diaa nafie2نشرت المجلة العلمية لجامعة بطرسبورغ الروسية بحثين للمستعربة الروسية الدكتورة موكروشينا عن دور المرأة العربية ومساهمتها الكبيرة في عملية الابداع الادبي العربي، وقد اختارت المستعربة موكروشينا الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة انموذجا في مجال الشعر والروائية العراقية لطفية الدليمي انموذجا في مجال النثر.

الدكتورة أماليا أناتوليفنا موكروشينا مستعربة روسيّة، وهي في الوقت الحاضر تدريسية  في قسم - (نظرية التطور الاجتماعي لبلدان آسيا وأفريقيا) في الكلية الشرقية بجامعة بطرسبورغ (لينينغراد سابقا)، وتساهم – بنشاط وحيوية – في اعمال المؤتمرات العلمية للمستعربين الروس، والتي تجري عادة في مختلف المدن الروسية وجامعاتها، وقد التقيتها في المؤتمر الثاني عشر للمستعربين في معهد الاستشراق بموسكو (انظر مقالتنا – حول مؤتمر المستعربين في معهد الاستشراق بموسكو)، حيث ألقت بحثا متميّزا حول مسرحية مصطفى محمود (الانسان والظل)، والتي اختارتها هي بنفسها و قامت بترجمتها من اللغة العربية الى الروسية ونشرتها في بطرسبورغ بدعم من المركز الثقافي الروسي – العربي في تلك المدينة. تحدثّنا اثناء هذا اللقاء السريع عن طبيعة نشاطاتها العلمية في مجال حركة الاستعراب الروسية، وكان العراق  طبعا حاضرا في تلك الاحاديث، وعلمت منها انها قد نشرت بحثين حول الادب العراقي الحديث في مجلة (فيسنك  بيتربورسكوفو  اونيفرسيتيتا) (اخبار جامعة بطرسبورغ)، وهي مجلة متخصصة بنشر البحوث العلمية للتدريسيين الروس في تلك الجامعة وكذلك في الجامعات الروسية الاخرى، وأثار هذا الموضوع اهتمامي الشديد طبعا، اذ انه يقع  في صلب متابعاتي للعلاقات الروسية – العراقية في مجال الثقافة بشكل عام والادب بشكل خاص، وحاولت التوقف عند هذا الموضوع و الاستفسار منها حول ذلك بشكل اوسع، لكن طبيعة ذلك اللقاء السريع في اروقة المؤتمر المذكور لم تسمح لنا بالطبع ان نتحدث بالتفصيل عن هذين البحثين، فطلبت منها ان ترسلهما لي للاطلاع عليهما اذا كان هذا ممكنا، وقد نفّذت موكروشينا وعدها فعلا، واستلمت البحثين بالبريد الالكتروني كما اتفقنا، ووجدت انهما يستحقان ان نعرضهما للقارئ العربي حتما لكي يطلع عليها، اولا، لان هذا الشئ بحد ذاته يعد حدثا مهما وبارزا وغير اعتيادي بتاتا في مسيرة العلاقات الفكرية (ان صحّ التعبير) بين روسيا والعراق و التي جاءت بمبادرة من الجانب الروسي بالذات ودون اي تنسيق او دعم او تخطيط من الجانب العراقي، وثانيا، لأن الكتابة عن المبدعين العراقيين من قبل باحثين أجانب، ومن خارج العراق، و نشرها  في مجلة علمية خاصة بالبحوث والدراسات في جامعة مهمة وعتيدة مثل جامعة بطرسبورغ، كل ذلك يعني الكثير الكثير ويمتلك اهمية استثنائية جدا، خصوصا اذا كان هؤلاء المبدعين من (العيار الثقيل!!!) مثل لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي، (رغم انهما يعتبران طبعا رمزا للرشاقة والجمال في ادبنا الحديث).

ترسم المستشرقة موكروشينا في بحثيها صورة متكاملة عن لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي، حيث تبدأ بالحديث عن ميلادهما ودراستهما الجامعية، ثم تتوقف عند ابرز النتاجات الادبية لهما، وتعرض مواقفهما الفكرية، وتتوقف عند مكانتهما الآن في عالم الادب المعاصر عراقيا وعربيا....

في البحث الذي تناول لميعة عباس عمارة، والذي جاء بست صفحات من المجلة المذكورة، توجد ترجمات لعدة قصائد من شعرها، واول تلك القصائد هي قصيدة - (عراقية) الشهيرة، هذه القصيدة الغريبة للقارئ الاجنبي بلا شك بمضمونها المعروف وبشكلها الفني المتميّز، اذ انها مكتوبة على شكل حوار مباشر بين الشاعرة مع رجل، حيث ترفض كل ما يقترحه عليها، والسبب  لانها (عراقية!)، وهذه القصيدة مثيرة للقارئ الاجنبي بلا شك، وهناك اربع قصائد اخرى مترجمة في ذلك البحث، وهذه الترجمات تظهر للمرة الاولى بالروسية، وهي تكمل طبعا الصورة المتكاملة للشاعرة امام القارئ الروسي، وقد اخبرتني المستشرقة موكروشينا انها حاولت الاحتفاظ بتلك الاجواء الشعرية عند الترجمة، وان ذلك لم يكن سهلا بتاتا، فقلت لها انني اترجم الشعر ايضا على مدى اكثر من اربعين سنة، وبالتالي فانني اتفهم ما كنت تعانيه اثناء ترجمتها لشعر لميعة عباس عمارة.

اما البحث الخاص بلطفية الدليمي فقد جاء بسبع صفحات في المجلة المذكورة، وتناول ايضا سيرة حياة لطفية الدليمي وبداية نشاطاتها الابداعية في مجال القصة والرواية، وتحدثت عن مكانتها المرموقة في هذا العالم الابداعي، وتوقفت بالتفصيل عند روايتها – (سيدات زحل)، واشارت الى الطبعات الثلاث لهذه الرواية باعتبارها ظاهرة متميّزة في مسيرة الادب بشكل عام في العراق، وان ذلك يعد نجاحا باهرا لهذه الروائية، وتأسف الباحثة لأن القارئ الروسي لا يعرف ابداعها، اذ لم يقدمها المترجمون الروس الى هذا القارئ، ما عدا قصة لها ضمن كتاب (لؤلؤة الشرق) الذي ظهر عام 2015 في بطرسبورغ (انظر مقالتنا بعنوان – النثر العراقي المعاصر باللغة الروسية)، وان ذلك لا يمكن بتاتا ان يرسم صورة متكاملة لمكانتها الابداعية في الادب المعاصر عراقيا وعربيا.

ان العمل العلمي الذي قدمته المستشرقة موكروشينا في بحثيها عن لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي يعد كلمة جديدة في مسيرة الدراسات الروسية عن الادب المعاصر في العراق، وستدخل حتما ضمن البيبلوغرافيا الروسية حول الادباء العراقيين ومكانتهم في تاريخ  دراسة الادب العربي المعاصر في روسيا.

 لنصفق للمستشرقة الروسية أماليا أناتوليفنا موكروشينا (وهذا أضعف الايمان) تعبيرا عن شكرنا لها لتعريف القارئ الروسي بادبنا المعاصر واعلامه، وهو الشئ الذي يجب ان تقوم به مؤسساتنا الثقافية طبعا، ولكن..... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

asmaa mohamadmustafa2شخصيتان موسوعيتان تتميزان في طروحاتهما بالعلمية والثقافة الموسوعية والأكاديمية والمهنية، كلتاهما تهتم بالتاريخ والتراث والحضارة والمعاصرة وأهمية الحوار بين الحضارات والأمم والشعوب، وإيجابيتهما في التعامل مع التراث والتحاور مع الماضي بمايفضي الى حاضر أفضل، زاهٍ بالرؤى البناءة والأفكار الداعية الى بناء البلد بما يعيده الى مصاف الدول الحضارية التي تشع بالعلم والمعرفة .

هاتان الشخصيتان تتسمان بإهتمامهما بالآخرين، وهذا يتضح من خلال صفحتيهما في فيس بوك، مثالاً، واللتين تجد فيهما إشراقات المعلومة والفكرة الناضجة والإيجابية والداعمة للآخرين والنائية عن الأنانية وحب الذات .

عن المؤرخ الأستاذ الدكتور العلّاف إبراهيم، والصحافي والباحث الموسوعي الطاهر عكَاب سالم نتحدث .. كلاهما يسعى الى البناء الفكري والثقافي والأخلاقي وإفادة الجيل الجديد وترسيخ القيم السامية، ومن ذلك ما أشار اليه العلاف في احدى كتاباته قائلا : "من أكثر الصفات التي أبحث عنها وأكرس الاهتمام بها في منشوراتي الحب والوفاء والصدق والإيجابية والتفاؤل وزرع الخير والبناء والواقعية "، كما إنهما يهتمان كثيرا بالآخرين مايؤكد على حب الإنسان لأخيه مايحب لنفسه، وهذه حكمة مفضلة لدى الباحث عكاب سالم الطاهر وأشار اليها في سيرته الذاتية، وقد قال ذات مرة أنه عاهد نفسه على تسليط الضوء على الآخرين ترسيخاً لمبدأ الإهتمام بالغير ونبذ الأنانية، ومن هنا يتبين لنا إتصاف هذين الكبيرين في منجزهما وأخلاقهما بتواضع يليق بجليلي قدر مثلهما، وهو ما يتجلى عبر تسليطهما الضوء على الآخرين من المبدعين وبمختلف الأعمار والمستويات والمجالات، يكتبان عن الرواد والشباب، يدعمان الجدد، وحتى إبداعات البراعم الصغيرة لها من إهتمامهما نصيب، ويضيفان الى أضواء تجارب الآخرين الإبداعية ضوءا جديدا من خلال الدعم بالكلمة الهادفة، الناقدة، البناءة، ولهذا تزدحم صفحتاهما باستذكارات ومنشورات عن مختلف الشخصيات والكتب والأمكنة والمدن والحكم فضلا عن الأخبار والأحداث التاريخية المهمة وغيرها . 

هما موضوعيان في عرض أفكارهما، الى جانب تنورهما وتقدميتهما . ونذكر هنا، على سبيل المثال، أنّ الدكتور إبراهيم العلاف الذي أطلق عليه محبوه ومتابعوه لقب (شيخ الفيسبوك العراقي) و(رائد التدوين في العراق) ينشر بين وقت وآخر مايعبر عن رفضه سلبية التفكير وسوء الظن والأحكام العشوائية والأفكار الرجعية او المعيقة لبناء البلد، كما ينبه الشباب الى أهمية أن لايفكروا بطريقة متخلفة، وإنما يدعوهم الى أن يقبلوا على الحياة والعلم بعقول متفتحة تتقبل التطور والتقدم، ويبدو لنا هنا أنّ هذا الرجل الجليل بعقله الناضج هو أكثر شبابا من بعض الشباب الذين يقابلون الأفكار الحرة والتقدمية بعنف وتخلف وجهل وعنجهية .

هما دائما العطاء، تأليفاً أكاديميا وكتابة صحافية وتفاعلاً مع الآخرين، يعبران جسور الحياة حاملين معهما قناديل المعرفة يضيئان بها طريق الأجيال .. وكما يقول الصحافي اللامع غزير العطاء عكَاب سالم الطاهر في احدى كتاباته " نحن نعبر جسر الحياة .. وخلال عملية « العبور » هذه، نمر بمحطات، ونواجه شرائح من المجتمع، ونتحاور مع عينات .. نتوقف..نستريح .. ومن ثم نحث الخطى .. مشاهد كثيرة ومتنوعة من النشاط الإنساني، فيها العام والخاص .. الذاتي والموضوعي .. الحلو والمر .. الدمعة والابتسامة".

وختاما، نعرض سيرتي هذين العلمين العراقيين متمنين على الشباب الاستفادة من خزينهما المعرفي : فالدكتور إبراهيم خليل العلّاف هو مؤرخ وكاتب صحافي وأستاذ متمرس في مركز الدراسات الاقليمية – جامعة الموصل / العراق . مواليد محلة رأس الكور، الجانب الايمن من مدينة الموصل 1945. رئيس أسبق لقسم التاريخ في كلية التربية – جامعة الموصل 1980-1995 . مدير أسبق لمركز الدراسات الإقليمية - جامعة الموصل- العراق . رئيس أسبق لجمعية المؤرخين والآثاريين في الموصل . مُنح وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب في 15 تموز 1986 تقديراً لجهوده في خدمة التاريخ العربي . حصل على امتياز رعاية الملاكات العلمية للسنتين الدراسيتين 1999-2000 و2001- 2002. حصل على أكثر من جائزة تكريمية وشهادة تقديرية لجهوده في النشر العلمي وخدمة الوطن في مجال التاريخ . أمين تحرير موسوعة العراق الحضارية 1998-2003.عضو مجلس كلية التربية - جامعة الموصل 1998- 2003. عضو مجلس جامعة الموصل 1995- 1997 .شغل منصب رئيس قسم التاريخ في كلية التربية- جامعة الموصل 1980- 1995. شغل منصب مدير مركز الدراسات التركية سابقاً (الاقليمية حاليا) للمدة من 1995- 2003 ومن 2006 الى 2013 .عمل سكرتيراً لتحرير مجلة التربية والعلم التي تصدرها كلية التربية في جامعة الموصل لسنوات عدة .عمل رئيساً لتحرير مجلة أوراق تركية معاصرة . عمل عضواً في هيأة تحرير مجلات: آداب الرافدين وأوراق موصلية والموصل التراثية . عضو الهيأة الاستشارية لمجلة دراسات سياسية واستراتيجية التي يصدرها (بيت الحكمة) التابع لديوان مجلس الوزراء في العراق 2017 . عمل رئيس تحرير مجلة دراسات إقليمية. رئيس اتحاد كتٌاب الانترنت العراقيين . عضو إتحاد كتاب الأنترنت العرب . عضو جمعية الأنترنت العالمية . أصدر نحو 50 كتابا منها : نشأة الصحافة العربية في الموصل (1982) . تطور التعليم الوطني في العراق (1982) . التاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916 (1983) . التاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر (1987) . التاريخ العراق المعاصر (1989). قضايا عربية معاصرة (بالاشتراك) . تاريخ إيران وتركيا الحديث والمعاصر بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور خليل علي مراد . دراسات في تاريخ الخليج العربي والجزيرة العربية (1986) بالاشتراك مع آخرين . القدرات النووية في الشرق الأوسط (2006) . العراق والولايات المتحدة الاميركية (2006) . خارطة التوجهات السياسية في تركيا المعاصرة (2004) . تاريخ الفكر القومي (2001) . شخصيات موصلية (2007) . أوراق تاريخية موصلية (2006) . نحن وتركيا : دراسات وبحوث . مباحث في تاريخ الموصل (2013) . تاريخ الموصل الحديث (2004)، تاريخ الجيش العراقي وتطور دوره الوطني (بالاشتراك مع أساتذة آخرين) . مشكلة المياه والموارد المائية في الشرق الأوسط . أعلام من الموصل (2014) . له أكثر من (500) بحث ودراسة منشورة . اشترك بندوات ومؤتمرات علمية داخل العراق وخارجه. اشترك بتحرير العديد من الموسوعات داخل العراق وخارجه . كرم من قبل الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب ضمن العلماء الأعلام في الاول من يناير / كانون الثاني 2007 تقديرا لجهوده في خدمة حركة الثقافة العربية . قدم برنامجا تلفزيونيا من على قناة الغربية (الفضائية) بعنوان شذرات . يقدم منذ الاول من أيلول 2017 برنامجا تلفزيونيا من قناة (الموصلية ) الفضائية بعنوان موصليات.

أما الباحث الموسوعي عكَاب سالم الطاهر، فقد ولد سنة 1942، في ريف ناحية گرمة بني سعيد، قضاء سوق الشيوخ، محافظة ذي قار .أكمل الدراسة الابتدائية في مدرسة الگرمة سنة 1955، والدراسة المتوسطة في متوسطة سوق الشيوخ سنة 1959. والدراسة الإعدادية في اعدادية الناصرية سنة 1961، والدراسة الجامعية في كلية الهندسة / جامعة بغداد سنة 1971.

شغل العديد من الوظائف الإدارية والهندسية والصحافية، منها :مدير عام دار الثورة للصحافة والنشر / جريدة الثورة سنة 1975 . مدير عام الدار الوطنية للنشر والتوزيع والإعلان سنة 1979 . رئيس تحرير مجلة (ألف باء) سنة1981.

عضو نقابة المهندسين العراقيين، ونقابة الصحفيين العراقيين، والإتحاد العام للكتاب والادباء العراقيين، وإتحاد الصحفيين العرب.

أصدر 11 كتابا في حقول معرفية متنوعة، منها : من حقيبة السفر، موسوعة الشخصيات العراقية، على ضفاف الكتابة والحياة .. الاعتراف يأتي متأخرا، موضوعات في الكتابة : (اختراعها، أشكالها، موادها وأدواتها، كتابة الكتابة، قراءة الكتابة، المكتبات)، وآخرها كتاب: حوار الحضارات الصادر سنة 2017.

تعرض للملاحقة والاعتقال في العهد الملكي والعهود الجمهورية المتعاقبة.

متقاعد من الوظيفة. يمارس العمل الكتابي .. لاسيما الصحافي .

 

أسماء محمد مصطفى

 

lutfi shafiksaedركبنا (الريل) وهي الكلمة التي يطلقها الناس في ذلك الزمن على القطار  وهي مشتقة من الكلمة الإنجليزية (Rail Way)، لقد كان السفر في القطارات في ذلك الزمن له نكهة ومتعة خاصة وأثرا جميلا وعميقا خاصة في نفوس الأطفال لما يشاهدونه من معالم ومباني وصالات انتظار لم يألفوها داخل المدن إضافة لصخب المسافرين وضجيج عجلات القطارات الرائحة والآتية وصوت صفاراتها ودوي ماكناتها التي تعمل على قوة البخار الذي يولده الفحم الحجري الذي تنبعث منه رائحة نفاذة تملأ أجواء المكان وتبقى عالقة بالذاكرة.

جلس جميعنا تحت سيطرة الوالد في الدرجة الثالثة على مصاطب خشبية في أحدى حافلات القطار والذي كان يطلق على تسميتها (فاركون) وكان الوقت مساء وإن أهم  شيء يجب أن توفره الوالدة لهذه السفرة الطويلة التي تستغرق الليل بطوله وجزء من صباح اليوم التالي هو سلة تحوي متاع السفرة من طعام وماء، إن وجودنا في الحافلة  أشبه ما يكون بغرفة يشترك فيها عديد من الناس رجال ونساء وأطفال ومن جميع الاجناس تختلط أصواتهم التي تطلق لغات مختلفة فتشكل حالة من الهرج والمرج وخاصة قبل انطلاق القطار، إن التطلع من زجاج نافذة القطار المغلقة بإحكام  تشكل حالة من أجمل حالات المتعة والخيال  نتيجة تلك الصور المتحركة فوق رصيف المحطة تحت أضواء المصابيح الخافتة التي تغلفها ابخرة وأتربة ناتجة عن حركة القطارات.

لقد كان نظري يتركز في تلك اللحظة على الشخص المسئول عن إعطاء إشارة الانطلاق وهو يلوح بضوء فانوس يرفعه للأعلى إيذانا بحركة القطار بعد أن يقوم عامل آخر مختص بفحص عجلات القطار الفولاذية الضخمة  

 ويتأكد من سلامتها وذلك بالطرق عليها بمطرقة حديدية ويبدو أن خبرته الخاصة تمكنه أن يميزها من رنين صوتها فيما إذا كانت سليمة أم لا.

أطلقت ماكنة القاطرة عدة صفارات أعقبتها رجة مفاجئة جعلت من في (الفاركون) يندفع لأمام بحركة عفوية وعندها انطلقت القاطرة تنهب الأرض وأخذت أعمدة الضياء والمباني تركض إلى الخلف ثم تختفي تدريجيا ويسود ظلام دامس في الخارج يتخلله صوت انزلاق عجلات القطار الرتيب على السكة الحديد محدثة اهتزازا ممتعا يوفر فرصة جيدة للركاب لكي يذهبوا بنوم عميق عدا بعض الأطفال الذين تستهويهم الرحلة إضافة لعويل وصراخ الأطفال الرضع.

بين فترة وأخرى تجعر ماكنة القاطرة معلنة التقرب من أحدى المحطات التي سيتوقف عندها للتزود بالماء المطلوب لتأمين البخار في المرجل، ومع كل انطلاقة وترك محطة من المحطات  تكون البصرة والقرنة والعشار قد ابتعدت عنا ولم يبق منها سوى تلك الذكريات اللذيذة وكم تمنيت أن أنقل معي منها ما كان يعجبني من التمر والعنب (الملاسي ودك السبال) وصورة  القنطرة الرفيعة من جذع النخل التي كنت اعبرها متوجسا ومتشبثا بيد أختي (علية) التي تكبرني بعامين لكي نجتاز الترعة إلى الجانب الآخر لتشتري لي بعض الحلوى.

 أضن بأن الوالد كان أكثرنا تأثرا بفراق البصرة والعشار ولياليها الملاح التي كان يقضيها صحبة جوقة (الخشابة) متنقلا في (مشحوف) يمخر عباب شط أبي الخصيب وكأنه جندول مدينة البندقية أو أمتع منها.

إنني لو نسيت فإنني لا أنس بيتنا المطل على شط أبي الخصيب الذي كنت أتطلع من شرفاته على الجسر الخشبي المجاور وحركة البط واشعة الشمس التي تتلألأ على صفحة النهر ورائحة السمك التي تملأ الأجواء لدرجة كنت أشعر فيها أن تلك الأسماك قريبة من عتبة دارنا.

 تركنا مدينة القرنة التي منحتنا ولادة فرد إضافي لعائلتنا وهي أختي سعيدة وقد اسماها أبي بهذا الاسم تيمنا بالسعادة التي عشناها في تلك الربوع وفي ذلك الزمن الجميل إن هذه المولودة الجديدة عززت ارتباطنا بتلك البقعة الجميلة من ارض الوطن.

كم أتمنى لو أن عمري كان أكبر في تلك المرحلة لتمكنت حينها من معرفة عادات ناسها الطيبين واستيعاب ما كان يدور حولي وأسماء الأمكنة والشوارع والحارات والأسواق التي تعرفت عليها مؤخرا مثلما تعرفت على العديد من أبناء البصرة ذوي السحنة السمراء المحببة وحلاوة اللسان وقد ربطتني علاقة بالبعض منهم  في سجن السلمان الذي كان يظم الكثير من أبناء البصرة شعراء وأدباء وفنانين وكتاب وأساتذة وحاملي شهادات عليا وعمال بسطاء وخاصة عمال موانئ البصرة الشجعان ومن تلك الشخصيات التي بقيت راسخة في ذاكرتي الشاعر كاظم الحجاج والشاعر الشاب خالد الخشان والكاتب الموسوعي مصطفى عبود والعامل البسيط الأسمر بلون خشب الأبنوس جمعة البصري وغيرهم كثيرون، ومثلما تمنيت أن أكون أكبر من عمري في تلك الفترة أتمنى الآن أن أكون أصغر وبعمر حفيدي ذي الأربع سنوات واجتاز هذا الزمن المر زمن القراصنة وربما وأقول ربما أن تكون الأزمنة القادمة تحمل الكثير من المتغيرات العلمية والتكنلوجية تصحبها تطورات بطفرات متسارعة، كما رأينا خلال انتقالنا من زمن سلطة العسف والكبت والحرمان والانغلاق على العالم إلى عالم الاتصالات السريعة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وكلنا يتذكر كيف استقبلنا (موبايل نوكي) وهو ما أطلق عليه تسمية (الطابوكة) لصغر حجمه وكذلك استخدام صحون (الستلايت) التي ربطتنا بالعالم المتمدن ولكننا مع الأسف أسئنا استخدامها وأساءت الينا مؤخرا بنقلها فضائيات  عكرت صفو حياتنا بما تبثه من تفاهات.

وصلنا إلى وجهتنا بغداد عند الساعة العاشرة صباحا على ما أضن وتوجهنا إلى بيت خالتي أم يونس نستقل عربة يجرها حصانان وكم كان صوت حوافر الحصانين تطربني وهي تضرب أسفلت الشارع في وقت كان الحصانان يهزان رأسيهما وبحركات متناغمة مع رنين الأجراس المعلقة في رقبتهما وبين الفينة والأخرى ينطلق صوت الحوذي الذي يرفع كرباجه في الهواء مطلقا صرخة (ديخ) يحث فيها الحصانين على الانطلاق بسرعة والأطفال يركضون خلف العربة ويصرخون (عربنجي وراك) مشيرين إلى وجود طفل متشبث خلف العربة.

وصلنا إلى بيت خالتي الكائن في محلة قمر الدين وهي من المحاليل القديمة في باب المعظم من بغداد تنتهي قبالة بناية وزارة الدفاع القديمة، إن بيت الخالة يقع في (دربونه) ضيقة مغلقة تظم أربعة بيوت صغيرة عدا بيت واحد  يتصدر(الدربونه)  فهو واسع يشغله ضابط برتبة عقيد بمنصب آمر كتيبة مدفعية سمين الجثة وبالكاد يتمكن من ولوج  (الدربونه) لدرجة أن وجوده يعيق مرور الآخرين.

    في صباح كل يوم يجلب أحد مراسلي الضابط المذكور حصانا ليعتليه ويذهب بواسطته إلى الكتيبة بشرط أن يساعده المراسل على امتطاء ذلك الحصان المسكين الذي يأن تحت ثقله.  

إن المكوث في بيت الخالة يشكل محطة استراحة وزيارة موقتة لقضاء فترة العطلة المدرسية الصيفية إضافة لذهاب الوالد إلى مكان وظيفته وهو مأمور نفوس قضاء الحي في لواء الكوت لغرض استئجار دار لنا قبل أن نذهب الى ذلك القضاء.        

كان بيت خالتي صغيرا جدا لا تتجاوز مساحته عشرين مترا مربعا  والدخول اليه يتطلب النزول درجيتين والبيت يتكون من حوش صغير في وسطه بالوعة أشبه بالسبتي تنك وعلى يمين الحوش طرمة مرفوع سقفها بعمودين وما يطلق عليها البغداديون (دلكات) وعلى يسار الحوش حوض صغير فوقه حنفية واحدة هي المصدر الوحيد لتأمين مياه الشرب والطبخ والاستحمام أما المطبخ فهو مكان تحت الدرج يظم دولاب خشبي يظم المؤنة وأدوات الطبخ وإن أداة الطبخ الوحيدة هي ( البريمس) وأداة تحضير الشاي هي ما يطلق عليها عند البغدادين (أبو الفتايل) إن هاتان الأداتان البسيطة هي التي توفر طعام الافطار والغذاء لجمهرة من البشر يكون تعدادهم خلال زيارتنا لبيت الخالة هو ثلاثة عشر نسمة ومنهم خالتي التي تحسن القراءة والتحدث بثلاث لغات الكردية والتركية والعربية وتهتم كثيرا بقراءة القصص وكتب التاريخ ودواوين الشعر وتحفظ بعض القصائد من شعراء عديدين بالرغم من عدم تحصيلها الدراسي واقتصر على الكتاتيب وزوجها الحاج سعيد ضابط من العهد العثماني وينتمي لعشيرة النعيم العربية وأصيبت ساقه في أواخر حياته بمرض (الكنكرينا) وتوفي أثرها وكان من مؤسسي أول جريدة عراقية هي جريدة الزوراء  أما الأبن البكر يونس فهو صحفي لامع بالرغم من أنه لم يكمل الدراسة واقتصر تعليمه على الكتاتيب والمله وكان يكتب افتتاحيات بعض الصحف في ذلك الوقت وألف كتابا بعنوان (شقاوات بغداد)والابن الذي كان عمره مقارب لأعمارنا يوسف فقد كان شعلة من الذكاء ومتفوقا بعلوم الرياضيات وهناك طرف آخر في البيت هو أبراهيم الملقب إبراهيم الأسود لسحنته السمراء وكان من أبرز لاعبي كرة القدم ويترأس فريق اللاسلكي المتميز والذي كان يفوز على الفرق الإنجليزية التابعة للجيش البريطاني المحتل للعراق والموجود في معسكر الهنيدي والذي تحول أسمه لاحقا إلى معسكر الرشيد وكان إبراهيم يشغل غرفة صغيرة مع شقيقته في رأس درج البيت وهما من أبناء الحاج سعيد من وزجته الأولى وإن شقيقة إبراهيم تدعى ناجية وهي التي تقوم بأعداد الطعام والتسوق بالرغم من نحول جسدها وتوفيت بعد أصابتها بمرض السل ولم يتجاوز عمرها الثلاثين عاما ولم تتزوج وقد يتساءل المرء كيف كان ينام هذا العدد الغفير وكيف كانوا  يستحمون ويقضون حاجاتهم فالتصور متروك للقارئ ولكن مع كل هذه اللمة والزحمة فقد كانت الألفة والعلاقة قائمة بين الكل بأحسن وجه وقد كان يومهم حافل وهم يضحكون ويتبادلون النكات والنوادر ولا يعكر صفو حياتهم الخوف والتوجس من المجهول ومثال على ذلك فإن صوت بائع التين الذي يتجول في الحارة ظهرا وعلى رأسه طبق التين وينادي (وزيري يا تين لاوي يا تين) ينعشهم ويحصلوا على كمية منه بملاليم  قليلة وبالإمكان قياس السعادة وتأمين لقمة العيش عندما نعرف أن خمسة بيضات دجاج بأربعة فلوس وإن الصمونة البيضاء والمحمصة الكبيرة التي رائحتها تفتح الشهية يوفرها بائع الصمون صباحا إلى عتبة الدار بفلسين وقس على ذلك بقية المواد من خضروات وفواكه وخاصة الرقي والبطيخ والعنب الأسود والجبن الأبيض وما يطلق عليه جبن العرب الذي هو عشاء أكثرية ساكني هذه المناطق من بغداد ولا أنس كذلك نداء أم القمير وهي تنادي فجرا بأعلى صوتها (كيمريو) وبعشرة فلوس يمكن للعائلة أن تؤمن وجبة قيمر عرب للإفطار مع الشاي أو يكون البديل وخاصة في يوم الجمعة باقلاء مع الدهن الحر والبيض توفره (حبه أم الباكلة) التي تتخذ لها مكانا ثابتا في الزقاق ومهمتها تنقيع خبز الزبائن في قدر الباقلاء الكبير والذي تتصاعد منه رائحة الباقلاء المسلوقة الشهية ولدى (حبه أم الباكلة) طريقة فريدة وظريفة بالتعرف على خبز كل زبون وذلك بربط خيط بلون معين لكل خبز وهي تنادي عند أخرجه من القدر خيط أحمر أو خيط أخضر وهكذا يمكن للزبون أن يعرف حصته من (قدر حبه ام الباكله).

كانت بغداد بالنسبة لي في هذا الوقت وفي عمر لم يتعد السابعة هي عبارة عن ذلك ازقاق الضيق والعشرة الطيبة التي توفرها بيت الخالة ولم تكن لي علاقات مع صبية الحارة ولم أكن قد دخلت أحد مدارسها والمرة الوحيدة التي شكلت معلما مهما في ذاكرتي هي عندما أخذني كل من أخي علي الذي يكبرني ستة سنوات وابن خالتي يوسف الذي يكبرني بسنتين إلى السينما وهي المرة الأولى التي أذهب اليها واصبت خلالها بالهلع والاستغراب مما شاهدته في وقتها فلم أكن أعي بأن ذلك هي صور متحركة  فقد كنت أظن أنها حقيقية وإن الشخاص الذين يتحركون أمامي لا أدري أين يختفون ومنهم من يدخل إلى غرفة وآخرين يخرجون ويتغير المشهد بظهور نساء جميلات بملابس شبه عارية لم اعهدها وبعظهم ينطلق بالغناء بعبارات غير مفهومة وغير متداولة بيننا ذلك هو فيلم الوردة البيضاء للموسيقار محمد عبد الوهاب مع فاتن حمامة من انتاج السينما المصرية خلال أعوام الثلاثينيات وقد عرفت تلك التفاصيل بعدة مدة وبعد أن كثر الذهاب إلى السينمات في وقت لاحق سيرد ذكرها في الفصول القادمة وإلى الفصل الثالث من المرافئ.    

    

لطفي شفيق سعيد

 

mohamad suhaylahmadولد جان موريس كليمنت كوكتو في كنف اسرة ثرية  في الخامس من يوليو/ تموز 1889 ببلدة صغيرة صغيرة تقع بالقرب من باريس .وقبل ان يتم العاشرة من عمره ؛ فجع بانتحار ابيه  وبهذا بدأت علاقة كوكتو مع الغياب في سن مبكرة. في عام 1900 يلتحق بمدرسة اهلية ما يلبث ان يطرد منها في 1904.اثر ذلك يهرب الى مرسيليا حيث يقطن في حي الضوء الأحمر تحت اسم مزور ، غير ان الشرطة تكتشفه وتعيده الى كنف عمه . وفي سن (17) او (18) يقع في غرام ممثلة تدعى (مادلين كارليه) كانت في الثلاثين من عمرها اي اكبر منه باثنتي عشرة سنة ؛غير انها تبتر تلك العلاقة في سنة 1908 . ويقترن اسم كوكتو فيما بعد بشخصية ادوار دي ماكس الممثل التراجيدى الذي كان يتمتع بسطوة نسبية في عالم المسرح الفرنسي  في تلك الحقبة  وهو الذي يشجع كوكتو على الكتابة الابداعية بدءاً بالشعر. وهو الذي يشجع كوكتو على الكتابة الابداعية بدءاً بالشعر. وفي العام 1909يلتقي كوكتو براقص البالية الروسي الشهير سيرجي دياغليف الذي بدوره يحفز كوكتو على ولوج عالم الباليه بل ويتحداه ان يكتب نصا معدا للباليه فيكتب كوكتو نصا مدهشا قياسا بحداثة تجربته . ويلتقي كوكتو ايضا بالمؤلف الموسيقي ايغور سترافنسكي الذي كان حينذاك منهمكا بانجاز عمله الشهير (طقوس الربيع) . وفي ربيع 1914يزور كوكتو سترافنسكي في مقر اقامته بسويسرا وهناك ينجز كتابه الاول (بوتوماك) .وفي صيف 1914تندلع الحرب العالمية الاولى ، وعلى الرغم من ان كوكتو لم يخدم في الجيش ، الا انه يعمل في مركبة اسعاف بعد ان يتعرف الى مجموعة من جنود البحرية  ويقع في الأسر غير انه يعود لحياته المدنية في 1915.

 في عام 1917 يلتقي كوكتو ببيكاسو حيث يسافر الاثنان الى روما للالتقاء بدياغليف . في هذه المرحلة يقوم كوكتو بتعضيد دياغليف عن طريق إعداد عمله الراقص (الموكب Parade) في حين يسهم بيكاسو في اعداد الأرضية المشهدية .ولسوء الحظ  يفشل العرض الاول فشلا ذريعا ليتحول الى ما يشبه الكارثة ، ومع ذلك فان العمل الراقص نفسه سيلاقي نجاحا منقطع النظير بعد سنين . اثر ذلك يستأنف كوكتو علاقاته مع عدد من الفنانين المعروفين ما يدفعه لتأسيس دار للطباعة وهي الدار التي ستضخ بعضا من كتب كوكتو المؤلفة وكتبا اخرى من تأليف سترافنسكي وآخرين . أما في عام 1918 فيلتقي كوكتو بروائي صغير في السن(15 سنة) يدعى ريمون راديغيون سيكون له تأثير بالغ الاهمية على حياة  وفن كوكتو ! لكن الأخير يموت بحمى التايفوئيد عام  1923ليشكل رحيله صدمة كبرى لكوكتو تدفعه  به الى أتون تعاطي الأفيون . في هذه الفترة يكتب كوكتو واحدة من اهم مسرحياته (اورفي) ورواية ؛ اضافة لعدد من القصائد المطولة .

دم الشاعر

ويشهد عام 1930 ظهور فيلم كوكتو الأول (دم الشاعر) والفيلم عبارة عن تقريظ لأسطورة كوكتو الفردانية نفسها . تدور قصة الفيلم حول شاعر يحكم عليه بالتجوال في ردهات فندق (دراماتيك فولي) عن اقترافه لجريمة تحويل احد التماثيل الى مخلوق حي . وفي بواكير الثلاثينات يكتب كوكتو ما يعتقد انها واحدة من اجمل نصوصه المسرحية (الآلة الجهنمية) يدور موضوعها المحوري حول تعاطي الأفيون ، كذلك يؤلف كوكتو (الصوت البشري) و(فرسان المائدة المستديرة) و(العلاقات الحميمة) 1938 وغيرها .

بدايات النهاية

  خلال السنوات الخمس عشرة سنة القادمة ستبدأ مسيرة كوكتو بالانحدار بسبب تعاطيه للمخدرات . ولقد كانت عودته لعالم الكتابة مرهونة أصلا بإيحاءات صديقه المقرب الممثل الفرنسي الشهير (جان ماريه)، ومع ذلك وفي عام 1945يخرج كوكتو فيلمه المميز (الجميل والوحشي) أو (الحسناء والوحش) حيث يلعب جان ماريه اكثر من دور في ذلك الفيلم  . ويبرز (ماريه) من جديد عبر فيلم كوكتو (اورفي) .

 وفي عام 1945 وبسبب رحيل صديقته الروائية (كولييت) يحتل كوكتو موقعها في الأكاديمية البلجيكية ، وفي 1955 ينتخب رئيسا للأكاديمية الفرنسية . ومع مجيء عام 1959 يخرج فيلم (عهد اورفيوس)بالتعاون الفني مع بيكاسو ؛ يول برينر وجان بيار لوي .ويموت الفنان اثر نوبة قلبية وهو في الرابعة والسبعين من عمره في الحادي عشر من اكتوبر 1963اثر سماعه للنبأ الحزين المتعلق برحيل صديقته المغنية الشهيرة اديث بياف .

كوكتو في الميزان

منذ البدء انضوى كوكتو تحت لواء جلّ المدارس الفنية والأدبية الطليعية وتعرف على مارسيل بروست الذي اظهر اهتماما كبيرا بموهبته .خلال الحرب العالمية الثانية اخذ عليه النقاد انه لم يظهر امتعاضا للاحتلال الألماني لفرنسا بل على العكس ارتبط بعلاقة صداقة مع الكاتب الالماني المعروف ارنست يونغر الذي كان  آنذاك ضابطا في جيش هتلر ، وكانت له صلة ببريكر النحات المفضل لهتلر .وبسبب مواقفه هذه هاجمته المقاومة الفرنسية وكادت ان تفتك به حيث هاجمه احد أعضائها بينما كان يعبر ساحة الكونكورد وأوشك ان يفقد إحدى عينيه ، غير ان بعض الأدباء الفرنسيين المرموقين مثل اراغون وايلوار ابدوا استعدادهم للدفاع عنه  إنْ هو حوكم بتهمة الخيانة العظمى تلك التهمة التي وجهت الى بعض الادباء الفرنسيين الذين تعاملوا مع القوات النازية خلال فترة الاحتلال . ورغم فضل كوكتو على الكثير من المواهب الادبية والفنية ؛ كدوره حيال الروائي ريمون راديغيون وجان جينيه وماس جاكوب ، الا انه لم يتمكن من فرض وجوده كأديب وشاعر وسط مبدعي عصره امثال سارتر وكامو واندريه جيد وقد سبب له هذا الشعور ايذاءاً نفسيا بالغا .

 عن كوكتو يقول الروائي الفرنسي باسكال بروكيز : انها للعنة حقيقية ان يكون الإنسان متعدد المواهب الى درجة الإفراط مثل جان كوكتو !

 

محمد سهيل احمد

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.

مَا قَدْ لا يَعْرِفُهُ الكثير مِنْ القراء، أنَّ مدينةَ السَماوة الَّتِي أنجبت العَديد مِن الشعراءِ وَالأدباء وَالفنانين وَغيرهم مِن المبدعين فِي مجالاتِ الحياة الأخرى، كانت إلى عهدٍ قريب قضاء تابعاً لمتصرفيةِ - محافظة - الديوانية، قبل أنْ يرفعَ مستواها الإداري - فِي اليومِ السادس وَالعشرين مِنْ شهرِ حزيران عام 1969م - بقرارٍ حكومي الى درجةِ لواء، ثم مَا لبث أنْ أصبحت ثاني أكبر محافظة فِي العراق مِنْ حيث المساحة وَالأقل مِنْ ناحيةِ السكان عَلَى خلفيةِ تطبيق " قانون المحافظات " فِي الأولِ مِنْ شهرِ تشرين الأول عام 1969م، وَالَّذِي أفضى أيضاً إلى تغييرِ اسْمها إلى محافظةِ " المثنى " نسبة إلى اسْمِ القائد الإسلامي المثنى بن حارثة الشيباني.  

بالاستنادِ إلى مَا تقدم ذكره آنفاً، فإنَّ تحقيقَ الحلمِ الَّذِي كانت تعول عليه عائلة السَماوي يحيى، والمتمثل بانتظامِ ابنها فِي " دارِ المعلمين الإبتدائية "، لا يمكن حدوثه إلا عن طريق التواجد فِي مدينةِ الديوانية الَّتِي كانت تشكل يومذاك مركز ذلك اللواء، مَا يعني تنعمها بالحصةِ الأكبر مِن الدوائر الرسمية قبالة شحتها أو عدم توفر بعضها فِي المدنِ الأخرى وإنْ كانت مناظرة لها مِنْ حيث الدرجة الإدارية، حيث أنَّ المعاهدَ وَالمدارس الرسمية كانت قليلة وقتذاك، فضلاً عَنْ تركزِها فِي مراكزِ الألوية والمدن الحضرية، وهو الأمر الَّذِي يقضي بضرورةِ سفره إلى مدينةِ الديوانية؛ جراء تيسر المعهدِ المذكور آنفاً، وَالَّذِي يتيح له إكمال دراسته، لكن المذهل فِي الأمرِ أَنَّ السَماويَ حين اجتاز مرحلة الدراسة المتوسطة بنجاح، استبدل رغبته بتطلعاتِ والديه، حيث ذهب إلى إدارةِ ثانوية السَماوة مِنْ أجلِ مواصلة دراسته فيها بدلاً مِنْ السفرِ لمدينةِ الديواني لتقديمِ أوراقه إلى دارِ المعلمين الإبتدائية.

تَـعِـبـتُ مـن الــغِــراسِ بـلا حَـصـادِ

ومـن جـرحٍ يـعــزُّ عـلـى الــضِّــمـادِ

 

لــئِــنْ عـانـدتُ أوجـاعـي فــعــذري

حــبــيــبٌ لا يــمــلُّ مــن الــعِـــنــادِ

 

شــربــتُ زفــيــرَهُ خـمـراً فــأحــيــا

بِــلــذَّتِـهِ الــهــشــيــمَ مــن الـــرمــادِ

 

مَـلـكـتُ مـن الـطـبـاقِ الـسـبـعِ خـمـسـاً

بـهِ والـــمُــسـتــحــيــلَ مــن الـــمُــرادِ

 

لـهُ نـســجَ الــفــؤادُ الــنــبــضَ ثــوبــاً

وأضـحـى كـالــشــغــافِ مـن الــفــؤادِ

 

بـلــغــتُ بـهِ الــهــيــامَ فــلــيــتَ أنـي

جـنحـتُ الى الـجـنـونِ عـن الــرَّشــادِ

 

أتـانـي والـــرُّقــادُ الــى شــــروقٍ ..

وغـادرَ والـــشـــروقُ الــى رُقــادِ ..

 

ومـا خـوفـي عــلـى عــيــنـيَّ لــكــنْ

أخـافُ عـلـى الـلـيـالـي مـن سُــهـادي

***

أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ أنَّ عزوفَ السَماوي عَنْ الإقدامِ عَلَى الدراسةِ فِي دارِ المعلمين الإبتدائية بمدينةِ الديوانية، لَمْ تَكُن دوافعه فِي واقعِها الموضوعي مرتبطة بظرفٍ قاهر كالتفكير بالأعباءِ الاقتصادية الَّتِي تترتب عَلَيها رحلته المفترضة إلى الديوانيةِ فِي ظلِ تواضعِ مدخولات عائلته، فوالده كان مستعداً للتضحيةِ بكُلِّ شيء فِي سبيلِ مَا يراه مصلحة لابنِه، وَالَّذِي لا يتعدى - بحسبِ مَا تواضع مِنْ أحلامه - أكثر مِن حصوله عَلَى شهادةِ دار المعلمين الإبتدائية، ووالدته كانت تمني النفس بتكحيلِ عينيها فِي مشاهدةِ وليدها معلماً؛ لأجل أنْ يكون محط أنظار المحلة وَتقدير الأهالي وَاهتمامهم مثلما هو حال خاله عَلَي " رحمه الله ". كذلك لَمْ تَكُن لتلك الدوافع علاقة بحساباتٍ أخرى، وَلاسيَّما مَا يعود مِنْها إلى انفعالاتٍ مردها إلى تأثيرٍ عاطفي قد يفرض عَلَيه ضرورة البقاء فِي مدينتِه.

المتوجبُ إدراكه أنَّ السببَ الحقيقي وراء قيام السَماوي فِي اتخاذِ قراره بمواصلةِ الدراسة فِي المرحلةِ الثانوية، وَالَّذِي ترتب عَلَيه غضب والدته الحميم " طيب الله ثراها " وَحزنها، يرجع إلى طموحِه بدخولِ " الجامعة " لكي يصبح مدرساً للغةِ العربية؛ نتيجة تأثره بابن مدينته وَأستاذه مدرس مادة " اللغة العربية " فِي المرحلةِ المتوسطة الأستاذ شمخي جبر، وَالَّذِي كان لطول قامته وَرشاقته وأناقته، فضلاً عَنْ  كونِه ضليعاً فِي اللغةِ العربية دورٌ  كبيرٌ  فِي تمتعه بـ " كاريزما " جميلة، حيث كان مهاباً وَمحبوباً مِن الطلبةِ وَالمدرسين عَلَى حدٍ سواء، مَعَ العرضِ أنَّه تسنم فيما بعد منصب مدير عام التربية فِي محافظةِ بابل. وَأكاد أجزم أنَّ الأستاذَ شمخي جبر الَّذِي جعله يقرأ قصيدته الأولى فِي غرفةِ المدرسين، بالإضافةِ إلى نشره قصيدته الثانية فِي مجلةِ المدرسة كما أسلفنا، كان الشخص الثاني الذي تأثر به السَماوي يحيى بعد والده الَّذِي كان معلمه الأول ومثله الأعلى.

داويـتُ جُـرحـي ـ والـزّمانُ طـبـيـبُ ـ

بـالـصّـبــرِ أطـحـنُ صـخـرَهُ وأذِيـبُ

 

لا أدّعـي جَـلَـداً .. ولـكـنْ لـلـهــوى

حُـكْـمٌ يُـطـاعُ بـشـرْعِـهِ الـمـحـبـوبُ

 

أسْــلـمْــتُـهُ أمـري ... وأعْـلـمُ أنـنـي

حَـطـبٌ ... وأمّـا دربُـهُ فـلـهــيــبُ

 

طـاوَعْـتُـهُ رُغْــمــاً عـلـيَّ ... لأنـهُ

كُـلّـي : صِــبـاً وفـتـوَّةٌ ومَــشِــيـبُ

 

جَـرَّبْـتُ أنْ لا أسْـتـجـيـبَ فـعـابَـنـي

شَـرَفي وهـدَّدَ بالـخِـصـامِ نـســيـبُ

 

هو من غصوني طيـنُهـا وجذورُهـا

هـل للغـصونِ من الـجـذورِ هُـروبُ ؟

 

حـيـناً يُـنيـبُ ضُحايَ عن ديـجـورِهِ

قـسْـراً وحـيـنـاً عن ضُـحـاهُ أنـوبُ

 

ورأيـتُ أنّ الأصـغـريـن تـعـاضـدا

ضِـدّي وشــدَّ إلى الـبـعـيـدِ قـريـبُ

 

كُـتِـبَ الـوفـاءُ عـلـيَّ دون إرادتـي

فـالـلـوحُ قـبـل ولادتـي مـكـتـوبُ

 

أجـفـو نـعـيـمَ الـمـارقـيـن وإنْ سعى

ليْ مـنهُ صـحـنٌ بالـرحـيـقِ خضيبُ

 

ثُــلـثـا دمي مـاءُ الـفـراتِ وثـلـثـهُ

طـيـنٌ بـدمـعِ الـمُـتْـعَـبـيـن مَـذوبُ

**

ما أظننا نغلو فِي القولِ إنَّ تلكَ الواقعة - الَّتِي حالت دُون بلوغ المرامي العائلية المتعلّقة ببوصلةِ التوجهات المُسْتَقْبَليَّة لابنِهم - تُعَدّ انعطافاً حقيقياً فِي مسارِ حياة السَماوي، حيث أفضى إلى إحداثِ تغييراتٍ جوهرية فِي نمطِ حياته نحو مَا متاح مِن الآلياتِ الَّتِي مِنْ شأنِها زيادة مخزونه الثقافي وَالفكري؛ لأنَّها كانت تعبيراً عَنْ رغبتهِ فِي بناءِ شخصيته، وَالعمل عَلَى إنضاجِها قصد تكاملها بالاستنادِ إلى مَا يحقق تطلعاته وَأهدافها الطموحة.

حزنُ أمه " رحمها الله " بسببِ صرفه النظر عَنْ الدراسةِ فِي دارِ المعلمين الإبتدائية، قابله فِي الجانبِ الآخر موقف أبيه " رحمه الله " المتمثل بتركِ حرية الإختيار لابنه فِيما يبغي، وَهو الأمر الَّذِي ساهم فِي جعلِه أكثر قوة وَكفاءة وَثقة بالنفس. وَفِي ظلِ تلك الظروف الَّتِي أصبحت مِنْ شظايا العمر، انتظم " الفتى المتمرد " فِي الدراسةِ بثانويةِ السَماوة وَهو يشعر بسعادةٍ وَنشوة نفسية مستمدة مِنْ تحليقه فِي عوالمِ أحلامه، وَالَّتِي قد يبدو القليل مِنْها لِمَنْ هو بمثلِ سنه صعب التحقق، وَلاسيَّما مَنْ يحيا فِي وطنٍ تكبل شعبه جدائل الليل وَتتضح ملامح البؤس فِي وجوه أبنائه. وَلَعَلَّنا لا نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ أحلامَ السَماوي لَمْ تكن رهينة التحليق فِي عوالمٍ مجهولة، فثمة ما يجعله مؤمناً بإمكانيةِ تحقيقها وهو " الحب " الذي أبى أنْ يفارقَ قلب السَماوي، وَلَمْ يختزل مداده يوماً، عَلَى الرغمِ مِما أَحَاقَ برحلته فِي الحياةِ مِنْ مواجهةٍ دائمة مَعَ أعاصيرِ الطغيان وَعسس الاستبداد، مَا جعل حياته محفوفة عَلَى الدوامِ بالمخاطرِ أكثر مِمَا ينبغي. وَالمتوجبُ إدراكه أيضاً هو أَنَّ السَماويَ حتى فِي منفاه كان متميزاً، إن لَمْ يكن متفرداً بعد أنْ ساقته الأقدار إلى الاستقرارِ فِي أبعدِ شبرٍ مِنْ سطحِ كوكبنا، فكان أنْ عاشَ الغربة مرتين، بَيْدَ أنَّه لَمْ يترجل عَنْ صهوةِ الشعر، وَلَمْ يتوقف بوحه عَن الوطنِ - الَّذِي تغنى بعذوبةِ فراته وَهام بكُلِّ ذرّةٍ مِنْ ترابِه - وَلا عَنْ قضايا الإنْسَان. وَلعلَّ فِي إحدى دراسات الشاعر المصري الدكتور حسن فتح الباب حسن النقدية مَا يؤكد هذه الرؤية، وَالَّتِي يقول فِيها: " .. وما أكثر المثقفين العراقيين وفي طليعتهم الشعراء مثل محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري الذين عانوا مرارة الإضطهاد في وطنهم وقسوة الشعور بالإغتراب، فحطوا رحالهم في المنافي لينجوا من القتل أو السجن، ولكن هذه المنافي كانت بلدانا عربية أو دولا مثل إنجلترا تقيم بها جالية عربية وإسلامية كبيرة فلم يشعروا بالغربة إلآ قليلا . أما يحيى السماوي فلم يجد ملجأ يأوي إليه إلا هناك في أبعد بقعة من الكرة الأرضية، ومن ثم تضاعفت مأساته الوجودية. ومن هذه البقعة النائية جاءتنا قصائده التي تصور عشقه للوطن والحرية وتوقه الى الخلاص من أعدائها، واشتدّ حزنه وألمه حين تحرر العراق من الطاغية السفاح ليقع في قبضة الغزاة الأمريكان الذين يتشدقون بحقوق الإنسان وفي مقدمتها الحق في الحياة والحرية والعدالة وهم أعدى عُداتها ".

قـدْ ثـابَ لـو أنَّ الـجـنـونَ يَـثـوبُ

وأجـابَ لـو أنَّ الـقـتـيـلَ يُــجـيـبُ !

 

صَـبٌّ ولا كالـعـاشـقـيـن : ضـلوعُـهُ

نـخـلٌ .. وأمّـا قــلــبُــهُ فـشـعـوبُ !

 

قـد كان أقـسَـمَ أنْ يموتَ على هوىً

وإنِ اسْـتهـانَ بـعـشـقِـهِ الـمحـبـوبُ

 

ضـاقـتْ بـهِ قـبـلَ الـدِّيـارِ صَـبـابـةً

وتــقــاذَفَــتْـهُ مـلاجـئٌ .. ودروبُ

 

مـا إنْ يُـكـحِّـل بالـشـروقِ جـفـونـهُ

حـتى يُـخـيـطَ الـمـقـلـتـيـن غـروبُ !

 

يمـشـي بهِ الوَجَعُ الجـلـيـلُ ويـرتعي

دمَـهُ اشــتــيـاقٌ : أنْ يُـطِـلَّ حـبـيـبُ

 

تـلـهـو بـزورقِـهِ الـرّيـاحُ وتـسْـتـبـي

أيامَـهُ ـ فـي الـغـربـتـيـنِ ـ خـطـوبُ !

 

"ليلاهُ" في حُضـنِ الغريبِ سـبـيـئةٌ

أمّـا الـعــشــيـرُ : فـبـائِـعٌ ولـغــوبُ !

 

أجَـلِ الـبـلادُ نـجـيـبـةٌ يـا صـاحـبـي

والـنهــرُ والـنـخــلُ الجـريحُ نـجـيـبُ

 

لكنّ " بعضَ " رؤوسِــنا ياصـاحـبي

جُـبِـلـتُ عـلى فَـسَــدٍ فـلـيـسَ تـثـوبُ !

 

غـرسـوا بـنـا سُـلَّ الـشّـقـاقِ فـلـيـلُـنـا

مُــتـأبِّــدٌ ... ونـهـارُنـا مـعــصــوبُ !

 

بِـتْــنـا لـفـأسِ الـطـائـفـيّـةِ مَـحْـطـبـاً

فـلـكـلِّ حـقـلٍ " مـالِـكٌ " و " نـقـيـبُ " !

 

عِـلَـلُ الـعـراقِ كـثـيـرةٌ .. وأضـرُّهـا

أنّ الـجـهـادَ : الـذَّبـحُ والـتـســلـيـبُ !

 

وطـنٌ ولـكـنْ لـلـفـجـيـعـةِ ... مـاؤهُ

قــيـحٌ ... وأمّــا خـبـزُهُ فــنـحــيــبُ

 

مـســلـولـةٌ أنـهـارُهُ ... ومـهـيـضــةٌ

أطــيـارُهُ .. ونـخــيــلُـهُ مـصـلــوبُ !

 

" قومي هـمو قـتلـوا أميمَ أخي " ولا

ذنـبٌ ســوى أنّ الـقــتـيــلَ لـبـيــبُ !

 

أكـذوبـةٌ تـحـريـرُنـا يـا صــاحـبـي

والــشّـاهـدانِ : الـقـتـلُ والـتـعـذيـبُ

 

أكــذوبـةٌ حُــريّـةُ الإنــســان فـي

وطـنٍ يـسـوسُ بـهِ الـبـلادَ غـريـبُ

 

مُـدُنٌ تُـبـادُ بـزعْــمِ أنَّ مُـخَـرِّبـاً

فـيهـا وطـبعُ "محرري" الـتخـريبُ !

 

وحْـشــيَّـةٌ تـنـدى لـقـســوةِ نـابِـهـا

خَـجَـلاً : ضـبـاعُ بـلادهِ والـذِّيـبُ !

 

أكـذوبـةٌ أنْ يــسـتـحـيـلَ غــزالـةً

ذئـبٌ وبـيـتـاً لـلأمـانِ حـروبُ

**

 المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ثانويةَ السَماوة لَمْ تكن غريبة عَلَى السَماوي، فقد كانت البناية هي ذات بناية مدرسته المتوسطة، فضلاً عَنْ أَنَّ أغلبَ المدرسين هم نفسهم فِي المرحلتينِ الدراسيتين، وَأصبح " الفتى " المهووس بنظمِ الشعر سعيداً فِي الصفِ الرابع الثانوي، بالإضافةِ إلى تميزِه عَنْ بقيةِ أقرانه بالتفوّقِ فِي درسِ اللغة العربية حتى أَنَّ المدرسَ المرشد اختاره " فارس الصف  " أكثر مِنْ أسبوع، حيث كان مرشدو الصفوف يختارون طالباً مَا بَيْنَ فترة وَأخرى ليُكتب اسمه فِي لوحةٍ معلقة فوق السبورة تحمل عنوان فارس الصف.   

الْمُلْفِتُ أَنَّ اجتيازَ السَماوي الصف الرابع عام، فرضَ عَلَيه بعد نجاحه اختيار أحد الفرعين : العلمي أو الأدبي لمواصلةِ دراسة الصفين الخامس وَالسادس، لكن شاءت الظروف أنْ يكون عدد الطلاب الراغبين فِي الفرعِ الأدبي قليلاً، فَلَمْ يُفتح لهم صفٌّ فِي الدراسةِ الصباحية واقتصرت دراستهم فِي الثانويةِ المسائية، وَالَّتِي لَمْ يكن راغباً بها لأسبابٍ قد يكون مِنْ بَيْنَها أَنَّ الطريقَ الموصل لَهَا لايمرّ عَلَى الجسرِ وَشارع النهر فِي الصباحاتِ الجميلة، ورُبَّما لأَنَّ النظرةَ الشائعة آنذاك تفضي إلى أَنَّ طلبةَ الدراسات المسائية هم مِمَنْ فشلوا فِي الدراسةِ الصباحية ورسبوا سنتين متتاليتين، فَلَمْ يَعُد بمقدورِهم عَلَى وفقِ لوائح إدارة التَّرْبِيَة مواصلة الدراسة الصباحية. وَفِيمَا يتعلق بميله للدراسةِ فِي الفرعِ الأدبي، لا مناص مِنْ القولِ أَنَّ واقعَ الحال يؤكد أَنَّ السَماويَ جدد لعبة الجري وراء مَا بوسعِه المُسَاهَمَة فِي تحقيقِ مَا يصبو إليه مِنْ أهدافٍ وَتطلّعات؛ إذ يمكن القول إنَّ أمراً واحداً جعله يزدادُ إصراراً عَلَى اختيارِ الفرع الأدبي، وَهو أَنَّه كان أذكى الطلاب فِي درسِ اللغة العربية، وَفِي الوقت ذاته كان أقلهم ذكاء فِي درسِ الرياضيات والجبر والهندسة؛ لذا اختمرت فِي ذهنِه فكرة السفر إلى مدينةِ الديوانية مِنْ أجلِ إكمال دراسته فِي مدارسِها، تعبيراً عَنْ الأبجديةِ التربوية المؤكدة عَلَى أَنَّ الطّموحَ يُعَدّ مِنْ أهمِّ الحوافز الَّتِي تشجّع الإنسان وَتحثّه عَلَى تحقيقِ غاياته وَتطلعاته، فكان لزاماً عَلَى الفتى - الشغوف بالشعرِ وَالمتطلع إلى رسمِ معالم مستقبله وَالوقوفِ عَلَى قدميِه فِي أروقةِ الجامعة المفعمة بالحياةِ وَالجمال - مغادرة مدينته السماوة الَّتِي جعلتها الأقدار لاحقاً " جنته وجحيمه معاً "، وَسافرَ تغمره نشوة التأسيس لغِده المشرق إلى مدينةِ الديوانية، لينتظم بالدراسةِ فِي ثانويةِ الجمهورية عام 1968م.

ما لـيْ أبـثُّـكَ يـانـديـمَ قـريـحـتـي

شـجَني وفـيـكَ من الهموم سـهـوبُ ؟

 

هــل نحـنُ إلآ أمّـةٌ مــغـلـوبـةٌ

رأتِ الـمـشـورةَ مـا يقولُ مُـريبُ ؟

 

مـا نـفـعُ تـوحـيـدِ الـلـســانِ لأمّـةٍ

إنْ لـم تُـوحَّـدْ أذرعٌ وقــلــوبُ ؟

 

هيَ أمَّـةٌ أعـداؤهـا مـنها... مـتـى

طارَ الجـناحُ وبـعْـضُهُ معـطـوبُ ؟

 

مِن أيـن نـرفـلُ بالـنعـيـمِ وبـيـنـنـا

لـصُّ الـرّغـيـفِ ومارقٌ وكـذوبُ ؟

 

ومُـدجَّـجٌ بالـحـقــدِ يـنـخـرُ قـلـبَـهُ

ضَـغَـنٌ لـه نحـو الـدِّمـاءِ دبـيـبُ ؟

 

أعـمى الـبصـيـرةِ فيهِ من أحـقـادِهِ

مَـسٌّ ومن صـدإِ الظنونِ رسـيـبُ ؟

 

"لا يسلمُ الشرف الرفيع من الأذى "

حتى يُـعـيـدَ طـريـفَـهُ الـمـسـلـوبُ

***

لا مناص مِن القولِ إنَّ الإنتقالَ إلى مدينةِ الديوانية، يُعَدُّ حدثاً شَدِيد الأَهَمِّيَّة بالنسبةِ للسَماوي وَلأسرته؛ إذ منحه الواقع الجديد فضاء حرية أوسع ممَا كان عليه فِي مسقطِ رأسه مدينة السَماوة، فقد أصبح بمقدورِه السفر إلى بَغْدَاد العاصِمة مَا بَيْنَ وقت وآخر لاقتناءِ مَا بحاجته مِن الكتب وَالمطبوعات، والى مدينةِ كربلاء أيضاً حيث كان يعمل مُدرّساً مَنْ كان قدوة له فِي الشعرِ، وهو الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي " طيب الله ثراه "، إلا أَنَّ السَماويَ الَّذِي جُبل عَلَى حياةٍ لا تخلو مِن التحدّي مذ أنْ تفتحت عيناه عَلَى ضجيجِ الحياة فِي صوبِ الغربي، وَبدأ بفخرِ الطين وَتسلق الباسق مِن النخيل وَعبور نهر الفرات سباحة لأكثرِ مَنْ مرةٍ فِي اليوم، فضلاً عَنْ سهره فِي بعضِ الأحيان الليل بطولِه إلى أنْ تطلَ شمس الصباح فِي محاولةِ نظم قصيدة، لَمْ تكن دراسته فِي الديوانيةِ تجري بصورةٍ أو بأخرى فِي معزلٍ عَنْ الصعوبات، فقد تحمّل والده رحمه الله عبئاً كبيراً فِي توفيرِ مصاريف الدراسة عَلَى صعيدِ إيجار الفندق وَالطعام، وَمِنْ ثم إيجار البيت الَّذِي استأجره فِي حي المتقاعدين مَعَ زميلينِ صديقين مِن أهالي السماوة، وَلاسيَّما بعد طرده مِن القسمِ الداخلي بسببِ اكتشاف الإدارة انتمائه لاتحاد الطلبة. وَمَعَ اشتدادِ المضايقات عَلَى الفتى المفتون بسحرِ الأدب وَالشغوف بجزالةِ اللغة، وَالمتحفز لإنضاجٍ مرتكزات البِيئَة الَّتِي تمكنه مستقبلاً مِن الوصولِ إلى مراده وَتحقيق طموحاته وَأهدافه بعيدة المدى، يتضحُ جلياً أَنَّ الثوابتَ وَمثل السياسة الَّتِي آمن بِهمَا السَماوي جعلته - عَلَى الرغمِ مِنْ صغرِ سنه - يَبدُو فِي ظلِ تلك الظروف العصيبة كَمَنْ هضم جيداً مضمون العبارة التالية: " إذا خَلت الحياةُ مِن الصعوبةِ لَمَا استشعرنا بجمالِها "، فلا عجب أنْ ينفتحَ صهيل الروحِ بوهجِ الحرف وَأناقة الأداء، بالإضافةِ إلَى مَا مِنْ شأنه المُسَاهَمَة فِي ترسيخِ القيم الإنسانيَّة.

خـرجـتُ مـن ثـيـابـكـم مـقـبـرةِ الأحـيـاءْ

مُـقـاتـلاً .. ســيـفـي دمـي

جـيـوشـيَ الـعـشـاقُ والأطـفـالُ والـنـسـاءْ

خـرجـتُ لـلـفـضـاءْ

أبـحـثُ عـن جـزيـرةٍ جـديـدةٍ

أبـحـثُ عـن ســمـاءْ

غـيـر الـتـي كـان أبـي يـعـبـدهـا

فـقـد رفـضـتُ الـيـومَ أنْ أعـانـق الـمـوتـى وأنْ أقـلّـد الأشـيـاءْ

أنـا هـو الـنـهـرُ الـذي جَـفَّ ... أريـدُ الـمـاءْ

أنـا هـي الأرضُ الـتـي تـبـحـثُ عـن سـمـاءْ

***

قبل أنْ يسدلَ الستار عَلَى فصولِ دراسته فِي مدينةِ الديوانية، اعتزم عاشق السَماوة أواخر أعوام العقد السادس مِن القرنِ الماضي - وَهو لَمْا يَزل منتظماً بالدراسةِ فِي ثانويةِ الجمهورية - إصدار أول مجموعة شعرية له، وَالَّتِي وسمها باسْمِ " عيناك دنيا "، الأمر الَّذِي ألزمه إستعطاف أبيه " رحمه الله " أنْ يتدبّر لَهُ مبلغَ خمسين ديناراً مِنْ أجلِ طبع مجموعته الشعرية البكر، وَالَّتِي كانت بحسبِ السَماوي يحيى المعروف بتواضعه " لا تعدو كونها غزلاً ساذجاً لمراهقٍ فِي مقتبلِ العشق "، مَعَ العرضِ أَنَّ مبلغَ الخمسين ديناراَ كان كبيراً جداً يومذاك بالنسبةِ لبقّالٍ فقير، فساعدته الطيبة أمه بأنْ باعت حجلها الفضي وَسوارها الذهبي الوحيد وَمحبسها الذهب، وَرُبَّما يكون خاله رسول " رحمه الله " قد تبرّع أيضاً ببضعةِ دنانير. يُضافُ إلى ذلك أنَّ " عيناك دنيا "، الَّتِي تُعَدّ باكورة أعمال السَمَاوي الشعرية الإبداعية كان قد رسم لوحة غلافها مدرّس مَادة التربية الفنية - المقيم فِي إيطاليا حالياً - " الفنان رسمي كاظم الخفاجي "، وَكتب مقدمتها مدرّس مَادة اللغة العربية الدكتور حاكم مالك الزيادي " رحمه الله "، فِيما انبرى الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي " رحمه الله " لكتابةِ كلمة الغلاف. وَمِن الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا إلى أَنَّ للشاعرَ الخفاجي كبير الفضل عَلَى الشاعر يحيى السَمَاوي، فهو الَّذِي تعهّده بالرعايةِ والتوجيه، فضلاً عَنْ إشرافِه بنفسه عَلَى طباعةِ مجموعته الشعرية المذكورة آنفاً بمطبعةِ النعمان فِي مدينةِ النجف الأشرف. وَفِي هَذَا السياق يشير السَمَاوي إلى الشاعرِ الراحل محمد علي الخفاجي بقولِه: " إنَّه أستاذي وَأخي وَصديقي وَحبيبي، وَهو أول نافذة ضوئية فِي ليلِ عمري ".

أراني ملزماً أمام حالة تكاتف أساتذة السَماوي بثانويةِ الجمهورية فِي مهمةِ إنجاز طباعة مجموعته الشعرية " عيناك دنيا "، القول إنَّه إذا كان مِن المسلَّم به أَنَّ فِي وسعِ المعلمين والمدرسين إكساب تلامذتهما وَطلبتهما المعرفة والعلوم وَمَا مِنْ شأنِه ترسيخ الفضائل الإنسانيَّة، إلى جانبِ غرس القيم الأخلاقية، فالمتوجب إدراكه أيضاً هو إلزامية " نزع القبعات " تحية لأساتذةِ السَمَاوي وَغيرهم مِن أجيالِ المعلمين وَالمدرسين الَّذين نذروا أنفسهم فِي سبيلِ نفضِ غبار الجهل عَمَا تعاقب مِنْ أجيالِ الدارسين، وَتفانوا مِنْ أجلِ تكريس المبادئ وَالقيم السامية الَّتِي تكفل علو مكانة المعلم فِي المدرسةِ وَالمجتمع؛ إذ لَمْ يفسحوا المجال أمام مَا هو مخجل وَمذل مِنْ السجايا وَالصفات السيئة، وَالَّتِي أفضت فِي زمانِنا إلى دفنِ التعليم فِي جنازةٍ رسمية يتقدمها المفسدون وَالطارئون عَلَى إدارةِ التَّرْبِيَة، فضلاً عَنْ أولياءِ أمور الكسالى مِن الطلبة. يُضافُ إلى ذلك حرصهم عَلَى إخمادِ فورة مَا مِنْ شأنِه إضفاء شرعية عَلَى مَا هو متداول الآن مِنْ سلوكياتٍ غير منسجمة مَعَ نظامِ مفهوم أخلاقيات المهنية فِي المجالِ التربوي مثل عدم احترام الوقت وَاعتماد سبل خبيثة لإجبارِ الطلبة عَلَى التدريسِ الخصوصي وَتقبل الهدايا، بالإضافةِ إلَى التعاملِ بالرَشَاوَى وَالانغماس بسلوكياتٍ يَنْدَى لها الجبين كسرقةِ مَا متَاح مِنْ موجوداتِ المدرسة، وَهو الأمر الَّذِي أساء لأقدمِ مهنة عرفها البشر بفضلِ تعليم أبينا آدم " عليه السلام " الملائكة مَا لَمْ يعلموه، فلا غرابَة فِي أنْ يتجرأ بعض الجهلة بمشاركةِ " الجاحظ " فِي السخريةِ مِن المعلمِ وَالسعي للانتقاصِ مِنْ شأنِه، حتى وصل الأمر فِي أيامنا إلى أهانته وَالتلذذ بالاعتداءِ عَلَيه. وَمِنْ وجهةِ نظرٍ شخصية متواضعة: أكادُ أجزم أنَّ مَا ظهر مِنْ معاييرٍ لاختيارِ المعلم فِي زمَاننا يزيدني يقيناً بأنَّ مَا قدمه أساتذة السَمَاوي فِي ثانويةِ الجمهورية مِنْ جهدٍ طيب حيال معاونته فِي إنجازِ مؤلفه البكر، يسمو بهم إلى درجةِ القديسين؛ لأنَّهم تعاملوا مَعَ مهنةِ التعليم بوصفِها رسالة إنسانيَّة يرتكز نجاحها عَلَى التضحيةِ وَالتجرُّد.

أفـرَغْـتُ قــلــبـي مـن ســواكَ حـبــيــبـي

فاطـفِـئْ بـمــاءِ رضـاكَ جـمـرَ ذنـوبـي

 

أطْـمَـعْـتَــنـي بـالـعـفـو مـنـكَ فــلـيـتــنـي

بــدءَ الــشـروقِ عـرفــتُ حَـتْـمَ غـروبـي

 

لـو كـنـتُ ذا لُـبٍّ : جَـنـحـتُ بـمـركـبـي

عـنْ جُـرفِ صــهــبــاءٍ ومــوجَــةِ كُـوبِ

 

دائـي عـــصِــيٌّ لا شِـــفــاءَ لِـــبُـــرئِــهِ

إلآ رضــاكَ فــمـا سِــواكَ طـــبـــيـــبـي

مِنْ المؤكّـدِ أنَّ قليلاً مِن التأملِ فِي ذاكرةِ بعضٍ مِنْ معاصري السَمَاوي كفيل ببلورةِ صورة واقعية عَنْ نشاطِه الأدبي أيام دراسته فِي مدينةِ الديوانية، فثمة بعض الحكاياتَ الَّتِي يتداولها أصحابها أحياناً فِي مجلسٍ خاص أو عام بوسعِها المُسَاهَمَة فِي إغناء مباحث الدراسة وَتقريب محتواها إلى المتلقي، ولعلَّ مِنْ بَيْنَها مَا سجله القاص والروائي سلام ابراهيم فِي صفحته عَلَى قناةِ التواصل الاجتماعي، وَالَّذِي نصه : " في عام 1970 إنتشر يحيى السماوي في مدينة الديوانية مثل بركان. وقتها كان طالبا يدرس في ثانوية الجمهورية وأصدر ديوانه الغزلي الأول " عيناك دنيا "، غزل بالأنثى شديد العذوبة سيمّيز شعره حتى الآن. كان يكبرني بعدة سنوات، يسكن بيتاً مستأجرا فهو قادم من السماوة لغرض الدراسة وكانت قضاء صغيراً تابعاً للديوانية ". ويضيف قائلاً : " وكنت وقتها دخلت الوسط الأدبي لتوي، أحببت أشعاره بالرغم من ترّفع أصدقائي الشعراء عن مثل هذه الأشعار وكانوا لتوهم قد أطلق سراحهم من السجون وكتبوا أشعاراً عامية جددت بالقصيدة العراقية، حينما أبديت أعجابي بها أمامهم وكنت طيرا في الأدب لم ينبت جناحه بعد، لخصّوه بأنه يقلد " نزار قباني ".

المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّه حين صدرت الذاكرة الوجدانية فِي رحلةِ السَماوي يحيى بن عباس " مجموعته الشعرية عيناك دنيا "، فوجئ أبوه " رحمه الله " أَنَّه قد اختار لقب " السماوي " وليس اسم العشيرة " الحسناوي "، وَحين عاتبه بتوبيخٍ حميم، أجابه : " أنت ستموت، وأنا سأموت، والعشيرة ستندثر، أمّا السَماوة فستبقى أبد الدهر، ومَا بقيت السماء ". وَضمن هَذَا المعنى حدثني السَماوي ذات صباح بغداي قائلاً: " لصديقي الأديب عباس حويجي العوفي قول مَا زلت أحفظهُ عَنْ ظهرِ حب قاله قبل أكثر مِنْ أربعين عاماً نصّه (الجنة تبدأ من وطني). وَقد استعرت هَذَا القول مِنه أو تناصصت مَعَه. العراق بالنسبةِ لي هو السماء الثامنة، وأما السماء التاسعة فهي السَماوة ".

وأنا ‘‘السماوة‘‘ حيثُ نَخلتُها

سَعَفٌ وعِذقٌ غيرُ منتَضِدِ

 

والمستجيرُ ببِئرِ غربته

هلاّ مدَدتِ إليه من مَسَدِ

 

إن قد عُدمتِ الحبلَ يُنقِذهُ

مُدّي له طوقا من الرَّشّدِ

 

هل تسألينَ الآن كيفَ أنا؟

أنا في الهوى: بَدَدُ على بدَدِ!

لطيف عبد سالم

  

 

lutfi shafiksaedقد تكون بدايات سيرة حياتي هي في سن الخامسة من العمر وإن تداعياتها لم تترسخ في أعماق ذاكرتي بشكل واضح وإن ما صاحبتها من احداث في تلك السن بدت لي أشبه ما تكون بانعكاسات وردود أفعال غريزية تتخللها مشاهد وصور مشوشة وسريعة، اكتشفت بعدها وبمرور الزمن أنها أكبر وأوسع وأعم مما كنت اتصورها وهي السنوات المتمثلة من الولادة بمدينة بغداد وما بعدها في مدينة الخالص التي كانت تسمى في ذلك الوقت (دلتاوه).

في عام 1939 كان عمري لا يتجاوز ست سنوات والمكان هو قضاء القرنة وهي مدينة من مدن البصرة أتذكر منها دارنا وشجرة السدرة الكبيرة التي تختبئ فيه العصافير مساء كل يوم بعد رحلة نهارية في بساتين المدينة الوارفة كانت تلك السدرة طالما اطعمتني من نبقها اللذيذ في وهج الصيف الحار إضافة لأشباح (الطنطل والسعلوة) التي اتصور أنها تخرج منها ليلا والتي كانت جدتي أم أمي تخيفني بهما لكي انام. كانت جدتي حمدية تحبني من دون أخوتي الآخرين وكانت تأويني في فراشها في بداية المساء وتقص لي بعض القصص بلغتها التركية والتي لم أفهم منها شيئا إلا أنني بمرور الزمن بدأت أفهم الكثير منها ولكنني لا اتقن التحدث فيها. وفي أحد المرات أن سافرت إلى بغداد لزيارة بيت أختها أي خالتي وكنت صحبة أبي في توديعها إلا أنني تشبث بعباءتها محاولا أمنعها من السفر وصرت أجهش بالبكاء  ومما ذكرته جدتي عند عودتها بأن صوت صراخي وبكائي بقي يرن في أذنيها حتى عودتها وقد جلبت لي من بغداد لعبة تعتبر عجيبة وغريبة في ذلك العهد وهي زورق بخاري يسير في الماء لوحده بقوة البخار الناتج من حرارة شمعة صغيرة تثبت تحت صفيحة معدنية تقوم الشمعة بتسخينها مما ينتج عنه تسخين الهواء فيدخل الماء من أحد الأنابيب الخلفية ثم يخرج من الأنبوب الثاني ساخنا محدث صوتا نتيجة دفعه للماء ومن ثم يندفع الزور ق إلى أمام في الطشت المملوء بالماء نتيجة رد الفعل وما يشبه المحرك التربوني في الطائرة إلا أنني لم اتمتع بهذه اللعبة العجيبة فقد كان أبي يأخذها إلى المقهى ليثير أعجاب وتعجب الذين يتحلقون حول الطشت المهيأ لهذا الغرض والدهشة تعقد لسانهم ويعتقدوا أن ذلك الذي يشاهدونه هو نوع من السحر إن تصرف أبي هذا لم يعجب جدتي سيما وهي تجدني ابكي بسبب عدم تمتعي بالزورق فأخفته في مكان لا يمكن العثور عليه وعلمت منها أنها تخفيه داخل كيس الرز وبالمناسبة فقد كانت جدتي هي المشرفة عن غرفة المؤنة وخزنها.

 وفي أحد المرات حضر أبي من دوامه مبكرا وجلس القرفصاء على أرضية الغرفة التي تفترشها حصيرة من القصب الأصفر اللامع والذي يبدو بريقه واضحا عندما تسقط عليه اشعة شمس النهار أو ضوء المصباح النفطي في الليل، أخذ أبي مكانا قصيا في زاوية بعيدة عني إلا أنني دهشت عندما شاهدته يجهش بالبكاء ولم يجرأ أحد أن يسأله عن سبب بكائه إلا أننا شاركناه بالبكاء وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها أبي يبكي وهو المعروف عنه صلابة وقوة شخصيته ولا يبادلنا الكلام كثيرا وقلما نجده يضحك أو يتبسم وقد يكون سبب ذلك انتمائه لسلك الشرطة العراقية التي تأسست في ظل الاحتلال البريطاني للعراق عام 1918 ومنحه رتبة (قومسير) أي مأمور مركز شرطة القرنة، وبعد مضي فترة من بكاء أبي الغريب انطلق صوته حزينا ومنكسرا ليعلن: (لقد قتل الملك غازي) .

كانت صورة الملك غازي معلقة على حائط الغرفة بإطار جميل ويبدو بمقتبل العمر يرتدي بزة عسكرية ويضع احدى يديه فوق قبعة كبيرة والأخرى على مقبض سيف تتدلى منه أشرطة عديدة ويبدو شكله جميلا ووسيما يستهوي من يتطلع اليه وكنت ممن يميل إلى ذلك ولذلك فقد شاركت الباكين بكاءهم.

مضت فترة على إعلان أبي نبأ مقتل أو موت الملك غازي لا أتذكر مدتها حينها جلبت انتباهنا أصوات وصرخات أطلقها من هم في الشارع المقابل لدارنا اختلطت تلك الأصوات بوقع أقدام المارة اهتزت لها جنبات الدار ربما كانت دارنا مبنية من الطين وجذع النخيل وهي شكل غالبية البيوت في ذلك الزمن ،أطل من في الدار من شباك الغرفة إلى الخارج ليعرفوا سبب تلك الضجة وتبين من خلال أهازيج تلك المجاميع وهتافاتهم أنهم يرددون عبارات تعكس أسفهم على موت الملك وبقيت تلك البكائية والأهازيج عالقة في ذاكرتي وتبينت بعد حين من الزمن مقاطع منها هي (الله واكبر يا عرب غازي انفقد من داره وارتجت اركان السما من صدمته السياره).

أمضينا فترة قصيرة في مدينة القرنة وعلى ما اعتقد لم تتجاوز السنة وبعدها انتقلنا صحبة الوالد إلى مدينة العشار وفي دار واسعة وكبيرة وسطها باحة واسعة تسمح باللعب فيها ومن عادتنا وبتأثير من توجيهات الوالد والوالدة أننا لا نلعب خارج الدار ولم نختلط بأبناء المحلة.

كانت حياتنا في تلك الحقبة من الزمن رغيدة وكانت دارنا عامرة بالفواكه من كل لون لما تتميز به مدينة العشار من بساتين النخيل والاعناب وأهلها الكرماء وإن ما يصلنا من تلك الفواكه كانت من خيراتها وبدون ثمن، وكل ما كان يعكر صفو راحتنا هو كثرة البعوض الذي ينتشر مساء مما حدى بأهلنا أن يؤمنوا ناموسية لكل فرد منا تغطي اسرتنا المصنوعة من جريد سعف النخيل ولأجل تجنب ازعاج البعوض واقلاق راحتنا تم معالجته والقضاء عليه بطريقة فذه وذكية وذلك بإدخال يعسوب إلى الناموسية قبل النوم حيث يقوم ذلك اليعسوب بالتهام البعوض الموجود داخل الناموسية وعندها ننام ملأ جفوننا نهنأ بأحلامنا الطفولية.

كان أبي في تلك الفترة في عز شبابه ولم يتجاوز العقد الرابع من العمر وكان بهي الطلعة أنيق الملبس ويعتني كثيرا بهندامه المدني والعسكري وكانت صوره التي أتذكر منها تعكس تلك الاهتمامات وهو الذي ينحدر من أب وجد عاشا في الموصل وذكر لنا مرة بأنه ينتسب لقبيلة طي العربية ولو أنه لم يهتم كثيرا لهذا الأمر لأنه كان مدينيا أكثر مما هو عشائريا وقضى كل حياته في الوظائف الحكومية كنا نحتفظ بعض الصور له وهو يرتدي في ذلك الزمن قبعة واسعة اشبه بقبعة رعاة البقر الأمريكان وينتعل خذاء مغطى بقطعة من قماش (الشاموا) وكان يألف حياة مدينة أبي الخصيب ويقضي أوقاتا ممتعة بالسهر في بساتينها ونهرها الذي تحيط جانبيه أشجار النخيل وكان من عادته أن يعود متأخرا بعد منتصف الليل وخلالها كنا نسمع صوت المشاجرة التي تطلقها الوالدة محتجة على تصرفه وهي التي لم تغادر دارها مطلقا وكانت تدخل الدار الجديدة ولا تخرج منها إل بعد الانتقال إلى مدينة أخرى كانت الوالدة لا تحسن القراءة والكتابة ولكنها ربة بيت مثالية تحفظ الكثير من القصص والأحاديث والأمثال العربية والتركية التي ورثتها عن أم تركية من مدينة كركوك وأب شيخ (هماوندي) من سكنة جبال حلبجة كان يشغل في أواخر حياته وظيفة مدير كرنتينة كركوك وخلال أحدى مرات نقله رواتب المنتسبين تصدى له لصوص وتم قتله وسلب المبالغ التي في حوزته هذا ما تحدث به الوالدة الينا وحيث كان عمرها آنذاك عندما توفي والدها لا يتجاوز السادسة. ومما أحفظ للوالد أيضا كيف غادر سلك الشرطة ففي أحد أمسيات مدينة العشار وخلال تجواله بهندامه المدني الأنيق وقع بصره على مفتش الشرطة الإنكليزي الذي حظر لتفتيش شرطة القضاء وكان يستقل عربة يجرها حصانان فأثار شكله المتغطرس حفيظة الوالد مما دفعه أن يصعد إلى العربة التي يستقلها المفتش ويتبول عليه فثارت ثائرته وأمر بتوقيفه وارساله مخفورا إلى بغداد ومن حسن الصدف وحظه أن مدير الداخلية العام في تلك الفترة هو ابن خاله وزوج عمته المدعو الحاج سليم علي والد الفنان جواد سليم فأطلق سراحه وأمر بتعينه في وظيفة مدنية في دوائر النفوس بعنوان مأمور نفوس.   

عاد أبي من رحلته إلى بغداد وشددنا الرحال اليها بالقطار الصاعد من البصرة إلى بغداد وخلالها لا أنسى ذلك المشهد الذي ظل راسخا في ذاكرتي وجعل الحزن يلازم حياتي بسببه وهو فقدان عزيزة علي لم تكن تلك العزيزة إنسانة بل كانت غزالة جميلة ورقيقة تلتهم الطعام والحلوى من كفي واداعب جلدها الناعم واتلمس وبرها الذهبي الأخاذ ونعومة بطنها الأبيض وعينيها الحور ورائحتها الزكية التي تنطلق منها رائحة المسك. لقد فقدت تلك الأليفة بسبب تعليمات التنقل في القطارات حيث نصت على تأمين شهادة من الطب البيطري عند استصحاب الحيوانات الأليفة ولم يسنح وقتنا لتأمينها وعندها اكتملت مأساة فقدان تلك العزيزة فقد صادف وجود جزار في محطة القطار وينم مظهره وعدته المتمثلة بالسكين على ذلك وأظن أنه اشتراها بمبلغ زهيد وعندها تراءت لي صورتها وهي تأن وتتوسل بعينيها الواسعتين لئلا يذبحها ذلك القصاب.

 

لطفي شفيق سعيد

.........................

ملاحظة: أرجو أن يعذرني من يجد في كتابتي بعض الأخطاء الاملائية واللغوية والتنسيق لأن امكانيتي لا تتعدى ما أتمكن عليه بسبب كبر السن وطريقة تعاملي مع اللابتوب والمهم أن أنقل الحدث خلال ثمانين عاما مضت.

 وإلى الفصل الثاني من هذه المرافئ.

 

 

ali almirhig

يُمثل (الطهطاوي) نقطة بداية المشروع النهضوي الإصلاحي أو ما يمكن تسميته بالسلفية التجديدية، ومن ثم جاءت جهود خير الدين التونسي ومحمد عبده والكواكبي المُتأثرين بأطروحات الأفغاني لتُتوج آرائهم في الدفاع عن الإسلام، والنظر إليه على أنه دين علم وتعقل وتحرير لعباد الله من الأرستقراطيين الذين هيمنوا على الدين ومٌعطياته لكل عباد الله الذين يرومون تحرراً وخلاصاً من هيمنة المُتسلطين، فلم يكن سبب تأخر المسلمين سوى تركهم وتخليهم عن أمر الدين الذي كان أصلاً في تقدمهم وتحقيق نهضتهم الأولى، ولأن المُسلمين اليوم تناسوا دعوة الإسلام أو جهلوه وما عرفوه حق المعرفة، فنجد مآلهم في ذيل الأمم يعيشون التخلف وهم به مُتيمين.

ركز أصحاب هذا الإتجاه على الجمع بين العقل والنقل أو بين الحكمة والشريعة أو الدين والفلسفة.

الدين عندهم هو دافع إلى الكمال كونه يرفع أو يسمو بالإنسان إلى عالم اللاهوت والإبتعاد عن مغريات الدنيا المادية وشهواتها، وهو دين الخلاص.

شكل الطهطاوي بداية الوعي العربي بأوربا والغرب عموما، وهناك بعض أصحاب الاتجاه العلماني ممن تأثروا بمقولاته، ومن الذين تأثروا به علي عبد الرازق وأحمد لطفي السيد وطه حسين ومن تبعهم.

يُمكن أن يُعَد المعتزلة والفلاسفة المسلمون جذراً لتوجهاته الفكرية، لا سيما (الكندي) و(ابن رشد) في الجمع بين الحكمة والشريعة أو بين العقل والنقل اذ يقول ابن رشد:"الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" بمعنى أن الدين حق والفلسفة حق وان النتيجة التي يوصل اليها طريق البرهان لا تختلف عن النتيجة التي يوصل اليها طريق ال

يدعو أصحاب هذا الإتجاه الى تبني كل ما لا يتعارض مع الدين، ولكن موقف الطهطاوي من حرية المرأة وحُريتها كان موقفاً مُرتبكاً ومتردداً بين الأخذ بالتوجهات الغربية وبين الإلتزام بما يعتقد أنه من مُتطلبات الشريعة، وهذا واضح حينما نُقارن بين ما جاء في كتابه (تخليص الإبريز) من موقف ناقد للمرأة وبين ما جاء في كتابه (المُرشد الأمين للبنات والبنين) من موقف مدافع عنها.

كان الطهطاوي من المؤيدين لفتح باب الاجتهاد، متوافقاً بدعوته هذه مع قول الأفغاني: "متى سُدّ باب الاجتهاد.. فمالك إنسان، وأبو حنيفة إنسان، والشافعي إنسان، وأنا إنسان..."، فكلاهما يدعوان إلى تأويل النص القرآني، فالنص عندهم قابل للتأويللأنه جاء ليُخاطب الناس في جميع، لذلك كان الطهطاوي يميل لتأويل النص القُدسي في حال اعتقادنا بتعارض ظاهره مع مُقتضيات العصر، فمتى ما تعارض النقل مع العقل، وجب تأويل النقل بما يتطابق مع العقل. ومن أهم محطات حياة ىالطهطاوي أنه:

ـ في عام 1817م درس في الأزهر العلوم الدينية والشرعية وعلوم اللغة العربية.

ـ في عام 1826م رشحه أستاذه الشيخ حسن العطار كإمام للبعثة العلمية التي أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا، فشكلت هذه البعثة المنعطف الكبير في حياته الفكرية، فتعلم اللغة الفرنسية وشاهد الحياة الباريسية واطلع على الثقافة الفرنسية فعرف أفكار مفكري عصر التنوير مثل فولتير وموتسكيو جان جاك روسو. ومن هنا بدأت طموحاته تكبر ولاحظ الفارق الكبير بين ما هم عليع من تقدم وما نحن عليه من تخلف.

ـ في عام 1831م كتب الطهطاوي كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، وفي هذا الكتاب قدم لنا تجربته في أعوام الرحلة، فكان الأشهر من بين كتبه الأخرى لما فيه من رؤية واضحة لطبيعة الحياة والثقافة والعلم في فرنسا مقارنة بما نحن عليه وما علينا فعله.

ـ في عام 1835م أسس الطهطاوي مدرسة الألسن لتعليم اللغات والترجمة.

ـ في عام 1850م نفاه الخديوي عباس إلى السودان.

ـ في عام 1863م أصدر أول مجلة مصرية بعنوان روضة المدارس.

ـ أهم كتبه: تخليص الإبريز في تلخيص باريز(1831)، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية (1869)، المرشد الأمين للبنات والبنين، أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوفيق بني اسماعيل، نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، وجميع هذه المؤلفات جمعها د.محمد عمارة تحت عنوان الأعمال الكاملة، وله أكثر من (25) كتاباً مترجماً.

ذهب الطهطاوي إلى باريس على رأس بعثة علمية بوصفه مرشدا دينيا لها. وقد تمت الموافقة على اختياره من قبل محمد علي باشا وهذا واضح من إهداء مطول لـ "ولي النعم" "وعظيم الشيم" (الحاج محمد علي باشا) الذي رشحه لكي يكون مرشدا دينيا للبعثة.

كتب الطهطاوي هذه الرحلة بناءً على طلب شيخه حسن العطار، حتى يستفيد منها من يريد الذهاب بعده أو من يريد معرفة أخبار الأمم .

في بداية هذه الرحلة نرى الطهطاوي يقوم بتقسيم الأمم إلى عدة مراتب:-

الأولى : مرتبة الهمل المتوحشين – ومثالهم بلاد السودان

الثانية: مرتبة البرابرة المنشينين – ومثالهم عرب البادية الذين عندهم نوع من الاجتماع ولكن لم تكتمل درجة الرقي عندهم في أمور المعاش والطبائع البشرية والعلوم العقلية والنقلية.

الثالثة : مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدن والتمصر والمستطرفين ومثالهم بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم و الإفرنج و المغرب وسنار وبلاد أمريكا ، وجميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات وعلوم وصناعات ... وهذه المرتبة تتفاوت في علومها، فالبلاد الإفرنجية قد بلغت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية وما وراء الطبيعة أصولها وفروعها ولبعضهم مشاركة في العلوم العربية وتوصلوا إلى دقائقها وأسرارها (ص  13تخليص الإبريز ).

غير إنهم لم يهتدوا إلى الطريق القويم ولم يسلكوا سبيل النجاة أبداً وكما إن البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية وفي العلوم العقلية وأهملت العلوم الحكمية بجملتها فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه(ص14).

لذلك يدعو الطهطاوي إلى الاهتمام بالعلوم لاسيما الحكمية بقوله" إن العلوم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله ، وفي الأمثال الحكمية( الناس على دين ملوكهم) " (ص  15 تخليص الإبريز).

وقد" قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم وتدبيرهم ومعرفتهم في الحرابات وتنوعهم واختراعاتهم" (ص15 تخليص الابريز) ،وقد وجد الطهطاوي إن دولة الغرب إنما قامت على أساس العلوم وهو على أنواع عندهم فضلا عن الحساب والهندسة والجغرافية والتاريخ والرسم هناك علم تدبير الأمور الملكية وعلم تدبير العسكرية وعلم القبطانية والأمور البحرية وعلم فن المشي في مصالح الدول الدبلوماسية وفن الحياة وصناعة القناطر والجسور والميكانيقا( الميكانيكا) وهندسة العساكر وفن الرمي بالمدافع وتركيبها وفن السبك والمعادن لصناعة المدافع  والأسلحة وعلم الكيمياء وفن الطب وفروعه  وعلم تاريخ الطبيعيات وفروعه وصناعة النقاشة وفروعها، وفن الترجمة ينظر (ص 19-20 تخليص الإبريز).

كل هذا الإعجاب لهذه العلوم  الذي يبديه الطهطاوي بعلوم الغرب إلى انه لم تفارقه نزعته الدينية المتطرفة القائمة على تكفير الآخر وما يؤيد ذلك قوله " (ص59 تخليص الابريز)

لأن طلقت باريس ثــلاث           فما هذا سوى لوصال مصــر

فكل منهما عندي عـروس          ولكن مصر ليست بنت كـــفر

وقوله في موضع آخر عن باريس "أغلبها نصارى أو كفرة" ويروي عن إمرأة مسلمة إنها تحولت إلى المسيحية ويقول عنها " تنصرت وماتت كافرة" (ص56،  تخليص الإبريز)

ولكن هذا لا يمنع من أن الطهطاوي كان معجباً وشديد الإعجاب بما وصلت إليه بُلدان الغرب من تقدم في العلوم، وهو يحاول أن يكون مُنصفاً، على الرغم من تشكله الديني المتشدد الذي ضعف بشكل تدريجي  بسبب سفره إلى فرنسا، وأصبح أكثر تقبلاً للرأي المختلف، بل وأصبح من أوائل دُعاة الإصلاح  في العالمين العربي والإسلامي  فيقول عن الغرب "لا ينكر منصف إن بلاد الإفرنج الآن في غاية البراعة في العلوم الحكمية وأعلاها في البحر...وإذا رأيت كيفية سياستها علمت كمال راحة الغرباء فيها ومراعاة خاطرهم ولو إختلف الدين... وبالجملة في بلاد الفرنسيين يُباح التعبد بسائر الأديان فلا يُعارض مسلم في بناء مسجد ولا يهودي في بناء  بيعة "(ص32 تخليص الإبريز).

طبائع الغرب

"مما يستحسن في طبائع الغرب دون عداهم من النصارى حبهم النظافة الظاهرية  فإن جميع ما إبتلى الله سبحانه وتعالى به قُبط مصر من الوضم والوسخ أعطاه للإفرنج من النظافة ولو على ظهر البحر"(ص 34  تخليص الإبريز).

ولم يتساءل الطهطاوي لماذا أُبتليَ قُبط مصر بالوساخة، هل الله إبتلاهم أم "ولي النعم"، بعبارة الطهطاوي، وهذا التوجه مما لا يتسق باعتقادنا والنزعة الإصلاحية التي يتبناها الطهطاوي، كونه مُصِر على رأيه هذا تجاه أقباط مصر، لا سيما بقوله عنهم "أنهم يميلون بالطبيعة الى الجهل والغفلة"( ص 76 تخليص الإبريز).

وان الإنسان حينما "يجيء من البلاد الشرقية الى بلادهم (الغرب) لا يدخلها إلَا بعد خضوعه للكرنتينه (المصحة)، أي يمكث أياماً معلومة لإذهاب رائحة الوباء ولكنهم يجيؤن الإنسان بسائر ما يحتاج ويناولهم الثمن فيضعونه في ماعون فيه خل ( للتعقيم) ونحو مع التحفظ التام " (ص46 تخليص الإبريز).

كانت البلاد جميلة وأبنيتها محكمة ومُتقنة ومُمتلئة بالرياض، وحينما وصلنا مرسيليا وبعد دخول الكرنتينه أحظروا لنا الكراسي التي لم نعتد (نحن) الشرقيون الجلوس عليها ومدوا الطبليات ووزعوا الملاعق والشوكات لكل ملعقة وشوكة ولا يجوز عندهم أن يأكل الإنسان بيده أصلا ولا بشوكة غيره أو سكينته أو يشرب من قدحه أبدا...

ومن طباعهم الذهاب إلى القهاوي و القهاوي عندهم  ليست مجمعاً للحرافيش، بل هي مجمع لأرباب الحشمة وهي مزينة بالأمور العظيمة النفيسة التي لا تليق إلَا بالغنى التام وأثمان ما فيها غالية جداً"( ص 52 تخليص الإبريز)

والفرنسيون لا سيما الباريسيين يتميزون بذكاء العقل ودقة الفهم وغوص ذهنهم في العويصات ... وليسوا أُسراء التقليد أصلاً، بل يُحبون دائماً معرفة أصل الشيء والإستدلال عليه حتى إن عامتهم يعرفون القراءة والكتابة..." (ص76 تخليص الإبريز)

ومن طباعهم التطلع والتولع بسائر الأشياء الجديدة وحب التغيير والتبديل في سائر الأمور، وهم محبون لأوطانهم وقد يلقون بأنفسهم في المهالك لمصلحة تعود على أوطانهم  ينظر (ص 77 تخليص الإبريز)

موقفه من المرأة

وأما النساء فمن عادتهن في هذه البلاد "كشف الوجه والرأس والنحر وما تحته والقفا وما تحته واليدين إلى قرب المنكبين" (ص53 تخليص الإبريز)

فأنه يرى إن الرجال عندهم  عبيد النساء وتحت أمرهن سواء كُنَ حمَالات أم لا. قال بعضهم إن النساء عند الهمل مُعدات للذبح وعند بلاد الشرق كأمتعة البيوت وعند الإفرنج كالصغار المُدلعين، وترى الطهطاوي مؤيد لقول الشاعر"

إعصي النساء فتلك الطاعة الحسنة        فلن يسود فتى يعطي النساء رسنه

يعقـنه عن كثير من فضـــــــــائلـه        ولو سعى طالبــا للعلم آلف ســــنه

يبدو أن موقف الطهطاوي هذا نابع من فهم خاص للشريعة القائم على الأيمان بأن"الرجال قوامون على النساء" فضلاً عن تساوق هذا الموقف مع تربيته الشرقية التي تُقلل من أهمية المرأة وتُحجم دورها وتجعله قاصراً على إداء الأعمال المنزلية وطاعة الزوج وتحقيق رغباته وشهواته.

نظام الحكم

بعد أن يستعرض الطهطاوي كيفية تشكيل الدولة في فرنسا وكيفية تكوينها من الملك والوزراء المختصين الذين تفتقد وجودهم دول الشرق يشير إلى طبيعة السياسة في فرنسا .

تسير هذه السياسة وفق قانون مفيد بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي حددتها (الشرطة) (الدستور) والقائمة على أسس العدل والأنصاف وقد إنقادت الحكام والرعايا إلى (الدستور) حتى غمرت بلادهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم. (ص 99ـ100، تخليص الإبريز).

وبعد أن يستعرض الطهطاوي الدستور الفرنسي نجده يقف عند المادة الأولى التي "تقول سائر الفرنسيس متساوون قدام الشريعة"  ويعلق على ذلك قائلا " معناه سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون حتى إن الدعوة الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره فأُنظر إلى هذه المادة فإن لها تسلط عظيم في إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظراً إلى إجراء الأحكام، ولقد كانت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية وهي من الأدلة الواضحة إلى وصول العدل عندهم إلى درجة عالية وتقدمهم في الآداب الحاضرة وما يُسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يُطَلق عليه عندنا العدل والإنصاف، وذلك لأن معنى الحُكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المُحكَمة والمُغيَرة، فهذه البلاد بلاد حرية (ص تخليص الإبريز 113).

"وقد ضمنت الشريعة لكل إنسان التمتع بحريته الشخصية...ومن الأشياء التي تترب على الحرية عند الفرنساوية إن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة ويعاقب كل من تعرض لعابد في عبادته" (ص117 تخليص الإبريز).

هذه القوانين التي جاءت في الدستور الفرنسي" ليست مُستنبطة من الكتب السماوية إنما هي مأخوذة من قوانين أُخر غالبها سياسية" (ص119 تخليص الإبريز).

موقفه من الحرية

تنقسم الحرية إلى خمسة أقسام حرية طبيعية وحرية سلوكية وحرية دينية وحرية مدنية وحرية سياسية ، والطهطاوي يفهم الحرية الطبيعية بأنها مُتعلقة بوجود الإنسان في هذا العالم وحريته في مُمارسة الغريزة كالأكل والشُرب والمشي وهذه الحرية تقف حدودها عند الضرر بالنفس أو بالآخرين. أما الحرية السلوكية فهي المُتعلقة بتمام الأخلاق وحسن السلوك التي يقتضيها حكم العقل وبالشرط السابق نفسه بالحرية الطبيعية وهو عدم الإضرار بالنفس أو الآخرين (ص127 تخليص الإبريز).

والحرية الدينية كما فهمها الطهطاوي بأنها مُساوقة لحُرية العقيدة والرأي والمذهب بشرط أن لا تخرج عن أصل الدين. أما ما يُراد منها في الغرب فهو حرية ممارسة العقائد الدينية، أي للإنسان أن يختار الدين أو العقيدة التي تطمأن لها نفسه ولا تتدخل الدولة في آراءه أو عقيدته، وينطبق ذلك أيضاً على الحُرية السياسية التي يفهمها الطهطاوي في ضوء وضعه وعلاقته بالحكومة، فهو يفهم الحرية السياسية بأنها حُرية أرباب الإرادة الملكية في إجراء أصولهم وقوانينهم وأحكامهم على مُقتضى شرائع بلادهم.

هذا الفهم باعتقادنا يتعارض مع ما هو معروف، و المُراد من الحرية السياسية في الغرب هو حرية أبناء المجتمع في تبني الرؤية السياسية التي يعتقدون بأنها تنفعهم وتنفع أوطانهم، وهذا مُرتبط بحُرية الإنتماء الحزبي والتعددية السياسية وان أرباب الإرادة الملكية إنما يخضعون لإرادة شعوبهم.

أما المساواة فهي قرينة الحرية، وكلاهما مُلازم للعدل والإحسان، وأما التسوية ( بعبارة الطهطاوي) بين أهالي الجمعية، فهي صفة طبيعية في الإنسان تجعله في جميع الحقوق البلدية كإخوانه، وهي جامعة للحرية المدنية والحرية الملكية، على الرغم من أن الناس قد يتباينوا في الصفات العضوية، بل الصفات الطبيعية وهذا ما إقتضته الحكمة الإلهية، ولكن هذه الحكمة جعلتهم متساوون في الأحكام لا فرق بين الشريف والمشروف والرئيس والمرؤوس(يُنظر: ص 130 تخليص الإبريز).

المواطن والوطن

حينما يقال عن شخص بأنه وطني فمعنى ذلك "أنه يتمتع بحقوق بلده وأعظم هذه الحقوق الحرية التامة في الجمعية التأنسية (الاجتماع الإنساني)، ولا يُنعت الوطني بوصف الحرية إلَا اذا كان مُنقاداً لقانون الوطن ومُعيناً على إجرائه في انقياده لأصول بلده يستلزم ضمناً ضمان وطنه له التمتع بالحقوق  المدنية والتمزي بمزايا البلدية والإنتماء للبلد)، فبهذا المعنى هو وطني وبلدي، يعني أنه معدود عضواً من أعضاء المدينة، فهو بمنزلة أحد أعضاء البدن وهذه اعظم المزايا عند الأُمم المتمدنة" (ص94 المرشد الأمين).

"والوطن يستوي فيه النوع الإنساني، فتجد الحزبيين ولو إختلف البعض مع الآخر يتحدان بالنسبة للأجنبي لحماية الوطن أوالدين أو النوع" (ص125 المصدر نفسه).

ومن أسباب تمدن الأوطان "التمسك بالشرع وممارسة العلوم والمعارف وتقدم الفلاحة والتجارة والصناعة وإستكشاف البلاد التي تعين على ذلك وإختراع الآلات والأدوات من كل ما يُسَهل أو يُقَرب الطرق التمدنية بإيجاد الوسائط والوسائل. فما أعان على التعليم والتعلم الذي هو رُكن عظيم من اركان التمدن المطابع الاهلية... وما اعان على سعة دائرة التمدن في بلاد الدنيا ترخيص جميع الملوك للعلماء وأصحاب المعارف في تدوين الكتب الشرعية والحكمية والأدبية والسياسية ثم التوسع في حرية، ذلك بنشره طبعاً وتمثيلاً وخصوصاً جرائد الوقائع لا سيما في بلاد أوربا بقانون حرية إبداء الآراء بشرط عدم مايوجب الاختلال  في الحكومة بسلوك سبيل الوسط بغير تفريط ولا شطط (ص125 المرشد الأمين).

ومن أعظم معين على التمدن حرية الملاحة والسياسة في البر والبحر"(ص126 المرشد الأمين).

الغناء والموسيقى

يُعَد الطهطاوي من هواة الموسيقى والغناء ومن الذين يعتقدون بعلاقة الموسيقى بالروح والغناء الشجي لبسط النفس، وهذا الموقف بإعتقادنا تأتى للطهطاوي من حضوره لحفلات الاوبرا في باريس، إذ نجده يقول حول أهمية الغناء مُستشهداً بأقوال بعض الحكماء بأن فضل الغناء كفضل النطق على الخرس والدينار المنقوش على قطعة من الذهب، وفي كلام بعضهم إن الغناء يُحرَك الهوى الساكن ويُسكن ألم الهوى المُتحرك، وفي كلام بعضهم الصوت الشجي يُوصل إلى نعيم الدنيا والآخرة وإصطناع المعروف كما قال أفلاطون: هذا العلم يعني علم الموسيقى لم يضعه الحكماء للهو واللعب بل للمنافع الذاتية ولذة الروح الروحانية، وبسط النفس وترطيب اليبوسات وتعديل السوداء وترويق الدم، وقال بعضهم سُمَيت الأنغام والألحان لأن النفس تستغني به عن الملاذ البدنية في حال سماعها (ص157 المرشد الأمين).

والموسيقى والرقص في بلاد الغرب والإفرنج (بعبارة الطهطاوي) من الأمور المُثيرة عندهم والتي تستحق الإحترام، لأنها تنقل حضارة الشعوب وتحترم الإنسان وتبتعد عن الأمور المُخلَة بالحياء لا سيما الأوبرا، وحتى الرقص عندهم، فهو دائماً غير خارجٍ عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر، فأنه من خصوصيات النساء لتهييج الشهوات، وأما في باريس فأنه نمط مُختلف لا يُشم منه رائحة العهر أبدا" (ص139 تخليص الإبريز).

العشق والحب

العشىق قسمان عشق الحواس وعشق القلب وعشق الحواس المُجرَد عن عشق القلب الشهواني الذي ينتهي بالوصال ولذة الإتصال، وأما عشق القلب الذي هو العشق الحقيقي فهو حب حقيقي يرسخ في النفس (ص 198 المرشد الأمين).

والحب يعمي بصيرة العاشق ويشوش ذهن الوامق ويملك روحه.

والحب ليس بمُستنكرٍ في الدين ولا بمحظور في الشريعة وقد رُوي عن النبي (ص) عن إبن عباس (رض) من عشق وصبر فعف وكتم فمات فهو شهيد وشرط الشهادة الكتم والعفه (ص 200 المرشد الأمين).

وسُأل بعض الأطباء عن ماهية العشق فقالوا: إن وقوعه بأهله ليس بإختيار منهم ولا بحرص لهم عليه ولا لذة لأكثرهم، ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المُرتفعة والأمراض المُتنلقة، فلا ينبغي إنكاره على من إبتلى به، بل يُستحب مساعدته من غير تعنيف ولا زجر، كما فعل الصحابة والخلفاء الراشدون، وقال بعضهم المحبة أخذ جمال المحبوب بمحبة القلب حتى لا يجد مانعاً للالتفات لسواه ولا يُمكنه الإنفكاك عنه ولا مُخالفةٍ لمُراده ولا وجود للإختيار عليه لوجود سلطان الجمال القاهر للحقيقة بتحيله المُستغنين عليه دون إختيار منه ولا مُهلة ولا روية، فإن مُغازلة الجمال لا يشعر بها آخذته لا يقدر عليها وحقيقة ما يتولد عنها لا يُعبر عنها فتنقضي الأعراض وتُفنى الحقائق والأمراض، فلا يبقى مع غير المحبوب قرار ولا مع سواه إختيار، وقد قيل إن العناية أن تُحب ويُحبك من تُحب، ومن الشقاء أن تُحب ولا يحبك من تحب (ص201 المرشد الأمين).

موقفه من الدين عند الغرب

فـ"الفرنساوية على الإطلاق ليس لهم من  دين النصرانية غير الإسم، لأن سائر تعبدات الأديان التي لا نعرف حكمتها من البدع والأوهام ولا يُعظَم القسسة في هذه البلاد إلَا في الكنائس عندما يُذهب اليهم ولا يسأل عنهم ابداً فكأنهم ليسوا الا أعداء للانوار والمعارف" (ص 185، تخليص الإبريز).

لذلك نجد شيوع العلوم النظرية والعقلية عندهم، ويعتقد الطهطاوي، أن إعتقاداتهم نتيجة إحتكامهم للعقل أصبحت مخالفة لسائر الكُتب السماوية، وقد أثرت كتب الفلسفة في إعتقاداتهم لأنها محشوة بكثير من هذه البدع ... ويجب على من أراد الخوض في لغة الفرنساوية المشتملة على شيء من الفلسفة أن يتمكن من الكتاب والسنة حتى لا يتغير بذلك ولا يفتر إعتقاده وإلا ضاع يقينه"(ص 190. تخليص الإبريز).

نتيجة لاهتمام الغرب بالعلوم نظراً وعملاً نجد أن لفظ العالم عندهم مُختلف عن لفظ العالم عندنا، فالعالم عندنا هو من له دراية ومعرفة واسعة بالعلوم النقلية (الفقه والشريعة)، أما العالم عندهم فـ"لا يُفهم منه أنه يعرف في دينه، بل أنه يُعرف علماً من العلوم الأُخر"(ص193 تخليص الإبريز) كلعلوم الطبيعية وفنون الصناعة.

وهو أول مفكر مثل الإتجاه التوفيقي، لأنه حاول التوفيق بين الموروث والوافد، أو بين متبنيات الماضي ومُعطيات الحاضر عبر العودة للدين (الماضي) بوصفه المُشكل لنهضتنا الأولى وتعشيق نتاجاته مع مُعطيات الحاضر، أي تبنيه لفكرة تآلف وتعضد فكر الماضي بروحه التقدمية التي مثلتها النهضة المٌحمدية مع روح الحداثة ونزوعها التغييري الذي مثلته  الحضارة الأوربية التي كان من سماتها التنوير وتنمية العقل لإستيعاب قيمة المٌغايرة عبر مُسايرته للحركات والتيارات التقدمية، الذي تبيَن أثره على الطهطاوي في رحلته العلمية ومُعايشته المُجتمعية للحضارة الأوربية في نهضتها. ودليلنا على تأثره بنتاج هذه الحضارة هو انبهاره بها وبمُنجزاتها، ومن أهمها:

1ـ أنه إنبهر بما وصلت إليه الحضارة الأوربية من تقدم علمي وحضاري، فأثارت إستغرابه ودهشته وتعجبه لما يمتلكه الأوربيون من إصرار على التقدم وصناعة الحياة بطرق أفضل.

2ـ إنبهر بالنظام وإحترام الفرنساوية للقوانين، وتشديدهم على التعددية الدينية وتقديرهم لحُرية الرأي، فلكل إنسان عندهم الحق في تبين المُعتقد الذي يشاء. أي ترك الحُرية له في إختيار مُعتقده الديني والسياسي والفكرية الذي يشاء.

ومن الأمور الأخرى التي لاحظها الطهطاوي هي الفصل بين الدولة والدين، ولم يكن مؤيداً لها بُحكم ثقافته الأزهرية وبُحكم قُربه من محمد علي باشا ذو النزوع الإنفرادي في الحكم.

3ـ إنبهر الطهطاوي بما أظهره الفرنساوية من تقدير لحُرية التعبير وحرية الرأي وحرية الإعلام والصحافة، وقد أكد على بالدرجة دور الصحافة الحرة والإعلام الحُر في بناء الدولة المدنية، فهما العين الأخرى لمراقبة الحكومة والسلطة ونقدها وتقويمها.

4ـ إنبهر الطهطاوي بقدرة الفرنساوية على إعطاء النساء حُريتهن في التعبير والملبس وحق القبول والرفض لحياتهن، إذ أنه رأى في أوربا عامة وفرنسا خاصة بأن للمرأة الحرية الكاملة في إقامة العلاقات وحضور المنتديات ولا تمييز بينها وبين الرجل.

كل ما سبق ذكره يتعارض مع الدين ولا سيما حرية المرأة، ولكنه مع ذلك، كان يصف المجتمع الأوربي بأنه مجتمع حضاري مُتطور من حيث الثقافة والفكر والتقنية، فلذلك هناك أمور كانت قد أثارت إعجابه خلافاً للأمور السابقة.

اما أهم النقاط التي كان الطهطاوي معجباً بها في الدول الأوربية عامة وفرنسا خاصة فهي :

1ـ تطبيق القانون وإحترامه والإلتزام بالنظام العام التي أُعجب بها الطهطاوي ونظر إليها على أنها السبب الرئيس فيما وصلت إليه أوربا من تقدم وإزدهار وتطور حضاري.

وأيضا من النقاط الأخرى التي كان الطهطاوي مُعجباً بها في الحياة السياسية الفرنسية هي رفض الفرنساوية إعطاء السلطة المُطلقة للحاكم، أي أن الحاكم له صلاحيات محدودة لا يمكن أن يتجاوزها، وهذا ما حدده الدستور الفرنسي. وبعبارة أخرى، أن الحاكم مُقيد طبقاً للدستور.

2ـ وجود الدستور في البلدان الاوربية والتزام الحكومة والشعب بهذا الدستور بوصفه عقداً اجتماعياً بين الحاكم والمحكوم هو ما أعجب الطهطاوي، وإن لم يُصرح به بحكم ميوله لإستمرار سلطان محمد علي باشا وآله من بعده، لأنه ولي النعم، الذي أنعم عليه بعطايا وهباة كُثر.

 

د. علي المرهج

...................

المصادر:

الطهطاوي: تخليص الإبريز في تلخيص باريز، طبعة دار الأندلس بيروت ،بلا تاريخ

الطهطاوي: المرشد الأمين ، مطبعة المدارس الملكية بمصر ،طـ1 1289هـ ،أعاده المجلس الاعلى للثقافة بمصر 2002

ali almirhigللبصرة طعم التمر بحلاوته، وللبصرة طعم الحلاوة بمعاشرة أهلها، وللبصرة شط العرب وللبصرة المرفأ والميناء والراح والمُستراح، وإن لم أزور البصرة إلَا مرةً واحدةً حينما قررت اللجنة العلمية عام 2001 بجامعة الكوفة في كلية الآداب بقسم الفلسفة أن يكون أحد أساتذة الفلسفة وعلم الكلام مُناقاشاً لي من كلية الآداب/قسم الفلسفة بجامعة البصرة هو الأستاذ الدكتور محمد جواد الموسوي، أستاذ الفلسفة المؤسس للقسم في هذه الجامعة، فذهبت لتسليمه الأطروحة، فكان في غاية الخُلق والتفلسف. وقد كانت زيارتي هي الأولى والوحيدة لهذه المدينة، ولكن من محاسن القدر، قبل مُناقشتي للدكتواره في جامعة الكوفة أنني كُنت قد قُبلت في كلية الآداب جامعة بغداد في الماجستير، وكان من زميلتي أخت عزيزة من البصرة هي اليوم د.مها الغرابي كما أتذكر كتبت عن الأيديولوجي واليوتوبي في فلسفة إفلاطون بتوجيه من أستاذها الدكتور محمد جواد الموسوي. وهي من الحريصين والملتزمين بالدرس الفلسفي، وبعد سنين عرفت الدكتور عقيل عبد حسين العاشق للفلسفة، والأخ (أبو لواء) حازم البصري. ولا أنسى أخي الشاعر المٌميز "صفاء ذياب" الذي عاش معي الأيام الصعبة ببغداد، إبن قلعة سكر، البصري الهوى صاحب مكتبة شهريار المكتبة الأشهر اليوم في البصرة.

البصرة ظهر منها الجاحظ والفراهيدي وسيبويه والحسن ابن الهيثم والحسن البصري وأبو الأسود الدؤلي وإبن سيرين في العصور الإسلامية.

وقد قرأت لشعراء وكتاب ورائيين كبار من هذه المدنية، أولهم السياب وثانيهم البريكان، وممن يُشار لهم بالبنان الروائي الكبير محمد خضير والشاعر الألق كاظم الحجاج والشاعر والإعلامي المميز طالب عبد العزيز والأكاديمي والروائي الصديق د.لؤي حمزة عباس، ومن كان له رؤية في الفكر السياسي مؤلف كتاب "صورة الآخر" الدكتور محمد عطوان، ومن تميز في رؤاه الفلسفية النقدية د. سنا صباح في قراءتها لفلسفة نتشه، التي أعتز بأنني كُنت المُشرف على أطروحتها في الدكتوراه، ومن كان له هم التغيير في إعادة صياغة المشكل العراقي وفق الحل الفلسفي الكندي للسياسة هو الدكتور قيس ناصر، الذي كُنت رئيساً للجنة مناقشته بموضوعه هذا حول التعددية الثقافية في الفلسفة الكندية، وآخرون من طلاب الفلسفة من البصرة ممن درستهم ولا زالوا يكتبون رسائلهم.

من البصرة عرفنا كوميديا الموقف والضحك بجنون يملؤه الفنون مع سليم البصري الذي كتب ومثل أجمل دراما عراقية هي مسلسل "تحت موس الحلاق"، وأكملت دراما البصرة وحضورها الفنانة الأجمل في تاريخ الدراما العراقية "سليمة خضير"، وزادت جمال الحضور للبصرة أختها المُطربة "أمل خضير"التي إشتهرت بأغنيتها "الدنيا كرستال وذهب" التي لحنها المُلحن الكربلائي المُتميز محسن فرحان، وإستمرت بأغانيها العذبة التي منها: "يا ألف وسفه ويا حيف" و "فدوه فدوه فدوه" و "أتوبه من المحبه"..إلخ.

وللبصرة طعم أنغام الخشابة بإيقاع سعد اليابس، ومن البصرة شُغفنا بفؤاد سالم بأغانيه الأشهر "الشوك للبصرة" و "على درب اليمرون" و "ماتدرين ماتدرين" و "محلاها العيون" و "صابرين" و "ردتك تمر ضيف" و "ويلي ينغم"...إلخ، ورياض أحمد إبن التنومة، الذي أطربنا بمواويله المستقاة من أشعار مُظفر النواب وعريان السيد خلف، وأجمل ما فيه هو إتقانه للشجن في الطور الصُبي الذي أتقن الغناء فيه، فصار كل من يُغني طور "الصُبي" مُقلداً لتنغيمات رياض أحمد.

وأطربتنا سيتا هاكوبيان الأرمنية الأصل عراقية النشأة والمولد، التي بدأت بأغنية الوهم من شعر الكبيرة "نازك الملائكة"والتي نعتها الكثيرون بأنها "فيروز العراق". كان لموسيق صوتها بألحان البصري طارق الشبلي طعم العراق بنكهة لبنانية فيروزية، إستخدم فيها الشبلي الآلات الغربية من دون خدش للأُذن العراقية، فإخترقت سيتا شغاف قلوب العراقيين، لأنها صوت النقاء الذي ينطق بالحب، فهي من غنت "إصغيرة جنت وإنت صغيرون"  و غنت أغنيتها التي عزفت على أوتار المحبة "إبهيدة" وبفرح يملأ القلب غنت "لالي لالي لالي يا كمر لالي" وهي كلمات تُضيء بقايا العُتمة في الروح التي  أتمتها بأغنيتها "دار الزمان وداره وضيع عليه أخباره" لتهدأ أخبار الزمان بأُغنيتها الأشهر "إبهيده" ولتطأن الحبيب بأُغنيتها "شوكي" شوكي، شوكي خذاني".

كانت أغلب أغاني "فيروز العراق" من ألحان العذب "طارق الشبلي" الذي لحن للمطرب محمد الشامي "إيفر بيه هوى المحبوب يا يمه". ومن البصرة كانت أغنية ربيعة "هو وهاي وهو"  وأغنية البصرية الجميلة "سهى عبدالأمير" التي جُنت بسبب ظلم نظام زبانية صدام الذين أتخذوا منها غانية لا مُغنية، وهي التي أطربت أبناء جيلها بأغانيها ومن أهمها:"خلاني حُبك حايره" التي ذاع صيتها في الثمانينيات من القرن المُنصرم.

المهم ما أروم قوله أن للبصرة طعم التنوع في تمورها، فمنها اللغوي الكبير، ومنها الأديب المفوه، ومنها الروائي الذي حكي حكايا المرفأ والميناء وبقايا الأمل في البصرة الفيحاء، ومنها الشاعر الأكبر في شعر التفعيله أو ما سُمي بالشعر الحُر، ومنها المٌطربون الذين ساحوا بنا بسماء العشق والوله وما خفي من الوجدان بجما التطريب وبعذب الألحان. فهنيئاً للبصرة أنها بكل الحُزن والألم الذي مر بها منذ حربنا مع إيران، فخراب البصرة صار مثلاً يُقال لما ألم بها من ألم من نتاج الحروب المستعرة التي ختمها الأمريكان، فضُرب مثلاً طريق الموت في حربنا معهم، فخسرت البصرة سواد الأرض وإخضراها، ولكنها لم تخسر أبنائها الشُجعان ممن رسموا خريطة التضحية في دفاعهم عن عراق موحد ليس فيه خُسران، سوى خُسرانهم هم لأمول البترودولار التي وعدوا بها، ولكنهم وإن تمنوا الحصول عليها، ولكنهم صبروا وتصابروا من أجل الحفاظ على عراق موحد يُخذل به من ظن أن يتفرق رغم إختلاف مذاهبه والأديان، لأن فيه شعباً لا يرى في الذلة قبولاً ولا يقبل أن يُهان، فتوحده رغم التحديات صار أمراً مقضياً، رغم أنف المملكة العربية السعودية وإيران، والبصرة مثال التعايش السلمي بين سنة وشيعة، وهو أمر لا إخبار فيه بقدر ما فيه من رد على الطائفيين الذين لعبوا على وتر الطائفية فصار لعبهم في خبر كان.

وإن هامك الشوق للعراق فتذكر البصرة.

 

 

latif oqayliليس خافياً أنَّ لدراسةَ التَعَلُّم تاريخاً طويلاً بدأ مِنْ تصوراتِ أرسطو وامتد إلى مَا عرف - وَمَا يزال مستمراً فِي الظهور - فِي عالمِنا مِنْ نظرياتِ التَعَلُّم، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها الرأي القائم عَلَى أنَّ التَعَلُّمَ عملية أساسية فِي الحياة لَا يكاد يخلو مِنْها أي نشاط بشري، إنْ لَمْ تكن جوهره؛ لاعتباراتٍ مَوْضُوعِيَّة تتعلق بمَا يمكن أنْ تحققه هذه الفعالية مِنْ نتائجٍ بوسعِها اكساب الإنْسَان مجمل خبرته الفردية، وَالمُسَاهَمَة فِي تنميةِ مهاراته وَتطوير قدراته الذهنية، إلى جانبِ تمكينه مِنْ مواجهةِ أخطارِ البيئة، وَالَّتِي تقتضي بلا ريب سعي الإنْسَان لتكثيفِ محاولاته الرامية إلى الاستزادةِ مِن التَعَلُّمِ قصد قهر الطبيعة مِنْ حولِه وَبُلوغ السيطرة عَلَيها مِنْ أجلِ تسخيرها، وَهو الأمر الَّذِي ألزم القيادات الإدارية التعامل مَعَ وظيفةِ التَعَلُّم بوصفِها النشاط الَّذِي يمثل الضرورة الأكثر إلحاحاً لإنتاج مَا تباين مِنْ أنماطِ السلوك الَّتِي مِنْ شأنِها المعاونة فِي التسريعِ بمهمةِ النهوض  بدورٍ أكبر لبلدانِها بعد أنْ أصبحت عمليةَ التَعَلُّم تُعَدّ أحد الجوانب المهمة مِنْ حياةِ كُلّ فرد وَكُلّ مجتمع مِن المجتمعاتِ الحديثة. وَلا يخامرنا شك فِي توجه الحكومات الساعية لتطويرِ بلدانها إلى ترسيخِ دعائم القاعدة المادية لوظيفةِ التَعَلُّم بإقامةِ المؤسسات الاجْتِماعِيَّة المسؤولة عَنْ إدارتِها وَتوجيهها؛ بغية أنْ تصبحَ بلدانها منتجةً  للعلمِ وَالثقافة وَالفنون، بالإضافة إلى تمسكِ إداراتها بوضعِ الآليات الَّتِي مِنْ شأنِها المحافظة عَلَى تلك الثروات بوصفِها مِنْ مقوماتِ الحضارة الإنسانيَّة، وَالَّتِي تفرض عَلَى الإداراتِ الحرصِ عَلَى سلامةِ انتقالها بسلاسةِ عبر الأجيال؛ لأَنَّها تُعَدّ أحد العناصر الأساسية لعمليةِ التَّنْمِيَة، فضلاً عَنْ كونِها بمثابةِ الطَّاقَة الَّتِي تغذي مثابرةَ المجتمع عَلَى التواصلِ مَعَ التطوراتِ العِلْميَّة وَالتِقْنِيَّة الَّتِي    تعيشها البَشَريَّة وَالتفاعل مَعَ إفرازاتِها. والمتوجب إدراكه أيضاً هو استحالة تحقق عملية التَعَلُّم بصيغتها المؤثرة إيجاباً فِي مساراتِ عملية البناء الاجْتِمَاعِيّ وَالاقْتِصادِيِّ مِنْ دُونِ الركون إلى التَّخْطِيطِ العِلْمِيّ السليم، مَا يعني إلزام القيادات الإدارية الإبتعاد عَنْ تركِ تلك العملية الحاسمة عرضة لعواملِ المصادفة وَالعَشوائيَّة؛ بالنظرِ  لمكانةِ وظيفة التَعَلُّم وَأهميةِ دورها فِي الحياة، وَالَّتِي لَمْ تَعُدّ بحسبِ المتخصصين ترفاً فكرياً، بل أصبحت أولوية مهمة فِي التَّخْطِيطِ الاستراتيجي بعد أنْ أدركتها الإدارات عَلَى اختلافِ مشاربها، وَجهد العلماء والباحثون وَالدارسين مِنْ أجلِ سبر أغوار طبيعتها وإماطة اللثام عَنْ المتطلباتِ المؤثرة فيها ايجاباً وسلباً؛ سعياً فِي محاولةِ الوقوف عَلَى الاستراتيجيات الَّتِي بوسعِ آلياتها تحديد أهداف التَعَلُّم بوضوح وَمهنية عالية تقوم عَلَى أفصلِ طرق الأداء، وهو الأمر الَّذِي أفضى إلى تعدد الرؤى حيال وظيفة التَعَلُّم، حيث نجمت دراسة مظاهرها عَنْ ظهورِ مَا تباين مِن الاتجاهات والتيارات الفكرية، وَالَّتِي تبلورت عَلَى شكل ما يعرف اليوم باسمِ " نظريات التَعَلُّم ".

ليس خافياً أنَّ الطينَ الَّذِي برعت يدا الكثير مِن العراقياتِ فِي استخدامِه بمهمةِ صُنعِ مِا يشارُ إليه فِي المناطقِ الريفية باسْمِ "التنور"، لَمْ يكن التعامل معه وليد عصر الحداثة، فصناعة الفخار تُعَدّ مِن النَّشَاطُاتِ البَشَريَّة الموغلة فِي القِدمِ في بلادِنا؛ إذ كان الفخار مِن الحرفِ القديمة الَّتِي شكلت جزءاً مِنْ تراثِ العراق وَحضارته، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَ أنواعها مَا تَزال تستخدم إلى يومنا هَذَا عَلَى الرغمِ مِن التطورِ الَّذِي شهدته الصِناعة الحديثة للأواني وَالخزفيات، بالإضافةِ إلى مَا منحته إنجازات العراقيين مِنْ إبداعاتٍ متمازجة مَعَ روحِ العصر فِي الشكلِ والمضمون مِنْ أجلِ إخراج الخزف مِنْ حرفيةِ الموضوع إلى حقولِ الفنون التشكيلية. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ اِنتشارَ الفخار بشكلٍ واسع فِي أرضِ الرافدين كان تعبيراً عَنْ تاريخِ تلك الحضارات وَدرجة رقيها، حيث وجدت شواهد هَذَا الفن فِي أماكنٍ كثيرة مِنْ بلادِنا، فضلاً عَنْ الجميلِ وَالمتقن مِن الأعمالِ الفخارية كالأواني المستخدمة للزينةِ وَالأعمال المنزلية المزينة بالزخارفِ الَّتِي نقشت عَلَى سطحِ الأواني. ولعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى أنّ دراسةَ عالم الآثار العراقي الدكتور بهنام أبو الصوف الرائدة فِي الخزفِ العراقي القديم - الَّتِي  تُعَدّ المدخل النظري للتطبيقاتِ العملية والدراسات النظرية اللاحقة - كانت نتائجها تؤكد أنَّ أنواعَ فخار الوركاء ( الحمراء، الرمادية وَالسوداء ) تُعَدّ بوصفِها أنواعاً لصِناعةٍ واحدة يعود تاريخها إلى أواخرِ عصر العبيد، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَها عرفته تقاليد صِناعات الفخار العريقة فِي العراق منذ الألف السادس قبل الميلاد، وأنَّ جميعَ تلك الأنواع " عُملتْ محلياً مِنْ طينةٍ مَحَلِّيَّة، وأحرقتْ بكورِ فخارٍ مَحَلّيّ ". 

يبدو أَنَّ سرَ تعلق السَماوي بطينِ السَماوة هو بالضرورةِ تعلّق بالطفولة، وَمِنْ ثم بملاعبِ الصبا قبل أنْ يتحول إلى تعلقٍ بالإنسان باعتباره ابن التراب وإليه سيعود، فليسَ مصادفة أَنَّ طينَ السَماوة هو الَّذِي حفظ لنا " ملحمة كلكامش " الَّتِي تُعَدّ أقدم ملحمة عرفها التاريخ الإبداعي الإنساني، وَليس مصادفة أنّ " الطين الحرّيّ " هو الَّذِي جعل البيوت الطينية معشِبة السطوح. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ مِنْ بَيْنَ الأمثال الَّتِي كان السَماوي يسمعها فِي طفولته، مَـثَـلاً يطلقه  قائلوه عَلَى أي شيء يريدون وَصفه بالأصالةِ وَالإباء وَالنقاء فيقولن عَنه : " هَذَا  كالطين الحرّي "، وَلَمْ يكن يعرف خصائص  الطين الحرّيّ إلا حين شغِفَ باللعبِ به ليصنعَ منه عربات وَخيولا، حتى إذا صارَ صبيّاً، صنع منه هو وَصديق طفولته " جاسم علي هداد / أبو ثبات " دومينو فخراها فِي نارٍ هادئة، مَعَ العلمِ أنَّ جاسم علي هداد هو الَّذِي عَلمه لعبة الدومينو الَّتِي أدمنها حيناً مِن الدهرِ عندما  أرغمته الظروف بعد انكشاف مصيدة الجبهة الوطنية، عَلَى إطعام كتبه إلى النيران؛ خشية أنْ  يتخذ منها " زوار نصف الليل " دليلاً عَلَى ارتكابه جريمة قراءة الفكر وَالأدب التقدميين. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ طينَ السَماوة جعل الشاعر يعتز به إلى حدِ تجاوزه نجماً يستقر فِي السَماءِ ويضيء كوكبنا وَمِنْ جملته مدينة السَماوة، وَالَّتِي أكاد أجزم أَنَّ فضاءاتها مَا تَزال مظلمة بسببِ إهمال ولاة الأمور.

طينُ " السَـماوةِ" لا نجـمُ السّـماواتِ

يَــشــدُّ أمـسـي ويـومـي بالـغَــدِ الآتـي

.

أهـكـذا العـشـقُ ؟ يَـجْـفـوني وأتـبَـعـُـه

فـما أصَخْـتُ إلى صـوتِ انـكسـاراتي !

.

أهـكذاالعـشـقُ؟ يا خَـوفي عـلى وطـني

مني .. ومنه عـلى شـمسـي ومـشـكاتي

.

مُــشـَـرَّدٌ  وهـمـومُ الـنـخـلِ أمْـتِـعَــتي

حَـمَـلــتـُها .. وجـراحـاتي مَـحَـطـاتـي

.

هُــويَّــتي ؟ غَـجَــريٌّ لا بـــلادَ  لـــهُ

إلآ ظِـــلالُ  بـــلادٍ فــي الـهُــوِيّــاتِ

.

خطـيئةُ العصر في وجهي مُكـَثـَّفـةٌ:

أنـا ابـنُ دجلةَ.. لكنْ : في السِـجـِلّاتِ

.

عـشـقـتُ دجـلـةَ حتى كـدتُ ألـعَـنـُهـا

وألعـنُ الـوطـنَ الـمـخـبـوءَ في ذاتـي

.

نَـخَـلـتُ أسْـطــرَ قامـوسي لـعـلَّ بـهـا

مـا قـدْ يُـزيــنُ بـأفــراحٍ عــبــاراتــي

.

وجدتُ لـفظَ (عـراقٍ) في صحـائـفِـهِ

كما الـفـرات.. ولكـنْ : دون ( راءاتِ )

 **

مَا أظننا نغلو فِي القولِ إنَّ شدةَ ميل السَماوي فِي طفولتِه الأولى  إلى توظيفِ الطين فِي ممارسة هوايته المتمثلة بتشكيلِ مجسمات تحاكي الواقع، عززت - عَلَى الرغمِ مِنْ تواضعِ تطبيقاتها الفنية - رغبته فِي تلقي المعرفة بوقتٍ مبكر، وزادت مِنْ اهتمامِه فِي محاولةِ الوصول إلى معرفةِ الأشياء، فضلاً عَمَا وفرته له مِنْ وضعٍ نفسي لملامسةِ المفاتيح الأساسية للمهارات، وَالَّتِي ساهمت بالتوافقِ مَعَ غيرها مِن العواملِ إيجابية الإثر بإتاحة الفرصة - فِي مراحلِ حياته اللاحقة مَا بَيْنَ السماوة وَمنفاه بمدينةِ " أديلايد " الاسترالية - لإقامتِه ببيئةٍ معرفية بمحتوى مثرٍ وهادف، مكنته مِنْ إتقانِ مهمة ابتكار الفكرة الَّتِي بوسعِها تعزيز ركائز جسر التواصل الإنساني مَعَ عقلِ المتلقي أكثر مِنْ عاطفته، وَنسج مضامينها عَلَى الورقِ فِي صورةِ موازييكٍ مبهر الجمال بفضلِ مهارته العالية وَمَا أتقنه مِنْ حرفية فِي عالمِ اللغة. وَضمن هَذَا المعنى يقول الكاتب العراقي الدكتور عبد الجبار العبيدي: " لم يَعُدَ شعر الشاعر السَماوي شعراً عادياً لوصفٍ أو تخيلٍ أو قصدٍ معين في رأسهِ يقول، بل شعره مغزىً لحياةِ امةٍ لا زالت تعاني مِنْ آلامها كما عانى جميل بثينة مِنْ حبهِ الشريف ". وَفِي السياقِ ذاته يقول الأديب وَالقاص العراقي حمودي الكناني: " إنَّ السَماويَ يكتب ليستفز الآخرين، ويحملهم عَلَى الوقوفِ فِي مضافتِه ليأكلوا مِنْ خبزه ". ويؤكد الكناني أيضاً إنَّ السَماويَ " شاعرٌ كبيرٌ تناول كُلّ أغراض الشعر وَأجاد فِيها، فهو مقاتل بارع يحمل سلاحاً مِنْ صنعٍ خاص يرمي به فيصيب, يخترق الاجساد دون أنْ تحسَ حرارة الرصاصة، وَعندما تمد يدك لتتلمس أثر دخولها تخرج معفرة بخضابِ روحه الَّتِي خبزتها السَماوة بتنورِها المصنوع مِن الطينِ الحري ".

                **

مــرافـئي خـَـذلـَتـْني يـا شِــراعــاتـي

فـعـانـقي يـا ريـاحَ الصَّــبـر رايـاتـي

.

بـَـردانُ أوقِــدُ أجْــفــانـي وأوردتــي

عـطشـانُ أحـلِـبُ أحداقي  لِـكاسـاتي

.

ومن رمادِ هَـشيمي شِـدتُ ليْ وطـنـاً

حَـمَـلـتـُهُ حــيـثــمـا تـنـأى مـسـافـاتي

.

كأنما النـّأيُ عـن أهـلي وعـن وطـني

أو الــتـشــرّدُ أضحى مـن هـِـوايـاتـي

.

عـلى فـمي خَـبَـزَ الحِـرمـانُ أرغِــفـةً

طـحـيـنـُها قــَلـَقـي والــنـــارُ آهــاتـي

.

وما ندمـتُ على جـيلـيـنِ في سَـغـَبٍ

فـقـد ربحـتُ مـن الـدنـيـا خـَسـاراتـي

.

لـقـد بـدأتُ طريـقي ـ وهـي شـائـكـةٌـ

مُـكـابـِـراً أتـَـسَــلــّـى باحـتِـراقــاتـي

.

فـكـيـف يـخـذلـني نـفيٌ وقـد نـُفِـيَــتْ

دنـيـايَ عـن مُـقـَلي مـنــذ الـبـدايـاتِ ؟

.

وما خـشـيـتُ مـن المـاضي ونـكـبـتـهِ

لكـنْ خـشـيتُ عـلى قـومي مـن الآتي

.

نـأى عـن الـشـمـسِ ربّـانٌ بمركـبـنـا

فـَحَـتـْمُــنا : حَـطـَبٌ في نـار مــأسـاةِ

               **

لأنَّ النصَ الشعري مِنْ وجهةِ نظر الشاعر السَماوي هو " بناءٌ هندسي فني معماري وَنبضٌ شعوري "، فقد ألزمه ذلك إيلاء هذا البناء - اللغة - الإهتمام الكبير عَلَى اعتبارِ أَنَّ اللغةَ هي الإناء لمادةِ المعنى والمداليل الَّتِي تتشكل مِن النفثاتِ الشعورية لحظة المخاض الشعري القابلة للتمدد، بمعنى أَنَّ السَماوي فِي كثيرٍ مِن الأحيانِ يكتب القصيدة عَلَى مرحلتين، أولهما كتابتها بوصفِه شاعرا، والأخرى كتابتها كناقد؛ إذ يجد نفسه ملزماً بحذفِ أو أضافة أو إعادة صياغة بعض الجمل الشعرية مِنْ أجلِ أنْ يكون البناء الهندسي أكثر استكمالاً لشروطِ الفن الشعري، فالشعرُ بحسبِ السَماوي جميل، لكن عذابَ كتابته يبقى الأكثر جمالاً، وَلعلَّ خير مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو أنَّ السَماويَ يحيى قد يمضي ليلاً بكاملِه للتأكدِ مِنْ فعلٍ ورد فِي بيت أو جملة شعرية فِي قصيدةٍ حين كتابتها كوقوفِه حائراً مَا بَيْنَ الفعلين " مضى و سرى " فِي جملةِ "مضى به ليلا " و " أسرى به ليلا " فِي بيتِ شعر؛ إذ لَمْ يغمض له جفن حتى اتصل بصديقِه الشاعر فاروق شوشة - مِنْ جملةِ الوظائف العلمية الَّتِي شغلها رئاسته للمجمعِ اللغوي فِي مصر - عَلَى الرغمِ  مِنْ كونِه كان متأكداً مِنْ أنَّ " مضى به كان الأصح " عَلَى صَعيدِ فقه اللغة وَدلالة الفعل وَالفاعل. وَلعلَّ دلالة فعل السَماوي هُنَا هو أنَّ هناك مَنْ يجهدُ وَيعطي تفانياً لقيمةِ منجزه الإبداعي، مَا يعني - بحدودِ بحثنا - أنَّ التميزَ عَلَى صَعيدِ الأدب مرتهن بذلك الميل الإضافي الَّذِي ترجمته الواقعة المذكورة آنفاً، وَالَّتِي ساهمت مِنْ دُونِ أدنى شك فِي وصولِ منجزه الشعري إلى مَا امتد مِنْ براري الأدب بعذوبةٍ وَأمان. وَيتجلى جهد السَماوي فِي الاهتمامِ بجمالِ النص الشعري وَسلامته لغوياً مَنْ خلالِ مَا أسرني به ذات صباح بغدادي عَنْ إعجابِه بالحكمةِ الصينية الَّتِي تقول: " إنَّ الله يهب كل طائرٍ رزقه ... لكنه لا يلقي به في عشّـه ".

.

في يدي ورْدٌ .. وفـي روحيَ جُرْحُ

فـالـنقيـضـانِ أنـــــا : لـيـلٌ وصُـبْحُ

.

والصَّديقانِ أنــــــا : شـمـسٌ وظِـلٌّ

والـعَـدُوّانِ أنــــــــا : ثأرٌ وصَـفـْحُ

.

لا أنـا الصّاحي فأغـْفو عــن أسىً

أو أنــــــا النائمُ جـذلانَ فـأصْحـو

.

لمْ تــــــزلْ صفحةُ عـمري زَبَداً:

تكتبُ الأحلامُ ... والأقـدارُ تمحو

***

لَعَلَّيّ لَا أبعدُ عَنْ الواقعِ إذا قُلْت إنَّ التجربةَ الشعرية الثرية جداً للشاعرِ يحيى السَماوي، تعود جذورها فِي واقعِها الموضوعي إلى أيامِ انتظامه فِي مرحلةِ الدراسة المتوسطة، وَالَّتِي كان شغوفاً بها لأسبابٍ لا علاقة لها بتحقيق حلم والديه بدخولِ دار المعلمين، إنَمَا لأَنَّ مدرسته فيها " مكتبة " كان يراها كبيرة وقتذاك، فضلاً عَنْ مشاركته الطالبات الجميلات - فِي ذهابهن إلى متوسطةِ السَماوة للبنات وَإيابهن مِنْها - الطريق عند ذهابه إلى مدرسته، وَالَّذِي يلزمه عبور الجسر الحديدي وَالسير بمحاذاةِ النهر.

وَلعلَّ مردَّ تيقني حول البدايات الشعرية الَّتِي شكلت الواجهة الشعرية للسَماويِّ يحيى هو تمكنه مِنْ كتابةِ أول قصيدة مستوفية شروط النظم لغةً وَسلامة وزن حين كان طالباً فِي الصفِ الثاني متوسط، وَالَّتِي نظمها تغزلاً بطالبةٍ أطلق عَلَيهَا اسماً مستعاراً هو " نهلة ". وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ قراءته تلك القصيدة فِي درسِ الإنشاء وَالتعبير كانت مثيرة لسخريةِ طلاب الصف بخلافِ سعادة مدرس اللغة العربية الَّذِي حازت عَلَى رضاه وأعجب بِها أيما إعجاب. يُضافُ إلى ذلك أنَّ مدرسَ اللغة العربية الأستاذ شمخي جبر في مرحلةِ دراسته المتوسطة، وَالَّذِي نشر لَهُ بعدئذ قصيدة فِي مجلةِ " الشذى " الَّتِي أصدرتها المدرسة بالتعاونِ مَعَ مديريةِ التَّرْبِيَة فِي ظلِ إمكانياتٍ خاوية تكاد لا تذكر، وَلا يمكن مقارنتها بضخامةِ إمكانياتِ وزارة التربية حالياً، وَالَّتِي عَلَى الرغمِ مِنْ ثرائِها المالي، لمْ تفلح حتى بإصدارِ نشرةٍ جدارية كانت تزهو بها - فِيما مضى - جدران أبعد مدرسة طينية بأصغرِ قريةٍ فِي العراق. وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ هذا النشر هو الَّذِي شجع الفتى يحيى السَماوي عَلَى اللوذِ بمطالعةِ ما يتاح له مِن المطبوعات الأدبية وَالعامة وَمَا مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي صقلِ معرفته بقواعدِ نظم الشِّعْر، فضلاً عَنْ تحفيزِه للإكثارِ مِنْ نظمِ القصائد وَإرسالِها إلى بعضِ الصحف مثل " كل شيء " و " المتفرج " وَغيرهما مِنْ أجلِ نشرها.

بالاستنادِ إلى مَا استعرضناه فِيمَا تقدم، يمكن القول إنَّ شاعريةُ السَماوي يحيى، فضلاً عَنْ المتاحِ مِنْ المراحلِ الأولى لمحاولاته الساعية إلى إنضاجِ تجربته الأدبية فِي واحدٍ مِنْ أهمِ فصول مسار تكاملها، كانت مدهشة للغاية وَمعبّرة جداً بفعلِ طبيعة أحداثها المليئة بالإثارة، وَالَّتِي تفرض عَلَى المتلقي التفاعل مَعَ حيثياتها بشعورٍ وجداني نحو جذور الذاكرة الجمعية، إلى جانبِ إدراكه ما اعتمده الشاعر السَماوي مِنْ مرتكزاتٍ قصد إنضاج وَعيٍ بانت ملامحه لاحقاً مِنْ خلالِ تطابق إفرازاته مَعَ ثيماتِ نصوصه الشعرية. وَمْنْ هنا  فليس بالأمرِ المفاجئ أنْ يذهبَ الباحث وَالأديب وَالكاتب العراقي الدكتور هاشم عبود الموسوي إلى أبعدِ فضاءات ألق السماوي وعطاء أبناء مدينته حين يؤكد - مِنْ وحي تخصصه فِي هندسةِ العمارة وَجمالها الأخاذ المقترن بشغفِه فِي عوالمِ الأدب بقوله: " ستبقى السماوة مِن المتنبي إلى يحيى السماوي، تمنح الأدب العراقي روائعَ لا تنسى "، مؤكداً أيضاً " إنَّ يحيى هَذَا المولود شاعراً، لا أعتقدُ أنَه يكتب القصيدة، وَإنما القصائد هي الَّتِي تكتبه، وَهي الَّتِي تأتي إليه ". وَيبدو جلياً أنَّ للدكتورَ الموسوي ما يبرر رؤيته عَنْ خطاب السَماوي النصي، حيث يقول: " أسلوبٌ وَرصانة لَمْ نعد نجدها عند أدبائنا المعاصرين، متفرداً بها يحيى "، ويختتم الموسوي رؤيته النقدية بقوله: " إنَّ السَماويَ مدرسةٌ عراقيةٌ تذكرنا بعظمةِ الشعر وَالشعراء، لا حرمنا الله مِنْ فيضِ قريحته ".

مِنْ البديهي أَنْ تؤدي تلك النَّشَاطُات الأدبية الَّتِي كان يمارسها - فِي أيامٍ لا يعرف فِيها الناس الهواتف النقالة وَالشبكة الدُوَليَّة وَغيرهما مِنْ تِقنياتِ الاتصال الحديثة - إلى رغبةٍ متنامية فِي الولوجِ أكثر بشعابِ الأدب وَتصفح مَا أتيح له مِنْ دهاليزِ فنّ القريض، فأصبح مثابراً عَلَى الكتابةِ وَالقراءة بعد أنْ استحوذَ شغف المطالعة عَلَيه وجعله يركن إلى الاستمتاعِ بقراءة كل مِا وقع تحت يده مِنْ المطبوعات، وكأنَّه فِي سعيٍ دائم للبحثِ عَنْ عطورٍ تفوح مِنْ رائحةِ أوراقها الصفراء حينئذ؛ بالنظرِ لتطلعه بشكلٍ دائم إلى معرفةِ المزيد مِن المَعْلُومَاتِ حول أحد أبرز فروع الأدب العربي المتمثل بالشِّعْر، بالإضافةِ إلى سعيه الدائم للنهلِ مِن مشاربِ بعض العلوم الأخرى؛ لأجلِ الاطلاع وَالتّعرف عَلَى كلّ شيءٍ جديد فِي الحيَاة، حتى اصبح ميله لإقتناءِ الكتاب تقليداً ثابتاً يمارسه منذ عقود فِي حَلّهِ وتَرْحالِه. وأراني ملزماً بالتنويه هُنَا إلى أهميةِ المطالعة للكتّابِ وَالعلماء وَالمثقّفين وَالسّياسيين على حدّ سواء.

لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنّ السماويَّ كتبَ عَن قصيدته الغزلية المذكورة آنفاً بعد عقود وهو فِي غربته بأبعدِ أصقاع الأرض نصاً طويلاً وسمه بـ  " لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح "، وَالَّتِي ضمنها مجموعته الشعرية " الأفق نافذتي " الصادرة عام 2003م:

.

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ

وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ

.

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ

لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها

وإرسالي المزيدَ من التصاويرِ الحديثةِ

هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟

***

لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ جارَتَنا «حسيبةَ»

باعت الثورَ الهزيلَ

وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ

وابنتها - التي فُسِخَتْ خطوبتُها - اشترتْ نولاً

ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..

كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ

لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه

ولم يكن كتبَ الكتابَ

فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ

وَوَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ

***

فقرُ الطفولة كان مِنْ وجهةِ نظر يحيى السماوي: " عيشاً وَلا أحلى أيام ذلك الفقر الثري بمكارمِ أخلاقه وَطمأنينته وَقناعة إنسانه "، مضيفاً: " كان كُلِّ جار يبعث بصحنٍ مما يطبخه إلى جارِه، فتجد كل بيت وكأنه طبخ عدة أكلات، وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان طعاماً فقيرا لا يتعدى المثرودة وَحساء البصل وَالطماطم وَطبيخ الحميض وَالحرش أبو زريدة - صغار السمك - لكنه كان أكثر عافية مِنْ طعامِ اليوم؛ إذ أَنَّ الأطفال أبناء الفقراء كانوا أقوى، وكانت أجسامهم أسلم بنية مِنْ أبناءِ الأغنياء. ويستشهد السَماوي بحادثةٍ طريفة مِنْ أيامِ عبث طفولته البريئة يوم كان منتظماً فِي مدرسةِ المأمون الابتدائية، حين تمكن مِنْ زميله ابن مدير ناحية الوركاء وأشبعه ضرباً وجعله يبكي طول الدرس، عَلَى الرغمِ مِنْ أنه كان أطولُ مِن السَماوي وأكبر مِنه، وَرُبَّما - بحسبِ السَماوي - كان فطوره  يتكون من بيض وَقيمر وَمربّى برتقال وَليس كفطوره الَّذِي لَمْ يكن يتعدى الخبز والشاي، وفِي أحسنِ الأيام كان ما تسمّيه أمه رحمها الله " القرصاع " وهو عبارة عَنْ طاسة - وعاء معدني يستخدم فِي العراق لشربِ الماء - كاملة مِن العجينِ الرقيق المخلوط ببيضةٍ واحدة، حيث تصنع منه والدته أرغفة تقليها بالدهن وَتوزعها عَلَى عيالها. وللقارئ الكريم أنْ يتخيل " بيضة واحدة عَلَى طاسةِ عجين لثمانيةِ أطفال "، لكن الأَدْهَى مِنْ ذلك هو أنَّ طعامَ الفقراء عَلَى وفقِ رؤية السَماوي يحيى لَمْ يكن سبباً لإصابةِ الناس حينئذ بمرضِ فقر الدم.    

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

كأنْ أَغضُّ الطَرْفَ عن وردِ الحديقةِ

وابتهاجِ ابني بأفْراخِ الحَمامِ

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ أمي تشتكي صَمَماً وقد عَشِيَتْ

لماذا لا أكفُّ عن اتصالي الهاتفيِّ بها

هل يرى الأعمى من القنديلِ أكثرَ من ظلامِ؟

***

لي ما يبرر وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ جارَتَنا " حسيبةَ "

باعت الثورَ الهزيلَ

وقايَضَتْ ثَوْبَينِ بالمحراثِ

وابنتها - التي فُسِخَتْ خطوبتُها - اشترتْ نولاً

ولكنَّ الخِرافَ شحيحةٌ..

كادَتْ تُزَفُّ إلى ثريٍ جاوَزَ السبعينَ

لولا أنَّ داءَ السُكّريّ أتى عليه

ولم يكن كتبَ الكتابَ

فلم تَرِثْ غيرَ العباءَةِ والسِوارِ

وَوَهْمِ بَيْتٍ من رُخامِ

***

لي ما يُبرّرُ وحشتي هذا الصباحَ

كأنْ أصيخ السَمْعَ

للماضي الذي لم يأتِ بَعْدُ

وأنْ أُعيد صياغةَ النصِّ الذي

أَهْمَلْتُهُ عامينِ

لا أدري لماذا لا أكفُّ

عن التَلَفُّتِ للوراءِ

ولا أَملُّ من التأَمُّلِ في حطامي

***

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباحَ

فإنَّ «نهلةَ» جاءها طفلٌ له رأسانِ..

 نَهْلَةُ كانتِ القنديلَ في ليلِ "الطفولةِ"ِ

ضاحَكَتْني مرةً ... فكبرتُ!

أذكر أنني - في ذاتِ وجدٍ -

قد كتبت قصيدةً عنها...

وحين قَرَأْتُها في الصَفِّ

صَفَّقَ لي المُعَلّمُ

غير أَنَّ بَقِيَّةَ الطلابِ

أَضْحَكَهُمْ هُيامي

***

لي ما يبررُ وحشتي هذا الصباحَ

يقولَ «رفعتُ» في رسالته الأخيرةِ:

إنَّ «محمود بن كاظمَ» بات - بعد العفوِ - حُرّاً

غير أَنَّ حديثَهُ يُفْضي الى رَيْبٍ بعقلٍ

فهو يُطْنِبُ في الحديثِ

عن التقدمِ للوراءِ

أو

التراجعِ للأَمامِ

***

 فِي هَذِه المرحلة الدراسية كان حسهُ الوطني يتبلور أيضاً عَلَى وَقعِ مَا شهدته بلاده مِنْ أحداثٍ جسام، حيث كان الصبي يحيى - له مِن العمر حينئذ أربع عشرة سنة - وَبعض أفراد عائلته مِنْ بَيْنَ أبناءِ السماوة الأصلاء الَّذين هبوا لإنقاذِ ثلة مِنْ خيرةِ أبناء العراق الَّذين حشروا فِي قطارِ الموت عَلَى خلفيةِ اشتراكهم فِي حركةِ الشهيد حسن سريع، حيث فوجئ السَماوي فِي اليومِ الرابع مِنْ تموز عامِ 1963م - يومها كان صبياً فِي الصفوفِ الأولى مِنْ دراسةِ المرحلة المتوسطة - بعمِه بائع اللبن المرحوم " عبد الأمير " وأبيه يحملان سطلين مِن اللبن " الخضيضة " وَالماء يطلبان منه مساعدتهما بحملِ " رقية " كبيرة اختارها أبيه مِنْ كومةِ الرقي فِي دكانه الصغير الواقع فِي سوقِ السماوة المسقوف. ويشير السَماوي إلى أنَّ المرحومَ " عبد الحسين افليسْ " الَّذِي يُعَدّ أحد أشهر الشيوعيين فِي السماوةِ يومذاك، كان يصيح فِي السوقِ وهو يهرول:" يا أهل الغيرةْ والشرفْ ساعدوا إخوانكم الأحرار فِي المحطة ". وَعند وَصول يحيى صحبة أبيه وَعمه المحطة وجدوا أهل السماوة قد حطموا أبواب عربات قطار الشحن، وثمة نحو ( 500 ) رجل كانوا منهكين عَلَى أرصفةِ المحطة وَهم فِي الرمقِ الأخير يحيط بهم أهل السَماوة وَيحرسونهم حاملين " التواثي " وَالسكاكين وَالعصي، فيما كانت النسوة يحملن الخبز وَالمتيسر مِن الطعام، وَالصبية - يحيى أحدهم – أنيطت بهم مهمة توزيع الماء.

***

لي ما يُبَرِّرُ وحشتي هذا الصباح

وما سَيَذْبَحُ في رياضِ فمي

أزاهيرَ ابتسامي

.

فـ «حَمادةُ الحمّالُ» مات حمارُهُ

وأنا أُرَجِّحُ أنْ يكونَ "حمادةُ الحمّالُ"

قد قتل الحمارَ

تَدَبُّراً لـ "بطاقةِ التموينِ"

والسوقِ التي كسُدَتْ

وللحقلِ الذي ما عادَ يعرفُ خضرةَ الأعشابِ

كان «حمادةُ الحمّالُ» مُخْتَصّاً بنقلِ الخضرواتِ

وكان أشْهَرَ في " السماوة "»

من وزيرِ الخارجيةِ..

غير أَنَّ حكومةَ «البطل المجاهدِ» عاقَبَتْهُ

لأنه

تَرَكَ الحمارَ يَبولُ تحتَ مِنَصَّةٍ

رُفِعَتْ عليها صورةُ " الركن المهيبْ "

.

و«حمادةُ الحمّالُ» يجهلُ في السياسةِ..

لم يشاركْ في انتخابِ البرلمانِ..

وحين يُسأَلُ لا يُجيبْ

.

ويُقالُ:

إنَّ كبير مسؤولي الحكومةِ في السماوةِ

كان يخطبُ في اجتماعٍ حاشدٍ

في عيدِ ميلادِ " ابنِ صبحةَ "

ثمَّ صادفَ أَنْ يَمُرَّ " حمادةُ الحمّالُ "

فاحْتَفَلَ الحمارُ

( وربما ارتبكَ الحمارُ )

فكانَ

أنْ غَطّى النهيقُ على الخطيبْ

.

ولذا

أُرَجِّحُ أنْ يكون " حمادةُ الحمال "

قد قَتَلَ الحمارَ

او الحكومةُ أَرْغَمَتْهُ

بأَمْرِ قائدِها اللبيبْ

.

فـ «حمادةُ الحمّالُ» مَتَّهَمٌ

بتأليب الحمارِ على الحكومةِ

و" المهيبْ "

***

 مِنْ ذاكرة حادثة قطار الموت، يروي السَماوي مشاهدته في المحطةِ خاله رسول وَجارهم المعلم مكي كريم الجضعان وهما  يمارسان دور الممرضين بإشرافِ شابٍ وسيم - اتضح فيما بعد أنه الطبيب الجراح الشهير رافد أديب - وَالَّذِي طلب مِن الأهالي عدم تقديم الماء للسجناءِ قبل وَضع قليل مِن الملحِ أو الدواء؛ لأجلِ المحافظة عَلَى سلامتِهم. وَبعد سنوات عديدة شاءت المصادفة أنْ يراجعَ السَماوي طبيباً جراحاً تقع عيادته قريباً مِنْ ساحةِ الطيران فعقدت الدهشة لسانه؛ إذ أَنَّ الطبيب كان نفس ذلك الشاب الوسيم، وَالَّذِي عالجه ورفض استلام أجور الفحص، واكتفى بأنْ طلب منه نقل تحياته إلى أهاليِّ السَماوة.

بحسبِ الشاعر وَالناقد هاتف بشبوش " هَذِه المحطة البطلة، أصبحت رمزاً عظيماً، لَمْ يعجب النظام السابق، فبنى محطة ثانية للقطارِ خارج المدينة، وتركها لتصبح فِي البدايةِ اسطبلاً للخيلِ وَالحمير، ثم تقدم المهندس أحمد فزاع حين كان مديراً لبلديةِ السماوة بمشروعِ تحويلها إلى فندقٍ وَمطعم سياحي وهو ما كان "، لكن عند زيارتي إلى مدينةِ السَماوة مؤخراً وجدت أَنَّ معالمَها قد اندثرت.

***

لي ما يُبَرّرُ وحشتي....

بغداد تُطْنِبُ في الحديث عن الربيعِ

ونشرة الأخبارِ تُنْبِئُ عن خريفٍ

قد يدوم بأرضِ دجلةَ ألف عامِ!

.

وأنا ورائي جُثَّةٌ تمشي..

ومقبرةٌ أمامي!

***

khadom almosawi2لم يكن خبر رحيل الصديق الرفيق صلاح عيسى، (14تشرين اول/ أكتوبر 1939 في قرية "بشلا" بمحافظة الدقهلية- 25 كانون الاول/ ديسمبر 2017) الكاتب والمؤرخ والصحفي اليساري المعروف بكتاباته العديدة والمتنوعة، ومن بينها ما اختار هو لها عنوان "مشاغبات"، لم يكن هينا وقعه علي. لقد تفاجات به.. أجل.. فقد كان خبرا حزينا ودعت فيه نهاية عام ثقيل الخطى.

تعرفت عليه أواسط السبعينات في بغداد وهو يزورها ضمن وفد ثقافي كبير، والتقينا اكثر من مرة في المحروسة، مصر التي في خاطري، ولاسيما حين شغل تحرير جريدتي "الأهالي"، التي تصدر كلسان حال حزب التجمع اليساري ومن ثم "القاهرة" التي تصدر عن وزارة الثقافة. وكانت الاحاديث والأسئلة والاراء التي نتبادلها، تدور كلها عن قوى اليسار وتطوراتها وعن فلسطين ومركزيتها وعن احلام التغيير وعن احوال قضايا التحرر الوطني في الوطن العربي. وكل مرة يهديني نسخة من اخر مطبوع له أو يتحدث لي عن مشروع جديد، إضافة لمشروعه الدائم الذي أراده وبذل جهودا له عن تاريخ شعبه ووطنه. مرة عرفّني في مكتبه على رفيق قادم من الجنوب العربي ودخلنا في حوار ومشاغبات يسارية سياسية تذكرنا فيها مسيرة نضال طويل سرقت تضحياتها.. وقد يكون من المصادفات الغريبة فعلا، قبل أيام معدودة كنت مع رفيق اخر اتذكره عبر الهاتف، ونحن نتحدث عن المرض والغياب، واقول له عن الراحل يوم زرته وكان قد خرج حديثا من المستشفى بعد أن اكتشف انسداد شرايين له وانقذ منه باعجوبة، كما أنه كتب مقالا عن فقدان رفاق وأصدقاء له تباعا بأن الجرس بدأ يدق انذارا لكل ابناء ذلك الجيل، الذي خاض صعوبات الحياة والنضال والسجون، واثرى بتجارب قاسية مرت عليه وعاشها بصلابة المناضل المشاغب العنيد. ولربما كان هذا سببا للمفاجأة.

وداع الرفيق من بعيد ليس سهلا كخبر رحيله اول سماع له وخصوصا حين تنهال الذكريات، ورغم بعد المسافات تبقى حرارة الوداع ساخنة ودامعة، كما هو الاحساس الممزوج بالدفء الرفاقي، وسلسلة التذكر والتاسي توشح وتعلو على الحزن والوداع. فالفقيد صلاح ليس اسما عابرا في سماء الكتابة والنضال والمعتقلات. كان وسيبقى اسما وعلما فيها وعنها يذكره من حمل مثله جمر الايمان بقضايا الشعب والامة، ودفع الثمن المطلوب او المبالغ فيه في مجتمعاتنا وبلداننا وزمننا راضيا مرضيا. ناقلا كل ما عاشه وتعذب فيه بلغة السهل الممتنع، المتميزة بالعمق والبساطة والفصاحة. ونشرها بكتب ومقالات، مؤرخا وحاكيا ورائدا لاسلوب وصياغة وتعبير وتاليف.

قد لا يضيف جديدا لمعرفة الراحل وتجربته القول بأنه كان يجسد قناعاته في عمله الاعلامي، ليس في كتاباته ومشاغباته وحسب وانما في سلوكه العملي. اذكر اننا تحدثنا عن كاتب من مصر منعت كتاباته عن النشر في أية صحيفة مصرية، فلجأ اليه، وهو يدرك الفرق بينهما سياسيا وايديولوجيا، ولكنه كان واثقا بأن أمله فيه لن يخيب، اذ قدّر فيه شهامة رجل مباديء وصاحب قيم، وتحمل الراحل فعلا المسؤولية وأخذ ينشر له كل ما يصله منه في الجريدة "شبه الرسمية"، وكذلك نشر حلقات متواصلة عن تاريخ حركة سياسية ممنوعة، وغيرها، وكانت سلطات عليا تتصل به وتطلب منه التوقف عن النشر ولم يرضخ لها وواصل النشر والمشاغبات التي احب، واعجبت بها، ورددتها أمامه كصفة ابداع وكفاح يشهد لها، كما حدثني عنها ونحن نقارن بين ما حصل ويحصل في بلداننا وخارجها.

الغائب صلاح عيسى لم يتبجح عن ما فعله ووقف أمامه شامخا، كيساري نبيل، عارفا ما تحمله من خلفها من ضغوط ومن مشاحنات سياسية وأمنية صعبة ودقيقة في ظروفها وموقعها وزمكانها، مقاوما كل تحريات او سخط بعض زملاء المهنة أو السلطات. وظل كما هو أمينا لنفسه، صادقا لخياراته، وفيا لاحلامه. لم تغيره تقلبات الأوضاع السياسية ولا المعتقلات والسجون التي تعلم منها الصبر والإبداع وتسجيل الهوامش والحكايات والتباريح وما عجب من شخصيات وأعلام. ظل كإنسان واضح الصورة وشاهد العصر وكاتب المشهد، كما خبره ونقله لزائره او قارئه او دارسه او المعبر عنه وله، بمشاغباته او غضبه او تفاؤله او قناعاته.

في الكلمات التي قيلت في وداعه وعند قبره.. المكان الاخير، أثبت أصحابها ثوابت الفقيد، ومصداقيته في عمله أو في كتاباته او في علاقاته، ورسموا في حزنهم وألمهم صورة اليساري المشاغب النبيل، الشيوعي الوطني القومي جذورا وامتدادا ورسوخا، أعطوه ما كان يعطيه لهم وشخّصوا ما كان عليه وما اراده لهم وللشعب والبلاد والامل في غد اجمل وابهى وافضل، بالرغم من صراع الاجيال وتغيّر الاحوال.

سجل صلاح عيسى في كتاباته ومواقفه ما يخلده ويبقيه رمزا وطنيا يساريا مشاغبا، مؤمنا أن الكاتب لا يموت اذا اخلص في نصوصه من أجل الفقراء والكادحين والمثقفين المواكبين له ولاحلامه في مستقبل مشرق للمحروسة التي احب وكافح ومات فيها.

الكتب، المقالات، المواقف للفقيد..الجورنالجي ..المثقف العضوي.. شهادة حية له ولذكراه العطرة ورصيده التاريخي ..

سنفقده حين نزور مصر، كما يفتقده اليسار وحكايات الوطن.

(الراحل حصل على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية عام 1961 ورأس لمدة خمس سنوات عدداً من الوحدات الاجتماعية بالريف المصري بدأ حياته كاتبا للقصة القصيرة ثم اتجه عام 1962 للكتابة في التاريخ والفكر السياسي والاجتماعي. تفرغ للعمل بالصحافة منذ عام 1972 في جريدة الجمهورية. أسس وشارك في تأسيس وإدارة تحرير عدد من الصحف والمجلات منها؛ الكتاب والثقافة الوطنية والأهالي واليسار والصحفيون، وترأس تحرير جريدة القاهرة، ومجلس ادارتها. اعتقل لأول مرة بسبب آرائه السياسية عام 1966 وتكرر اعتقاله أو القبض عليه أو التحقيق معه أو محاكمته في عدة سنوات ما بين 1968 و1981 وفصل من عمله الصحفي وحوصر  اقتصاديا.

أصدر أول كتبه؛ "الثورة العرابية" عام 1979، وصدر له 20 كتابا في التاريخ والفكر السياسي والاجتماعي والأدب منها: تباريج جريج، مثقفون وعسكر، دستور في صندوق القمامة، حكايات من دفتر الوطن، رجال ريا وسكينة، محاكمة فؤاد سراج الدين، البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة، جنرالات بلا جنود، ومجموعة شهادات ووثائق في تاريخنا وزماننا، شخصيات لها العجب).

 

كاظم الموسوي

 

 

jawad gloomمنذ اول عهدي بعملي في الصحافة خريف عام / 1969 وانا في المرحلة الأولى بكلية الاداب / قسم اللغة العربية اختار لي رئيس التحرير ان اكتب موضوعا عن المطرب الكبير ناظم الغزالي (1921—1963) وقال لي ضاحكاً وهو يمرّ عابرا غرفتنا الصغيرة باتجاه مكتبه القريب منا :

هذا الاقتراح الذي أقوله لك من وحي ما تسمعه أنت من أغاني الغزالي في جهاز تسجيلك الحديث (الكاسيت) الذي اشتريته أول نزوله الى أسواق بغداد حتى وأنت مكبٌ على القراءة والكتابة ولم تعبأ من إرهاق ميزانية جيبك وأنت في أول خطواتك  للعمل معنا .

فرحت كثيرا وأحسست ان ما اسمعه هو مبعث سُعدي وانا أتجاوز العتبة الاولى من صرح الصحافة العالي وقررت ان يكون موضوعي عن هذا المطرب المتفرد اللامع  الذي جنّ جنوني لصوته وعليَّ ان أذهب لملاعب صباه في أحياء منطقة "الحيدرخانه" وأكتب مقالي ميدانياً قريبا من عقر داره .

أخذت حقيبتي وفي داخلها اوراقي واقلامي وانسللت الى أزقة الحيدرخانه سائلا عن بيت محمد ناصر الغزال / اسم ناظم الغزالي الحقيقي فأجابني احد عارفيه وصديق فتوته وجاره القريب من بيت أمّه :

عن اي بيت تسأل يا هذا !! ، وهل محمد ناصر اليتيم الابوين منذ اول عهده بالفتوة كان له مأوى ثابت استقرّ به ايها الصحفي اليانع ، هذا طائر غرّيد لايقف على شجرة او جدار الا وينتقل الى اخر، فقد تنقل من بيت الى بيت هائما هنا وهناك مثل رياح لاتستقرّ في ايّ مكان؛ فمرة تراه يزور امه العمياء هناك وهو يشير الى غرفة متهالكة في احد الازقة ويقيم معها ردحا من الزمن، وأخرى يأوي الى دار عمه السيد محمود غزال غير البعيد عندما ماتت امه وهو في السادسة عشر من العمر، لكن هذا العمّ لم يطقه نظرا لتوجهاته الفنية الواضحة في مسلكه حتى أنه حين اكمل الدراسة المتوسطة بصعوبة بالغة بسبب الفقر المدقع انضم الى معهد الفنون الجميلة؛ ولما علم عمّه بتوجهه الدراسي نحو الفن طرده شرّ طردة ؛ فهولا يريد ان يحوي في بيته على ممثل أراجوز على حدّ وصفهِ فيكون أضحوكة للناس، فاضطر محمد اليتيم المُتيّم بالفن الى حزم حقيبته الرثة القديمة ليطرق باب شقيقه ويتوسل اليه ان يأويه حتى اكمال دراسته في المعهد وتارة اخرى يضطر الى الاقامة والسكن في بيت خالته السيدة "مسعودة" التي كانت في بعض الاحيان تقوده بنفسها لتوصله الى المدرسة المأمونية الابتدائية وظلّت تؤدي دور شقيقتها الام في مرحلة دراسته الاولى  .

وبشقّ الانفس استطاع ان يكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة (تأسسَ المعهد سنة / 1936) وفي قسم المسرح سنة / 1948 وانضم الى فرقة الزبانية ذات المنحى الفكري اليساري النزعة والتي كان قد أسسها الاستاذ الفنان  ناجي الراوي مع رهط من الفنانين اذكر منهم فخري الزبيدي ورضا الشاطئ وناظم الاطرقجي وفنانة اتذكر اسمها الاول (ليلى ....) وكان الراوي ايضا استاذا محاضرا لمادة المكياج في معهد الفنون الجميلة  سنة / 1947، وبعد الراوي صار يديرها الفنان الكبير حقي الشبلي ومثّل في عرضين هما " أصحاب العقول " و " فتح باب المقدس " ولفت انظار متابعي ومتلقي العروض المسرحية حيث كان دوره يتطلب إداء وصلات غنائية خلال تقديم ادواره التمثيلية فأبهر السامعين بما قدمه من تجديد غنائي غير مألوف بسبب تأثره بالموشحات الاندلسية وإضفاء سمات الموشّح وتلوين جماليته في أصناف المقامات وتأثره الواضح بموسيقى جميل بشير الحداثوية المبتكرة لكنه في نفس الوقت أغضب مقلدي المقامات العراقية الصارمين والتقليديين واتهموه بتغريب الاغنية التراثية العراقية واللامبالاة في الايقاعات الثقيلة التي يتسم بها الغناء العراقي القائم على المقام حتى اتهموه بالضعف والارتخاء وضعف صوته وعدم قدرته على إجادة الغناء التقليدي المقامي القديم لكنه لم يعبأ باتهاماتهم واستمر في تجديده حتى بلغ اسماع العرب بشدوه الجميل المبهر وبلغت حنجرته كل الوطن العربي من مشرقه الى مغربه لا بل وصلت انغامه المستساغة الى شعوب الشرق غير العربي حتى سُمّي سفير الأغنية العراقية بلا منازع ليس بصوته فحسب انما ايضا بإناقته المتميزة وطلعته البهية وحضوره الملفت لما يمتلك من كاريزما جاذبة واختياره عطرَه المنتقى بعناية حينما يلبس أجمل الازياء لنفسه واضعاً وردة جميلة في صدره تناسب ربطة عنقه وبدلته المنتقاة وفقاً لذوقه الراقي وشياكته المتميزة المماثله لرقيّ أغانيه  حيث كان لايرتاد الاّ الاماكن الرفيعة المستوى ولا يشتري الا من دور الازياء الفخمة المعروفة الصيت، وقد حدثني مرةً صديق لي وهو ديبلوماسي متقاعد كان يعمل في السفارة العراقية في النمسا اذ كان يسكن في احدى اجمل ضواحي العاصمة فيينا يقع بالقرب من منتجع " كالنبيرغ " السياحي الفخم، وفي قمة المنتجع يُعرّش هناك مطعم ونادٍ للنخبة الراقية من الزائرين من الملوك والشخصيات السياسية والفنية العليا ومن كبار الاثرياء في العالم ويتمنى صديقي الديبلوماسي هذا لو ارتاده ليسعد هناك ولايكتفي بالنظر اليه من بعيد؛ وشاءت الصدف ان يزوره واحد من النخبة الراقية فعزم على دعوته الى المطعم الاسطوري لتحقيق رغبته مهما كانت كلفته؛ وكم كانت دهشته حينما جاء مالك المطعم مرحّبا مفتخرا حينما عرف ان الزوار الجدد من العراقيين وقال مباهيا ان مطربكم الراقي ناظم الغزالي قد زارنا يوما الى هنا وأراهم توقيعه وتاريخ زيارته وهو سعيد بان هذا المطرب السامي كان احد روّاد ناديه ومطعمه .

وعلى اثر هذه الشهرة انهالت الدعوات اليه لاقامة الحفلات في معظم العواصم العربية والاوربية ونظم رحلات فنية الى الولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا والنمسا ودول اخرى ونال نصيبا وافرا من الانتشار والذيوع اذ كان مريدوه ومعجبوه يتزاحمون للحصول على تذاكر الدخول لحفلاته الغنائية وتودّد اليه الكثير من صنّاع الفنّ والشعر وانهالت عليه العروض من قبل متعهدي الحفلات لكنه لم ينهك ابدا وبقي صلب العود وأخذ صوته يشيع اكثر فأكثر .

لم يتزوج ناظم الغزالي الاّ مرة واحدة وتعلق بقلب المطربة سليمة مراد التي تكبره بأكثر من عقد ونيف من السنوات وهو يخطو في اول الثلاثينيات من عمره وبقي محافظا على عهد زواجه الذي استمر قرابة العشر سنوات بالرغم من التفاف الكثير من المعجبات حوله وتودّد الفنانات العربيات له وكانت عفّته واخلاصه لرفيقة عمره سليمة الباشا مثالا يحتذى سيما واننا نعرف ان الوسط الفني لايخلو من الميل والانجذاب وتبادل الحب بل وكثرة الفضائح بين الجنسين .

كان زواجهما في مطلع سنة / 1952 عصريا جدا اشبه بما نسميه اليوم المساكنة والمعايشة معاً بلا عقد رسمي موثق من محاكم الاحوال الشخصية تماما على طريقة مانسميه اليوم " البوي فريند " او " الكير فريند " الشائعة الان في الكثير من دول العالم وبالاخص المتحضرة منها فهو عبارة عن توافق وانسجام روحي وعيش مشترك دون قران رسمي مكتوب بشهادة الشهود مما نعرفه اليوم في مجتمعاتنا وهذه الحالة تعتبر سابقة جديدة غير مألوفة في مجتمعاتنا وقتذاك .

وقصة زواج الغزالي معروفة لدى العراقيين حيث التقيا في حفل باحد البيوتات البغدادية صدفة وتبادلا نظرات الاعجاب وازداد ميلهما لبعض بعد ان أدّيا وصلتهما الغنائية فولدت قصة الحب غير المتكافئ عمرا في العام / 1953 لكنه كان خير كفءٍ للعريس الذي ارتضى بهذه الفنانة القديرة ذات الصيت الذائع ونهلَ الكثير من تجاربها الفنية في غناء المقام العراقي وأصوله ونظمه الفني ليزيد من ثرائه الغنائي ثراءً آخر .

اما ما يشاع من ان هذه الفنانة قد دبّرت مكيدة قتله وانها السبب في انهاء حياته وهو في بداية العقد الرابع من عمره فلا تعدو كونها ضربا من الهراء والكذب وهو الذي كانت ترى فيه زوجا وحبيبا وأنيساً وهي تتقدم في العمر وليس لها سواه ظلا ظليلا لها حتى انفصم ظهرها وهزل عودها وبقيت أسيرة الوحدة بعد موته وعزلت نفسها عن المجتمع الفني تماما واستقرت في بيتها مانعةً ايّ فرد من الاسرة الصحفية من الاقتراب منها او اجراء مقابلة معها واتذكر اني وقتها  بذلت مافي وسعي لاقناعها بمقابلتي والحديث معي بعد وساطات شتى ولكن ذهبت كل مساعيي في الدنوّ منها ادراج الرياح ولم تقابل احدا من الصحفيين حتى ماتت وحدها كمدا وحزنا على رفيق حياتها ببيتها اوائل السبعينات من القرن الماضي .

قد لايدري البعض من القراء ان الغزالي امتهن التمثيل قبل الغناء في بداية حياته الفنية وكان بارعا في تقمص اية شخصية بما في ذلك الشخصيات المركبة والمزدوجة والتجريدية والغريبة الاطوار وقد رأى فيه حقي الشبلي مستقبلا باهرا وضمّه الى فرقته الشهيرة " الزبانية " التي كان معظم منتسبيها من فناني اليسار العراقي لكن الرياح جرت وفق ما تشتهي قلوب واسماع المتلقين حينما طالبوه بوصلات غنائية كلما اعتلى خشبة المسرح وظل يغني إكراما لمحبيه وتنفيذا لمطالبهم .

كما برع ناظم في الكتابة الصحفية وظل ينشر مقالاته التي وصفت وقتذاك بانه من الماهرين في اجادة الصياغة الكتابية وفق منظور اللغة الثالثة او ما تسمى الان باللغة البيضاء باعتبارها مزيجا من الفصيح تتخلله البساطة والاسترسال الواضح بحيث يسهل على القراء بمختلف مستوياتهم فهم واستيعاب مايقرأون، ومن يراجع  ما كتبه الغزالي في صحيفة (النديم) تحت عنوان اشهر المغنين العرب يدرك مدى تفوقه ووضوح اسلوبه وخزين ثقافته الفنية وهو يستعرض حياة وميزات المطربين والموسيقيين الذين برزوا في العراق بدءا بزوغ القرن العشرين حتى بداية الستينات من القرن الماضي حيث كانت اول مقالة فنية تاريخية ينشرها الغزالي في الصحيفة المذكورة  سنة / 1952 وتلتها مقالات فنية اخرى طوال عقد من السنوات ولم توقفه مشاغله الفنية وكثرة الحفلات التي كان يشارك فيها وسفراته العديدة الى مختلف الاقطار من الاستمرار في الكتابة والتواصل مع الصحافة التي كان يعتبرها تترافق مع مسيرته الغنائية، بل سعى الى تجميع كل ماكتب في النديم ليضمها في مؤلف شهير سماه طبقات العازفين والموسيقيين كان ينوي طبعه قبيل وفاته .

ذلك هو ناظم الغزالي مطربا صاعدا ونجما متألقا في عالم الغناء الطربي وأديبا مقاليا من الطراز الرفيع ومؤرخا للفن السماعي غناء وعزفا وممثلا يلفت الانظار، مات وحيدا ببيته صبيحة يوم خريفي من تشرين الاول عام / 1963 بعد رحلة فنية مضنية الى اوروبا حيث حطّ رحاله في لبنان فترة وجيزة ثم التوجه بسيارته الى بغداد إذ استقر اول وصوله لبيته متعبا بعد سفرة اوروبية ناجحة لكنها جدّ متعبة  وشاء الموت ان يأخذه منا ومن رفيقة عمره وهو مازال غضّا في اول الاربعينات من عمره حيث مضى رائق الاصوات الى العالم الاخر وكأن الصدوح العذب ليس له عمر مثل عمر الانذال واللئام والسطحيين ممن يسمون أنفسهم فنانين الذين ملأوا ساحاتنا الفنية أعمالا هابطة رثّة فاقدة للمتعة والجمال والفائدة المرجوّة .

 

جواد غلوم

 

abdulhusan shaaban2حين تكون قريباً من إنسان ما يصعب عليك رؤية جميع مزاياه، قد تحتاج إلى أن تبعد عنه أحياناً، لترى ما كنت قائلاً عنه، حتى لأن ما هو اعتيادي وربّما يتبين بنظرك يصبح فريداً ومتميّزاً.

ما إن افترقنا وتغيّرت الأماكن في نهاية السبعينات، هو في براغ وأنا في بغداد، بدأت أشعر بفرادة الرجل وقيمته، إبداعياً وإعلامياً وشخصياً، وكنت أتهيأ لزيارته في مدينة القباب الذهبية " براغ" العام 1981 على أمل أن يجتمع شملنا مجدداً  جاءني الخبر صاعقاً: لقد رحل أبو كَاطع في حادث سير مؤسف. هكذا وبكل بساطة، غاب مثل شهاب... قلت مع نفسي لعلّه فعلها هذه المرّة واختفى وكأنه يمارس لعبته التي ظلّت ملازمة له طيلة عقد من الزمان، يختفي ويظهر، ثم يختفي، لكنه هذه المرّة قرّر الرحيل  وكدتُ أن أطلق صرخة غوته  على لسان فاوست لأردّد: قف أيها الزمن ما أجملك، لكن الزمن مضى سريعاً دون أن يلتفت، فقد كان متربصاً، مخادعاً ماكراً ولعيناً مثل الموت.

وكما يقول الشريف الرضي:

ما أخطأتك النائبات            إذا أصابت من تحبّ

أو كما قال الجواهري:

يظلّ المرء مهما أدركته      يد الأيام طوع يد المصيب

وقد كتب لي السيد حسين الصدر في إحدى المرّات معزّياً بقوله :

سيف المنايا مرهف الحدّ  يردي ولا تقوى على الردّ

أعود لفرادة أبو كاطع ومغايرته:

" إنه فك رموز الحرف بفضل والدته التي كانت تعرف قراءة القرآن، واستطاع أن يعلّم نفسه بنفسه، فلم تسنح له ظروف الحياة للدراسة النظامية والأكاديمية". وهكذا كان عصامياً بامتياز واعتمد على قراءاته الذاتية.

* أصبح لذلك الفتى الفلّاحي - القروي المنشأ، علاقة بعالم الحرف وعقد صداقات عديدة بينه وبين القلم، لم يفرّقه عنها سوى الموت اللئيم.

* جمع بين العمل الإذاعي والصحافي والروائي. فقد كان برنامجه الشهير " احجيه بصراحة يبو كاطع " من إذاعة بغداد 1959 وما بعده، جامعاً، مثلما كان عموده في صحيفة " طريق الشعب" التي كان القرّاء، يقرؤونها بالمقلوب، أي من عمود أبو كاطع بالصفحة الأخيرة، ليقيسون بها درجة حرارة الجو السياسي.

* وكانت  رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد  مدخلاً جديداً وساخراً في فن القص، وفي الوقت نفسه في تدوين جزء مهم من تاريخ الدولة العراقية في الريف.

* كانت الرواية قبل أبو كَاطع، هي رواية المدينة، حتى وإن تناولت الريف، لأنها ستتحدث عن رؤية المدينة الريف. أما بعد أبو كَاطع فقد كان الريف حاضراً. وإذا كان غائب طعمه فرمان  وفؤاد التكريتي ومحمد خضير وعبد الرحمن مجيد الربيعي وقبلهم عبد الملك نوري وذو النون أيوب وغيرهم روائيو المدينة، فإن أبو كَاطع كان روائي الريف بكل تناقضاته، ناقلاً حديث الدواوين والمضايف والمجالس، ليحصل منه مادة للرواية والأقصوصة والحكاية والعمود الصحافي، أي حياة الفلاحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق المحرّم والحب واللوعة والظلم والقسوة، إضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية، مسلّطاً الضوء على الريف والخداع والاستغلال.

* اتهم من محكمة الثورة بالمتاجرة بالسلاح، وكانت تلك التهمة تعني أغلظ العقوبات، وحسب تندّراته كانت عقوبتها " أقلن .. أقلن الإعدام".

* كان أبو كاطع رؤيوياً- حسب غوركي عن أحد ثوريّ عصره " إن نصف عقله يعيش في المستقبل " والتاريخ لا يرويه المؤرخون فحسب، بل الفنانون هم من يقومون بذلك.

* كان ساخراً وسخريته حزينة - ووجد في السخرية وسيلة يستثمر فيها ما اختزن في ذاكرته من حياة الريف أو ما استحضره من خيال وما كان يحلم به من رؤى. وقد نقل حياة الريف من داخل الريف وليس عنه إلى المدينة . لم يكن طارئاً أو متطفّلاً على الريف، بل كان من صلبه ولم يكن متفرّجاً.

* في كتابه الأيام قدّم طه حسين الشاب الريفي القادم من قرية المينا، المتشبّع بالثقافة الأزهرية كنقيض للحضارة الغربية التي تخيفه. أما الطيّب صالح ففي روايته " موسم الهجرة إلى الشمال" جسّد علاقة الريفي بالمدنية الأوروبية، حين وضعه بين سيقان فتاة شقراء، مضيفاً تناقضاً وازدواجية جديدة على أصوله الفلاحية ذات المسحة السوداء وحاضره الانكليزي.

* رواية أبو كاطع كسرت احتكار الرواية لصالح الريف على حساب المدينة، حين رسم صورة ضاحكة جديدة لابن المدينة وأوهامه وأكاذيبه وألاعيبه.

* اعتمد أبو كَاطع الاسلوب المباشر والخطاب ذو التوجه الآيديولوجي، خصوصاً في رباعيته : الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد، لكن مثل هذا التوجه خفّ في روايته "قضية الحمزة خلف" وقصة "موت الكلبة مرزوكة"، وحكاية "الضبع الأكبر" التي نشرتها لأول مرّة، وقد يكون تأثر بـ جورج أرويل وروايته " مزرعة الحيوان" .

* استخدم أبو كَاطع اللهجة الشعبية أو المحكية بأسلوب باذخ دون أن يلتفت إلى ما قيل بشأنها من انتقاص للغة العربية أو الفصحى، لأنه كان يريد إحداث التأثير المطلوب . وكان يجدها أكثر تعبيراً، وإن حافظ على اللغة العربية، لكنه كان يلجأ إلى العامية لتطعيمها وحاول في حكاية " يوم القيامة أو يوم الحساب أو شيء قريب من هذا " أن يستخدم اللهجة السورية، لاسيّما حين يتمازح مع صديقه السوري عصام، فأكثرَ من كلمات " تقبرني" أو "العمى" أو "لكان" وهذه بمثابة لازمات يرددها بمتعة.

* ظل محلياً وصميمياً عراقياً إلى أبعد الحدود وهنا ندرك الأفق اللغوي، خصوصاً حين يسعى المبدع لتخطي حدود المكان إلى عالم أكثر شساعة.

* سخريته لم تكن للفكاهة فحسب، بل كانت سخرية جادة . وحسب كارل ماركس، فالموقف من السخرية يعني اتخاذ موقف جاد من الحياة، وهي سلاح من الوزن الثقيل لا يخشاه الحكام والمستبدون، بل البيروقراطيون، وقد استخدمها أبو كَاطع  بشكل راقي مصحوبة بحِكَم وأشعار وأمثال شعبية.

* لعلّ قلمه وشخصيته المملّحة " خلف الدواح - كعود الفرحان" كان مثل ريشة  ناجي العلي وشخصية" حنظلة" الأثيرة، وكان ناجي العلي قد استشهد في لندن العام 1987.

* حين تقول حنظلة فإنك تعني خلف الدواح، وعندما نستذكر أبو كاطع فأنت في ناجي العلي أيضاً، ولا يمكن تصوّر حنظلة دون فلسطين ، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدواح دون الريف العراقي والعراق كلّه.

هي السخرية في الحالتين:

وجوه ومؤخرات

زهور وتوابيت

حمامات وبنادق

طاغون ومظلومون

هي السخرية المشتركة والهوّية المشتركة للظالمين والطغاة والفاسدين ، مثلما هي هوّية المضطهدين والمهمّشين والضحايا، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.

لقد كان أبو كَاطع مدرسة حقيقية في فن النقد والتحريض والتعبئة، فيها الكثير من عناصر الجذب والإقناع والجد بقدر ما فيها من دعابة وسخرية وضحك.

ولا أدري إلى أي حد يمكن أن نستذكر الروائي تشارلز ديكنز صاحب رواية " قصة مدينتي" A take of two cities ، فقد امتاز هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاذعة، وصوّر جانباً من حياة البؤساء والفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.

 

عبد الحسين شعبان

نادي العلوية - بغداد 10/9/2017

 

 

1485 ahmadalwasهكذا عرفتهُ الترانيمُ، يبحرُ بأشرعةِ المعرفةِ في بحار التراث، فيمنحُ التأويلات فتنتَها، ويمنحَ النصَّ أفقاً جديداً، وعند انكسارِ التردّدِ يقيمُ صلاتَهُ على تخومِ المعنى، عرفتهُ الصلواتُ الخمسُ ولم يهجرها يوماً ليبرهنَ على أن الدينَ هو الإنسان، أنَّ المعرفةَ هي الإنسان، وأنَّ الوهمَ هو السقوطُ في فخِ الجهلِ، هكذا تهجّدَ بالحرفِ وهو يحرثُ بابتسامتهِ قلوبَ العارفينَ، ويضيءُ للمريدينَ طريقاً جيداً بين بين. لا شرقيٌّ حدَّ العمى، ولا غربيٌّ حدَّ التغربِ والاغتراب، يبذرُ في صباحاتِ الإنسانِ بسمتَهُ المضيئةَ ليضللَّ الكونَ بحكمتهِ التي تفضحُ هذي الخرائب التي تركت روحَ الإنسان نهباً للظلام. أسَّس قضاياهُ المعاصرةَ قبل ربعِ قرنٍ، وما يزال يراها نبتةً وليدةً، فيسقيها من ماء المعرفةِ ما يجعلها أن تكون رائدةً في مجال الفكر الإسلامي المعاصر.

مفتونٌ بالرحلةِ .. زوادتُهُ فكرُهُ الإنسانيّ، ومعرفتُهُ، يطيلُ انتظار النهاراتِ ليمنحها وجهَها الأنيق، يعلّقُ فوقَ جيدِ الأيامِ ناقوسَ البشارةِ، وكأنَّهُ عارفٌ بخبايا الإنسان، فيتبعهُ في الغربِ المريدونَ، ويحبُّهُ في الشرقِ الغريبونَ، يكتبُ بأناملهِ البيضاء على عباءة الليل أسماءَ النور، ليفيض الحبُّ بين البشر، يرتقي معراجَ التصوّفِ تارةً، والعرفانِ تارةً أخرى ليقطفَ لنا تفاحةً هي الدليلُ على النجاةِ بالدينِ والإنسانِ والحياةِ والوجود، وهو يدركُ أن الصعودَ صعبٌ بلا تضحياتٍ، هكذا كان الدكتور عبد الجبار الرفاعي في حياتهِ يؤثّثُ لإنسانِ الله في أرضِ المارقين، تائقاً إلى لهفةٍ تسوِّرها الأمنياتُ التي أعار لها حلُمُهُ أجنحةً لعلّها تنقذُ ما تبقى، أو تهرِّبُ ما يمكنُ تهريبهُ، لأنَّ الطريقَ الى الله محفوفةٌ بالجناة.

مُمْعِنٌ في جنونِ البداياتِ، يتأمَّلُ شِرْكَ الطبيعةِ، منذُ أنْ بَدَأ يدجِّنُ أحْلامَهُ حاصَرَتْهُ تخومُ المعرفَةِ، وأخذتْ خطاهُ المكتباتُ بعدَ أن هجرَ ضفافَ (الرفاعي). بدأ يدوّنُ ما يدوّنُ وهو يطوفُ بأحلامهِ الكبيرةِ هذا العالمِ، بحثاً عن معرفةٍ لا تتركُ الأراملَ يحدِّقْنَ في سلال الألم ويعصرهنَّ الشجنْ، لا يكرهُ أحداً غيرَ التعصبِ الذي شنَّ عليهِ حياتهُ، كرهَ الأيديولوجياتِ التي تشبهُ المقص الذي يفرِّقُ ولا يجمعُ .. فأعلنَ دينَ الحبَّ.

أبحرَ في مرافئِ الفلسفةِ قرابةَ نصفَ قَرْنٍ من الزمنِ وفتَّشَ في قضاياها، ولم يشأ أن ينزلَ مرساتَهُ إلى الآن، ولم يبحْ حتى لظلهِ بمخاطر الرحلةِ والطريق، عوَّد نفسهُ أن يكونَ مثلَ شجرةٍ تعوَّدَت الثمرَ كما تعوّدَت الحجرَ في الوقتِ نفسهِ. إنهُ واحدٌ متعدّدٌ، يتكاثرُ مثلَ صدىً في كاتدرائيةٍ في جبلِ المعرفةِ. لا يهدأ في مكانٍ ولا يستوعبُهُ شكلُ الحياة، يرى في دينِ اللهِ طاقةً محبوسةً يتوجبُ إطلاقُها من أسْرِها، لذا لا يؤمنُ إلّا بدينِ الإنسانِ، وهو ذلك الدين الذي تُستردّ به حريةُ الإنسان. ولا يتركُ شيئاً على هيئتهِ، حيثُ يفضحُ النقائضَ في النصِّ، ويعرِّي الحقائقَ وهو يشتغلُ على الكتابةِ، كمَنْ يبني جسَدَهُ وروحهُ بالكلمات، ويضعُ أمامَهُ خرائط َ الطريق، وعندما يبدأ الكتابةَ ينسى ذلك كلَّهُ ويصوغُ شيئاً لا يتصلُ بالخرائطِ ولا بالطريقِ، ذاهباً إلى النصِّ مثل عارفٍ كبيرٍ في أرض مجهولة. تنتابهُ فوبيا من عيونِ الآلاتِ التي تحدّقُ بهِ، والتي لم تزلْ عالقةً في ذاكرتهِ مثل حلمٍ قديم. سرقناهُ في غفلةٍ من نفسهِ، ومن الكتابةِ، ومن الوقتِ أيضاً، لنتحدث معه في الحب والإيمان والدين والدنيا.

 

أحمد جليل الويس

 

 

moamar baktawi2تقديم: ظل المسرح المغربي -ولفترة طويلة- يعيش على المسرح المشرقي، يقدمه كما هو، أو يعرضه مقتبسا، أو على الطريقة الغربية، يتصرف فيها بكل حرية قصد تقريبها من الجمهور. وهذا الأمر جعل بعض الباحثين المغاربة يؤكدون أن تطور المسرح المغربي لم يعتمد على التراث الفلكلوري، الذي يمتاز بقيمه الخاصة، ممّا جعله في مراحله الأولى محاكيا للمسرح المصري، محصورا في المسرح الأرسطي في صورته الكوميديا الفرنسية وممثلها (موليير).

ولم يكن المسرح هو الرافد الثقافي الوحيد الذي أعجب به المغاربة وتأثروا به. فالتعاون الثقافي والأدبي والتعليمي بين المشرق والمغرب منذ ما قبل زيارات الفرق المسرحية، قد عمل على تمتين الجسور الثقافية بين الضفتين، وهو ما هيأّ المناخ لاستنبات المسرح العربي في التربة المغربية. وقد تم ذلك التعاون في مجال التعليم والتكوين "من المدرسة الابتدائية إلى الجامعات، وفي المدارس الحرة والمعاهد الأصلية. وكانت الأشرطة والمنشورات المختلفة، والأغنية والفرق المسرحية الآتية من مصر تجد إقبالا كبيرا عليها بالمغرب".(1).

 وقد ساعد على ذلك بلوغ النهضة الشرقية في الثلاثينات طور النضج والإنتاج، ولاسيما في مصر التي كان تأثيرها واضحا في المجالات العلمية، والأدبية، والفنية.. عن طريق الكتب، والمجلات، والصحف التي كانت تصل إلى المغرب، وتتلقفها الأيدي بشغف كبير. وقد اعتبر الأستاذ عبد الله كنون تلك النهضة بمثابة "مدرسة تخرج فيها الجيل الأول من رجال العلم والأدب والوطنية الصحيحة، الذين بثوا أفكارهم في النشئ الجديد، ومهدوا السبيل للنهضة المغربية العتيدة، فكانوا صلة الوصل بين الماضي الغابر والحاضر الزاهر."(2).

كان من مظاهر ذلك التلاقح، ازدهار الحركة الشعرية منذ نهاية ثلاثينات القرن الماضي، واكتساب الشعراء المغاربة مفاهيم جديدة حول الأدب، والعملية الشعرية. وانتقل الشعر من حالة الجمود إلى حالة التعبير الفني المحلق في آفاق أرحب، من حيث الصور الشعرية واللغة الفنية. وقد تغيرت كثير من المفاهيم في أذهان الأدباء والشعراء، بسبب التصور الجديد للشعر وللثقافة الأدبية، نتيجة الاطلاع على الإبداع المشرقي الجديد نثرا وشعرا، ولاسيما على مدرسة الإحياء، وبعض المدارس الشعرية الجديدة، ك(الديوان) و(أبولو)، ثم اطلاعهم على المقالات الأدبية، والنقدية والمسرح الشعري. ويمكن إرجاع هذه الحركية الشعرية في الأربعينات إلى العوامل الآتية:

* بلوغ الوعي في تلك المرحلة إلى مستوى متقدم، مما ساعده على الكشف عن أبعاد جديدة. 

*  استمرار احتكاك المغرب بالمشرق على نحو أشد.

* مواصلة نشر الدراسات الأدبية والنقدية، في صور أكثر فهما لبعض القضايا الأدبية والفنية والشعرية.

* ظهور صحف ومجلات أخرى عززت الحركة الأدبية في مناحيها الجديدة، مما أدى إلى ظهور جيل جديد كان يكتب باستمرار في هذه الصحف والمجلات.

1- الحركة الوطنية  تتبنى المسرح

ومن هنا اعتبر المسرح وسيلة ناجعة في التوعية الاجتماعية والسياسية، وفي إيقاظ الحس الوطني والديني، والقومي. ويرى د. محمد الكغاط في التقارب بين ميلاد الحركة الوطنية، وميلاد المسرح المغربي.. تأكيدا "للفكرة التي تربط بين بداية تكون الفكر الديموقراطي وظهور المسرح" (3)

لقد عبّر المسرحون المغاربة منذ البدايات، عن رغبتهم في التحرر من القيود الاجتماعي والاقتصادية والسياسية التي كانت تكبلهم، فلجأوا إلى المسرح كمتنفس ومواجهة. والجدير بالملاحظة أن بعض زعماء الحركة الوطنية، ك(عبد الخالق الطريس) و(علال الفاسي) وغيرهما من الذين زاوجوا بين العمل السياسي والفكري الثقافي، قد استهواهم المسرح، ومارسوه، أو شجعوا على ممارسته كتابة وتمثيلا. وهذا ما أضفى عليه المزيد من الشرعية الوطنية والاجتماعية، وميز الكفاح السياسي الطويل الذي اقترن بالكفاح في الميدان الثقافي، الذي لم يكن يقل تأثيرا وفعالية عن الأول.

2 - محمد القري ضحية المسرح

من أهمّ الرواد الذين زاوجوا ما بين العمل السياسي والمسرحي: محمد القري الملقب ب(دفين الصحراء) الذي مات "في السجن تحت التعذيب الوحشي للفرنسيين"(4). وقد كانت موته يوم حداد وطني. وتبرهن قسوة وبشاعة ما تعرض له (القري)، على خوف الإدارة الاستعمارية من سلطة الكلمة في المسرح الذي وظف كسلاح للمقاومة والتوعية.

ويروي الرواد الذين عاصروا (محمد القري) أمثال الزغاري، وابن الشيخ، والمنيعي.. أنه كان يوقع بعض مسرحياته باسم (عبد الواحد الشاوي) -وهو اسم مستعار- تلافيا لملاحقة السلطة الاستعمارية ورقابتها. يقول عنه محمد أديب السلاوي: "كان من أبرز المؤلفين المسرحيين.. وكان في نفس الوقت أحد القادة البارزين للحركة الوطنية المغربية، وأحد مؤسسيها النافدين، إذ لعبت مسرحياته دورا حاسما في تعزيز جانب الثقافة الوطنية.."(5) ومن الطبيعي أن تتأثر مسرحيات (القري) بالخطاب السياسي الوطني والثقافي، الذي كان يشكل أحد المقومات الأساسية لفكر الحركة لوطنية المغربية. وهذا ما وسَم مسرحيات تلك المرحلة بسمة الواقعية النضالية والإصلاحية.

لقد ساهم (محمد القري) وغيره من الرواد في نشر الوعي المسرحي، وتشجيع شباب المدارس والمعاهد الأصيلة على تكوين الفرق المسرحية، ولممارسة التمثيل بصفته فنّا قائم الذات من جهة، ولخدمة القضية الوطنية من جهة ثانية.

وهذا كلّه عمل على تطوير الثقافة المغربية الوطنية إبان الحماية. وقد ساهم فيها (القري) برصيد مسرحي مهم، توزع مابين الترجمة والإبداع، ذلك بأنه "لم يكن منفصلا عن النضال الجماهيري. ومن ثمة جاءت الميزة الأساسية لانطلاقته في الثلاثينات من هذا القرن."(6) ويرجع له الفضل في تأسيس أول جمعية ثقافية مغربية بفاس. وكان من بين أهم أهدافها: مدّ الجسور بين الثقافة المحلية والثقافة العربية، والتعرف إلى الثقافة والفكر الغربيين، للاستفادة من معطياتهما للحاق بركب التقدم، التي سارت فيه الدول الغربية  القوية.

ولا شك أن الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية، التي سبقت ظهور انطلاقة المسرح المغربي في العقدين الأولين من القرن العشرين، كان لها أثر كبير في توجه المسرح مستقبلا، نحو معالجة القضايا المصيرية للمغرب: كالاستقلال، والإصلاح الاجتماعي، ومحاربة البدع والتقاليد السلبية، والجهل والتوعية السياسية.. ولعل الحرب التي خاضتها قبائل الريف في الشمال، والقبائل الصحراوية في الجنوب ضدّ الاستعمار الإسباني، كان لها أثر قويّ في توجّه (محمد القري) المسرحي نحو دعم نضالات الشعب المغربي، والمساهمة في الحياة الثقافية بفن جديد ذي إمكانيات فعالة، في المرحلة الحرجة التي كان يمرّ بها المغرب.

وإذا ما استعرضنا عناوين المسرحيات التي قدمها (محمد القري) مثل (شهيد الصحراء) و(المنصور الذهبي) و(المثري العظيم)، سنجد أنها تؤشر على نضج  الوعي الوطني والقومي لديه. وقد عبر عنهما باستلهام التاريخ المغربي والعربي الإسلامي وعلى الوعي الاجتماعي. ونلمس ذلك أكثر في مسرحياته الاجتماعية، مثل (اليتيم المهمل) و(أدب العلم) و(الأوصياء) و(الانتقام)، التي كانت كلها تعبر عن رؤية نقدية  إصلاحية  للمجتمع.(7)

استنتاج

نستنتج مما تقدم في هذا المقال، أن المسرح في المغرب بدأ بداية توعوية نضالية. فمباشرة بعد ما تعرفه المغاربة، احتضنوه واستخدموه وسيلة أدبيةّ، وفنية ملائمة للمرحلة التاريخية والسياسية للبلاد. وهكذا التزم رواد المسرح بالقضايا التي كانت تؤرق بال الشعب المغربي، وبثوه الفكر الوطني المناضل، والمعاني  والمشاعر القومية والإسلامية، التي تصّب في إطار الكفاح من أجل الاستقلال والتوعية. وبذلك تميزّ هذا المسرح منذ عشرينات القرن الماضي بالتحامه بالحركة الوطنية.

 

معمر بختاوي 

.........................

المراجع والمصادر

1- د.عزيز الحسين: شعر الطليعة في المغرب، منشورات عويدات، بيروت، باريز، ط 1، 1987،ص 52.

2- عبد الله كنون: أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، دار الثقافة، البيضاء، ط 3، ص40.

3-د. محمد الكغاط: بنية التأليف المسرحي بالمغرب، من البداية إلى الثمانينات، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط 1، 1986، ص44.

4- عبد الرحمن بن زيدان: المقاومة في المسرح المغربي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء ، ط 1، 1985، ص 37.

5- محمد أديب السلاوي: المسرح المغربي، البداية والامتداد، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش، ط 1، ص37.

6- المسرح المغربي، البداية والامتداد، مرجع سابق، ص 38.

7- يرى محمد أديب السلاوي أن معظم نصوص محمد القري لم تصلنا. المرجع السابق، ص 41 .  

 

 

ghanem alanazعهد سعيد مضى: لقد مضى اكثر من ستين عاما عندما كنت واقفا في عام 1956مع صديقي الدكتور فاضل علي القاضلي في شارع The Mall (المال) الشهير في لندن، الذي يؤدي الى قصر الملكة، بين جموع اللندنيين لاستقبال موكب الملك فيصل الثاني وهو جالس بجانب الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا في عربتها التي تجرها الخيول المطهمة في طريقهما الى قصر بكنكهام الشهير. فقد كان الملك فيصل في سن العشرين وكانت الملكة الشابة اليزابيث في الثلاثين من عمرها وكانت الصفوف مرصوصة من قبل المرحبين بالتصفيق والهتافات للملكة وضيفها الملك.

لقاء الأمير عبد الإله

لقد كان عهدا زاهيا يحترم فيه المواطن حيث لم تنس السفارة العراقية في لندن ان تقوم بارسال بطاقات الدعوة لطلاب البعثات في بريطانيا لحضور حفلة الشاي التي اعدت للامير عبد الاله خال الملك والوصي سابقا على عرش العراق.

ذهبت الى تلك الحفلة وانا في سن التاسعة عشر في شيء من الحذر والترقب عن كيف سأتصرف بحضور الوصي على عرش العراق.؟ حيث انني حتى ذلك الوقت، لم اكن قد رأيت ملكا ولا وزيرا ولا حتى محافظا، لاستقبل بحفاوة من قبل احد موظفي التشريفات في السفارة العراقية لاجد نفسي بين مجموعة من الطلاب من امثالي في قاعة الاستقبال. فقد وقفنا في عدة حلقات من الطلبة نشرب العصائر وكان الوصي في حديث مع احدى تلك الحلقات. ولم يمض الا قليل من الوقت حتى اتى الوصي الى مجموعتنا فيا لها من لحظات ممزوجة بالفرح والشعور بالفخر مع شيء من الرهبه.

لقد قدم الرجل الينا ليصافح كل واحد منا ويسأل عن اسمه وجامعته ودراسته وغير ذلك ليهدئ من روعنا. لقد كان الرجل كريما رحيما لتتبدد الاجواء الرسمية بسرعة ليدور الحوار معه في جو هادئ في سؤال وجواب وحتى بفكاهة من الفكاهات.

 فيا لها من ذكرى جميلة اعيشها الآن وانا اشاهد هذا الفيديو.

https://www.facebook.com/muhannad.alsheikhly/videos/10212327977047499/?fref=mentions

عهد رذيل أتى

كما لا يسعني الآن ايضا الا مقارنة ذلك العهد الذي يتنازل فيه الوصي الى مستوى الطلبة للسؤال عن احوالهم ودراستهم بطريقة ابوية سمحة هيّنة تنم عن الاهتمام بهم والخوف عليهم في بلاد الغربة بعيدا عن اهلهم.

حيث لم يكن في ذلك الزمان ما نراه اليوم من وسائل الاتصالات من تلفونات وحاسبات وغير ذلك التي تمكن طلبة البعثات من التواصل مع اهلهم يوميا ان ارادوا ذلك. فلقد أمضى معظم الطلاب في ذلك الزمان طوال سنين دراستهم البالغة خمس سنوات دون مكالمة اهلهم وانا واحد منهم.  

 أقول لا يسعني الآن الا مقارنة ذلك العهد والعهود التي تلت ذلك خصوصا في وقتنا الحاضر الذي اصبح فيه الحكام يعيشون خائفين خلف جدران اسمنتية في منطقتهم الخضراء لا يبرحونها الا محاطين بالعربات المسلحة لا بل المدرعة ضد الاسلحة والقنابل والتفجرات.

فيا ترى لماذا ذلك؟

هل لانهم خدموا شعبهم الذي اوصلهم الى مراكز السلطة ليستقبلوا بالهتاف والترحاب بدلا من القنابل والمتفجرات والمظاهرات؟

أم هل لانهم قاوموا الغزاة دفاعا عن الوطن ؟ ام لانهم مهدوا السبيل للغزاة ليدمروا البلاد ويفتكوا بارواح العباد لينشروا شريعة الغاب ومبادئ الخيانة والغدر بمواطنيهم واهلهم.؟

أم هل انهم حافظوا على ارواح مواطنيهم وسلامة ممتلكاتهم ليطلبوا بالمقابل ان يسلموا على ارواحهم وممتلكاتهم؟

أم هل هم حافظوا على اموال الشعب وثروة البلاد من السرقات والاختلاسات؟ أم انهم خانوا الامانة ونهبوا المال العام بدل ذلك ليعيش المواطنون اصحاب الثروة الحقيقيون على الفتات؟

 أم انهم نشروا العدل والأمان بين الناس وحموهم من القنابل والمتفجرات الاخرى التي تزرع في الاسواق والمناطق المزدحمة التي تفتك بالمواطنين الابرياء من رجال ونساء واطفال ومن جميع الملل والاديان.؟ هذا ان لم يكن للبعض منهم يدا في تلك الجرائم.؟

فيا ترى الى متى سيصبر المواطنون على حكم جائر غاشم غادر وظالم.؟

ويا ترى متى سيستفيق هؤلاء الحكام من غفلتهم هذه؟ نرجو ان يكون ذلك قريبا.

والله الموفق

 

 بقلم : غـانـم الـعـنّـاز

 

salim alhasani2في 19 نيسان 1981 وصلت الى طهران قادما من دمشق مع الشيخ محمد سعيد النعماني للعمل محرراً في مجلة صوت الأمة التي كان يرأس تحريرها.

كانت الساعة التاسعة مساءً، وقد بدت شوارع طهران مظلمة، بسبب الحرب مع العراق، لا تضيؤها إلا مصابيح السيارات والأنوار المنبعثة من النوافذ.

أوصلني الشيخ النعماني الى مبنى قرب ساحة فردوسي الشاعر الإيراني المشهور، كان المبنى مخصصاً لسكن المهاجرين العراقيين، وعند المدخل رأيت للمرة الأولى الأستاذ حسن شبر، رجل في الخمسينات من عمره، أنيق يغمره الوقار، ونظرة جادة يتسرب منها الحزن وتعب السنين.

هذا هو إذن السيد حسن شبر الرجل ذائع الصيت بمواقفه وثباته وصموده في السجون لمرات عديدة، أشهرها في قصر النهاية بحكاياته الخرافية مع رجل الرعب مدير الأمن ناظم كزار.

كنت أحمل إليه رسالة مغلقة من تنظيم حزب الدعوة في سوريا، كما هو الإجراء المتبع عندما يسافر أحد الدعاة من دولة الى أخرى، لكني شعرت أن الوقت غير مناسب.

في المبنى الذي كان يسمى (الإتحاد الإسلامي لطلبة العراق) قضيت الليلة الأولى مع ثلاثة شبان ألتقيهم للمرة الأولى، الشهيد إبراهيم الأسدي/ أبو غالب، والصديق عبد الصاحب محمد/ أبو رافع، والصديق علي محمد / أبو عصام والذي صار من أعز الأصدقاء.

عصر اليوم التالي عدت من مجلة صوت الأمة الى مبنى (الإتحاد) واتصلت بالأستاذ شبر أخبره بشأن رسالة الإرتباط الحزبي. فسارع الى المجئ وسلمته الرسالة، سألني عن بعض الشؤون الشخصية، ولمحت في عينيه نظرة خاصة لم أعرف سرّها إلا بعد سنين طويلة، سرعان ما اختفت وحل محلها حزن عميق، كنت أراه من خلف نظارته البرّاقة، شعرت بأني أثرت فيه الهموم والذكريات، وربما لمحت بريق دمعة محبوسة.

أخبرني بأنه سيتم ترتيب ارتباطي خلال أيام، وانتهى اللقاء، وساعتها لم يدر في ذهني أن علاقة من نوع خاص ستشدني الى هذا الرجل الصارم الوقور، وأنها ستتحول الى ما يشبه علاقة الإبن بأبيه، حتى أن بعض الأصدقاء فيما بعد كانوا يقولون إن السيد حسن شبر هو (ابوك الروحي)، فلسنوات طويلة كان اللقاء بيننا لا ينقطع إما بشكل يومي أو عن طريق الهاتف لمرات عديدة في اليوم.

وحين قررت الانقطاع عن تنظيم حزب الدعوة بعد سنوات عديدة من ذلك التاريخ، تدخل المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله، وحدد أن يكون ارتباطي بالسيد شبر مباشرة، وقال يجب ان تلتزم بذلك، وأن هذه العلاقة لن تكون على شاكلة الارتباط التنظيمي التقليدي.

بعد مضي أكثر من عقدين من الزمن، كنت أقوم معه بجرد وثائق ورسائل خاصة بأرشيفه الشخصي في منزله بطهران، فأخرج رسالة، وقال لي:

هذه رسالة نقلك من سوريا الى إيران.

طلبت منه أن أطلع عليها، فقال:

لا يمكن ذلك فهذا مخالف للضوابط التنظيمية.

وكنت أعرف مسبقاً أنه سيمتنع، لما أعرفه عنه من صرامة في الالتزام الحزبي، حتى وهو غارق في أحاديث السمر الجميلة.

للحديث تتمة

 

سليم الحسني

adnan aldhahir2يتشرف العراقي حين يكتب عن زميل وصديق وأخٍ وفيٍّ نبيل أصيل كالحبيب أبي نبيل الرجل الرجل عبد المجيد محمد علي القيسي الذي وُلِد ونشأ في محلة الفضل / أبو شبل وأكمل دراسته أواخر أربعينيات القرن الماضي في كلية الكيمياء وعمل باحثاً صناعياً في وزارة الصناعة ثم واصل دراساته العليا فحصل على شهادة الدكتوراه في جامعة دبلن الآيرلندية. عاد للعراق فعمل تدريسياً في جامعة بغداد ثم غدا عميداً لكلية العلوم / جامعة بغداد للأعوام 1971 ـ 1973 حيث تخلى عن العمادة بعد أنْ تكالب عليه الحاسدون والشانئون وواضعو العصيّ في عجلات النهوض والتقدم وكل ما فيه خير للعلم والتعليم في عراق ذاك الزمان وقد كنتُ أنا نفسي شاهدَ عَيان على كل ما كان يجري يومذاك وقد كنتُ مقرر قسم الكيمياء في زمن رئيس القسم الأخ المرحوم عبد الرضا الصالحي / أبو لؤي.

كان الأستاذ القيسي نموذجاً فريداً في إدارة كلية العلوم / جامعة بغداد / إدارة وتخطيطاً وعلماً وأنموذجاً كذلك فريداً في سلوكه وتعامله مع زملائه الأساتذة والطلبة وعناصر الإدارة في كلية العلوم. كانت أبواب مكتبه مُشرعة دوماً لزيارته ومقابلاته الرسمية فلا مواعيد صارمة مُسبقة ولا حجاب ولا مراجعة السكرتيرة الأمر الذي غدا كذلك بعده مباشرة.

غادر عمادة كلية العلوم ليتمَّ اختياره مُستشاراً لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

كان إنساناً بحقٍّ وحقيق قبل أنْ يكون عالماً وإدارياً مُحنّكاً عزَّ نظيره.

majed alkayssiزهد أبو نبيل بالدنيا وبهرجها وكل ما فيها من مغريات ولمعان مناصب وأُبّهات وأتعبته المُنغصّات ونذالات البعض من المحسوبين على الهيئات التدريسية في كلية العلوم فأحال نفسه على التقاعد مُبكّراً جداً عام 1980 كما أخبرني في رسالة منه لي.

أين هو اليوم هذا العراقي البغدادي النبيل الأصيل النادر؟

إنه مقيم اليوم في كندا (مدينة هاملتون) يشكو من الوحدة وضعف حدّة ناظريه فقد ترك وطنه وأهله وبيته الذي كان قصراً مُنيفاً في حي الجامعة في بغداد باع القسم الأكبر من حديقته الغنّاء التي زينها بأشجار النخيل النادر زمن الحصار القاتل. آه يا عراق ثمَّ آآىىىىىىىىىىىىىىىىىىىىىىه يا عراقنا الذي قتلتَ خيرَ مَنْ فينا في الأولين والآخرين وشرّدتَ الباقين منهم أحياءً. هل من لقاء معك حبيبي النبيل أبا نبيل ؟

أين تمور نخيل حديقة بيتك وأين مكتبتك العامرة بل وأين مجموعة المسابح (السِبَح) النادرة التي بَخُلت ذات يوم أنْ تتنازل لي عن واحدة منها من الكهرب النادر المشرّب باللون الأخضر قلت لي إنها عزيزة عليك فهي هدية لك من شقيقك الأصغر قارئ القرآن الحاج علاء الدين القيسي .. ومن ذا يستطيع الدنو من عالم وشخصية شقيقك هذا؟

وقفتَ معي أخي عزيزي أبا نبيل في مواقف مفصلية ودافعتَ عني بكل إخلاص حين تعرّضتُ لبعض الإحراجات وتهديدات البعض خاصة رئيس جامعة بغداد يومذاك الذي نوى لي شرّاً مُستطيراً لولا وقوفك معي ودفاعك عني فهل أنسى أفضالك ومواقفك الرجولية والإنسانية معي؟

بقيتَ طوال حياتك ذاك الإنسان النزيه الفاضل المتواضع النقي المحب للعمل والعدالة في الحياة ولم تتنكر للبيئة الطاهرة التي وُلِدتَ ونشأتَ فيها في محلة " ألبو شبل " تساعد أباك في أعماله صبيّاً صغيراً وطالب إعدادية ثم طالباً قي كلية الكيمياء فاختلط فيك حب العمل والعلم وكان العمل قبل العلم وكنتَ وبقيتَ النصير الأبي المخلص للعمال وبسطاء الناس وذكريات " ساحة السباع " الطبقية والوطنية.

لا يعاني الحبيب أبو نبيل من وحدة عازلة كاملة فهو يقرأ ويكتب ويتواصل بلغته العربية السليمة وبأشعاره التي تفيض عذوية بغدادية ـ عراقية فلقد وصلتني في العامين المنصرمين فيديوهات نادرة حول بغداد وبعض مدارس وكليات بغداد (الغربية والمركزية وكلية بغداد وكلية الصيدلة) أنشر هنا آخر ما وصلني منه يوم أمس مع الكلمة التي قدّمَ فيها الفيديو الأخير :

[هذه صور ومشاهد قديمة إسترجعتها من الذاكرة عن الحياة الإجتماعية والثقافية والفنية والسياسية في بغداد قبل منتصف القرن الماضي، حيث البساطة والرتابة؛ ومعبر عنها الشعر. فقد عشت تلك ألأيام بحلوها ومرها وبتفاصيلها الدقيقة.

وعلى الرغم من معاناة اغلبية الناس؛ من عمال وكسبة؛ من الحرمان والفاقة والعوز؛ لكن مشاعر الألفة والمحبة والتراحم كانت هي السائدة بينهم على تنوع قومياتهم ودياناتهم ومذاهبهم. فالحياة يومها تميزت بالبساطة والقناعة وراحة النفس النسبية، وبخاصة في الأعياد الدينية وفي المناسبات القومية والوطنية والإجتماعية.

فما أعذبَ ليالي بغداد؛ يومئذ؛ بسمائها الصافية وبهدوئها المنعش. وما أجمل نهر دجلة وهو يتهادى كـ (حْديثة) بغدادية فاتنة ويراقص السميريات (البلام) وهي تتمايل جذلا وحبورا. وما أطيب أبخرة المسگوف والذها وهي تحوم حول رواد مقاهي شاطيء (أبو نؤاس) الخالد وهم يتسامرون ويتضاحكون ويتجاذبون أطراف الحديث.

فأين نحن اليوم من تلك الأيام وقد تناثرت ارواحنا وتلاشت مشاعرنا في مجاهل القارات القصية ولسان حالنا يردد بهمس وحرقة وألم:

صورٌ لها في الفؤادِ حنينْ......... ولها في جوانِحنا أنيـــــنْ

ففيها نشاهدُ ظِـــلَّ الصَّبا........... فنبكي شباباً بدمعٍ سخينْ

فتعساً لأيامِنـــــا هــــــذه .......... ولِتظلَ شهْدا تلك السنينْ

مجيــد القيسي]

أجلْ، ما أعذب ما كتب من أشعار عراقية صميمة تناول فيها أعمق ما في تراثنا الشعبي من أغاني وأهازيج وهوسات ونخوات يتم تداولها على ألسنة بسطاء الناس في درابين بغداد خاصة ومقاهيها الغارقة في جذور وأصول وطبائع وغرائز العراقيين ولم ينسَ كبار المطربين ولا أوتار كبار الملحّنين وضاربي العود وأهل الطرب فإنه من هناك واحدٌ منهم فيهم في وجدانه وسليقته وميوله الفطرية التي تكاملت في أجواء الفضل والحمام المالح وألبو شبل فما أكبرك وما أروعك أخي ونصيري وحبيبي أبا نبيل ؟

أُرفق مع رسالتي هذه بعض الفيديوات التي صممها وبذل فيها ما بذل من جهود رغم معاناته من ضعف عينيه جعلتُ عينيَّ فداءً ليعينيك أخي الأعز دكتور عبد المجيد القيسي وأنت هناك بعيد عني أنت في كندا وأنا هنا في ألمانيا.

 

عدنان الظاهر

.................

https://youtu.be/IyaIAUJpOS0

 

 

mohanad alsaidiإذ أختار ابو حامد الغزالي الهروب من المدرسة النظامية في بغداد، قرّر معاصري عبد الجبار الرفاعي أن يمكث في بغداد ويصبر على المدرسة، ويفتح لها باباً آخر!

لذلك قلت له : انا فرح بك مرتين ؛ الاولى بما تكتب، والثانية انك عدت تكتب، وتنشر من بغداد عاصمة العباسيين التي هرب منها الغزالي.

أن تهرب من المدرسة، وأن تفتح لها باباً آخر

خياران لا يقف عليهما إلا من ادرك بعمق حقيقة المسافة المصيرية بين الدين التاريخاني الرسمي، والدين الروحي من خلال تجربة الانسان الذاتية في التدين . هذا ما أنكره الغزالي على المؤسسات البغدادية واغترب عنه، وما تحدّث عنه (روسو) في رسالته عن عقيدة قديس سافوا. إن خطر هروب الرسالات الى الامام لا يقلّ عن خطر هروبها الى الوراء، والمكوث في المدرسة والصبر على هشاشتها الرسمية، وتردّدها العلمي، لا يقلّ - إن لم يزد فضيلة - عن الهروب، والمغاضبة طلبا لعافية الدين والدنيا، او السقوط مضمخاً بالإخلاص على طريق الحقيقة العلمية الشاقة.

وهنا سأحتفي بالرفاعي من خلال تسجيل رؤية مركبة الأبعاد، تحصلت لي في ربع القرن الأخير من متابعاتي للرجل، وهو يزرع نوى التمر ويتطلع الى فيئه!

في المائة صفحة الاولى من كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) تتبعت سيرة غير مفصلة، أجمل فيها صاحبُها رؤيتَه الكلية لأخيه الانسان، ودوّن فيها مشاهدات، ومعايشات ليست اعتباطية، أو غير مهمة إطلاقاً، في محاولة شجاعة لرجل جاء من خلفية لا تعترف او تبوح بجوانياتها بسهولة من خلال ثقافة كتابة المذكرات، والسير الذاتية.

أن تكون لك ذاكرةُ مكان فهذا يعني انك كنتَ فيه، وأن تسرد تجاربَك مع الانسان فإنك تحكي تجربةَ الانسان الذي هو انت، وان تعيد ترتيبَ وتسلسلَ الأحداث بطريقة غائية، الهدف منها تتبع مراحل بناء الذات، وملاحظة بيئات تكوينها، فأنك تؤشر للآخر من خلال الذات دلالات، ومثابات، وعِبر.

وفي اللحظة التي يُختطَف فيها الخطابُ الديني، وتغتصب قيمَه، وتتعرض مؤسساتُه للاختراق من أحباره، ورهبانه، وشيوخه، وتتعرض رسالةُ الدين الى التشويه، فتُعاد كتابةُ شروحها بالافهام المغلوطة، والشروحات المغلوطة، والخطابات المغلوطة، لا يبقى أمام التجربة الدينية سوى العودة للذات، والتحصن بها، وتجاوز التعريفات الإشكالية للدين.

حين يتعثر الخطابُ الديني مع المجتمع، وفي السياسة، او الاقتصاد، فعلى الروح أن تتجنب العقبةَ الكأداء، وتربح نفسَها إن قدّر لها أن تخسر العالم.

 لم يكن متصوفاً على المسطرة ..!

1480 saidiفي (الظمأ الانطولوجي للدين) لاحظت أن الرجل لم يغفل عن نقد التصوف، فسجل ملاحظاته الذكية عن محتوى التصوف وصيروراته التاريخية، ومُنظِماتِه الاجتماعية، ومواقفه السياسة، ومآلاته الاخيرة.

توقف عند تفخيم الألفاظ، والمصطلحات الصوفية، وإحاطة الاولياء بهالات القداسة، وإسباغ الألقاب التي تتحولُ معها رموزُ التصوف الى أصنام جديدة تعيد الانسانَ المتدين الى  الحفرة ذاتها التي هرب منها، حين يعاد تمثيلُ الدين من خلال الفرد، او المؤسسة، التي قد تكون الخلافةَ في الحكم، او الطريقةَ في التصوف، وفِي جميع الحالات، فإن التجربة الذاتية تفقد تجردها أيضاً.

وجدته انساناً خُلق كما يشاء ..

لك أن تحتفظ في كلّ من تعرفت عليهم بحق قياس المسافة والفارق بين ما يفكر به، وما يكتبه، وما يقوله، وما يعمل به، حتى تلتقي مع عبد الجبار الرفاعي، لتكتشف أنه رجل يفكر ويتكلم ويكتب ويعيش بطريقة واحدة.

وطالما قلت له: يا أبا محمد انت نسخة مريحة من بني آدم.

ذلك أن الصداقةَ والتعاملَ مع النمط السهل التركيب بين القول والعمل هي غير الصداقة والتعامل مع النمط الآخر، المعقد أو الملتبس أو المشوه التركيب، بين القول والعمل، والذي قد يفكر، ويكتب، ويقول في مجرة، ويعمل، ويشتغل، ويعيش في مجرة أخرى، وبينهما ما شاء الله من السنوات الضوئية.

لقد ربط هذا الإنسان الإنسان، بين الحقول المعرفية والعلمية التي اشتغل عليها ؛ وبين تكوينِه الأخلاقي وسيرتِه الاجتماعية ومناقبِه السلوكية، فتراه ينسجم سريعا مع معطيات العلم، ولا يخلع قديما من الرأي إلا ليلبس جديداً غيره، ولا يغادر قناعةَ الأمس، وانتماءَ الأمس، وعقيدةَ الامس، ونمطَ تدين الأمس، إلا لصالح قناعة، وانتماء، ونمط اليوم ، وهو لعمري معنى الحياة ومعنى أن تكون كائنا مهجوساً بها. 

لا اجد غضاضة في مديح صاحبي ما دام بعيدا عن السلطة والسلطان

وصاحبي رجل شغف بالكتاب والمكتبة بقدر شغفه بالجديد والعميق والشجاع من الأفكار، فكان يصفّ الكتبَ في مكتبته صفاً، وينفق عليها كما ينفق المؤمنُ على الزاد والراحة يبغي حجه، أو كما ينفق الجائع على طعامه أو الظمآن على شرابه . سمى كتابَه الأخير: (الدين والظمأ الانطولوجي) .كان أولُ ما أهداه لي الرفاعي في تاريخ صداقتنا هو كتاب، كما أن آخر ما اهداه لي هو كتاب أيضا، وكأن العلاقة مع الرجل، في أبهى، وانصع، وانفع صورها هي

علاقة ما بين كتابين. (الدين والظمأ الانطولوجي) كان آخرَ كتب الرفاعي وهداياه الثمينة.

والكتاب الهدية الأولى كان عن الأسرة و تربية الأطفال في الإسلام، أهداه لي مشكورا بمناسبة زواجي من أم أولادي الثلاثة أيام كنا نسكن في شارع واحد من شوارع مدينة قم هو (شارع سمية)، حيث لا أتكلف لزيارته، ولا يتكلف لزيارتي، غير المشي المريح لخمس دقائق، يتأبط فيها هذين المجلدين الجميلين، وعبارات التهنئة، وابتسامته التي لا تنفك ولا تغادر محياه الطلق، وبعض من حكاياه، ونظراته، واسفاره، ونصائحه، وتجاربه، وطُرَفه التي لا يعدمها جليسُه .

يتابع صاحبُنا حركةَ الفكر والفلسفة العربية والإسلامية، وهو كما يشرف على التاريخ، ويتتبع نبضَ المدونات الاولى وبيئات تدوينها، كذلك يدقّق النظرَ في مآلات هذه المدونة، وبثها الطويل الذي يحيط بواقع الفكر المعاصر وينتج خطابَ المستقبل ضمن مدياتها المتاحة .وهو في كل ذلك متلبس ومنتج للقلق المعرفي، ساعيا لوضع يده  على الحقيقة التي تنأى بمقدار الاقتراب منها.

يُعدُّ الرفاعي من اندر المفكرين، والمشتغلين على حقولهم المعرفية، الذي يدير منتجَه وإسهامَه بنجاح، كما يكتبه بنجاح. تحتاج المواهبُ والطاقات الى إدارة نفسها إدارة ناجحة، بعد فراغها من الإسهامات الناجحة، بل تعدّ إدارة المشروع الفكري جزءا مكملاً  للمشروع ذاته. لذلك تجد الدكتور عبد الجبار يتابع بنفسه مراجعةَ نصوصه، وتحمل مشقة الكتابة، وتقويم النصوص، وطباعتها، وكان يعبّر عن مجلته الاولى (قضايا اسلامية) : بأنني محررها وعامل الخدمة فيها. وقد نسج صاحبُنا منظومةً طويلة مما يمكن أن نسميه (العلاقات الفكرية العامة) مع أصحاب المشاريع الفكرية المهمة، في العراق، وايران، ولبنان، ومصر، والخليج، ودوّل المغرب العربي، التي ارتبط الرفاعي مع جامعاتها، ومؤسساتها، ومعاهدها، ومفكريها، واصداراتها، بعلاقة لم تتح لعراقي آخر على الإطلاق، وربما لمشرقي عربي آخر. وهذا يعود بالأساس للمثابرة التي عُرِف بها، وولهه بملاحقة كل جديد، والاتصال والتواصل مع كل جديد، ورغبته بالتواصل والتلاقح الذي صيّره مفكراً فاعلاً في التواصل على حدّ الاستعارة والتصرف عن هبرماس.

نامت محاولاتي للكتابة عن الرفاعي طويلاً، حتى أحيتها جائزةُ الدوحة الاخيرة، وهي جائزة في عنوانها ودلالاتها، وسيرة صاحبها، ما يبشر بمرحلة استعادة بغداد لعقلها الفلسفي والعرفاني الغائب (او المُغيب) حيث عكفت مجموعة من النخب المهتمة لإعادة الاعتبار لدرس الفلسفة والمنطق والاخلاق في المنهاج الدراسي العام.

لا يمكن ان تتحول الفلسفةُ الى حقل عام في متناول الجميع، لكن زراعتها في البيئة العلمية والاكاديمية، توسع من آفاق النخب، وتثمر عقلاً مقارناً، يلحظ النسبيةَ، وينتهج الاعتدال، ويهرب من فخاخ الاحادية، واليقينية المطلقة، التي تحجب الرؤية وتوقف التفكير.

لقد عمل الدكتور الرفاعي بجدّ، على وصل النتاج الفلسفي والفكري الفارسي المعاصر بنظيره العربي، كما كان همزةَ وصل لافتة بين المشرق والمغرب العربي، وجسراً علمياً بين الحوزة والجامعة، ومحضراً خيراً بين السياسيين والمثقفين، وما ذهبتُ الى دولة في شمال افريقيا الا وسألوني عنه، حتى بات الرجلُ قمراً من فلك الأزوار مطلعه.

للرفاعي، ولجائزته، ولبغداد، وأمسها، وغدها، أكتب كلماتي والامل يملأ القلب بغد جميل تأخذ فيه الافكارُ والفلسفات الصائبة مكانَها في حياة العراقيين.

 

الشيخ مهند الساعدي

 

saleh altaei2منذ أن بلغت مرحلة الوعي الأولى، وأدركت أن هناك في الحياة معركة بين الخير والشر، وأن النظم السياسية هي مصدر الشر في العالم كله على الإطلاق، وان الإنسان كان ليحيى بنعيم سرمدي لولا الحكام؛ منذ ذلك الوقت المبكر والموت يطاردني، ينهكني، يترصدني في انحناءات طريقي ختلا، يقتنص الفرص ليوقع بي، يقدم لي الإغراءات لأدخل قفصه طوعا، يحث الآخرين على معاداتي والابتعاد عني لينفرد بي، يزرع الشكوك حولي ليبعد الناس عني ليلتهمني.

ومنذ مراحل وعيي الأولى كان الموت قد اصطاداني أكثر من مرة، بعد أن ركض خلفي، وقد قميصي من دبر، فانكشف ظهري، وتمسك بالخرقة ليريها للملأ معلنا عن ساعة وفاتي، ولكني كنت أفاجئه بالظهور، لأعلن عن وجودي بتحد كان يغيض الحكام. صحيح أن بعض أصدقائي ومعارفي لم يتعرفوا علي للوهلة الأولى بسبب الهزال الذي أصابني والتعب الذي ارتسم على محياي، ولكنهم حينما دققوا النظر بي عرفوني، وتأكدوا بأني لا زلت أكابر، ولا زلت متمسكا بالحياة رغم أنف الجبارين، ولم أدعها تفلت مني!.

ومنذ مراحل وعيي الأولى، مررت بتجارب قاسية كثيرة، بعضها قليل الأثر خامل الذكر، فلم أعرها اهتمامي، ونسيتها مع ما نسيت عبر عمري الطويل، وبعضها وضعني في حلبة مصارعة مع الموت وجها لوجه، وزوده بجميع انواع الأسلحة، وجردني من كل شيء، وأذكر منها:

اعتقلت للمرة الأولى في مدينة اليوسفية وأنا في مرحلة الدراسة الاعدادية لأني كنت أزور صديق دراسة في بستانهم، ثم تبين أنه وجميع أفراد عائلته شيوعيين، وكان رجال الأمن يراقبهم باستمرار، وبعد التحقيق المعمق، وأؤكد هنا على كلمة معمق، لم تثبت إدانتي، فأطلق سراحي.

وحينما أنهيت دراستي الجامعية، ساقوني لأداء الخدمة العسكرية، واشتركت رغما عن أنفي في حرب تشرين في سوريا، وكاد الموت أن يصطادني ولكني نجوت.

وحينما رجعت إلى الحياة العامة، اعتقلت للمرة الثانية بحجة أني تطاولت على مدينة الرئيس، وبعد التي والتيا الطويلة، اطلق سراحي.

بعد هذه التجربة، اعتقلت للمرة الثالثة وأودعت السجن الانفرادي مدة طويلة، ثم أطلق سراحي بعد أشهر صعبة نتيجة صمودي وعدم اعترافي على أحد.

بعد أن نجوت من بين أيديهم، أصبحت في مرمى نيرانهم، ووضعوني تحت المراقبة، ولم يوقف ذلك الحصار إلا دعوتي إلى العسكرية للاشتراك في الحرب العراقية الإيرانية، وبالرغم من بقائي في الجبهات سبع سنوات وستة أشهر وواحد وعشرون يوما طالما وضعتني الظروف في عين الموت ولاسيما وأنا تهنا عدة مرات ودخلنا حقول الألغام أو أصبحنا في مرمى الجانب الآخر، إلا أني نجوت من الموت، ربما لأني لم احاول قتل أحد مطلقا، ولم أرم إطلاقة واحدة نحو هدف.

ثم بعد التغيير في 2003 اعتقدت أن تلك السنوات السود قد انصرمت، وحل الأمان، لأجد نفسي بعد زمن يسير في مأزق الفوضى، فنجوت مرة بشكل إعجازي من الموت بانفجار سيارة مفخخة، فجرت على متطوعين يقدمون أوراقهم في حي الجامعة ببغداد.

وبعد مدة ليست بالطويلة، نجوت من الموت المحقق بانفجار عبوة ناسفة في شارع المطار الدولي.

وبعدها، اختطفت على يد الإرهابيين، ولبثت سجينا بين أيديهم ثلاثة عشر يوما، ساموني خلالها سوء العذاب، ووضعوا المنجل على رقبتي أكثر من مرة، ثم عدلوا عن رأيهم، وحينما اتخذوا القرار النهائي بتصفيتي، نزلت حريتي من السماء، ونجوت مرة أخرى.

وبعدها هجرت قسرا من بيتي لأرحل إلى محافظة جديدة ومدينة جديدة وحياة جديدة، وأنا الآن بعد أن تجاوزت السادسة والستين من عمري لم أعد أدري إن كان القدر قد خبأ لي تجارب مريرة أخرى مثل تلك التي اختبرتها، أم أنه اكتفى بما قدم، وينتظر الأمر النهائي بالرحيل.

أما بعد ذلك .. بعد الرحيل الأبدي، فحياة غريبة لا نعرف كنهها ونوع المخاطر فيها، إذ يرجع أمرها إلى الله تعالى، وهو أحكم الحاكمين، وارحم الراحمين.

صالح الطائي

 

 

hasan maysiralaminمن أواسط مدينة (شفيلد) في بريطانيا (3 ساعات عن لندن)، حيث يقيم بعد خدمة طويلة للوطن تقارب ال(4) عقود، وهو يتابع عن كثب أخبار العراق ومحافظاته أجمع وأحداث الموصل وما صنعت بها الأيام بشكل خاص طوال محنتها، قبل وأثناء إحتلالها من الدواعش الأنجاس وحتى تحريرها الباهض الثمن على أيدي أبطال العراق الميامين، فربط تاريخ احداثها منذ ما يقارب ال(100) عام إلا قليلا، بحاضرها المليء حزنًا عليها وعلى ماضيها وأمجادها، هي ذاتها وكما عرفها ويعرفها الجميع مدينة السلام والإخلاص والثروات البشرية والطبيعية وصاحبة الموقع الجغرافي المميز والذي أقترن إسمها بمعناه .

فكان مما حظيت به الموصل من إهتماماته البالغة هو ما قاله عنها مسبقًا وتم نشر كلامه على صفحة (الموصل : تراث وثقافة متجددة ) تحت عنوان: (لمسات مما حظيت به الموصل في قلوب محبيها )، حين قال ما نصه : (لم يكن (لويد جورج) رئيس وزراء بريطانيا ليطلب بإصرار من (جورج كليمانصو) رئيس الوزراء الفرنسي، و هما يديران مؤتمر الصلح في فرساي عام (1920)، بالتنازل له عن الموصل، التي كانت من حصة النفوذ الفرنسي حسب معاهدة (سايكس بيكو)، لولا أدراك هذا الإستعماري الداهية للقيمة الجيوسياسية المتميزة للموصل الحدباء و قد كان له ذلك، لقد نفضت الموصل العزيزة الآن عنها غبار عدوان الغريب و القريب و ستعود ولّادة لمئات الرجال والنساء، ستطل مشرقةً موصلنا الحبيبة وستبقى ترفد وطنها العراق و أمتها العربية بالعلماء و الأدباء و الفنانين كما فعلت عبر العصور، سلام و عزّ و سؤدد أيتها الحبيبة الغالية ولأهلك الكرام كل المحبة والإعجاب والإحترام والتقدير) .

اليوم نقف ضمن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها، أمام نظرة ثاقبة ورؤية صائبة في مقولة جديدة تطرح معادلة أزلية أن الموصل أكبر مما حيكَ ويُحاك لها، حيث أنها وبحكم قيمتها الجيوسياسية، كما جاء في أعلاه ، نفضت وستنفض حتمًا عن نفسها (غبار عدوان الغريب و القريب و ستعود ولّادة ...) .

اليوم نحن أمام صرح من صروح الدبلوماسية العراقية في أعلى نماذجها الرفيعة، وقامة إنسانية في المثل والمبادئ العليا، وأمام جبل أشم، شموخًا ووفاءً وإخلاصًا في القول والعمل وقامةً إنسانية رفيعة، خلقًا وتواضعًا وصيرورة نفسٍ كريمةٍ معطاءْ، شخصية عاصرت وعايشت أزمنةً وظروفًا وشهدت تقلباتٍ في حكم العراق، لكنها خدمت العراق وشعبه بغض النظر عمّن كان يحكمه، فكانت من الذين إستقاموا على الطريقة فسقاهم الله ماءًا غدقًا، وكتب لهم عمرًا مديدًا سعيدًا وصحةً وعافيةً وخيرًا عميمًا، جزاءًا بما أسلف في الأيام الخالية .

إنه الثمرة المعطاء من ثمار رجالات العراق العظيم ومحافظاته الجنوبية الشماء، أبن محافظة الناصرية ومن أهالي منطقة (سوق الشيوخ) الكرام، الأستاذ والمعلم والدبلوماسي القدير سعادة السفير العراقي السابق الأستاذ (ابراهيم علي حسين الولي)، مواليد عام (1929) في مدينة (سوق الشيوخ)، اكمل فيها دراسته الإبتدائية ثم أنتقل الى الناصرية فأكمل المرحلة الثانوية وواصل ترحاله إلى بغداد فالقاهرة التي أكمل فيها دراسته في قسم الفلسفة والإجتماع في جامعة (فؤاد الأول) سنة (1952)، وعاد بعدها الى بغداد ليستقر به المقام فيها، وهي التي منها انطلق ليطوف العالم بحكم عمله في السلك الدبلوماسي وتمثيله لبلده في عددٍ من الدول التي أُعتمِدَ فيها .

تم تعيينه في وزارة الخارجية العراقية عام (1955)، وأبتدأ مشواره الوظيفي في (ديوان الوزارة - الدائرة السياسية - شعبة ميثاق بغداد)، وتدرج في العناوين الوظيفية حسب الإستحقاق، وبعد أحداث تموز عام (1958)، أصبح مدير مكتب وزير الخارجية، ثم قنصلًا وممثلًا للعراق لدى الأمم المتحدة في العام (1960 –1961) في (جنيف - سويسرا)، ثم في دولة اليمن للفترة من عام (1962 - 1964)، ثم مملكة السويد ليتولى فتح السفارة الجديدة فيها، بعدها نقلت خدماته إلى رئاسة الجمهورية لتولي منصب (رئيس دائرة التشريفات) للفترة من عام (1966 - 1964)، ثم عُيّنَ سفيرًا لجمهورية العراق في (بلغراد - يوغسلافيا) واستمر في العمل فيها (3) سنوات متتالية، أعقبها بالخدمة الدبلوماسية في دولة الكويت، ثم ختمها في السفارة العراقية في (باريس - فرنسا)، بعدها عاد إلى ديوان وزارة الخارجية ليتولى رئاسة الدائرة السياسية (الشخص الثالث في الوزارة) وبدرجة (سفير)، ولكونه مستقلًا تمامًا وغير منتم لأي من الأحزاب الحاكمة آنذاك، وحيث أن هذا المنصب موضع تنافس كبير بينها وقتئذ، نُقلت خدماته إلى وزارة العمل والشؤون الإجتماعية عام (1978)، وأحيل على التقاعد بناءً على طلبه بعد (3) أشهر من خدمته فيها .

بعد تقاعده بأيام قلائل، تم توجيه الدعوة إليه للإجتماع مع السكرتير العام للأمم المتحدة في بيروت، حيث تم تكليفه بمهام سكرتير اللجنة الإقتصادية والإجتماعية (الأسكوا) وعمل في هذا المنصب حتى عام (1992)، وأستقر به الحال نهاية المطاف في مدينة (شفيلد) في إنكلترا ولا يزال فيها .

لم يشغله تقاعده عن الخدمة الوظيفية في وزارة الخارجية العراقية للفترة من عام (1978 - 1955) وبعدها في الأمم المتحدة للفترة من عام (1992 - 1978) عن نشاطه وحيويته، فقد جعل من مُغتربه ومُقامه في إنكلترا محرابًا لتأملاته وعبادته من جهة، ولكتابة مذكراته وتدوين خلاصة ما أفرزته تجربته الثرية - وهذا ما أدركتهُ من خلال مقدمات كتبه التي سأتحدث عنها تاليًا -  والتي سعى فيها جاهدًا والى حد كبير من أن يوصل وجهات نظره وتوقعاته لجيل الشباب بشكل خاص وللمثقفين بشكل عام .

أصدر كتابه الأول عن مرحلة تواجده وعمله في دولة اليمن وما حملته ذاكرته العامرة من أحداث تحت عنوان (مذكرات دبلوماسي عراقي عن اليمن من 1964 - 1962)، والذي صدر عن دار الحكمة في لندن عام (2005)، حيث بين المؤلف أنه سطر ملاحظاته عما جرى لليمن خلال حقبة زمنية من القرن الماضي، وحفظها في مكتبه حتى تمكن من نشرها في هذا الكتاب بمساعدة المركز الإقليمي للبلدان العربية في اليمن .

كتب مقدمة الكتاب الأستاذ (محبوب علي) نقيب الصحفيين اليمنيين ونائب رئيس إتحاد الصحفيين العرب والمدير الإقليمي لمنظمة الصحفيين العالمية بعنوان (شهادة حية بذاكرة عربية) قال فيها : (هذا الكتاب الموسوم  - مذكرات دبلوماسي عراقي في اليمن - توثيق لشهادة حية عن مرحلة هامة من تاريخ الشعب اليمني، يتم سردها وروايتها بذاكرة عربية اختزنت وقائعها وأحداثها على مدى أكثر من أربعين عامًا ليتم الإدلاء بها في موطنها وليس خارجه، ويمكن القول بأن مذكرات السفير العراقي (ابراهيم الولي) شدتني كما تشدنا قراءة مذكرات المشاهير من أعلام الأدب والثقافة والفكر إلى أقطاب السياسة) .

واضاف الصحفي (ابراهيم معروف) الذي كتب على الغلاف الأخير  للكتاب يقول : (أن السيد ابراهيم الولي رفض كثيرًا إخراج الكتاب للنشر ولكني حين قلت له أن اليمن موطن ذكريات هذا الكتاب، أحق بأن يشهد ولادته على الورق، فقال : (إن أهل اليمن أحق بقراءته والإطلاع عليه وضمه الى مكتباتهم الوطنية لأنه جزء من تاريخهم)، وأضاف (معروف) أن أجمل ما فيه أنه صادق في كل حرف منه لنزاهة الرجل (ابراهيم الولي) ، وحيث أن المكون العام للكتاب يغطي فترة حرجة من تاريخ الثورة اليمنية ويفسر بعض مواقف الأطراف اللاعبة في الساحة آنذاك في مقادير الثورة اليمنية والتي كانت على كف عفريت) .

1478 maysir

وأصدر كتابه الثاني بعنوان (أوراق دبلوماسي عراقي – ملاحظات وشهادات للفترة من عام (1992 - 1955) والذي صدر عن وزارة خارجية العراق عام (2012) وقد ضم الكتاب مجموعة تجارب و حقائق و إضاءات وأفكار وآراء من وحي السياسة العراقية المعاصرة، كما وتضمن مواضيع مختلفة ومنوعة عن سياسة العراق وما أعقبها من أحداث ساخنة ومعظم الإنقلابات السياسية التي شهدها العراق ما بين الأعوام (1992 - 1955)، حيث سرد المؤلف بعض الحقائق التاريخية عن سياسة الحكومات العراقية المتعاقبة، مما أوجد ردود أفعال إيجابية لدى أوساط القيادات والسياسيين والمثقفين والمفكرين والإعلاميين بإعتباره حلقة إضافية جديدة من فكر ورؤى الدبلوماسية المتميزة الناجحة لشخصيةٍ شاهدةً على العصر .

وللأستاذ الولي كتاب ثالث بعنوان (سوق الشيوخ)، وقد صدر عن (دار الأيام للنشر والتوزيع في الأردن عام 2016)، ويُعد بمثابة بحث إجتماعي، أمتزج بحنين وشوق المؤلف لمدينته العراقية التي ولد فيها عام (1929) وغادرها عام (1940)، قال الأستاذ الدكتور (احمد الحسو) في مقال له نشره في موقع مركز النور للدراسات والأبحاث عام (2015) عن الكتاب ما نصه : (من يقرأ كلماته يشعر بمشاعره وحبه لها (أي : مدينة سوق الشيوخ) مع كل حرف و في كل كلمة، لقد نظر الرجل بحب إلى مدينته  فرآها مدينة صغيرة تفيض جمالًا وإنسيابا، ونظر اليها في ذات اللحظة فاذا هي العراق الذي كان مولهًا به، وإذا هو يشهده بل يعيشه في كل جزئية من جزئيات الحياة في سوق الشيوخ، عراقًا واحدًا سمحًا مسالمًا محبًا) .

وأصدر كتابه الرابع تحت عنوان (إسقاطات السياسات الدولية على الشرق الأوسط خلال مائة سنه 1916 ــ 2014) والذي صدر عن (دار الأيام للنشر والتوزيع في الأردن عام 2016)، والذي قال في مقدمته : (قصدت ببحثي هذا أن يلمّ القارئ العربي غير المتخصص بالتاريخ، بعملية تشكيل الشرق الأوسط التي بدأت في القرن العشرين (1900 ـ 1920)، وما تزل تلك العملية التي إستمرت ل(مائة) سنة .

ولأهمية ما ذكر في هذا الكتاب ولتطابق ما جاء في محتواه مع واقعنا العربي الذي نعيشه الآن، يسرني إقتباس بعض الفقرات مما جاء فيه، حين قال : (سيرى القارئ معي أننا نعيش في بلادنا العربية خاصة والإسلامية عامة، حالة سياسية وإقتصادية وإجتماعية يندر أن تجد لها في التاريخ الحديث مثيلًا، فمن قائل : (إن كل ما يجري في بلداننا من تدهور مؤسف إنما مردّه الى تآمر بعض الدول الكبرى علينا بشرًا وثروة، وتلك نظرية المؤامرة (Conspiracy Theory) التي تفترض إتهام دول أو شعوب أو مؤسسات بأنها قد تسببت أو عملت على التأثير في الحياة السياسية للغير بما يحدث تأثيرًا سلبيًا عليهم)، ومن قائل (أن في الغرب من خطّط ونفّذ وإعترف بأن عملية إصلاح سياسي قُصد منها إدخال الديمقراطية في بلد ما، إقتضت توجيه صدمة لبعض النظم، بل قل لجميعها في منطقتنا تباعا، سميت بالفوضى الخلاقة (Creative Chaos) تصيب (خبط عشواء) لتفرز كيانات لا يدّعي أحد حتى مخططيها التكهن بها، بل لعل هذه العملية تقوم على التجربة والخطأ ( Trial and Error) فحسب، وغالبا ما تُخلّف وراءها دُولًا فاشلة يَسهل إستغلالها بل وحتى الإجهاز عليها، إذ يكون الإجرام قد إستشرى بين أبنائها، فهي لا تتحكم أو تحمي شعبها وأرضها)، (ومنهم من يعزو ما يجري وسيجري إلى غفلتنا – أعني النظم العربية والإسلامية التي إتصف بعض قادتها بالأنانية، أو لقلة خبرة قيادية، وما تفرز من مساوئ في نظم الحكم وفساد يخلق تربة خصبة لجرثومة الطائفية والعنصرية والفئوية بما يتيح للمتربصين بها البناء على هذا الضعف بإفشاء سياسة فرق تسد (Divide and rule) التي يكمن فيها مقتل الدول، فتلك ظاهرة واضحة للعيان تسود منطقتنا العربية للأسف الشديد، ولست أشك في أن ذلك لم يكن ليقع لو أننا ركزنا على ألأقل، على الرقي في نظم التربية والتعليم السليمة في بلداننا كما يفعل اليابانيون مثلا، فقد كان جواب مسؤول ياباني لسائل عن السبب في رقي التعليم في اليابان هو (إننا نعامل المعلم الياباني معاملة الوزير ماديًا وأدبيًا وإجتماعيًا) فأين نحن من ذلك، ورحم الله أحمد شوقي القائل (قف للمعلم وفّه التبجيلا - كاد المعلم أن يكون رسولا)، لكن واقع المعلم لدينا ليس كذلك، إذ ترى متطلبات الحياة لا تدع له أي مجالٍ للإبداع في أداء مهمته النبيلة في تربية الأجيال) .

وأستطرد قائلًا : (بإختصار،  فإن الفرضيات الثلاث آنفة الذكر، تصدق تمامًا على واقع منطقتنا إن لم تكن هناك فرضيات إضافية، حيث تعاني المنطقة العربية من نتائج إتفاقية (سايكس بيكو) (Sykes Picot Agreement) (البريطانية -الفرنسية)، تلك التي قسمت البلدان العربية كما شاءت، ولطالما لعنّا هذه الإتفاقية البغيضة، ولكن مهلًا فهناك أصوات مؤثرة في الغرب تنادي الآن بضرورة إدخال تعديلات على تلك الإتفاقية وتطبيقاتها، أي أن هؤلاء يدعون الى تقسيم المقسّم) - (انتهى الإقتباس) .

ويجدر الإشارة إلى أن جريدة الزمان قد تولت نشر الكتب أعلاه على صفحاتها الغراء على شكل حلقات متسلسلة متتالية، كما تناولتها عديد من الأقلام الأكاديمية و المواقع الرصينة بالدراسة والتعقيب .

تلك هي إطلالة سريعة على السيرة البهية للأستاذ (ابراهيم الولي)، إنها بحق سيرة حياة مليئة بالزهو والمفاخر، عاصر فيها ضيفنا الكريم آثار حربين عالميتين فضلًا عن حروب ضروس شُنت على بلاده التي ظلت مستهدفة من قبل الغرباء والغزاة، وعاشر فيها أكثر من (10) وزراء للخارجية العراقية ومثل العراق في أكثر من (100) مؤتمرًا ومحفلًا دوليًا، وزار أكثر من (40) دولة في العالم ممثلًا للعراق ومتحدثًا باسمه، وشارك ضمن الوفد الخاص بالمفاوضات حول (حلف بغداد) التي عقدت (كراتشي وأنقره) وفي العديد من مؤتمرات قمة عدم الانحياز، ومؤتمرات أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إضافةً إلى كونه محاضرًا في جامعة البكر للدراسات الاستراتيجية لفترة من الزمن، علاوةً على أنه مَثّلَ العراق في (6) دول بدرجة سفير في كل من (سويسرا، السويد، اليمن، يوغسلافيا، الكويت، فرنسا)، وأختتم سيرته العملية من خلال عمله في الأمم المتحدة (الأسكوا) للفترة من عام (1978 وحتى عام 1992) .

وبعد، فإننا أمام شخصية مجبولة بحب الوطن،  سَعِدَ بخدمته، ولا يزال بسعادته يُسعَد وبحزنه يحزن، كما هو حال كل المخلصين الصادقين، حيث كان ولا يزال متابع وبقوة لأحداث العراق السياسية والأحداث التي جرت وتجري على أرضه الخصبة المعطاء منذ أن غادره وإلى يومنا هذا، وألمَ به حزن كبير على ما يشهده العراق من ظروف لم تكن لها مثيلًا منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى عام (2003) وكان للموصل موقعها الرصين ومكانتها الكبيرة ضمن ذلك الإهتمام .

إنطلاقًا من عراقيته الخالصة وبدافعٍ وطنّي غيور، أرسل مهنئًا بمناسبة إنتهاء العمليات العسكرية وتحرير مدينة الموصل ومحافظة نينوى بالكامل وأرسل تحيات المحبة والإحترام والتقدير لها ولأهلها وقاطنيها .

ووفاءً لشخصه الكريم ولمشاعره الفياضة بالحب وبكل الشعور النبيل الخالص وتقديرًا لمواقفة النبيلة ومشاطرته أحزان الموصل وأتراحها على ما حل بها وأهلها في ثلاث سنين عجاف، وحيث أن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها التي ننشرها تباعًا ليست محصورة بنطاق أهل الموصل فحسب بل تتعدى لتشمل كل ذي موقف مشرف وكلمة صادقة وموقف نبيل في أرجاء المعمورة ، فكان حقًا لنا وعلينا أن يكون حضوره المشرف ضمن السلسلة أعلاه وان يُسجل اسمه في صفحاتها ليأخذ استحقاقه بكل شرف وتميز فيما سيسطره التاريخ عنها وعن رجالاتها .

وبعد، لقد أخترت مقولته كما في الصورة أدناه وهي عبارة عن فقرة مجتزأة من رسالة التهنئة المرسلة منه كما ذكرتها آنفًا، أضعها أمامكم سادتي الكرام متمنيًا أن تنال رضاكم وأن تأخذ صداها كشهادة وحكمة ومقولة صادرة من رجل مثقف وأستاذ متميز ودبلوماسي قدير، أفنى عمره في خدمة العراق وتمثيله في المحافل الدولية والمؤتمرات أفضل تمثيل وعكس في رسالته وتهنئته كل المحبة لوطنه العراق العظيم وشعبه الأبي ولمدينة الموصل وأهلها المكلومين والمُثخنين بالجراحات بشكل خاص، والتي أراها لسان حال كل المحبين للموصل وأهلها والبارين بها صدقًا في القول والعمل، فهي شهادة تاريخية ووصف بليغ ومناسب لكل الظلم الذي وقع على الموصل الحدباء وشهادة رصينة بحق أهلها وكلمة مواساة عّما عاشوه طيلة تلك الفترة المظلمة من تاريخها وما سبقها، وكذلك فهي شهادة ناطقة بالحق عن الإندفاع الكبير لأهالي الموصل في العمل المتسارع على لملمة الجراحات وطي الصفحة المظلمة من حياتهم وشق طريق المستقبل بكل عزيمة وإصرار وتحدٍ متطلعين إلى غدٍ مشرق يكونُ بلسمًا لما خَلفتهُ هذه الفترة المظلمة من آلام وجروح ومصائب ودمار، متأملًا تفاعلكم القيم ومسجلًا عظيم الشكر والامتنان للشخصيات التي تواكب ما ننشر بكل حرص وسرور وتقدر عاليًا ما نبذل من جهود في سبيل إظهار المواقف والحقائق وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

 

 

ali almirhigتأسست الدولة العراقية في عام 1921 وكما هو معروف إن هذا التأسيس لم يكن ضمن خيارات الدولة المحتلة آنذاك، ولكن فرض عليها نتيجة ضغط الجماهير العراقية في ذلك الوقت وكان أختيار الملك من قبل بريطانيا قائماً على ضرورة الاخذ بنظر الإعتبار مطاليب الشعب العراقي ونخبه السياسية وفي الوقت نفسه مصالحها كدولة محتلة، لذلك جاء إختيار الملك فيصل الذي يحظى بتأييد واسع من الجماهير العربية كونه يحمل تاريخ عائلته التي تعود الى شجرة النبوة من جهة اخرى طموح عائلته في بناء دولة عربية تؤسس بمعزل عن هيمنة الدولة العثمانية وهذا الأمر يدفع بإتجاه قبول الجماهير لهذه الشخصية كونها تسعى لنفس الحلم الذي ناضل من أجله المجتمع العراقي، فضلأ عن ذلك فأن هذا الأمر يحقق جانباً من طموحات الدولة المحتلة لأن شخصية الملك فيصل ليست بغريبة عنها كونها كانت الشخصية الثانية بعد الشريف الحسين بن علي. هاتان الشخصيتان اللتان سعياتا من أجل بناء دولة عربية مستقلة عن الدولة العثمانية وذلك بمساعدة دول التحالف آنذاك لاسيما بريطانيا كذلك كانتا محط قبول من لبريطانيا كذلك .

من ذلك نستطيع القول أن تشكيل الدولة العراقية الحديثة كما يبدو لم يكن في ضوء رغبات المجتمع العراقي بقدر ما كان عبارة عن صراع بين إرادتين، إرادة المحتل وإرادة الجماهير، وتكون هذه الدولة جاء نتيجة هذا الصراع بين الأرادتين . لذلك جاء هذا التشكيل للدولة العراقية على الأقل بشكل سياسي هو صياغة بريطانية وكانت الحكومات التي تشكلت في ذلك الوقت تتساوق وإرادة الدولة المحتلة وفي الوقت نفسه تريد أن تحقق بعض مطاليب الجماهير العراقية . في هذا الجو ظهرت وعاشت وتبلورت شخصية مفكر يعد رائداً للفكر الديمقراطي في العراق هو عبد الفتاح إبراهيم ساعياً الى التخلص من صراع الأرادات هذا محاولة بناء دولة ديمقراطية مستقلة من خلال طروحاته في الديمقراطية الشعبية موضوع بحثنا .

من هو عبد الفتاح إبراهيم؟

هو السيد عبد الفتاح إبراهيم أبن السيد عبد الحميد . أبن السيد إبراهيم المدرس الذي أختص بالتدريس بالحضرة الكيلانية أما جده السيد عبد الحميد - الملقب بحديد -  فقد كان أماماً وخطيباً بجامع حديثة الكبير وهو مدفون فيه .

ولد في عام 1907 في مدينة الناصرية، اذ كان والده يشغل وظيفة واعظ غرب الفرات. فكان المفكر كلما يذكر الناصرية يزداد به الحنين والشوق لهذه المدينة حتى قال عنها "أن الناصرية  تبقى ما حييت نابضة في ذاكرتي" .

شارك والده في معركة الشعيبة عام 1914 مع الشاعر الثائر محمد سعيد الحبوبي بعد إكمال دراسته الإبتدائية في البصرة، حط رحاله في بغداد في منطقة باب الشيخ في دار جده السيد إبراهيم المدرس الواقعة قبالة باب الحضرة الكيلانية.

تتلمذ عبد الفتاح أبراهيم في البصرة وأكمل دراسته الابتدائية هناك ثم أكمل دراسته الثانوية في بغداد سنة 1920ـ1924، بعدها سافر الى بيروت في عام 1924 للدراسة  في الجامعة الأمريكية وكان أول كتاب قرأه هناك للكاتب الأمريكي الليبرالي (Heyas) بعنوان . (تاريخ أوربا الاجتماعي والسياسي) وكان حينذاك أول مرة يسمع فيها عن الاشتراكية  التي أصبحت أحدى اللبنات الأساسية في تشكيل تفكيره .(3)

بعد إكمال دراسته في بيروت عاد  الى بغداد ليعمل في حقل التعليم، ولكنه لم يستمر في ذلك إذ سافر الى أمريكا عام 1930 لإكمال دراسته العليا في جامعة كولومبيا وأول ما بدأ به هو تأليف كتابه (على طريق الهند)، إذ إستفاد من وجوده في أمريكا في جمع كل المعلومات المتعلقة بالعلاقات الإنكليزية - العراقية والتي كانت موضوع كتابه سابق الذكر.

كان عبد الفتاح إبراهيم ومنذ شبابه مهموماً بكيفية إصلاح الوضع الإجتماعي والسياسي  في العراق وكان يسعى بإستمرار الى تأسيس جمعيات وروابط شاغلها الأساسي  بناء وعي ديمقراطي عراقي يستلهم التراث العربي الإسلامي الشوري وتجارب الأمم الديمقراطية كأميركا وبريطانيا وفرنسا.

ومن أولى نشاطاته هو تأسيس (جمعية النشيء العراقية) في عام 1924 هو ومجموعة من رفاقه في بيروت وقد أصبح رئيساً لها في عام 1926، وأصبح نشاطها الى حد ما سياسيًا يواكب من بيروت الحركة الوطنية في العراق .

من هذا التجمع نشأ تجمع آخر سمي (النادي العراقي) وقد ضم نفس الجماعة التي أسست الجمعية  وهم عبد الفتاح إبراهيم رئيسًا ومحمد حديد ونوري روفائيل وجميل توما وعلي حيدر سليمان وآخرون.

جماعة الأهالي

بعد مجيء عبد الفتاح إبراهيم من بيروت هو وجماعته لم يتركوا ذلك التطلع لإصلاح المجتمع فقاموا بإصدار جريدة الأهالي في عام 1930 وتألفت إدارتها من عبد الفتاح إبراهيم وحسين جميل وعبد القادر البستاني وخليل كنه وأصبحت هذه الجريدة فيما بعد هي الناطقة بإسم (جماعة الأهالي) التي تأسست عام 1933 من أغلب الشخصيات التي أسست (جمعية النشيء ) و(النادي العراقي).

ما يميز جماعة الأهالي أنهم نخبة مثقفة إطلعت على الحضارة الغربية فضلاً عن إطلاعهم على التاريخ العربي والإسلامي، وأدركوا أهمية الثقافة بوصفها السلاح الذي تتقدم به الأمم وتتخلص به من الإستغلال والإستعمار، "فيما كانت  الأحزاب والإتجاهات الأخرى التي شكلت في العراق عبارة عن تجمعات عشائرية او تجمعات لتحقيق أغراض مؤقته فتولد وتموت.

فضلاً عن ذلك فأنها كانت حركة تقفز على الصراعات الطائفية والعرقية والقومية وتهدف الى بناء مجتمع ديمقراطي حرمتعلم مؤمن بالمساواة بجميع تمظهراتها  وكانت هذه الغاية التي تصرح بها الجماعة في جريدتها (جريدة الأهالي)، وكان هذا واضح في موقفهم من الطائفية حينما نشرت الأهالي مقالها الافتتاحي بعنوان (الإستغلال الطائفي أبشع أنواع الاستغلال) في عددها 224 الصادر في (19/7/1933 ).

كان عبد الفتاح إبراهيم العضو الأكثر فاعلية في هذه الجماعة لاسيما على المستوى الفكري، بل يمكن أن يعد مفكر (جماعة الأهالي) وهو صاحب فكرة (الشعبية) التي تبنتها الجماعة بوصفها فلسفة جديدة تحقق طموحهم في تحقيق النهضة .

أصبح نشاط جماعة الأهالي أكثر فاعلية بدخول كامل الجادرجي فيها الذي برز نشاطه السياسي في عام 1926 حينما عين معاوناً لوزير المالية للشؤون التي تتعلق بالبرلمان . وفي عام 1927 أنتخب نائباً في البرلمان وأنتسب الى حزب الشعب (المعارض) الذي كان يتزعمه ياسين الهاشمي. ثم دخل الى حزب الاخاء الذي تزعمه أيضاً ياسين الهاشمي على أنقاض حزب الشعب 1930، وكان من أشد المعارضين لمعاهدة 1930 فكراً وسلوكاً لذلك حكم عليه بالسجن في وزارة نوري السعيد الأولى.

وقد برزت جماعة الأهالي على الساحة  السياسية حينما تبنت المظاهرات التي قام بها الطلبة إعتراضاً على فصل النصولي الذي كان كتابه ذو النزعة الطائفية (تأريخ الدولة الأموية) سبباً من أسباب فصله، وكان اعتراض جماعة الأهالي ليس على فصل النصولي تحديداً بقدر تخوفهم على حرية الرأي أو سعي الحكومة الى إلغاء التعددية. تزامنت هذه المظاهرات مع  زيارة الفريد موند الى بغداد.

بالإضافة الى دخول الجادرجي الذي جعل الجماعة أكثر حضوراً على المستوى السياسي، فقد شكل  دخول (جعفر أبو التمن) بين صفوفهم نقطة تحول في تاريخ هذا التشكيل لما كانت تتمتع به هذه الشخصية من ثقة بين الحكومة والجماهير معاً وقد أعجب أبو التمن بكراس (الشعبية) الذي كتبه عبد الفتاح إبراهيم بقوله (أي أبو التمن) "بأنه قبل كل شيء مسلم حقيقي والدين الإسلامي جاء على أسس ديمقراطية وإشتراكية، والمباديء موضوعة البحث (أي الشعبية) هي أقرب الى الإشتراكية منها الى أي مذهب آخر، وكل ما فيها لا يخالف القواعد الإسلامية الصحيحة".

لم تستمر العلاقة بين الجادرجي وعبد الفتاح إبراهيم طويلاً والسبب هو الإختلاف الفكري بين الإثنين وقد علل الجادرجي ذلك بقوله " مما لا شك فيه أن السيد عبد الفتاح إبراهيم يُدين أصلاً بالماركسية لأن ثقافته كلها مستمدة من الماركسية غير أنه لما كان يعلم بعدم إمكان تصريف الماركسية في هذا البلد فقد حاول مراراً أن يطور الماركسية حسب ظروف العراق بزعمه، فأراد في بدء إشتغالاته السياسية أن يبتدع نظريات جديدة كانت دائماً تنقصها الجرأة والصراحة، بالإضافة الى ذلك كان يعطي لشخصه المقام الأول في جميع إشتغلاته ومحاولاته الخاصة... فهو ... يعتبر نفسه زعيم الحركة الفكرية في العراق.

نتيجة لذلك حاول عبد الفتاح إبراهيم أن يؤسس حزب الإتحاد الذي لم يستمر طويلاً، فقام بعد ذلك بتأسيس (جمعية الرابطة الديمقراطية) إنسجاماً مع خطه الفكري القائم على ضرورة تبني الديمقراطية منهجاً في الحكم والذي تبناه في بداياته سواء في (جمعية النشيء) أو (النادي العراقي) أو حينما أصدر (مجلة العلم الحديث) في عام 1937 التي كانت جل مقالاتها تهتم بنشر الوعي الديمقراطي ونقد الإستبداد والدفاع عن حرية الرأي .

أذاً فجمعية الرابطة الديمقراطية هي جمعية ثقافية مهمتها نشر الوعي الديمقراطي وسميت بجمعية الرابطة الثقافية رسمياً بعد أن شطب الرقيب السياسي كلمة الديمقراطية وأحل محلها الثقافية، فكان تاريخ التأسيس هو في( 24/1/1944) حينما تم إنتخاب أول هيئة أدارية لها . كان عبد الفتاح إبراهيم مديراً لأدارة الجمعية والنادي، وكان مقرها في النادي الملكي الأولمبي في الأعظمية وصدر عن الجمعية مجلة بعنوان الرابطة، وصدر العدد الأول منها في ( 26 /3 /1944 ) وكان من انجازات هذه الجمعية :

جمعية الرابطة الثقافية، مجلة الرابطة، نادي الرابطة، لجنة التاليف والنشر، لجنة المحاضرات والمناقشات، لجنة مكافحة الامية، رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، دار التوزيع والنشر، مكتبة ومطبعة الرابطة.

ولكل مؤسسة من هذه المؤسسات إدارة منتخبة وفق المواصفات التخصصية.

نشر عبد الفتاح إبراهيم كثير من الدراسات و المقالات لاسيما في جريدة الأهالي ومجلة العلم الحديث ومجلة الرابطة وكل هذه المقالات والدراسات انصبت حول ضرورة نشرالتعليم عن طريق مكافحة الأمية والإهتمام بالطبع والمطبوعات و إعتقاده بإن هذه الخطوة ضرورية للوصول للديمقراطية والإيمان بتعددية الرأي .  إتضح ذلك جلياً في جل مؤلفاته لاسيما (الطريق للهند ) و(مذكرات المهاتما غاندي ) و(دراسات في علم الإجتماع) و (الاجتماع والماركسية ).

الديمقراطية الشعبية

كما أشرنا سابقاً أن أهمية عبد الفتاح إبراهيم تكمن في كونه من أوائل الذين أهتموا بالبحث عن أهمية الديمقراطية ليس فقط على المستويين  الاجتماعي أو السياسي بل على المستوى الثقافي أيضاً وهنا بإعتقادنا تكمن أهمية طروحات عبد الفتاح إبراهيم في الديمقراطية الشعبية وقد وصف الديمقراطية بأنها "نظام للحياة ولاتعني بذلك نظام سياسي فحسب أو أنها نظام إقتصادي فحسب، أو انها نظام للتربية والتعليم أو طريقة في التفكير أو أسلوب في العمل أو هي سلوك في الأخلاق، أو سجايا نفسية أو ميول أو نزعات فنية". "إن الديمقراطية تشمل كل هذه الأمور لأنها جمع من عناصر الحياة الإجتماعية ومظاهرها " أنها ثقافة على كل المستويات يتكامل فيها المجتمع حينما يتحصن بهذه الثقافة كونها تفسح المجال للفرد والمجتمع معاً للتكامل وتحقيق النمو والتقدم الثقافي والفني والإجتماعي ولايتحقق ذلك إلا من خلال الديمقراطية، والديمقراطية التي يؤمن بها عبد الفتاح إبراهيم هي الديمقراطية الشعبية والتي تقتضي "أن تكون إرادة الشعب هي الحاكمة في الشؤون العامة وأن تكون حقوق الفرد المقررة مصونة، على أن تكون الحكومة هي القائمة على مشيئة الشعب متمتعة بقدرة الإلتزام ضمن حدود القانون دون تفريق" وهي التي " تمكن فقراء الناس وعامتهم من ممارسة حقهم في الإختيار والحرية بعد أن كانت وقفاً على فئة خاصة "

إن الشعبية عند عبد الفتاح إبراهيم هي عبارة عن ملاحظة لواقع المجتمع العراقي في ذلك الوقت وتحديد الداء ومن ثم الدواء، وقد شخص عبدالفتاح إبراهيم الداء بأنه الإستبداد وبأن الدواء هو الديمقراطية الشعبية التي هي صياغة لمجموعة من المباديء التي ظهرت في الغرب وقد حورها بمقتضى حاجات المجتمع العراقي كما يعتقد هو وذلك من خلال الجمع بين طروحات الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية الإشتراكية وهذه الديمقراطية قائمة على مجموعة من المبادىء أهمها :

وجود دولة لضمان الاطمئنان والرفاه والتقدم .

تكون هذه الدولة ذات سيادة داخلية وخارجية تامة، وسيادة للشعب لاتنفك منه .

تكون الدولة دستورية ديمقراطية . ومن مهمات هذه الدولة :

أ‌- تقليل الفروق الاقتصادية للحيلولة دون قيام السلطة لمصلحة  الأغنياء على حساب الفقراء .

ب- توفير المقدار الكافي من الثقافة والمعرفة للسواد الأعظم للحيلولة دون إنحسارها في طبقة معينة وإستخدامها المجموع لفائدتها.

ج- إجراء التمثيل في المؤسسات الديمقراطية على أساس الأعمال بحيث يكون ممثلوا كل صنف من عين ذلك الصنف .

ولربما نجد أفضل توصيف للديمقراطية الشعبية هو ما ذكره عبد الفتاح إبراهيم عن التجربة الكمالية في تركيا حينما كتب بإعجاب عن النهضة التي حققها أتاتورك ووصف هذه النهضة بأنها كانت " جمهورية وقومية وشعبية وعلمانية ودولية وثورية " وهو يفهم الجمهورية بانها مشاركة الشعب في الحكم، الأمر الذي يقتضي تطبيق الديمقراطية، ويفهم القومية باعتبار أن مصلحة الدولة فيها هي الأصل في التشريع وفي تقرير الشؤون العامة، وشعبية بإعتبار أنها تتألف من مجموع متجانس لا تفاوت  بين أفراده في الطبقات أو المنافع، ودولية كون المصالح الفردية فيها لا تضمن إلا في حدود مصلحة الدولة وفي سبيلها، وعلمانية لأخذها بقاعدة الفصل بين الدين والدولة ومراعتها مبدأ التسامح والتساهل في الشؤون الدينية، وثورية لأنها تقر بأن الدولة يجب أن تتماشى على أساس التطور المستمر، لاسيما شؤون الادارة والثقافة والإقتصاد ونظم الإجتماع .

تحاول الديمقراطية الشعبية الاجابة عن سؤال اليقظة المعروف وهو لماذا تقدم الآخر وتأخرنا نحن؟، واختلفت الاجابة عن هذا السؤال بحسب الخلفية الثقافية والاجتماعية والسياسية للمفكرين العرب وهذه الاجابة شكلت ما يمكن تسميته مشروع نهضوي عربي اشترك فيه المفكرون العرب والمسلمون على اختلاف مشاربهم .

تشكلت هذه الاجابة من خلال الاخر وكما اشرنا مع دخول نابليون الى مصر فاستيقظ العرب بفعل الصدمة التي احدثها الاحتلال، لاسيما وإن هذا الآخر (المحتل)  كان يتسلح بكل الامكانيات الفكرية والثقافية والتقنية تلك الاشياء التي غادرت المجتمع العربي الإسلامي منذ سقوط بغداد على يد هولاكو، ما عدا اضاءات بسيطة لم تستطع ان تستنهض العقل العربي .

 آمن عبد الفتاح ابراهيم بتقدم الغرب وبضرورة تبني كثير من مقولاته مع ضرورة تبيئتها بما يتلائم مع الواقع التاريخي والاجتماعي لمجتمعنا . فلم يكن يرفض التراث برمته بل يجده خزينا معرفيا يمكن الافادة منه في الحاضر وبناء المستقبل، لكن يجب قراءة هذا التراث قراءة نقدية وليست قراءة تبجيلية تقديسية فضلا عن ذلك فإنه لا يتبنى كل ما جاء من الغرب بل يرى ضرورة قراءة هذا الفكر الذي سبقنا أصحابه في التقدم لمعالجة كثير من القضايا المشابهة لمسيرتنا ومعاناتنا الثقافية فليس من المعقول ان نبدأ من الصفر كما ليس من المعقول ان ننغلق على تاريخنا وماضينا فالحياة في تقدم وتغير مستمر، لذلك نجد مفكرنا ينفتح على المختلف مستفيدا بطبيعة الحال من التجارب العربية التي ذكرناها سابقا فضلا عن افادته من ملاحظة الواقع  العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص، ولربما يمكن القول ان هذه النقطة هي التي كانت تحرك عقل مفكرنا وتجعله في بحث دائم عن الطريقة التي يمكن من خلالها معالجة الواقع المتخلف .

لذلك نجده ينهل من مشارب فكرية مختلفة مستفيداً من تنوع الفكر واختلافه ناظراً الى الآخر بايجابية جاعلا منه معيناً في فهم مشكلات التخلف في المجتمع العربي وامكانية حلها، غير ناسيا بطبيعة الحال الجانب السلبي الذي يحمله هذا الفكر والمتمثل بالاحتلال وانهاك الشعوب النامية واستغلال ثرواتها وهذا ما بدى واضحاً في كل كتاباته لاسيما (الطريق الى الهند) و(الاجتماع والماركسية)، لكن هذا لا يمنع الإستفادة من التجربة الغربية الغنية لاسيما " بعد أن إنتقلت الحضارة من ربوعنا نحو الغرب" فأهم ما جاءت به الحضارة الأوربية هو "الاصلاح الديني" المتمثل بثورة مارتن لوثرعلى الكنيسة وإضعاف سلطة رجال الدين التي مهدت بدورها الى إصلاحات على عدة مستويات، لاسيما على المستوى الفلسفي تمثل ذلك بالفلسفة الحديثة وتحديداً عقلانية ديكارت وتجريبية فرنسيس بيكن لتحويلهما النظر من الميتافيزيقا الى الانسان و اللتان مهدتا السبيل للاصلاح العلمي  المتمثل بالثورة الصناعية التي يعدها مفركنا "اساس كل نهضة".

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

salim alhasani2المرحوم الأستاذ صالح محمد الأديب، أحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية، ورمز كبير من رموزه القيادية وهو آخر المؤسسين الذي بقي في الهيكل التنظيمي في حزب الدعوة حتى وفاته رحمه الله.

كان الأديب يمتلك صدراً تضيع في رحابته هموم العمل ومشاكل الدعاة وتحديات كبيرة تواجه الدعوة.

يستمع الى محدثه بصبر وإرتياح، يترك له حرية الكلام والتعبير عن آرائه، يشجعه بملامحه الصافية على الإستمرار، يحفزه بتعاطفه الصادق على الإسترسال، يحزن لحزن محدثه، يأنس حين يراه يتكلم عن مشاكل العمل، يستزيد منه ليعرف المزيد عما يجري. كان يمضي الوقت الطويل متحملاً آلام المفاصل وهو يستمع الى داعية في عمر إبنه بكل إهتمام، وكثيراً ما تكون الأحاديث شديدة قاسية، وكثيراً ما كان المتحدثون يضعون كتلاً من الجليد بينهم وبين التنظيم، لكنه كان دائماً يحوله الى دفء لذيذ.

يمتص ألم الدعاة، ليختزنه في قلبه، وكأنه يريد أن يحمل عنهم آلامهم ومعاناتهم.

يفتح قلبه للنقد، يشجع الآخرين على التصويب نحو صدره، إنه يرى في النقد مقدمة للعلاج، وكان يقول: (كيف نصحح ما لم نعرف الخطأ).

ذات يوم كنت أسأله عن محطات من تأريخ حزب الدعوة، فكان يتحدث عن شواهد لها قيمتها الخاصة، وتوقف عند طريقة الشهيد عبد الصاحب دخيل في العمل، فقال أن الشهيد دخيل كان فور الإنتهاء من أي مشروع تقوم به الدعوة يطلب عقد إجتماع لدراسة نتائج المشروع، ومعرفة نقاط الخلل فيه لمعالجتها.

وضرب على ذلك مثلاً بمواكب الطلبة، حيث قال إن الشهيد عبد الصاحب دخيل كان يدعو الى عقد إجتماع فور نهاية المسيرة، رغم التعب والإعياء، ويطلب من المشرفين على المواكب، أن يقدموا رؤيتهم وملاحظاتهم، حتى يتم تلافيها في السنة القادمة. إنها نظرة متقدمة الى أبعد الحدود بالنسبة لتجربة ميدانية أواسط الستينات من القرن الماضي، فلم يكن عبد الصاحب دخيل يرضى بالنجاح الذي حققه على الأرض، بل يريد أن يعرف نقاط الخلل، ليعالجها، من أجل أن يحولها الى مكاسب في المستقبل.

وكان الشهيد عبد الصاحب دخيل يعترض على من يقترح بأن يؤجل المناقشة الى ما قبل حلول المناسبة القادمة، فكان يقول: نحن الآن نعيش الجو ونرى ما حدث، فلا بد أن نتوقف الآن لنقيم العمل، ونحدد الأخطاء.

وكان المرحوم صالح الأديب يستشهد بهذا المقطع الزمني، مؤكداً على أهمية أن تكون لنا مراجعة ووقفة للتعرف على أخطائنا.

وقد أثار إهتمامي حينما قال:

إنني دائماً أطرح على نفسي سؤالاً، هل نحن نسير بالاتجاه الصحيح، وهل أن ما نقوم به صحيحاً؟.

كان من النادر في ذلك الوقت وهو عام 1991 أن تجد هرماً حزبياً مثل الحاج صالح الأديب، يفكر بهذه الطريقة، ويطرح على نفسه سؤال المراجعة، في أوج فترة الاندفاع والعمل.

لم يكن سهلاً تصور شخص يمثل تاريخ حزب، يفكر بأن العمل بحاجة الى مراجعة واجابة محددة على صحة المسير، وكان يناقش الأمر مع نفسه ليضمن وضوح الصورة أمامه دائماً، إنه يريد أن يعرف موضع القدم بدقة، يريد أن يتأكد بأن الخطوة في مكانها الصحيح، وتلك حالة نادرة لمن قضى عقودا من الزمن مستغرقاً في أجواء العمل الحزبي.

كان المرحوم صالح الأديب، عندما يسمع عن وجود خلل، لا يحاول أن يقفز عليه، يرفض أن يقلل من أهميته حتى لو كان صغيرا، وكان يقول:

يجب أن نعرف لماذا يحدث هذا في الحزب؟.

ويعقب:

هل أن طريقتنا كانت خاطئة؟.

هل أن ما نستخدمه من أدوات بحاجة الى تغيير؟.

من خلال أحاديثي معه أدركت أن صالح محمد الأديب، بخبرته وسنوات عمره الطويلة، كان قد جعل المراجعة جزءً أساسياً من طريقته في العمل الحزبي. وكان رحمه الله يسعى دائماً أن يعالج الخلل، لا أن يتركه يكبر أمام عينيه دون أن يمرر إصبع…

 

khadom shamhod21 - رافائيل البرتي / Rafael Alberti

يعتبر البرتي من اكبر اعمدة الادب والشعر الحديث الاسباني ويوصنف من جيل ال 1927 الذي يجمع مجموعة كبيرة من خيرة شعراء وكتاب ومسرحي اسبانيا من اواخر القرن التاسع عشر الى بدايات القرن العشرين ويسمى- الجيل الفضي - . ولد البرتي في بويرتو دي سانتا مارية في قاديش الاندلسية Cadíz عام 1902 وتوفى فيها عام 1999 . وفي عام 1917 انتقلت عائلته الى مدريد ولم يكمل دراسته الثانوية وكان يحب الحرية وعدم الالتزام بالضوبط التي تفرضها الدراسة .. فقرر ان يتعلم الرسم، وكان اول معرض له اقامه في مكتبة آتنيو في مدريد Atneo ، وفي عام 1920 كانت اول محاولاته لكتابة الشعر . وفي عام 1933 انتمى الى الحزب الشيوعي الاسباني، ولما سقطت الجمهورية على يد فرانكو خرج الى المنفى الى باريس ثم الى الارجنتين . وهناك تعرف على بابلو نيرودا وتعاونا في اخراج مجلة – الحصان الاخضر للشعر – وكان يناضل في اشعاره وكتاباته وهو في المنفى من اجل حرية الشعب الاسباني وخلاصه من الدكتاتورية .

و بعد موت فرانكو عاد البرتي الى اسبانيا عام 1977 وكرم من قبل جامعة قاديش بشهادة دكتوراة شرف كما اعطي لقب ابن الاندلس البار . ترك البرتي عشرات المؤلفات في الشعر والرواية و النثر والمسرح . ومن اعماله – بحار في اليابسة 1925– الحبيبة – 1925.. كما نشر مذكراته تحت عنوان – الشجرة الضائعة – كما اصبح عضوا في البرلمان الاسباني عام 1978 .

وبقى البرتي اندلسيا متوسطيا في كل ما كتبه ونشره، فهو شاعر الشمس والبحر والغناء والموسيقى، وهو ابن الحضارة المتوسطية ويحمل ارث الاندلسيين والايبيريين، دون تناقض ..

و لازالت كتبه واشعارة في ذاكرة الاسبان والانسانية . و تأثر البرتي بشعراء العصر الذهب الاسباني في القرن السابع عشر امثال لوبي دي بيغا و غونغورا في اختيار الشعر الشعبي .

اتذكر في يوم من الايام كان هناك معرضا للحفر في مدريد وكنت واحدا من المشتركين، وقد قدم البرتي لافتتاحه ثم صعد على المنصة ليلقي بعض اشعاره، فوقف ينظر الى الجميع ثم اخرج مشطا واخذ يمشط شعره الابيض الطويل، والحضور في دهشة لهذا المشهد الغير مألوف .. بعد ذلك اخذ يلقي شعره عن بيكاسو . وكان البرتي صديقا حميما لبيكاسو حيث عاش معه فترة طويلة في مقر سكناه جنوب فرنسا في مدينة موخينس Mougines . وهناك تحول المكان الى حركة ندوات ثقافية وفنية .

 2 - غارثيا لوركا / Garcia Lorca

ولد لوركا في فوينتي فاكيروس في غرناطة عام 1898 واعدم عام 1936 من قبل جماعة فرانكو في احد تلال غرناطة . يعتبر لوركا من جيل ال (27) 1927 وهو الجيل الفضي الذي ذكرناه سابقا، ويعده البعض احد ابرز ادباء القرن العشرين . وكان شاعرا وكاتبا مسرحيا ورساما وعازفا على البيانو . كما يعد من رموز الشعر الحديث . في عام 1914 دخل كلية الآدب والفلسفة ولم يكملها ثم ذهب الى مدريد والتحق بالجامعة وايضا لم يستمر فتركها .. وكان يجد نفسه سعيدا في المقاهي ومع الاصدقاء ..، وكان يلتقي بجيله من الشعراء في مقهى تدعى الاميدا Alameda (العلم) وهناك تحدث الحوارات و الدردشات حول الادب والفن والشعر .        كانت اول محاولة له في كتابة النثر عام 1918 فنشر كتابه تحت عنوان – انطباعات ومناظر- impresiónes y paisajes – ثم طبع اول كتاب شعري له يدعى – كتاب الاشعار – عام 1921 . كما كتب بعد ذلك عشرات الكتب في مجال الشعر والقصة والمسرح . ومن كتبه : كانتا خوندو 1921 cante jondo وكتاب- رومانثي خيتانا 1928 romance gitana – ومسرحية -عرس الدم 1933 Boda de sangre.. وقد ترجمت اعماله الشعرية والمسرحية الى اللغات الاخرى ونال شهرة عالمية . وكان لوركا احيانا يرسم على حواشي اشعاره بعض الرسوم التعبيرية، وقد قامت بلدية مدريد في مطلع التسعينات معرضا لهذه الاعمال .

قال فيه البرتي : (كان لوركا يتدفق شحنة من الرقة الكهربائية والفتنة، ويلفت مستمعيه بجو اخاذ من السحر فيأسرهم، حين يتحث او ينشد الشعر او يرتجل مشهدا مسرحيا او يغني او يعزف البيانو ..)

3 - انتونيو غالا –Antonio Gala

 - رئيس اتحاد الادبا الاسبان -

يعتبر انتونيو غالا – 1932 ثيوداد ريال – Antonio Gala واحدا من اهم الاقلام الادبية الاسبانية المعاصرة التي اغنت واثرت الساحة الثقافية الاسبانية . ويعتبره البعض موسوعة تقافية واسعة تنفتح على عالم رحيب يكون فيه الانسان محور محبة وسلام فتزول الحجب ويسعى فيها الفرد لعبور الحدود الى ثقافة الانسان الآخر ... فقد كتب في الرواية والشعر والمسرح والقصة القصيرة والاوبرا والسينارية ودرس الفلسفة والسياسة والقانون والاقتصاد ... .. ويعتبر غالا نفسه اندلسيا . ويصف (حرب الاسترداد) انها حرب اهلية يعني بين الاخوة انفسهم كما هو الحال في الحرب الاهلية الاسبانية عام 1936 -39 . وان العرب ليسوا غزاة (العرب لم يغزوا الاندلس ولم يفتتحوها عسكريا، بل ثقافيا)،، ومن هنا يعلن غالا انتمائه الصريح وجذوره الاندلسية .. ومن رواياته الاخيرة - المخطوط القرمزي – و - الوله التركي - وكان المخطوط القرمزي قد ترجم الى اللغة العربية ونال شهرة كبير ترجمته احد الدور في دمشق .. وقصة المخطوط عجيبة الادوار وهي مدونة عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة وحيث كتب مذكراته على الاوراق القرمزية الخاصة بمملكة بني احمر في غرناطة بعدما نفي واستقر في فاس .. وقد كشفت هذه الاوراق عام 1931 عن طريق معماريين فرنسيين كانوا يدرسون الآثار في مدينة فاس وبالتحديد في جامع القرويين، حيث عثروا في غرفة تقع اسفل الجامع على مكتبة قديمة تحتوي على نفائس المخطوطات والكتب وكان من ضمنها مخطوط مجلد باناقة ورقة جميلة وبلون قرمزي ... المخطوط وصل الى اسبانيا عن طريق احد تاجر الكتب والذي باعه الى احد المكاتب ثم سقط بيد انتونيو غالا .. .. وقد صاغ غالا تلك المذكرات على شكل رواية جميلة ..

و يذكر النقاد بان غالا في روايته هذه اراد ان يعبر عن افلول مملكة غرناطة وبني نصر التي كانت تعبر في نمطيتها العربية والاسلامية في ذلك العصر عن التسامح والتعايش السلمي وفيها غالا يبكي ويتوجع كثيرا على ماضي كان فيه العلم والثقافة والادب عنوان وسمات ذلك المجتمع .. ..

لا اريد الاطالة في التحليل والنقد لان ذلك قد كتب عنه الكثير ولكن اريد ان اعرج قليلا الى تحف التاريخ والذاكرة المعاصرة لحياة غالا ونشاطاته الادبية النفيسة التي فيها كثير من العبر وكثير من الحنين الى الماضي المجيد .. .. خلال تتبعي المتواضع لحياة غالا وجدت ان هناك اشياء ومواقف تستحق ان نقف عليها قليلا .. منها " في مطلع الثمانينات كانت هناك اذاعة راديو في مدينة اشبيلية تسمى بيراتا pirata (القرصان) تبث برنامج ليلي ساهر ثقافي ادبي شعري يدعى el loco de la colina وكان يدير ذلك البرنامج الاديب والمذيع المتألق خسوس كينتيرو Jesus Quintero وكان هذا البرنامج كثير ما يستضيف غالا في حوارات ادبية وشعرية وتاريخة جميلة وحميمة تشم منها احيانا رائحة عطرة ترتخي لها النفوس وتجل ، و تمتد هذه الدردشات الساحرة ساعات في ليل ساكنا حتى مطلع الفجر.. ومن اقوال غالا (اذا ما ضيعت فرح القناعة لكونك حيا فهذا يعني ان الموت الحتمي يتقدم داخل روحك، فالامل يجب ان يدام حتى عتبات الموت او ربما الى ما وراءها ...) بهذا التألق الادبي ينطلق غالا من ثقافة عربية بحته (اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)

و كان غالا يصوغ جملة ببلاغة عالية وسجع وله اسلوب مميز نادرا ما تجده عند غيره من الادباء الاسبان (وقيل حتى غلب غيره من الادباء القدامل كالاديب المعروف كبيدو Quevedo ولوبي دي بيغا Lope de Vega والاخير له نبز اندلسي (Vega البقاع) وهما من ادباء القرن السابع عشر) ففي اسلوبة ابداع وجمال يطبع في الذاكرة ... وبعدما اشتهر البرنامج وصاحبه Jesus في اسبانيا ازدادت الطلبيات على صاحب البرنامج فدعي الى قناة مدريد الاولى وقدم برنامج ثقافي آخر يدعى el pero verde (الكلب الاخضر) حيث كان يلتقي مع الرموز الثقافية و الادبية واهل السينما والمسرح ..                

 ... وفي مشهد آخر من مطلع التسعينات كان غالا يوما من الايام في جامعة مدريد يلقي محاضرة عن الادب والتاريخ . وكنا هناك حاضرين وقد تخلل المحاضرة نقاش وتعليقات منها " ان احد الطلبة قام فقال انا اسباني اوتنتيكو!(اصلي ....) فرد عليه غالا " ان هذه (الاوتنتيكو) جاءت من كاما ريدوندا cama redonda بمعنى انك جئت من خليط الامم والثقافات التي امتزجت وتزاوجت ثم أنجبت هذه اسبانيا المعاصرة ...

و كان غالا يقول (بدون الثقافة العربية والاسلامية لايمكن فهم اسبانيا) كما يقول (ان اللغة الاسبانية تنحدر من لغتين هما اللاتينية والعربية لدرجة تبعث القشعريرة في الجسم) ..

و يقول ايضا في مسألة دخول العرب الى اسبانيا (ان الذي حدث في اسبانيا ليس اكتشافا او استعمارا مثلما هو عليه في امريكا، فالذي حدث يشبه المعجزة التي تبعث على الاعجاب والانبهار اللذان يغشيان المرء بعد كل معجزة ..) .. ويذكر انه قد زار سوريا والقى عدد من المحاضرات في دمشق واستقبل بحرارة وتكريم ..... هذا هو انتيونيو غالا وعطاءه وابداعاته الثقافية ومواقفه الجميلة تجاه العرب

 

د. كاظم شمهود

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.  

إذا كان مِن المسلَّم به أَنَّ بمقدورَ المدرسة إكسابِ الأجيال - فِي أيِّ زمانٍ أو مكان - أبجدية التَّرْبِيَة وَالمعرفة وَالمواطنة وَقيم الإبداع، فضلاً عَنْ غيرَها مِنْ حزمةِ السلوكيات القويمة المتمثلة بالاحترامِ وَالالتزام وَالصدق وَروح العمل الجماعي، وَالَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي إعدادِ شبابٍ واعد نابض بالحياة، وَمتطلع إلى النهوضِ بمختلفِ القِطاعات، بوصفِه القيمة الحقيقية المضافة الَّتِي بوسعِها تعزيز موارد البلاد البَشَريَّة، فِمَا أظننا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ بلدَنا اليوم أشد مِنْ أيّ يومٍ آخر حاجةُ إلى العنايةِ بالمعلم، إضافة إلى عمومِ أروقة مَنْظُومَة التَّرْبِيَة وَالتَّعْلِيم، وَلاسيَّما أَنَّ معطياتَ أيامنا الحاليَّة تلزم قياداتنا الإدارية التَّخْطِيط لغدٍ آمن مستقر فِي ظلِ مَا يواجه البلاد مِنْ تحدياتٍ خطيرة تتطلب مِنْ جملةِ موجباتها البحث عَنْ سُّبُلِ المواجهة لصِنَاعَةِ المُسْتَقْبَل. وَلَعلَّنَا كذلك لا نغالي إذا قلنا إنَّ شريحةَ المعلمين - وَلاسيَّما فِي أيامِ  النظام السابق وسنوات الاستعمار البريطاني - كانت مِنْ أكثرِ الشرائح الاجْتِماعِيَّة فِي بلدِنا تأثراً برحلةِ الألم والشقاء فِي فضاءاتِ معلولةٍ الآفاق لدنيا معجونة بِما لا يغتفر مِنْ عبثِ السِّياسَة الساعية إلى محاولةِ جعل أفضل خلق الباري عز وَجل يصارع قدره مَعَ السُّلطة أو الخضوع لأجنداتِ خارطتها السِّياسِيَّة بالاستنادِ إلى مَا يشار إليه باسْمِّ سِياسَة فرض الأمر الواقع. ولعلّ مِن المناسبِ اليوم - وَنَحنُ فِي صددِ الحديث عَنْ رحلةِ أديبٍ نقش بشعرِه صورة الوطن عَلَى وجعِ جرحه وهو يقضى أغلب سنوات شبابِه فِي النضالِ مِنْ أجلِ حُرِّيَّة شعبه، فضلاً عَنْ جهدِه فِي القِطاعِ التَرْبَوِيّ - أنْ نشير إلى ما أتيح لنا مِنْ بعضِ الحوادث الكثيرة الَّتِي عاشها المعلم، حيث يروي الشاعر العماري عبد الآله منشد الخليفة أنَّ معلماً فِي واحدةٍ مِنْ مدارسِ مدينة العمارة، طرق باب منزل عمه يوم التاسع والعشرين مِنْ شهرِ رمضان فِي أحد أعوام الحصار - أيام النظام السابق - طالباً مِنْ صاحبِ الدار تسليمه مبلغ " زكاة الفطر "، وَالَّتِي تسلم عادة للفقراءِ مع صلاة عيد الفطر أو قبلها، كونِه يستحقها؛ لأنَّ راتبه الشهري حينئذ لا يزيد عَنْ ( 2750 ) دينار، فانبرى لَه الشاعر الخليفىة الَّذِي شهد الواقعة بهذه الأبوذية:

 اخذ مني حديثي هـــــذا فطرة

الصراحة البكلامي اجت فطرة

يدكَ بابي الفقير يريـــــد فطرة

وآنه الفطرة تعز صارت عليَّ

مِنْ بَيْنَ حكايات َالتَّعْلِيم فِي العهدِ الملكي، وَالَّتِي ضاع الكثير مِنْها فِي زحمةِ الليالي أنَّ مديرَ احد المدارس - المبنية مِنْ القصب - فِي منطقةِ الحشرية التابعة لناحيةِ العدل بمحافظةِ ميسان، فوجئ ذات صباح بفقدان أحد صفوف مدرسته، فَلَمْ يتبادر إلى ذهنِه سوى الإسراع بتحريرِ كتابٍ رسميّ تحت عنوان " طيران صريفة " وَإرساله إلى مديريةِ تَّرْبِيَة العمارة؛ لأجلِ ضمان النأي بنفسه عَن المسائلة، بَيْدَ أنَّ المديريةَ المذكورة آنفاً أجابته بكتابٍ رسمي طريف مفاده: " صريفتكم لَمْ تمر بأجوائنا ". وَلَعَلَّنا لا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ المعلمينَ كانوا فِي طليعةِ الموظفين والعمال الَّذين كان يجري نفيهم مِنْ مراكزِ المدن وَضواحيها إلى الأريافِ والمناطق النائية بسببِ نشاطهم السِّياسِيّ وَمواقفهم الوَطَنيّة المناهضة للسُّلطة، وَضمن هَذَا الإطار يروى أَنَّ معلماً جرى نفيه إلى إحدى المدارس الإبتدائية فِي ناحيةِ (العدل) بمحافظةِ ميسان أيضاً، ثم ما لبث أنْ جُددَ نقله بسببِ استمرار نشاطه السِّياسِيّ إلى مدرسةٍ أخرى أبعد كثيراً مِنْ مركزِ المدينة عَنْ سابقتِها، كونها تقع فِي منطقةٍ بعيدة يشار إليها باسْمِ (الأعيوج)، إلا أَنَّ المذهلَ فِي الأمرِ هو ردة فعل صاحبنا الَّذِي لِمْ يجد أفضل مِنْ الركونِ إلى الشعرِ للتعبيرِ عَنْ مظلوميته وَاستهجانِه أمر النقل؛ إذ اهتدى إلى خيارِ نظمِ قصيدة شعرية قصد إرسالها إلى مديرِ التَّرْبِيَة، وَالَّتِي مطلعها:

إذا بالعدلِ انا ما استقمنا

فكيف بالأعيوج نستقيـم

فِي إحدى قرى الناصرية النائية، ألزمت قساوة الظروف الَّتِي كان يعيشها معلم - منفي - انتحاله صفة أحد الشيوخ البارزين فِي المنطقةِ الَّتِي يمارس فِيها عمله معلماً مِنْ أجلِ تيسير محاولة نقل نفسه وظيفياً إلى إحدى المدارس الإبتدائية العاملة فِي مركزِ الناحية، حيث استفاد مِنْ ضخامةِ بنيته وَوسامته وَجرأته عَلَى المغامرة، وَعمد إلى استعارةِ زي عربي مِنْ أحدِ الوجهاء دُون إشعاره حقيقة غَرضه، وَممَا ساعده فِي اتمامِ مهمته هو سماع مدير التَّرْبِيَة باسْمِ الشيخ مِنْ دُونِ اللقاء بِه أو حتى رؤيته فِي وقتٍ سابق؛ لذا حظي الشيخ - المعلم المنفي - باستقبالٍ مهيب مِنْ لدنِ مدير التَّرْبِيَة، فضلاً عَنْ موافقته عَلَى توسطِ الشيخ - المفترض - بنقلِ المعلم إلى واحدةٍ مِنْ مدارسِ مركز الناحية، وَحين كان المدير يتجاذب أطراف الحديث مَعَ ضيفِه المبجل وَقد أدهشته فصاحته، دخل الموظف المختص وَناول مديره الكتاب الخاص بأمرِ نقل المعلم لغرضِ توقيعه، بَيْدَ أنَّ سوءَ الحظ كان بالمرصادِ لهَذَا المعلم السياسي، حيث صادف أنْ دخلَ مدير أحد المدارس العاملة فِي المنطقةِ ذاتها مكتب مدير التَّرْبِيَة قصد التداول معه بأمرٍ يخص مَدْرَسته وَبعد قيامه بأداءِ التحية، فوجئ بوجودِ المعلم المشار إليه آنفاً بهيئةٍ غير معتادة، فالتفت إليه مخاطباً إياه - مِنْ دُونِ أنْ يعلمَ حقيقةِ أمره - بصفته زميلاً وليس شيخاً قائلاً: كيف الحال أستاذ ... أراك اليوم تاركاً الدوام فِي المَدْرَسةِ ومنتشي بالزي العربي، وَأمام صدمة مدير التَّرْبِيَة عاد صاحبنا إلى مَدْرَستِه مهموماً وقد سبق وصوله المَدْرَسة كتاب يوبخه.    

مِنْ المعلومِ أنَّ دورَ المعلم قد تأثر بطبيعةِ التحولات البنيوية الَّتِي شهدها مُجْتَمَعنا عَلَى مدى العقود الماضية، حيث كان قديماً ينظرُ إلى المعلمِ بوصفِه مصدر المعرفة الأساس الَّذِي بوسعه توصيل المعلومات لتلاميذه، ما أفضى إلى إلزامِه بأنْ يتسلحَ بما تقتضي هَذه المهمة مِنْ موجباتٍ تتعلق بقدراته ومعلوماته فِي المجالاتِ العِلْميَّة وَالأدبية وَالتَّاريخِيَّة؛ إذ أنَّ الأخلالَ بتلك المتطلبات مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي تدهورِ مخرجات عَمَليَّةِ التَّعْلِيم وَ التّعلّم، وَعدم توافقها مَعَ دورِ المَدْرَسة الَّذِي كان ينحى بشكلٍ رئيس صوب تحقيق الكفاية التَّعْلِيميَّة وَالمعرفية وَنقل التراث للأجيالِ الجديدة. وَلَعَلَّنَا لا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ الرعيل الأول مِن المعلمين فِي بلادِنا كان عَلَى درايةٍ وَمعرفة كبيرتين بمختلفِ أساليب التَّعْلِيم الضامنة لإرساءِ موجبات الضبط والنظام فِي الصفِ الدراسي، وَالَّتِي بمقدورِها تعزيز عملية الجهد والمثابرة والانتباه، عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ تحصيلَهم الدراسي لَمْ يكن يتعدى فِي بعضِ تلك المراحل التَّاريخِيَّة الصف السادس الإبتدائي، مَا يعني جودة مستوى التَّعْلِيم حينئذ وَسمو شخصية المعلم إلى درجةِ التأثير فِي سلوكياتِ تلامذته وَإثارة مَا بوسعِه المُسَاهَمَة فِي تطويرِ شخصياتهم بما يؤدي إلى جعلِهم قادرين عَلَى التوافقِ الاجْتِمَاعِيّ؛ إذ لِمْ يكن ضعف الإمكانيات التقنية وَالمادية يومذاك عامل إعاقة لإدارتي التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ بالمقارنةِ مَعَ ما نشهده محلياً مِنْ تراجعٍ كبير بمخرجاتِهما فِي عالمِ اليوم، وَالَّذِي أهم مَا يميزه هو التطور المتنامي عَلَى صعدِ الحياة كافة بفضلِ مَا توصل إليه العلم مِنْ ابتكاراتٍ وَأساليب كرست جميعها لخدمةِ الإنْسَان وَاحترام إنسانيَّته، وَلَعَلَّنا لا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ ال الْمُجْتَمَعات المتحضرة جهدت فِي توظيفِ التَقدم التِقْنِيّ المتسارع بمهمةِ تَطْوِير قِطاع التَّعْلِيم؛ إذ  تمكنت إداراتها مِنْ تكييفِ طرائق التَّعْلِيم وَتطويعها بِمَا يفضي إلى اعدادِ النشء الجديد بالاستنادِ لمناهجٍ وأساليبٍ عصرية تجعله مؤهلاً لأنْ يكون جيلاً ناجحاً فِي إفادةِ نفسه وَشعبه وَوطنه.      وَليس خافياً أنَّ شخصيةَ المعلم وَمَا يتمتع بِه صفاتٍ تجعله أكثر قدرة عَلَى احداثِ تغيرات في سلوكياتِ تلامذته وتزيد مِنْ إثارةِ محركات الوعي بأهميةِ دورهم فِي بناء البلاد وقيادة مفاصلها الإدارية وَالفنية، غَيْرَ أَنَّ كُلّ مَا تقدم ذكره تتلاشى آثاره أمام أول " كَوامة عشائرية " يتعرض لها المعلم فِي واحدةٍ مِنْ مدارسِ العراق، فضلاً عَنْ التأثيرِ الكبير الَّذِي تحدثه تلك الفعالية وَغيرها عَلَى تكامل نُمُوّ التلاميذ.

أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ أنَّ السَماويَّ يحيى أحب دراسته فِي المرحلةِ المتوسطة وَشغف بِهَا لأسبابٍ لا علاقة لها بتحقيقِ حلم وَالديه فِي الدخولِ إلى دارِ المعلمين، إنما لأنَّ المدرسةَ المتوسطة تحوي مكتبة كان يراها كبيرة وقتذاك، بالإضافةِ إلى أنَّ الطريقَ إليها مِنْ بيتِه يقتضي عبور الجسر الحديدي وَالسير بمحاذاةِ النهر، وَهو الطريق ذاته الَّذِي تسلكه الطالبات الجميلات فِي ذهابهن إلى متوسطةِ السَماوة للبنات وإيابهن منها؛ إذ أنَّ موقعَ متوسطة السَماوة للبنين كان فِي الصوبِ الصغير، فِيما تقع متوسطة السَماوة للبناتِ فِي الصوبِ الكبير، وَالقاسم المشترك بينهما هو الجسر وَالشارع.

***

لا تسـأليني مَنْ أنا

فإنني أجهلُ مَنْ أكونْ

كلّ الذي أعرفه عني

أنا مدينة الحكمةِ

لكنَّ الذي يدخلها

لابدّ أنْ يُصاب بالجنونْ

***

لَيسَ بالأمرِ المفاجئ أنْ تكون حكايات الوالد - رحمه الله - فِي أيامِ طفولة يحيى السَماويّ المصدر الأساس لبداياتِ تفتح ينابيع موهبته الشعريّة، حيث أَنَّ مألوفيةَ الأماسيَ العائلية فِي لَياليِّ الشتاء الَّتِي شهدها بيتِهم الطيني القريب مِنْ نهرِ الفرات، كانت تشكل طقساً رتيباً طافحاً بالحكايا الَّتِي كثر مَا تخللها الشعر، وَالَّذِي كان السَماويّ يحيى يفهم قليله ويجهل كثيره حينئذ، بَيْدَ أنَّه سرعان مَا وجد نفسه بعد ذلك وكأنه يشرع فِي الخوضِ بغمارِ تجربته الأدبية  حين بدأ يقرأ مَا استطاع مِنْ ديوانِ المتنبي وَالمعلقات، فضلاً عَنْ بضعةِ كتبٍ أخرى - مِنْ بَيْنَها كتاب نهج البلاغة - لا يتعدى عديدها أصابع يده، وَأَدْهَى مِنْ ذلك شغفه  بتقليدِ ما يقرأ مِنْ أبياتٍ ساذجة، وَالَّتِي  كان الده - طيب الله ثراه - يبالغ فِي مدحِها، حتى حدث الإنقلاب الكبير فِي حياتِه عندما طلب مدرس اللغة العربية الأستاذ شمخي جبر من طلابِه - فِي الصفِ الثاني متوسط - كتابة موضوع فِي درسِ الإنشاء والتعبير عَنْ بيتِ النابغة الذبياني :

لا مرحبــــــا بغدٍ ولا أهلاً به

إنْ كان تفريقُ الأحبة في غدِ

الْمُلْفِتُ أَنَّ السَماويَ يحيى، ألزمه الواجب البيتي المذكور آنفاً قضاء الليل مَعَ أكثرِ مِنْ ورقةٍ بيضاء محاولاً نسج بضعة أبيات عَلَى نسقِ بيت النابغة الذبياني، حتى إذا غفت آخر نجمة وبدأت الشمس تفرك أجفانها، كان قد كتب ثمانية أو تسعة أبيات، وَالَّتِي فرضت عَلَى مدرسِه التصفيق له حين قرأها فِي الصف، بالإضافةِ إلى منحِه درجة كاملة، وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ مدرسهُ لَمْ يكتفِ بذلك، حيث طلب منه قراءتها خلال الإستراحة فِي غرفةِ المدرسين، وَمِنْ ثم أهدائه فِي اليومِ التالي كتاب النظرات للمنفلوطي وَديوان معروف الرصافي. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ السَماويَّ فوجئ بعد مضيّ بضعة أيام بتصدرِ أبياته - عَلَى الرغمِ مِنْ سذاجتِها - النشرة الجدارية الَّتِي يشرفُ عَلَى تحريرِها طلاب الصف الخامس الثانوي الَّذين كانوا عَلَى أعتابِ مرحلة الدراسة الجامعية.

***

يا سادتي الولاةُ في مدائنِ الأحزانْ

جميعكم أحصنةٌ

لا تملك الأمرَ على لجامها

فكيف للشعوبِ أن تقيمَ مهرجانها

حين يقودُ ركبَها حصانْ

يركبه المحتلُّ والآفكُ

والمنبوذُ والجبانْ ؟

***

أخمرةٌ صوفيةٌ

عَـتَّقها في ثغركِ العشقُ

يرى شاربُها الفردوسَ في دنياهْ ؟

أسكرني حين رشفتُ القبلةَ الأولى

فجُنَّتْ شفتي

وأدمنتْ أوردتي طِلاهْ

فكيف لا يسكرُ هذا الثغرُ

من شذاهْ ؟

***

لا يخفى عَلَى كُلَّ متلقيٍّ إنْ كان ناقداً أو شاعراً أو فارساً فِي أحدِ ضروب الأدب الأخرى أَنَّ الجهودَ الكبيرة الَّتِي كان السَماوي يبذلها فِي بداية رحلته الأدبية، تعكس بما لا يقبل الشك قوة إرادته الَّتِي أثمرت عَنْ ولادةِ تجربة شعرية متميزة بأدواتِها، وَمعبرة فِي الوقت ذاته عَنْ صورةٍ ناصعة للإبداعِ العراقي المتجدد الَّذي تمتد جذوره فِي أعمَاقِ مَا قبل التاريخ ممثلة بعراقةِ حضارة مَا بَيْنَ النهرين، دجلة والفرات. وَفِي هَذَا السياق يؤكد الباحث وَالشاعر العراقي غزوان علي ناصر عَلَى أهميةِ التجربة الشعرية للشاعرِ الكبير يحيى السَماوي، بوصفِها تجربة مهمة تثير الدهشة والإعجاب لدى المتلقي وَتستحق أنْ يقفَ عندها النقاد وَدارسوا الأدب؛ إذ لا شكَ أَنَّ هَذه التجربة الشعرية الثرة تقف خلفها ثقافة واسعة وَرصينة، عمقتها قسوة المعاناة وَمرارة الغربة وَالحرمان وَالعواطف الجياشة وَمشاعره المرهفة وَاشياء أخرى كثيرة قد يطول الكلام فِي شرحِها، وَلكن عَلَى سبيلِ الإختصار يمكن القول إنَّ القارئَ لشعرِ يحيى السَماوي يدرك مِنْ أولِ وهلةٍ أَّنَّها تجربة إبداعية متميزة عَنْ غيرِها مِن التجاربِ الشعرية لِمَا تمتاز بِه عَلَى المستوياتِ كافة بِقيمتِها الفنية العالية وَمضامينها الرائقة وَصورها الجميلة الخصبة وَرهافة موسيقاها وَلغتها الوارفة وَفورانها العاطفي وَاتساع رؤيتها.

 

لطيف عبد سالم

 

 

hasan maysiralaminلقد آن الأوان لعودة الدرة الكبيرة، الموصل الحبيبة إلى باقي درر العــراق العزيـزة، وآن الأوان للبدء في إصلاح المجتمع وتنقيته من الأفكار الدخيلة والهّدامة لعراق الحضارة، وآن الأوان لغرس العلم والمعرفة والثقافة والتربية في مجتمعنا لأنها أساس البناء لعــراق جديد، بناءً يليق بإسم العـراق وشعبه الأبي .

بهذه الكلمات التي أرسلها قائلها الفاضل على الخاص، أبتدأتُ الحديث وأستمر طويلًا مع رجل ذي شخصية علمية وتقنية عراقية أصيلة،  وموصلية يمتلكها شوق للموصل حد النحيب والبكاء، استأنست بالحديث معه وسماع رأيه فيما جرى ويجري، وكانت مقالتي بعنوان (خريطة الطريق والمبادئ العامة لإدارة محافظة نينوى بعد التحرير) والمنشورة بتاريخ (20/5/2017) هي ما دفعته لكتابة كلماته أعلاه والدخول في حوارٍ ونقاشٍ جاد بخصوصها، فوجدت في شخصيته من الخصال الحميدة الكثير فهو يتمتع بخلق قويم وتواضع حميد وعلم رصين وطبع هادئ إضافة إلى علمه الغزير وملكةً علمية رصينة، إنه أبن الموصل الوفي والمخلص والصادق، الدكتور (محمد حميد احمد الطائي)، مواليد عـام (1962)، أمضى طفولته ودراسته وبعضًا من مرحلة شبابه في محلة (الشفاء) وعلى ضفـاف دجلـة الخيـر بين قلعة (بـاش طـابيـا) وقلعة (قره سـراي)، وأكمل فترة شبابه في محلة (الخـاتـونيـة)، فأخذ وتعلم منها الكثير من حب الوطن والصدق في القول والإخلاص في العمل، تخرج من الأعدادية المركزية عـام (1980)، ثم أنتقل إلى حي (السكـر) ليكمل  مسيرة حياته الجـامعيـة والـوظيفيـة .

حصل على شهادة البكالوريوس (رياضيات وإحصـاء) من جامعة المـوصـل عـام (1984)، وألتحق بعدها لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية (خدمة العلم) في جيش العـراق البـاسـل بصفة (ضابط مجند) في صنف مقاومة الطائـرات، وتنقل ما بين بغـداد والحلـة ثم البصـرة للعمل في وحدة حماية المنشآت النفطية فيها .

تم منحه تفرغًا دراسيًا لإكمال دراسته، وحصل على شهادة الماجستيـر في (عـلـوم الحـاسبـات) من جامعة المـوصـل عـام (1990) (ضمن أول دفعة ماجستير حاسبات في جامعة الموصل)، والتحق بعدها لإكمال ما تبقى من خدمته العسكريـة في (مركز الحاسبة الإلكترونية لمديرية مقاومة الطائرات في بغـداد) .

أنتدب من الخدمة العسكرية لتعيينه في وزارة التعليم العالـي عـام (1991)، وتولى التدريـس في جامعة المـوصـل (قسم علوم الحاسبات) .

إضافة إلى ذلك، شغل فيما بعد  منصب مسجل كلية (الـرماح المسائية للعـلـوم) و(مدرسّا ومقررًا لقسم الحاسبات فيها) منذ بداية تأسيـس الكلية عام (1994) .

حصل على زمالـة دراسية ضمن بعثات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لدراسـة الدكتـوراه في جـمهـوريـة الصيـن الشعـبيـة في عـام (1996) ونال شهـادة (الدكتوراه) في علم (تطبيقات الحاسبات) وبالتخصص الدقيق في (تكنولوجيا التطبيب عن بُعد (Telemedicine) من جامعة (چیجیانغ) في الصين عام (1999) .

1466 maysir

وبسبب بعض الظروف الخاصة والتي كانت متزامنةً مع ظروف العراق الداخلية وما يشهده من حصار ظالم وظروف عيشٍ صعبة والتي لم تكن مشجعة له، حالت دون عودته للعراق وحسب ما أسدى إليه البعض من الزملاء والأقارب من نصح سديد، وأختار التوجه للعمل خارج العراق .

بدأ مشواره بعد الدكتوراه في مهمة التدريس في جامعة الزرقاء ثم إنتقل الى جامعة العلوم التطبيقية في (عمان - الأردن) عام (1999)، وترأس فيها لجنة ضمان الجودة، وتولى فيما بعد منصب مدير دائرة الجودة في الجامعة وحتى عام (2007) .

ثم انتقل للعمل في سلطنة عُمان في (كليات العلوم التطبيقية)، وتولى التدريس فيها وتدرج بالمناصب وصولًا لمنصب (رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات) في كلية العلوم التطبيقية بمدينة (صُحار) العمانية للفترة من عام (2012 - 2008) ولا يزال على رأس عمله في التدريس هناك .

أشرف على العديد من مشاريع التخرج في أقسام تكنولوجيا المعلومات في الجامعات الأُردنية والعُمانية، وترأس وشارك في العديد من اللجان العلمية والإدارية .

نشر العديد من البحوث العلمية في مؤتمرات ومجلات علمية عالمية ومتخصصة، وساهم في تقييم البحوث لعدد من المؤتمرات والمجلات العلمية العالمية، وشارك في إدارة جلسات مؤتمرات علميـة عديدة، كما وله حضـور متميز في ورش العمـل التخصصيـة التي عقدت في كل من الأُردن وسلطنـة عُمـان .

واكب أحداث العراق عامةً والموصل بشكل خاص  وما جرى لها من أحداث بعد عام (2003) وما تلاه وصولًا إلى إحتلالها من الدواعش الأنجاس عام (2014) وما قامت به عصابات الغدر والظلم من بطش وقسوة لم يشهد التاريخ لها مثيلا، فلم يسقط من لسانه إسم الموصل، بل كان ولا يزال يردد دائمًا (إنني أعتز وأتشرف كوني إبن هذه المدينة، وان مدينة الموصل لا تستحق ما جرى لها من دمار ومآسي، فهي مدينة العلم والأدب والكرم والكرامة، وهي التي رفدت العراق والعالم العربي والإسلامي بالعلماء والمشايخ والشعراء والمؤرخين، وأنجبت القادة العسكريين والسياسيين، الموصل التي لا زلتُ أحنّ إلى أهلها وشوارعها وأزقتها التي دمرها الحاقدون عليها، لازلتُ أتذكر جامعها النوريّ الكبير الذي كان محطتي اليومية، أصلي فيه وأشرب من ماء ثلاجاته وأنظر الى شموخ منارته الحدباء كل يوم وأنا في طريقي من سكني في الخاتونية إلى محل عمل والدي في شارع نينوى، لازلتُ أتذكر دجلتها وغاباتها وشلالاتها وصوت أمطارها ورائحة أشجارها وأزهارها في ربيعها الجميل) . 

وتطرق في الحديث عن تنوع القوميات والديانات والطوائف التي شكلت فسيفساء الوجود والتعايش ومزهرية الورود المتنوعة الأشكال والألوان في محافظة نينوى، وأردف القول بأن هذا الإختلاف والتنوع، يجعل من إدارتها وتولي شؤونها  أكثر صعوبة وحساسيـة من باقي محافظات العـراق، وإستنادًا لذلك، فإن الحل الأمثل من وجهة نظره لإدارتها هو (التعايش السلمـي) بين مكوناتهـا وتفضيل مصلحة المحافظة وأهلهـا على مصلحة الطائفـة والـقوميـة والفئـويـة، والعمل يدًا واحدةً لخدمـة المحـافظـة وأهلهـا وأن تكون مسؤولية أمن المحـافظـة بيد أهلهـا علمًا بأنّ كفـاءات المحافظـة قادرة على قيادتهـا أمنيًا وإداريًا.

قال عن رؤيته في بناء الوطن : (رؤيتي المتواضعة لبناء العراق العزيز، تبدأ من المجتمع وترتكز على الشباب والنشأ الجديد لأنهما نواة المستقبل وأساس التقدم والتطور والرقي للدول والمجتمعات وخير شاهد على ذلك التقدم والتطور واحترام الإنسان الذي وصلت إليه كل من اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية ودول أخرى بعد الفترات المظلمة والدمار الذي مرت به .

واقترح جملةً من الأفكار التي يراها مناسبة ويتوجب التركيز عليها في المرحلة القادمة لإعادة بناء العراق ومجتمعه ونظامه وإقتصاده والتي تتلخص بما يلي : ((بناء عراق قوي على أسس علمية وأخلاقية بناءً يليق بإسمه وتاريخه الزاهر  - عراقًا موحدًا متماسكًا متعايشًا بمختلف فئاته وقومياته - يحترم الإنسان وأفكاره  ويمنح مواطنيه حقوقهم دون تمييز)، (إصلاح وتنقية المجتمع من الأفكار والمفاهيم التي فتتت الشعب ودمرت الوطن)، (التركيز على غرس العلم والمعرفة والتربية والثقافة في هذا المجتمع الطيب وغرس بعض المفاهيم الأساسية كاحترام القانون والحفاظ على المال العام ونزاهة المسؤول والإخلاص والأمانة وتحمل المسؤولية مع الإحترام المتبادل وحب الوطن والأرض والشعب وغيرها من المفاهيم الطيبة التي يزخر بها تراثنا وديننا)، (وجوب نبذ الخلافات والإختلافات في المجتمع العراقي وتوحيد الكلمة والعمل يدًا واحدةً لبناء الوطن وخدمة المجتمع)) .

واختتم حديثه بالقول : (تحية إكبار لأهل مدينتي في الداخل الذين عاشوا تلك الأيام الصعبة والمأساوية والرحمة لكل من سالت دماؤهم فداءً لهذه المدينة، والإحترام والتقدير لكل من يريد الخير لهذه المدينة المعطاء، وكلي أمل بأنها ستـلـملـم جراحاتها وتعيد بناء نفسها بسواعد أبنائها وهمة المخلصين والخيرين من أبناء الوطن الواحد، وستعيد تاريخها المجيد وعهدها التليد وتحمل مشاعل النور من جديد .

فعلى الرغم من بُعده عن وطنه ومدينته طيلة هذه الفترة إلا أنه يعيش أبدًا لحظات حياته مع أبناء وطنه وأهل الموصل في الداخل ويتابع أخبارهم ويتألم لظروفهم وهمومهم، يُزاحمهُ شوقُ العودة لوطنه العزيز ومدينته الحبيبة متى ما سمحت  الظروف وبأقرب وقت ممكن وهو يتطلع لنيل فرصة المشاركة في إعادة بناء العراق العزيز والموصل الحدباء الجريحة .

ووفاءً لشخصه الكريم ولمشاعره الفياضة بالحب وبكل الشعور النبيل الخالص وتقديرًا لمواقفة النبيلة ومشاطرته أحزان الموصل وأتراحها وما حل بها وأهلها، وحيث أن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها التي ننشرها تباعًا تشمل كل ذي موقف مشرف وكلمة صادقة وموقف نبيل في أرجاء المعمورة ، فكان حقًا لنا وعلينا أن يكون حضوره المشرف ضمن السلسلة أعلاه وان يُسجل اسمه في صفحاتها ليأخذ استحقاقه بكل شرف وتميز فيما سيسطره التاريخ عنها وعن رجالاتها .

وبعد، لقد إخترت مقولته كما في الصورة أدناه وهي عبارة عن تعليق لشخصه الكريم أدلى به على مقالنا المنشور بعنوان (وتلك الأيام نداولها بين الناس) بتاريخ (8 / 7 / 2017) حين قال (سيبقى أهالي الموصل ومحافظة نينوى، يدًا واحدة مع أبناء الوطن المخلصين في بناء العراق الواحد، مهما حاول الفاسدون والطائفيون تفريقهم أو النيل منهم)، فكانت مكملةً لجلَ حضوره وتعليقاته ومواكبته للأحداث وطيب كلامه وطراوة لسانه هي مبعث فخر وسرور وتعكس شخصية هذا الإنسان النبيل والمخلص والشغوف حبًا لوطنه وأهله والدؤوب عملًا وحضورًا، أضعها أمامكم سادتي الكرام آملًا أن تنال إعجابكم ولتغدوَ شهادة حق في موقفٍ وقول لرجل يُكِنُ كل المحبة والإخلاص للعراق وشعبه وللموصل وأهلها، متأملًا تفاعلكم القيم ومسجلًا عظيم الشكر والإمتنان للشخصيات التي تواكب ما ننشر بكل حرص وسرور وتقدر عاليًا ما نبذل من جهود في سبيل إظهار المواقف والحقائق، وفق الله الجميع لما فيه خير العباد والبلاد وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

        

 

 

diaa nafie2كان دستويفسكي جالسا وهو متوتر وقلق وحزين امام مكتبة لينين بموسكو عندما خرجت من محطة المترو المسماة - (مكتبة لينين)، وتوجهت للدخول الى المكتبة من جديد بعد أربعين سنة منذ آخر مرّة كنت فيها. توقفت طبعا كي أتأمل تمثال دستويفسكي، الذي يقف منذ عام 1997 امام المكتبة التي تحمل اسم غريمه الفكري، وفهمت عمق الاحداث التي مرّت بها روسيا، وكيف يجسّد هذا المكان صورة رمزية فريدة لكل هذه التحولات الجذرية التي وضعت هذا التمثال الضخم لمؤلف رواية (الابالسة) (شبه الممنوعة في الاتحاد السوفيتي، والحليم تكفيه الاشارة!!!) امام المكتبة الاولى في روسيا، والتي تحمل اسم لينين، قائد الثورة الاشتراكية ومؤسس دولتها.

دخلت الى  بناية المكتبة عبر الاعمدة المرمرية الداكنة، وسألت عن كيفية تنظيم هوية السماح بالدخول، وقلت لهم، باني جلبت معي صورتي لعمل تلك الهوية، فابتسمت الموظفة المسؤولة وقالت لي – اجلس امامي واعطني وثيقتك ليس الا، وبعد دقائق منحتني هوية الدخول الالكترونية الى المكتبة وعليها صورتي، التي التقطتها لي باجهزتها، وهي تحت رقم 100000819168 ونافذة الى نهاية  عام 2022 وتمنت لي ان أجد في المكتبة الروسية الحكومية (هذه هي تسميتها الرسمية الآن، ولكن الناس يسمونها لحد اليوم – مكتبة لينين!) كل ما ارغب بالاطلاع عليه من مصادر. شكرتها جزيل الشكر، وتوجهت الى القاعة رقم 1 والتي كنت اقرأ فيها كل ما اطلبه من كتب ومجلات، وانا أتذكر ايامي الخوالي في القرن الماضي، عندما كنت التقي مع الراحلة أ.د. حياة شرارة في تلك القاعة، بل اني تذكرت حتى كيف دردشنا معا عندما كنّا نشرب القهوة مرة، عن رغبتنا بالاقتراب من مولوتوف (وزير الخارجية السوفيتية الشهير) الذي كان يجلس وحده في نفس تلك القاعة وهو يطالع الكتب بهدوء، والتحدّث معه، ولكننا لم نتجاسر طبعا على القيام بذلك، اذ انه كان في تلك الفترة من المغضوب عليهم .

اقتربت من الموظفة المسؤولة واخبرتها باني ارغب بالاطلاع على كتاب باللغة العربية صادر في بغداد عام 1946 كنت قد وجدته هنا قبل اربعين سنة، فقالت لي وهي تبتسم – لقد تغيّر الزمن، ويوجد لدى المكتبة الآن فرع خاص بالمصادر الشرقية، وطلبت منيّ ان اسير معها نحو النافذة، وأشارت الى ذلك الفرع عبر الشارع، وهكذا اضطررت ان أذهب الى هناك، وعندما دخلت استقبلني موظف الاستعلامات ورافقني الى حيث الارشيف، وبدأنا نبحث معا عن كتاب بعنوان – (مقدمة في كيان العراق الاجتماعي) بقلم هاشم جواد، والصادر في بغداد عام 1946، وسألني الموظف – هل انت متأكد من وجود هذا الكتاب في مكتبتنا ؟ فقلت له نعم، وانني شاهدته بنفسي قبل اربعين سنة . وهكذا وجدناه . طلب مني الموظف ان انتظر في القاعة المخصصة للبلدان العربية، و ذهب لجلب الكتاب . جلست في القاعة وشاهدت هناك مئات الكتب العربية والانكليزية والفرنسية والفارسية عن مختلف البلدان العربية، و التي ارسلتها لهم تلك البلدان، عدا العراق، اذ لم أجد أي كتاب ارسله العراق لهم، وكم تألّمت لذلك ! عاد الموظف الى القاعة وأخبرني، ان الكتاب الذي طلبته قد تم ارساله الى الحفظ الدائم، وتوجد فقط نسخة من المايكروفيلم له، وان المكتبة ستجهزه لي غدا في الرابعة عصرا في القاعة الخاصة بعرض تلك الافلام النادرة. وهكذا عدت في اليوم التالي، ووجدت الفلم جاهزا طبعا، ووضعوه في الجهاز الخاص وبدأت بمطالعته .انه صادر ضمن مطبوعات جمعية الرابطة الثقافية، ومطبوع في مطبعة المعارف / بغداد 1946، وعنوانه – (مقدمة في كيان العراق الاجتماعي)، ومؤلفه هاشم جواد، هذا المثقف العراقي الكبير، الذي أصبح وزيرا لخارجية الجمهورية العراقية في وزارة عبد الكريم قاسم منذ عام 1959 الى 8 شباط 1963، والذي انتقل للعمل في منظمة الامم المتحدة في بيروت، حيث تم اغتياله هناك كما هو معروف (انظر مقالتنا بعنوان – حوار مع هاشم جواد) .لقد أخبرت هاشم جواد في ذلك الحوار باني وجدت كتابه هذا في مكتبة لينين، ولكني لم استطع الاطلاع عليه،  فقال لي انه يعتز بهذا الكتاب، وانه لا توجد لديه اية نسخة منه، وقد فهمت الآن سبب اعتزاز هاشم جواد بهذا الكتاب المهم فعلا في دراسة الواقع الاجتماعي للعراق، حيث نقرأ في مقدمته ما يأتي – (أضع اليوم بين يدي القارئ هذا الكتيب في موضوع يستوعب البحث فية مجلدات كثيرة، يستغرق وضعها سنين طويلة وجهود عدد كبير من المشتغلين بالشؤون الاجتماعية، ومع اني اقدّر اهمية الموضوع والصعوبات التي تكتنف شتى فروعه و تفصيلاته، ومع قلّة المواد العلمية والاحصائيات المضبوطة اللازمة لخوض غماره. مع هذا كله، فقد أقدمت على وضع مقدمة فيه، لا رغبة في النشر ولا سعيا وراء المكسب، بل حبّا في انارة البحث والنقاش، وخلق الرغبة عند الجيل الجديد من ابناء شعبنا في معالجة أحوال بلادهم بطريقة علمية...).

يتناول هذا الكتيب كما يسميه مؤلفه مواضيع في غاية الاهمية، اذ يبدأ بنظرة حول ارض العراق قديما وحديثا، ثم يتحدث عن أحوال البلاد الطبيعية، ويتوقف عند سكان العراق ويعطي احصائيات تفصيلية من ولادات ووفيات في المدن العراقية وحسب السنين ويستخلص الاستنتاجات العلمية الدقيقة من هذه الاحصائيات، ثم ينتقل الى اقتصاد الكيان الاجتماعي، حيث يتوقف عند التجارة والنقل والخدمات والاعمال الاقتصادية الاخرى، ويتناول كفاءة العمل الصناعي ونشأة الصناعة الحديثة في العراق، وحتى الصنائع اليدوية عند مختلف الفئات مثل سكان الاهوار وغيرهم، ويتحدث عن دخل الفلاح ومجاله المعاشي ونظام اللزمة وواقع الفلاح ودور السركال وطرق الحراثة والري وعوامل قلّة الانتاج الزراعي، ويعطي جداول احصائية متنوعة وشاملة جدا حتى بعدد انتاج كيلوغرامات الحنطة والشعير في مدن العراق المختلفة، ويتوقف عند تشريع العمل ومستوى الاجور عند الفلاحين والتباين بينها مقارنة بمستوى اجور الصناعات الاخرى، ويدعو العمال الى تشكيل النقابات للعناية بشؤون العمال ورفع مستواهم الثقافي والصحي والاجتماعي والاخلاقي ومنع تشغيل النساء والمراهقين ليلا وعدم تشغيل الاحداث الذين هم دون الثانية عشرة في الصناعة، ويتناول العوامل المؤثرة في المحافظة على الصحة، ويعطي جداول احصائية تفصيلية وعديدة حول عدد المرضى في المستشفيات الحكومية ونوع الامراض السارية وحسب السنوات، ويتوقف عند الخدمات الصحية في العراق تفصيلا، ويعطي جداول عن مخصصات الدولة العامة للخدمات الصحية، وينتقل الى دراسة التغذية في العراق، ثم يتناول موضوع التعليم وعلاقته بالكيان الاجتماعي واهميته الكبرى، ويعزز كل ذلك بجداول احصائية فريدة، ويتوقف عند علاقة انتشار التعليم بوضع المجتمع  الطبقي و ارتباط كل ذلك باسس الكيان الاقتصادي (وهذه نقطة جوهرية يجب ان لا تغيب عن بال الباحث في القضايا الاجتماعية) كما يشير المؤلف...

ان هذا العرض السريع لمضمون الكتاب يبين بما لا يقبل الشك الاهمية الكبيرة له، ويؤكد ضرورة اطلاع القارئ المعاصر عليه كي يقارن ويتأمل ويستنتج.... وشكرا لمكتبة لينين لانها حفظت للعراقيين هذا الكنز الثقافي الذي لا يقّدر بثمن.  

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

 

nabil ahmadalamirيعد المسجد الوحدة العمرانية الأولى في المدينة الإسلاميةن فبعد هجرة الرسول الأعظم (ص) إلى يثرب كان أول ما اتخذه هو بناء المسجد الذي عرف بالمسجد النبوين فغدى بناء المسجد الإنجاز الأول عند تمصير أي مدينة إسلامية .

وكان المسجد الثاني الذي بُني في الإسلام بعد المسجد النبوي هو مسجد البصرة حيث تم بناءه سنة  14هـ  بعد فتح المدينة على يد القائد عتبة بن غزوان والذي بناه بالقصبن ويُروى إن الذي قام بعملية البناء أما محجر بن الادرع من قبيلة سليمن أو نافع بن الحارث بن كلدة .

وبعد بناءه تحولت حوله المساكن والخطط .

إعمار المسجد . . .

وبعد سنة 17هـ احترقت البصرة وربما شمل الحريق المسجد أيضا، فأعاد بناءه الوالي أبو موسى الأشعري باللبن والطينن وسقفه بالعشب وزاد في مساحته .

ولما تولى زياد بن أبيه ولاية البصرة لمعاوية بن أبي سفيان إتخذ عدة إجراءات في اعمار المسجد، حيث وسع مساحته وأعاد بناءه بالآجر والجص أما سقفه فمن الساج .

واتخذ له أعمدة من حجر نحتها من جبال الاحواز .

ويقال لما أعاد زياد بناء المسجد ودار الأمارة اخذ يطوف حولها ويقول:

أترون خللاً ؟

فيقولون: ما نعلم ببناء احكم منه .

فقال: بلى هذه التي على كل واحد منا أربعة عقود لو كانت أغلظ من سائر الأساطين .

وقد ظلت هذه الأساطين سالمة قوية لم تتصدع أو يصيبها عيب حتى قال فيها الشاعر: ـ

بنـــى زياد لذكر الله مصنعة

من الحجار لم تعمل من الطين

لولا تعاون أيدي الأناس ترفعها

إذا لقلنا من أعمال الشياطين .

وجعل زياد صفة الجامع المقدمة خمس سوارين وبنى منارته بالحجارة وهو أول من عمل المقصورةن ونقل الأمارة إلى قبلة المسجد .

وقيل إن زياد رأى الناس يَنْفٍضون أيديهم إذا تربت وهم في الصلاة .

فقال: (لا اَمن أن يضن الناس على طوال الأيام إن نفض الأيدي في الصلاة سنة)ن فأمر بجمع الحصى وإلقاءه في المسجد .

كان الإمام إذا جاء للصلاة يتخطى الناس إلى القبلةن فأمر زياد بتحويل دار الأمارة من الدهناء إلى قبلة المسجد فكان الإمام يخرج من الباب في حائط القبلة . وهذا يعني إن البناء القديم ظل على حاله وان دار الأمارة ملاصقة للجامع من جهة القبلة أي الجنوب الغربي وكان بينهما وبين الجامع باب يخرج منه الأمير إلى المسجد مباشرة دون إن يتخطى المصلين .

ولما تولى عبيدالله بن زياد البصرة بعد أبيه قام بشراء دار نافع بن الحارث بن كلدة وكانت شمال المسجد لغرض إكمال تربيع المسجد وأرض ابنه عبيدالله بن نافع بان عوضه قبل ذراع خمسة اذرع وفتح له في الحائط خوخه إلى المسجد فلم تزل ألخوخه في حائطه حتى عصر المهدي العباسي .

وكان اكبر توسيع للمسجد في ولاية محمد بن سليمان بن علي العباسي سنة 160هـ أيام الخليفة العباسي المهدي حيث بلغ عدد المصلين عشرين ألفا فأمر المهدي بتوسيع المسجد وذلك بشراء بعض الدور المحيطة به .

وذكر المؤرخ ــ ابن الفوطي ــ إن مسجد البصرة احترق سنة 624 هـ 1227م فقام الأمير شمس الدين بإعادة عمارته واحضر الحجارة من جبل الأهوازن وجلب له خشب الصنوبر والساج من البحرن واسكن فيه جماعة من الصوفيةن وبُني دهليزا للجامع بحجرتين جعل في أحداهما كتباً .

وبعد مجيء المغول في 656 هـ / 1258م  توالت الفتن والحروب في البصرة نتيجة سوء تصرف عمال المغول فيها، وهجمات الإعراب البدو على البصرةن فاضطر أهلها إلى النزوح لاماكن أخرى حتى سنة 701هـ حيث تم خراب البصرة نهائيا، ولم تعد مدينة يمكن إن نجد عنها أخبار فيما يتعلق بأحوالها، وأخذت تُعرف بإسم البصرة القديمةن وظهرت مدينة أخرى سميت بالبصرة كانت سابقا متنزها ومصيفا للولاة والوجهاء في العصر العباسين فابتنيت فيها الدور والقصور والمنازل وازداد عمرانها واخذ من البصرة القديمة يحوّلون إليها. فأخذت تسمى البصرة الحديثة تميزا لها عن البصرة القديمة .

كان للمسجد مهام متعددة في الاسلام منها: ـ

- اقامة الصلاة

لما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه لذا كان لزاما الحفاظ على هذه الصلة وأقامتها في أماكن مقدسةن فكان المسجد أقدس مكان لإقامة الصلاة، ومن بين الصلاة هناك صلاة الجمعة التي يجب أن تقام في مكان واحد في البلد، لذا يسمى المسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة بالمسجد الجامعن وكان مسجد البصرة من المساجد الجامعة .

- مقراً للحكومة

يُعد المسجد مقرا للحكومة لتداول الرأي حيث يتم عقد الاتفاقيات وإرسال الرسل واستقبالها واتخاذ القرارات المهمةن إلا انه بعد ذلك استعيض عنه بإنشاء دار الأمارة، ومع ذلك بقي المسجد يحتفظ بدوره في القضايا السياسية فقد يستغله المناوئون للحكم للإعلان عن ثوراتهم وأهدافهم .

- توزيع العطاء

كانت من مهام المسجد الأولى انه مكانا لتوزيع الأموال على المستحقينن إلا انه استعيض عنه بعد ذلك لما انشأ بيت المال .

- القضاء

كان المسجد يعد مكانا لفض الخصومات بين الناس، لكنه في العصور اللاحقة استعيض عته بدار القضاء أو ديوان القضاء .

- التعليم

من أهم المهام التي اضطلع عليها المسجد القضايا الثقافية حيث صار أشبه بجامعة مصغرة يجتمع فيها الأساتذة من مختلف الاختصاصات مع طلبتهمن حيث تتشكل حلقات عدةن فحلقة النحو حيث عرفت البصرة بمدرستها النحويةن وحلقة لتدريس اللغة، وأخرى للكلام والقضايا الفلسفيةن وحلقة للتفسيرن ومن بين تلك الحلقات حلقة الأصمعين والحسن البصرين وواصل بن عطاءن وقتاده السدوسي، ولا يعني هذا إن هذه الحلقات مقتصرة على أهالي البصرة، بل إن شهرة علماء البصرة دفعت طلبة العلم إلى المجيء إليها والتزود من علمائها .

تنامت الحركة الثقافية في مسجد البصرة بعد زيارة الإمام علي (عليه السلام) للبصرة سنة 36 هـن حيث ألقى عدد من الخطب في هذا المسجدن ثم عين على البصرة عبد الله بن عباس المعروف بفقهه حيث اخذ يلقي دروس في الفقه والتفسير والأخبار في مسجد البصرة حيث تخرج على يديه كبار التابعين كالحسن البصرين وتشكلت نواة مدارس في الفقه والتفسير والأخبار والكلام وبالإضافة لحلقات الدرس كانت تعقد مناظرات وأدت بعض هذه المناظرات لإيجاد اتجاهات فكرية جديدة كالمناظرة بين الحسن البصري وتلميذه واصل بن عطاء والتي أدت إلى نشوء مذهب الاعتزال والمناظرة التي بين أبي علي الجيائي زعيم المعتزلة وبين تلميذه أبو الحسن الأشعري والتي أدت لنشوء مذهب الاشاعرة في علم الكلام .

وبجانب هذه الحلقات كانت حلقة أبا عمر العلاء والخليل الفراهيدي الذي وصف بأنه مفتاح العلوم ومعرفتها ويونس بن حبيب أما الأصمعي فكانت حلقته في اللغة والأخبار .

واستمر هذا المسجد كجامعة مصغرة يستقبل طلبة العلم من مختلف أرجاء العالم الإسلامي  حتى مجيء المغول فلحق بمدينة البصرة من الدمار والخراب بسبب الفتن وانعدام الأمن مما أدى لهجرانها إلى ما يسمى بالبصرة الحديثة .

بقي هذا المسجد أثرا تاريخيا شاخصا واخذ يعرف باسم (خطوة الإمام علي عليه السلام أو جامع الإمام علي (ع)) والسبب في ذلك يعود لزيارة الإمام عليه السلام له أيام خلافته سنة 36 هـن وإلقائه عدد من الخطب في هذا المسجد ومن بينها تنبؤاته لمصير هذه ألمدينه ومسجدها حيث قال:

(كأني انظر إلى تربتكم هذه قد طبقها الماء حتى ماير منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر) .

وفي رواية (كجؤجؤ سفينة) قال ابن أبي الحديد في تعليقه على كلام الإمام أعلاه: (فأما أخباره عليه السلام إن البصرة تغرق عدا المسجد الجامع بهان فقد رأيت من يذكر إن كتب الملاحم تدل على إن البصرة تهلك بالماء الأسود يتفجر من أرضها فتغرق ويبقى مسجدهان والصحيح إن المخبر به قد وقعن فان البصرة قد غرقت مرتينن مره في أيام القادر باللهن ومرة في أيام القائم بأمر الله، غرقت باجمعها ولم يبقى منها إلا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر حسب ما اخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف ألان بجزيرة الفرسن ومن جهة الجبل المعروف بجبل سنامن وخربت دورها وغرق كل ما في ضمنها، وهلك كثير من أهلهان وأخبار هذين الغرقين المعروفة عند أهل البصرة يتناقلها خلفهم من سلفهم)  .

ولما كان هذا المسجد هو ثاني مسجد بني في الإسلام بعد المسجد النبوين وقد جاء في بعض الروايات إن أفضل المساجد في الإسلام أربعة: المسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد البصرة ومسجد الكوفة .

وإن مما يؤلم إن هذا المسجد قد أصابه الإهمال من بين المساجد الأربعةن مع انه في الوقت الحاضر غدا مزارا يؤمه المسلمين وتقام فيه صلاة الجمعة المباركةن وما زال مسجد البصرة او مسجد خطوة الإمام علي عليه السلام شاخصاً وشامخاً حتى يومنا هذا رغم مامر بالبصرة من غريق وحريق .

وللموضوع بقية تأتي لاحقاً إن أعجبكم وأبديتم قبولكم له .

والله من وراء القصد .

 

 

 

بينما كنت أقلّب أرشيف ما بحوزتي من صور قديمة في لحظة تأمل حالمة مع الماضي، تطلّعت منها مليّا بتلك الصورة لسفرة طلاب متوسطة حمام العليل الى منطقة اثار النمرود في ربيع العام 1962، حيث اثارت الصورة اشجاني حقا، وحفزت ذاكرتي لاسترجاع ذكريات مرحلة الدراسة المتوسطة، وسرد انثيالاتها الحلوة على قسوة المعاناة التي واجهناها، يوم كنّا من بين طلاب ذلك الجيل الاول الرائد في الديرة، ممن واظب على الدراسة بجد، وأكمل تحصيله الدراسي بعد عناء طويل. فبعد ان انهينا دراستنا الابتدائية في مدرسة القرية في عام (1959) كأول دفعة تتخرج منها، انتقلنا الى مرحلة الدراسة المتوسطة في (متوسطة حمام العليل للبنين) في اوائل ستينات القرن الماضي، حيث كانت هي المتوسطة الوحيدة في منطقة اطراف جنوب الموصل حتى تخوم الشرقاط على ضفتي نهر دجلة يوم ذاك ، فكنّا الوجبة الثانية فيها، ولما يمض على فتحها بعد، سوى عام دراسي واحد فقط، اذ كانت الوجبة الاولى (من طلاب الصف الثاني متوسط) قد سبقتنا للدراسة فيها بعام، ومن زملاء الوجبة الأولى التي سبقتنا لا ازال أتذكر عبد الوهاب العطالله،علي عجاج، يوسف احمد ،غانم علي الداوود، فرحان حسين غرب، محمد حسين ابراهيم، دشتي بايز عزيز، جهاد العباسي، محمد جاسم المولى، احمد ابراهيم ، عطية عكلة، وعمر القزملي، في حين اتذكر من وجبتنا (الصف الاول متوسط) عاصي علي الضاحي، مجيد سنجار، صالح حسن عطية، رشيد سنجار، حسين عبيد، مجيد علي، خضر جاسم خلف، حسين محمد علي (الشايب)، علي عبيدالله، صالح حسين علي، محمد عبادي حوار، حسين حسن حوار، عبد العزيز العطالله، جاسم محمد العبيدي، حازم سعيد، سالم احمد، شيت محمد شاحوذ، محمد جارعمير، فرج لطيف، صالح علي، علي خلف ، محسن مطلك، فرحان مطلك، حسين مطلك، عبدالله سليمان، عبدالرزاق روضان، علي محمد خلف، خضير جاسم دعيس، خالد سليمان، ابراهيم علي، عبدالرزاق عطية، خلف حسن، زاير محمد ساير،عبدالجبار مطلك، شلاش خلف، عطاالله ايوب، خلف يوسف منصور، فرحان خلف، جهاد حسن عطية، مربط علي، نواف خلف، هويدي محمد، محمود احمد حمدي، علي محمد خلف. ومن وجبتنا ايضا اتذكر بعض الزميلات الرائدات حقا ومنهن: عليّة خضر، كتبية خضر، نازك حمدون شكر، عايشة محمد خلف، وربما كنّ اول من دخلن المتوسطة في ريف اطراف جنوب الموصل من العنصر النسوي على حد علمي.

 كما لا ازال اتذكر من الوجبة التي تلتنا الزملاء: شاكر محمود عطية، عماش حسين علوك، عبود هلال حمدي، وسردار بايز عزيز. ولعل من قبيل التوافيق الحسنة آنذاك، ان نتتلمذ على ايدي اساتذة كبار في تلك المتوسطة، حيث كان اهتمامهم منصبا على تدريس المادة بعلمية صارمة، وحريصين على ايصالها الى ذهن الطالب بأيسر الطرق، في مقابل تنافس علمي جاد بين الطلاب للحصول على افضل علامات النجاح، وبالتالي فلا عجب ان ترى منهم طالبا متفوقا في الرياضيات مثلا، لتجده في نفس الوقت نابها في مادة اللغة العربية، ونابغا في مادة التاريخ، ومجيدا في مادة الرسم ، ولاعبا رياضيا مقتدرا في العاب الساحة والميدان. ومن اؤلئك الاساتذة الافاضل أتذكر الاستاذ حكمت البزاز مدير المتوسطة، والأساتذة اسماعيل ابراهيم، وخالد القطان، وزهير جلميران، والفنان الكبير نجيب يونس، وابراهيم خضر، وابراهيم حقي، وغيرهم آخرين من الاساتذة الذين استعصى على الذاكرة تذكر اسمائهم لطول الفترة التي مرت على الاستذكار. وتجدر الاشارة الى ان معاناة ابن الريف في التعليم في تلك الفترة كانت قاسية للغاية، لأسباب كثيرة في مقدمتها الجهل، والتخلف الاجتماعي في النظرة الى التعليم، وعدم توفر المدارس، وشحة وسائل النقل، وغيرها..وتزداد تلك المعاناة قسوة عندما كان التلميذ ينتقل الى مرحلة الدراسة المتوسطة، والاعدادية..حيث كان عليه يوم ذاك ان يفارق أهله،و يغادر منطقة سكنه،ليبدأ رحلة مشقة الاياب الى الاهل يوم الخميس في عطلة نهاية الاسبوع،ومشقة الذهاب الى مكان اقامته الجديد عصر الجمعة،لاستئناف الدراسة، وتأمين الحضور في  المتوسطة صباح يوم السبت، بسبب شحة وسائط النقل. وتتضاعف معاناة من كان منهم يسكن قرى ريف الساحل الايسر من نهر دجلة، حيث كان عليه ان يعبر النهر بالعبارة الوحيدة في اطراف جنوب الموصل (الدوبة) في قرية السفينة ذهابا وايابا، او ان يعبر النهر بالزورق، في حين يضطر في احيان اخرى ان يعبر النهر سباحة، اوعلى الجراب، اذا ما صادف ان كانت الدوبة عاطلة، او في الاستراحة الليلية، ولا يوجد بلاّم في تلك اللحظة ليعبره النهر. وكان عليه ان يعاني بالإضافة الى ذلك مرارة قساوة البرد في الشتاء، والبلل في زوابع المطر في الربيع، وهو يغذ السير راجلا في طريق موحل من تلك المثابات، الى بيت اهله وبالعكس. لقد كان ذلك الجيل بما عاناه من مشقة في مواصلة التعليم، جيلا رائدا بحق، حيث نحت مستقبله بأظفاره بجدارة، وترك بصمة واضحة من التأثير بالإشعاع على من تلاه، فاستحق ان يشار اليه بالبنان، كطليعة رائدة للتنوير، ومثالا قياسيا للتأسي، لمن خلفهم من الاجيال اللاحقة، ممن تخرج من بعدهم من الأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والعسكريين، والكوادر العلمية، والأدباء، والكتاب، الذين زخرت بطاقاتهم الابداعية والعلمية، الساحة الوطنية في كل المجالات.

 

نايف عبوش

 

 

husan abosoudيقال بان هناك مدن لا تنام، كلنا نعلم بان المدن تنام كما ينام الانسان وتستيقظ كما يفعل ذلك الانسان والحيوان، ولكني لم اكن اسمع بان بعض المدن تدخل في سبات شتوي قد تستغرق اشهرا عديدة، ومنها المدن النائية في البلدان الفقيرة  حيث تنام عندما يغطيها الثلوج وتتوقف فيها عجلة الحياة فيقتات أهلها على ما ادخروه في الفصول الأخرى من السنة، على عكس المدن الثلجية في البلدان الغربية التي تستمر فيها الحياة كالمعتاد رغم الجليد، وقد قيل لي بان مدينة قوشاداسي التركية الساحرة تدخل في سبات شتوي نهاية الشهر العاشر، فقلت لألحق بها قبل السبات، فوصلت مطار ميلاس بدروم في الساعة العاشرة ليلا في بداية شهر أكتوبر، واستغرقت الرحلة بالباص من المطار الى الفندق في مصيف قوشاداسي حوالي الساعتين  ، ويقع فندق تاتليساس على تلة يجعلها تطل على البحر مباشرة ليستطيع النزيل مشاهدة حركة السفن في زرقة بحر ايجة المقابلة للسواحل اليونانية.

لم أستطع النوم في الليلة الأولى بسبب ما يسمى بتغيير الفراش وظللت اراوح بين السرير وبين الشرفة المطلة على المدينة التي نامت تماما بعد منتصف الليل في أحضان البحر مستندة على الجبال المكسوة بأشجار دائمة الخضرة.

اذن انا الان في تركيا ارض العثمانيين التي عرفنا عنها منذ ايام الدراسة المبكرة ولكننا شغفنا بها أكثر بعد مسلسل حريم السلطان الشهير الذي يحكي قصة السلطان سليمان القانوني، وخفايا الحرملك، ولا أحد ينكر النجاح الهائل الذي حققه المسلسل مما دعا القائمين عليها الى انتاج جزء ثان وثالث للمسلسل وبعد ذلك بدأت شركات انتاج أخرى بإنتاج مسلسلات مشابهة منها مسلسل (ارض العثمانيين).

بدأت رحلة الاستكشاف في اليوم التالي فصحوت على جو صحو مشمس وطبيعة خلابة وبحر يمتد بزرقته بعيدا ليلتقي بزرقة السماء، ترى في شوارع المدينة أشجار الفواكه كالليمون والعنب والبرتقال وقد رأينا في أحد البيوت شجرة يتدلى منها رمانات مكتنزات  ناضجة كما تتدلى الاضوية الحمراء من الثريا فتمنح النفس حالة من الانتعاش والراحة، وقد لفت نظري وجود الكثير من الكلاب الضالة في الشوارع الا انها تمتاز بكونها اليفة لا تسبب أي ازعاج للمارة.

وقد تذكرت كلاب بريطانيا ودول اوربا الغربية كيف تقضي اعمارها في بحبوحة من العيش في منازل مكيفة مزودة بكل وسائل الراحة وكل كلب بريطاني له ملف طبي يتابع من خلاله صحته والتطعيم المنتظم وغيرها، كما توجد في المدينة قطط كثيرة تظهر فجأة عندما يجلس الانسان في المطاعم المنتشرة على الشوارع والساحل طلبا لبقايا الطعام، وبعض الكلاب لها علامات خاصة عبارة عن قطعة معدنية مثبتة على الاذن ليوحي بانها أي الكلاب محمية وتحت اشراف بلدية المدينة.

ومن الأشياء الملفتة للنظر كثرة وجود ما يسمى بالخرز المضاد للحسد وهي خرزة زرقاء عليها صورة العين، فهي على المباني وعلى الجدران وعلى الأرض وفي المحلات حتى يشعر الزائر للمدينة بان هناك امر ما يختلف عن المدن الأخرى مثل كثرة الحسد او الايمان الزائد بالحسد والخوف من أثاره الضارة، وقد لا نستغرب لو اعتقد عوام الناس بذلك ولكن ان تعتقد الحكومة أيضا بالحسد فهو امر لا تخلو من ظرافة وغرابة، وقد شاهدنا البلدية تضع من هذه الخرز على المقاعد الاسمنتية والارصفة وغيرها،وان هذه الخرز التي تباع في المحلات بكثرة على شكل اساور وقلائد وميداليات تستهوي النساء كثيرا حتى النساء الغربيات اللائي يكثرن في هذه المدينة ضمن الالاف المؤلفة من السياح الأجانب الذين يتقاطرون على المدينة في رحلات جوية مستمرة على مدار الساعة عن طريق مطاري بدروم وازمير حيث تعتبر هذه المدينة الوجهة المفضلة لهم لأسباب عديدة منها المناخ وجمال الطبيعة والرخص ويقال بان المدينة تتحول في اشهر الصيف الى عالم اخر  يصعب وصفه من كثرة السياح والحركة والنشاط، والمدينة بشكل عام مدينة فنادق ومقاهي ومطاعم تقدم الاكلات التركية الشهية المعروفة بلذتها وتنوعها، وهي أيضا مدينة تسوق حيث تكثر فيها الأسواق المؤقتة  مثل سوق الجمعة المخصصة للفواكه والخضراوات الطازجة والاجبان القادمة من البساتين المجاورة وسوق الأربعاء المخصصة للألبسة لمختلف الاعمار من الجنسين بأسعار زهيدة نسبة الى أسعارها في الدول الاوربية.

وتوافد الغربيين على هذه المدينة تمثل الهجرة المعاكسة للبشر حيث نرى مثلا ان أهالي الهند وباكستان يتمنون الذهاب الى دول الخليج للعمل فيما يأتي امراء الخليج وأهله الى باكستان لغرض صيد الحبارى فيمكثون فيها بالأشهر في فصل الشتاء فيستفيد الأهالي من وجودهم من الناحية المادية، وان الاتراك يرغبون في الذهاب الى اوربا وخاصة المانيا لطلب الرزق ونجد بالمقابل قوافل الاوربيين يأتون الى تركيا بحثا عن خفايا وحكايا التاريخ ودفء الطقس والراحة والاستجمام وهكذا كما يقول المثل (الناس بالناس والكل بالله).

لقد ارتأيت ان اذهب في احد أيام الرحلة الى جزيرة ساموس اليونانية حيث غادرت العبارّة ميناء قوشاداسي بسعر 30 جنيه استرليني للذهاب والعودة والتي ابحرت لمدة ساعة ونصف في البحر لتصل الى ساموس، وبإجراءات بسيطة في الجوازات خرجنا الى عالم اخر وثقافة مختلفة واطعمة مختلفة علما ان الجزيرة هي اقرب للسواحل التركية منها الى اليونان حالها حال جزر الكناري التي تقع بالقرب من السواحل المغربية ولكنها تابعة إداريا لإسبانيا، و واحة البريمي التي تقع داخل أراضي دولة الامارات العربية المتحدة ولكنها تابعة لسلطنة عمان، وكم من الحروب التي جرت الويلات على الشعوب بسبب الخطوط الوهمية للحدود، وقد وقعت حروب بين تركيا واليونان ولكن على الأرض القبرصية أدت في النهاية الى تقسيم قبرص الى قسم تركي وقسم يوناني كما حاربت ذات يوم  السعودية مع مصر ولكن على ارض اليمن وهكذا، وان مسافة من البحر تفصل بين تركيا والجزيرة اليونانية كافية لتخلق اختلافا في الثقافة واللغة والديانة، ويقال بان هناك قرى في البحرين تفصلها شارع واحد فقط تختلف فيما بينها في اللهجة، سبحان خالق الالسن ومنوع اللهجات والألوان .

اكررواقول بان إجراءات الجوازات في ساموس كما في قوشاداسي التركية كانت سهلة وبسيطة اذ لا سؤال ولا جواب سوى مطابقة الصورة بنظرتين احداها لصورة الجواز والثانية لوجه حامل الجواز، على عكس الدول العربية التي تنظر لكل داخل اليها وخارج بعين الشك والريبة.

لقد تعودنا على رؤية اسراب الحمام في كل مكان وعلمنا بان الحمام ذو اللون الرمادي مع خطين اسودين على الجناح هو الحمام البري الحر الطليق كما هو حمام الحرم في مكة والمدينة والمراقد المقدسة والاضرحة ولكننا مع الأسف لم نعد نراها في تلك الأماكن المقدسة بسبب مشاريع التوسعة وغيرها كما راينا اختفاء الحمام من اشهر معالم لندن وهو ساحة الطرف الاغر حيث كان الزوار يأتون اليها لالتقاط الصور التذكارية مع الحمام الذي يقف على الايدي والاكتاف لالتقاط الحب والتقاط الصور واما الحمام من الألوان الأخرى فهو الداجن الذي يهتم بتربيته المولعون بتربية الحمام في المنازل ولكن حمام ساموس يمتاز بلونه الأبيض الناصع، جلست على ساحل الميناء والقيت ببقايا الخبز لحمامة بيضاء كانت بالقرب مني واذا بسرب من الحمام الأبيض جاء بسرعة فائقة قد تكون نتيجة  لتبادل الإشارات الخفية بينها وقد لا تكون هناك إشارات وانما مجرد احاسيس ومشاعر تتولد عندها فتجتمع الى مكان الوليمة ( انما هي أمم امثالكم ) وجميل ان يشعر الطائر بالأمان فيأتي ويقترب من الناس ويمشي بين السيارات دون خوف ولا وجل من امساك او دهس وصادف وقت صلاة الظهر فلم اجد غير ارض ترابية في احد المتنزهات فعفرت جبيني في اخشع صلاة اصليها بلا سجاجيد ولكونها صلاة قصر فغمرني حالة من الخشوع والهدوء وتذكرت قوله تعالى ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) ويقال بان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام كان من التراب فتقع مساجد الانسان السبعة كلها على التراب لتدخل الى النفس الشعور بالتواضع.

وفي الساعة الخامسة عصرا حان موعد العودة ومغادرة هذه الجزيرة الهادئة ذات البيوت القديمة والازقة الضيقة عائدين الى قوشاداسي ومعنى كلمة قوشاداسي بالعربية عش الطير، وكانت لنا سفرة الى مدينة ازمير التي تبعد عن قوشاداسي مسافة ساعة وربع بالباص المريح الذي يلتزم بالوقت بشكل دقيق وملحوظ.

ينتاب الانسان الذي يزور  المدينة أي مدينة لأول مرة شعور بالرهبة، وعندما دخل الباص المدينة وتوقف في محطة الباصات  الذي يسمى (تيرمينال) رأيت حركة عجيبة لا تتوقف توحي بان الناس كلهم في تنقل مستمر حتى السفر الأخير وان البعض يستعجل مصيره بالانتحار كما ان هناك فئة تستعجل مصير الاخرين أيضا وبدون وجه حق فتفخخ سيارة مثلا لكي تقتل مئتي نفس بريئة دفعة واحدة رغما عنها، نفوس كانت تحب الحياة وترغب في العيش فيسمون ذلك جهادا يطلبون به رضا الله تعالى، وهناك أناس في المتاريس في سوريا مثلا يقنصون بعضهم بعضا،  واهل ازمير عند ساحل البحر يسترخون مع النسائم العليلة ما بين عازف لوحده وبين من ارسل صنارته وسط الماء ليصيد قوت يومه من السمك او من ينظر الى حركة المراكب المستمرة في البحر، أقول البعض في بلدانهم يبنون للأجيال والبعض ليس لهم سوى التقاتل المستمر لحصاد الأرواح مثل سوريا والعراق ومصر واليمن وغيرها من الدول المرشحة للذبح.

ومع غروب الشمس في ازمير يتعالى صوت الاذان من المسجد الواقع وسط منطقة السنجق بصوت تركي محبب ورخيم ذو رجع حزين، الله أكبر الله أكبر فقلت كبيرا كبيرا وسبحان الله بكرة واصيلا وقال المؤذن: اشهد ان لا إله الا الله فقلت جل جلاله وعز نواله وعلا شأنه، وقال: اشهد ان محمدا رسول الله فقلت صلاة وسلاما عليك يا حبيبي يا رسول الله يا نبي الرحمة والإنسانية،

ما أجمل هذا الصوت الذي اوصله العثمانيون الى اقاصي الدنيا، نعم صوت يدخل الروح والقلب فينعشهما ويمدهما بالأيمان.

والظريف عند العودة كان يجلس الى جانبي شاب في مقتبل العمر وبيده مسبحة لم تفارقه طوال الرحلة وقد وضع سماعة  يستمع من خلالها للأغاني التركية وكان الصوت مسموعا لأنه لم يكن يضعها على اذنيه وانما على رقبته فتذكرت نكتة الصديقين العربيين في أحد الملاهي حيث الخمر والنساء وهما في حالة سكر فعطس أحدهما وقال الحمد لله فشمته الثاني بقوله يرحمك الله فأجاب الأول يهدينا ويهديكم الله.

وبعد سبعة أيام من الراحة والاستجمام في أسواق المدينة وسواحلها ومرتفعاتها ومطاعمها وبين أهلها وناسها كان لزاما ان نغادر وهكذا تنتهي القصص وتصل رحلتنا الى نهايتها، وجاء صوت الإعلان بالتركية والانجليزية بما معناه: تعلن الخطوط الجوية عن اقلاع رحلتها المتجهة الى لندن وعلى المسافرين على متن هذه الرحلة التوجه الى البوابة استعدادا للصعود الى الطائرة وسفرة سعيدة.

وداعا قوشاداسي، وداعا عش الطير

 

حسين أبو سعود

 

 

د

1187 cobroالكتابة عن الأدباء والكتاب والمفكرين الذين تفوق نتاجاتهم الابداعية، نتاجات زملائهم الآخرين ليست بمهمة سهلة ، وبل تحتاج الى جهد يسير ودراسة وتحليل لمؤلفاتهم في المجالات الشتى التي يتألقون فيها. فمثل الدكتور فاروق كوبرولو الذي ألف الشعر ومارس الخط والرسم والمسرح والتمثيل وقام بترجمة أعمال العشرات من الشعراء والكتاب من التركية إلى العربية وبالعكس وأصدر ما يقارب 50 كتابا في الأدب والشعر والترجمة والتاريخ العراقي والتركي والآذربيجاني، ليس من السهل جمع ما تكتبونه عنه في موضوع واحد أو في بضعة صفحات. فكل عمل من أعمال كوبرولو يحتاج الى دراسة خاصة بأمعان ودقة قبل الشروع بالكتابة عنه. فاليكن موضوعنا هذا أشارة أولية في تسليط الضوء على نتاجات هذا الكاتب والباحث والأعلامي الكبير والذي فاق عدد أصدارات كتبه أصدارات الاديب التركماني الكبير المرحوم عبداللطيف بندر أغلو مدير الثقافة التركمانية السابق في دار الشؤون الثقافية العامة بوزارة الاعلام ومدير مكتب الثقافة التركمانية في الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين.

اليوم نحن فقط بصدد تصفح عمل واحد من الأعمال الإبداعية للأستاذ الدكتور فاروق كوبرولو الا وهو (الشعر التركماني العراقي في المهجر) والذي أصدره مؤسسة قشلة للتنمية الخيرية والبشرية عام 2016.

كتاب كوبرولو المذكور دراسة شاملة ووافية وترجمة أشعار تسعين شاعرا تركمانيا يمثلون العراق من أقصاه إلى أقصاه فمنهم من كركوك وأربيل والموصل وديالى وصلاح الدين والعاصمة بغداد. هجروا وطنهم العراق إلى الغربة للفترة مابين (1605 – 2004) ميلادية وتوزعوا على معظم بلدان العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. وشملت دراسة الزميل كوبرولو أعمال شاعرات تركمانيات أيضا جمعتهم قدر الاغتراب لأسباب سياسية في أغلب الأحوال نتيجة ظلم وبطش وأضطهاد وأستبداد الحكومات العنصرية الدكتاتورية المتعاقبة في العراق. وأعتمد كوبرولو في أعداد دراسته وترجمة أشعار شعراء التركمان في المهجر على سبع وعشرين مصدر أضافة إلى عشرات دواوين الشعراء الذين تناولهم الكتاب.

ولخص الدكتور كوبرولو الأسباب التي كانت وراء هجرة الشعراء التركمان بستة نقاط وهي كالآتي:

1. الظروف السيئة التي مرت بالوطن العراقي، والأضطرابات السياسية التي عصفت به، والحروب التي أستنزفت طاقة هذا البلد والتي أثرت في نفوس الناس ولاسيما الشعراء ومشاعرهم الرقيقة.

2. أحساس الشاعر التركماني بوجوده بين قضبان شائكة، مما جعله يبحث عن التحرر والانعتاق، ويبتغي نشدان الحرية ثم الطيران في أجواء أكثر الهاما في اطلاق قيثارته الشعرية.

3. من الشعراء من أجبر على الهجرة وترك الوطن، وطوردوا بالحديد والنار على مدى التاريخ من سلطات غاشمة وفي أزمنة شتى، فلم يكن امام الشاعر الا المقاومة من خلال التزود بزاد الهجران والابتعاد عن الأوطان والخلان.

4. تدهور الاقتصاد هو سبب آخر في مغادرة بعض الشعراء التركمان لبلدهم. حيث هلك منهم من هلك وابتلى من ابتلى، والشاعر هو الآخر كبقية الأناسي أخذ يبحث عن لقمة العيش، ومزاد طعيم، وشراب يروي ظمأة هنا وهناك، فأنفرد بالهجرة أو أخذ معه شركاءه في العيش من أهل أو من في معيته.

5. قرب تركيا من العراق وسهولة التفاهم بين الشاعر التركماني العراقي والشعب التركي جعلت تركيا حاضنة تجلب اليها المهجرين التركمان ولا سيما الشعراء.

6. ان التاريخ النضالي للشعراء التركمان قد يكون سببا مقنعا يوضح لنا أسباب الهجرة، بل يكون أسمى وأعرق وأنجب سبب.

كما لخص الدكتور كوبرولو خصائص ومزايا الشعر التركماني في المهجر في نقاط عديدة منها:

1. هذا النمط الشعري لشعراء التركمان في المهجر يحمل معه الآهة واللوعة، ويستبد به الحزن في الشكل والمحتوى، من دون ان يتجرد عن الحس القومي. 

2. لم يرسل الشاعر التركماني شعره الا وقد حمله رموزا تركمانية من اسطورة قديمة، وحكاية معبرة، ومجالس محكية، وقلعة شامخة، وأزقة لها حكايات وعناصر، ومعالم أثرية، وأعلام من رموز التركمان ممن عرفوا بولائهم للوطن وخدمة قومهم وبلدهم على شاكلة القائدين التركمانيين العراقيين عمر علي ومصطفى راغب باشا.

3. لم يفقد المهجر الشاعر التركماني اصالة لغته ولسانه الذي ظل رطبا بعنفوان الابجدية التركمانية. أذ ظلت اللغة التركمانية تلازم الشاعر على ضفاف الأنهار في أوربا أو أزقة مدنها ومعالمها.

4. لم يكن الشاعر التركماني في المهجر بمنأي عن القضايا المصيرية لبلده العراق، أذ كان شعره تنبثق عنه قضية فلسطين، وحضارة الرافدين في مصاقمة وتلاحم وتلاقح مصيري مع العراق.

5. وعن النقطة السالفة ينبثق مدى ولاء الشاعر المهجري لوطنه، ومدى غرس هذه الوطنية في روحه، مما يتطلب المقاومة فيما يمس وطنه، والدفاع عن عنه، لأن العراق والتركمان صنوان لا يفترقان عبر الزمان.

6. وزيادة على هذه الروح الوطنية العارمة في أعماق هذا الشعر المهجري، فأن خصالا أخرى أخذها الشاعر التركماني معه، وطور دلالتها في مهجره الشعري او شعره المهجري، وهي تلك الدلالات الصوفية التي قد استحوذت على هذا الشعر.

7. حين أصبح الشاعر التركماني بمنأي عن سياط الجائرين في مهجره، وتخلص من قيود الولاء للظلم والطغيان أذ أخذ عصا ترحاله ليأخذ شعره تابع التقريرية الواضحة بعيدا عن الترميز والألغاز، وذلك ليعم الفهم ويسهل تداوله بين شتى حلقات المجتمع وضوحا ورقة وأسلوبا.

8. أستحوذ أسلوب علاج الظواهر السلبية بأشكالها على شعر شعراء المهجر من التركمان، سواء كانت ظواهر سياسية أو أجتماعية أو غيرها، بعدما أخذت تلك الظواهر السلبية تنخر في جسد المجتمع من متاجرة الوطن أو تفشي الظواهر والمحسوبية وأشكال الطائفية والعرقية. فما كان من الشاعر التركماني الا ارسال رسالة شعرية في نبذ هذه الظواهر التي هي بعيدة عن جسد بلدنا الذي يجب ان يقوم على الولاء للوطن تحت سارية الوحدة والاتحاد.

9. جاء وصف الطبيعة عند الشاعر التركماني في المهجر بطريقتين:

الأولى: وصف طبيعة العراق من خلال معالم اثرية أو مواطن جميلة، وهي اوصاف ارتسمت في دخيلة الشاعر، فيرسلها في قصيدة أشبه باللوحة الناطقة.

الثانية: وصف طبيعة البلد الذي أتخذه مهجرا له، ووصف معامله، ألا ان هذا الوصف لم يخل من دمع يمزج جمال الرؤيا بحسرة النظرات.

10. حمل هذا الشعر أوزانا أو أنماطا من الشعر الحديث لاحتكاك أو محاكاة الشاعر التركماني للشعر في البيئة الجديدة من دون أن يفقد منظومته من شعر (الهجا) و(عد الاصابع) و(العروض) أي ما كان عليه الشعراء التركمان القدامى.

11. أخذت أنماط شعرية أخرى تقتحم الصورة الشعرية مستوحاة من حركات التحرر العالمية أو القومية أو الأنسانية، وهي تصاقب الفكر القومي للشاعر المهجري على ضفاف الأغتراب.

12. أخذت محاكاة كبار الشعراء العالمين تأخذ طريقها بقوة الى القصيدة المهجرية ثراء وجرأة ونتاجا منها الواقعية الأشتراكية أو السوريالية أو الرومانسية الطافحة في بناء هيكل تلك القصائد.

13. أخذ التجديد يفترض نفسه على روح العصر وروح الحياة الجديدة في بيئة الأغتراب فكريا وأجتماعيا، وينزوي التقليد شيئا فشيئا.

14. أخذت التجربة الجديدة تصقل بروحها في هذه القصيدة المغتربة في ترجمة الهموم وعلى أكبر محافل دولية مما صنع قافية سياسية وأجتماعية أخذت تدخل العالمية بكل قوة في بيان التوجه القومي والأنساني معا.

بعد تصفح صفحات كتاب (الشعر التركماني العراقي في المهجر) توصلنا إلى نقاط مهمة يتحتم علينا ذكرها للأمانة الأدبية، مادمنا نتطرق إلى أمر يخص القابليات الأدبية والأبداع في الترجمة من لغة إلى أخرى أعتمادا على عشرات المصادر القديمة والحديثة والمطبوعة بالأحرف العثمانية القديمة والأحرف اللاتينية الحديثة. ومن أهم تلك النقاط:

أولا: آثار ومؤلفات أغلب شعراء التركمان (90) والذين رشحهم الباحث لكتابة دراسته وترجمة أشعارهم وحتى سيرهم الذاتية مكتوبة او مطبوعة باللغة التركية لأجله لا يمكن أبدا نسيان المجهود المبذول الكبير في ترجمة ما يقارب من (300) صفحة والصعوبات التي لاقاه الكاتب المترجم المبدع خلال الترجمة.

ثانيا: الشعراء الذين تناولهم الكاتب كوبرولو في كتابه عاشوا مابين ( 1600 – 2004 ) ميلادية. أي هناك شعراء عاشوا قبل اربعة او ثلاثة قرون او قرنين. أي في فترات كانت الطباعة بدائية جدا ويصعب الحصول على آثارهم وسيرهم.

ثالثا: المؤلف أعد دراسته بأمانة تاريخية كبيرة دون انحياز لأحد ولم ينسى او يترك شاعرا تركمانيا لم يتناوله في كتابه حتى لو لم يكن كتابات بعضهم بمستوى أغلب الشعراء الذين جمعهم الكتاب.

رابعا: أعتمد الكاتب المؤلف في تصنيف الشعراء على تواريخ ميلادهم او تواريخ وفاة بعض الذين يصعب معرفة تواريخ ولاداتهم.

من الأسماء البارزة التي أحتوتهم الكتاب:

- الشاعر الكبير روحي البغدادي الذي توفي عام 1605 يعتبر من ضمن الشعراء التركمان البارزين في مدرسة (الديوان) وكان ينظم أشعاره على أوزان العروض ويأتي بالمرتبة الرابعة في قيادة المدرسة بعد الشعراء نسيمي البغدادي، علي شير نوائي وفضولي البغدادي. أضطر الى ترك العراق لعدم ترض بعض السلطات على ما صدر عنه من قصائد مضادة للواقع آنذاك ونقده السياسي والأجتماعي.

ليس ليسر الدنيا وعمرها خلود

ولا وفاء لخواصها ولا لعوامها

لا تصدقها لو ابتسمت عليك!!

ففي تلك الابتسامة وصفاءها..

جفاء أهوج!!

اعرف وراء كل ضيق فرج عامر!!

لا تجرع الكأس وحدك يا (روحي)

للعشق يوم....

للقاء...

وما بعده

لقاء!!

- والشاعر المشهور نورس عبدالرزاق قديم وهو من أبرز شعراء الشعر الكلاسيكي التركماني في القرن الثامن عشر الميلادي واصدر كتب عديدة منها دواوين شعر بالتركية والفارسية وكتب ادبية وتاريخية أخرى. كان المرحوم نورس قديم شاعر من الطراز الكلاسيكي القديم يكتب اشعاره على اوزان العروض في مواضيع الغزل والرثاء وقضايا العشق والمحبة.

أدر لي ايها الساقي لأشرب

وفي رأسي خمرة عشق سرمدي

وصل لي حبيبتي.. وأنا وحيد!!

في ديار الغربة .. لا حبيبا لي

ولا أخا أعان بهما

أنني سئمت الحياة في عزلتي وغربتي

كن معي أنيسا الطف لي... ولدي مآتم!!

لأن هناك ثمة قدر مستطاع على قهري

وهو همي ولوعتي.

- والشاعر كركوكلو محمد مهري كان عالما متميزا ومفكرا اصدر كتب مهمة منها:

1. الأثر الجليل في مدح علاء اسماعيل.

2. التحفة العباسية للمدرسة العلمية التوفيقية.

3. رحلة مصر والسودان.

4. مرشد اللغات.

5. جلوس نامة.

6. تهنئة نامة خديوية.

7. فن البديع.

8. ترجمة عروس نامة.

- والشاعر تقي الدين محي الدين قابيل هو نجل الشاعر الكبير محي الدين قابيل، شاعر غزلي ووجداني ملقب في الشعر ب(مائل).

أيها الساقي .. كن عونا لي

في قلبي آهات لا تنتهي

أدر لي كأسا نارية.. لأن قلبي

يتأجج شررا

اسلك درب العدم .. بعزم المريدين

بعزم لا يلين

أمنحني نشوة رمق.. لأني على سفر

الى حديقة السعداء!!

- والشاعر نجم الدين أسين صاحب القصيدة المشهورة (سلاما إلى كركوك) كتبها وتغنى بها الفنان التركماني الكبير المرحوم عبدالواحد كوزه جى اوغلو. ولكونه بشاعر وجداني غنائي تغنى له معظم فناني تركيا وتركمان العراق. له آثار مطبوعة عديدة.

في أي زمن تزدان جدائلك

بالألوان المتناهية!!

وتطرز جدائل العرسان بالأبريسيم

والديباج

في أي زمن !!

يطير طائرنا بأجنحة الغرور

وتحلق في رؤوسنا... وهاماتنا

حمامات بيض

في أي زمن؟!

الألف مرفوعات... الى السماء

والوجوه مبشرات بتباشير الحرية

متضرعا لله... وحمد له.

- والشاعر عبدالوهاب البياتي شاعر عراقي من أصول تركمانية، يرجع نسبه إلى عشائر البيات القريبة من طوزخورماتو. يمتاز شعره بنزعته العالمية المعاصرة وله دوواوين شعرية كثيرة منها:

1. ملائكة وشياطين

2. أباريق مهشمة

3. المجد للأبطال والزيتون

4. أشعار في المنفى

5. عشرون قصيدة في برلين

6. قمر شيراز

7. الحريق

8. خمسون قصيدة حب

9. البحر بعيد أسمعه يتنهد

الشمس في معسكر اعتقال

تحرسها الكلاب والتلال

لعل ألف ليلة مرت

ولا تزال

"بنلوب" في أنتظارها

تغزل ثوب النار

أو (اوديس) في جزيرة المحال

يرسل في الأغلال

لعل في (الأولب) لا تزال

آلهة الأغريق تستجدي

عقيم البرق في الجبال

طعامها النبيذ والخبز

وآلام الملايين من الرجال

قلت سلاما

وبكى قلبي

وكان الفجر في الاطلال

يضيئ وجه العالم الجديد

وجه شاعر يحطم الأغلال.

- والشاعر أسماعيل سرت توركمن واحدا من أعمدة الجيل الشعري الغنائي التركماني لستينات القرن العشريني. وهو مؤلف انشودة (قسما بسمائي الزرقاء) الشهيرة. للشاعر مؤلفات عديدة منها:

1. تحية إلى بابا كركر (ملحمة شعرية باللغة التركمانية)

2. صدى كركوك الرياضي

3. سجين البحار (قصة للأطفال)

4. لماذا يسرق الطفل (ترجمة عن التركية)

قسما... بسمائي الزرقاء

قسما... برايتي الشماء

سأناضل لوطني

أما الفناء ... أو البقاء لي

لأجل أن يحيى وطني.

- والشاعر عمر ئوز توركمن هو أبن الشاعر التركماني المعروف محمد راسخ كركوكلي هو الآخر اصدر مجموعة كتب منها:

1. دموع التحضر

2. قطرات من العلوم

3. في ظل المستقبل

4. انقلاب الذهن

5. صلاة الفجر في طاشقند

6. أعتذر من النمل

كركوك..

أيتها الأقدس من أبي

والأجمل... والأحلى من أمي

ثراك سقتها

دماء الشهداء

ترى لمن ؟!

يجعل الله نصيبها

أذ الموت في أحضانها

مردد!

يا وطني

يا وطني.

- والشاعرة نسرين أربيل كبرى الشاعرات على خارطة الشعر التركماني، عالمها الداخلي مشحون بصورة شعرية ومقرونة بالرموز الأسطورية. لحد الآن اصدرت ثلاثة كتب وهي كالآتي:

1. حلم البحر

2. مدينتان

3. مستقبلي

في مكان مجهول أنا

وأكف مشرعة لسمائه الوردية

مياه ساخبة تتساقط

وأصوات فؤوس مسموعة

من جسر حجري قديم

أرى جموعا غفيرة من الناس

كأنه يوم القيامة

منهم سعداء

ومنهم تعساء.

وهناك أسماء لامعة كثيرة شملهم دراسة الدكتور كوبرولو وترجمة أشعارهم إلى العربية، من أمثال الدكتور أحسان دوغراماجى، الدكتور عبدالخالق البياتي، الدكتور نفعي ده ميرجى، عبداللطيف بندر اوغلو، عدنان أسماعيل قوج، أرشد الهرمزي، صلاح نورس، ونصرت مردان.

وأسماء أخرى لشعراء القرن العشرين، أجبروا على ترك العراق نتيجة تعرضهم للظلم والأستبداد والأعتقال وعمليات الترحيل والتهجير أبان حكم العراق من قبل الأنظمة الشوفينية العنصرية والدكتاتورية القمعية أمثال الدكتور ياسين يحيى اوغلو، أبراهيم رؤوف، الدكتور مظفر آرسلان، الدكتور صبحي ساعتجى، حميد كوثر، بكتاش كوبرولو، فاضل ناصر كركوكلو، علي ياغمور اوغلو، فاروق فائق عمر، أدهم دندن اوغلو، مصطفى باجلان، سعدون عثمان كوبرولو، الدكتور مصطفى ضيائى، نهاد ايلخانلى، كمال محمد سليمان بياتلى، عمر ترزى، أحسان ترزى، أحسان كتابجى اوغلو، أوميد عثمان كوبرولو، كلشان شكرجى، شمس الدين كوزه جى وآخرون.

نعم أنه كتاب رائع بكل مسمياته ومن كل جوانبه ويشكر الدكتور فاروق كوبرولو على مجهوده الكبير هذا وأهتمامه الكبير لشريحة مهمة من الشعراء التركمان الذين لم يجمعهم أي باحث آخر في مشروع كتابي آخر. تهانينا القلبية لسيادته على الأبداع والتميز والتألق، وألف مبروك.

كتبوا لنا النأي عنك

وأضرموا... كل أحشائي

غيرت راحلتي صوب

مدن الأغتراب

كعاشق متيم أذرف الدموع

أطفأ الشموع

ليل نهار...

لا أنيس لنا ولا صديق

يشاركني في لوعتي

وأحزاني.

أنا مهجور منخور

في ديار الغربة

لا أدري لمن أتحدث

وبمن أسرد قصتي.

أنت يا كركوك...

تعيشين في فؤادي.

يا قطعة من كبدي...

أنت محط أعتزازي،

ويا محطة مباهاتي

أنا وفي،

لو مت لن أنساك.

أنا تركماني..

أيماني مطلق بقضيتي.

ما أصعب الغربة...

وما أقسى مرارتها،

وأنا سأقدم لك مرة أخرى

لو جعلوني أربا أربا!!

أفتخر بأنني (كوبرولو)

لا يرهبني العدا،

الموت فوق صدرك ...

خلود الشهادة،

وأنا فداء لك يا كركوك.

 

أوميد كوبرولو

مركز توركمن شانى للإعلام والأبحاث

 

 

ali almirhigولد زكي نجيب إبراهيم الأرسوزي في عام 1899 أو في عام 1900 وتوفي عام 1968، في اللاذقية بسوريا، عروبي قومي، دعى لتأسيس حزب البعث عام 1940، وقد تأسس الحزب في عام 1947، ولكن الأرسوزي لم يكن حاضراً  إلا أن لكتاباته في "العبقرية العربية" الأثر الفعل في تأسيس أدبيات الحزب. كان ذا نزوع عروبي بطابع إشتركي. (الأرسوزي: الأعمال الكاملة، ج4، ص352).

سافر إلى باريس عام 1927 لدراسة الفلسفة. تأثر بأستاذ الفلسفة الفرنسي وكاتب تاريخها "أميل بريهييه". كان من الميالين لربط الفلسفة الحدسية البرغسونية بصوفية إبن عربي.

"الفلسفة العربية مدخلها رحماني، نهجها فنيُ، غايتها الذات، إنها نظرة مستوحاةُ من الحياة[1]. الغاية من العيش فيها تحقيق "البطولة"، فهو من المؤمنين بفكرة البطل الذي يستطيع بذكائه تخليص الأمة من الظلم، "ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلأت جورا". فالناس عنده صنفان: صنف العوام، الذين يشتركون بروح واحدة هي الروح المشتركة التي تربط أعضاء المجتمع، وهذه الروح يتلمسها العوام ويُفصح عنها النوابغ والزعيم، وهم من الصنف الثاني، فهو (الزعيم) ذو التجربة الرحمانية المثالية سباَق يُبشرُ بُقرب الموسم، والبُشلرة ذات قوة إيحائية تولد النفوس المُتعثرة في إستجلاء الحقيقة الإنسانية". (الأرسوزي: الأعمال الكاملة، ج4، 494).

وهل في هذا الكلام من معنى سوى اللعب على وتر الوجدان والعواطف، لا يفقد جذوره في المخيال والتاريخ الديني، ليصنع الأمل، ولكنه يبقى في حدود الرؤية امثالية الحالمة. فلو سلمنا بأن الفلسفة العربية مدخلها رحماني، فماذا يعني الأرسوزي بعبارة "نهجُها فنيُ، غايتُها الذات، إنها نظرة مُستوحاة من الحياة" أليس في لعبه هذا في الألفاظ ولع في سحر البيان وغياب وشرود عن البرهان، مستخدمين لغة بيانية لينسجم ردنا مع نزوعه الخطابي، فبأي فلسفة عربية نجد نزوعاً فيها نحو الذات بيناً بالقدر نفسه الذي نجدها فيها تتجه نحو "الملأ الأعلى" بلغة الأرسوزي نفسه.

الكلمة العربية تقي صاحبها من العثرات وتُوفر عليه الجهد المبذول في توضيح المٌشبهات" (بعث الأمة العربية، ص2) وكأن "العبقرية العربية أدركت بالسماء رمزاً للنفس كانت تُشير بين وجهي الحقيقة: الوجود والوجدان" (المصدر نفسه، ص3).

من هموم الأرسوزي تأكيده المُستمر على النابغة، الذي "يُكمل بجهده الصرح الثقافي الذي شادته العامة" ( المصدر نفسه، ص5)، ولا أعرف صروحاً ثقافية أشادتها العامة لا في تاريخ الحضارة الإسلامية ولا في تواريخ الأمم والحضارات الأخرى، فكل العامة وفي كل الأمم والحضارات يُحرَكها "الحس الجمعي" أو ما سُمي عند الفلاسفة بـ "الحس المُشترك الجمعي"، وهو في الكتاب نفسه يربط بين مفهوم العامة وإشتقاقها الذي يرتبط بالعمى، فـالعامي عنده هو من "عُميَ عن تجليات الوجود أو طمست عليه الفوارق" (المصدر نفسه، ص40)

يقول: "لكل أُمة أصيلة وجهتها"، ولم يتضح لنا معنى الأصالة التي يقصدها الأرسوزي، وإن فسرها لنا بأنها "البُنيان الرحماني المُشترك بين المُشَرع والجماعة، ذلك البُنيا الذي تشف فيه الصورة عن المعنى بحيث يتلألأ الذكاء موضحاً الأوضاع العامة، بحيث يشتد عزم الإرادة على إحقاق الحق في نفسه وفي العالم"[2]. وهل لنا في هذا الإنشاء في إختيار محاسن الألفاظ وفقدان المعنى البرهاني والواقعي من قول في تفسيراته الحالمة هذه.

 ولم يتضح لنا معنى الأمة عنده وعلاقة هذا المفهوم بالأصالة، كما يُحاول إيهامنا بالربط الجدلي بينهما. فهل توجد أُمة أصيلة فعلاً؟، أم هو تخيل من بنات تصورات "القوميين" في كل الأمم، فهل العراقيون بعمقهم الحضاري السومري الذي يُشك في أصولهم السامية، لينسب المستشرقون أصولهم لمجتمعات آرية نازحة هم أصل في الأمة العربية؟! وهذا ينطبق على الأكديين والآشوريين الذين لا يمتلكون "عبقرية اللغة العربية" ولكنهم يمتلكون عمق الأصالة العراقية في تاريخهم في الإنشاء الحضاري والعمراني في حضارة العراق القديمة. والأمر نفسه ينطبق على الفينيقيين في سوريا وعلى الفراعنة في مصر وعلى الأمازيغ في المغرب العربي.

كانت الشعوب السامية في إشتقاق الإسم من الفعل من "سمى" "يسمو" فإتخذوا السماء رمزاً (المصدر نفسه، ص8)، كما يرى الأرسوزي لذلك بقينا نعيش في االنزوع للسماء، ولا حياة لنا في الواقع إنما هي في سمونا وتعالينا عليه، فصرن نعيش في "رحمانية" ببعدها السماوي، فحضر " الوجد" أو "الوجدان" و "الجدة" وغاب "الوجود" وإن حضر فإنما يحضر بقبول الأنفس والقلوب له قبل العقول لإعتقاد منه بترادف العلاقة بين الألفاظ "بين الصورة والمعنى" (المصدر نفسه، ص59)، فكان للسامي فاعلية التأثير في المثالي في وإنحسار التأثير في الواقعي، لأن التجاوب بين الإنسان والطبيعة إنما يكون "بتجاوب رحماني" (المصدر نفسه، ص16) لا بإستدلال برهاني عقلاني، إنطلاقاً من تمسكنا "بسم الله الرحمن الرحيم" ( المصدر نفسه، ص16) وفق مبدأ "الحب" (ص17) بين الذات الإنسانية و الذات الإلهية "الرحمانية" عبر "إنكشاف التجربة الرحمانية في الوجدان" (المصد نفسه، ص18)، و"النية تدل هي وصورتها الحسية "نواة" على قُطبي الحياة: الإنسانية والنبات دلالة نهتدي بها بين أبسط درجات الحياة" ( المصد نفسه، ص61ـ62)، والأخلاق تدل عل "الخلق" بمعنى الإيجاد والإبداع وعلى معنى الخُلق، ليكون معناها في العربية "هي فن إيجاد الحياة وإبداعها، أي تحقيق الفطرة الموروثة ثم إستئناف النمو الأرقى فالأرقى" (المصدر نفسه، ص65)، ففي الأخلاق سعي نحو السمو والتسامي.

وما صلة الإنسان بالفكر إلَا بصيغة "فك" التي يبتدأ بها إسم "فكر" (المصدر نفسه، ص27) التي تحمل في طياتها سعياً لـ "فك" إرتباط الإنسان بعالمه الرحماني "الملأ الأعلى".

لرحمانية الأرسوزي بعدها التجذيري في معرفة الجذر اللغوي للفظ واللعب على المشتركات فيه، فـ "إنعقاد الحياة على الجنين في الرحم دل على أنه قد أدرك الشبه بين حدي تطور الأحياء" (المصدر نفسه، ص33 وص59) والرحم يشترك مع الرحمة في النزوع الوجداني نحو "الرحمن".

ومشكلة العقل الأوربي عند الأرسوزي أنه توقف عند التأمل والتعقل، فلم "يُدرك الصلة بين الخير المُستفيض والواجب بين المعرفة الرحمانية والإصلاح العام" (المصدر نفسه، ص37)

   يصنع الأرسوزي "الجمهورية المُثلى"[3] على غرار جمهورية إفلاطون وعلى مثل سبق في الفلسفة الإسلامية عند الفاربي في "المدينة الفاضلة"، وفي هذا الكتاب كما في كتابه "العبقرية العربية"[4]، وفي أعماله الكاملة[5] التي جُمعت فيما بعد، وكلها تسير في المنحى نفسه في تأصيل الإشتقاقات اللغوية وربط الحسي منها بالوجداني، في تفضيل بين وجلي منه لبديع الألفاظ ومحاسنها في أبعادها البلاغية في المجاز والإستعارة والبيان.

إنه بحق يصنع جمهوريته اللفظية المُثلى ليسرح بخياله الشاعري ليجعل من الوهم حقيقة، ولينسج بيت العنكبوت المُعجز ليصنع الحُلم العربي في بناء وطن مُتخيَل.

فهو صانع مفهوم "البعث العربي" و "الحدس العربي"، فالحرية والحق يزدان إنوجادهما في الوجدان الذي يتحقق بالتجاوب الرحماني مع العناية الإلهية، الذي صنع الشريعة السماوية  المُشتقة من فعل "شرَع". و "البعث العربي حزب ثقافي سياسي، الغرض من تأسيسه إعادة العرب، إلى أصالتهم إلى سابق مجدهم... ويعتقد مؤسسو البعث بأن الأمة العربية عبقرية مُبدعة لمظاهرها، ومُجهة لهذه المظاهر نحو الإستزادة من الإبداع والحرية..." (الأرسوزي: الأعمال الكاملة، ج6، ص49).

وقد بان وإستبان عبقرية العرب مع حكم البعث حينما حول البعثيون إعادتنل لظُلمات التاريخ، فضيعنا الماضي ولا حاضر لنا، وقد أجهز المتأسامون على بقية الحاضر وبقايا بعض الأمل في المستقبل في التجهيل والفساد وخراب البلاد والعباد.

 

د. علي المرهج – أستاذ فسلفة

................

[1] زكي الأرسوزي: بعث الالأمة العربية، دار اليقظة، سوريا، ط1، 1954، ص1.

[2] زكي الأرسوزي: الجمهورية المُثلى، دار اليقظة، سوريا، ط1، 1965، ص32. 

[3] مصدر سابق.

[4] زكي الأرسوزي: العبقرية العربية، دار اليقظة، سوريا ط1، بلا.

[5] زكي الأرسوزي: الأعمال الكاملة، سوريا، بلا دار، طُبعت بين عامي 1972 و1976، وفيها كتب الأرسوزي التي أشرنا لها في متن مقالنا.

 

 

nabil alrobaei2كُتبت الكثير من المقالات والدراسات والرسائل والأطاريح الجامعية والمؤلفات بعد عام 2003م عن تاريخ يهود العراق، وقد ناقشت هذه الدراسات الجوانب المختلفة من حياة الطائفة اليهودية في العراق في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية والفنية، فالطائفة اليهودية في العراق تستحق كل هذه الدراسات العلمية والتاريخية بسبب مواقفها الوطنية وتمسكها بالهوية العراقية.

قدمَّ عبرَّ التاريخ اشخاصاً عرفوا بعراقيتهم ووطنيتهم لتحملهم أكبر التضحيات والمهام في المجتمع العراقي الذي كانوا يعيشون فيه، وهم يمثلون مطلع القرن العشرين ثلث سكان بغداد، فتملكوا أدواراً رئيسة في إدارة شؤون الدولة العراقية، فضلاً عن تمسكهم بعراقيتهم وهويتهم الوطنية حتى بعد هجرتهم القسرية والتي بدأت منذ منتصف عام الفرهود 1941م ولغاية عام 1982م.

الهوية في نظري لا تعتبر شيئاً مقدساً أو ثابتاً نهائياً ما لم يكن الفرد مدفعاً حقيقياً عن مواطنته وبلده، لكن بمعناها الحقيقي ما يقدمه المواطن بفاعلية للمجتمع الذي يعيش فيه، ومن خلال ذلك تتضح معناها الحقيقي وهوية الفرد الحقيقية، وقد كان ذلك ليهود العراق، فقد اصبح العراق لهم الحاضن والنتاج الوطني لهوية من خلال الاندماج الوطني ضمن الجماعة السياسية المسماة بالدولة، والاندماج مع الأعراف والطوائف والكيانات وهي التي تشكل الروح والثقافة الوطنية الجمعية من خلال ولائهم للهوية العراقية.

يرجع تاريخ تواجد اليهود في العراق إلى عهد الإمبراطورية الآشورية الأخير، التي دامت ثلاثة قرون كاملة منذ بداية القرن السابع قبل الميلاد، وذلك في أعقاب عدة حملات قام بها شلمنصر الثالث الآشوري (859ق.م- 824ق.م) على مملكة يهوذا وسبى الكثير من أهلها ونقلهم إلى مملكة أشور، ثم الملك تجلات بلاشر الثالث (746-727ق.م) بحملة ثانية على إسرائيل، وفي عام 721ق.م. قام الملك شلمنصر الخامس الآشوري (727-722ق.م) بحملة عسكرية ثالثة على إسرائيل ولكنه مات في العام 722ق.م. ورغم موت الملك الغازي سرجون الثاني (722- 705 ق.م) استطاع قائد القوات الآشورية في النهاية احتلال المدينة وسبي أهلها، ونقل معهُ من الأسرى اليهود ما قدَّر بنحو عشرة آلاف يهودي حيث تم إسكانهم في المنطقة الكردية  بكردستان العراق، أما الحملة العسكرية الرابعة في العهد الآشوري فقد تمت في العام 702ق.م، حيث قاد الملك سنحاريب الآشوري (705-681ق.م) جيوشه متوجهاً صوب مملكة يهوذا واستولى على 46 مدينة وأسر 150 - 200 إسرائيلياً.

يعتبر يهود العراق من أقدم الطوائف الدينية الموجودة في العراق والعالم، حيث يرجع تأريخ وجودهم إلى أكثر من 26 قرناً خَلّت، واستطاعـوا رغـم منـاخ العراق وتقلبات الظروف وترادف الغزوات والحروب أن يتشبثوا بترابه إلى وقت متأخر. حتى أنهم شكلوا في أواسط القرن التاسع عشر نصف سكان  بغداد، وفي بدايات القرن العشرين ربعه أو  ثلثه، وتمتعوا دائماً بمكانة اجتماعية مرموقة ، وأمسوا يشكلون الدالة الاجتماعية المتبغددة المترفة، ويجسدون روح وذوق بغداد الفني والجمالي.

كوَّن المجتمع اليهودي في بابل خلال 2500 سنة من السبي البابلي لمملكة يهوذا طائفة متجانسة، واستطاع الحفاظ على هويته الدينية وثقافته وتقاليده على مر العصور، وقد استعربوا بصورة تكاد أن تكون كاملة متشابهة مع اقرانهم العرب المسلمين من حيث اللغة والتقاليد الاجتماعية وطرق معيشتهم، وقد امتاز اليهود عن مواطني العراق بلهجتهم العربية القديمة التي تطورت في أيام العهد العباسي وخاصة زمن الخليفة هارون الرشيد، وقد عرفت لهجتهم العربية بالمفردات والإشارات التوراتية، وفي القرن العشرين اضيف اليها كلمات ومصطلحات انكليزية وفرنسية نتيجة تدريس هاتين اللغتين في المدارس اليهودية.

وبعد السبي البابلي ساروا على نصيحة نبيهم فاشتروا الأراضي وزرعوها واسسوا عليها المدارس والكليات الدينية (المثيبات)، في بغداد وعنة، كما تم انشاء اكاديميات (مثيبات) في سورا ونهر دعة وبمباديتا، وكان يشار لرؤساء هذه المثيبات بلقب (غاؤونيم) وهم السلطة العليا في الشؤون الدينية ، واقاموا حياة مستقلة مركزها الكنيس بقيادة الحبر الأعظم، انتهى استعباد اليهود في بابل عندما احتل الملك الفارسي كورش (سيريوس الثاني) بابل سنة 538 ق.م، وسمح لليهود بالعودة إلى ديارهم، فعاد البعض وبقيّ الكثير من اصحاب المهن والأغنياء والعلماء والأمراء.

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.

لا يخامرنا شك فِي اهتمامِ المُجْتَمَعات الإنسانيَّة المتحضرة بفترةِ المراهقة فِي حياةِ أفرادها، بوصفِها المرحلة الَّتِي يصبح الفرد بعدها راشداً، ومؤهلاً للعبِ دور مؤثر فِي مُجْتَمَعه، مَا يؤكد حاجة المراهق إلى متسعٍ مِنِ الوقت مقروناً بجملةِ متطلبات؛ لأجلِ التوافق مَعَ عالمِ الراشدين قصد اكتساب مهاراتهم الَّتِي تؤهله للعملِ بسُّبُلٍ فعالة اجْتِمَاعِياً. وَفِي الوقتِ الَّذِي يشير فِيه البعض إلى تلك المرحلة باسْمِ " أَزْمَة المراهقة "، فالمتوجب إدراكه أيضاً هو أنَّ مفهومَ " المراهق " المعتمد فِي الأدبياتِ الإنجليزية مشتق مِنْ أصله اللاتيني الَّذِي يعني التدرج نحو النضج، مَعَ العرضِ أَنَّ الأزمةَ لغةً تعني الانقباض وَالشدة وَالألم؛ لذا تعددت تعريفات جهابذة علمي النفس والاجتماع حَوْلَ اصطلاح مرحلة المراهقة، حيث أَنَّها بحسبِ الدكتور أحمد زكى صالح تبدأ بالبلوغِ وَتمتد حتى سن الرشد، بوصفِها المرحلة النمائية أو الطور الَّذِي يمر فِيه الفرد غير الناضج جسمياً وعقلياً وَاجْتِمَاعِياً - الَّذِي يطلق عَلَيه عادة اسْم الناشئ - نحو بدء النضج الجسماني وَالعقلي وَالاجْتِمَاعِيّ. وَفِي صَخَبِ الجدل الدائر مَا بَيْنَ المُتَخَصِّصين حَوْلَ تحديد مفهوم مرحلة المراهقة، يمكن الاستنتاج بأَنَّها فترةٌ مِنْ حياةِ كُلِّ فرد تبدأ بالطُفُولةِ وَتنتهى بابتداءِ مرحلة النضج أو الرشد، وَتتميزُ فِي بدايتِها بحدوثِ تغيراتٍ بيولوجية عند البنات وَالأولاد تصاحبها تغيراتٌ أخرى. وَقَد يكون زمن هذه المرحلة طويل المدى أو قصيرا ، بالإضافةِ إلَى أَنَّ مدتَها تختلف مِنْ أسرةٍ إلى أسرة، وَمِنْ مستوى اقْتِصادِيِّ اجْتِمَاعِيّ إلى مستوى اقْتِصادِيِّ اجْتِمَاعِيّ آخر، وَمِنْ حضارةٍ إلى حضارة أخرى، بل أَنَّ تلكَ المدة تتذبذب فِي المُجْتَمَعِ الواحد ذاته مِنْ وقتٍ إلى آخر بالإستنادِ إلى طبيعةِ الظروف الاقْتِصَادِيَة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ بعضَ الدراسات تشيرُ إلى مرحلةِ المراهقة بوصفِها فترة مِنْ حياةِ الإنْسَان الَّتِي يزداد فِيها الصراع مَا بَيْنَ المراهق والمُجْتَمَع. وَيمكن القولَ إنَّ المراهقةَ تُعَدّ أحدى  مراحل حياة الإنْسَان الطَبيعيَّة، مَا يعني عدم صِحة الطروحات الَّتِي تشير إليها بوصفِها أَزْمَة، كما أَنَّها ليست مرضاً مثلما ينظر إليها بعض الباحثين؛ إذ أَنَّ المراهقةَ تشكل فِي واقعِها المَوْضُوعِيّ مرحلة الإنسلاخ الطَبيعيّ مِن الطُفُولةِ إلى الرشد. وعَلَى الرغمِ مِنْ كونِها تشكل عصب الحياة، إلا أَنَّها تكون عادة مصحوبة ببعض الآلام الَّتِي تلزم الآباء بفهمِ نفسية الأبناء، إلى جانبِ فهم الأبناء لفكرِ الآباء مِنْ أجلِ مرور أيامها بسهولةٍ وَيسر وَمِنْ دُونِ أيِّ قلقٍ أو توتر أو شعور بالذنب؛ لأَنَّها تمثل فترة حرجة فِي حياةِ الإنْسَان تقتضي تكيفاً  مِنْ نوعٍ جديد يختلف تماماً عَمَا كان الفرد قد تعود عليه فِي مرحلةِ الطُفُولة، حيث يرى أغلب علماء النفس أنَّ المراهقةَ تعنى العمر الَّذِي يندمج فِيه الفرد مَعَ عالمِ الكبار، والعمر الَّذِي لَمْ يُعَدّ فِيه الطُفل يشعر أَنَّه أقل مِمَنْ هم أكبر مِنه سناً، بل هو مساوٍ لهم فِي الحقوقِ عَلَى أقلِ تقدير.

صـغـير كالبرتقالة قلبي ..

لكنه

يسَـعُ العالمَ كله 

***

لا تسـأليني مَنْ أنا

فإنني أجهلُ مَنْ أكونْ

كلّ الذي أعرفه عني

أنا مدينة الحكمةِ

لكنَّ الذي يدخلها

لابدّ أنْ يُصاب بالجنونْ

**

أملك من الوطن :

إسمه في جواز سفري المزوّر ...

لستُ حُرّاً فأطلّ من الشرفات ..

ولا عبداً فأحطم قيودي ..

أنا العبد الحرّ

والحرّ العبد ..

محكوم بانتظار " غودو " جديد

لم تلده أمّه بعد!

***

أنتِ لستِ شمساً

وأنا لستُ زهرة دوّار الشمس ..

فلماذا لا يتجه قلبي

إلآ نحوك ؟!

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ إنتقالَ السَّماوي مِنْ مرحلةِ الدراسة الإبتدائية إلى المتوسطةِ شكل انعطافاً مهماً فِي حياتِه بفضلِ مَا ولّدته - المرحلة الجديدة - مِنْ معطياتٍ مواكبة لِمَا تفرضه عادةً مراحل الانتقال مِنْ تغيرات، فَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ إيجابيةَ انعكاساتها كان لها الإثر الكبير فِي المُسَاهَمَةِ بانفتاحِه عَلَى الحياة الَّتِي ألزمته الجهد فِي السعيَّ لإرساءِ اللبنة الأساسية الأولى لمقوماتِ بيْئَة بنائه التعليمي والفكري، وَالَّتِي ترتب عَلَيها إثارة محركات وَعيه فِي ضرورةِ السيرِ باتجاه مَا مِنْ  شأنِه إثارة موجبات تدفقِ البدايات الأولى لموهبته الشعرية، فضلاً عَنْ تحفيزه لتوسيعِ آفاقه المعرفية بالأحداثِ السياسية والتاريخية الَّتِي شكلت لاحقاً أحد أبرز ملامح تجربته الإبداعية المتميزة، وَالَّتِي عبر مِنْ خلالِ فضاءاتها عَمَا يجيش فِي نفسِه مِنْ خلجاتٍ وَمشاعر إنسانيَّة، وَمَا يجول فِي خلِده وَيدور فِي ذهنِه مِنْ أفكارٍ وَمعانٍ تتعلق بقضايا الإنْسَان وَمَا يكابده مِنْ تعنيفٍ وَإذلالٍ واستلاب، فلا غرابَةٌ مِنْ الهَدِيرِ الَّذِي تحدَثَه نصوصه فِي أعماقِ النفس البشرية وهو يبوح بحزنِ صادق - وسط مناخ محلي بالغ الاضطراب وَمفتوح عَلَى احتمالاتٍ أحلاها مُرّ - عَنْ همومِ شعبه، ومَا عاشته بلاده مِنْ تحدياتٍ قصد استباحتِها وَتفتيت نسيجها الاجْتِمَاعِيّ، وَلاسيَّما مَا ظهرَ فِي التاريخِ القريب مِنْ أساليبِ الإدارة غير المشروعة، وَلاسيَّما الاعتداء عَلَى حقوقِ الأكثرية الساحقة مِن المواطنين بفضلِ سياسة المحاصصة الَّتِي نجمت عَنْها ممارسات وَسلوكيات ضاعفت مِنْ معاناتِهم وزادتهم فقراً وَبؤساً وَجوعاً وَحرماناً، إلى جانبِ جرائمِ النهبِ واللصوصية الَّتِي أزكمت فضائحها حتى أنوف الموتى. يُضافُ إلى ذلك مَا عكر صفو مزاعم الدوائر الامبريالية وَالسائرين فِي فلكِ سياساتها مِنْ محيطِ العراق الإقليمي فِي ادعاءِ الإنسانيَّة وَالزعم برعايتِها حقوق الإنْسَان، وَحماية الأفراد وَحقوقهم الإنسانيَّة؛ إذ لَمْ تكتفِ بِمَا ارتكبته مِنْ جرائمٍ بحقِ وَطننا وَشعبنا وَتعمدها تبديد ثرواتنا قصد اِسْتِغلالها، وَلاسيَّما مَا ظهرَ مِن المحاولاتِ الخبيثة الرامية إلى تجريفِ تاريخ العراق الغني بالمآثر، وَالعمل عَلَى تخريب معالم حضارته وَقيمه العِلْميَّة وَالتاريخيَّة وَالتَرْبَوِيَّة، وَالتكالبِ عَلَى ينابيعِ ثقافته وَمنظومته القيمية مِن أجلِ تصديعها وَتفكيك مرتكزاتها قَصد تعريضها إلى الاضمحلال.  

لا تُـطـفِــئـي الـنـيـرانَ فـانــتـظـري

حَـطَـبـي لــنــبــدَأ شـهــوةَ الــشــرَرِ

//

تــنُّــورُ وادي الــلــــــوزِ أيْــقــظَ بـي

عَـطَـشَ الـرمـــالِ لِـكـوثَـرِ الـمَــطَــرِ

//

وثَــقَ الــفــراتُ بــنـــــا فــأوْدَعَــنــا

سِــرَّ اخـضـرارِ الـعـشـبِ والـشّـجَـرِ

//

بَـصَـري عــفــيـفُ الإثـمِ فـاتَّـخـــذي

ثـوبـاً شَــفــيـفـاً مـن سَـنـى بَـصَـري

//

شَــفَـعَ الـهـوى لـيْ فـي هــواكِ وقـدْ

أسْـــلَــمْــتُــهُ قــلــبـــي عـلـى كِــبَــرِ

//

لا تـحــرمـي ثـغــري رحِــيــقَ فــمٍ

عـذبٍ وعَــيــنـي مــتـعَــةَ الــنـظَــرِ

//

أحـدو .. وقـافــلـــتــي هَــوادِجُــهــا

حُـبــلـى بــمــا هَــيّـأتُ مـن صُــوَرِ

//

مـاضٍ إلـــيــكِ غــدي يُــســـابِــقُــهُ

يَـومـي ويَــســبـقُ أنــمـلـي وتَــري

**

الحب والوطن

توأمان سياميان ..

متشابهان

باستثناء :

أنّ للوطن حدودا

ولا حدود للحب!

***

كلُّ ضـغـائن العالم

أضعفُ من أنْ

تهزم

قلبين متحابّين

***

نحن كالأسماك ياحبيبتي :

نموتُ إذا لم نغرقْ

بحب الوطن ..

وكالحب :

تصدأ مرايانا

إنْ لم نُزِلْ عنها ضبابَ الكراهية

***

تضرّعتْ روحي :

اللهمَّ أعطِني قلباً لا يعرف الحب ..

واغفرْ لي جنوحي

لأن القلب الذي لا يعرف الحب

لن يعرف العبادة!

***

إثنان لا ينضبان:

الألم ... والأمل

الأول بحرٌ أحمق

والثاني طوق نجاة ..

لن أخشى حماقاتي

مادمتِ طوق النجاة

ياحبيبة من ماء وتراب

مِنَ الْمُهِمِّ التنويه هُنَا الى أَنَّ الانتقالَ المذكور آنفاً، أفضى إلى تحولاتٍ بنيوية فِي مسارِ حياة السَمَاوي، ولعلَّ فِي طليعةِ تلك التغيرات هو مضاعفةُ منزلته فِي البيت، وترسيخ ميّزه عَنْ بقيةِ أشقائه وشقيقاته، فقد أصبح مصروفه اليومي عشرة فلوس وَأحيانا خمسة عشر فلسا - قيمة الدينار العراقي حينئذ كانت تعادل ألف فلس- وأصبح الفتى السَمَاوي أكثر شغفاً فِي اعتمادِ مَا متاح مِن الآلياتِ الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي تطويرِ تكوينه الشخصي وَزيادة وعيه الفكري وَتحقيق نضجه السلوكي عبر السعي فِي محاولةِ توسيع مَا تتطلب مهمة بناء شخصيته مِنْ آفاقِ البناء التربوي تَبعاً لمقاييسِ الحياة المعاصرة، حيث كان يبدي اهتماماً بالغاً فِي الاعتناءِ بمظهرِه بعد أنْ وجدَ متعة فِي الاستمرارِ بكيِّ بنطلونه وقميصه عَلَى خلفيةِ شراء والده " مكواة " لا مثيل لها فِي عالمِ اليوم؛ إذ أَنَّ إمداداتِ الكَهْرَباء لَمْ تكن مصدراً لطاقَتِها الحراريَّة، وَإنما تعتمد فِي اشتغالِها عَلَى الطَّاقَةِ الحراريَّة المستمدة مِن الجمرِ الَّذِي يجري الحصول عَلَيه بواسطةِ حرقِ الفَحْم أو الحطب، حيث صممت هذه المكواة الَّتِي كانت ثقيلة الوزن بشكلٍ يسمح بفتح سطحها العلوي يدوياً مِنْ أجل وضعِ الجمر الساخن بداخلِها وَإعادة غلقها قصد تسخينِها وجعلها جاهزة لِكَيِّ الملابس. وَمما هو جدير بالاهتمامِ أَنَّ أولَ ظهور للمكواةِ يعود بحسبِ الروايات التاريخية إلى القرنِ الرابع الميلادي الَّذِي شهد اختراعها مِنْ قبلِ أهل الصين قبل أنْ تمر بمراحلٍ تطويرية عديدة مِنْ ناحيتي الشكل والأداء والمواد المستخدمة فِي تصنيعها، حيث اعتمدت أشكالها الأولية عَلَى استخدامِ الخشب، ثم الرخام، فالزجاج قبل أنْ تستقرَ آراءُ المصممينَ عَلَى الركونِ إلى اِسْتِغلالِ المعادن بفعلِ جودتها فِي توصيلِ الحَرَارَة وَالاحتفاظ بِها، واستمرت محاولات تطويرها حتى اختراع المكواة الكهربائية فِي منتصفِ القرن المنصرم، وَتحديداً عام 1950م.

أخمرةٌ صوفيةٌ

عَـتَّقها في ثغركِ العشقُ

يرى شاربُها الفردوسَ في دنياهْ ؟

أسكرني حين رشفتُ القبلةَ الأولى

فجُنَّتْ شفتي

وأدمنتْ أوردتي طِلاهْ

فكيف لا يسكرُ هذا الثغرُ

من شذاهْ؟

***

بين احتضاري في غيابك

وانبعاثي في حضورك :

أتدلّى مشنوقاً بحبل أسئلتي

مُحدّقاً بغدٍ مضى

وبالأمس الذي لم يأتِ بعد

***

حين نستقل قارب التجوال فِي قنوات الماضي القريب لاستعادةِ مَا يخدم البحث مِنْ مجريات تلك الأيام، بالإضافةِ إلَى إفادته فِي المُسَاهَمَة بإغناءِ مضامينه، نلحظ بشكلٍ جلي أنَّ أهميةَ الإنجازات الَّتِي أفرزتها تجربة مجلس الاعمار فِي خمسينياتِ القرن الماضي، لَمْ يكن بوسعِها إيقاف التراجع الحاصل فِي القِطاعِ الزراعي، حيث شهدت تلك الفترة ارتفاع معدلات هجرة الفقراء والمعدمين مِن الريفِ إلى المدينة، وَالَّتِي عَلَى أثرِها أقيمت فِي أغنى بلدان العالم وَأعرقها حضارة وَمَدَنيَّة مَا أشير إليها باسْمِ " مدن الصرائف " الَّتِي شكلت فِي العاصمةِ بغداد لوحدِها مناطق واسعة أقامها المهاجرون الذين كان أغلبهم مِن العاملين فِي معاملِ صناعة الطابوق وَأعمال البناء وَالمتطوعين فِي دوائرِ الشرطة أو الجيش. وَيرى المتخصصون أنَّ نصيبَ المجتمع العراقي مِنْ أنْشِطَةِ قِطَاعَات الصِحة وَالتَّعْلِيم وَالخدمَات البَلَديَّة كان ضئيلاً جداً حينئذ بسببِ تواضع التخصيصات المَالِيَّة الخاصة بهذه القِطاعات مِنْ قَوَانِينِ موازنة الدَّوْلَة العامة، وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ تخصيصاتِ التَّعْلِيم كانت أكثر مِنْ تخصيصاتِ القِطاع الصِحي، إلا أنَّها كانت قليلة جداً مقارنة بالزياداتِ السنوية التي طرأت عَلَى قيمةِ الموارد الرئيسة لبناءِ الدخل فِي السنواتِ الأخيرة مِن العهدِ الملكي، فلا غرابة مِنْ محدوديةِ تطور أداء وزارة المعارف - التربية حالياً - خلال ثلاثة عقود مِن الزمان، فمثلاً ازداد عدد المدارس الإبتدائية فِي عامِ 1957م بمعدلِ سبع مرات فقط عَنْ عددِها في عامِ  1927م. وَليس خافياً أنَّ ضعفَ الاهتمام الحكومي بالقِطاعِ التربوي المتزامن مَعَ صعوبةِ ظروف المعيشة كان أحد الأسباب الرئيسة لانتشارِ الأمية فِي بلادِنا، وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو لجوء السواد الأعظم مِن الأهالي فِي تلك الأيام إلى " الملا " مِنْ أجلِ قراءة المكاتيب - الرسائل - الَّتِي تَرِد إليهم وكتابة ردهم عَلَيها؛ لِذا فإننا لا نبعدُ عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ المعلمَ بمؤهلاته العلمية وَالمعرفية وَتفاعله مَعَ المُجْتَمَعِ، كان يفرض شخصيته وَاحترامه عَلَى محيطِه، الأمر الَّذِي عمق رغبة غالبية السكان المحليين فِي التطلعِ إلى عملِ أبنائهم فِي مجالِ التَّعْلِيم.

أكلُّ هذه السنين العجاف ..

الهجير ..

الحرائق ..

معسكرات اللجوء ... المنافي ..

وقلبي لم يزلْ

أعمقَ خضرةً من كلّ بساتين الدنيا ؟ !!

***

ياسادتي الولاةُ في مدائنِ الأحزانْ

جميعكم أحصنةٌ

لا تملك الأمرَ على لجامها

فكيف للشعوبِ أن تقيمَ مهرجانها

حين يقودُ ركبَها حصانْ

يركبه المحتلُّ والآفكُ

والمنبوذُ والجبانْ؟

***

أيها الحزن لا تحزن ..

أدرك أنك ستشعر باليُتم بعدي ..

لن أتخلى عنك

أنت وحدك مَنْ أخلص لي

فكنت مُلاصقي كثيابي

حين تخلى عني الفرح

في وطن يأخذ شكل التابوت!

تأسيساً لِمَا تقدم، فإنَّ انتظامَ السَماوي بمرحلةِ الدراسة المتوسطة كان يعني بالنسبةِ لأمه وَأبيه - طيب الله ثراهما - معبراً أمده ثلاث سنوات يؤهله لدخولِ " دار المعلمين " الَّتِي تفرض عَلَيه ضوابطها الدراسة لثلاثِ سنوات أخرى مِنْ أجلِ أنْ يتخرّج معلماً، وَالَّذِي كان يشكل أقصى أحلام والديه؛ إذ كانا ينظران إلى خاله علي " رحمه الله " نظرة إكبار وَتبجيل، بوصفِه الوحيد مِنْ بَيْنَ أفراد أسَرة جده وأعمامه وأخواله، فضلاً عَنْ بقيةِ أقربائه فِي مدينةِ السماوة مَنْ أكمل دراسته وتخرّج مُعلّماً وَضمن مستقبله كموظفٍ حكومي وَليس كبقّال أو عطّار أو بائع " شربت " - وَهي المهن المتواضعة الَّتِي مارسها جده وَأبوه وَأعمامه وَأقرباؤه.

أعرف تماماً أين يرقد " نيوتن "

وأين كان الحقلُ

لكن :

في أي تنور انتهت الشجرة ؟

وفي أية معدة استقرت التفاحة ؟

***

أعرفُ أنَّ العبيد

هم الذين شيّدوا :

الأهرام ..

سور الصين ..

جنائن بابل ..

ولكن :

أين ذَهَبَ عرقُ جباههم ؟

وصراخهم تحت لسع السياط

أين استقر ؟

***

إنْ كان يستأصل محتلّاً

وما يتركُ في مستنقع السلطة من أذنابْ ..

إنْ كان يستأصل من بستاننا الضباعَ

والجرادَ ..

والذئابْ

وسارقي قوت الجماهيرِ

وتجّار الشعارات التي شوّهتِ المحرابْ ..

إنْ كان يجتثُّ الدراويش

المفخخين بالحقد ..

وساسة الدهاليز

الذين يعرضون بيتنا للبيع

خلف البابْ

فإنني :

أبارك الإرهابْ

***

إرتباك عاشقين

أفزعهما انفجارُ قنبلة

أو صفارة إنذار ..

سقوط عصفور بشظية ..

أو جرح سعفة نخلة :

أسباب وجيهة

لرفضي الحروب

ما لم تكنْ

ذوداً عن وطنٍ

وكنساً لوحل احتلال !

**

 

 لَطيف عَبد سالم

 

adnan aldhahir2لماذا هربتَ أمس ولم تستطع مواجهة بعض خصومك إجتمعوا على مائدة مستديرة لكي يناقشوا شأناً من شؤونك؟ وكان حريّاً بكَ أن تحضر هذا النقاش وتقارع الخصوم حجةً بحجة وأن تُفحمهم بدل رفضك المشاركة . لقد أثلجتَ صدورهم بغيابك عنهم وتركتَ الميدانَ لهم وحدهم يصولون فيهِ ويجولون ولا مَن يُدافع عن أبي الطيّب المتنبي . منحتهم فُرصة ذهبية ما كانوا يتوقعونها في السماء فوجدوها على الأرض . كنتُ أتكلم معه لكنه تجاهل خطابي منصرفاً عني متظاهراً بقراءة كتاب حمله معه . تركته وإنصرفت بدوري عنه لمشاهدة بعض البرامج التلفزيونية . غرق صاحبي في صفحات كتابه ونسي حتى نفسه .... نسيَّ التدخين ... لم يطلب شاياً أو ماءً . ما خطبُ صاحبي هذا اليوم؟ ما الذي جرى له هناك على سطح كوكب المريخ؟ إنتبه بعد حوالي نصف ساعة على نفسه وإليَّ فسألني جاداً: ماذا كنتَ تقول؟ ضحكتُ ... واللهِ ضحكتُ، لأنني لم أكنْ مستعداً للبكاء، وشرُّ البلية ما يُضحك كما قال الأجداد . كرر سؤاله: ماذا كنتَ تقول؟ كررتُ بدوري السؤال على نفسي: ماذا كنتُ أقولُ؟ نسيتُ ما كنتُ قد قلتُ لصاحبي، نسيتُ قولي لأنه لم يعرهُ ما يستحق من إنتباه .

سألته وأنت يا ضيفي العزيز، ما كنتَ تقرأ؟ قال كنتُ أقرأُ في نسخة مُنقَّحة ومَزيدة من ديواني الشعري . هل أضفتَ له أشعاراً غير معروفة أو حذفتَ منه أشعاراً معروفة كانت فيه دوماً؟ قال أضفتُ وحذفتُ . وهل حذفتَ شيئاً من أشعار الرومانس؟ قال كلاّ . كنتُ وسأبقى معتزّاً بغزلي ونسيبي وتشبيبي . ليس فيه ما يُخجلني وليس فيه ما أندم عليه . غزلي، لعلمك، أصدق أشعاري لأنني لم أبتغ ِ من وراء قوله مالاً أو جاهاً . ينبع من صميم القلب والوجدان . لا تصدّق أني قلت شعراً في الرومانس دونما تجربة حب حقيقية مهما قصُر أمدها وحتى لو كانت عابرة . قلتُ لكنك يا أبا الطيّب لم تكتب قصيدة واحدة كاملة خالصة للحب والرومانس . قال ذلك أمر آخر . لم نتخصص في هذا الضرب من فن قول الشعر . كانت الأبواب الشعرية التي طرقتها متشعبة ومعقدّة بحيث لم تترك لي مجالاً كافياً لإفراد قصائد خاصة بالرومانس . كنتُ أوزّع أشعار الرومانس على القصائد المعروفة في ديواني، أضعها في مقدمة القصائد حتى لو كانت قصائد غزو وحروب . هل نسيتَ قولي:

إذا كانَ مَدحٌ فالنسيبُ المقدَّمُ

أكلُ فصيحٍ قال شعراً مُتيّمُ؟

لا، لم أنسَ هذا البيت يا ضيفي وكيف أنساه . جعلتُ النسيب، قال، بمثابة الجبهة بالنسبة لوجه الإنسان . الجبهة والمقدمة والطليعة . هكذا كانت تقاليد وعادات زماننا . قلتُ ألم يشذ عمر بن أبي ربيعة عن تلك التقاليد والعادات؟ قال، كان عمر أميراً مترفاً مرفّهاً مدلل الخلفاء وذا نعمة وبسطة عيش فكان له مزاجه الخاص وطُرُق عيشه الخاصة ... كان رجلَ بَطَرٍ ولم يرَ مصيبة ولا معضلة في حياته . لا تقارني به .

طيّب يا أبا الطيوب، أتقرأ لي أشعارَ رومانس هذا اليوم الربيعي الجميل والدافئ أم أقرأ لك؟ قال بل نقرأ ... سيقرأ كلانا . فكرة صائبة يا عزيزي، قلتُ له .

بعد الغداء الخفيف الوزن قال الشاعر: ألا نتمشى لساعة أو بعض ساعة في الغابة المجاورة ثم تبدأ جولة الشعر الرومانسي بعد ذلك مباشرة ً؟ فكرة جيدة ... لِمَ لا؟ إنصرف المتنبي عني أثناء تمشينا في الغابة . لا الطير إستهواه ولا شامخات الشجر ولا الصبايا الحسان القافزات اللاعبات بسراويل الجينز الضيّقة يتصاخبن وفي يد كل واحدة ٍ منهن َّ جهاز هاتف الموبايل يتدلى على صدور بعضهن َّ جهاز الأغاني المسجلّة واللاقطات مغروسة في آذانهن َّ . أردت أن ألفتَ نظر صاحبي لهؤلاء الصبيات فقلت له مشاكساً ومداعباً: سبق وأن جمعتَ " صاحب " على أصحاب ثم صغّرتَ هذا الجمع على " أُصيحابي " ... هل تتذكر؟ قال مستنكراً: وما مناسبة هذا السؤال الغريب؟ لا غرابة في الأمر أيها الشاعر ... أردتُ فقط أن أُذكِّر َ جنابكم بموضوع إشتقاق مصغّر صواحب وصاحبات ولكنْ تصغير أعمار لا تصغير أعداد [صويحبات] ... قال وضّح أكثر . قلتُ ألا ترى هؤلاء الصبية المتضاحكات الناطات في كل حدب ٍ وصوب ما بين باسق الشجر وأحواض الزهور يغرّدن َ ويرقصن على أنغام ما يحملن من موسيقى وأغان ٍ؟ خرج من عمق ذاته أخيراً فتطلّع هنا وهناك محاولاً رؤية منظر الفتيات المرحات المتدفقات حيوية ً ونشاطاً وحياة ً يُبرزن بعض أسافل ظهورهنَّ وأجزاء من بطونهنَّ كما تقضي مودة هذه الأيام . تبسّم وتمايل جَذِلاً وغامت عيناه رجوعاً لماضٍ سحيق عايشه يتغزل بالصبايا البدويات وكيف كان ينظّم لهن زيارات ليلية في غاية السريّة والحيطة . أو يمهّد لهن طُرُ ق زيارته في بيته في الليالي حالكات السواد . حزرتُ ... حزرت أين كان المتنبي وفي أي بقاع الأرض جال وساح وخاطر وعقد الصداقات البريئة والمريبة مع بعض بنات حواء . إنتهزت ُ الفُرصة الذهبية فقلت له: أعرف أين كنتَ في هذه اللحظات أبا الطيّب ! قال أين؟ كنتَ هناك ... في لبنان حيث شاهقات الجبال ومسالكها الوعرة التي سدّت الثلوج ُعليك منافذها وطُرُقها وشعابها، ثم نزلتَ فزرت َ الكاتب الصوفي (أبا علي هرون بن عبد العزيز الأوراجي) ... أليس كذلك؟ قال أصبتَ يا رجل . نعم، كنتُ هناك، وهل أطيب من لبنان سهلاً وجبلاً وناساً؟ الآن، قلت له، كيف مارست شعر الرومانس في القصيدة التي مدحتَ بها صاحبك الصوفي الأوراجي وهل كان رومانسك ذاك حقيقياً أم أقوال شعراء ... مجانين يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادٍ يهيمون؟ قال قبّحك الله، أَلمثلي تقول هذا الكلام؟ قبّحك الله دنياً وآخرة ً! ما كنتُ كما تعلم ويعلم سواك متصوفاً أبداً ولكن، لشدة إعجابي بعلم وأدب ولغة وأخلاق هذا الرجل، ممدوحي، أُخذتُ ببعض شطحات مذهبه في التصوف التي وجدتها تخدم جمال شعري إن ْ طعّمته ببعض مفاهيم وتصورات المتصوفة المثقفين . ثم، إنَّ الغزل الذي إفتتحتُ به قصيدة مدحي لهذا الرجل كان غزل شاب عانى من لوعة وجوى حب حقيقي حوّلني أو كاد إلى درويش قريب جداً من حال بعض مَن رأيت من متصوفة زماني فكراً ومسلكاً . نعم، حوّلني ذلك الحب إلى شبه معتوه فصرتُ أترحم من باب التعاطف مع كل العشاق المجانين من قيس العامري حتى روميو صاحب جوليت . طيب يا أبا الطيب، قد واللهِ أتفهّم ما كنتَ فيه من حال . الآن، هل لديك مانع أن تقرأ لي شعر الرومانس الذي جعلته مقدمة ومطلعاً للقصيدة التي مدحتَ بها كاتباً يذهب إلى التصوف؟ أنشد المتنبي:

أمِنَ إزديارَكِ في الدجى الرُقباءُ

إذْ حيثُ كنتِ من الظلامِ ِ ضياءُ

قلقُ المليحةِ وهي مِسك ٌ هَتكُها

ومسيرُها في الليلِ وهي ذُكاء ُ

مثّلتِ عينكِ في حشايَ جراحة ً

فتشابها،  كلتاهما  نجلاء ُ

نفَذتْ عليَّ السابريَّ وربّما

تندّق ُ فيهِ الصْعدة ُ السمراء ُ

الله الله !! صرخت . أعدْ قراءة هذه الأبيات دخيلَ عمرك . أعاد الرجل قراءة أبياته بحماسة أكبر من ذي قبل . بل وكان يمثِّل حين يقرأ ويجسّم الحالات لكأنه ممثل سينمائي أو مسرحي قدير من عيار السير لورنس أوليفيه.

إقترحت على صاحبي العودة للبيت فقد حان موعد غدائنا الدسم الذي جهزّته له فجر هذا اليوم . كان قراري أن أفتح مع ضيفي أثناء تناولنا الطعام موضوع قصة العشق الذي ضربه وكاد أن يُطيرَ بعقله فقال أبيات الغزل هذه حيث جارى في إبداعها مذاهب الصوفية . فتاة تُضئ الظلام قاصدةً زيارته ليلاً !! يفضحها المسك الذي تضمخت به إذ يتضوّع شذاه وينتشر عطره في الفضاء أمامها ومن خلفها فيثير فضول المترصدين والمتربصين !! ثم، أية عيون في وجه هذه النبيّة الحبيبة حيث تترك جراحات في مواضع سقوطها على جسد الرجل المتيّم بها والناذر لها نفسه

؟ أية عيون تخترق الملابس وتحرق الجسد كأنها أشعة الليزر؟ شذ َّ الشاعرُ ربما للمرة الأولى فلم يشبّهها بعيون المها وظباء البراري وجآذر السهول والوديان . عيون خاصة ومن طبيعة خاصة . عيون تُصيب ولا تقتل ضحيتها . تترك له جراحات لا تندمل . عيون تطعن كما تطعنُ السيوف (كلتاهما نجلاء) ... العيون نُجلٌ والطعنة نجلاءُ فأين المفر؟!

على الغداء حرّكت ضيفي الذي كان يأكل بشهوة كبيرة للطعام نادرة فيه . إرادة بعض الناس تضعف ساعةَ تناولهم لوجبة طعام جيدة خاصةً إذا جاءت بعد شعور بالجوع عنيف . وهذه هي حالة المتنبي في هذه الساعة . زارته ليلاً حبيبته ... إفتضح أمر هذه الزيارة ... جرحته عيونها النُجلُ ... مزّقت درعه السابري َّ ... إخترقته من كافة جوانبه ... إنصهر معدنه الثقيل بقدرة ما في عينيها من حرارة عالية وإشعاعات ألفا وبيتا وكاما التي لا يراها العاشق المسكين . لا يرى ما يقتله أو يجرح جسده . في عينيها أشعة ليزر وإشعاعات إنفجار ذرّي . إختراق وصهر . أية أخيلة راودت الشاعر الفتى آنذاك؟ سألته وكان يتوقع مني الكثير من الأسئلة . سألته إنْ لم يكنْ لديه مانع أن يقص َّ علي َّ حكاية هذه البنت التي زارته فجرّحته وإخترقت بعينيها درعه وثيابه حتى الجلد . مَن كانت؟ أكمل مضغ ما كان في فيهِ من طعام، ترك الشوكة والسكين أمامه، مسحَ بمنديل ٍ فمه، تنحنح ثم شرع بالكلام قائلاً: كنتُ في طريقي على جملي قاصداً حلب الشهباء ملبياً دعوة سيف الدولة الحمداني أن أكون شاعر ساعده الأيمن وأقرب الشعراء لديه في مجالسه . بتُّ ليلتي في وادٍ ذي شجر وماء . نهضتُ فجر اليوم التالي قُبيل شروق الشمس لأواصل مسيري نحو حلب . إنتبهت إلى وجود شبح قرب إحدى الشجيرات . إقتربتُ يدفعني الفضول والحيطة من الأعداء وقطّاع الطُرُق . ماذا وجدتُ؟ يا ألهي !! صبية حسناء تبكي وتنتحب . ما خبركِ يا صبيّة؟ لم تتكلم . أشاحت بوجهها عني . جلستْ على الرمل قرب الشجيرة . كررت سؤالي ثم شفعته بتعريفي لنفسي حاسباً إنها ربما سمعت بالشاعر أبي الطيّب المتنبي . نظرتْ الصبية إليَّ نظرة إستعطاف وترحّم . يا سبحان الله ! سبحان مّن خلق . تبيّنتُ وقد إنبلج الفجر ملامح وجهها فماذا رأيت؟ حول عينيها رموش طوال كالنبال . ورأيت في عينيها سحر وغموض الزيتون شَجراً وثمرةً . طمأنتها . قلتُ لها إنك يا صبيّة بعصمة وبذمّة رجل شريف فإعتبريني كأبيك . ما خطبكِ وما قصتك وأين مضارب أهلك ومَن عشيركِ؟ قالت: قضيّت ُ الليلة هنا مع قومي في هذا المكان . نهضتُ تحت جُنح الظلام لأقضي حاجتي بين الشجيرات بعيداً عن أهلي . حين عدتُ أدراجي

لمضارب خيامنا وجدتُ القومَ قد إرتحلوا وتركوني وحيدة في هذا المكان . حسبوني ما زلتُ نائمةً في هودجي . وأنا طفلة صبيّة خفيفة الجُرم . كانت ما زالت تبكي وتنتحبُ . قلت لها سأصطحبك إلى أهلك وذويك . جهزّت لها أحد جمالي وساعدها غلماني على ركوبه . أخذتها إلى حيث أشارت . إستقبلنا أبوها وهو شيخ مطاع في قبيلته . أكرمني . سألني عمّن أكون . طلب مني المكوث لديه ضيفاً لثلاثة أيام كما كانت تقتضي تقاليد ذاك الزمان . بقيت مع هذا الرجل الكريم المضياف ثلاث ليالِ بطولها . عرض عليَّ ذات ليلة أن نتصاهر بتزويجي من إبنته الصبية تلك . كنتُ أتمنى أن أقبل العرض . نعم، أتمنى . إعتذرت من صاحبي فطلب مني توضيح أسباب الإعتذار، فالعُرف يقضي أن أقبله لا أن أردّه . هكذا شيم الرجال الكرام: لا يردُّ كريماً إلاّ بخيل ٌ لئيم ٌ . قبلتُ الإهانة على مضض . قلت للشيخ الجليل إني جاوزتُ الثلاثين وكريمتكم ما زالت في العاشرة من عمرها . قال حجتك مردودة !! تزوج الرجال قبلنا مِن طفلات في الثامنة في حين كانوا هم قد تجاوزوا الخمسين !! لم أتزحزح عن رأيي وعن موقفي . عرفت بالطبع قصده من قوله الأخير . قلتُ له وثمة أمر آخر يمنعني من مثل هذا الزواج التشريفي . قال ما هو؟ مطامحي وغاياتي يا سيدي . آمالي ومشاريعي التي لا يعرف منتهاها إلاّ الله . إني رجل مغامر طموح مشاكس عنيد . فلماذا أتزوج من صبية لتجد بعد حين نفسها متورطة فيما لا يُحصى من مشاكل؟ ماذا سيكون مصيرها لو قُتلتُ وأعدائي ولله الحمد كثر ٌ؟ أنا في طريقي إلى حلب لأنضمَّ إلى جوقة أميرها سيف الدولة من الشعراء والمداحين والمنافقين والكذابين . أين سأجد مكاني في هذا الوسط الموبوء؟ سيغتالني حسّادي . سيقتلني كِبَر نفسي وإبائي وترفعي عن الدنايا . لم أجرؤ على التصريح بأني أحببت هذه الصبية حباً سريعاً لا يُقاوم، وجدتُ فيها سحراً غيرَ مسبوق . في وجهها جمال ربّاني لم أعهده في بنات حواء . أشفقتُ عليها فضحيت بهوى قلبي . لم أستطع نسيانها حتى اللحظة يا صديقي . ألا ترى الدمع في محاجري؟ نعم، رأيت دموعك يا متنبي . صار يردد بنغمة حزن عميق:

أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ٍ

دعا، فلبّاه ُ، قبلَ الرَكب ِ والإبل ِ

إذاً يا أبا الطيب ... كنتَ يوماً واقعاً في جُب حب عميق أذاب حشاك وخلّف في فؤادك اللوعة والأسى . قال بالضبط، هذا ما قد حصل لصاحبك المتنبي . ثم َّ؟ حثثته أن ينهي القصة؟ قال قبلوا أعذاري كرماً منهم وسمحوا لي بمفارقتهم حيث يممتُ وجهي صوب حلبَ بعد إقامة قصيرة في ضيافة صاحبنا الأوراجي الصوفي . كانت محطة الإستراحة الأولى بعد مأساتي مع تلكم الصبيّة المُذهلة .

رفض إستئناف تناول طعامه . أخذته موجة ملحوظة من الحزن والكآبة ففقد رغبته في الطعام وما كان قد شبع منه . أكثر التدخين وتناول أقداح الشاي الثقيل بعد الطعام . ظلَّ الشاعر مطرقاً حزيناً طوال ذلك النهار . كنتُ أُداري الجو الكئيب الذي أحاط نفسه به راغباً . تركته وحيداً في غرفة الضيوف وتسللتُ إلى حجرة نومي لعله يقرر في غيابي عنه أن يأخذ قسطاً من الراحة فيخلد إلى النوم دون مضايقات وأسئلة مني .

أمضيت في نومي قرابة الساعة، وحين هبطتُ إلى الطابق الأرضي فوجئتُ ... كانت حجرة الإستقبال خالية . أين المتنبي؟ إختفى ... كما عوّدني على الدوام .

مسكين !! إرتضى المعاناة وتحمّل ما تحمّل ولم يظلم فتاة صبية بالزواج منها وهي في العاشرة من عمرها !! .

 

عدنان الظاهر

آذار (مارس) 2007

ali almirhigعرفت الكثير من المدنيين ممن يتبنون العلمانية منهجاً في التفكير وأسلوباً في الحياة، وعرفت الكثير من السلفيين بلباس مدني، ولكني صُدمت حينما عرفت أن فاهمتهم الفكروية "الأيديولوجية" لا تستطيع التخلص من ثقل الموروث الاجتماعي والخضوع له، فجُل من عرفتهم من دُعاة المدنية ودُعاة التجديد والإصلاح من السلفيين كان يُحاول أن يُظهرأنه ليس طائفياً، وأن الطائفية مرض فرضته الحكومات "ما بعد الكولينالية"، ولكنك بمجرد الحوار معه تجده مهموماً بتحقيق مراميه الشخصية في تبنيه للطائفية سلوكاُ وإنكارها قولا.

وسأروي لكم حكاية عن رئيس قسم في كليتننا كان أيام نظام صدام لا يقبل تعيين أحد من جنوب العراق تحسباً منه للخلاص من مُحاسبة النظام الذي كان يفهم طبيعة توجهاته، وبعد سقوط النظام، وحينما تبجح الإحتلال الأمريكي بأنه سلطة إحتلال، ونحن كنا أساتذة في الجامعات، بدأ الإحتلال بتوزيع الرواتب إبان سلطة "بريمر"، وكنا فرحين بتوزيع أول راتب لنا بعد سقوط النظام، وكان الراتب حينذاك حسبما أتذكر ورقة بمئة دولار، وكان في حينها راتب مُجزيُ، وبينما نحن نحن نلتزم التسلسل في وقت المجيء ليستلم من هو قدم قبلنا، فإذا بي أجد هذا الصديق رئيس القسم الذي توفي قبل أشهر عدة، وقد كان ذو أصول كُردية، ولكنه كان يسكن مدينة حديثة في محافظة الأنبار، فكان يُلقب بالحديثي، نسبة لمدينة "حديثة" التي سكنها وترعرع فيها، وقد كان ـ والحق يُقال ـ طيب المعشر، ولكنه كان يُحابي أبناء سُكناه وطائفته، فقد كان يُكنى بالحديثي، وقد قال لي أنه بياتي من أصول كُردية، وبينما نحن نتبادل الحديث، بين مؤيد لدخول الإحتلال وإسقاط صدام وبين مُعارض، ولا أُخفيكم سراً أنني كُنت من المؤيدين لدخول الأمركان لإسقاط صدام، وكنت أقبل بإستبداله بحاكم بمستوى حمار.

كان صديقي بعثياً ولم يرق له إسقاط النظام الذي جعل منه رئيس قسم، يقبل في تعيين من يرغب ويرفض من لا يرغب به، وكان أغلب من رفضهم هم من أبناء الجنوب، أو من مناطق الفرات الأوسط من الحلة والنجف والديوانية والسماوة، وبمُزاح معه، وهو معروف بالنكتة، لأنه جمع محاسن أبناء الشمال ومحاسن أبناء الغربية ومحاسن أبناء الجنوب الذين عاشرهم في مُعسكرات الجنود وأيام الحرب، ولكنه حين سقوط النظام رغب في أن يُظهر نفسه بأنه لم يكن طائفياً، وفي حديث بيني وبينه أثناء توزيع الراتب الذي وُزع لنا أيام الإحتلال، أكد أنه لم يكن طائفياً، فإنبريت له سائلا، كيف يُمكن وصفك بأنك لم تكن طائفياً؟، فقال لي أن الكثير من الشيعة هم أصدقائي، فنسهر سوية ويسأل بعضنا عن البعض الآخر ونتزاور فيما بيننا في المُناسبات، فقلت له هذا ليس كاف في إثبات كونك طائفيٌ أم لا، فقلت قُل لي كم شيعياً قبلت تعيينه حينما كُنت رئيساً للقسم؟ وكم سُنياً قبلت؟، فأصابه الذهول، ولم يتوقع مثل هكذا سؤال سيوجه له، فأجاب: أنني عينت ثمان وبالصدفة كلهم من السُنة وكان هناك تاسع هو شيعي من ديالى، فقلت له مازحاً، أن صداماً كان يقول "ثلثين الطك لأهل ديالى"، فشيعة ديالى لا حول لهم ولا قوة، ولا يُمكن أ يُعدوا أيام حُكم صدام على الشيعة لأنهم مغلوبين على أمرهم، فقل لي: كم قبلت للتعيين من أبناء جنوب الجنوب أو من أبناء الفرات الأوسط؟، فبهت ولم يجد جواباً.

والحال هو الحال نفسه، فحينما إستلم الشيعة الحكم، لم نجد للكورد ولا للسُنة إلا تمثيل شكلي في الحكومة، فكما هُمش الشيعة في أيام الحكم "القومجي" هُمش الكورد والسُنة.

لربما يكون السُنة هم الأكثر تهميشاً في المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003، لأنهم لم يستوعبوا التحول الحاصل في منظومة التفكير الإقليمية والعالمية، وتصور الكثير منهم أن ما يجري خُدعة ستستمر لأيام وسيعودون هم على رأس الدولة، فضاعوا وضيعوا مستقبل مناطقهم في حُلم أن السُنة هم الذين قُدر لهم أن يحكموا والشيعة قدرهم أنهم محكومون، فلم يكن أمام الشيعة إلَا الإصرار في التمسك في الحكم بعد أن فرطوا لهم وإفراط مروا به أعوام طول، فلم يكن لثورة العشرين "الشيعية" ضد الإنكليز "المُحتلين" حضوتها وأثرها في تقبل حُكام السُنة عروبة الشيعةـ مثل طالب النقيب وعبدالرحمن الكيلاني "النقيب" ولا لعبد المحسن السعدون الذي عاش في الناصرية في وسط شيعي، إلَا أنه وكل آل السعدون فيما بعد بقيوا مؤثرين لولائهم للطائفة على حساب الولاء لجغرافية الولادة والعيش في الوسط الاجتماعي.

في المُقابل، وبعد حين ليس بالقليل، قبل سقوط "صدام" وبعد السقوط وجدت أصدقاء لي من الشيعة من ذوي التطلعات المدنية ومن أصحاب النزوع العلماني وممن يدعون إنتماءً للعلمانية وأنا واحد منهم ممن ينزعون لتسمية أبنائهم بـ "الحُسين"، فكان أخي سعيداً هو من سمى إبنه "الحُسين" أيام صدام، والحُسين اليوم قد تخرج من الكُلية، وأنا أُستاذ الفلسفة، قد سميت أبني أمير، وكانت لدي الرغب بتسميته الأمير، لكني خشيت ضياع أسمه ليكون كُنيةً لي، وقد أسميناهما أيام صدام وحكم نظام البعث لأننا كنا ومازلنا نعتقد أن علياً والحُسين لا يُمثلا طائفة ولا مذهباً ولا ديناً، لأنهما الناطقين بـ "صوت العدالة" بعبارة جورج جرداق، ولكن مع ذلك فتسميات الأبناء ـ بإعتقادي ـ لا تخلو من حمولة ثقافية واجتماعية.

هناك آخرون أعرفهم أساتذة فلسفة من أصول شيعية ممن يميلون للمدنية ولأطروحات أيديولوجيا العلمانية، إلًا أنهم مالوا حيث يميل الهوى الطائفي للمجتمع الذي هم فيه، فتجد كثيرٌ منهم ممن سمى إبنته زهراء وآخر فاطمة وآخر سجاد وآخر مؤمل وآخر جعفر وآخر زينب وآخر مُجتبى.

فيما نجد في الجهة المقابلة من العلمانيين السُنة ممن سمى أبنه أو إبنته عبدالرحمن وعبدالقادر وبكر وعمر وعثمان وعوف وعائشة ومروان وسُفيان.

وكل فريق علماني "وأؤكد أنه ليس سلفياً" فرح بأنه إنما سمى هذه الأسماء لا دفاعاً عن أيديولوجيا مُغيبة، وإنما لإنصاف من لم ينصفه  التراث الآخر.

وفي هذه الحال يبدو المشكل ليس فقط في السلفيين وفهمهم، إنما هو في من يدعون تنويراً وينزعون في تنويرهم نحو التراث، لربما يقول قائل، وهل لك مشكل مع التراث؟، فأُجيب أن المشكل عندي ليس مع التراث ولا مع دُعاته، لأن هؤلاء يُظهرون ما يدعون، ويتمسكون في دعواهم، ولكن المشكل عندي مع أنصاف المتدينين وأنصاف العلمانيين من الذين يُظهرون غير ما يُضمرون، فتجدهم دُعاة حُرية وأنا من ضمنهم، ولكننا نميل حيثما يميل السلفيون "الراديكاليون" في نزوعهم الاجتماعي، وننتقدهم نحن دُعاة الوسطية على متبنياتهم الراديكالية "المٌتطرفة".

لذلك أجد أن المدنيين منا ودُعاة السلفية التجديدية، أومن يدعون نزوعاُ نحو العلمانية، ومن يدعون نزوعاً نحو الحداثة وهم في قرارة أنفسهم "سلفيون،  أكثر "شيزوفرينية" من السلفيين الراديكاليين، لأن هؤلاء مُنسجمين فكراً وسلوكاً مع مُتبنياتهم.

ونحن ممن يدعون نزوعاً نحو المدنية والعلمانية وأنا أولهم لا نتحمل سفر إبنة لنا ولا زوج من دون محرم، ولا يختلف عنا التجديديون الذين يحاولون مسك العصا من المُنتصف أو من الوسط، وأجد نفسي مُحتاراً في تفسير "جعلناكم أمة وسطاً" (البقرة/143). وإن كان أرسطو من دعاة "الوسط الذهبي" في نظريته في الفضيلة وبرؤيته للعدالة أنها وسط بين التهور والجبن". لكنني أجد أن الحسم فيه إعلان عن شخصية المُتبني، فلا لعب عند من حسم أمره في الألفاظ ولا في في المعاني لا تـفسيراً ولا تأويلاً، فلا يوجد في قاموسه لعب وتلفيق بين جمع لعلم ولفلسفة مع دين ولا جمع لسياسة مدنية مع أخلاق دينية، والعكس صحيح.

وإن كان الرمادي عندي من أُساسيات الجمع بين الأبيض والأسود، لكنني أجد أن في زمن الصرع ينبغي الحسم، لا وسط ذهبي في فضيلة أرسطية تُرتجى، إنما الفضيلة في حسم الصراع رفضاً أو قبولاً لدين أو لعلم، فلا وجود لعلم يُرتجى في عقل إتباعي فيه  نزوع نحو التقليد.  

 

 

jafar almuhajir2لو ألقينا نظرة على قصائد الشاعر الراحل العديدة والمختلفة الأغراض لوجدناها مكتوبة بطريقة العمود والتفعيلة وأحيانا بطريقة النثر .فهو مع الأشكال الثلاثة مادامت تمنح نكهة الشعر وحين يمتلك الشاعر أدواته ويرقى بمضمون القصيدة إلى روح الشعر بعيدا عن الإسفاف والصور الباهتة، والتزويقات اللفظية العائمة يكون قد فهم رسالته ووعاها. فالشعر بالنسبة له هو فهم للوجود وغوص في أعماقه، ويتحقق ذلك من خلال الموهبة وصقلها بالمطالعة المستمرة لدواوين الشعراء على مر المراحل التأريخية . وعلى الشاعر أن يكون ملما بمختلف شؤون المعرفة إضافة لتبحره في اللغة العربية وبلاغتها، ومن خلال هذا المخاض تولد القصيدة .

لقد كانت جل قصائد الراحل بمثابة وضع الإصبع على الجرح لكشف فساد هذا العالم وماديته القاتلة لكل المشاعر الإنسانية الخلاقة، وجموح الإنسان المعاصر نحو دائرة الخواء المادية التي تستهلك قواه وقدراته ، وتمتص مشاعره،ولا تنتهي إلا بالموت دون أن تدعه يقف في إحدى محطات الحياة ليتأمل ويراجع نفسه لينقذها من هذه الدوامة العدمية التي وقع فيها.

والقصائد التي كان يكتبها الشاعر بالنسبة له صرخته الإحتجاجية المتأججة بين ضلوعه على عوامل الإستلاب والقهر والزيف الذي استشرى وصار كالنار في الهشيم .لأنها كانت أداته الوحيدة التي يمتلكها والتي يستطيع أن يعبر بها عن كوامن نفسه، وخلجات روحه، وإرهاصاته الوجدانية. وغالبا ما كان يستعمل الرموز التأريخية ويوظفها في قصائده لتمنح توهجا للقصيدة.  وكلما يكتب قصيدة كان يراجعها لمرات عديدة ويحذف ويضيف إلى أن تكتمل مبنى ومعنى وغالبا مايقرأها لوحده بصوت مسموع وكأن لسان حاله يقول عنها:

(لقد اكتشفت لؤلؤتي الجديدة التي تطرق باب الصمت الموحش الذي يلف المكان الذي أكتب فيه. ولابد أن يشرق الفجر الذي حجبته عنا غيوم داكنة لنعانقه عناق الحبيب لحبيبه.)

ففي قصيدة (عناق الفجر) يقول:

مرت  الأعوام تعبى مثلنا

فغدونا  نكرع  الهمً دِهاقا

أيها   السائل  عنا  إننا

نعشق الفجر وإن ملً العناقا

وهذان البيتان لهما شبه في المعنى بقصيدة الشاعر الجاهلي امرئ القيس التي يقول فيها رغم بعد الزمن والمسافات والغرض

ألا ايها الليل الطويل ألا انجلي

بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ

فجعفر سعدون لفته يتلهف دوما لعناق ألفجر وينتظره على أحر من الجمر في ليله الطويل بلهفة الشاعر الهائم المتطلع لعالم أفضل ليعانقه عناق الحبيب لحبيبه رغم كل الحواجز.

وحين كان الملك الضلّيل يخاطب الليل ويطلب منه أن ينجلي بصبح مشرق لكنه رغم تمنياته لايأمل من ذلك الصبح شيئا مبهرا لحياته لأنها ستظل جافة قاحلة كجفاف تلك الصحراء القاسية الممتدة التي يطل عليها في حياته. وجعفر سعدون لفته ظل متلهفا لعناق الفجرلأنه يدرك بنبوءة الشاعر إن الفجر لايمكن أن يختفي إلى الأبد مهما تكالب عليه عشاق الظلام.

ورغم تجاوزه السبعين بكل مافيها من تعب وقهر وشقاء وألم فإن جعفر سعدون لفته لم يستسلم لليأس في رحلته الشعرية. وظل يشعر أن عوده مازال مورقا ،ونفسه تتطلع إلى عالم تسوده العدالة. ومن خلال هذه الرؤيا ظل تدفقه الشعري مستمرا رغم هاجس الموت الذي كان يلاحقه في كل لحظة من لحظات حياته حيث يقول في قصيدة بعنوان (الرحله):

ففي النفس مازالت  بقيةُ  خفقة

تراود هذا القلب أن يقرض الشعرا

وتغريه أن العود  يختال  مورقا

وأن حثيثَ الخطو لم يقرب القبرا

وفي قصيدة أخرى بعنوان (خيال عابث) يستخدم بحر الرمل المتسارع في قصة حب عابرة ربما رآها في المنام أو مرت من أمامه فأثارت لواعج شوقه، وحركت أحاسيسه ومشاعره الإنسانية. ويسأل نفسه متعجبا من الحالة التي مرت عليه كنسمة ريح عابرة ثم استفاق منها حيث يقول:

بعد سبعين تشهيت الغراما

عجبا والدهر يقريك الحِماما

عجبا والعيش ولّى غضُهُ

وبجنبيه  تحولتُ  حُطاما

عجبا  رفةُُ ضلعٍ  تغتلي

فتحيلُ الريًّ مشبوبا أواما

عجبا  يانفسُ  من أيقظَها

نزوةً أضحت تحاكيكٍ هياما

كان وهما من خيال عابثٍ

قال  لغوا وأجبناه  سلاما

وقصيدته هذه تذكرني بقصيدة (الأطلال) للشاعر المصري الكبير إبراهيم ناجي. ففي القصيدتين العديد من وجه الشبه في المعنى وتوارد الخواطر والأفكار وكلاهما من بحر الرمل .

حيث يقول الشاعر إبراهيم ناجي في مطلع الأطلال الخالدة التي غنتها أم كلثوم بحنجرتها الذهبية فأضافت خلودا على خلودها :

يافؤادي رحم  الله  الهوى

كان صرحا من خيال فهوى

أسقني وآشرب على أطلاله

وأرو عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبرا

وحديثا من أحاديث الجوى

وبساطا  من ندامى  حُلُم

هم تواروا أبدا وهو انطوى

ولو تتبعنا القصيدتين وهما طويلتان لاكتشفنا الكثير من وجه الشبه في موضوعيهما وأفكارهما وهذا أمر جائز في الشعر لأن أفكار البشر تتكرر والحالات الشعورية الإنسانية التي يعيشها الشاعرهي ذاتها. ولم يبق شيء في الحياة إلا وتطرق إليه الشعراء على مر العصور كالحب والربيع والحرب والسلام والصدق والشجرة والبحر والقمر والغربة والحياة والموت والصحراء والريح والإنسان والمودة والهجر وغيرها من الأمور التي تكررت آلاف المرات وظل لكل شاعر أسلوبه الخاص في تناولها. وقد شبه النقاد القدامى هذا التداخل في الأفكار واعترفوا به منذ العصر الجاهلي. فعنترة ابن شداد لاحظ أن هناك شعراء سبقوه إلى نظم المقدمات الطللية حين قال:

هل غادر الشّعراء من متردّم - أم هل عرفت الدّار بعد توهّم.

ويؤكد هذا التوارد أبو عمرو بن العلاء لما سُئل عن شاعرين تواردا في الخواطر فأجاب قائلا:

(الشعر جادة، وربما وقع الحافرعلى الحافر.)

وهذا التوارد هو غير السرقات الأدبية الممقوتة والمستهجنة.

ويقول الشاعر في قصيدة يتناول فيها متاعب الحياة وأسماها (مكابدات ):

أنزلت روحي بين الأين والعثر

لما عشقت زماني خشية الخطرِ

فصحوة العمر أرواح  تهونها

تعاسة الجد لولا كان من وطري

لقد رأيت الفتى صفرا عزيمته

وصاحب العزم منسوبان للشررِ

هذا  يجرجر مأخوذا بلوعته

وذاك  تفرحه  إغفاءة السحرِ

فساري البرق لم يوقظ جوارحه

وليس في القلب من شوق إلى سمر

فكم خشيت أصيلا  جاء يقتلني

كذاك قد كنت والإصباح في سقر

يطوي أمانيً  ملتذا بمصرعها

ويحشد الهم في ساحي ومصطبري

وموعدي الصبح قد بانت طلائعه

وأوشك الليل أن يظما من السهر

لكنني رحت من يأس إلى أمل

أنقٍلُ العمر بين الخُسر والظفر

فما أرحت  من  الآمال متعبها

ولا أقمت رياح العسر من شرر

كذا خلقت  صبورا يوم  نازلة

هذا ردائي لايشكو من الوضر

فكيف أسعد في الدنيا وصاحبها

طوعا تخلى عن العلياء في صغر؟

فكان  أطيب  مايرجوه معذرة

بها  يرقع  فتق الذل والخور

أخيَ مهما اقتربنا نحن في شركٍ

يحوكُ لحمته  حتمٌ  من القدرِ

فما  يبالي بأيٍ  حبله  علقتْ

ولا متى زار من أمسى على سفر!

وكأن لسان حاله يردد بيت المتنبي:

تراني  والفلاة بلا دليل

ووجهي والهجير بلا لثام.

والسفر هو الموت الذي يلاحقه دائما في تلك الغربة التي كان يعانيها في الوطن الذي تناهبه الأميون من صغار النفوس من تجار المكاسب المحرمة والغايات المشبوهة وإن لبسوا ثوب التقى المزيف.

وفي قصيدة أخرى يخاطب الموت ويرثي نفسه كما رثى الكثير من الشعراء أنفسهم على مر التأريخ وأبرزهم الشاعر مالك بن الريب.

يقول جعفر سعدون لفته:

يازائرا حوًم  حولي  وكم

كنت زمانا عن  لقاه أحيدْ

أضحى وحق الله في خافقي

شوقا تناجيه  حبال الوريدْ

ويقول مالك بن الريب:  

ألا  ليتَ  شِعري  هل  أبيتنَّ  ليلةً

بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا

فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَه

وليت  الغضى  ماشى الرِّكاب لياليا

وعن مناجاة نفسه الباحثة عن عالم نقي بعيد عن الزيف والقهر والأوجاع الإنسانية يقول:

إلهي ً هذي النفس ترجو وتأملُ

وتسألك العفو الذي منك يُسألُ

إلهي إن حادت عن الدرب غفلةٌ

فليس لها يوما عن الحق مزحلُ.

وفي قصيدة (ماء مهين ) الفلسفية المعارضة لقصيدة ( الروح ) للشيخ الرئيس إبن سينا يقول:  

ماءٌ تخلق في أريض المربعِ

غذَّاه في رفق مكينُ المهجعِ

وحنت عليه من الثلاث سحائبٌ

تسعى إليه وغيثها لم يقلعِ

حتى إذا قرب الأوان رأيته

يستقبل الدنيا بصوت مفجعِ

يبكي وقد هجر المنازل مكرها

وأرته دنياه شقاء المطلعٍ

أنساه حبُ الفانيات معاده

فشرى خلودا بالخراب البلقعِ

ومضى يغيث معرًة  برذيلة

والعهدُ يخلفه ببخس المطمعِ

علقت به حمى هواه وساقه

ذل الشحيح مع السوام الرُتًعِ

وغدا يُسًحرُ بالطعام مفارقا

ماكان يألف من فطانة أروعِ

شرك ثقيل عاقه وتبلدت

منه الطوية ُ لايغاظ بزعزعِ

فلأي شيء أهبطته غوايةٌ

من شامخ عل إلى مستنقعِ   

ويقول الشيخ الرئيس إبن سينا في قصيدته (الروح):

هبطت إليك من المحل الأرفعِ

 رقاءُ ذاتُ  تعزز  وتمنعِ

محجوبة عن كل مقلة عارف

 وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ

وصلت على كره إليك وربما

 كرهت فراقك وهي ذات تفجعِ

ألفت وما سكنت، فلما واصلت

 ألفت مجاورة الخراب البلقعِ

ومتذوق الشعر الذي يمتلك ثقافة والماما بمفرداتها يدرك إنه أمام قصيدة عميقة المضمون تتناول عملية خلق الإنسان وفيها إستعارات من القرآن الكريم ولا تختلف في سبكها وقوتها عن قصيدة إبن سينا لكنها ليست نسخة منها وتحتاج إلى شرح واسع لإعطائها حقها.

ويقول في قصيدة (الرسول الأعظم):

برضاك لي أمل فشرعك ديني

ومتى ظمئت فأنت من  ترويني

وعجبت كيف لممت من أطيافها

شجا  تعملق  في هشيم فتونٍ

إلى أن يقول:

مرت بي الذكرى وفيض جلالها

نور ، وسر رحيقها يشفيني

خلق كأعظم مايكون  جلالة

سبحان خالق سره المكنون

ومن قصيدته في مدح الإمام علي ع أختار هذه الأبيات:

ويل لمن قد أنكرْ

باب النجاة حيدرْ

قد ضل لما أن قلا

نهج الهدى واستكبرْ

بل سف حتى أنه

لم يدر أنّى يعثرْ؟

ماكان إلا رحمةً

والله أعطى الكوثرْ

فاشفع لذنب الجامعي

ياسيدي  ياحيدرْ

وديوان (خوابي العمر) الذي ضم 32 قصيده يجمعها قاسم مشترك هو الحياة والموت والغربة في الوطن وجميعها من شعر التفعيلة. فقصائد (رائحة الحلم) و(بوابة الأمن إلى شهداء جسر الأئمة) و(مثوى بكف الماء) وغيرها تتحدث عن المآسي والويلات التي مرت على الوطن أثناء حكم الدكتاتور المقبور وما بعد الاحتلال الأمريكي البغيض. وقد قال لي يوما بالحرف الواحد أثناء زيارتي له قبل وفاته بعام :

(لقد خيب الحكام الجدد آمالنا وسرقوا الحلم الطويل الذي انتظرناه بعد أن أغرقوا العراق في حمى شهواتهم التي ليس لها حد، وحولوا الوطن الجريح إلى ساحة يلعب بها اللاعبون الصغار والكبار ليكثروا من جراحات عراق الحضارات. والأمريكان الذين احتلوا العراق وأوجعوه ودمروه لم يقضوا على الدكتاتور إكراما لسواد عيون العراقيين ولكن لتحقيق أهدافهم وأهداف الكيان الصهيوني بعد أن تمرد إبنهم عليهم. وهاهو الشعب العراقي يرى كيف إن رؤوس حكومات ما بعد الإحتلال قد خيبوا آماله، وأوصلوه إلى حافة الهاوية بفسادهم وصراعاتهم المستمرة رغم آلاف الوعود المعسولة التي صدعوا بها رؤوس الملايين التي كانت تنتظر الفرج على أيدي هؤلاء. ولا يمكن لعشاق المناصب أن يقدموا مشروعا وطنيا طموحا، ويبنوا دولة عصرية بحجم حضارة العراق.) وصدقت نبوءة الشاعر.  

وفي قصيدته (بوابة الأمن إلى جسر الأئمة) تنتفض روحه لهول تلك الفاجعة.ويستطرد فيها ليتحدث عن لحمة التآخي بين جميع المذاهب التي ضمها تراب العراق المقدس. حيث يقول في تلك القصيدة:

طارقٌ في الضحى بغتةً

تحط على القلب أوجاعهُ

زمنا يحتبي بالأفولْ

وفيه يفارق عشق التراب السنا

لقد نقض الوجد ميثاق كتماننا

إنها وحدها سيدي أبصرت

مجيئ (بن ثابت)

وكان العبيدي (عثمان)

يتلوه شاهد صدق

إلى مأتم تصدًرهُ (كاظم الغيظ)  

فجسر الأئمة – مملكة الحب –

لن نظل الطريق إليها

وبوابة الأمن بين (المعظم)  

و( باب الحوائج) 

شامخة لاتزول.

وافاه الأجل في إحدى ليالي شتاء عام 2010 وشيعه عدد من أقربائه وأصدقائه وبلغني نبأ وفاته وأنا في الغربة وكان ذلك الخبر هو الأشد إيلاما على نفسي.

مات ذلك الإنسان العصامي بعد أن ظل غريبا في وطنه. وظلت مؤلفاته وكتاباته خلفه وهي تعاني من تراكم الغبار عليها وربما سيكون مصيرها التلف لفقر عائلته وربما وعسى أن تحنو عليها يد حانية وتنقذها . وكم من مبدع وعالم ومفكر طوى جسمه الثرى بصمت دون أن يلتفت إليه أحد.

لقد فارقتنا أيها المربي الفاضل بعد أن بقيت صادقا مع نفسك ومحبيك مدافعا عن الحق والفضيلة بكل جوارحك وتركت ذخيرة ثقافية ثرة عبرت عن تلك القيم التي كنت تحملها في روحك وقلبك. فنم قرير العين. ولروحك الطاهرة الرحمة والغفران. وتقبل من صديق عمرك هذا النزر اليسير وفاء لذكرى الصداقة والأخوة التي جمعت بين قلبينا وروحينا لأعوام طويلة.

بسم الله الرحمن الرحيم:

 يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.

 جعفر المهاجر.

 

 

hasan maysiralaminشخصية موصلية علمية، تعكس خُلقًا سَمحًا ونُزوعًا مُسالمًا، لا يعرف غير أن يقول حقًا، صَمتهُ أبلغُ من حديثه، وحديثه في حياته العامة هادئ ورائق ولائق ومسموع ومنجذبٌ إليه، فإذا ما تحولنا إلى رحاب العلم وفضاء المعرفة، نجده دقيقًا ترافقه توثيقاته وغوصه في أعماق الحضارة العربية الإسلامية والتاريخ، والأندلسي منها بشكل خاص، شخصية علمية وعملية ذات نشاط موسع على صعيد العراق والوطن العربي والعالم، وهو إلى جانب ذلك مُنغمر في عشقه لمدينته، متفانيًا في خدمتها والإخلاص لها، بما يضعنا أمام شخصية وقادة ومصباح منير وهّاج وسيرة وضاءة لشخصية موصلية حد النخاع، تحكي تاريخًا حافلًا بالعطاء والمنجزات، ممتدةً لحاضر ملؤهُ الألم والحسرات والأحزان والشجون، متطلعةً إلى مستقبل مضيء محفوفًا بالأمل والتفاؤل بغيثٍ من الباري جل في عُلاه، يغسلُ ما حّلَ بالموصل الحدباء من كوارث وويلات أحدثتها مطر السوء التي حلت بسمائها وسط تقلباتٍ وظلماتٍ بعضها فوق بعض سببتها عاديات الزمن الغابر، والعابر من بعد ثلاث سنين عجاف مرت بكل ظلم وقسوة عليها وعلى أهلها، ذلك التفاؤل الكبير بالمستقبل السعيد، يكتنفه الأمل بأنه سوف يحتفظ عن مرارة تلكم الأحداث والظروف وقسوة السنين وضراوة الدمار وبشاعة ما حصل في مدينتنا الموصل الحدباء، بالذكريات الأليمة عمّا حدث لها ولأهلها فيما لا يستحقان، وأخرى عطرة ممزوجة بالمواقف النبيلة التي أظهرت حقيقة معادن الرجال والنساء من أهلها، حيث تباين المواقف ما بين الثبات على المبادئ الرصينة المُعرف بها أهلها فأضفوا على سمعتهم وعوائلهم من الذكر الطيب الشيء الكثير والذي لا يمكن تجاهله أو نسيانه، وما ببن الترنح من المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء من الذين تاجروا بقضيتها وشهروا البيع والتقسيم والتمجيد لمن خانها وغدر بها والتطبيل وراء هذا وذاك والإرتماء بأحضان المال ومن يدفع أكثر وسعّوا إليه سعيهم، وهم شرذمة معروفون ومشخصون، أو عمّن مالَ ميلًا عظيمًا بعيدًا عنها وعن حقيقتها الناصعة فسُجلت عليه وكسب ما يستحق من سمعة لا يُحسد عليها وألحقَ بتاريخ العائلة وسمعتها من الإساءة الكثير .

اليوم نستكمل في سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها في سرد المواقف والأقوال التي صدرت عن شخصيات وطنية تمسكت بمبادئها وحافظت على ثوابتها الرصينة وسط الموج العالِ والسيل الجارف، فلم تحد عن مبادئها ولن تثنيها الظروف والتقلبات، بل كانت على الطريق المستقيم وكالقابض على جمر النار .

إنه الأستاذ الدكتور (عبد الواحد ذنون طه عبد الله آلطه)، مواليد الموصل عام (1943)، درس مدارسها وتخرج من الأعدادية المركزية عام (1961)، وحصل على درجة البكالوريوس في التاريخ بدرجة (جيد جداً) من كلية التربية في جامعة بغداد عام (1965)، ليبدأ حياته الوظيفية في نفس العام مدرساً في التعليم الثانوي في ثانوية تلكيف .

واصل دراسته وحصل على شهادة (الماجستير) في التاريخ الإسلامي من كلية الآداب بجامعة بغداد عام (1973)، وباشر عمله مدرساً في معهد إعداد المعلمين بالموصل للفترة من (1975 - 1973) .

إلتحق ببعثة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في عام (1975)، ونال شهادة (الدكتوراه) في تاريخ (المغرب والاندلس) عن رسالته الموسومة (الفتح والإستقرار العربي الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس) من جامعة أكستر (Exeter) بالمملكة المتحدة عام (1978) .

تم تعيينه بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في جامعة الموصل وباشر عمله فيها عام (1979)،

وتدرج في الألقاب العلمية حسب الإستحقاق وحصل على لقب (الأستاذية) في عام (1988)، وتولى المناصب الإدارية التالية : (وكيل ومقرر قسم التاريخ - كلية التربية بجامعة الموصل للفترة من عام 2001 - 1994)، (عميد كلية التربية بجامعة الموصل للفترة من عام 2012 - 2005)، حصل على لقب (الأستاذ الأول) في جامعة الموصل في العام (2010)، أحيل الى التقاعد عام (2012) لبلوغه السن القانوني، ولا يزال يمارس تخصصه بصفة (أستاذ متمرس) في كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل .

1455 maysir

أشرف خلال عمله التدريسي على (9) رسائل لطلبة الدراسات العليا للحصول على شهادة الدكتوراه و (18) رسالة للحصول على شهادة الماجستير في كليات (الآداب والتربية) في جامعة الموصل وفي الجامعة المستنصرية في بغداد، كما شارك في مناقشة العشرات من رسائل الدكتوراه والماجستير في كل من جامعات (الموصل، بغداد، المستنصرية، صلاح الدين، عدن، صنعاء )، فضـلاَ عن التدريس لطلبة الدراسات العليا في الجامعات المذكورة أعلاه .

بالإضافة إلى أعماله في التدريس، فقد تولى رئاسة وعضويه المئات من اللجان العلمية في جامعات (الموصل، بغداد، صلاح الدين، البصرة) والتي تم تشكيلها للإرتقاء بالمستوى التعليمي وإستحداث كليات وأقسام علمية وتحديد المناهج الدراسية لطلبة البكلوريوس والدراسات العليا وغيرها من النشاطات العلمية التي تستلزمها ظروف العملية التدريسية وبرامج الإرتقاء بها .

علاوةً على مشاركته في عضوية الجمعيات العلمية التالية : (عضو الهيئة الإدارية لجمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين- فرع نينوى عام 1979)، (عضو مجلس إدارة مركز البحوث الآثارية والحضارية في الموصل عام 1979)، (عضو مجلس إدارة دار أبن الأثير للطباعة والنشر بجامعة الموصل عام 2005)، (عضو إتحاد المؤرخين العرب)،(عضو إتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين)، (عضو هيئة كتابة التاريخ في الجمهورية العراقية عام 1985) .

قام بتأليف وإصدار العديد من الكتب منها :

(الفتح والإستقرار العربي الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس والصادر عن، دار الرشيد للطباعة والنشر في بغداد عام 1982- وهو رسالة الدكتوراه، وقد نشر أيضاً باللغة الإنكليزية في بريطانيا، وصدر عن مؤسســــة (Routledge بعنوان :

(The Muslim Conquest and Settlement of North Africa and Spain,  

Routledge, London-New-York ,1989) -

وتم نشره باللغة الايطالية في مدينة جنوه الإيطالية عام 1998 بعنوان:

)Ľ espansione dell´Islam Insediamenti nel nord Africa e in Spagna, ECIG – Edizioni Internazionali , Genova, 1998( ,                              

(العراق في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي - والصادر عن مؤسسة دار الكتب في الموصل عام 1985 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (دراسات أندلسية - المجموعة الأولى - والصادر عن مؤسسة دار الكتب في الموصل عام 1986 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس - بالاشتراك مع آخرين - والصادر عن مؤسسة دار الكتب في الموصل عام 1986 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (دراسات في التاريخ الأندلسي - المجموعة الثانية - والصادر عن مؤسسة دار الكتب في الموصل عام 1987 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (تاريخ المغرب العربي - بالاشتراك مع آخرين - والصادر عن مؤسسة دار الكتب في الموصل عام 1988 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (حركة المقاومة العربية الإسلامية في الأندلس بعد سقوط غرناطة - والصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد عام 1988 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (نشأة تدوين التاريخ العربي في الأندلس - والصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد عام 1988 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (موسى بن نصير - والصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد عام 1989 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (أُصول البحث التاريخي - والصادر عن دار الحكمة للطباعة والنشر في الموصل عام 1990 - كما صدر طبعة ثانية عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (تاريخ الدولة العربية الإسلامية في العصر الأموي - بالاشتراك مع آخرين - والصادر عن دار الكتب للطباعة والنشر في الموصل عام 1991)، (أثر الحضارة العربية الإسلامية في الفكر الغربي - مشترك - والصادر عن دار بيت الحكمة - سلسلة المائدة الحرة - في بغداد عام 1997)، (المدخل إلى التاريخ الإسلامي - مشترك - والصادر عن منشورات جامعة آل البيت في الأردن عام 2001)، (دراسات في تاريخ وحضارة المشرق - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (دراسات في تاريخ وحضارة المغرب - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)،

(دراسات في تاريخ وحضارة الأندلس - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (ابن عذاري المراكشي - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (الرحلات المتبادلة بين الغرب الإسلامي والمشرق - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2004)، (الإسلام في المغرب والأندلس - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2008)، (تراث وشخصيات من الأندلس - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2008)، (تراجم مشرقية ومغربية - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2008)، (مواقف ودراسات في التاريخ والتراث - والصادر عن دار الحامد في عمّان عام 2014)، (مصادر في تاريخ المغرب والأندلس - دراسة وتحليل - والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2011)، (الأصالة والتأثير - أبحاث في الفكر والتراث والصادر عن دار المدار الإسلامي في بيروت عام 2011)، (أبحاث في تاريخ المغرب والأندلس وصور من التواصل الحضاري مع المشرق - والصادر عن دار الحامد للطباعة والنشر في الأردن عام 2014)، (صور من الإسهام الحضاري لعلماء المسلمين في التاريخ والتراث -، والصادر عن دار الحامد للطباعة والنشر في الأردن عام 2015) .

نشر ما يربو عن (120) بحثًا علميًا في العديد من المجلات العلمية الرصينة العراقية والعربية والعالمية منذ العام (1974) وحتى الآن، تناولت سير ذاتية عن شخصيات تاريخية وعن أجهزة الأمن والشرطة السرية في العصور الخالية وعن الفتوحات الإسلامية والإصلاح النقدي وتعريب الدواوين، وأخرى عن أثر الحضارة العربية الإسلامية على البلدان الأوربية وغيرها، وعن نشأة التدوين التاريخي في الأندلس، وعن القبائل البربرية في شمال أفريقيا قبل الإسلام وأماكن استيطانها وعن الجزية والخراج ومحاولة رفع مستوى الجباية وعن إشبيلية وأثرها في التراث العربي، وغيرها الكثير بما تتمحور (البحوث) حول دراسته وتخصصه في التاريخ والحضارة العربيــة الإسلامية وأخرى عن تاريخ المغرب والأندلس .

كما كتبَ مقدمات (مداخل) بعدد (224) مدخلًا، ترجمَ فيها لشخصيات علمية وتاريخية وحضارية، تم نشرها في موسوعة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم المعروفة ب (موسوعة أعلام العلماء العرب والمسلمين) التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والتي تتخذ من تونس مقرً لها، كما أسهم في الكتابة لمشاريع تاريخية قومية وحضارية وإسلامية، مثل موسوعة الحضـــارة الإسلامية التي يصدرها المجمع الملكي الأردني، وموسوعة الموصل الحضارية التي أصدرتها جامـعة الموصل، ومشروع كتاب الأمة العربية الذي تصدره المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلـــــوم في تونس، والموسوعة الإسلامية في مصر، وموسوعة العلماء العرب والمسلمين التي تصدرها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس، وموسوعتي (الجيش والسلاح) و (العراق في مواجهـــة التحديات) اللتـين أصدرتهما هيئة كتابة التاريخ في العراق، وموسوعة العراق الحضارية وهي بصدد اصدارها قريبا عن جامعة الموصــل .

بالإضافة إلى نشره لعشرات المقالات التاريخية والعلمية والأدبية، تم نشرها في العديد من الصحف ومواقع النشر الالكترونية، كما وتزخر صفحته الفيسبوكية بالعديد منها .

ساهم بقوة وبحضور متميز في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية والتي يقارب عددها (30)، عقدت في جامعة الموصل وجامعات عراقية أخرى ومؤسسات تربوية ومعاهد أكاديمية داخل العراق، بالإضافة إلى مشاركاته في (38) من هذه المؤتمرات والندوات العلمية وكذلك إلقاء المحاضرات عن تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب والاندلس تم عقدها خارج العراق في كل من البلدان التالية (الإمارات العربية المتحدة (ابو ظبي، دبي، العين) - الأردن ( عمان، الزرقاء ) - مصر (القاهرة، الإسكندرية) - المغرب (مراكش، طنجة، وجدة) - تونس - سوريا ( دمشق، حلب، حمص، اللاذقية) - تركيا ( أنقرة، إستانبول، أزمير) - ليبيا - قطر - البرتغال - المدينة المنورة - الجزائر - موسكو) .

حصل على كتاب (شكر وتقدير) من رئيس الجمهورية الأسبق عام (1994) عن جهوده المبذولة في إعداد دراسة قدمت لديوان الرئاسة وقتئذ، كما حصل على كتب (شكر وتقدير) من (7) وزراء للتعليم العالي والبحث العلمي للفترة من عام (1992 وحتى الآن)، وكذلك حصوله على (19) كتاب (شكر وتقدير) صادرة من رؤساء جامعة الموصل للفترة من عام (1981 وحتى الآن)، بالإضافة إلى (14) كتاب (شكر وتقدير) صادر من عمداء الكليات في جامعات (الموصل، بغداد، صلاح الدين، جامعة الحدباء الأهلية، جامعة حلب، والمدراء العامين للدوائر الحكومية والوزارات العراقية ورؤساء الهيئات الإستشارية في وزارتي التربية والتعليم ورؤساء الجمعيات والمؤسسات التربوية والثقافية ورؤساء تحرير الصحف والمجلات للفترة من عام (1990 وحتى الآن)، علاوةً على حصوله على كتاب (شكر وتقدير) من مدير عام مركز زايد للتراث والتاريخ في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك من

المدير العام المساعد لمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في إمارة دبي، وحصوله على كتاب (شكر وتقدير) من الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء في المغرب)، رافقها حصوله على (35) شهادة تقدير وتمّيز وعرفان صادرة من جهات عدة ومستويات متنوعه وذلك عن مشاركته في أعمال المؤتمرات والندوات التي عقدت داخل العراق وخارجه وكذلك القاء المحاضرات عن التاريخ والحضارة العربية الإسلامية .

نال شهادة تقدير وتمّيز ودرع (محافظة نينوى) لمناسبة تنظيم معرض الكتاب الدولي الأول في محافظة نينوى - الموصل عام (2012)، وكذلك حصوله على شهادة تقديرية من الأمين العام لرابطة العلماء في المغرب عام (2012)، كما حصل على وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب في بغداد عام( 2014) .

ومما تجدر الإشارة إليه هو تكليفه للتدريس بصفة (أستاذ زائر) في عدد من الجامعات العراقية والعربية ولفترات زمنية مختلفة في كل من : (جامعة بغداد، وجامعة صلاح الدين، والجامعة المستنصرية، والجامعة الأردنية، وجامعة اليرموك، وجامعة آل البيت، وجامعة الزرقاء الأهلية في الأردن، وجامعة عدن، وجامعة تعز، وجامعة صنعاء في اليمن) .

رغم ظروف الموصل القاسية وكثرة ما أصابها من أحداثٍ جسام، آثر البقاء فيها رغم كل المخاطر والظروف وخصوصًا ما شهدته في حزيران (2014) وما تلاه، تعلقًا بها وبحبها فلم يغادر أرضها ولم يكن ضمن القوائم الأولى لقوافل النازحين أو المهجرين منها، فأنزوى في داره ليراقب الأحداث التي أطبقت على الأنفاس كمدًا وجثمت على القلوب حسرةً والمًا وحزنًا ويتطلع لرحيل تلكم الظروف البائسة بأقرب وقت وبأقل الخسائر والمتمثل بزوال الدواعش الأنجاس الذين جاسوا الديار فأكثروا فيها الفساد والقتل والتدمير، مترقبًا إنتهاء العمليات العسكرية لتحريرها، ووسط هذا الخلجان والحيرة في الأنفس ووساوس الشيطان الملازمة لحالة الترقب الشديد والقلق الكبير الذي ساور جميع من هم خارج الموصل على الأهل والأحباب هناك، وحيث موج المنايا حولها متلاطم، وصلني خبر بتاريخ (2016 /12/ 5) وبكلمات معدودات مفاده (أن دار الدكتور (عبد الواحد ذنون) قد تم قصفه وتدميره وقد نجا من نجا والله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين)، وعلمت بعد فترة وجيزة بنجاته ولله الحمد وعائلته من القصف الصاروخي الذي طال الدار وأحدث تدميرًا كبيرًا، مما أضطره وعائلته الى مغادرة الموصل بتاريخ (2016/ 12/ 10) إلى محافظة أربيل للمكوث فيها حتى يقضيَ الله أمرًا كان مفعولا .

كتب لي على الخاص ليخبرني بكلماتٍ مختصرات عن مجريات الأمور وما حل به وبالأهل والدار قُبيل وأثناء رحيله القسري عنها قائلًا في بعض فقراتها :

(لم يكن في حسباننا ترك المدينة وفضلنا العيش فيها تحت أسوء الظروف، ولكن فوجئنا بتحول منطقتنا الى خط صد وحوصرنا في بيتنا لأسابيع، تكللت بإصابة الدار بعدد من الهاونات ثم بصاروخين مباشرين هدما الطابق الثاني على رؤوسنا وخرجنا بإعجوبة، فلم يعد لنا دار نسكنه، فغادرنا يوم (2016 / 10 /20) الى أربيل عن طريق بغداد في رحلة مضنية أستغرقت (18) يومًا، حيث أمضينا ليلة واحدة في منطقة ( كوكجلي)، ثم (3) أيام في قرية (الحود) جنوب الموصل، ثم الوصول الى بغداد والمكوث فيها (أسبوعين) لغرض إصدار هويات الأحوال المدينة لمن لا يملكها من الأطفال الصغار لغرض الحجز بالطائرة، ثم الوصول الى أربيل بتاريخ (2016/ 12/ 24) .

والحمد لله الذي نجانا مما أصاب الدار الذي كنا بداخله أنا وأسرتي المكونة من أولادي وأحفادي والبالغ عددهم (14) شخصًا كنا في الدار أثناء قصفه، والحمد لله خرجنا جميعا من بين الأنقاض والحرائق والدخان والزجاج المكسور سالمين .

فراق الموصل صعب جدًا والأصعب هو ما حل بها، سنبني ما تدّمر على قدر طاقتنا وهمتنا وأنا واثق بأن كل من غادرها قسرّا، سيعود وسيعمر ما دمرته الحرب فالموصل لابد أن تنهض من جديد ولا يمكن للشر أن يدوم) .

وأثناء تواجده في أربيل، نعى على صفحته الفيسبوكية بتاريخ (2017 / 6 /3) إستشهاد اخيه وعائلته بالكامل - رحمهم الله - خلال عمليات تحرير الجانب الأيمن في منطقة باب لكش قائلاً : (وصلنا خبر إستشهاد أخي سعد وزوجته وأبنه وأبن أختي الصغير مع عدد من الأقرباء الذين كانوا معهم في دارهم في منطقة باب لكش وجرح أختي وزوجها، أثر تعرض الدار إلى صاروخ وذلك بعد معاناة طويلة من الحصار والجوع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتبهم من الشهداء ويتولاهم برحمته الواسعة ويسكنهم فسيح جناته) .

عاد إلى الموصل بتاريخ (2017/ 9 / 1) ليقف على أطلال داره المهدم، وقد أصدق القول وبالفعل أتبعه، وباشر على الفور في أعمال إزالة انقاض الدار وتسويته مع الأرض، لإستحالة القيام بترميمه ولا يزال العمل مستمرًا، وكان قد نشر على صفحته الفيسبوكية بتاريخ (2017/ 9/ 26) خبر البدء بهدم الدار لإعادة بنائه وأرفقَ صورة الدار وأعمال الهدم فيها قائلًا في منشوره : (أعتذر لأصدقائي جميعًا عن غيابي وعدم ردي على رسائلهم لإنشغالي بهدم داري بالموصل بعد تضررها البليغ في المعارك، عمر الله دوركم وحماها وحماكم جميعا من كل سوء، والحمد لك والشكر لك يارب على كل حال، الحمد لك والشكر لك يارب أنك أنجيتنا من تحت أنقاضها ولا حول ولا قوة الا بك) .

سادتي الكرام : وكما أسلفت في مقدمة المقال أعلاه، فبعد هذا التاريخ الحافل بالعطاء والمنجزات، وهذا الحاضر المليء بالأحزان والآلام، وهذا الواقع الحالي الذي يعيشه اليوم الدكتور الفاضل (عبد الواحد ذنون) والنابع من التفاؤل السعيد بالمستقبل القريب متحديًا كل ما مّر به من ظروف متجاوزًا محنتها بإندفاع كبير وعزيمة لا تلين وهمة الصابر المحتسب وبكل أملٍ بغدٍ مُشرق، أصبح لزامًا علينا أن يكون إسمه ضمن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها، فكان حقًا لنا وعلينا أن يُسطر إسمه فيها لتكون شهادة حق وصدق تجاهه في قادم الأيام ولتّطلع الأجيال القادمة على واحد من نماذج الإخلاص والثبات والصدق في القول والعمل الذي يتمتع به رجالات الموصل ونسائها فيما مرت على المدينة وأهلها من كوارث وويلات يصعب وصفها لشدة قساوتها وما حملته معها من بطش وظلم كبيرين .

وبعد، لقد أخترت مقولته كما في الصورة أدناه وهي فقرة مجتزأة من تعليقه أعلاه والتي عبر فيها عن الكثير مما تعنية بإختصار شديد، أضعها أمامكم سادتي الكرام متمنيًا أن تنال رضاكم وأن تأخذ صداها كمقولة وحكمة صادرة من رجل نبيل وعالم حصيف يُكِنُ كل الحب لمدينته وأهلها، ويحدوني الأمل السعيد بمشاركتكم وتفاعلكم والتركيز على المقولة المختارة لتغدو شهادة للتاريخ بحق قائلها الفاضل وأتخاذها عنوان عريض للنقاش وصب الإهتمام بمضمونها وإبداء الرأي والإضافات حولها، شاكرًا تفضلكم ومتمنيًا للجميع دوام التوفيق والسداد وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين  

 

 

adnan aldhahir2آلو... هل أبو الطيّب هنا؟

نعم، إنه هنا لا هناك. من المتكلم؟

صديقك الذي لا ولن ينساك.

ضحك صاحبي المتنبي ضحكة قصيرة ثم أردف قائلاً: أقلقني غيابك الذي طال على غير عادتك. قلتُ ربما جرى إختطافك في عمّان أو في الطريق ما بين عمان وبغداد، بل وقد ذهبت الظنون بي إلى حد تصورك قتيلاً في حزام ناسف أو رصاصة طائشة أو جرّاء حادث إنفجار سيارة مفخخة.

لا هذا ولا ذاك يا أبا الطيّب. كانت ولم تزل زيارة بغداد حُلُماً لم يتحقق مُذْ أنْ غادرتها فجر التاسع من شهر تموز عام 1978.

أين كنتَ إذاً؟ سألني بشيء من العصبية العاتبة. كنتُ في بريطانيا. قضيت شهراً في مدينة (شفيلد) مع أصدقاء أعزّة عليك وعليَّ. سألني عن هوية هؤلاء الأصدقاء الأعزاء.

إنهم الدكتور نوري سالم الشيخ أحمد وحرمه

أم رائد السيدة (فاليري سميث). قال وكيف كانت الأجواء في مدينة

(شفيلد)؟ كانت الأجواء العائلية داخل بيت أصدقائي على أفضل ما تكون، لكن أجواء السماء خارج البيت كانت على أسوأ حال. مطر وبرد وريح وسماء رمادية غائمة رغم أن الشهر كان شهر ربيع... أجمل شهورالربيع .... الشهر الرابع.... نيسان (أبريل). لقد تساقطت حبّات من الثلج مرتين في هذا الشهر... وهو أمر غير مالوف.

قال صف لي قليلاً أجواء البيت الذي كنتَ ضيفاً فيه. قلتُ: كنتُ مدلل الصديق أبي رائد وموضع كرمه حيث كان يقوم بنفسه بإعداد ما لذَّ وطاب من الأكلات العراقية وسواها. ثمَّ كنا نستعيد ذكرياتنا المشتركة خلال أعوام التدريس في قسم الكيمياء من كلية علوم جامعة بغداد. فضلاً عن ذلك، كنت شغوفاً وشديد الحرص على متابعة حركات سناجيب حديقة بيتهم التي تزور مكانها الخاص بها الذي أعدته وهندسته السيدة أم رائد. تأتي لتلتقط البذور والحبوب التي توفرها لها أم رائد بحرص بالغ. شد إنتباهي ما كنت ألاحظ من منافسة بل وبعض الخصام بين السناجيب وبعض طيور الحمام الكبيرة الحجوم بشكل لافت للنظر. يسمون هذه

. ثم  Dove ويسمون الأصغر منها حجماً Pigeon الطيور الكبيرة

هناك طيور الفخاتي الوديعة جداً والمتميزة بلونها الموحد والتي تطير وتحط أزواجاً أزواجا. هي أصغر الجميع حجماً. لا تتخاصم ولا تقحم نفسها في منازعات أو شجار حول مصادر الحبوب لا مع السناجيب ولا مع غيرها من طيور الحمام. كانت الحديقة ملأى بالورود التي تختلط صفرتها مع بياض زهور أشجار التفاح والعنجاص والكمّثرى.

قال صاحبي: وهل كنتم تقضون كل وقتهم أو جله في البيت؟ قلتُ كلاّ. قمنا ذات يوم بالسفر بالقطار إلى مدينة (ليدز) حيث أمضيناً نهاراً ماتعاً مع الصديق وزميل التدريس في كلية العلوم أستاذ الفيزياء السابق أبي ليث

(حسين السعدي) . كانت واحدة من المناسبات النادرة إذ أحاطتنا السيدة أم ليث (دايانا) بكل مظاهر التكريم والحفاوة وأعدت لنا كل ما قد يخطر على بال ومذاق العراقي من طعوم. ثم تداولنا لعب الطاولي فكان أبو ليث نجمه الذي لا يُضاهى ولا يُقهر. كانت زيارة ومناسبة مشهودة لا ينساها المرء. أخذنا الشاب ليث بسيارته إلى محطة القطار حيث قفلنا راجعين مساءً إلى مدينة (شفيلد) . لا تستغرق السفرة إلاّ ساعة وبضعة دقائق لا أكثر.

عاد صاحبي فسأل: ثم ماذا؟

كنت وأبا رائد نقضي أوقاتاً كثيرة ما بين التسوق والتبضع وإرتياد بعض المقاهي الراقية الأجواء والزبائن. ثم كنا نزور معاً بعض أطبائه أو المركز الطبي المسجَّل فيه لإجراء بعض الفحوص أو للحصول على بعض الأدوية. لدى الصديق أبي رائد رغبة قوية لزيارة مجمع أسواق الخضرة واللحوم المركزي في قلب مدينة شفيلد. يود أن يزوره كل يوم مهما كان الجو.... صاحياً أو غائماً.... بارداً أو شديد البرودة. يجد فيه متعة خاصة ومناسبة جيدة لقضاء بعض الوقت والتحدث مع الباعة الذين يعرف أغلبهم، أو الإلتقاء بالبعض من أصدقائه من العراقيين. إنه لعلى حق. فالمجمع فرجة وزينة وبهجة. يجد المرء فيه كل ما يحتاجه هو أو بيته من لوازم وحاجات.

كان صاحبي يصغي لحديثي مأخوذاً سارحاً مع أخيلته الخاصة حتى إنه نسي التدخين. حين أنتهيت من آخر جملة إعتدل في جلسته وأشعل سيجارة ثم عاد ليسأل: وكيف كنتَ تقضّي أوقاتك في بيت مضيّفيك؟ سؤال وجيه يا أبا الطيب. بين الأحاديث الشجية ومتابعة برامج التلفزيون وخاصة مباريات كرة القدم وبعض البرامج السياسية، ثم القراءة. سأل صاحبي مدهوشاً: القراءة؟ أجل يا أبا الطيب. حياتي كلها قراءة وتفكير ثم كتابة. هذا شأني ودأبي وديدني أينما كنتُ وحيثما كنتُ. قال ماذا قرأتَ؟ في البيت مكتبة عامرة بشتى صنوف الكتب. قضّيتُ أوقاتاً ممتعة جداً مع كتاب يحمل عنوان البطل السومري الأسطوري (جلجامش) صدر عام 2004 معاً في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بهذا الإسم

(1). سألني عن إسم مؤلف هذا الكتاب؟ إنه ستيفن ميشيل Stephen Mitchell. قال أعرف أنَّ لديك نسخة عربية لملحمة جلجامش (2) أهداها لك الصديق الراحل المرحوم الدكتور (حسن الجبّاوي) . قلت أجل يا أبا الطيب، رحل الصديق العزيز الكريم وبقي جلجامش معي. قال ما الجديد في الأمر إذاً؟

الجديد يا صاحبي أني إكتشفت في مقدمة النسخة الإنجليزية أنَّ الشاعر الألماني Rainer Maria Rilke (راينر ماريا ريلكه) كان من أوائل من إطّلع على بعض ترجمات هذه الملحمة وقدّر أقيامها الفنية والأدبية والتأريخية تقديراً عالياً جداً. قال صاحبي أفلم تعرف ذلك قبلاً؟ كلاّ يا صاح، لم أعرف ذلك من قبل. كنت أجهل ذلك رغم إقامتي لسبعة عشر عاماً في ألمانيا. عاد فسأل: وما قال الشاعر الألماني ريلكة بخصوص هذه الملحمة التي تُعتبر أول قصة أسفار ملحمية في تأريخ البشر؟ قال عنها في نهاية عام 1916 ما يلي [[ جلجامش هائل.... أنا أعتبره أحد أعظم الأمور التي قد تحدث لإنسان. غمرتُ نفسي به. ولقد خبرتُ في تلكم الفقرات الجليلة حقاً مقاييس وتشكيلات لا تجد سبيلها إلاّ في الأعمال الفائقة الجودة التي تنتجها الكلمة الساحرة ]]. وسّع صاحبي عينيه ورفع حاجبيه الكثين ثم لم يلبث أن قال: هلاّ ذكرتَ نص ترجمة ما قال الشاعر الألماني ريلكه عن هذا العمل الملحمي؟ لماذا يا أبا الطيّب؟ قال: للأمانة والدقة. قد لا تكون ترجمتك دقيقة بالقدر الكافي. أصبتَ يا متنبي. معك كل الحق. سأنقل النص الإنجليزي وليفهمه القاريء الكريم كما يحب وقدر ما يستطيع.

Gilgamesh is stupendous. I…. Consider it to be among the greatest things that can happen to a person. I have immersed in (it) , and in these truly gigantic fragments I have experienced measures and forms that belong with the supreme works that the conjuring Word has ever produced.

شاعر ألماني يفهم ويقوِّم شعر ملحمة عمرها خمسة آلاف عام. الطريف أنَّ الملحمة الشعرية السومرية الأصل والمحفورة على ألواح الطين... تمَّ العثورُ عليها مطمورة تحت خرائب العاصمة الآشورية (نينوى) قرب مدينة الموصل شمال العراق. يا أبا الطيب.... وُجدت الملحمة بثلاث لغات وليس بلغة واحدة. زاد فضول صاحبي فتصاعد دخان سيجارته فوق الرؤوس ليسأل بلهفة فائقة الوتيرة: ما هي هذه اللغات الثلاث؟ إنها السومرية المسمارية والأكدية ثم البابلية التي تُعتبر لهجة أكدية. هل وجد علماء الآثار والتنقيب وخبراء اللغات السامية القديمة نسخة لهذه الملحمة باللغة العربية؟ سألني صاحبي وهو شبه جازع. لا يا سيدي ومولاي. لم تكن عربيتنا التي كتبتَ بها أشعارك معروفة في ذلكم الزمن. لم تكن لغة القرآن معروفة يومذاك.

سرح صاحبي مفكِّراً مُلِّحاً في التدخين وضباب خفيف يطيف بمحجري عينيه. لديه أسئلة لا أجوبة لها لديَّ. ثم كان يروم معرفة المزيد عن لغز هذه الملحمة الشعرية. قلتُ له إني قرأتُ في هذا الكتاب موضوع نقاشنا ما يلي (مقدمة الكتاب / الصفحات 1 / 7):

1 / أجرى في عام 1844 رحالة إنجليزي تنقيبات آثارية في خرائب قريبة من مدينة الموصل. إسم هذا الشخص أوستن هنري لايارد. كشفت هذه التحريات عن وجود بقايا قصور العاصمة الآشورية نينوى وما بقي من مكتبة آخر ملوك آشورالملك العظيم آشور بانيبال (627 / 668 ) قبل الميلاد. وجد السيد لايارد ومساعده (هرمزد رسّام / يبدو إنه عراقي) أنَّ حجرات القصور مغطاة بألواح من الحجر محفورة عليها صور مخلوقات خرافية وملوك ومشاهد معارك وحفلات صيد ملوكية، ومداخل مطوقة بثيران مجنّحة هائلة وأسود. تمَّ شحن أكثر من خمسة وعشرين ألفاً من هذه الألواح إلى المُتحف البريطاني.

2 / جرى عام 1857 فك شفرة لغة هذه الألواح فإتضح إنها مكتوبة باللغة الأكدية، وهي لغة سامية لها وشائج مع العبرية والعربية.

3 / إكتشف عام 1872 أحد موظفي المتحف البريطاني إسمه (جورج سميث) أنَّ قصة طوفان نوح البابلي محفورة على أحد هذه الألواح.

4 / تمَّ في عام 1877 نشر نتائج البحث والتنقيب مترجمة إلى اللغة الإنجليزية.

5 / بدأت أسطورة جلجامش للظهور بعد موت هذا الملك التأريخي بقليل. أوائل النصوص التي سلمت ولم يصبها التلف تعود لحوالي العام 2100 قبل الميلاد. كُتبت هذه النصوص باللغة السومرية وتنقسم إلى خمس مجموعات من الأشعار مستقل بعضها عن البعض الآخر

ولكل منها عنوان قائم بذاته:

جلجامش وأغا

جلجامش وهاواوا

جلجامش والثور السماوي

جلجامش في العالم السفلي

موت جلجامش.

يقول مؤلف الكتاب إنَّ اللغة السومرية هي لغة غير سامية ولا من علاقة لها بأية من اللغات التي نعرف اليوم. وإنها بعيدة عن اللغة الأكدية كبعد اللغة الصينية عن الإنجليزية. وإنها كانت لغة الثقافة في بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا). وإنَّ الأشعار الخمس السومرية هي أقل كثافةً وحيويةً من أشعار الأسطورة باللغة الأكدية.

6 / بعد كتابة النص البابلي بخمسة قرون، كتب قس مثقَّف يُدعى (سن ليكي- أونيني) نصاً آخرَ مُعدَّلاً للنص البابلي. هذا النص الملحمي الجديد يسميه العلماء المختصون " النص القياسي " وإنه أساس جميع الترجمات المعاصرة.

بعد فترة سكون غير قصيرة إستأنف صاحبي أسئلته الطريفة فقال: أفلم يذكر أستاذنا (طه باقر) في كتابه الموسوم (ملحمة جلجامش) قصة الشاعر الألماني ريلكه مع هذه الملحمة؟ كلا يا سيدي، لم يذكرها. لم يتطرق إليها حتى في الطبعة الخامسة المنقحة والمزيدة من مؤلفه التي صدرت عام 1986 عن دار المدى. إنه ليس بشاعر، وربما لا يعرف أو لم يسمع بإسم هذا الشاعر الألماني. هذه المسألة تهم وتخص الشعراء من أمثالك. وربما تهم أشخاصاً من أمثالي. ضحك صاحبي ساخراً ثم قال: وما الذي يميزك عن سواك من القرّاء؟ قلت: لا يميزني شيء عن بقية خلق الله إلاّ حب التحري وتتبع الأمور الطريفة وإقتناص فلتات التأريخ. ثم إني كما يعلم جنابكم الكريم محب للشعر والشعراء. قال هذه ليست مزايا يفخر المرء بها وينتفش.... إنها خصائص يشترك فيها ملايين البشر. أجل يا ابا الطيب، لا فُضَّ فوك، إنني واحد من هذه الملايين، لي ما لهم وعليَّ ما عليهم. إني أقرأ.... مدمن قراءة. وأكتشف أثناء القراءة أحياناً أموراً ربما لم يلتفت إليها أحدٌ قبلي، أو عرفها قبلي قلّةٌ من الناس ولم يكتبوا عنها. لم يولوها الإهتمام الذي تستحق. يختلف الناس في خياراتهم وفي أذواقهم وفيما يمتعهم ويشجيهم. هذا كل ما في الأمر.

إسترخى صاحبي وطافت مخايل بسمة خفيفة على قسمات وجهه. إنبسط وتواضع قليلاً ليسألني كم إستغرقت سفرتي من مدينة شفيلد البريطانية إلى مدينة ميونيخ الألمانية؟

قد لا تصدق يا أبا الطيب !! الطيران من مطار (هيثرو) في ضواحي لندن إلى مطار ميونيخ يستغرق ساعة ونصف الساعة فقط. لكن السفرة مجملاً إستغرقت خمسَ عشرة ساعة !! فتح صاحبي حدقتي عينيه وحملق في وجهي مستنكراً ما سمع من قول. طلب مني توضيح الأمر الذي يبدو غير معقول. نعم، قلتُ، لأوضح لك الأمر على أن تتحلى بشيء من الصبر. قال بل كل الصبر.

نهضت من الفراش الساعة الخامسة صباحاً مبكراً. غادرت الحافلة مدينة شفيلد الساعة السابعة والنصف متجهةً صوب مطار هيثرو. وصلت الحافلة هذا المطار تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً. أقلعت الطائرة من مطار هيثرو الساعة الرابعة عصراً فوصلنا مطار ميونيخ في السادسة والنصف حسب توقيت ألمانيا الصيفي. وصلت بيتي الساعة الثامنة مساءً متعباً منهوك القوى لا رغبة لدي في تناول أي شيء خلا الماء وبقية السوائل. ما أن أنهيت مطالعتي حتى ألفيتُ صاحبي يعد على أصابعه عدد ساعات كل مرحلة من مراحل السفرة الثلاث. أعاد الحساب مراراً فقال أحسبك إنتظرت في مطار هيثرو أربع ساعات قبل أن تقلع بك الطائرة لتأخذك إلى ميونيخ. أصبتَ أبا الطيب. كان إنتظاراً طويلاً مملاً زاد من شعوري بالتعب والضجر مع قرار متسرع في أن لا أكرر مثل هذه الأسفار مستقبلاً. قهقهَ صاحبي منتصراً ليقول: سوف لن تنفذ هذا القرار. سوف تغير رايك فيتغير قرارك. كان هذا شأني أبداً مع نفسي ومع قراراتي. لا تقرر وأنت تعبان. لا تقرر وأنت ضجرٌ سأمان. لا تتخذ قراراً وأنت في حال قلقة غير مستقرة.

أحسنتَ أبا الطيب. سأعيد النظر في قراري. رغم أن هذه السفرة قد إستغرقت خمس عشرة ساعة بالتمام والكمال... مثل أخواتها السابقات.

غاب عني المتنبي كعادته أبداً دون إشعارٍ مُسبق. غاب ليظهر على شاشة الكومبيوتر رمز العراق الأسطوري " جلجامش ". ظهر أمامي مخيفاً مرعباً يزمجر ويزأر كالأسد المجروح. لوّح بقبضتي يديه الضخمتين ثم قال: ما علاقتي بالشعراء؟ لماذا أقحمتهم في عالمي وتأريخي؟ من هو الشاعر الكوفي المتنبي ومن هو الشاعر الألماني ريلكه؟ بين خوفي والفزع والشرر المتطاير من عيني جلجامش، أجبته قائلاً: يا أخا

" أنكيدو ".... رويدك يا أخا أنكيدو.... ما خلّد إسمك وملحمتك إلاّ الشعراء. فلقد كتب سيرتك ورحلاتك شاعر أو عدة شعراء. فعلام غضبك وعلام حساسيتك من أصحاب القوافي والأوزان؟ بين الغضب وبعض الرضا قال جلجامش معلِّقاً: كتب الشعراء ملحمتي بالأوزان. أريدهم أن يكتبوها ثانيةً بأسلوب الشعر المنثور. عفا الزمن على عالم القوافي والأوزان. عفا الزمن على شعر التفعيلة.

إختفى هو الآخر دون كلمة وداع. إختفى من على شاشة الكومبيوتر فألفيتُ نفسي موزعاً بين الحيرة والخوف والفزع. هل هذا هو ملك سومر الملحمي البطل جلجامش؟

 

د. عدنان الظاهر

.....................

هوامش

1-      Gilgamesh / By: Stephen Mitchell.

(Paperback edition published in 2005 . First published in Great Britain in 2004 by PROFILE BOOKS LTD …Pine Street….Exmouth Market….London….).

2 / طه باقر (ملحمة كلكامش وقصص أخرى عن كلكامش والطوفان

/ الطبعة الخامسة 1986 ، دار المدى للثقافة والنشر).

 

 

fatimaalzahraa bolaarasقد يكون الموت نهاية ولكنه أيضا قد يكون بداية..  بداية لمن رحل وبداية لمن مازال على قيد الحياة وبداية لمن يأبى الرحيل

وهكذا بعض الراحلين يؤكدون لنا أن فناء الجسد لا يعني الموت  بل الحياة  يفعلون ذلك حتى لو كانوا في نظر الآخرين أشخاصا عاديين .

بلى إنهم أشخاص متميزون ومتميزون جدا لأنهم كانوا حقيقيين وليسوا مزيفين صادقين مع أنفسهم ومع غيرهم حتى لو أساؤوا إليهم ولكن إساءتهم عفوية وتلقائية وتدخل في تكوينهم وجينتهم التي ورثت القهر من المستدمر الغاشم.

جيل أجدادنا وآبائنا كان جيلا (عنيفا) اكتسب عنفه من القهر والظلم والجبروت الذي سلطه  عليه ساسة  فرنسا (الحرية والحضارة والإنسانية)

هو جيل لم يعرف الفرح ولم يعرف كيف يعبّر عنه حتى وإن ذاق حلاوة النصر والاستقلال بعد جهاد مرير. وكيف يفرح ووراءه آلاف الشهداء ووبين ظهرانيه  آلاف الأرامل والثكالى واليتامى؟

 كيف يفرح ولا زالت صفعات الإهانة  يتلمسها ويتحسسها على وجهه؟ وآثار السياط على ظهره ووخزات الصعق في خلاياه و أعصابه.؟

لم تترك فرنسا لتلك الأجيال خرم إبرة يتنفسون منه الفرح .حياتهم كانت دماء ودموعا منذ وطئت قدم الرجس أرض الطهر والعفة الجزائر الحبيبة.

هذا النوع من الناس عندما يرحلون نفقد فيهم تلك الصلابة التي نشتكيها منهم فإذا بها أجمل ما عندهم وتلك الجلافة التي نظنها قسوة فإذا بها رجولة وشهامة عند الرجال وأصالة وأخلاق عند النساء.

هكذا يرحل أحد هؤلاء الذين يتميزون بكل ميزات جيلهم *عثمان الطاهر* بن عمار  وابن السبتي شريفة بعد أن عمّر أربعا وتسعين سنة كانت كيوم وليلة لولا أنها مليئة بالاجتهاد الذي نتمنى أن يؤجر عليه مرات ومرات في جنة الخلد ونعيم الرضوان

*عثمان الطاهر* هو أحد هؤلاء الذين عملوا في صمت يشبه تلك الجبال التي تربى بين شموخها وعليائها ويشبه تلك الأشجار التي يماثلها في عطائها وحتى في رائحتها هو ابن الأرض الملتصق بذراتها حتى لتحس وأنت تراه لكأنه  خرج من رحمها لتوه بلونه وعرقه و أدمته  ثم بعاداته وتقاليده.

رجل لا يعرف كيف يتغير إلا لمما ربما تحت تأثير هؤلاء الذين يعتقدون أنهم أفضل ومع ذلك فهو تغيير سرعان ما يستفيق منه ليعود إلى جذوره الصلبه وجيناته الطيبة العريقة الضاربة في عمق التاريخ.

من أصول عربية وأمازيغية وتركية استقام هذا الرجل وارتفع كجبل شامخ يتحدى أول ما يتحدى المستدمر الذي قالوا عنه أنه قدَرٌ ورغم إيمانه بالقدر إلا أنه كفر بقدر فرنسا وحكامها وكان من أول المجاهدين لولا أنهم بخسوه حقه ورفضوا الاعتراف بجهاده هؤلاء الذين احتكروا الحاضر والمستقبل وعبثوا بهما جهارا نهارا نعم.  بخسوه جهاده لأنه لم يلتحق بالجبل مع أن  جهاده كان أعمق وأنفع فقد كان يحصل على الكثير من الغذاء والدواء والأموال لييبعث بها إلى المجاهدين في الجبال، وظل يحكي عن ذلك حتى فقد القدرة على الكلام  كيف أنه حمل مبلغا كبير من المال في جيب معطفه ومر على الحواجز العسكرية الفرنسية  رابط الجأش ثابت الخطى فلم يكتشف العسكريون أمره لأنه كان متماسكا وشجاعا ومر أمامهم وهو يحمل ذلك المال في جيب معطفه وكيف أنه كان يضع السلاح لابنه الصغير ذي الخمس سنوات في (عزفة) وهي قفة صغيرة يضع فوقها الكثير من حبات الزيتون الاسود (في موسم قطافه) ويأخذها إلى مكان معين يكون قد اتفق عليه مع المجاهدين كي يأخذوا المسدسات و الخراطيش

 وكيف أن زوجته ووأمه وزوجة أخيه كن يحضرن (الكسرة) للمجاهدين بتوجيه منه ويحملنها على رؤوسهن وفوقها الكثير من القش والأعشاب وروث البقر ويحملنها إلى المجاهدين وهو معهم وأرواحهن على الراحات وهو كذلك

وعندما شك الحاكم العسكري (مورا) في أمره أمَرَه  بالسفر إلى فرنسا وإلا  أعدمه كما قال فسافر متحسرا ولم يعد إلا بعد الاستقلال.

كل هذا وغيره ومع ذلك اعتبره البعض (لم يجاهد) بينما المفروض أن الشعب كله جاهد وعانى ليس المفروض بل الواقع فهذه الأجيال عندما تحكي تحكي بلغة واحدة  بحسرة واحدة بأسف شديد عن جيل استف المل والرمل والتحف الذل وجاع وعري وتشرد في الجبال و(الطيارةالصفراء) تطارده هنا وهناك بين الجبال والوديان

جيل عاش الحريق الكبير تلو الحريق بداية من حريق الخمسينات إلى كل الحرائق التي ألهبت روحه. وأشعلت غضبه

 وهكذا كان المجاهد *عثمان الطاهر* واحدا من ذلك الجيل وزاد عليه الكثير كان صامتا نشيطا عاملا لم أره مستلقيا إلا لعلة يستيقظ مع الفجر وينام بعد العشاء لا يغير ولا يتغير وكله رضا وتسليم

عاش حياة مليئة وحافلة  مجاهدا وقت الجهاد عاملا وقت العمل ولم يتوقف إلا بعد أن جاوز الثمانين عاش غنيا وما كان كذلك إلا أرضا ورثها عن أجداده أخلص في خدمتها بكل ما يملك من قوة وخبرة.

رجل شديد ولا يعرف كيف يداهن حتى لو كان مخطئا ومن الذين لا يعتذرون لأنه يكره المناقشة ويشتم بفطرته الصواب وقلما ينحو غيره فهو يكره المغامرة في المجهول

رحل عنا هذا الرجل  الذي ليس لنا منه  صورة طبق أصل بل الأصل فقط والذي لا يتكرر ولن يتكرر ابدا

رحل وكان لا يود الرحيل ليس تمسكا بالدنيا الفانية ولكن وعيا بمسئولية كاوية ورسالة سامية هي الحياة نفسها عندما حرص على منحها لأبنائه ومواصلة دربها معهم

رحمه الله بكل عفويته

بكل جده واجتهاده

بكل جزائريته

رحل ذلك الذي ككل جيله كان يأبى الرحيل

رحمه الله وأجازه بالجنة التي وعد بها عباده المتقين

إنا لله وإنا إليه راجعون

 

فاطمة الزهراء بولعراس

 

 

jamal alatabiالأمهات يوصين الأبناء أن يحبوا الوطن الذي شيّد لهم ولآبائهم وطناً آخر، بيوتاً تأويهم من خذلان الفقر وغائلة الجوع، يقتنعون بالقليل من الخبز والعيش، لم يكن مستحيلاً على حكومة (العهد الملكي المباد) أن تفتح لأولئك المتعبين من صغارالعسكر والموظفين والنازحين من فلسطين، نوافذ للأمل في بيوت أشبه بعلب من حجر، متلاصقة، متراصّة، مكتظة، بمساحات لاتتجاوز الخمسين متراً، لامسافات تفصل الجدران، سوى تلك الأزقة الضيقة التي تشبه الصراط المستقيم، كأن الحكومة أرادت لأولئك أن ينصتوا لشهقات الواحد للآخر، يتوحدوا في الونّة والآه، شركاء في الحب والحزن والأمنيات، يتقاسمون العوز، ويلتحفون سماءً واحدة . أهلها سعداء بهذا النزل الجديد، فهو لهم مثل مدائن يبزغ فيها الفجر من كبد الديجور، ويتناثرفيها الضوء مدراراً .

عُرفت بإسم (دور الشؤون)، نسبة إلى وزارة الشؤون الإجتماعية التي نفذت المشروع أنذاك، أواخر خمسينات القرن المنصرم، وشغلت مساحة واسعة تبدأ من بستان الجلبي جنوبا، حتى الدور الحديثة التي إلتفت حولها بحنوٍ وإلفة، هذا الإمتداد يثير متعة بعيون ساكنيه، وتبدو المتعة مضاعفة مع تلك الحياة الجديدة الطازجة، كأنها وحدها (دور الشؤون) تحتفظ بالإبتسامة بعيون النساء والأطفال .

أهل هذه الدور من سلالات شتى، وطوائف، وأديان، لم تعرف بعد الفوارق في اللون والعِرق، تجمعهم المروءات بلا عُقد أو نزق، يحتفون بالنهار، يبكّرون في النهوض قبل مطلع الشمس، تذكرهم الليالي في أولها بصوت الناي، وفي آخر الليل لهم تهاليل وآهات، الصبايا ينصتن لأصوات المغنين، والعاشقون سكارى يغرقونه شدواً للعيون التي تبرق خلف العباءات السود .

جدران الدور لا تتعالى على ساكنيها، ولا على المارّين في دروبها، ولا توصد أبوابها، عتباتها تلعق غثاء الطين، بعد أن ملّت من جمع رغبات النساء والصبايا اللواتي ينعمن بالجلسات الملغومة بثقل الهموم ووجد البنات،في شارع الحب أحد شوارع الدور، ما أن يذوب المساء حتى تتلاشى الأصوات في عتمة تستجير المصابيح الخاشعة، علّها تمنح الصبية محض عاطفة أو أمل .

دور الشؤون بدأت تسمو بأبنائها الذين خلعوا أثواب الأسلاف، لم يرثوا مآثر آبائهم في الجندية والفلاحة، ولم يكونوا مارقين، بل مناضلون، أداتهم عرق الجبين، وجدوا طريقهم الى الحياة بعيداً عن سلطة الآباء ورغباتهم، فمشوا نحووهج الأزمنة الجديدة – ستذكرهم حقب وأزمان – تبوؤا عرش الكلام والفنون، وإمتلكوا ناصية الدرس، وتوثبوا صوب الجهات كلها، وكتبوا تاريخهم في صحائف يتهجاها الأحفاد، هو فصل مهم من تاريخ العراق، إذ شهدت عقود الستينيات وما تلاها، ظهور جيل من الأبناء تناسى بؤس الطفولة، وصدأ المدن العتيقة، وراحوا يشاكسون الزمن، يختصرون الدروب، إستفزوا الذائقة، وكسروا التقليد والرتابة، وحاوروا الماضي، وحاكموا الراهن.

في دور الشؤون كنز من المواهب والطاقات المبدعة، في صنوف المعرفة والأدب والعلم، كتّاب، ومغنون، مسرحيون وموسيقيون، معلمون وأطباء ومهندسون، ضباط برتب متواضعة، سياسيون ينتمون لأحزاب متناحرة، عمال وحرفيون، رياضيّون متميزون ...عراق تكوّر في هذه البقعة، ثملاً بما أنجب، يختلط فيه الغناء والبكاء، وتتوحد الأصوات عندما تتوحم به الأقدار .

فيها إنطلقت حنجرة سعدون جابر لأول مرة ليفوح منها الزهر، وكتب أحمد خلف هنا أولى قصصه القصيرة، وبدأ الشاب الفلسطيني نصرمحمد أولى خطواته نحو الكتابة، حاتم الصكر يوقد ضوء فوانيسه لزمن الشعر والكتابة النقدية، جهاد ونعمان مجيد، الشقيقان القاصان اللذان يجدان ذاتهما في الصدق والكلمة الطيبة، سلمان الشهد يعيد للوطن بهجة غائبة في تخطيطاته، مقداد عبد الرضا بدأت قدماه تنوش خشبة المسرح .سامي الزبيدي يترك وشماً في الكتابة للطفل في (مجلتي) .عمران التميمي المخرج المسرحي، وأشقاؤه عدنان وقحطان .

وللدور فرسانها، من طراز آخرلا يحب ضجيج الشعارات، هاتو الأسود، يغني بإيقاعات أفريقية، ترقص معه الحمائم والغيوم، قدوري الوحيد لأمه، تحرص أن لايغادر المنزل، تراقب نعليه كدليل لوجوده فيه، يتحايل عليها ليلتحق بأصدقائه في المقهى، يخرج حافياً ليستعير نعلا من بيت مجاور، باقر مسير (عبد الباقي الزيدي تارة، والناصري تارة أخرى) يشترط حضوره إجتماعاً لحركة القوميين العرب، وجود قطرة للعين يدواي بها بصره العليل، ذات مرة، هتف بسقوط (موريس توريس) زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي، في تجمع طلابي في إعدادية الكاظمية، لمناسبة ذكرى إنطلاقة الثورة الجزائرية، لم يردد أحداً من بعده الهتاف، فأصابه الخذلان وشتم رفاقه !! يتهيج  المخزون النضالي لدى باقر بعد هزيمة حزيران 67 فيرتدّ عن الحركة نحو اليسار، لكن دون أن يتخلى عن جريد الأهرام ومجلة صباح الخير، فهو مرجعيتنا في هذا الزاد الممتع . عبد المحسن الأميري (أبو سلام سكسفون) متعدد المواهب، عازف موسيقي في الفرقة السمفونية، طرّاز، يدير مقهى الساقية، عريف في الجيش متقاعد، يجادل ليبعد الإتهام عن أغاني أم كلثوم كسبب لهزيمة حزيران، أبو سلام ذاكرة لاتخون في أغاني محمد عبد الوهاب، وتراتيل عبد الفتاح الشعشاعي، وحده من يصنع الإصغاء والخشوع في محراب الموسيقى .حين يعلو صراخ باقروثالث الأثافي مالك علي عذاب .

آخرون يطعمونا حكايات، ويعيدون لنا ضحكات غاربة، رياضيون أفذاذ، لاعبو منتخبات، الأشقاء عائلة جبر: حميد ومجيد ورعد وعزيز، وعائلة لازم الفرطوسي حميد ومجيد وأسعد وصباح، واللاعب شعلان زوير وشقيقه مجيد الذي إستشهد في فلسطين، فوزي السوداني العدّاء والأكاديمي فيما بعد، فيصل حسوني الملاكم والسياسي، ستارشحيّت، الفدائي الذي يستلم أوامر الإلتحاق بالمقاومة عبر راديو المقهى،وهو مستغرق في لعبة (أزنيف) حامية !! إسماعيل هايت الجندي الذي تفوق في العزف الموسيقي ليرتقي الى مرتبة نقيب في الجيش، وعبد الأميرشيهان أول مفوض شرطة في الحرية، وبيوتات أنجبت أسماء ظلت وفية للوطن والناس، عائلة عبد الله بديوي مثلاً، بأبنائها نجم وخالد وفاروق.

ولاتخلو الدور من أشقياء مفتونين بالخنجر، وصليل القامات، لهم صولاتهم حين ينتكس القانون وتستبد الفوضى في البلاد، نجم الأقجم وشقيقه حربي نموذجاً

ماذا أصاب الدور الآن؟ وهي تلبس جلابيب الشحوب، ترقب رعشة الأبواب، أعوام مضت، ظلت غارقة في خوفها، تدفن ضحاياها في الليل، فما أمرّ الضياع.

 

جمال العتّابي