محمد فتحي عبدالعاليعتبر الزيني بركات من اشهر من تولوا منصب الحسبة في مصر واحتفاظه بمنصب الحسبة في اواخر العهد المملوكي وبدايات الحكم العثماني لمصر جعل منه شخصية مثيرة للاهتمام بين الباحثين لحساسية الفترة التي شغل فيها هذا المنصب التنفيذي الهام..

ومما يزيد الامر طرافه هو ان هذه الشخصية اغفلها اغلبية معاصري هذه الفترة من المؤرخين علي الرغم من أهمية الدور الذي لعبه في العهد المملوكي والعثماني فيما عدا ابن اياس في بدائع الزهور في وقائع الدهور والذي سلط فيه الضوء عليه ولكنه التزم خطا متعاطفا مع الرجل طوال الوقت راصدا جماهرية الزيني وتلهف الناس علي بقائه في منصبه حتي اخر صفحة من كتابه الطويل عن تاريخ مصر ...

وبعيدا عن رؤية ابن اياس ومن خلال استجلاء حوادث هذه الفترة يطل علينا الزيني بركات كصورة مثالية لابن النظام المطيع لسيده طوال الوقت فمع توليته امر الحسبة بأمر السلطان المملوكي قنصوه الغوري استطاع الزيني في وقت قصير النفاذ الي السلطان واكتساب ثقته واصبح العصا الغليظه في يد الغوري سلطان مصر الذي كان شغله الشاغل جمع المال الحلال و الحرام بشتي الطرق والوسائل فيضع الغوري في قبضة بركات ناظر الاوقاف السابق وديوان الوزارة علي بن عبد الجواد لمحاسبته ماديا فيتفنن في ضربه وتعذيبه حتي يرشد عن امواله ثم يشنق في النهاية علي باب زويلة الا ان مصير ابن عبد الجواد كان ارحم بكثير اذا ما قورن بما حدث مع بدر الدين بن مزهر الذي اوكل الغوري امره لبركات فحرق اصابعه وبكماشة حديدية محمية بالنار اقتلع ابزازه ثم اطعمه اياها ولم يتركه حتي خرجت عيناه من وجهه وسالت علي خديه!!! وحينما منع الغوري النساء من النياحة علي الاموات وخرجت احدي النساء عن هذا النظام جرسها بركات علي حمار وعلي وجهها السواد !!!.

كان درجة الطاعة عند بركات عمياء بكل ما تعنيه الكلمه فتجده لا يتورع عن تعطيش سكان القاهرة لاربعة ايام متتالية من اجل توفير السقاية لمولاه !!ففي احدي رحلات السلطان الغوري فسدت ثلاثة الاف قربة من الماء كانت بحوزته فأرسل الي بركات والذي بدوره قبض علي مائة وعشرين جملا بساقييها !!!فلما بلغ الامر باقي الساقين فروا بجمالهم وتركت القاهرة اربعة ايام بدون ماء !!!!...كما تجلت هذه الطاعة في اشنع صورها في السعي الي تقويض دعائم مسجد من اجل البحث عن دنانير ذهبية !!! فقد جاء الي الغوري بواب لجامع الحاكم مدعيا انه رأي في المنام دنانير ذهبية لا تحصي تحت احدي دعائم المسجد ومع جهل الرجل الحالم !!بمكان الدعامة اراد بركات والمهندسون هدم جميع دعائم المسجد بحثا عن الدنانير غير ان السلطان تراجع في نهاية الامر ..

سرعان ما ضم الغوري الي بركات استادارية الذخيرة فصارت للزيني بركات مكانة ونفوذ لم يصل اليه احد قبله ..

الا ان العلاقة بين الغوري وبركات شهدت توترات كثيرة وعزل الزيني بركات من الحسبة في عهد الغوري اكثر من مرة وفي كل مرة كان يعود بعدها بركات في اقوي وامضي من ذي قبل ويعتبر الموقف الابرز في هذه التوترات حينما تطاول الزيني علي الجمالي يوسف البدري في حضرة الغوري مما جعله يأمر بحبسه لمدة ثمان ايام ثم يفرج عنه بعدها لتتزين القاهرة فرحا بالافراج عن محتسبها المحبوب..

علينا ان نحاول الاجابة عن سؤال هام ما السبب في هذه الشعبية الجارفة بين جموع المصريين للزيني بركات ؟!!

الاجابة نستطيع ان نلتمسها بين صفحات ابن اياس ولكن في مواضع متفرقة فبركات بن موسي والذي تارة يلقبه بالحاج بركات وتارة بالزيني وتارة يشبه بيوسف عليه السلام في ابيات شعرية كان اباه من العرب وامه تسمي عنقا وفي زخم الحاشيه السلطانية من المماليك والشراكسة والاتراك ان يجد المصريون واحدا من ابناء جلدتهم وسط هذه الحاشيه حتي وان بدا قاسيا في احيان كثيرة لهو امر جدير بحبهم وتطلعم طوال الوقت لاستمراره كما ان الزيني دلل في مرات عدة انحيازه لهذه الطبقات والسعي في مصالحهم فنجده يرق لرئيسة المغاني هيفة اللذيذة بعد ان عذبت وباعت حليها من اجل دفع ما فرضه عليها السلطان فيقسط عليها المبلغ المتبقي بعد ثمن الحلي ...كما نجده في غياب الغوري وتولي طومان باي الامير المملوكي مكانه وقد منع طومان باي المراكب والباعة من دخول بركة الرطلي والخلجان خشية ان يفسد الباعة المشهد علي نساء الاغوات ومع تدخل بركات سمح للباعة بالدخول الا انهم لم يجدوا من يبيعوا لهم !!!..كما نجده يضرب احد التجار لاحتكاره الفول في بولاق والذي تسبب في ارتفاع سعره..

نعود مرة اخري الي رحلتنا مع الزيني بركات عبر صفحات ابن اياس لنتوقف عند فتنة كادت ان تطيح برأس الزيني بركات حيث شبت بين المماليك الجلبان (معني الجلبان اي الذين يتم شراؤهم في عهد السلطان الحاكم) وبين السلطان الغوري لالغاء المشاهرة والمجامعة وهي ضريبة شهرية كان يدفعها التجار للمحتسب لتوضع في الخزائن السلطانية وكانت هذه الضريبة تضاف علي قيمة السلعة اي ان المستهلك في النهاية هو من يتحملها ومع اظهار السلطان موافقته علي الالغاء ابتهج الناس لهذا الالغاء لكن سرعان ما تراجع الغوري عن اتفاقه وخرج بركات بن موسي ليعلن علي الناس ان المشاهرة والمجامعة باقيه مما اصاب الناس بالحسرة وألب المماليك الجلبان ضد بن موسي واستوعدوه بالقتل...

ومع خروج قنصوه الغوري لملاقاة العثمانيين بقيادة سليم الاول عند سهل مرج دابق عام ١٥١٦ قرر قنصوه الغوري ان يعمل عملا صالحا في حياته وما اقساه علي نفسه فألغي المشاهرة والمجامعة فتهلل الناس ودعوا له بالنصر ..واعاد الزيني بركات الي الحسبة مرة أخري وجعله متصرفا في كل امور السلطنه وعين طومان باي نائبا للسلطان الا انه ومع هزيمة قنصوه الغوري وفرار جيشه ثم سقوطه من علي فرسه اثناء محاولتة الفرار ليلقي مصرعه غرقت مصر في بحر متلاطم من الخوف من المصير القادم فأجتمع الامراء المماليك علي استخلاف طومان باي ليكون سلطانا لمصر وتمت البيعة عند الشيخ ابي السعود في كوم الجارح حيث حلف الامراء علي طاعة طومان باي وعدم ظلم الرعية مرة اخري ولقد كان الشيخ ابي سعود رائعا حينما قال للامراء:

ان الله ما كسركم وذلكم وسلط عليكم ابن عثمان الا بدعاء الخلق عليكم في البر والبحر فقال الامراء :تبنا الي الله عن الظلم من اليوم.

ومع الحركات الاصلاحية للسلطان طومان باي وسعيه للعدل بين الرعية أفل نجم الزيني بركات كما حدثت واقعة ربما كان لها دورا بارزا في تحول الزيني بركات الي معكسر العثمانيين الذين كانوا علي ابواب القاهرة .ذلك ان دباغا يبيع الجلود جار عليه الزيني بركات فأراد بركات ان يقبض عليه فأحتمي بالشيخ ابي السعود الجارحي والذي تقدم ذكره فاستدعي بركات وقال له :يا كلب كم تظلم المسلمين وامر بكشف رأس بركات بن موسي وضربه بالنعال واستشار الشيخ السلطان في امر بركات فترك امره للشيخ يحكم عليه بما يشاء فيأمر الشيخ بالاشهار بابن موسي في القاهرة ثم اعدامه الا ان وساطة احد الامراء لدي الشيخ من ان بركات عليه مالا للسلطان واذا شنق ضاع علي السلطان المال جعلت الشيخ يتراجع عن اعدام بركات..

اغري ما وقع لبركات خصومه عليه ومنهم شهاب الدين بن الصايغ والذي اقتحم بيت بركات ونهبه وقبض علي نساءه وحينما بلغ السلطان ما وقع لبركات واهله امر بالتوقف عن ايذاءه والقبض علي ابن الصايغ.

المثير هو ما نقله ابن اياس عن رأي الشارع المصري في واقعه ضرب الشيخ لبركات والتشهير به حيث يتحدث ابن اياس عن انكار الناس والفقراء لذلك وقولهم :ايش للمشايخ شغل في امور السلطنة ..وهو الرأي الذي لا استطيع قبوله كرأي عام تجاه ما فعله الشيخ فمكانة الشيوخ الدينية كان لها توقير وهيبة لدي الناس وتدخلهم في امور السياسة والدولة كان معروفا في هذه العهود وله سوابق كثيرة .

حاول الزيني بركات بن موسي مع السلطان طومان باي ان يعيده الي وظائفه السابقة الا انه رفض وهذا الرفض كان نابعا من ثورة تصحيحية اعتمدها السلطان الشاب لا مكان فيها لوجوه من نظام سابق اختلط فيه العدل بالظلم وكان عنوانه القسوة والتعذيب.

غير ان الاحداث كانت تتسارع علي نحو كبير فتحركت الجيوش العثمانية صوب مصر وعلي الرغم من استبسال طومان باي ودفاعه بشجاعه عن مصر الا انه انهزم عند الريدانيه عام ١٥١٧ وذهب للتخفي ناحية الغربية عند حسن بن مرعي وهو من مشايخ عربان البحيرة والذي خان طومان باي وسلمه لسليم الاول ...لم يكن اعجاب سليم الاول ببسالة طومان باي بالباعث الكافي ليثنيه عن اعدامه وفي مشهد محزن سيق طومان باي الي الشنق علي باب زويلة حيث طلب من الناس قراءة الفاتحة ثلاث مرات ... ليلاقي الموت في شجاعة كما كان شجاعا في الميدان..

استتبت الامور لسليم الاول في مصر وامر بالزيني بركات ليتولي امر الحسبة وهو ما جعل الكثير من المؤرخين يرتابون في امر هذه التولية وان اتصالات سريه مبكرة كانت تجري بين العثمانيين والزيني بركات ولكني من ظواهر الاحداث استطيع ان اجزم ان هذا الاتصال -وان كنت استبعده - ان جري فيكون في الغالب بعد ضرب بركات واهانته وتخلي طومان باي عن خدماته .... الغريب هو موقف الناس من مجرد فكرة غياب الزيني عن منصب الحسبة في العهد العثماني الجديد حيث يقول ابن اياس: (فلما اشيع ان القاضي بركات بن موسي قد انفصل من الحسبة وتولي مكانه احد اقارب النائب مصطفي من العثمانية اضطربت القاهرة وشق علي الناس عزله)

واستمر الزيني بركات في طاعة الحكم الجديد سنوات لا يعلمها الا الله حيث انطوت صفحات ابن اياس دون ان يحدثنا ماذا جري بعد ذلك ...

 

د.محمد فتحي عبد العال

 

 

42 توهراشابن مدينة الحمراء (مراكش) ذاك- عبد الهادي توهراش- تلك الطاقة المبدعة الخلاقة فوق الركح؛ ركح بقدسيته المعلنة لأهل المعنى في رحاب ديونيزوس؛ رحاب موكبه الهوس والعِشق الأبدي؛ عشق وهوس غير معلن الإحساس؛ إلا للذين أثخنوا في الركح توهجا كالمبدع –توهراش- لكن حركية جسده وبلاغته؛ والتي كانت تخفي قصر قامته؛ لتحوله عن طواعية لعملاق وشخصية، تكتسح الركح بكل وثوقيه وإبداعية؛ أمست تلك الحركية؛ تستسلم للمرض ، فتكاثرعليه وأوهنه وأضعفه ! فتوقف الإثخان وألمعية العطاء الفني؛ لكن - الوفاة - أوقفت صراعه مع المرض؛ ليصارع قبره؛ إنها تراجيديا الوجود أيها – المتشائل- كنت بيننا تحمل في أعماقك التفاؤل والتشاؤم وتدمجهما في صمتك المعهود؛ ونكران الذات وابتسامتك التي لا تفارق محياك؛ رغم أنك كنت تميل للانطواء والانزواء الجميل؛ وليس المرضي؛ لأنك ضمنيا تقاسم لوعة المسرح مع نفسك ودواخلك؛ وسؤال المتشائل يلاحقك؛ يوم جسدته بكل تلقائية وبراعة أنا: أمتشائم أنا أم متفائل؟

أنت بحق ِّ كنت مبدعا فاعلا؛ وفنانا أصيل الطينة في رحاب مدينتك {الحمراء} والتي حولتها {خضراء} بالعطاء الإبداعي المتميز رفقة العديد من الأسماء؛ التي – كانت - تنازعك حق الوجود فوق الركح؛ ولكن ساهمتم بنضالية فنية؛ بناء ثقافة مسرحية؛ بعيدة عن الغوغائية وحشو الكلام . فكنت من مؤسسي العديد من الجمعيات المسرحية فرق كالضياء /نادي خشبة الحي / ورشة إبداع دراما /..../ أيام مجد وتألق مسرح الهواة.. الذي اغتالته أيادي الخبث ؟

فتاريخ تجربتك التي صقلتها بعرق عصاميتك؛ وهَوسك الجنوني للفعل المسرحي؛ منذ1968 رفقة الصديق الأعز– عبدالله المعاوي- الذي لم أراه منذ سنوات؛ فمن جمعية - الجيل الصاعد - كانت البداية المسرحية؛ التي أبعَدتك عمليا عن فرقة الناشئين التابعة للكشفية الحسنية المغربية . وفعلا كنت من ضمن الجيل الصاعد الذي أغنى الساحة المسرحية بأعذب العروض وجمالية أيقوناتها وخفة إيقاعاتها.

فقدمت الجمعية مسرحية على ما أعتقد - عمية بلا عكاز- لكن التطور الذي حَدث في عطائك يتجلى في مسرحية {النمرود} سنة 1975 – بأكادير؛ وبعْدها " {دردبة فالحمام} " والتي ساهمت أساسا في تكوين علاقتك بجيلك من الفنانين المسرحيين في مدن أخرى سنة 1977 إثر تلك الجولة في عدة مدن مغربية؛ وما أروع تلك الجولات التي كانت؛ قبل المشاركة في المهرجان الوطني لمسرح الهواة بتطوان سنة 1980؛ فكسبك لتجربة إبداعية خلاقة؛ فرضت أن تلتحق/ تؤسس رفقة المبدع : عبد الرحمان السبطي وعزيز بوزاوي و جلال عواطف ومحمد قريشي وعبد الله الشويخ.... وجملة من الأصدقاء الذين لا زلت أتذكر بعضهم وحماسهم في- نادي خشبة الحي . فكنت لا أرى في مسرحية "المفتاح " أو" الخرابة " إلا أن هناك طاقة صوفية تحمل دررا ربانية؛ من الصعب وصفها أو تفسيرها؛ لأنها - كانت - في دواخل الراحل عنا – عبد الهادي توهراش- إنه غادرنا و رحل بشكل مفاجئ ! إذ شخصيا ماكنت أتوقع أن المنية كانت له بالمرصاد و تلاحقه؛ يوم سألت عنه في أواخر شهر مارس. رفيق دربه وهمومه وضحكاته وقفشاته من عهد مسرحية – دردبة فالحمام؛ إلى يوم وفاته – المبدع – عبد العزيز البو زاوي-

فرحمه الله كان محبوبا عند الجميع؛ مقبول العشرة والمجالسة؛ رغم خجله وصمته؛ كان له حضور قوي في المجالس وفي مختلف التظاهرات والملتقيات المهرجانات المسرحية؛ وذلك من خلال وثيرة الاستمرارية والعطاء غير المبتذل أو المميع .

فكل هذا وغيره من السلوك النبيل الذي تميز به؛ فالسر لا يَكْمُن في تواضعه أو نكران ذاته؛ بل في صوفيته الغامضة؛ التي جعلته يؤمن أن الآخر ذاته؛ وذاته هي الآخر؛ فكان لا يتواني عن خدمة الآخر و مساعدته بما يستطيع أو يسمح به المقام؛ فإن كان الإخوة المراكشيين يلقبونه ب [العشير] فللقب دلالة خاصة؛ ولكن بالنسبة لي؛ كنت أراه – النبيل – في علاقته وحميميته والتي لا تقدر بثمن (ما) لأنه كان يعيش صوفية خاصة؛ صوفية غامضة؛ لا يمكن أن توصف؛ ولكنها تلمس؛ إن عدنا بذاكرتنا لمسرحية – المتشائل – في طبعتها الأولى مع جمعية (الضياء) ومحاولة ربطها وتشريحها بمسرحية { تخريفة هرما } والتي تعد في (نظري) أروع ما قدمت جمعية (ورشة الإبداع دراما) علما أن أعمالها الأخرى كانت بحق متميزة؛ من الناحية الجمالية والفنية .

فإن كان الفن المسرحى فن جمعوي بالدرجة الأولى؛ و يقوم على تضافر عناصره الإبداعية بتكافؤ منطقى؛ حسب أهمية كل عنصر من العناصرالتي تتداخل وتتكامل كمنظومة شمولية لبناء العرض المسرحي؛ فإن المبدع – توهراش- بحركيته الجسدية وإلقائه السلس والمسموع؛ يتخطى تلك العناصر؛ باستثناء الإضاءة التي كانت أقوى منه في جل العروض.

إذ ففي العملين[ المتشائل/ تخريفة هرما] نستشف ذاك التحول الفيزيائي الرهيب؛ الذي يحدث لجسد الفنان الراحل – توهراش- جسد ما هو تشريحي ولا بلاغي؛ بل جسد نابض بروحانيته ونفحات – ميتاجسد - والذي يملأ الركح بخفته وحركيته المضبوطة؛ ولا ارتجال فيها؛ ولا تصنع . وهاته ميزة لدى أغلب المسرحيين المراكشيين؛ مع التفاوت طبعا. وهنا :فمن الصعب حصرهم وكذا من باب الإجحاف ذكر البعض عن البعض.

لكن الذي غادرنا ولم نستمتع باستمراريته؛ فانمحاء قِصر قامته ، فوق الركح. قضية تحتاج لوقفات خاصة .

إذ نعلم أن قصر القامة بالكاد لا تستطيع تجسيد المأساة أو التراجيديا؛ بقدرما تجسد الكوميديا وتبدل جهدا متميزا في نوعيتها؛ باعتبار أن طبيعة الأقزام لهم خاصية الإضحاك . لكن - توهراش- لم يكن فنانا كوميديا؛ ولم يكن يحمل في جسده رسالته إضحاك الجمهور؛ بل كان فنانا مهيب الحضور– متشائلا- يحمل عمق رسالة المسرح الحقيقي والجاد وليس التهريجي والبهرجي؛ فمن هاته الزاوية؛ كان رحمه الله من ألمع الفنانين وأصدقهم عطاء؛ ومساره المسرحي وتجربته الفنية لشهادة معه؛ لا يمكن لأحد أن يزايد عليها أو ينقص من قيمتها .

فطوبى: لتوهراش المتشائل في عطائه وتضحياته ونضاليته المتميزة في مساره الإبداعي؛ وطوبى: لأخلاقه العالية؛ ونبله النابع من طينة الجذر الصحراوي المتأصل؛ فنم قرير العين في مثواك الأخير؛ لأن نبْلك وأخلاقك : لم تترك لك جفاء وخصامات وحسابات ضيقة بين رفاق دربك . والبقاء لله الواحد الديان .

 

نجيب طلال

 

 

لطيف عبد سالميقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.    

مِنْ المؤكّـدِ أنَّ مواجهةَ السَماوي سلطة الاستبداد، كانت ضريبتها إجباره عَلَى العيشِ مَا تبقى له مِنْ العمرِ " متغرباً " فِي المنافيِّ بعد معاناته مرارة الاضطهاد فِي وطنٍ جبلت رموزه الإبداعية وَالنضالية عَلَى استنطاقِ إرث فجيعة أهله باستيطانِ أمانيهم حكايات وَقوافي قصائد فِي أجنحةِ طيوره المهاجرة حول العالم. وَليس أدل عَلَى ذلك مِنْ قساوةِ الدروبِ المتعرجة الَّتِي طبعت حياة الكثير مٍن الباحثين عَنْ كرامةِ شعبٍ وَالحالمين بغدٍ أفضل، حيث كان السَماوي يحيى وَأغلب أبناء جيله مِن الفتيانِ يعيشون فِي منتصفِ القرن الماضي أولى خطوات طفولتهم وسط حياة قد يصح فِيها القول إنَّها بدائية، فضلاً عَنْ كونِها بالغة القسوة بفعلِ مَا يخيم عليها مِنْ فقرٍ مدقع وَجهل وَمرض؛ إذ أَنَّ متاعَ السواد الأعظم فِي البلاد - وَجلهم حينئذ مِنْ أبناءِ المناطق الريفية - كان خبز الشعير أو الذرة، فالقمح موجود لكنه ليس فِي متناولِ الجميع، وَهو الأمر الَّذِي فرضَ عَلَى الأُمَّهاتِ العظيمات وَالنساء الجليلات اللائي تحملن شظف العيش ومرارته بحكمةٍ وَجلد، مواجهة مهمةِ رعاية أسرهن الَّتِي كانت يومذاك كما هو سائد كثيرة الأفراد. وَلا أظنني أبـالـغ أو أخاصم الحقـيـقـة إذا مَا قلت إنَّ هناك مَـا يعجز إنْسَان عَـنْ إحصائه مِن القصصِ وَالروايات الَّتِي تجعل المرء يقف مذهولاً حيال مَا تتعرض له المرأة العراقية مِنْ انتهاكٍ لحقوقِها وَيَعكس فِي الوقتِ ذاته مظلوميتها وَمدى صلابتها فِي تحملِ المآسي وَويلات الحروب، بالإضافةِ إلى تحليها بالصبرِ وَالتضحية، فالكثير منهن عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر، لا يخلدن إلى النومِ إلا سويعات قليلة؛ حرصاً عَلَى مستقبلِ أولادهن وَمِن أجلِ المحافظة عَلَى بيوتهن بعد فقد المعيل فِي الحروبِ أو العمليات الإرهابية، ولعلَّ الأكثر أسىً حين تفقد المرأة معيلها أمام عينيها. وَمِنْ بَيْنَ أبشع صور القبح الإنسانيّ حين يلمح المرء فِي ساعاتِ الصباح الباكر خروج امرأة مسنة فِي أجواءٍ ماطرة صوب ناصية الشارع، وَهي تحاول بالكادِ دفع عربة محملة بالأواني المعدنية أو البلاستيكية؛ لأجلِ الوصول إلى إحدى محطات تعبئة الوقود كي تحصل عَلَى حصةِ عائلتها مِنْ مادةِ النفط أو الغاز. وَأَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ العنفَ ضد المرأة فِي بلادِنا طالما اتخذ شكلاً جسمانياً بأساليبِ الضرب وَالركل، إلى جانبِ مَا تباين مِنْ أنواعِ التعنيف الجسماني الَّذِي تتعرض لَه المرأة العراقية فِي محيطِ الأسرة أو غيرها مِن الفضاءاتِ كالاغتصاب وَالتحرش وَغيرهما. يُضافُ إلى ذلك تعنيف المرأة المرتبط بأساليبٍ دنيئة أخرى قوامها القهر وَالتعذيب النفسي عبر بعض الإجراءات المتخلفة كالقمع الَّذِي قد يتخذ أشكالاً عدة، لعلَّ مِنْ بَيْنَها قباحة الإهانات اللفظية، وَمنع النساء مِن دخولِ الحياةِ الطبيعية بجميعِ مستوياتها الإنسانيَّة مثل التعليم وَالعمل وَالمشاركة فِي النشاطاتِ الثقافيَّة وَالحضور المجتمعي وَالإنسانيّ وَحالات الزواج المبكر الَّذِي اصبح مَعَ شديد الأسف تجارة عند بعضِ العوائل. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ المرأةَ العراقية مَا تَزال أسيرة الشعور بالخوفِ وَالهلع نتيجة مَا يحدث من أعمالِ العنف، مثل الخطف وَالقتل وَالتعرض للتفجيراتِ داخل المنزل أو خارجه. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ دخول المرأة فِي العمليةِ السياسية، لَمْ يجعلها بمنأى عِنْ انتهاكاتِ زملائها، حيث أشارت إحدى البرلمانيات َالَّتِي تحمل شهادة الدكتوراه فِي أحدِ المجالات العلمية إلى أَنَّ بعضَ النواب ينادونها تندراً باسْمِ " حجية "، مَعَ العرضِ أَنَّ بعضَهم لَم يحصل عَلَى الشهادةِ الأولية. وَلا رَيْبَ أَنَّ المرأة العراقية تُعَدّ بالاستنادِ إلى مَا قدمته مِنْ تضحياتٍ وَمَا عانته مِنْ مخاطرَ واضطهادٍ بمَا تباينت أنواعه وَأشكاله، بالإضافةِ إلى مَا لحق بِها مِنْ عنفٍ وَانتهاكات، مميزة مَا بَيْنَ نساء العالم؛ إذ تجاوزت فِي بعضِ الأحيان جهود الكثير مِن الرجالِ فِي مواجهةِ المحن الَّتِي عاشها العراق.

ســألـتـنـي ربَّـةُ الـحـانـةِ : مـا تـشـربُ ؟

قـلـتُ : الـقـهـوةَ الـمُـرَّةَ ..

قـالـتْ : عـنـدنـا زادٌ وخـمـرُ

.

قـلـتُ : إنَّ الـجوعَ قـد أشـبَـعَـنـي

والـخـمـرُ عـنـدي مـنـهُ ما يُـسْـكِـرُ صـخـراً

فـأنـا جـرحٌ فـراتـيٌّ وحـزنٌ مُـسـتـمـرُّ

.

أمـسـيَ الـقـهـرُ .. ويـومـي الـعُـسـرُ .. والـقـادمُ سِــرُّ

.

فـلـمـاذا جـئـتَ لـلـحـانـةِ ـ قـالـتْ ؟

قـلـتُ : كـي أعـرفَ هـلْ يُـشـفـي عـلـيـلَ الـقـلـبِ سُـكْـرُ ؟

مَهمَا طالَ زمَن الجراح، وَمَهمَا عاش الحزن فِي أعماقِنا، لابد مِنْ لحظةِ استذكارٍ لأيامٍ خلت ينسينا عبق صدقها وَطيبة مَنْ عاشها حزن الليالي، وَيزيح وَلو للحظاتٍ " نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ ". وَفِي هَذَا السياق يصف السَماوي يحيى لصديقِه القاص حمودي الكناني طبيعة الحياة أيام طفولته فِي سمائِه التاسعة - السَماوة -بالقول : " في تلك الأيام كان عيشاً ولا أحلى، أيام ذلك الفقر الثري بمكارمِ أخلاقه وطمأنينته وقناعة إنسانه .... اقسم يا أبا علياء كان كل جار يبعث بصحنٍ مِمَا يطبخه إلى جاره، فتجد كل بيت وكأنه طبخ عدة أكلات ... صحيح أنه كان طعاماً فقيراً لا يتعدى المثرودة، حساء البصل وَالطماطم، طبيخ الحميض وَالحرش أبو زريدة، لكنه كان أكثر عافية مِن طعامِ اليوم ". وَيضيف أيضاً : " .. وحتى نحن الأطفال أبناء الفقراء كنا أقوى وكانت أجسادنا أسلم بنية مِن أبناءِ الأغنياء، مع العلم أنَّ فطورنا لم يكن بيضا وَقيمرا وَمربى برتقال؛ إذ أنَّه لم يتعدَ الخبز والشاي، وفِي أحسنِ الأيام كان الفطور ما تسمّيه أمي رحمها الله - القرصاع - وهو عبارة عَن طاسةٍ كاملة من العجين الرقيق المخلوط ببيضةٍ واحدة، ولك أنْ تتصور بيضة واحدة ممزوجة بطاسةِ عجين لثمانيةِ أطفال، ومع ذلك كنا نملك مناعة ضد مرض فقر الدم الذي كثر ما كانت بيوت الأغنياء بيئة مناسبة لانتشاره. كذلك كانت أمي تصنع لنا أرغفة خبز صغيرة بواسطةِ قلي ذلك المزيج بالسمن، وما زلت أتذكر اسم ذلك النوع من السمن الذي يشار إليه باسمِ - دهن الراعي - حيث أنَ لونه يشبه لون الكركم، ومَن يشاهده مِن الأجيالِ الحالية يظن أنه أحد أنواع الزيوت المستخدمة فِي إدامةِ محرك السيارة، وبعبارةٍ أخرى يمكن القول إنَّه خبز يحمل رائحة بيض ".

بُستــــــــانُكِ المُتنسّكُ الشَجَرِ

أغوَتْ قطوفُ غصونه مطـري

لًثًمتْهُ أحداقي فسارَ بـــــــــها

خَدَرٌ فزاعَ الدربُ عـن بصري

وَثق العِناقُ بـــــــنا فأوْدَعَنا

سِرَّ ارتعاشِ ضفيرةِ الوَتــــرِ

تاهَ الجنونُ بنــا فإنْ غرُبَتْ

شمسٌ فركْنـــــا مُقلة القمرِ

مِنْ وحيّ معاناة الألم، وَشقاء المنافي، وَأوجاع جراحات شعبه الَّذِي كان طوال سنوات العهد الدكتاتوري فِي مواجهةٍ دائمة مَعَ الموتِ مِنْ أجلِ أنْ يتنسمَ عبير الحرية، يجهد السَماوي يحيى فِي توثيقِ مَا أتيح لَه معايشته مِنْ مجرياتِ هَذَا المشهد العظيم، وَالَّذِي يلخص تداعياته المأساوية بالقول : " لقد شفينا - أو نكاد نشفى - من أنيننا بتوقف دويّ انفجارات الصواريخ والقنابل ... لكن أنين جراح الأرض غير مسموع ". وَيَبْدُو أنَّ السَماويَ أو " إمام الشعر العربي المعاصر " بحسبِ المعماري وَالأديب العراقي الأستاذ الدكتور هاشم عبود الموسوي، يعبر فِي مقولتِه هُنَا عَنْ جملةِ حقائق مهمة يصعب عَلَى المتلقي تجاهلها أو تجاوزها، أولها كثرة المآزق الَّتِي تعرضت لها بلادنا بفعلِ عبثية سياسات النظام الشمولي خلال ما يزيد عَلَى ثلاثةِ عقودٍ مِن الزمان، وَالَّتِي جلبت علينا الدمار وَكثيراً مِن المصائب, وَثانيها إضاعتنا لآمالٍ معفرة بالدماءِ الزكية وَجسامة التضحيات، وَهو الأمر الَّذِي أفضى إلى امتلاكها مِنْ قبلِ آخرين بعد أنْ جعلتها أجندة الاحتلال الأمريكي أشبه بشموعٍ سرعان مَا انطفأت جذوتها، فكان أنْ غاضت الآمال فِي النفوس، وَامتلك اليأس القلوب. أما آخرها فهو أنَّ الأرضَ لا تكف عَنْ النواحِ حتى يأتي الربيع، فهو قادم وَإنْ تأخرْ. وَقد يكون مِن المناسبِ التمعن هُنَا بإشارةِ الشاعر الروسي جوزيف برودكسي ( 1940 - 1996 ) - الحاصل عَلَى جائزةِ نوبل فِي الأدبِ عام 1987م، وَالَّذِي تم تعيينه ملك شعراء الولايات المتحدة فِي سنةِ 1991م - إلى ذلك المعنى بالقول : " أيها الإنسان الفاني، يجب أن تناضل ضد الوحوش، فمن يؤكد أن الوحوش خالدة ؟ ". وَليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ فِي القلبِ مِنْ عوائقِ النهوض المرتجى فِي بلادِنا هو استنفاد الطبقةَ السياسية الَّتِي تولت إدارة البلاد بعد انهيار النظام الدكتاتوري رصيدها، وَلَمْ يَعُدّ فِي جرابِها مَا يمكن أنْ يساهم فِي تحقيقِ مهمة رفاه الشعب وَتنمية البلاد الَّتِي حباها الباري عز وَجلّ بِمَا تباين مِن الثرواتِ وَالخيرات. وَأَدْهَى مِنْ ذلك توظيف الشعوب الَّتِي تدرك قيمة الكفاءات البشرية للمبدعِ مِنْ الكوادرِ الوطنية المهاجرة الَّتِي أخفقت القيادات الإدارية فِي العراق بمحاولةِ اجتذابِها والسعي الحثيث لإعادتِها إلى حضنِ الوطن، وَالَّذِي مَا يَزال بحاجةٍ إلى إدارةٍ مشبعة بالأمل؛ لأجلِ الشروعِ بنهضةٍ طال انتظارها، فَيقيناً أَنَّ الصورةَ مهمَا ادلهمت، يبقى التغيير ممكناً، مَعَ العرضِ أنَّ الجدوى مِنْ التغييرِ لا تقتصر عَلَى إمكانيةِ بلوغه فحسب، وإنما فِي البحثِ عَنْ البدائلِ الَّتِي بمقدورِ آلياتها إعادة إِنْتَاج العوامل الداعية إليه.

إنفجرتْ حبّةُ قمحٍ

فأعـشـبَـتْ سـنبلة ..

إنفجرت السنبلةُ

فأنجبَتْ بيدرا ..

لكنّ قنبلةً انفجرتْ في مدرسة

فأغلقتْ ستة صفوف

وذبحتْ سِـربَ عـصـافـيـر

مُـطـوّحـةً بمئذنةٍ

كانت ترشُّ فضاءَ المدينة

برذاذ الصلوات!

*

لا تذعري ياحبيبتي

سـنعود يوماً لـنـردم الـخـنـادق

ونبني صفوفاً جديدة

مُـفـجّـريـن تلالاً من السنابلِ في

رَحِم أرضنا ..

أرضنا التي حرثتها القنابل!

حينذاك

ستجتمع الزهور في حديقة واحدة

ويتناسل النخيلُ في بستان واحد

يمتدّ من أهدابِ البصرة

حتى قدَمَيْ أربيل ..

مُعيدين الإعتبارَ

للعَـلم المُثقّـبِ برصاص الخيانة!

يمكن الجزم بأنَّ عراقَ الأمس المفجوع بحصادِ الموت، أيامه كانت حافلة بحكاياتٍ مشبعة بالأسى وَالاذلال وَالرعب وَالاغتراب، وَالَّتِي تؤرخ بمجملِها بعض ما تعرض لَه شعبنَا مِنْ عذابَاتِ الحروب وَتداعياتها المتمثلة بالجوعِ وَالضياع فِي حافلةِ الزمن الغابر. وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ بعضَ الشعوب عانت أكثر مِمَا عانَاه شعبنا مِنْ أهوال، وَرُبَّما تعرضت لمصائبَ أكبر مِمَا تعرضنا لها، إلا أنَّ مَا اكتوى بشظى لهيبه أهل العراق، ميزه عَنْ سائرِ الشعوب وَالأمم فِي مختلفِ أرجاء المعمورة؛ إذ عاش السواد الأعظم مِنْ شعبِ العراق سنوات عجافا بلا أمل، بعد أن جعلتهم السياسات الحكومية الهوجاء فِي مواجهةٍ قاسية مَعَ فقرٍ مدقع وَجوع وَمرض طال أمده حتى أصبح مزمنا. وَأدهى مِنْ ذلك أنَّ ثرواتَ البلاد لا ينعم بها أهلها، فالوافد للعمالةِ أو الدراسة فِي العراق يدلل شهيته بنكهاتٍ أصلية وَمأكولات متميزة، فِيمَا يتحسر المواطن العراقي عَلَى بوابةِ مطعم شعبي شوقاً فِي الحصولِ عَلَى شطيرةِ حمص " فلافل "، حتى أصبح يشار إليها حياءً باسْمِ " معلاكْ مصري "؛ لأجلِ إيهام الحاضرين بتناولِ لحومٍ موردة مِنْ جمهوريةِ مصر العربية وَمعدة بطريقةِ الشواء، حيث أَنَّ شرائحَ مجتمعنا الفقيرة كانت تعيش حياة بائسة بفعلِ ضيق ذات اليد وكفاف العيش، فضلاً عَنْ بشاعةِ مَا تحملته مِنْ كثرةِ الهموم وَالأحزان وَتكالب الزمان، فِيمَا أموالنا الطائلة تذهب يميناً وَيساراً بشكلِ هباتٍ ومعونات وَكوبونات نفط، وَالَّتِي قد يصح فِيها قول شاعر شعبي أجهل اسمه :

" ولتهينةْ .. نداوي بجروح النحبهم

وإحنه سيل دموعنا

يغرگ وطن "

لأنَّ " الجوع يجلب جميع أنواع الشرور " كما قيل قديماً، فقد تسببت تلك الظروف فِي إرساءِ الأسس الكفيلة بتصدعِ المنظومة القيمية، وَالَّتِي كانت أبرز مظاهرها حينئذ ظهور تجارة الأعضاء البشرية، وتخلي بعض العوائل عَنْ فلذاتِ الأكباد بالبيعِ أو بسُّبُلٍ أخرى، فضلاً عَنْ عملياتِ سرقة السيارات َالَّتِي لا تكاد تخلو مِن جرائمِ القتل فِي حالاتٍ كثيرة.        

فِي ذَلك العالم الكابوسي الَّذِي يجعل المتلقي مِنْ أجيالِ الشبكة الدولية " انترنت " وَالهاتف النقال وَالصحون اللاقطة عاجزاً عَنْ تخيلِ البؤس الضاغط عَلَى نفوسِ المعذبين بالثقيلِ مِن الأهوالِ وَالأحزان وَالغربة، كان مِنْ بَيْنَ غرائب مَا خيم عَلَى فضاءاتِ تلك الأيام هو عدم السماح للعراقيين التعبير عمَّا فِي النفسِ مِنْ مشاعرٍ أو الإفصاح عمَّا بداخلِهم مِنْ آلامٍ وَأحزان، حيث كان نظام القائد الضرورة يمنع الأم مِن البكاءِ عَلَى فلذةِ كبدها المعدوم اعداماً تعسفيا، فضلاً عَنْ تحميلِ عائلته ثمن الإطلاقات الَّتِي أعدم بِواسطتِها. وَإذا كانت فظاعة هَذَا الفعل تدخل الأسى فِي نفسِ المتلقي أو تفضي إلى إثارةِ اشمئزاز مَنْ يطرق سمعه، فإنَّه قد يبدو كأَمْر مُسَلَّم بِهِ فِي ظلِ سطوة الأنظمة الدكتاتورية الَّتِي لا تقيم وزناً لقوانينِ حماية حقوق الإنسان، ولا تعرف مِن معنى الحب سوى كلمة مِن الألفاظِ الشائعة الَّتِي تتداولها الألسن، وكما تقول الكاتبة وَالأديبة السورية غادة السمان" تاريخ البشرية الحزين هو من صنع رجال لم يعرفوا الحب ". وَلعلَه مِن المفيدِ الإشارة هُنَا إلى أحدِ جزئيات المحنة الوطنية الَّتِي ذكرها السَماوي يحيى بالقول: " بيني وبين أقربائي قارات ومحيطات وبحار وصحارى، فارقتهم زمناً طويلا، وحين زرت العراق بعد طول فراق، كان أكثرهم قد غفا إغفاءته الأخيرة وتدثّر بالتراب، والآخرون بين مُعاق ورهين همومه ونزيل وطن مستعار ".  

*

علّمتني العربات التي أكلت نصفَ عمري

أنّ الجالسين في المقاعدِ الأمامية

لا يبصرون غير زجاج النوافذ ..

لذا :

أبحث عن مقعدٍ فارغ

بين المقاعد الخلفية ..

فأنا أريد أن أرى الجميع

وهم يغذّون السير

نحو المدينة الفاضلة ..

وحين يترجّلون

سأسير خلفهم

فإنْ سقط أحدٌ مضرّجا بالضنى

سأجعل من صدري " نقّالةً " إسـعـاف

ومن ظهري هودجا ..

أمّا إذا ضرّجني الضنى

فسأسقط دون ضجيج

كي تستمر القافلة!

*

قال النهرُ :

أنا ابـنُ الينابيعِ الصغيرة

التي اتّحدتْ في جسدي ..

وقال الحقل :

الشجرةُ الواحدة

لن تكون بمفردها بستانا ..

فلماذا نفترق ياصاحبي؟

إنْ كنتَ تأبى السيرَ معي

فاسمحْ لي بالسير معك

مادُمنا مُتّجهين

نحو المدينة الفاضلة

*

للتمعنِ أكثر فِي هَذَا المسار الكارثي أراني مضطراً للتوقفِ عند إجابة السَماوي يحيى عَلَى سؤالٍ للشاعرِ العراقي الأستاذ الدكتور هاشم الموسوي حول وجود صلة مَا بَيْنَ أحداث حياته الواقعية وَبين مَا يرد فِي قصائدِه مِنْ أحداثٍ وَصور، حيث يقول السَماوي في معرضِ رده عَلَى سؤالِ الموسوي : " قبل سقوط الصنم ، كثيرا ما يُفزعني كابوسٌ مرعب لا أدري لماذا يتكرر في منامي بأشكالٍ عدة جميعها تنتهي بأنَ النظام ألقى القبض عليّ وأنني سأشنق، فأستيقظ متعرق الجبين ألهث عطشا ...هذا الكابوس لا يتركني شهرا من دون أن يفاجئني بزيارته الوحشية .. ربما لأنني سبق ووقعت في مديرية أمن المثنى على تعهدٍ بإعدامي في حال مارست العمل السياسي، فإذا بي من بين أوائل الذين حملوا السلاح في الانتفاضة الجماهيرية عام 1991م ". ولعلَّ مِن المفيدِ فِي بحثِنا الحالي استعراض أحد محاور دراسة الشاعر المصري الراحل الدكتور حسن فتح الباب ( 1923 – 2015 ) الَّذِي يُعَدُّ أحد رواد الشعر الحر وَأحد قامات النقد فِي الساحةِ الأدبية العربية الموسومة " الأفق نافذتي للشاعر يحيى السماوي"، وَالَّتِي يقول فِيهَا : " ... ولا يقلّ يحيى السماوي في مكانته كأحد المبدعين العباقرة الذين خلدوا الحرية وخلدوا بها، عن شعراء الحرية والمقاومة العالميين، وهم الشاعران الفرنسيان بول إيلوار ولويس أراجون، اللذان انضما الى شارل ديغول في نضاله ضد الطاغية هتلر حين غزا باريس في الحرب العالمية الثانية، وكذلك الشاعر التركي ناظم حكمت الذي ثار على الطغمة الحاكمة في بلده، فأودعته السجن حيث قضى بين أسواره أكثر من عشرين عاما، ثم أفرج عنه تحت ضغط الرأي العام العالمي، فقضى بقية حياته في المنافي ". وَفِي السياقِ ذاته يقول الأديب والباحث العراقي المقيم فِي السويد منذ أواخر سبعينات القرن الماضي الدكتور خالد يونس خالد : " مَن أراد أن يحب العراق، عليه أن يقرأ السماوي من زاخو إلى البصرة، فأنت جبل حمرين وأنت الفرات، في قصيدتك " أذلَّـنـي حـبـي ". وأنت بين الأهوار تسكب الدموع مع كل العشاق لتشرق شمس الحرية في قلوب المحبين في قصيدتك " الاختيار ".

**

كـمـا يتوغّـل مسمارٌ في خشبة ..

أو جذرٌ في لحم الأرض :

أتوغّلُ في أودية الحنين

أجوب فضاءاتٍ ما مرّتْ في ذاكرة عصفور ..

وبحاراً ما عرفها السندباد ..

لا بسفينةٍ في بحر

ولكن:

على قدميّ الحافيتين

مُيمِّماً روحي نحو الله

وعـيـنـيّ نـحـوك ..!

لا تخافي الرحلة يا حبيبتي

فإنّ فمي سـيعـلـن الإضرابَ عن القبلات

و الحقولَ ستعلن الإضرابَ عن الخضرة ..

الضفافَ لن تعانق الموجةَ العاشقة ..

وستعلنُ البراءةُ عصيانها على الطفولة

ستفقد الحياة عذريتها ويجفّ عفافُ الكبرياء ..

وتنتحرُ الأغنية على شفة القيثار ..

والنخل سيبرأ من أعذاقه ..

فأنحني خجلاً من رجولتي

أنا الذي أريد أن أموت واقفاً

كنخيل العراق !

**

مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ الأحداثَ الَّتِي مر بها السَماوي يحيى، وَتعايش مَعَ معطياتِها لسنواتٍ طويلة خلت، كانت لَهَا صلة بالكثيرِ مِمَا ظهرَ مِنْ قصائدِه؛ إذ أَنَّ المحطّاتَ الَّتِي مرّت بِها البلاد - وَلاسيَّما لحظات الفرح المسروقة الَّتِي تخللتها، فضلاً عَمَا حَالَ مِنْ أوجاعِنا إلى تكريسِ الصمت فِي أرواحِنا حتى فِي أعياد الله تبارك وَتعالى - مَا تَزال تستوطن ثقوب ذاكرة شَاعرنا الَّتِي لا تحمل سوى همٍّ فوق هم. وَمِنْ أجلِ أنْ لا نبقى أسارى تصور تلك القضية كاستنتاجاتٍ عامة، حري بنا أنْ نركن إلى مَا اطلعنا عَلَيه مِنْ رؤى النقاد وَالأدباء وَدراسات الباحثين بِهَذَا الخصوص، بالإضافةِ إلى التوقف - قليلاً أو ملياً - لتأملِ وُجّهة نظر السَماوي الَّتِي أثارها - هُنَا أو هناك - عَلَى صعيدِ الكتابة، حيث يشير إلى ذلك بالقول : " ليس سهلاً على الإنسان أن يغسل شرطيّ أمنٍ قذر وجهه بالبصاق أو أن يجعل من وجهه كيس ملاكمة أو كرة قدم. وليس سهلاً على عريسٍ يمضي أوّل أيام شهر العسل موقوفاً في مرحاضٍ مهجور ليخرج بعد أيام مخرّز الجسد ". ويضيف فِي إطلالةٍ أخرى عَلَى أحدِ المواقع الإلكترونية قائلاً : " ليس سهلاً على مدرّسٍ أحبّ وأخلص لمهنته، وكان باعترافِ مديرية التربية من أنجحِ المدرسين في مادته، حتى أنَ الإشرافَ التربوي كان يكلفه بإقامةِ دروس نموذجية في طرقِ تدريس اللغة العربية يحضرها مدرسو ومدرسات المحافظة، فإذا بالأوغاد ينقلونه وظيفياً إلى بائعِ طوابع؛ لأجلِ أنْ يسقط العذر القانوني بعدمِ سوقه للخدمة العسكرية ". وَأَدْهَى مِنْ ذلك الصورة المأساوية المفجعة المتمثلة في استدعاءِ مديرية الأمن لأمه وَأبيه وَأشقائه وَشقيقاته، وَتهديدهم بالتسفيرِ إلى إيران كنوعٍ مِن التعذيبِ النفسي له، مَعَ العرضِ أَنَّ كُلَّ أهل مدينة السَماوة يشيرون إلى والده باسْمِ " عباس الطوبجي "؛ لأَنَّ أباه كان عريفاً فِي الجيشِ العثماني بقسم " الطوب "، وهو ما يعادل مفردة " المدفعية " المستخدمة حالياً فِي الأدبياتِ العسكرية. ولعلَّ مِنَ المُناسِبِ أنْ نشير هُنَا إلى أهزوجةِ " الطوب أحسن لو مكَواري " الَّتِي تُعَدّ أشهر أهزوجة عرفها تأريخ العراق الحديث، إلى جانبِ ارتباطها بأحداثِ ثورة العشرين الَّتِي اندلعت فِي مدينةِ " الرميثة " بمحافظةِ المثنى، وانتشر لهيبها ليشمل العراق كله،، فاصبحت لمدينةِ الرميثة بصمة تاريخية فِي الدفاعِ عَن العراق، وَانطلاق الشرارة الأولى فِي مقارعةِ الاستعمار البريطاني؛ إذ تُعَدّ قلعة الرميثة وَمركزها القديم شاهداً عَلَى حقبةٍ تاريخية أذاق فيها شعبنا الانكليز دروساً فِي الحربِ وَالجهاد وَالشجاعة. وَمِنَ الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا أيضاً إلى تأكيدِ الوثائق التاريخية عَلَى أَنَّ تلك الأهزوجة ولدت فِي رحمِ معركة " الرارنجية "، حيث زحف أحد المقاتلين الغيارى الَّذِي كان يترصد مدفعاً تابعاً للجيش البريطاني مستغلاً حلول الظلام وهو لا يحمل غير " المكَوار" سلاحاً - المكَوار عبارة عَنْ عصا فِي أحد طرفيها كمية مِن القيرِ الأسود - وعند وصوله قريباً مِن المدفع، هجم بوثبةِ أسد وَقتل رامي المدفع، ثم اعتلى المدفع وأطلق أهزوجته المشهورة " الطوب احسن لو مكَواري "، إلا أَنَّه استشهد " رحمه الله " فِي الحالِ بعد أنْ أثارَ شعوراً مِن الحماسِ فِي تشديدِ الهجمة عَلَى الجيشِ الإنجليزي المحتل.

**

اللهمَّ اجعلني:

عشبةً في وطني

لا غابةً في منفى ..

ذرّة رملٍ عـربية

لا نجمةً في مدن النحاس ..

عُكّازاً لضرير

لا صولجاناً لـلـقـيـصـر ..

شريطاً لضفيرةِ عاشقةٍ قروية

لا سوطاً بيد جلّاد ..

حصاناً خشبياً لطفلٍ يتيم

لا كوكبةً ذهبيةً على كتفٍ أثقلتْه الخطايا ..

فلقد أرهقتنا مهنة القتل وهواياتُ المارقين ..

لذا أعلنتُ تضامني مع الحفاة

في حربهم العادلة ضد ذوي القفازات الحريرية ..

مع البرتقالة ضدّ القنبلة ..

مع الأرجوحة ضدّ المشنقة ..

ومع أكواخ الفقراء ضدّ حصونِ الـدّهـاقـنـة !

*

أنا لا أبكي يـا حـبـيـبـتـي ...

إنما:

أريد أن أغـسـلَ بالدموع

صورة الوطن المنقوشة كالوشم

في عـينيّ!

**

مَا أثارني أيضاً فِي الحديثِ عَن الموضوعِ المذكور آنفاً، هو مَا تناوله الكثير مِن الأدباءِ وَالباحثين وَالنقاد عَنْ تجربةِ إنسان وظف مداد قلمه فِي البحثِ عَنْ وطنٍ يضم مَا بَيْنَ جنباته أوجاعنا، فالسَماوي مَا يَزال عرضة لأرقٍ مزمن، لازمه منذ أول قافلة صفعات و" جلاليق " أناخها ملاكمو أمن البلدة فِي واحاتِ جسده الغض عام 1971م. وَمِنْ بَيْنَ صور الحزن وَالأسى َالَّتِي علقت بذاكرةٍ السَماوي يحيى، مَا أكدته القاصة العراقية سنية عبد عون رشو عَنْ أوجاعِ تلك الحقبة بالقول : " الشاعر الكبير يحيى السماوي، تلك الايام كانت غيمة مطارة وانقشعت ..أمطرت علينا وابلاً من الحروب والخوف والرعب حتى من اللاشيء، هذا ما أراه دائما في الاحلام ". وَفِي دراسته الموسومة " يحيى السماوي بين العدمية و الآيروتيك "، يقول الشاعر وَالناقد العراقي هاتف بشبوش مَا نصه : " يحيى السماوي شاعرٌ ومناضلٌ ورمزٌ لصبانا الثّوري في السبعينيات، لما لاقاه من مطاردةٍ وتشريد وتعذيب في زمن البعث المجرم حتّى أصبح اسماً تتناقله الألسن منذ ذلك الوقت ". وَفِي مداخلةٍ عَلَى صفحاتِ أحد المواقع الإلكترونية، يشير الشاعر والإعلامي العراقي عبد الحميد الصائح الذي عمل جنباً إلى جنب مع السَماوي يحيى فِي إذاعةِ " صوت الشعب العراقي " إلى شاعرنا السَماوي بالقول : " سيدي وصديقي الشاعر والمناضل الكبير يحيى السماوي اقسم بالله على شجاعتك وأبايع وطنيتك العالية، فأنت شاهد عصر باسل، وانت صوت الشعب قبل ان يعرف الشعب انك كنت تنسج امله بالحرية .. نعم يا شاعر الشعب، كانوا يترددون في قول الحق في إذاعتنا .. وهم اليوم يتصدرون لوائح الجهاد المزورة .. تبّت أيديهم وهم الى ضلالةٍ سائرون .. دمت اخاً مبدعاً كبيرا، يحيى السماوي يا صديقي الجميل، إنها حقا قسمة ضيزى : للأباطرةِ الأوغاد النفط، وللصعاليكِ الطيبين الدخان والسخام ".

الأسـى أمـسُـكِ ..

والـحـاضِـرُ نـاعـورُ ضـنـى ..

.

أطـفـأ الرعـبُ الـقـنـاديـلَ

وألـقـى بالـفـراشـاتِ

عـلى أرصـفـةِ الصـبـحِ ..

وفـرَّتْ من فـضـاءاتِ الـبـسـاتـيـن ِ

العـصـافـيـرُ ..

الـنـهـاراتُ اسـتـحـالتْ دُجَـنـا ..

.

وأنـا مـثـلـكِ :

تـابـوتٌ

بـهِ يـرقـدُ جُـثـمـانُ الـمُـنى ..

.

أشْــبَـكَ الـدربُ

ولا بعضُ سـنـا ..

.

زمـنٌ بـاتَ بـهِ الشـوكُ

يُـعـيـبُ السَّـوسَـنـا ..

.

تـصـرخُ الـمـسْـغـبـةُ الانَ

بـنـا :

.

هـزُلَ الـخـبـزُ

وجـوعـي سَـمُـنـا ..

.

مـثـلـكِ الانَ

أُسَـمِّـي غـربـتي أهلاً

وجُـرحـي وطـنـا ..

.

كلُّـنـا أصبحَ " هابـيـلَ " و " قـابـيـلَ "

ترى

أيّهُما كان أنـا ؟

يمكن الجزم بأنَّ مضامينَ الكثير مِنْ نصوصِ السَماوي الشعرية   تُعَدُّ انعكاساً للأحداثِ وَالمُشْكِلات وَالقضايا الَّتِي مرت بِها بلادنا، بالإضافةِ إلَى همومِ اليوم، فالشعب الَّذِي اكتوى لسنواتٍ طويلة بنيرانِ القصف وَالحروب الَّتِي اغتالت براءة الطفولة وَهشمت مقومات الكرامة الإنسانيَّة، مَا يَزال يعيش معاناة حقيقية بكلِّ مَا تحمل الكلمة مِنْ معنى؛ نتيجة السياسات الخاطئة الَّتِي أسس لها المحتل الأمريكي بعد الزلزال السياسي فِي المنطقة. وَيمكن القول إنَّ السَماويَ الَّذِي يُعَدّ الوطن جنته وَقلبه النابض عَلَى يقينٍ مِنْ أنَّ مئاتَ آلاف العراقيين عاشوا المعاناة بشكلٍ وَآخر، حيث يشير إلى ذلك بالقول : " ... وبسبب هذه المعاناة، فإن العراقيين يبدؤون الشيخوخة ربما قبل وصولهم سنّ العشرين من العمر، فالعراق تحول في ظل نظام صدام حسين إلى تابوت على هيئة وطن ... لا أعتقد أن التاريخ سيشهد ساديّا مثله ... كان يتلذذ برؤية الدم ... ولعله الرئيس الوحيد في العالم الذي كان يأمر جلاديه بتصوير ضحاياه وهم يُعذبون وتقطع أوصالهم ". وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ تلك البشاعة تُعَدّ انتكاسة للإنسانيَّة، بالإضافةِ إلَى مَا تعكسه الأنظمة الدكتاتورية مِنْ نهجٍ يقوم عَلَى استبدالِ آليات التشبث بالسلطة - وَالسعي بجميعِ السُّبُل مِنْ أجلِ ديمومتها - بحبِ الوطن ومَا يمليه مِنْ ضرورةِ الإيفاء بتأمينِ احتياجاتِ الشعب، فالحبَ عاطفة جياشة وَشعور ليس بوسعِ الكلمات أنْ تَوضحَ رسوخه فِي الضميرِ وَالوجدان؛ إذ يُعَدّ بوصفِه حالة مِن الرُّقِي فِي أسمى أوجهها، فالإنْسَان قد يفوق أفعال الوحوش فِي حالِ تجرده مِنْ ثيابِ الإنسانيَّة وَنبذه لمشاعرِ المحبة وَالتسامح، وَكما يصف تلك الحالة الشاعر الإنجليزي جون كيتس ( 1795 – 1821 ) الَّذِي هوجمت أعماله خلال حياته القصيرة مِنْ قبلِ نقاد الدوريات فِي ذلك العهد، إلا أنَّه أصبحَ بعد وفاته واحداً مِنْ شعراءِ الحركة الرومانتيكية الإنجليزية المهمين فِي مطلعِ القرن التاسع عشر بقوله : " الحب استمرارية ونقاء، والكراهية موت وشقاء ". ولا أعرف كيف قفز إلى خاطري مَا قرأته قبل أعوام طويلة عَمَا يبهر مِنْ سلوكِ أحد الحيوانات، وَالَّذِي يمكن تلخيصه بأنَّ أنثى " السنجاب " عندما تجد رضيع سنجاب آخر، فإنها تقدم له الطعام وَتنتظر ثلاثة أيام قصد التحرّي وَالتأكد مِنْ أنَّه مِنْ دُونِ أهل، وحينئذ تأخذه وَتطعمه وَتجعله يعيش مَعَهَا وَمَعَ صغارها وكأنَّه أحد أطفالها.

***

لا تـقـولـي إنَّ جـرحَ الـيـومِ

يـشـفـى فـي غـدِ

.

كلُّـهـمْ أقـسَـمَ

أنْ يـحـرسَ بـيـتَ الـمـالِ

باسـمِ الأحـدِ :

.

سـادِنُ المـحـرابِ ..

والـنـاطـورُ ..

ربُّ الـدَرَكِ الـسِـرّيِّ ..

قـاضـي الـعـدلِ والشَّـرْعِ ..

إمـامُ المـسْـجِـدِ..

.

فـلـمـاذا ازدادتِ الــفـاقـةُ

واسْـتـشـرى وبـاءُ الـفَـسَـدِ ؟

.

ولـمـاذا

كـلَّـمـا يُـوعِـدُ بـالـخـبـزِ

أمـيـرُ المـؤمـنـيـنَ

ازدادَ جـوعُ الـبـلـدِ ؟

***

أيـهـا الـقـلـبُ الـذي

ثـلـثـاهُ مـن مـاءِ الـفـراتـيـنِ

وثـلـثٌ من رمـاد الـنـخـلِ

أو طـيـنِ الـبـلـدْ :

.

طـعـنـةٌ أخـرى

وتـشـفـى

مـن عـذابـات الـجـسـدْ

***

ألـفُ " أنـكـيـدو " بـدارِ الـعَـجَـزةْ !!

مـا الـذي يُـغـويـهِ بـالـرمـحِ

ولا ثـمّـةَ " كلكامشُ "

يـأتـيـه بـ " عـشـبِ الـمُـعـجـزةْ " ؟

ذات فجر بغدادي دنسته خيول المحتل، هاتفت السَماوي يحيى مستغلاً فرق التوقيت مَا بَيْنَ العراق وبلاد الكنغارو، بعد أنْ اختمرَ فِي ذهني سؤال استنتجته مِنْ عبارةٍ قرأتها فِي روايةِ وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق الكاتب وَالروائي يحيى يخلف الموسومة راكب الريح، وَالَّتِي نصها " يرحل الغزاة والمكان لا يرحل. يرحل الطغاة والحكمة لا ترحل "، فأجابني السَماوي بكلماتِ أملٍ مشوبة بألمِ الغربة : " قبل نحو ساعتين وبضع آهات، سألت نفسي الأمّارة بالحرية : هل عجزت الأمهات العراقيات اللائي أنجبن شعلان أبو الجون وَعبد الكريم قاسم وَمحمد باقر الصدر وَسلام عادل وَحسن سريع وَأمثالهم، عَن إنجابِ حفيدٍ لأبي ذر الغفاري يعلّم الجياع كيف يقضمون الآلهة التمر، أو سبارتكوس جديد يحرّض العبيد عَلَى الوقوفِ منتصبين ليتساقط مِنْ عَلَى ظهورِهم الأباطرة ؟ "، فازددتُ يقناً بصدقِ مقولة الشاعر وَالكاتب وَالرسام اللبناني جبران خليل جبران : " ليس بوسعِ أحد أن يبلغَ الفجر مِنْ دُونِ المرور بطريقِ الظلام. "

 

لطيف عبد سالم  

 

 

فاضل البياتيفي الغربة، وفي ولاية ميشيغان الأميركية، رحل الفنان العراقي المسرحي القديرعبد المطلب السنيد، يوم الخميس 8 آذار 2018 بعد معاناة مع المرض. وتمرهذه الأيام ذكرى اربعينيته..

الرحيل من زمن الفن الجميل نحو زمن الغربة

*                                                

كان ذلك صيف عام 1991 لقد كانت مفاجأة بحق بالنسبة للفنان الرائع مهند الأنصاري، مديرإذاعة بغداد، عندما قدمت له إستقالتي ورغبتي في أن أحيل نفسي الى التقاعد من عملي كمخرج ورئيس لقسم التمثيليات في الإذاعة، وهو الفنان ألذي وجدت معه إحتراما وحبا مشتركا للتمثيلية الإذاعية، فكانت نتاجات إذاعة مشتركة، حيث كنا نصغي معا لعدة من أعماله أو من إعمالي الإذاعية ونبدي الرأي فيها.

قال لي مندهشا ...

- تريد التقاعد؟

- أجل، انني افكربالهجرة.لقد حصد الجيش والحروب أكثر من أثني عشر عاما من عمري، ليس هنالك من أمل، وليس هنالك من ضمان لعدم استدعائي للجيش من جديد. مجبرأخاك لابطل.

أجابني حينها.

- تريث في الأمر يافاضل، فالغربة رحلة بلا رحمة.

ها أنا ذا الآن أعيش مع غربتي التي بلا رحمة، قريبا من المحيط المنجمد الشمالي، غربة تواصلت معي دون إنقطاع، لما يقرب من 26 عاما، لم يتنفس فيها فؤادي طيلة تلكم السنين العجاف هواء حبيبي العراق الجميل...

في سنة 1968 صعدت لأول مرة ممثلا على المسرح، مع ثلة من زملاء الدراسة في المرحلة المتوسطة، من الطريف أنه كانت المسرحية الشعبية "الدبخانة" هي مثلنا الأعلى وكل مانستطيع، كانت تلك المسرحية بعفويتها تشكل ذاكرة أولية لإنتظارالموعد للزمن الجميل.

عام 1970 كان تمهيدا لمرحلة شروق زمن الفن الجميل لتكتب مرحلة مهمة في تاريخ الإبداع العراقي االمعاصر، وفي كل مناح العطاء المتألق والذي مازلنا نتنفس رحيقه ونشتاق أليه، في الأدب، المسرح، السينما، الإذاعة والتلفزيون، الموسيقى والغناء، والفنون التشكيلية.

عام 1970 حينما بدأت دراستي في معهد الفنون الجميلة، القديم، قسم الفنون المسرحية، كان زميلي عبد المطلب السنيد قد تخرج من المعهد في العام نفسه.. كان مثابرا حصيفا وعاشقا حقيقيا للمسرح وفن الدراما بكل أتجاهتها وصنوفها ومدارسها، فضلا عن ذلك فقد كان عبد المطلب السنيد يمتلك حنجرة و صوتا غنائيا متميزا عذبا متمكنا، لايشدو به إلا مع لقاءآته مع أعزالصحاب والمقربين منه. وهنا بوسعي القول لو أنه أختارأن يكون مطربا، خاصة للغناء الجنوبي العراقي، لكان توفق بل وتفوق على العديد من مطربي هذا اللون والفلكلورالأصيل من الغناء، لكنه أحب وعشق الإبداع في الفن الدرامي والمسرحي وحسب، وليس شيئا آخر.

عام 1972 بينما كنت أمثل دورا رئيسيا على خشبة مسرح بغداد في مسرحية "فندق الغرباء" لفرقة المسرح الشعبي، وكانت من تأليف ثامر مطر وإخراج الأب والفنان الرائد جعفرالسعدي، وقد شاركني في التمثيل الفنان الكبيرعقيل مهدي الغربان، في العام نفسه قدم عبد المطلب السنيد على خشبة المسرح القديم في كرادة مريم، مسرحيته التي لاتنسى والتي تنتمي الى مدرسة اللامعقول. إنها مسرحية "الكراسي" ليوجين يونسكو، التي أخرجها الفنان عبد المطلب السنيد، حيت أعتمد العرض المسرحي على شخصية واحدة فقط، أستطاع عبد المطلب أن يجسدها بمهارة وإقتداروأن يبهرالجمهوربحق، وليس في المشهد إلا سواه وعشرات من زحام الكراسي الشاغرة تنتظرخطيبا أخرسا في نهاية الأمر.

لقد كان جيلنا في ذلك الزمن الجميل مولعا ومتأثرا بشدة بهذا ألإتجاه الأدبي والفلسفي، مدرسة اللامعقول، وفضلا عن يونسكو فهنالك كان يعيش في ذائقتنا وذاكرتنا أبداعات كتاب آخرين من ذات ألإتجاه، أمثال صمويل بيكيت، فرانس كافكا، أوجين أونيل، ألبير كامو... وغيرهم.

يوم شاهدت عبد المطلب وهو يؤدي دوره في مسرحية الكراسي، صار بمقدوري يومها أن أكون على يقين من أن الفن المسرحي العراقي فاز بفنان سيضيف الكثيرفي المستقبل، خاصة بعد أن أصبحنا زملاء عمل في ذات العام، بقسم التمثيليات في إذاعة بغداد، يوم كان يرأس هذا القسم الفنان الكبيرالرائع كريم عواد ومن ثم الفنان البديع الراحل حسن الجنابي.

كان قسم التمثيليات عام 1972 يعتمد العمل فيه على نظام المشاركة وليس الوظيفة الثابتة براتب شهري، خاصة بالنسبة لمن كانوا طلابا يواصلون الدراسة، حيث كان أغلبنا مازلنا نواصل دراستنا المسرحية، إذ كان يوجد قانون لايسمح فيه الجمع بين الوظيفة والتلمذة، كنا شبابا، طلابا في معهد الفنون أوالأكاديمية، نعمل في القسم، ممثلين، مساعدي إخراج أو مخرجين، على نظام المكافأة او المشاركة، أمثال الفنان حسن العبيدي "حسن حسني" روناك شوقي، فلاح زكي، وآخرين .. كان عبد المطلب يواصل دراسته أيضا في أكاديمية الفنون ويعمل على نظام المشاركة ..

على حين غرة، قررالمديرالعام للإذاعة والتلفزيون آنذاك وهو الأستاذ "محمد سعيد الصحاف"وبقرار جريء توظيفنا نحن الطلاب التي كانت ألإذاعة بحاجة لنا، وعلى الملاك الدائم، ناسفا وبخطوة "ثورية" حكاية عدم الجمع بين الوظيفة والتلمذة. كان عبد المطلب يعمل مخرجا إذاعيا وكاتبا للنصوص، أخرجت له للإذاعة مسلسلا من تأليفه، في ثلاثين حلقة، تجري أحداثه في مدينته الناصرية. هذا المسلسل أسمه "معلم من بلادي" حيث وضع الموسيقى التصويرية الفنان عبدالحسين السماوي، وغناء الصوت الأصيل، حميد منصور، وكلمات الشاعرالكبيرناظم السماوي، حتى تمت أعادة إذاعته مرات عدة، لما كان له من تمييز بين المسلسلات الإذاعية في ذلك الزمن الجميل.

في عام 1976 التحقت بالخدمة العسكرية، في المسرح العسكري، في كرادة مريم، وكان حينها عبد المطلب يؤدي خدمته العسكرية كضابط إحتياط، وكان معي مجموعة من الفنانين يؤدون خدمتهم العسكرية أيضا في المسرح العسكري، أمثال الفنان سعدون جابر، الشاعر كريم راضي العماري، فلاح زكي، فاروق صبري وآخرون ... لقد كانت تحدث مواقف طريفة أو محرجة حينها، وذلك لتداخل الصفات بيننا، كأصدقاء وفنانين ومعارف، وبين صفة عبد المطلب كضابط مسؤول عن جنود وأفراد..

قبيل إنتهاء خدمته العسكرية كضابط إحتياط، جاءنا عبد المطلب برسالة من جهات عسكرية عليا   تدعوالشباب الخريجين من معهد وأكاديمية الفنون للتطوع كضباط في مجال التوجيه السياسي.

هل تريد التطوع كضابط؟ غيرأن مبدعي الزمن الجميل لايميلون الى العسكرتاريا واللون الكاكي. مبدعوالزمن الجميل كانوا دائما مع الحب والسلام والحرية والحياة.

بعد عام واحد ألغي المسرح العسكري، ورحل بعدها عبد المطلب السنيد الى أمريكا ليكمل دراسته، لم يكن يدري أن رحلته تلك نحوالغربة، ستأخذ أكثرمن نصف سنوات عمره بالكامل. هذا المصير سيحصل لي دون ريب.

عام 1985 عاد عبد المطلب من أمريكا ألى العراق، التقيته يومها، وكانت الحرب الإيرانية العراقية على أشدها، وجدته قلقا مضطربا، فعلمت منه إنه تأخركثيرا على موعدعودته، وإن هناك من يحاول على عدم عودته الى أمريكا.

لكن بعد أيام صار بوسعه العودة لحياته هناك، وقد غمرني فرح عظيم، فانا يوما ما، أصبحت ضحية أحد الفاشلين. ولكني أقول اليوم، كل شيء يضرني يهون أذا كان تضحية من أجل وطني حبيبي العراق.

أجل لقد قدم عبد المطلب السنيد الكثير للمسرح وفن الدراما عموما، داخل العراق وخارجه، على الرغم من غربته التي إمتدت لما يقارب الأربعين عاما. أجل ياأخي وزميل عملي، كنت مخلصا للفن الصادق النظيف النبيل.

نم قريرالعين في مثواك في الغربة.

لكن روحك الطيبة ياعبد المطلب، ما زلت حية في مكان ما.

   في مكان هو أجمل ... أجمل..أجمل بكثير.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)

صدق الله العلي العظيم.

 

 

الفنان والكاتب العراقي فاضل البياتي

شمال السويد

 

 

علي المرهجتعرفت على زيد عباس كريم في قسم الفلسفة، وبعد أن توطدت العلاقة بيننا، عرفت بعض من أصدقائه، وكان منهم صديق مُقرب له، إبن مدينته، كربلائي النشأة والهوى، هو فراس، أسمر اللون، ممشوق القوام، لا إستقرار لحركة عينيه العسليتين، يبدو لك حين تراه لأول وهلة أنه من نوع الشباب الذين يلعبون بـ "البيضة والحجر"، لا تطمأن له إلَا بعد مُعايشة، فمظهره يشي بأنه ممن يُتقنون اللعب على العواطف ويسرقون المحبة بطيب معشرهم، ولربما يُضمر خلف ذلك أشياء وأشياء، ولكنك بعد أن تخبره، تجده يُضمر لك محبة ويُخفي حُزناً طوته أيام التعب التي عاشها لا بسبب فقر، بل لكونه كثير الأمل بتخطي الحلم، حالم بمستقبل يصنعه هو لا علاقة للآخرين به، وإن كان ذلك الآخر أباً أو أماً، وهو يكن لهما "ذكرى حبيب ومنزل"، ولكنه مُتمرد يعيش في عوالم "المخيال" لا ليكون عالماً، بل ليصنع مجداً رياضياً له شأن يُشار له بالبنان.

عرفته وعشنا سوية، كانت لديه سيارة نوع "لادا" أو ربما "برازيلي" "مطركعة" لا أتذكر، ولكن الذي أتذكره "لا ليله ليل ولا نهاره نهار" يعمل بجد بلا كلل ولا ملل، كريم النفس والمال، يُحب زيداً حُباً جماً، وإن اختلافا فيما بعد بحكم تقدم العمر وتغير الأحوال، ولكنهما لا زالا يهيمان بذكريات أيام خلت وإيثار تطول فيه الحكاية.

وبعد تردد الزيارات لنا في قسم الفلسفة تعرف على زميلة لنا جميلة بطولها وطلتها وأخلاقها، لم تكن تهوى الحوار إلَا معنا نحن زملاؤها ممن وثقت بهم، وكان لزيد منزلة خاصة عندها، لطيبته وعفته وتوثق عراى الصداقة بينهما، ولأن فراساً عشق الهوى، فكان لا يحلو له اللقاء إلَا بنا، حتى ظن البعض أنه طالب في قسم الفلسفة، لكثرة غيابه في كلية التربية الرياضية وتسجيل حضوره في قسم الفلسفة بكلية الآداب، فقد تعرف على زميلتنا هذه، وصار يتحين الفرص للقائها والحديث بها، "فهمت به وهم بها"، وكان ما كان مما نحن نرغب به، لتسجيل مدونة عشق عراقي بين فراس وبينها، فكثرت اللقاءات وامتدت الحوارات، وكان زيداً صديقاً صدوقاً له ولها، وكنت أنا له من المُحبين، ولكني لم أكن يوماً من المُقتنعين بهكذا علاقة، ففراس من كربلاء وهي من سامراء، وبعد جهد جهيد أقنع أهله بأن لا حياة له من دونها، وهي كما أعرف ظنت وصرحت لأهلها أن لا حياة لها من دون فراس، ولكن "تجري الرياح بما لا تشتهي السَفن"، فبعد أن أقنع فراس أهله الذين كانوا يحلمون بتزويجه من أقارب له من مدينة الناصرية، فتاة جميلة وفق قولهم "تكل للكمر غيب وآنه بمكانك" لكن فراساً لم يهوى القمر، إنما هوى شمس مُحرقة "تكل للكَلب موت وأنه بمكانك" فكان قلبه ميت ولا عيش ولا حياة له إلَا بها، فسعى وجد واجتهد في اقناع أهلها، ولكنهم رفضوا بأيسر ما يكون الرفض، لا دراية لهم ولا خبرة بتخريب القلوب، وتهديم مدونة العشق التي كتبتها سنون صدق القلب حينما ينطق بالعشق النقي أيام الشباب، ولكن "الطائفية" ومرض الأنا الرجعية، وتوهم تفوق العرق السني "المتعالي" على "العرق" الشيعي" المحايث للوعي الجمعي، جعل "المافوق" "المُتعالي" لا يقبل بالتفاعل الأفقي مع الجمع، الذين منهم فراس، فقد حاسبه "المافوق" على أنه "عجمي" وبنظرة فوقية مُتعالية، صار الأمر والآمر فيها فعل التهويم القومي "الرسَي" الذي يبحث عن "الأصل" وتناسوا أن "الأصل" أسطورة من صُنع "القومويين الراديكادليين"، ولا أروم هنا الدخول في تنظير لفعل "الأيديولوجيا" وسحرها التغييري للوعي الجمعي من الإيجاب إلى السلب، ولكن الذي حصل أن فراساً لم ولن ينل عشقه الأبدي، فصار الحديث عن حكايته "حديث خُرافة" يتندر اللاطائفيون في ذكره على أنه من قبيل تضخيم القول والفعل، فلا طائفية في العراق!!، ولكن فراساً لم ينل مرامه، والحبيبة تنتظر، والطائفيون حسموا الأمر برفضهم لفراس بجرة قلم، على أنه "كربلائي عجمي"، وهم سادة وأسياد، لا يليق بعجمي أن يُصاهر أسياده!!.

ولا أخبركم عن تفاصيل معاناة فراس، ولا زالت، وإن تزوج بمن حلم أهله بتزويجها له، وهي نعم المرأة، التي أنجبت له فلذات المحبة الغريزية، ولكنه كان ولا زال يعيش أمل اللقاء والرؤية لها هي عشقه الأبدي "السرمدي".  

علي المرهج

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.    

لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ السَماويَ يحيى الَّذِي كتبَ ذات يوم : " أنا أرى فِي كُلِّ طفلٍ أمسي ... وأرى فِي كُلِّ عكازٍ أو كرسيّ متحرك غدي "، فضلاً عَنْ قولِه ذات منفى : " سيبقى الشعر طالما بقي حزنٌ وَعشق وَصبابة وَفرح ... به نوقظ الربابة مِنْ سباتِها ... وبه تناغي الأم طفلها حين تهزهزه فِي المهد .. وَمِنْ حريرِه ننسجُ منديلاً نمسح بِه دموع الروح "، دفعَ ضريبة دخوله المبكر معترك السياسة تعرضه للكثيرِ مِن المضايقات، بالإضافةِ إلى مَا لحق بِه مِنْ مخاطر، لعلَّ فِي القلبِ مِنْها مَا أفضى إلى التسببِ فِي وقوعِه بمآزقٍ يصعب عَلَى إنسان - فِي ريعانِ شبابه - التخلص مِنها، فأصبحتْ محاولة الرجوع إليها أشبه مَا تكون بحجرٍ ثقيل يأبى إلا أنْ يجعله يغوص فِي وديانِ ذاكرةٍ عميقة, حيث تحمل السَماوي مِن العذابِ مَا يكفي بحسبِه لإصابةِ حمار سليم البنية بالشللِ مِن دُون أنْ يصرخ، فَقد مارس فِي صدرِ شبابه مهنة التدريس وَعمل بمجالِ الصحافة بعد تخرجه فِي عامِ 1974م مِنْ قسمِ اللغة العربية بكليةِ الآداب فِي الجامعةِ المستنصرية، إلا أَنَّه كان طوال تلك السنوات العجاف عرضة للاعتقالِ وَالمطاردة بسببِ كتاباته وَمواقفه السياسية المناهضة للنظامِ الشمولي، وَالَّذِي كان مِنْ بَيْنَ إجراءاته إصدار قرارٍ مثير للاشمئزازِ يتضمن نقل خدماته الوظيفية مِنْ حقلِ " التدريس " إلى " بَلَديَّةِ السَماوة " بعد افتضاح مصيدة مَا كان يشار إليه باسْمِ " الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ". وَلأَنَّ الحديثَ شجون كما تقول العرب، يشيرُ السَماويَ إلى بعضِ الجزئيات عَنْ محنةِ شعبنا فِي تلك الأيام المليئة بالحزنِ وَالأسى قائلاً : " نحن - ويعني أهل العراق - نعدو خلف قطار الفرح، ولا أدري متى نلحق به فنركبه متجهين نحو الغد الجميل ... قد لا يعرف الكثيرون أنَّ العراق في زمن - القائد الضرورة - كان أول بلد عربي استخدم الكومبيوتر... لكنه استخدمه فِي أجهزةِ أمنه وَمخابراته وَاستخباراته... أقسم أننا عثرنا خلال الانتفاضة الشعبية - الشعبانية - على وثائقٍ تفيد بوجود جلادين مهمتهم الإغتصاب ".

***

لا فَرْقَ بين الموتِ والميلادْ

ما دام أَنَّ الناسَ في مدينتي

مزرعةٌ

يقطف من رؤوسها الجلاّدْ

وباسم صولجانِهِ

تُؤَبَّنُ البلادْ

لا فَرْقَ بين الموتِ والميلادْ

وها أنا

يومٌ يتيمُ الغَدِ

في حقيبتي وَهْمٌ

وفي ربابتي صمتٌ..

فما الإنشادْ

إنْ جَفَّ ماءُ «الضادِ» في حنجرتي

وحاصرتني شَهْقَةُ العويلْ؟

الليلُ في قلبي

فماذا ينفعُ القنديلْ؟

***

لا رَيْبَ أَنَّ السَماويَ يحيى أصبح بقوةِ شاعريته مثار إعجاب الأوَساط الثقافية وَالشعبية، فعَلَى سبيلِ المثال لا الحصر أشارت الأديبة العراقية الدكتورة ناهدة التميمي إلى تجربتِه فِي عالمِ القريض بالقول : " يحيى السماوي .. أيها البحار الجريء المبحر بنا إلى شواطئ الخيال وعوالم التهدجات الروحية بحثاً عن مغامرة في مغارات الجن الشعرية ". وَعَلَى الرغمِ مِنْ ذلك، فأَنَّه مَا يَزال يسبح - محدّقاً بثيابِ الحقيقة - فِي نهرِ الوجع العراقي مِنْ أجلِ المُسَاهَمَةِ فِي إعاقةِ محاولة سرقة تاريخ مرحلةٍ تاريخية حالكة السواد كان فِيها الشعب يتلوى تحت سوط جلاد واحد فِي ظلِ النظام الدكتاتوري الَّذِي تمّ ردم مستنقعه فِي عامِ 2003م، فضلاً عَنْ توثيقِه بأسلوبٍ شعري شفافَ لِمَا عاناه شعبنا مِنْ إذلالِ الاحتلال وَجرائمه المروعة، وَمَا تعرضت له بلادنا بسببِ سياسات المحتل مِنْ تدميرٍ منظم لبناها التحتية، وَالَّذِي أدى إلى تعطيلِ حركة الحياة، إلى جانبِ التداعيات المترتبة عَلَى تنافسِ أغلبية مكونات الطبقة السياسية فِي ممارسةِ أسلوبِ النفاق السياسي خلال هَذِه المرحلة العصيبة مِنْ تأريخ العراق المعاصر. وَتحضرني هُنَا كلمات أحد أشهر الكُتاب وَالمؤلفين حول العالم الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي (1821 – 1881 ) الَّتِي يقول فِيها : " اطمئنوا .. الجحيم يتسع للجميع، فالأمر لا يستحق كل هذه المنافسة الشرسة على من سيكون الأسوأ فيكم ".

على ما يذكرُ الآباءْ

إنَّ الارضَ كانت غير ضَيِّقَةٍ

وكان الماءُ أعذبَ

والرغيفُ أَلَذَّ

والأعشابْ

أكثرَ خضرةً...

حتى فاتناتُ الأمسِ

كُنَّ أَرَقَّ...

والخيلُ القديمةُ

لم تكن تُرْخي اللجامَ لغيرِ فارسِها...

ولا كان الجبانُ يصولُ في الميدانِ...

والأغرابْ

لا يتَحَكَّمونَ بقوتِ ذي سَغَبٍ

وَنَبْضِ رقابْ..

وَيَقْنَعُ بالقليلِ من القطيعِ الذئبُ

لا كذئابِ هذا العصرِ...

أذكرُ أنَّ أُمي حَدَّثَتْني عن بيوتٍ

دونما أبوابْ

وتقسمُ أَنَّ جاراً

قد أضاعَ شُوَيْهَةً يوماً

فَعادَتْ بعد عامٍ خَلْفَها حَمَلٌ

يقودهما فتىً سألَ المدينةَ كلَّها

عَمَّنْ أضاعَ شُوَيْهَةً يوماً...

على ما يذكر الآباءْ

كان الناسُ

لا يَتَلَفَّتون إذا مشوا في السوقِ

أو خرجوا من المحرابْ

وكان " الخيش " و " الجنفاصُ "

أَنْعَمَ من حريرِ اليومِ

***

على ما سوفَ يذكر بعدنا الأبناءْ

إنَّ الأرضَ

أضيقُ من حبال الشنقِ في بغدادَ

والماءَ الفراتَ له

مذاق الصّابْ..

وانَّ الجارَ يخشى جارَهُ

وتخافُ من أجفانها الأهدابْ

***

يمكن القول إنَّ مِنْ بَيْنَ البراهين البينة عَلَى مصداقِ قولنا المذكور آنفاً، هو سعي السَماوي جاهداً توظيف إبداعه الأدبي بِمَا تباين مِنْ أجناسِه فِي تسجيلِ مَا عاشه حقيقة؛ خوفاً عَلى ذلك التأريخِ مِن التشويه فِي زمنٍ رسخت فِيه " العولمة " آليات قرصنة الاحلام وَالحقيقة. وَفِي هَذَا السياق يشير السَماوي إلى هَذَا المنحى بالقول : " قد لا أوفق فِي تدوينِ شهادتي، لكني صادق فِيها وربي ". وَتأكيداً لمَا حل بشعبِنا مِنْ مأساةٍ إنسانيَّة مروعة أيام النظام الشمولي، فضلاً عَنْ معاناتِه الأحزان لسنواتٍ عجاف بسببِ هولِ مَا سُفك مِن الدماءِ البريئة، وَلأَنَّ الثَّقَافَةَ فِي مثلِ هَذِه الظروف تُعَدّ أحدى أبرز السُّبُل المتاحة لتأكيدِ الإنْسَان آدميته، فقد حاول السَماوي قدر استطاعته ذكر اليسير مِمَا عايشه أو كان شاهداً عَلَيه فِي تلك المرحلة العصيبة مِنْ تأريخِ العراق، وَالَّتِي لا ينبغي أنْ تضيعَ مِنْ ملفاتِ الذَاكرة الوَطَنيّة فِي ظلِ مَا ظهر مِنْ محاولاتٍ جادة لشطبِ جزء مِنْ تأريخِ بلادنا قصد تجميل صور الطغاة بتزويرِ موروث معاناة شعبنا، فالسَماوي يحيى - الَّذِي يشير إليه الشاعر العراقي كاظم غيلان بوصفِه، " شاعر استثنائي حقاً لأنه مسكون بحبه المطلق للإنسان والجمال " يقسم أَنَّ " الحقائقَ أكثر بشاعة مِمَا ذكره وَما سيذكره فِي قادمِ الزمن "، فالواقع كما يعلم مَنْ عاصرَ تلك الأيام المريرة يشير إلى أَنَّ ثَمّةَ أحداث مر بِها العراق لا يمكن تصديقها بسببِ منافاتها لأبسطِ القيم الإنسانيَّة، وَالَّتِي قد تصح فِيها إشارة المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون (1737 – 1794) إلى التأريخِ بوصفِه " أكثر من سجل للجرائم والحماقات ومصائب البشرية "، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الوقائع مَا ذكره السَماوي ذات مرة بالقول : " إذا كنت سأنسى، فلن أنسى ذلك الموقف الصعب عندما اضطر بعض الجنود أن يجمعوا جثامين رفاقهم ويضعوا عليها كميات من الترابِ والطين لتكون بمثابةِ ساتر لهم يقيهم الرصاص والشظايا في معارك الفاو ".

***

تَوَسَّدَ الوِجاقْ

رمادَهُ...

توسَّدَ العراقْ

مِخَدَّةَ السبيِ

فَشاصَ الخبزُ في التنورِ

والضياءُ في الأحداقْ

***

ما عادتِ الأقمارُ تُغري

مَقَلَ السُهادْ

متُّ غريباً

قبلَ أَنْ أعيشَ يا بغدادْ

***

كلَّ صباحٍ

أبدأُ الرِحْلَةَ في مدينةِ الأشباحْ

تقودني حافلةُ النهارِ نحو الليلِ..

أحياناً يقودني رنيمُ الليلِ

نحو شرفةِ الصباحْ

منطفئَ العينينِ

أو

مَهَشَّمَ المصباحْ

***

مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ مَا اكتنزته تجربةِ السَماوي الأدبية مِنْ نّبشٍ فِي ذّاكرةِ سنوات الحرب وَغيرها مِنْ فواجعِ عبثية سياسات النظام الدكتاتوري، ليس القصد مِنها عَلَى مَا يَبْدُو إضفاء جو مِن الحنين إلى ماضٍ تولى، إنمَا لَهذا المنحى ما يبرره وَمَا يسوغه، فَكما يشير القولِ المأثور إلى أَّن :" الأمة التي تحفظ تاريخها تحفظ ذاتها "، يثابرُ السَماوي جاهداً فِي محاولةِ إضاءةِ ندبٍ تقتضي الحقيقة بقاءها محفورة فيِ ذاكرةِ التأريخ الإنْسَانيّ مِنْ أجلِ أنْ تَرويّ للأجيالِ بشاعة جرائم النظام الشمولي الَّتِي ارتكبت بحق أبناء الشعب العراقي عَلَى مرأى ومسمع مَا يشار إليه باسْمِ " الْمُجْتَمَع الدَوْليّ "، وَيمكن الجزم بأنَّ أكثرَ مَا يؤكد صحة مَا ذهبنا إليه مِنْ رُّؤية، هو ردود أفعال الأدباء وَالنقاد وَالقراء حيال نتاج السَماوي الشعري وَالأدبي، وَالَّذِي لَمْ يقتصر عِلَى اهتمامِ المتلقي مِنْ أبناءِ وطنه، بل تعداه إلى الكثيرِ مِنْ القراءِ وَالمتابعين فِي مختلفِ أرجاء المعمورة بفضلِ جمال شاعريته وَتعبير قصائده الشعرية عَنْ همومِ الإنْسَان، بالإضافةِ إلى مُسَاهَمَةِ مَا تحمله الْمُجْتَمَعات البَشَريَّة مِنْ مشتركاتٍ إنْسَانية فِي هَذَا المنحى، وَالَّتِي رُبَّما يصح فِيهَا قول الروائي الراحل نجيب محفوظ " لا شيء يقرب بين الناس مثل العذاب المشترك ".

  

أوصِدْ نوافذك الجريحةَ

لن يُطِـلَّ الهدهدُ الموعودُ

حتى يستعيدَ عفافـَهُ طينٌ ووَردُ

ويعودَ للأربابِ رُشـدُ

للأرض قصّـتها القديمةُ :

كان يا ما كانَ

في الزمن الذي لم يأتِ بعدُ

وطنٌ

تخاذل فيه جندُ

فإذا الرغيف الذلُّ

والماعونُ جرحٌ

والهوى سوطٌ وقيدُ

فلتدّخِـرْ آهاتكَ

الشطآنُ سوف تضيقُ

والأنهارُ تعطشُ

تستحي من ظلها الأشجارُ

سوف يجفُّ ضرعُ الأرضِ

والتنورُ يغدو

إرثاً فراتيّـاً..

إذن ؟

أينَ المفرُّ من القصيدة

والقصيدةُ تهمةٌ إنْ لم تـُهادن

سارقي قوت الجياعِ

ولم تـُمَسِّـدْ لحيةَ السـيّافِ

فادخل كوخ جرحِكَ واغلقِ الأبوابَ

فالناطورُ وغْـدُ

كذبتْ غـيومُ الفاتحين

وكاذبُ برقٌ ورعـدُ

لا يخفى عَلَى كُلِّ متابعٍ أَنَّ السَماويَ شاعرٌ ملتزم، فقضايا الإنْسَان وَهمومه تشكل الينبوع الرئيس الَّذِي تتفجر مِنه شاعريته وَيطوّف خياله فِي أرجائِها، حيث يَعَدّ القصيدة بوصفِها التزاماً وطنياً وَإنْسَانيّا وأخلاقيا؛ لذلك مَا يَزال مثابراً عَلَى تعزيزِ رسالته السامية فِي الحياة، وَالَّتِي ترتكز أبرز مقوماتها عَلَى رفضِ الاستبداد، وَالدفاعِ عَنْ المقهورين وَالمعذبين وَالمهمشين، بالإضافةِ إلَى تمسكِه بالدعوة للتشبثِ بخشبةِ الأمل فِي بحرِ الهموم الَّذِي قادنا نحوه ربابنة الصدفة والقراصنة الجدد، حيث أَنَّهم يريدون لنا أنْ نيأس فنستكين لهم؛ لذا لا بد مِنْ محاربتهم بالأمل. وَيمكن الجزم بأنَّ السَماوي أينما ذهب، وكيفما كان الطقس، يحرص دائماً عَلَى أنْ يصطحبَ معه ضوء الشمس الخاص بِه كما ينص قول مأثور لا يحضرني الآن اسْم قائله. وَمِنْ هُنَا فإننَا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا أطرقنا السمعَ إلى السَماوي وهو يتحدث عَنْ فهمِه لمعنى الشعر بالقول : " إنَّ الشعرَ بالنسبة لي هو الماء الذي أطفئ به حرائق الغربة، والعصا التي أنشّ بها ذئاب الوحشة عن خراف طمأنينتي مثلما هو النافذة التي أطلّ منها على جنتي وجحيمي العراق ... وقد يغدو المنديل الذي أخبّئ فيه دمع الرجولة الخشن، لذا ألوذ بحرير أحلامه هرباً من صخور اليقظة ".

***

هَرِمَتْ قـناديلي وشاخَتْ جبهتـي

لــكــنَّ قـلـبي مــا يَــزالُ فَـتِــِيّــا

لا زلـتُ أذكرُ سَـكرةً صوفـيَّـــةً

أَلْـفَـيْـتُـني بـرحـيقِهــــا مَغْـشِــيّـا

فَـتَـوَضّأتْ روحي وَيَمَّمَ نبضَـــهُ

قـلبي وفاض الذِكـــرُ من شَـفَـتيّا

صلَّيتُ لـلـهِ الـوجـوبَ ولم أكـنْ

من قبلِ حبكِ نـاسِـكاً صُـوفـيّـا

مَحَضَتْكِ رِقَّـتها الورودُ وأوْدَعَتْ

شـفـتيكِ سِـرَّ الـياسـمـيـن شَــذِيّــا

حَضَرِيَّةُ الديباجِ لكنْ في الـهوى

بَـدَوِيَّـةُ الأشــواقِ تــأْنَـفُ غَـيّــا

والـلـهِ عـشـتُ الفاجعاتِ جميعَها

وَخَـبَـرْتُ منها شاخِصاً وَقَصِيّــا

لـــكــنَّ أَثْـقَـلَها عـلـــيَّ : شماتَـةٌ

مِـمَّـنْ تَـخَـيَّـرَهُ الــفـؤادُ صَـفِـيّــا

لا تنفِـني من حقـلِ قـلبِكِ .. إنني

عـشـتُ الحـياةَ مُـشَـــرَّداً مَـنْـفِـيّا

أُوصِيكِ بيْ شَـرّاً إذا خنتُ الهوى

وَنَـكَـثْـتُ عَـهــدَ مَحـبَّـةٍ عُــذْرِيّـا

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ السَماوي يحيى يعتقد أَنَّ بمقدورَ القصيدة ترميم جزء مِنْ هَذَا الخراب الَّذِي حوّل العراق الى مكبِّ نفاياتٍ بَشَريَّة ظلامية إجرامية، وَأرخبيل دويلات هشة أفرزها مستنقع المحاصصة الَّذِي حفره المحتل الأمريكي. وَلعلَّ مِنْ جملةِ مَا دلنا عَلَى هَذَا اليقين الأديب والمترجم السوري عبد اللطيف الأرناؤوط فِي دراسته الموسومة " الرؤية الوطنية في ديوان البكاء عَلَى كتفِ الوطن "، وَالَّتِي يؤكد فِيها رؤيته بالقول : " محنة الوطن هي محنة الشاعر يحيى السماوي، وهي من أكبر الأحداث التي هزّت الضمير الإنساني، فلا غرابة أن ينذر الشاعر قلمه لتصوير وقعها في نفسه، فقد غادر السماوي وطنه العراق هربا من الظلم والاستبداد الديكتاتوري على أمل العودة إليه في ظل نظام يغدو فيه العراق وطنا للجميع يخلو من القهر والاضطهاد، لكن أمله خاب حين بدت له مأساة الاحتلال لا تقلّ فداحة عن الحكم الاستبدادي، فآثر البقاء في منفاه يمزقه الألم، وقد تخلى العالم كله عن وطن وشعب كان عبر تأريخه منهلا للحضارة ومنبعاً للعطاء الإنساني ". وَقد وصل الأرناؤوط إلى استنتاجاتٍ أجملها فِي قولِه : " وهكذا يبرز صوت الشاعر يحيى السماوي شاعراً مقاوماً للديكتاتورية مثلما هو مقاوم للإرهاب والاحتلال والظلاميين وأصحاب الحوانيت السياسية وسارقي قوت الجياع... فهو مع المظلومين في حربهم العادلة ضد الظلم، مع المهمشين والمسحوقين ضد ذوي القفازات الحريرية، ومع أراجيح الأطفال ضد دبابات الاحتلال... إنه مع العراق الواحد الموحد ضد كل ما من شأنه تفتيته وتشظيته ".

لي وطنانْ

الأولُ يمتدُ كحبلِ السُرَّةِ

يربط بين نخيلِ البصرةِ

وبساتينِ التينِ بكردستانْ

ينضحُ عشباً . . وحبوراً . . وأمانْ

الثاني من ورقٍ

أغرسُ فيه زهورَ العشقِ

فتنبتُ شعراً ومناديلَ حريرٍ

وأنا ما بينهما طيرُ أغانْ

لكنْ

في آخر تكبيرةِ فجرٍ من شعبانْ

من عام الفيلِ القوميِّ احترقا

فاذا الوّطنُ الأولُ قّفْرٌ

والثاني عصفٌ . . ودخانْ !

لي قبرانْ

الأولُ في قلبي

حيث دَفَنْتُ بلاداً

كانت يوماً ضاحكةَ الشطانْ

الثاني جسدٌ لا يعرف

أين تقيم الروحُ الآنْ

وأنا ما بينهما تابوتٌ يتمشى . .

صرخةُ صمتٍ تطلقها في كهفِ المنفى

حنجرةُ النسيانْ

مِنْ المعلومِ أنَّ السَماويَ يجهر فِي اعتبارِ وَطنه عشقاً سرمدياً، فقد كتب الكثير عَنه غزلاً بمرابعِه، وَفخراً بِعظمةِ مآثره وَحزناً مشوباً بالبكاءِ عَلَى فجيعته. وَحوّل هَذَا المعنى يشير رئيس مؤسسة المثقف الأديب العراقي وَالباحث في الفكرِ الديني ماجد الغرباوي إلى ذلك قائلاً : " اللافت في موقف الشاعر يحيى السماوي أنه توحد بالوطن وتلبس به حتى أنه أصبح يرى في خلاص وطنه خلاصه الشخصي ". وَلأَنَّ العراق بالنسبةِ للسماويّ كنفحاتِ عطرٍ فِي روحه، يسجل الدكتور باسم خيري خضير فِي مقدمةِ كتابه الموسوم " التماسكُ النصيُّ في شعر يحيى السماوي " مَا نَصه : " السماوي شاعر ينعم بوطنه، أجبر على مغادرته، فحمل وطنه معه في وجدانه، لم يتحمل فراق وطنه، فكان تميمته التي لا تغادره، كان وطنه حبيبته التي يسعى للفوز بدفء فراشها، كان وطنه أمه التي لم يمل قبلاتها على جبينه، كان وطنه شقوق أرجل والده الذي أعياه طول الزمان ". ولعلَّ مَا أثارَ استغرابي وَأنا أعيد قراءة نص الدكتور خضير المذكور آنفاً لِمَا يزيد عَلَى خمسِ مرات، خلوه مِنْ الإشارةِ إلى سماءِ السَماوي التاسعة. وَعَنْ قوةِ آصرة ارتباط السَماوي بوطنِه وَهاجسه المشدود إلى ترابِه، فضلاً عَنْ جمالياتِ قصائده وَقوة شاعريته، يشير الأستاذ الدكتور صدام فهد الأسدي إلى الشاعرِ السَماوي بالقول : " يتماهى حباً وتضحية في فداء وطنه على البعد بتجربة مميزة، واقول بحق أن السماوي يحيى خليفة الفرزدق قديماً، والجواهري حديثاً بعيداً عن الألقاب ". وَفِي إشارة أخرى يقول الأسدي : " لا يقف احتراماً للنبلاء إلا النبلاء الشرفاء.. ولا يغوص حتى الأعماق السحيقة إلا المهرة الذين يتقنون فهم الأرواح بطريقةٍ فريدة ". كذلك أشارت الشاعرة وَالناقدة السعودية الدكتورة فاطمة القرني إلى منجزِ السَماوي يحيى الشعريّ بالقول : " لا عجب في أن تتداخل هاتان الكينونتان إلى حد التماهي في تجربة استثنائية، التشظي بعمق ومرارة التجربة العراقية".

سـأقـيـمُ ـ مـن تـلـقـاءِ حـزنـي ـ مـهـرجـانـاً لـلـفَـرَحْ

أدعـو إلـيـهِ أحـبّـتـي : الأنـهـارَ والأشـجـارَ والأطـيـارَ والأطـفـالَ والـعـشـاقَ

والـعـيـدَ الـمـؤجَّـلَ فـي تـقـاويـمـي وأقـواسَ الـقُـزَحْ

أتـلـو بـهِ نـدَمـي عـلـى أخـمـارِ مُـغـتـبَـقـي وكـأسِ الـمُـصْـطـبَـحُ

لأنـامَ مـقـرورَ الـرَّبـابـةِ والـمُـدامـةِ والـقَـدَحْ

***

هـا أنـا وحـديَ فـي الـقـاعِ

نـديـمـايَ : الأسـى والـلا أحـدْ

لـم تَــعُــدْ تُـجـدي لإخـراجـي مـن الـبـئـرِ حِـبـالٌ مـن مَـسَـدْ

أيـهـا الـرافـعُ سَـــقــفَ الـكـونِ مـن دون عَـمَـدْ :

أطـبَـقَ الـحـزنُ عـلـيـنـا

فـارفـعِ الـغـمَّـةَ عـن هـذا الـبـلـدْ

ســاسـةُ الـصُّـدفـةِ مـا أبـقـوا لـنـا مـن خـيـمـةِ الـيُـسـرِ وَتَـدْ

كـلُّ بـحـرٍ ولـهُ جَـزرٌ ومَـدٌّ ..

وحـدُهْ بـحـرُ عـراقِ الـيـومِ فـي مـأسـاتِـهِ : مَـدٌّ ومَـدْ !

فـأغِـثـنـا أيـهـا الـفـردُ الـصَّـمَـدْ !

***

مِنْ بَيْنَ مَا قرأته عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر فِي صفحاتِ أحد المواقع الإلكترونية مَا ذكرته الشاعرة وَالأديبة الفلسطينية شادية حامد - الَّتِي جبلت عَلَى معاناةِ الاحتلال وَبقيت وفية للمقاومة - قائلة : " أستاذي أبا الشيماء مذكراتك لوح مقدس يجمل همومنا لأننا مررنا من خلاله إلى ذلك الأسى الكبير في احتراق وأتون لا ينتهي من الوجع ". وقولها أيضاً : " السماوي ..حد السماء.. كيف لي أن لا أدمن سطورك...وأن لا أجوب الصفحات بحثاً عن نورك....وأنت تصنع هذا المجد من الألم والقهر...وتعزف على أوتار أرواحنا بأناملِ الألق.. لتدوّي ترانيم القلوب الشجية بفسحاتِ معابد الارواح... ...فالإبداع الساحر ليس إلا ... وليد الألم ". وَحين نُمعن النظر فِي هَذِه الرُّؤية، فلا غرابة فِي أنْ نجدَ مَا بَيْنَ صفوف الأدباء وَالباحثين وَالنقاد الكثير مِمَنْ أماطوا اللثام عَنْ اِستراتيجيةِ الخطاب الشعري عند السَماوي مِنْ خلالِ تسليط الضوء عَلَى العواملِ المؤثرة فِي شعرِه وَمَا عنيَ بجزالةِ لفظ قصائده، بالإضافةِ إلَى مَا تحمله مِنْ صورةٍ فنية وَأفق جمالي. وَلعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الفعاليات الرصينة، مَا ذكرته الأديبة والكاتبة السعودية بلقيس الملحم بقولِها : " لآنه شاعر استثنائي ولا يكرر نفسه، صرت قريبة من الظن بأن دراسة شعره لم تعد من الفروض الكفائية ليسقط عن الباقين في حال قيام البعض بها!!... أنا أستحث نفسي لتأكل من - رغيف السماوي- والذي أصبح ميزة تتميز به نصوصه الرائعة ". وَفِي مطلعِ عام 2009م كتب الشاعر السوري فاروق طوزو مَا نصه : " هذه القامة الشعرية الكبيرة التي تدل على عدم فراغ الساحة رغم احساسنا بذلك في قليل من الأحيان. وهي دلالة على عدم درايتنا الكاملة بكل القامات العالية في حقول الشعر العربي، فحين قرأت للشاعر الكبير يحيى السماوي وكنت سابقاً سمعت باسمه العالي، لمتُ نفسي كثيراً لأنني لم أقرأ له ثم علمت كم هي مليئة ساحة الشعر بقامة تبعث الغيم والربيع والرياحين... يحيى السماوي فجر وربيع، وجمال صونٌ للشعر، وأجمل الكلام دوام للذة الحرف سلام وثقافة ونضال وتاريخ محبة ".

* *

بَيْنَكِ والنَّخِيلْ..

قَرَابَةٌ..

كِلاَكُمَا يَنَامُ في ذَاكِرَةِ العُشْبِ..

وَيَسْتَيْقِظُ تَحْتَ شُرْفَةِ العَوِيلْ.

كِلاَكُمَا أَثْكَلَهُ الطُّغَاةُ والغُزَاةُ..

بِالحَفِيفِ والهَدِيلْ.

وَهَا أَنَا بَيْنَكُمَا..

صُبْحٌ بِلاَ شَمْسٍ..

وَلَيْلٌ مَيِّتُ النُّجُومِ والقِنْديلْ.

* * *

لاَ تَعْجَبِي إِنْ هَرَمَتْ نَخْلَةُ عُمْرِي..

قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِئَ المِيلاَدْ.

لاَ تَعْجَبِي..

فَالجَذْرُ في " بَغْدَادْ

".

يَرْضَعُ وَحْلَ الرُّعْبِ..

وَالغُصُونُ في " أَدِلاَدْ ".

وَهَا أَنَا بَيْنَكُمَا..

شِرَاعُ سِنْدِبَادْ.

يُبْحِرُ بَيْنَ المَوْتِ والمِيلاَدْ ".

فِي دراسةٍ نقدية أدبية لغوية عَنْ خصائصِ تجربة السَماوي يحيى الشعرية للناقدِ وَالشاعر العراقي جعفر كمال المغترب فِي المملكة المتحدة، وجدت جعفرا يكشف برؤيةٍ تحليلية براعة الشاعر السَماوي وقدرته عَلَى تلمسِ أعماق المتلقي، حيث يشير فِي ورقتِه إلى مَا نصه : " أَنَّ السماويَ شاعر رفد الأدب العربي بميزة شعرية مختلفة في قيمتها وخاصيتها الفنية، تكمن في طريقة تناولها الموضوع، وتوظيفه، وتنميته، ورفد النص بالمهارات البيانية واللغوية، المختصرة في حدودية صياغة معانيها وحضورها، المستمد من تربة خصبة، امتاز بها الأدب العراقي بقدمه الشمولي، سواء أكان في داخل الوطن، أم مع أولئك الأدباء الذين عاشوا في المنفى، وطرقوا أبواب التجديد، والمغايرة، متجاوزين الأسلوب التقليدي العقلاني، باتجاه تحسين أدوات صاخبة، وصيغ مثيرة تستفز القارئ، وتحثه على ما يغضبه ويرضيه، عبر تحديد الملتبس في الحكمة الشعرية المملة، وتوضيح الغامض في المبنى اللغوي القاموسي المعقد، وبسط لغة سلسة القرار، سهلة الجواب، مفتوحة التجليات بمحاسنها الإيقاعية والتصويرية ". وَيصيغ جعفر خاتمة بحثه بخلاصةٍ مفادها ما يأتي : " أن يجهد الشاعر نفسه في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بمبنى النص فهذه محصلة إبداعية وجدتها عند الشاعر يحيى السماوي، فخير الشعر جزالته، وحبكة إيماءاته، وكونه مشتملاً على معناه ".

لـو تـنـفـعُ الأعـمـى شــمـوعٌ

لاتَّـخـذتُ أضـالـعـي فـي كـهـفِ مـنـدمـتـي شــمـوعـا

هَـبْـكَ اســتَـطَـعـتَ غـداً تُـعـيـدُ الـمـاءَ لـلـغـزلانِ

والـغـزلانَ لـلـمـرعـى

ولـلـمـرعـى الـرَّبـيـعــا

وَهَـبِ الـمـآذن سـوف تُـرجِـعُ لـلـمـحـاريـبِ الـخـشـوعـا

فـمـن الـذي ســيُـعـيـدُ آهـاتـي الـى صـدري

ولـلـمُـقـلِ الـدمـوعـا ؟

***

فِي دراسته النقدية الموسومة " فضاءات تشكيلية وإيقاعات دلالية بشعر يحيى السماوي " يشير الباحث والناقد صباح محسن كاظم إلى أنّ " ثمة انحياز نحو الصورة الشعرية لدى الشاعر يحيى السماوي بمعظم دواوينه المُحتشدة بالصور التي تتسم بالبهاء التكوينيّ كلوحات تشكيلية مزخرفة بالألوان المنسجمة، بكثافة بصرية، وبؤر مركزية لفيكرات بفضاء لوحاته التشكيليّة الشعريّة الباذخة بالغزل وصوفية مترفعه برهافة الإحساس، والقدرة على التخييل الصوريّ. والصياغة الشعريّة لديه تتماهى فيها مفردات الطبيعة الخلابة مع مدركات ومواقف الشاعر لتشدو بها ثنايا الروح وخلجات البوح، فضلاً عن موسيقى وانزياح مقاصد الدلالات نحو بوصلة حب الوطن، رفض الاستبداد والتفرد، المكر السياسيّ وإدانة الاحتلال... مفارقات لاذعة وأسواط يرفعها بوجه الطغاة. كما يوظف الصفات اللسانية الصوتية والإيقاعية بتحليقه الصوفيّ، وبعوالم الجمال المُتناغم مع المخيال المُتدفق بالصور الشعريّة الباذخة بالعشق، ومُناصرة المرأة، والتي تكاد تؤطر نسق البناء الشعريّ لدى "السماوي".

تـشـكـو الـضـيـاعَ وتـشـتـكـي غـدْرَ الـدروبِ بـمـقـلـتـيـكَ ؟

كـذِبـتَ .. بـلْ غَـدَرتْ بدربـِكَ مُـقـلـتـاكْ

الـذنـبُ ذنـبُـكَ لا سِــواكْ

أفـمـا رأيـتَ الـبـحـرَ مـصـلـوبـاً بـلا مـاءٍ

فـمَـا أغـواكَ فـي رمـي الـشِـبـاكْ

أمـلاً بـصَـيْـدٍ لا تـراهُ ولا يـراكْ ؟

مـا دامَ أنَّ الـعـصـرَ شــيـطـانٌ

وأنـتَ رضـيـتَ أنْ تـبـقـى مَـلاكْ :

فـاقـنـعْ بـمـا جـلـبَـتْ يـداكْ

أطـلِـقْ سـراحَ يـقـيـنِ يـومِـكَ مـن قـيـودِ ظـنـونِ أمـسِـكَ

واتَّـخِـذْ مـن ضِـلـعِـكَ الـعُـكّـازَ لـو تَـِعـبَـتْ خـطـاكْ

إنْ كـنـتَ تـعـتـزمُ الـوصـولَ الـى مـنـاكْ

***

لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى منتخباتٍ مِنْ آراءِ قراء شعر السَماوي وَمتابعيه، حيث تقول سيدة فاضلة : " الشاعر النبيل يحيى السماوي، قرأناكَ وطناً تحملُ وطناً منذ أن كنا صغاراً. وما زلتُ أقرأ لك، ومازالت دهشتي تكبر معي كل مرة.. أنتَ شاعرٌ احترقت بالوجع حتى بات يحترقُ بكَ ليتنشق عبير الصدق الذي تحمله أحرفك.. حفظك الله حيث كنت، وأسبغ عليكَ نعمه ظاهرةً وباطنة ". وَمداخلة أخرى لسيدةٍ فاضلة تقول فِيها : " مَا اروعك يا فارس الكلمة والحرف وانت تصف من تحب بأروع الصفات الجامعة المانعة متبتلا في محرابها فكأنك تغرف من بحر، بل انت البحر اذا زخر والسحاب اذا أنهل بالمطر، سلم يراعك ودمت أميراً للحرف والكلمة ". وتشارك سيدة أخرى بتعليقٍ قالت فِيه : " سيدي السماوي الكبير لا أعاد الله تللك الايام الرهيبة اتذكر وانا طفلة دعوات امي وشتائم والدي حينما يجلس قبالة التلفاز .. ايام موجعة محملة بالخوف والاسى صدقني ما زلت للحظة استذكرها فيعتريني الخوف , كنا اطفالا ويا لطفولتنا البائسة .. رغم البؤس فمازال فينا أمل للغد انشاء الله اجمل ".

***

أمسِ فجراً

أطبق السهدُ جفوني..

فرأيتُ الوردَ – أو شبه ليْ -

ينسجُ ثوبين من العطرِ..

وعصفوراً عجيباً

ريشُهُ يقطرُ نوراً

كالذي يقطرهُ في الليلِ

جفنُ الأنجمِ

ورأيتُ الشمس في هيئة غصنٍ

يتدلى منه عنقود من الياقوت ..

والياقوت يا معصومة النهدين قانٍ

لونه لون دمي

ورأيت النهر - أو شبه لي- يغسلُ

ساقيك..

ونهديك..

ويلتفت على الخصر

التفات البرعم

***

ذات فجر وقد بدأ القمر فِي آخرِ نقطةِ اغترابٍ مِن العالمِ بالتلاشي، كان ربان القريض الَّذِي لَمْ تثنِه عواصف وَلا رياح عَنْ السعي لبلوغِ شاطئ الأمان يتثاءب ثم تنطبق الأجفان انعكاساً لليلةِ أرق طويلة، فتح درج مكتبه وَاستل قلماً ليكتب إلى أحدِ طلبته بعد عقود مِنْ مفارقته : " إذا كان صحيحاً أنني كنت مدرّساً لك ذات زمن، فإنَّ الصحيح أيضاً أنني تعلمت منك فكنت مدرّسي ... تعلمت منك وَمِنْ مثلائك الطلاب النجباء كيف تغدو حبة القمح سنبلة، وكيف تغدو السنبلة بيدرا "، فازددت إعجاباً بشخصيةِ السَماوي يحيى واحتراماً له.

 

لطيف عبد سالم  

 

 

مجدي ابراهيمتمرُّ علينا ذكرى وفاته السادسة فنذكره، مع إنّا لم ننساه، فنذكر المُفكر الذي عاش فكره غير مفصول عن واقعات الحياة. فيلسوف من طراز من الناس ممتاز، تتقدَّم لديه القيم الإنسانية فيوليها كل اعتبار، رعاية وعناية وموالاة، لا يعزل فكره عن إنسانيته، ولا الإنسان فيه بمعزل عن فريضة التفكير. جانبان في حياته هما أهم وأجدر بالحديث عن سواهما، وإنْ كانا هما كل حياته العامة والخاصّة: الإنسانية والتفكير. عاطف العراقي المفكر الإنسان، أستاذ الفلسفة (المولود في مركز شربين - دقهليّة في الخامس عشر من نوفمبر 1935م، والراحل عن عالمنا في يوم الأربعاء الموافق 29/2/2012م عن عمر يناهز 77 عاماً)، رجلٌ هذّبته المعارف فأعطى منها وأبقى، وترك للعقل العربي ذخائر لا يجحدها إلا مُكابر.

عاش أستاذنا إنسانيته وأستاذيته طوال حياته على فضيلة البذل والعطاء ماثلاً في عقلانيته المعهودة، قائماً إلى مُرتقى المثل الأعلى بالإيمان بتلك العقلانية وبتلك الخصائص الإنسانية والفكرية التي تنجم عنها، لم يفت المرض في عضده أبداً مع أخريات حياته، ولا فتر نشاطه تقديساً للواجب ولا نضب عطائه، ولكنه احتفظ بنشاطه الغزير حتى الرمق الأخير. وكان سلطانه على قلوب محبيه : تلاميذه، وطلابه، ومدرسته الفلسفيّة، لا يُضاهى؛ ففوق كونه ملك عزيمة ماضية ومنزلة رفيعة، ملك كذلك فكاهة مرتجلة تنبعث من قرارة وجدانه تدلُّ من الوهلة الأولى على إنسانيته بمقدار دلالتها قطعاً على نزاهته عن تلك القيم الساقطة المبتذلة.

إنما العراقي في فلسفته وحياته كان قيمة كبرى للوعي, وقيمة كبرى للعقل، وقيمة كبرى للنقد وللتنوير. هذا الأستاذ الذي أخلَصَ للفكر إخلاص الصادقين، وتحمل تبْعة الرسالة في شجاعة العارفين، لا يعرف للّين ولا للهوادة طريقاً إذا أتصل الأمر بكرامة القلم والطعن في تقديس الرسالة وخيانة الواجب وزراية الأمانة الفكرية. وبما إنه كان مفكراً طُّلعَة شغوفاً بالتأليف والتدريس وتعليم الطالبين فكان في الوقت نفسه هو هو المفكر "الإنسان" الذي أرتضى لنفسه ولأمته العربية طريقَ النور العقلي تسير فيه : إيمانه بالعقل وقدرته على توظيفه في خدمة قضايا وطنه موصولٌ منذ أن وعي حياةً علميةً منتجةً إلى أن توفاه الله. وفوق هذا كله، أدبٌ جَمُّ في تواضع وعزة نفس، ووفاء وإخلاص ورفق وأريحية صدق، واحترام شديد للمواعيد، والتزام بالواجبات الوظيفية الأكاديمية، وارتباط روحي بطلابه في علاقات إنسانية رفيعة المستوى، وتقدير للصغير وللكبير، وتسامح مع الآخر المختلف في العقيدة أو الدين. في أوصافه الشخصية ومناقبه الخُلقيّة وخصاله النفسية وشمائله الأدبية والفكرية ما لو جمعناه لتألفت منه مكتبة في أدب السيرة الذاتية تقابل في رياض تنوعها وغزارة مادتها وروعة أحداثها مكتبة العقد الفريد ومكتبة الأغاني في الثقافتين الأندلسية والعباسية.

أنا شخصياً تعلمتُ من أستاذي الكثير والكثير .. غمرني بحبه وعطفه وإنسانيته العليا، ووجهني التوجيه السليم من خلال صحبتي له إلى طريقة البحث العلمي الصائب والتنقيب الأمين، وأرشدني إلى أشياء فيما لو كنت بعيداً عنه لجهلتها وما عرفتها قط، ويحفظ صدري منها الكثير.

ولئن كان - طيّبَ الله ثراه - تَرَكَ لنا مدرسةً فلسفية تمتد على مستوى الجامعات المصرية والعربية، ولئن كنّا اليوم بحاجة ماسّة، حرصاً منّا على الجانب الوضيء في هذه المدرسة لا الجانب المظلم الذي يتصارع فيه البعض حول تفاهات ساقطة لا تحمل سوى التنابذ والتشرذم والخلاف ودحض الوفاء : القيم الساقطة التي هاجمها بعنف أستاذنا الرائد رحمه الله، فإننا اليوم، وذكراه العطرة تمُرُّ علينا، نتوقف عند أكبر تلاميذه وأقربهم إليه صلة ومودة وتأثراً، ممَّن خبروه وخبروا حياته عن قُرب، فتوافر لديه مخزون هائل من المواقف الإنسانية للعراقي شهدَها كما شهدها معه كثيرون من أصدقائه ومحبيه، وكلها شواهد صدق على عطاء العراقي النادر، وسماحته وتواضعه وشجاعته وكرمه ورقته وعطفه المشمول ونبل مشاعره تجاه الآخرين، وجميعها شمائل النفوس الزكيّة التي تهفو إليها العقول والقلوب في كل مناسبة؛ هو أستاذنا الدكتور أحمد الجزار أستاذ الفلسفة والعميد الأسبق لآداب المنيا من أوائل تلاميذ العراقي في مصر بل هو أولهم تحديداً، في دراسة كتبها عنه بعنوان (عاطف العراقي .. أفكاره وجوانب من أستاذيته وإنسانيته) ضمن مطويات لم يكن قد نشرها بعدُ، جاءت إضاءة لبعض أفكاره وإشارات ممتعة للقاريء لجوانب أستاذيته ممّا كان لمَسَهُ فيه من قريب.

ويلفتُ نظرنا في هذه الدراسة وقوف الجزار على أفكار العراقي العقلانيّة والتنويرية في مساحة متسعة جديرة بالنظر والاعتبار من جهات كثيرة؛

فهو (أولاً) يُحدّد معياراً لمن يصحُّ أن يطلق عليه صفة المفكر أو الفيلسوف ممّا لا يصح، حتى إذا كانت لفظة الفيلسوف أخصَّ في الدلالة من صفة المفكر وَجَبَ أن يكون المفكرون العظام هم أولئك الذين كرسوا حياتهم رصداً وتحليلاً لواقع الحياة ومشكلاتها في مجتمعاتهم بحثاً عن حلول لها ملائمة.

وهو (ثانياً) يَعْرِض لبعض القضايا الحيويّة التي أوْلَاها العراقي اهتمامه الفكري وطرَقَ عليها دوماً بغير سأم من جانبه ولا فتور؛ كارتباط قضية الأصالة والمعاصرة بفكرة التقدُّم، ثم قضية التعليم التي لا تنفك عن قضية التقدُّم، ويراها "الجزار" إنها بمثابة الشغل والأول والأخير من أشغال العراقي الفكرية لوطنه وأمته. وتجيءُ القضية الثالثة من الخطورة بمكان بحيث لا تقلّ في خطرها عن القضيتين السابقتين، وهى قضية التطرف الديني والإرهاب : واقع أسود من الإرهاب الدامي تعيشه بلادنا فيسبلها النهضة ويعوق تقدمها. بصدق، لو كنا سمحنا لأنفسنا بالاستماع لشيوخ المفكرين التنويريين لأصبح الحال غير الحال، لكننا اعتبرنا كلامهم مجرَّد "حبر على ورق"؛ وهذا هو الواقع يشهد بصحة ما كانوا يقولون. تجيء هذه القضايا كلها مرتكزة على دعائم منهجية : العقل والنقد والتنوير والإيمان بدور العلم في حياتنا الفكرية.

وهو (ثالثاً) يحدثنا عن جوانب من أستاذية العراقي وإنسانته ليدعو خيرة تلاميذه من بعده أن يحملوا الشعلة المقدَّسة، شعلة الوعي والتنوير تماماً كما حمَلَها الأستاذ الرائد بصدق وجسارة، وأن يكونوا جميعاً قبساً من كمال إنسانيته العالية وأستاذيته الرائدة.

واقعياً؛ لن يكون المفكر مفكراً يعرف له دور ورسالة بغير أن تكون وظيفته الحقيقية تغيير واقع الأمة التي ينتسب لها، فلا يكتفي بمجرّد تفسير الواقع أو تبرير ما هو حاصل فيه، ثم يسكت عن تقديم الحلول التي يتغير بها واقع مجتمعه فيما لو تم تطبيقها، لا يكفي هذا؛ لأنه إنْ فعل واكتفى بالتفسير دون التغيير عارض صفة المفكر الذي تؤرقه هموم أمته وقضاياها المصيريّة، فقيمة المفكر الحقيقي لا تتوقف عند حد الأطر النظريّة المُجَرَّدة للقضايا التي تشغله؛ لأن هذا يعدُّ ضرباً من التفسير إنْ هو أفاد من جانب ضرَّ من جوانب أخرى، ولكن قيمته تتحدد بمقدار ما يُسهم به في تغيير واقع الحياة في مجتمعه واستشراف آفاق المستقبل تحقيقاً للتقدُّم, إذْ ذَاَكَ تصبح هموم أمته هى شغله الشاغل فلا يحيا إلا بها ولا يعيش إلا من خلالها.

ولا نزاع في أن أحداً لا يستطيع القيام بهذه المهمة الثقيلة غير المفكر فهو أقدر من غيره على إنجازها, ومن هنا عظمت مسئوليته نحو مجتمعه في حركة دفعه على مدارج التقدم والرقي والحضارة. وفي ضوء هذا المعيار تجيء قيمة المفكر بمقدار ما تكون فريضة التفكير متصلة بواقع المجتمع مرتبطة على الدوام بمشكلاته وقضاياه. وعاطف العراقي بغير مماراة مفكّرُ من هذا الطراز له بصماته الواضحة المعالم في حياتنا الفكرية والثقافية، وهو نموذج للمفكر الملتزم وصورة مثالية مُشرّفة للأستاذ الجامعي القدير وللإنسان بكل ما تحمله الإنسانية والأستاذية من معان نبيلة، تجلت فيه وظيفة المجدّد يقيمها على منهج عقلاني نقدي تنويري بمقدار ما تجلى عنده الإبداع في أتمّ صوره : نبذ التقليد وطرح الجمود وأخذ بروح النقد والاستنارة المعرفية بمثل ما وصف هو فريضة التفكير لدى المفكر الحقيقي أن تكون عقليته مفتوحة تأبى الركون إلى أحادية الثقافة الواحدة أو التخصص الضيق.

فلئن كان المنهج الذي اتخذه العراقي لنفسه وتكوّن عنده منذ أكثر من أربعين سنة هو المنهج العقلاني النقدي التنويري، فلأنه المنهج نفسه الذي سَبَقَهُ إليه مفكرون كبار على مدار نصف قرن من الزمان ممَّن عبدوا الطريق قبله كأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا وغيرهم ممَّن كانت دعوتهم دائمة غير منقطعة لفكرة التقدّم عملاً وعلماً، فالعالم ليس فيه مكانٌ للضعيف نظراً أو عملاً، ليس فيه إلا القوي علماً وعملاً حتى إذا ما أخذ المفكرون دورهم المنشود في مجتمعاتهم لكي يحققوا تقدماً بين الدول المتقدمة رأينا العراقي يصرخ في لوعة مخامرة : أصبحنا كعرب أضحوكة بين أمم العالم، الأمم التي أرادت لنفسها التقدُّم إلى الأمام فلم يعد فيها مكان إلا للأقوياء ممَّن ملكوا أدوات العصر وآلياته، علماً من جهة الإبداع، وتكنولوجيا من جهة التطبيق.

عمليَّاً؛ فقدان الأيديولوجية العربية كان هو الأرق الدائم لبصيرة المفكر التنويري، الأمر الذي غلب فيه على أستاذنا الرائد نزعة التشاؤم التي سَرَتْ في كتاباته، وكان سببها غياب تلك الأيديولوجية ممّا غَاب معها تحديد مستقبل مجتمعنا العربي؛ إذْ فقدنا صياغة موحدّة لبناء ثقافي يُشَكّل في مجموعه إطاراً مرجعياً لحركة العقل العربي في كل ما يُصَادفه من مشكلات وما قد يقف في طريقه من عقبات أو أزمات أو إشكالات يحتم علينا طرحها وحَلّها بالضرورة.

أمّا عن فكرة التقدّم وارتباطها بمشكلة الأصالة والمعاصرة؛ فهى قضية مركزية تدعو إلى الأسى حقيقةً : أن يحاول البعض البحث عن حلول لمشكلاتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية في واقعنا المعاصر بالنظر في تراث الأقدمين غير مراعين فروض التطور واختلاف العصور والأزمنة، وبما إن اللحَاق بركب الحضارة يعدُّ قضية وجود بالنسبة لنا، فمفتاح التقدَّم عند العراقي لا يتحقق بالانكفاء على كتب التراث وعبادة الماضي بدعوى الأصالة، ولمجرَّد أنه ماضي تراث الأجداد، وإنما يتحقق بالاعتماد على العقل ممثلاً القوة المبدعة الخلاقة القادرة على أحداث نقلة حضارية منشودة. عن طريق العقل يمكننا المشاركة في التقدّم، وبغيره تنغلق أمامنا كل التيارات من حيث لا يُرْجَى الإصلاح مع التقوقع والانغلاق.

وتأسيساً على إمكانات العقل والاحتكام إلى منطقه يصبح العلم - في إشارة الجزار عن العراقي - ركيزةً لا غنى عنها في إحداث التقدُّم، لأن منطق العصر وحضارته صَارَ محكوماً بالعلم بوصفه إبداعاً وبالتكنولوجيا بوصفها تطبيقاً، وإذا كان العلم فيما مضي ضرورة، فإنه في حاضر الناس أوجب ما يكون؛ لأننا في عالم جديد أصبح بفضل التطورات العلمية قرية صغيرة.

وكما كان الإيمان بالعقل والعلم قناعةً لا شك فيها عنده، بموجبها والعمل لأجلها يكون التقدُّم الذي يمثل استنارةً واعيةً برسالته التنويريّة، كذلك كانت قضية التعليم، القضية الثانية من تلك القضايا المجتمعية. وأولُ ما يُلاحظه العراقي هو غياب المنهجية النقديّة من مناهجنا التعليمية وبرامجنا الدراسية. ويرى "الجزار" إن التعليم الذي ينشده أستاذنا رحمه الله ويتلاءم مع التقدّم الذي يؤمله هو التعليم الذي يرسّخ مبدأ الإبداع ويزيده توهُّجَاً في استعداد المتعلمين.

لقد كان حُلماً موثوق السياق لديه بتقديس العقل وحرية البحث العلمي أن يكون الربط محكماً وثيقاً بين والتعليم والإبداع. أمَا وقد أخفق نظامنا التعليمي في دحر الأفكار الظلاميّة من المناهج الدراسية وتقويض مساحتها المتسعة واستبدالها بمساحة التنوير، فلا مناصَ من أن تقوم المناهج التعليمية الحالية على الحفظ والتقليد والترديد والتلقين من جهة، ونبذ التجديد والإبداع والابتكار من جهة ثانية. على أن غياب الروح النقديّة في مناهجنا الدراسية الحالية في مستويات التعليم بمراحله المختلفة قبل الجامعة ثم في الجامعة نفسها لهو السبب المؤكد المباشر في قتل روح الإبداع في نفوس الطلاب.

وسيادة نزعات التقليد وتدهور دور الجامعة وقلة صياغة عقول الخرجين صياغة منهجية ودعمها بالروح النقدية المنظمة المبدعة؛ كل أولئك من العوامل التي أدَّت إلى فشل دور الجامعة التنويري في إشاعة الوعي والثقافة والتنوير وتخريج أجيال لها القدرة على صناعة المستقبل الجديد.

بديهيّاً؛ إنّ النظرة التجديدية كما يَرَاها العراقي لا تقوم على رفض التراث جملة وتفصيلاً كما لا تقوم على الوقوف عند التراث كما هو ودون أيّة محاولة لتأويله أو تطويره، بل إن النظرة التجديدية تعدُّ معبرةً عن الثورة من داخل التراث نفسه : إعادة بناء التراث ليكون متفقاً مع العصر الذي نعيش فيه، والفرقُ كبيرٌ جداً بين التمسك بالبناء القديم كما هو بصورته التقليدية وبين إعادة بناء (Reconstruction) التراث ممّا لا يحمل مطلقاً في طياته هدماً أو رفضاً.

وبفقدان نظرة التجديد ممَّا قد يوجد في بعض كتب التراث، وممَّا من شأنه أن يقدّم منه لطلابنا في مراحل التعليم الجامعي من دراسة للآراء العلميّة لدى العلماء العرب أمثال جابر بن حيان وابن سينا والحسن بن الهيثم وأبي بكر الرازي وغيرهم من علمائنا العرب، فقدنا بالتالي الأهليّة التي بها يتكوَّن العلم وتتنامى ناهضةً تلك الروح العلمية، إذْ كان هذا كله لا يساعد على الإبداع ولا يقوّمه ولا يقوّيه؛ لأن الطابع الكمي غالب عليها بدلاً من الطابع الكيفي. وبالنظر إلى دور الجامعة الأكاديمي لم يعد ممكناً في ضوء الآلاف المؤلفة من الطلاب، وفي ضوء مأساة الكتاب الجامعي والمناهج التعليمية العقيمة، وطمع الأساتذة والمدرسين في أكل السحت والمتاجرة بالمذكرات المسروقة من وراء تعليم الطلاب إنْ في المدارس وإنْ في الجامعات، لم يعد ممكناً الحديث عن دورها الثقافي.

إنّ إطلالة عارضة على واقع الجامعة لينذر بالخطر حقاً؛ فليس بأمين على رسالة الوطن من يُلاحظ انهيار الجامعات المصرية سواء في مستوى التعليم الجامعي أو في مستوى الدور الثقافي ولا يرفع صوته عالياً ليحذر من كارثة مُحَققة، إننا توسعنا بغير حدود في التعليم الجامعي، ذلك مُشَاهد في كل إقليم من الأقاليم المصرية الأمر الذي نحمده للدولة، لكن هذا التوسع الذي نجده توسعاً أفقياً وليس هو بالتوسع الرأسي، صارت معه الجامعات مُجَرَّد امتداد للمدرسة الثانوية على الرُّغْم من اختلاف أهداف التعليم الجامعي عن التعليم الثانوي، فليس يكفي لإنشاء جامعة أن تزيل لوحة مكتوب عليها مدرسة ثانوية لتضع بدلاً منها كلمة كلية أو جامعة علماً بأن هذه الجامعات وبعض الكليات يعوزها نقص الإمكانات البشرية بصورة مرعبة حتى أن بعضها لا يوجد بها إلا أستاذ واحد ! ناهيك عن المستوى العلمي المتردي لأكثر الأساتذة، وفاقد الشيء كيف يُرجَي أن يعطيه ؟

فلسفياً؛ هذا تشخيص من مفكر جاهد في سبيل التعليم كتابةً وتدريساً سنوات طويلة، فهو يعي ما يقول ويُخلص فيما يقول؛ فما من هوَّة وسيعة بين فكره وعمله، ولا بين قوله وسلوكه، أتساق واضح بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعليّة.

أما القضية الثالثة، قضية التطرف الديني والإرهاب؛ فهى أخطر القضايا الوطنية على الإطلاق، وليس من شك في صلتها الوثيقة بكل القضايا السابقة عليها؛ فتعليم فاسد، وثقافة مُتَرَديّة، وانحراف عقائدي، وتديّن شكلي، وانحلال خُلقي، عوامل هدم تشكل جرثومة التطرف والإرهاب. لم تجد أيديولوجية الإرهاب الفاسدة العناية الكافية من مثقفينا وكتابنا ومفكرينا بتسليط الضوء الساطع عليها فيما يسمح بمجابهتها بأسلحة النقد العنيف، وتحليل عناصرها المؤبوة إلى جذورها العفنة المتآكلة حتى لا يقترب من تلك المنطقة السوداء أحد، وبخاصَّة فيما تضمَّنته بعض كتب التراث أو فيما اشتملت عليه آراء فقهاء الهَدْم ممَّن قيّدوا عقولهم مغلولةً بقيود التقليد. كنّا نأمل أن تتكشف للأعشى قبل المُبصر جوانب التخلف والرجعية في هذا الفكر الظلامي الأسود المحظور، ولكن مع شديد الأسف وجدنا له أنصاراً وأتباعاً ناهيك عن دول كبرى بمؤسساتها التقليديّة الثرية ماديّاً تدَعّم هذا الفكر وتقف من خلفه مساندة ومؤيدة، الأمر الذي أتاح الفرصة سانحة لأصحاب الثقافة المحدودة أن يخرِّجُوَنه للناس باعتباره الفكر المحافظ على الدين، والدين منه بُرَاء، الحامل لروحانيته وسماحته وأصوله، الجاذب لعقول بعض الشباب، وهى عقول كما نعلم فارغة من الوعي والثقافة والتكوين أو تكاد، تغيب عنها الرؤية النقديّة لما يعرض عليها للوهلة الأولى من بضاعة كاسدة فتنساق طيعة مختارة انسياق السوائم مع مثل هذا التطرف الديني المَرَضي أو مقهورة تحت وطأة الظروف الاجتماعية الضاغطة كما يُتَوَهم، وإنْ كان كاتب هذه السطور يرى أن هذه الظروف؛ ومنها الفقر تحديداً، لا تخرَّج إلّا الأبطال، فالقسوة تصنع الرجال ولا تصنع الضعفاء المنتقمين، والثراء الفاحش لا ينشئ عقولاً راقية؛ فيحدث من ثمَّ ما لا قِبَل لنا بمواجهته من وخيم العواقب وشديد النكبات : الإرهاب والتطرف والعنف والكراهية السَّافرة المدمّرة للنفس وللغير.

يكفي مثلاً إن خطر الإرهاب يحمل أبلغ إساءة إلى الدين من ناحية، ويضرب الوحدة الوطنية من ناحية أخرى، ويتسبّب في إهدار طاقة الوطن وضرب استقراره وإعاقته عن بلوغ أهدافه. يُلقي العراقي الضوء حول هذه القضية في أكثر كتاباته، ويوافقه الجزّار ما دام خطر الإرهاب يُهدّد نسيج الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد من المسلمين والمسيحيين، كما يكشف عن نزعة التسامح لدى مفكرنا وضيقه ممّن يمكرون بإخوانهم ويسيئون إلى الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فلا خيرَ في مواطن يكتفي فقط بإقامة الشعائر الدينية دون أن يجعل من سلوكه تعبيراً عن جوهر الدين. إذا كان هناك تلوث مادي يتمثل في الهواء والأغذية مثلاً، فأشدّ منه خطراً هو ذلك التلوث الخُلقي يغرس الفتنة الطائفية بسَفَه عقلي في نفوس أبناء الوطن الواحد.

يرى العراقي إن هذا السلوك فوق كونه مشيناً فهو كذلك غريب ودخيل على مصرنا الغالية؛ لأن مصر منذ آلاف السنين يعيش فوق أرضها أبناء الديانات كلها ولا مكان في مصر لمن يتاجر بالدين ويقوم باستغلاله لتحقيق مآربه الشخصيّة.

إذا رَدَّ أحدهم الإرهاب إلى أسباب اقتصادية، فإن العراقي يَسْخَر من هذا التخريج البليد، فليس الفقر سبباً أساسياً في وجود الإرهاب أو التطرف، هنالك أناس يعيشون في حالة من الفقر، ومع ذلك فهم أناسٌ يؤمنون بربهم ويؤمنون بوطنهم ولا صلة لهم من قريب أو من بعيد بالفتنة الطائفية. ولا يمكن التهوين من التطرف فيما وصلت إليه أحوال المروجين لهذا الفكر المتخلف، ومن بين أسباب ظهوره التي يراها العراقي سبب واضح وشديد الوضوح هو الخلط الشنيع بين الدين والسياسة.

وبما أن الدين هو أولُ ما يمتزج بالقلوب ويرسَّخ في الأفئدة وتصطبغ النفوس بعقائده على حد قول الإمام محمد عبده، فيكونُ له السلطان على الأفكار وما يطاوعها من العزائم والإرادات، فوجبَ من هنا إشاعة حب احترام الإنسان ومعتقداته بغض النظر عن الخلافات بين الأديان، كذلك يجب أن نولي العناية بالغةً في مناهجنا التعليمية بتكثيف الاهتمام بالجانب العلمي والموافقة بين الجانب الروحي والجانب المادي في تصور الحضارة، وتقويض الأفكار الهدّامة البالية المستغلة من قبل المهاجمين للحضارة تحت دعوى التغريب وخرافة الغزو الثقافي؛ فإذا عرفنا هذا وتمثلناه كان من أوجب الواجبات علينا التركيز في مناهج التعليم على الأعمال الشامخة التي قام بها المسلمون والمسيحيون سواء في الماضي أو في الحاضر، حتى إذا وجدنا فلاسفة مسلمين في الحضارة العربية، فإن الفضل يرجع بطبيعة الحال إلى وجود حركة الترجمة وازدهارها على أيدي النصارى ممّن ساهموا باعمالهم الباقية في هذا الدور التاريخي السامي؛ وهو فضلٌ ليس بالقليل. وبالمثل؛ يمكننا التركيز على استفادة الأوربيين من العرب في العصر الوسيط.

هذا هو عاطف العراقي أستاذنا ومعلّمنا ورائدنا كما عرفناه : المفكر، المُصلح، الإنسان. قيمة كبرى لنا وللأجيال القادمة، تصدر عن قيم عاشها حياة وخَبَرَ ثمارها في نفسه، ثم أرسلها عن إيمان وقناعة لأبناء وطنه. قيمة فكرية تحفظ للعقل مكانه ومكانته، تسلحه بالمعرفة، وتغرسه في الوعي، وتصقله بالدراسة والتهذيب، وتوصله بالإصلاح لجوانب الحياة مجتمعة، ومن ورائه استطاعة القصد موصولاً بالله على قدر الطاقة. طيّبَ الله ثراه، وروّح الله روحه، وغَفَر الله له، وجعل أعماله الخيّرة في ميزان حسناته, وبارك في عمر تلميذه الأول أستاذنا أحمد الجزار الذي نسعد اليوم بكتابة كتاب تذكاري عن أعماله الفلسفية والصوفيّة فهو جدير عن استحقاق بتعريف الأجيال القادمة بفضله ودوره ومناقبه العلمية والتصوفية وريادته للمدرسة العراقية في مصر والعالم العربي.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عندما التقيت سعد محمد رحيم في مهرجان "تامراء" كانت صحته مرتبكة قليلا، وقد بدى عليه الإجهاد بوهن صوته، ويباس فمه، ولا أدري كيف حضر من بغداد مستقره، بعد أن هجر ناحية السعدية شرق ديالى، حيث ولادته..

17 سعد محمد رحيمسألته وكان يريد الإنفراد بي دائماً، ليسألني عن روايته (فسحة للجنون)*، وكان شغوفا بطلب نسخة ورقية من روايتي "دمه"** حيث أكد أنه لم يستطع مواصلة الاطلاع عليها بواسطة الجهاز.

تحدثنا عن محمود درويش، عن الشعر الذي نستمع له سويا من المنبر الذي لم يسكت. كنا في مرمى عدسات التصوير، حيث ارتياحه وابتسامته الشفافه. نزلنا إلى الصالة معا، وبعدها راحت بيننا تتطاير انطباعات عن روايات محلية وعالمية...

أخبرني أنه مقبل على سفرة إلى قطر، وقبلها إنه سوف يلبي دعوة بعد أيام إلى السليمانية.. لحضور مهرجان كلاويش..

وبعد انتهاء تلك الخلوة ودعني وطلب مني أن أوصل سلامه إلى كليزار أنور***، كثيرا.. بعد أن سألني عن نيتها القادمة في الرواية...

كل ذلك قد حدث في ساعتين.. تقريبا..

سعد محمد رحيم محبوب ومحترم من قبل جميع الأطرف

ولا يفوتني أن أذكر أني اتصلت به عندما تذكرت أنه في المهرجان، وتفاجأت عندما أجابني صوت مازن لطيف يرد بدلا عنه قائلا بأن سعد في وعكة وسوف يتصل بك صباحا. وفي الثامنة صباحا، قبل أن يبرد الشاي، فتحت الفيسبوك اللعين، وإذ بخبر جعلني أنسى أمر الشاي، ولا أدري كيف أكتب نعياً في نفسي، أو في سعد أو أعاود الاتصال.

* صدرت عن دار سطور في بغداد. 2017

** صدرت عن دار فضاءات في الأردن.2017

*** روائية عراقية من دهوك. لها عجلات النار. و الصندوق الأسود. و عدد من المجموعات القصصية.

 

محمد الأحمد

 

 

 

صالح الرزوقيفاجئنا الدهر بمخططاته ومشاريعه الفاسدة في أحلك الأوقات، وأعتقد أن خسارتنا لجيل رواد الحداثة الأول ثم الثاني هو بمثابة نكسة أو هزيمة عسكرية. إذا قطعت رأس الإنسان ماذا سيبقى منه؟.

هذا هو حال التداعيات التي قفزت إلى ذهني حينما سمعت بخبر وفاة المأسوف عليه، الكاتب المتميز والمخضرم سعد محمد رحيم.

لقد منينا بأسوأ الهزائم لأننا لم نتعظ حتى هذه اللحظة، ولأننا نضع غرائزنا فوق عقولنا. وأصغر مقاول عقارات أهم في هذا المجتمع من أكبر كاتب. وكان صديقي الإنكليزي وليام جاك وتنغتون يقول لي بمرارة: إن الأمة لا تسقط في الوحل إلا إذا احتل النجار مكان الكاتب، وسائق الحافلة مكان أستاذ الجامعة. هكذا تتحول الحياة إلى لعبة حظ وسباق على المكاسب. ونضع القعل في الإقامة الجبرية.

ويبدو لي أنه كان صائبا في هذه الحكمة.

وانظروا أين وصلنا؟.

ربيع الخراب، وليس ربيع البناء والتطوير، حتى أن الماضي أصبح هو المقياس. هذه التداعيات صنعتها الفجوة التي خلفها فينا رحيل أبي سرمد، سعد محمد رحيم، مؤلف (ظلال جسد) و(فسحة للجنون). وأخيرا (كونكان).

هذه رابع مرة أحاول أن أكتب عن تأثير رحيله ولكن أجد أن الكلام ليس بحجم الفاجع.

وعفوا لهذا التعبير.

17 سعد محمد رحيمالفاجع عندي هو كل شيء يتسبب للإنسان بالسقوط شاقوليا. وغياب أستاذ سعد من الناحية الرمزية هو بمثابة هذا السقوط. لقد جاء بعد غياب آخرين تركوا علامة أو إشارة في حياتي. وكان أولهم جورج سالم مؤلف (في المنفى) و(عزف منفرد على الكمان) ومؤلف المشروع الذي لم يكتمل وهو روايته الثانية (سفر التصدعات).

لقد ضاعت في زحمة أوراقه وفي ضجيج موته المفاجئ.

وهذا هو حال سعد رحيم. فقد أخبرني في إحدى رسائله أنه في منتصف عمل جديد ومن المقرر أن ينتهي منه في صيف 2019. وأغتنم الفرصة لأدعو أصدقاءه ومحبيه وأبناءه كي يبذلوا جهدهم في البحث عن هذه الأوراق وترتيبها. لربما يتمخض من هذا الحطام شيء نتذكر به أنفسنا. فالموت جماعي لكن الولادة شخصية. والغياب إنذار بنهاية شوط أو إهدار فرصة. فالغائب لا يمكنه أن يدافع عن نفسه أو أن يوضح فكرته.

بينما يتكاتف المجتمع لتفسير معنى وحكمة الغائب. أما الحضور فهو شيء متعين، سلوك لذات، وليس مفتوحا على التأويل والتفسير.

نعود لشخصية الراحل. لا يمكنني أن أدعي أنني من أصدقاء الدرجة الأولى. بالعكس، لقد عرّفني عليه زميله الأستاذ المسرحي صباح الأنباري. وهنا يوجد قدر من الدراما أيضا. فالأنباري يعيش في أستراليا. وأنا في حلب. والراحل كان في بغداد.

والآن أسأل نفسي. كيف التأم شمل هذا المثلث.

ولكن لماذا نستغرب؟. هناك جماعات أدبية تعيش في مجال افتراضي. وهذا هو شعار هذه المرحلة العجيبة من تاريخ الإنسان وحضارته.

لا يمكنني أن أنكر ما للأستاذ سعد من أياد بيض على نشاطي في السنوات الأخيرة. فقد نشر لي في بغداد عددا كبيرا من النصوص. وأولها قصة مترجمة لكاتبة أمريكية رقيقة هي "ديلاني نولان". والقصة بعنوان (صوفيا). وهي عن وقائع ورشة كتابة اشتركت بها في بلغاريا.

أيضا بلفتة كريمة منه أطلعني على مسودات أعماله الأخيرة. ومنها (ظلال جسد) الفائزة بكتارا عام 2016 ثم (فسحة للجنون) التي صدرت من شهور قليلة عن دار سطور. و(كونكان) التي صدرت من أيام عن نينوى دمشق.

وتوقعت في حينه لـ (ظلال جسد) نجاحا باهرا, وأتوقع لــ (كونكان) أن تحصد مكاسب استثنائية. فهي درة أعماله في القصة. ولم أطلع على مثل هذا المستوى الفني الرفيع منذ سنوات. وأضع هذا العمل بموضع منعطف أدبي أو ظاهرة فنية، فهو يساوي أهمية (دنيا الله) لنجيب محفوظ.

إنها قصص متأنية، تبني عالمها بتمهل، وتعطي لكل شيء حقه، ولا تترك في الذهن فراغات، ولكنها تحرض القارئ على التساؤل .

لماذا لا نتعلم من الطبيعة، ونهمل دروس الماضي، ونأكل أكبادنا، ونعيش بمستوى واحد؟..

لقد دخلت المجموعة في مخاض، ولا شك أن سعد رحيم بنى آماله عليها. فقد اختار لها أولا عنوان (صورة رجل). ثم بدل رأيه وأعطاها عنوان (أولاد المدينة). واختار في النهاية (كونكان).

وأعتقد أنه راهن عليها. لقد ألقى بكل أوراقه على طاولة اللعب. وكان واثقا أنه يحمل ورقة رابحة. لقد رسمت القصص عالما له حدود من خارج مجاله. وكانت المدينة مجرد رمز على دايستوبيا فاضلة. وهذه هي النقطة التي أضافها الكاتب الراحل. لقد عرف كيف يجعل الدايستوبيات تلغي نفسها (كما هو الحال عند جورج أورويل وزامياتين وبرادبوري).

ولا أريد أن أضخم أو أن أبالغ. وأدعو كل المهتمين بفن القصة للاطلاع على هذه التجربة.

ولأختم هذه الكلمة الودية أريد أن أنوه. أنني كنت أقرأ في مجلة الجديد قصة لسعد رحيم حينما أخبرني الأستاذ ماجد الغرباوي بالنبأ.

سعد محمد رحيم.

غادر دنيانا يوم الإثنين 9 نيسان 2018.

وكان معه مازن لطيف في مستشفى السليمانية لعدة ساعات. حتى يئس الطبيب من إنعاش قلبه.

حين قرأت النبأ لم يخامرني أي شعور. مثل أي مصاب برصاصة. في اللحظات الأولى لا يعرف أنه جريح.

تركت المجلة. ولم أتابع القراءة وشردت في هذه الصدفة. كم لدينا من مصادفات محزنة. وبالتدريج بدأت أنتبه لهذا المشروع. مشروع سعد محمد رحيم. لقد وضع حدا له ما نسميه بهادم الملذات ومفرق الجماعات.

إنه الموت الزؤام.

نعم.

لقد مات واحد منا.

من (صوفيا) ديلاني نولان وحتى (صورة رجل) توجد محطات كثيرة ومحكوم عليها الآن بالتواري. ولكن الروح الحية التي تكلم عنها فاضل العزاوي في كتابه المعروف لا بد أنها تبحث اليوم عن صورة لها. وسعد رحيم سيواصل مشواره معنا . وهذا مكتوب في سجل كل المفقودين الذين غابوا برغم إرادتهم.

وإذا انتصر الموت في جولة يبقى للحياة جولات وعدة أشكال ومنها الذكريات.

تستطيعون قتل إنسان ومحو صورة ولكن كيف يمكن إلغاء ذكرى.

 

صالح الرزوق

 

raed jabarkhadom2من المعيب ثقافيا وفكرياً وبحثياً أن تهمل أعمال وسيرة ودراسة باحث وأديب كبير في الثقافة العراقية المعاصرة، له من المؤلفات والدراسات والتحقيق الشيء الكثير بين الأوساط العلمية والادبية والصوفية، وأنك لتجد شخصاً بسيطاً ومبتدءاً يدخل ميدان الأدب أوالثقافة أو الفن، ينشر ديواناً أو مجموعة قصصية أو رواية أو كتاباً، فتسلط الأضواء عليه وتنهمر الكلمات وكأنه مؤسس علم النحو أو المنطق أو الفلسفة، يال بؤس البعض وفقرهم، ويال هذا القدر الموجع، الذي يعلي من يشاء ويهبط من يشاء، وكأنه مقدر للبعض أن يعيش دون أضواء تسلط عليه، لأنه ضوء بذاته ينير الأمكنة، وهناك من يعيش تحت ضجيج الأضواء ولكنه مظلم بذاته، ليس له من النور شيء يذكر، أنه قدر مؤلم وموجع أن لا يأخذ البعض منا طريقه الحقيقي في هذا العالم، ويزهد هذا البعض من المطالبة بحقه أو العمل على عقد صلة مع أشخاص يُعرفون به بين أوساط الناس، أو لربما يشكل هذا الزهد راحة للبعض من ضجيج الأضواء وصخبها، ويعيش زاهداً راضياً قانعاً مطمئناً بهذا الحال، وهذا ما نجده في سيرة الراحل الباحث والمحقق والمثقف والأديب العراقي قاسم محمد عباس (1962ـ 2018) الذي رحل عنا هادئاً مطمئناً زاهداً بالأضواء والظهور، ولكنه حاضراً ومنيراً بقوة في دراسة التراث الاسلامي والتصوف والثقافة والأدب، وكم تمنيت أن أذكر شيئاً من سيرته الذاتية في هذا المقال لأعرف القاريء الكريم بذلك، وطرقت الأبواب ولكني لم أوفق في الأمر، بل حتى في الأنترنيت لم يوجد شيئاً يُعرف ويخلد الراحل، فمن المؤسف على الثقافة والمثقفين العراقيين أن يغيبوا شخصاً كبيراً بحجمه ولم يُعرفوا به في الأوساط الثقافية والفكرية والأدبية والبحثية والاعلامية، العراقية والعربية، وأن يرحل عنا قاسماً تاركاً ورائه مجموعة كبيرة من الدراسات والتحقيق والبحوث، عرفتها الأوساط الفكرية والثقافية عراقياً وعربياً، وربما لديه المزيد كان ينوي تقديمه للقاريء في قادم الأيام ولكن يد المنية أقتربت منه لتأخذه عنا مبكراً وأن نحرم من بحوثه ودراساته وجهوده التي كنا يكنزها لنا، وهنا يأتي دور المقربين عليه من المثقفين والباحثين، من أصدقائه ومعارفه ومحبيه لأظهار تراثه القيم والتعريف به ودراسته دراسة علمية تليق به وبما قدمه من جهود كبيرة للقاريء وللمكتبة العربية، فقاسم محمد عباس باحث كبير يليق به التعريف والحضور والدراسة والاستفادة من تراثه الجم في مجال التصوف والأدب والثقافة وتاريخ الأديان.

15 قاسم محمد عباس

الغريب والعجيب في الموضوع أن قاسم محمد عباس لم يكن أستاذاً جامعياً وأكاديمياً متخصصاً في مجال التصوف أو الفلسفة أو الأدب، ولكنه أبدع وتألق وتفوق في دراساته وبحوثه وتحقيقاته أيما أبداع، وكأنه عالم وباحث متخصص في مجاله العلمي والمعرفي، وقد تخصص في مجال الدراسات الصوفية وحرث في هذا الحقل بصورة كبيرة وقدم دراسات وتحقيقات عميقة يشهد لها المتخصصون في هذا المجال. شاكرين له هذا الجهد الكبير الذي سعى اليه، والذي تكاسل فيه أهل الأختصاص من الأساتذة الجامعيين، وهذه شجاعة فكرية وثقافية ومعرفية كبيرة تضاف للراحل.

مجال الكتابة التي تألق وأبدع فيها الراحل هي في حقل التصوف الاسلامي، فقد ترك دراسات وتحقيقات عميقة لعديد من المتصوفة ومنهم :

1ـ الحلاج، الذي حقق أعماله الكاملة، وقدم دراسة أخرى عنه تحمل عنوان (هكذا تكلم الحلاج).

2ـ البسطامي، في تحقيقه لمجموعته الصوفية الكاملة، وأشار الى حقائق في تصوفه تختلف نوعاً ما في طرحها عما قدمه المفكر العربي المصري عبد الرحمن بدوي في دراسته للبسطامي في شطحات الصوفية.

3ـ أبن عربي، في تحقيقه لمجموعة من كتاباته، ومنها كتابه (ختم الولاية) ورسائله (كشف الستر) ورسائل أبن عربي المسماة (عين الأعيان)، ورسالة (ماهية القلب).

4ـ شهاب الدين السهروردي، حيث حقق له كتاب (كلمات الصوفية)

5ـ النفري، كتاب (النطق والصمت) و (ضاقت العبارة).

وفي مجال تاريخ الأديان كتب عن (الآيات الشيرازية) تحقيق النصوص المقدسة للبهائية.    

ولا ننسى في مجال الأدب كتابته لروايته اليتمة (المحرقة)، التي قال عنها بدر وارد السالم أنها لم تأخذ نصيبها من الشهرة، المحرقة التي هي الحرب العراقية الايرانية التي أكلت الأخضر واليابس، والتي أكلت الأجساد البشرية بشكل مأساوي مفجع، وما زلنا الى اليوم في محرقة، وكأنما كتب علينا أن نعيش تلك المحرقة وأن نشم رائحة شواء الأجساد بشكل مفجع وموجع.

نعم صحيح كما قال الروائي وارد السالم، لم تأخذ رواية قاسم محمد عباس مكانها الحقيقي بين الدراسات النقدية والأدبية ولم تنل حظها من الشهرة، كما هو شأن الروايات العراقية الأخرى، ولا أعرف ما هو السر في اهمال ذلك من قبل الدارسين والادباء لتلك الرواية المثيرة.      

كتب المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي على حسابه في موقع تويتر ناعياً قاسم محمد عباس، قال: (رحم الله صديقي العارف قاسم محمد عباس، الحلقة الأخيرة لمتصوفة بغداد، والذي عانقت روحه اليوم أرواح أصدقائه: ابو اليزيد البسطامي، والحلاج، والنفري، ومحيي الدين بن عربي... لقد نذر نفسه لإحياء آثار المتصوفة، فعاش يتنفس نكهة نصوصهم، ويبتهج بمناجاتهم، ويُفتتن بشطحاتهم.).

فعلاً قد نذر نفسه وعقله وقلمه لكشف تلك الأثار الكبرى لمتصوفة الاسلام، وهذا أن دل على شيء فانما يدل على تبنيه لأفكار الصوفية وعشقهم الكبير وتسامحهم وطريقهم الصوفي الذي ليس فيه تكفير ولا تطرف ولا عنف مع الآخر، وحرية التفكير والاعتقاد لدى المتصوفة لا تجبر الآخر على تبني أفكارهم وطروحاتهم كما في المجال الفقهي أو السياسي والايديولوجي، فالصوفي يؤمن ايماناً مطلقاً بأن لكل انسان طريقه وكشفه وذوقه الخاص به، ولسان حالهم يردد (الطرق الى الله بعدد أنفاس الخلائق)، فلا قيد ولا شرط في مسألة الايمان والسلوك والمعرفة، والصوفي حين يصل لمقامات سامية من المعرفة والسلوك والعرفان يتقبل جميع الحقائق، حتى يصل الى ما وصل اليه أبن عربي في قوله :

لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ       فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ

وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ     وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن

أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ   ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

وهذا ما جعل الصوفية محاربين من قبل الفقهاء من جانب ومن السلطة السياسية من جانب آخر، لأنهم يثورون على واقعهم ويتمردون على كل سلطة تقيد سيرهم وسلوكهم، واذا كان التصوف في الاسلام يعد ثورة روحية ـ كما يذهب أبو العلا عفيفي في كتابه المسمى بهذا الوصف ـ فأنا أعده ثورة فكرية ومعرفية وسياسية واجتماعية، اضافة الى الجانب الروحي سالف الذكر.

وأنا أذهب الى أن ذلك ما جعل الراحل قاسم محمد عباس يهتم بالدراسات الصوفية ومتصوفة الاسلام، ليس لأنهم يوسعون من باب الحقيقة وطلبها، وتسامحهم في ذلك فحسب، وأنما للثورة والتمرد الروحي والفكري والثقافي على الأيدلوجيات المقيتة والمقيدة، التي تحبس الشخص في سجون معرفية داخل صندوق (الفرقة الناجية) و(الامة المنصورة) وفقه وثقافة (الأنتصار) التي وجدناها في علم الكلام والفرق الكلامية.

هذا المقال المتواضع والفقير ليس دراسة في أعمال الراحل وغوص في أعماق كتاباته، ولكنه مقال تعريفي يسلط الضوء على ما كتب وما حقق، وهو مقال مفتاحي بسيط ربما يحفز الباحثين والدارسين ويدعوهم لتقديم شيء كبير يليق بشخصية وفكر الراحل الباحث والاديب والمؤرخ الاستاذ قاسم محمد عباس (رحمه الله وأحسن اليه)، فلترقد روحك بسلام مع من أحببت من المتصوفة والعارفين والقديسين الثائرين الصادقين، الذين رحلوا بهدوء وأطمئنان من هذا العالم الضيق الى عالم فسيح الأرجاء، دون قيود أو ضجيج، عالم يليق بالكبار، حيث تسبح الروح وتسيح في فضاءات من الخيال والجمال والمحبة.

 

د. رائد جبار كاظم. الجامعة المستنصرية. العراق

 

ali almomen2آية الله السيد محمد باقر الصدر؛ نموذج نادر لعلماء الدين في عبقريته وإبداعه العقلي، وفي تحويل نتاجه الإبداعي الى مشروع عمل متكامل. فقد أسس مشروعاً إسلامياً إصلاحياً تغييرياً شاملاً؛ يستوعب مختلف مجالات النظرية والعمل؛ بدءاً بمناهج الفكر الإسلامي والفقه الشرعي، وبنية الحوزة العلمية، وأنساق المنظومة الاجتماعية الدينية الشيعية، والوعي الإسلامي المعاصر، وانتهاءً بالعمل التنظيمي، والثورة السياسية. و بدأ بطرح أجزاء مشروعه في وقت مبكر جداً من حياته، وختمه بالتضحية بحياته من أجله وهو بعمر 45 عاماً فقط. وكان الحراك الإسلامي الشيعي المنظم المتمثل بحزب الدعوة الإسلامية أحد أهم أجزاء هذا المشروع.

قاد السيد محمد باقر الصدر عملية تأسيس حزب الدعوة الإسلامية وهو بعمر 22 عاماً؛ فكان يدير معظم الاجتماعات التحضيرية للتأسيس؛ وأهمها الاجتماع التأسيسي للحزب في بيته في النجف الأشرف في آب 1957، واجتماع أداء القسم في كربلاء في تشرين الأول 1957، وكتب نظرية حزب الدعوة وأسسه، وأطلق عليه اسم "الدعوة الإسلامية"، ومنح الإذن الشرعي لوجوده؛ باعتباره مجتهداً، وكان مفكر الحزب وفقيهه المتفرد، وتصدى لكل التشكيكات التي واجهت الحزب في الوسط الاجتماعي الديني النجفي؛ لأنه محل ثقة علمية وفكرية وشخصية لدى المرجعيات الدينية النجفية والحوزة العلمية والاجتماع الديني. ولذلك كان الأبرز بين مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية العشرة؛ برغم كونه أحد أصغرهم سناً.

أصبح السيد الصدر عضواً في أول لجنة قيادية رباعية للحزب انبثقت بعد التأسيس، واستمرت حتى العام 1961، وهو العام الذي انسحب في الصدر من القيادة والتنظيم؛ لكنه لم ينسحب من الدعوة ونظريتها؛ إذ بقي على علاقة وثيقة بها حتى إعدامه؛ بل التحمت به تنظيمات حزب الدعوة في داخل العراق في العام 1979 وبايعته قائداً. ولذلك فقد كانت التهمه المعلبة التي يسوقها نظام البعث حين أقدم على اعتقاله في الأعوام 1972 و 1974 و1979؛ هي قيادة حزب الدعوة الإسلامية. ثم اعتقل للمرة الأخيرة في 5 نيسان من العام 1980، والتي لم يعد فيها الى بيته؛ إذ أطلق عليه صدام حسين الرصاص بنفسه بعد أربعة أيام من الإعتقال؛ تعرض خلاله لأبشع أنواع الضرب والحرق والتعذيب.

تأسيس حزب الدعوة الإسلامية

اقترن الحراك الإسلامي الشيعي الجديد في العراق والمنطقة العربية منذ نهاية خمسينات القرن الماضي بالفقيه والمفكر الشاب السيد محمد باقر الصدر، والذي كان نموذجاً نادراً لعلماء الدين؛ إذ كان يحمل مشروعاً إسلامياً تغييرياً متكاملاً؛ يبدأ بالتأصيل الفكري، والتحول الفقهي، وتأسيس الحراك السياسي، والعمل على مأسسة منظومة المرجعية الدينية، وينتهي بإعلان الثورة ضد النظام الطائفي العنصري الظالم. ولذلك فقد كان حزب الدعوة الإسلامية أحد الفصول المهمة في مشروع السيد محمد باقر الصدر. ولذلك فإنه بادر الى قيادة عملية التأسيس بمجرد أن قام نجل مرجع النجف السيد محمد مهدي الحكيم بطرح الفكرة عليه. وفي هذا الصدد يقول السيد محمد مهدي الحكيم بأن فكرة تأسيس حزب إسلامي طرحت خلال العام 1956، واستمرت التحركات والاجتماعات التحضيرية أكثر من سنة، تباعدت فيها الأفكار وتقاربت، وتراجعت شخصيات وثبتت أخرى، وحتى تم في النهاية الاتفاق على شكل العمل وطبيعة تحركه. وكانت أول قضية طُرحت على طاولة البحث (قبل التأسيس) هي: ((شرعية تأسيس دولة إسلامية في عصر الغيبة))؛ لتكون قاعدة فقهية يستند اليها الحزب في شرعية عمله؛ فكتب آية الله السيد محمد باقر الصدر دراسة فقهية استدل فيها على جواز قيام دولة إسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي، وكانت هذه الدراسة أول نشرة داخلية يتبناها الحزب. ويضيف السيد محمد مهدي الحكيم: أنه عرض فكرة تأسيس الحزب في العام 1957 على السيد طالب الرفاعي وعبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي؛ فكان الأربعة يعقدون الاجتماعات التداولية الأولى لفكرة الحزب، ثم قام السيد محمد مهدي الحكيم بمفاتحة السيد محمد باقر الصدر؛ فوافق على الفور، ثم اقترح السيد الصدر ضم السيد مرتضى العسكري للعمل (وكان يقيم في الكاظمية)، حيث فاتحه بذلك من خلال رسالة حملها إليه السيد محمد مهدي الحكيم (1). ثم تمت مفاتحة السيد محمد باقر الحكيم والسيد حسن شبر والدكتور جابر العطا ومحمد صالح الأديب.

لقد استمرت مداولات تأسيس حزب الدعوة بين أصحاب الفكرة وأقرانهم الذين انفتحوا عليهم؛ حتى أواسط العام 1957؛ عُقد خلالها أكثر من اجتماع تحضيري؛ معظمها في بيت السيد محمد باقر الصدر في النجف الأشرف، وكان آخرها الاجتماع التأسيسي الذي عقد في بيته، خلال آب من العام 1957، وحضره ثمان شخصيات: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد طالب الرفاعي، محمد صادق القاموسي، السيد مرتضى العسكري، السيد حسن شبر والدكتور جابر العطا.

وأعقب اجتماع النجف التأسيسي؛ اجتماع أداء القسم في كربلاء بشهرين؛ أي في تشرين الأول من العام 1957 (17 ربيع الأول 1377هـ) في دار إقامة المرجع الديني الإمام السيد محسن الحكيم؛ بحضور سبع شخصيات: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، محمد صادق القاموسي، السيد مرتضى العسكري، السيد محمد باقر الحكيم ومحمد صالح الأديب. وغاب عنه ثلاثة ممن حضروا الاجتماع التأسيسي في النجف: السيد طالب الرفاعي والسيد حسن شبر والدكتور جابر العطا. وهو الاجتماع الذي يعده بعض مؤسسي «الدعوة» اجتماعاً تأسيسياً؛ كما يقول محمد صالح الأديب؛ فيما يعده آخرون أول اجتماع رسمي للدعوة؛ كما يذهب السيد مرتضى العسكري. بينما يعده مؤسسون آخرون اجتماعاً لأداء القسم وليس تأسيسياً؛ كما يؤكد السيد محمد مهدي الحكيم والسيد حسن شبر؛ إذ يقول الأخير مانصه: (الجلسة التي تم فيها أداء القسم في بيت السيد محسن الحكيم في كربلاء بتاريخ 12 تشرين الأول من العام 1957 كانت فقط لأداء القسم بالالتزام بمبادئ الحزب والعمل تحت خيمته والمحافظة على سريته. أما تأسيس الحزب فقد سبق جلسة أداء القسم بشهرين؛ أي في آب من العام 1957؛ خلال الجلسة الأخيرة التي عقدناها في بيت السيد محمد باقر الصدر في النجف الأشرف، وحضرتها أنا [السيد حسن شبر] والسيد محمد باقر الصدر نفسه والسيد محمد مهدي الحكيم وعبد الصاحب دخيل وجابر عطا والسيد مرتضى العسكري والسيد طالب الرفاعي ومحمد صادق القاموسي. وتم فيها مناقشة كل التفاصيل؛ بما فيها الاتفاق على أن تكون الجلسة اللاحقة لأداء القسم. أما فيما يخص تسمية الحزب فقد سمي بـ «الدعوة الأسلامية» في بداية العام 1958؛ أي بعد شهرين من أدائنا القسم. والدليل على أن الحزب تأسس قبل انقلاب 14 تموز من العام 1958 هذه الحادثة التي جرت خلال أيام الانقلاب التموزي: عندما شكل عبد الكريم قاسم حكومته استقطب بعض المختلفين في الأفكار السياسية، وحينها قال السيد مهدي الحكيم خلال أحد اجتماعاتنا: لو كنا قد أعلنا عن اسمنا لاختار عبد الكريم قاسم من حزبنا وزيراً أو اثنين)) (2).

ولذلك؛ فإن تاريخ التأسيس الحقيقي لحزب الدعوة الإسلامية هو شهر محرم من العام 1377 هـ (آب 1957)؛ أي قبل اجتماع كربلاء بشهرين؛ كما يثبت السيد حسن شبر أحد المؤسسين العشرة (3)؛ الأمر الذي يدعو الحزب لمراجعة أدبياته الرسمية التي تنص على يوم 17 ربيع الأول 1377 هـ (12 تشرين الثاني 1957) بوصفه تاريخاً لتأسيسه. كما ينبغي مراجعة المعلومة التي طرحتها بعض أدبيات الدعوة في ثمانينات القرن الماضي، والتي تقول بأن مؤسسي حزب الدعوة ثمانية؛ لأنها تستند الى معيار أحادي وغير موضوعي. أما المعيار الموضوعي في توصيف المؤسسين فهو ((أن كل من حضر أحد اجتماعي التأسيس في النجف و أداء القسم في كربلاء يعدّ مؤسساً))؛ فهناك من حضر اجتماع التأسيس ولم يحضر اجتماع أداء القسم، وهناك من حضر اجتماع أداء القسم ولم يحضر اجتماع التأسيس. فتكون المحصلة أن مؤسسي الحزب هم عشرة: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد طالب الرفاعي، السيد مرتضى العسكري، محمد صادق القاموسي، الدكتور جابر العطا، السيد حسن شبر، السيد محمد باقر الحكيم ومحمد صالح الأديب.

دور الشهيد الصدر في تأسيس "الدعوة" وقيادتها

كان السيد محمد باقر الصدر أبرز المؤسسين العشرة لحزب الدعوة الإسلامية؛ بل أن أداءه ودوره أفرزاه قائداً للحزب في الأبعاد الفقهية والفكرية والإرشادية أيضاً. وقد كان الحديث عن كون السيد الصدر مؤسساً للدعوة، متداولاً في أواسط الحزب منذ مطلع الستينات. ثم برز اسمه قائداً للحزب خلال العام 1979، بعد تفجير الصدر للتحرك المعارض لنظام البعث في العراق. ولكن تقدُّم السيد الصدر على باقي المؤسسين والقياديين في توجيه بوصلة حزب الدعوة خلال الفترة من العام (1957 إلى 1961)، ثم بقاءه مرشداً لحزب الدعوة وداعماً له؛ قد أقنع أجيال الدعاة والمؤرخين والمراقبين بأن السيد الصدر هو المؤسس الواقعي لحزب الدعوة، وقائده في أول أربع سنوات؛ ثم مرشده الفقهي والفكري بدءاً من العام 1961؛ ثم قائده عملياً مرة أخرى في السنة الأخيرة من حياته؛ أي حتى استشهاده (4). و أبرز أدلة هذه الحقيقة:

1- إن السيد محمد باقر الصدر هو أحد الخمسة الأوائل الذين ناقشوا فكرة الحزب، وحوّلوها الى واقع قائم، وأنه قام بنفسه بمفاتحة بعض الشخصيات التي ساهمت معه في التأسيس.

2- إن السيد محمد باقر الصدر هو الذي أتاح فقهياً للحزب فرصة التأسيس؛ فمن خلال الدراسة التي استدل فيها على جواز تأسيس دولة إسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي، وإمكانية قيام جماعة إسلامية لتحقيق هذا الهدف؛ تمكن أصحاب فكرة الحزب من تحويل الفكرة الى واقع. و هذه النظرية التأسيسة التي دوّنها السيد الصدر نقلت الفقه السياسي الإسلامي الشيعي من واقع الى واقع آخر، ولم يسبقه اليها فقيه شيعي؛ فلأول مرة في مسار الفقه السياسي الاسلامي؛ ينظِّر فقيه شيعي لتأسيس دولة إسلامية؛ خالصة في قاعدتها النظرية ونظامها السياسي؛ في عصر الغيبة (5).

3- كان الصدر المجتهد الوحيد بين المؤسسين، ووجوده كفقيه أعطى الإذن الشرعي لقيام الحزب كجماعة منظمة من المؤمنين بدور قيادة الأمة باتجاه تأسيس دولة إسلامية في عصر الغيبة، ومايترتب على ذلك من وسائل وممارسات، وكذا شرعنة العهد التنظيمي والتولي للقيادة.

4- ظل الصدر منظراً لحزب الدعوة وقائداً فكرياً له؛ منذ لحظات نشوء فكرته. فقد كتب نظرية حزب الدعوة؛ المعروفة بالأسس الإسلامية؛ التي تمثل الأسس الفقهية والفكرية والسياسية للحزب. كما ظل المؤسسون وقياديو «الدعوة» يعودون إلى السيد الصدر في التكييفات الفقهية والفكرية، وكان صاحب المبادرة في هذا المجال(6).

5- قام الصدر بنفسه بعرض الأسس على جملة من كبار فقهاء النجف ومراجعها؛ كالإمام الحكيم والإمام الخوئي والشيخ حسين الحلي والشيخ مرتضى آل ياسين. وكان هذا العرض بمثابة إبلاغ رسمي لزعامات المنظومة الاجتماعية الدينية الشيعية بمشروع الحزب.

6- بالنظر لمركزه العلمي الفقهي الرفيع في الحوزة العلمية النجفية، وموقعه في الاجتماع الديني النجفي، وكونه سليل أحد أهم بيوتات المرجعية؛ فقد كان يصد عن الحزب موجات الإشكاليات والتشكيكات التي تطرحها بعض أوساط الحوزة أو العناصر المتدينة حول الحزب ومواقفه وتفاصيل أدائه؛ لأن كثيراً من أوساط المنظومة الدينية الشيعية النجفية لم تكن تستسيغ العمل السياسي عموماً، والعمل الحزبي خصوصاً. وفي دور مكمل؛ كان السيد محمد مهدي الحكيم بوصفه نجل مرجع النجف الأعلى، وأحد أهم عناصر الاجتماع الديني النجفي؛ يدفع عن حزب الدعوة الإشكاليات العملية التي يواجهها؛ فكان السيد محمد باقر الصدر في البعد الفكري والفقهي والحوزوي، والسيد محمد مهدي الحكيم في بعد الاجتماع الديني؛ سيف الدعوة ودرعها.

7- كان السيد الصدر يدير الاجتماعات التحضيرية والتأسيسية في النجف الأشرف، وكذا اجتماع أداء القسم في كربلاء، وكان المفروض أن يكون أول من يؤدي قسم الانتماء للحزب؛ لولا إصراره على أن يكون المرحوم السيد مرتضى العسكري أول من يؤدي القسم؛ باعتباره أكبر الأعضاء سناً (كان عمر العسكري آنذاك 45 سنة والصدر 22 سنة). وأقسم بعده السيد محمد باقر الصدر قسم الانتماء للحزب؛ فكان ثاني من يقسم؛ برغم أنه كان أحد الأعضاء الأصغر سناً بين المؤسسين العشرة؛ إذ كان السيد محمد باقر الحكيم الوحيد الذي يصغره سناً، أما السيد مهدي الحكيم فكان بعمره، أما المؤسسون السبعة الآخرون فكانوا أكبر منه سناً.

8- اختار السيد الصدر للحزب اسم "الدعوة الإسلامية"، ونظّر لهذه التسمية كثيراً، ولم يكن يريد منه مجرد اسم؛ بل صفة وغاية وهدفاً ووظيفة للحزب؛ أي أن "الدعوة" هي المضمون والجوهر، والحزب هو الشكل والوسيلة.

9- كان السيد الصدر العضو الأبرز في القيادة الرباعية الأولى بعد التأسيس؛ وإن لم تكن تسمى حينها رسمياً قيادةً؛ بل لجنة العمل. وقد تألفت اللجنة بعد مرحلة التأسيس من السيد محمد باقر الصدر والسيد مهدي الحكيم وعبد الصاحب دخيل والسيد مرتضى العسكري، وكان الصدر يدير اجتماعاتها، وبمثابة أمينها.

10- كان المشهور في مركز القرار الحوزوي النجفي والإيراني وأوساط المرجعيات الدينية، وقيادات الأحزاب السياسية العراقية واللبنانية والإيرانية؛ بأن السيد محمد باقر الصدر هو مؤسس حزب الدعوة الإسلامية ويقوده. فقد كشف حزب البعث العراقي هذا الأمر في وقت مبكر؛ فقام في عام 1961 أحد قيادييه في النجف (السيد حسين الصافي) بزيارة المرجعين السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي؛ وأبلغهم بخطورة الحزب الجديد الذي أسسه الصدر ويقوده؛ فكان جواب السيد الحكيم للصافي وهو ينهره: ((وهل تتصور أنك أحرص من السيد الصدر على الحوزة والنجف؟))(7). وكان جواب السيد الخوئي له: ((إذا كان السيد الصدر قد أسس هذا الحزب ويقوده؛ فأنا أول من ينتمي إليه)). وقد روى ذلك لي المرحوم الشيخ محمد باقر الأنصاري الذي كان حاضراً اللقاء(8). كما روى لي السيد موسى الخوئي أنه تحدث مع جده الإمام الخوئي حول الإشاعات التي كان يثيرها بعض حاشية (مكتب) السيد الخوئي ضد السيد الصدر أمام الوفود الطلابية التي كانت تزور النجف للقاء المرجعيات الدينية، ومنها شبهة كون السيد الصدر حزبياً وأنه يقود حزب الدعوة. فقال الإمام الخوئي: ((إذا كان محمد باقر الصدر في حزب الدعوة فأنا أيضاً سأكون في حزب الدعوة))(9). ونقل السيد كاظم الحائري عن المرجع الديني الإيراني السيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، أنه امتدح السيد الصدر حين طرح بعض علماء الدين في إيران أواخر الخمسينات موضوع تأسيس السيد الصدر لحزب الدعوة(10). كما أني اطلعت على وثيقة سرية لحزب تودة الشيوعي الإيراني عام 1962 يؤكد فيها وجود حزب إسلامي شيعي في العراق اسمه حزب الدعوة ويقوده السيد محمد باقر الصدر. وكانت هذه الوثيقة ضمن محفوظات السافاك الإيراني (مخابرات الشاه). ومن المعروف أن بعض كوادر وقيادات حزب تودة الإيراني والحزب الشيوعي العراقي كان يتبادل المواقع التنظيمية بين الحزبين، فضلاً عن تبادل المعلومات بينهم لمواجهة الحركة الدينية في العراق وإيران.

11- بعد انسحاب السيد الصدر من التنظيم في العام 1961؛ إثر طلب المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم منه أن يبقى مرشداً للحزب؛ ولكن من خارج الحزب؛ فإن علاقته بـ«الدعوة» ظلت تلاحمية وقريبة جداً؛ إذ ظل يتابع شؤون الحزب ويتدخل لحل ما يعترضه من مشاكل وخلافات داخلية، ويشارك في التنظير والتخطيط له. وكانت أهم قضية تمكن من حسمها هو منع انهيار حزب الدعوة في العامين 1963 و1964؛ إثر حدوث خلاف عميق بين قيادة الحزب في بغداد ممثلة بالثنائي محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل، ولجنة النجف ممثلة بالشيخ عبد الهادي الفضلي، وصدور بيانين انشقاقيين داخليين من الطرفين يفصل كل منهما الآخر من الحزب. فكان تدخل السيد الصدر حازماً في إنهاء الأزمة.

12- إن معظم تلاميذ السيد الصدر كانوا من الدعاة الأوائل أو دعاة المراحل اللاحقة، وأصبحوا من قيادات الحزب وكوادره فيما بعد، وكان هو الذي يبادر بتحريك بعض تلاميذه لضم زملائهم الآخرين إلى الحزب. وانتهى الأمر في العام 1979 إلى أن يكون ما يقرب من 60 بالمائة من تلاميذه، وحوالي 80 بالمائة من وكلائه في المدن العراقية كافة؛ أعضاء في حزب الدعوة. وبعد أن أصدر السيد الصدر حكمه الشرعي بفصل العمل الحزبي عن الحوزة العلمية في العام 1973؛ بهدف حفظ الحوزة العلمية النجفية والمرجعية الدينية وحزب الدعوة؛ فإنه استثنى بعض تلامذته داخل العراق، وكذلك وكلائه في المدن وتلامذته في خارج العراق؛ حرصاً على عدم إضعاف مسيرة الحزب وتنظيماته وعمقه الفكري والإيماني والروحي. وقد ألغى السيد الصدر حكمه نهائياً من خلال رسالته التي حملها تلميذه السيد عبد الكريم القزويني إلى قيادة الحزب خلال تواجدهم في مكة المكرمة في موسم الحج في العام 1979.

13- لم يحصل خلاف فكري أو منهجي أو سياسي أساس بين السيد الصدر وحزب الدعوة أو قيادته طيلة حياته. أما الحالات التي أدت إلى خلافات في الرأي والتوجه الميداني، فكان ذلك يدل على التلاحم بين الطرفين وعلى تدخل السيد الصدر المباشر في شؤون الحزب، وهو خلاف طبيعي يحصل في كل الأحزاب والتيارات والتنظيمات. فقد كانت الخلافات النظرية الميدانية والمزاجية بين أعضاء قيادة حزب الدعوة أنفسهم أكبر بكثير من أي خلاف مع السيد الصدر. صحيح أن السيد الصدر كان يبدي انزعاجه من تصرفات بعض قياديي "الدعوة" في الخارج وتصريحاتهم وكتاباتهم؛ كانزعاجه الدائم من الشيخ علي الكوراني، والمطالبة بإخراجه من القيادة، ولكن ـ عموماً ـ كان التباينات بينه وبين قيادة الخارج ليست أكثر من خلاف أبناء البيت الواحد.

14- كان السيد الصدر بعد العام 1974، وعلى إثر الضربتين الموجعتين اللتين وجهتهما دولة حزب البعث لحزب الدعوة؛ يجتمع مباشرة بالدعاة العسكريين والقائمين على التنظيم العسكري، ويدعوهم إلى تقوية التنظيم العسكري؛ لأنه الوحيد - في ظل القمع الشديد والإعدامات المتوالية - القادر على كبح جماح السلطة. وكان أحياناً يبدي عدم رضاه على حجم هذا التنظيم ويدفعه باتجاه الفاعلية الأكبر كماً ونوعاً. وبدأ من ذلك التاريخ يخصص للتنظيم العسكري أموالاً مما يصله من حقوق شرعية وحتى استشهاده.

15- كان السيد محمد باقر الصدر حتى تاريخ استشهاده يدعو من يجتمع به من قيادة حزب الدعوة في الداخل ووكلائه ومعتمديه الدعاة في المدن العراقية بضرورة النهوض بعملية ضم الشباب المتدين إلى حزب الدعوة. وقد نقل لي عدد من وكلائه ومعتمديه؛ كالسيد حسن شبر والشيخ عبد الحليم الزهيري؛ بأن السيد الصدر في اجتماعاته الخاصة بهم في أواسط العام 1979 كان يؤكد ضرورة توسيع التنظيم وضم شباب جدد إليه (11). كما كان يجتمع بقيادة حزب الدعوة في الداخل مباشرة ويوجههم ويتابع عملهم، ولم تكن قيادة الداخل تخطو أية خطوة استراتيجية دون الرجوع إليه. ومن بين من كان يجتمع بهم من القياديين بانتظام: السيد حسن شبر ومهدي عبد مهدي والشيخ حسين معن وجواد الزبيدي.

16- ظل السيد الصدر خلال العامين 1979 و1980 يكرر توصيته إلى مقربيه بالاهتمام بحزب الدعوة وبشبابه. وقد أبلغ توصياته المتواترة المشهورة ((أوصيكم بالدعوة خيراً فإنها أمل الأمة)) و((أوصيكم بشباب الدعوة فإنهم أملي)) الى كثير من تلامذته ومقربيه، ومنهم السيد محمود الهاشمي والسيد محمد باقر الحكيم والسيد حسن شبر والشيخ محمد رضا النعماني، ونقلوها عنه مباشرة.

17- رفض السيد الصدر رفضاً قاطعاً طلب صدام حسين المتكرر إصدار فتوى بحرمة الانتماء لحزب الدعوة مقابل إيقاف قرار إعدامه. ولكنه فضّل الموت على ذلك. ولذلك كان حكم إعدامه طبقاً للقرار 461 الصادر في 31 آذار من العام 1980، على وفق المادة 156 عقوبات، والقاضي بإعدام كل من ينتمي إلى حزب الدعوة ويروج أفكاره ويعمل على تحقيق أهدافه (12).

وهناك قرائن أخرى تؤكد جميعها أن السيد محمد باقر الصدر كان أبرز مؤسسي حزب الدعوة؛ بل أن مسيرة التأسيس وسنوات الحزب الأولى أفرزته القيادي المؤسس الأول، والأكثر تاثيراً

 

علي المؤمن

.........................

الإحالات

(1) من ندوة حوارية للسيد محمد مهدي الحكيم خلال العام 1984 مسجلة على أربعة أشرطة، وتم إصدارها من مركز دراسات تاريخ العراق الحديث في كتيب تحت عنوان «التحرك الإسلامي في العراق» في العام 1988؛ بعد إعادة صياغتها وتعديلها. كما دونت هذه المعلومة منه في لقاء معه في بيت السيد محمد باقر الحكيم في طهران خلال شباط من العام 1986.

(2) من مقابلات خاصة مع السيد حسن شبر خلال ثلاثة عقود.

(3) السيد حسن شبر، لقاء خاص، خلال العام 2015، وأيضاً مقابلة معه في جريدة البيان (البغدادية) في 15/9/2012.

(5) وتمظهر ذلك في دراسته الأولى التي كتبها في العام 1956؛ والتي تأسس حزب الدعوة استناداً إليها. انظر: علي المؤمن، «الفقه والسياسة: تطور الفقه السياسي الإسلامي حتى ظهور النظريات الحديثة»، ص 78.

(6) بعد دراسته الأولى كتب السيد محمد باقر الصدر عدداً نوعياً من النشرات الداخلية لحزب الدعوة؛ أهمها على الإطلاق «أسس حزب الدعوة الإسلامية»، المعروفة بـ «الأسس الإسلامية».

(7) انظر: «سنوات الجمر»، ص 89.

(8) المصدر السابق.

(9) ضمن لقاءاتي بالسيد موسى الخوئي خلال العام 2015.

(10) «سنوات الجمر»، ص 91.

(11) ضمن لقاءاتي بالشيخ عبد الحليم الزهيري والسيد حسن شبر خلال العام 2015.

(12) انظر تحليلاً عن القرار في كتاب «سنوات الجمر»، ص 340. واحمد ابو زيد، ج5، والشيخ محمد رضا النعماني، «سنوات المحنة»، ص 157.

(13) للمزيد راجع: علي المؤمن، جدليات الدعوة: حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي، ص 25- 48.

 

 

جودت هوشيارنال مكسيم غوركي ( 1868 – 1936) شهرة عالمية في اوائل القرن العشرين، وهو لما يزل شابا في حوالي الثلاثين من عمره وأصبح واحداٌ من الكتّاب الأكثر مقروئية في روسيا والعالم .

وفي العهد السوفيتي اطلق اسمه على المدن والشوارع والمصانع والجامعات والمكتبات والمسارح والمتنزهات وحتى بعض السفن والطائرات، ربما يتبادر الى الذهن اسماء بوشكين وجوجل وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف . حقا كان هؤلاء الأدباء هم الأكثر شهرةً وأسماهم مكانةً في الادب الروسي، ولكن لم يطلق اسماؤهم على المدن، ولم يتم اقامة تماثيل لهم، ولم تدرّس أعمالهم في المدارس والجامعات،عندما كانوا على قيد الحياة .

اذكر جيدا عندما كنت ادرس في موسكو، في الستينات من القرن الفائت،كان الشارع الرئيسي في قلب العاصمة، وبارك الثقافة الرحب البديع، ومسرحين اثنين، ومعهد الأدب العالمي، ومحطة مترو، يحمل اسم غوركي، وينتصب تمثاله شامخاً أمام محطة قطار " بيلاروسكايا" . أما اليوم، فاننا لا نجد في موسكو شيئاً يذكرنا بالكاتب العظيم، ولا حتى زقاقا ضيقاً يحمل اسمه . فمنذ عهد البريسترويكا حاول العديد من النقاد الروس الجدد، العاملين في خدمة دور النشر والإشهار التجارية النيل من مكانة غوركي الرفيعة على خارطة الأدب الروسي والعالمي، والبحث عن عما يزعم من ازدواجية شخصيته أو غموضها، وعن اسراره الشخصية الموهومة، انسجاما مع التوجه السياسي العام في البلاد.

وفي الوقت نفسه أخذ غوركي يستعيد مكانته السابقة في الغرب بظهور العديد من البحوث العلمية عن حياته الحافلة بالإنجازات الإبداعية والأحداث المثيرة . كيف يمكن تفسير هذا التناقض بين النظرتين الروسية والغربية الى غوركي وتراثه ؟

لم تكن شهرة غوركي مصطنعة أبداً، ولا نتيجة للدعاية السوفيتية، وانما جاءت على نحو طبيعي وسريع بعد خطواته الأولى في المجال الأدبي في العهد القيصري . فقد نشر النقاد والباحثون خلال العقد الاول فقط من نشاطه الادبي (1892- 1902) ما يقرب من 2000 مقال وبحث عن اعماله. لم يكتب مثل هذا العدد من البحوث عن اي كاتب روسي آخر خلال تلك الفترة . وكان محل اعجاب وتقدير كبار الأدباء وبضمنهم تشيخوف وكورولينكو وليونيد اندرييف .وبلوك وتسفيتايفا، والنخب المثقفة والقراء العاديين على حد سواء.

انتخاب مكسيم غوركي عضوا في اكاديمية العلوم الروسية عام 1902، أثار حفيظة القيصر نيكولاي الثاني وأمر الأكاديمية الغاء هذا الأنتخاب . وقدم انطون تشيخوف وفلاديمير كورولنكو استقالتهما من الأكاديمية احتجاجا على ذلك .

فقد كان تشيخوف يقدّر عالياً موهبة غوركي، وقال في احدى رسائله عام 1902 : " إن غوركي موهبة كبيرة وحقيقية، وهو مصنوع من عجينة الفن .

وقال في رسالة أخرى مؤرخة في عام 1903 : " غوركي كاتب كبير . وهو أول من كتب بازدراء واشمئزازعن (البورجوازية الصغيرة ) في روسيا والعالم، في وقت كان فيه المجتمع مهيئا للأحتجاج . سيأتي زمن تنسى فيه أعمال غوركي ، ولكنه هو نفسه من غير المرجح ان ينسى حتى بعد ألف عام ".

غوركي كاتب استثنائي وجاء "في الوقت المناسب" تماما، ولا اقصد بذلك شعبيته الواسعة، بل ان اعماله عبّرت عن تناقضات الواقع و عن هموم الكادحين والتطلعات الانسانية والآمال الدفينة للشعب الروسي في العصرالذي عاش فيه، وهذا العصر هو الذي مجّد غوركي واكسبه شعبية هائلة .

عندما كان غوركي في المهجر في مدينة كابري الأيطالية كان يدعو الى ثورة اشتراكية انسانية واحترام الأديان لا محاربتها كما كان ينادي بذلك لينين وكان هذا مبعث خلاف شديد بين الصديقين لينين وغوركي .ولكن الخلاف بينهما لم يصل الى حد القطيعة ذلك لأن كل منهما كان بحاجة الى الآخر . . كان الحزب البلشفي بحاجة الى سلطة غوركي المعنوية الكبيرة في روسيا وأوروبا .والذي كان يعطي للحزب وزنا يحتاجه الحزب . وكان غوركي بدوره يعتقد ان الحزب البلشقي هو الحزب الوحيد القادر على احداث التغيير في المجتمع الروسي .

ورغم أنه لم يكن عضواً في الحزب البلشفي، الا أنه قدّم للحزب مساعدات مالية كبيرة من دخله الشخصي، تقدّر بمئات ألآف الروبلات . وكان هذا مبلغاً ضخماً في ذلك الحين .في وقت كان الحزب يمر فيه بفترة عصيبة في العهد القيصري، وكان الكاتب يتوقع أن تحقق الثورة آمال الجماهير العريضة، ولكنه أصيب بخيبة أمل،. فبدلا من الحرية والمساواة وصيانة الكرامة الأنسانية وصوغ انسان جديد لا يعرف الأنانية ونزعة التملك ويعمل من اجل اسعاد الشعب، رأى في ثورة اكتوبر1917 "تمردا روسيا شرسا لا يعرف الرحمة ولا معنى له " .

و بين عامي 1917 –1918 نشرفي صحيفة (نوفايا جيزن) التي كان يصدرها سلسلة مقالات تحت عنوان " أفكار في غير أوانها " ينتقد فيها البلاشفة نقداً لاذعاً . واطلق على البلاشفة اسماء من قبيل "المتعصبون العميان" و "المغامرون "، وأدان بشدة العنف الفوضوي والقتل المجاني، والاعتقالات ،التي لا معنى لها. ودعا المثقفين الى توعية الشعب، كطريق وحيد للخلاص من العنف اللامبرر . وقد جمع غوركي هذه المقالات في كتاب صدرعام 1918 . ولم تظهر طبعة جديدة منه، الا في عام 1990

ورغم الوضع الاقتصادي المتردي واصل غوركي عمله التنويري في تأسيس دور نشر تتولى ترجمة ونشر " الأدب العالمي " . النفوذ المعنوي الهائل للكاتب انقذ عشرات الأدباء والعلماء المبدعين من الإعدام ومئات غيرهم من الإعتقال أو النفي . ولكن محاولاته كانت تصطدم احياناً بعناد السلطة، فقد أخفق في انقاذ الشاعر " غوميلوف " زوج الشاعرة " آنّا أخماتوفا "من الأعدام، ولم ينجح في اقناع السلطة بالسماح للشاعر العظيم الكساندر بلوك بالسفر الى ألمانيا للعلاج .وكانت نهاية بلوك المفجعة - الموت مرضا وجوعا - مؤلمة للكاتب الإنساني .

الموقف الذي اتخذه الكاتب في السنوات التي تلت ثورة اكتوبر، وخاصة دفاعه المستميت عن الأدباء والعلماء المضطهدين،أثار استياء البلاشفة وفي مقدمتهم لينين الذي نصح غوركي عام 1921 بالسفر الى الخارج للمعالجة الطبية .وأضاف مازحاً: " وبعكسه سنرحلك " . وادرك غوركي معنى "نصيحة " لينين وغادر البلاد على اثرها .

وكان غوركي يعتزم العودة في غضون بضعة أشهر، ولكن الأمور جرت على نحو مختلف وتأخرت عودته أكثر من عشر سنوات .

عاش في البداية في المانيا . وفي عام 1924 سافر الى ايطاليا واستقر في بلدة (سورينتو) الجنوبية المشمسة .

عندما توفي لينين عام 1924 طلب غوركي أن توضع على النعش نيابة عنه باقة ورد كتب عليها " وداعاً يا صديقي " . ثم شرع بكتابة مذكراته عن لينين تحت عنوان " الأنسان الكبير " وخضعت المذكرات لرقابة شديدة قبل ان تنشر في عام 1924. ورد في المذكرات الكثير من التفاصيل المؤثرة. وطيلة اقامته في الخارج ( في ايطاليا اكثر الوقت ) لم ينضم الى المهاجرين الروس، ولم يهاجم النظام السوفيتي، بل أخذ موقفا ايجابيا من التحولات الجديدة ومحاولات البلاشفة لتحديث نواحي الحياة في روسيا . لذلك لم يفقد شعبيته في روسيا ولم تعتبره السلطة السوفيتية من المنشقين، بل بالعكس وجهت اليه دعوات كثيرة من منظمات ثقافية ومهنية للعودة الى البلاد . وجاء غوركي في زيارة الى روسيا عام 1929 لجس النبض والأطلاع على الأوضاع العامة فيها . وقوبل باحتفاء بالغ واحتفلت البلاد بالذكرى الستين لمولده بحماس كبير، واطلق اسمه على الفرع الادبي لجامعة موسكو وانتخب عضوا في الاكاديمية الشيوعية وما الى ذلك من مظاهر الترحيب والتقدير

خلال هذه السنوات عمل على استكمال "ثلاثية السيرة الذاتية " كما كتب رواية " قضية أرتامونوف " (1925)، ومسرحية "إغور بوليشيف وآخرون " " (1932)

حاولت السلطة السوفيتية استمالته واغراءه للعودة الى الوطن . وقد زار غوركي روسيا ثلاث مرات في أعوام ( 1928، 1929، 1831)، وقد نظمت السلطة له خلالها جولات الى مواقع انشاء المشاريع الجديدة، ولكنه لم يزر قط معسكر الإعتقال في جزر " سولوفيتسكي " كما زعم لاحقاً الكسندر سولجنيتسن في روايته " أرخبيل غولاغ ". وهذه الفرية جانب وأكاذيب ملفقة أخرى شاعت على أقلام سماسرة النقد الأدبي العاملين في خدمة دور النشر التجارية الروسية بعد تفكك الإتحاد السوفيتي . من اجل تشويه سمعة غوركي . ولا مجال هنا للخوض في كل الأوهام والأساطير التي تنسج اليوم لأبعاد الجيل الجديد من الأطلاع على أدب غوركي الإنساني ..

وفي يونيو 1933 عاد بشكل نهائي وقام بالاشراف على اصدار سلسلة من الكتب بعنوان "مكتبة الشاعر"، ومجلتين "إنجازاتنا" و "الدراسات الأدبية". ساهم غوركي في الأعمال التحضيرية للمؤتمر التأسيسي لأتحاد الكتّاب السوفيت الذي انعقد في عام 1934. وضعت السلطة السوفيتية على الكاتب العالمي آمالاً كبيرة بوصفه شخصية قادرة على لمّ شتات التيارات الأدبية العديدة وتوحيدها في منظمة واحدة . في حين أن الكاتب نفسه كان بعيداً عن التفكير في السيطرة الشاملة على النشاط الأدبي .

كانت علاقة غوركي مع ستالين معقدة،. ولم يثر الزعيم الجديد إعجابه الذي شعر به ازاء لينين.، وفي الوقت نفسه، من الواضح أن غوركي بدوره لم يحقق آمال ستالين ..

خصصت الحكومة السوفيتية قصرا لغوركي في موسكو كان يعود الى احد النبلاء الذين استولت البلاشفة على ممتلكاتهم، كما خصص له منزلا صيفيا للاستجمام على ساحل شبه جزيرة القرم .استغرب العديد من الناس من الفخامة والرفاهية التي احيط به الكاتب البروليتاري ولكن المنازل الفاخرة كانت في الحقيقة " قفصاً ذهبياً " .

كان غوركي في العهد القيصري تحت مراقبة الشرطة، ولكن كان بامكانه التواصل مع الجميع . والأحتجاج عبر الصحافة ونشر كتبه ومجلاته . اما في العهد السوفيتي، فأن اقرب اصدقائه لم يكن بوسعهم زيارته دون الحصول على موافقة امنية مسبقة وقد احيط قصره بحراسة مشددة ومنع الناس من الأقتراب منه كمنطقة محرمة .

في عام 1934، توفي ابنه الحبيب مكسيم، بشكل غير متوقع - كان السبب الرسمي المعلن للوفاة هو الالتهاب الرئوي المزمن، ولكن العديد من افراد عائلته، بما فيهم غوركي نفسه، لم يصدقوا ذلك، وأيقنوا أن موته كان مدبرا . وان هذا تحذير للكاتب الذي لم ينفذ طلب ستالين كتابة رواية سيرة ذاتية أو مسرحية عن " أبو الشعوب " . ومنذ بداية عام 1935، كان غوركي قيد الإقامة الجبرية عمليا بذريعة "ضمان سلامة الكاتب البروليتاري العظيم.

، وكان هذا العزل تمهيدا لقتله . وفي عام 1935 طلب غوركي السماح له بالسفر الى المانيا أو ايطاليا للعلاج ولكن ستالين رفض ذلك

من قتل غوركي؟

في 6 يونيو 1936 اعلنت الحكومة السوفيتية تردي صحة غوركي منذ بداية الشهر، ولكن التقارير اليومية الصادرة عن الحالة الصحية للكاتب كانت سخيفة ومشوشة ومتناقضة وحافلة بالثغرات والكذب الصريح من اجل تهيئة الراي العام لقبول فرضية الوفاة الطبيعية للكاتب الشهير، التي اعلنت في 18 يونيو 1936.

. تم تشريح جثة غوركي على عجل فور مفارقته الحياة، وعلى طاولة الطعام في بيته الريفي . تم استخراج الأحشاء وخياطة الجثة بخشونة، ورمي دماغ المتوفي في دلو ونقله الى معهد الدماغ في موسكو .تقرير التشريح يشير الى ان الوفاة نجم عن التهاب حاد في الفص السفلي من الرئة اليسرى . تم حرق ما تبقى من الجثة وحفظ رمادها. كان ستالين في مقدمة من شارك في مراسم جنازة الكاتب وحمل نعشه،وقد تم دفن الرماد في جدار الكرملين على خلاف وصية غوركي بدفنه بجوار ضريح إبنه في مقبرة " نوفي ديفيجي " في موسكو .

في مارس عام 1938 اتهمت الحكومة السوفيتية رسميا اعداء الشعب - الجناح التروتسكي داخل الحزب - بقتل غوركي . حيث جرت محاكمتهم والحكم عليهم بالاعدام . مرافعة المدعي العام السوفيتي خلال المحاكمة تضمنت تفاصيل (اعترافات) المتهمين وتحليلا للأسباب التي دفعت المتهمين الى قتل غوركي ووصفا لطريقة القتل . .

المدعي العام كان متناقضا في مرافعته حول كيفية قتل الكاتب، فقد قال مرة انه قد تم تسميمه، ومرة اخرى قال ان الطريقة الخاطئة المتعمدة، التي عولج بها هي التي سببت المضاعفات وادت الى وفاة الكاتب .وأشار الى خلاصة تقرير خبراء دون أن يسميهم بان غوركي مات نتيجة حقنه بجرعة كبيرة من المورفين وفي النهاية تم اعدام كل من كان لهم علاقة بمعالجة الكاتب – ثلاثة قياديين في جهاز المخابرات بضمنهم رئيس الجهاز يهوذا والاطباء المعالجين .

بعد وفاة الكاتب بدأ البحث عن أرشيفه الإيطالي. وكان يتضمن مراسلاته السرية مع عدد من قادة الحزب والأدباء البارزين المعارضين لستالين، الذين تمت تصفيتهم . كان الارشيف يقلق ستالين فقد كان هناك رسائل من بوخارين، وريكوف، وكاممينيف وآخرين من قادة الجناح التروتسكي في الحزب .

ماريا بودبيرغ سكرتيرة الكاتب في سورينتو بايطاليا، التي كانت امراة قريبة من غوركي بكل المعاني، جلبت هذا الارشيف الى موسكو بتكليف من جهاز المخابرات . وخلال تشييع جنازة غوركي كانت تسير وراء ستالين مباشرة.

طوال 70 عاما ظل وفاة غوركي محل شك ةريبة، يلفها الغموض، ليس بين النخب الثقافية فقط، بل حتى في الأوساط الشعبية . وكانت ثمة ثلاثة تفسيرات شائعة لوفاة الكاتب وهي :

1- وجهة النظر الرسمية كما تناقلتها الصحافة السوفيتية، وهي أن الترتسكيين هم الذين قتلول غوركي بإيعاز مباشر من تروتسكي نفسه . وفي محاكمة القادة التروتسكيين داخل الحزب والحكومة اتهم كل من ن . بوخارين، و أ. ريكوف، غ . يهودا، وب . كريوجكو، والطبيبين المعالجين لغوركي ل . ليفين، و د . بليتنيوف بقتل غوركي .

2- تم قتل غوركي بأمر من ستالين ونفذه على نحو بارع

وظل لغز موت غوركي غلمضا ال نهاية القرن العشرين عندما تم نشر الوثائق السرية ذات العلاقة بغوركي المحفوظة في ارشيف الرئاسة السوفيتية .

وقد توصلت " لجنة اعادة الإعتبار الى أولئك الذين تعرضوا للقمع بطريقة غير مشروعة في عهد ستالين " الى براءة الأطباء المعالجين لغوركي من التهم الموجهة اليهم، ولكن اللجنة لم تبريء يهوذا والمختبر البايولوجي السري التابع لجهاز المخابرات . تم حقن الكاتب المريض بمصل دم ملوث بالبكتريا، تم جلبه من المختبر المذكور، لكي يبدو الموت طبيعيا

وهي بكتريا ليست خطرة على ما يبدو على الشباب الأصحاء وحتى الأطفال، ولكنه يشكل خطرا لرجل عجوز مصاب بالسل منذ سنوات طويلة . ومع ذلك لم يؤد الحقن الى موت غوركي وظل يصارع المرض . وكان المختبر يحوي ليس السموم فحسب، بل لقاحات أمراض مختلفة كانت تستخدم لتصفية الشخصيات المعارضة لستالين ..

كتب رجل الأمن المسؤول عن حماية قصر غوركي قي مذطراته يقول : " ان العديد من الأطباء أبدوا استعدادهم لمعاجة غوركي ولكن طلباتهم رقضت . وأن الأمبولة التي أرسلها القنصل الروسي في باريس وزعم أنه اكتشاف جديد وباهر سيؤدي الى شفلء المريض . ولكن هذا المصل هو الذي أدى الى تفاقم حالة المريض وموته

ترى لمصلحة من كان ازالة غوركي؟ هل قام يهودا بهذا العمل بناءاً على أوامر ستالين أم من دون علم الأخير؟ يزعم بعض الباحثين أن المعارضة التروتسكية داخل الحزب البلشفي هي التي قامت بتصفية غوركي، ولكن ذلك يناقض الواقع، ذلك لأن قادة التروتسكيين الذين تمت ادانتهم والحكم عليهم بالأعدام كانوا من أصدقاء غوركي مثل كامينيف الذي انقذه غوركي من النفي. ونرى أن السبب الحقيقي لتصفية غوركي وازالته هو التمهيد للحملات القمعية الشهيرة والمحاكمات الصورية بين عامي 1937 -1838 التي كان ستالين يستعد عن طريقها تصفية المعارضة لحكمه الدكتاتوري المطلق سواء داخل الحزب أو في أوساط المثقفين . ويقول تقرير رسمي أعده جهاز المخابرات بناء على طلب خروشوف بعد وفاة ستالين، ورفعت السرية عنه في سنوات البريسترويكا : "أن معدل عدد المعدومين بتهمة معارضة النظام بلغ خلال عامي 1957-1938 حوالى الف شخص يوميا ". ولا شك أن السلطة المعنوية الهائلة للكاتب الإنساني العظيم كانت ستقف عائقا امام ستالين لتنفيذ مخططه الدموي، نظراً لمعارضة الكاتب الشديدة لكل أنواع العنف اللامبرر . ظل غوركي اربعين عاما كان ستالين يحاول استغلال الكاتب لكسب الرأي العام، وليس كشخص له رأيه الخاص في ما يجري في البلاد. لقد ظل غوركي لمدة اربعين عاما سلطة اخلاقية حتى بالنسبة لأولئك الذين كرهوا حلفائه السياسيين ..

رشح غوركي خمس مرات لنيل جائزة نوبل في الاداب .وكان من ضمن المرشحين لنيها عام 1933 ولكن الجائزة ذهبت ذلك العام الى الكاتب الروسي ايفان بونين – والأخير كاتب كبير بلا شك ويستحق الجائزة عن جدارة - ولكن العديد من الكتاب والشعراء الروس كانوا يرون ان غوركي احق من بونين لنيل الجائزة .وكتبت الشاعرة العظيمة مارينا تسفيتايفا تقول " أنا لا أحتج، ولكني فقط غير موافقة، لأن غوركي كاتب اهم من بونين، وأكثر إنسانية، وأكثر فرادة، وأكثر ضرورة . غوركي هو عصر بكامله، وبونين هو نهاية عصر. ولكن هذه هي السياسة، لأن ملك السويد لا يمكن أن يمنح الجائزة إلى كاتب بروليتاري

 

جودت هوشيار

 

كان الشيب قد غزا لحيته الكريمه والضغف والوهن دبّ في جسده الشريف، وعلى العكس من المرتين السابقتين اللتين تشرفت خلالهما بلقائه. ففي المرة الثانية؛ زرته مع جمع من الشباب في منزله فوجدناه جالسا في غرفة صغيرة تقع إلى جهة اليسار من باب البيت، وجلس إلى جنبه عدد من طلبته، وكان أحدهم يفتح الرسائل الموجّهة للسيد، وكان يجيب على ما ورد فيها من أسئلة، وقد استشاره في احد المرّات – ولم أعرف من هو، لكن صورته التي مازالت منطبعة في ذاكرتي توحي بأنه السيد محمود الهاشمي الذي يتولى اليوم مسؤولية رئاسة مجمع تشخيص النظام في ايران.

جلسنا أمامه والرهبة تملأ قلوبنا لأن صيته ذاع في ذلك الوقت بغزارة علمه وخاصة في الفلسفة والإقتصاد، وإن كنا في ذلك الوقت لم نقرأ تلك الكتب ولم تكن لدينا الأرضية العلمية اللازمة لفهمها، وبخاصة كتابا “فلسفتنا” و”اقتصادنا”، ولكني أذكر أني طالعت جلد الكتاب، وكان فيه تقريض لوزير الأوقاف حينها أحمد عبدالستار الجواري، وهو يكيل فيه المدح للشهيد محمد باقر الصدر قدس الله نفسه الزكية. جلسنا امامه وكأن على رؤوسنا الطير بالرغم من بشاشة وجهه وتواضعه، لكنا كنا نشعر أننا نقف أمام صرخ شامخ من العلم.

كان من المقرّر أن ألقي كلمة باسم الوفد، لكن الكلمات تكسرت بين شفتي وكانت يدي ترتجف وأنا أرشف ”استكان“ الشاي الذي كان يحضره شخص أفغاني، لفت انتباهي عند دخولنا إلى بيت السيد، عندما عاد إلى البيت السيد جعفر الصدر نجل السيد الشهيد، وقد كان عمره لا يتجاوز الخمس أو الست سنوات في العام 1979 وقد عنفه ذلك الرجل والقلق باد على محياه، لأن جعفر تأخر في العودة الى البيت مع أن الوقت كان قبل الظهر. صمتنا أثار انتباه السيد، فما كان منه إلا أن بادر بالكلام قائلا ”لقد حاول المستعمرون أن يبعدوا الشباب عن علماء الأمة وها هم الشباب يتقربون من العلماء“، ثم خرجنا من عنده وأنا أتلقى اللوم من الآخرين لأني لم الق كلمة باسم الوفد أمام السيد.

وأما المرة الأولى التي شاهدت فيها الشهيد السعيد والفيلسوف آية الله العظمى محمد باقر الصدر؛ فكانت في كربلاء، وكنا لتوّنا أنهينا زيارة الإمام الحسين، وكان من المقرّر أن أعود إلى جامعة البصرة، وأثناء العودة وفي أحد شوارع كربلاء شاهدنا رجل دين برفقة شخص، فنظرت لصديقي المرحوم أبو مريم, وسألته أليس هذا السيد محمد باقر الصدر، إذ لم نره من قبل إلا في الصور، فقال لي أبو مريم أظن ذلك، ولكن دعنا نسأل مرافقه، الذي أكد أنه هو وأنهما متوجهان للزيارة، فسلمنا عليه وسألنا المرافقة إن كان يسمح لنا بمرافقته بالزيارة، فأجاب بالإيجاب وسرنا خلفه، وكان الجو قائضا، فذهب أبو مريم واشترى ”مهفّة“ وبدأ يحركها على وجه السيد، فما كان منه إلا أن رفض ذلك قائلا لأبي مريم: “أرجوك لا تفعل”.

كنا اثنين فقط نمشي خلف السيد، وبعد دقائق تحولنا إلى مسيرة عظيمة من الشباب تمشي خلفه، إذ لم تتوقف الأسئلة من الزائرين عما إذا كان هذا هو الصدر، وكنا نرد بالإيجاب والجميع ينضم إلينا، ولازلت أذكر عندما قلت لأحدهم نعم إنه محمد باقر الصدر، فقال لي هل هو مؤلف هذا الكتاب، وكان يحمل كتاب “بحث حول الولاية”، فقلت له نعم. شكلنا حوله حلقة لحمايته لشدة الزحام، فسار بنا في شوارع كربلاء، فزرنا الإمام الحسين عليه السلام وأخاه العباس، ثم عاد متوجها إلى السيارة التي أقلته، وحيث التقيناه عند البدء. سار خلفه آلاف الشباب في مظهر عظيم أثار حنق وغضب رجال الأمن الصدامي المنتشرين في زوايا المدينة. ومع قرب وصول السيد إلى السيارة التي أقلته؛ توجه نحونا مرافقه قائلا: “السيد يطلب أن تتوقفوا”، فتوقت الجموع، ولم تخط خطوة واحدة بعده، وحينها دخل الزقاق وركب سيارته. كان مظهرا لا ينسى، وأمر فسرناه بأن الشهيد السعيد أراد أن يظهر للسلطات الصدامية بان هناك آلاف الشباب ممن تأتمر بأوامره وتلبيها.

في كلا هذين اللقاءين كان الشهيد مربوعا بلحية سوداء فيها بعض الشيب، وعلى العكس من آخر مرّة التقيته فيها أثناء الحصار الذي فرضته السلطات عليه في منزله. فقد قرّرنا زيارته برغم المخاطر، وتوجهنا نحو بيته أنا وأخي الشهيد السعيد الشيخ مهدي مبروك الذي كان يرتبط بعلاقة وثيقة بالشهيد الصدر بالرغم من صغر سنه. أدخلونا البيت وصعدنا إلى الطابق العلوي، وكان يجلس في غرفة إلى اليسار. دخلنا عليه وكان هناك حضور وبينهم رجل دين. كان منهكا وهزيل القوى، لكن ذهنه الوقاد كان يستحوذ على الألباب، وبعد أن سلمنا عليه وجلسنا كان في ذهننا سؤال اتفقنا على طرحه عليه. وهو: ما هي النظرية الإسلامية في تفسير التاريخ. كان المد الإسلامي أخذ بالإنتشار في العراق عقب الثورة الإسلامية في ايران وبدأت تُطرح العديد من المواضيع للنقاش، ومنها تفسير حركة التاريخ، وقد أدلى بدلوه حينها في هذا المضمار الدكتور عماد الدين خليل من أبناء مدينة الموصل، إذ أصدر كتابا تحت عنوان “التفسير الإسلامي للتاريخ”.

وقد أجابني الشهيد الصدر قائلا ”إن النظرية الإسلامية في تفسير التاريخ تقوم على ثلاثة عوامل وهي الوحي والأرض والإنسان“، ثم أسهب في الحديث عن تلك العوامل ضاربا عدة أمثلة لا زالت منقوشة في ذهني. وأولها أن الوحي هو من يصنع التاريخ، وضرب مثلا لذلك بالإسلام الذي غير وجه الجزيرة العربية والعالم، إذ أشار السيد إلى أن الإنسان في الجزيرة كان يفتقر لمقومات صناعة التاريخ، فهو متخلف يأد النساء ويعاني من الفقر ويشن الغزوات، كما وأن الأرض بحسب السيد الشهيد كانت صحراء قاحلة تفتقر لمقومات بناء حضارة وصناعة تاريخ، لكن الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله سلم هو الذي صنع ذلك التحول التاريخي، وحوّل ذلك الإنسان الجاهلي إلى صانع حضارة.

ثم ضرب مثلا بإرم ذات العماد كمثال على منعة الطبيعة التي تصنع التاريخ، لافتا إلى أن الوحي لم يكن له دور ولا الإنسان الذي كان بسيطا وغير متطور، لكن الطبيعة المحصنة هي التي مكنت إرم ذات العماد من أن تصنع التاريخ. ثم اختتم السيد الشهيد حديثه ذاكرا اليابان، مشيرا إلى أن لا الوحي ولا طبيعتها صنعت التاريخ، بل هو الإنسان الياباني الذي استخدم طاقاته الفكرية، فصنع تلك الحضارة والتاريخ. عدنا من زيارته ونحن قلقون عليه، ولكن لم تلبث سوى بضعة شهور حتى جاء خبر استشهاده مساءا، وكانت السماء مكفهرة، وقد نزل علينا الخبر كالصاعقة، وكنت حينها طالبا في كلية الهندسة الكهربائية بجامعة البصرة، قرّرنا عدم الدوام في اليوم التالي أنا وصديقي وأخي الشهيد زكي حميد عبود من اهالي منطقة الجمهورية بالبصرة، والشهيد السعيد خضير عباس بطيخ من أهالي البصرة الكرام.

وفي اليوم الذي تلاه وعندما عدنا إلى الدوام سمعنا بأن أحد الأبطال من طلاب كلية الزراعة وقف وسط النادي الجامعي في مجمع التنومه، هاتفا: “لقد أقدمت الزمرة المجرمة على إعدام آية الله العظمى محمد باقر الصدر”، فما كان من جلاوزة الأمن الجامعي، ومنهم المدعو حقّي اسماعيل حقّي من أهالي الناصرية، إلا وانهالوا عليه بالضرب من كل حدب وصوب، ثم اقتادوه إلى مديرية أمن البصرة، ولم نعلم له أثرا من بعد ذلك.

فسلام عليك أيها الشهيد السعيد يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّا، وهنيئا لمن سار على طريقك وتمسك بنهجك، فقد آثرت الشهادة على أن تتنازل عن مبادئك وتسقط أمام إغراءات الدنيا التي فتح أبوابها أمامك نظام البعث مقابل كلمة منك تمدح فيها ذلك النظام، لكنك رفضت ولوجها. والخزي والعار على كل من تاجر بدمك وبدماء الشهداء ممن يخضم اليوم مال العراق خضم الأبل نبتة الربيع، والسلام على جميع الشهداء الأبرار الذين عرفتهم وعرجت أرواحهم الطاهرة إلى علّيين.. فلقد كانوا عشّاقا للصدر وأوفياء لنهجه القويم.

 

ساهر عريبي

 

 

abas alkafajiوهكذا دفن سيد شباب البلاد قرب أبيه في المقبرة الملكية في الأعظمية وجدران المقبرة تردد صدى هتاف الجماهير الغاضبة (كتلوا ملكنه و أتهموا السيارة) دلالة على علم ومعرفة الجماهير بأن المصرع كان مخطط له ولم يكن محض حادث مؤسف، حيث إن أي حادث سيارة يؤدي إلى الوفاة لابد أن تكون إصابة السيارة شديدة وكبيرة، إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً، فقد كانت الأضرار التي لحقت بالسيارة طفيفة جداً، كما أن الأضرار التي كانت في السيارة تركزت في الجانب الأيمن الذي أصطدم بعمود الكهرباء، بينما كان الملك يجلس في الجانب الأيسر خلف المقود، كما لم تكن أي أصابة في جسم الملك سوى تهشم الجمجمة من الخلف، وهذا ما يثير الشكوك حول حقيقة مقتل الملك الذي كان محبوبا جدا من جماهير الشعب العراقي لمواقفه الوطنية والعروبية المشرِّفة.

انـتـشرت الهمسات ثم الإشاعات فالتأكيدات، بأن الإنكليز رتبوا له هذه الحادثة، لأنه تمرد عليهم.

مواقف غازي التي أغاضت الأنكليز:

1. يبدو أن قضية أعادة الكويت الى العراق، كانت من الأسباب الرئيسة التي عجلت باتخاذ قرار أزاحته أو التخلص منه، فعندما تولى الملك غازي الحكم وضع نصب عينه مسألة إعادة الكويت إلى العراق، حيث كانت أيام حكم العثمانيين جزءا من العراق، وتابعة لولاية البصرة، لكن المحتلين البريطانيين اقتطعوها من العراق، ونصبوا الشيخ مبارك حاكما عليها تحت حمايتهم، عام 1895. تمتاز الكويت بأهميتها الاستراتيجية، حيث تتحكم برأس الخليج، وتبلغ مساحتها 7000 كيلومتر مربع، وكان يسكنها آنذاك حوالي 100 ألف نسمة، وكان الملك غازي يعتقد أن اقتطاعها من العراق سبب حرمانه من شواطئه البحرية على الخليج، إلا من بقعة صغيرة جداً قرب مصب شط العرب. وهكذا أصبح هاجسه في كيف يعيد الكويت إلى العراق، في ظل تعارض رغبته تلك مع إرادة الإنكليز المهيمنين على مقدرات العراق. حاول الملك غازي التقرب من ألمانيا، غريمة بريطانيا، وسعى إلى توطيد العلاقات معها، لعل ذلك يساعده على استعادة الكويت، وقد قامت الحكومة الألمانية بإهداء الملك غازي محطة إذاعة تم نصبها في قصر الزهور الملكي، واستعان الملك بعدد من العناصر القومية الشابة، وراح يوجه إذاعته نحو الكويت، وكان بثها كله موجها حول أحقية ضم الكويت إلى العراق، ومهاجمة الإنكليز الذين اقتطعوها من العراق، مما أثار غضبهم وحنقهم على الملك غازي، وجعلهم يفكرون بالتخلص منه.

فقد ذكر السفير البريطاني ( باترسن) في كتابه ( Both sides of Curtain) حول تصرفات الملك غازي ما يلي:

(لقد أصبح واضحا للعيان أن الملك غازي إما يجب أن يُسيطر عليه، أو أن ُيخلع من العرش، وقد لمحت إلى ذلك، وبهذا المقدار، في زيارتي الوداعية للأمير عبد الإله). ( مذكرات طه الهاشمي، ص 200).

أما العقيد صلاح الدين الصباغ فيذكر في مذكراته أن نوري السعيد الذي كان يقيم في القاهرة كان قد أرسل إليه، وإلى العقيد فهمي سعيد، ولده صباح، بعد مقتل بكر صدقي بأسبوعين، ليستفسر منهما عما إذا كانا يريان قتل الملك غازي، وإلحاقه ببكر صدقي، وتخليص البلاد من عبثه أمرٌ ممكن ؟ وقد رد عليه فهمي سعيد، بصوت جهوري قائلاً: (لا يا صباح لن يحدث هذا أبداً).

أما صلاح الدين الصباغ فقد رد عليه قائلاً: (أما بصدد اغتيال الملك غازي، فنحن أبعد الناس إلى التطرق لمثل هذا العمل، ولا نسمح بأن يذكر أمامنا، ونصيحتي لك أن لا تكرر ما قلته، وأن لا تفاتح به أحد بعد اليوم). (الصباغ، صلاح الدين، فرسان العروبة، ص 90).

وتطرق توفيق السويدي إلى نفس الموضوع في مذكراته المعنونة (نصف قرن من تاريخ العراق، والقضية العربية) قائلاً: (أتذكر بهذا الصدد أنني عندما كنت في لندن، التقيت بالمستر( بتلر) وكيل وزير خارجية بريطانيا الدائم، وقد أبدى لي شكوى عنيفة من تصرفات الملك غازي فيما يتعلق بالدعاية الموجهة ضد الكويت من إذاعة قصر الزهور، وقال لي بصراحة بأن الملك غازي لا يملك القدرة على تقدير مواقفه، لبساطة تفكيره، واندفاعه وراء توجيهات تأتيه من أشخاص مدسوسين عليه، وإن الملك بعمله هذا يلعب بالنار، وأخشى أن يحرق أصابعه يوماً ما). (السويدي، توفيق، نصف قرن من تاريخ العراق، ص 326).

لقد حاول الملك غازي إعادة الكويت بالقوة، أثناء غياب رئيس الوزراء نوري السعيد الذي كان قد سافر إلى لندن لحضور مؤتمر حول القضية الفلسطينية في 7 شباط 1939، فقد استدعى الملك رئيس أركان الجيش الفريق (حسين فوزي) عند منتصف الليل، وكلفه باحتلال الكويت فوراً. كما اتصل بمتصرف البصرة داعيا إياه إلى تقديم كل التسهيلات اللازمة للجيش العراقي للعبور إلى الكويت واحتلالها. (الحسني، عبد الرزاق، تأريخ الوزارات العراقية، ج5، ص 76).

كما استدعى الملك صباح اليوم التالي نائب رئيس الوزراء ناجي شوكت بحضور وزير الدفاع، ووكيل رئيس أركان الجيش، ورئيس الديوان الملكي، وأبلغهم قراره باحتلال الكويت.

لكن ناجي شوكت نصحه بالتريث، ولاسيما وأن رئيس الوزراء ما زال في لندن، وأبلغه أن العملية سوف تثير للعراق مشاكل جمة مع بريطانيا، والمملكة العربية السعودية وإيران، واستطاع ناجي شوكت أن يؤثر على قرار الملك غازي، وتم إرجاء تنفيذ عملية احتلال الكويت. (الحسني، عبد الرزاق، تأريخ الوزارات العراقية، ج5، ص 77).

فلما عاد نوري السعيد إلى بغداد وعلم بالأمر، سارع بالاتصال بالسفير البريطاني، وتداول معه عن خطط الملك غازي، وقرر الاثنان التخلص من الملك بأسرع وقت ممكن، وهذا ما صار بعد مدة وجيزة، حيث جرى تدبير خطة لقتل الملك والتخلص منه، والمجيء بعبد الإله وصياً على العرش نظراً لصغر سن ولده الوحيد (فيصل الثاني) الذي كان عمره لا يتجاوز الخمس سنوات آنذاك.( الحسني، عبد الرزاق، تأريخ الوزارات العراقية، ج5، ص 76).

2. ناهض النفوذ البريطاني في العراق وأعتبره عقبة لبناء الدولة العراقية الفتية وتنميتها، وأعتبره المسؤول عن نهب ثرواته النفطية والآثارية المكتشفة حديثاً. حيث يقول جيمس موريس: ( إن الملك غازي كان أول ملك هاشمي لايحب الإنكليز، ولم يكن يحمل أدنى شعور بالصداقة لهم، ولذلك كان من أكثر الملوك الهاشميين شعبية في قلوب الجماهير).

3. كان الملك غازي ذو ميول قومية عروبية كونه عاش تجربة فريدة في طفولته حيث كان شاهدا على وحدة الأقاليم العربية إبان الحكم العثماني قبل تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الوطن العربي إلى بلدان تحت النفوذ البريطاني أو الفرنسي. وأذاع بنفسه خطبا وبيانات من أذاعة قصر الزهور، تندد بالاستعمار الفرنسي لسورية ولبنان، وتهاجم المخططات الصهيونية والاستعمارية في الوطن العربي. كما وقف إلى جانب قادة الثورة الفلسطينية كعزالدين القسام ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني.

وكان الحلفاء (بريطانيا وفرنسا)، قد أعلنوا عشية الحرب العالمية الثانية أن كل من يقف ضد سياستهم، يضع نفسه في خندق العدو النازي.

4. شهد عهده صراع بين المدنيين والعسكريين من الذين ينتمون إلى تيارين متنازعين داخل الوزارة العراقية، تيار مؤيد للنفوذ البريطاني وتيار وطني ينادي بالتحرر من ذلك النفوذ حيث كان كل طرف يسعى إلى الهيمنة على مقاليد السياسة في العراق. فوقف الملك غازي إلى جانب التيار المناهض للهيمنة البريطانية حيث ساند انقلاب بكر صدقي وهو أول انقلاب عسكري في الوطن العربي، كما قرب الساسة والضباط الوطنيين إلى البلاط الملكي فعين الشخصية الوطنية المعروفة (رئيس الوزراء لاحقاً) رشيد عالي الكيلاني باشا رئيسا للديوان الملكي.

5.   كان نوري السعيد يكره الملك غازي ويُـروى عن وزير الخارجية العراقي ناجي شوكت، آن ذاك، قوله :"إن موت الملك غازي جاء نتيجة لعبة قذرة كان وراءها نوري السعيد". (العراق في التاريخ، ص693).

وكان من المعروف تماما أن نوري السعيد هو أحد رجال بريطانيا المقربين، وقد تولى رئاسة الوزارة أكثر من أي رئيس آخر. ويعتبر أبرز وأقوى سياسي عراقي مخضرم، تكرهه عامة الشعب وتعتبره عميلا للإنكليز.

أن مواقف الملك غازي الوطنية و القومية، قد أثارت المشاعر الوطنية والقومية للشعب العراقي، فظفر هذا الملك الشاب بحب مختلف طبقات الشعب، فكان سلوكه هذا قد كلفه حياته شأنه شأن الآلآف من الشهداء الآخرين.

 

بقلم : عباس الخفاجي

 

nooradin samoodولد شيخ الشهداء في القطر الليبي الشقيق عمر المختار سنة 1860م وأعدِم فيها سنة 1931م: وقيل عنه في (الموسوعة العربية المسيرة:) ( زعيم ليبي من قبيلة "المنفة"(كذا؟) العربية، ولد في "البطنان ببرقة"، وتلقى علومه الدينية في "جغبوب" مركز "الدعوة السنوسية"، ولما حفِظ القرآن وأتمَّ دروسه عُيِّن شيخا على "زاوية القصور" "بالجبل الأخضر". اختاره السيد "محمد المهدي" شيخا لزاوية "كلك" بالسودان. عاد إلى "بَرقة" 1903 لإدارة شؤون "زاوية القصور" حتى 1921. حينما احتلّ الإيطاليون "بنعازي" تولَّى قيادة الحركة الوطنية ضد الإيطاليين، وباشر الجهاد عدة سنين حتى تغلب عليه الإيطاليون وأسروه وقدموه لمحاكمة صورية. حُكِم عليه بالشنق 1931).(1)

وقد رثى أميرُ الشعراء أحمد شوقي شيخَ الشهداء بقصيدة ذات 40 بيتا، كُتِبَ تحتها هذا التعريف: (شهيد المسلمين والعرب بطل طرابلس الخالد عمر المختار، هو من الأسرة السنوسية أصحاب الطريقة السنوسية ذات النفوذ الروحاني العظيم في كثير من أقطار الإسلام. ظل يقاتل الطليان في سبيل الذود عن وطنه وقومه حتى قبضوا عليه وأعدموه شنقا سنة 1931، وأشيع وقتئذ أنهم سلكوا في إعدامه سُبُلا بشِعة متوحِّشة, ولم يرحموا سنـَّه التي نيفت على التسعين). والصواب: أنه(... نيفت على السبعين) وكنت أظنها غلطة مطبعية، لأن كلمتي: "تسعون وسبعون" على وزن واحد، ولكن البيت رقم 38 منها يدل على أنه كان يعتقد أن إعدامه تم في التسعين من عمره في قوله:

تسعون لو رَكِبَتْ مناكبَ شاهقٍ*لترجَّلتْ هضباتُهُ إعياءَ

ونختار من تلك القصيدة الأبيات العشرة الأولى:

رَكَزوا رفاتًكَ في الرمال لواءَ *يـسْـتـَنـْـهض "الـوادي" صباحَ مساءَ

يا ويحهمْ، نصبوا منارًا من دمٍ*تـُوحــي إلى جــيـلِ الغـَـدِ البَغـــضــاءَ

ما ضرَّ لو جعلوا العلاقةَ في غدٍ*بـيــن الشــعـــوب، مـــودَّةً وإخـــاءَ؟

جرحٌ يصيحُ على المَدَى وضحيَّةٌ*تـتـــلـــمَّــسُ الحــريَّـــةَ الـحــمـــراءَ

يا أيها السـيفُ المجــرَّدُ بالفـلا*يكسـو السيوفَ، على الزمانِ مَـضـاءَ

تلك الصحارى غِمْدُ كلِّ مهنـَّدٍ*أبـلــى فأحــســنَ - في العـدوِّـ بــلاءَ

وقبورُ موْتـَى من شباب أميّةٍ*وكهـولِـهـــمْ لــم يــبــرحــوا أحـيـاءَ

لو لاذ بالجَوْزاء منهم مَعْقِلٌ*دخـلــوا – على أبراجها – الجـوزاءَ

فتحوا الشَّمال: سهولَه وجبالَه*وتـوَغـَّلــوا فاسـتــعـمـروا الخضـراءَ

وبَنوْا حضارتهم فطاولَ ركنـُها*(دار السـلام) و(جِلـّقَ) الشـَّـمَّـاءَ(2).

لقد قررشوقي في البيت الثاني من مرثيته أن شنق هذا الشهيد من قِبَلِ الإيطاليين المحتلين، عملية (توحي إلى جيل الغد البغضاءَ، ومما يثلج الصدر في هذا الموضوع أن تلك الحرب لم تظلَّ توحي إلى جيل الغد البغضاء، فقد دعت ليبيا الممثل الإيطالي الشهير (أنطوني كوين) ذي الأصول الإيطالية إلى القيام بدور الشهيد عمر المختار لشدة شبهه به، فقام بالدور أحسن قيام رغم اطلاعه على ما قام به أبناء وطنه نحو الليبيين وزعيمهم عمر المختار، من خلال التاريخ، أو على الأقل من خلال سيناريو ذلك الشريط، وإذا كان تسلط إيطاليا على ليبيا، عملا همجيا، فإن العمليات الإبادية التي يسلطها حكام ليبيا على أبناء جلدتهم، بما استـُعمِلتْ فيها من وسائل الإبادة والتدمير مثل: الرشاشات والمدافع والدبابات والطائرات والقنابل... كل ذلك أنكى وأشد من تلك الحرب الإيطالية، وأدعى إلى أن (توحي إلى جيل الغد البغضاء)، وهذا ما يجعلنا ننشد قول طرفة:

وظلمُ ذووي القربَى أشدُّ مضاضة*على المرْءِ من وقع الحسامِ المهنـَّدِ

ورحم الله زمان "الحسام المهند" إزاء "الكلاشينكوف والرشاش" و"القنابل المسيلة للدِّماع"، وهو تركيب مزجي من الدموع والدماء.

 

......................

هوامش وتعليقات: (الموسوعة العربية المسيرة) بإشراف محمد شفيق غربال المجلد الثاني ص 1393.. دار إحياء التراث العربي (صورة طبق الأصل من طبعة – الشعب – 1965) القاهرة. مج 2 ج 3 ص 17/ 19. (2) انظر القصيدة كاملة والتعليق تحت أولها في الشوقيات مج2 ج3 ص 17 طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

 

 

abas alkafajiفي صباح يوم الخامس من نيسان 1939، نقل جثمان الملك من قصر الزهور إلى البلاط الملكي الواقع في منطقة الكسرة، وشيعت جنازته في أحتفال مهيب بتوجيه من السيد تحسين قدري رئيس التشريفات الملكية، ثم نقل الى المقبرة الملكية في الأعظمية في الساعة الثامنة صباحاً، محمولا على عربة مدفع، حيث دفن الى جانب والده الملك فيصل الأول، وكان الطريق محاطاً من الجانبين بآلاف الناس وهم مذهولون من هول المفاجأة ثم خرج الشعب برمته الى الشارع معلنين اتهامهم البريطانيين ونوري السعيد بقتله.

ويصف القائم بأعمال السفيرالبريطاني (هوستن بازويل) مراسيم التشييع في بغداد"كانت الساحات والطرقات الرئيسة للمدينة مزدحمة بالمعزين يندبون ويضربون على صدورهم وينفشون شعورهم مبدين غيظهم وحزنهم مرددين الخطابات الحماسية والأشعار (نوري نوري لازم تدفع دمه لغازي)، وكنت مرافقا للكابتن هولت قائد القوة الجوية، وكان يحيطنا صفان من الضباط، وكان بعض المشيعين ينظرون الينا بصمت والدمع ينهمر من العيون وكان بينهم نساء قد أسلمن أنفسهن للحزن الهستيري يمزقن أثوابهن ويغطين رؤوسهن بالطين من السواقي".

ولم يكد خبرمقتل الملك غازي يصل الى أسماع الشعب حتى هبت الجماهير الغاضبة في مظاهرات صاخبة أتجهت نحو السفارة البريطانية هاتفة ومنددة بالأمبريالية البريطانية وعميلها نوري السعيد وأمتدت المظاهرات الغاضبة الى سائر مدن العراق من أقصاه الى أقصاه، وهم يهزجون : (الله أكبر يا عرب غازي أنفكد من داره ... وأهتزت أركان السما من صدمة السيارة)، ووزعت الجماهير منشورات تقول أن الملك غازي لم يصطدم بالسيارة كما تدعي حكومة نوري السعيد وإنما قتل بعملية إغتيال دبرتها بريطانيا وعملاؤها، ولذلك خرج نوري السعيد مسرعاً بعد إتمام مراسيم دفن الملك غازي في المقبرة الملكية، مستقلاً زورقاً بخارياً من المقبرة الى داره في الكرخ.

وقام نوري السعيد بنشر أعداد كثيفة من الشرطة لقمع المظاهرات، وأعلنت الأحكام العرفية في الموصل واعتقلوا الكثير من الشباب الذين كانوا يوزعون المناشير، وأحيل المتهمون بقتل القنصل الى المحاكم العسكرية.

حاول الإنكليز إبعاد التهمة عنهم، وادعوا أن الدعاية الألمانية هي التي تروج مثل هذه الدعاية ضد بريطانيا، كما ادعوا أن موظفي السفارة الألمانية، والأساتذة الجامعيين هم الذين يحرضون جماهير الشعب ضد بريطانيا، وضد حكومة نوري السعيد.

كان رد فعل الجماهير الشعبية في الموصل شديداً جداً، حيث خرجت مظاهرة ضخمة، وتوجهت نحو القنصلية البريطانية وهاجمتها، وقتلت القنصل البريطاني في الموصل، المستر [مونك ميسن]، وكانت الجماهير تهتف بسقوط الاستعمار البريطاني، وحكومة نوري السعيد العميلة، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري السعيد لمزقته إرباً.

لكن ما يؤسف له هو مهاجمة الحي اليهودي في بغداد، و وقوع عمليات النهب وحرق مساكن اليهود. وقد استغل نوري السعيد الأحكام العرفية التي كانت قد أعلنت في البلاد قبل شهر من مقتل الملك، وقام بنشر أعداد كثيفة من قوات الشرطة لقمع المظاهرات، وجرى اعتقال الكثير من المتظاهرين.

ولتغطية جريمة الاغتيال سارعت حكومة نوري السعيد إلى إصدار بيان رسمي يتضمن تقرير طبي صادر عن هيئة من الأطباء عن سبب وفاة الملك غازي، وجاء في البيان ما يلي:

(ننعي بمزيد من الأسف وفاة صاحب الجلالة الملك غازي الأول في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين من ليلة 3- 4 نيسان 1939، متأثراً من كسر شديد للغاية في عظام الجمجمة، وتمزق واسع في المخ، وقد حصلت هذه الجروح نتيجة أصطدام سيارة صاحب الجلالة، عندما كان يسوقها بنفسه، بعمود كهرباء بالقرب من قصر الزهور، في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، وفقد الملك شعوره مباشرة بعد الاصطدام، ولم يسترجع وعيه حتى اللحظة الأخيرة

التواقيع:

د. جلال حمدي

د. صبيح وهبي

د. صائب شوكت

د.أبراهام

د.سندرسن

3 – 4 نيسان 1939).(الحسني، عبد الرزاق، تأريخ الوزارات العراقية، ج 5، ص 76).

يقول الفريق نور الدين محمود، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش، ثم رئيساً للوزراء عام 1952، حول حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:

(أنه اصطدام غامض وعويص، لا يسع الإنسان مهما كان بسيطاً في ملاحظته إلا أن يكذّب زعم الحكومة، وهو يقارنه بالأدلة التي يراها في مكان الحادث).(الحسني، عبد الرزاق، تأريخ الوزارات العراقية، ج 5، ص 87).

أما العقيد صلاح الدين الصباغ فيقول في مذكراته:

(قضت المصالح البريطانية اغتيال الملك غازي، فتم في ليلة 3 / 4 نيسان 1939 وهو في السابعة والعشرين من عمره). (الصباغ، صلاح الدين، فرسان العروبة، ص 87)

ويقول الأستاذ (جان ولف) في كتابه (يقظة العالم العربي):

(مات الملك غازي على أثر حادث غريب، فقد اصطدمت سيارته دون ما سبب وجيه، بينما كان يقودها بسرعة معقولة، فتعالى الهمس في بغداد متهماً بعض الجهات بتدبير الحادث) (وولف،جان، يقظة العالم العربي، ص 120)

وقال الأستاذ (كارتاكوز) في كتابه ( ثورة العراق) ما يلي:

{ لعل مأثرته الرئيسية ـ يقصد الملك غازي ـ انه قد لاقى حتفه بشكل عنيف في حادث سيارة يعتقد أن البريطانيين وأعوانهم من العراقيين هم الذين فعلوه). (كارتاكوز، ثورة العراق، ص32)

وجاء الدليل القاطع بعد سنوات طويلة، عندما التقى الأستاذ عبد الرزاق الحسني، مؤلف تاريخ الوزارات العراقية، في 8 نيسان 1975 بالدكتور (صائب شوكت) طبيب الملك غازي الخاص، وأول من قام بفحصه قبل وفاته، وسأله عن حقيقة مقتله فأجابه بما يلي:

(كنت أول من فحص الملك غازي بناء على طلب السيدين نوري السعيد و رستم حيدر لمعرفة درجة الخطر الذي يحيق بحياته، وأن نوري السعيد طلب إليّ أن أقول في تقريري أن الحادث كان نتيجة اصطدام سيارة الملك بعمود الكهرباء، وأنا أعتقد أنه قد قتل نتيجة ضربة على أم رأسه بقضيب حديدي بشدة، وربما استُخدم شقيق الخادم الذي قُتل في القصر، والذي كان معه في السيارة لتنفيذ عملية الاغتيال، فقد جيء بالخادم فور وقوع العملية إليّ وكان مصاباً بخلع في ذراعه، وقمت بإعادة الذراع إلى وضعه الطبيعي، ثم اختفي الخادم، ومعه عامل اللاسلكي منذ ذلك اليوم وإلى الأبد، ولا أحد يعرف عن مصيرهما حتى يومنا هذا).

كما التقى السيد عبد الرزاق الحسني بالسيد ناجي شوكت الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك وسأله عن حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:

(لقد احتفظت بسر دفين لسنين طويلة، وها قد جاء الآن الوقت لإفشائه، كانت آثار البشر والمسرة طافحة على وجوه نوري السعيد، ورستم حيدر، ورشيد عالي الكيلاني، وطه الهاشمي، بعد أن تأكدوا من وفاة الملك، وكان هؤلاء الأربعة قد تضرروا من انقلاب بكر صدقي، واتهموا الملك غازي بأنه كان على علم بالانقلاب، وأنا أعتقد أن لعبد الإله ونوري السعيد مساهمة فعلية في فاجعة الملك غازي). (الحسني، عبد الرزاق، تأريخ الوزارات العراقية، ج 5، ص 81).

وهكذا أسدل الستار على مقتل الملك غازي وانهمك المتآمرون بعد دفنه بترتيب الأمور لتنصيب عبد الإله وصياً على العرش.

 

بقلم : عباس الخفاجي

 

abas alkafajiيعد مصرع الملك غازي من أكثر وقائع تاريخ العراق المعاصر غموضاً وإثارة حتى يومنا هذا، وفي ظل غياب الدليل المادي القاطع للواقعة تبقى القضية تثير تساؤلاً تقليدياً فيما إذا كانت الحادثة مدبرة أو وليدة القضاء والقدر، وأن كان هناك إجماع من الرأي العام على توجيه الاتهام إلى بريطانيا ونوري السعيد بالاشتراك مع إبن عم الملك الأمير عبد الإله.

الحادث المروع :

المصدر الوحيد لتفاصيل الحادث هو رواية الحكومة العراقية، ففي صباح يوم الرابع من نيسان 1939 فوجئ الشعب العراقي ببيان رسمي صادر عن الحكومة نقلته إذاعة بغداد جاء فيه:

(بمزيد من الحزن والألم، ينعي مجلس الوزراء إلى الأمة العراقية، انتقال المغفور له سيد شباب البلاد، جلالة الملك غازي الأول إلى جوار ربه، على اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة (نهر الخر)، بالقرب من قصر الحارثية، في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس، وفي الوقت الذي يقدم فيه التعازي الخالصة إلى العائلة المالكة على هذه الكارثة العظمى التي حلت بالبلاد، يدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ للمملكة نجله الأوحد جلالة الملك فيصل الثاني، ويلهم الشعب العراقي الكريم الصبر الجميل، وإننا إلى الله وإننا إليه راجعون ... بغداد في 4 نيسان 1939)).(الحسني، عبد الرزاق، تأريخ الوزارات العراقية، ج 5، ص 78).

ولا توجد أية رواية أخرى للحادث، كما لم تثبت شهادة أي شاهد عيان لهذا الحادث الغامض.

مواقف ما بعد الفاجعة:

عند حدوث الفاجعة الكبرى التي أنتهت بوفاة الملك غازي، أنطفأت الأنوار في قصر الزهور فجأة، و صوت أحد الخدم الذي تربى في القصر يطلب النجدة ويقول: (ألحقونا سيدي الملك مصاب حصل حادث للسيارة)، خرجت الملكة عالية من القصر عند سماعها نبأ الاصطدام، وأسرعت الى مكان الحادث وسط الظلام ولحقت بالحرس وبينما كان الملك مسجى والدم ينزف منه إنكبت عليه وأخذت تصرخ لجلب الأطباء لبذل كل الجهود الممكنة لإنقاذه، قائلة (أريده أن يفتح عينيه سريعاً أريده أن يتكلم )، وفي هذه الأثناء أنسحب احد الأطباء طالباً من الأمير عبد الإله شقيق الملكة عالية ووالدتها الملكة نفيسة تهدئة الملكة وتذكيرها بأنها والدة طفل وعليها الاهتمام به ورعايته وأن تفكر بصحتها.

وجاء الدكتور سندرسن والدكتور صائب شوكت وبدأوا بالكشف عليه وفحصه وظلوا حائرين، وبعد ذلك اسلم الروح وكان أحد الذين رافقوا الملك حياً ومصاباً بكسر في يده، وقال بأن الملك غازي في أثناء عودته من قصر الحارثية إلى قصر الزهور، أدار محرك السيارة وأنطلق بسرعة كبيرة، فاصطدمت بعمود الكهرباء وأستدارت السيارة حول نفسها ووقفت من شدة الصدمة وكان الباب قد أنفتح على يده ولم يفق من شدة الألم إلا على منظر الملك الذي كان جالساً في مقعد القيادة والعمود على رأسه والدم ينزف منه فأسرع الخادم وأبلغ عن الحادث وعن كل شيء شاهده بعينه.

وجاء في إفادة الملكة"إن زوجها كان يذهب كل مساء إلى قصر الحارثية فيبقى فيه حتى منتصف الليل ثم يعود وينام في الحال، وفي تلك الليلة عاد مبكراً على خلاف عادته فما كان يشرع في خلع ملابسه حتى رن جرس الهاتف، وبعد مكالمة قصيرة عاد فلبس ثيابه ليتوجه بسيارته الى قصر الحارثية قائلا أن الشخص الذي كان ينتظره قد حضر الآن وبعد مدة قصيرة جيء به مقتولاً يقولون أن سيارته اصطدمت بالعمود الكهربائي وأصيب بجرح بليغ في رأسه".

أما عبد الوهاب عبد اللطيف المرافق الأقدم في القصر الملكي فيقول "كنت نائما في بيتي عندما استدعيت هاتفيا من المرافق الخفر في قصر الزهور وبعد وصولي عرفت من الملكة عالية أن الملك بانتظار آلة لتصليح خلل في الإذاعة وبعد أن اخبر بواسطة التلفون بوصول الشخص الذي يحمل تلك الآلة غادر إلى قصر الحارثية، وبعدها سمعوا بوقوع الحادث ".

أما الدكتور صائب شوكت فكان من بين الأطباء الذين استدعوا لفحص الملك فقد ذكر قائلا " حين وصلت إلى قصر الحارثية ورأيت الملكة عالية والأمير عبد الأله وبعض الوزراء وافراد الأسرة المالكة وعدداً من المرافقين والخدم بدأت بفحص الملك الذي كان فاقد الوعي وإذا بيدي تغور في مؤخرة رأسه وعندما سئلت عن رأيي أخبرتهم بأن الملك مضروب بهيم من الخلف أدى إلى كسر في الجمجمة وتمزق في المخ وأنه سوف لا يعيش أكثر من دقائق معدودة، وقد أخبرتني الملكة عالية بأنها لاتعرف أكثر من أن صباح نوري السعيد طلبه في الهاتف فترك قصر الزهور متوجها إلى قصر الحارثية".

أما السيد ناجي شوكت فقد بين في مذكراته بأن الملك أصطدم بعمود الكهرباء نتيجة السرعة الجنونية وحالة الانفعال والاضطراب التي كان يعيشها عند قيادته السيارة في تلك الليلة وهذا يأتي مناقضاً لما ذكره عبد الرزاق الحسني إذ يقول بان السيد ناجي شوكت لازال يعتقد بأن نوري السعيد والأمير عبد الإله لهم إسهام فعلي في فاجعة الملك غازي.

ويذكر عبد الحق العزاوي الذي كان يعمل ضابطاً في الحرس الملكي يوم مقتل الملك بأنه سمع الملكة عالية طلبت طرد الدكتور سندرسن باشا من القصر، الذي كان يشرف على علاج الملك وهو في حالة إغماء قائلة " ما كفاه انه قتل أباه حتى جاء ليقتل الولد ".

أعلنت الحكومة الحداد الرسمي أربعين يوماً،وفتحت الملكة عالية أبواب قصر الزهورلاستقبال المعزيات من طبقات الشعب كافة، وحددت موعد استقبال المعزيات من السيدات العراقيات وعقيلات الوزراء وعقيلات الموظفين الأجانب يومين في الأسبوع من الساعة العاشرة حتى الساعة الثانية عشرة أما عقيلات رجال الهيئات الدبلوماسية فكانت تستقبلهن من الساعة الرابعة عصراً الى الساعة الخامسة، أما نساء القصرالاخريات فقد خصصت لهن في القصر الملكي ثلاث قاعات لأستقبال وفود من نساء العراق القادمات من مختلف أنحاء البلاد فكانت القاعة الأولى للملكة عالية والثانية للأميرة ملك فيضي والثالثة للملكة نفيسة وتمر المعزيات بهذه القاعات الثلاث ثم يتناولن الطعام الذي أعد لهن في القصر.

وتشكلت لجان من النساء لاستقبال هذه الوفود وكانت من بينهن السيدة عصمت السعيد التي ذكرت"كنت من بين مستقبلات وفود الطبقة العاملة في القصر، وكانت نساء العراق بوجه عام يرغبن في إظهار مشاعرهن لأرملة الملك الشاب الراحل وكانت وفود من الطبقات الفقيرة تأتي سيرا على الاقدام من قلب بغداد الى القصر الملكي الذي يبعد عن قلب المدينة ما يوازي أربعة كيلومترات ولمدة ثلاثة أيام متوالية وكنا نطلب من المعزيات عدم الصياح والعويل والعمل بالأصول الإسلامية احتراماً لأهل البيت والاكتفاء بقراءة الفاتحة، وكانت الملكة عالية مرهقة وافراد أسرتها، لكنها حافظت على وقارها وكانت تحني رأسها بكياسة عند مرور الوفود من أمامها".

وقد وردت برقيات التعازي الى الملكة عالية من زوجات الملوك من الدول الصديقة حيث وردت برقية من ملكة إيران ومن الملكة لئوبولد ملكة بلجيكا ومن مصر أرسلت الملكة فريدة زوجة الملك فاروق برقية تعزية ايضاً وقد كانت تربطهن بالملكة علاقات صداقة وثيقة.          

 

بقلم : عباس الخفاجي

 

 

abas alkafajiتسعة وسبعون عاما مرت على حادث (أغتيال – قتل – وفاة ) ملك العراق غازي بن فيصل في ليلة 3/4 نيسان 1939 ، ولا زال الغموض يكتنف تلك الحادثة بالرغم من كشف النقاب عن الكثير من الاحداث التي تؤكد بدون أي شك أن الحادث مدبر وأن هناك عقول خططت له في دهاليز السياسة البريطانية وتم تنفيذه بأياد عراقية من داخل فصر الزهور.

ومن خلال مطالعاتي حول هذا الموضوع المثير ، سجلت عدة ملاحظات وددت في عرضها دون التعليق عليها ، وسوف أترك للقارىء الكريم الربط الجدلي بين هذه الاحداث والملاحظات وأستخلاص الرأي المناسب بصدد هذه الحادثة التي هزت العراق من شماله الى جنوبه .

مدخل :

الملك غازي ، هو غازي بن فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي ( 12 آذار 1912 - 4 نيسان 1939) ثاني ملوك المملكة العراقية حكم من (8 أيلول 1933) ولغاية وفاته في (4 نيسان 1939).

و هو الأبن الرابع للملك فيصل الأول من زوجته حزيمة بنت ناصر. ولد في مكة وعاش في كنف جده حسين بن علي شريف مكة قائد الثورة العربية والمنادي لاستقلال العرب من الأتراك العثمانيين ومنادياً بعودة الخلافة للعرب.

في يوم 18 أيلول 1933، أعلنت خطوبته وعقد قرانه على ابنة عمه عالية بنت علي بن حسين بن علي الهاشمي، وفي مساء يوم 25 كانون الثاني 1934 تم الزفاف ، ورزق بإبنه الوحيد فيصل الثاني يوم 2 أذار 1935.

تعلم غازي القراءة والكتابة عندما ارسله الشريف حسين جده في الحجاز إلى قرية رحاب مع ابن عمه عبد الاله وبعد ان نوقشت مواد القانون الاساسي وتم تعيين غازي وليا للعرش عام 1924 وكان عمره حينذاك 12 عاما فقط.

سافر غازي إلى العراق وهناك لاحظ الملك فيصل ضعف الملك غازي وعدم تناسق جسمه مع عمره كذلك ضعف معلوماته وقابلياته الفكرية فتشاور مع وزير المعارف ساطع الحصري وطمانه ساطع الحصري ان ضعف غازي ناجم عن عدم تلقيه المعرفة والعلوم عندما كان في الحجاز لذلك اجتمع مجلس الوزراء وقرر تاليف لجنة تقوم باختيار أفضل المعلمين لتعليم غازي وفق منهج ووقت محدد وبعدها زار وزير المستعمرات ليوبولد ايمري ووزير الطيران البريطاني العراق وقد كان فيصل يعمد إلى احضار الامير غازي في جميع مقابلاته الرسمية ولقاءاته وقد لاحظ ليوبولد ضعف وقلة خبرة الامير غازي في مجال الاصول والحوار فاقترح على الملك فيصل ارساله إلى انكلترا وتم بالفعل إرسال غازي إلى انكلترا ونزل في بيت الاسقف جونسون واشارت التقارير التي رفعت من هناك عن تطور ملحوظ في القابليات الفكرية مقابل ضعف في القدرات الرياضية والميكانيكية وتم قبوله على هذا الاساس في كلية هارو واتم فيها اربع سنوات عاد بعدها إلى العراق في الأول من ايلول عام 1929.

التحق في دورة الكلية العسكرية الملكية العراقية الملك غازي باسم ( الشريف غازي بن فيصل ) وكانت الكلية في هذه الفترة موضع عناية ورعاية الملك فيصل الاول . وقد مكث الشريف غازي في هذه الكلية اربع سنوات وفق منهج اعد لانهاء المدة مع دروس اضافية في اللغة العربية والتاريخ الاسلامي والجغرافية اذ انه التحق بهذه الكلية بعد مجيئه من كلية هارو في انكلترا حيث لم يتسن له ان يدرس فيها هذه الدروس الاضافية المذكورة.

غازي و عالية :

كانت الملكة عالية امرأة نبيلة وزوجة مخلصة ذات ذكاء نادر ولها تأثير في زوجها الملك غازي وهي مستودع ثقته يعهد اليها بأسراره كلها،وكانت مصدر حكمة سياسية حتى ان شقيقها الأمير عبد الإله وأفراد عائلتها كانوا يأخذون بجميع نصائحها، وكان شقيقها يجتمع معها يومياً ليبحث المشاكل التي تعترضه،اذ ان نصائحها تنطوي على الحكمة.

كما كانت تطالع الصحف اليومية العراقية وتؤشر ما يهمها من الأخبار والمعلومات التي يمكن الافادة منها في معالجة أمور البلاد.

أما زوجها الملك غازي فكانت حريصة دائما على مرافقته في معظم جولاته، ولم تسمح لأحد بالتدخل في حياتها الخاصة، حتى الأمير عبد الإله الذي كان يخلق لها الكثير من المشاكل مع زوجها ، ولهذا السبب كان الملك غازي لايحبذ وجوده في القصر .

شعرت الملكة عالية بالكثير من المخاطر التي تحيط بزوجها الملك غازي الذي كان مناوئاً للسياسة البريطانية،التي جلبت له نقمة الموالين لهم.

وكانت تنبهه أن يكون يقظاً في تصريحاته،وكانت تتابع لقاءاته جميعها مع الشخصيات السياسية وتراقب المكالمات الهاتفية التي كان يجريها لمعرفة كل ما يحيط به، كما أخذت تحث المرافقين المخلصين على الحرص عليه وحمايته.

من هنا نلاحظ مدى حرص الملكة عالية على زوجها الذي يظهر في مواقفها الجريئة والحازمة التي تبين مدى درايتها في ما يحيط بزوجها الملك، كما جرى في انقلاب بكر صدقي في التاسع والعشرين من تشرين الأول 1936، حيث كانت تتصرف بهدوء وبشكل طبيعي، مما دفع سندرسن الى القول بأنها كانت على علم بالانقلاب، فقد كانت ملازمة للملك عندما كان يراقب الوضع بناظور الميدان .

وعند حدوث الفاجعة الكبيرة التي أنتهت بوفاة زوجها الملك غازي خرجت من القصر عند سماعها نبأ الاصطدام في الرابع من نيسان 1939، وأسرعت الى مكان الحادث وسط الظلام ولحقت بالحرس وبينما كان الملك مسجى والدم ينزف منه إنكبت عليه وأخذت تصرخ لجلب الأطباء لبذل كل الجهود الممكنة لإنقاذه، قائلة أريده أن يفتح عينيه سريعاً أريده أن يتكلم، وفي هذه الأثناء أنسحب احد الأطباء طالباً من الأمير عبد الإله شقيق الملكة عالية ووالدتها الملكة نفيسة تهدئة الملكة وتذكيرها بأنها والدة طفل وعليها الاهتمام به ورعايته وأن تفكر بصحتها.  

وجاء في إفادة الملكة"إن زوجها كان يذهب كل مساء إلى قصر الحارثية فيبقى فيه حتى منتصف الليل ثم يعود وينام في الحال وفي تلك الليلة عاد مبكراً على خلاف عادته فما كان يشرع في خلع ملابسه حتى رن جرس الهاتف، وبعد مكالمة قصيرة عاد فلبس ثيابه ليتوجه بسيارته الى قصر الحارثية قائلا أن الشخص الذي كان ينتظره قد حضر الآن وبعد مدة قصيرة جيء به مقتولاً يقولون أن سيارته اصطدمت بالعمود الكهربائي وأصيب بجرح بليغ في رأسه".

كانت الملكة مدركة المؤامرات التي تحاك ضد زوجها ويظهر ذلك عن طريق تأكيدها المستمر على المرافقين له بأن يلازموه ويحيطوه بحماية كاملة وحول هذاالامر يروي المحامي هشام الدباغ الذي حكم عليه بالإعدام لقيادته المظاهرات الجماهيرية في الموصل أبان مقتل الملك غازي التي توجهت إلى القنصلية البريطانية وقتل فيها القنصل البريطاني وكان للملكة اثر كبير في أبدال حكم الإعدام الصادر بحقه إلى الأشغال الشاقة وكانت تقدم له المساعدة طوال مدة وجوده في السجن كما كانت تستضيفه بين الحين والأخر بعد خروجه من السجن، وقد ذكر عن إحدى لقاءاته بالملكة عالية في قصر الرحاب قبل وفاتها بأنها قالت له بأن الإنكليز هم وراء مقتل الملك وان اليد التي نفذت ذلك هي يد أحد الآثوريين وأن شقيقها قد علم بعد إتمام الاغتيال ولكنه بناء على نصيحة نوري السعيد قد أسدل الستار عن ذلك.

وبعد وفاة الملك غازي فضلت الملكة عالية إبقاء المرافقين المخلصين والمقربين للملك لمرافقة أبنه الملك فيصل الثاني ويشير محمد حسين الزبيدي بأن المرافق سامي عبد القادر قد أخبره، بأنه بعد مقتل الملك غازي بقي مرافقاً للملك فيصل مدة طويلة وفي أحد الأيام طلب منه الوصي عبد الإله بأن يرافقه إلى قصر الزهور وفي اثناء لقائه بالملكة عالية طلبت من الأمير عبد الإله أبقاء سامي عبد القادر مرافقاً للملك فيصل الثاني قائلة له"أن سيدي الملك غازي أمرني بأن سامي هو الذي يربي الملك فيصل"لكن عبد الإله لم يجبها وبعد مدة نقله إلى البصرة.

وبعد مقتل الملك غازي بدأت الأحداث والتطورات السياسية تتفاقم وظهر دور الملكة عالية السياسي عن طريق إسناد الوصاية إلى شقيقها، حرصاً منها على ضمان بقاء العرش لكن اختيارها كان السبب في كثير من الاضطرابات السياسية، فأشتد العداء للأسرة المالكة، فقد جاء في مذكرات محمد مهدي كبة (كان عهد وصايته عهد شؤم ونحس على البلاد وأبنائها وعلى الملك القاصر).

 

بقلم: عباس الخفاجي

 

latif oqayliيقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.  

لأَنَّ " مَنْ لَمْ يقرأ التأريخ، لَمْ يحز قسطاً مَن الثَّقَافَة " بحسبِ أحد المفكرين، فَإننا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا ما قلنا إنَّ السَماوةَ يومَ أطلّ يحيى السَماوي عَلَى الدنيا، كانت بقعة مِنْ أرضِ باديتها المترامية الأطراف تشكلُ سجناً كبيراً للوطنيين وَالأحرار الَّذين حفروا طريقهم فِي مسارِ النضال الوطني، وَتفانوا مِنْ أجلِ أنْ يستبدلوا المحبة وَالسلم والنهوض بالظلمِ وَالاستبداد والكراهية والإذلال. وَيمكن الجزم بأنَّ هَذِه الميزة هيمنت عَلَى جزءٍ مهم مِن التأريخِ الحديث لمدينةِ السَمَاوة الَّتِي يرزح أهلها فِي شظفِ العيش، ولا شيء يميزها غير الطيبة وَينابيعها الثقافيَّة الَّتِي لا تجف؛ إذ أَنَّ الحكوماتِ العراقية المتعاقبة اعتادت الركون إلى عقابِ المعارضين لسياساتِها بالإبعادِ إلى تلك المدينة البائسة فِي جنوبي البلاد مِنْ أجلِ رميهم خلف قضبان سجن " نقرة السلمان " وَزنازينه المرعبة، وَالَّذِي أقيم عام 1928م إبان فترة الاحتلال الإنجليزي بالاستنادِ إلى توصيةٍ مِن الجنرالِ البريطاني " غلوب باشا " الملقب " أبو حنيك " فِي ناحيةِ " السلمان " جنوب شرقي منطقة صحراوية بالقربِ مِن الحدودِ العراقية السعودية. وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ عساكرَ " أبو ناجي "، أخضعوا تحديد مكان إنشاءِ هَذَا السجن إلى دراسةٍ دقيقة تحقق غاية المحتل فِي إيجادِ تكوين مادي بمثابةِ " منفى " وَليس كما جاء فِي بعضِ الروايات مِنْ أجلِ الحيلولة دُون تسلل المهربين وَالشروع بممارسةِ نشاطاتهم فِي إدخالِ سلعٍ وَبضائعَ بشكلٍ غير قانوني، فكان الاختيار مثالياً؛ لأنَّ المنطقةَ المنتخبة عبارة عَنْ منخفضٍ فِي الباديةِ يشير إليه السكان المحليون باسْمِ " النقرة ". وَلعلَّ مَا يدعم قولنا هو أَنَّ الحكومةَ العراقية، أقامت فِي أعوامِ العقد السادس مِن القرنِ الماضي سجناً آخر فِي المنطقةِ ذاتها أكبر بأضعافٍ مِنْ بنايةِ المعتقل القديم الَّذِي يُعَدّ أقدم السجون فِي بلادِنا.

النفط الذي أشبَعَنا جوعاً ، متى يجفُّ ؟

دماؤنا ستبقى تسيلُ حتى آخر

برميل نفط !

*

على ماذا يتناطحُ الصيّادون ؟

حيتانُ المحتلِّ لم تُبقِ من سمكةِ

الوطن إلاّ الزعانف !

*

سيادة الوالي

حسناً فعلتم بتشييدكم نصباً تذكارياً للجندي المجهول..

ولكن :

متى ستشيدون نصباً تذكارياً للشعب المجهول ؟

****

مِنْ المعلومِ أنَّ أبرزَ مَا يميز بادية السَمَاوة هو خلوها مِنْ أبسطِ مظاهر الحياة المدنية، حيث لا يعيش فِيها غير بدوٍ رحّل يعتمد استقرارهم المؤقت عَلَى وجودِ مصادر المياه وَالعشب، ولا يطأ أرضها إلا المهربون وَدوريات حرس الحدود. وَلعلَّ فِي القلبِ مِنْ سماتِ تلك البادية - بالمقارنةِ مَعَ مجريات الحياة فِي المَدْيَنة أو غيرها مِن البيئاتِ الاجْتِماعِيَّة الحَضريَّة - هو العزلة الَّتِي تخيم عَلَى مُجْتَمَعها الَّذِي يُعَدُّ فِي واقعِه المَوْضُوعِيّ مِنْ بَيْنَ التكوينات المستقلة بذاتها؛ نتيجة تميز طابعها الإسكاني بسُبُلِ عيشٍ متفردة، فرضتها حاجة مَنْ يسكنها إلى التعاملِ مَعَ صعوبةِ معطياتِ الحيَاة، وَمِنْ هُنَا جاءت إشارة المؤرخين إلى أَنَّ ذلك المنفى القسري يُعَدّ بوصفِه نهاية الطريق لِكُلِّ شخصٍ منتمٍ إلى حزبٍ أو لِمَنْ لديه سجل نضالي فِي أعوامِ العقدين الخامس والسادس مِن القرنِ الماضي.

***

حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي صـرتُ

أبـا نـؤاسْ

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الـوطـن الـجـريـحِ

جـوعٌ ودمٌ

يـسـيـلُ مـن مـئـذنـةٍ

وروضـةٍ مـذبـوحـةِ الأغـراسْ

وحـيـنـمـا هـاجَـرَ مـن أحـداقـيَ

الـنـعـاسْ

رأيـتُ جـفـنـي زِقَّ أحـزانٍ

وجـرحي كـاسْ

***

أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ هو استحالة تحقق أي عملية هروب مِن هَذَا السجنِ الأسطوري الَّذِي أقيم عَلَى شكلِ قلعةٍ مكونةٍ مِنْ ثلاثةِ طوابق، ثم اضيفت إليها لاحقاً عشر قاعات تتوسطها باحة كبيرة. وَضمن هَذَا الإطار يروى أَنَّ سجيناُ اتفق مَعَ بعضِ أهالي المنطقة البقاء فِي بئرٍ خارج السجن حتى تحين فرصة هروبه، لكن سرعان مَا خابت آماله حينمَا أخفق فِي الابتعادِ كثيراً عَنْ تلك القلعة المشؤومة؛ إذ وجد ميتاً خلفها مِنْ شدةِ العطش. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أهم الصفات الَّتِي تدلل عَلَى بشاعتِه هو استيطان أروقته الأمراض الخطيرة، فضلاً عَنْ استخدامِ جواره مقبرة يدفن فِيها المعتقل الَّذِي يلقي حتفه. وَبحسبِ شهادات بعض أهالي المنطقة، فإنَّ دفن الموتى كان يتم بشكلٍ سطحي، حيث يكتفي الجنود وَالحرس بإهالةِ التراب عَلَى السجينِ الميت قبل الانصراف عَن المكانِ بشكلٍ سريع. وَتحضرني الآن حكاية قرأتها قبل ثمان سنوات عَنْ ذكرياتِ المعتقلين يصف فِيها الشاعر العراقي عباس البدري الحياة فِي ذلك السجن الرهيب بقولِه : " كانت السماء وحدها تلتهم غموض الصحراء وتشطر حبات رمالها فيما كانت بوابتا سجن نقرة السلمان مشرعتين على مصراعيهما في الليل والنهار ولكن اين يذهب السجين اذا ما حاول الفرار؟! ".

قالتْ وفي دمها من لوعةٍ لهبُ :

علامَ وجهُكَ يرسو فوقه التَعَبُ ؟

ولِمْ قناديلكَ الخضراءُ مطفأةٌ

كأنّما لمْ تزُرْ أجفانها الشهُبُ ؟

ولِمْ جوادُكَ جرحٌ رحتَ تركبهُ

فما يضمّك بيتٌ حيثُ تغترِبُ ؟

فبئستِ الشمسُ إنْ لم تُسْقِنا ألقاً

وبئست الأرضُ لا ماءٌ ولا خَصَبُ

وبئس عمركَ في الآفاق تنفقُهُ

نديمُكَ الشوقُ والحرمانُ والوصَبُ

فقلتُ : عفوَكِ بيْ من كلّ ناحيةٍ

جرحٌ يؤرّق أجفاني ويحتطبُ

أنا المسيحُ الذي عُلِّقتُ أزمنةً

على الدروبِ ولكنْ قوميَ العَرَبُ

نذرْتُ للوطنِ المذبوحِ قافلة

من السنين عليها من منىً ذَهَبُ

وللتي خبّأتْ ليْ تحتَ بردتِها

خالاً توسّدَ سفحا طيبُهُ العَجَبُ

كلاهما شاء قتلي دونما سببٍ

إلآ لأنّ فؤادي الناصحُ الحَدِبُ

أقسى المواجع: جرحٌ لا يسيل دماً

وأعمقُ الحزنِ: حزنٌ ما له سببُ

رضعتُ حزنا من الثديين في صغري

وإذْ كبرتُ فحزني أخوةٌ وأبُ

أسامرُ الكأسَ أخفي تحت نشوتها

ذلي وأزعمُ أني صادحٌ طرِبُ

أخيط جرحيَ بالسكين .. يحرقني

مائي ويُثْلِجني في جمره اللهب ُ

عريانُ تُلبِسُني الذكرى عباءتها

وفي بحيرة حزني يغرقُ الخشَبُ

أما عبرتُ بحاراً دون أشرعةٍ

وفي حقول فؤادي أتمَرَ القصبُ ؟

فكيف يثكلني عشقي ويذبحني

عشبي فيفرع في بستانيَ الجدبُ ؟

***

مَا غاب عَنْ بالِ السلطات، وَمَا لَمْ تدركه وسط التباهي بضخامةِ إنجازها التعسفي فِي نقرةِ السلمان، هو اَنَّ النفيَ إلى زنازينِ تلك القلعة الرهيبة - وَإن طالت مدته أو جهل المنفيّ مصيره - لَمْ يكن بوسعِ البشع مِنْ تداعياتِه إدخال اليأس فِي نفوسِ المناضلين إلى الحدِ الَّذِي يجعلهم يظنون اَنَّه الملجأ الأخير لرحلتِهم فِي الحياة؛ إذ أصبح ذلك المعتقل بمثابةِ " بركان فكري " قابل للمُسَاهَمَةِ بشكلٍ مؤثر فِي إشعالِ الشارع المحلي بتباشيرِ الثورة فِي القادمِ مِن الأيام، وستدك حممه أسوار السلطة وأذنابها مِن الإقطاعيين وَغيرهم، فحلم الحرية وَالسيادة، فضلاً عَمَا مِنْ شأنِه تقويض سلطة الاستبداد، كانت مِنْ أبرزِ العوامل الَّتِي ساهمت فِي صيرورةِ التحدي العميق لفكرةِ المنفى، وَالَّذِي ساهم فِي تدعيمِ مرتكزات الأرضية " الثورية " للسوادِ الأعظم الَّذِي همّشته الحكومات العراقية المتعاقبة وَمارست ضده كُلّ أشكال التمييز.  

***

فيمَ العتابُ؟ وماذا ينفع العَتَبُ ؟

أنا دخاني وناري، بلْ أنا الحطبُ !

فكيف أطلبُ من بستانها عِنَباً

تلك التي عزّ منها الدّغلُ والكرَبُ ؟

يا عاشقاً لمْ تسامرْ قلبه امرأةٌ

وسامرتْه دواةُ الحبرِ والكتُبُ

أكلّ مطلع فجرٍ ثمّ مذبحةٌ

وكلّ مهجعِ ليلٍ ثمّ مُضطرَبُ ؟

مُريبةٌ هذه الدنيا فلا عجبٌ

أنْ يكذبَ الصدقُ أو أنْ يصدق الكذِبُ

***

مِنْ المؤكّـدِ أنَّ هَذِه الجزئية كانت نقطة جذب هائلة لغالبيةِ الكادحين وَالمسحوقين فِي العراق، فالمناضل - بفضلِ مَا آمن بِه مِنْ مبادئ - يفكر عَلَى الدوامِ فِي البحثِ عَمَا يمحى غبار الآلام عَنْ صدرِه، وَكما تقول الحكمة " المستقبل شبح يؤرق كُل عين إذا نامت ". وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو قضاء السجناء أمسياتهم بالغناءِ أو إقامة أمسيات الشعر أو العمل فِي إصدارِ النشرات الثقافية الَّتِي كانت تجرى بحذرٍ شديد وَسرية تامة خشية معرفة الحرس أمرها. يُضافُ إلى ذلك قيام بعض السجناء فِي تخضيرِ مناطق صغيرة مِنْ تلك الأرض الجرداء وَتحديداً بمحاذاةِ القلعة القديمة؛ تعبيراً عَنْ أحلامِهم فِي بلدٍ موشح بالنماءِ وَالبناء وَإنسان حرٍّ يعيشِ بسعادةٍ وَرفاه. وَيرى المُتَخَصِّصون أنَّ تلك الفعاليات الفردية أو الأنشطة الجماعية للسجناءِ تُعَدّ بوصفِها إحدى عجائب الحياة فِي غياهبِ سجنِ نقرة السلمان؛ إذ كان لتلك النشاطات بلا ريب أثرٌ فاعلٌ فِي إزاحةِ ركام مَا قد يكمن مِنْ يأسٍ فِي جنباتِ المعتقل، مَا يعني خلق بيئة مناسبة لإشراقةِ أملٍ بالحياة، فاليأس كما فِي حكمةٍ قديمة : " نقطة سوداء فِي عالم مضيء ". وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ حياةَ السجناء المثيرة للغثيانِ فِي ثنايا معتقلَ نقرة السلمان، فضلاً عَمَا تفنن به أزلام سلطة الاستبداد مِنْ جلدٍ وَأساليب تعذيب فِي غيره مِنْ سجونِ وَمعتقلات بلادنا، كان لها الأثر الكبير فِي المُسَاهَمَةِ الفاعلة بإثارةِ محركات الوعيّ الوطني، بما حافظ عَلَى جذوةِ نضال شعبنا متقدة فِي وجه الدكتاتورية وَالفاشية، وَلا أدل عَلَى ذلك مِنْ موقفِ زوج فلاحٍ مناضل - يساري الهوى - إغتال الإقطاعيون رفيق دربها فِي خمسينياتِ القرن الماضي، ورموه مخضباً بدمِه جثة هامدة أمام باب منزله الطيني فِي منطقةِ الكحلاء بمحافظةِ ميسان، حيث وقفت تلك القروية الجنوبية الكبيرة بإنسانيتها بجَلَدٍ وَإباء متجاوزة آهات الوجع العراقي وَهي تصرخ بالنساءِ المعزيات طالبة الكف عَنْ البكاء؛ خشية أنْ يختلط " الكحل مَعَ الدم ". وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ تلك الحادثة الكبيرة والمعبّرة عَنْ الذّاتِ الإنسانيَّة، لَمْ يحفظ لنا التأريخ مِنها غير مَا كتبه مظفر النواب عَنْ لِسَانِ زوجة الشهيد " صاحب الملا خصاف " بقصيدته الشعبية الموسومة " مضايف هيل "، وَالَّتِي خلدها العامة باسْمِ " جرح صويحب "، وَشداها الفنان سامي كمال فِي عامِ 1984م بلحنٍ جميل، ألزمته تكاليف انتاجه بيع مصاغ زوجته لتوفيرِ المبلغ.

***

بي للأحبةِ وجدٌ ما عرفت له

صبراً ودون منايَ الضّيمُ والرّعُبُ

للواقفات ـ حياءً ـ خلف نافذةٍ

يشدّهنّ الى مُستظرَفٍ شَغَبُ

لعازفٍ تبعثُ السلوى ربابتُه

وناسكٍ ببخورِ الروح يختضِبُ

آهٍ على وطنٍ كاد النخيل بهِ

يكبو ويبرأ من أعذاقه الرُطَبُ

وكاد يهرب حتى من كواكبه

ليلٌ ويخجلُ من أجفانه الهُدُبُ

وربّ ظلمة كهفٍ بعد فاجعةٍ

أضاءها حُلُمٌ أو شفّها أرَبُ

ولسعةٍ من سياط القهر تجلدنا

تشدّنا للمنى والفجر يقتربُ

فِي هَذَا الخضم المتلاطم مِن المعطيات، يمكن القول إنَّ السَمَاويَ يحيى، استمد وَعيه السياسي مِنْ مجملِ أحوال مدينته البائسة، وَالَّتِي يقيناً كانت سبباً لمَا يشعر بِه، بالإضافةِ إلى مَا أحاط بِه مِنْ بِيئَةٍ مُجْتَمَعية تعاني الفقر وَالحرمان؛ إذ لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ السَماوةَ كانت مدرسته، فقد كانت تُعّدّ محطة العبور الرئيسة نحو سجن نقرة السلمان سيئ الصيت، فضلاً عَنْ أَنَّ التظاهراتَ الشعبية كانت تنطلق مِنْ سوقِ السَماوة " المسقوف " نحو بقية شوارع المدينة. يُضافُ إلى ذلك أَنَّ ريفَ مدينة السَماوة كان ملاذاً آمناً للهاربينِ مِنْ شرطةِ مدير الأمن العام إبان العهدِ الملكي بهجت العطية ( 1900 - 1959 ) - الحاصل علَى لقبِ " باشا " بإرادةٍ ملكية مِن الملك فيصل الأول - أو مِنْ جلاوزةِ مدير الأمن العام فِي مطلعِ عهدِ النظام السابق ناظم كزار ( 1940 - 1973 ) لاحقاً، فلا عجب لو نظر مَا تعاقب مِن الحكوماتِ العراقية إلى مدينةِ السَماوة بوصفِها مدينة " مارقة ". وفِي هَذَا السياق يشير السَمَاوي إلى مرحلةِ فتوته فِي مدينته بقولِه : " فِي السَماوةِ كنا نشاهد سيارات الشرطة المليئة بالمعتقلين السياسيين وهم يهتفون مِن داخلِ الأقفاص الحديدية : سنمضي .. سنمضي إلى ما نريد .. ".

لـيـسَ لـيْ إلآكِ في مـمـلـكـةِ الـقـلـبِ شــريـكْ

فـأنـا بـعتُـكِ نـفـسـي فـي الـهـوى كـيْ أشــتـريـكْ

فـي دمـي جـمـرُ الـمـنـافـي ... والـفـراتـانِ وفـيءُ الـنـخـلِ فـيـكْ

مـنـذ أسْـلـمْـتـكِ أمـري وأنـا :

الـمـأسـورُ والآسِـرُ .. والـمـمـلـوكُ والـمـالـكُ .. والـعـبـدُ الـمـلـيـكْ

فِي صَخَبِ الجدل الشعبي الدائر حَوْلَ مَا كانت تشهده بِلاده مِنْ أحداث، انصهر السَماوي مذ كان غضاَ طرياً فِي قوافلِ الحالمين بغدٍ جديد بعد أنْ جهدَ فِي استكشافِ مرتكزاتِ رؤيته للمُسْتَقْبَل، إذ سرعان مَا وجدَ نفسه - فِي مرحلةِ دراسته الثانوية - تواقة للعملِ السياسي فِي حركةِ اليسار العراقي، فانتمى إلى " اتحاد الطلبة " عَلَى الرغمِ مِنْ إدراكِه العميق لِمَا يفرضه عَلَيه هذا الانتماء مِنْ مهامٍ أخرى تضاف إلى مَا تمليه عَلَيه المتطلبات الخاصة بضمانِ مستقبله المنشود، وَالَّذِي مِنْ أهمِ موجباته التمسك بالاستمرارِ في بِذل مزيدٍ مِن الجهد، وَالمواظبة عَلَى التحصيلِ الَّذِي يقتضي الاهتمام بأداءِ واجباته المدرسية، فالسَماوي يحيى كما عرفنا مِنْ مضامينِ شعره، فضلاً عَنْ شهاداتِ أترابه كان - وَمَا يَزال - رافضاً لأيّةِ دعوة تنحو فِي اتجاه ترويض الناس عَلَى القبولِ بالدونِ مِن المعيشةِ أو الساعية لإقناعهم قبول البخس وَالهوان فِي الحياة؛ لأَنَّ تلك الدعوات وَمَا ماثلها مِنْ حيث الغاية يراد مِنها تمكين السلطة مِنْ إشاعة " الظلم الاجتماعي "، بالإضافةِ إلى مَا يتبعه مِنْ تداعياتٍ تفضي إلى إرهاقِ المواطن الكادح.

***

حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي

ربـابـةْ

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن مـعـزفـي

حـنـجـرةٌ تـنـهـلُ مـن بـحـيـرةِ الـكآبـةْ

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

سـال الـضـوءُ مـن أصـابـعـي

وأمـطـرتْ حـديـقـتـي سـحـابـةْ

***

حـلـمـتُ يـومـا أنـنـي

سـادِنُ مـحـرابِ الـتـي صـارتْ تـسـمـى

نـخـلـة الـلـهِ بـبـسـتـانـي

وظِـلَّ الـلـهْ

فـي جـسـدِ الـتـرابِ والـنـيـرانِ

والـمـيـاهْ

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

كـانـت لـغـتـي

تـخـلـو مـن الـشـوكِ

وجـمـر الآهْ

يَبْدُو أنَّ تطلعاتَه المتمثلة بالأهدافِ الَّتِي حددها منذ يفاعته، ألزمته ضرورة التغلب عَلَى كُلِّ مَا يظهر مِن الصعوباتِ أو المخاطر أثناء مسيرته بإرادةٍ وَتصميم، الأمر الَّذِي جعله شغوفاً باستكشافِ خبايا القصيد والغوص فِي ثنايا الكتب؛ بحثاً عَنْ المفاتيحِ الخاصة بفكِ أسرار اللغة وَالغوص فِي أعماقِها؛ لكي يتمكّن مِنْ جماليةِ البلاغة وَخباياها، فإلى جانبِ انهماكه فِي العملِ السياسي، كان السَماوي - الذي حقق حلمه وَانتسب إلى كليةِ الآداب - لا يألو جهداً فِي النهلِ مِنْ أنهارِ المعرفة، لتعزيزِ موهبته وَصقلها بِمَا ساهم فِي تقديمِ أرغفة شعر ساخنة مفعمة بإبداعٍ يمتزج فِيه الجمال بالشجنِ قبل نثر رحيقها إلى المتلقي، فليس خافياً أنَّ السَماويَ دخل عالم القصيد باكراً وَلقي تشجيعاً مِنْ معلمِه الأول - والده - عَلَى المضي قدماً فِي مسارِ المعرفة وسط شغف بنسجِ معالم قصائده بإخلاصٍ وَالتزام، ألزمه الحرص عَلَى بناءِ قصائدٍ تتضمن تقديم محتوى مثرٍ وهادف فضلاً عَنْ تميّزِه بصوتٍ مبهر فِي الإلقاء، حيث برع السَمَاوي فِي كتابةِ الشعر بما تباين مِنْ أشكاله، حتى أصبح بشهادةِ الباحثين وَالمُتَخَصِّصين مِنْ أبرزِ شعراء العربية المبدعين بفضلِ مَا حملته قصائده مِنْ جمالٍ وبلاغة وصفاء مخيلة. وَيمكن القول إنَّ مَا يميز تجربة شاعرنا الكبير يحيى السماوي في أحدَ جوانبها المهمة، هو القدرة الفائقة عَلَى استغلالِ الذاكرة، وَمَا تكتنزه مِنْ موروثاتٍ وَأحداث، وَتوظيفها بأسلوبٍ خلاق فِي مساراتٍ تنحو صوب الدفاع عَنْ قضايا الإنسان، فضلاً عَنْ رسمِ صورةٍ للقادمِ المرتجى، فالشمس " تتجدد كل يوم " كمَا يقول هيراقليطس.

أيـهـا الـطـفـلُ / الـفـتـى / الـكـهـلُ / الـقـتـيـلُ / الـقـاتـلُ / الـنـشـوةُ /

والـحـزنُ الـفـراتـيُّ الـمُـعَــتَّـقْ :

أنـتَ لا يُـمـكـنُ أنْ تـجـتـازَ صـحـراءً بـزورقْ

وتـجـوزَ الـبـحـرَ بـالـعُـكَّـازِ ..

فـاخْـتـرْ غـيـرَ دمـعِ الـنـدَمِ الـمُـرِّ عـلـى ثـوبٍ تـمَـزَّقْ

كـلُّ صـخـرٍ يـتـحـدّى الـمـوجَ : يَـغـرَقْ

فـاتـخـذْ غـيـرَ ثـقـيـلِ الـصّـخـرِ طـوقـاً لـنـجـاةٍ

وسِـوى الأشـواكِ فـي مـعـركـةِ الـنـيـرانِ بَــيْـدَقْ

كـلُّ مـا فـي الـكـونِ مـن مـاءِ سَــرابٍ

لـنْ يُـسـاوي رشــفـةً فـي قـعـرِ دورَقْ

فـاحْـفـرِ الأرضَ بـأضـلاعِـكِ إنْ كـنـتَ ظـمـيـئـاً

وتـوضَّـأْ بـيـقـيـنٍ قـبـلَ أنْ تـدخـلَ مـحـرابـاً وتَـعْــشَــقْ

مـا تـبـقّـى مـن حـريـرِ الـغـدِ :

يُـكـفـيـكَ لأنْ تـنـسـجَ ثـوبـاً مـن مـيـاهٍ لـيـسَ يُـحْـرَقْ

***

لاشك أنّ السَماويَ أبدع عبر مسيرته الشعرية الغنية بأنواعِها، وَالَّتِي أغنت بشهادةِ الدارسين وَالنقاد الساحة الثقافية العربية بنتاجٍ شعريٍّ متوافق مَعَ جوهرِ العملية الإبداعية بفضلِ مَا عكسته قصائده مِنْ جمالياتٍ تتكئ عَلَى عناصرَ فنية مؤثرة، وَلاسيَّما المقدرة الشعرية، وَالهامية بعدها، وَتنوع مضامينها، وَتميزها بالعواطفِ الإنسانيَّة، وَالَّتِي اعترف لها الحقل الأدبي بالخصبِ وَالإشراق وَالثراء وَالنماء، مَا جعلها مادة غنية للإجراءِ النقدي وَالدراسات العليا. وَعَلَى وفقِ مَا تقدم يمكن الجزم بأنَّ النتاجَ الشعري للسَماوي يحيى كان مؤثراً إيجابياً فِي المتلقي أينما كان، فعَلَى سبيل المثال لا الحصر يخاطبه أحد القراء الكرام بمداخلةٍ فِي أحدِ المواقع الإلكترونية قائلاً : " أنت مَنْ رضعت مِنْ ترابِ الوطن لبنا "، فِيمَا يشير إليه قارئ كريم آخر بالقولِ : " لقد رسمت الشعر على جدرانِ العراق أيها الرائع، وعلقت حروف الوطن على صدورِ المحبين ".

أراني ملزماً هُنَا بالإشارةِ إلى غيضٍ مِنْ فيضِ ممَا ورد في آراءِ بعض الأدباء عَنْ منجزِ السَماوي الإبداعي، حيث يشير إليه الشاعر والمترجم الأردني نزار سرطاوي بالقول : " لست ناقداً ولكن قصيدة يحيى السماوي تفتح في العقل والوجدان والقلب والروح عالماً من الانفعالات "، فِيما يصف الناقد السوري الدكتور صالح الرزوق تلك التجربة بقوله : " أرى أن تجربة السَماوي لها ظل وأصل، في ظلها انعكاس شفاف ينقل لنا ما وراء الأصل من معاناة وتجديد، فالتجديد في الفن هو توأم للمعاناة في الواقع والروح ". وَيقول الكاتب وَالناقد العراقي سعدي عبد الكريم فِي توصيفه لتجربةِ يحيى السماوي الشعرية : " جزى الله السماوة خيرا، لأنها أنجبت هذا الشاعر الفحل الذي سرق دماً من محجريّ بشعره المحلق صوب صدفة فينوس ليحملها منتشيا الى شواطئ الغربة، ثم ليسقطها فوق المآقي لؤلؤا يشبه لون الدمع ". وَفِي السياقِ ذاته يكتب القاص وَالشاعر العراقي حمودي الكناني بمضمونٍ أقرب إلى التناص مَعَ مَا سجله الأديب سعدي عبد الكريم بقوله : " الآن عرفت لماذا كان الشيخ المرحوم مدرس العربية يبكي كلما مر بشعراء المهجر .... أترانا محظوظين أن اصبح لدينا شعراء مهجر يذوبون شوقاً وحنيناً إلى ديارهم، حيث مرابع الصبا وإلى - نخل السماوة يكَول طرتني سمره - ولكننا نشكر السماوة أنها أنجبت لنا واحداً هو يحيى السماوي ".

وفِي شأنٍ آخر يدون الأكاديمي العراقي الأستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي مَا نصه : " تعجز الأقلام والبحوث عن عبور نهر يحيى السماوي، فقد كتبت واشرفت على طلبة دكتوراه وماجستير كثر، واخر البحوث في جامعة البصرة كلية التربية - كسر الأفق عند الشاعر يحيى السماوي - للباحثة مها قاسم عبعوب. وهل يحصر الشاعر في عنوان، فقد قابلت البحر ولكن لم تقطر الا قطرة واحدة من شعره ونثره، فالشاعر يحيى جبل من الجليد لا يطفو منه الا القليل ". وَعَنْ معجمِه الشعري تشير الباحثة مها قاسم عبعوب فِي بحثها المذكور آنفاً بالقول : " اللغة الشعرية التي استخدمها يحيى السماوي مألوفة مأنوسة، ولكن نتيجة تملك التجربة الشعرية لإحساسه وصدوده عنها كانت على قدر كبير من الثراء والايحاء، الأمر الذي جعله يسيطر على كلماته وتراكيبه فيسخرها لتصوير عواطفه وعوالمه تصويراً مركزاً يترجم مكوناته وعوالمه الداخلية والخارجية على السواء. والمعجم الشعري عند السماوي يستفيد من ثلاثة مصادر بارزة هي : المصدر الديني، المصدر الشعبي والمصدر الأدبي, ما اضفى على شعره رصانة وفخامة وخصوصية شعرية تكمن في عمق الاندماج في الدين والتراث الوطن والفخر بذلك ". وبالاستنادِ إلى مَا تقدم، لا غرابة فِي رؤيةِ الأديب يحيى الكاتب الَّتِي نصها : " تجربة الشاعر الكبير والإنسان الكبير يحيى السماوي جديرة بالاهتمام والدراسات لأنها ظاهرة أدبية عابرة للمألوف ومتألقة بنور المحبة والطيبة، متجلببة بجلابيب البلاغة والبيان والكناية والجناس والطباق والاستعارة، حتى ضج منها الوليد الأدبي واستغاث منها المطبوع العربي والإنساني وتباهى بها المشهد الشعري ليليق بذائقة الكون المحايدة ليملأ الدنيا ويشغل الناس ". وَضمن الإطار ذاته يؤكد الناقد السينمائي وَالأديب العراقي المقيم بهولندا، نعمة يوسف السوداني علوّ كعب السَماوي فِي نظمِ القصيد بالقولِ : " السَماوي شاعر يمتلك القدرة على رؤية الاشياء وتوظيفها للقارئ كصورة بصرية وسمعية, كما يوصلها ايضا لوحة تشكيلية تتألف من عناصر اللون واللغة والايحاء، فيشكل صوراً مكملة للكلام ". وحول تكامل أدوات السَماوي فِي كتابةِ القصيدة يشير السوداني إلى عمقِ مشاعره فِي فضاءات الجمال وَالعشق الإنساني قائلاً : " السَماوي شخصية تعيش في فضاءات المحبة والعشق الدائم الذي لا يتوقف لحظة في هذا الزمن الذي نثر غباره الكثيف على نوافذ الحياة، حيث نراه يهدم عوالم قد الفناها سابقا في ذاكرتنا وفي حواسنا, ومن ثم يعيد بناءها من جديد, فمن الحدس والتخيّل للنزعة الجمالية من خلال الانفعالات العاطفية والحياتية التي تتمثل بأجمل معاني تقلبات حالات الحب يتغنى شاعرنا بالعشق والصبا والغرام للحبيبة والشغف والوجد والود والسهر واللوعة لكيانه عن عمق مشاعره وحبه ". ويخلص السوداني إلى بقاءِ جذوة الحب متقدة فِي عالمِ السماوي يحيى بقوله : " كل الدلالات الَّتِي ذكرتها آنفاً تشير وتؤكد على اعلان بيان للحب الدائم في قلب وعقل وافكار مبدعنا العاشق اللهف, الوله في حبه لحبيبته، وبخط احمر بأن اللوعة مازالت فيه, وان جذوة الحب مازالت مشتعلة, وانه عاشق ابدي؛ لذلك حينما نتتبعه نجده يحاول القاء القبض على لحظات الجمال من خلال العشق والحب المتطرف الذي يقوده الى المغامرة الشعرية البصرية التي لم نجدها الا في قلبٍ ثائر وفيه من الهيجان للمحبوب ورقة شوق في آن واحد ".

رَفـعَ الـنِـقـابَ وسَــلّـمـا وبـحـاجِـبَـيـهِ تـكـلّـمـا

ودَنـا .. وأغْـمضَ مقـلـتـيـهِ تغـنُّـجـاً .. وتـبَـسَّـمـا

وأزاحَ عـن زيـقِ القميصِ جَـديـلـتيـنِ ومِعْـصَـمـا

فــرأيـتُ مـا أغـوى بـفـاكـهــةِ الــلـذاذةِ " آدَمــا " : !

نـسـرانِ كـادا يـهـربـانِ مـن الـقـمـيـصِ تـبَـرُّمـا

نـسـرانِ يخـتـبـئانِ خلفَ ضـفـيرتـيـنِ فـأوْهَـمـا !

أهُـمـا أنـا مُـتـحَـفّــزانِ ؟ وفـي الـحَـيـاءِ أنـا هُـمـا ؟

فَـغَـرتْ عـيونـي جـفـنـهـا وفمي تـمَـطَّـقَ مُـرغـمـا

فـوجَدْتُـني بـعـبيـرهِ ـ رغـم انطِـفـائيَ ـ مُـضْـرَمـا

لاصَـقـتُـهُ خـطـواً تـهـادى في الـغـروبِ مُـنـغَّـمـا

وهَـمَـمْـتُ أسـألُ مُـقـلـتـيـهِ لـلـيـلِ عـمريَ أنـجُـمـا

فـتـعَـثَّـرَتْ شـفـتي بصـوتي .. فـانـكـفـأتُ مُــتـيَّـمـا

خـتـمَ الـذهـولُ فـمـاً تـمنّـى أنْ يُـضاحِـكَ مَـبـسَـمـا

لـكـنّـمـا عـيـنـايَ - مــن شــغـفٍ - تحـوّلـتـا فـمـا

فـرَمَـيـتُ أحـداقـي عـلـى نـهــديــهِ حــيـن تـقـدَّمـــا

وعـلـى مَــرايـا جـيـدِهِ .. مُـتـوسِّــلاً أنْ يـفـهــمـــا

كــادتْ تـفـرُّ لِـثـغـرِهِ شـــفــتـي لـتـلـثـمَ بُــرعُـمــا

فهَـمَـسْـتُ : رِفـقـاً بالـغـريبِ ألـسْـتَ قلـبـاً مُسْـلِـمـا ؟

أبْـطـلتَ عُـمْـرَةَ ناسِـكٍ قد جاء " مـكّةَ" مُحْرِمـا !

وحَرَمْـتهُ سَعْـياً بـ " مروةَ والصّفاءِ " و" زمْزما"

يا مُـبْـطِـلاً حتى وُضوئي : كُـنْ لـعِـشـقٍ مَـيْـسَـمـا

فـأعـادَ وضـعَ نِـقـابـهِ كـيـداً... وقـال مُـتـمـتِـمـا :

صَـبراً على عطـشِ الهـوى إنْ كـنتَ حـقـاً مُغـرَما

فـالـمـاءُ أعـذبُ ما يـكونُ : إذا اسْـتـبَـدَّ بـك الـظـمـا !

***

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ثَمَّةَ ما منع السًماوي مِن طرحِ نتاجه الشعري عَلَى جمهوره بشكلٍ واسع لنحوِ نيفٍ وَعقدين مِن الزمان ( 1971 - 1992 )، فقد بقي النهل مِنْ نتاجِه الشعري محدوداً ببيئةٍ مُجْتَمَعيةَ ضيقة، مساحتها لا تتعدى الأصدقاءَ الذين يطمئن لهم، حيث كان يشدو قريضه وسط مَا يمنحه مِنْ الأمكنةِ الفرصة لكي يُفرغ أنينه وَيؤنس وحشة الليل، فيشرب جلساؤِه مِنْ نهرِ إبداعه شراباً سائغا قبل أنْ يتوارى عَنْهم فِي ظلامٍ مظلم، مَعَ العرضِ أنَّ بعضَ تلك الجلسات كانت سبباُ لمبيتِه وَصحبه أياماً خلف قضبان السجون. يُضافُ إلى ذلك مَا نحته مِنْ قريضٍ وَوجد له مستقراً فِي مَا تباين مِن الدهاليزِ الَّتِي يحسبها آمنة بسببِ بعدها عَنْ أنظارِ عسس السلطة ومخبريها وَأزلامها؛ نتيجة مواقفه المعارضة لسياساتِ النظام البائد وَكشف تعدد نشاطاته الاجْتِماعِيَّة انتماؤه لحركةِ اليسار، غَيْرَ أَنَّ الكثيرَ مِنْ تلك المخطوطات تحولت إلى رمادٍ بفعلِ اضطرار أسرته سجرها فِي التنور خشية وقوعها بأيدي السلطة وَأعوانها، حيث أَنَّ " هولوكوست الكتاب " أو التخلص مِنه بالدفنِ أو بغيره مِن الوسائل المتاحة، يُعَدّ بفعلِ ركون السلطة الدكتاتورية إلى نهجِ الرقابة الصارمة، فضلاً عَنْ قمعها العنيف للحريات أحد أبرز موروثاتنا الثقافية. وأراني ملزماً هُنَا بدعوةِ البيت التفافي العراقي بما تباين مِنْ عنواناته إلى إطلاقِ مسابقةٍ أدبية سنوية بعنوان " جائزة شهيد الكلمة "؛ وفاءً للذين جادوا بأنفسهم مِنْ أجلِ حماية الكلمة الرافضة للاستبداد وهم يحاولون اختراق جدران الرقابة بترويجِ النتاجات الإنسانية بِمَا متاح مِن السُّبُلِ الَّتِي كانت محفوفة بالمخاطر.

***

ســتون .. في ركـــضٍ ولــمْ اصــلِ

نهـــــرَ الأمـــانِ وواحــةَ الأمـــلِ

ســتونَ .. أحسَبُ يومَهــــا سنــــةً

ضــوئيَّــةً مـــــــوؤودةَ الــــشُّــعَلِ

عــشــرون منهـــا : خيمتي قلــقٌ

بيـــن المـنافـــي عاثـــرُ الــسُّــبُلِ

والباقيــــاتُ ؟ رهـــينُ مــــسْغَبَةٍ

حينـــاً.. وحينـــاً رهــن مُعْتَقَــــلِ

***

لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير إلى أنّ بعضَ الكتاب وَالنقاد يشيرون إلى تلك الفترة الزمنية مِنْ سفرِ أدب السَمَاوي بوصفِها مساحة " صمت كبيرة " تخللت تجربته الشعرية، فَعَلَى سبيلِ المثال لا الحصرَ ورد فِي دراسةِ الإعلامي وَالشاعر الفلسطيني علي فرحان الدندح الموسومة " الوطن فِي غربةِ الشاعر العراقي يحيى السماوي " المنشورة عام 2008م ما يؤكد ذلك، حيث يقول دندح : " إنَّ الشاعرَ السماوي بدأ تجربته الشعرية في بداية السبعينيات الميلادية مع ديوان عيناك دنيا، تلاه الديوان الثاني قصائد في زمن السبي والبكاء، وبعد صمت سنوات امتد حتى عام 1993، أصدر ديوانه قلبي على وطني وديوان جرح باتساع الوطن ". وَيمكن الجزم بأنَّ السًماوي لم يكن بعيداً عَنْ واحةِ الشعر الَّذِي شغف به حد العشق منذ السنوات الأولى فِي دراسته. وقد تنامى فِي نفسه هَذَا الشعور، فأصبح الشعر بمثابةِ " فيروس " أصابه وَهو يرى لقمة الخبز تدخل افواه فقراء الشعب وكادحيه مجبولة بإذلالِ سلطةٍ لَمْ يكن فِي حسابها أنْ تزول. وَلندع السَماوي يحيى يدلُو بدلوه حول هَذَا الأمر، حيث يقول مَا نصه : " كان صمتاً قسرياً فرضته عَليّ ظروف العراق فِي ظلِ نظام الحزب الواحد والفكر الواحد والقائد الأوحد، ومع ذلك فقد كان صمتا ظاهرياً؛ لأنني كنت أكتب ولا أنشر خوفا على رقبتي من حبل مشنقة أو سياط جلاد مادام أن كتابتي بمثابةِ صراخ احتجاج متضامنة مع الصعاليك في حربهم العادلة ضد الطواغيت والأباطرة ".

***

ما العيبُ في قولِ الحقيقةِ؟

هل تكون النارُ ضاحكة اللهيبِ

بلا حطبّْ؟

أم يستحي من طيبِ لَذتِهِ العِنَب؟

فأنا الفراتُ وأنتِ دجلة

والسريرُ بكوخِنا شطَ العَربْ

***

ذات إديلايد، أفزع السَماوي هدوء الفجر عَلَى غير عادته حين يهرب مِنْ ضجيجِ النهار إلى سكونِ الليل، فخُيِّل إليه أنه يشبه سكون مقبرة فِي صحراء، فاستعان بصوتِ محمد عبد الباسط عبد الصمد وهو يرتّل بصوتِه الملائكي : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه "، فكتب قصيدة.  

 

لطيف عبد سالم

 

 

nabil alrobaei2من خلال متابعتنا واطلاعنا على اعداد جريدة (الثورة) الصادرة في عهد الجمهورية الأولى والزعيم عبد الكريم قاسم خلال شهر تشرين الأول 1959م، تبين لنا أن هناك قد حدثت طروحات من قبل رئيس تحرير الجريدة السيد يونس الطائي المهتم بأحداث ثورة 14 تموز 1958 ودور الزعيم عبد الكريم قاسم فيها، منذُ صدور عددها الأول في الثامن من تشرين الأول 1958 ولغاية اغلاقها يوم 7 شباط 1963 وقد صدر عددها الأخير يحمل العدد (1118)، قد اهتم يونس الطائي بالترويج لتأسيس حزب سياسي وطرح الاستفتاء تحت عنوان (الشعب يطالب ملحاً بتأسيس الحزب السياسي المنشود) جاء فيه: "طرحت هذه الجريدة شعاراً تاريخياً على الشعب استفتتهُ والمسؤولين الآخرين فيه ... وكان الشعار واضحاً وليس جديداً بالنسبة إلى بعض المسؤولين الذين واكبوا الاحداث وعاصروا الحوادث ومناكفاتها، فقد تجاوبوا مع شعارنا الذي طرحناه والذي خلصنا فيه إلى مناشدة الزعيم الحبيب بتأسيس حزب سياسي بعد انتهاء فترة الانتقال ليساهم مع الأحزاب المجازة في تركيز الحياة الحزبية على النهج الديمقراطي السليم"(1).

كانت هذه الطروحات من قبل رئيس تحرير جريدة الثورة بسبب الاحداث والصراعات التي حدثت بين القوميين والشيوعيين واحداث الموصل وكركوك، فقد هاجم قبلها الزعيم قاسم الحزبية والاحزاب في الثالث من نيسان 1959 قائلاً :"ان الاستعمار يحاول اليوم تفرقة الصفوف بالدعوة إلى احزاب ضيقّة وتكتلات محدودة، القصد منها أن يضرب الواحد منها الآخر... إننا سوف نسّد عليه هذا المنفذ، فالتكتلات الضيقّة والحزبية والاحزاب في هذا الوقت لا تفيد البلاد... جاء إليَّ الأخ يونس الطائي وبعض الضباط الأحرار وقالوا أيها الزعيم لو إنك تغنينا في هذا الوقت وتأمر بتشكيل حزب يلتف حولك وبذلك تخلصنا من هذه الأحزاب وهذه التكتلات، فكان جوابي إليهم أنني في عهد انتقال وإن حزبي هو مجموع الشعب، وإني أنتمي إلى مجموع الشعب، وإننا كلنا حزب الله، وحزب الحق وحزب العدل وحزب الكفاح"(2).

حارب الزعيم قاسم من خلال خطبه الحزبية والأحزاب، ودعا أفراد الجيش العراقي أن يكونوا بعيدين عن الاتجاهات والميول الحزبية ليبقى ناصع البياض وأكد على أن يكون الجيش "إنما ينتسب إلى حزب الحق والعدل"(3)، وقد اخذ الصحفي يونس الطائي على عاتقه اقناع الزعيم قاسم لتأسيس حزب سياسي ليلتف الشعب حوله وابعاده عن حدة الصراعات السياسية وقتذاك ليحقق سياسة الوسط، بعد محاولة حزب البعث اغتياله في 19 تشرين الأول 1959، متحدثاً الطائي قائلاً "قلت للزعيم عبد الكريم قاسم أن عليه أن يعلن فترة انتقال لوقف التطاحن والقتال بين القوميين والشيوعيين، واقترحت عليه أيضاً تأسيس حزب سياسي يسير على منهج اقتصادي وسياسي واجتماعي معين يدخل فيه الانتخابات مع الأحزاب الأخرى التي ستجاز، وأكدت له أن نجاح حزبه وضمان زعامته أكيدان وبدون أي تدخل من جانب الحكومة، لأن الناس ما زالوا ينظرونه زعيم الثورة العظيمة التي اطاحت بالنظام الملكي"(4).

وفي يوم الثلاثاء المصادف 20 تشرين الأول 1959، العدد 286 وعلى صفحتها الأولى نشرت جريدة الثورة مقالاً بعنوان (أضواء الثورة)، كان المقال لرئيس التحرير يونس الطائي، جاء فيه :"إننا هنا نطالب ونناشد سيادة الزعيم الحبيب القائد العبقري المفجّر الذي قاد الشعب وحرره، نناشده وفترة الانتقال على وشك الانتهاء بالشروع بتأسيس حزب سياسي يلعب أكبر دور مع الاحزاب التي ستقوم في تعزيز النهج الديمقراطي... إن الشعب يعيش اليوم وسط تيارين يتناطحان، ولا يمكن أن نجعل الشعب كبش فداء... وفي الواقع هناك طريقان، أما أن تكون فترة الانتقال طويلة الأمد، وأما العودة إلى الحياة الحزبية والنيابية وفقاً للروح الديمقراطية.. على افساح المجال للزعيم لأن يعكف على تحقيق انجازات الثورة وتحقيق نجاحات كبيرة عن طريق الاعتماد على حزب سياسي يقوده الزعيم كما قاد ثورة تموز"(5).

ثم تعود جريدة الثورة بمقال جديد في افتتاحيتها ليوم 21 تشرين الأول 1959 حول المطالبة بتأسيس حزب جديد بقيادة الزعيم قاسم تحت عنوان (مدرسة الزعيم عبد الكريم قاسم) جاء فيها :"عندما نطالب بتأسيس حزب سياسي يرأسه الزعيم الحبيب فنحن في الواقع نطالب تحصيل حاصل، أن الثورة وأهدافها ومدرسة عبد الكريم قاسم في تاريخ الشرق العربي على الوجه الخصوص لا يمكنها أن تحقق أهدافها وتفرغ نظريتها بدون الركون إلى التنظيم الحزبي، أي بدون تأسيس حزب"(6).

ثم تعود جريدة الثورة لتثير الشارع العراقي حول تأسيس حزب سياسي لكل العراقيين يقوده الزعيم قاسم بعيداً عن التناحرات الحزبية والقومية بمقال افتتاحي يوم الجمعة المصادف 6 تشرين الثاني 1959 وبعددها 301 بعنوان (الشعب يطالب ملحاً بتأسيس الحزب السياسي المنشود)، جاء فيه "طرحت هذه الجريدة شعاراً تاريخياً على الشعب، استفته والمسؤولين الآخرين وكان الشعار واضحاً وليس جديداً بالنسبة إلى بعض المسؤولين الذين واكبوا الأحداث وعاصروا الحوادث ومناكفاتها، فقد تجاوبوا مع شعارنا الذي طرحناه والذي خلصنا فيه إلى مناشدة الزعيم الحبيب بتأسيس حزب سياسي بعد انتهاء فترة الانتقال"(7).

كان هدف رئيس تحرير جريدة الثورة من الدعوة لتأسيس حزب يترأسه الزعيم قاسم هو نكاية الطائي بالحزب الشيوعي العراقي والقوميين على حدٍ سواء، فأراد الطائي بعد محاولة اغتيال الزعيم وابتعاد قاسم عن المتناحرين إلى استغلال هذا التناحر، إلا أن الزعيم رفض فكرة تأسيس الحزب جملةً وتفصيلاً.

من خلال افتتاحيات جريدة الثورة ومناشدتها الشعب العراقي ومطالبتها للزعيم قاسم بتأسيس حزب سياسي يتزعمه عبد الكريم قاسم، وردت لجريدة الثورة المكالمات الهاتفية وبرقيات ورسائل التأييد للدعوة بتأسيس حزب سياسي، منهم ضباط كبار وقادة فرق وألوية في الجيش العراقي، ومن الاسماء التي طالبت الزعيم قاسم من خلال البرقيات والمكالمات الهاتفية : تصريح العقيد الركن فاضل عباس المهداوي(8)، برقية العقيد عبد الكريم الجدة آمر الانضباط العسكري(9)، برقية الزعيم الركن علي غالب عزيز قائد الفرقة الخامسة(10)، برقية الزعيم الركن صبري النعيمي آمر كلية الاحتياط(11)، برقية وزير الدولة فؤاد عارف(12)، والمكالمة الهاتفية للعقيد عبد اللطيف الدراجي متصرف لواء الكوت، واللواء الركن المتقاعد عبد الرزاق عبد الوهاب متصرف لواء البصرة، وزير المواصلات حسن الطباطبائي، وزير المعارف محي الدين عبد الحميد، الزعيم خليل سعيد قائد الفرقة الثانية، الزعيم حميد حسن الحصونة قائد الفرقة الأولى(13).

كانت دعوة القيادات العسكرية ومتصرفو الألوية لدعم تشكيل حزب سياسي يقوده الزعيم قاسم غير صادقة، والدليل على ذلك انقلاب البعض من الداعمين والمؤيدين لهذا الحزب ومواقفه مع الزعيم بعد انقلاب 8 شباط 1963، وقد تنصل اغلب هؤلاء عن موقفهم السابقة.

مع كل هذا التأييد واعتراض المعارضين للفكرة من قبل الشيوعيين، رفض الزعيم قاسم فكرة تأسيس حزب سياسي، ورفض الزعيم عمل كل الأحزاب لأنه بعيد عن الأحزاب والحزبية، لذلك قال الزعيم قاسم في فترة الانتقال "أن حزبي الشعب العراقي كله، واننا كلنا حزب الله وحزب الكفاح وحزب العدل"(14)، لكن الزعيم اجاز فيما بعد عدداً من الاحزاب السياسية هي الحزب الوطني الديمقراطي ، وحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي بزعامة داود الصائغ كانون الثاني 1960م.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

....................

المصادر

1- جريدة الثورة العدد 301 في يوم الجمعة 6 تشرين الثاني 1959. ص1.

2- جريدة الثورة العدد 161 ليوم السبت 9 آيار 1959. ص2.

3- المصدر السابق. ص2.

4- جريدة الثورة العدد 175 ليوم الاربعاء 27 آيار 1959. ص2.

5- جريدة الثورة الثلاثاء المصادف 20 تشرين الأول 1959، العدد 286. ص1.

6- جريدة الثورة العدد 278 ليوم الاربعاء 21 تشرين الأول 1959. ص1.

7- جريدة الثورة الجمعة المصادف 6 تشرين الثاني 1959 وبعددها 301. ص1.

8- جريدة الثورة العدد 309 ليوم الاثنين 16 تشرين الثاني 1959. ص2.

9- جريدة الثورة. المصدر السابق.

10- جريدة الثورة. العدد 299. ليوم الاربعاء 4 تشرين الثاني 1959. ص2.

11- جريدة الثورة. العدد 298 ليوم الثلاثاء 3 تشرين الثاني 1959. ص1.

12- جريدة الثورة. العدد 294. ليوم الاربعاء 29 تشرين الأول 1959. ص1.

13- جريدة الثورة . المصدر السابق.

14- جريدة الثورة. العدد 309. ليوم الاثنين 16 تشرين الثاني 1959. ص3.