولية الملقاة عليها وتخطو الخطوات المطلوبة منها. فلا حركة ثورية بدون نظرية ثورية، كما ثبت ذلك المعلم الكبير، لينين.

كطالب دراسات عليا قدمت ما يلزم، انتهيت من امتحانات تعلم اللغة البلغارية، ودورة اللغة الروسية معها، وهي عملية إلزامية لكل دارس في مرحلة دراسية عالية او مستوى اكاديمي، ينتهي بدرجة علمية.. وطرحت مع الأساتذة في قسم الحركة العمالية فكرة موضوع البحث لنيل درجة الدكتوراه، فاقترحت الكتابة عن رجل المهمات الصعبة في العراق، حسين احمد الرضي، سلام عادل، سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي لفترة حرجة من تاريخ العراق، من أواسط الأربعينات من القرن الماضي، مرورا بثورة الرابع عشر من تموز/ يوليو1958 وحتى إستشهاده بعد اعتقاله وتعذيبه البشع والوحشي، إثر انقلاب شباط/ فبراير عام1963 ومجازره التي لا تنسى ولا تمحى. وبقيت فترة انتظر القرار، لاسيما وقد كتبت كراسا عنه في اقليم كردستان العراق، ايام كفاحنا المسلح، وضاع مع غيره في مجزرة بشت آشان أيار/ مايو 1983 واسهمت في إقامة عدد من الندوات المفتوحة عنه في مقرات الفصائل الانصارية، ولقاءات طويلة مع نسيبه الشهيد ابو ليلى، نزار ناجي يوسف. وكذلك بعض رفاقه في القيادة ممن عاش أو عمل معه في تلك الأيام. وتفاجات بأن القسم رفض مقترحي، دون أسباب موجبة او مقنعة، فغضبت وتألمت وكدت اترك الأكاديمية وارحل دون أن اعرف وجهتي او مكاني القادم. الا أن رفاقا حاولوا اقناعي بتغيير الموضوع والاستفادة من الفرصة التي لا تتكرر دائما وقد استفيد منها أكثر من الغضب والانزعاج و"الدلع" العراقي!.

اخترت الكتابة عن الحركة العمالية في العراق للفترة الممتدة بين ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى ثورة تموز/ يوليو 1958 وهو موضوع لم يكتب عنه كثيرا او بالأحرى لا توجد مؤلفات مختصة او باحثة عنه، واصبح علي ان أقوم بجهد واسع لتسجيل وتقييم الحركة ونضالها وتاريخها ودورها في بناء العراق. وتمت الموافقة وجلست أناقش الاستاذ المشرف والأساتذة الآخرين في القسم عن المصادر والفصول والأبواب. وهنا لابد من كتابة بحوث عن الموضوع وما يتصل به ونشرها في مجلات محكمة، ومنها مجلة القسم الفصلية. وأخبروني بأن الاستاذة فيرا مينولوفا من القسم قد كتبت بحثا عن الحركة العمالية في البلدان العربية، وفي اسيا وافريقيا، والاستاذة ملتانا كولوجوكفا، كتبت عن قضايا الحركة الديمقراطية في تونس بعد الحرب العالمية الثانية، وهي اطروحتها الأكاديمية التي لم تنشرها حينها. وبدأت اخطط واسجل واجمع ما يتوفر من اسماء مصادر وكتب ومراجع وكتابات عن العراق والحركة العمالية خصوصا. من بينها خطة السفر الى لندن والبحث في المكتبات العامة والمعروفة في اهتماماتها عن العراق في تلك الفترة. وأبرزها مكتبة المتحف، ومكتبة وارشيف وزارة الخارجية المسموح او المفتوح للقراءة والاستنساخ. وكذلك البحث في ما يتيسر من ارشيف ووثائق الحزب والمنظمات الأخرى.

تمت السفرة الى لندن وحصلت على مصادر واوراق تتعلق بموضوعي، كما اكتشفت صداقاتي، كنزي الباقي، وتعودت على حياة لندن، وصدماتها، اول مرة أواجه بنفسي الراسمالية، التي درستها نظريا وعرفتها من الكتب، بينما تصبح امامك كما هي، تناضل يوميا في مناخها واجوائها، أمر آخر أو وضع غير، كما يقال. والمفارقة بعد لندن وحصولي على مصادر واوراق غير قليلة ودون مقابل ومن مكتبات البلد الراسمالي، اصطدمت بانغلاق ابواب ارشيف الحزب امامي، حيث كانت الرفيقة المسؤولة عن تنظيم الخارج، ومختصره الحزبي (لتخ) غير مهتمة به وغير معنية باهميته، فردت على رسالتي الحزبية بأن الوثائق غير متاحة حاليا، وقسم كبير موجود عند الرفاق.. المهم بالنسبة لي كيف ساحصل عليها؟!. جوابها واضح، علي حفر الحجر باظافري. قد افهم الصعوبات والتعقيدات في مكان الارشيف والمسؤولية عنه، لكن من الصعب غلق الباب نهائيا بسبب إهمال وتملص من تحمل مسؤولية ما او حساب عنها. وانا باحث حزبي والوثائق الحزبية مصدر أساس ولا يمكن إغفالها او تجاوزها. حصل كل هذا عمدا وتقصدا، لكن الابواب الأخرى لا يمكن أن تغلق ايضا، فثمة رحمة في أمكنة اخرى. فمثلا تكرم علي الرفيق محمد، وهو طالب في جامعة صوفيا، بحزمة من وثائق الحزب، حصل عليها قبل سنوات أثناء دراسته هو ايضا، لموضوع لا يحتاج كثيرا لتلك الوثائق. وتبرع لي اصدقاء كثر بكتب وقصاصات جرائد وصحف من تلك الفترة، وتكدست على مكتبي مجموعة من المراجع والمصادر المتنوعة. حين نشرت البحوث في اول كتاب صدر لي، سبقت صفحاته في المقدمة بشكر كل من قدم لي عونا او رايا او نصيحة، وكتبت اسماءهم وبلدانهم مصحوبة بتقدير لهم وامتنان لمساعدتهم ولن أنكر اي فضل او دعم، وبالتأكيد، في المقابل لا يمكن نسيان من حاول العرقلة او المناكدة او ....!. وفي الحالين واجب وإلزام اخلاقي وشخصي وانساني او ما يتوجب الأمر عليه.

قد اعود لهذه الإشكاليات فيما يأتي من كلمات، لاوجاعها او لمسراتها. وانا احاول تجاهل او عض الجراح بصلابة كي لا يشمت بي كل من اضرني او حاول محاربتي بأسلوبه او طريقته، التي لا تختلف عن أساليب الأنظمة الديكتاتورية والفاشية التي كافحنا ضدها وناضلنا من أجل تغييرها، وبالتاكيد بهدف التسامح والتسامي على الآلام، وهي كثيرة، تكسرت النصال على النصال فيها. المهم أن هذه الأمور مؤلمة وصعبة، لا يتوقعها المرء لكنها وقعت.. حصلت ولم يحاسب احد عليها أو حتى ينتقد بكلام، بل حدث العكس، كوفيء فرسانها بما لم يحلموا به، او لم يتوقعوه من ثروة وجاه واسماء كبيرة في الصفحات الأولى من الصحف المكتوبة.

رغم كل ذلك.. سألني صاحبي هل قرات حديث الرسول الكريم: "يأتي زمانٌ على النّاس الصَابرُ منهم على "دينِه"ِ كالقابِض على الجمر". وقول الامام علي: "لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمن"!.

أجل يا صاحبي.. الصبر.. الصبر وقبض الجمر ولابد من الظفر.. وان تغيّرت الاحوال.

 

كاظم الموسوي

....................

لقراءة النصوص الأخرى يمكن العودة إلى المدونة:

http://www.kadhimmousawi.blogspot.com

 

 

ضياء نافعزار تولستوي باريس اول مرة عام 1857 وبقي فيها حوالي الشهرين تقريبا، وتوجد لوحة معدنية (بالفرنسية طبعا) معلقة في شارع ريفولي بباريس، ليس بعيدا عن متحف اللوفر الشهير، وتشير هذه اللوحة الى ان تولستوي عاش هناك في احدى الشقق، وقد تم وضعها من قبل المسؤولين في العاصمة الفرنسية (ولا زالت معلقة هناك لحد الآن)، كما تفعل كل الدول الحضارية، التي (تزرع !) الثقافة في شوارعها لكل الناس، وتعتزّ بزيارات اعلام الثقافة العالمية لها وتؤرخها وتتفاخر بها، وتولستوي بالطبع في مقدمتهم .

انطلق تولستوي من مدينة بطرسبورغ مع الشاعر نكراسوف والكاتب تورغينيف، واستغرقت سفرتهم من روسيا الى فرنسا (11) يوما باكملها، خمسة أيام منها كانت في العربات التي تجرّها الخيول، حيث وصلوا الى وارشو عاصمة بولندا، ومن وارشو ركبوا القطار الى باريس عبر المانيا، وقد كتب تولستوي في يومياته قائلا – (ان السفر بالقطار – متعة)، وهو محق طبعا بعد السفر في العربات . وفي اليوم الاول من وصولهم الى باريس ذهبوا الى دار الاوبرا، حيث كانت هناك حفلة تنكرية، رغم تعب الطريق . وفي باريس – كما يكتب تولستوي في يومياته – زار متحف اللوفر مرات عديدة (كان سكنه قريبا من المتحف كما ذكرنا اعلاه)، وادهشته هناك لوحات رمبرانت بالذات، وكتب عنها يقول، ان (الوجوه في لوحاته حيوية وقوية، والتباين رائع بين الضوء والظل..)، واهتم تولستوي بالحي اللاتيني، حيث جامعة السوربون العتيدة، والتي   استمع فيها الى عدة محاضرات في الفلسفة وتاريخ المسرح الشعري، اما بالنسبة ل (كوليج دي فرانس) القريبة منها، والتي لم تكن تمنح شهادات اكاديمية متخصصة، وانما تقوم بتنظيم محاضرات عامة ومجانية للجميع في كل انواع المعرفة، فقد استمع تولستوي فيها – كما أشار في يومياته – الى محاضرات في الادب الروماني والادب الفرنسي والاقتصاد السياسي والقانون الدولي واللغة اللاتينية والفلسفة .

اما بالنسبة للفنون، فقد كتب تولستوي في احدى رسائله من باريس يقول، انه (مسرور وسعيد بحياته في باريس ... وانه يتمتع بالفنون ..)، وخصوصا في مسارح المدينة، حيث زار الكثير من تلك المسارح، وكان يسجّل انطباعات سريعة عن هذه الزيارات، فقد كتب – مثلا – عن مسرحية (البخيل) لمولير – (ممتاز)، وعن (زواج فيغارو) لبومارشيه - (جيد)، وعن (مسألة المال) لدوماس الابن – (سئ جدا) ...أما بالنسبة للموسيقى، فقد حضر حفلات موسيقية كثيرة بمفرده او مع تورغينيف، وكتب عن احدى هذه الحفلات في الكونسرفتوار، حيث عزفوا احدى سمفونيات بتهوفن، كتب قائلا – (يعزف الفرنسيون موسيقى بتهوفن مثل آلهة .. اني اتمتع وانا اصغي الى هذه الموسيقى، التي يعزفها من افضل الفنانين في العالم ..)، ونجد في رسالة اخرى كتبها حول تلك الحفلات الموسيقية يقول – (لم استمع ابدا الى مثل هذا العزف الموسيقي المتكامل، كما في كونسرفتوار باريس ..) .

زار تولستوي في باريس طبعا معالم تلك المدينة الشهيرة والمعروفة، ومن الطريف ان نذكر هنا، انه لم يعجب بكنيسة نوتردام في باريس، واعتبر ان الكاتدرائية التي شاهدها مع تورغينيف في مدينة ديجون أجمل منها، وهي كاتدرائية تعود الى القرن الثالث عشر والرابع عشر، وزار بعض المعالم المرتبطة بنابليون، هذه الشخصية التي كتب عنها لاحقا في روايته الخالدة (الحرب والسلم)، وحضر مرة حتى عملية اعدام بالمقصلة لاحد المجرمين الفرنسيين في الساحة قرب أحد السجون، وقد اشمئز من عملية الاعدام هذه، وانعكست تلك الانطباعات الرهيبة من جرّاء ذلك حتى على نظرته في المستقبل نحو الحضارة الاوربية بشكل عام .

قضى تولستوي حوالي الشهرين في باريس آنذاك كما ذكرنا آنفا، وهي زيارته الاولى لها، اذ انه زارها مرة اخرى، وكتب بعد الزيارة الاولى هذه الى احد اصدقائه يقول – (لقد رأيت هناك كثيرا من الاشياء الجديدة والممتعة، بحيث كنت ارقد كل مساء واقول لنفسي – كم هو مؤسف ان ينقضي اليوم بسرعة هكذا ...وبشكل عام، لم يكن لديّ الوقت الكافي للقيام بما كنت اريد القيام به ..)

ختاما لمقالتنا هذه، نود ان نشير، الى ان تولستوي كتب بعد زيارته الاولى لباريس يقول – (...ان روعة الحياة الاساسية في باريس تكمن في الحريّة الاجتماعية، هذه الحريّة التي لم يكن عندي حتى ولا مفهومها في روسيا ..) . لقد كتب تولستوي هذه التأملات الفلسفية العميقة عندما كان عمره (29) سنة ليس الا، ومن الواضح تماما، ان هذا النبيل الروسي كان يتقن اللغة الفرنسية ويعرف كيف يتخاطب بها مع الفرنسيين انفسهم وكيف يتفهم أعماق فنونهم وآدابهم وطبيعة مجتمعهم.

انطباعات تولستوي حول زيارته الاولى لباريس تستحق التأمل، وتستحق المقارنة ايضا مع انطباعات (البعض!) من (جماعتنا!!!).

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

لطيف عبد سالميقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.      

يمكن الجزم أنَّ مِنْ بَيْنَ أهمَ المقومات الهيكلية الَّتِي ارتكزت عَليها الإبداعية المائزة لتجربةِ السَّماويّ يحيى الأدبية، تمثلت فِي روعةِ نظمه الشِّعر وَعذوبة تقريضه، وَالمبهر مِنْ جماليةِ الصورة البلاغية، بالإضافةِ إلى خروجِ آليات نظم الشِّعر لَديه عَنْ المألوفِ فِي إثارةِ المتلقي، طالما أنَّ الشِّعرَ وَأساليبه - بحسبِه - فِي تطورٍ متأتٍ مِنْ كونَه ابن الحياة المتحركة، فالسَماويّ يحيى يرى أنَّ قصيدةَ النثر تمثل إضافة جديدة للأدبِ العربي، أو دماً جديداً لجسدِ القصيدة العربية، حيث أنَّه مَعَ كُلِّ جديد إبداعي، فالشِّعر بحسبِه : " ليس الوزن والقافية، فلو كان الوزن وَالقافية وَاللغة السليمة تُشكل مستلزمات الشِّعر وَثوابته وَشروطه؛ لأصبحت ألفية ابن مالك ملحمة شِعْريَّة، بينما هي فِي حقيقتها لا تعدو كونها منظومة لغوية ليس فيها مِنْ بيدرِ الشِّعر ولو بمقدارِ حبة خردل ". يضاف إلى ذلك أنَّ مَا يهمّ السَماويّ فِي القصيدةِ هو حجم الشِعْريَّة وَليس شكل القصيدة، حيث يشير إلى هذه الجزئية المهمة بالقولِ : " يعنيني مِن الثمرةِ لبّها وليس قشرتها الخارجية، وهذه الشِعْريَّة هي الَّتِي جعلتني أركض وراء نصوص محمد الماغوط وسرجون بولص وسيف الرحبي ووديع سعادة وناهض الخياط وهادي الناصر وعبد العظيم فنجان وماجد الشرع وكريم جخيور وشعراء بُهِرتُ بهم مؤخرا مثل علوان حسين وهبة هاني وطارق الحلفي وفائز الحداد ومثلائهم، بينما لا أعير مثل هذا الإهتمام للكثيرِ مِنْ شعرِ الشطرين والتفعيلة ولسببٍ جوهري، هو ندرة الشِعْريَّة فيه ". وَحولَ تعمده وضع جملة " نصوص نثرية " عَلَى بعضِ إصداراته، فإنَّ السَماويّ يحيى يعزو ذلك إلى سببينِ جوهريين، أولهما أنَّ نصوصَه لا تتوافر فيها كُلّ شروط قصيدة النثر كالتوهج وَاللازمنية وَالإقتصاد فِي الكلمات، حيث أنَّها أكثر مِنْ كونِها خواطر، لكنها فِي نفسِ الوقت أقلّ مِنْ كونِها شِعرا، فِيما يتمثل السبب الآخر بحبِه لتشكيلِه النثريّ وعدم خجله منه، الأمر الَّذِي يفرض عَلَيه عدم إلباسه ثوباً عَلَى غيرِ مقاسه؛ إذ أنَّ خلودَ النص بحسبِه " ليس فِي فصيلةِ جنسه الأدبي، فالجاحظ مثلاً كتب النثر وَليس الشِّعر، ومع ذلك فقد عاش نثر الجاحظ بينما مات شعر كثيرين مِنْ مجايليه ".

الـلـيـلُ مـصـلـوبٌ عـلـى نـافـذتـي

والـفـجـرُ يـرتـدي عـبـاءةً مـن الـغـيـومْ

*

جَـفَّ بـريـقُ الـبـدرِ فـي عـيـنـيَّ

والـنـجـومْ

*

وهـا أنـا مـئـذنـةٌ صـامـتـةٌ

وضـحـكـةٌ حَـزَّ صـداهــا خـنـجـرُ الـوجـومْ

*

لابُـدَّ مـن خـمـرٍ جـديـدٍ

غـيـر خـمـرِ الـتـمـرِ والـتـفـاحِ والـكـرومْ

*

خـمـرٍ إذا شــربـتُـهُ أصـحـو

ولـكـنْ

تـسـكـرُ الـكـأسُ وتـنـجـلـي بـهِ الـهـمـومْ

*

عَـتَّـقَـنـي فـي طـيـشِـهِ أمـسـي

وعَـتَّـقـتُ غـدي فـي غـفـلـتـي

فـهـل أنـا " ثـمـودُ "؟

أمْ " سـدومْ "؟

***

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ منجزَ السَّماويّ يحيى الإبداعيّ، ألزمه التحليق فِي فضاءاتٍ بعيدة اعتمد فِيهّا عَلَى حنكةِ إزميله اللغوي التصويري فِي نحتِه المثيرَ مِنْ أبياتِ الشِّعر، أو نقشه الأنيق مِنْ جملِ النثر. وَمِنْ هُنَا فإننَا لا نبعد عَنْ الصَوَابِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ قدرته عَلَى إيقاظِ الإحساس بالجمالِ لدى المتلقي، كان له أثره الإيجابي فِي المُسَاهَمَةِ باستعدادِ المتلقي التفاعلِ بشكلٍ وجدانيّ مَعَ نتاج الشاعر المترجم لَه؛ نتيجة شعور القارئ أو السامع بحالةٍ مِن الانتشاءِ الَّتِي ملؤها الاندهاش، وَرُبَّما الانبهار أو الذهول، وَالَّذِي يترك فِي النفسِ وَالذهن أثر الرضى وَالارتياح؛ لذا لا عجب مِنْ كثرةِ الباحثين أو الكُتَاب، وَكذلك النقاد الَّذين انهمكوا فِي دراسةِ القيمةِ الإبداعية وَالفَنِّيَّة لمنجزِ السَّماويّ الشِّعْريّ، حيث تناول نتاجه الكثيرَ مِن الدارسين وَالباحثين وَالنقاد بدراساتٍ تحليلية وَمقارنة وإحصائية، فضلاً عَنْ أبحاثٍ نقدية، وَرسائل ماجستير وَأطاريح دكتوراه، وَكَتب عَنه عشرات الأدباء وَالكتاب وَالشُّعراء فِيمَا تباين وَتعدد مِن : الدورياتِ وَالصحف وَالمنتديات وَالمواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّة - المَحَلِّيَّة وَالعَرَبيَّة وَالعَالَميَّة - مواضيع بمختلفِ المحاور الخاصة بتجربتِه الأدبية المتميزة، بالإضافةِ إلى تَرجمةِ مختارات مِنْ شعره للغاتٍ عدة، لعلَّ مِنْ بَيْنَها الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإسبانية، الفارسية، الإيطالية، الأوردية، الصربية، الكردية وَالهندية. كذلك ساهم السَّماويّ فِي تأسيسِ العديد مِن الروابطِ وَالمنتديات الثقافيَّة، إلى جانبِ إيجابية المشاركة فِي فعالياتِها. وَمِنْ بَيْنَ البحوث وَالدراسات الكثيرة الَّتِي كتبت عَنْ خطابِ السَماويّ يحيى الشعري، وصلني مؤخراً مؤلف الدكتور باسم خيري الموسوم " التماسك النصي في شعر يحيى السماوي - نحو منهج في التحليل النصي للخطاب الشعري - ديوان أطفئيني بنارك أنموذجاً " وَالَّذِي سجل فِي مقدمته مَا نصه " حاولت أن أغوص في نصٍّ عالٍ، حمل في طياته تأريخ وطن، ومعاناة شاعر لم ينعم بوطنه، أجبر على مغادرته، فحمل وطنه معه في وجدانه، لم يتحمل فراق وطنه، فكان تميمته التي لا تغادره، كان وطنه حبيبته التي يسعى للفوز بدفء فراشها، كان وطنه أمه التي لم يمل قبلاتها على جبينه، كان وطنه شقوق أرجل والده الذي أعياه طول الزمان وتعاور الظالمين. أبحرت في هذا المبحث في لغة شعرية عاشقة، ومعجم قلَّ ما نجد مثل شفافيته وتميزه، فكانت قصائده كمنبع صاف ينهل منه العاشقون، ويرتوي منه الظمآن، يرتوي منه من أعياه فراق الأهل والأحبة، ولا يجد سوى كلمات السماوي ملجأ يأوي إليه. لقد مثل السماوي في شعره عودة للشعر الرومانسي الهادف، فكانت قصائده تحاكي حبيبة، وتناجي وطنا ".

تـعِـبـتُ مـن الـوقـوفِ عـلـى رصـيـفِ الـلـيـلِ

مـشـلـولَ الـخـطـى والـدربِ

أعـمـى الـقـلـبِ لا الـبَـصَـرِِ

*

وأتـعَـبَـنـي الـسـؤالُ الـصـعـبُ :

كـيـفَ غـدوتُ فـي عِـشـقٍ عـلـى كِـبَـرِ؟

*

سَـلـي واديـكِ يـامـعـصـومـةَ الـبـسـتـانِ

عـن مـطـري

*

أمـثـلـي فـي الـهـوى صُـبـحٌ ضَـحـوكُ الـشـمـسِ دافـئـهـا

ولـيـلٌ راقـصُ الـقـمـرِ؟

*

ومـثـلُ رغـيـفِ تـنـوري وكـوثـرِ جـدولـي؟

مـثـلـي نـديـمٌ سـاحـرُ الـسَّـمـرِ؟

*

وهـل رمـحٌ كـرمـحـي عـنـد مُـشـتَـجَـرِ؟

*

وهـل طـيـشٌ كـطـيـشـي أو حـيـاءٌ مـثـلـمـا خَـفَـري؟

*

ومـثـلُ تـبـتُّـلـي فـي غـرَّةِ الـسَّـحَـرِ؟

*

بـلـى قـدَرٌ

ولا مـنـجـىً مـن الـقَـدَرِ !

*

مِنْ المعلومِ أنَّ مدينةَ السَماوة تُعَدُّ بوصفِها الرَّحم الذي أنجبَ السَّماويّ يحيى، فضلاً عَنْ كونها بحسبِه جنته وَجحيمه معاً، لكنها عَلَى الرغمِ مِنْ أثرِ معطياتها فِي بلورةِ شخصيته، لَمْ تُنجب شاعريته، فالَّذِي أنجبها - بحسبِه - هو " الفقر وَالشعور بغيابِ العدالة فِي " وطنٍ يغفو عَلَى بحيرةِ نفط، إلآ أنَّ فقراءه مازالوا يستخدمون روث البقر وَسعف النخيل وقوداً للطبخِ والتدفئة، وطن سوط الحاكم فِيه أطول مِنْ يدِ العدالة، وَالحزب الحاكم فِيه وَحده المبشّر بجنةِ النعيم السحت وَجميع الإمتيازات ". وَيعبر السَّماويّ عَنْ آهاتِ السواد الأعظم مِنْ شعبِه، وَمَا يعانيه مِنْ قسوةِ الأنظمة الحاكمة بشكلٍ دقيق بقولِه : " أنا ابن أمٍ قروية وأبٍ بقال، أطلقت أوّل صرخة بكاء حين طردتني أمي مِنْ رحمِها ظهيرة يوم ربيعي فِي بيتٍ طينيّ، وما زلتُ أواصل صراخي احتجاجاً على الفقرِ في وطنٍ يغفو عَلَى بحيرةِ نفط لا يمتلك مِنه الفقراء إلآ السّخام، وإدانة لساسةٍ وَعدونَا بالفردوس، فقادونا نحو الجحيم ". وَبنبرة وجدانية مؤثرة ﺗﺟﺳّد مواطنته بمسحةٍ عاطفية قال السَّماويّ يحيى ذات أديلايد : " غادرت وطني قبل نحو ربع قرن هرباً مِنْ حبلِ مشنقة، لكنني بقيت مشدوداً إلى رحمِه بأكثرِ مِنْ حبِل مشيمة ". وَليسَ أدل عَلَى ذلك مِمَا يحضرني الآن مِنْ حادثةٍ مؤثرةٍ رواها ليّ السَّماويّ منذ سنوات، حيث اشترى محدثي بيتاً فِي أستراليا، وأصبح لَه حق التصرف بحديقةِ المنزل، فَعمدَ إلى شراء فسيلة نخلة، وَاضطر لتوفيرِ مناخٍ لها كالَّذِي فِي بساتينِ البصرة أو السَماوة، فضلاً عَنْ رعايتِه لهَا كما ترعى الأم وليدها البكر وَالوحيد، حتى كبرت وَازدادت طولاً، حيث صارت بحسبِه " أطول منه، وأضحى عمرها أكبر مِنْ عمرِ ابنته سارة "، وَالغريب فِي أمرِ نخلته المدللة أنَّها أصبحت لها أعذاق، بَيْدَ أنَّها لَمْ تثمر أبداً، حتى غضب عليها يوماً وَاستأصلها بعد أنْ عرفَ مِنْ فلاحٍ أسترالي محترف، أنَّه إذا كان الحصى يصبح ياقوتاً، فإنَّ النخلة هذه ستثمر رطبا. وَلا رَيْبَ أَنَّ السَّماويّ يحيى - الَّذِي نزف مِنْ روحه وقلبه الكثير ليمنح الثقافة مِنْ ألقِ الشعر الرائع والمحلق في فضاء الإنسانية عبر السنين بحسبِ الشاعر جعفر المهاجر - حين يذكر حادثة النخلة الأسترالية، فإنَّه يريد التعبير عَمَا يتصل بِهَا مِنْ مغزى عميق لَه دلالاته الرمزية الَّتِي عبرَ عَنهَا صراحة بقولِه : " أنا كالنخلة العراقية، لَنْ تصبحَ نخلة حقيقية، إلآ في أرضها - وَمَا اعتزامي شراء حفنة أمتار مربعة فِي مقبرةِ وادي السلام إلآ لأنني لا أريد أنْ أتوسّد غير أرض العراق حين يتحتم عليّ التدثر بلحافٍ مِن التراب "، وكان حينها قد عقد العزم عَلَى طيّ خيمته فِي آخر شبر مِن اليابسة، والشروع فِي نصبِها بفضاءٍ ولو صغير فِي جنتِه الأرضية - مدينة السَماوة - بإذنه تبارك وَتعالى، إلا أَّنَّ ظرفاً قاهراً أفسدَ عَلَيه مَا كان - وَمَا يزال - يتمناه.

         ***

أنـا جـمـري خـرافـيٌّ

ولـكـنْ

نـاعـمٌ كـنـدى زهـور الـلـوزِ فـي وادي الـمـنـى

شـرَري

*

أنـا بـشـرٌ

ولـكـنـي بـعـشـقـي لـسـتُ مـثـلَ بـقـيَّـةِ الـبـشَـرِ

*

نـبـذتُ الـدربَ مـألـوفـاً بـلا خـطـرِ

*

فـمـا الـبـسـتـانُ إنْ أضـحـى بـلا شَــجَـرِ؟

*

ومـا مـعـنـى الـرَّبـابـةِ حـيـنـمـا تـغـدو بـلا وَتَـر؟

*

تـريـديـن الـجـوابَ عـن الـسـؤالِ الـصـعـبِ

كـيـفَ مَـلَـكْـتِـنـي قـلـبـاً وأحـداقـاً وقـافـيـةً؟

جـوابـي : صـمـتـيَ الـحـجـري !

***

لعلَّ المذهلَ فِي أمرِ السَّماويّ يحيى أَنَّه خلال وجوده فِي العراق كان يحلم بالمنفى، لَكنهُ حين وصلَ المنفى بقيَ لا يحلم إلآ بالعراق، فهو القائل : " العراق وطني وَمنفاي فِي ذات الوقت ". وَتدعيما لِمَا ذكر، فإنَّ مَنْ يبحر فِي روائعِ ديوانه السادس " عيناك لي وطن ومنفى " يتلمس حقيقة وَصفه الَّذِي أعلنه أكثر مِنْ مرة فِي مواضعٍ وَمناسباتٍ عدة بقولِه : " قصائد الديوان تتحدث عَنْ وطنٍ هو جنتي وجحيمي معا ". وَبحسبِ الشَّاعِر السوري علي فرحان الدندح، فإنَّ الديوانَ المذكور آنفاً " يضمّ بقايا رماد حروف السَماويّ يحيى المكونة مِنْ ثلاثين قصيدة، تجمع بين الشعر العربي الموروث والحداثة، فالقصيدة عنده برزخ بين الأصالة والحداثة ". وَمِنْ هُنَا يمكن القول إنَّ المعاناةَ الهبت شاعرية السَّماويّ الَّذِي يتمتع بموهبةٍ شِعْريَّة وَ فَنِّيَّة فذة غنية بالإِبْداعِ الجميل، فكانت دلالاتها واضحة فِي منجزِه الشِّعْري. وَلعَلَّ مِنْ بَيْنَ الأمثلة عَلَى مَا أشرنا إليه فِيمَا تقدم بخصوصِ قوةِ لغة السَماويّ الشِعْريَّة وَرقة إحساسه، هو مَا عبرت عَنه الشاعرة وَالروائية " الرقية " السورية فوزية المرعي بالقولِ " نشعر بالشموخِ كلما لاحَ اسم السَماويّ يومض فِي سماءِ الشِّعْر أو النقد، فهو شَّاعِر متجدد فِي طرحِ أفكارٍ جديدة فِي عالمِ الشِّعْر، وأكثر ما ألهب مشاعري فِي شعره ذاك المنهج الصوفي الذي رتله بطريقةٍ جديدة لم يسبقه إليها أحد مِنْ قبل فِي نمطٍ جديد ملفت للنظرِ ومطرب للنفسِ التوّاقة لكل تهجدات الشِّعْر، فلا يشعر عشاق الشِّعْر بالمللِ أو بالسأم حين يعبرون خمائل السَماوي الشعرية، بل تنتابهم اختلاجات قد لا يستطيعون نقل ايقاعها فِي أيّ تعبيرٍ مهما حاولوا وأنا واحدة منهم. حين أقرأ قصائده وخاصة الصوفية أحلق بعيداً عني، وأدخل فِي ملكوتِ محرابه الإبداعي أتنسم رائحة البخور، وأميد علَى دق الدفوف، وأدور ..أدور.. وأحلق عالياً علني أقطف حبات مِنْ كرمِ إبداعه. يغشى عينيّ وهج القوافي، أرفع يدي للواهبِ بالدعاء : اللهم احفظ شاعرنا مِنْ كُلِّ مكروه، فهو أحد ملائكة الله عَلَى الأرضِ أرسله المولى وباركه بموهبةٍ قد لا تتكرر ". كذلك تشير الدكتورة مها عبد النبي إلى السَماويّ بعبارةٍ موجزة، لكنها بليغة فِي وصفِها بالقولِ " السَماوي مَعلَم ومُعلِم، يكتب بأنفاسِ رهطٍ مِنْ الشعراء عَلَى اختلافِ مشاربهم ".

أمـسِ ـ انـتـصـافَ الـلـيـلِ ـ جَـفَّ دمـي

وشَــبَّ حـريـقُ شــوقـي

فـاسْــتـغــثـتُ

بـمـاءِ " زمـزمِ " بـئـرِكِ الـضـوئـيِّ فـي الـوادي الـسـحـيـقِ

مُـيَـمِّـمـاً وجـهـي لِـخِـدرِكِ

لا دلـيـلَ سِـوى سَــنـاكْ

*

مُـتـبـتِّـلاً حـيـنـاً وحـيـنـاً كـافـراً بـالــبُـعــدِ

بـيـنَ الـجـذرِ فـي كـهـفـي

وبـيـنَ قـطـوفِ أغـصـانـي الأثـيـرةِ فـي سَــمــاكْ

*

فـرشـفـتُ قـبـلَ دخـولـيَ الـفـردوسَ كـأسـاً مـن زفـيـرِكِ

فـانـتـشـيـتُ

وخِـلـتُـنـي قـبَّـلـتُ فـاكْ

*

فـسـألـتُ ربـي أنْ يُـزيـدَ مـن الـظـلامِ

وكـنـتُ قـابَ قـمـيـصِ نـومِـكِ مـن سـريـركِ ..

ربـمـا أدنـى ..

وأطـبَـقـتُ الـضـلـوعَ عـلـى الـضـلـوعِ

فـفـرَّ ثـغـري نـحـو ثـغـركِ حـاطِـبـاً قُـبَـلاً

وفـزّتْ مـقـلـتـاكْ

*

وانـزاحَ عـن سـاقـيـكِ ثـوبُـكِ

فـاسْـتـفـزَّتْ بـيْ مُـجـونـاً رُكْـبَـتـاكْ

*

أوشـكـتُ أنْ ..... !

فـإذا بـشـيـطـانـي يـعـودُ فـتـىً مـلاكْ

*

حـتـى إذا نـادى الأذانُ الـى صـلاةِ الـفـجـرِ

أغـوانـي نُـعـاسُــكِ بـاقـتـطـافِ الـتـيـنِ والـتـفـاحِ

مـن حـقـلِ الأنـوثـةِ

وارتـشـافِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ خـالَـطَـهُ شــذاكْ

*

فـدخـلـتُ واديـكِ الـبـعـيـدَ

وهـا أنـا ثـمِـلٌ فـمـا أدري

أأسْـكَـرَنـي رحـيـقُ الـفُـلِّ والـريـحـانِ فـي حـقـلِ الأنـوثـةِ؟

أمْ نـداكْ؟

***

فِي دراستِه الموسومة " يحيى السماوي الامتداد العضوي لفخامةِ القصيدة العمودية "، يشير الشَّاعِر العراقي عبد الستار نور علي المقيم فِي السويد، إلى " إن المتابع لشعرِ السماوي يجد عنده المحافظة الصارمة على شكل القصيدة العمودية بشروطها الفنية من خيال وعاطفة متأججة واسلوب راقٍ يحافظ على السلامة اللغوية والجزالة اللفظية والفخامة التعبيرية والشكلية المعتمدة على الوزن والقافية واللغة السليمة الحريصة على النحو والصرف والبلاغة العالية التأثير. وللعلم فإن شاعرنا الكبير يكتب أيضاً شعراً حراً - شعر التفعيلة - مع المحافظة على الوزن والقافية والجزالة وقوة السبك والمبنى اللغوي ". وحول مَا يطرقه السَّماويّ يحيى مِنْ موضوعاتٍ فِي منظومتِه الشِعْريَّة يقول علي أيضاً " يتناول شاعرنا الكثير من الموضوعات بجمالية عالية التأثير من خلال خيال خصب ولغة جميلة جزلة فخمة الايقاع ووزن يتناسب مع المضمون. تناول الحنين الى الوطن، ومعاناة الغربة، مقارعة الاحتلال والفساد السياسي، الدفاع عن الوطن والأمة. ومن أجمل ما يمكن أن نقرأ له هو الغزل أيضا. ففي غزلياته نجده فتىً غِرّاً مليئاً بالعاطفة الحارة الملتهبة حد الرغبة الجامحة المندفعة. فلو لم نعرف أنه كهلٌ اشتعل رأسه شيباً لقلنا نحن أمام صبيٍّ فتنه العشق وسلبَ لبهُ الغرام وأشعلَ صدره الهيام فأهاج بلابله ". وَلا يسعني هُنَا إلا القول : بأنيّ استمتعت بقراءةِ تلك الدراسة المبهرة، وَالَّتِي أقطف مِنْها أيضاً بحدودِ البحث مَا نصه " الشاعر الكبير يحيى السماوي المواصل خط عالم وفن عمود الشعر، مع انه مجددٌ فيما يستخدم من مضمون وشكل يتسم كثيراً بالرقة في اختيار اللفظة، وبالحديث في تناول المضامين. وفي كل ذلك تسعفه موهبة فذة وشاعرية متألقة وثقافة تراثية غزيرة وتمكّن من اللغة كبير. وشعره واسع لا تكفيه هكذا عجالة في التناول ".

ســألـتـنـي ربَّـةُ الـحـانـةِ والـمـحـرابِ

والـمـشـحـوفِ والـنـهــرِ الأنـوثـيِّ الـذي شاربُـهُ

يُـبـعَـثُ حَـيَّـاً إنْ هَـلَـكْ :

*

كـيـفَ جِـزتَ الأبـحـرَ .. الأنـهــرَ ..

والـبـيـدَ الـصـحـارى ..

أبــســاطُ الـريـحِ نـحـوي حَـمَـلَـكْ ؟

*

أمْ هـو الـحُـلـمُ

وقـد " شُــبِّـهَ لـكْ " ؟

*

ولـمـاذا جـئـتـنـي فـي آخـرِ الـعـمـرِ

لـتـغـوي بـتـلـتـي الـمـعـصـومـةَ الـلـوز ؟

أجِـبـنـي : مـا الـذي أعـنـيـهِ لـكْ ؟

*

قـلـتُ :

يـا مـولاتـيَ الـمـائـيَّـةَ الـنـيـرانِ

أسـرى بـيْ الـى فـردوسِــكِ الـعــشــقُ

وهـا قـلـبـي عـلـى شـرفـةِ عـيـنـيـك

فـهـل تـأذنُ مـولاتيْ فـآوي

مـنـزلَـكْ ؟

*

أنـا ـ يا ســبـحـانَ مَـنْ قـبـلَ وصـولـي قـمَّـة الـعـمـرِ ـ

بـعـيـنِـي أنْـزَلـكْ

*

ضـائـعٌ مـن قـبـلِ أنْ أُولَـدَ ..

حـيٌّ وقـتـيـلٌ ..

فـعـسـى أنَّ الـذي يـعـرفُ مـا أُخـفـي

لأجـلـي أنـزلّـكْ

قِـبـلَـةً لـلـقـلـبِ

تُـفـضـي بـيْ الـى شـمـسٍ تُـضـيءُ الـدربَ

إنْ حـاصَـرَنـي ذئـبُ الـحُـلَـكْ

*

فـأعـادتْ قـولـهـا

مـن خـلـفِ شِــقِّ الـبـابِ ـ أو سِــتِّ سـمـاواتٍ :

أجِـبـنـي مـا الـذي أعـنـيـهِ لـكْ ؟

*

قـلـتُ :

شـمـسٌ وأنـا مـن حـولِـهـا جُـرمٌ " سـمـاويٌّ " صـغـيـرٌ

يـا مَـلَـكْ

*

و" بُـراقٌ " يـعـرفُ الـدربَ الـى الـفـردوسِ

لـكـنْ

مـن ضــيــاءٍ لا كـمـا بـاقـي الـفَـلَـكْ

*

فـإذا صـوتٌ كـمـا الـوحـيُ

أتـانـي مـن وراءِ الـبـابِ

نـادانـي :

لِـتـدخـلْ فـأنـا   قـد " هَـيْـتُ لـكْ "

*

فـاقـتَـطِـفْ مـا شـئـتَ مـن فـاكـهـتـي

واشــربْ نـمـيـري واتَّـخِـذْنـي دون أنـهـارِ الـغـوانـي

مـنـهَـلَـكْ

*

واحـتـرسْ

مـن غـضـبِ الـنـحـلـةِ

إنْ خـنـتَ شــذا وادي زهـورِ الـلـوزِ

واحـذرْ

إنَّ إيـنـانـا إذا جـزتَ مَـداهـا

تـمـسـكُ الـمـاءَ عـن الـحـقـلِ وتُـظـمـي جـدولَـكْ

***

الناقد وَالمفكر العراقي البارز الدكتور حسين سرمك حسن كشف فِي دراستِه الموسومة " يحيى السماوي وفن البساطة المربكة "، أموراً مهمة وَمثيرة عَنْ مَا يجول فِي خاطرِ البعض مِنْ أنَّ السَّماويّ يحيى قد كَتبَ نصوصاً شِعْريَّة متأثرة بـ " سفر نشيد الأناشيد "، فضلاً عَنْ إثراءِ سرمك المشهد الثقافيّ بحقيقةِ وأصل تلك الأناشيد كما سنرى فِي السطورِ التالية. وَفِي هَذَا السياق يقول سرمك : " عندما تسمع أنَّ الشاعرَ يحيى السَماويّ قد كَتبَ نصوصاً شِعْريَّة متأثرة بـ " سفر نشيد الأناشيد، فإنك سوف تتساءل عَن التأثيراتِ الَّتِي خضعَ لها يحيى فِي كتابته لهذه النصوص؛ فهو ليس يهودياً، وَلَمْ يترعرع في بيئةٍ تقرأ الكتاب المقدس أو السفر المعني، وَلا تحتفظ مكتبتهم العائلية بنسخةٍ مِنه فِي حدودِ علمنا. فهو مسلم مِنْ مدينةِ السَماوة وأبوه الحاج عبّاس، نشأ وترعرع فِي بيئةٍ دينية محافظة عَلَى تقاليدها وموروثها الديني الإسلامي، ولا توفر ثقافة أبيه الإسلامية والمحيط الَّذِي نما فِيه وتمسك بطقوسِه أيّ فرصة لقراءةِ الكتاب المقدس لأبنائِه، فما بالك بالعهدِ العتيق والأكثر تمأزقا، مَا بالك بسفرِ نشيد الإنشاد بلغته المعقدة وإيحاءاته الجنسية والغزلية. فهذا النص لا يُمكن أن يُعَدّ نصاً دينياً أبداً، وقد فشلت كُلّ محاولات المرجعيات الدينية اليهودية والمسيحية فِي تبريرِ وجوده فِي العهدِ العتيق وترقيع دلالاته الروحية والدينية، فهو نص حسّي ملفّق ولا علاقة له بالآلهةِ ولا بالأنبياءِ ولا بالعباداتِ ولا بالطقوسِ التوراتية، بل هو ضدها فِي بعضِ المواقف والإستعارات المأخوذة مِنْ شعوبٍ يسخط عليها " يهوه " ويذمها ويدعو أبناءه إلى الانعزالِ عَنها وَنبذها ". وَيستمر الناقد سرمك فِي بحثِه قائلاً " قد يعترض قارئ مقتدر بالقولِ إنَّ الكثيرَ مِن الشُّعراءِ يقرؤون مصادر معينة وَيتأثرون بِها. ثم هناك مخزون لاشعور الشَّاعِر الجمعي الَّذِي يتجاوز حدود الجغرافيا المَحَلِّيَّة وَيستند إلى رموزٍ ومكونات وتجارب مشتركة بَيْنَ جميع أبناء البشر. وأقول هذا صحيح .. ولكن أليس الأولى بشَّاعِرٍ عراقي مِنْ أهلِ السَماوة وهي تقع فِي دائرةِ حضارة سومر أنْ يحتفظ لا شعوره الجمعي بمخزونِ الحضارة الَّتِي نشأ وترعرع عَلَى أرضِها، وأحاطت بنشأتِه مؤثراتها وتفتحت ذائقته الثقافيَّة عَلَى منجزاتِها؟. وَهل سنصدم هَذَا القارئ المحق فِي تساؤلِه إذا قلنا إنَّ نشيدَ الأناشيد المكون مِنْ سبعِ صفحات مِن القطعِ الصغير، وحظى بتلالٍ مِن الكتبِ والبحوث والدراسات الَّتِي لم يحظَ بِمثلِها أيّ نص " ديني " قصير آخر، مأخوذ - بشهادةِ الكثير مِن الباحثين أو " مسروق " - مِنْ تراثِ سومر وتحديدا من " أناشيد الحب السومرية " وخصوصا أناشيد الزواج الإلهي على الرغم من أنني لأ أميل إلى تسميتها بتسمية " أناشيد " المتأخرة المأخوذة مِن التوراةِ وأفضّل تسميتها الأصلية : " قصائد أو نصوص أو غنائيات سومرية ". ويؤكد سرمك بأسلوبِ المقارنة أنْ لا صلة لنصوصِ يحيى عباس السماوي بسفرِ نشيد الأناشيد، لا من الناحية اللغوية ولا التصويرية ولا المضمونية ولا الجمالية؛ إذ أنَّ بنيةَ الصوتين المتحاورين " الحبيب والحبيبة " فِي نشيدِ الأناشيد غير موجودة - بحسبِه - فِي نصوص يحيى مطلقا، فالنصوص كلّها قائمة عَلَى الصوتِ الواحد " ضمير المتكلم "، وهذا حال الأغلبية المطلقة لقصائدِ السَماويّ يحيى عبر حياته الشعرية المديدة، وقد تكون نرجسيته الشِعْريَّة واحداً مِنْ أهمِ العوامل وراء هَذِه السمة الأسلوبية.

يـا أنـتِ

يـا مِـشـكـاتـيَ الـدُّريَّـةَ الأنـوارِ فـي لـيـلِ الـصَّـبـابـةِ

يـا أنـا

يـا كـوكـبـيْ الأرضـيَّ

يـا محـرابَ شِـعـري واعـتـكـافـي

*

يـا أوّل الـخـطـواتِ

فـي إســراءِ قـلـبـي نـحـو فـردوسِ الـهـوى :

مـن أيـن يـدخـلُ حـقـلـنـا

ذئـبُ الـتـجـافـي ؟

*

نـحـن ابـتـكـرْنـا لـلـهـوى لـغـةَ الـمـودَّةِ والـتـبـتُّـلِ

والـتـصـافـي

*

الـغـصـنُ لا يـجـفـو الـجـذورَ

ولــيــسَ مـن طــبــعِ الــضـفـافِ

*

أنْ تـرتـدي ثـوبَ الـرَّحـيـلِ

إذا تـعـرّى الـنـهـرُ مـن أمـواجـهِ بـعـدَ الـجـفـافِ

*

عـلَّـمْـتِـني الـتـحـلـيـقَ مـا بـيـن الـطِـبـاقِ

وكـنـتِ مـن صـدري وأجـنـحـتـي الـقـوادمَ والـخَـوافـي

*

أكـمـلـتُ سـِـتَّـاً فـي ســمـاواتِ الـطـوافِ

ولا يـزالُ الـقـلـبُ فـي بـدءِ الـطـوافِ

حـيـنـاً أسَــبِّـحُ مُـسـتـعـيـذاً بـالـقـطـوفِ الـدّانـيـاتِ

مـن الـفـيـافـي

*

وأفـيـضُ حـيـنـاً بـالـغـنـاءِ عـلـى مـقـام الـلـثـمِ

طـفـلاً يـرتـدي ثـوبـاً

مـن الـفـرَحِ الـخـرافـي

*

كـفـرَتْ بـغـيـرِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ

كـاسـاتُ ارتـشـافـي

*

وكـفـرْتِ إلآ بـالـوفـاءِ

وبـالـعـفـافِ

*

مـتـلازمـانِ

كـمـا الـمُـضـافُ إلـيـهِ يُـلـزَمُ

بـالـمُـضـافِ

*

لـولاكِ لـم تـعـرفْ رغـيـفَ الـعـشـقِ مـائـدتـي

ولا اسـتـعـذبـتُ قـبـلـكِ مـتـعـةَ الإســراءِ مـن خـمـر الـضَّـيـاعِ

الى يـنـابـيـعِ الـسُّـلافِ

*

وكـتـبـتُ بـالـمـحـراثِ فـي تـنُّـورِ واديـكِ

اعـتـرافـي:

*

شـفـتـاكِ بـسـتـانـانِ مـن شـجَـر الـبـلاغـةِ

والـقـوافـي

*

فـأنـا وأنـتِ الـصَّـخـرتـانِ

وعـشـقـنـا ـ لا السـفـحُ ـ ثـالـثـةُ الأثـافـي

***

مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ إنَّ السَّماويَّ يحيى شَّاعِرٌ سامق، وَتربويّ حاذق، وَوطَنِيّ أصيل، وَإنْسَانٌ ثائرٌ عَلَى الظلمِ وَالظلام، حملته صلابته وعشقه للحياةِ وَحبه للجمالِ مواجهة الأهوال، فقد ركب موجتي الأدب وَالسِّياسَة مبكراً مستعيناً بشِّعْرِه المتميز، وَفضاء الصحافة والإعلام الَّذِي تمددت آفاقه بشكلٍ واسع فِي محطاتِ الغربة؛ لأجلِ الإفصاحِ عَنْ معاناةِ الذات، فضلاً عَمَا يحمله الشَّاعِر السومريّ المهووس بعشقِ فراتي العراق ونخيله مِنْ همٍ إنسانيّ مرده إلى معاناةِ شعبٍ جهد سواده الأعم - وَمَا يَزال لليومِ يجهد - فِي البحثِ عَنْ هويته الإنسانيَّة المسلوبة قصد استعادتها. وَتدعيماً لِمَا ذكر حول وَطنية السَماويّ يحيى، مِن المناسبِ أنْ نشير إلى مَا توصلت إليه الباحثة السعودية إنصاف فيصل الحسني فِي رسالتها الموسومة " شعر يحيى السماوي بين الرؤيا والإبداع " الَّتِي نالت بموجبها درجة الماجستير فِي الأدبِ والنقد بتقدير امتياز مِنْ قسمِ اللغة العربية فِي جامعةِ أم القرى؛ إذ سجلت الباحثة ضمن نتائج الدراسة المذكورة مَا نَصه " كان السماوي شاعراً وطنياً من الطراز الأول، وحتى مع تنوّع رؤاه الشعرية فإنها تدور حول نقطة واحدة هي الوطن، هو يحبه ويتغزّل فيه ويحنّ إليه ويشخّص أدواءه، ويقترح علاجات لها، ويستعرض مزاياه ويهاجم أعداءه، ويبكي ماضيه وحاضره ويأمل في مستقبله، وقد استطاع الشاعر بجدارة أن يحوّل حرقته وألمه إلى فنٍّ موظَّف في السياسة فاستغلّ واقعه وواقع شعبه المحاصر لإدانة النظام الحاكم بوجهه السياسي ". وَلعلَّ المذهلَ فِي الأمرِ أَنَّ السَّماويّ يحيى بالاستنادِ إلى معطياتِ سيرته الذاتية " عاش الكهولة فِي صباه وَالشيخوخة في شبابه "، أمّا الطُفولة " فَلَمْ يعشها - بحسبِه - كما ينبغي للطُفولة أنْ تُعاش ". وَفِي هَذَا السياق يقول السَّماويّ : " لأنني لم أعش الطُفولة فِي الأمسِ البعيد، فقد بدأت أعيشها فِي حاضريّ منذ أنبتَ لي التبتّل جناحين خرافيين حلّقا بي وراء الأفق والمدى اللامتناهي، لأجدني في معبدِ إينانا السومريّ حينا، وفِي السماء السادسة حيناً آخر، فلا شيء أقاوم به شيخوخة المكان والزمان كالطفولة ". وَمِمَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ السَّماويَّ دخلَ معترك الإعلام وَخاض غمار أمواجه المتلاطمة الصاخبة، فعزز فِي نفسِه بوادر التمرد وَالثورة عَلَى كُلِ مَا هو منتسب للقبح وَالظلام، وَفِي هَذَا السياق يقول السَّماويَّ يحيى أو " شَّاعِر النهرين الَّذِي اختبرته الأيام، وَتوالت عليه المحن " بحسبِ الأديبة ذكرى لعيبي مَا نصه : " ... نفعني الإعلام فِي الانتقالِ مِنْ فضاءِ الأحلام إلى صخرِ الواقع، أعني مِن الرومانسي الحالم إلى المنشغلِ بهمومِ المهمومين ". وتدعيماً لِمَا ذكر فإن السَّماويَّ عمل محرراً وَمسؤولاً للقسمِ السياسي وَالأدبي فِي إذاعةِ " صوت الشعب العراقي " المعارضة للنظام الديكتاتوري، وَقد وظف ذلك فِي قصائدِه وَنصوصه وَبرامجه لتكون أكثر تعبيراً عَنْ المعاناةِ الإنسانيَّة وَليس عَنْ همومِه الذاتية، مَعَ العرضِ أنَّ المثقفَ وَالأديب وَالفنان ملزم بعيشِ قضايا وطنه، وَعكس معاناة شعبه، فلا عجب أنْ يكون نتاجَه قراءة لِهَمِ الشعب.

بـهــواكِ لا بـالـشــمــسِ والــقَــمَــرِ

شـعَّ الـضـحـى واللـيـلُ في نـظـري

*

أعْـشَـبْـتِ صحـرائي بـمـا حـلُـمَــتْ

نــفــسـي بِــنـهــر الــودِّ والــشَـجَــرِ

لُـغـتـي ـ قُـبَـيـلَ هــواكِ ـ مُــبْـهَـمَــةً

كـانـتْ .. وطِــيـنـاً مُـهْــمَــلاً دُرَري

*

لَــكـأنــكِ الــفــردوسُ ... ســاكِــنُــهُ

يـحـيــا عـلـى مـا شــاءَ مِــن صُــوَرِ

*

مـا زاغ مــنــهـــا نــحــوَ فـاحــشــةٍ

خـطــوٌ ولا ســارتْ عــلــى عَـــثَــرِ

*

شَــبَّـتْ عــلـى طُـهــرٍ فــحِـلْــيَــتُـهــا

ذَهَــبُ الـعــفـافِ وفِــضَّـــةُ الـخَــفَــرِ

*

ولـهـا اسْــمــرارُ الـخـبـزِ أنْــضَـجَــهُ

ربُّ الــرغــيـفِ ومُــنــزِلُ الـمَــطــرِ

*

تُــرْجـى ولا تَــرجـو .. كــأنَّ بــهــا

فـي مَـغْـــنَــمٍ عَــفٍّ عــن الــبَــشَـــرِ

*

بــيــنـي وبــيــن زهــور روضـتـهـا

مـا بــيــنَ مِــحــرابٍ ومُــعْـــتَـــمِــرِ

*

بَـلـغَـتْ مـكانَ الــضـوءِ مـن مُـقَـلـي

وبَــلـغْــتُ مـنـهــا غــايــةَ الـسَّـــفَــرِ

*

يَـهــمـي عــلـى أعـــنــابِ واحــتِـهــا

مَــطــري فَــيُـعــشِــبُ لــذّةً وطَــري

***

الأديب حافظ محفوظ المقيم فِي لندن كتب دراسة عَنْ ديوانِ السَماويّ يحيى الثالث عشر، وَالفائز بـ " جائزةِ البابطين لأفضل ديوان شِّعْر " الموسوم " نقوش على جذع نخلة "، وَنشرها فِي مجلةِ " الحوادث اللندنية "، وِمِنْ بَيْن مَا سجله محفوظ نقتطف مَا نصه " في كل قصائد الديوان، يتفجر يحيى السماوي وطنية صادقة وغضباً مقدساَ على الظالمين وتجسيدا حياً للمظالمِ والمجازر البشعة التي شهدتها المدن العراقية، والتي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً. وقد عبّر الشاعر يحيى السماوي عن معاناته بشعرٍ راقٍ وموهبة متألقة ومشاعر عفوية ورؤية عميقة صادقة لواقعِ وطنه الذبيح وحمّامات الدم اليومية التي تغسل أرض العراق الطاهرة ". كذلك أشار محفوظ فِي موضعٍ آخر مِن الدراسةِ قائلاً " الديوان الذي تمتاز قصائده كلها ببهاءِ الشكل والمضمون وشفافية البوح وعمق الجرح الوطني والقومي والإنساني، لا يخلو من زوايا خاصة بالقلبِ العاشق والصائم على باب الهوى، كما في - صوتك مزماري، خذي بأمري وإغنميني - وسواها من القصائد، يقرع يحيى السماوي ناقوس العاطفة بيد رقيقة وعيون دامعة ومشاعر نبيلة وعشق راقٍ، وغربة عن الوطن والأحبة، لعله يعود ذات يوم إلى العراق حين يصبح معافى، ليقضي فيه بقية عمره، ويتحفنا بمزيد من إبداعاته الغنية المضاءة بوهج موهبته المتدفقة كالينابيع ". وَفي السياق ذاته نعود ثانية إلى الشَّاعِر السوري علي فرحان الدندح؛ لأجلِ تصفح دراستِه الموسومة " الوطن في غربة الشاعر العراقي يحيى السماوي "، وَالَّتِي يذكر فِي متنها مَا نصه " الشاعر السماوي يحاول من خلال أشعاره في غربته أن يقدم شعراً معارضا للديكتاتورية مقاوما للاحتلال، يقوم على غنائية محببة، ونظم عمودي وتفعيلي بعيد عن الخطابية، مثلما هو بعيد عن تقليد شعراء النخبة. وهو من خلال ذلك يريد العودة بالشعرِ إلى عفويته الأولى عبر وضوحٍ وسهولةٍ تعيدان الاتصال بين الشعر والشعب، فشعراء المقاومة كثر، أمثال لويس أراغون وبول إيلوار وخير الدين الزركلي، هؤلاء الذين أججوا روح الثورة لدى شعوبهم وأعطى كل واحد منهم أروع ما عنده في الحب الغنائي. والسماوي واحد من هؤلاء، بل تماهى في ذلك حتى غدت المرأة عنده هي الوطن، والوطن يطل من عيني المعشوقة، هو شاعر الحب، شاعر اليدين الممدودتين إلى الوطن؛ لأنهما إذ تحتضنان الوطن إنما تحتضنان ذات الشاعر التي ذابت متماهية بذات الجماعة ... وهكذا نرى أنّ الكلمات لدى الشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي، مؤثرة بما تحمل من شحناتٍ شعورية قوية، فهي تهز الوجدان، وتـُشـعر الروح بالطمأنينة ". وَيضيف الدندح قائلاً " لا يخفى أنّ ليلى المحبوبة لدى الشاعر هي الوطن الأم " العراق " الذي يهيم به كما هام المجنون بليلاه .. ومع أنه ابتعد عن وطنه مرغماً وحاول أن يُغـَيّـِب صورة وطنه التي تبعث في نفسه الألم والحسرة، إلآ أنها كانت تتسرب إلى روحه ، وتحتل قلبه ". وَيختم الباحث مباحث دراسته هَذِه بالحديثِ عَنْ قوةِ شاعرية السَماوي يحيى ورؤيته إلى القصيدةِ بالقول " يبدو جلياً كمبدع، تمكنه من انتقاء كلماته ونظمها في نسق موحٍ، فالقصيدة في مفهومه، ليست صورة فوتوغرافية للعالم كما هو كائن ننشرها في صحيفة أو كتاب، بل هي صورة لما يجب أن يكون عليه العالم، صورة يبدعها الشاعر مستعيناً بالبيان عبر محاولة لتجديده وإحياء ما انطفأ منه ". وَيخلص الدندح فِي ورقته البحثية إلى " إنَّ شعرَ يحيى السماوي يشكل إضافة جديدة للشعر العربي المعاصر، تنير للأجيال دروب حلّ المعادلة الصعبة بين الاستسلام لتقليد الوافد الجديد أو الركون إلى سحر التراث ".

***

تَــعِــبَ الــهــوى مِــمّــا نُــحَــمِّــلُــهُ

مـا لا يُــطــيــقُ الـسُّـهْــدُ مـن سَــهَــرِ

*

يَــمَّــمْــتُ قــلــبـي يــومَ مــولِــدِهـــا

فَـوُلِـدْتُ طِـفـلَ الـعِـشــقِ فـي كِــبَـري

*

حُــبٌّ ـ ولا مِـــثــلٌ ـ سَــــمَــوتُ بــهِ

بــيــن الـــثــرى والأنــجُــمِ الــزُّهُــرِ

*

هـامَــتْ بـمـا أُخـفـي وهِــمْــتُ بــمــا

جَـهَــرَتْ بــمـاءِ عـفـافِـهـا الخَــصِــرِ

*

وحـدي بــهــا والـعــشــقُ ثــالِــثُــنــا

نَـسْـتـافُ طِـيـبَ الـمُـزهِــرِ الـنَّـضِـرِ

*

مَـلَّــكْــتُـهــا أمـرَ الأســيــرِ ســعــى

لـلأسْــرِ ســعـيَ الـعــزمِ لـلــظَــفَــرِ

*

لـيْ بَــيْـدَرٌ .. لــولا سَـــنــابــلُــهـــا

مـا كـان ذا حَــصْــدٍ لِــمُــنــتَــظــِـرِ

*

مَحَـضَـتْ كـؤوسي خَـمْـرَ كُـرمَـتِـهـا

ومَـحَـضْـتُ حَـقــلَ وفــائِـهـا غُـدُري

*

يــومـي بــهــا جِـــيــلانِ مِــن فَــرَحٍ

بـعـضُ الـهـوى مـن رِزقِ مُــقــتـدرِ

*

تـا لــلــهِ لا مـعــنــىً لِــمُــبْــتَــدَئــي

إلآ وسِـــفْـــرُ هُــيــامِــهـــا خَــبَــري

لقد قُدِّر للسَماويّ يحيى أنْ يعيشَ محنة اغتراب مريرة، بعد أنْ رحلَ عَنْ وطنِه، مخلفاً وراءه أحبة وَذكريات طُفولة وَشقاوة صبى، وَحاملاً فِي ذاتِه معاناته الَّتِي ألجأته إلى الاغترابِ عَنْ ذويه وَعذب فرات سَماوتِه وَفَيْء نخليها الَّذِي لا يظن أنَّه سوف يرى مثله فِي غيرِ مدينته أو جنته الأرضية مثلمَا يشير إليها بشكلٍ دائم مِنْ منفَاه القسريّ، فضلاً عَمَا استجد مْنْ ألمٍ وَمعاناة فِي بلدانِ المهجر؛ إذ ليس هناك مَا هو أشد مرارة عَلَى المرءِ مِنْ تركِ وطنه وَمسقط رأسه مكرهاً، فلا غرو أنْ يعكس عشقه وطنه بمدادٍ يرسم مِنْ خلالِه لوحاتٍ بارعة التشكيل، أنيقة ألوان الوجد، محكمة ظلال الرُؤْيَة؛ لأنَّ مفرداتِ شعره تخرج صافية مِنْ أعماقِ قلبٍ جُبِل صاحبه عَلَى حبِ وطنه، حيث يمكن الجزم بأنَّ مدحَ السَماويّ يحيى وطنه بالمعبرِ والجميل مِنْ القريضِ، وتخليده مآثر شعبه وَأمجاده بقصائدَ شعريةٍ طافحة بألحانٍ وإيقاعات وجدانية فِيها عذوبة وَحلاوة، إلى جانبِ اعتماده مَا ينتمي إلى مدرسةِ " السهل الممتنع "، وَالَّذِي ساهم فِي بلوغِه عتبةً عالية مِنْ الشاعريةِ وَالعمق وَالبلاغة اللغوية، يعبر فِي مجمله عَنْ الإحساسِ بالانتماءِ للوطن. وَهي مناسبة لتذكيرِ الأدباءِ وَالكتاب وَالفنانين وَغيرهم مِن النخبِ الثقافيَّة حول ضرورةِ الشروع بِإِنْتَاجِ أعمالٍ ثقافيَّة وَفَنِّيَّة بوسعِ مضامينها المُسَاهَمَة فِي تعزيزِ الثَّقَافَة الوَطَنيّة وَترسيخِ قيم التماسك الاجْتِمَاعِيّ، بالإضافةِ إلى استحضارِ كُلِّ مَا مِنْ شأنِه المعاونة فِي تعزيزِ اللحمة الوَطَنيّة، وَغرس مشاعر الألفة وَالولاء وَالانتماء الوَطَنِيّ فِي نفوسِ النشء الجديد. وَلا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ نتاج السَماويّ خلد حب الوطن فِي الكثيرِ مِنْ قصائده، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الدراسات الأكاديمية الكثيرة الَّتِي تناولت هذه الجزئية المهمة، هي دراسة الباحثة العراقية هدى مصطفى طالب الأمين لنيل شهادة الماجستير الموسومة " البنية الدرامية في شعر يحيى السَماويّ "، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَ نتائجها الأربعة عشر، مَا يعزز بحثنا فِي هَذِه الفقرة بالذات، حيث خلصت الأمين فِي إحدى النتائج المتحصلة مِنْ دراستها المذكورة آنفاً إلى مَا نصه " يتضح الصراع الخارجي في إشكاليته مع الاحتلال والسلطة الحاكمة وضياع الوطن والشباب، ومما يلفت الانتباه إن الوطن يمكن أن يكون محور الصراعين الداخلي والخارجي، حيث تتصل المرأة اتصالاً وثيقاً بالوطن ويصعب الفصل بينهما، وكذلك نجد التماهي بين المرأة والوطن، ويمكن أن نعده مظهراً من مظاهر الصراع الخارجي، حيث يرفض الاحتلال أو ضياعه على أيدي الحكام المستبدين، فضلاً عن ذلك يجسد الشاعر الصراعين - الداخلي والخارجي - وذلك من خلال تقنية المفارقة والمونتاج ". ولعلّ مِن المناسبِ أنْ أشير هُنَا إلى مَا سجلته الأمين فِي مقدمة رسالتها آنفاً، وَالَّتِي جاء فِيها تالياً " إنَ للشاعر العراقي يحيى السماوي مكانة متميزة في الحياة الثقافية العربية المعاصرة، حيث يتمتع هذا الشاعر بذكاء وحذق شعريين مكناه من النهوض ببنية قصيدته إلى درجة عالية من الفنية والتميز، إذ مكنته مواهبه المتعددة في كتابة - الدراما - من أن ينجز نكهة خاصة امتاز بها عمله دائماً، ولاسيما أن معظم أعماله جاءت نتيجة لهذا المسعى المحفوف بالمخاطر الإبداعية بين هموم الحياة وطموح الكتابة، للارتقاء باللغة العربية وإن كان شكلياً إلى مجاراة العصر، وقد مكنه ذلك من أن يقدم نفسه للقارئ بوصفه شاعراً مجدداً وعلى أكثر من صعيد " وتضيف الأمين أيضاً مَا نصه " تكتنز نصوص يحيى السماوي عناصر الدراما نتيجة لامتلاكه هذه الرؤية المركبة في الشعر والدراما، مما يطبع نصوصه بطابع خاص فيه الكثير من المميزات المستقلة المشبعة بالدراما ".    

بُــلِــيْــتُ بـمُــسـتــلــذَّاتِ الـلــيــالـي

فـكـنـتُ ضـحِـيَّــتـي .. فـأنـا وَبـالـي

*

وأغـوانـي الـشــبـابُ .. فـلـيـتَ أنـي

قـفـزتُ مـن الـشـبـابِ الـى اكـتـهـالِ

*

تـحَــرِّضـنـي خـطـايَ عـلـى دروبٍ

تُــقــايــضــنـي الـحـجـارةَ بـالـلآلـي

*

لَـهَـوْتُ عـن الـصـبـاحِ بـأنـسِ لـيـلٍ

وبـالــكـأسِ الــسَّـرابِ عـن الــزلالِ

***

الشَّاعِرُ وَالناقد وَالروائي الراحل الدكتور غازي القصيبي " طيب الله ثراه "، ضمن كتابه النقدي " صوت من الخليج "، دراسة قيمة عَنْ شاعريةِ السَماويّ يحيى وَسمها بـ " يحيى السماوي هذا الطائر الجريح المغرد ". ولأهميةِ هَذِه الدراسة، أجدني بعد أنْ استسلمت لدموعي شغوفاً للفتِ انتباه القارئ الكريم بمضمونها وَكما مبين تالياً " منذ سنين طويلة، وأحسبني كنت في المدرسة الثانوية وقتها، قرأت في كتاب مثير من كتب الناقد الساخر مارون عبود عبارة مثيرة نسبها إلى أديب فرنسي شهير. سقط أسم الكتاب، وإسم الأديب الفرنسي، من ثقوب الذاكرة وبقيت العبارة " الشعراء الكبار نادرون، بل انهم أندر من العلماء الكبار "، وصف " الكبار" يخيفني، فالشاعر قد يكون كبيراً في الحجم، ولا مبرر للأمثلة!، وقد يكون كبير المقام، والأمثلة كثيرة. كما أن تعريف " الشعراء " قد يكون محل أخذ ورد، وبالتعريف الواسع، لا توجد ندرة في الشعراء بين العرب. مؤخرا، أعلن القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية عن مسابقة للشعر فتقدم اليها مئات الشعراء من أقصى الوطن العربي الى أقصاه. وعدد الأمسيات الشعرية في الأمة العربية لا يكاد يعادله إلا عدد المؤامرات على هذه الأمة. فلنعدل إذن عبارة صاحبنا الفرنسي الذي ضاع إسمه ولنقل : أن " الشعر الحقيقي نادر ". من هنا يجيء فرحي كمتذوق يتوهم انه يستطيع التفرقة عفويا بين النظم والشعر إذا إلتقيت ببيت رائع، أو مقطع مؤثر، أو قصيدة نابضة. ومن هنا يجيء حرصي على أن يشاركني الفرح أكبر عدد ممكن من الناس. إليك إذن أيها القارئ العزيز باقة من الشعر، الشعر الحقيقي النادر، من بستان الشاعر العراقي يحيى السماوي. أنظر كيف تتفجر الغربة شعراً في قوله :

أكاد حتى رفات الميت أحسده

غداة يملك أرض القبر في بـلــدي

وقوله :

وطني؟! يُقال بأن لي وطناً فما

أبصرته.. إلا وقيدي في يــــدي

وأراه أحيانا ينام كطعـنـــةٍ

فوق الخرائط.. أو بصوتِ المنشد

قال أبو سهيل : اذهب أيها السماوي فلم يسبقك إلى " طعنة فوق الخرائط " أحد!. وأسمع خوف الشاعر إذا عاد إلى وطنه في يوم لا ريب فيه، بإذن الله، فلم يعرفه أحد :

أتعرف عاشقا قد كان طفلاً غداة مضى.. وجاء به المـشيبُ؟!

غـداً آتي.. فلا شفة تغني مواويلي.. وتنكرني الـــدروبُ

وتطفـأ ضحكة كحفيف زهرٍ ويومـئُ نازل ” هذا غريــبُ “!

وفي الغربة يقدم الشاعر النازح أروع التحيةِ الى الوطن المعطاء الذي أستضافه شقيقا قريبا من شغاف القلب.

يقول عن مكة المكرمة :

حجَـت لها قبل الأنام سماؤها بحجيج ســجيل على سُلابهــا

أرض تكاد لفرط عزة رملهـا يروي عطاشى الماء وهِجُ سرابها

قال أبو سهيل : ولم يسبقك أحد من شعراء أم القرى ولا من حولها في “حجيج السَجيل “

ويقول عن أبها الحسناء :

نسلت من الشجر الوريق ضفيرة ومن الجبال الشاهقات ســريرا

ومــن النجوم قلادة بدويــة ومن الغيوم الطيبات بخـــورا

قال أبو سهيل : لا يُقدر الشطر الأول من البيت الأول قدره إلا أهل الخليج الذين يتحدثون، حتى بلغتهم العامية، عن فتاة "تنسل شعرها“.

ماذا عن قلب العاشق في الغربة؟!

يدعي شاعرنا أنه لا يستطيع أن يحب إمرأة ما دام بعيدا عن وطنه، وأنه سيؤجل الحب حتى العودة :

لو كان لي بيتي ولي وطني لم أتخذ غير الهوى نسبا

إلا أن إدعاء الشاعر يذكرنا بتصريح الأخطل الصغير :

كذب الواشي وخـــاب من رأى الشاعر تــاب ؟!

وصدق الأخطل الصغير !

هذا هو شاعرنا ينظر إلى إبنة العشرين متحسراً :

وأوَاه كم يؤلم هذا الشجن هنا :

قد اعتنقتِ من الدنيا مباهجهـا اما أنا فهموم النـاس أعتــنقُ

لقد شربتُ.. ولكن لا كما شربوا وقد عشقتُ.. ولكن لا كما عشقوا

وهنا :

فإذا إقتلعت الرمح من جسدي غرس الأسى رمحين..والوطن

أفكلما نفّضت مركبتــــي ....... نفضت عليَّ جراحها المُـدُن ؟!

وبعد :

تحية شكر عميق للأديب الصديق عبد المقصود خوجه الذي نشر للشاعر مجموعة " قلبي على وطني ". وتحية شكر عميق لنادي أبها الأدبي الذي نشر مجموعة الشاعر الأخرى " من أغاني المشرَد ".

أما أنت أيها الطائر الجريح فقد أوشكت عيني تدمع وأنا أقرأ :

غداً إذا غفوتَ…من يا ترى يسقي حقول الورد من بعدي ؟!

لا أدري يا أخي…

لا أدري !

جرّبتِ عاج الموسرين..فجربـي طين الفقير.. وإن جفاه بريـقُ

أغويتني بالحسن.. وهو طريدتي فطرقتُ.. لكن صدني المطروق

فرقتِ ما بيني وبيني فاجمــعي بعضي إليَّ.. أضرني التفـريق

قال أبو سهيل : لا يلومن كهل أحب إبنة العشرين إلا نفسه !

وإليك هذا المشهد الطريف في الطائرة :

كشفت لترشف قهوة فإذا الدجى صبحُ طري الضوء غض المنهل

وجه يفيض عليه نهرُ أنوثــة ونسيمُ غاباتٍ.. وشقرة ســنبل

صرخ شاعرنا في المضيف :

بالله يا هذا المضيف.. لحظــة ! زدني ! ولا تبخل علي فأجمـل !

لا لن أخضَ يدي سأشرب “دلة” إن كنت في فنجانها ستصب لـي

لا أدري ما فعل المضيف، ولا ما فعلت " الدلة " ولكني أعرف أن هذه الأبيات تكاد تكون الابتسامة الوحيدة في " ليل الشجن " كما يقول شاعرنا محمد الفهد العيسى.

ترى لو أمد الله تعالى بعمرِ القصيبي، فماذا سيكتب لو قدّر له أنْ يقرأ بوح السَماويّ فِي سداسيته التالية ؟:

يــا مَــنْ لُـــمــاهُ قـــرَنْـــفُـــلٌ وخُــزامــى

أنــا مــا طــلـــبْـــتُ سُـــلافــةً ومُــدامــا

*

قـد جــئــتُ أســتـجـدي زفــيـرَكَ لا طِـلاً

وعــصــيــرَ أعـــنــابٍ تـعَــتَّــقَ عــامــا

*

أدمــنــتُ فــيــكَ تـــبـــتُّــلاً فــأنــا امــرؤٌ

عَـــفٌّ ... ومـــثــلـــكَ أنــبـــذُ الآثــامـــا

*

إنْ كـانـتِ الـقُــبُـلاتُ تـُـفـطـِـرُ صـائــمــاً

أو كـانَ رشـــفُ نـدى الــشـفــاهِ حَـرامــا

*

فهـلِ الـعـنـاقُ ضُحىً سَــيُـفـسِـدُ مُـمْـسِـكـاً

مـا ذاقَ مـن بـعــدِ الــسـحـورِ طـعــامــا ؟

*

فــتـوايَ : شَــمُّ الـوردِ لـيـسَ بِـمُــبـطِــلٍ

فـي شــرعِ عـشَّـاقِ الــورودِ صِــيــامـا

فِي عامِ 2008م، صدر عَنْ مؤسسةِ اليمامة الصحفية كتاب الشاعرة وَالناقدة السعودية الدكتورة فاطمة القرني الموسوم " الشعر العراقي في المنفى... السماوي أنموذجا "، مَعَ العرضِ أنَّ أصل هَذَا الكتاب الَّذِي يقع في أكثر مِنْ ثلاثمائةِ صفحة هو بحث أكاديمي لنيل درجة الأستاذية فِي النقدِ الأدبي. وحسبنَا مَا سجلته القرني عَلَى غلافِ كتابها، وَالَّذِي نصه " لا شك في أن الإبداع كممارسة محصّـلة لحال من الإنتفاء اللاإرادي للذات المبدعة.. حال تتجرد فيها تلك الذات من كل موجودات المحيط المُحاصِر لها أحياءً وأشياءً على السواء، لا لتتنكر لتلك الموجودات المُشـَكـِّلة لكيانها هي أصلاً، وإنما لتحقق نوعا من أنواع الإخلاص في النظر إليها وتأملها واستنطاقها للبوح بما هو أصدق وأغـنى في التعبير عن كل أطراف المخاض الإبداعي - الأنا... والآخر القريب والبعيد... والقول الشعري نفسه - تعبيرا مجسّداً لأحد ملامحها جميعا... موضوعاً ومكاناً، وزماناً كذلك.. وإذا ما قـُدِّر لمبدع ما أن يكابد أزمة محتدمة كهذه في حميم نفي خارجي قسري من سلطة غاشمة أو نظام ظالم - كما هي حال يحيى السماوي - فإن إنسانية التجربة.. تجاوزها.. ولا نهائيتها ستسفـر عن غـنىً إبداعي موّار لا سقف لامتداد أبعاده، ولا قاع يمكن تصوره لوقدها المحفـِّز لإنسان هذه الأرض.. وهذه الدراسة تتلمس طريقها مخلصة لتحسس التنويعات التي انبنت عليها تقاسيم صوت السماوي.. نافياً.. منفياً.. مفتوناً بالعراق ومُفتتناً عنه.. مستعيداً ومُشكـِّلاً من خلال المرأة، من منفاه وبمنفاه تفاصيل الوطن - النموذج - الحلم البهيّ الذي لم يفلح رغد البدائل - وما أكثرها - في تسكين جذوته أو ترميد ألقه ".

أرَضَعـتِ مـن مُـقـلِ الزهـور عـطورا ؟

أمْ كـان مـهــدُكِ يــا بــتــولُ زهـــورا ؟

*

أثـمَـلـتِـني برحـيـقِ صـوتِـكِ فانـتـشـتْ

روحٌ تــنــفّـــسَــتِ الــدخــانَ دُهـــورا

*

أمـسَـيْـتُ مـمـسـوسـاً وكـنـتُ عَـهِـدتُني

جَـلِــداً عـلـى أمــرِ الـهــيــامِ صَـبـورا

*

لا تـحـذري نـاري فـإنّ أضــالــعــي

حَـطـبي ولـسـتُ بـمَـنْ يخونُ ضَـميرا

*

أدريـكِ طـاهـرةً .. وحـسـبـي أنـنـي

عـاهــدتُ ربـي أنْ أمــوتَ طـهــورا

*

فـتـدَبَّــري أمْــرَ الــغــريـبِ فـإنــهُ

طـفـلُ الـمـنى لا يـحـسِـنُ الـتـدبـيـرا

***

دراستان كتبت فصولهما مَا بَيْنَ تونس وبغداد، قاسمهما المشترك مثابرة السَماويّ يحيى وَحبه وطنه وَحضوره فِي وجدانِ المتلقي، هو أحدث مَا اطلعت عَلَيه عَنْ تجربته الشعرية، أولهما دراسة الكاتب وَالباحث التونسي د . محسن العوني الموسومة " الوطن منشوداً وموجوداً في شعر يحيى السماوي "، وَالَّتِي بدأها بمقدمةٍ عَنْ ثلاثيةِ الوطن، الإنسان والحلم قائلاً " الوطن بلا إنسان لا يعدو أن يكون قطعة أرض تحت سماء، أو دُونَمَا سماء؛ ذلك أنّ العلاقة والحميميّة والذاكرة هي التي تصنع الوطن وتنشئ الارتباط، إذا انقطع الحلم وَقَعْنَا في العَدَم، والإنسان مدعو إلى أن يبقى طول حياته وحتى آخر لحظة بحالة حُلْمٍ أو على قيد الحلم. الحُلْمُ هو الحقيقة التي ستأتي، إن لم يكن هنا فَهُنَاكَ، وإن لم يكن في هذه ففي تلك. أَحْلاَمٌ تَتَحَققُ وأُّخرى تسقطُ وتُسْتبدل بغيرها، ويبقى الحُلْمُ ". ولأجلِ تفصيل غاية بحثه بحدودِ مشكلة البحث ينتقل العوني إلى الغوصِ فِي تجربةِ السَماوي الشعرية، وَالَّتِي نقتطف مِنها النص التالي " المدوّنة الشّعريّة للشاعر العربي الكبير يحيى السّماوي تُؤكّد هذا التوجّه وتُزكّي هذه القراءة، فقد ظلّ الوطن لديه حُلْمًا ماثِلاً في مخيّلته أكثر مِمَّا هو حقيقة على الأرض وواقعًا، صرْخَتُهُ المُدويُّة المُوجعَة في قصيدته - لا تذبحوا حبيبنا العراق - لا تُفهَمُ إلاّ على هذا الأساس، العراق مَنْشُودًا ومَأمُولاً، العراق الحلم.. لا العراق الواقع ". وَيسجل العوني فِي ثنايا دراسته مَا يساهم فِي توضيحِ ثيمة البحث بالاستناد إلى أدلةٍ واضحة، مستعيناً بمنتخباتٍ مِنْ أبجدية السَماويّ يحيى حيال بعض مَا مضى مِنْ وقائع، وَالَّذِي اخترنا مِنه قوله " إنّ الدارسَ لأعمال الشّاعر يحيى السماوي لا بدّ وأن يتوقف عند ظاهرة لافتة وهي كثرة الدّواوين التي خصّ بها وطنه العراق بشكل مباشر، بقطع النظر عن الجوائز التي استحقها الشاعر بجدارة لقاء بعض أعماله الشعريّة، فإنّ جائزته الحقيقيّة الكبرى وتتويجه هي إقبال القرّاء والباحثين والدّارسين على أعماله وهذا الاحتفاء الذي يقابل به حيثما حلّ والحالة الوجدانيّة التي أنشأها وجعلت القلوب والعقول والعيون تّتجه نحو العراق وتتعاطف معه بفعل الحبّ الذي زرعته نُصُوصه وحوّلته إلى رمز من رموز بلاد الرافدين تماما كالنّخل والجنائن المعلّقة ". وقد ختم الباحث مبحثه الأول بحسبِ منهجية البحث المعتادة بعبارة بليغة وَمعبرة، يقول فِيها " شعر يحيى السماوي قلادة على صدر العراق، لم تصنعها أكبر دور المجوهرات في العالم، ولا يمكنها أن تفعل؛ إنّها قلادة حبّ وجمال وولاء وفداء.. وهنيئاً للعراق ". أما الأخرى، فهي دراسة نقدية عَنْ ديوانِ السَماويّ يحيى " حديقة من زهور الكلمات " الَّتِي كتبها الناقد العراقي احمد فاضل وَوسمها بـ " جولة في حديقة شاعر ". وقد تطرقت هذه الدراسة إلى جملةٍ مِن السماتِ الَّتِي ساهمت فِي تشكيلِ خصوصية تجربة السَماويّ الشعرية باستعراض العديد مِنْ المواضيعِ الَّتِي نذكر مِنها هُنَا ثلاثة إضاءات، أولها اهتمامه بالموروث الشعبي الَّذِي يشير إليه فاضل بالقول " السَماويّ بشهادة جمهرة واسعة من النقاد، يعتبر الأكثر ثراءً في توظيف الفولكلور الشعبي باستخدامه لأبجدية حروفه الأقرب للمتلقي من حيث التأثير، ساعدته في ذلك سعة اطلاعه على مراجع أدبية كثيرة بحكم دراسته في الجامعة وقراءاته العديدة للملاحم الشعرية العربية والفارسية القديمة ". وثانيها أنَّ السَماويَّ يُعَدّ أكثر شعراء عصره المحدثين إنجازاً وأكثرهم قراءة، وكما يقول فاضل " لم تخلُ نصوصه من العاطفة والوجدان، الأسطورة والرمز، الظواهر الحياتية والدين، والثيوصوفي المتصل بأحوال الصوفية، فممارساته العديدة في كتابة نص مبتكر جعلت من قصائده تعيش أجواءً متحركة غير جامدة "، فِيما يشكل السهل الممتنع ثالث أغراض الدراسة، حيث يشير فاضل إلى ذلك بالقول " السَماويّ يدرك المعاني الممكنة لكلمات قصائده فيضع لها قواعدها لتأخذ أبعاداً حقيقية ممزوجة بخيالية سحرية ورمزية غير معقدة "

    

***

ماذا أريـدُ ؟ سَـلي نـمـيـرَكِ مـا الذي

يـرجـوهُ عـشـبٌ لا يـطـيـقُ سَـعـيــرا

*

وسَـلي قطوفـكِ صبحَ وجهِـكِ واسألي

لــيـلاً يـتـيـمَ الـنـجـمِ شَــلَّ بـصـيـرا

*

يـعـدو وراءَ هـديـلِ صـوتِـكِ حـامـلاً

قـلــبــاً بــريءَ الـعــنــفــوانِ غــريـرا

*

أمْـسَــكـتِ عـنـهُ قـرنـفــلاً وربـابـةً

ورغــيـفَ صـحـنِ مـودَّةٍ ونــمــيـرا

*

لا تـحـرمـيـنـي لــذّةَ الـمـوتِ الـذي

أحـيـا بـهِ فـي الـعـاشـقــيـنَ دهـورا

*

لو تعلميـنَ بـمـا كـتـمتُ عـذَرتِـنـي

وغـدوتِ ليْ في اللائـمـيـنَ عـذيـرا

***

يذكرُ الناقد السوري عصام شرتح فِي آخرِ فصول مؤلفه الموسوم " آفاق الشعرية - دراسة في شعر يحيى السماوي "، وَكأنَّه أراد به مسك الختام لوليده النقدي مَا نصه " هذه باختصار رؤانا عن شاعرية يحيى السماوي... إننا لن نقول كما قال غيرنا إنه شاعر غنّى فأبدع، بل نقول : إنه شاعر جمالي يعزف على الجمال... خبزه الطيبة، وروحه الشفافية الإنسانية الطاهرة، ولحنه صوته الدافئ وتراكيبه العذبة. إنه السمو الجمالي بكل شيء. هذا هو السماوي كما وجدته في ثنايا قصائده؛ محلّقا في فضاء الشعرية وألقها المستمر على الدوام ".

لَمْ يكن بوسعِ الشَّاعِر العراقي زاحم جهاد مطر، كتم إعجابه حيال روعة شعْر السَماويّ يحيى وَرونقه وَعذوبة معانيه، فانبرى ذات مساء يصف جمالية إحدى قصائده قائلًا " ادخلتنا كعادتك في عوالمٍ روحية وفضاءات واسعة من الجمالِ اللامتناهي والزاخر بأعاجيبِ التصاوير وَنوادر التعابير وَلطائف الجمل والاقوال؛ انها عوالم من البهجة والتوهج حيث تتآلف الاشياء في بوتقتك وتنحني لنحت ازميلك الحريري وتهدأ العواصف والاعاصير على شواطئك لتغدو نسائم تداعب وجه الماء لتهتز وترتعش منتشية جذلانة وهي تسبح في نور؛ أي عالم يجمع كل هذا الجمال؟ غير العالم الذي يصنعه السماوي ".

مِنْ المعلومِ أنَّ شهاداتَ الإعجاب بروعةِ أداء السَماويّ يحيى شِّعْراً، كثيرة وَليس بمقدوري تضمينها دراسة واحدة أو حتى دراسات عدة، فعَلَى سبيلِ المثال لا الحصر، الشَّاعِر وَالمترجم حسين السوداني يشاطر المقاماتي زاحم جهاد مطر إعجابه بشاعريةِ السَماويّ يحيى ويسجل فِي أحدِ المواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّة مَا نصه " قصائد أخي وصديقي الحميم - يحيى السماوي - تشبه شجيرات الورد في الحدائق، كل صورة جمالية في هذه القصائد عبارة عن زهرة لها شذاها الخاص ولها نداها. ومازالت أزهار قصائد حبه المقدس عطرة ونظرة وندية لا تذوي كما ذوت أزهار حبنا في ثلوج المنافي ".

***

لا زال قـيـسُ بـنُ الـمـلـوَّحِ نـابـضـاً

والـعـامــريــةُ تــســتــفــزُّ خــدورا

*

إنْ كان قـلـبـي مُـسـرفـاً بـهُــيـامِـهِ

فـلأنَّ عــشـقـي يـأنـفُ الـتــقــتـيـرا

*

حـسـبـي أرى ضـعـفـي أمامـكِ قـوّةً

ورداءَ ذُلّــي فـي هــواكِ غـــرورا

*

لا تـوصِـدي أبـوابَ مـمـلكةِ الهـوى

فـالـعـشـقُ أرسـلـنـي إلـيـكِ سـفـيـرا

*

قـدَّمـتُ أوراقَ اعـتـمـادي : نـخـلــةٌ

تهبُ النضيدَ وتـحـضنُ الـعـصـفـورا

*

وتـرشُّ دربَ الـعـاشـقـيـنَ بـظِـلِّـهــا

وتـمـدُّ مـن هـدبِ الجـفـونِ حـصـيـرا

*

أمَـرَ الهـوى قـلبي فـجـئـتُ مُـبـايـعـاً

عـيـنـيـكِ داراً والــفــؤادَ عــشــيــرا

***

بخلافِ مَا يظنه بعض القراء، يؤكد السَماويّ يحيى إنَّ شِّعْرَ التفعيلة أكثر مِن الشِّعْرِ العمودي فِي أغلبِ دواوينِه الصادرة، حيث أنَّ للشِّعْرَ عنده ثوابته الأساسية؛ لذا يستخدم العروض، لكن ذلك لا يعني - بحسبِه - : " تزمّتا بقدر مَا يعني شغفاً بموسيقى الشِّعْر ". وَيضيف السَماويّ - الَّذِي يعشق الموسيقى عَلَى الرغمِ مِنْ عدمِ أجادته العزف حتى ولو عَلَى صفيحةٍ فارغة - : " إنني أقرأ قصائد النثر أكثر مِن قراءةِ الشِّعْر الفراهيدي بشقيه العمودي والتفعيلي، وَحدث يوماً أنْ أخبرني صديق أنه قرأ قصيدة جديدة للشَّاعِرِ هادي الناصر وقصيدة عمودية جديدة لصديق شَّاعِر، فكان جوابي له : أسرع بإرسال قصيدة هادي الناصر. وحدث ذات شغف أن وصلني ديوان الصديق الشَّاعِر جواد الحطاب الموسوم إكليل موسيقى على جثة بيانو، وكنت علَى موعدٍ مَعَ الطبيب، فتفرغتُ لقراءةِ الديوان، وَأهملت موعد الطبيب عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ خيولَ داء الربو كانت تطحن صدري وقتذاك ".

***

أنا مَنْ أنا ؟ ماعـدتُ أذكـرُ فانـشـري

خَـبـري عساني أسـتـعـيـدُ حـضـورا

*

خـوفي علـيـكِ إذا رفـعـتُ شِـكـايـتـي

يومَ الـحـسـابِ وقد ظـلـمـتِ حـسـيـرا

*

شـفـتي بهـا ظمأ الـرِّمالِ ألا اسـقِـنـي

من كأسِ مـبـسـمكِ الضحوكِ زفـيـرا

*

يـا بـنـتَ سـومـرَ لـلـمـشـوقِ عـذيـرُهُ

لـو جـازَ فـي تـهـيــامـهِ الـمـحـظـورا

*

أيـن الـهـروبُ إذا الـصّبابـةُ حمحـمتْ

واسـتـنـفـرتْ شغـفَ الـفـؤادِ ظـهـيـرا ؟

*

جَــيَّــشـتُ أشــواقـي فـأيُّ دريــئــةٍ

تُـنـجـيـكِ مـن لـيـلٍ يـراكِ مُـنـيـرا

*

حـربـي مُـقـدَّســةٌ ... فـإمّـا قــاتـلاً

أغـدو فــأقـتـل بـالـنـسـيـمِ هـجـيـرا

*

أو أنْ أخـرَّ عـلـى يـديـكِ تـوسُّــلاً

أنْ تـأخـذيـنـي مـا حـيـيـتُ أســيـرا

أنجز الدكتور محمد فليح الجبوري وَالأستاذ علي كتيب دخن التدريسيان فِي كليةِ التربية - جامعة المثنى دراسة وسماها بـ " التصوير الرمزي في شعر يحيى السماوي شعر التفعيلة أنموذجاً ". وقد أكد الباحثان أنَّ فكرةَ بحثهما مردها بحسبهما إلى مَا لتقنيةِ الرمز من تأثيرٍ فعّال في تثويرِ دلالة النص الإبداعي من خلال تكثيف الدلالات بمساحةٍ ضيقةٍ ومحدودةٍ، مع توفر البعد الدلالي الذي ينفتح على تشظي التأويل، وَإنَّ الشاعرَ يحيى عباس السماوي لم يكن بعيداً عن هذا التوظيف، إذ سجل حضوراً مائزاً في مساحاته الشعرية الموصوفة بــ " قصيدة التفعيلة ". وقد جاء فِي صلب البحث مَا نصه " يحيى السماوي شاعرٌ يعيش باحثاً عن رموزٍ تعادل تجربته الشعورية، تلك التجربة التي تعمقت؛ أثر اغترابه وحنينه إلى وطنه، وعشقه المتمثل بتجربته الرومانسية، ورفضه المتواصل للمحتل بكافة تجلياته، لكون الرمز : يتيح للشاعر تعبير آفاق واسعة لمعانيه الشعرية، بمعنى إن المعنى الشعري الصادر عن أسلوب الرمز، هو معنى مكثف ذو تجليات خاصة ". كذلك تشير الدرسة فِي أحد مباحثها إلى أنَّ " المتتبع في شعره يكشف أنَّ نصوصه غنية بالرموز الفنية التي بثها في صورٍ حية تؤلف بين ذاته والواقع الذي يريد أنْ يصوره، فيخلق منها قوة تأثيرية ضاغطة على السامع والقارئ ".  

***

سَمْعًا - أميري ما فرَضْتَ - وطاعةً

فلأنت عندي يا عراقُ أَميرُ !

كَمْ قيلَ إنَّك آمِرٌ مُتَعَسِّفٌ

و أنا - برغم رُجُولتي - مَأْمورُ !

حبّبت لي ما لا أحبّ، فخيمتي

جُرحي، وأَحْزَانُ السّنين عشيرُ !

كم بتّ مَذْبُوحًا بسيف صبابتي

وَ سَألتُ بَرْدًا فَاسْتَجَابَ سَعِيرُ !

قرّت بك الرّوح التي أرخصتُها

فَأَنَا بِحُبِّكَ ما حيَيْتُ – قَرِيرُ !

وقصائِدٌ عَذْرَاءُ لم يَعْرِفْ لها

بَوْحا يَرَاعٌ مُلْهَمٌ وسُطُورُ

***

نعرف أنّ الوطنَ الجريحَ

يستحمّ في بحيرةٍ

من الدّم المراقْ

لكننّا

نعشقه عشق ضرير للسّنا

و أنّنا

نرضى به هراوة .ً . مشنقةً..

جوعًا.. أسًى..

طاحونةً أو مرجلَ احتراقْ

نرضى به سَوْطا على ظهورنا

أو

شوكةً تنام في الأحداقْ

السَماويّ يحيى أو " عملاق مِنْ عمالقةِ الأدب، ونخلة عراقية مِنْ نخيلِ السماوة " بحسب توصيف الشاعرة رند الربيعي، أجاب عَن سؤال يتعلق بظروفِ كتابة قصائده بالقول : " الشَّاعِر والصيّاد توأمان سياميان، كلاهما ينصب فخاخه وشِباكه ويبقى متحفّزاً محدّقاً بالأفق - باستثناءِ فرق واحد بينهما، فالصياد هو الَّذِي يصطاد طريدته، أمّا بالنسبةِ للشَّاعِر، فإن الطريدةَ هي الَّتِي تصطاده، فالشِّعْر حصان أصيلٌ عنيدٌ كثير الإعتداد بنفسِه، وبسببِ أصالته وَعناده وَاعتداده بنفسِه فإنه يُصرّ أنْ يختارَ - هو وليس فارسه - وقت الركض وَشكل الميدان وَنوع الركض، حين أكتب القصيدة، أكون أنا الحصان، وَالشِّعْر هو الفارس الذي يملي شروطه عليّ ". وَثمة رؤية مهمة للسَماويّ يحيى، أبلغني إياها ذات متنبي فِي أمس قريب بصيغةٍ بليغة أوجز فِيها إجابات لأربعةِ أسئلة " الشعر، السياسة، رحلة التربية، الغربة "، طالما كانت موضع عناية واهتمام الباحثين والدارسين، فضلاً عَنْ متذوقي الأدب، وَالَّذين ما انفكوا عَنْ سؤالٍ مفاده : أين وجد السَماويّ نفسه مِنْ بَيْنَ تلك الفضاءات الأربعة ؟، حيث قال السَماويّ مَا نصه : " وجدتُ نفسي في الشعر، فالشعر هو المرض الوحيد الذي أسأل الله في مساعدتي كي لا أشفى منه، ولسبب جوهريّ، هو أنني لا أمارس حريتي إلآ على الورق، ولأنه المنديل الوحيد القادر على تمسيدِ جرحي ومسح دموع قلبي، ولأنه أيضا الأفق الرحب الذي أطلق فيه حمائمي نحو نهر الأنوثة الضوئي لتعود لي محمّلة بالهديل، لكنني استفدتُ من جداول السياسة والتدريس ومن الغربة في إنماء عشب أبجديتي، فجدول السياسة أسهم في مدِّ جذوري داخل طين العراق، وجدول مهنة التدريس أسهم في ترسيخ موضوع ثقافة الأسئلة، وأما الغربة فقد أثبتت لي أنَّ الإنسان كلما ابتعد عن وطنه فإنه سيزاد اقترابا منه والتصاقا به وشوقاً إليه ".

مَـطَـراً مـن الأعـيـادِ جـئـتِ

وكـنـتُ قـبـلـكِ ـ كـالـعـراقِ ـ يـتـيـمَ عِـيـدْ

*

حَـدَّقـتِ بـي وسـألـتِـنـي : مـن أيـن أنـتَ ؟

فـقـلـتُ : مـن أعـرابِ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ مَـسَّـنـي عـشـقٌ

فـغـادرَنـي الـرشـادُ وهـا أنـا : الـحـيُّ الـشـهـيـدْ

*

قـبـري مـعـي يـمـشـي ولا صـحـبٌ سـوى مـوتـي الـمُـؤجَّـلِ

أقـتـفـي أثَـرَ الـمـلاكِ الـسـومـريـةِ فـانـتـهـيـتُ الـى بـلادِ الـغـربـتـيـنِ

وهـا أنـا : تـسـعٌ وعـشـرون انـتـهـيـنَ ولـم أجـدنـي فـابـحـثـي عـنـي

صـفـاتـي : نـخـلـةٌ مُـذ غـادرَتْ بـسـتـانـهـا عَـقُـمَ الـنـضـيـدْ

*

إنـي عـثـرتُ عـلـيـكَ ـ قـلـتِ ـ فـقـمْ مـعـي لِـنُـعـيـدَ لـلـبـسـتـانِ خـضـرتَـهُ

ولِـلـتـنُّـورِ أرغـفـةَ الـمـسـرَّةِ والـسـمـاوةَ لـلـشـريـدْ

*

عـنـدي شــفـاؤكَ مـن ضَـيـاعِـكِ فـيـكَ فـادخـلْ آمِـنـاً قـلـبـي

وكـنْ فـي الـعـشـقِ سـادنـيَ الـوحـيـدْ

*

ابن الفرات الأوسط الشَّاعِر العراقي يحيى الكاتب، كَتبَ مشخصاً إبداع السَماويّ يحيى، وَمعبراً عَنْ شاعريتِه، وَمبرزاً للتناصِ وَالتجديد وَالتحديث فِي تجربتِه الشِعْريَّة، فضلاً عَمَا أجاد بِه مِنْ نتاجٍ قد لا يتكرر بسهولةٍ بقولِه " يعجز الكتاب والنقاد عن درء مفارز التشبيه والاستعارة والكناية ومفاتيح التعابير الأدبية والبيان والبلاغة والجناس والطباق التي وظفها السماوي بشكلٍ يتفوق على غيره، مستفيداً من بعض تجارب من سبقه ليضع نقاطاً وعلامات لم يضعها من سبقه، فجاءت تجربته وحكمته متكاملة زاهية احتلت صفحات مجيدة من تاريخ الشعر العربي، وسجلها باسمه مفتخرا باستحقاقٍ ليس من منة لأحد عليه، وأكثر من هذا الشغل والمشاغلة التي احدثها الشاعر في المشهد الادبي العراقي والعربي والعالمي انه كان متواضعا جميلا، مما ألبس نتاجاته الغزيرة بردة البلاغة والبيان، موظفاَ ما أكتسبه من خبرة وحنكة ثقافية وأدبية في إشهار لوحة التجديد الماسية وأنا أول المبهورين بتجربته وإنسانيته وأغبطه على تملكه لكنانته الأدبية التي لا تنضب من أسلحة التعبير المتطورة بما اضاف لها وألبسها حللا جمالية أخرى ". كذلك كَتبَ ثانيةً فِي مداخلةٍ حول إحدى الدراسات الَّتِي تناولت تجربة السَماويّ مَا نصه " الشَّاعِر الكبير والإنسان الكبير يحيى السماوي كانت تجربته الشعرية جديرة بالاهتمام والدراسات لأنه أغنى المكتبة العربية والعالمية بالمألوف وغير المألوف من الشعر العربي، وجدد وأضاف وتألق وتسامى حتى أستحوذ على قلوب الأدباء والشعراء والمثقفين والناس المتلقين والمتذوقين، فصار علامة فارقة كاد أنْ يكون أو أنه كان مثار اهتمام الناس وانشغالهم فتألفت بحقة الكثير مِن النصوص النقدية، وتدارست تجربته في كثير من جامعات العالم وصار مادة بحث الرسائل العلمية والعملية للماجستير والدكتوراه، وشغل الناس وملأ الدنيا حتى يتخلد بحياته لا بمماته أطال الله في عمره الكريم وأنا أسال له الذي علم بالقلم أن يحفظه بعينه التي لا تنام ".

سـأقـومُ مـن قـبـري لأحـيـا مـن جـديـدْ :

*

طـفـلاً .. فـتـىً .. شـيـخـاً كـمـا قـيـسُ الـمُـلـوّحُ

لا كـهــرون الـرشـيـدْ

*

هـيَّـأتُ نـاراً لـلـتـصـاويـرِ الـقـديـمـةِ والـرسـائـلِ والـمـنـاديـلِ الـحـريـرِ

ومـعـولاً لـكـؤوس مـائـدتـي

ومـحـرابـاً يـلـوذ بـهِ مـن الأمـسِ الـبـعـيـدْ

مـا سـوف أتـلـو مـا تـيَـسَّـرَ فـي جـلالـكِ مـن قـصـيـدْ

*

وضـيـاءَ قـنـديـلٍ يُـريـنـي مـا أريـدْ

*

لا تـسـألـيـنـي عـن رمـاد الأمـسِ قـد أبـدلـتُ ذاكـرتـي

فـخـبـزُ الأمـسِ تِـبـنٌ والـنـمـيـرُ كـمـا الـصـديـدْ

*

عـدتُ الـجـديـدَ كـمـا الـولـيـدْ

مَـلِـكـاً غـدوتُ

وكـنـتُ آخـرَ مُـسـتـبـاحٍ مـن سـلالاتِ الـعـبـيـدْ

*

ليس خافياً أنَّ مهمةَ تعزيز دراستي الحالية بِمَا متاح مِنْ معلومات، ألزمني الحرص عَلَى متابعةٍ دقيقة لِمَا ينشره السَماويّ يحيى مِنْ نتاجاتٍ أدبية، بالإضافةِ إلى مَا يُكتَب عَنه بمَا تبايِن مِنْ أجناس الكتابة الأدبية. وَقد كانت معاينة آراء القراء الأعزاء مِنْ بَيْنَ آليات هَذَا النشاط الَّذِي دلني عَلَى مداخلاتٍ وَتعليقات تعكس خزيناً ثقافياً وقدرة عَلَى التعبيرِ بأسلوبٍ أدبي جميل، وَليسَ أدل عَلَى ذلك مِمَا يكتبه القارئ الكريم " سيد حميد الراضي " الَّذِي لفت انتباهي منذ مدة فِيمَا يكتبه مِنْ تعليقاتٍ جميلة وموضوعية حيال بعض مَا ينشره السَّماويّ يحيى مِنْ نتاجٍ شعري فِي المواقعِ الإِلِيكْتُرُونِيَّةُ، فظننت بداية أَنَّه أحد طلبة السَّماويّ فِي مدينة السَماوة، فبدأت البحث الحثيث عَنه فِي قناةِ التواصل الاجتماعي " فيس بوك "؛ لأجلِ الحصول عَلَى مَا يُشبع نهمي مِنْ معلوماتٍ قصد تعزيز الدراسة الحالية، لكني فوجئت بِمَا خالف ظني وتوقعي، حيث ظهر أنَّ الراضي - الفنان المسرحي السابق وعاشق الشعر وَاللغة العربية - مِنْ سكنةِ مدينة بغداد، وَلَمْ تكن لَه معرفة بالسَّماويّ إلا خلال هَذَا العام بعد أنْ أعجب - بحسبه - بما ينشره مِنْ نتاجاتٍ عبر مَا متاح مِنْ الوسائلِ الإعلامية، وَلاسيَّما المواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّةُ، ومِنْ خلالِ متابعة الراضي لأنشطةِ السَماويّ أشار إليه ذات مرة بالقول " السَماويّ شاعر وإنسان، أبهرني بما يملك من شعرية عظيمة تضاهي الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، وله طريقة مبتكرة بمزج مواضيع كبيرة في الحب والتصوف والغربة وحب الوطن والأرض والإنسان ومواضيع كثيرة بتركيباتٍ بسيطة ومعانٍ كبيرة وخيالات جامحة - السهل الممتنع - وهذا هو الابداع والخلق بعينه ". ويضيف الراضي " حين أقرأ شعر السماوي، لا أتمالك نفسي، فأجمح معه، وينتابني شعور بأني مَنْ قال هذه المقطوعة أو كتب تلك الرباعية أو القصيدة، وذلك لسبب بسيط لأنه شاعر حقيقي وصاحب تجربه قاسية .. هكذا يبدو لي ".

***

ذات أصبوحة شَدْوٍ، أريجها ذائقة قريض السَماويّ بأسلوبِه خفيف الظل مِنْ سهلٍ ممتنع، بادرته بسؤالٍ عَنْ فلسفتِه حيال معنى الوفاء، فأجابني السَماويّ يحيى بصراحتِه المعهودة : كتبت يوماً إلى الأديبِ المناضل صباح محسن جاسم مَا أحسبه جواباً عَلَى سؤالك بِمَا نصه " رفيق صباي وشبابي وصديق أمسي البعيد، وما تبقى في حقيبةِ عمري مِنْ زمنٍ لم أعشه بعد، أتعمد الإعتراف بين يديك بحقيقة أنني تعلمت مِنْ صبرك ما أسهم في فخرِ طين صبري ليغدو أكثر صلابة مِنْ قرونِ الوعل، كما تعلمت مِنْ وفائكَ والبقاء على العهدِ ما عمّق إيماني بأن الحب كالوطن وكالدين ... فكما أنَّه لا يمكن أنْ يوجدَ نصف دين ونصف وطن ونصف حب، فإنَّه لا يمكن أنْ يكون الوفاء إلآ كاملاً تماماً كـ : الحب والدين والوطن "، فأيقنت إنَّ العشقَ يمسحُ قلوب بني آدم بمنديلِ الطَهَارة.

 

لطيف عبد سالم  

 

 

احمد الخميسيأظن أن في حياة كل منا "رمضان" أول، مثل الحب الأول، ومثل كل التجارب الأولى التي تكون كالضوء الشاهق على جدران النفس الطفلة. و"رمضان" الأول الذي أذكره كان ونحن نسكن في الجيزة في شارع متواضع اسمه "السروجي" في بيت بسيط من طابقين شاده جدي بنفسه فأصبح عبرة لكل الذين يبنون المنازل من دون خبرة ولا علم. ولم أر في حياتي كلها بيتا مثله، محنى الظهر، يمد إلي الشارع مقدمته محدقا باستعلاء مضحك فارغ. كان يشبه كلبا شرسا، عدوانيا، ليس لطبع أصيل فيه بل بسبب بؤسه. وكانت تجري أمام البيت ترعة صغيرة، قذرة، تتهادى على سطحها علب صفيح، وأوراق صحف، وفروع شجر، وكل ما يمكن القاؤه في الماء. وكنت مع عيال الشارع جميعا أسبح فيها، من دون أن يخطر لي أن أمواج هذه الترعة ستغدو في ما بعد إسفلت أسود لشارع فيصل الضخم! هناك حل"رمضان الأول" الذي علق بذاكرتي، وفيه رحنا نستيقظ للمرة الأولى قبل الفجر على دقات طبلة المسحراتي، ونجلس ونحن نفرك عيوننا لنتسحر، ونتلقى من جدتي خديجة التوجيه والنصح. وكانت جدتي مسالمة طيبة، لم أسمع لها صوتًا طوال سنوات طفولتي، كلامها أقرب إلي التنهد، تمشي بالقرب منا في ثوبها الأسود المنسدل فلا ندري إن كانت قد عبرت بجوارانا أم خيل إلينا. وقبل موعد الافطار بنصف ساعة تناديني، وتضع بين يدي صحنا واسعا به قطايف وكنافة وتهمس لي: " رح به إلي بيت أم نصحي، قل لها ستي خديجة بتقول لك كل سنة وأنت طيبة يا أم نصحي". وكان بيت أم نصحي هو بيت المسيحيين الوحيد في الشارع، وأولادها سمير وسعاد ونصحي أصحابنا، نلعب معا، ونسبح في الترعة معا، وحتى عندما كنا نجوب الشارع حاملين فوانيس رمضان، كان نصحي وسمير يسيران بيننا وبيد كل منهما فانوس. نطرق أبواب البيوت ونقول:"رمضان كريم"، فيفتحون لنا ويضعون في أيادينا حلوى أو قروش قليلة. ومع أول قرشين وجدتهما في يدي وأنا صبي صغير صرخت بفرحة" رمضان كريم ياعيال"، ورحت أتفحص القرشين بنهم. وكان معنا ولد صغير اسمه عبد العاطي، أبوه من العمال الفقراء، فمشى معنا في الشوارع لكن من دون فانوس بيده، وفي اليوم الثالث رأينا بيده فانوسا جميلا فاخرا فاستغربنا، ولما سألناه من أين جاء به؟ قال:"عيل كان ناسيه على سلم البيت عندنا، أخذته وجريت". وصاح فيه عماد :" لكن دي سرقة؟". فزعق الولد بحرارة:" أنا مستعد أعمل أي حاجة بس أمشي بفانوس وربنا يبقى راضي عني"! وكان يخيل إليه أن ربنا يرانا من أعلى بفضل نور الفوانيس، فلزمنا الصمت وواصلنا اختراق الشوارع حولنا. حتى حلول"أول رمضان" هذا، لم نكن قد شاهدنا السينما قط، سمعنا بها ولم نر شيئا منها، إلي أن قال لنا الولد عماد المحتال إنه عنده سينما في البيت، والتذكرة بنكلة، أي مليمين! والعرض اليوم. هكذا بعد الافطار مباشرة وقفنا صفا طويلا على باب شقة عماد، وقادنا أخوه إلي حجرة كبيرة بشباك واسع غطوه ببطانية غامقة. جلسنا على الأرض مباشرة أمام ملاءة بيضاء مفرودة من أعلى إلي أسفل وخلفها من ركن ما انبعث ضوء" لامبة" جاز. وبعد لحظات سمعنا صوتًا من خلف الملاءة " نقدم لكم الفيلم الحربي صراع الجبابرة". ضحك الولد ربيع قائلا : " هيء هيء. ده صوت الواد عماد.أنا عارفه"! رد الصوت من وراء الملاءة: " ممنوع الكلام أثناء العرض"! ورأينا ظل شخص يرفع قدمًا ويهبط بالأخرى وهو واقف في مكانه كأنما يسير، ثم لاح ظل آخر يرفع عصا طويلة كالسيف زاعقًا"عليك اللعنة"! فأبرز الأول عصا وصاح"yes" ! أخذ الاثنان يتبارزان من دون أن نفهم إن كان المتحاربان من الرومان أم من العرب أم "الطلاينة"، واستمرت الحرب بينهما عشر دقائق كانت تدوي خلالها عبارة "عليك اللعنة" ومن بعدها "yes"! إلى أن سقط واحد من الاثنين متأوهًا على الأرض فأعلن الثاني بصوت وقور: "the end"، ثم برز إلينا من وراء الملاءة الولد عماد وأخوه ماهر ينحنيان بتواضع نجوم السينما الكبار. رحنا ننهض من على الأرض ونحن مازلنا مأخوذين من الظلال التي تحركت أمامنا ومن الجو المعتم ومن أحداث الفيلم الحربي، لكن بداخلنا شك أن ما تفرجنا به للتو لا يمكن أن يكون فيلمًا، وأننا أغلب الظن وقعنا ضحية خدعة غير شريفة دفعنا فيها مليمين! وبينما نحن نهبط على السلم ونغادر البيت تمتم نصحي: "الواد عماد طلع له بحوالي ثلاثة أربعة صاغ من الهجص ده"! وعلق ربيع: "عشان إحنا حمير"! ومازلت إلي الآن، كلما حل الشهر الكريم، أتذكر رمضان الأول، بطفولته، وأصدقاء السنوات المبكرة، والصيام، والفوانيس، وأيضا أول فيلم حربي أشاهده في حياتي" صراع الجبابرة". وكل سنة وأنتم طيبين.    

 

د. أحمد الخميسي - قاص وكاتب مصري

 

ضياء نافعأشرنا في نهاية الحلقة الاولى من هذه المقالة الى بعض المسائل المهمة، التي جاءت في تلك (الدردشة السريعة!) مع خليل عبد العزيز، منها ما قاله طارق عزيز لخليل بشكل مباشر وصريح، في انه (عميل سوفيتي)، فكرر خليل في جوابه انه موظف في معهد الاستشراق السوفيتي التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية، وانه وصل الى العراق بدعوة رسمية من الرئيس العراقي البكر، وطرح على طارق عزيز السؤال الآتي – هل ان هذا يعني، ان الرئيس البكر قدم دعوة رسمية و استقبل (عميلا)؟، ثم أضاف قائلا له – انه سيخبر الرئيس البكر غدا في اللقاء معه بما قاله له الان. سألته انا – وماذا قال لك طارق عزيز بعد ذلك؟ أجاب خليل – صمت عزيز، ثم انتقل الى الحديث عن مهرجان الفارابي. وقد قال خليل للبكر ذلك فعلا، فاخبره الرئيس (في محاولة للتخفيف من وقع كلام طارق عزيز على ما يبدو) ان صدام كان يسمي طارق عزيز في البداية – (ابو ريشة)، وتعني هذه التسمية انه من جماعة جيش الليفي التابع للانكليز، والذي اسسه الانكليز بعد احتلالهم العراق (و كان افراده يضعون على قبعتهم ريشة) . ثم اردف البكر – ان علاقتهما (اي بين صدام وطارق) كانت متوترة، ولكنها تغيرت فيما بعد، ولا يدري البكر سبب ذلك التغيّر، ولكن البكر مع ذلك(تهرب!!) من الاجابة المباشرة حول ما قاله طارق عزيز لخليل . وتذكرت ما حكى مرّة لي أحد ابناء كبار البعثيين حول طارق عزيز، اذ انه ذكر لي ان ضيوفهم كانوا يلوذون بالصمت عندما يحضر عزيز الى مجلسهم، لانهم كانوا لا يثقون به، ويظنون انه سينقل كلامهم الى (جهات اجنبية !). وقد روى لي خليل قصة لا يعرف هو نفسه مدى صحتها تقول، ان الامريكان استدعوا طارق عزيز عندما اعتقلوا صدام كي يتأكدوا من شخصيته، فلما شاهده صدام صرخ في وجهه – اخرج من هنا ايها العميل . ان هذا الموضوع شائك جدا، وسيجيب التاريخ عن كل هذه التساؤلات في المستقبل بلا شك، ولكن لنتذكر كيف تصرّف وطبان (الاخ غير الشقيق لصدام ووزير الداخلية لفترة طويلة) مع طارق عزيز بشكل وقح وغير مؤدب تماما في المحاكمات العلنية، والتي شاهدناها على شاشات التلفزيون، هذه التصرفات التي تعكس حتما الرأي الذي كان سائدا في عائلة صدام حول طارق عزيز، ولنتذكر ايضا ما قاله عزيز نفسه في اللقاء مع علي الدباغ حول هؤلاء الذين كانوا يحيطون بصدام، بما فيهم وطبان طبعا، حيث أسماهم (بما معناه) بالاميين.

النقطة الاخرى، التي جاءت في نهاية مقالتي تلك، والتي أثارت ردود فعل حيوية لدى القراء، هي ما ذكره د.خليل بشأن رواية د. سعد العبيدي حول رسالة بريجنيف الى مرتضى سعيد الحديثي في مدريد عندما استدعاه صدام . لقد قال خليل ان ذلك يتعارض ويتناقض مع المنطق العام كليا، ومع المفهوم السوفيتي للامور ايضا، اذ كيف يمكن لبريجنيف (وهو في منصبه ذاك !) ان يرسل برقية الى السفير الحديثي في مدريد بهذا المضمون ؟؟؟ الا ان د. خليل قال، ان غفوروف (رئيس معهد الاستشراق) كان مندهشا من موقف السفير العراقي مرتضى الحديثي مقارنة بموقف السفير السابق صالح مهدي عماش، اذ كان عماش يهاجم صدام علانية عند زياراته للمعهد، اما الحديثي فقد كان يدافع عنه، حتى عندما قال له غفوروف مرة، انه كان وزيرا للخارجية، وان تعينه سفيرا في موسكو يعني ما يعنيه . وتحدّث د. خليل عن تطور علاقته بالحديثي لدرجة انه دعاه مرة الى السفارة حيث كان يقيم في الطابق الثاني لتناول العشاء، ومدح تصرفاته واخلاقه، وقال انه كان السفير العراقي الوحيد الذي كان يعرف الاصول الدبلوماسية ودقائقها ويعرف ايضا كيف يتناقش مع الآخرين رغم الخلافات بينهم . واستمر الحديثي في كل زياراته للمعهد على موقفه الثابت من حكومته (انظر مقالتنا عنه في سلسلة – عراقيون مروّا بموسكو – رقم 18)، وقد استفسر غفوروف من عامر عبد الله مرة عنه، فقال عامر ان صدام يكرهه، وان مرتضى ايضا لا يوده، ولكن مرتضى لا يريد ان يعلن ذلك امامهم، وقال عامر عبد الله ان صدام سسيصّفيه ويتخلص منه في المستقبل، اذ انه من جماعة عبد الخالق السامرائي، وقد تذّكر غفوروف كلام عامر عبد الله عندما تم ذلك فعلا . وتحدّث د. خليل عن رأي سوفيتي كان يدور في اوساط المعهد بشأن مرتضى، وهو، انه في حالة استقالته من منصبه، فانهم سوف يبقوه في الاتحاد السوفيتي ضيفا معززا مكرما، ومن المحتمل جدا، ان مرتضى عرف – بشكل او بآخر – بهذا الرأي، وان ذلك هو اساس تلك الحكاية التي جاءت في رواية العبيدي، وكذلك اساس ذلك الرأي الموجود في اوساط عائلته لحد الان .

النقطة الثالثة هنا ستكون حول لقاء د. خليل مع زيوغانوف – رئيس الحزب الشيوعي الروسي، والتي تمت بناء على رجاء من أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي، اذ لاحظ العراقيون ان الحزب الشيوعي الروسي يتجاهلهم ولا يدعوهم الى مؤتمراته واجتماعاته ولا يذكرهم حتى في بياناته . لقد نفّذ د. خليل طلب ذلك القيادي العراقي، واستطاع ان يصل الى زيوغانوف، وعندما كان بانتظار خروجه من اجتماع في مجلس الدوما، شاهده زيوغانوف وتذكره، اذ انه كان يراجع مكتب العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي السوفيتي، عندما كان زيوغانوف يعمل آنذاك في هذا المكتب، فقال له من بعيد جملته تلك، وهي – (لقد كنت شيوعيا يا يوسف في موسكو، فلماذا اصبحت عميلا للامريكان الان ؟) . تعجب خليل من هذا(الاستقبال!)، وطلب التحدّث معه، وقد تبين اثناء التباحث على مائدة الطعام، ان زيوغانوف يرى، ان مشاركة الحزب الشيوعي العراقي في مجلس الحكم يعني تعاون الحزب مع المحتل الامريكي، وقد حاول د. خليل ان يقنعهم بضرورة الاستماع الى وجهة نظر الحزب الشيوعي العراقي حول ذلك، وان ذلك يقتضي الاجتماع بين الطرفين قبل كل شئ، وانه (اي خليل) يقوم بمهمة ايصال هذا الامر اليهم ليس الا، وقد جرى ذلك فيما بعد . وأضاف د. خليل، ان هذا الموضوع طويل وعريض وشائك ومعقد، اذ انه يرتبط بمفاهيم مرتبكة وغير واضحة في الماضي والحاضر لدى الطرفين العراقي والروس معا.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

لدونيز ماسون 139دونيز ماسون، سيدة مراكش وعاشقة المغرب، من المستشرقين والمستعربين الفرنسيين، الذين أسدوا خدمات جليلة للإسلام والثقافة العربية الإسلامية، حيث قامت بترجمة معاني القرآن الكريم من العربية إلى الفرنسية. كما تعتبر من المدافعين والمناصرين لاستقلال المغرب إبان الحماية الفرنسية.

ماسون من حياة الدير إلى رحاب الإسلام

ولدت دونيز ماسون يوم 05 غشت 1901 بباريس، وتعتبر البنت الوحيدة لأسرة جد ميسورة، مما مكنها من الاستفادة من تربية أبناء المجتمع المخملي التي تعتمد على تعلم اللاتينية والموسيقى. وخلال سنة 1925، حدث شرخ كبير في حياتها يتمثل في طلاق أبويها، الشيء الذي أثر كثيرا في نفسيتها وجعلها تعتنق حياة الدير.

وفي سنة 1929، التي تصادف ولادة الملك الراحل الحسن الثاني، كما كان يحلو لها أن تقول، استقرت بالمغرب الذي كان يرزح تحت وطأة الحماية الفرنسية، مؤمنة بأفكار أول مقيم عام فرنسي بالمغرب المارشال ليوطي، وبالمهمة التحضيرية للحماية، لكن مع احترام وتكريس الهوية المغربية. وأثناء هذه الفترة، عملت بمستوصف علاج داء السل بالرباط، وتميزت عن مواطنيها باهتمامها العميق بالإسلام والمسلمين، وبدأت عملية تعلم اللغة العربية الفصحى والدارجة بمعهد الدراسات العليا المغربية، بذات المدينة، التي توجت بالحصول على شواهد عليا، في هذا المجال.

وبعد سنة من ذلك، أصبحت مديرة لمستوصف علاج داء السل بمدينة مراكش، لتنقطع نهائيا عن مزاولة هذه المهمة في سنة 1932، لأن تروثها العائلية تسمح لها أن تعيش في بحبوحة وفي حل من أي عمل إداري أو نشاط مهني. وهكذا كرست حياتها لدراسة أوجه الائتلاف والاختلاف بين الديانات التوحيدية الثلاث، من إسلام ويهودية ومسيحية دون اللجوء للتوفيقية، في هذا المجال.

وفي سنة 1939، التحق بها أبوها موريس وزوجته الثانية بمراكش، حيث توفي سنة 1947. وقد كان أبوها رجل قانون وبنكي ومن محبي الفن، وأصدقاء النحات والرسام الفرنسي الشهير أوكوست رودان. اقتنى مجموعة من اللوحات الفنية الانطباعية الهامة، التي قام فيما بعد بوهبها لمتحف الفنون الجميلة بمدينة ليل الفرنسية، وتم عرضها برواق برنهيم-جون بباريس، خلال الفترة الممتدة من 27 فبراير إلى غاية 11 مارس 2011.

ماسون وترجمة معاني القرآن بأسلوب أدبي رفيع

خلفت دونيز ماسون عدة مؤلفات تهتم بمقارنة الأديان والسيرة الذاتية، لكنها اشتهرت بترجمتها لمعاني القرآن الكريم الصادرة سنة 1967 في جزئين عن دار النشر كاليمار فيما يربو عن الألف صفحة، والتي كرست 30 سنة من حياتها لإنجازها. وقد صدرت هذه الترجمة بالحرف الأول من اسمها الشخصي وبكامل اسمها العائلي دون أدنى إشارة لجنسها، لتفادي النظرة المحافظة وردود الفعل الرافضة لفقهاء الإسلام الذين ألفوا تأليف كتب من هذا الصنف من متمرسي الاستشراق من الصنف الذكوري، الذين لهم باع طويل في هذا الجانب، وتم استحسان هذه الترجمة والترحيب بها لدى مختلف دوائر علماء الإسلام، معتبرين إياها محاولة لتفسير القرآن لا يمكن تقليدها، ومن بينهم الشيخ اللبناني صبحي الصالح الذي يصنفها ضمن أجود الترجمات أو بالأحرى أكثرها وفاء لمعاني القرآن.

ومنذ صدور هذه الترجمة، لا زالت تعتبر من المؤلفات الأكثر مبيعا وإقبالا، نظرا لأسلوبها السلس ومستواها الأدبي الرفيع، وتتجلى الأهمية الكبرى لهذا العمل البحثي ذي النفس الطويل في كونه يسر فهم وتدبر معاني القرآن الكريم للجمهور الفرنسي العريض، على عكس الترجمات الأخرى التي كانت، في أغلبها، نخبوية وموجهة للفئة المثقفة والعالمة.

وفي الفيلم القصير "دونيز ماسون، سيدة مراكش"، من إخراج ماري-كريستين كومبار سنة 2011، يقول الباحث والصحفي محمد حبيب سمرقندي، مدير مجلة "آفاق مغاربية" في شهادة له عن هذه الترجمة، بأنها من أكثر الترجمات استعمالا بفرنسا، خصوصا من طرف شباب الجيل الثاني من المهاجرين الذين لم تتح لهم الفرصة لتعلم اللغة الفرنسية، وبذلك تكون ماسون قد أسدت خدمة جليلة للأمة الإسلامية.

أما الراهب جاك ليفرا، دكتور في اللاهوت وصاحب عدة مؤلفات حول الحوار الإسلامي- المسيحي، فيشير أن ترجمة ماسون تتميز بكونها تتوفر على مشاعر دينية أثارت إعجاب علماء الإسلام، وقلما توجد في الترجمات السابقة، في الموضوع.

وفي سياق آخر، وبمناسبة تخليد الذكرى السابعة عشر لرحيل هذه المستشرقة المتميزة، أدلت المؤرخة بهيجة سيمو، مديرة الوثائق الملكية بالمغرب بشهادة في حقها، ذات صباح من سنة 2011، معتبرة إياها إنسانة فاضلة وعالمة موسوعية، تقلبت بين الآداب والفنون الموسيقية، ومؤكدة على كونها امرأة دين وصاحبة فكر ثاقب، يشهد لها بالمحبة للمغرب وأهله.

ورغم بعض المؤاخذات والانتقادات الموجهة لترجمة ماسون، فإنها تعتبر من أجود الأعمال في هذا المجال، حيث تقول عنها الباحثة الجزائرية مليكة سريسر بأنها تعد من أشهر الترجمات الفرنسية، وأكثرها تداولا، ومن أبرز المحاولات المعاصرة التي لقيت صدى واسعا، وتوفية إعلامية هائلة، ومباركة من الأزهر.

وبدوره، يعتبرها الباحث الإسلامي الدكتور محمد أكماضان ترجمة تتميز ببساطة الأسلوب، وبعدها عن الترجمة الحرفية، وحرصها على أداء المعنى مع مراعاة خصائص اللغة الفرنسية التعبيرية، مما جعلها تأتي بريئة من التكلف والتعقيد سواء في الألفاظ أو المعاني، بحيث يستطيع أن يفهما ويستسيغها كل قارئ عادي له حظ وسط من اللغة الفرنسية، ولو لم يكن من ذوي الاختصاص.

رياض درب زمران صومعة الراهب لسيدة مراكش

في سنة 1938، استقرت ماسون برياض كان يسمى رياض الحافيظي، بني خلال القرن الثامن عشر، ويحمل إلى اليوم اسمها بدرب زمران بحي باب دكالة. وقد تم اقتناء هذا الرياض، من طرف والديها وإهداؤه إليها كما هو الشأن بالنسبة لشقتيها بكل من باريس وفيل فرانس سور مير، حيث كانت تقضي فصل الصيف للاستجمام وهربا من حرارة وقيظ مدينة مراكش.

وبهذا الرياض، الذي قضت به ما يزيد عن ستين سنة من عمرها، والذي كان بمثابة صومعة الراهب أو برجها العاجي، كانت تستقبل العديد من الوجوه الفرنسية البارزة في مجالات الثقافة والفن والإعلام، نذكر منهم: الجغرافي والجيولوجي لويس جونتي، والمؤرخ جيل لا فوينت، والصحفية والباحثة في مجال الموسيقى فرنسواز فابيان، إضافة إلى عازفة الأورغ سوزان كيو. كما تمكنت في هذا المسكن من أن تعيش حياتها الغرائبية، التي كانت تتميز بالعزلة والعمل الجاد والدؤوب وندرة الأصدقاء والمعارف إلا من أولئك الذين كانت تربطهم بها علاقات عمل.

يعد رياض دونيز ماسون من المعالم التاريخية والسياحية والثقافية بمراكش. فبعد وفاة صاحبته، تم تفويت هذا الصرح للدولة الفرنسية، ليقوم بتدبير شؤونه المعهد الفرنسي بمراكش، جاعلا منه فضاء لاستقبال الفنانين من أجل الإقامة والتفرغ للإبداع، ولتنظيم بعض التظاهرات، مثل الندوات والملتقيات الدولية وورشات الفن التشكيلي.

توفيت دونيز يوم 10 نونبر 1994 بمكتبة رياضها بمراكش، التي قضت بها جل حياتها، ووريت الثرى بالمقبرة الأروبية بهذه المدينة التي عشقتها حتى النخاع. ومما جاء في شهادة، باللغتين العربية والفرنسية، على شاهدة قبرها أن هذه المستشرقة الفذة قد "اشتهرت بترجمتها للقرآن إلى اللغة الفرنسية، نهضت بهذه المهمة العظيمة، كما استقبلت لمدة ستين سنة برياضها الكائن بقلب مدينة مراكش كبار الفنانين والمثقفين، كاتبة وموسيقية ورائدة حوار الثقافات الأورو- المغاربية والديانات السماوية الثلاث، اختارت أن تهدي رياضها إلى فرنسا، وأن تدفن في تراب المغرب، البلد الذي أحبته، حيث تنعم روحها في طمأنينة".

دونيز ماسون بعيون الشاعرة والكاتبة نيكول دوبونشارا

نيكول دوبونشارا هي كاتبة وشاعرة وناقدة فنية روسية الأصل، ألفت كتاب "الآنسة ماسون، رسائل إلى شاب"، الصادر عن دار النشر طارق سنة 2009، وذلك خلال إقامة فكرية برياض دونيز ماسون، بتوصية وطلب من المعهد الفرنسي بمراكش ومصلحة التعاون والأنشطة الثقافية بالسفارة الفرنسية بالرباط.

ويندرج هذا العمل الإبداعي في إطار أدب الرسائل، إذ يضم مجموعة من الرسائل المتخيلة والمتبادلة بين دونيز وشاب متصوف يدعى ماركوس، استعرضت من خلالها هذه المستشرقة الفرنسية، بدون مواربة، آراءها ومواقفها حول عدة قضايا روحية وثقافية وسياسية.

وفي هذا الإطار، تقول المؤلفة دو بونشارا إن هذا العمل الأدبي يأتي نتيجة لتنفيذ اقتراح وجه للشعراء والروائيين، الذين يأنسون في ذواتهم القدرة على رسم صورة لدونيز ماسون، من خلال متخيلهم ودراسة حياتها والوثائق التي خلفتها، مضيفة أنها لم يطلب منها إنجاز سيرة ذاتية للمستشرقة الفرنسية الراحلة، ولم تكن رغبتها إنجاز هذا الجنس الأدبي.

دونيز ماسون بين الغياب والحضور

رحلت دونيز عن عمر يناهز 93 سنة، بعد حياة طويلة وحافلة بالمنجزات، حيث عرجت روحها بسلام من رياضها المنزوي في زقاق متعرج بدرب زمران إلى رياض أفسح وأرحب هو مدينة مراكش بعراقتها وروحانيتها ومباهجها، التي ضمت جثمانها وستبقى وفية لذكراها، وتلهج باسمها على مر السنين. لقد كانت الراحلة نسيجا وحدها، ومثالا يحتذى في مجال الاستشراق والدراسة المقارنة للأديان والبحث العصامي الذي لا يعرف أي كلل أو ملل، من أجل تيسير فهم معاني القرآن الكريم، وتقريب وتبسيط تعاليم الإسلام الحنيف للجمهور العادي من الفرنسيين والناطقين باللغة الفرنسية.

 

عبد الرزاق القاروني- باحث وصحفي من المغرب

 

علي المرهج

كنت قد تحدثت مراراً وتكراراً مع صديقي الأعز د.عصام العسل الذي كتب كتاباً عن السيرة الذاتية، فأسأله، لماذا لم يكتب مفكراً أو كاتباً عربياً اعترافاته في سيرته الذاتية، مُستثنياً شكري، بطريقة نُصدق بهذه السيرة؟.

وهو بطريقته المعهودة يُجيبني مُتجهماً "إشبيك علي" ليش أحنا نكدر نسولف على روحنا سيرتنا".

عصام يكتب مُنظراً لا باحثاً ولا شارحاً لسيَر المفكرين، منهم جان جاك روسو في اعترافاته، ومنهم أدورد سعيد في (خارج المكان)، ومنهم من قبل الغزالي في "المنقذ من الضلال" وبعده أوغسطين في كتابه "الاعترافات" الذي إستعاره مني نسخة قديمة فلم يرده ليَ، ولكن شكراً له، لأني تعلمت منه بعض من فن "السيرة".

ورغم أني لست بمستوى هؤلاء من المفكرين الذين ذكرتهم، فأنا كاتب مغمور، ولكن لطعم الرواية عن الذات بصدق، طعم المعالجة النفسية والتنقية الروحية.

بالتأكيد لم ولن أستطيع المصارحة بكل ما عشته، رغم أن كل ما فيه ليس مُثيراً ولا تظن أن فيه كثير من المفاجئة أو الغرابة، ولكن فيه بعض من عبرة لمن يظن أن النجاح صعب المنال لمن يعيش شظف العيش، فمن طلب العُلى سهر الليالي.

يقول روسو "أن تسجيل اعترافاتي لربما تكون حيلة ماكرة مني لتجميل ذاتي" في محاولة منه بحسب عبارته لممارسة "الاعتراف التجميلي"، ولكن ماذا في ذلك، فكل منا يسعى لتجميل بعض تقاسيم الزمن المرسومة على وجهه، فالنساء اليوم أكثر حظاً ومقبولية من الرجال في تجميل الجسد، وربما يكون هناك بعض من الرجال جملوا بصبغ الشعر أو بملبس أنيق بعض من أسى أيامهم.

لم أحاول تزويق ماضي ما عشت، ولربما يكون في هذا النزوع صناعة للتجميل خارج المألوف، فكثير منا يستلذ بصدق راو عن عيشه، ولكنه لا ولن يضع نفسثه موضع ذلك الراوي من حيث جرأته في الفصح والاعتراف عن تاريخ حياة مليئة بالبؤس.

لم أتحرر يوماً من نزواتي، ولم أكن مثالياً في رغباتي، فأنا إنسان أعيش عمري الماضي والآتي كما ينبغي أن يُعاش بحسب السن، بصباه وشبابه، والكهولة.

لم أندم ولن أندم على ما مر بي وما عشته بخيره أو شره، فمن نجاحاتي، إن كان في حياتي بعض من نجاح أنني عشت تحولات العمر، فصبايا (دعبل) و(جعاب) وصور (غرندايزر)، وشبابي (طلائع وفتوه) وعين على العراق بحزبه وحربه وقائده و (النخوة).

لم أكن شيطاناً رجيماً، كما حاول روسو أن يُظهر نفسه، ولم أكن ملاكاً من ملائكة الرحمة. كنت إنساناً له شغف في المعرفة، وله صراع ومحبة وتباغض وله نزوة.

حاولت الإيفاء بِدَين التربية لأمي، واجتهدت بالايفاء بحق الأبوة لأولادي، ولي مع والدي ذكريات وذكريات، فيها قساوة وبعض من الآهات، ولكن فيها صدق في الحوار وتقبل مني ومنه للنقد لعيشة صاغها هو بعيداً عنَا، بعد أن وُضعنا في صالة الانتظار، هي ليست بصالة إستقبال سوى لمن كانت حالته تحتاج الطوارئ، فكان أبي طوارئ حاجتنا حينما نكون في صالة الطوارئ، وبعدها يعيش حياته في الطول والعرض والإكرام والبذخ على كل قريب أو صديق عارض أو طارئ.

لم أفقد صديقاً يوماً، منذ الوعي بلحظات الطفولة، فمن لعبت معه (لدعبل) لا زال لي تواصل معه، ومن قرأت معه فلسفة وفكراً لا زال صديقي.

ولا أجمل نفسي ولا أمدحها، فلي خلافاتي وانتقاداتي لكثير ممن وجدت فيهم خُداع ونزييف في المعرفة، ولا أنقدهم كذوات، بل أنقد ما اهتموا به بسذاجة تبني أو شرح لموضوعات، ومنهم زملاء، وبعضهم فرضهم الزمن، فكانوا أساتذة لي درسوني، ولكنهم لا يفقهوا من الفلسفة شيء، إلَا أنني أشهد لهم بضِعة نفوسهم وبحفظهم لوصايا "القائد الضرورة" وتنظيراتهم لفكر البعث، ولكنهم درسوني، ولبعضهم خُلق وتواضع قلَ نظيره.

حاولت ألَا أكون نزقاً معهم، فنقدت تصرفاتهم وتحولاتهم من اليمين إلى اليسار، ولكنهم لم يتقبلوا صراحتي، وأعتبرها البعض تجاوز على ذواتهم، وأنا أصر أنها نقد لموضوعاتهم وطبيعة تحولاتهم الفكرية في الدفاع عن فكر القاتل حينما يكون القاتل حاكماً، والدفاع عن القتيل بأمر من الحاكم القاتل، حينما صار أصحاب القتيل بععد سقوط الحاكم القاتل قادة للحكم!.

لم أكن ناسكاً ولا صوفياً يوماً، فأنا الباحث عن تحقيق ذاتي، أشعل شموع القدرة التي في شبابي لتُنير بعض من ظُلمات وطن عشت فيه وتنسمت كثيراً من نسماته وعبيره وآهاتي، بل وحتى أحزاني وحسراتي.

لم أكن يوماً "خارج المكان" كما كان أدوارد سعيد، إنما كنت أنا المكان، وربما المكان أنا. أُُنطق المكان الذي عشت فيه، يحاورني وأحاوره، وأصنع منه مكاناً مُريحاً للعيش وإن أبى، فالمكان أنا، وأنا من يُصيغه ليُعيد تصميمه ألماً أو فرحاً، وحاولت، وفي محاولتي بعض من نجاح في تحويل المكان إلى خليل لي وصاحب يروم ما أروم ويحب ما أحب وفيه بعض البغض لما أبغض.

المكان هو العراق، وبعض من أجزائه أنطقتها وأخرجتها عن صمتها، قلعة سكر مدينتي العاشقة لضفاف نهر الغراف، وبغداد الذي عشقتها دجلتها، وأنا الحالم الآتي من رافد الغراف لدجلة، إلى "دجلة الخير" الأصل والأصالة، فكنت من بعض بقيا طيننتهما وعذب الماء فيهما، فلم يكن لي في الفرات سُقيا، فكل سُقياي دمع دجلة الذي كنت أظنه لا ينضب، ورافده الغراف الذي منه وبه أرتوي ولجرفيه ناظر عاشق مُستطيبُ.

سأستمر بكتابة سيرة هامشي، عاش على ضفاف نهرين، دجلة الأصل، وغراف الفرع، لربما، أو من المؤكد، سيكون للهماش بعض من حضور وتلقي لحكاياته عند من كانوا ولا زالوا يظنون أن "المتن" هو أصل، هو البداية والعمق ونهاية الحكاية.

لا تُكتب الحكايات اليوم عن سيرة ملك أو ملكة مثل الإسكندر، أو زنوبيا، ولا سيرة فارس مثل عنتره، إنما تُكتب عن الذين لم يُدون لهم الرواة من سدنة و"وعاظ السلاطين" سيرهم وحكاياتهم.

لا تحلو الحكايات اليوم عن "الجنية" و"النسورة"، وما أخبرتنا به جداتنا لنعيش في عوالم الخوف والدهشة المُفتعلة والرعب المجاني، ولا تحلو الحكايات عن هارون الرشيد ومجالسه، وبغداد التي تجني غلال أرض العالم، فهذه حكايات مللناها، إنما تحلو الحكاية عن عازف رام لقاء هارون الرشيد، فلم يستطع بسبب أفاعيل الحُجاب ورفضهم للقاء سلطان الأرض بفقير فِطرته خرق المألوف موسيقياً بفعل ما وهبته السماء.

وستحلو الحكاية حينما تكون عن "طباخ الرئيس" الذي لم ينل حظه من الوجود في الحكاية، سوى في الفلم المصري.

واليوم أنا فرح حينما أجد بعض أصدقائي ممن يظنون أن لا قيمة لرواية بعض من مُعاناتهم بدأوا يروون بقايا ذكرياتهم.

كانوا يمتنعون عن الروّي وإستذكار سيرتهم لأنهم يظنون أنهم من الذين وسمهم الله بأن يكونوا هامشاً، ولكنهم قبلوا أخيراً بروي حكاية صراعهم وكدهم وتعبهم كيف كانوا إلى أن صاروا أُناس فاعلين في الوسط الاجتماعي أو السياسي أو الأكاديمي الذي هم فيه.

 

د. علي المرهج

 

 

ضياء نافعسنحت لي فرصة اللقاء مع د. خليل عبد العزيز في موسكو اثناء مشاركته بالذكرى الخمسين لتخرّج دفعته من كلية الصحافة بجامعة موسكو، اذ نظمت كلية الصحافة احتفالية طريفة تكريما لخريجي هذه السنة الدراسية 2018 ولخريجي سنة 1968، وكان د. خليل من ضمنهم آنذاك، والذي وصل خصيصا من السويد للمشاركة في هذه الاحتفالية الجميلة، ورغم ضيق وقته جدا ومحدوديته، الا اننا استطعنا ان نلتقي كي ندردش (ولو قليلا)، ولكن هذه الدردشة (القليلة!) امتدت خمس ساعات بالتمام والكمال، وتشعبت الى العديد من المواضيع، ولهذا فاننا كنّا ننتقل من موضوع الى آخر (بسرعة البرق!) كي نكسب الوقت . كان الهدف الاول من هذا اللقاء السريع هو (استلام وتسليم !) كتبنا الى بعضنا البعض، فهو اراد ان يهديني كتابه (محطات من حياتي) وأنا اردت ان اهديه اصدارات دار نوّار للنشر (المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية، وأمثال شرقية مترجمة عن الروسية، ودليل بلدان العالم بخمس لغات، ودفاتر الادب الروسي 1، ودفاتر الادب الروسي 2)، وعن هذه الكتب بدأ (حديثنا السريع هذا!)، اذ قال لي د. خليل ان أحد قراء كتابه أخبره بضرورة ان تكون مقالتي حول د. خليل (عراقيون مرّوا بموسكو) في بداية كتابه وليس في نهايته كما جاء في الكتاب، لأنها تشرح للقارئ من هو مؤلف كتاب (محطات في حياتي)، ولكني ضحكت وقلت له ان القارئ يجب ان يطّلع اولا على مضمون الكتاب ثم يتعرّف بعدئذ على كاتبه . اضاف د. خليل، ان احد القراء كان معجبا بتسميتي له في مقالتي تلك ب (ابو يعكوب) أذ كان اسمه عندما كنّا ندرس في جامعة موسكو بالستينات - (يوسف الياس) وليس (خليل عبد العزيز)، فحكى لي كيف ان السفير العراقي بموسكو آنذاك شاذل طاقة دعاهم مرة الى السفارة وأخبرهم ان الدولة العراقية سمحت بتزويدهم بجوازات سفر، ولكن القنصل العراقي أخبر السفير، انه مدّد قبل اسبوع ليس الا جواز سفر المواطن (يوسف الياس) لصاحب صورة المواطن (خليل عبد العزيز) هذا . احتار السفير (والقنصل ايضا) بهذه المشكلة او (الورطة!)، وقرر السفير عندئذ ان يسحب جواز سفر (يوسف الياس) ويمنحه جواز سفر (خليل عبد العزيز)، فرفض خليل تسليم جوازه السابق، وبعد مناوشات طريفة بينهما (كانا يعرفان بعضهما من ايام الموصل في العهد الملكي، اذ كان شاذل مدرّسا وخليل تلميذا، وكان خليل يزوده بجريدة الحزب الشيوعي، بل اراد مرة حتى ان يكسبه صديقا للحزب، ولكن شاذل رفض ذلك رغم انه كان يستلم منه جريدة الحزب بكل سرور وحماس وقال له ان هذا الطريق لن يؤدي الى نتائج، وعندما التقيا اول مرّة بموسكو قال شاذل لخليل ضاحكا وباللهجة المصلاوية (كي يذكّره بما مضى طبعا) – أنا الان السفير وانت لا زلت طالبا !)، وهكذا - وبعد التي واللتيا - وصلا الى حل وسط لهذه المشكلة وهو، ان يطّلع السفير على جواز سفر يوسف الياس ثم يعيده له ويسلّم له جواز السفر الجديد باسم (خليل عبد العزيز)، وقد تم ذلك فعلا، فسألته ضاحكا، وماذا قال السفير عندما اطلع على جواز (يوسف الياس)؟ فأجاب خليل – لقد مدح شاذل (طريقة تدبير!) الحزب الشيوعي الدقيقة لهذا الجواز، ثم اوضح خليل لي، ان هذا الجواز كان حقيقيا وباسم ذلك الشخص فعلا، وان الحزب استطاع (الحصول!) على مجموعة من الجوازات الصحيحة ولكنه أبدل صور اصحابها الحقيقيين بصور اعضاء الحزب (وتم وضع ختم دائرة السفر على الصور الجديدة بواسطة قطعة بطاطا تتنّقل من الصورة الاصلية الى الصورة الملصقة جديدا !!!) الاعضاء الذين يريد الحزب تهريبهم وتسفيرهم الى خارج العراق نتيجة لظروفهم السياسية، وكان هو واحدا منهم (اذ كان محكوما بالاعدام)، وهكذا تمكن خليل من السفر بشكل رسمي من مطار بغداد. وقد حكى خليل لي قصة طريفة ترتبط بهذه المسألة، اذ انه قرأ مرّة في احدى الصحف البغدادية بيانا من مواطن عراقي اسمه (يوسف الياس) يعلن فيه، ان المقالات السياسية التي كانت تنشرها مجلات وكالة انباء نوفستي السوفيتية باسم (يوسف الياس) لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد.

انتقلنا بعدئذ الى الحديث عن مواضيع مهمة وكبيرة بل وخطيرة ايضا، ترتبط بتاريخ العرا ق المعاصر ومسيرة الاحداث فيه، وهي عديدة ومتشعبة جدا ولا يمكن تلخيصها ببضع كلمات او جمل ليس الا، وتتطلب مقالات خاصة وتفصيلية حولها، منهاعلى سبيل المثال وليس الحصر – كيف اطلق طارق عزيز على خليل تسمية – (عميل سوفيتي) عندما استقبله في مكتبه في وزارة الاعلام ببغداد للحديث حول مهرجان الفارابي، وماذا كانت ردود فعله تجاه ما قاله طارق عزيز له، او، كيف كان جواب خليل على سؤالي له حول ما ذكره د. سعد العبيدي في روايته الموسومة (حفل رئاسي) (وهي رواية حول احداث مجزرة قاعة الخلد عام 1979) بشأن برقية ارسلها بريجنيف من موسكو الى السفير العراقي مرتضى سعيد الحديثي في مدريد يحذره فيها من العودة الى بغداد ويدعوه للرجوع ضيفا في موسكو، حيث كان سفيرا للعراق، او، لماذا قال زيوغانوف (سكرتير الحزب الشيوعي الروسي حاليا) له، عندما شاهده في مجلس الدوما بموسكو قبل فترة ليست بالبعيدة– لقد كنت يا يوسف شيوعيا في موسكو، فلماذا اصبحت عميلا للامريكان الان ؟ و..و.. و..

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

عبد الجبار نوريببليوغرافية الفنان: الفنان التشكيلي "نبيل تومي" من مواليد بلدة الحبانية في محافظة الأنبار9-3-1952، عراقي مقيم في السويد منذُ 1984، دبلوم عالي من جامعة بيروت 1991، دبلوم عالي من جامعة التكنولوجيا السويدية في بحثهِ الموسوم ب(الشمس الطاقة البديلة) ومن أنجازاته الفنية شارك في أول معرض فني في ستوكهولم 1989 وحاز على الجائزة الأولى للأبداع، وشارك بما لا يقل عن 45 معرضاً في العديد من عواصم العالم، وهو أحد مؤسسي التيار الديمقراطي العراقي في ستوكهولم ولهُ العديد من الأسهامات في منظمات المجتمع المدني، وهو مؤسس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في السويد ورئيسها لعدة سنوات، وهو كذلك رئيس جمعية آشور الثقافية لدورتين، وعضو تحرير مجلة المنار العربية لسبعة أعوام .

كان عصريوم 4-6-2018 موعدنا مع أفتتاح المعرض الشخصي للأخ النبيل والصديق المحبوب "نبيل تومي"، وكان حقاً يوماً بهيجاً بحضور جمعٍ من الأصدقاء والأحبة والأكاديميين و حضرة السفير العراقي في السويد، وكان المعرض تحت شعار " الحب والجمال والسلام " وبهذهِ الكلمات الشفافة المرهفة ذات المعاني المؤثرة والتي تعتبر القاسم المشترك بين مثقفي العالم، وخصوصاً تعتبر من أبجديات مثقفي اليسار المتمدن ومحبي الحرية وطالبي الأمان والعيش الرغيد لمجموع البشرية على هذا الكوكب الجميل، وأنت تتنقل بين اللوحات المعروضة يبهرك ريشة هذا الفنان المبدع بفرض الفلسفة الواقعية الملتزمة بمزج مفردات البيئة من زهور برية وحصى البحر والأعشاب البرية وشرائح من خشب الغابات مع جميع ألوان الطيف الشمسي التي تلبسها فصول الدول الأسكندنافية المتميزة، والأشارة التي تجلب الأنتباه أن عبقرية الفنان المبدع نبيل حين أنطق اللوحات بعصا موسى السحرية لتعلن التفاؤل والبشائر في أدخال الفرح والسلام من خلال فضاءات الألوان، وخلال مشاهدة اللوحات الرائعة المبهرة أن صديقنا الفنان المبدع نبيل قد أستوعب وتفهم أحدث نظريات الرسم في الفلسفة التالية (أن الرسام يرسم ما يعرف لا ما يراه) هناك تجارب كثيرة لفنانين باقين في الذاكرة الفنية للتأريخ مثل لوحة (ليلة النجوم) لفان كوخ 1889 ولوحة (الصرخة) لأدفاردومنك 1839 ولوحة (غرنيكا) لبيكاسو 1937 ولوحة (الموناليزا) لدافنشي عام 1519 التي لا تقدر بثمن حيث وصل سعرها ل780 مليون دولار فأصبحت ملكاً لمتحف اللوفر في باريس، وقد كانت ريشة الفنان العراقي نبيل أيحاءات رمزية اللوحة للوصول إلى العالمية خلال تبني الفنان اليساري المناضل أرادة شعبه العراقي للوصول لخط النهاية حيث (التغيير) فوضع الفنان لوحة نافذة من سجني 1972 في أول القاعة ليذكرنا بأستلابات الدكتاتورية والحزب الشمولي، وفي لوحة مسارات الخطوط التي ترمز إلى تشابك القارات الخمسة لتوحي للناظر أنهُ أمام العولمة والعصرنة الحداثوية وكأن اللوحة تهتف : يا مثقفي اليسار أتحدوا !!!، ولوحة الدوائر المتداخلة ذات البصمات تعني توقيع الفنان التشكيلي نبيل تومي في ذاكرة الفن التشكيلي للعراق وحسب أعتقادي تمثل تمرد الفنان على الواقع التجريبي والتقليدي بل هي ضرب من التقنيات المتطورة للعمل الكلاسيكي، وهذا الفنان القدير أقتحم عالم الفن الحديث بتوأمة وتوليفة تأريخية جذورها تحكي آيديولوجية الأستبداد فقلب الفنان معادلة تلك الحكومات العبثية حيث يتلمس المشاهد التغيير من لوحة إلى اخرى بعدمية السكون فيمكن أن نطلق عليه فنان التحولات لعام 2018 .

تحية حب وجمال وسلام لأخي وصديقي ورفيقي " نبيل تومي" على جهده المثابرمتمنيا له المزيد من التألق

 

عبد الجبار نوري

كاتب عراقي مقيم في السويد

 

 

129 ايجور سيدتغص الساحة الأدبية الروسية بالمبدعين والباحثين عن مفاهيم وأشكال أدبية جديدة ، ولا يمضي يوم إلاّ وتصدر فيه روايات وبحوث جديدة وتعقد ندوات أدبية وتقام مهرجانات الكتاب في مختلف المدن الروسية . وقد عرضت في مهرجان الكتاب الذي أقيم في الساحة الحمراء منذ أيام الآف الكتب الجديدة الصادرة في مختلف أنحاء روسيا الإتحادية بينها مئات الروايات والمجموعات القصصية والشعرية لمؤلفين معروفين وغير معروفين من قبل، وتمنح الجوائز لهم.

ويبرز بين الباحثين الشاعر والرحالة والكاتب ايجور سيد في طرح مشاريع أدبية تظهر علاقة الإبداع بالبيئة والمكان أطلق عليها تسمية " جماليات المكان " التي تظهر علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة به من طبيعة ومدن وإبداعات تكنولوجية. وهذه المشاريع " الجيوشاعرية" هي بالضد من المشاريع " الجيوسياسية" التي تخمد الروح الإنسانية في عصرنا لكونها تخضع للمطامع المادية. هذه المشاريع " الجيو شاعرية" ذات صفة إبداعية تعيد المرء الى موقف الإنسان البدائي من البيئة المحيطة به وإغناءه روحيا بجماليات الاماكن التي يقطن فيها. فهو يتأمل جمال الطبيعة من زهور وغابات وأنهار وجبال ويجد متعة في ذلك . وفيما بعد حاول الإنسان أن يجسد مشاعره إزاءها في الصور والمنحوتات وغيرها من أصناف الفنون ، وكذلك في الأشعار والأعمال النثرية.

وحاول ايجور سيد في مشروعه الأدبي الجديد عندما شكل في عام 1992 مجموعة من الشعراء بإسم "شبه الجزيرة "، أو " نادي القرم بموسكو "، ضمت عددا من شعراء القرم وموسكو، ووضع هدف للمجموعة هو ربط الشعر بالمكان والبيئة المحيطة بالإنسان. وسار أعضاء هذا النادي في هذا الدرب على خطى الشاعر الاسكتلندي الفرنسي الأصل كينيث وايت رائد هذه الحركة الأدبية الذي جذب إهتمام الأوساط الادبية الروسية بعد زوال الإتحاد السوفيتي. وإستخدم سيد في ذلك بالإضافة الى مقالاته الصور الفوتوغرافية الشخصية للأماكن التي زارها في تجواله في روسيا والعالم وتراه يرفق كل صورة فوتوغرافية بنص شعري يستوحى من أنطباعاته عن المكان. ويورد المؤلف قول الكاتب م.جاسباروف:" لقد إنتهى عصر رجال السياسة وتحل "شاعرية المكان" محل " سياسة المكان"(الجيوشاعرية بدلا من الجيوسياسية). وكان أول ميدان لها هو القرم الذي يمثل الرابطة بين البر والبحر ، والغرب والشرق- وهذا شئ طبيعي تماما..". وبرأيه إن الاحداث الأخيرة في العالم تشير الى تحول البحث من الخطاب التاريخي الى الخطاب الجغرافي او الطوبوغرافي. ويطلق عليه مصطلح " الإنعطاف المكاني"(space turn). ومفهوم "جماليات المكان " يتطور في إطار هذا الإتجاه بالذات.

وينطلق الكاتب ايجور سيد من علاقة الإنسان بالمكان في تحليل واقع المجتمعات في مختلف بلدان العالم التي زارها من اليمن الى مدغشقر والمغرب ومصر والقطب الشمالي وجبال تاناناريف والاورال والقرم. ويصل الى إستنتاج فلسفي هو أن الانظمة الشمولية ذات النمط "الأسيوي" الموجودة في مختلف البلدان قد دبت فيها الشيخوخة وتهدد البشرية دوما بنشوب حروب شاملة جديدة. وهذا يعني نهاية التاريخ . ولابد من وضع حد للمجابهة الخطرة بين الحضارات العالمية، ويتم ذلك بإجراء دراسة معمقة للطبيعة البشرية. ولكن واقع الحال يدل على عدم الكفاية في معرفة هذه الطبيعة ، وغموض سبل درء الكارثة الشاملة المتمثلة في قيام حرب عالمية او حرب أهلية ، كما هو الحال في بعض بلدان الشرق الأوسط اليوم.

إن علم الانثروبولوجيا عاجز الآن عن بحث تركيب ودوافع الممارسات البشرية ، ومثالها الإرهاب، ولابد من طرح التوصيات بشأن درء هذا الخطر. وبرأيه إن المسألة لا تكمن في دراسة الدوافع النفعية (البراجماتية)، بل في البحث الانثروبولوجي البحت المرتبط بالسلوك الإنساني. بيد إن إمكانيات هذا البحث ما زالت ضيقة. ولابد من بناء البحث على أسس جديدة. فعلى سبيل المثال الإنطلاق من إعتبار ان البشرية تسير نحو التقدم حتما ، والقوة المحركة لهذا التقدم هي الصراع الثنائي بلا هوادة ولكن المثمر بين فئتين: من الطبقات والطوائف والنخب والاجيال والاجناس وهلمجرا. ولكننا لا نعرف ما هي الدوافع التي تشكل خط الجبهة الدائم الذي يحشد التقدم الحضاري المنشود. وهنا لابد من تذكر الإنسان البدائي الذي يعتقد بعض الدارسين بأنه حقق تقدما حضاريا كبيرا، ولا سيما في مجال الفن التشكيلي. وتم التأكد الآن من أن جميع الرسوم المحفورة في الصخور هي من صنع يده. فقد كان هذا الانسان في صراع دائم مع الطبيعة القاسية والحيوانات المفترسة مما جعله يتفنن في وسائل حماية نفسه وابتكار أشكال الأدوات لممارسة الصيد ومن ثم الزراعة والصناعة ودفع حركة التقدم الى الأمام.

يتحدث الكاتب في مقالاته بين حين وآخر عن "طوباوية الثقافة"، لكن "جماليات المكان " تتعامل بالدرجة الأولى مع أماكن محددة قائمة، أما الطوباوية فهي مفهوم ضيق لكنه لا يقل عن ذلك أهمية بالنسبة لهذه الجماليات. ويرى الناقد الكسندر ليوسي إن الطوباوية لا توجد من دون ضد الطوباوية ، كما لا توجد " الجيوشاعرية" بدون " الجيوسياسية". فالطوباوية هي شكل لطرح المسألة، أما الضد منها فهو طرح النماذج الفاشلة في تطبيقها.وسيد يفضل تجسيد القدرة الطوباوية تحت شعار " لنكن واقعيين، ونطالب بالمستحيل أيضا". ويرفض الكاتب العنف بكافة أشكاله في تحقيق هذا الهدف في السياسة. ويعتقد إن " جماليات المكان" تتعامل مع نماذج البيئة الجغرافية والأساطير من حيث موضع الإنسان الوسطي في المكان من الناحية السيكولوجية والجمالية وليس الموضع الجغرافي.

وذكر سيد مرة إن علاقة الإنسان بالمكان وبالوسط الجغرافي ذات سمة "طابو" ،وهي تدفع بنفور وتشل الوعي في إدراك رد الفعل في هذه المواضيع. ويبدو الموضوع وكأنه قد أصابه السحر ويدفع الباحث بعيدا لدى التوغل في هذا الموضوع.

وتحتل الصور الفوتوغرافية مكانة بارزة في كتب ايجور سيد . فنراه يكتب في كتابه الصادر مؤخرا بعنوان "جماليات المكان – انطباعات عن البعثات" تحت صورة عمارة يعقوبيان في القاهرة التي زارها بعد أن قرأ رواية علاء الأسواني المترجمة الى الروسية :ثمة لعبة للأطفال بعنوان " الحج الأدبي". حينما طالعت رواية الأسواني حلمت أن أرى هذه العمارة حيث تشابكت مصائر العديد من الناس البسطاء ، غير المصريين جدا...ولكل واحد منهم لعبته في قصر التيه هذا . ويلعب جميع الأبطال أدوارهم – بإستثناء النذل الرئيسي ، رجل السياسة الثري الواسع النفوذ ( فهو مخلص دوما لذاته الدنيئة )، والزوجين الحلوين :زير النساء العجوز والحسناء اتي كانت سابقا خطيبة لأحد المتطرفين وجارية لدى صاحب محل خياطة. إن العمارة قد أثارت خيب أملي ، لكن خيبة الأمل هي الهدف السري والرئيسي لأي حج (وليكن صعب المنال).

وكتب تحت صورة بوابة في مراكش يقول: إن النظرة الخاطفة الى اللحام البدائي ، كيفما إتفق، لزخارف البوابة في أحد أزقة مراكش الهادئة قد جعلتني لا أبعد بصري عنها بدهشة! إن المغاربة وبالاخص أبناء مراكش قد ذاع صيتهم في صنع أفضل الزخارف لمبانيهم، وعموما لأماكن سكناهم. ولسبب ما كنت أشك بذلك قبل هذه اللحظة.

واشار في تعليقه على صورة أخرى في أثناء جولته في مدغشقر : تقطن قبيلة انتاندروي(تعيش في الإقليم الشوك) وسط منطقة تغمرها الأشواك فعلا أكثر من أية منطقة أخرى في العالم. فقد كانت هذه المنطقة الواقعة في جنوب مدغشقر قاحلة خلال ملايين السنين ونمت فيها هذه النباتات الشوكية الغريبة. وقبل مائتي عام كانت تحصد فيها نباتات التين الشوكي والصبار الأمريكي.. وأعتقد ان قبيلة انتاندروي قد بقيت القبيلة الوحيدة الساكنة هناك من مجموع 19 قبيلة في جزيرة مدغشقر.

وكتب تحت صورة أخرى: لم تسنح الفرصة لدى خبراء الذرة لجلب النقود النووي الى مفاعل المحطة الكهرذرية في القرم ، بعد ان عارضت ذلك جمعية "البيئة والسلام" التي طالبت بتحويل المحطة الى استخدام الوقود غير النووي. فوقع جورباتشوف في عام 1989 مرسوما بذلك بعد مضي عام من نضالنا. لكن لم يتم تحويل المحطة الى استخدام الوقود العادي فتم تقطيع هيكلها الضخم المصنوع من التيتان تدريجيا وبيع الى مجهولين. وتركت بقايا المحطة البائسة في براري قزانتيب.أما صدى ذكراها فيتردد في الصفير في الهيكل المكعب الخالي من البشر لدى هبوب الرياح.

وهكذا يقرن الكاتب مقالاته حول علاقة الإنسان بالمكان بالصور الفوتوغرافية التي يلتقطها خلال جولاته الكثير في روسيا وخارجها.

*ايجور أوليجوفيتش سيدورينكو، ولد في كانون الثاني عام 1963 في مدينة جونكوي في القرم، شاعر روسي وكاتب ومترجم وصحفي ورحّالة، ومنظم المشاريع الثقافية العالمية.

 

موسكو – عبدالله حبه

      

محمد عبد الكريم يوسفثقافة البوح تكثر في الملاحم الأدبية والقصائد الشعرية والأدب الصوفي ولكنها تقل أو تكاد تنعدم في الحياة اليومية وخاصة بين أشقاء الروح ، ويجتهد المجتهدون في تبرير البرودة العاطفية بين الأحبة بأقنعة وأشكال شتى يأتي في مقدمتها كبرنا على هذا الكلام وفي حقيقة الأمر ما كبرنا ، وعلينا دائما أن نعود للبدء والعود أحمد . هي الحياة بقواعدها واستدامتها إن أحسنا القراءة والاستخلاص من بين السطور .

وضع الشاعر التركي ناظم حكمت الأمور في نصابها في أجمل أبيات من الشعر الجميل حيث تفوح رائحة السوسنة وعطر الزهور حين قال:

منذ أن وطأت قدماك أرض غرفتي

أورق البيتون وصار أخضرا

بعد أربعين عاما ، أورق البيتون وصار أخضرا .

عندما قرأت هذه السطور في ديوان ناظم حكمت شعرت وكأنه يتحدث بلساني وكينونتي إلى الأبد ، لو لم يكتب ناظم حكمت هذه الأبيات لكنت بادرت بكتابتها رغم أن الفارق في السن بيني وبين حكمت يقارب السبعين عاما .

عندما دخلت السوسنة في حياتي أورق البيتون المسلح وصار أخضرا وبدأت الحياة تدب في عروقي فهي الصديقة والحبيبة وهي شريكتي في كل المحن . الحياة سجن كبير لا يمكن الانعتاق منه إلا بحب الحياة والاستدامة في الحب والانسياب الطوعي في لجج المحبة . الأنثى في حياتي نسغ حياة وعصير من روح الإله تدخل ردهات عقلي وتفاصيله وترفعه في لمحات استغراقية طويلة لا أستفيق منها . الاستغراق بعدٌ فلسفي رابع ، ومن يمتلك ثقافة الاستغراق يحول المستحيل إلى ممكن.

عندما دخلت السوسنة في حياتي برعم الزهر واخضرت الأرض فهي تؤمن أن الذهب الخالص يكون في العقل وليس في اليد وأن الحلي الحقيقية هي ما يمتلكه الإنسان من خير ومحبة وعرفان بجميل . عندما أعود للبيت مساء أبوح لها بتجربتي خلال النهار فتلملم كلماتي بأبعادها في مسافة تناظرية قلما يمتلكها شريك في الحياة .

عندما دخلت السوسنة في حياتي تعلمت احتساء الأحلام وتعلمت الاستغراق وصار المونولوج الدرامي جزءا من هواجسي اليومية . كنت أصيغ الأحلام قصصا ورؤى مستقبلية وكنت أنزف الكلمات فتتولد المعرفة كغصن ريحان وجزع سنديان . قلت لها ذات مرة : "أنت جذري في الأرض " فأجابتني : " وأنت أغصاني الممتدة عاليا في السماء " . صرت أرى فيها السنديانة التي أستريح بظلها ، أغفو كطفل ينام في حضن أمه تداعب النسمات شعره فيهفو ويغفو ويحلم في طقوس عبادة لا تنتهي ولا يريد لها أن تنتهي .

عندما دخلت السوسنة في حياتي صارت الألوان أكثر زهوا فهي تتمنطق بالحب وسكينة الروح والأمل وتستنطقني كل مساء فلا أنام على همّ قديم وزرعت في رأسي أن كل صباح بداية جديدة وأنني يجب أن أكون ابن اللحظة فلا أنام على همِّ قديم .

عندما دخلت السوسنة في حياتي بدأ الكون يتغير في عيني وصرت أطمح للتغيير والتحسين وصرنا نتجه صوب قريتنا مسقط رأسنا لنعيش اللحظة فأنجزنا بالتصميم بيتنا الريفي وحديقتنا التي لا ننساها وتلفت نظر من يمر بجوارها فيسرق لحظة جميلة يخلدها بصورة وصارت محجتنا ومركز استجمامنا فالبيت الريفي في نظر السوسنة قيمة فكرية لا تباع ولا تشترى فيه نمارس جنوننا والتصاقنا بأمنا الأولى الأرض ، نقلب حياتنا ، نبتعد عن المجتمع والتقنية والتكنولوجيا لنستمتع ببوح الزهور ونستخلص دروس الحياة وعبقها فالحياة في المدينة وبسبب البيتون تجعلك قصير النظر أما في الريف وبسبب الانعتاق الروحي والبعد الشاسع تتعلم بعد النظر. تنظر للكون الفسيح وتتشارك مع الناس حب الحياة .

برعمت حياتي مرتين وتجدد خضارها تماما كما يتجدد الربيع في بلادي . الأولى عندما دخلت السوسنة في حياتي ، والثانية عندما صار توأمنا شبابا . نور تشبه أمها في كثير من الأمور وهي أشد منها في مراقبتي وتدقيق تفاصيل حياتي أما كرم فيشبهني كثيرا في الكثير من الأشياء . يتحدث الأولون عن شجرة العائلة وأنا شجرتي لا زالت صغيرة تبرعم في الربيع وتهفو نحو الغد .

أسأل السوسنة دائما : أنعيش حتى نصير جدا وجدة ؟ فتبتسم وتقول : "من يدري . كل شيء ممكن. " أروي لها الحكايات المستقبلية وأقرأ لها الكثير من ترجماتي ومقالاتي وكتبي وهي أول من يقرأ وآخر من يعلق وتصدقني دائما فيتحول الحلم إلى واقع وتتحول الأحرف إلى أفكار أصوغها بلهفة العاشق، فتنتشر على الصفحات في كل دول العالم وبثلاث لغات هي العربية والانكليزية والفرنسية . السوسنة آخر من يدقق صياغة الكلمات وأول من يقرأها على الصفحات البيضاء والصفحات الالكترونية .

هي المعافاة ورجعة الروح وعودة الوعي . هي استقراء سليم غير ارتجالي للمكونات النبيلة في هذا الوطن الجميل – السوسنة – والمعافاة إنما تكون بالاستنطاق الحي للكلمة . الكلمة تدمي مرتين عند اختزانها في قلوبنا وعند البوح بها . ألستم معي في ذلك ؟

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

ضياء نافعسبق ان نشرت مقالة بعنوان: (ملاحظات حول تشابه اسماء الادباء الروس)، وتناولت فيها هذه الظاهرة الخاصة بالادب الروسي، وتضمنت تلك المقالة اشارة الى اسمي تولستوي وأستروفسكي، وقد توقفت بتفصيلات اوسع عند اسم تولستوي في مقالة لاحقة، وكان عنوانها: (تولستوي الاول والثاني والثالث في الادب الروسي)، والتي حظيت بردود فعل طريفة وعديدة من قبل القراء، واتوقف الان عند الاسم الآخر، الذي ورد في تلك المقالة، وهو: أستروفسكي.

قدّم اليسار العربي اسم أستروفسكي للقراء العرب باعتباره نموذجا بطوليا خارقا لمسيرة الادب الروسي في الفترة السوفيتية، وذلك عبر روايته المشهورة: (والفولاذ سقيناه) كما كنّا نسميها آنذاك في العراق، او (كيف سقينا الفولاذ) كما استقرت تسميتها في الترجمات العربية لاحقا (بترجمة غائب طعمه فرمان)، وعندما وصلنا في بداية ستينات القرن الماضي للدراسة في الاتحاد السوفيتي، كنا نعرف قليلا عن هذا الاديب، اذ اننا سمعنا عن ذلك التمجيد له في الاوساط اليسارية (بعد 14 تموز) في العراق، ولكننا لم نكن نعرف بتاتا اي شئ عن الكاتب المسرحي الروسي استروفسكي (وهو بنفس الاسم)، والذي شاهدنا تمثاله المهيب امام مسرح (ماللي تياتر) في مركز موسكو(والتمثال هذا لا يزال هناك طبعا)، واعتقدنا انها للروائي استروفسكي، مؤلف تلك الرواية المذكورة آنفا.

الاسم الكامل للروائي هو – نيقولاي ألكسييفتش أستروفسكي (1904 -1936)، أما الاسم الكامل للكاتب المسرحي فهو – ألكساندر نيقولايفتش أستروفسكي (1823- 1886)، ويميّز الروس بينهما ببساطة، اذ انهم (الروس) يشيرون الى الاسم واسم الاب ليس الا ويميّزون بينهما بدقّة، أما نحن – الاجانب – فقد كان الامر صعبا علينا، ولهذا، ومن أجل أن نميّز بينهما، فقد أطلقنا عليهما صفتين مختلفين – فالاول حسب التسلسل التاريخي (الكاتب المسرحي) أسميناه (أستروفسكي الروسي)، والثاني (الروائي) أسميناه (أستروفسكي السوفيتي)، وهي تسميات ذات نكهة شبابية ساذجة طبعا، الا انها طريفة، ولهذا ثبّتها عنوانا لمقالتي هذه.  

الكاتب المسرحي، او، استروفسكي الروسي، هو شكسبير روسيا بلا منازع وكما تسميه اوساط النقد الادبي في روسيا منذ القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من الحدبث عنه هنا وهناك في عالمنا العربي (انظر مقالتنا بعنوان – استروفسكي شكسبير روسيا)، الا اننا – نحن العرب - لازلنا بعيدين جدا عن استيعاب اهميته في تاريخ الادب الروسي ومكانته في مسيرة الادب المسرحي بروسيا، اذ انه يمثّل أحد اركان الادب المسرحي الروسي ولحد الان ، ونحن في القرن الحادي والعشرين (وليس ذلك بالقليل !)، وهو الاديب الوحيد في تاريخ الادب الروسي، الذي حرص ان يكتب مسرحية جديدة كل سنة منذ ان بدأ يكتب للمسرح، وطوال حياته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت الاوساط الادبية الروسية تنتظر مسرحيته الجديدة وتتلاقفها وتعرضها رأسا على خشبات المسارح الروسية في موسكو وبطرسبورغ وغيرها من المدن الروسية، والارقام والوقائع وحدها تبين وتثبت هذه الظاهرة الفذّة والفريدة في تاريخ الادب المسرحي الروسي، اذ كتب استروفسكي (47) مسرحية، وتم انتخابه رئيسا لجمعية كتّاب الادب المسرحي الروسية منذ عام 1874، وبقي يشغل هذا الموقع الاعتباري الرفيع الى وفاته عام 1883، وقد منحه قيصر روسيا راتبا تقاعديا مجزيا، من اجل ان يتفرّغ للكتابة الابداعية بعد ان برز في هذا المجال (وهي ظاهرة نادرة جدا في التاريخ الروسي والعالمي ايضا)، ولازال اسم استروفسكي مطروحا في ريبورتوار المسرح الروسي لحد الان، اذ لا يمر موسم مسرحي روسي دون اعادة عرض لمسرحياته، اضافة الى ان السينما الروسية قد انتجت (38) فلما مقتبسا من مسرحياته، ويسعدني ان أشير هنا، الى ان الفنان العراقي الكبير المرحوم قاسم محمد (وهو خريج المدرسة السوفيتية) قد اقتبس ايضا من مسرح استروفسكي مسرحيته الشهيرة – (الحب والربح)، التي قدمها في بغداد في حينها .

أما استروفسكي السوفيتي كما اسميناه، مؤلف رواية – كيف سقينا الفولاذ، فانه ايضا بحاجة الى دراسته من قبلنا – نحن العرب - بشكل موضوعي دون شعارات سياسية جاهزة و معلّبة، دراسة نقدية علمية دقيقة تضع النقاط على الحروف كما يقال، دراسة تحدد مكانته الحقيقية في مسيرة الادب الروسي، وتلك مهمة كبيرة تنتظر رجالها من المتخصصين العرب.

 

أ.د. ضياء نافع

        

 

126 علي حسين علواند.علي حسين علوان العامري تدريسي في كلية العلوم للدراسات الاولية والعليا في الجامعة المستنصرية، شغل منصب مقرر قسم علوم الحياة للدراسات المسائية،ورئيس قسم علوم الحياة وكالة للفترة 2010، وكان رئيس اللجنة المالية للندوة الوطنية للتدرن في 2012 وعضو لأحد كوادر المكتب الاستشاري في تقييم الاثر البيئي في وزراة البيئة لعام 2017. وعضوا للجنة جمع التبرعات للحشد الشعبي المقدس والجيش العراقي الباسل. لديه مشاركة في دورة (تحقيق متطلبات اكتساب نعامل التأثير للمجلات العلمية) . لديه من البحوث العديد المنشورة عالميا ومحليا واشرف على العديد من الرسائل والاطاريح من طلبة الماجستير والدكتوراه . والان يحقق انجازا علميا حائز على تقييم وبراءة اختراع لبحث سجل عالميا وفق الضوابط العلمية والموسوم تحضير وتشخيص مشتقات جديدة من دواء السلفا تحتوي حلقة 4- ثايوزوليدينونز ودراسة الفعالية المضادة لانواع مختلفة من البكتيريا. حيث تكمن خلاصة البحث بتحضير وتشخيص مشتقات جديدة من دواء السلفا تحتوي حلقة 4-ثايوزوليدينونز ودراسة الفعالية المضادة لانواع مختلفة من البكتيريا، وكما معلوم ان السلفاميثوكسازول هو دواء شائع الاستخدام في علاج التهابات المسالك البولية، التهاب السحايا، التهاب البلعوم، الزحار العصوي، التراخوما، القريح، الملاريا، داء المقوسات، داء النوركارديات والتهاب ملتحمة العين المتسببة بواسطة الكائنات الحية الدقيقة، ألا ان هنالك العديد من سلالات المكورات السحائية والمكورات الرئوية والعقديات، المكورات العنقودية، كولاي والمكورات البنية هي الآن مقاومة للسلفاميثوكسازول . حيث يعتبر السلفاميثوكسازول فعال ضد كل من البكتيريا السالبة والموجبة لصبغة غرام مسبباً تثبيط النمو بواسطة ارتباط تنافسي لانزيم مخلقة الدايهايدروبترويت فضلاً عن آلية أخرى اذ أظهرت أن السلفوناميدات تمنع نقل أحماض الجلوتاميك عبر الغشاء الخلوي والتي تعتبر عنصرا أساسيا لتخليق حمض الفوليك، ونظراً لتزايد استعمال العوامل المضادة للبكتيريا بشكل عام ومركبات السلفا بشكل خاص، وكذلك نتيجة لزيادة مقاومة هذه الجراثيم للتأثير التثبيطي او القاتل لهذه المركبات اصبح من الواجب استحداث مركبات او مشتقات ذات فعالية تثبيطية او قاتلة اعلى واوسع طيفاً من المركبات السابقة، وكذلك اقل كلفةً من حيث التصنيع فضلاً عن تصنيعها محلياً وبمواصفات عالية من حيث الامان في استخدامها وبتراكيز اقل من المركبات السابقة وبل أمكان تطويرها في حالة ظهور سلالات بكتيرية مقاومة لهذه المركبات حديثة التصنيع، لذلك قام د. علي العامري ومجموعة اساتذة صيدليين وهم كلا من : (الدكتور منذر فيصل مهدي استاذ في الكيمياء الصيدلانيه واستشاري الكيمياء الصيدلانية في وزارة الصحة، عضو جمعية الكيميائيين الامريكية و الصيدلانية شهلاء زهير عبد المجيد التدريسية في كلية الاسراء الجامعة) . بتحضرت سلسلة جديدة من مشتقات السلفاميثوكسازول محليا تحتوي على حلقة -4- ثايوزوليدينونز(مركبات IV(a-f)) وقيست نقاوة هذه المركبات المصنعة وفقاً للمواصفات العالمية والتي شملت تحديد الخصائص الفيزيائية (نقطة الانصهار وقيم معامل التعويق)، وتم التاكد من ارتباط المجاميع الفعالة باستخدام تقنية مطياف الاشعة تحت الحمراء والتحليل الدقيق للعناصر والتي اجريت في كلية الصيدلة/ الجامعة المستنصرية وكذلك تم اجراء فحص الرنين المغناطيسي النووي للتأكد من خارطة العناصر(H،C) المكونة للمركبات الجديدة (I-IV(a-f)) وقد اجري الفحص في الجامعة الاردنية/ كلية العلوم/ قسم الكيمياء في مختبر الرنين المغناطيسي باستعمال جهاز ذو تردد (500MHZ)، تم تقييم المركبات كمضادات للجراثيم ضد البكتريا السالبة والموجبة لصبغة غرام. قييم التأثير المضاد لانواع مختلفة من البكتريا والتي شملت Escherichia coli& Klebsilla pneumoniae السالبة الغرام و Staphylococcus aureus& streptococcus pyogenes الموجبة الغرام خارج وداخل الجسم الحي، واظهرت نتائج التقييم المضاد للبكتريا بأستخدام اربعة عشر مركباً ان المركبات (IV(a-f)) بتركيز (500،250،125،62.5) مايكروغرام / مليليترهي الاكثر تأثيراً على البكتريا المستخدمة على الاوساط الزرعية، واستخدمت هذه المركبات الاكثر تأثيراً في وقاية الفئران المختبرية من الاصابة بالمسببات المرضية السابقة بعد حقنها بالبكتيريا، واظهرت النتائج ان الحيوانات التي حقنت بالتراكيز المناسبة من المركبات السابقة قاومت الاصابة مقارنة بحيوانات السيطرة والتي حقنت بالمسببات المرضية فقط حيث ادى ذلك الى موتها خلال ايام.

من خلال نتائج الدراسة استنتج الباحثين: تصنيع هذه المركبات محلياً بكلف اقل، ذات تأثير اعلى من المركبات المشابهة وبتراكيز اقل ومن الممكن استخدامها وقائيا، وفي النهاية تشجع هذه النتائج على اجراء تقيمات اخرى لهذه المركبات لأنشطتها المختلفة كمضادات للميكروبات .

 

د.ايات حبه - صحيفة المثقف

 

 

عبد الاله الياسريالمصلح الكبيرالشيخ محمد رضا المظفّر (1322هـ ــ 16 رمضان 1383 هـ)، عرفته وهو في اواخر كهولته، يوم كنت صبيّا قبل البلوغ بين الثانيةَ عشرةَ والثالثة عشرة. . كان رشيق القوام، ربعةً. تتدلّى على صدره ذؤابة بيضاء من عمامته، فتزيده جمالا على جمال. وسيم المحيّا، ذا عينين يشعّ منهما الذكاء والجدّ والحزم. سريع الخطى، حين يمشي ينطلق كالسهم لا يشغله عما توجّه اليه ما يشغل الناس في الطريق. مفرطاً في التدخين حتى لأكاد أتخيّل بعض صفرة لاحت على شاربه الذي وخَطَه الشيب. بسيطاً في ملبسه. زاهداً في مأكله، يذوق مجاملة ما يُقدّم اليه بعد الصلاة في شهر رمضان ولايأكله أو يحمله معه، ولكنْ يعطيه رجلاً مسكيناً يجلس عند باب المسجد. . وكان رخيم الصوت حين يجهر بسورة الفاتحة وسورة قصيرة بعدها اثناء صلاة المغرب والعشاء. متعجّلا في قراءته. متعجّلا في ركوعه وسجوده. وربّما تكلّف ذلك التعجّل، لكي لايُؤخِّر المصلّين طويلاً عن أعمالهم التي أوقفوها، وجاؤوا لصلاة الجماعة. ولم يكن عدد المصلين الذين كان يأمّهم من ذوي الحوانيت جوار مسجد (المسابج) إلا بضعة أشخاص. وما كان أكثرهم يحسب أن هذا الشيخ (المظفّر) المتواضع مرجعاً دينيّاً قد بلغ درجة الإجتهاد في العلم ــ إذ كانت تلك الدرجة العلمية في النجف تحاكي عند الناس درجة الملوك والرؤساء في العظمة والحيطة والرخاء ــ بل كانوا يحسبونه مجرد إمام مسجد لاغير.

في يوم نجفيّ شديد العجّ (سنة 1962او1963)، لزم والدي المصدور الدار، وأمرني بأن أخبر الشيخ (المظفّر): أنّه يأسف لعدم إستطاعته الحضور في الموعد المحدّد للذهاب معه الى المكان المقام فيه حفل الزفاف لأحد اٌقاربنا لإبرام عقد النكاح ؛وأنّي أنوب عنه. وما أن أتمّ الشيخ (المظفر) الصلاة حتى تقدّمت اليه مسلّماً، وأخبرته ما أمرني به السيّد الوالد. لم يمتعض من ذلك ولم يعلّق، وكأنّ استبدال الوسيلة المتفّق عليها بوسيلة اخرى لايعني أيّ شئ عنده مادامت الغاية باقية هي هي ويمكن تحقيقها بالوسيلة الثانية. هكذا أفسّر ردّ فعله وانا في مثل سنّه اليوم. على ايّة حال. رافقني مشياً من محلّة (البراق) الى محلة (المشراق) بمدينة النجف، وهو يسألني طول الطريق عن مدرستي الإبتدائيّة: معلّميها وتلاميذها ودروسها، وعمّا أحبّ فيها وما لاأحبّ. لقد أراني من الحدب الابويّ والتربويّ مالم أرَه من أب أو معلّم في تلك الرفقة الخالدة في الذاكرة. ولمّا وصلنا الى الدار، دخلت أنا ووقف الشيخ الجليل عند الباب ينتظر الإذن بالدخول. ولقد اطال عليه ربّ الدار الإنتظار لجهله قدره وقيمته كما أطالت عليه العروس الإنتظار من بعد . فما كادت تقول "نعم"على صيغة العقد التي اخذ يعيدها ويعيدها إلا المرّة الأخيرة. أنجز الشيخ (المظفر) واجبه الشرعيّ ــ كما كان يعتقد ــ وهنّأ من كان قربه من الحاضرين بالزواج، وانصرف مسرعاً خارجاً من الدار، فتبعه ربّ الدار مهرولاً وبيده شئ من المال يريد أن يعطيه إياه، فأبى الشيخ (المظفّر) كلّ الإباء أن يقبل ذلك، وأعلمه انّ عمل الخير أجره عند الله. تعجّب الرجل من موقف الشيخ أيّ تعجب! . وما العجب عندي من عدم قبوله المال وهو العالم الزاهد؛ ولكنّ العجب كلّ العجب أن لم تنقبض نفسه المنبسطة ولم يضق صدره الرحيب وقد لاقى من ذوي العرس مالاقى من غلظة وتجاهل، واضاع من وقته الثمين ما أضاع في تلك الليلة المغبرّة السوداء. . فمن أيّ معدن نفيس صيغ هذا العلامّة العظيم والمصلح الكبير؟. ولم تمضِ بضعة أشهر على هذه الحكاية حتى أخذ يحضر المسجد يوماً ويغيب ايّاماً. وقيل انّه مريض وفجأة "طوى الجزيرة حتى جاءني نبأ ــ فزعت فيه بآمالي الى الكذب". . .

انتهت شهادتي. ومما يظهر فيها هو اهتمام العلامّة (المظفر) بالإنسان والعمل والتعليم والطفولة. لم يكن يعظ الناس بالكلام في المسجد البتة بل كان يعظهم بسلوكه المتميّز، ولاأدري ماذا تعلّم الآخرون من وعظه السلوكيّ ولكنّي تعلّمت منه الكثير:تعلّمت منه أن الدين والعالم الدينيّ هما في خدمة الإنسان وليس العكس. وتعلّمت منه ان الممارسةهي لبّ الدين وأنّ الطقوس هي القشرة . وتعلّمت منه الإنفتاح والتفكير. وأظن أن تلاميذه كالشاعرمصطفى جمال الدين الهاشميّ والخطيب احمد الوائلي وغيرهما تعلّموا منه التغيير والتجديد. هذا موجز ماأعرفه عن بعض سلوكه اليوميّ غير المكتوب ولعلّ فيه ماينفع وامّا فكره المكتوب فاهل العلم أولى بالحديث عنه من خلال مولفاته وهو شاعر مجيد أيضا. ومهما يقل المرء في هذا المصلح الكبير والمفكّر العميق فهو دون قدره ومقامه.

 

عبدالإله الياسري

.....................

(1) هذه هي شهادتي أو إجابتي على سؤال طرحه عليّ أ. د سعيد عدنان أطال الله بقاءه؛ وقد نشرها على مدوّنته مشكوراً قبل سنة أو أكثر ثمّ رأيت أن أعيد نشرها اليوم إحياء لذكراه السادسة والأربعين في 16 رمضان 1439 هـ، وتخليداً لنهجه الإصلاحيّ.

 

 

حاتم جعفركنت في مقتبل العمر وحديث عهد في السياسة حين جاءه أحدهم بنبأ ترجّل مجيد محسن المفاجئ، ليبكي أثرها غلوبي صاحب أشهر مطعم للكباب في المدينة بكاءاً مرّا وليعتصر قلبي معه.

صورة صاحب المقهى وواضع لبنتها الأولى وراعيها ستشد إنتباه زائريها مباشرة، حيث تجدها مُعلقة على الحائط الأخير المواجه تماما لزبائنها حين يدخلون. ومما ساعد أكثر على لفت اﻷنظار الى تلك الصورة هو وجود طاولة بليارد، نظرة، خضراء، تشبه في لونها والى حد كبير ذلك العشب المندى، والذي جفَّ قبل وقت ليس ببعيد، وبفعل شروق شمس الصباح اﻷولى، مؤطرة (الطاولة) بنوع متميز وخاص من الخشب الصقيل اللماع ذو الجودة العالية، بأبعاد فارهة وضمن قياسات مُتفق عليها دوليا، متموضعة في الثلث اﻷخير من المقهى حيث خلا من أرائكه وبالتالي من جلاّسه ليساهم بدوره في التقليل من وقع الحركة هناك وما يمكن أن تسببه من جلبة.

وعلى الرغم من بساطة المثال والإستشهاد الذي أتينا على ذكره، ولكي لا يمر مرورا سريعا، فلا بأس من التوقف عنده لبرهة خاطفة من الوقت لنقول: بممارسة لعبة البليارد، فانه وبمعنى من المعاني، سيحمل معه دليلا ومؤشرا على طبيعة مرحلة زاهية من ذلك الزمان، ستعكس بالضرورة مستوى ما من التحضر. وللعلم فإنَّ طقسا كهذا، لم يكن حكرا على مكان او مدينة بعينها من مدننادون سواها، بل هي ممتدة على مساحة الوطن وبقدر توفر الفرصة المناسبة وشروطها أيضا. (في أوقات لاحقة تمَّ رفع طاولة البليارد، وربما طال هذا الإجراء مدنا وأماكن أخرى، وقد ينطوي فعل كهذا على بداية تراجع ونكوص، لتحل محلَّه ما يمكن تسميته بثقافة الحجر).

ربما سيصعب وصف ملامح صاحب الصورة بشكل دقيق، فقد بدا عليها ما يوحي بِقدمها، فضلا عن تلك الرتوش واللمسات الفنية التي أجريت لها وبأنامل ربما أظهرته بعمر أصغر بكثير من عمره الحقيقي، قياسا الى الفترة الزمنية التي كان قد تمَّ فيها ألتقاط الصورة، وبذا سنبتعد كثيرا أو سيصعب علينا المسك بأهم ما يُميزه أو باﻷحرى أهم ما يميز ملامح وجهه، مما دفع البعض منا وتحت واعز لا يخلو من الفضول والرغبة في معرفة المزيد، الطلب من أصدقائه ومَنْ عايشه تفصيلا وإيضاحا أكثر عن ذلك، ولكي يتسنى لنا أيضا نحن أبناء الجيل الثاني أو ربما الثالث، الوقوف عن قرب على أهم طباعه وخصاله، وﻷسباب لا تخرج عن درجة الإنبهار بشخصيته ومواقفه التي ظلت حاضرة وحديث ساعتنا حتى بعد رحيله.

وعلى رأي اﻷكثرية الساحقة فإنَّ ما يزيد على ربع وجهه كان مغطى بشاربين كثّين، تسللت فيما بينها بعض من خيوط الشيب، مما أضاف على وقاره وقارا، لكنهما بقيتا فاحمتي السواد بشكلهما العام، بارزتين عن عمد وقصد، إنسجاماً وجريا مع تقليد درجت عليه أوساط واسعة من معاصري تلك المرحلة وخاصة شبابها، حيث وجدوا فيها ما يميزهم عن الآخرين ولتشكل بالنسبة لهم هوية وعنوانا خاصا بهم، وسيبقى حكرا عليهم لسنوات طويلة لاحقة، سيدفعهم بكل تأكيد للتفاخر والتباهي، واﻷهم من ذلك سيعطي مؤشراً وعلامة صريحة الى أية فئة أو حزب سياسي ينتسبون. أمّا عيناه فسيلفت نظرك تحديقهما الثابت صوب هدف سيتحقق بلا شك، وتنمان أيضا عن ثقة وتطلّع عاليين للمستقبل، كذلك فيهما من القدرة ما يسعفانه على قراءة وتشخيص ما يمكن حدوثه.

هذا ما رأته عيناصاحب المقهى (مجيد محسن) وما أنذرت به، رغم البون الواسع والشاسع، الذي كان يفصل بين الواقع القلق والمضطرب والمخاض العسير من جهة، وبين الطموح والأمل المرتجى الذي سادَ وقتذاك من جهة اخرى. قال عنه من عاصره بأنه هادئ في طبعه وفي مشيته. قليل في كلامه، صبور طويل الأناة، غير ان ذلك لم يُقلل ولم يأتِ على حساب عزيمته واصراره. هو بإختصار ابن بار لمرحلة زمنية باسلة، كانت قد إنقضت أو قُضيَ عليها بفعل فاعل ولمّا تزل بعد في مراحلها عمرها الأولى ، عسى أن تعود ذات يوم، مَن يدري!.

رحل عن الدنيا أبو عامر ( نسبةً الى ولده الأكبر) في وقت مبكر جداً حتى فاجأ بغيابه هذا أعداءه قبل أصدقاءه، فكان خبرا كهذا مصدرا لسعادة وسلوى وتشفي اﻷولين، وتعاسة وجرحا غائرا للطرف الثاني حيث عدّوها خسارة كبيرة، سيصعب تعويضها وفي زمن عزَّ فيه الرجال. غير ان ذلك لم يؤثر ولم يأتِ على حساب ذاكرة الناس وأهل المدينة إذ بقيت مقهاه تحمل اسمه رغم تغيّر إداراتها والقيمين عليها وتعاقب أنظمة حكم متنوعة. كان رجلاً بمعنى الكلمة، بهذا الوصف ردَّ علينا حين سألناه أحد أصدقاءه من الذين زاملوه في مرحلة مفصلية من تأريخ العراق، يوم دخلت البلاد ودشنت عصراً جديدا في سيرته وسيرورته، ويوم إنتقلت به وبسواعد أبناءه وطليعته المقدامة من الزمن الملكي الى الزمن الجمهوري، فمنذ تلك اللحظة والأمل والحلم لم يبارحاه يوما أو ساعة بل سارا معه حيثما سار. كانت وصيته لولده الأكبر من بعده الحفاظ على استمرارية وديمومة المقهى، ويحسبها وقفاً وملاذاً للطيبين ولمن ظل وفيا، متمسكا بالعهد والوعد.

لعل في ترجّله المبكر بعض رحمة، فبعد أن تكحَّلت عيناه ومنحته القدرة على أن يرى ويعيش فترة من الزمن وتحت ظلال وفيء ذلك العصر الذهبي والأيام المباركة، فقد حدث وبشكل مفاجئ ما لم يكن في الحسبان ولمّا يرتوِِ بعد من ذلك الرحيق، على الرغم من نجاح الوطن وأهله في قطع مسافة بعيدة… بعيدة على طريق تحقيق الإنعطافة الكبرى، وغدا اثرها لصوت الشعب اليد الطولى والأعلى في صناعة التأريخ والقرار، متطلعين الى أفق أبعد، والى مستقبل بات على مرمى حجر وقاب قوسين أو أدنى من التحقق، الاّ انه أخَذَ وعلى نحو مفاجئ وسريع ومدوي بالتراجع ولتتراجع معها قوة الدفع والتأثير على الشارع وما أعقبها من إختلال في موازين القوى، وليأفل الوطن كما أفََلََتْ روح أبو عامر. هل في رحيلهما المبكر ما يمكن إعتباره رسالة إحتجاج ورفض لما يدور من أحداث؟ ربما.

راح البعض إثر تلك الإنعطافة والإنكسار غير المبارك يعيد النظر في حساباته، ولكن بعد فوات الأوان وبعد إنفراط عقد المحبة والرضا المتبادل بين الشعب وبين إبنها البار، والذي كان يطيب لأبي عامر أن يسميه وكما الآخرين من أبناء جيله بزعيم البلاد اﻷوحد وحبيبها، ذو الجاذبية والحظوة والحضور والإبتسامة الرؤومة، الممتدة على مختلف بقاع الوطن، بإتجاهاته وأركانه الأربعة .

في حينها ولسنين تَلتْ، ليس من أحد يعرف سرّ الإنتكاسة والنكوص ولا من يقف وراءهما، هل هو الغلو والمبالغة في قراءة ما كان يجري، أم الشعور بالنشوة والنصر التي باغتت الأطراف ذات العلاقة والمصلحة في التغيير، حتى أعيتهم وأفقدتهم القدرة على التحكم والسيطرة على زمام الأمور! أم هو ضعف حساب وقصر نظر! أم رغبات وإرادات اقليمية، أرادت إستباق ما يمكن أن يجري في المستقبل من تفاعلات قد تطولها وربما تطيح بها! أم ان اتفاقات جرت في ليل حالك الظلمة بين قوى عظمى عابرة للحدود والقارات، ظلَّت دسائسهم طي السرية والكتمان حتى حانت لحظة الإنقضاض على الغنيمة البريئة وتقاسموها وهي لمّا تزل بعد طرية، فتية، لا قدرة لها على المواجهة أو الدفاع عن نفسها. أم ان كل تلك العوامل إجتمعت وتضافرت مع بعضها البعض لتنتهي بوأد الحلم وهو في مهده؟. هذا ما قيل وما كُتبَ رغم قلّته وشحته عن تلك الحقبة من الزمن، والتي فلتت من بين أيدي مَن راهن عليها وانتظرها بفارغ الحب والصبر، والأخطر من ذلك هو ما سيليها من دفع لأثمان باهضة، ما إنفكت تنزف قهراً ودماً حتى اللحظة.

مقهى الشبيبة، هذا هو إسمه وما أختاره لها صاحبها (مجيد محسن)، والذي ظلَّ زاهياً ولسنوات طويلة بعد رحيله، محافظاً على مكانته وعلى الإرث الذي خلفه وأرساه حتى من بعد غيابه، ربما من أتى من بعده كان على ذات العهد، بل كان حقاً كذلك وأهلاً لها. روادها كثيرون ومن مختلف اﻷجيال واﻷعمار وباتت موضعا ﻷستقطاب مُلفت ومن مناطق شتى من المدينة. أحدهم بل أحد أهم زباءنها وروادها المدعو أبو داود رغم بعد الطريق الرابط بين مسكنه ومكان لقاءاته المفضل، فلم يمنعه أو يعيقه ذلك عن قطع مسافات طويلة ويجتاز مقاهي عديدة ليصل الى هدفه المرتجى. وكم من مرة لامه وعاتبه سكان منطقته على إختياره هذا، الاّ انه لم يعر لذلك اهتماماً، وإذا ما إضطر لتبرير الأمر أو تفسيره فسيقول لهم: لابد من تنوع أماكن الجلوس والأشخاص والأحاديث، ففيها راحة للنفس والبال. علماً إن أبناء منطقته لا يتذكرون إن كان أبن حيّهم حديث ساعتنا قد جالسهم ولو لمرة واحدة.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

...

 

زهير الخويلدي"إن المخطور بالبال متى عرض على صريح العقل، فإنه لا محالة يحكم فيه بأحد المعاني الثلاثة: إما بأنه واجب وجوده، أو بأنه ممكن وجوده أو بأنه ممتنع وجوده"

أبو الحسن العامري – رسالة التقرير لأوجه التقدير-

ليس غريبا أن يكون أبو الحسن العمري فيلسوفا وهو الذي انتمى إلى القرن الرابع للهجرة الذي تم اعتباره من أفضل القرون على مستوى الإنتاج المعرفي والحركية الفكرية والمناظرات بين الأعلام، لكن الأغرب أن يتم تجاهل هذه الشخصية الفذة من طرف المؤرخين وأن يظل طي الكتمان وموضع نسيان.

لقد ولد العامري في مدينة نيسابور سنة 912 وتوفي خارجها سنة 991 وكانت له نظرة موسوعية للحقيقة بحيث درس العيد من الأشياء وترك العديد من الرسائل غفي مختلف المجالات وانطلق من دراسة النبات والمناظر ضمن العلوم الطبيعية وانتقل إلى الاهتمام بالمنطق والفلسفة وعلم النفس والإلهيات والأخلاق والتربية وتطرق إلى السيرة الإنسانية وتاريخ المناقب والعلماء واشتغل على تفسير القرآن وإنقاذ الناس من بعض الآراء الكلامية المضللة كالجبرية والقدرية ولم تمنعه مقارنته بين الأديان من التأليف في علم العقيدة وفصل الخطاب حول المعالم الإلهية وبيان الحكمة من الخلق الإلهي للكون وطرق تدبيره للعالم ولقد كانت أفضل كتبه ورسائله هي النسك العقلي والإبصار والمبصر والسعادة والإسعاد والأمد على الأبد والتقرير لأوجه التقدير وضمت الحكمة والشريعة والطبيعة والغيب والتربية والأخلاق والسياسة.

لقد تتلمذ فلسفيا على يد أبو زيد البلخي وتعلم العلوم والمعارف في مدن بلخ وطشقند وبخارى والري وخراسان ولقد عاصر الشيخ الرئيس ابن سينا واتصل بالوزير بن العميد الكاتب ونزل ببغداد سنة 364 هجري ولقد ذكره أبو حيان التوحيدي في روائع الإمتاع والمؤانسة والمقابسات واستشهد به مسكويه في تجارب الأمم وتعاقب الهمم ولقد ترك لنا ابن سينا كتابا هو الأجوبة على سؤالات سأل عنها العامري.

لقد ربط العامري التفكير الفلسفي بالإيمان الديني وجعل من الحكمة أخت الشريعة وأقر بأن طريق العقل هو طريق السعادة وانتبه إلى أن القوة العقلية لدي البشر لن تصلح لتدبير الحياة ما لم تستعين بالقوة الالهية.

إذا كان العامري قد تكلم في كتابه عن مناقب الدين الإسلامي عن العبادات والعقائد وأم البراهين على أصول التوحيد وتقديم الدليل والسياسة الشرعية وما تستلزمه من تربية للوجدان وإعداد للسلوك فإنه في رسالة الأمد على الأبد يتحدث عن الخيرات المطلقة والخيرات المقيدة وعن اطلاقية المعاني الروحانية ونسبية المعاني الجسمانية وعن الأشياء المطلوبة لذواتها والأشياء المطلوبة لجل تحقيق أغراض أخرى.

لقد وصف العامري بالمغبون والمجهول والمفترى عليه ربما لغياب النسق الفكري والمنهج العقلي عن أعماله ولخلطه بين الفلسفة والعقيدة ونقده الواضح للفلسفة اليونانية والتقليل من قيمتها بالمقارنة مع الحكمة المشرقية ولعنايته اللافتة بأصول الدين وابتعاده عن المغامرة السياسية وتمهيده الطريق لظهور ابن سينا.

ماهو هام في المجهود التوثيقي لتاريخ الحكمة التي قام به الآمدي هو ربطه ميلاد الفلسفة اليونانية بالفلسفة الشرقية والمصرية وتأكيده على الاتصال الذي تم على الصعيد المعرفي بين الحكماء الإغريق والمشارقة.

اللافت للنظر هو الشروح التي قام بها لمؤلفات أرسطو وخاصة ما تركه من مقاطع لكتاب السياسة الذي تعامل معه المؤرخون على أنه مفقود بل اعتباره من الكتب الأرسطية التي لم يتم ترجمتها أصلا للضاد. فمن أين استقى العامري أفكاره السياسة الأرسطية؟ هل من ترجمة عربية كانت موجودة أم ترجمة أخرى؟ والى مدى امتنع العرب عن ترجمة كتاب السياسات للمحافظة على نظام الحكم الموافق للدين الإسلامي كما يزعم بعض المستشرقين وخاصة شلومو بيناس والمختص في فلسفة الفارابي محسن مهدي1[1]؟ ألا يعد رأي عبد الرحمان بدوي قريبا من الصحة بقوله وجود ترجمة للكتاب باللغة العربية ولكنها ضاعت؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

المرجع:

1- Rémi Brague, note sur la traduction arabe de la politique, in Aristote politique, études sur la politique d’Aristote, sous la direction de Pierre Aubenque, publiées par Alonso Tordesillas, Epiméthée PUF, Paris, 1993, p426.

 

 

فيصل غازي مجهولكنتُ في القطار مع صاحبي، في دولةٍ أجنبية لا نعرف لغة أهلها. ومن المزعجات للأذن والرأس أن لا تفهمَ ما يُقال، أو لا تنتمي لما تسمع، وفي هذه الحال يكون الطنين أجمل من اللغة وأبلغ وأرحم. وكان صاحبي يفرح كلما سمع نباح كلب أو مواء قطة، وأحياناً قليلة نهيق حمار، ويقول كأني أفهم لغة الحيوان أكثر من لغة الإنسان، فأصوات الحيوانات أو لغاتها هي هي نفسها التي عندنا، وأشعر بالألفة معها أكثر. وتحول حديثُنا إلى اللغات والفرق بين لغة الإنسان ولغة الحيوان، ثم قادَنا الحديث عن لغة الحيوان إلى الحيوان نفسه، حتى وصلنا إلى الحمار. فقال لي صاحبي: لماذا يستعمل الناس اسم "الحمار" للذم؟

قلت: هذه قصة طويلة تتعلق بثقافات الناس والدلالات اللغوية والرموز... وحتى الذين لا يقصدون الذم فإنهم قد يستعملونه بدلالة غير إيجابية مادام الكلام تابعاً لمنظومة لغوية رمزية اجتماعية نفسية معينة. ففي الهجاء يُستعمل كثير من أسماء الحيوانات كالغراب والفأر والبوم والكلب والقرد والخفاش والضبع...

قال: لا تعقد المسألة وتُصعِّب الأمور بهذه الكلمات الآن، وقل لي ما الذي قيل عن الحمير؟ أو ما الذي تقوله أنت؟

قلت: ماذا تريد؟ هل تقصد الحمير الحمير أم "حمير الإنس"؟ فما أعرفه كثير.

قال: "حمير الإنس"؟! ما هذا؟ اخلِط لي ما تعرف! سواء كان مزحةً أو حقيقة.

قلت: مهلاً، لا تخلطْ أنتَ الأمور، فسخريتي ومزاحي ولهوي جدٌّ أيضاً، وكما قال الجاحظ: "إن المزاحَ جدٌّ إذا اجتُلبَ ليكون علةً للجِد". والمزاح ليس ضداً للحقيقة، وهل أحدثكَ عن الجد والهزل والمزاح والسخرية والحقيقة وما بينها من علاقات وروابط؟

قال: كلا، أرجوك ألَّا تفعل.. فأنا أعرف شيئاً من هذا، ولا أريد الآن - في السفر - تعريفات دقيقة.. ولنعُدْ إلى موضوعنا، بيننا وبين النزول ست محطات سنتوقف فيها، أظنها تكفي للحديث عن ستة حمير.

قلت: سأترك التعريفات الدقيقة.. وأتكلم.. وهذا حظي في السفر! في بلاد الطبيعة والثقافة والجَمال والعلم والحرية وأشياء أخرى رائعة أتكلم عن الحمير! نعم.. سأتكلم.. حتى لو كان في طريقنا ستون محطة!

لا أحد يقبل بأن يُطلق عليه اسم "حيوان"، لكنَّ ما يندرج تحت هذه الكلمة من أنواع الحيوانات يمكن أن يَقبل به، فإذا قلتَ عن شخص إنه "حيوان" فبالتأكيد سيغضب، وإذا خصصتَ نوع الحيوان فإما أن يغضب أو يفرح بحسب ذلك الحيوان. فمَن مِن الناس يرفض أن يوصف بأنه أسدٌ أو نمر أو صقر أو نسر أو ذئب، أو أنها رشا أو غزالة أو حمامة؟ كل ذلك يتعلق باستعمال اللغة من الناحية الاجتماعية. فالقوة للأسد والمكر للثعلب، والحكمة أو الشؤم للبومة، والغباء أو الصبر أو الحكمة للحمار بحسب وجهة النظر! ويفرح شخصٌ ولا يفرح آخر إذا سمع أن الجَمال من الجِمال، والأناقة من الناقة.. إلى آخره من الحيوانات... وعُرِّفَ الإنسان قديماً بأنه حيوان ناطق أو عاقل، وكانوا يقصدون أنه ينفصل عن الحيوانات بصفة معينة. وفي عالم الثقافة حمير كثيرة، منها حمير قديمة ومنها جديدة، منها حمار جحا وحمار توفيق الحكيم ولائحة حقوق الحمار لمدني صالح، وعشرات بل مئات الحمير. والآن.. سأبدأ بالحمار الأول:

الحمار الأول.. حمار طه باقر:

قيل (والعهدة على الراوي الراوي) إن عالم الآثار الكبير طه باقر كان مع زملائه في موقع التنقيب، وكان معهم حمار، وقد مات هذا الحمار.. فكتب طه باقر إلى دائرته في بغداد يُبلغُهم بأن الحمار قد مات ويريد حماراً آخر. فأجابته الدائرة بكتاب رسمي بأنه يجب أن يُشكِّل لجنةً أو مجلساً تحقيقياً عن كيفية موت الحمار والأسباب. وقد احتار الرجل! فقد أصبحت قضية. وبينما هو في حيرته هذه جاءه أحدُ رجال الريف الكرماء ورآه مهموماً فخبره طه باقر بقصة الحمار، فقال له الرجل: بسيطة.. أنا رأيتُ حماركم، وعندي حمار يُشبهه بالضبط (أخوه)، خُذه هديةً مني وقل لهم إن الحمار لم يمُت.. بلا كتابنا وكتابكم... فَرِح طه باقر بهذا الحل وكتب إلى الدائرة، نُعلمكم أن الحمار قد عاد إلى الحياة، ونرجو غلق الملف.

وهكذا حلَّ حمارٌ مكانَ حمار وتخلص من المخاطبات الرسمية التي لا أول لها ولا آخر. قد تُصرف مئات الأوراق على موت حمار، ليتها كانت رحمةً به أو حباً له، بل حباً بعرقلة إدارية لا تقدم شيئاً ولا تنفع، وإلا لماذا يكتفون بورقة واحدة لموت إنسان - شهادة وفاة - حتى لو طلب الناس تحقيقاً في سبب الوفاة؟

الحمار الثاني.. حمار الأمير:

نتكلم كثيراً عن أشخاص ونقول في السياسة لو أن هذا السياسي تنازل عن الكرسي ولم يتمسك بالمنصب لكان أفضل. ونقول المفروض أن هذا الكاتِب لم يكتب هذا الكتاب.. ولو أن هذا المؤلف أضاف فصلاً آخر... وفلان لو فعل هذا لكان أنفع وأحسن. ولو لم يفعل فلانٌ هذا الأمر لسارت الأمور بشكل جيد... وهذا ما يُذكرني بحكاية تراثية؛ قيل إن أحد الأمراء العرب القدماء وقف على باب طحَّان، فرأى حماراً يدور بالرحى وفي عنقه "جلجل" أي "جرس"، فقال الأمير للطحان: لِمَ وضعتَه في عنق الحمار؟ فقال: إذا أدركني نعاسٌ ولم أسمع صوتَ الجرس علمتُ أن الحمار قد توقفَ فأحثه ليستأنف المسير. فقال الأمير: ومَن أدراك؟ فربما وقفَ الحمار وحرَّك رأسَه فقط هكذا (وحرك الأميرُ رأسه) فتسمع صوت الجرس؟ قال الطحان: ومن أينَ لي بحمارٍ يكون عقلُه مثل عقل مولاي الأمير؟

فمن أين نأتي بحمير لها عقلٌ سياسي وإداري.. وتفهم في العلم والاقتصاد والقانون والتربية وأشياء أخرى... فهذه حميرُنا وهذا مستواها وهذا عقلها!! قد نفرض طبيعة تفكيرنا على الآخر، لكن الآخر له طبيعة تفكير ليس من السهل أن تتغير، بل لن تتغير إلا بقرار داخلي قلما يحدث، فهو يُفكر هكذا وحسب، يتأثر لحظةً بعد جهد البرهنة ثم يعود إلى ما كان عليه بعد زوال المؤثر. وكُلَّما قيلَ لي: لِمَ فعلَ فلانٌ كذا؟ ولماذا فلانٌ لم يفعل هذا الأمر؟ ولو أن فلاناً تصرف هكذا... أتذكر الحمار وأقول: ومِن أين لي بحمارٍ يكون عقلُه مثل عقلك!... وأضِفْ للحمير عقولاً وللعقول حميراً واحسبْ وعد واستخرج الناتج...

الحمار الثالث.. حمار الفيلسوف:

سأحكي لك حكايتين عن فيلسوفين لهما علاقة بالحمار. أولهما "بوريدان" فيلسوفٌ وعالم فرنسي ورئيس جامعة باريس، في القرن الرابع عشر. وعلى الرغم من أهمية هذا الفيلسوف وجميع إنجازاته فإن اسمه قد اقترن بحماره؛ "حمار بوريدان". والرجل ليس عنده حمار.. لكنه ليس أكثر من تشبيهٍ استعمله لشرح العلاقة بين العقل والإرادة. وملخص المثال أن هناك حماراً واقفاً بين كومتينِ من العلف بمسافة متساوية، ولأن المسافة متساوية فهو لم يقرر أيَتَّجِهُ إلى هذهِ أم تلك؟ وبالنتيجة ماتَ جوعاً.

ثم قلت: ويُنسب هذا المثال إلى أرسطو أو غيره من الفلاسفة، وقيل إن بوريدان لم يذكره في مؤلفاته، وقيل إنه شرحه فقط... وأحياناً يوضع الكلب بدل الحمار... روايات عدة.. كثيرة.. ويمكن أن يكون تعبيراً عن الحيرة تجاه الاحتمالات أو الخيارات المتساوية! ومهما تكن الحقيقة التاريخية فالنتيجة أن اسم بوريدان قد اقترن بالحمار، وكثيرٌ منا يعرف حمار بوريدان ولا يعرف الفيلسوف بوريدان، فحمار بوريدان أشهر من بوريدان نفسه! ولا أدري! لعل هذه الشهرة أفضل وأشرف من غيرها؟! فأن تُعرف من خلال حمارٍ خيرٌ لك من أن تُعرف من خلال مجرمٍ أو وضيع أو لص أو دجال أو محتال أو جبان...

قال: ربما!.. ولكن هل حقاً يحتار الحمار دائماً إذا قدموا له طعاماً أو شراباً؟

قلت: كلا، إنه مثلنا يحتار.. ولا يحتار. وقديماً قيل إن هناك حماراً وضعوا أمامَه إناءً فيه ماء وآخر فيه خمر، فشرب الماء وترك الخمر.

قال: لماذا؟

قلت: لأنه حمار.

الحمار الرابع.. الفيلسوف الحمار:

إذا كان بوريدان قد اقترن اسمه بالحمار، فإن هناك فيلسوفاً لُقب بالحمار، وهو "كليانتس" الرواقي، ولد كليانتس سنة 331 ق. م. في مدينة أسوس؛ وكان قبل اشتغاله بالفلسفة مصارعاً؛ ويقال إنه حينما قدم إلى أثينا لم يكن يملك من المال إلا أربع دراخمات، لكن شدة الفقر لم تكن تصرف ذلك المصارع عن طلب المعرفة والانكباب على الفلسفة... واتفقت جميع الروايات على أن كليانتس امتاز بصفات الهمة العالية والإرادة التي لا تقهر والثبات والجلد الذي لا يكل: فلم يَحُل بُطء فَهمِهِ ولا شدة فقرهِ دون أن يتابع الدرس وتحصيل العلم. ولما بدا لكليانتس أن يحضر دروس "زينون" (مؤسس الفلسفة الرواقية) لم يكن يملك من المال شيئاً، فاضطرَّ أن يقضي ساعات الليل في أشق الأعمال لكي يكسب ما يدفع به رسوم التعليم. يُروى عنه أنه كان يحمل الماء لسقاية بعض الحدائق، وكان يعجن عند إحدى الخبازات. وأُعجِب زينون بفضائله وجدهِ في العمل، فعهد إليه عند وفاته بأن يخلفه في إدارة المدرسة الرواقية. ولم يكن له من اللباقة والمهارة في الجدل ما يمكنه من إفحام الخصوم، بل يظهر أن تفكيره كان بطيئاً وحجته غير بارعة فكان عرضة لسخرية المتشككين. وكانوا يطلقون عليه اسم "الحمار"، ولكنه لم يكن يغضب لذلك المزاح الثقيل، بل كان يردُّ قائلاً إنه وحده أقدر على حمل بردعة زينون. ألَّفَ خمسينَ كتاباً تقريباً، لم يبقَ منها شيء إلا مقتطفات صغيرة، ومنها قصيدة لم يبق منها غير أربعين بيتاً.

وهذا كما ترى من أثقف الحمير، وهو لا يزعجه أن يُطلق عليه هذا الاسم، ويتقبل الذم على أنه مدح. إن كثيراً من الأسماء والصفات والألقاب التي يطلقها الناس على الناس تصبح عند بعضهم عقدة نفسية، ومزحةً عند آخرين، ربما مزحة تعليمية أو فيها شيء من التواضع وضرب المثل السيء على النفس لا على الغير. ومن كان متكئاً على ثقافةٍ عالية وخبرة عميقة، ومعرفة لطبائع الأشياء واستيعاب كبير لحياته وفهمٍ دقيق لسلوك الآخرين، وعلى تواضعٍ وصدقٍ وصبر، فإن أية صفة سيئة تُطلق عليه لن تؤثر فيه سلباً بل ستكون له ربحاً.

الحمار الخامس.. حمار عمر الخيام:

أحياناً أشعرُ بالضجر والملل من الطريقة شبه السقراطية التي أسير عليها، أو أسلوب ادعاء الجهل إذا كنتُ بين جهلاء... قال العظيم أبو العلاء المعري:

ولما رأيتُ الجهلَ في الناسِ فاشِياً    تجاهلتُ حتى ظُنَّ أني جاهِلُ

وقال عمر الخيام:

كُن حماراً في مَعشرٍ جُهلاء أيقنوا أنهم أُولو العرفانِ

قال: إذن، هي نصيحة.

قلت: هذه نصيحة لا نهاية لها مادام في الأرض صدقٌ وثقافةٌ ومعاناة.. وجهلة متسلطون مُفسدون محظوظون غالبون.. وأذكياء أتقياء أنقياء محسودون مغلوبون.. طموحون فعالون جادُّون مخلصون انتبهوا فإذا هم محبطون يائسون من علمٍ ومعرفة وتفوق. ولْنعُد إلى الخيَّام، هل سمعتَ بالتناسخ؟ تناسخ الأرواح؟

قال: نعم، سمعتُ شيئاً عن النسخ والمسخ... ولا أعرف التفاصيل.

قلت: لا تفاصيلَ الآن، فهذه قصة طويلة.. وسأروي لك روايةً عن عمر الخيام، لكن، ضع بالحسبان أنه قد قيلَ عن هذه الرواية إنها مختلَقة أو إنها للفكاهة أو إن دلالتها صوفية... فافهمْهما مثلما تشاء! ولن أفرض عليك فهمي لها.

قال: وما شأني بما يُقال أو بالتحقق من الروايات؟ إن ما سمعتُه عن أشخاصٍ أحياء أعرفهم حقَّ المعرفة جعلني أفقد الثقةَ بكلِّ ما أسمعه عن أموات لا أعرفهم في زمن مضى. فقليلٌ من التاريخِ علمٌ وحقائق وتحقيق وتدقيق، وكثيرٌ منه رغبةٌ وخيال وتأويل وإسقاط وقصة وتوظيف واستغلال. والقليل للقلة والكثير للكثرة. وحتى أقرب المقربين لشخصٍ قد لا يستطيع وصف ذلك الشخص ولا يعرفه ولا يفهمه إلا إذا كان ذا عقل كبير وحسٍّ نقدي ومعرفة واسعة. ومن أين لي بـ ... بشخصٍ له هذه الصفات!؟

قلت: هذه أول مرة تقول فيها رأياً جيداً! نعم.. سأحكي لك قصة عمر الخيام مع الحمار. قيل: إن هناك مدرسة قديمة في نيسابور كانت بحاجة إلى إصلاح وترميم، وكان عمر الخيام يتمشى في المدرسة مع تلاميذه، فدخلت مجموعة من الحمير تحمل مواد الترميم والبناء، لكنَّ حماراً من الحمير وقف في باب المدرسة ورفضَ الدخول إليها. فلما رأى الخيام هذا الحمار ابتسمَ واتجهَ نحوه، وقرأ في أذنه قصيدة، وهي بالفارسية، ومعناها - مستخلصاً من الترجمات - هو الآتي:

يا أيها الذي ذهب وعاد مرة أخرى.. ضاع اسمُك بين الأسماء.. واجتمعت أظفارك في حوافرك.. وصارت لحيتك في عجزك ذيلاً!..

وعندما سمع الحمار هذه القصيدة دخلَ إلى المدرسة. فسأل التلاميذُ مُعلمَهم عن سبب دخول الحمار. فقال: إن الروح التي تحيا داخل هذا الحمار كانت روح أستاذ في هذه المدرسة، وقد عزَّ عليه أن يعود إلى المدرسة وهو حمار، ولما عرف أن معلماً من بين زملائه القدماء قد عرفه، دخل إليها.

ثم قلت: إن أرواح الناس بحسب التناسخ تحل في حيوان أو نبات أو حجر... كل بحسب عمله وسلوكه، حتى تتطهر...

قال: هل يمكن أن يخرج إنسانٌ من الحياة ملكاً أو رئيساً أو وزيراً أو مليونيراً ويعود إليها حماراً أو حصاناً أو حشرة أو ...؟

قلت: بالتناسخ، وغير التناسخ.. كل شيء ممكن مادام هناك من يقبل ويؤمن بهذا الإمكان.

قال: يا لحميرك المثقفة! نكاد نصل إلى النهاية.. فهل تسمح لي بأن أحكي لك قصة حمار قريب مما أعرفه عن صفات الحمير؟ فالحمار عندي حمارٌ.. وهذا الحمار خرجَ حماراً وعاد حماراً بلا تناسخ.

قلت: بالتأكيد أحب أن أسمع منك.

الحمار السادس.. الحمار العائد:

قال: عندما أتجول في الدول أسمع الناس يكلمون حيواناتهم بلغاتهم، فالفرنسي يتكلم مع قطته باللغة الفرنسية، والإنجليزي يتكلم مع حصانه بالإنجليزية، والألماني يتكلم مع حماره بالألمانية، أما جواب تلك الحيوانات لهم فلن يكون بالفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية... بل سيكون مواء أو نباحاً أو نهيقاً أو صهيلاً... فالحمار الألماني يسمع ويفهم اللغة الألمانية لكنه يجيب بلغة الحمير. وهذا ما ذكَّرَني بشخصٍ غابَ عنا كثيراً واغترب ثم عاد.. وقد فرحتُ جداً بعودته من الغربة سالماً. ظننتُ أنه عندما سافر إلى أوربا سيصبح أوربي الثقافة والعلم والطباع والسلوك، فينقل لنا تجربة متحضرة متقدمة متطورة متمدنة نافعة منظمة، كما فعلها عشرات بل مئات الأشخاص الذين قرأنا لهم أو سمعنا عنهم أو درسنا على أيدي بعضهم. لكنه خذلني مع الأسف، بل خذل مُحبيه ومنتظريه كلهم.

قلت: أخشى أن يكون كالحمار الذي ذهبَ يطلب قرنينِ فعاد بلا أذنين.

قال: بل أسوأ.. كان بعضُنا يتكلم معه بالألمانية فيجيب نهيقاً وكان آخرون يسألونه عن الثقافة الفرنسية فيجيب بالنهيق أيضاً. ومع ذلك كنتُ أدافعُ عنه وألتمس له العذر وأقول لهم إن نهيقه تَمسُّكٌ بالمبدأ واللغة والأصالة! لكن تبيَّنَ لي أن الأمر ليس كذلك. خابَ أملي به لأني ظننتُ أنه سيأتينا بما ليس عندنا، أو ينفعنا بما خبر وجرب، فإذا به ينهق.. وينهق.. ثم ينهق.. لا، بل يُحرجنا ويُجبرنا على سماع النهيق كأننا لم نسمع نهيقاً هنا!

قلت: لكن، ليس هكذا كل مَن ذهبَ وعاد.

قال: وهل قلتُ "كل"؟ ألَمْ تسمعني وأنا أذكر عشرات أو مئات... والآن أضيف لك آلافاً غيره؟ هل بدأتَ تفقد تركيزك ودقتك؟

قلتُ: صحيح، وعذراً للمقاطعة، أكمل حديثك.

قال: لقد نسيتُ أن الديك الفصيح من البيضة يصيح، ونسيتُ أن الجحش عندما يكبر يصبح حماراً.. أي أن الحمار الصغير يصبح حماراً كبيراً لا حصاناً كبيراً، فمستقبل الجحش حمار.. ومستقبل المهر أن يكون حصاناً، ومستقبل الجرو أن يصبح كلباً... ألا كم كرهتُ فكرة ثبات الأنواع هذه! وفكرة الحكم على المستقبل هكذا! لأني آمنتُ بفكرة ودافعتُ عنها، فكرة أن الإنسان يصنع الشيء الكثير من شخصيته، ويعتز بما صنع، وهو قادر على تغيير نفسه، ويكتسب ولا يتكئ على ما هو موروث فقط... حتى هذه الفكرة جاء من يخربها... لقد نسيتُ أيضاً أن هذا ينطبق على أفراد أو على بعض الناس، ونسيتُ أيضاً أن أوربا لا تعلِّم إلا مَن يريد التعلم، ولا تُغيِّر إلا من يريد أن يتغير، فأوربا – كالخمر – تَزيدُ الحكيمَ حكمةً والسفيهَ سفاهةً... لكنَّ عذري أن فرحةَ المنتظِر المتشوق الناظر المتلهف للتغيير والتطوير والتجديد الآتي من الغرب أنسَتني أشياء وأشياء، وأعادتني إلى أحكام وأقوال وأمثال قديمة. حلمنا به أن يأتي متسلحاً بعلمٍ ومعرفة فيعلِّم الجاهل وينصر البائس المظلوم، فإذا به جاء ليرفس المتعلم والمثقف وينصر المتخلف السارق المحتال... كان جحشاً لا يقوى ظهره على حمل ظالم قديم، فلما أصبح حماراً صار ظهره قادراً على حمل ظالم جديد، ولم يفُت الأوان.. فالحمل خفيف و"الكروة دبل".

هذا الذي أتكلم عنه ذهبَ حماراً وعاد حماراً.. وهذا أمرٌ مفرحٌ وما كنتُ أريد أكثر منه، فليكُن حماراً والحمارُ الجيد خيرٌ من الحصان الرديء، فإذا لم يكتسب أفكاراً وعادات جديدة جيدة فعلى الأقل يرجع كما كان.. حماراً بسيطاً أصيلاً ودوداً صبوراً متواضعاً محبوباً شريفاً. لكنه مع الأسف ليس حماراً أصيلاً ولم يحافظ على أخلاق الحمير وعاداتها. ليتَه أصبح حماراً وحشياً على الأقل نحن نعرف أن الحمار الوحشي وحشيٌّ فلا نقترب منه ولا نعاشره، ونعرف سلوكه! أما هذا فهوَ هو حمارُنا، نعم، حمارُنا بلا خطوط سوداء أو بيضاء..

لقد حرن.. حرن في مكان وزمان وفكرة، ولم يُزحزحه عن مكانه ألفُ مفكرٍ وفيلسوف وعالم وفنان وأديب... ولم يتعلم شيئاً ما عدا حركات جديدة في الرفس، لم يسمحوا له هناك باستعمالها فأتى واستعملها هنا وطبقها علينا. تعلمها من أمثاله في الدائرة الضيقة التي يعيش فيها!.. كانوا هناك يقرأون كتباً تغنيهم عن كتب، ومن أهم الكتب التي قرأها كتابٌ عنوانه "رفسة الحمار في الليل قبل النهار"، والكتاب الآخر "الشهيق من أجل النهيق" هذا الكتاب الذي حاول أن يطبق ما جاء فيه هناك فلم يستطع.. فهناك يوفرون له العلف مجاناً لكنهم لا يسمحون له بإزعاج الآخرين بالنهيق، فزئير القانون لا يسمح له بالنهيق في أي وقت يشاء، أما هنا فالنهيق مسموحٌ به في أي وقت يشاء، غيرُ ممنوع "والعتب مرفوع"، إنها الحرية.. ومَن يعترض تأتِهِ الرفسة لا محالة. وقلتُ إنه ليس حماراً أصيلاً لأنه حقودٌ حسود معقد متكبر مغرور مدَّعٍ كذاب سارق... وهذه - كما ترى – صفات مكتسبة للحمير... حتى الحمير المحلية غضبت عليه لأنه أساء إلى سمعتها وعاداتها وصفاتها الموروثة، وجعلها حائرةً متعجبة مصدومة متسائلة: أَمُتعصِّبٌ متخلف إرهابي منغلق لص ويعيش في الخارج ويأتي منه؟! كان ملا عبود الكرخي يقول: "يصير من لندن تجي مـﭼاريَّه؟" ويعدُّها من "المحالات"، لكنها تحققت، وجاءت المـﭼارية والحمير معاً، أصليين وغير أصليين، من لندن ومن باريس وبرلين ومن كل عواصم ومدن الدنيا. والوقت لا يكفيني كي أتكلم عن قصته مع الفرس الشقراء التي تزوجها هناك فتركها وجلب البغل معه يعلمه أصول العمل وطرائق الحمل والتفريغ من الداخل إلى الخارج.

الحمار السابع..؟:

قال لي: لقد أخذتُ منك حماراً، وقد نزلنا هنا وعندنا وقت كاف، فهل من حمارٍ تعويضي؟ وليكن السابع.

قلت: موجود، لكني سأؤجل الكلام عنه الآن، لأني أخاف منه، وأخاف عليك منه أيضاً، لأن رفسته قاضية، عابرة للقارات والمحيطات، ورفسته تشمل المتكلم والمستمع معاً، فلن يشفع للمستمع أنه مستمعٌ وحسب، ولن يُكتب في شهادة وفاتك أن سبب الوفاة "رفسة حمار" كما لم يُكتب في شهادة وفاة كل الذين رفسهم سابقاً. ثم أن هذا الحمار لا يأتي الكلام عنه على هامش الرحلة أو في نهايتها، بل هو رحلةٌ بأكملها. إن شئتَ أحدثك عنه في طريق العودة، لكن، سأخصص له جميع المحطات وزيادة.

 

د. فيصل غازي مجهول (2017)

 

 

محمد فتحي عبدالعالموعدنا في هذه الحلقة مع الاشرف سيف الدين برسباي والذي يمثل صورة من صور الفصام الذي عاشه سلاطين المماليك فبرسباي الذي فتح قبرص للقضاء علي هجماتهم بشكل نهائي علي موانئ الاسكندرية والشام كما تصدي لهيمنة عملة الدوكة والتي كانت تحمل نقشا بصور القديس بطرس ودوق البندقية ووصفها بنقود الكفرة المشخصة واستبدلها بعملة وطنية هي الدنانير الاشرفية كما سار علي عادة السلاطين السابقين عليه وانشيء مسجد عظيما ومدرسة ملحقة به ..

المشاهد السابقة تستحق ان ترفع صاحبها الي مصاف الشخصيات العظيمة في العصر المملوكي الا أن الرجل قد حمل وجها أخرا علي النقيض تماما تحمله المشاهد التاليه فلك ان تتخيل أن سلطانا يحكم دولة مترامية تضم مصر والشام وقبرص يصدر مرسوما سلطانيا لاحد اتباعه من المماليك الشراكسة وكان اقرعا بأن يكون كبيرا للقرعان وياليت الامر يتوقف عند هذا الحد فقد انطلق كبير القرعان في شوارع القاهرة مطالبا كل شخص بالكشف عن رأسه فأذا وجده اقرعا فرض عليه ضريبة!! وجعل تسعيرة مختلفة لكل اقرع علي حسب ملته وعمله !!!...

كما كانت المناصب في عهد برسباي تتوارث وتشتري بالمال فأذا دفع صاحب المنصب المال للسلطان فأنه بالطبع فور توليه منصبه سيسارع في جبايته من الشعب المسكين لتعويض ما دفعه للسلطان ولكن برسباي كان الاسرع في عزله وتولية اخر وهكذا فمثلا علي بن الطبلاوي والذي كان واليا علي القاهرة في عهد السلطان المؤيد شيخ فكان يمنع الناس من دفن موتاهم الا بأذنه ومع ازدياد ظلمه عزله السلطان وضربه بالمقارع ..

دفع علي بن الطبلاوي للاشرف برسباي رشوة وقدرها الف ومائتين دينار نظير توليته ولاية القاهرة وما أن نشط الطبلاوي في جمع مبلغ الرشوة من جباية الشعب حتي عزله برسباي والوضع نفسه كان مع جلال الدين بن مزهر والذي خلف والده الحاج بن مزهر ككاتب سر للسلطان مقابل رشوة للسلطان ثم عزله بعد ذلك ...

ظهر الطاعون في عهد برسباي الميمون !!! مرتين انحصر في المرة الاولي ثم عاد في المرة الثانية اشد فتكا وضراوة وأصيب به برسباي نفسه ..

كان سؤال برسباي لعلمائه :هل يعاقب الله الناس بالطاعون بسبب ذنوبهم؟

فأجمع الحضور: ان الزنا اذا فشا في قوم ظهر فيهم الطاعون وأن النساء يتزين ويمشين في الطرقات ليلا ونهارا وأن المصلحة منع النساء من المشي في الاسواق!!!

فأصدر برسباي من فوره قرارين .. القرار الاول بمنع النساء من الخروج من بيوتهن الي الشوارع والطرقات والثاني هو اغلاق السجون والافراج عن جميع المساجين فأنتشر اللصوص في البلاد !!! كان والي القاهرة دولات خجا صارما للحد الذي ترك فيه اللصوص وانطلق في منع النساء من الخروج !!!

فتجده مثلا يمنع امرأة مكلومة من الخروج خلف جنازة ابنها فتلقي بنفسها من أعلي منزلها وتلحق بأبنها ويصير المأتم مأتمين !!!!

كانت اغرب قرارات برسباي هو نفي الكلاب الي بر الجيزة لان اصواتها تزعجه وجعل لكل من يمسك كلبا ويسلمه نصفا من الفضة فأنطلق الشعب في جمع الكلاب وتسليمها والحصول علي المكافأة !!!..

بعد هذا الصور المؤسفة لو اردنا ان نتدبر قوله تعالي (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)

لقد وصف الله عز وجل فعل الطغاة برعاياهم بالاستخفاف اي استثمار جهلهم فيما وصف القوم الذين يطيعون حكامهم الظالمين بالفسق اي الخروج عن طاعة الله

اذن فالمسؤولية عن الظلم مشتركة بين الحاكم والمحكومين ففي الحكم المطلق للحاكم دون رقيب او معارض هو مفسدة مطلقة وانصياع الشعب للظلم والمهانة تفريط مطلق في حقهم الانساني في الحرية والعدالة والعيش الكريم ..

نمضي الان مع برسباي ومحطته الاخيرة حيث ساورت برسباي الشكوك في ان طبيبيه ابن العفيف و زين الدين خضر الاسرائيلي هما المسؤولين عن مرضه

فأوسطهما والتوسيط وهو من الطرق البديعة التي ابتكرها المماليك والتي يتمني معها الانسان لو صار حيوانا حتي يقتل بطريقة اكثر شفقة !!!وخلاصته ان يعري المحكوم عليه بالاعدام من الثياب ثم يربط الي خشبتين علي شكل صليب ويطرح علي ظهر جمل، وربما يطاف به في شوارع القاهرة علي هذا الحال،وهذا هو التشهير، ثم يأتي السياف فيضرب المحكوم عليه بقوة تحت السرة، فيقسم الجسم نصفين من وسطه فتنهار امعاؤه الي الارض.

وهكذا اختتم برسباي حياته بازهاق روحين بريئين كما رأينا ليموت بعدها مباشرة ليكون قد أمضي بحكم مصر ستة عشر عاما وعدة أشهر ذاق خلالها المصريون من صنوف الهوان ما سجلناه ولم نسجله لضيق المقام ومع ذلك تجد من المؤرخين من يرفعون هذه الشخصيات الظالمة الي مصاف عظماء التاريخ الاسلامي متغاضين عن هذه المشاهد الدامية بالمقارنة بحدث جليل كفتح قبرص فأمتهان قيمة الانسان لا يمثل مشكلة لدي هؤلاء المؤرخين ..

 

د. محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

 

علي المرهجكان هناك كثير من طلبة المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط، يدرسون ببغداد، ولم يكن من بينهم طلبة من البصرة سوى القلة القليلة، لوجود جامعة البصرة، التي تقبل كثير من أبنائها وأبناء الجنوب، ولم تكن في الفرات الأوسط وذي قار وميسان جامعات، فقد تأسست جامعة الكوفة في 1987، ولم تكن تحوي سوى كليتي الطب والتربية للبنات.

أما طلبة الموصل او نينوى، فقد كانت لهم جامعة عريقة، ولربما يشترك مع طلاب الجنوب أبناء الغربية، من طلاب الأنبار وصلاح الدين، بل وحتى ديالى، لم تكن في محافظاتهم جامعات أو كليات، وفي هذا الأمر محاسن ومضار، فمن محاسنه حُسن التواصل والتعارف بين أبناء هذه المحافظات على اختلاف مذاهبهم، ومن مضاره كثرة المناكثاة والصراعات بين الأصوليين والسلفيين، سنة وشيعة من طلبة هذه المحافظات.

في هذه السنوات والتي تلتها من سوء حظ الطلبة، لم تكن هناك أقسام داخلية (حكومية)، فلم يكن من خيار أمام هؤلاء الطلبة القادمين من هذه المحافظات غير البحث عن سكن يُلائمهم كل حسب دخل عائلته، فأبناء الغربية بحكم غناهم وتحسن مداخيلهم اختاروا السكن في أرقى الشُقق في كرخ بغداد أو رصافتها.

ولأن الفقر صديق وحبيب لأغلب الطلاب الذين قدموا من الفرات الأوسط وجنوب العراق، فلم يكن متاح لهم الكثير من الاختيارات، فكان الكثير منهم يبحث عن سكن واطئ الكلفة له في أزقة وحارات بغداد القديمة في "الميدان" و "شارع الرشيد"، وفي مدينة (الثورة) أو مدينة صدام، في زمن النظام المقبور، وهي اليوم مدينة الصدر.

لقد عاش وخبر أغلب هؤلاء الطلبة كل أنواع الحرمان والبؤس والتقشف في العيش.

فمن عاش في أزقة بغداد القديمة وبيوتاتها الآيلة للسقوط، كان يلتحف برطوبة أرض هذه البيوتات التي تُظلل شرفاتها وشناشيلها بعضها بعضاً، ولربما يكون هذا الأمر نافع بمقدار في الصيف، كي يتقوا حرَه اللاهب، ولكن شتاء هذه الخرائب التي تُسمى بيوتاً، كانت موطناً للتعفن الذي تنشط به البكتيريا، وانتشار الإنفلونزا، وانخفاظ درجة حرارة الجسم!!.

بعض من الطلبة فضلوا العيش في مدينة الثورة، أو مدينة الشعلة، هاتين المدينتين التين تأسستا، من فقراء فلاحي الجنوب من الذين ضاقت بهم أرض التكوين الحضاري فيما "بين النهرين"، فشح ماء دجلة والفرات بها، فكانت الملوحة والتصحر، مآلها في العراق الملكي، ومن عادات بغداد وأهلها الإيثار، ومن إيثارهم أن تجعل من أطرافها ملاذاً لهؤلاء النازحين الذين يأسوا من جدب الحكم الملكي، فكانت الصرائف ملاذهم للعيش في العراق الجمهوري.

يال لبؤس هذه المدينة التي خطط معالم هندستها نظام عبد الكريم قاسم، و بعد أن كانوا يعيشون في صرائف، تجرأ قاسم للعمل على إنصاف هؤلاء الفقراء، فمنح كل عائلة مساحة من الأرض تُقدر بـ 144 متراً مُربعاً، فخُطت طُرقها ومسلكنها، فسُميت مدينة الثورة، التي تغيرت أسماؤها مع مُتغيرات شكل الحكم، فمع صدام صار أسمها "مدينة صدام"، ومع مُتغيرات الحال بعد الاحتلال صار أسمها مدينة الصدر.

في أواسط الثمانينيات وجتى سقوط الصنم كان أسمها مدينة صدام، ولكن صداماً ونظامه كان يتعامل معها وفق مبدأ الشك بتوجهات أبنائها في الولاء لنظامه، لأن سُكانها من الأغلبية الشيعية، وصداماً كان لا يثق بكل الشيعة الذين لا هم لهم سوى إظهار الولاء لآل بيت الرسول وشيعة علي!.

سيطول الحديث بي عن معاناة نحن أبناء الجنوب من طلاب الجامعات أيام نظام صدام، ولكن ما أروم الاشارة إليه أن هناك الكثير منا قد اختار من مدينة الثورة سُكنى له، واللطيف الجميل والجميل الغريب، أن أغلب من قدم من هؤلاء الطلبة ممن قدموا لعاصمة الدنيا، لم يكونوا يعرفون بغداد، ولربما لم يتسن لأحد منهم زيارتها قبل تاريخ قبوله بجامعاتها، ولم يكن يُدرك حجم العمران الذي فيها، ولم يدر بخُلده أن تكون بغداد سوى مدينة لا تعدوا أن تكون سوى مدينة أكبر من مدينته، لربما تكون فيه شوارع عدة وسكان كُثر، ولكنهم لم يتصوروا أنها مدينة تحتاج للتنقل ورؤية معالمها لا مشياً على القدمين، بل لركوب سيارة أو حافلة لنقل الركاب، لأن كل مدن الجنوب والفرات، يمكن لك أن تعد محلاتها ومحالها سيراً، فلم يكن فيها سوق مُسقف وشارع رئيس، مسافته لا تتجاوز الكيلو متر الواحد، يتجول فيه أبناء المدينة جيئة وذهاباً، وهناك حديقة أو حديقتين، في الرئيسية منها جدارية مبنية من الآجر و "ملبوخة بالإسمنت" مرسوم بداخلها صورة لـ "القائد الضرورة"!!.

بعد سقوط نظام الدكتاتور، أستبدلت صور جداريات القائد الضرورة بصور السيد محمد محمد صادق الصدر، أو صور السيد محمد باقر الحكيم، لا لأن آل الصدر أو آل الحكيم قد أمروا بذلك، بل لأن هناك من المُتملقين الكثير ممن كانوا من البعثيين الصداميين في هذه مناطق ممن لا يُتقنون المحبة للوطن بقدر اتقانهم فن التحول في تبني الرؤية العقائدية وفقاً لقرائتهم للسائد القدسي وطبيعة الولاء الجمعي للقائد الرمز الذي يستهوي نفوس الجماعة أو المكان الذي يعيشون فيه، وهؤلاء القرقوزات يُبدلون جلدون حيثما يقتضي التبديل والتحويل، لا لأنهم عرفوا وأدركوا خطاياهم في مرحلة ولاؤهم العقائدي السابق، بل لأنهم كانوا وما زالوا يُجيدون فن اللعب على سيرك "التملق" وخداع الجمهور، واللعب على عواطف الجمع، فهم من كانوا وما يزالون يُتقنون العزف والتلحين لموسيقى الهيام والإنتظار للمخلص الذي كان من قبل "صداماً ونظامه"، ولكن تغير الحال، لا يعني أن هناك أمر مُحال، "فكل واحد ياخذ أمي يصير عمي"!.

لم يكن الكهنة من قبل اخناتون سوى مُطبلين ومُزمرين أو مٌزينين لأفعال المُستبد بكل ما يمتلك من جبروت وطاغوت، ولكن حينما نجا يوسف المرمي في غياهب الجب، أعاد للمُعذبين كثير من الأمل، فما كان يوسف سوى مثال للذين يأسوا، أو مثال للذين فقدوا الثقة بقدرة الإنسان على صناعة الحياة لمن ظن أَلَا أمل يُرتجى بعد محن، الذي قلب مُعادلة الربح التي كانت دائماً لقارون وأنصاره، فصارت خسارة لهم، وربحاً لضعفاء الأرض، لكنه يوسف الذي أنقذه الرب كي يكون مثالاً يُحتذى للأمل، وكم نحتاج لمثل يوسف الذي هدم جدار الفساد، المُتمثل برجال الدين من من "وعاظ السلاطين"؟.

إنه يوسف الجمال الذي يُحتذى كمثال للخير والعدل. يوسف التدين هو سقراط الفلسفة الذي جرع السم، كي يُعيد للحق بريقه، بعد أن صوره تلاميذه والأخوان أنه لهم عدو مُبين!.

غادرت موضوعي وربَ في مُغادرتي للموضوع عذر أو أعذار، فالحديث حديث شجون، وأفراح تترى، وأتراح لا زالت تُروى.

ولي في باب المعظم ذكرى، وفي شارع الرشيد، وفنادقه ذكريات وحكايات عن طلَاب الكليات الذين قتروا واقتصدوا وعملوا ليلاً في المقاهي والمطاعم والحانات، وافترشوا الطرقات بالبسطيات، منهم من يبيع العطور، وآخر يبيع اللفات، لفات البيض أو الفلافل مع بعض المقبلات، كي يوفروا لهم لقمة عيشة هنية، ويخلصوا أهلهم من هم المعاناة في توفير مصروفهم أيام دراستهم في الكليات أو الجامعات.

لو ينطق الجسر المعلق في باب المعظم، ولو نطقت مقاهيه ومطاعمهه المُقابلة لكلية الهندسة التابعة للجامعة المستنصرية، ولو نطق شارع الرشيد الذي كان ينوء بحمل ثقيل، حمل وقع أقدام المحرومين ممن سكنوا فنادقه الهرمة، وبُكاء الطلبة الذين غسلوا أرصفته بدموعهم الثكلى من فرط احساسهم بالحرمان.

كانت أزقة شارع الرشيد ملأى بأبناء المحافظات، ولجُلَهم ذكريات دموع من ألم وحسرة لا تُعد بالأقدام أو الأمتار، إنما تعدها آهات على طول هذا الشارع: من سوق هرج حتى نهايته حين لُقياه بشارع أبي نؤاس.

والشاهد على ذلك شربت زبيب زباله!، عجيب شربت زبيب زباله، ولا تجد لك "محط رجل" أو قدم، وبعد إنتظار سيصل لك "السره" كي تشرب "كلاص" أو قدح، لكنه ليس القدح المُعلى، إلَا لمن ذوت نفسه وروحه بحب تاريخ بغداد، فيشرب نخباً من الزبيب، ليكون هارون الرشيد الذي كلما أمطرت غمامة في أرض عاد خرجها إليه!.

يا لي هذا العصير، أو شربت زبيب "زبالة" الذين يُسكرنا، وننتشي به، نشوة تفوق بها من ينتشي بـ "واين فرنسي"، وبسكرة صوفي تجلت روح الله في نفسه الزكية، وكأنه "أكسير" العشق العراقي الذي لا تكتمل نكهة التمتع بنشوى المحبة لبغداد إلَا بسبع رشفات كاملات من قدح صنعته أيدي عراقية بتسمية غريبة هي أقرب للإستهجان لمن يدعي "تفرنجاً"، ولكنها عراقية خالصة لمن يعرف أن تاريخ التسميات العراقي، فلرب شخص سُميَ "زبالة" وفقاً لمعتقد قديم، أن من لم يهبه الله ذرية، فعليه اختيار أسوء الأسماء، لأن في اختيارها خلاص من تهديد عوالم الجن الأشرار.

ويغلبني الحديث فلا أستدرك، فيضيع القصد، فحديثي عن طلبة المحافظات الذين سكنتهم بغداد، فما قدروا الخروج من بطون أزقتها وأشجارها الوارفة بالمحبة، وبغداد هي بغداد، فمثلما كان لمدينة الثورة، أو "مدينة صدام" حصة!، ولشارع الرشيد الذي كُنا نعد دكاكينه ومحلاته بالخطوات، فهناك سينا الوزراء، وهناك سينما ريكس كما أتذكر التي تحولت فيما بعد لسينما ومسرح النجاح، وسينما علاء الدين. ولم يكن شارع الرشيد يُتقن وصفه طلبة المحافظات، ولا شارع المتنبي، ولا سوق السراي، بل صاروا يُتقون وصف مكانات السهر والسحر في الميدان والصابونجية محلة الذين لا سُكنى لهم، تكل المحلة و هذه "الدرابين" التي غادرها كل رجال تاريخ الحكم الملكي الذين كانوا قاطنين لها، فرحين بوصفها، كما جاء في كتاب أمين المميز "بغداد كما عرفتها"، بغداد التي إستقبلت أم كلثوم عام 1932 في مسرح فندق الهلال في ساحة الميدان.

ضيعت الحديث، ولكني أنا القادم من الجنوب، طالب في كلية الآداب، بُهرت ببغداد، فكانت قلعتي، بعد أن غادرت "قلعة سكر"، فبعد أن كانت عندي "قلعة سكر" قلعة المحبة وسريان الروح "وي روجات الغراف"، وجدت في بغداد توهج النار في القيود وكعبة المجد والخلود.

وغلبني الحديث، ولا تلوموني، فهناك بعض مني يلهج بجنوب الحرف والكلم، وبعضي يلهج ببغداد موطن الحكم.

ولكن سأُجبر نفسي وروحي على العود، "عود أبدي" له جذوره في قيثارة العزف السومرية، ولكن له أزهاره من الرازقي والنرجس والحدائق البغدادية.

له طعم الهجرة من بلاد تاريخها أبدي "سومر"، لمدينة تاريخه أبجدي، فكان لباب المعظم البغدادي، أبواب فتح معرفي، أرتقي به وأرتجي منها التريث في التعليم والتطريب لي، فأنا ابن من عزف القصب بعض من شجنه، ولكني شغوف بمدنية فيها وتري السومري يعزف ألحاناً فيها معروف الكرخي بعض من ىشعره في الزهد، لينطق فيما بعد حلاج التصوف بروح حلولية مؤمنة:

والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مغروس بأنفاسي

..........

وإذا أبصرته أبصرتني أبصرته وإذا أبــــصرته كـان أنــا

روحه روي وروحي روحــــه من رأى روحين حللنا بدنا

وسأترك الزهد والروح الصوفي لأزيد الألم ألماً، لأعود لتذكيركم ذكرى عيش لنا كان لطهاة وطباخي باب المعظم ممن يُتقنون الترحيب بطلبة المحافظات طعم التذكير لهم بأمهاتهم التي نزفت دماً لا لأنها كانت تحلم بوصولهم لأرقى مدارج المعرفة، وإن كان هذا من مُبتغاها، ولكنها، كانت تولول، وتزيد نشيج الحزن حُزناً، لعل ولدها الذي غادر حضنها يعي أن هناك أمهات قد فقدن فلذات أكبادهن في الحرب، فأم (أحمد) لا تبكي على ابن جارتها الذي فقدته بفعل غطرسة الشيطان "الحاكم"، وإن كانت تقضي الليل والنهار لطماً ونعياً حين تذكره، هو "كريم" الذي كان كريماً في محبته لها، هو ابن لأم (أحمد) في التربية، هو ابنها الذي وبخته لأنه أهمل القراءة والكتابة، فكان مصيره أن يكون جُندياً في جيش (صدام حسين)، وبعد حين، سمع (أحمد) صراخ أمه، ولم تشق "زيجها" خجلاً، يتذكر (أحمد) ذلك الحدث، فيقول: "كلتها ها يمه شبيج، خير"، "كالت يمه (أحمد) "إكريم" راح، كلتلها "وين راح" كالت يمه "إكريم" إستشهد"، "إكريم" إبن أم (أحمد) الذي لم تلده، صاح (أحمد)، بكى، صرخ أحاااااه، "إكريم" مات شتريد يصدام، وظلت أم (أحمد)، وظل (أحمد وياها، ينحب على "إكريم" اللي أخذته الحرب، وهنيال العراق، وهنيال إيران، حررنه القدس!!. البعثيون يلهجون بالقدس، والإسلاميون الإيرانيون يلهجون بإسم القدس!!.

عفيه القدس، (أحمد) يقول: "خسرنا كل تاريخنا القُدسي، وبقيت القدس بيد "إسرائيل"!!.

والعربي ميعوف سالفته، (أحمد) كان طالب بكلية الآداب بجامعة بغداد بباب المعظم، وبكل حربنا وي إيران هو طالب، وخلصت الحرب، وفرح، (أحمد) وفرح كل العراقييين، بس أحمد ما تهنا وتذكر أيام حرب صدام وي الكويت، وكال، "وطكنا صدام بحرب وي الكويت، وضاع الحساب وضيعنه الفرصه من إدينا".

كمل (أحمد) دراسته، واشتغل سايق جيب بقلعة سكر، ولم يتصل بأحد من زملائه، من طلاب الكلية، إلَا بعد سقوط النظام، فعلم بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، أن منهم، من مات، ومنهم من صار مسؤولاً كبيراً في أحزاب السلطة، ومنهم من جُنَ، ومنهم، ومنهم،...!

 

 

نجيب طلالدمعة: ها هي اليوم ورقة أخرى من أصدقاءنا؛ تسقط في هدوء وتسلم روحها للواحد الديان؛ من (طنجة) المبدع - جمال العبراق- بعد سقوط - الفنان - ع الهادي توهراش - من مراكش. غياب أبدي للطرفين؛ تاركيْن مخزون الذاكرة تعْتصر وترتب صورها وأحداثها التي صنعتها الصُدف؛ صدف اللقاء وحتمية العلائق .

فبين الصدفة والحتمية؛ من أي زاوية وموقع يمكن أن أنطلق بقول يفرض نفسه؛ بعْد غياب أبدي؛ للمسرحي؛ المبدع- جمال العبراق- إيفاء لوفاء الصحبة والمعاشرة أكثر من ثلاث عقود ونيف؛ معاشرة تحمل توهجها وإشراقاتها وخفوتها حَسب مقتضيات الظروف؛ وتفاعل الأحداث التنظيمية والإبداعية؛

هل البوح سيستقيم في قول حق في سلوكه الإنساني وأخلاقه العالية وروحه الرحبة التي كانت ترسل المحبة وصدق الإخاء بين رفاقه وأصدقائه ومعارفيه المجاورين له في المدينة القديمة؛ والتي كان يفضل الوصول لسكناه بزنقة - الجديدة- إلا باختراق جزء من السوق الداخلي؛ الذي كان يهيم في عشقه . فأغلب الليالي كان الراحل عنا؛ يسرق جلسة في إحدى مقاهيها؛ ليلتقط فيها مشاهِده وأحداثه وحركيته؛ ليس توظيفا لرؤية مسرحية؛ بل مقياس خاص : أين وصلت طنجة الساحرة لزوارها وله من حمقها وصوابها؛ طنجة التي سكنته وسَكناها؛ إذ كان لا يفارقها إلا أسابيع ويعود لها مُلهما هائما في عِبقها ؟ يحتسي قهوته المفضلة بمقهى – زاكورة – وتلك لها ذكريات؛ لا يعرفها سوى محمد الزايدي/ محمد الزين /عماد بوطالب /هشام أزرياح/ المرحوم : مكروم الطالبي / سعيد البشراوي/.../ ثم مقهى – ميتروبول – التي لا يتذكرها سوى الشاب اللطيف – الزبير بن بوشتى؛والشاب الشيخ – عبدالسلام بوحديد – محمد الزين- عبد العزيز الناصري ؟

أم في جديته وصرامته وحُرقته المشتعلة بين ضلوع ديونيزوس؛ الذي سحَر العديد منا بطقوسيته؛ وصرخاته نحْو الخصب وحُب الحياة عبر صراع وجود؛ وجود يغتزل فعله في المذبح/ المسرح؛ فأصبحنا قربانا له قبل تقديم القرابين؛ ومعاقرة كؤوس الربيع ؟ فالراحل انغمس هوسا في معانقة الركح ابتداء من 1978 على يَد السينمائي - جيلالي فرحاتي - في مسرحية (جدران الظلام) ثم مسرحية (لقمة الغذفان) ومن خلالهما تعرف على الراحل مؤلف العملين -عبد المجيد الحمراني – الذي لم يعد يذكره أحد ، وهو الذي دفع الراحل لإتمام دراسته الجامعية شعبة أدب فرنسي؛ فما أقسى النسيان ! وأفظعه ما تم في حق محمد ديالنا- الذي ساهم في إظهار – طنجة - في العديد من التظاهرات؛ أبرزها مهرجان مسرح الهواة ! وأفظع من نسيان النسيان :أن لا أحد يعرف المسرحي – عبد القادر بالمقدم - في أواسط الأربعينات من القرن الماضي؛ حتى توفي بعد تقاعده بسنوات كمذيع بإذاعة طنجة ؟

أم سيستقيم البوح في تموقفات الراحل ، الصادقة والصارمة ، والتي كانت لا تقبل الديماغوجية ولا زيف الكلام؛ في العلائق والممارسة المسرحية وكذا في عملية التنظيم والتدبير؟ أومن خلال ممارسته تدبير جمعية ابن خلدون سنة (1990) بدون زيف ولا مظاهِركاذبة؛ بعْدما انسحب من جمعية الستار الذهبي في 1989 رفقة /كريمة إمغران/ عبد العزيز الخليلي/ مكروم الطالبي/ محمد الزايدي/ مصطفى الزين/.../ إذ أعطى دينامية؛ ودفعة جديدة ورصينة في الساحة المحلية والوطنية؛ بعدما كانت الجمعية تعرف اهتزازات وتوقفات؛ بعدما أسسها عبد السلام بولعيش سنة(1973) ؟

أم القول الجلي سيكون فاعلا؛ أثناء ركوبه معنا بحْر التمرد وعَدم الانبطاح. لمواجهة ومصارعة الأمواج والعواصف الهوجاء؛ التي أصيب بها مسرح الهواة آنذاك ؟ فكان ملتقى طنجة الذي يحمل ملفات أسراره – مصطفى شوقي وعزالدين الشنتوف؛ تم الشبكة الوطنية للمسرح التجريبي ؟ وتلك حكاية أخرى !

عيْن:

بكل صدق أي موقع متناول؛تجاه الراحل عنا في غفلة ! يتقاطع بموقع آخر؛ ومشكلا نسيجا يحيط بكينونة وتصورات؛ نتيجة انسجامه مع ذاته؛ التي لا يفرضها على الآخر؛ بل تتلاءم هكذا بالآخر؛ نتيجة طابع خاص والمتمثل في - رضى الوالدين- والذين عاشروه عن قرب يعرفون جيدا؛ علاقته بوالدته رحمة الله عليها؛ وبابن أخيه رحمه الله كذلك؛

فالراحل كان يحب الحياة بكل تلويناتها؛ ويبتسم لها رغم الإكراهات والمعاناة التي كانت تصادفه؛ وبالمسرح كان يتنفس هواء حرقته؛ ويهيم في عوالم شخوصه التي كان يعتبرها جزء من كينونته – العقرب/ الكاهنة / حنظلة / هيروسترات/ فاوست/ للاجميلة/ .../

فالرحيل عنا- جمال العبراق- وهَب نفسه للفعل المسرحي؛ واختاره بحثا عن - لذة سيزيفية – وكٌنه روح - ديونيزوس- ليس إلا . بحيث كان لا يفضل مصلحة أنانيته على مصلحة الجمالي والفكري والمعرفي والتنظيمي؛ بحيث كان ناكرا لذاته من أجل الإبداع ورونقه؛ ولم يفكر يوما أن يهرول وراء وَهم الامتيازات و ثقافة الاستجمام. وهذا ما لامسته فيه؛ يوم تعرفت عليه بعَيْد عرض – عُرس الذيب – في جلسة خاصة نظمها الراحل – محمد تيمد – الذي عمل على صقل شخصيته ومساهما في زرع إدراك خاص بأدوات جسده؛ لكي يوظفه كلغة ضاربة في بلاغة الآداء. فمن هذا التأطير أو إن صح التعبير: التأثير. تولد لديه هاجز لكيفية – إدارة الممثل- وفق درامارتوجية التشخيص؛ فكان ينخرط في كل تدريب وورشات التكوين التي كانت تُقام في هذا المجال؛ حتى أن تلقى تدريبا سنة1995 بأفينيون (مدينة المسرح) فبدأ يعيد النظر في إدارة الممثل كخطاب أيقوني منزاحا ومعْزولا عن المكونات المجاورة للممثل؛ بحيث استطاع أن يمررهاته المفاهيم في فضاء- المسرح المدرسي- حينما كان ملحقا بقسم الحياة المدرسية بنيابة التعليم؛ لكن ليس كل الطرق سالكة في بلادنا؛ إذ اصطدم ما مرة بحائط البيروقراطية؛ لكن الراحل بحكم تركيبته الجدية وصارمة تموقفاته الفاعلة في حياته العامة والخاصة؛ غادر النيابة ليلتحق بالقسم مربيا؛ جسورا وحنونا على تلامذته . ومسألة الانسحاب كانت تلاحقه دائما؛ أبسطها؛ حينما كان يزور نادي الستار الذهبي؛ في نهاية الأسبوع أو العطل الموسمية؛ ويصادفني رفقة – الصنهاجي / بوحديد/ الناصري/ الزين/ الزريفي/.../ يترك دراجته النارية؛ وينخرط في عوالم النادي؛ لكن حينما يصدر صراخ (ما) من جهة الدائرة الأمنية التي كانت مجاورة للنادي؛ يمتطي دراجته وينسحب؛ وأكبر انسحاب كان من الجامعة الوطنية لمسرح الهواة؛ لأسباب تتعلق برفض مقايضات طرفها كوسيط - رئيس الجامعة- وذلك بعد عودة جمعية ابن خلدون من مشاركتها في – تونس- فتم التفكير في ملتقى مسرحي على غرار ملتقى الحمراء في بساطته وعمق اشتغاله؛ فتأهب الاتحاد المسرحي بطنجة لذلك؛ من أجل المدينة والمسرح ليس إلا . لكن طبيعة الصراعات الجوفاء وذوي النوايا الحاقدة؛ وبعض الأيادي الآثمة؛ التي كانت مدفوعة من لدن (الجامعة) توقف الملتقى في دورته الثالثة؛ هنا تأجج الصراع؛ ففكرنا سويا في تأسيس الشبكة الوطنية للمسرح التجريبي؛ باعتبار الراحل كان كاتبا عاما في الجامعة؛ ويعرف أسرارها وكيفية تحريك الخيوط من لدن رئاستها التي شاخت في الرئاسة؟ فتحقق ذلك؛ فأسندت الرئاسة للراحل؛ ولم يعد لي دور بقوة القانون؛ إلا الدعم والسند في الخفاء؛ لكن الوزارة ارتأت أن توقف الصراع بين الشبكة والجامعة؛ وفشل جهة حزبية استقطاب الشبكة كدرع تنظيمي لها إبداعيا وثقافيا أنشأت [مسرح الشباب] في عهد– محمد الكحص- كاتب الدولة في الشباب، حسب التسمية الرسمية أنذاك .

ووجه الاختلاف بيني وبين الراحل؛ أنه استسلم للباب المسدود؛ وإن كنت رفقة – أحمد الدافري- الذي كان كاتبا عاما للشبكة؛ حاولنا الدفع بالشبكة الوطنية للمسرح التجريبي لإستغلال الفوضى والصراعات التي كانت بين مختلف هياكل الوزارة، أهمها الصراع الذي دار بين الوزير والكاتب العام أنذاك ، وهذا الأخير كان يرفض بقاء رئاسة الجامعة الوطنية لمسرح الهواة في يد من شاخت على يده – الجامعة – وكان هذا تلميحا في لقاء رسمي مع بين الكاتب العام للوزارة رفقة مدير الشباب والطفولة وقتئذ. لكن الخطأ الاستراتيجي؛ أننا تركنا عنصرا من – العرائش- كان يرفع مخططاتنا واجتماعاتنا لرئاسة الجامعة؛ التي كانت تحاربنا بسلاحنا؛ فاتخذ الصراع فكريا /إعلاميا بيني وبين – محمد فراح- الذي كان كاتبا عاما للجامعة الوطنية . فقرر الراحل: الانسحاب من الشبكة؛ إيمانا منه برفض الصراع بين الإخوة والأصدقاء والرفاق؛ فاختار طريق ما يسمى (الاحتراف) في 2004 لينجز مسرحية للاجميلة للزبير بنبوشتى: تشخيص كنزة فريدو وحسنة الطمطاوي لكنه لم يجد ذاته في هذا الشق؟ كما وجَده في / رحلة حنظلة / البحث عن متغيب/ العقرب والميزان/.../ فالتجأ بين الفينة والأخرى تأطير رواد – مسرح الشباب – والمشاركة في لجنه .حتى انهار في غفلة من ضبط نفسه؛ ليعيش عوالم بين الموت والحياة أسابيع معدودة؛ ليجد نفسه شبه فاقد للذاكرة في عدة لحظات؛ إنها معاناة أخرى عاشها في زمن النكران وعدم الإيفاء بأحقية رجالات ضحوا من أجل الإبداع والرقي بتذوق فني سليم؛ بما فيهم الراحل عنا – جمال العبراق- والذي غادر قبح المشهد !!

 

نجيب طلال