علي المرهج

الفيض هو الكثرة والغزارة، فيُقال فيض إلهي بمعنى عطاء رباني غزير، ويُقال فيض الماء أو النهر، أي غزارته وتجاوزه الضفاف، وإنسانٌ فيض بمعنى غزير الإنتاج والعطاء، وفيّض صيفة مُبالفة تُطلق على إنسان عرف للدلالة على غزارة علمه، وعلى رجل كريم للدلالة على إفراطه في الكرم، وتُطلق الصفة على اللئام فيُقال فاض اللئام، أي كثروا..

كذلك تُطلق كلمة فيض على جريان الحركة وكثرة إمتلاء القلوب بالمحبة، وذلك المعنى أبيّن عند الصوفية وأهل العرفان، والهائمين بعشق المحبوب من شُعراء الحُب العُذري، أو دُعاة العشق الإلهي كما جاء في كتاب "الفيوضات الربانية

والمُقابل للفيض هو الغيض، أي الشُح في العطاء أو القلة فيه أو في الإنتاج، فيُقال غيض من فيض، أي قليلا من كثير.

أما الفيض في الفلسفة فهو مُقترن حتماً بنظرية الفيض الإفلوطينية (نسبة لأفلوطين)، أو ما تُسمى نظرية الصدور، وتأكيد فلاسفتها مثل الفارابي وابن سينا على أن الواحد لا يصدر منه إلّا واحد. فالواحد هو أصل الوجود، وهو أزلي سرمدي بسيط لا يصدر منه إلّا واحد. وعند الفارابي الواحد هو الله (واجب الوجود) وكل ما عداه هو (مُمكن الوجود)، فالله بريء من صفات المادة وتحولاتها ولا يعتريه النقص، إنما هو مثال الكمال والإكتمال، ولكن وجود (مُمكن الوجود) من عدمه لا ينبني عليه تأثير في في ثبات وأزلية (واجب الوجود)، فإنكارنا لوجود (واجب الوجود) ينبني عليه مُحال، لأن لا بُد لك وجود من من مُوجد، أو (مؤيس الأيسات من ليس) بعبارة الكندي فيلسوف الإسلام الأول. ولم يكن همّ فلاسفة الفيض سوى همّ تخليص (واجب الوجود) من ربط وجوده بالموجودات، وعكس تصوراتنا المألوفة والسعي لربط الموجودات بعلتها الأولى. وهو العقل الأول (الواحد) الذي لا يفيض منه إلّا واحد، وهذا العقل حينما يعقل ذاته يفيض منه جُرماً ونفساً، ويعقل مبدأ صدوره فيصدر منه عقل ثان ...ويستمر الفيض وصولاً للعقل العاشر الذي تصدر منه ا(المادة الأولى) = "الهيولى" ومنه تتعد عناصر الوجود.

ولن أُطيل في شرح نظرية الفيض، وهي ذاتها في فلسفة ابن سينا، وكلاهما الفارابي وابن سينا يسعيان للجمع بين فلسفتي الحكيمين (افلاطون) و (أرسطو) على ما في بعض من إختلاف بينهما في تصوراتهما الفلسفية.

ولن أخوض في مقدار إقترابهما أو إبتعادهما عن مرامي الفلسفة البرهانية كما فعل محمد عابد الجابري.

ولكن يكفيني رداً على إدعاءاته أنه بحث عن غنوصية مشرقية في فلسفة ابن سينا، وتنكر لها وحاول تخليص فلسفة إبن طفيل من هيمنة فلسفة ابن سينا الغنوصية كما يرغب هو بتسميتها، وتوقف وحار في آراء ابن تومرت في كتابه (أعز ما يُطلب)، فاستمات في الدفاع عنه كي يُخلصه من غنوصية وباطنية ظاهرة، في إدعائه للمهدوية وفي تبنيه لعلوم (الليمياء) و (الخيمياء) و (السيمياء) و (الكيمياء).

وقد تنكر لصوفية ابن عربي وبعدها الفيضي وتعابيرها عن (العشق الإلهي) وتبنيه لمفهوم "وحدة الوجود"، والأمر ذاته فعله بقراءته لفكر ابن سبعين وفلسفته الصوفية في " الوحدة المُطلقة"، وهو، أي ابن سبعين الناقد الكبير لفلسفة ابن رشد التي يعدها الجابري أنموذحاً يُحتذى، ولكن ابن سبعين لا يرى في ابن رشد سوى مُقلد لأرسطو "يحذو معه حذو النعل بالنعل، فإذا قال أرسطو القائم قاعد، قال ابن رشد مثل"!.

ولم يُكلف الجابري نفسه عناء البحث عما هو (عقلاني في النص اللاعقلاني) كما يقول علي حرب.

ولن أخوض في تفاصيل أطروحات محمد عابد الجابري والرد عليها، فلك فيما كتبه علي حرب وطه عبدالرحمن وحسن حنفي وطيب تيزيني وهشام غصيب وحسام محي الدين الآلوسي وجورج طرابيشي ويحيى محمد، وكُتّاب كُثر ما يُعطيك تصوراً كافياً لتصوراته ونقده.

ولكنني أبحث عن فيض معرفة كان العراق أصلها وفصلها، سواء في مدارس ابصرة والكوفة أو بغداد، فمن بغداد شع نور الفلسفة وأفاض، ومن بغداد تُرجمت علومها وعلوم طبيعية أخرى يونانية، فكان فيض المعرفة العراقية بمدارسها الفقهية واللغوية والكلامية والفلسفية يستزيد منه أهل العلم في مغرب العالم الإسلامي وغرب العالم.

فمن بغداد كان فيض معرفة لفلسفة وعلوم ابن سينا عند الغرب، ونقد الغزالي للفلسفة الذي تجلت بعض ملامح فلسفته فيما كتبه توماس الأكويني في كتابه (الإعترافات) وما كتبه ديكارت في كتابه (مقال في المنهج)...

ولنا في القرنين الثالث والرابع الهجري فيض نتاج معرفي وفلسفي عراقي ظهر جليّاً فيما سُميّ بمدرسة بغداد الفلسفية، وقبل ذلك فيض في العمل التُرجمي الذي كان بيت الحكمة البغدادي هو مصدر ذلك الإشعاع، ولن أطيل الحديث كثيراً عن نتاج مدرستي البصرة والكوفة وفيض ما قدمته هاتين المدرستين في علوم اللغة والفقه وعلم الكلام والفلسفة.

كان لمدرسة بغداد الإعتزالية دورها في ربط الحُرية بالعقل، وكما أطلق عليها د.عبدالستار الراوي "ثورة العقل"

أما نتاج مدرسة بغداد الفلسفية، فقد بدأ مع الكندي، وكانت بأبهى صورها مع "حُنين ابن إسحاق" و"يحيى بن عدي" و "أبي الحسن العامري" في ربطه الأنسني بين الفلسفة والأخلاق في رسالته "السعادة والإسعاد" و "أبي سُليمان السجستاني المنطقي" ورفضه لمذهب الفلاسفة المُسلمين، لسيما (إخوان الصفا) في سعيهم للـ (التوفيق بين الشريعة والحكمة)، وقد ذكره أبو حيان التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" وتمييزه بحسب التوحيدي بين صاحب الشريعة الذي يهتدي بالنص، ويقول ما ينطق به "النقل" أو "النص المُقدس"، بينما تجد الفيلسوف يكد ويكدح ولا يهتدي إلَا بـ "نور العقل".

وصولاً لـ "أبي الفرج ابن الطيب البغدادي" (يُنظر: علي حسين الجابري: مدرسة بغداد الفلسفية، والمقولات المنطقية، دائرة المعارف الشيعية، ج9) وتبنيها للمنطق الأرسطي وربطه بالنحو، وكذلك ربط الفلسفة بالأخلاق

أما الغيض وشُح النتاج الفسفي في العراق، فقد بدى واضحاً حينما كفّر الغزالي الفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة"، وبعده جاء "البيان القادري" في القرن الخامس الهجري، (نسبة للخليفة العباسي القادر بالله) الذي حرّم فيه كل تفكير يخرج لكل تفكير يخرج عن أطره التي وُضعت وفقاً لمذهب (أهل السُنة) وتكفير ما عداه بما فيها مدرسة الفكر المُعتزلي والفكر الفلسفي.

ومن ثم فتوى ابن الصلاح الشهرزوري (577هـ ـ 643هـ) الذي استنكر استخدام الإصطلاحات المنطقية في استنباط الأحكام الشرعية أو فهمها وفق المنطق الأرسطي، إذ يؤكد على ضرورة رفض المنطق والفلسفة لأنهما يضرَان بالشرع والإيمان ومن يظن أنا هُناك فائدة تُرتجى منهما "فقد خدعه الشيطان" (فتاوى ابن الصلاح، ج1، ص211)، و لأن "الفلسفة أس السفه والإنحلال، ومادة الحيرة والضلال"، أما "المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر.."

وأتم المهمة ابن تيمية، بنقضه للمنطق في كتابابيه: "نقض المنطق" و "الرد على المنطقيين"، إذ يقول في كتابه "نقض المنطق" فكان نقده للفلسفة من ناحيتين"مُجنبتها الواضحة للعقل الصريح، ومُخالفتها الحمقاء للنقل الصحيح" (ابن تيمية: نقض المنطق، مطبعة السُنة المُحمدية، ط1، 1951، مُقدمة: عبدالرحمن الوكيل، ص6)، ليصل بنا إل نتيجة مفادها "عدم كفاية المنطق في الوصول إلى الحق، وأنه لا يُفيد أربابه الإيمان الواجب، بل طالما كان المنطقي زنديقاً، وقد يجمع بين الغيمان والنفاق" (المصدر نفسه، ص16).

وكذا الحال مع ابن قيَم الجوزية الذي يُسمي الفلاسفة بـ "الدهرية" أو "الزنادقة" لأنهم يقولون بـ "قدم العالم". وقد لحقه ابن قيَم الجوزية (691 هـ ـ 751 هـ)في نقده للفلاسفة ووصفه لمذاهبهم في كتابه "مفتاح دار السعادة"، (ج2، ص119) حول مذهبهم من مسألة (التوفيق بين الحكمة والشريعة) "بأنه من أفسد مذاهب العالم وأخبثها، وهو مبيٌ على إنكار الفاعل المُختار"

فلم يبق فيض، وصار الغيض حياة لنا، وغار وذهب تفكيرنا ونضب عقلنا وجاء في القرآن الكريم "وغيض الماء"، وأما الغيظ بظاء، فمعناه الغوي مُرادفٌ للغضب، "والكاظمين الغيظ" (آل عُمران/ 134).

وهُناك منعنى مُقارب هو (القيظ) وهو فصل من فصول السنة، ألا وهو الصيف، وهوتعبير عن شدة حرارة الصيف، وكل من يتحمل القيظ إنما هو صديق حميم، لأنه قبل بمُعايشة صديق له أو قريب أيم حر الصيف اللاهب، وتلك تُعد من الفضائل، فهل هُناك صديق أفضل من العراقيين يصبرون ويتحملون (القيظ) ما يقرب على الخمسة عشر عاماً صابرين مُحتسبين، يُحسنون بحكومتهم!.

وشُح النتاج الفلسفي والعقلاني سمة من سمات التفكير، بل وهيمنة الفكر الغيبي والسحري، وأكثر من ذلك أن الفلسفة لم ينضب نتاجها وتمر بمرحلة القيض في العراق فقط، إنما في جُلّ بلاد المشرق العربي، لتبدأ مرحلة فيض جديدة في بلاد المغرب العربي على يد ابن باجة وبن طفيل وبن رشد وابن خلدون.

 

غيض الفكر الفلسفي العراقي بعد فيض

حين دراستي في قسم الفلسفة بجامعة بغداد درَسني أساتذة كبَار، ولكن هناك أساتذة لم تكن لديه القُدرة على شرح فكرة خارج نطاق المحاضرة المكتوبة، أو المُستلة من كتاب كان يُغلفه بغلاف جريدة، ويقضي بعض من وقته في قراءة أسماء الطلَاب، لتسجيل قائمة الحضور والغياب، وبعض من الوقت المُتبقي يُخرج بعض من أوراق صُفر كتبها أيام تعيينه في السبعينيات من القرن المُنصرم، يُملي علينا ما لخَصه من كتاب ما في اختصاصه، ويأمرنا بحزم وشدَة بضرورة الكتابة، وكثير منَا يستجيب خوفاً من بطش الأستاذ هذا، أو إتقاءً لما يُمكن أن يُضمره.

وقد بقيت أوراق بعض أستاذتنا الصفراء هذه حتى بعد أن تخرجنا وحصلنا على الدكتوراه.

يقرأ المكتوب في أوراقه الصُفر، وحينما يتبقى بضَع دقائق قبل نهاية المُحاضرة، يبقى يتأمل بعض وجوه الحسَان من الطالبات، ويطلب منَا نحن الطلبة الذكور ممن يرغب بمُغادرة القاعدة، بالقول (ولدي خاف واحد إيريد يطلع خلي ياخذ راحته، ترى الحُرية ماكو أجمل منها)!.

وكان هناك أستاذ آخر، يُغلف الكتاب الذي يقرأ لنا بعض من مُختارته ويُجبرنا على الكتابة، ولأنني ابن شارع المُتنبي، ولأن روحي همَت به، وأظن أن روحه همَت بيَ، فقد بدأت أبحث عن كل كتاب كُتب حول هذه المادة التي كان يُجبرنا الأستاذ على الكتابة من دون شرح أو توضيح لها، وكأن في الكتاب السرَ المكنون، وبعد لأيَ وفحصِ للجُمل التي أملاها علينا هذا الأستاذ ومُقارنتها مع بعض المؤلفات المشهورة في مادة الدرس، تمكنت من معرفة الكتاب، ولا أُخفيكم سراً، فرحت فرحاً شديداً وكأنني حصلت على جائزة من جوائز (المكر العالمي)، فاقتنيت الكتاب، وذهبت في ذلك اليوم إلى الكُلية باكراً، ولأن الأستاذ كان من المواظبين على الدوام بحكم إلتزامه الحزبي، كونه عضواً عاملاً في حزب البعث آنذاك، فقد وجدَته جالساً في مكتبه، ومكتبه هذا (ميز وكُرسي) في غرفة يُشاركه فيها أساتذة آخرون، فكُنت أمرَ من أمام مكتبه ذهاباً وإياباً علَني أُلفت نظره لأبلغه أنني عرفت (السر المكنون)، وقد تنبه ليَ ولاحظ وجود الكتاب في يدي، فأبدى إندهاشاً، وسألني وكأنه لا يعرفه: (علي إمنينلك هذا الكتاب، أشو جنه كتاب يفيد بالمادة اللي أدرسه إلكم)، ولم يكن أمامي سوى أن أُخاطبه بأنني جلبت هذا الكتاب هديةً لك أستاذي، ولكن هذه الهدية كلفتني تحامله عليَ، فلم يُعطني المُعدل الذي أستحقه، لأنه فهم الرسالة التي أبغي توصيلها له، وبسبب اصراري منذ يوم إهدائي الكتاب له على عدم الكتابة ولا أكتب حرفاً واحداً، لأنني شعرت بأنه يستغلنا نحن الطلبة، وهو قد عرف أنني أمتلك سره المكنون (المصدر الأصلي)، ولكن هذا أمر لا يستحسنه، فبقيَ ينظر ليَ مُمتعضاً، وطلب مني الكتابة أكثر من مرة، ولكنني أخبرته أنني بطيء في الكتابة، وسأنقل المحاضرة من زملائي.

ولكنَي سأستدرك قولي هذا بالاعتراف أنه رغم كل ما ذكرته، هو أستاذ طيَب، وابن عرب ويُرحب، وليَ معه علاقة طيبة.

لا تستغربوا ما ذكرت، بل هُناك ما هو أدهى وما يُثير فيكم الدهشة، فقد كان هُناك أستاذ يحفظ الكتاب المنهجي لمادته عن ظهر قلب، فكان الطلبة يتعجبون لأنه يُغرد بأقوال جميلة، ولفرط ذكاء بعض الطلبة وخُبثهم، ولطالما إختلط الذكاء بالخُبث، ولكن خُبثهم هذا أو ذكاؤهم، سمه ما شئت، مكَنهم من معرفة أمر هذا الأستاذ، وبعد الفحص والتقصي تبيَن أن الأستاذ كان يُلقي المُحاضرة شفاهياً حفظها وكأنها من (سور عم) أو كأنها نشيدٌ من أناشيد الطفولة وكأنها محفوظه، حفظها كما يحفظ الطفل أنشودة أعجبته.

وكان لدينا بعض الأساتذة جُلَ همهم في المُحاضرة التحدث عن مآثر (الحزب القائد) و (الفلسفة النقدية عند القائد المُناضل صدام حسين) أو (فلسفة ميلاد القائد)! وتسجيل أسماء المُنتمين للحزب من غير المُنتمين، ومحاولة كسب غير المُنتمين، والتدافع لتدريس مادة (الثقافة القومية) التي كانت عبارة عن كتابات عن مآثر القائد ونظرية "الحزب القائد".

وهُناك أساتذة لا يحتاجون لهذا ولا ذاك، لأنهم من أصول تتلاقى في النشأة مع "القائد الضرورة"، فهم من صلاح الدين، أو من (تكريت)، فكان أحدهم يمشي في الأرض مرحاً، وهو ليس بعثياً، ولكن يكفيه شرفاً أنه تكريتي!.

وحين دراستي للماجستير درَسني أحد الأساتذة من حملة الأوراق الصفراء، لا يستطيع الخروج عنها (قيد أنملة) كما يُقال، وهو قد نال أطروحته للدكتوراه من مصر في تحقيق كتاب في الفلسفة لفيلسوف يهودي بغدادي تأثر بالفلسفة الإسلامية، ولا أظن أنه قد قرأ كتاباً في الفلسفة الحديثة أو المُعاصرة، ومن طرائف ما أتذكره عنه أنه قرأ لنا نصاً جاء في سياق ما يقرأ ذكر الفيلسوف الألماني (نيتشه)، فقرأه (نيتشهُ) (بضم الهاء)، فقلت له أستاذي أنه (نيتشه)، فرد عليَ أن أبتته هي من كتبت المادة، ولم يُدرك أن ما كتبته ابنته صحيح إملائياً، ولكنه لم يُتقن قراءته نحوياً، لأنه لا يعرف إسم هذا الفيلسوف وكيفية تلفظ إسمه، وأظن أنه لم يسمع به.

لربما يبدو مما كتبت أنني أظهرت مساوئ بعض من أساتذة الجامعة، ولكن فيهم أساتذة كبار تعلمنا منهم، ولولاهم لما كُنَا نحن اليوم أساتذة، فكان الكبير د.حسام الآلوسي في تبنيه للمنهج الماركسي، ومن ثم طرحه للمنهج التكاملي، والكبير د.كريم متى في دراساته في تاريخ الفلسفة اليونانية، وتاريخ الفلسفة الحديثة، والكبير د.ياسين خليل في نزوعه نحو الوضعية المنطقية، وإن كان في ميوله الأيديولوجية بعض من نقد، والكبير مدني صالح في توجهه المُتفرد في قراءة الفلسفة بأسلوب الأدب الرمزي، والكبير د.جعفر آل ياسين في قراءته لفلسفتي الفاربي وابن سينا، والكبير عرفان عبدالحميد في دراساته عن علم الكلام ونشأة الفلسفة الصوفية، والكبير د.كامل مُصطفى الشيبي في دراساته في التصوف وعن الحلاج والفكلور الشعبي، وأستاذتي المُميزة د.فاتنة حمدي، التي أشرفت على رسالتي في الماجستير "البراجماتية عند تشارلس ساندرس بيرس"، فكانت ليَ خير عوَن لما تمتلكه من تمكن من اللغة الإنكليزية، ولما تتفرد به من عشق للفلسفة الحديثة والمُعاصرة، وهناك أستاذة كنسيم عطر الصباح، وهي من أحمل لها ذكرى الطيبة والصدق في التربية والتعليم، الرائعة خُلقاً وعلماً أستاذتي أميمة الشواف، وهي من القلائل من التدريسيات اللواتي كان يجمعن باتقان أكثر من اختصاص، فهي من درستنا المنطق، وهي من درستنا الفلسفة الحديثة، وهي من درستنا، ودرست بعض طلبة كلية الفنون الجميلة (فلسفة الجمال).

وللدكتور عبدالأمير الأعسم فضل تنشيط للدرس الفلسفي في العراق، فهو بعبارة أستاذنا مدني صالح (آواى الفلسفة بعد أن كانت شريدة)، فقد حُرب بعض طلبة الجنوب والفرات في قسم الفلسفة بجامعة بغداد لأنهم أبناء تلك المُدن السليبة، فلما تمكن الأعسم من فتح قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة الكوفة، تمكن بعض أبناء هذه المُدن من إكمال دراساتهم العُليا.

ولا أنكر جهود د.حسن مجيد العبيدي، وجهود د.ناجي حسين جودة في التصوف، وجهود د.ثامر مهدي، ود.نعمة محمد ابراهيم في تنشيط الدرس الفلسفي في العراق، وهناك آخرون مُميزون ممن هم قبلي بزمن قليل، أو ممن هُم من جيلي، أو جيل بعدي، وربما بعضهم جيل قادم هم من طُلَابي وطلَاب زُملاء ليَ.

 

د. علي المرهج

 

 

علي المؤمنالمكان: النجف الأشرف. الزمان: آب 1957

أرى ـ ابتداءً ـ أن حزب الدعوة الإسلامية لا يستطيع كتابة تاريخه التفصيلي الرسمي؛ بالرغم من بعض المحاولات؛ لا سيما التي جرت في ثمانينات العقد الماضي؛ لأن هذه التفاصيل لم ولن تحظ بإجماع من بقي حياً من المؤسسين والرواد الأوائل، أو من كتب منهم مذكراته ورؤاه. وقد عشت تفاصيل هذا الخلاف و أنا أناقش كثيراً منهم بشأن المعلومات التي يكشفون عنها. وبإطلالة سريعة على ماكتبه ـ مثالاً ـ السيد حسن شبر والشهيد عز الدين سليم والشيخ علي الكوراني والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد باقر الحكيم والسيد محمد مهدي الحكيم والشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد هاشم الموسوي؛ سنقف على مايربك الباحث غير المتخصص أو حتى كثيراً من الدعاة القدامى أنفسهم.

وقد بحثت هذه الإشكالية وأسبابها، وناقشتها بالتفصيل في الفصل الأول من كتابي "جدليات الدعوة"، وخرجت بمقاربات منهجية ومعيارية؛ أزعم أنها تنفع الحزب فيما لو أراد كتابة تاريخه.

وبناء على تلك المقاربات المنهجية؛ بدا لي أن مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية والمحيطين بالتأسيس ورواده الأوائل لا يمكن أن يكونوا دقيقين في كتابة تاريخ الحزب من خلال معايشتهم الشخصية وذكرياتهم؛ لأنهم سيسقطوا أدوارهم ومعايشاتهم وآراءهم على تاريخ الحزب، ويميلوا اليها عن قصد أو بدونه.

لا شك أن من حقهم كتابة مذكراتهم ليستفيد منها الباحث كمادة خام عندما يريد دراسة تاريخ الدعوة وتوثيقه. ولكن من الخطأ الكبير أن يعتمد القارئ أو المهتم أو الباحث على راوٍ واحد من المؤسسين أو الدعاة الأوائل، ثم يبنى عليها ما يُعده حقائق؛ بل لابد من دراسة جميع الروايات، وتمحيصها ومناقشتها منهجياً، وضربها ببعض، ودراسة بيئة الرواة وسيرتهم ودوافعهم، وقواعد الجرح والتعديل، وحينها يمكن الخروج بنتائج أكثر قرباً من الحقيقة.

ولاتزال هذه نصيحتي للباحثين وطلبة الماجستير والدكتوراه الذين يكتبون عن حزب الدعوة؛ لا سيما الذين أشرف على رسائلهم أو أدعمهم علمياً. وقد التزمت شخصياً بهذه المنهجية، وأزعم أنها أوصلتني الى نتائج جديدة ودقيقة.

معايير اعتماد زمان التأسيس ومكانه وشخوص المؤسسين

الرواية الرسمية التي يتبناها حزب الدعوة الإسلامية بشأن تاريخ تأسيسه؛ تنص على أن تاريخ التأسيس هو 17 ربيع الأول 1377 هـ، والذي يصادف 12 تشرين الأول 1957. وقد استندت الرواية على معيار جلسة القسم في كربلاء، وفق ما كان يؤكد عليه المرحوم الحاج محمد صالح الأديب أحد مؤسسي الحزب. وهو معيار لا أظنه صحيحاً. وتبعاً لذلك يكون المعيار الرسمي في اعتماد شخوص المؤسسين ليس صحيحاً أيضاً. واللافت هنا أن الرواية الرسمية تقول بأن من المؤسسين ثمانية، ولا أعرف كيف تم احتسابهم؛ فإذا كان المعيار هو من حضر اجتماع أداء القسم في كربلاء؛ فإن عددهم كان سبعة، وليس بينهم السيد طالب الرفاعي و الدكتور جابر العطا والسيد حسن شبر، وإذا كان المعيار هو من حضر اجتماع النجف التأسيسي؛ فإن عددهم كان ثمانية بالفعل، ولكن ليس بينهم محمد صالح الاديب.

وبرغم أني كنت مقتنعاً بالمعيارين الرسميين خلال تاليف كتاب "سنوات الجمر" في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وكتابة سلسلة دراساتي: "حزب الدعوة الإسلامية: من الشروق الى السطوع" في العام 2010. ولكن دراستي النقدية الأخيرة "جدليات الدعوة" الصادرة في العام 2016؛ جعلتني أعتمد معيارين مختلفين عن الرواية الرسمية للحزب، وأراهما معيارين دقيقين وصحيحين:

المعيار الأول الذي اعتمدتُه في تاريخ التأسيس هو انعقاد الإجتماع التأسيسي النهائي في النجف في آب من العام 1957 في بيت السيد الشهيد محمد باقر الصدر.

والمعيار الثاني الذي اعتمدتُه في تثبيت شخوص المؤسسين، هو من حضر أحد اجتماعي التأسيس النهائي في النجف في آب 1957، وأداء القسم في كربلاء في تشرين الثاني من العام نفسه.

يرى السيد محمد مهدي الحكيم أن فكرة تأسيس حزب إسلامي طرحت خلال العام 1956، واستمرت التحركات والاجتماعات التحضيرية أكثر من سنة، وتم في النهاية الاتفاق على شكل العمل وطبيعة تحركه. وكانت أول قضية طرحت على طاولة البحث (قبل التأسيس) هي: «مشروعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة»؛ فكتب آية الله السيد محمد باقر الصدر (وهو الفقيه الوحيد بين مؤسسي الحراك الجديد) دراسة فقهية برهن فيها على شرعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، وكانت هذه الدراسة أول نشرة حزبية تتبناها «الدعوة».

وقد استمرت مداولات تأسيس حزب الدعوة بين أصحاب الفكرة وأقرانهم الذين انفتحوا عليهم حتى أواسط العام 1957. وخلال الفترة من تموز وحتى أيلول من العام 1957 عقد أكثر من اجتماع تأسيسي تحضيري في النجف الأشرف؛ معظمها في بيت السيد محمد باقر الصدر. وكان آخرها هو الاجتماع التأسيسي النهائي الذي عقد في بيته، خلال شهر آب من العام 1957، وحضره ثماني شخصيات: السيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد مهدي الحكيم، وعبد الصاحب دخيل، ومحمد صادق القاموسي، والسيد مرتضى العسكري، والسيد طالب الرفاعي، والسيد حسن شبر، والدكتور جابر العطا.

وبعد شهرين تقريباً، وتحديداً في 12 تشرين الأول من العام 1957؛ عقد اجتماع أداء القسم في دار إقامة المرجع الديني السيد محسن الحكيم في كربلاء؛ بحضور سبع شخصيات: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، محمد صادق القاموسي، السيد مرتضى العسكري، السيد محمد باقر الحكيم ومحمد صالح الأديب، وغياب ثلاثة ممن حضروا اجتماع النجف التأسيسي: السيد طالب الرفاعي، والسيد حسن شبر والدكتور جابر العطا.

وفي هذا الصدد يقول السيد حسن شبر أحد المؤسسين الأحياء: ((الجلسة التي تم فيها أداء القسم في بيت السيد محسن الحكيم في كربلاء بتاريخ 12 تشرين الأول من العام 1957 كانت فقط لأداء القسم بالالتزام بمبادئ الحزب والعمل تحت خيمته والمحافظة على سريته. أما تأسيس الحزب فقد سبق جلسة أداء القسم بشهرين؛ أي في آب من العام 1957؛ خلال الجلسة الأخيرة التي عقدناها في بيت السيد محمد باقر الصدر في النجف الأشرف، وحضرتها أنا [السيد حسن شبر] والسيد محمد باقر الصدر نفسه والسيد محمد مهدي الحكيم وعبد الصاحب دخيل وجابر عطا والسيد مرتضى العسكري والسيد طالب الرفاعي ومحمد صادق القاموسي. وتم فيها مناقشة كل التفاصيل، بما فيها الاتفاق على أن تكون الجلسة اللاحقة لأداء القسم. أما فيما يخص تسمية الحزب فقد سمي بـ «الدعوة الأسلامية» في بداية العام 1958؛ أي بعد شهرين من أدائنا القسم)).

وعليه؛ فإن حزب الدعوة الإسلامية تأسس في النجف الأشرف في آب من العام 1957، وأن اجتماع النجف الأشرف في بيت السيد محمد باقر الصدر هو الاجتماع التأسيسي النهائي، وأن اجتماع أداء القسم في كربلاء في بيت السيد محسن الحكيم هو أول اجتماع رسمي للحزب، وأن من حضر أحد الاجتماعين يُعدّ من المؤسسين.

مؤسسو حزب الدعوة الإسلامية العشرة والمحيطون بالتأسيس العشرة

مؤسسو حزب الدعوة الإسلامية العشرة؛ على وفق معطيات وجودهم في مرحلة التأسيس في العام 1957، وحضورهم أحد اجتماعي النجف الأشرف وكربلاء؛ هم: السيد محمد باقر الصدر: عالم دين ومفكر عراقي، كان عمره حينها 22 عاماً، السيد محمد مهدي الحكيم: عالم دين عراقي، 22 عاماً، السيد مرتضى العسكري: عالم دين من أصل إيراني، 43 عاماً، عبد الصاحب دخيل: تاجر عراقي، 27 عاماً، السيد طالب الرفاعي: عالم دين عراقي، 26 عاماً، محمد صادق القاموسي: كاتب وشاعر عراقي، 35 عاماً، السيد محمد باقر الحكيم: عالم دين عراقي، 18 عاماً، السيد حسن شبر: محامي عراقي، 29 عاماً، جابر العطا: طبيب عراقي، 29 عاماً، محمد صالح الأديب: مهندس عراقي، 25 عاماً.

إلى جانب المؤسسين العشرة؛ كان هناك عشر شخصيات محيطة بالمؤسسين، وكانوا مكملين لعملية التأسيس؛ خلال العامين 1957 و 1958؛ هم: السيد محمد حسين فضل الله: عالم دين ومفكر لبناني، كان عمره حينها 23 عاماً، الشيخ محمد مهدي شمس الدين: عالم دين ومفكر لبناني، 22 عاماً، السيد محمد بحر العلوم: عالم دين وأكاديمي عراقي، 31 عاماً، الشيخ مهدي السماوي: عالم دين عراقي، 23 عاماً، الشيخ عبد الهادي الفضلي: عالم دين وأكاديمي من أصل أحسائي، 23 عاماً، محمد هادي السبيتي: مهندس ومفكر من أصل لبناني، 29 عاماً، السيد عدنان البكاء: عالم دين وأكاديمي عراقي، 20 عاماً، الشيخ مفيد الفقيه: عالم دين لبناني، 22 عاماً، الشيخ عارف البصري: عالم دين عراقي، 21 عاماً، الشيخ كاظم الحلفي: عالم دين عراقي، 21 عاماً.

و قد بُني حزب الدعوة الإسلامية بهؤلاء العشرين. ولكن تأثير بعض الذين أكملوا عملية التأسيس فاق دور بعض المؤسسين في بلورة فكرة الحزب وبناء فكره وهيكله؛ كالشهيد محمد هادي السبيتي و الشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ عارف البصري.

ولذلك إذا وضعنا من كان دوره الأهم من المؤسسين إلى جانب من كان دوره متفوقاً من المحيطين بالتأسيس؛ فسنخرج بعشر شخصيات كانت الأكثر تأثيراً في تثبيت دعائم حزب الدعوة وتشييد أسسه وقيادة مسيرته الأولى؛ هم: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد مرتضى العسكري، السيد حسن شبر، محمد صالح الأديب، السيد محمد حسين فضل الله، الشيخ عبد الهادي الفضلي، محمد هادي السبيتي، الشيخ عارف البصري.

 

د‌. علي المؤمن

 

نور الدين صمودعندما سمعت خبر وفاة الداعية الجزائري، أبو بكر جابر الجزائري رحمه الله...اعتقدت للوهلة الأولى أنها مجرد دعاية، أو اشاعة كسابقاتها...فهذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها عن وفاته في وسائل الاعلام، ولمن أراد أن يتأكد من غير العارفين لهذا الأمر، فليسأل محرك البحث غوغل...

مباشرة بعد تأكدي من خبر الوفاة، نشرت الخبر على احدى صفحات التواصل، دون اثارة...

قرأت تعليقات كثيرة لجزائريين بعد أن شاع خبر الوفاة، منهم من يوجه عتابا للسلطات الجزائرية... ومنهم من يقدم لومه لعامة الشعب ...ويسأل: أين أنتم يامن تقيمون الدنيا ولا تقعدونها للتفاهات، فيما لا تحركون ساكنا لموت عالم جليل؟ ومنهم من يسأل: كيف لا تعلن السلطات الجزائرية الحداد لموت عالم جزائري قدم حياته لخدمة الاسلام، وفي المقابل، أقامت هاته السلطات الحداد على المغنية وردة الجزائرية، وعلى فيدال كاسترو... وآخرين...؟ وهناك أسئلة كثيرة طرحت حول الموضوع... لست مضطرا لذكرها.

سألني أحد المعلقين: لماذا لم تولي هذا العالم الجليل حقه، وأنت الذي تتحدث عن النملة عندما تبول في غابة الأمازون؟

إن أحسنت الظن بهذا الشخص ...فهو لا يعرفني، و يجهل ما أقوم به من نشاطات... ولو كان يعرفني حق المعرفة ماطرح السؤال ... والجواب هنا ليس لهذا الشخص، بل هو فرصة لتوجيه بعض الرسائل لمن يهمهم الأمر.

لست من النوع الذي يكتب تحت الطلب...فالكتابة دون مشاعر تشبه الطعام دون ملح...ويمكنك فقط أن تفرق بين المفردات التي تئن من الأوجاع، والمفردات التي تشبه الانشاء من شدّة التكلف.

ماذا تريدني أيها السائل أن أقول عن الشيخ "أبو بكر الجزائري"؟

لقد ترك الجزائر ربما قبل أن تولد أنت ... وعاش طيلة عمره في أحسن البقاع، حتى أنه دفن فيها ولم يوص بدفنه في الجزائر؟

كانت الجزائر تنزف دما في التسعينيات، وقد دفعت مئات الآلاف من أبنائها في محرقة، لعن الله من أشعلها ...وأتوقف عن الكلام هنا حتى لا أفتح المزيد من الجراح.

ماذا عساني أن أقول عنه؟ هل هو أحد الفقراء والمساكين في الجزائر، من الذين يتوددون كل يوم لشراء علبة دواء يعالج بها أمراضه المزمنة ولم يجد من يقف معه؟

أم هو أحد المكلومين من الذين زورت ارادتهم وعاش سجينا أو طريدا طوال حياته، ويحتاج من يحمل انشغالاته ويدافع عنه؟ أم هو أحد المجاهدين المعطوبين الذين أكلت حقوقهم، ويسكن في نفس الطابق مع حركي أو ابن حركي يحرش عنه كلابه كل يوم ليشتمونه ويشوهونه؟ أم هو أحد الذين اختطفوا أيام الفتنة والمأساة ولم يظهر عليه أي أثر؟ أم مات تحت التعذيب والاكراه ولم يجد من يرثيه؟

هل مات ولم يتزوج ولم ير الدنيا ومتاعها؟ أم قضى حياته يخدم الجزائر وشعبها في المهجر، ولم يجد من يدفع له تذكرة الطائرة ليعود محمولا على الأكتاف الى الجزائر ويتولى جنازته؟

وهل الأولوية أيها السائل في أن نتحدث عنه، ونؤلف الكتب والقصص والروايات والأشعار؟ أم أن نتحدث عن ملايين السوريين واليمنيين والليبيين ومن اخواننا في بورما المنسيين.. الذين يذبحون ويسلخون صباح مساء ويحرقون ... ونحاول اعادة الأمن والسكينة الى هاته البلدان... إذا ما نسينا الحديث عن حالنا في الجزائر؟

صمتي أو عدم كتابتي في اللحظة التي أعلنت فيها وفاته، ليس استهانة بموت عالم كما تتخيل، وإنما الحديث عن هذا الموضوع ليس فرضا...ولقد تحدث فيه من هم أعلى منا منزلة وعلما...

لقد ترك الشيخ رحمه الله كتبا تتحدث عنه وتعمل عليه، وطلبة يذكرونه في كل موعظة وعلى كل منبر...بل أكاد أجزم أن هناك الكثير من الناس من يتمنى أن يكون مثله... ويموت ويدفن في مقبرة البقيع...

قل لي ماذا قدمت أنت للجزائر؟ أم تريد أن توجهني و تملي علي ما أكتب وما أفكر فيه ، وأنت من يحدد أولوياتي، ويختار لي ماذا أقرأ وماذا أسمع؟

لدي 18 سنة وأنا بعيد عن الأهل والوطن... وقد فقدت والدي وهما أغلى ما أملك...ولم تأخذك الشفقة ولا الرحمة أيها الجزائري...أن تسأل عني...أو حتى تلقي عني السلام، وجئت تعاتبني...؟

كم من أعياد وكم من مواسم، وكم من سنوات وشهور قضيتها... وأنا أدفع الفاتورة لوحدي ... جئت تحسابني عن دوري...؟ من أنت؟

ما أصَحَّ وجوهكم وما أتعس لقياكم... هلك من فقد الحياء !

ماذا قدمت أنت للأمة وأنت الذي كان يلعب عندما كانت الرؤوس تقطع؟ هل رثائي أو تأبيني لأبي بكر الجزائري يصلح طائرة، أو يحرث مزرعة، أو يسقي بستانا؟ أو يبني صاروخا، أو مصنعا؟ أو يصعد مركبة، أو يعالج مريضا ؟ أو يقضي دينا؟

مالذي تريده مني وأنا لا أملك سلطة ولا جاها ولا مالا ولا قناة ولا صحيفة الا هذا القلم المحاصر؟

أتسأل عن موت شيخ تجاوز التسعون عاما ولا تسأل عن موت أجيال تموت... ! تسأل عن الحداد ولا تسأل عن جزائريين فقدوا كرامتهم وآدميتهم ...؟

أتسأل عن رثاء شيخ طاعن في السن ولا تسأل عن رثاء أمة تترنح تحت ضربات الجهل والتخلف؟

هل واجب علينا أن نظل نعد الموتى ونقيم سرادق العزاء...أم واجب علينا أن نزرع الأمل؟

والله لو رأيت دموعي وهي تنهمر عند فقدان والدي الكريمين، وسمعت تأوهاتي...وتنهداتي ... وسمعت آهات المفقودين واللاجئين، واليتامى، والمطرودين من العمل، والمغتربين، والحراقة والبطالين...والعوانس...لاستحييت من طرح السؤال.

ماذا تريد مني أن أقول عن عالم قضى حياته وترك أجيالا تتحدث عنه؟

 

نورالدين خبابه 16 أوت 2018

 

 

صادق السامرائي10\8\1990

الليل بهيم أسود ثقيل والصباح صامت متوجس ..

لا جديد ..

الدقائق تترقب والقلوب تخفق بهلع والأرواح تكاد تتقافز من الأجسام لأنها ستُزهق عاجلا ..

صمت حزين وقلق يأكل الأعصاب ويسرق إيقاع النوم، ويعرقل توازن الأشياء في مسيرتها نحو المجهول ..

الشعب هو الذي سيعطي وسيضحي ويقاسي ويموت .. لأنه الوسيلة لتحقيق الغايات .. بل هو المطية السهلة لتجسيد إرادات مَن يقوده إلى حيث يريد ..

وتبقى الشعوب تتدحرج وتُساق إلى حتفها وتلك حقيقة مروعة وقاسية، وفيها من الإستلاب المطلق ما لا يصدقه العقل المتنور .. فالقوة قد طفحت في كف سلطان .. !!

الإعلام يشوبه بعض الهدوء، لكن الجميع يعمل بصمت ويحاول تفجير الموقف .. إنهم صامتون لكنهم سينفجرون في أية لحظة وسيدمرون ..

إن المنطقة على فوهة بركان .. .مَن سيرمي أولى حممه ..

أعصاب العراق مؤهلة للإنفلات فهم يعزفون عليها ألحانهم ببراعة ومهارة فائقة ..

الإعلام العراقي يقول أن الشعب العربي في عدد من الدول العربية قد وقف مع العراق، لكن الحكومات العربية في خندق مناهض للعراق .. .بل أنه يهذي بأن الشعب العربي سيقلب الحكومات ويمضي نحو قيام دولة الوحدة .. . إنه الإضطراب والتخبط بعينه .. فما حصل لا يعدو كونه فعل إنعكاسي لم يُحسب بدقة متناهية .. فهكذا تبدو الحالة وإن قيل بغيرها ..

المواطنون في حيرة وقلق وخوف من الآتيات، أحزانهم تأكلهم، ويقولون بأن دموع الحرب لم تجف بعد ومآسيها لا تزال قائمة .. فالأسرى في مكانهم والأيتام كُثر فهل نريد أن نصنع أجيالا من الأيتام .. ؟

ويعتقدون بأننا نمضي في دروب الهلاك ولا مبرر لهلاكنا .. ويفسرون ما حصل بأساليب متعددة يسكنها الرفض والغضب .. لكنهم لا يستطيعون التعبير عن رفضهم بطريقة علنية، إنما يتهامسون سرا ..

طبول الحروب لا تهدأ فهي تتوالد والشعب مرهون بالقتال ولا مهنة عنده سوى القتال .. ولا راحة ولا إطمئنان .. ولا بد لعاصفة الموت أن تستمر ولمسيرة الدم أن لا تتوقف، لكي تبقى القبضة على أشدها .. فزج الناس في الحروب أسهل الأساليب لإستعبادهم والسيطرة عليهم ..

العراق بركان يتفجر وحممه تتعاظم وأوّار نيرانه يشتد، وصارت مساحته لا تكفي حمم موته وعلى الساحة من حوله أن تكون ميدانا جديدا لنحره ولإحتواء عطاء البركان .. وقد تكاتفت قدرات الأرض لسد فوهته أو ردمه إلى الأبد ..

الحكومة الكويتية لم تتعامل بسياسة حكيمة وبعد نظر وتحسّب وحذر ولم تأخذ الأمور على محمل الجد، وما رأتها أبعد مما بدت عليه وعملت على تفاديها وإيجاد مخارج نافعة منها .. وكأنها قد أسهمت في إنزلاق العراق إلى هذه الورطة العربية الفاجعة ..

ولو تحسبوا وإستنجدوا وتحذروا ودقوا نواقيس الخطر وغير ذلك من الوسائل والإجراءات، ربما ما حصل الذي حصل .. .

سيخسر العراق كثيرا وإرادة الكويت ستكون في قبضة الآخرين .. فلا بد من قواعد عسكرية لحمايتها مستقبلا .. فخروج العراق منها لابد منه لأن الدنيا كلها تريد ذلك ..

الخوف يُفقد الناس الصدق ويلقي بهم في حضيض النفاق المدمر .. .

مجلس الأمن يطالب العراق بالإنسحاب من الكويت ويقول بأن قراره بضمها يُعد لاغيا ولا مبرر قانوني يسانده، والعراق يقول أنه قرار لا رجعة عنه وهو في سياق توحيد الأمة ..

الرئيس الكوبي يحث العرب على عدم إتباع إرادة الدول الكبرى .. وأن موقف العرب فيه خطأ كبير جدا .. إذ عليهم أن يجيدوا مهارات حل الأزمات مهما عظمت ..

الإعلام العراقي يقول أن أربعين الف أردني قد تطوعوا إلى جانب العراق، وهناك ضغط جماهيري على الحكومة الأردنية لإلتزام موقف العراق ..

إسرائيل جربت البارحة صاروخا للحماية من الصواريخ إنه صاروخ تقاطع، وقد جاء ذلك بعد تهديد العراق من غبة الإستراك في هجوم عليه ..

بعض المحليلين يقولون بأنها من الممكن أن تشترك بقوات برية تمر عبر الأردن لمواجهة القوات العراقية على الحدود السعودية لكنه إحتمال ضعيف ..

الإعلام العراقي يشير إلى أن العرب في الخارج وفي اليمن وتونس والجزائر وليبيا وفلسطين والأردن قد خرجوا بتظاهرات مؤيدة للعراق .. .

شوارع بغداد هادئة وخالية من الشباب .. وتكثر فيها النساء والأمهات وأمّارات الحزن والخوف على وجوههن .. أما وجوه الرجال فهي في ترقب وتوجس فلا يعرفون إلى أي مصار ستؤول الأحداث ..

العالم كله يتآز ضد العراق .. والحكام العرب سيكونون حتما على العراق ..

الحرب العراقية الإيرانية إستمرت لثمان سنوات .. فهل ستتواصل هذه الحرب إن حصلت أضعاف تلك المدة .. ؟

هل أن المنطقة مرشحة لحرب نووية .. فالعراق يهدد بأسلحة قد تجلب عليه الضربات النووية .. وقد يكون مصيرنا أفظع من مصير الدول المنهزمة في الحرب العالمية الثانية .. فالعراق يعطي أدلة ومبررات على أنه أصبح يهدد الأمن والسلم العالمي .. ولا بد لدول العالم أن تتجمع للقضاء عليه .. وهي على ما يبدو جادة في الموضوع وسيكون الأمر في غاية الخطورة .. أو سيتحول العراق إلى دولة مهزومة مهانة ستُفرض عليها أقسى الشروط وأذلها .. إنها منازلة النهاية والدمار الذاتي .. فهل ستكون الأيام القادمة كذلك .. ؟

قد يكون الكلام متشائما، لكنه لسان حال واقع الأحداث ونتائجها التي تلوح في الأفق ..

إن الآتيات ستعيد العرب سنين طويلة للوراء البعيد، وستجعل الإرادة العربية مكبلة ومقبوض عليها من قبل القوى الكبرى وسيكون العرب كالرهائن .. وتغدو الأمة فريسة سهلة في قبضة الدول المتكاتفة ضدها .. وستحقق هذه القوى مشاريعها وستبقى الأمة مستلبة مضامة .. لأن قادتها لا يعرفون طريق الكرامة والعمل الجماعي ورص الصفوف ..

ربما عُقد مؤتمر القمة العربي والحكام العرب كعادتهم سيعبرون عن ذهولهم وصدمتهم وإنصياعهم للآخرين .. .

والقوى الأخرى تحشد قواتها بسرعة الطيور الجارحة المنقضة على فريسة وبكثافة متنامية، لتحقيق الحلم الذي صار أقرب من حبل الوريد .. إنهم يريدون توجيه ضربة قاسية للعراق لا يمكنه بعدها أن يتمكن من النهوض، وسيتم دفنه بجراحه وويلاته ومشاكله الداخلية المتفاقمة، والتي سيدفع الشعب ثمنها باهضا جدا ..

الحصار الإقتصادي يشتد والخزين لن يكفي طويلا والناس في قلق من عدم توفر المواد الغذائية ..

الموقف يزداد تأزما والحكام العرب قد فوضوا القوى الأجنبية لضرب العراق والمشاركة بضربه معهم ..

650 مليار دولار رؤوس الأموال العربية في البنوك الأجنبية وهي مشاعة للتحضير لضرب العراق .. .

تم تجميد مئتي مليار دولار من الأموال أو مصادرتها ..

الرئيس العراقي وفي الساعة السابعة مساءً يوجه نداءً إلى المسلمين لتحرير أرض السعودية من القوات الأجنبية ..

يصورون القوة العراقية بأنها لا تُقهر ويمكنها أن تجتاح أي الدول المجاورة، وأن حلف الأطلسي سيدافع عن تركيا إذا تعرضت لهجوم عراقي .. إنهم يهولون قوة العراق لتبرير ضربه بأعنف ما يمكن ..

أللهم أخرجنا من هذه المحنة بسلام .. .

كيف يحارب العراق العالم كله .. ؟!!

العراق بإعلامه التعبوي يصدح بهذيانات لا يقبلها أي منطق، فالمعادلة واضحة والنتيجة بينة ..

 

د. صادق السامرائي

 

 

265 محمد الصالح يحياويلم أستغرب حينما سمعت بأن محمد الصالح يحياوي رحمه الله رفض المعالجة في فرنسا... وفي المقابل عالج في مستشفى عين النعجة العسكري... الى أن وافته المنية.

لم أستغرب حين اختار أن يدفنه مقربوه في مقبرة سيدي يحيى الشعبية بالعاصمة، بدل مقبرة العالية... "الرسمية".

لم أستغرب بعد اعلان وفاته أن أرى موظفو النظام يتسابقون لنقل رسائل العزاء، هذا النظام الذي همش طاقات لقامات وطنية...

ولم أستغرب النقل المباشر لبعض القنوات الفضائية...التي كان يمكنها تسجيل شهادة تاريخية له أو حوارا تنور به الأجيال الجديدة...هاته التي تحاور مفسدي الأخلاق والذوق ...والموبوؤون بالرداءة والمخنثون فكريا والمعاقون ذهنيا وحضاريا... وتوليهم اهتماما كبيرا...

سألت نفسي: وهل يعالج يحياوي في فال دوغراس وهو الذي حمل السلاح ذات يوم ضد المستعمر...ولازال جسمه المثقوب بالشظايا شاهدا على فظاعة الاستعمار...؟ إنه العقيد محمد الصالح يحياوي ياسادة وليس أي ضابط آخر...

كيف يقبل أن يستريح يحياوي في ليزانفاليد تحت صورة الرئيس الفرنسي... وهو المدير لأكاديمية مختلف الأسلحة بشرشال بعد حرب التحرير...

وكيف يرضى أن يدفن يحياوي في مقبرة العالية...التي دنسها القتلة والمجرمون الذين يأتون في سيارات مصفحة ويقفون دون حياء على قبر القادة والزعماء؟

أو يقبل أن يعاد الى دشرته ؟

إنه ابن الأوراس الأشم...الذي تخرّج منه مصطفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي ....وغيرهم من الأسود.

إنه محمد الصالح يحياوي الذي قاد جبهة التحرير الوطني، أيام أن كان المناضلون يخضعون لمقاييس قبل أن تقبل عضويتهم ...و قبل أن تأتي عملية الاغراق والاختراق والمسخ ، وتصبح جبهة التحرير جبهة للتبندير "التطبيل".

كان من المفترض، أن يقف من يسوقون اليوم الى الوطنية المغشوشة والمزيفة، مع محمد الصالح يحياوي...يوم أن استفرد العربي بلخير ونزار، بالشاذلي ببن جديد، وبمؤسسات الدولة...وحولوا الثورة الى ثروة ... بعد اجتماع الحلف في برج البحري...

وانقلبوا على الانجازات التي أنجزها هواري بومدين...وجمدوها أو ألغوها...وأحدثوا شرخا في الدولة الجزائرية لازلنا نعاني من تشققاته الى اليوم.

وكان على عبد العزيز بوتفليقة الرفيق المفترض لهواري بومدين، بعد أن أعطيت له فرصة الرئاسة التي فلتت منه سنة 1979 و 1994، أن يعيد يحياوي الصديق المفترض الى الساحة بشكل يليق بمقامه...سيما بعد التخلص من العربي بلخير وزمرته ...

ويا للأسف، مات محمد الصالح يحياوي والغصة تخنقه، من غدر الرفاق ولامبالاة فئات كبيرة من الشعب لما يحدث في الجزائر من سينما على الهواء.

رحل ابن الأوراس، المجاهد الأصيل، والأسد الهصور... في وقت لاتزال الجزائر تحتاج لشخصيات من وزنه ومن طينته...

وأضافت وفاته للجزائر الجديدة جرحا آخر يضاف الى الجراح الغائرة.

رحل محمد الصالح يحياوي نظيف اليدين، نظيف العرض، لم يسرق ولم ينهب أموال الشعب، ويحولها الى بنوك سويسرا أو أمريكيا أو فرنسا أو بنما أو الامارات...كما فعل غيره.

رحل وترك الجزائر تئن بالفساد... وتتجه الى المجهول في غياب قامات وطنية على وزن محمد الصالح يحياوي.

رغم التهميش الذي تعرض له محمد الصالح يحياوي، لم يؤسس حزبا، ولم يطلب منصبا، ولم يتودد لأي من المسؤولين...ولم ينتقم ...بل لم يصرخ في وجه من همشوه ،ومات شبه منسي... اللهم الا من زيارات المجاملة...التي يقوم بها البعض في مناسبات محسوبة.

في الأخير :

عندما وقفت الى جانب أحمد طالب الابراهيمي سنة 1999 وبينما أنا في مداومته بالعاصمة أنتظر موعدي مع وزير الاعلام الأسبق محمد السعيد، جاء إخوة من مدينة باتنة ، كانوا يساندون محمد الصالح يحياوي ... وأخبروني أنه بمجرد أن سمع محمد الصالح يحياوي أن أحمد طالب الابراهيمي يود الترشح ...تنازل عن طموحه وطلب من أنصاره دعم أحمد طالب الابراهيمي...دون شروط.زاد احترامي لهذا الرجل...الذي تنازل عدة مرات مقدما المصلحة العامة على طموحاته الشخصية حتى وان كانت مشروعة.

لاشك أن هناك من يعيب عليه صمته سيما في السنوات الأخيرة... ولكن أنا على يقين أن الصمت وقت الثرثرة أحيانا هو حكمة.. كما أنه بلغني ممن يعرفون الرجل ... عندما أردت التواصل معه عند تأسيس المصالحة الجزائرية أنه يعاني من متاعب صحية.

أنا على يقين أنه لم يصمت خوفا أو جبنا... فمن واجه المستعمر لا يخاف أذنابه... وصمت الشرفاء أحيانا هو دعوة للشعب أن يأخذ زمام المبادرة.

رحل محمد الصالح يحياوي وقد أعيا من بعده... بمواقفه المشرفة ... كيف لا وهو المجاهد والمناضل والعقيد والسياسي والنزيه.

نورالدين خبابه كاتب واعلامي جزائري مقيم في فرنسا 12 أوت 2018

 

د. نور الدين صمود

 

 

صادق السامرائيهذا الخميس يختلف عن سابقه عندما زلزلت الأرض، وفوجئنا بإنتهاء دولة الكويت وإنتقال حكومتها إلى المنفى، فاليوم هادئ رغم أن الوحدة الإندماجية قد أعلنت مساء البارحة، وكانت ردود الأفعال باردة...

لقد أصبحت قضية الكويت في طي النسيان كما توحي أجهزة الإعلام الغربية، في حين أن العالم قلق على السعودية، ويدّعي أن العراق سيجتاحها لأنه يحشد قوات تزيد عن القوات اللازمة لإحتلال دولة صغيرة كالكويت...ويبدو أن العراق لم يتحسب جيدا لمثل هذه اللعبة لأن رده يوحي بذلك...

الحكام العرب يرتجفون والكراسي ترتعش تحتهم، وهم لا يعرفون ما سيفعلون بل يتخبطون ...وبعد أقل من أربعة ساعات سيجتمعون في القاهرة...إنها فرصتهم الأخيرة للوصول إلى حل لتطويق الأزمة...ولا يمكن القول بأنهم سيعلنون شيئا إيجابيا على الإطلاق، فهم في حالة إنفعال وذهول وعدم القدرة على إستيعاب حقيقة ما يجري...وسيدفعون بإجتماعهم الأمور إلى بركان السعير، لأنهم يجهلون الرد الصحيح فما حصل يتجاوز طاقتهم...وسيتدحرج الوجود العربي إلى مزالق خطيرة وإحتراقات مريرة...

العراق يرى أن سلسلة إنقلابات ستحصل في الدول العربية، وبأنه مؤهل لقلب أنظمة حكم عديدة لقوة تنظيماته فيها، ولأن الشعب العربي معه ...

القادة العرب سيجتمعون، سيقررون، سينقسمون، وسينتحرون، بل سيذبحون الأمة ويقتلون طموحاتها في لحظة لقائهم وإقتتالهم...إنها حقيقة مرة وصوت يهدف للقضاء على قوتها وإقتدارها...

الرئيس المصري حسني مبارك منفعل وخائف...ويتكلم بإندفاع ويُحذر بشدة من الخطر الآتي من كل صوب...إنه ينادي بأن الأمة تمضي إلى طريق الدمار الشامل، وهيا يا عرب إلى العقل والحكمة...

لقد أحرق العراق العرب...لا أستطيع تفسير تصرف العراق...لقد حذرت حكام الكويت بأن الموضوع ليس قضية حدود وحسب، لكنهم لم يدركوا ما أعني...

إن المنطقة مقبلة على إنفجار مدمر وما هي إلا ساعات وستنقلب الدنيا...أيها العرب...

وها هم العرب أخذوا يتوافدون إليه لكي لا يفعلوا شيئا ...وخير لهم أن لا يجتمعوا لكي لا يمنحوا الآخرين حقا شرعيا لنحر الوجود العربي، والإمساك بالإرادة العربية التي يريدون التنازل عنها...وهنا يكمن أصل المأساة الآتية...

المواطن العراقي مترع بالخوف ولا يدري كيف يعبر عن مشاعره، وهو يرفض إذلال أخيه في الكويت، رغم أنه يلعن حكام الكويت ويدينهم...ويعتقد أن لهم دور في تصعيد الموقف وإيصال الحال إلى ما هو عليه...إذ لو كانوا حكماء وعقلاء لتداركوا الموقف بأموالهم، ولقدّروا النوايا وأجزلوا العطاء للعراق للحد الذي يسدون أمامه كل منفذ يتسلل من خلاله إليهم...ولأسهموا ببنائه بدلا من هذه الورطة التي ستكلفهم أضعاف أضعاف أموال حلها دون حرب...

الساعات الثمانية والأربعون القادمة حاسمة وقد تؤدي إلى إنفجار هائل سيتطور ليشمل العالم بأسره، وقد لا يحدث شيئ على الإطلاق...لكن العراق لا بد له أن يدفع الثمن...لا بد من ذلك...فكيف له أن يلغي دولة كاملة من خارطة الأرض ويضمها إليه...إنها حالة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية لا يمكن أن يسمح بها العالم بكل مؤسساته الدولية...

يبدو أن الأحداث الخطيرة قد بدأت الآن وأن الحياة ستكون صرخات من الجحيم...وستغدو الشمس حارقة جدا...إنها ساعات معبّأة بالقلق...لكن الإعلام العراقي لا يابه...فالعراق الجديد من زاخو إلى البحر...

مؤتمر القمة العربي تم تأجيله إلى الغد...

تركيا تقوم بتحركات عسكرية على الحدود العراقية التي طولها مئة وثلاثون كيلومترا...

شوارع بغداد خالية...إنها تذكّر بالأيام الأولى من الحرب مع إيران...حينما أصبحت الشوارع تخلو من الشباب وتزدحم بالمواطنين المصريين الوافدين للعمل...وتغيب عنها فعاليات الشباب وتعبيراتهم عن البهجة والحياة...إنه القلق والترقب والإبتعاد، فالأجواء تستحضر الموت والإكتئاب ونزيف الدم...

آه..ألا يتوقف نزيف الدم العراقي!!!

الحرب على بُعد ساعات..المواجهة مع القوى العالمية على وشك الإنفجار...ولا يزال الحكام العرب في حالة عدم القدرة على لم الشمل وإتخاذ الموقف المتفق مع التطورات الجديدة...

السعودية تستنجد بالقوات الأمريكية والإنكليزية...

إبتدأ الحديث عن الضربة الأولى ومَن سيكون سيدها....

القوى الكبرى تحشد قوات ضاربة...والإعلام العالمي يؤلب ويسوغ ويبرر ويساند العمل على محق العراق...

الأمر في غاية الخطورة...وربما سيكون كل العراق ثمنا...أو يكون الشعب العراقي بأسره هو الثمن الباهض من جراء هذه الخطوة المزلقة...

الأيام المعبأة بالمخاطر ستأتي وستقرر نتيجة هذا التصرف الهائل الأبعاد...

العراق في وضع صعب فالحصار الإقتصادي الشامل قد فرض عليه، وهو أول حصار في تأريخ العالم بهذا الحجم والقسوة والتكاتف الدولي الغير معهود...فالموقف الذي وصلنا إليه لا نُحسد عليه...ولا يُعرف إن كنا قادرين على المواجهة...فهناك الكثير من التساؤلات والإحتمالات...

الإعلام العراقي يرى أن المواجهة المسلحة مع القوى الكبرى ستكلفها الكثير من الخسائر، وستسقط إداراتها أو حكوماتها ولن تحقق هدفا يُذكر...

العراق يريد أن يكون ذكيا في مواجهة الإقتدار الجوي العالمي الذي سيدمر قدراته... وعليه أن لا يزج بقواته العسكرية، وهو محاصر، في مغامرات تجلب نتائج مدمرة وقاسية على البلد...

إن تبجح العراق بإقتداره الجوي فأنه سيتحطم ويستحيل إلى مأساة... فهذه قوى ذات قدرات فائقة وخبرات متراكمة...فكيف يمكن مواجهة قدرات الدنيا بأسرها...

هل أنها خطوة لإرجاع العراق إلى ما وراء الوراء البعيد...هذا السؤال يحلق في آفاق الرؤية الذكية وقد يكون ما يجري كذلك...لأن هذا المدخل لا يحتمل في جميع الحسابات إلا إنتحار القوات وتدمير الإقتدار العسكري والخبرة القتالية المكتسبة من حرب الثمان سنوات بمعاركها الضروس...إحتمال برغم مرارته لكنه قائم ويبدو واضحا للعيان...وقد يكون هو الأساس في كل ما جرى وسيجري...؟؟

إن الأيام القادمة ستؤكده لوضوح دلالات المخطط الذكي الذي سيضرب آمال العرب وطموحاتهم وينفذ إليهم من خلال ما يريدونه...

أشك حتى فيما أقول فلا يُعرف أين الحقيقة...أمامنا مسرحية بشخوصها، ولكن مَن الذي يعمل خلف الكواليس...مَن...؟؟!!

لم يتعظ أصحاب القرار من مرارة الحرب وقساوة أيامها ورائحة الموت التي لا تزال تزكم أنوفنا وتؤلم قلوبنا...وكأنها أخذت بنا إلى منازلات لا نحصد منها غير الآلام والدموع والدماء...

وها هي رائحة الموت تنبعث من جديد....

الدم إبتدأ يتدفق من العروق...وقوافل الشهداء تواصلت من جديد...ولا عرس سوى عرس الموت....هذا العرس الذي هو أعظم وسيلة لتدويخ الناس وتحويلهم إلى عبيد....

التلفزيون العراقي يعرض ما يلغي تأريخ العائلة الحاكمة في الكويت ويؤكد عراقيتها وبأن الإنكليز إجتزؤها منه....

هل من السهل في العقد الأخير من القرن العشرين إلغاء دولة قائمة منذ عقود وضمها إلى دولة أخرى ..إنها لمغامرة ذات ثمن باهض وشديد....

سننزف الكويت من عروقنا كما نزفنا التأميم منها...!!!

إن ما جرى إندفاع مجرد من الحسابات العقلانية والتقدير العلمي، وهو إنتحار جماعي أكيد لن يأتي إلا بالويلات والإضطرابات والإنهيارات، التي لا تنفع سوى الأعداء وتحقق لهم أعظم الأهداف التي ما حلموا بها...فالأمة تُذبح من الوريد إلى الوريد وتسكب طاقاتها في رمال العدم والهلاك المروع....!!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي المرهجلا أعرف لماذا كتب ملا عبود الكرخي بيته الشعري الشهير "يالرايح إلهيت لا تستبيت..."، وطبع ملا عبود الكرخي النقد اللاذع، ومثل ذلك نقده لأهل مدينة (عفج) بقوله: (قيم الركاع من ديرة عفج ...).

ولكن كما روى لي أبناء المدينة، أن مدينة هيت كانت مُسَورة، وتُقفل أبواب الأسوار، في وقت متأخرة من الليل، ولأن عبود الكرخي قد قدم في وقت متأخرة من الليل، فقد وجد أبواب هذه المدينة مُقفة، وهي أبوب ضخمة، طرقها فلم يسمع الحُراس صوت طرقاته على باب السور، فإضطر أن يبيت ليلته خارج المدينة، فكتب بيته الشهير هذا، وقت ضجر، ولكن والحق يُقال أنني أعشق هيت وقد زرتها مرات ومرات، فوجدت في أهلها الطيبة والنخوة والمحبة والنزوع نحو المدنية، بل وجدت فيهم الكرم وحُسن الضيافة، فهناك الفرات والبساتين العامرة على ضفافه، وهناك النواعير التاريخية التي تُخبرك عن قدرة الإنسان فيها على تحدي الصعاب وصناعة حياة أجمل.

في هيت (الشاقوفات) وهي أشبه بالمقاه تقع على ضفاف نهر الفرات، وفيها يجتمع شباب وشيب المدينة، ويتسامرون وتحاورون في الأدب والثقافة والسياسة، ومنها وبها بدأ المد اليساري، والوعي الشيوعي القائم على رفض سطوة الرأسمالية، والدفاع عن طبقة الفقراء من "الشغيلة"، حتى قيل (هيت قطعة من السوفيت).

وفي هيت حينما تنحسر مياه الفرات قليلاً تتحول ضفاف النهر الرملية إلى ملعب، لعبت أنا وبعض أصدقائي على رمل ضفاف الفرات فيها، فبعضنا يقف بجهة والآخرين مُقابلين له بمسافة أربع أمتار أو أقل بقليل أو أكثر، فيدوس أحد الفريقين على رمل الضفة التي تحت أقدامهم، فتهتز المال، فيشعر الفريق المُقابل له، وكأنه قد إرتفع عن مستوى السطح ولو قليلاً، فيُبادر الفريق المُقابل بدهس رمل الضفة بقوة، فيلحظ الفريق الأول حركة وتموج برمال أرض الفرات، وبحركات مُتسارعة في دهس الأرض تخرج المياه من جوف الضفة، ومن يتمكن من إخراج المياه بقوة فهو الفريق الفائز.

عيون المها بين الرصافة والجسر جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

وبين ضفتي نهر الفرات في هيت تهل لك الأهلة بين كرخ هيت ورصافتها، فبساتين هيت أهلة إكتمل بدرها، وأناسها شموسٌ وبعض من فقرائها أقمارُ.

لقد عشقت سكة القطار وتذكرت (الريل وحمد) لأنني سافرت لهيت بأول رحلة بالقطار، فكنت أخاطب القطار وأقول:

يا ريل لا تكعر خاف تفزز السمره...يراويني النهر روجات حبنه وديرة العشرة.

وفي هيت نهر وروجات ومحبة وديرة للعشرة. وأظن شباب هيات تخفق قلوبهم حين مقم القطار، خاف يفزز السمرة، (الحبيبة) التي عشقها كعشق جذور أشجار لماء نهر مثل الفرات، عذوبته عجنت أهل هيت، فصنعت طيبتهم التي فاح جميل عشقها للأرض والإنسان من ينابيعها قبل فراتها.

وفي هيت التاريخ، إكتشف السومريون (القار) أو "القير" الذي استعملوه في تقوية الزقورات، وهيت بأراضيها الخصبة شكلت مصدراً من مصادر الانتاج الزراعي الذي يسد كثير من حاجة السوق العراقية، منذ عصر فجر السلالات.

وهيت تشتهر بصناعة القوارب، وهم أول من عرَف البشرية طُرق إكساء القوارب القير.

وفي العهد الإسلامي بُنيَ فيها أول مسجد سنة 17 هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض).

كنت قد سمعت بهيت في شبابي، لأن هناك خطيباً مشهوراً هو الشيخ صُبحي الهيتي، الذي كانت قناة العراق الأولى تنقل خطبته كل جمعة، وهو خطيب مُفوه، يُتقن استخدام البيان والبلاغة وسحر الألفاظ وتنغيم الصوت بحسب ما يحتاجه الخطاب، فإن كان حماسياً إشتدت نبرته، وإن كان دعوة لإحسان وإتمام لمكارم الأخلاق، هدأ موج الخطاب وإنحسرت شدته، ليكون خطابه مليء بالمواعظ، وأشهد أنه كان فناناً يفوق أمهر الفنانين المسرحيين في كسب قلوب سامعيه ومشاهديه.

ومن ثم دخلت كلية الآداب، للدراسة في قسم الفلسفة، فكان الأستاذ المائز هو مدني صالح بالنسبة ليَ، وبعد مُدَة من الزمن عرفت أنه هيتي النشأة والدراسة، ولا أروم التحدث عن ميزات هذا الكبير في العلم والخُلق، فقد كتبت عنه مقالات وبحوث، ولكنه ساحر في المعرفة، وساحر في الكتابة المقالية والتأليف الفلسفي الحر، هو عقل نقدي بامتياز يستطيع بمهارة لغوية وقراءة فلسفية عميقة تجمع بين ما هو نظري مُجرد في الرؤية الفلسفية مع ما هو واقعي في الحياة العادية، فيُفسر الفلسفة بالواقع، أو يفهم الواقع برؤية فلسفية لا تنفك عن الواقع، وإن كان في بعض من كتاباته لجوء للرمز لما في الواقع من ظلم وفساد وقهر واستبداد، ولكنه لم يُغادر منطقة الحياة ليهيم في غياهب الميتافيزيقا، لأن الرمزية عنده إنما هي شفرات ورسائل لمن يفهمون لغة مدني صالح أنه إنما ينقد كل أساليبنا التربوية والتعليمية والاجتماعية والسياسية وفهمنا القاصر للفلسفة.

بعد ذلك تعرفت على صديق عرفته في المرحلة الأولى هو ذاكر محمود جبارة، وفي المرحلة الثانية توطدت علاقتي به وعرفت أنه من مدينة هيت، وهو أول من دعاني لزيارة هيت، فكان أهله في غاية الكرم والترحاب، ولا زال صديق الأقرب، ولا زال أهله يذكروني بخير رغم مُشاكساتي لبعضهم ممن يُحب نظام البعث، فم من العوائل المُتضررة بسقوط نظام صدام، ولكنهم وهذا ظنهم وأحترمه وإن كنت لا أرغب به جُملة وتفصيلاً يظنون أن العراق بوجود صدام أفضل حالاً، وأنا أظن أن العراق بغياب صدام ورغم فساد من جاء بعده فيه أمل للتصحيح، لأن بنية النظام الحالي فيها نزوع نحو الديموقراطية وإن كُنَا لم نُتقن مضامينها وخدماتها لكل واع حليم. أما في زمن الديكتاتورية فالأمل بالتصحيح مفقود، ولكنهم أهل كرم وطيبة ولا زلت أتذكر طعم ترحيبهم قبل طعم أكلهم الذي يُعبر عن أصالتهم وعراقيتهم، فأنا من الناصرية، وبعض من أصدقائي قدموا من مُحافظات عدَة، من الفرات والجنوب، وكلهم أيديولوجياً مُختلفين، ولكن الهيتي ابن مدينة لا يبحث عن أصول طائفية أو عرقية، إنما يبحث عن إنسان يُحب وطنه.

في أيام دراستي للدكتوراه توطدت علاقتي بشخصين من هيت هما اليوم أسماء لامعة في سماء الفكر:

الأول هو د.طه الجزاع، الصحفي المشهور بطيبته وإنسانيته وعموده الصحفي، والذي تراه مُلفتاً أيام نظام صدام وما بعد سقوط النظام، ولا زال يكتب ويغوص بك في أعماق الأنسنة التي حاول غرسها والتأسيس لها في كتاباته ومقالته المتأخرة، بدءاً من كتاباته عن أسفاره وما حدثنا به عن جلال الدين الرومي، وصولاً إلى مقالاته عن بعض المفكرين والكُتاب العراقيين، من الذين جعلوا من الإنسان موضوعة درس لهم في التصوف أو في الفلسفة.

أما الثاني فهو د.فوزي الهيتي، الذي توطدت علاقتي به في عام 1998، حينما بدأت أهتم بقراء فلسفة ابن رشد ورغبت بتسجيل أطروحتي للدكتوراه عن فلسفته، وكيف فهمه المفكرون العرب المعاصرون، فسجَلت أطروحتي بعنوان "النص الرُشدي في القراء الفلسفية العربية المُعاصرة"، وكان د.فوزي يرتاد شارع المُتنبي، وقد عرفت أنه يكتب أطروحته للدكتوراه عن ابن رشد، ومنذ ذلك الحين بدأنا بالتواصل والتحاور في الفكر والفلسفة، وقد وجدته يساري الهوى، وقد سُجن أيام نظام صدام بتهمة الإنتماء للحزب الشيوعي، وهو فعلاً من عائلة تعشق الفكر الماركسي، رغم أن جُلهم من المُلَاك، فأخوه هندي، إلى يومنا هذا يرفع شعار الشيوعية ويُدافع عنه ويحلم بوجود "وطن حُر وشعب سعيد".

ولهما لـ د.فوزي وأخيه المهندس هندي أصدقاء شيوعيين من شمال العراق إلى وسطه إلى جنوبه، يحتفون بهم، ويحتفي أصدقاؤهم بهما.

إنهما نموذجان من هيت التي أرغب بضيافة أهلها وأعشقُ مُسامرتهم والمبيت.

و (يالرايح إلهيت إستراح وإستبيت بيها ناس التكرم الضيف وتستميت)

 

د. علي المرهج

 

صادق السامرائيالأرض واقفة مرتعبة وتؤدي قفزات متواصلة...الذهول قد أصاب الدول العربية والغربية... إنه الزلزال الهائل الذي عصف بالكرة الأرضية...أسهمُ البورصات قد هبطت...سعر البرميل الواحد من النفط قد تجاوزر (28) دولارا...الإقتصاد العالمي في خطر،،،تحرك الجيش العراقي بضعة كيلومترات فاهتزت الأرض... الدول العربية تستنكر وكذلك الغربية...دول العالم قاطبة تدين العراق...

مجلس الأمن يقرر عقوبات إقتصادية شاملة...والخيار العسكري لا يزال قائما ويبدو أنهم سيوجهون ضربة عنيفة جدا للعراق، وهذا يتطلب بعض الوقت لترتيب القوات وتنسيق الحركة وتحديد الأهداف...

كل يوم يمر الموقف سيزدادد سوءً...العراق أعلن أنه سينسحب لكن العالم يعلن أن العراق يحشد قوات كبيرة على الحدود السعودية...

وزير الدفاع الأمريكي في جدة...والرئيس العراقي يعلم القائم بالأعمال الأمريكي أن الكويت أصبحت ملكا صرفا للعراق ولا تراجع عن ذلك...الأرض تدور بسرعة...الجيش الشعبي يملأ أرض الكويت...حكومة الكويت المؤقتة تعلن أن قيمة الدينار العراقي كقيمة الدينار الكويتي...أنابيب النفط العراقي مهددة بالإغلاق...تركيا تردد ذلك وفقا لقرار مجلس الأمن الذي صدر أمس...السعودية مترددة في إجراء الغلق...

هناك أخبار تتحدث عن أن العراق قد هدد بإجتياح السعودية إن هي أغلقت أنبوب النفط...ماذا جرى وعلى أي شيئ يستند هذا السلوك لا نستطيع أن نقدر على الإطلاق...

الأرض تفور وتمور والرئيس العراقي يقول الكويت عراقية وقد إقتطعها الأجنبي واليوم تعود إليه، كما أنها خطوة وحدوية، ولو أن طريقة التعبير عنها تبدو للبعض حالة أخرى، لكنها خطوة وحدوية وبالحسابات المجردة خطوة صحيحة لصالح الأمة، ولأجل الإستثمار الأمثل لرؤوس أموالها وخيراتها...

الأرض لا تعرف كيف تدور...أركانها تتجاوب...الدول الكبرى في ذهول...الحكام العرب يضرب بعضهم رأسه بالآخر...ما هو الحل...لا أحد يدري كيف سيتم الخروج من المأزق...

أما العراق فأنه يتحرك وكأن ما يحدث في العالم لا يعنيه، وأنه جعجعة فارغة في مهب الريح...إنه يمضي في تأكيد خطوات التفاعل الإندماجي مع الكويت، بل الوحدة الأبدية على حد تعبير أجهزة إعلامه...

8\8\1990

إنها الذكرى الثانية لنهاية الحرب العراقية الإيرانية، وما مرت بسلام، ففي الساعة السادسة والنصف مساءً أعلن العراق الوحدة الإندماجية مع الكويت وقال أنها عودة الفرع إلى أصله، وهي وحدة نهائية لا رجعة فيها...وأن العراق الجديد هو من زاخو إلى الأحمدي...وأية قوة تقول بغير ذلك فعليها أن تنازل العراق، أو أن العراق مستعد للمنازلة معها وسيحصد النصر حتما...

الرؤوساء العرب في غاية الإنفعال خصوصا الرئيس المصري حسني مبارك الذي لا يعرف مخرجا من الأزمة ...ولا يُعرف لماذا لا يتكاتف العرب ويبحثوا في إيجاد الحل المعقول لها وضمن الجامعة العربية ليتفادوا التدخل الأجنبي، الذي سيكون مدمرا ومحققا لمصالح وأحلام الطامعين في العرب...

لماذا يُراد تدويل الأزمة وتحويلها إلى منفذ للغنيمة يستثمره الآخرون إلى أقصاه...

فالسعودية قد إستنجدت بالقوات الأمريكية لحمايتها بعد أن أوهموها بأن العراق سيتقدم نحوها...واليوم تبين لماذا وقع العراق مع السعودية معاهدة عدم إعتداء قبل أشهر، وهذا يعني أنه كان يتحرك بإتجاه الغزو منذ زمان...

الرئيس الأمريكي يرسل قوات إلى السعودية معززة بزيادة عدد القطعات البحرية وحاملات الطائرات...وكذلك بريطانيا دفعت بقوات إلى الخليج...

أ يريدون ضرب العراق بقوة...؟

وقد رد العراق مساء اليوم وأكد أنه لن يقحم نفسه في حرب مع السعودية، وأنه مستعد للتفاهم بشأن هذا الغموض...

لكن القوى الكبرى تقول بأن العراق أصبح غير مأمون الجانب، إذ أكد بأنه لن يغزو الكويت وفعلها...لقد أصبح العراق قوة هائلة لا يمكن الصمود أمامها من قبل الدول المجاورة....

كما ذكر العراق مساء اليوم أيضا بأن أمريكا قد نسقت مع إسرائيل للهجوم عليه وغيّرت ألوان الطائرات الإسرائيلية وجعلتها بلون الطائرات الأمريكية، وأعطت طياريها هويات أمريكية لكي توهم العراق بأن الهجوم أمريكي وبأنه سيرد بقوة...

أما بخصوص العرب فأن الرئيس المصري منفعل، وقد نادى بعقد مؤتمر قمة عربي خلال أربع وعشرين ساعة، قبل أن يتفجر الموقف وينهار الوجودالعربي...

وذكرت وكالات الأنباء بأن المؤتمر سينعقد غدا الساعة السابعة مساءً...

الساعات تتلاحق والأحداث تتزاحم والعراق يسابق الزمن...فيعلن الوحدة ويصدر المراسيم الجمهورية القاضية بتأسيس دولة الوحدة...فرئيس حكومة الكويت المؤقتة يعين بمنصب نائب رئيس الوزراء، وأعضاء حكومته مستشارين في رئاسة الجمهورية بدرجة وزير....

العالم كله يد واحدة ضد العراق...االحصار الإقتصادي قائم وعلى جميع المستويات...وقد أغلقت تركيا أنبوب النفط وجمدت الأموال العراقية، وأوقفت كل إستيراد وتصدير منه وإليه.....

أسعار برميل النفط إرتفعت إلى ثلاثين دولار وهي في تزايد نتيجة لتوقف الضخ الكويتي والعراقي...

الرئيس الأمريكي يعلن أنه ليس في حرب مع العراق ولا ينوي إخراج العراق من الكويت، وإنما أرسل القوات لكي تدافع عن السعودية في حالة مهاجمتها وحدث ذلك وفقا لطلب سعودي...

يبدو أن العالم قد نسي الكويت وأخذ يفكر بالسعودية، وتبدو وكأنها خطة معقدة لغاية دفينة في صدر القوى الكبرى تديرها عقول خبيرة بأكل الدول وإفتراس وجودها...ذلك أن العالم كان باردا وفاترا في رده على إعلان الوحدة الإندماجية...وهذا منافي للمعقول مما يشر إلى أن هناك شيئا مروعا يتم توفير الأسباب الكافية لتسويغ حدوثه...

والعراق يرى بأن ما يجري زوبعة إعلامية ستبدأ بالتلاشي، ولسوف تهدأ الأوضاع، ولن يبقى إلا المجد والتأريخ...

الرئيس العراقي يتحدث في جلسة مجلس الوزراء والمجلس الوطني والكوادر المتقدمة، ويؤكد على أن الكويت أصبحت جزءً من العراق، وأنه يوم عودة الفرع إلى الأصل...وأن الكويت كانت كيانا مزيفا أريد به الإضرار بالعرب، وأن هذه الخطوة تحقق أول الأهداف التي ناضل من أجلها العرب...

ويرى العراق أن المواجهة معه ستكلف الآخرين كثيرا، وإنها لن تحصل لكنها زوبعة وستنتهي...وليس في ألأمر ما يوحي بتصعيد..لكن القادم من الوقت قد يكون مترعا بالمفاجآت ...فهل هذا معقول ورشيد...؟

 

د. صادق السامرائي

 

 

جودت هوشيارإسحاق بابل (1894 – 1940) واحد من أنبغ الكتاب الروس في النصف الأول من القرن العشرين، لمع نجمه في سماء الأدب الروسي في العشرينات والثلاثينات بعد الأحداث العاصفة التي مرت بها البلاد (الثورة، والحرب الأهلية) . أثارت أعماله الإبداعية أهتماماً واسعاً، في روسيا وخارجها، حيث صدرت (35) طبعة من كتبه بين عامي (1926-1921) واهتم أشهر النقاد الروس بنتاجاته، حيث بلغ حجم ما كتب عن نتاجاته خلال الفترة ذاتها أضعاف حجم ما صدر من مؤلفاته . وحظى خلال حياته، ولا يزال يحظى – رغم مرور(78) سنةعلى رحيله المأساوي، بشهرة عالمية واسعة كأحد أساتذة فن القصة القصيرة. وهو يشكل مدرسة جديدة في فن القصة، مختلفة عن مدارس اسلافه العظام: موباسان وتشيخوف وبونين، ويجسّد عبقرية الإيجاز والدقة والتجديد

ومهما كانت الموضوعات التي يعالجها فهو يخضع موضوعه لأسلوبه، ويجعل الموضوع ثانويا بعد فنه في الكتابة، فهو من هذه الناحية أشبه بفلوبير ..

ترجمت اعمال بابل، منذ منتصف العشرينات الى أهم لغات العالم، ومنها الأنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والصينية، ولغات أخرى عديدة

أشاد بفنه وتأثر به عدد من أشهر الكتاب الغربيين وخاصة كتاب القصة القصيرة الأميركيين. ولا يزال هذا التأثير مستمراً، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو العدد المتزايد من البحوث الأكاديمية والنقدية عن حياته وأدبه. ورغم الإعتراف العالمي به، فإن معاصريه يتذكرونه كأحد أكثر الشخصيات غموضاً في الحداثة الأدبية الروسية.

لم يكن بابل يشبه احدا، ولم يكن بوسع احد ان يتشبه به .فقد ترافقت موهبته مع تكنيك الكتابة الابداعية المبتكرة. وقبل ان يجلس الى طاولة الكتابة، كان عليه أن يعايش عن قرب ما يكتب عنه ويتعمق فيه . وهذا لا يعني أنه كان يحاكي الواقع، بل كان يقول: " لا حاجة أن تكون القصة المحبوكة جيدا شبيهة بالحياة . الحياة تسعى بكل طاقتها ان تكون شبيهة بقصة خيالية جيدة " .

تتألف أعماله المنشورة من ثلاث مجموعات قصصية، ومسرحييتين، وعدة سيناريوهات سينمائية، وعدد كبير من الرسائل ودفتر واحد من يومياته،نجا باعجوبة، لأن صديقة أوكرانية احتفظت به، أو بتعبير أدق أخفته عندها طوال عدة عقود، وهي يوميات كتبها بابل عندما كان مراسلا حربيا في جبهة القتال الروسية - البولندية خلال الحرب الأهلية الروسية، إضافة الى عدد من القصص القصيرة التي رفضت الرقابة الرسمية على المطبوعات نشرها في العشرينات والثلاثينات بذريعة أنها لا تتفق مع أهداف وبرامج الحزب الحاكم .

صوّر بابل في أعماله مسيرة البلاد نحو المجتمع الجديد بكل ما رافقه من سفك دماء ومن دموع وآلام وفواجع: ثورة اكتوبر، والحرب الأهلية الدموية الشرسة، والتصفية الوحشية للبورجوازية، والعمل الجماعي الإجباري، حيث حل النظام الشمولي محل النظام الإقطاعي.

تعرّف العالم الغربي على الحياة في مدينته الأم "أوديسا" من خلال مجموعته القصصية "حكايات أوديسا"، وعلى الحرب الأهلية في روسيا من خلال سلسلة قصص"الفرسان الحمر" رغم أن العديد من الكتاب الروس المشهورين من أبناء أوديسا، من امثال " باوستوفسكي " و"اليوشا" و"ايلف" والشاعر باغريتسكي، قد كتبوا الكثير عن أوديسا المشمسة، عروسة البحر الأسود .

كانت له علاقات واسعة ليس بالكتاب والفنانين والمسرحيين فقط بل أيضاً ببعض رجال الدولة مما أتاح له ادراك تناقضات ومفارقات المجتمع الجديد .

كان حاد الذكاء، يرى الواقع السوفييتي على حقيقته ولم ينخدع بالدعاية االستالينية،ولا بأوهام الجنة الموعودة، التي تشبث بها كتّاب آخرون . احس على نحو عميق بتغيرات الزمن الدراماتيكية .

كل شيء في قصص بابل غير عادي: ليس الأبطال ودوافعهم وسلوكهم فقط، بل الحالات غير المتوقعة وجوانب الحياة اليومية،التي لا يراها الآخرون والبناء القصصي المحكم والحوار الفعال .

كانت لديه قوة تصوير هائلة: الأبطال السلبيون كانوا سلبيين حقاً، يقفون امامنا وكأنهم أحياء بطول قاماتهم كل ذلك بكلمات قليلة مقتضبة . وهو مثل موباسان، وتشيخوف،خلق القصة القصيرة خلقا جديدا، ولكن بابل يتميز عنهما بتكثيف النص الى اقصى درجة . وعندما تقرأ قصة قصيرة له لا تتجاوز بضع صفحات تشعر وكأنك قرأت رواية طويلة .

وكل مجموعة من قصصه، يوحدها الطابع العام والسخرية والتهكم، والعنف، والجنس . التشبيه والأستعارة في قصصه مبتكرة. ولو فتشت في كل قصص بابل فلن تجد فيها كليشة أو عبارة مستهلكة واحدة . قصصه تنبض بالحياة المتدفقة بكل مفارقاتها وتناقضاتها .

بابل شبه مجهول في العالم العربي، إذ أن دور النشر التجارية العربية لا تنشر غالباً، الا تلك الأعمال التي تثير ضجة في الغرب لأسباب سياسية . وما ترجم من الأعمال الأدبية الروسية الى اللغة العربية خلال أكثر من مائة عام لا تعكس صورة صادقة عن الأدب الروسي - بشقيه الكلاسيكي والحديث - وتطوره عبر أكثر من قرنين من الزمن .

لم يترجم من قصص بابل الى اللغة العربية – حسب متابعتنا المستمرة - سوى ثلاث قصص فقط مع بضع مقالات قصيرة عابرة، لا تتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة .والتي لا تستند الى المصادر الروسية الأصيلة، بل الى كتابات نقاد غربيين، لا يخلو كتابات بعضهم من اخطاء وهفوات، واحيانا من تحريف حسب أهواءهم . او بسبب الحساسية تجاه كل ما هو روسي. إن الجهل بأدب بابل لا يقل غرابة عن الجهل بأدب فلوبير أو موباسان او تشيخوف اوهمنجواي أو فوكنر .

اعدم بابل بتهم ملفقة في 27 يناير عام 1940 بعد محاكمة صورية لم تستغرق سوى عشرين دقيقة . وكانت آخر كلماته: " دعوني اكمل عملي ! " .

 

جودت هوشيار

صادق السامرائيأعيش حالة غثيان فكري وحيرة شديدة لعدم فهم كيف تم الإقتناع بمثل هذا القرار، وعلى أي المفردات إستند وإعتمد، وكيف تم حساب زمن التوقيت ...وهل أخِذت المتغيرات العالمية بنظر الإعتبار...

ورحت أسترجع بعض الأسئلة التي إحترت بها سابقا وأراني أربطها بالذي حصل ...ففي العام الماضي كان الرئيس في زيارة لممثلي الجمعيات الفلاحية في الموصل وطرح عليهم سؤلا غريبا عجيبا مفاده...ماذا ستفعلون إذا إستيقظتم في الصباح ووجدتم أنفسكم أغنى دولة في العالم...؟

إحتار الحاضرون في الجواب ...لكنه أضاف إنه الحل الأمثل لمشاكلكم...وما فهم أحدٌ ما يعني ...وقد قُتِل وزير الدفاع العراقي في حادث سقوط مروحية يحيطه الغموض ...وما فهمنا، لكننا اليوم نفهم...ربما لأنه كان معارضا لهذا القرار...وتوالت أحداث أخرى مبهمة ما فهمناها لأنها كانت مدثرة بالشكوك والغموض لكنها تتضح اليوم...!

أصبح علينا أن نلتحق بالخدمة العسكرية الإجبارية...لكننا لا زلنا منخرطين في الدراسات الطبية العليا، ولهذا سيتم تأجيلنا منها ...وقد إلتقيت بعدد من زملائي الذين نجو من الحرب المروعة بأعجوبة كما نجوت، فقد أكلت تلك الحرب المريرة معظمنا وما أبقت إلا القليل منا ...وكل منهم يقول للآخر لازلت هنا، وتحيرنا وتأسفنا وتألمنا وتحسرنا فالوطن يتدحرج كالجمرة الملتهبة، وكنا جميعا منهكين من حرب السنوات الثمانية التي أكلت أعز أيام شبابنا...وتهامسنا مع بعضنا مقرين بطيش ما حصل...

وقال زميل وهو يرتعد بعد أن أفشى ما في صدره: أهذه سياسة...أهذه حكمة ...إنه سلوك قبلي همجي لا تقبله أعراف اليوم!!

وصمتنا وكأننا لم نسمعه، وقد إطمأن منا، ومضينا في أحاديث السأم والتذمر والخوف من المجهول، والقلق يأكلنا...

ورحنا نفضفض بوجل وحذر منتظرين صدور كتاب إعفائنا أو تأجيلنا من العسكرية... والشمس تحرق الحديد ورؤوسنا معبأة بالمخاوف من الآتيات...وبأننا قد دخلنا في نفق مظلم وخانق وعلينا أن نركن للحكمة والعقل ونستفيق من وهمنا، وإلا فأننا قد وصلنا إلى حافات خطر النهاية المروعة...

فالكويت قد قُطعت من العراق لأسباب إقتصادية بحتة، أساسها النفط الذي عليه أن لا يكون في كف واحدة، بل أن يتوزع على دويلات ضعيفة، تتمكن الدول الغربية من إمتلاك أمرها، ولا يمكنها أن تسمح للعراق بإمتلاك أكثر مما عنده من النفط، ولو أن الظروف الجغرافية والإقتصادية والإجتماعية تسمح بتقسيم العراق لأقرته بريطانيا منذ بداية القرن العشرين، لكن الجغرافية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لا توفر المبررات المعقولة الربح للدول الكبرى، ولهذا بقي العراق على حاله بأخذ الكويت منه...وتحول الخليج العربي إلى إمارات صغيرة لا يمكنها إلا أن تذعن للقوي أو تستعين به ...ومضى القرن العشرون رغما عنا على هذا الحال وسيبقى كذلك في القرن الآتي...ولايمكننا أن نغير جغرافية المال والإقتصاد بهذا الأسلوب الساذج...لأننا نكون قد أحكمنا القبضة على الدول الكبرى، وهي لا تقبل إلا أن تكون المُسيطرة على مقدرات أمورنا...فمثلما لا يمكن للعرب أن يتوحدوا أو يقيموا أنظمة ديمقراطية أو يعيشوا بسلام، لأن ذلك يتسبب بعرقلة مصالح الدول الكبرى في المنطقة....

إنها ثوابت القرن العشرين التي أدركناها... ا لم يتم تحطيم الأنظمة الديمقراطية العربية وإقامة أنظمة عسكرية متسلطة ومستبدة إلى أبعد الحدود وبتفويض وإسناد منها...فالإرادة الغربية تتحقق في الأرض العربية، أما إرادتنا فأنها مصادرة تحت مسميات متعددة ...وأن مشاكلنا في تفاقم ونماء سريع ولا يوجد قرار حكومي أو عربي قد ساهم في حل مشكلة، بل أن القرارات تهدف دوما إلى تعقيد المشاكل وتفريخها، وزيادة تشابكها وخسائرها من أجل تحقيق أكبر قدر من الإستنزاف لطاقات الإنسان العربي في أي مكان...

وأمامنا فلسطين التي حاربنا كل قرار حكيم لحلها في مهدها، وتداعينا وراء القرارات التي جعلت منها مشكلة المشاكل المستعصية، ونحن ننزف ونفقد ما عندنا والآخر يحقق ما يريده، وما ربحنا شيئا بل خسرنا كل شيئ...وها نحن اليوم نعيد الكرة أمام مشكلة ممكنة الحل بأسلوب أخوي، وإذا بنا ننهج طريق التعقيد والخسائر والنزيف الدائب الأليم...

في الشهر الماضي إجتمع العرب في بغداد لحل الأزمات وإذا بهم يفجّروا أزمات...والعلة تكمن في أنهم عندما يجتمعون لا يفكرون بإيجاد صيغة تستوعب آراءهم وتؤكدها بأسلوب يرضي الجميع، وإنما يندفع كل منهم في طريق التمحور الإستبدادي حول ما يرى، ويحسبه صحيحا وفيه الحقيقة المطلقة وغيره إن لم يتفق معه يكون غريمه اللدود...وهذا سلوك بدائي قبلي في الحوارات

...وهو حوار اللامعقول، لأن الحياة لا تقر به وترفضه تماما وتسعى لغيره...إن الحياة تريد قاعدة يتحقق فيها الإختلاف بأسلوب جميل ومؤثر لصالح ديمومتها وتعزيزها، وهذا ما لا يعيه العقل السياسي العربي...

قال القذافي في مقابلة تلفازية بعد الإجتماع عندما سألوه عن نتائج القمة: "كنا في حالة الصفر والآن نحن تحت الصفر"!!

وما فهمنا قوله...لأنهم أخذوه بمحمل الإستهزاء....

إن مشكلة الحكام العرب الأساسية أنهم يجتمعون لكي يفرض الواحد منهم رأيه على الآخر، وما توصلوا ذات يوم إلى قرار جماعي يفيد الأمة يدفع بحركتها إلى الأمام...فمن السهل عليهم أن يختلفوا ويتشاجروا ومن الصعب أن يتفقوا...ذلك أنهم لا يأتون للإجتماعات وكل منهم يحاول أن يكتشف الوسيلة المناسبة لوضع الآراء في بودقة واحدة وصهرها لتصنع صوتا قويا كالسبيكة المعدنية...إن صهر الإختلافات في بودقة واحدة وتحويلها إلى رأي أصلب ما يحتاجه العرب في إجتماعاتهم، لا أن يتجادلوا فيما بينهم ويزيدوا في الشقاقات والخصومات...

إن الإختلاف قوة هائلة تؤكدها طبائع الوجود المطلق، وتستند عليها معايير الصيرورة الأقوى والإستمرارية الأبدية...ومن يتوهم بأن الإختلاف ضد الوجود القوي إنما هو في حالة جهل مروع... لو أن العرب تعلموا فن الإجتهاد في سبك الإختلافات وصياغة القرارات السبيكة لكانوا أقوى أمة، وأعظم شأنا مما هم عليه الآن بألف مرة ومرة...

إن الإختلافات تعني النظر إلى الأمر الواحد من عدة زوايا، وهذا يعني أنهم قد أوفوا الأمر غاية وعيه، وعلى القرار أن يكون شاملا وفعالا، لأنه مولود من الوعي والنظر المتعدد الزوايا...لكن العرب لا يزالون لا يقدرون رحمة ونعمة الإختلاف، ولا يجيدون إستثمارها لصالح الصيرورة العربية الكبرى...وهذا يدفع إلى المشاكل الوخيمة والأزمات الخطيرة، التي بدأنا نعيش أكثرها جسامة وماساوية في القرن العشرين...

إن هذه المشكلة من الممكن حلها بتفاعل سياسي حكيم وتجنب التطورات العسيرة، التي ستدفع الأمة ثمنها دما وأرواحا ومزيدا من الأضرار الإقتصادية والمادية والتراجعات الحضارية القاسية...

مضت الأيام الخمسة بذهول وحيرة وإستبطان وربما هذيان...الأمور لا تبدو إلى إنفراج ..بل على العكس تتحرك بوتيرة متسارعة نحو الجحيم، فالإعلام يصدح بقرارات منفعلة مدوية، ولا أحد يتكلم بعقل بل إنها الكويت وقد عادت لحضن الوطن...!!

خمسة أيام تساقطت فيها الأقنعة وإنكشفت المأساة والأضاليل والشعارات المزيفة والبراقع المبهرجة الألوان، فالقومية صارت دموية والوحدة فرقة والعربي سيقتل العربي بل بدأ بقتله، وإن الأمة بكل ما قدمته أحزابها عبارة عن مسرحيات زال الستار عنها...

أدركتُ أن القادم عظيم ووخيم ولا بد من تدوين الأيام وتصويرها والتحرر من قبضة العدم...!!

 

د. صادق السامرائي

 

241 عبد الجبار الرفاعيبعد مضي سبع سنوات تقريباً على زيارتي السابقة، زرتُ اسطنبولَ مرةً أخرى العام الماضي في مثل هذه الأيام، ومكثتُ فيها مدةً تقارب عشرةَ أيام. أول ما أنعشني فيها الطقسُ الذي يبلغ التفاوتُ بينه ولهيبِ القيظ ببغداد ما يزيد على عشرين درجة. لا تتخطى درجةُ الحرارة الثلاثين نهاراً في هذه المدينة، وتلبثُ في حدود العشرين ليلاً، هواءٌ لذيذٌ، مشبعٌ برطوبة ليست خانقةً كما هو حال معظمُ المدن الساحلية والمناطق المشاطئة للمساحات المائية الواسعة.

كلّ مرة ألمح في هذه المدينة العريقة في ماضيها، آفاقاً تضيء الذاكرةَ بالفنون البيزنطية والإسلامية، وتتردّد فيها أصداءُ آلاف المنائر المهيبة للمساجد، وفرادةُ أنماط عمارتها، وكيف يتناغم فيها إيقاعُ فنون بيزنطة المسيحية بموازاة الفنون التركية الإسلامية.

اسطنبول من أجمل المدن التي رأيتُ، أقرأ في وجوهها لغةَ الشرق تتحدّث للغرب، ولغةَ الغرب تتحدّث للشرق. وأستمع إلى صوتها وهو ينشد ماضيَ الشرق في الغرب وحاضرَ الغرب في الشرق. إنها مدينةٌ عنيدةٌ صمدتْ في وجه أعاصير عاتية وحروب مهولة، وظلتْ على الدوام تنتفضُ من رماد حروبها وزلازلها ومواجعها، لا تربكها ذاكرتُها الحزينة، ولا تغرقها بالأسى دموعُ جراحها. كلّ مرة أزورها أجدها مدينةً مولعةً بالبناء، وتجديدِ حياتها، وإضاءةِ دروب تقدّمها.

اسطنبولُ مدينةٌ تحتفي بجمال طبيعتها، وتشرق بالإيقاع الموسيقي المتناغم لأنماط عمارتها، وتشمخُ بجلال جوامعها، وكأنّ منائرَ هذه الجوامع تروي حكايةَ ضمير اسطنبول وقصةَ صمودها عبر التاريخ، إذ تهيمن الجوامعُ ومنائرُها على اسطنبول، وهي تجلس على قمم تلالها السبع.

لو غضضنا النظرَ عن استبدادِ كمال أتاتورك، على الرغم من أني أمقتُ الاستبدادَ، وأعمل على مقاومته بكلّ أشكاله وأقنعته وتعبيراته الدينية والسياسية والاجتماعية التي يختبئُ خلفها، لكن لولاه لما استطاع حكّامُ تركيا من بعده بناءَ أيّ شيء، إذ يبتني كلُّ بناء على بنية تحتية، وقد استطاع أتاتورك خلقَ بنية عميقة صلبة لدولة حديثة على أشلاء الامبراطورية العثمانية العتيقة المريضة المتفسّخة.

في زياراتي للبلدان الحديثة أجدها مولعةً بالذاكرة المُلهِمة، وتحرص على محو بقايا الذاكرة القاتلة، في حين نحن مولعون بالذاكرةِ القاتلة، ونهمل الذاكرةَ المُلهِمة. كلما غبتُ عن بلد عدةَ سنوات وجدتُه يتقدّم إلّا بلدي الذي غبتُ عنه ربع قرن فوجدتُه قد خرج من العصر، وارتدَّ لعصورِ الانحطاط، ومرحلةِ ما قبل الدولة، ومازال ينوءُ بأثقاله وأغلاله التي ورثها من الصحراء. ولعله سيلبثُ طويلاً لا يشغله إلا إعادةُ تكوين قبائله، من دون أنْ يدركَ حاضرَه أو يغادرَ ماضيه إلى مستقبله. لم تؤسّس البلدانُ دولَها الحديثة إلّا بعد أن أدركتْ أن الدولةَ ظاهرةٌ مجتمعيةٌ تعبّر عن مرحلةٍ متقدّمةٍ من تطور الوعي البشري، وأنها خلاصةُ تجليات العقل، وعصارةُ خبرات الإنسان في تاريخه الطويل.

الدولةُ الحديثة لا يبنيها إلّا الخبراء. مادام الخبراءُ ببناء الدولة خارجَ إدارة الدولة في بلادنا، والمسؤولياتُ الكبرى في الوظائف التخصّصية تُعهَد لغير ذوي الاختصاص، فلن نستطيع الشروعَ بالخطوة الأولى نحو الدولة.

أقمتُ في منطقة سلطان أحمد في إسطنبول، على مسافة 300 م عن الجامع الكبير الذي يحمل اسمَ هذا السلطان العثماني، والرابضِ على مسافة قريبة جداً مقابل كنيسة أيا صوفيا، وهي كنيسة بدأ الإمبراطور جوستنيان ببنائها عام 532م، واستغرق بناؤها حوالي خمسَ سنوات، حيث تم افتتاحُها رسمياً عام 537م.

تجذبني في كلّ مدينة أزورها المتاحفُ والمكتباتُ والمناطقُ الأثرية والمساجدُ والكنائسُ والمعابدُ القديمة، وعادةً ما تتجدّد زيارتي لها كلّما زرتُ المدينةَ مجدّداً، وغالباً ما يضجر من يرافقني من هذه العادات التي تأكل الوقتَ كلَّه، ولا تدع فائضاً منه للاستجمام والتسوّق.

زرتُ من قبل كنيسةَ أيا صوفيا والجامعَ الأزرق "جامع السلطان أحمد"، ثم كرّرتُ زيارةَ هذه الكنيسةَ والجامعَ هذه المرة، ومن الغريب أني كلّما زرتُ أماكن عبادة عظيمة، بناها أباطرةٌ أو سلاطينُ أو ملوك، تملكتني مشاعرُ متناقضة، فتارة أتفاعل مع جمالِها وجلالِها وبراعةِ المعمار الذي أشاد بناءَها وابتكر طرازَها الفريد، وربما استحضر شيئاً من حالاتِ الروح لمن أدمن الارتياضَ الروحي والصلاةَ والتهجّدَ فيها، وتارة أشعر بالألم والحسرة الموجعة، لحظة أتذكر آلافَ العمال البؤساء، ممن سخّرهم الحكّامُ بالإكراه لبناء بيوت العبادة هذه. ترتسم أمامي صورٌ مفزعة لكيفية طحنِ ضلوع بعضهم، ودفنِ جماجمهم تحت كتل حجارتها المهولة، وكأني أصغي لزفراتهم وأنينهم حين نقلوا تلك الحجارةَ بطرق بدائية قبل اكتشاف الآلات الحديثة لنقل الكتل الثقيلة.

تحضرني في مثل هذه المواقف الفتوى الأخلاقيةُ المنسوبةُ لبعض متصوّفة المعتزلة، ممن قالوا ببطلان الصلاة في مدينة بغداد، بعد أن أسّسها أبو جعفر المنصور، بوصف الصلاة باطلةً في كلّ أرض مغصوبة، وكان المنصور، كما يقال، قد اغتصب هذه الأرضَ من مالكيها من دون أن يعوّضهم بشيء.

وما زلنا حتى اليوم نصلي في جوامع بناها ملوكٌ وحكّامٌ غاشمون، ونحن لا ندري كيف تمّ بناؤُها، ومن هو مالكُ أرضِها قبل أن يغتصبها الحاكم، وما مصدرُ الأموال الوفيرة لتشييدها، وهل بناءُ جامع أهمّ من إطعام جائع، وهل يجوز اختطافُ لقمة من فم جائع لبناء جامع، مثلما كان يفعل صدام حسين أيام الحصار المرير في تسعينيات القرن الماضي، ففي لحظة بناء جوامعه العملاقة وقصوره الباذخة كان يسقط عراقيون صرعى من الجوع والمرض بجوارهما، ويغرق كثيرٌ منهم في البؤس والفاقة؟!

كم في حياتنا من خداع تمارسه سلطاتٌ مختلفة، تحترف التمويهَ، وتبرع في التزوير. كثيرٌ من السلطات في بلادنا لو أرادت تمريرَ فعل يرفضه الناسُ عملتْ على إلباسه رداءً مضادّاً لمضمونه، فطالما ارتدتْ صورةَ المقدّس بغيةَ إخفاء المدنّس، والتقوى بغيةَ إخفاء الخديعة، والورعَ بغيةَ إخفاء اللصوصية، والقانونَ بغيةَ إخفاء الفوضى، والعدالةَ بغيةَ إخفاء الظلم، والدولةَ بغيةَ إخفاء القبيلة، والوطنَ بغيةَ إخفاء العائلة.

وفي صراع الحكومات والجماعات الدينية على احتكار المال والثروة والسلطة خرجَ كثيرٌ من المساجد والأضرحة والمقامات والطقوس والشعائر من وظيفته الدينية، وتم توظيفُ العديد منها سياسياً، فأصبح مادةً أساسيةً في استراتيجيات الهيمنة والسلطة. كذلك صارتْ أكثرُ هذه الأماكن مثابةً للسياحة، وأضحتْ تؤدي وظيفةً اقتصاديةً تتحكّم فيها معادلاتُ المال والسوق.

هوية المكان

الأماكنُ المشبعةُ بالمعنى عميقةٌ متعدّدةُ الطبقات بطبيعتها، يحتاج التعرّفُ عليها إلى منقّب ماهر، لا يملّ من الحفر في طبقاتها، لذلك لا تكفي زيارةٌ واحدة لاكتشاف مدَياتها، ففي كلّ زيارة تتحدّث طبقةٌ فيها لم تتحدّث من قبل، وقد تتكرّر اكتشافاتُها كلّما تكرّرتْ زياراتُها.

المكانُ نصٌّ، فكما يكون بعضُ النصوص هشّا متشظّيا باهتا لا يدلي بدلالات متعدّدة، يكون بعضُها مكثّفا رؤيويا مضيئا، كذلك الأماكن، بعضُها هشٌّ مسطّحٌ باهتٌ بلا ملامح، وبعضُها الآخر يغمرك بحضوره الطاغي، إنها كالشلال الذي لا يكفّ عن التدفق، ولا تنضب طاقتُه المتجدّدةُ لتوالد المعنى، ولا تستنفد التفسيراتُ مدلولاتِه، مهما برع المفسّرون في تأويلِه والغوصِ في طبقاته.

الأماكنُ ليست أشياء ميتة أو جامدة أو محايدة أو صامتة، إنها تتحدّث إلينا بلغتها الخاصة، لكلّ مكان شفراتُه وأسرارُ لغته، فلو أتقن الزائرُ قراءةَ شفراتِ لغةِ المكان لأمكنه فتحَ خزائن أسراره. إنها بمثابة القيثارة الصامتة التي لا تبوح بأنغامها إلّا للخبير الذي يجيد العزفَ على أوتارها.

الزيارات الهامشية للأماكن لا تهبُ الإنسان شيئاً، الأماكنُ تحتاج منا أن نتوغلَ في أغوارها كي نعطيها وتعطينا، وتودعنا شيئاً من معانيها ونودعها شيئاً من أنفسنا، وننتمي اليها بقدر ما تنتمي هي إلينا. الأماكنُ نحييها فتحيينا، نسكنها فتسكننا، نُلهِمها فتلهمنا. للمكان روحٌ يمنح بعضاً منها لكلّ إنسان على شاكلته، مثلما يمنح كلُّ إنسان الأماكنَ بعضاً من روحه على شاكلتها.

اللقاءُ المباشر بالأماكن، والتعرّف الشخصي عليها، يُمكّن الإنسانَ من اكتشاف أسرارها، ويمنحه متعةَ الاحتفاء بها. فقد يستمع الإنسانُ في مكان ما إلى لحن ينشد أشواقَ روحه، عندما يجد ذلك المكان يتحدّث إليه بلغته. لا يحتفي المكانُ بلقاء الإنسان إلّا حين يشعر بأنه هو أيضاً يحتفي بلقائه.

حين يقرأ الإنسانُ ما تكتنزه الأماكنُ من دلالات، ويبرع في تفسّيرها، يجدها تستحثّ ذاكرتَه، وكأنها مرايا ينعكس عليها شيءٌ من ملامح صورته، أو لعله يتحسّس فيها تمثلاً رمزيا يروي له شيئاً من حكايات سيرته، وربما يجد بعضَ محطات سيرته تحكي حكاياتها.

ومع أن هذه الأماكن تبدو بنظرة سطحية صامتة، لكن لو تبصّرناها بنظرة متريثة نراها تقول لنا ما لا يُقال في الأوراق والكتب. وذلك ضربٌ من القول لا نمتلكه بالقراءة أو بتلقين وإملاء.

بعضُ الأماكن، كضريح جلال الدين الرومي، صارت بمرور الزمان موطناً للمعنى، فما أن تُدفنَ في مكان ما شخصيةٌ روحيةٌ مُلهِمةٌ حتى تهفو اليه أرواحُ المريدين فتهبط في فنائه وتتخذه موطناً، توقاً لأن يسقي الروحَ شرابُها الذي تهفو إليه، ويفيض عليها شرابَ سكينته وطمأنينته وسلامه. مثلُ هذه الأماكن يتكرّس رصيدُها على الدوام بالمعنى بفضل شخصيات مُلهِمة تتخذها أرواحُها وطناً، فتسمو بالمكان وتثريه بإلهامات الروح وجذوتها التي لا نجدها في أماكن أخرى.

مَنْ يستبدُّ به الحزنُ لا يليقُ بمائدةِ الحق

لم أكن متأكداً من زيارة ضريح جلال الدين الرومي مجدّداً، بعد زيارتي له في ديسمبر 2010، لكني أتذوّقُ معاني في بعض الأماكن وأصغي لنبرة صوت إلهي لا أجدها في سواها. تجربتي الماضية "في حضرة مولانا"1 وضعتني عند أحد أغنى منابع إرواء ظمأ الروح وأثراها.

أدركتُ لحظةَ وصولي اسطنبول أن صوتَ مولانا يناديني، ولا يكفّ عن الحضور العميق في وجداني، وكأن هاتفاً يهتف بي أن اسرعْ للقاء صديقِ الروح جلال الدين الرومي بقونيه، وكأني ألتقط من نبرة صوتِه ما هو مضمرٌ من عتَب رقيق خفيّ، أنْ كيف أكون على مقربة منه ولا أسعى للقائه.

شعرتُ بأني إن لم أذهب سأخسر معنى روحيا كبيرا قلما أظفر به في أماكن أخرى. جلال الدين الرومي وزملاؤه كأبي يزيد البسطامي والحلاج والنفّري ومحيي الدين بن عربي حرّروا الدينَ من مضايقِ أفق دين المتكلمين الذي وضع عقلَ المسلم داخلَ أسوار مقفلة، ودينِ الفقهاء الذي وضع كلَّ قول وفعل في حياة المسلم تحت وصايتهم داخل دائرة مغلقة، وجعل الروحَ تختنق فتستغيث من أعباء تحريمات لا تعبّر عن روح الشريعة، مثل تحريم أكثر أشكال الفنون الجميلة. وعلى الرغم من أن تلك التحريمات لم تردْ في آيات القرآن الكريم أو في أدلة أخرى معتبرة، لكنها تصادر على الإنسان الاستمتاعَ بكل ألوان التعبيرات الجمالية في العالم، التي هي من الحاجات الأساسية لكلّ كائن بشري، فهو يحتاجها كما يحتاج الخبزَ والماءَ. حاجةُ الإنسان للجمال كحاجته للأمن والحب والاعتراف، لذلك قادَ الموقفُ التحريمي من الجمال وأشكال الفنون كافة كثيرا من الناس للهروب من الدين.

زيارةُ جلال الدين حسب خبرتي السابقة ضربٌ من السياحة في عوالم المعنى، واقتباسٌ لضوء يشرق على روحٍ حزينة، قلّما يشرق عليها في أماكن أخرى. أنا كائن يباغتني حزنٌ وقلق وجودي، لا أعرف منابعَهما، ربما ينبعان من جروح طفولتي، وتشرّدي في فتوّتي، ربما ينبعان من انطفاءِ أوهامي، وتبدّد أغلب أحلامي ووثوقياتي التي كنتُ أخالها حقائقَ نهائية في مراهقتي.

لم يخفّف حزني وقلقي الوجودي ويبدّد ظلامَ روحي سوى وصالي مع الحق وزياراتي لبيت الله والمشاهد المقدّسة، فقد حضرتُ 16 مرةً مواسمَ البيت الحرام في مكة حاجّاً ومعتمراً، وإن كان الإيقاعُ الروحي لهذا الحضور ظلّ يتراجع ويخبو في روحي بالتدريج عاماً بعد عام، ربما أثر غرقي بتطبيق تفاصيل فتاوى تشدّد على ضرورة الالتزام بالشكل حرفياً في مدونة فقه الحج، وتهمل المعنى الذي تبوح به المناسك، فقد أطفأتْ تلك التفاصيلُ الفقهية الجزئية الدقيقة جذوةَ الحج، وأفرغت مناسكَه من أثرها الفاعل في إيقاظ الروح. وربما اثر محوِ الصور الأثرية التاريخية للبيت الحرام والمعالم العتيقة، وطمسِ كلّ ما ينتمي للنبع المقدّس في مشاعر الحج بعبث البناء الحديث وكتل الخرسانة الميتة، فلم تعد هناك ثيمةٌ روحية موحية تنتمي لذاكرة الحج الموغلة في الماضي، بسبب العمل بفتاوى متشدّدة ترى في كلّ احتفاءٍ بأثرٍ مادي ينتمي لماضي الرسالة ضرباً من الوثنية، مضافاً إلى جشع رأس المال وتوحشه الذي لا يعبأ باحتياجات الروح ولا يحتفي بأيّ شيء آخر سوى الربح المادي. وربما لأننا نرهق الأماكنَ بمتطلبات يتعذّر عليها الوفاءُ بها، بعد أن نتلاعبَ بهويتها الروحية، فنختزلها في مكاسبها الاقتصادية فقط. وربما لأن الاكتشافَ يحدث مرةً واحدة، ونحن دائما نفتّش عن الجديد في طبقةِ المكان ذاتِها من دون أن نسعى لاكتشاف طبقات أعمق. وربما لأن المكانَ بات غريبا علينا ونحن غرباء عليه، فلم يعد يتحدّث إلينا بلغة نلتقط إشاراتِها، ولم نعد نحن نتحدّث إليه بلغة يلتقط هو إشاراتِها.

ألهمتني زيارتي السابقةُ لجلال الدين الرومي الكثيرَ من الثقة بقدرة الدين على إرواء الظمأ الأنطولوجي للمقدّس، والذي لم تعدْ معظمُ دراساتي وممارساتي الماضية تفي بها. فقد اكتشفتُ في مفهوم الدين لدى مولانا الرومي ما كنتُ أبحث عنه من منابع إلهام الروح لكني لم أعثر إلّا على ملامح باهتة له في مدونتَي المتكلمين والفقهاء، حتى ظننتُ أن الدينَ ضنينٌ بذلك.

وجدتُ في مفهومه ديناً لا يكره الحياة، ديناً لا يخافُ الفنَ، ديناً لا يزدري الفرحَ. دينُ جلال الدين هو دينُ التضامن ضدّ الدعوة للموت بكلّ أشكالها، دينٌ ليس على الضدّ من الطبيعة البشرية، دينٌ يدعو للابتهاج، دينٌ يحتفي بالمسرات، دينٌ مادتُه المحبة، دينٌ يهمّه تطهيرُ القلب من الحقد وجعلُه مفتاحًا لطهارة الإنسان، دينٌ يرسم بوصلتَه جلالُ الدين الرومي بقوله: "توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز".

أظن أن حضورَ الميراث الروحي للرومي هزم الفهمَ العنيفَ لدين البادية السلفي المولع بالموت، ولم يجد الفهمُ الآخر المسكونُ بالحزن فضاءً له يتنفّس فيه في "حضرة مولانا"، حيث تملأ روحَ الزائر أنغامُ صوت الناي الموحية التي لا تكفّ عن التدفق. جلالُ الدين الرومي يوصي زائريه: "أَيْ أخي؛ عندما تأتي لزيارةِ قبري، سيظهرُ لكَ قبري المسقوفُ راقصاً، لا تأتِ لقبري من دونِ دَفّ، لأنَّ مَنْ يستبدُّ به الحزنُ لا يليقُ بمائدةِ الحق".

بعد هذا الحديث ربما يظنُّ بعضُ القراء أن جلالَ الدين الرومي وغيرَهُ من العرفاء ينظرون للكائن البشري نظرةً رومانسيةً حالمةً، لا تعرفُ شيئاً عن طبيعةِ هذا الكائن فتحسب كلَّ إنسان يعيشُ حالةَ طُهرٍ ملائكية، لكن من يقرأُ آثارَهم بتدبرٍ يرى أنهم كما كانوا خبراء بحالاتِ الروح ومكاشفتِها كانوا خبراء بحالاتِ النفس وأنفعالاتِها أيضاً، ففي نصوصهم ما يشي بتحليلٍ عميقٍ لطبيعة النفس البشرية، وبصيرةٍ نافذةٍ لما يختبيءُ فيها من آلام ومواجع وعُقَد، لذلك كان جلالُ الدين وأسلافُه العرفاء يعترفون بأن الخطيئةَ من طبيعة الإنسان، إذ مادام الإنسانُ يعيش في الأرض فهو ينوءُ بأثقالها، ويتعذّرُ عليه أن يتعالى على أطيانها، لكنهم مع كلّ ذلك كانوا يثقون برحمة الله ثقةً لا حدود لها، ويرون أنها تتسع لأولئك الخاطئين الذين يعفو اللهُ عنهم لو ساروا إليه في أي وقت يشاؤون، لذلك يوصي جلالُ الدين كلَّ إنسان بأن يسافر إلى الله مهما كانت خطاياه، لأنه كما يرى: "لَمْ يَكُن أبداً من شروط السير إلى الله أن تكون في حالة طُهرٍ ملائكية. سِر إليه بأثقالِ طينك، فهو يحبُ قدومَك عليه ولو حَبواً".

 

عبد الجبار الرفاعي

قونيه يوم الأربعاء 2017- 8- 9

......................

كتبتُ انطباعاتي عن زيارتي الأولى بعنوان: "في حضرة مولانا: سياحةٌ في عالم المعنى- 1". وهي ما نشرته في القسم الأول من الفصل الأول لكتابي الدين والنزعة الإنسانية، وقد كانت زيارتي الأولى إلى "قونيه" قادماً من اسطنبول يوم الأحد 5 - 12 - 2010. وكتبتُ هذا النص في زيارتي الثانية إلى "قونيه" قادماً من اسطنبول يوم الأربعاء 9 - 8 - 2017.

 

 

صادق السامرائيماذا حدث في العالم بعد ذلك...؟

ما أن تواردت الأنباء عن دخول الجيش العراقي للكويت وسيطرته عليها، حت إهتزت الكرة الأرضية من قطبها الشمالي إلى قطبها الجنوبي.

إنهم لا يصدقون..!

ولا يعرفون كيف سيكون الرد...، غير أنها موجة إستنكار عالمية عاصفة خصوصا من قبل الدول الكبرى والأوربية، إنها ردة فعل إعصارية بمستوى ذهولهم، وكأن الخبر هزة أرضية شاملة.

أمريكا، روسيا، فرنسا، بريطانيا، الجميع يتخبطون بتصريحاتهم وكأنهم لا يعرفون ما سيفعلون... فدولة خليجية نفطية تم إبتلاعها ...وكلهم صار ينادي بضرورة الإنسحاب الفوري والغير مشروط وإلا...؟!

ولا يدرون ماذا سيكون بعد إلا...!

أخبار العالم وبكل لغاته تتحدث عن غزو عراقي للكويت التي لم تصمد أمامه لأكثر من ثمان ساعات فقط، وإنتهى كل شيئ!!

إجتياح عراقي...إنتهاك للأعراف والقوانين الدولية...عمل مجنون...إنها الحرب الخليجية الثانية...لا بد من إيقاف هتلر العرب عن مطامعه...إلخ من الأقوال والأوصاف والتحليلات التي شغلت ليل الخميس.

مجلس الأمن إجتمع فورا صباح يوم الخميس وقرر أن ينسحب العراق من الكويت خلال ثمان وأربعين ساعة، وقد تم التصويت بالإجماع على القرار.

تماوجت الأرض...

القادة العرب في صمت الذهول المروع ولم يقولوا شيئا...

ماذا يقولون إن لهم الحق في ذهولهم...فما هي إلا أسابيع على مؤتمر قمة بغداد الذي أسموه مؤتمر الأخوة والتفاعل العربي الصحيح...ولا يزال ميثاق العمل العربي الذي ينادي به العراق منذ عشر سنوات حيا ويريده أن يكون قانونا للعمل العربي الدائم...

فكيف يحدث هذا...؟

كيف...؟

لا أحد يستطيع التفسير ...فلا يوجد ما يبرر هذا الفعل...!!!

ترى هل يستوجب الإدّعاء العراقي فعل الذي حصل؟

فبرغم أن العراق يؤكد على أن الذي يجري في الكويت إنما هو إنقلاب فحسب، إلا أن الدول بأسرها تحسبه غازيا ومحتلا لدولة عضوة في الأمم المتحدة، ومن غير مبررات قوية ومقنعة لأي شخص سياسي في العالم!!

ويبدو أن العراق قد ألقى بنفسه في خضم المجهول المشحون بالخسائر الفادحة، ولا أدري هل أن ما يجري حالة طارئة أم أنه صيرورة متفاقمة إلى حد الدمار الشامل؟!!

لا يمكنني أن أجيب في هذا الوقت العاصف الذي يشوّه الرؤية ويصيب العقل بالحيرة وعدم الدقة في التقدير.

لكن يمكن القول بأن دخول الجيش العراقي إلى الكويت وبهذه السرعة ونجاة الحكومة الكويتية من الفخ يدفع إلى تساؤلات كثيرة...

فهل أن أمير الكويت كان على علمٍ بما سيحصل؟!

أو أن هناك أطرافا دولية كانت على بينة من الأمر وأعلمت الحكومة الكويتية ؟

أم أن هناك شيئ ما...؟!!

أشك في الذي حصل وكأنه سيناريو مدبر وها هي ملامح فصوله أخذت تظهر للعيان...!!

تأزيم مشكلة يمكن حلها بالأسلوب الدبلوماسي والقانوني والحوار والوساطة وغيرها، ودفعها إلى حافة الحرب والصراع والتمزق الذي ستستفيد منه القوى الطامعة بالأرض العربية.

تُرى لماذا تم إختلاق الأزمة وتصعيدها وتسويغ مبررات غزو الكويت من قبل العراق...؟

إن وراء ذلك أغراض شرسة لا بد من وعيها وأن لا نذهب بعيدا في لعبة الإيقاع بالعرب...

هل أن ما يجري فخٌ خطير لأمة العرب...؟

هل أنه بداية النهاية...؟

أم أنه خطة جديدة لإستعمار معاصر، بعد أن أخذ الإتحاد السوفياتي يفقد دوره ووجوده السياسي المؤثر في الواقع العالمي ...؟!!

ما هذا...؟!!

ليس من السهل الجواب على سؤال المفاجأة التأريخية الجديدة التي ستدفع بالعرب إلى صيرورة أخرى...!!

إن الأيام ستحدثنا عما سيكون ... لكني أجزم بأني الآتي وخيم وأليم إن لم نعي حقيقة ما نحن فيه، إن الذي يجري خطأ تأريخي قد حاول الإقدام عليه عبد الكريم قاسم لكن القادة المتمرسين عارضوه بل ومنعوه من الإندفاع الخطير، ولربما نجح في ضم الكويت للعراق آنذاك، وربما كان توقيته التأريخي صحيحا ودقيقا، وما فعله القادة كان خطيئة تأريخية ها نحن ندفع ثمنها باهضا جدا بعد ربع قرن، فهل كان عبدالكريم قاسم في غاية الصواب لكننا وقفنا ضد خطواته ومنعناه من تحقيق إغتنام الفرصة التأريخية التي لن تتكرر أبدا بسبب تغير الأحوال الدولية.

أما اليوم فالتوقيت التأريخي لا يقبل بالذي يجري بل ويعارضه بشدة واضحة وشاملة، لأن الزمن الحالي لا يقر بالإجراء العراقي فهو بعيد تماما عن عقل أي سياسي، إلا العقل الذي دفع إليه من أجل مآربه الخفية ... حتى إذا كان العراق على حق فأن الظروف غير مؤاتية للحصول على الحق...

الكويت دولة صغيرة وبحاجة لدعمنا ومساندتنا، وبما فعلناه أظننا قد خسرناها إلى الأبد وجعلنا منها قاعدة عسكرية لقوات أجنبية في المستقبل ...ولا يمكن لأحد أن يقنعها بأن لا تكون قاعدة عسكرية لقوات أجنبية ...لأنها ستبحث عن حماية وأمن...

ولا يمكن القول بأن العراق قد حسم أمر ضم الكويت إليه بما أقدم عليه، ولا يُعرف كيف إنتهى إلى هذا القرار الوخيم، فتوهم أن الحل بأخذها بالقوة...حتى ولو إفترضنا أن القرار صحيح فيستحيل تطبيقه، فليس كل ما هو صحيح قابل للتطبيق على أرض الواقع...كما أن الحكومة الكويتية بنجاتها فأنها ستعود حتما ... والعقل السياسي الراجح يقر أن على العراق الإنسحاب الفوري وتقديم إعتذار عما حصل، ويجلس على مائدة المفاوضات، ولو أن التفاعل صار مستحيلا بعد اليوم، ولا بد للكويت أن تستعين بالأجنبي للحفاظ على أمنها المستقبلي، وكان على العراق أن يقوم بهذا الدور بدلا من اللجوء إلى سياسة المأزق الخطير، التي تمثل حركة الذراع المنعزل عن العقل المدرك الواعي الحصيف.

إن العالم كله يقر ومن الوهلة الأولى أن العراق لا يمكنه البقاء في الكويت، وعليه أن يعيَ ذلك، وإلا ستحضر القوى العالمية لإخراجه ...فالدول الكبرى قد وعت الحربين العالميتين ولا يمكنها أن تتهاون في مواضيع الإحتلالات، لأنها في عرفها تمثل جذوة لحرب عالمية جديدة...

 

د. صادق السامرائي

 

 

إننا أمام عالم مصر على إهلاساته ونفاقه وازدرائه لكل ما هو إنساني حقا أو قد يحمل بذور شيء ما أكثر إنسانية، إننا أمام عالم يقوم على إشباع نوازع الظلم البدائية، نوازعه الجريمة المنظمة .. هكذا بدأ أنطونين أرتو "رثاءه" لفان غوخ .. تصلح هذه الكلمات أيضا لافتتاحية جريدة يسارية أو ليبرالية وحتى دينية إصلاحية الخ الخ .. لكن أرتو ليس "مثقفا عاديا"، إنه لا يريد مجرد انتقاد خصم أو إثبات صحة فكرة أو موقف سياسي ولا حتى "إصلاح" العالم .. يحفر أرتو عميقا، أعمق مما يحلم أي يساري أو ليبرالي، أي "مؤمن" بالذهاب.. يقول أرتو أن هذا العالم (والمجتمع الذي يتمتع باهتمام وعطف اليساريين والليبراليين و"المثقفين" عموما) قد اخترع الطب النفسي ليدافع عن نفسه ضد مغامرات بعض العقول الجريئة على تحدي مسلماته ووضع كل ما يؤمن به ويقدسه موضع التساؤل .. بالنسبة للجماعات، للمجتمع، هذه الأسئلة مستحيلة، غير محتملة، محرمة .. أما بالنسبة لأرتو فلا وجود لأي مجانين، "لم يكن فان غوخ مجنونا"، فقط أن "رسوماته كانت انفجارات من النار الإغريقية، والقنابل النووية ... القادرة على إزعاج التماثل الشبحي لبرجوازية الإمبراطورية الثانية" .. قنابل نووية، نار، انفجارات، فجأة يكشف أرتو، كما فعل فان غوخ من قبله، أمام أعيننا كل تلك الحياة الرتيبة والموت العبثي، "عالم يأكل كل يوم مهبلا مطبوخا بالصوص الأخضر أو قضيب طفل رضيع جلد وضرب حتى هرس ونضج"، جهنم التي يمجدها الجميع باسم التماثل والتطابق والتشابه .. قال نيتشه أن الجنون نادر في الأفراد لكنه الخاصية المميزة لكل الجماعات تقريبا : ليست الأديان، الحروب، هستيريا اصطياد الساحرات والطهرانية الجمعية إلا بعض مظاهرها فقط .. وخاصة ذلك الإشباع المزيف الذي تبلغه الكائنات المحبطة والمقموعة جنسيا، ولاوعيها المقموع، عندما تتهم المختلف - الآخر بالجنون، وتلك السكينة التي يحصل عليها ذلك الوعي المريض عندما يسجن خصمه ويقتله عقابا على مغامراته غير المتوقعة وغير المرغوبة .. المجنون عند أرتو شخص فضل أن يصبح مجنونا بالمعنى العام (المجتمعي) للكلمة على أن تصادر أفكاره، كرامته، ذاته .. المجنون هو شخص لا يريد المجتمع أن يسمعه لأنه يخشاه ويخشى كلماته، لأنه حر لدرجة يمكنه أن يقول أي شيء يريده، حتى ما يجب ألا يسمعه الآخرون، لأنه لا يردد ما يفترض أن يردده، ما يردده الآخرون .. أي مجتمع، أي حاكم، أي دين أو إيديولوجيا، يمكنها أن تطيق مثل هذه "الحرية المنفلتة" .. يسمونها "مستشفيات أمراض عقلية"، لكنها سجون من نوع خاص، لمساجين من نوع خاص، أخطر المساجين على الإطلاق .. يرفض أرتو حكم المجتمع وجلاديه الذين يرتدون البالطو الأبيض للأطباء النفسيين المسؤولين عن فرض التطابق العام والغباء السائد وحمايتهما : لم ينتحر فان غوخ في نوبة من نوب "جنونه"، بالعكس، لقد انتحر عندما اكتشف حقا من هو، عندها نحره المجتمع لأنه تجرأ على أن يكون، لأنه تجرأ على التملص من براثنه .. في رسومات فان غوخ "وعي فوق طبيعي"، "فوق مستوى الإنسان العادي"، "في كل مجنون عبقرية غير مفهومة، أثارت فكرتها المشرقة .. رعب الناس وكان الهذيان هو الحل الوحيد للاختناق الذي أعدته الحياة له" .. "قضيت شخصيا تسع سنوات في مستشفى أمراض عقلية ولم أشعر أبدا باستحواذ الانتحار، لكني أعرف أن أية مناقشة مع أي طبيب نفسي، عند كل صباح .. تدفعني للرغبة في أن أشنق نفسي مدركا أني لا أستطيع أن أحز عنقه".. لكن أرتو الذي يصر أن فان غوخ قد نحره المجتمع يقول أيضا في مكان وزمان آخرين "إذا انتحرت، لن أكون قد دمرت نفسي، بل قد لملمتها مرة أخرى . سيكون الانتحار بالنسبة لي الوسيلة الوحيدة لأستعيد نفسي بالقوة، لأجتاح وجودي بوحشية، وأترقب اقتراب الإله الوشيك . بالانتحار أعيد تكويني إلى الطبيعة، وأشكل الأشياء لأول مرة وفق إرادتي" .. قد يكون فان غوخ أحد أكثر نماذج الأنتي هيرو اكتمالا .. ولذلك رثاه أنطونين أرتو من دون أكاليل الغار أو أية محاولة أو رغبة بالتطويب أو التقديس، دون أوهام الخلاص، ودون دموع مزيفة مرعوبة حتى الموت من الإرادة الحرة ومن الموت والحياة .. الأنتي هيرو هؤلاء لا تقام لهم تماثيل في الساحات العامة ولا يهتف بأسمائهم الجنرالات ولا رجال الدين أو الحراس ولا تطبع صورهم على أوراق النقد أو أعلام الدول أو الصفحات الأولى للصحف اليومية ولا على شواهد قبور شهداء لا أسماء لهم في حروب سرعان ما تنسى .. مثل فان غوخ، كان أرتو خارقا للإجماع، لكنه أضاف إلى جنون فان غوخ هوسه بالعنف وبالأفيون : "ليس الأفيون هو الذي يدفعني للعمل بل غيابه . لكن لكي أشعر بغيابه يجب أن يكون حاضرا من وقت لآخر" .. الظريف في الموضوع أنه مات بجرعة زائدة من المخدر، ولا يمكننا أن نجزم إن فعل ذلك "عمدا" أو "دون قصد" ..    

 

مازن كم الماز

 

صادق السامرائيهذا كتاب، عبارة عن يوميات سطرتها منذ اليوم الثاني من آب عام ألف وتسعمئة وتسعين حتى إنتهاء الأزمة أو القصف الذي تواصل على العراق.

وما فيه تصوير لما جرى وما تداولته وسائل الإعلام لا غير، مع بعض الإرهاصات والتداعيات والوصف الإنساني لما يعتلج في أعماق الناس.

وقد عدت إلى هذا الكتاب بعد ما يقرب من ثلاثة عقود، فوجدت ربما من المناسب أن أنشره، لأنه يوثق فترة عصيبة من أيام العرب عموما والعراق خصوصا، ويستشرف ما آلت إليه الأحوال.

                                                  (1)

لم أنم ليلة 2\8\1990، لا أدري لماذا...؟

كتبت رسالة لأحد الأصدقاء في الغربة ...أحرقت ساعات الليل في أرق وقلق مع الورق، وعندما جاء الصباح تأكد قلقي...كان قلقا غير واضح، لكن معالمه الحقيقية إتضحت في الصباح الذي إنفجرت فيه أرض الخليج...!!

صباح يوم الخميس 2\8\1990 كنت في سيارتي أستمع للمذياع كعادتي كل صباح، لكن ما ينبعث منه كان مفعما برائحة الحرب...!!

ماذا جرى؟

لست أدري!!

أناشيد للموت والفداء ...ضجرت مما أسمع فأغلقت المذياع وواصلت المسير بسيارتي إلى المستشفى.

ركنت السيارة ومضيت بهدوء إلى قاعة المحاضرات، لكنني عطفت نحو السكرتيرة لأسألها بعض الأسئلة، فوجدتها شاحبة الوجه ملتصقة بالمذياع، والصوت يهدر منه ببلاغات عسكرية!!

قالت: أ لم تسمع؟!!

قلت: ماذا؟!!

قالت: إنقلاب في الكويت، والجيش العراقي قد دخل مدينة الكويت وأحكم السيطرة عليها!!

قلت بفزع: ماذا..؟!!

قالت: إنقلاب....!!

قلت: يا إلهي إنها الحرب ثانية...إنها الحرب...؟!!!

كان المذياع يعلن إعادة تشكيل خمسة عشر فرقة عسكرية وأربعة أخرى جديدة إضافة إلى إعادة تشكيلات الجيش الشعبي وتقسيم العراق إلى خمس مناطق لقيادات الجيش الشعبي...!!

لقد صعقني ما سمعت، ولا أدري كيف حملت رأسي الذي أصبح أثقل من جبل ... وجلست في قاعة المحاضرات جثة لا تتفاعل مع ما يقوله المحاضر عن علم الإنسان والأعراق البشرية، وكيفيات إدراك السلوك البشري...!!

عدت بعدها إلى البيت والقلق يأكل كل خلية في جسمي... فهناك نداء للإلتحاق بالخدمة العسكرية ولابد من الإستعداد لذلك...!!

ماذا يحصل؟!!

تنهض في الصباح معبّئا بالأحلام وتريد أن تنجز الكثير وإذا بك تصاب بشلل كامل...!!

لماذا هذا الإجراء...؟!!

لقد سمعنا منذ يوم 17\7\1990 بأن هناك مشكلة بين العراق والكويت، العراق يدّعي أن الحكومة الكويتية قد تطاولت على أراضيه وحقوقه النفطية، بل وسرقت نفطه، وأنها لم تساعده في حربه مع إيران منذ 1982، وهي الآن تطالبه بما قدمته إذ تعتبره دينا ولا بد من تسديد الديون.

وقال العراق بأن الكويت تقوم بتنفيذ مخطط إمبريالي لتحطيم الإقتصاد العراقي، وذلك بالإشتراك مع دولة الإمارات، وبأن الدولتين قد أغرقتا السوق بالنفط مما جعل سعر البرميل الواحد يتدنى إلى (11) دولار، ويُقال أن الكويت باعت برميل النفط بسبعة دولارات، وهي تنتج أكثر من حصتها المخصصة لها مما تسبب بزيادة العرض وهبوط الأسعار، وهذا الهبوط يؤذي إقتصاد الدول المصدرة للنفط.

ومنذ ذلك اليوم وقادة الدول العربية في تفاعل لتحجيم الأزمة وإيجاد حل يرضي الطرفين، وقد توهمنا بأن الرئيس المصري حسني مبارك بعد زيارته للبلدين قد توصل إلى خطوة متقدمة في مسيرة حلها، حيث إستطاع أن يقنع الأطراف بالإجتماع في جدة، وعلى مستوى نواب الرؤوساء.

وقد تم إرجاء الإجتماع ليومين، وحسب ما إدّعى العراق بأن الكويت هي السبب في ذلك، لكن الإجتماع حصل ليلة الخميس وبحضور الملك فهد بين سعد العبدالله وعزة إبراهيم، وقد ظهر من صور التلفاز أن سعد العبدالله قد تجاهل الأمور وضحك بإستخفاف غريب، وقد صرح سعدون حمادي الذي حضر الإجتماع بأن الجانب الكويتي لم يتفهم الموقف وتجاهل أمور الحوار، وإدّعى أن لا مشكلة بين الطرفين، وكل ما أثير هو محض إدّعاء، ولا يُعرف كيف لسعد العبدالله أن لا يعي حقيقة الطرف المقابل، ولم يستوعب الوعيد الواضح الصريح في خطاب 17\7\1990، إذ كان مباشرا، ولا يُعرف بأية قوة كان يتبجح، أ هي القوة الغربية أم الخليجية أم ماذا؟!!

ويُقال أنه تطاول بشدة ووقاحة على نائب رئيس الجمهورية،وتناقلت الأخبار ما تناقلته بهذا الخصوص، لكن لا يمكن إثبات صحة ما حصل إذ لم يصرّح بتفاصيل محضر الإجتماع أي من الأطراف.

وكانت مذكرة وزير خارجية العراق إلى الأمين العام للجامعة العربية واضحة جدا ودقيقة، وفيها أرقاما تؤكد مدى خسارة الكويت والعراق بسبب هذه السياسة الإقتصادية لحكومة الكويت.

يوم الخميس...لا أحد يدري سوى أن إنقلابا قد حصل في الكويت وهناك حكومة حرة مؤقتة، أذاعت البيان الأول الذي أوضحت فيه خطوط حركتها القادمة، وأشارت إلى أنها طلبت العون من العراق للحفاظ على الأمن وحماية الثورة من أي تدخل خارجي...!!

ما هو مصير الحكومة الكويتية؟

لا أحد يدري، لكن الأمر إتضح فيما بعد، بأنها قد هربت إلى السعودية في ذلك الليل البهيم؟!

مضى يوم الخميس ولا جديد سوى أن إنقلابا قد حصل والجيش العراقي دخل الكويت التي طلبت المساعدة، والعراق يساند هذه الحكومة، وبأن الكويت والعراق شعب واحد ومصير واحد...!!.

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي المرهجغريب هذا العراق، كُتب الكثير عنه بأنه أرض الخيرات، وأنه أرض السواد، بقصد أنها أرض خيرات، ولكن سوادها لا يبدو لي ولكل عراقي فقير أن في السواد من معنى غير خصب أرضه وكُثرة خُضرته.

وبقدر ما فيه من توصيف لحال العراقيين أيام إزدهار حينما توصف أرضه بأنها أرض السواد، فستجد أن فيه من فقر الحال وسواد أيامهم ما تحير في تفسيره العقول من فرط خرابه جيل بعد أجيال، وكأن هناك قدر إلهي قد كتب حاضرهم ورسم مُستقبلٌ لهم قريب، وربما بعيد: أن السواد هو لباس الفقراء، ومن يبتغون العيش في سواد يشهد له تاريخ التقتيل والتعذيب، مُذ قال الحجاج قولته الشهيرة "يا أهل العراق، وأهل الشقاق والنفاق، أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطاقها"، أو ربما سواده منذ دخل هولاكو بغداد فملئ نهر دجلة بدماء أهل بغداد فقيل أن لونه قد صار بلون الدم، وقيل أنه رمى مكتبات بغداد في نهر دجلة في الوقت ذاته، فاختلط لون الدم الأحمر بلون الحبر، ولأن آلاف من الكُتب قد رُميت في النهر، فقد طغى لون الحبر الأزرق القاني بلون لدم، فصار أشبه بلون السواد، وربما قبل ذلك حينما إسود وجه العراقيين حينما لم ينصروا الحُسين، وربما، وربما،.. وفي المُقابل أستطيع أن أضع لبغداد والعراق من مباهج التاريخ والتأثير والتغيير في مسار الإنسانية صحائفٌ وكُتب، ولكن يبدو لي أن السواد صار صفة لنا نحن العراقيون من فرط الظُلمة التي غشت على أبصارنا، أو من فرط (البغددة) التي رأسماليونا في عصرنا الذهبي التي غيبت بياض ما صنعه العراقيون، فقد ذكرت التواريخ أن هارون الرشيد كان ساعة مُخاطبته للغيمة بقوله "أينما تمطري فإن خراجك يعود إلي" كان نصف سُكان بغداد جياع، واليوم، ونحن نُصدر أكثر من أربعة ملايين برميل بسعر 65 دولار أكثر من نصف العراقيين جياع، فأي قدر أحمق الخُطى هذا الذي نسير على خُطاه نحن العراقيون.

فكُنَا أيام الحرب العراقية الإيرانية أطفالاً، ولكن الفقر لم يشأ أن يُغادرنا، فبعض منَا، أو كثير، كان أبوه جُندياً، راتبه لا يكفيه، ولم يكن أمام الأم سوى البحث عن فرص للعيش بكرامة، ومن فرص العيش، تشغيل أبنائها الصغار، فبعض منهم يستأجر عربة لنقل البضائع في السوق، وبعضهم يعمل في بيع أكياس، أو(كواغد) وهي أكياس من الورق تُضع فيها الفاكهة أو الخُضار، أو (علاليك) وهي أكياس من (النايلون) يضع فيها المُشترون الخُضرة أو الفاكهة، وهناك من يعمل في بيع (الأسكيمو)، وهي من إسمها مُشتقة من برد بلاد الأسكيمو (بلاد الثلج)، وهي خليط من مُطيبات صناعية بطعم الفواكه تُخلط ببعض من الماء والسكر لتوضع بأكياس، وبعد ذلك يتم تجميدها في (فريز) الثلاجة، وبعد تجميدها يحملها الطفل بـ (فلين) (عازل) لحفظها من الذوبان، ليبيعها في محطات البانزين أو في تقاطع الطُرقات، وإن أثبتت الأم صناعتها وإتقان خلطتها وتحسس المُشتري للذتها الفائقة، فهناك بعض من هؤلاء المُشترين يبحثون عن بيت البائع (الطفل) كي يستمروا بشرائها.

بعض الأمهات، كانت تصنع الشيرة، وهي مادة خليط من السُكر والماء طُعوم الفواكه، يتم (تفويرها) في إناء على نار هادئة، وحينما تصل إلى مرحلة (اللزوجة) تُصب بـ (صينية) مملوءة بالطحين، فيها فراغات على شكل دوائر، يُراقب الأطفال صبها كأقراص بألوان زاهية. ألوانها تخترق بجمالها ألوان الطيف الشمسي وتتجاوز تشكلاته. كل طفل ينتظر قرصه الذي يختاره بلون، وكل لون في أقراص (الشيرة) مُزده، وربما كل طفل يختار لونٌ له من الشيرة التي صنعتها أيادي أمهاتنا من حنينها الذي عجنته (شيرته) بطحين يرسم ألوان الطيف الشمسي ويخترق تعدده، ليصنع ألوناً لحياة أزهى وأحلى، فيها من قداح صبرهن وبنفسج جمال روحهن ورازقي طيبتهن ألوان محبة عراقية، لا أمل بزوج أت من براثن الحرب ورُكامها، إنما هي أقراص من (شيرة) لزجة في من بعض من بقيا الأمر في سُكرها، وطحينها الأسمر الذي تصنع به قرص الخُبز قبل أن تصنع منه قرص (الشيرة).

ولا أنسى، ولن تنسوا أن كثيراً من أمهاتنا قد قضين ليال يُنقعن الحُمص ويطبخنه على نار (الجولة) وهي آلة للطبخ وقودها النفط الأبيض بديل للطباخ الغاز ليكون "اللبلي"، وبعضهن يطبخن الباقلاء، بعد تنقيع، لنخرج نحن أطفال في الحرب العراقية ـ الإيرانية، بعد غياب الآباء، من الذين أكلته دوامة الحرب فقُتل دفاعاً عن أرضه أو عرضه، فه شهيد، ومنهم من لم يُعرف مصيره، فقُيَد بأنه فقيد، وآخرون عرفت أُسرهم بعد زمن أنهم أسرى، ولكن زوجات جميع هؤلاء وأولادهم وبناتهم، إنما هم يعيشون في الحياة، ولكن الأجدر أن يُسجلوا في أنهم من ذوي الإعاقة النفسية، ومن ضحايا الحرب التي خرج منها المُتحاربيَن، بُمعاهدة ينطبق عليها قول: (تيتي مثل ما رحتي إجيتي)، فلا مُنصر فيها، ولكن هناك خاسرين، إنهم الشعبين، العراقي والإيراني.

ورغم أن هناك بعض من أطفال الحرب، من صبروا وصبرت أمهاتهم قد حققوا بعض من نجاح، ولكن ماكنة الحرب لم تنته لا في نفوس النساء، ولا في نفوس الأسرى الذين عادوا، ولا في نفوس الأطفال الذين عانوا، ولا في نفوس المُعارضة الذين تسيدوا، ولا في نفوس من كانوا قادة في نظام الحُكم السابق، فما جنوا سوى الاجتثاث، ولم يشعر أولادهم بأنهم أبناء وطن، فالكل مُتحامل على الكُل، والكُل يتحمل الخراب الذي نحن فيه.

ومن كانوا أطفالاً يُعانون في زمن حرب القادسية، بعضهم أو كثير منه اليوم قادة، ولكنهم يتحملون مآسي كل العراقيين، لأنه لم يُتقنوا القيادة، وأتقنوا أسوء ما في الحُكم، وأنا وأنتم تعرفون أن من أمر مساوئ الحُكم هو فساد القيادة.  

 

د. علي المرهج

 

 

ضياء نافعالفرق بين عمري وعمره ربع قرن باكمله، فعندما كان د. ابراهيم الخزعلي في المدرسة الابتدائية كنت انا تدريسّيا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد، ولم نكن طبعا نعرف بعضنا، ولكننا التقينا في موسكو عام 2018، وكان اللقاء بالصدفة المحضة، ووجدنا اللغة المشتركة رأسا، فكلانا زملاء مهنة واحدة وهي الكتابة، وهكذا اكتشفنا اننا نعرف بعضنا البعض (عن بعد!) .

وها أنا ذا في شقته بموسكو، واتأمل باندهاش واعجاب وحب اللوحات الجميلة المعلقة على جدرانها . لم افهم رأسا لمن هذه اللوحات اول الامر، ولكني توقفت عند لوحة الفنان العظيم شارلي شابلن وهو يقف عند ذلك الجدار الاصم، الذي يعزله عن معالم المدينة الكبيرة والشاهقة، وهي لوحة رمزية جميلة وعميقة وواضحة المعاني، وبعد ان تأملتها بامعان واعجاب قلت له، ان هذه اللوحة الجميلة ليست غريبة عني، وانني شاهدتها في مكان – ما، ولكني – في زحمة الحياة وخضّمها وأحزانها - لا أذكر اين ومتى شاهدتها، فابتسم د. ابراهيم بتواضع وقال – انك شاهدتها على صفحات جريدتنا المشتركة والقريبة الى قلبينا، وهي – (المثقف)، اذ اني نشرتها هناك، وفجاة اكتشفت ان الطبيب والاديب والشاعر ابراهيم الخزعلي هو فنان تشكيلي ايضا يشار اليه بالبنان كما يقول التعبير العربي المشهور، وأخذت اتفحص اللوحات الاخرى، التي كانت تملأ جدران الشقة، وتوقفت طويلا عند لوحة تجسّد الشاعر الكبير بدر شاكر السياب والنهر ونخلة عراقية تنحني امامه، وكذلك توقفت طويلا عند لوحة المسجد الذهبي وتخطيطها الهندسي الدقيق والتناسق الهارموني فيها بين القبّة والمئذنة، وبدأت طبعا امطره بالاسئلة حول هذه اللوحات، وعلمت منه انه استلم عروضا كثيرة من اناس كانوا يرغبون بشراء هذه اللوحات، ولكنه لا يريد ذلك لأنها عزيزة على قلبه . وحكى لي كيف يحافظ عليها وهو يتنقل من مكان الى آخر، بل من بلد الى آخر . وهكذا بدأنا ندردش عن هوايته هذه، فحكى لي د. ابراهيم كيف بدأت رحلته مع الفن التشكيلي، وتذكر كيف كان يخطط بالقلم الرصاص وهو في المدرسة الابتدائية، وكيف انتبه معلم الرسم في الصف الخامس الابتدائي الى رسومه، وكيف دعاه الى غرفة المعلمين لعرض رسوماته عليهم، وكيف اعطوه قلم جاف ليرسم به امامهم، وكيف طلب منه معلم الرسم هذا ان يرسم له صورته، وان تلميذ الصف الخامس الابتدائي حقق فعلا طلب معلم الرسم ورسم بالقلم الرصاص بورتريت لمعلمه بعد ان استلم صورة فوتوغرافية من معلمه هذا.

ابراهيم الخزعلي

 

انتقلنا بالحديث طبعا عن الشعر، وقرأ لي الشاعر ابراهيم مقاطع جميلة من قصائده المنشورة هنا وهناك، وقال لي انه يتابع قصائدي المترجمة عن الروسية، وتحدثنا عن اعجابنا المشترك بقصائد الشاعر المبدع يحيى السماوي، وقلت له اني استلمت منه ديوانا ارسله بالبريد من استراليا مع اهداء يعد قصيدة بحد ذاته، فقام د. ابراهيم الى مكتبته وجاء بديوانين من دواوين يحيى السماوي، والتي ارسلها له بالبريد ايضا مع اهداء جميل يكاد ان يكون شعرا، وهكذاخرجنا باستنتاج مشترك، وهو ان السماوي شاعر بالشعر وبالنثر معا، وقد قلت لابراهيم باني كتبت مرة للسماوي في احدى اجاباتي على تعليقه حول احدى قصائدي المترجمة باني لا استطيع ان اجيبه بنفس المستوى لاني لا املك موهبته الشعرية التي يكتب بها نثره، فوافقني ابراهيم على ذلك .

واستمرت حواراتنا ونحن نشرب الشاي (ابو الهيل)، الذي أعده ابراهيم مع الملاحق اللذيذة، والتي طبخها هو نفسه بمهارة يحسد عليها، وقد سألته طبعا كيف استطاع ان يوفق بين مهارته بالطبخ وعمله كطبيب وكتابة الشعر وممارسة الفن التشكيلي، فضحك د. ابراهيم وقال، انها مدرسة الحياة العراقية الصعبة التي عاشها هو والآلاف من العراقيين منذ الحرب العبثية بين العراق وايران، والتي جعلته يعيش متخفيا في جبال كردستان العراق، وفي معسكرات اللاجئين في ايران وسوريا والعمل في شتى المجالات والمهن من اجل لقمة العيش، وفي بيوت الطلبة في الاتحاد السوفيتي اثناء الدراسة والصعوبات عند انهيار الاتحاد السوفيتي واصطدامه بالبيروقراطية الادارية، وعبر صعاب الحصول على وثائق رسمية للسكن والسفر اللاحق وصولا الى كندا، وها هو يقف الان على مشارف انهاء الدراسات العليا والحصول على شهادة التخصص في العلوم الطبية . قلت له وانا اودعه، ان قصة د. ابراهيم الخزعلي ومسيرته تصلح ان تتحول الى فلم سينمائي يسجل معاناة شعب العراق في العصر الحديث، وتاريخ العراق ، وصمود العراق، وانتصار العراق وخروجه من محنته، وتمنيت ان يكون العراق جميلا وعذبا مثل قصائد د. ابراهيم الخزعلي ورائعا ومدهشا مثل لوحاته الفنية المعلقة على جدران شقته...

151 irahimalkazali

أ. د. ضياء نافع

 

 

محمد فتحي عبدالعالعادة ما يكون لدي الطغاة هواية عالقة بنفوسهم هي التلذذ بالتعذيب والقتل وسلطاننا اليوم هو ما يمكن ان نصفه بأيقونة العصر المملوكي او الخلاصة التي يمكن أن نختتم بها اجزاء قصتنا مع هذا العهد المظلم من التاريخ المصري فقد كان يقتل ويقطع ويسلخ من المصريين من شاء وعلي مرأي ومسمع من الناس فقد كان يمارس هوايته في القتل دون هوادة وبفظاظة وقلب بارد في الطرقات مع من يلقيه حظه العاثر في طريقه ..

ان سلطاننا اليوم هو ابو السعادات او الناصر محمد بن الاشرف قايتباي ...كتيرون من مؤرخي عصره يلتمسون له العذر نظرا لنشأته المنغلقة وطبيعة والده القاسية في تنشأته فأبو السعادات الذي ولد في رحاب النيل لم يري النيل الا مرة واحدة طوال حياة أبيه وكان ذلك بوساطة الامير ازبك والذي تنسب اليه الازبكية حيث استضاف الابن وكانت المرة الاولي التي يري فيها النيل حيث كان والده الاشرف قايتباي دائم حبسه في القلعة كما كان يعاقبه دوما بالاكل مع الخدم وارتداء الثياب البالية ولا أجد سببا وجيها لهذه العلاقة المريضة بين اب وابنه .كما اني لا اجد ايضا في هذه القسوة مبررا لتحول الابن الي دراكولا عاشقا للدماء فيما بعد !!؟

كان قايتباي الاب علي فراش الموت يحاول اثناء مماليكه عن تولية ابنه ولكن دون جدوي فقد كانت مصالح مماليكه في استمرار عهده الميمون !!! علي يد ابنه المخبول فقد كان كل سلطان مملوكي يحيط نفسه بطاقم منتقي بعناية من الامراء الفاسدين يكونون طوع امره وفي هذه العصور البهية عرف المصريون قاعدة :فاسد مطيع اعرفه مقدم علي مصلح نزيه لا اعرفه ومن وقتها وعجلة الانتاج والابداع متوقفتين !!!وحينما يرحل السلطان يسارع الامراء الفاسدون الذين تربوا في كنفه الي تولية احد من اسرته حتي يستمروا في فسادهم وخشية ان يؤول الامر الي سلطان لا يعرفونه فيحاسبهم ويولي امراء فاسدين تابعين له وهكذا كانت لعبة الحكم في مصر تدور رحاها والشعب ما بين غائب ومغيب .

أخذ ابو السعادات منحي أخر في تعامله مع الامراء المماليك حوله وهو التجاهل والارتماء في احضان الغلمان الاشقياء من العامة والاوباش وممارسة هوايته في القتل وتقطيع الاجساد وكان له قدرة مبهرة علي خداع الناس وتقمص شخصيات عدة فتارة يتقمص دور بائع وتارة مراكبي وما أن تتكشف امام ضحيته حقيقة شخصيته كان ينتعش بنظرات الخوف والهلع في عيون ضحاياه ثم يحكم قبضته علي الضحية من العامة مكبلا اياه وكانت الوان العقاب شتي فأما ان تقطع اذن المسكين او يتم توسيطه بوضع الضحية علي حمار وقطعه بالسيف الي نصفين من الخصر لتتدلي احشائه ..وبالتالي أضحي لقاء ابو السعادات بأي مواطن مصري في الطريق من الحظ المشئوم لهذا المواطن المصري الذي ليس امامه من خيارات سوي التوسيط او في أهون الاحوال قطع الاذن والامر متروك لما يخطر ببال ابو السعادات من ألوان العذاب وياليت الامر يتوقف عند الموت او قطع الاذان بل تعدي الامر مع ابو السعادات الي انتهاك اعراض الناس دون وازع من ضمير فالويل كل الويل سيدي المواطن ان يكون لك زوجة جميلة فجمال زوجة احد التجار كان سببا في اقتحام منزله من ابو السعادات وتكبيل الزوج واغتصاب زوجته والامر كذلك بالنسبة لكي عزيزتي المواطنة المصرية فعدالة الموت واستباحة الاعراض عند ابو السعادات لا تعرف التفرقة بين رجل وامرأة ولا صبي وكبير فلا تستغربين عزيزتي ان يكون جمال جارية مصرية داعيا لابو السعادات لاغتصابها رغم توسلات امها له وتقبيل الارض من تحت قدميه ان يرحم ابنتها والتي سلخ جلدها بعد اغتصابها !!!

هل غضب الشعب المصري هل ثار وعرضه ينتهك واجزاء جسده النحيل تقطع وتتناثر؟ للاسف: لا ولكن هذه المشاهد المروعة دفعت الامراء المماليك الي محاولة الانقلاب علي ابو السعادات وتولية الامير قنصوة خمسمائه مكانه وهو ما حدث بالفعل وتولي قنصوة خمسمائه حكم مصر لثلاثة ايام فقط!!!

غير ان مصالح بعض الامراء المماليك في بقاء ابو السعادات قوضت الخطة فأصيب الامير قنصوه بسهم وتفرق انصاره وعاد ابو السعادات أقوي من ذي قبل ولقب نفسه بالناصر الاشرف وأصبح ذو اللقبين !!..

ولان عهد ابو السعادات حافلا بالسعادات من جميع الوجهات فقد انتشر الطاعون وفتك بالالاف من المصريين الا ان اللافت هو انتشار الزهري مما يعكس تردي السلوكيات الجنسية في المجتمع المصري والحقيقة ان الاكثر اثارة للدهشة هو انتقال رجال الدين للكتابة في الجنس !!!! فجلال الدين السيوطي صاحب التفسير الشهير والذي لا يخلو بيت مصر من تفسيره خط في هذا العصر عشرات الكتب الجنسية في فنون الجنس و الاوضاع الجنسية وليلة الدخلة !!! ومنها كتابه الشهير : نواضر الايك في فنون .... واعتذر للقاريء عن كتابة الكلمة النابية محل النقاط وكتاب اليواقيت الثمينة في صفات السمينة وكتاب شقائق الاترنج في رقائق الغنج وكتاب رشف الزلال من السحر الحلال وغيرها ...وقد حاول الكثير من المعاصرين ابعاد شبح هذه الكتب عن السيوطي واظهاره بمظهر البطولة حيث اعتزل ظلم معاصريه من السلاطين المماليك ولا اعلم من الدين ما يرجح كفة الاعتزال والتراخي علي كفة سلوك افضل الجهاد وهو كلمة حق لدي سلطان جائر ..

لقد كان ابو السعادات ظاهرة تستحق الدراسة اشترك في صنعها شعب يطيع حاكمه حتي ولو افتقد الحد الادني من المقومات العقلية ورجال دين غرسوا في نفوس الناس طاعة الحاكم ما نطق بالشهادتين واقام الصلاة وعليك الطاعة وان ضرب ظهرك واخذ مالك !!!! اما العدل فمنحة يمنحها الحاكم لرعيته ان شاء ويغفلها ان اراد وليست من شروط الولاية ...وحتي لا نغادر نقطة اقامة ابو السعادات للصلاة فلا يفوتنا ان نذكر قصة شديدة الطرافة لقذافي العهد المملوكي والذي شاء القدر ان يكون العيد في ليلة جمعة أي ان صلاتين سيقاما في يوم واحد هما صلاة العيد وصلاة الجمعة وهو ما يعني في ثقافة السلطان ابو السعادات نذير شئوم !!!!!!فقرر ان يجعل العيد في يوم سابق علي يوم الجمعة ولما رفض قاضي القضاة كان العزل هو الجزاء...

ان الظلم مناهض للعلم وماذا يصنع العلم في وطن ضائع!! وحال السيوطي وغيره هو حال المثقفين في اي عصر تزهق فيه الحريات وتجتث فيه معالم الكرامة فأما ان يتحول المثقف الي معاضد للسلطة فيغير جلده الي منافق وأما ان يغير سلعته فيتحول الي مسايرة موضة عصره او يختار اصعب السبل ويواجه الظلم والجهل فيفقد حياته ولكنه في المقابل يصنع التاريخ ..تاريخ حتي وان لم يره في حينه فأنه جذوته تبقي خامدة بين سطور مؤلفاته حتي اذا استيقظ الشعب ولاحت رايات الحرية خرجت صفحاته لتنير للاحرار الطريق ..

بقي ان نتحدث عن نهاية ابو السعادات حيث اجتمع الامراء المماليك علي قتله ليكون جزاءا وفاقا لما اقترفه وعظة وعبرة لمن يعتبر ...

 

د.محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

 

كاظم الموسويالحركة العمالية عشية ثورة 14 تموز/ يوليو - 1958

لم يكتف نوري السعيد بحجب شمس الحرية عن الشعب العراقي وتكبيله بحلف بغداد والمشاريع الاستعمارية التآمرية، وعزله عن محيطه العربي وحركة التحرر الوطني العربية، وتحويل العراق الى سجن كبير، وحسب، بل وجَّهَ سياسته ايضا لخدمة مصالح فئة قليلة من الاقطاعيين والرأسماليين الذين ارتبطوا معه اكثر من اي وقت آخر (1)، ولخدمة مصالح المستعمرين الاستغلالية، حيث «تبدد موارد الدولة في اغراض القمع والاستعدادات الحربية وفي سبيل الاثراء الشخصي غير المشروع. ان مجلس الاعمار مهيمن على نحو 70% من عوائد النفط، وقد خصص لمشروع السنوات الخمس 300 مليون دينار لبناء الطرق والجسور لخدمة الاغراض العسكرية لحلف السنتو، هذا عدا الملايين التي تبدد على التسلح باسعار باهضة ورواتب الخبراء الغربيين الباذخة والفروع المتعددة المنتشرة في طول البلاد وعرضها التابعة لمؤسسات النقطة الرابعة الامريكية» (2).

وبالرغم من توفر موارد كثيرة اقتصادية ومالية للعراق، إلا ان الشعب لم يجن منها شيئاً، حيث قدمت سياسة نوري السعيد هذه الخيرات الى المستعمرين. «تعترف الجرائد البريطانية ان 75% من حصة العراق من النفط يرجع ثانية الى بريطانيا، ومع ان هذا الرقم هو اقل من الحقيقة فانه يدل دلالة واضحة على ان الفائدة العظمى من حصة العراق من نفطه تعود الى الاستعمار». وإذا عرفنا ان «سياسة استثمار النفط العراقي رسمت بشكل يجعل حصة العراق من نفطه هي القاعدة الاساسية في ميزانيته ووضعه المالي»، وان المصارف البريطانية هي المتحكمة على العمليات المصرفية والائتمان التجاري ووجود العراق في الكتلة الاسترلينية لعرفنا مدى الضرر الذي لحق الاقتصاد العراقي، ولعل سعر الدينار ومركزه المتذبذب مؤشر على ذلك، حيث تضرر بعد تنزيل سعر الباون الاسترليني في ايلول/ سبتمبر 1949. كما ان هذه السياسة لا تتركز عند حد «وانما تتجه ايضاً للتأثير بصورة مباشرة على السياسة العراقية ايضا عن طريق اشراك الوزراء وكبار رجال الدولة في عملية النهب الواسعة المدى هذه واغرائهم بالرشوات والمشاركة الفعلية في ارباح الشركات، وكذلك عن طريق ربط الجهاز الحكومي بالاستعمار نتيجة الاتكال في جانب كبير من النشاط الحكومي على قروض مجلس الاعمار كما هو واضح الى تقوية الاقطاع وتثبيته عن طريق الاهتمام بمشاريع الري مع الابقاء على العلائق الاقطاعية وعلى الاستغلال الوحشي لملايين الفلاحين» (3).

هذه السياسة قادت الى تدهور كبير في الاقتصاد العراقي، صاحبها تسلط ديكتاتوري ضد الحركتين العمالية والوطنية عامة، إلا انها من جانب آخر دفعت الحركة العمالية والجماهير الشعبية الى التصدي لهذا التدهور الذي شمل جميع مناحي الحياة، والنهوض من جديد. كما دفع الوضع قوى من داخل مؤسسة الحكم الى المطالبة بالاصلاح والاشارة الى تردي الاحوال.

ونشطت الاحزاب السياسية بعد سبات، فقدم قادة حزبي الاستقلال والوطني الديمقراطي طلب اجازة حزب موحد باسم المؤتمر الوطني في 16/6/1956، مؤيدين من احزاب الحركة الوطنية. واستطاعت الحركة الشيوعية توحيد نفسها وعقد الكونفرنس الثاني في ايلول/ سبتمبر 1956. وتكوّن الحزب الديمقراطي الموحد لكردستان العراق، واستعاد حزب البعث العربي الاشتراكي نشاطه السياسي بعد ضربة عام 1955، وعقد مؤتمره القطري في حزيران/ يونيو 1956.

رافق هذا التطور في الحركة الوطنية تطورات مهمة على الصعيدين العربي والدولي، حيث تطورت الاحداث في صالح الشعوب بعد تسارع وتيرة انهيار النظام الاستعماري التقليدي، ونهوض شعوب آسيا وافريقيا في نضالها صوب التحرر والتقدم ومعاداة الامبريالية، واتساع حركة السلم والتحرر الوطني في البلدان العربية، خاصة في سوريا والاردن ومصر، التي بدورها عكست آثارها وتفاعلت مع حركة التحرر الوطني في العراق.

وقد فجَّر تأميم قناة السويس في مصر عوامل كامنة في نهوض حركة تضامن شعبي واسعة عربيا ودوليا. إذ جاء التاميم ضربة عنيفة لسياسة حلف بغداد، ونهاية للخطط الاستعمارية للسيطرة على الشرق الاوسط، وتشجيعا قويا لكافة الشعوب على التخلص من قبضة احتكار البترول العربي (4).

أيّد الاتحاد السوفيتي تأميم القناة واعتبره حقاً من حقوق الشعب المصري ودافع عنه في المحافل الدولية (5). بينما تكالب المستعمرون في التخطيط لتصفية هذا الحق الوطني.

كتبت جريدة «اتحاد الشعب»: «ان خطوة مصر الجريئة في تأميم شركة قناة السويس كانت ضربة صاعقة واحراجا لا للمستعمرين وحسب، بل وانما لنوري السعيد وجميع رهط العملاء ايضاً». واكدت في المقال الافتتاحي على ان الاتحاد الوطني هو السبيل الوحيد لاحباط مؤامرات الاستعمار وعملائه، وضرورة ابداء اليقظة الضرورية، وتقدير اهمية الاتحاد في جبهة وطنية متراصة لنصرة مصر وقضايا العرب. مشيرة الى نجاح الاضراب العام يوم 6 آب/ اغسطس في بغداد والموصل والحي والشامية والرمادي وغيرها من المدن، والذي جاء مصداقا لتاكيدات الحزب على اهمية الاتحاد الوطني في القضايا الوطنية، وشحذ الروح الكفاحية عند الجماهير الشعبية التي اظهرت مزيدا من التذمر والسخط على الدور المشين الذي لعبه نوري السعيد وحلف بغداد في القضايا العربية (6). وكان الاضراب بدعوة من لجنة الاحزاب الوطنية لنصرة مصر، التي تشكلت من الاحزاب العلنية والسرية وشخصيات ديمقراطية مستقلة، وكبادرة اولى لمؤتمر الشعب العربي الذي عقد في دمشق في ايلول/ سبتمبر 1956 لنفس الغرض، وحضره ممثلون عن الاحزاب العلنية في العراق. وحين خرجت الجماهير الى الشوارع حاملة الاعلام العربية وشعارات التضامن مع الشعب المصري قابلتها الشرطة بالرصاص واعتقلت في بغداد 20 مواطنا، وطوقت السفارة المصرية لمنع دخول وفود المتطوعين للدفاع عن مصر.

شكل مؤتمر الشعب العربي لجان اتصال في كل بلد عربي، وكان كامل الجادرجي عضوا في اللجنة القيادية للمؤتمر مع شخصيات سياسية اخرى.

تجمعت هذه العوامل الاقتصادية والسياسية لتشجع حركة احتجاج شعبي منذ بداية السنة. تبلورت في حركات جماهيرية ضمت فئات واسعة من الجماهير رفعت صوتها محتجة على «سياسة حلف بغداد التي الحقت افدح الضرر باقتصادنا الوطني، ... فقد زادت في بؤس الجماهير وشدّدت مصاعبها المعاشية. ففي ظل هذه السياسة المشؤومة زيدت الضرائب وارتفعت تكاليف العيش وتعمقت ازمة الكساد في السوق الوطنية، واغرقت البلاد بالكماليات واصبح الكسب المفرط للرأسمال الاجنبي في جميع ميادين اقتصادنا الوطني وحظيت اساليب الاستغلال الاقطاعي في الريف واستغلال الكادحين لدى الشركات الاجنبية بمزيد من الحماية والتاييد، هذه السياسة جرّت الى ميادين النضال اوسع الجماهير الشعبية بما في ذلك اصحاب المصالح من التجار والصناعيين والملاكين الوطنيين وغيرهم، سعيا وراء تطمين مصالحهم ولمناهضة السياسة الاستعمارية التي ينفذها نوري السعيد ورهطه» (7).

فقد تقدم التجار والمُلاك والعمال والفلاحون وغيرهم ومن جميع الالوية، من المدن الكبرى والقرى النائية، بمئات العرائض الى السلطات الحكومية مطالبين برفع الحيف عنهم وتخفيف كابوس التردي الاقتصادي ومراسيم الضرائب الجديدة (8). وتصاعدت في النصف الثاني من عام 1956 اساليب النضال الى شكل مذكرات وطنية واضرابات واسعة.

في 27/8/1956 قدم 4149 مواطنا من الفرات الاوسط مذكرة الى الملك طالبت السلطات بالانسحاب من «ميثاق حلف بغداد» واتخاذ مواقف صريحة الى جانب مصر واطلاق الحريات الديمقراطية والحقوق الدستورية وغيرها من المطاليب. ودعا الحزب الشيوعي الى مؤازرة موقعي المذكرة والنهوض معهم كتفاً الى كتفٍ في سبيل تحقيق هذه المطاليب.

واعلنت فئات واسعة في مدينة الموصل الاضراب الشامل من بداية ايلول 1956 بعد تفاقم احوالها الاقتصادية وتعثر مشاريع مجلس الاعمار في المدينة، وتزايد عدد العاطلين عن العمل، وزادت الضرائب الطين بلة، حيث اعلن القصابون وباعة الاغنام واصحاب الحوانيت والباعة واصحاب وسواق سيارات الاجرة والنقل وجماهير اقضية اللواء الاخرى الاضراب العام عن العمل. وطالبت جريدة اتحاد الشعب الى مساندة الاضراب جماهيريا، مؤكدة ان قضية جماهير الموصل هي قضية الشعب العراقي. فالضرائب الفاحشة فرضت على الجميع. ودعت الجريدة الى النضال لايقاف استهتار حكومة نوري السعيد بحق الشعب واستهانتها بمصالحه (9). وكان الاضراب منظما، قادته لجنة موحدة من ممثلي القطاعات التي اعلنته.

لم تستطع حكومة السعيد كسر الاضراب الجماهيري، فاصدرت مرسوما فرض حالة الطواريء على المدينة وساقت المئات الى المحاكم وسجن (نقرة السلمان) الصحراوي في جنوب غربي العراق.

وتظاهر خمسة آلاف شخص في تشييع جنازة الزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد في السليمانية يوم 9/10/1956 وطالبوا باطلاق سراح ابنه المعتقل الشيخ لطيف وهاجموا السجن ودار المتصرف والشرطة التي جابهتهم واستمرت التظاهرة طيلة النهار.

كان من اكبر الاضرابات في تلك الفترة، الاضراب العام في 28/10/1956 الذي دعت له لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي العربي، احتجاجا على اعتقال زعماء الثورة الجزائرية في فرنسا. وقد دعمت الاحزاب الوطنية في العراق هذه الدعوة واكدت في بياناتها على ضرورة الاضراب العام بدء من شروق الشمس والى غروبها. وقد نجح الاضراب رغم اجراءات السلطة لاحباطه، حيث اغلقت الاسواق والدكاكين والمخازن، وعطلت الدراسة في المعاهد والكليات والمدارس ورفع الطلاب في مدارسهم شعارات ضد الاستعمار والارهاب، ودعوا الى اطلاق سراح قادة الثورة والتضامن مع الشعب الجزائري والشعوب العربية المناضلة ضد الامبريالية ومن اجل التخلص من الاستعمار والحكومات الرجعية.

ظهر خلال الاضراب تعاون بين الاحزاب السياسية العراقية وتنسيق وطني كان مقدمة لتعاون لاحق في الحدث التاريخي الذي سماه بيان للحزب الشيوعي بالتمرين الاخير للثورة.

اسهم الحزب الشيوعي والحركة العمالية في هذه الاحداث والفعاليات الجماهيرية بشكل كبير. برز اكثر وضوحا في الانتفاضة الشعبية الواسعة التي اندلعت في العراق اثر العدوان الثلاثي الاسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر في 29/10/1956.

هذه الانتفاضة حدث تاريخي كبير هزَّ نظام نوري السعيد وحكمه الذي فرض الاحكام العرفية فوراً كاسلوب متميّز به لقمع ارادة الشعب واستمرار نهب ثرواته. عبّر نوري السعيد عن صدمته للسفير الامريكي بانه حائر كيف سيعالج الشعور القوي المتزايد ضد بريطانيا (10).

اندلعت الاضرابات والتظاهرات في بغداد ومدن أخرى بعد ان انفجر الوضع السياسي في العراق يومي 2 و 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956 واستشهد عدد من المتظاهرين. وكانت تظاهرات بغداد تصطدم بالشرطة كل مرة، وما ان تنطلق حتى تتوسع بانضمام جماهير من الطلاب وعدد كبير من العمال وغيرهم. وكانت الهتافات تدعو الى اسقاط نوري السعيد وميثاق بغداد وقطع النفط عن الدول الاستعمارية، وتشيد بحياة مصر والرئيس جمال عبد الناصر.

دفع النهوض الجماهيري وشدة قمع الحكومة له الاحزاب السياسية الى اللقاء مع الحزب الشيوعي وتدارس الموقف معه ووضع خطط مجابهة التطورات المحتملة واتخاذ قرار تشكيل «قيادة ميدان» مشتركة لقيادة المظاهرات الجماهيرية. وبعد اعتقال قيادة الميدان في اول اجتماع لها قاد الانتفاضة ممثلو الاحزاب انفسهم الذين التقوا لهذا الغرض. وادى هذا الى اعتقال بعضهم وتلكأ بعض آخر في تلك الظروف الدقيقة. ومع ذلك فقد قامت 200 تظاهرة في 30 مدينة، ودامت اضرابات جماهيرية على نطاق البلاد اكثر من شهرين، اغلقت فيها الكليات والمدارس، رغم الاحكام العرفية.

شارك الشيوعيون في كل المظاهرات والاعتصامات التي جرت. وكانت شعارات الانتفاضة تؤكد على الخروج من حلف بغداد وقطع النفط عن الدول الاستعمارية المعتدية وسحب الارصدة واسقاط حكومة نوري السعيد. واصدر الحزب الشيوعي عشرات الالاف من اعداد جريدته اتحاد الشعب والبيانات والنداءات التحريكية (11)، كما فعلت الاحزاب الاخرى مع مطبوعاتها ايضا.

اثناء الانتفاضة تشكلت لجنة من الاحزاب السياسية باسم «لجنة نصرة مصر والعروبة». وكانت تظاهرات المدن الاخرى خارج العاصمة، خاصة النجف والحي والموصل، وما واجهته من عنف رجعي واستشهاد اعداد من المتظاهرين فيها، محفزا كبيرا لاستمرار الانتفاضة وشمولها البلاد. وتواصل التضامن مع الشعب المصري رغم توقف القتال، وقد زجّ الجيش في قمع انتفاضات المدن، وتحركت فئات اجتماعية مختلفة واحتجت باشكال متنوعة ضد اساليب الحكم في تصفية الانتفاضة الشعبية (12).

اصدرت لجنة نصرة مصر والعروبة نداءا في 28/11/1956 دعت فيه الى الاضراب حتى سقوط وزارة نوري السعيد، وتأليف حكومة وطنية تقوم بمعاقبة الخونة وسفاكي دماء الشعب واطلاق سراح ضحايا النضال الوطني والانسحاب من حلف بغداد وقطع العلاقات مع بريطانيا، والتضامن مع الشعوب والحكومات العربية المناضلة وايقاف ضخ النفط الى المستعمرين وضمان حقوق الشعب واطلاق الحريات الديمقراطية ورفع الضرائب السعيدية.

استمرت الاحكام العرفية وحالة الطواريء حتى 28/5/1957 وبعدها استقال نوري السعيد في 8/6/1957 منهياً اطول فترة حكم رئيس وزراء في العراق، تخللتها احداث سياسية خطيرة في تاريخ العراق السياسي المعاصر. لعب السعيد فيها دورا خطيرا وبارزا، في شخصه وارتباطاته الخارجية، وكان معروفا ان معظم وزرائه من الامعات والمنفذين لاوامره وكذلك اغلبية النواب والاعيان (13).

ورغم ان الانتفاضة لم تسحب الحركة العمالية الى المساهمة الفعالة فيها لاسباب ذاتية تتعلق بادراك قياداتها وموضوعية مرتبطة بقسوة الهجمة عليها، إلا إن اعداداً غير قليلة من العمال قد اشتركوا في تظاهراتها واضراباتها الجماهيرية في بغداد وبقية المدن التي شملتها شرارتها.

فقد قام عمال منطقة باب الشيخ في بغداد بمظاهرة كبيرة اصطدمت مع الشرطة قرب منطقة باب المعظم. واستشهد فيها المناضل الشيوعي عواد رضا الصفار، اول شهيد في الانتفاضة.

كما استشهد العامل النقابي محمد سلمان في 5/12/ 1956 بعد ان جرح في تضاهرة 13/11/1956 في جانب الكرخ. وقد بينت دماء الشهداء طبيعة العنف الذي مارسته السلطات، واضطرت الجماهير الى مقاومته بالعنف ايضا. وكان الحزب الشيوعي قد دعا ابان الانتفاضة الى تطوير اساليب النضال ورفع درجاتها بما يلائم مواجهة اساليب العنف والقمع التي شرعت الحكومة في استخدامها بلاهوادة ودون تردد. وحسم الحزب الشيوعي موقفه من الطابع الغالب للنضال في تلك الاحداث واستفادته منها بتعديل ما اورده في برنامجه في الكونفرنس الثاني حول الطابع السلمي الغالب بالطابع العنفي الغالب لمواجهة عنف الرجعية والاستعمار(14). وهذا الموقف الجديد للحزب أكد ما اشرنا له من قصور في البنى المعرفية للقيادات واعتمادها على غيرها في تشخيص الواقع العراقي، والركون اليها دون تمحص واستناد لمتغيرات الواقع وغناه.

كتبت صحافة الحزب الشيوعي عن الانتفاضة، واعتبرت انتفاضة اهالي مدينة الحي المسلحة نموذجا لبطولات شعب صمم على الانتصار (15).

وفي دراسته للانتفاضة التي قمعت بقسوة اكد الحزب الشيوعي على ان «الحركة الوطنية بما فيها حزبنا لم تكن على درجة كافية من القوة التنظيمية والكفاءة العالية بحيث تستطيع ان تعبيء اوسع الجماهير الراغبة في تغيير الاوضاع وتزجها في المعركة». ورغم مساهمتها حسب امكاناتها فان الاحزاب السياسية لم تدخل المعركة وفق خطة موحدة واضحة، و«السبب يعود الى بعض الاحزاب الوطنية في مسألة التعاون والعمل المشترك...». واشار الحزب الشيوعي الى ان الانتفاضة لم تجر الشعب الكردي الى المساهمة الفعالة، وكذلك الفلاحين ولم توسع نشاطها في الجيش الذي استخدم في قمعها.

وانتهى الحزب الى ان الانتفاضة لم تحقق هدفها الرئيسي إلا انها ادت الى نتائج ايجابية وقدمت دروسا كثيرة ومهمة للحركة الوطنية وبددت المفاهيم التي كانت تعرقل وحدة القوى الوطنية وثقفت الاحزاب الوطنية جميعها، بما فيها الحزب الشيوعي، وجماهيرها باهمية الوحدة وتطوير اساليب النضال. وكشفت النواقص والاخطاء والامكانات الهائلة لدى الجماهير التي لم تستنفد في محاربة الاستعمار كالنفط والارصدة، وعززت شعور التضامن الكفاحي ووحدة المصير بين حركة التحرر الوطني في العراق والشعوب العربية. وقدمت الانتفاضة صورة حية لحقيقة الاهداف العدوانية ومخاطرها، رافعة من وعي الجماهير وجاذبة لاوساط جديدة الى ميدان النضال الوطني، كما عززت امكانات الحركة الوطنية العراقية والتضامن معها واسنادها في نضالها التحرري (16).

بعد ان شخّص الحزب الشيوعي العراقي نواقصه، من خلال تقييمه للانتفاضة، في ضعف اسهام الطبقة العاملة والفلاحين والجيش والشعب الكردي بشكل فعال فيها وعدم تعبئة هذه القطاعات الاجتماعية والشعبية وقيادة حركاتها وتوجيهها لتكون القوة المحركة للانتفاضة وللعملية الثورية في العراق، وجّه نشاطه بشكل مكثف لها من اجل كسبها وتحريكها. ونتيجة لذلك تقدمت المنظمات العمالية للحزب في بغداد خطوات جيدة في هذا الاتجاه، ففي منهاجها للاشهر الثلاثة الاولى المنتهية في حزيران 1957 ارتفعت عضويتها بين العمال الى 218% عما كانت عليه في شباط من العام نفسه، وارتفع توزيع الجريدة الحزبية بين العمال الى نسبة 170% وارتفعت نسبة العمال في منظمة بغداد والكاظمية الى 30% وفي كركوك الى 46% ونسبة العمال والفلاحين ارتفعت في منظمة الحلة الى 45%، كما ارتفعت في مدن اخرى (17).

اشارت هذه الارقام والنسب الى استفادة الحزب الشيوعي من نواقصه قبل الانتفاضة وتمكنه من ابتكار اساليب جديدة في العمل الجماهيري والتنظيم الحزبي، وقدرته على التجدد بعد انتقاده الذاتي البناء لعمله السابق. ودل نشاطه الجديد بين صفوف العمال والفلاحين وتطور هذا العمل نوعيا وكميا، بعد الانتفاضة خاصة، الى امكاناته في تحضير جيش سياسي للتغيير الثوري. خاصة بعد تحليله الملموس للواقع ووضعه الحلول الملموسة لقضاياه المتشابكة والمهمة.

وانعطف الحزب الشيوعي انعطافا جدياً اكثر من اي وقت مضى نحو العمل بين صفوف الجيش والتجمعات التي تشكلت بين منتسبيه، لقناعته بان اي تغيير جذري في العراق لايمكن دون استعمال العنف والقوة المسلحة. وقد نبهت الانتفاضة الحزب، اكثر من السابق، الى ضرورة تطوير اساليب الكفاح ومساندة الحركة التحررية العربية، فكوّن مجموعات صغيرة للمقاومة الشعبية اواخر 1956 للقيام باعمال مقاومة مسلحة وتفجيرات محاولةً منه في عرقلة السياسة الاستعمارية في العراق وسورية عقب فشل العدوان الثلاثي على مصر، مع اهتمام الحزب الكبير في نشر الوعي الوطني والتنظيم الحزبي في صفوف الجيش (18). وعمل الحزب على اعلان قيام «اللجنة الوطنية لاتحاد الجنود والضباط» باشراف مباشر من قيادة الحزب. اصدرت صحيفة بعنوان «حرية الوطن» في اوائل كانون الاول/ ديسمبر 1954، ونشرت اول بيان لها بتاريخ 30 /1/1955 حثت فيه منتسبي الجيش للتلاحم مع ابناء الشعب كتفا الى كتف ضد الاستعمار وخونة الوطن (19).

ومن بين اهتمام الحزب بالجيش ما اكده في كونفرنسه الثاني 1956 على انتشار الوعي الوطني في صفوفه واهمية دور القوات المسلحة الوطنية في الثورة الوطنية. وقد تمت اتصالات مباشرة بين قيادة الحزب الشيوعي ولجنته الوطنية لاتحاد الجنود والضباط مع مجموعات الضباط الاحرار ومع الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، قبل انتخابه رئيسا للجنة العليا لمنظمة الضباط الاحرار وبعد ذلك. وكانت هذه الاتصالات تتم عبر رشيد مطلق ووصفي طاهر المعروفين بعلاقتهما بالحزب الشيوعي. وكان قاسم والضباط الاحرار يسمون الحزب الشيوعي في اتصالاتهم بكلمة شفرة سرية هي «العمّالة»، وهي المفردة العامية التي تعني العمال. وطلبوا من الحزب مساندتهم في تحقيق برنامجهم (20) ومن اجل كسب تأييد الاتحاد السوفيتي والصين، ايضا. وعبر خلق اوضاع ملائمة من خلال التظاهر والاعتصام لتضطر الحكومة الى زج الجيش في محاولات القمع، وحينها يتسنى للجيش الانقضاض على الحكم الجائر، الذي خططوا لتغييره وتخليص الشعب من تعسفه.

لم تكتب اللجنة العليا لمنظمة الضباط الاحرار برنامجا او بيانا لمشروعها ولكنها كانت تبحث في اجتماعاتها مواضيع مركزة حول الغاء النظام الملكي واقامة النظام الجمهوري وسياسة واهداف الثورة بعد نجاحها، عبرت عن وعي وتلوّن انتماءات اعضائها. وكانت اللجنة العليا قد شكلت اواخر عام 1956، بداية عام 1957 و"انتخبت" الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رئيسا لها حسب الرتبة والاقدمية العسكرية، واغلبية الاعضاء من العرب قوميا والمسلمين السنة دينيا وطائفيا، ومن فئات اجتماعية متوسطة وبرجوازية صغيرة طبقيا، ومن مواليد وسكنة مدن صغيرة من جوار العاصمة بغداد وخارجها(21).

ونتيجة للتركيب الطبقي والطائفي للجنة العليا طرحت من ضمن مبادئها عدم التحييز لاي حزب سياسي، معتبرة التنظيم العسكري فوق الميول والاتجاهات السياسية، إلا ان معظمهم لم يكونوا دون مواقف او ميول او انتماءات سياسية.

وسجّل للحزب الشيوعي دوره في قيام التشكيلات القيادية والتوحيدية للجهود الوطنية، التي اثمرت في المجال السياسي الوطني عن تاسيس جبهة الاتحاد الوطني اذار/ مارس عام 1957.

جبهة الاتحاد الوطني

اعلنت اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني في بيانها الاول الذي نشر في آذار 1957 اهدافها. وضمت صفوفها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاستقلال ومستقلين ديمقراطيين، وارتبط الحزب الشيوعي باتفاق ثنائي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد ان رفضت القوى القومية العربية انضمامه اليها، وهذا عكس موقفا يمينيا أضر بالعمل الوطني العراقي في الفترات اللاحقة.

استفادت هذه الاحزاب من دروس انتفاضة عام 1956 وتطور الاحداث السياسية في العراق والمنطقة العربية بعد العدوان الثلاثي الاستعماري على مصر وما اعقبه من سخط جماهيري وقمع بوليسي واحتجاج شعبي واسع. واقتنعت هذه الاحزاب بان «مهمة تحرير الوطن لايمكن ان ينهض بها حزب بمفرده او جماعة لوحدها او فرد ... مهما أوتي ذلك الحزب من اسباب القوة والمنعة، او تلك الجماعة من بسالة وحسن تنظيم، ومهما أوتي الفرد من بطولة خارقة. بل ان جميع الوطنيين المتحدين يداً واحدة وقلباً واحدا هم القادرون فقط على انجاز هذه المهمة الضخمة. ولا يمكن جمع هؤلاء الوطنيين على صعيد واحد إلا عن طريق الجبهة الوطنية الموحدة» (22).

ورغم ان جبهة الاتحاد الوطني كانت نتيجة تلك الاحداث والدروس «لكنها لم تكن حدثا منعزلا عن التاريخ الذي سبق ذلك ومارافقه من التنسيق والتعاون بين الاحزاب الوطنية في المواقف الخطيرة المهمة بالرغم ماكان يتخلل ذلك من بعض الاختلافات الطارئة في مواضيع جانبية» (23).

لقد حددت الجبهة اهدافها ومطاليبها في بيانها الاول بما يلي:

1- تنحية وزارة نوري السعيد وحل المجلس النيابي.

2- الخروج من حلف بغداد وتوجيه سياسة العراق مع سياسة البلدان العربية المتحررة.

3- مقاومة التدخل الاجنبي بشتى اشكاله ومصادرة وانتهاج سياسة عربية مستقلة اساها الحياد الايجابي.

4- اطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية.

5- إلغاء الادارة العرفية واطلاق سراح السجناء والمعتقلين والموقوفين السياسيين واعادة المدرسين والموظفين والمستخدمين والطلاب المفصولين لاسباب سياسية.

كانت الاهداف الخمسة مؤشر بداية وقاسما مشتركا بين القوى السياسية التي وقّعت عليها، وهي كما يلاحظ لم تحدد موقف الجبهة من المشاكل الداخلية الحيوية التي تتعلق بحياة الجماهير الشعبية الواسعة، العمال والفلاحين وسائر الكادحين، وما يخص الاقتصاد الوطني المتدهور والمشاكل الاجتماعية الاخرى، وخاصة الموقف من الحركة العمالية ومساندتها واقرار حقوقها المشروعة ودورها الريادي. وقد انعكس هذا الموقف ليس في البيان الاول للجبهة، وانما في البيانات الاخرى، وفي حوارات العمل التنظيمي للجبهة، إلا ان الجبهة وبمبادرات الحزب الشيوعي ونضال الحركة العمالية والتدهور المريع في الاقتصاد العراقي عالجت هذه الاوضاع بشكل حذر في البيانات اللاحقة. ففي بيان الجبهة المؤرخ في الاول من كانون الاول/ ديسمبر 1957 جددت الجبهة بمطالبتها بضرورة تحقيق الاستقرار الداخلي والتحرر الخارجي ودعت الشعب من اجل تحقيق الاهداف التالية:

«1- عودة الحياة الحزبية والنقابية واطلاق حرية الصحافة والنشر والاجتماع وكل اشكال الحريات الديمقراطية.

2- حل المجلس النيابي القائم واجراءات انتخابات جديدة.

3- اطلاق سراح السجناء المعتقلين الساسيين.

4- منع اتخاذ العراق قاعدة للتآمر على الاقطار العربية المتحررة وخاصة سوريا.

5- اقامة علاقات دولية على اساس من احترام السادة والاستقلال وتبادل المنافع دون قيود.

6- حماية الاقتصاد الوطني من الاحتكارات الاستعمارية».

وكانت الجبهة في مجمل عملها السابق تشخص الحلقة الرئيسية في سلسلة الاهداف الوطنية والديمقراطية، وهي التحرر من الاستعمار وتحقيق الحريات الديمقراطية (24).

واعتبر التركيب التنظيمي لجبهة الاتحاد الوطني تعبيرا عن تزايد بأس الحركة العمالية والوطنية واحزابها عموما وتوطد مواقعها التنظيمية والسياسية في المجتمع العراقي، سواء منها الاحزاب العلنية او السرية. وقامت الجبهة بنشاطات واسعة في سبيل تعبئة الشعب وتحضيره للتحولات الثورية، ونجحت في الارتباط بمنظمة الضباط الاحرار، محققة بذلك ربط القوة العسكرية بالحركة السياسية الوطنية، ومنظمة العامل الذاتي الحاسم للقيام بالثورة.

بالتاكيد سعت الحكومة واجهزتها واسيادها الى متابعة جبهة الاتحاد الوطني ونشاطاتها والعمل على شلها وضرب وحدتها، ولكنها فشلت في تصفيتها لقوة اقتناع الاطراف السياسية بضرورة التلاحم والعمل المشترك لاجل التغيير الوطني، اضافة الى التطورات السياسية التي فرضت نفسها محليا وعربيا ودوليا.

وكانت الحركة العمالية من انشط القوى العاملة والمساندة للجبهة، وبدعم الحزب الشيوعي وتوجيهاته تمكنت الحركة العمالية مواصلة نشاطاتها ونضالاتها المطلبية والوطنية، على حد سواء.

فقد استخدمت سلاح الاضراب من اجل زيادة الاجور وتطبيق قانون العمل وتحسين ظروف العمل والمعيشة. حيث اضرب مثلا 450 عاملا فنيا في معمل نسيج الوصي في 24/3/1957، وعمال الكونكريت في شركة المنصور التي تقوم بانشاء معمل السمنت في مدينة السماوة ، وعدد عمالها 700 عامل (25).

واضرب العمال الزراعيون في المزارع الحكومية النموذجية في حقول ابوغريب يوم 20/4/1957، فاعتقل اربعون منهم بعد قمعهم وتحطيم الاضراب بالقوة (26). وكان هذا الاضراب الاول من نوعه في هذا القطاع، لما كان يجري من خرق صارخ لقانون العمل في حق العمال. في مجال الاجور مثلا تراوحت اجور العمال الذكور بين 120- 160 فلسا، والعاملات بين 90 – 130 فلسا بينما نص قانون العمل على ان الحد الادنى للاجور في هذا القطاع هو 250 فلسا. وحُرِم العمال الزراعيون من الاجازات الاعتيادية والمرضية وساعات العمل القانوني، وكانوا يعملون بما لايقل عن عشر ساعات يوميا مع تعرضهم الدائم لغرامات مرهقة.

اضرب 600 عامل في شركة نسيج الوصي مرة اخرى في 8/5/1957 ليوم كامل معتصمين ببناية المعمل عندما أُنقصت اجورهم الى النصف تقريبا رغم الارباح التي حققتها الشركة من جهودهم، وفي اليوم الثاني قمعت الشرطة الاضراب وفصل 30 عاملا. ولم تثمر جهود الوفد العمالي مع مدير الشركة الانجليزي ولم ينجح العمال في احرازحقوقهم التي اضربوا من اجلها. كما اضرب عمال البلوكات في شركة زبلن في تكريت. واضرب عمال طابوق معمل عبد الحميد عريم في مدينة الرمادي، وبدل اجابة مطالبهم فصلوا جميعا وعُيّن بدلاً عنهم خريجو الدورات الفنية بأجور وشروط لاتقل تعاسة عن احوالهم (27).

وحصل 65 عاملا من عمال مكافحة الملاريا في اربيل على زيادة اجورهم بعد اعلانهم الاضراب، كما اعلن عمال شركة «كيوبتزريما» التي تقوم ببناء ثكنات الجيش في مدينتي المحاويل والحلة، الاضراب في منتصف شهر حزيران، ليوم واحد وحققوا مطلب زيادة اجورهم بـ 100 فلس يوميا لكل عامل (28).

لقد حقق العمال في العديد من الاضرابات السابقة مطلب زيادة الاجور فقط، بينما لم يفلحوا في غيرها من المطاليب التي رفعوها في اضراباتهم كتحسين ظروف العمل وتحديد ساعات العمل. ورغم ان زيادة الاجور مطلب مهم بالنسبة للعمال في معيشتهم وفي ظل الازمة الاقتصادية وغلاء السلع وارتفاع الاسعار، الا ان حياة العمال ارهقتها شروط العمل الصعبة واضطهاد اصحاب العمل، خاصة مدراء العمل الاجانب الذين لايهمهم سوى الارباح واستغلال قوة العمال وحاجتهم.

لم تخل جريدة اتحاد الشعب - لسان حال الحزب الشيوعي العراقي، من اخبار الطبقة العاملة العراقية ونضالاتها ومتابعة اوضاعها. ففي عدد ايلول كتبت عن اوضاع العمال في شركة «هوكتيف» الالمانية، وخرق الشركة لكل حقوق العمال وعن اضراب عمال الحفر فيها، وكيفية قمعه بالقوة واجراءات الفصل عن العمل بعده. وعلقت الجريدة: «ان كل هذه الوقائع تدحض ادعاءات الحكومة بان العمال والشعب يعيشون حياة رافهة وانها تعمل لتلبية مطاليبهم، وان العمال يدركون ان اتحادهم في الكفاح من اجل حقوقهم هو الطريق المضمون لنيل حقوقهم المشروعة ولايقاف استهتار الشركات الاجنبية وكلب حراسة مصالح الحكومة عند حده».

وتحت باب رسائل العمال سجلت اتحاد الشعب تفنن شركة النفط العراقية في اضطهاد العمال، مؤكدة على ان «كل واحد يعرف ان شركات النفط الاستعمارية وفي مقدمتها شركة النفط العراقية تلعب الدور الرئيس المحرك في استخدام الحكام العراقيين الخونة لقمع الحركة الوطنية التحررية وفي تصفية الحركة النقابية وفي اضطهاد العمال». وفضحت اعمال الشركة المعادية للعمال واساليبها البشعة في الاستغلال والاضطهاد. معلقة على ذلك: «ان هذا الوضع الرهيب قد قوّى لدى العمال الشعور بضرورة تنظيم انفسهم نقابيا لانهم لمسوا بتجربتهم الذاتية ان عدم وجود تنظيم يجمع شملهم ويدافع عن حقوقهم ويقود كفاحهم الوحيد لاجبار الشركة على تحقيق مطالبهم المشروعة هو السبب الرئيسي لاستهتار الشركة واضطهادها».

كما نشرت اخبار العمال الاخرى في شركة النفط والسكك الحديدية وامكنة اخرى (29). وبعنوان «اضراب عمالي في السكك» نشرت اتحاد الشعب في عدد تشرين الثاني 1957 قصة الاضراب الذي حقق مطالبيه في نفس اليوم. وقد كرس العدد للاحتفال بالذكرى الاربعين لثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى. مؤكدة ان ذكرى الثورة يبعث املاً عظيماً بانتصار الشعوب وثقة لامتناهية بنصرة وصداقة الاتحاد السوفيتي الجبار، وتلهم «نحن الشيوعيين اكثر وتعلمنا، كما علمتنا دوما، بان الامانة التامة لمباديء الماركسية اللينينية، والاسترشاد المستمر بافكار ثورة اكتوبر، طريقنا الاوحد الذي يجب ان يسير فيه حزبنا الشيوعي العراقي لكي يكون قادراً على اداء رسالته التاريخية في خدمة قضية الطبقة العاملة وشعبنا العراقي، وقضية العرب اجمعين».

ودعا الحزب الشيوعي في جريدته الى تفهم الوضع السياسي القائم بصورة ادق واعمق. مشيراً الى:

«ان امام حركتنا الوطنية في العراق مهاما جدية وملحة في هذه الظروف التي تكتنف بلادنا والامة العربية، ونحن لانشك بان حركتنا الوطنية جديرة بتولي هذه المهمات وقادرة على انجازها، خاصة بعد ان وحدت اهدافها وجمعت قواها ومواقعها وهي اكثر تصميما من ذي قبل على مواصلة النضال لتحرير العراق والحاقه بموكب العروبة .... والجميع يناضلون من اجل الاهداف النبيلة تحت راية واحدة هي راية جبهة الاتحاد الوطني» (30).

وعلى صعيد العلاقات العربية والدولية ساهم العمال العراقيون في تأسيس اتحاد العمال العرب عام 1956، وفي المؤتمر العالمي للعمال في شهر ايلول/ سبتمبر 1957، الذي اتخذ قرارات تضامنية مع الطبقة العاملة العراقية وحركة التحرر الوطني العربية (31).

بعد تراكم هذه الخبر والنشاطات، اصدر الحزب الشيوعي العراقي كراسا بعنوان «من اجل تنشيط حركة عمالية نقابية» اواخر عام 1957، تدارس فيه وضع الحركة العمالية ودعا الى تنشيطها وتوسيع نضالاتها المطلبية والسياسية. ملاحظا من تجربة الانتفاضة الشعبية لعام 1956 عدم الاستفادة من النهوض السياسي لتنشيط النضال النقابي والاقتصادي وتعزيز هذا النضال السياسي بالنضال النقابي، من خلال الجمع الصحيح بين اساليب النضال.

يُرجع الكراس اسباب التقصير الى «الاخطاء المتطرفة التي حصلت في الحركة النقابية». وكان عدد من النقابيين الذين لم تكن لهم خبرة حزبية جيدة في عمل الحزب القيادي قد طالبوا: «بعدم تدخل الحزب في شؤون الحركة النقابية»، ولكنهم لم يقوموا بانشاء حركة نقابية ولم تكن في البلاد نقابات شرعية. وازاء هذه الآراء اكد الحزب في كراسه على اهمية دور الشيوعيين، الذي بدونه لايمكن ان تقام في الظرف الراهن حركة نقابية حقيقية في العراق، وانتقد اصحاب هذه الاراء التي تهدف الى عزل التاثير الواعي للحزب في الحركة العمالية وتسليم زمامها للعناصر الاصلاحية النقابية.

وعالج الحزب مفهوما خاطئا اخر يقول: «بعدم ضرورة أو امكانية قيام نشاط نقابي في ظل انعدام الحريات الديمقراطية». واكد ان هذا المفهوم يشيع الاستسلامية ويهمل المطاليب الحيوية اليومية للطبقة العاملة.

استخلص الحزب درسا بليغا من تجربته في الحركة النقابية لُخِص في ان «من الواجب عدم تحميل الحركة النقابية واجبات هي ليست في الظروف المعينة من صميم واجباتها واكثرها الحاحا. فالسياسة المتطرفة مثلا، وخصوصا قبيل انتفاضة تشرين 1952، لم تساعد النقابات في تقوية جماهيريتها، بل عزلتها عن الغالبية الساحقة من جماهير العمال... وان ابداء الكفاءة في اسلوب ربط العمل السري بالعلني هو شرط ضروري لضمان سير صائب ومثمر للحركة النقابية. وتعلمنا قبل كل شيء بان الاتجاه في الحركة النقابية وفق سياسة صائبة هو شرط ضروري لاغنى عنه مطلقا من اجل دحر الانتهازية وضمان وحدة الحركة العمالية النقابية، وتعلمنا بانه لا المشاريع والاوهام الخيالية بل العمل الجدي الصبور لدراسة مشاكل الطبقة العاملة في مختلف المؤسسات والمهن، والاهتمام بتعبئة الجماهير العمالية والنضال من اجل تحقيق هذه المطالب هو الشرط الاساسي لتقوية الحركة النقابية» (32).

على ضوء هذه التوجهات والتعليمات نشط الشيوعيون في الحركة العمالية واقامة اللجان النقابية السرية والربط بين اشكال النضال واساليبه، واضعين اسساً جديدةً في عملهم النقابي والوطني لنهوض الحركة العمالية ومساهمتها الثورية في ثورة 14 تموز/ يوليو 1958.

ونتيجة لتطور الحركة العمالية وقوة تاثيرها على الوضع السياسي اضطرت السلطات على اصدار قانون جديد للعمل بداية عام 1958، عالجته جريدة الحزب الشيوعي تحت عنوان «نظرة عاجلة في قانون العمل الجديد» موضحة ان قانون العمل السابق انتزع نتيجة نضال العمال وظل حبرا على ورق طيلة 22 عاما. والقانون الجديد، هو الاخر، يحتوي على بعض الحقوق الهامة التي هي حصيلة نضال دموي طويل خاضته الطبقة العاملة العراقية.

واكدت اتحاد الشعب السرية «ان الطبقة العاملة العراقية لم تنس ولايمكن ان تنسى أن النص على بعض الحقوق العمالية في القانون الجديد، هو ثمرة نضال عمال السكك واضراباتهم ونضالات عمال الميناء والنسيج والسكاير وغيرهم. إن هذه النصوص هي بعض ماخطه بدمائهم شهداء كاور باغي والميناء ونفط البصرة والحبانية وسواهم كثيرون من ابطال الطبقة العاملة».

وخاطبت الجريدة العمال:

«انكم ايها العمال، انتم الذين ارغمتم الفئة الحاكمة على الاعتراف ببعض حقوقكم العادلة، فلا تغفلوا عن هذه الحقيقة لحظة، واعلموا ان المواد التي تنص على حقوقكم في القانون الجديد ستبقى حبرا على ورق - كما هي الحال مع القانون السابق - ما لم تنظموا انفسكم وتوحدوا صفوفكم وتشددوا نضالكم اكثر وتوجهوا كل جهودكم من اجل ممارسة حقوقكم هذه بارغام الشركات الاجنبية وارباب العمل والحكومة على احترامها...».

وربطت الجريدة في مقالتها بين نضال العمال من اجل مطالبهم المنصوص عليها بالقانون، والنضال ضد الاستعمار وحلف بغداد ومن اجل تغيير الاوضاع الرجعية القائمة (33).

ولم تنفك صحافة الحزب الشيوعي والحركة العمالية خاصة، والحركة الوطنية عامة، من فضح ممارسات الحكم الارهابية والتاكيد على نهاية عهده وتعزيز الثقة بنصر الشعب القريب.

من جهة اخرى، احتفلت الحركة العمالية والوطنية بالاول من ايار/ مايو، عيد العمال العالمي باشكال تعبيرية ورمزية متنوعة، اغلبها بطريقة سرية، مضطرة اليها ولكنها أرادت أن تبين أهمية هذا اليوم ومعناه ورمزه. وبمناسبته اصدر الحزب الشيوعي العراقي بيانا بعنوان «عاش اول آيار رمز كفاح ووحدة الطبقة العاملة»، أوضح فيه غايات الاحتفال بهذا اليوم عالميا كرمز لوحدة العمال وكفاحهم من اجل اهدافهم المشتركة.

وحول الوضع في العراق اشار البيان الى ان طبقتنا العاملة العراقية لا تستطيع ان تساهم في احياء هذه الذكرى علنا ... «نتيجة سيطرة الاستعمار واعوانه على مقدرات بلادنا العزيزة وحكم الارهاب الذي يسلطه عملاء الاستعمار على وطننا وحرماننا من كافة حقوقنا في التنظيم الحزبي والنقابي».

واشاد البيان بالعمال وطالبهم بتشديد النضال من اجل محو العوائق التي تمنع العمال عن الاحتفال بعيد العمال العالمي. واكد البيان على :

«ان الطبقة العاملة العراقية تنمو وتتسع كما تتعقد مشاكلها وتتردى حالتها من سيء الى اسوأ، فعلينا نحن الشيوعيين ان نقود هذه الطبقة وان نكون طليعتها وان نسير بها وبالشعب العراقي نحو الاستقلال والحرية والاشتراكية ... ولكي نكون جديرين بهذا الواجب التاريخي علينا:

1- الاهتمام بمشاكل العمال اليومية والدفاع عن مصالحهم الحيوية وقيادة نضالاتهم التي يخوضونها دفاعا عن حقوقهم.

2- العمل بجد وحماس من اجل تنشيط الحركة النقابية.

3- توسيع قواعدنا الحزبية وتوثيق صلاتنا بالعمال بايجاد ركائز جديدة في جميع المعامل ولاسيما في المشاريع الكبرى الهامة.

4- العمل من اجل دعم الجبهة الوطنية والتعاون مع كافة العناصر الوطنية الاخرى ... » (34).

وبحلول عام 1958 إزدادت الاحداث السياسية والنضالية للحركة العمالية والوطنية عموما. حيث اشتد نضال الشعب وصحافته الوطنية في تعرية نظام الحكم، والثقة بقرب زواله. واخذت بيانات جبهة الاتحاد الوطني ولجانها الفرعية تعبيء الرأي العام وتخلق جواً حماسياً مهيأاً لاستقبال حدث مهم في حياة العراق والعراقيين.

وكان إيغال النظام الملكي وممارساته القمعية في توسيع الشقة بينه وبين الشعب من جهة، وعزلة العراق عن اشقائه العرب ودوليا بربطه بالاحلاف والمشاريع الاستعمارية العدوانية من جهة اخرى، اضافة الى التدهور المريع في الاحوال الاقتصادية والاجتماعية للشعب، كان كل هذا من عوامل التمهيد او مقدمات اولية للوضع الثوري، العامل الموضوعي بعد قيام العامل الذاتي، وتلاحمهما في تفجير اللحظة الثورية.

اثار هذا الوضع المتردي حلفاء النظام نفسه وطالبوا بالاصلاح لانقاذ النظام من نهايته المتوقعة. فقد كان مدير التحقيقات الجنائية بهجت العطية يؤكد في تقاريره على وجود حالة التردي والتذمر منها، وكذلك السفير البريطاني في بغداد وعدد آخر من رجالات البلاط الملكي.

واثبتت مجريات الاحداث ان القوى الحاكمة لم تستطع ان تواصل سياستها وتمارس حكمها بنفس الاساليب بعد ان اشتدت معالم الاحتجاج والسخط، فحاولت الترقيع إلا ان مجرى التيار كان عاصفا ولم تنفعه محاولات التزويق.

أُستُبدِل نوري السعيد باحمد مختار بابان. بعد ان تسلم حكومة الاتحاد الهاشمي الذي وقعه ردا على قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية واستهدف قيام هذا الاتحاد التصدي لنهوض حركة التحرر الوطني العربية في المشرق العربي. مثلما استهدف تكليف احمد بابان في 19/5/1958 لتشكيل حكومة جديدة التنفيس عن الازمة التي خرجت عن طورها، إلا ان اجراءاته نفسها لم تلق تجاوبا من رجالات البلاط، عاكسة بذلك شدة التناقضات داخل المؤسسة الحاكمة وصراع الاجنحة فيها، المناقض لارادة الشعب ومصالحه الوطنية، العلامات الاول التي سرعت في التفكك والزوال.

في الوقت نفسه تصاعدت الحركة الاضرابية الجماهيرية، الطلابية والفلاحية والعمالية، مبدية استعداد الجماهير على خوض النضال رغم قسوة القمع والارهاب، مهيئة الوضع للتغيير، اضافة للسياسة العدوانية التي نفذتها مخططات المستعمرين والحكم في استخدام القوات المسلحة.

لقد كان بابان آخر رئيس وزراء ملكي في العراق يوم 14 تموز 1958، يوم نجاح الثورة التي حسمتها القوة العسكرية المسندة من قوى جبهة الاتحاد الوطني. وكان يوم الثورة آخر يوم للنظام الملكي، حيث اعلنت الجمهورية ودخل العراق والحركة العمالية مرحلة جديدة من مراحل الثورة الوطنية الديمقراطية.

 

كاظم الموسوي

...................

* فصل من كتابنا /اطروحتنا عن الحركة العمالية في العراق 1958-1945 الصادر عن مؤسسة الجسر للدراسات وتوزيع دارالكنوز الادبية، السويد، بيروت 1996

الهوامش:

والمصدر السابق هنا ورد ذكره في الكتاب والفصول السابقة

1- جيمس موريس/ الملوك الهاشميون/ بيروت / بلا/ ص 217.

2- من تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي/ تموز 1955.

ـ خيري / مصدر سابق/ ص 222.

3- من تقرير الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي/ خطتنا السياسية..../ مصدر سابق/ ص ص 6-9.

4- شهدي عطية الشافعي/ تطور الحركة الوطنية المصرية/ القدس/ بلا/ ص 168.

5- الاتحاد السوفييتي والعالم العربي/مجموعة وثائق سياسية/ موسكو 1978/ص ص 46-61.

6- جريدة اتحاد الشعب/ العدد 8/ اوائل ايلول 1956.

7- خطتنا السياسية ... / مصدر سابق/ ص 23.

8- احرار العراق/ انتفاضة العراق الاخيرة ـ عرض وتحليل/ بلا/ ص ص 19- 20.

9- حميدي / مصدر سابق/ ص 144.

10- مذكرات السفير الامريكي/ من: العراق في مذكرات الدبلومياسيين الاجانب/ بيروت 1969/ ص 236.

11-كراس انتفاضة 1956 ومهامنا في الظرف الراهن.

- خيري/ مصدر سابق/ ص ص 235- 236.

- احرار العراق/ مصدر سابق/ ص 47.

12- انظر استنكار الهيئات السياسية والتعليمية في: الحسني/ مصدر سابق/ الجزء 10/ ص 115 ومابعدها.

13- المصدر السابق/ ص 129.

14- بيان الحزب الشيوعي العراقي في 11/12/1956.

15- جريدة اتحاد الشعب/ ع 1- 15/ اواسط شباط 1957.

16- كراس الانتفاضة الصادر عن الحزب.

- خيري/ دراسات ......./ مصدر سابق/ ص 237.

17- الحزب الشيوعي/كراس: رد على مفاهيم برجوازية قومية تصفوية/ منشورات الحزب 1957/ ص 25.

18- من تقرير سلام عادل في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب في اوائل ايلول 1958/ وثائق الحزب ولقاءات مع كوادر حزبية وعسكرية.

19- جريدة حرية الوطن/ العدد الاول/ اوائل كانون الاول 1954.

ـ حنا بطاطو/ مصدر سابق/ ص 397.

20- عامر عبد الله/ تفاصيل تنشر لاول مرة عن ثورة 14 تموز/طريق الشعب/ع 249 في 14 تموز 1974.

ـ حنا بطاطو/ مصدر سابق/ ص 793.

21- انظر مثلا: محسن حسين الحبيب/ حقائق عن ثورة 14 تموز في العراق/ بيروت 1981/ ص ص 50-58.

ـ حنا بطاطو/ مصدر سابق/ ص 788.

ـ د. فاضل حسين/ سقوط النظام الملكي في العراق/ القاهرة 1974/ ص 64.

22- عزيز الشيخ/ جبهة الاتحاد الوطني والمهام التاريخية في الظرف الراهن/ بغداد/بلا/ ص ص 3 - 4.

23- محمد حديد/ حوار معه في الثقافة الجديدة/ع 4/ تموز 1969.

24- ابراهيم كبة/ هذا هو طريق 14 تموز ../ بيروت   / الملحق.

ـ عزيز الشيخ/ مصدر سابق/ ص ص 14- 15.

ـ عبد الجبار عبد مصطفى/ مصدر سابق/ ص 265.

25- جريدة اتحاد الشعب/ ع 2/ اواسط نيسان 1957.

26- المصدر السابق/ع 3/ حزيران 1957.

27- المصدر السابق/ع 5/ ايلول 1957.

28- المصدر السابق/ ع 4/ تموز 1957.

29- المصدر السابق/ ع 5 / ايلول 1957.

30- نفس المصدر/ ع 6/ تشرين الثاني 1957.

31- ابراهيم حسين/ مصدر سابق/ ص32.

ـ سعاد خيري/ مصدر سابق/ ص 328.

32- آرا خاجادور/ مصدر سابق/ ص ص 31- 32.

33- جريدة اتحاد الشعب/ ع اواخر آيار 1958.

34- بيان الحزب الشيوعي العراقي في 1/5/1958.

 

ضياء نافعتمر هذه الايام، ونحن في عام 2018، الذكرى الستون لتأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد (انظر مقالتينا بعنوان – ستون عاما على تأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد، وعود على الذكرى الستين لكلية اللغات)، واود هنا ان اتوقف عند بعض الاسماء الكبيرة في عالم اللغات، والتي رحلت، ولكنها أبقت أثرها في تاريخنا العلمي وتاريخ جامعة بغداد ايضا، هذا التاريخ الذي لم يلتفت له – مع الاسف الشديد – مؤرخونا وباحثونا كما يجب، وهؤلاء – حسب حروف الهجاء – هم كل من حياة شرارة (من قسم اللغة الروسية ) وفؤاد ابراهيم (من قسم اللغة الالمانية)، واقدم عن كل واحد منهما شيئا مما يخزنه قلبي.

حياة شرارة

حياة ابنة اللبناني محمد شرارة، الذي انتقل من لبنان الى العراق واستقر في النجف وتزوج من عراقية، واصبح كاتبا وصحافيا في العراق يشار اليه بالبنان كما يقول التعبير الكلاسيكي العربي الجميل، والذي لا يزال بحاجة لدراسته باعتباره ظاهرة ثقافية فذّة ومتميزه في تاريخ ثقافة العراق ولبنان معا وفي دنيا النقد الادبي العربي بشكل عام. حاولت حياة ان تجمع تراثه، وقد اخبرتني مرة ان المواد التي جمعتها تكفي لاصدار ستة كتب، وكانت متألمة وهي تقول لي، ان والدها لم يستطع في حياته ان يصدر اي كتاب، وقد اصدرت حياة فعلا الكتاب الاول له ويضم مقالاته في التراث العربي فقط، وكان بعنوان جميل وفريد اختارته حياة من شعر المتنبي الخالد وهو – (الخيل والليل والبيداء تعرفني)، واتذكر كم كانت سعيدة وفخورة وهي تعرض عليّ ذلك الكتاب، ولكنها لم تستطع الاستمرار بمشروعها الثقافي الرائع هذا . كانت حياة حسّاسة جدا، وحالمة جدا، وعنيدة جدا، وتعيش في اطار عالمها الفكري البحت دون مراعاة عالمها الواقعي المحيط بها، ولهذا ارادت ان تجمع كل ما كتبه والدها محمد شرارة من مقالات مبعثرة في عشرات المجلات والجرائد العراقية منذ اواسط القرن العشرين، وان تعيد تصنيفها وطبعها ونشرها في كتب، وهو مشروع عملاق يجب ان تقوم به مجموعة من الباحثين المتخصصين او مؤسسة ثقافية باكملها، الا انها حاولت القيام بهذه المهمة بمفردها، وهو عمل نبيل بحد ذاته طبعا وبطولي ايضا، ولكنها لم تستطع تحقيقه، مثلما ارادت – وبمفردها ايضا – ان تقوم بترجمة المؤلفات الكاملة لتورغينيف عن الروسية، رغم علمها ان معظم هذه المؤلفات مترجمة الى العربية، وكم حاولت ان اثنيها عن القيام بذلك، وكنت اقول لها مرارا ان كبار المترجمين العرب قاموا بذلك قبلها مثل غائب طعمه فرمان وخيري الضامن واكرم فاضل، ولكنها أصرّت على تحقيق فكرتها، وقالت لي ضاحكة، انها سوف تطلع على تلك الترجمات بعد انهاء ترجمتها كي لا يؤثر اسلوب تلك الترجمات على عملها، واستطاعت فعلا ان تقدم ثلاثة كتب، الا انها لم تستطع اكمال خططها مع الاسف . لقد عرقلت عملية انتحارها التراجيدية كل هذه المشاريع الثقافية الكبيرة التي بدأت بها . من الذي سيقوم الان بجمع تراث محمد شرارة وطبعه وتقديمه الى الاجيال الجديدة مثلما ارادت حياة ؟ ومن الذي سيقوم باكمال احلام ابنته حياة محمد شرارة الادبية وخططها العلمية هذه ؟ لقد اقترحت على قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد كتابة اطروحة ماجستير حول أ.د. حياة شرارة، اول تدريسي يحصل على درجة (بروفيسور) في تاريخ هذا القسم، واعلنت عن استعدادي للمساهمة بذلك العمل العلمي والتعاون مع المشرف والباحث، ولكن ...

فؤاد ابراهيم

فؤاد ابراهيم محمد البياتي، احد الاعلام البارزة في قسم اللغة الالمانية، وهو الوحيد بيننا، الذي حصل على لقب – (الشهيد !)، وما أغلى ثمن هذا اللقب الذي حصلت عليه يا أبا علي الحبيب وما أقساه !!! لقد كنت انا آنذاك مع وفد جامعة بغداد في ايطاليا، وكنا نتهيأ لاجتماع مع مجموعة كبيرة من الشباب الايطالي المتعاطف مع العراق، والذين قرروا ان يقدموا لقسم اللغة الايطالية في كلية اللغات كتبا باللغة الايطالية من مكتباتهم الشخصية، وتحول هذا الاجتماع الى جلسة عفوية لشجب اغتيال رئيس قسم اللغة الالمانية في كليتنا . وعدت الى بغداد بعد ايام، وعقدنا جلسة لمجلس الكلية واتخذنا ثلاث توصيات هي – اقامة تمثال نصفي لفؤاد نضعه على المنصة الفارغة في الحديقة الامامية للكلية حيث كان هناك تمثال نصفي لصدام، واطلاق اسمه على القاعة المركزية للكلية، وعلى مكتبة قسم اللغة الالمانية، ولكن مجلس الجامعة اعترض على مسألة التمثال، واعطانا حق اختيار توصية واحدة من التوصيتين، وهكذا استقر اطلاق اسمه على القاعة المركزية، والتي لازالت تحمل اسمه لحد الان . لقد خلّد الدكتور فؤاد اسمه في كليتنا بعملين قام بهما آنذاك – العمل الاول هو اصداره لكتاب قواعد اللغة الالمانية باربعة اجزاء، والذي قسّمه بين طلبة الدراسات العليا لنيل دبلوم الترجمة، ثم جمعه واصدرته الكلية، وقد أصرّ الدكتور فؤاد ان يثبت اسماء طلبة دبلوم الترجمة على كل جزء من اجزاء الكتاب، اما العمل الثاني له، فهو الذي قام بالاتصال بالسفارة الالمانية واقنع السفير ان تتبرع المانيا ببناء مكتبة قسم اللغة الالمانية، وتزويدها بالكتب الخاصة باللغة الالمانية وآدابها، وهي المكتبة الموجودة حاليا، والتي تزهو بها كلية اللغات لحد الان، والتي تعد مفخرة من مفاخر جامعة بغداد، ولا زلت اتذكر فرحه وهو يشارك بافتتاح المكتبة بحضور رئيس جامعة بغداد عندئذ أ.د. موسى الموسوي والسفير الالماني في العراق . ولم يتفاخر فؤاد يوما بعمله العملاق هذا ابدا، بل ولم يتكلم عنه اطلاقا، لأن تواضع العلماء كان يجري في دمه وتصرفاته وأخلاقه .

 

أ.د. ضياء نافع .

 

 

لطيف عبد سالممِن الأسئلة الَّتِي تتردد كثيراً عَلَى ألسن أساتذة الأدب وَالنقاد وَالشعراء ما يتعلق بِمَنْ سيخلفه فِي قصيدة العمود، وَالَّتِي يجيب عَلَيها السَماويّ يحيى بعبارةٍ موجزة بليغة، وقع كلماتها الجميلة وَالمؤثرة الَّتِي تنبع مِنْ جمال الروح، يعكس استلهامه لروح الشعر بمستوى أخلاقي عالٍ، حيث يقول فِي هَذَا الصَّدَد ما يلي: " هذا السؤال أكبر من حجمي "، مضيفاً أيضاً بعد برهة " لو سألت مَنْ سيخلفني على بيتي وسيارتي ومكتبي ودراهمي المعدودات لأجبت : زوجتي وَأبني علي وبناتي الشيماء ونجد وسارة، أما الشعر، فما أنا فيه أكثر من مجرد كلمة غير ذات معنى، كلمة تحاول أن تكون جملة مفيدة في ديوان الشعر العربي ". وَفِي مناسبة أخرى يشير السَماويّ إلى مَا لَهُ صلة بِهَذَا الموضوع قائلاً : " أظنني سأغفو إغفاءتي الأخيرة وأنا مجرد كلمة، لستُ أفضل شاعرية من غيري، فالشعراء كلهم يُكمِل بعضهم الآخر ". وَمَا أظننا نغلو فِي القول إنَّ شُّعراء اليوم أشد حاجة إلى التمعن بِمَا تضمنته تلك العبارات مِنْ معانٍ كبيرة، وَالَّتِي سجلها مَنْ ذاعَ صيته ونقش اسْمه فِي سجلِ كبار شُّعراء العربية، وأعني الشَّاعِر واسع الشهرة السَماويّ يحيى الَّذِي تسلق جبل الشِّعْر باقتدار وشموخ، وَالَّذِي قيل فِي شاعريته ودماثة خلقه وحسه الوطني وتواضعه الكثير، وَلعلَّ مِنْ بَيْنَ ذلك مخاطبة الشَّاعِر ناهض الخياط لَه بالقول " الشاعر الكبير المتألق يحيى السماوي، أنصب خيمتك يا شاعرنا ليؤمك الشعراء من كل مكان ". كذلك وصفه الشَّاعِر يحيى الكاتب بالقول " الشاعر الكبير يحيى السماوي فخر الكلمة الصادقة والمواطنة الصالحة "، فضلاً عَمَا سجل عَنه الكاتب ذات مرة مَا نصه " وأنا إذ أغبط الكتاب والنقاد كيف يدخلون في مضامير النقد الأدبي ليجـدوا ضالتهم وأنا لست ناقداً، لكنّني وجدت نفسي هائماً في روحه وشخصيته وشعره وتواضعه؛ ولأن الحظ أسعفني لألتقيه أكثر من مرة ولأسعد بمجالسته والاستماع الى عذوبة كلامه وبعض من تجربته، سيما تتبعت بعضا من أماسيه الجميلة الممتعة، وأكتب هذه المرة بيد مرتعشة؛ مرتهبا مضماره الذي لا يقربه إلا الحريفون والخبراء "، ويضيف الكاتب أيضاً " ولأنه أكرمني بزبرجدة مكتوب عليها - ثوب من الماء لجسد من الجمر - فتقبّلتها بقبول حسن، ودفنتها بين أضلعي قبل أضالع مكتبتي البالية المتواضعة؛ خوفاً من عبث أطفالي، ولكي أقرأها بإمعان، فوجدت فيها ما يمتعني ويحسسني بروح الشاعر العظيمة الراقية في الانسانية والأدب والثقافة ". ويختم الكاتب حديثه بالقول " لك نصب في قلبي، تقبل تحياتي الاخوية قبل الادبية؛ لأنك إنساني بحت ". وَتدعيماً لما ذكر آنفاً، لَعَلّه حريّ بِنَا التأمل بتمعن فِي دراسةِ الكاتب الأب يوسف جزراوي الموسومة " الكبير يحيى السماوي .... كالحجر الذي رفضه البناؤون وأصبح رأسًا للزاوية "، وَالَّتِي أقتطع مِنها جزءاً يعكس بعضاً مِنْ وريقات العمر التي تساقطت فِي المنفى، حيث يقول جزراوي " ..... طالت فترة وقوفنا على ايقاع المطر المنهمر بشدة في ليلٍ حالك السواد، كانت عيناه جميلتين لكنهما متعبتان، ذاته جريحة، جسده مُنهك، يلتوي بأكمله ألمًا من حصى الكلية اليسرى، تبللت ثيابنا وامتزجت شجوننا المنهمرة مع زخات المطر المُتساقطة، أحاديث لا تعدو أن تروي واقعًا مُحزنًا ". وَعَنْ جاذبيته المبهرة يقول الكاهن البغدادي جزراوي الأب مَا نصه " حين استلمت منه خيط الحديث، ايقنتُ أنَّ الرجلَ متمسك بحبال الرجاء بانتظار غدٍ جديد، تشرق فيه الشمس لتُزيل لعنة الظلام، غير أنّني اعترف هنا أنَّ قدرته على الإصغاء كانت قد أدهشتني، وأن نقاء حواره سحرني، فالرجل يحظى بكفاءةٍ أدبيةٍ عالية ومسحةٍ إنسانيّةٍ قلّ نظيرهما، جعلتا منه دُرة الحديث ومركز الحوار، فكان كالبدر في سماء سيدني التي أمطرت غيومها طويلاً ".

أضـنـاهُ لــيــلُ صــبـابـةٍ فــسَــرى

لـم يــنـتـظـرْ شــمـســاً ولا قــمـرا

 

ألــقـى الى الإعــصـارِ أشــرعــةً

مُــسْــتَـنـفَــراً لــم يــتـَّـخِــذ حَـذرا

 

نــصـحـوهُ أنْ يُــلــقـي الى قَــدَرٍ

أمـراً فــقـال ســأقــحَــمُ الــقَــدَرا

 

فـاسْـــتـخْــبــلــوهُ فــقـائِـلٌ نَــزِقٌ

لا يـرعــوي فاســتعـذبَ الـعَـثَـرا

*

لأيـامِ الصِّبا يشتد بالمرء الحنين، فما مراتع الصبا إلا عصية عَلَى النسيان كما جاء فِي الأثر، فلربما تدمع العين عند استرجاع الذكريات؛ لأنَّ مرحلةَ الصِّبا لا يمكن لبريقها أنْ يعاود الظهور أبداً، وَلَعَلَّ فِي قول الشَّاعِر المصري محمود سامى البارودى " 1839 – 1904 م "، الَّذِي يُعَدُّ بحسبِ المتخصصين أول ناهض بالشِّعْر العربي من كبوته ما يؤكد ذلك :

ذَهَبَ الصِّبَا وَتَوَلَّتِ الأَيَّامُ *** فَعَلَى الصِّبَا وَعَلَى الزَّمَانِ سَلامُ

وَفِي زمانٍ تغير فِيه حتى دفء أرصفة أزقة المدن، وَاختفى عبير " درابين " محلاتها خلف أستار خيام العولمة، قد يصبح عثور كاتب هَذِه الدراسة عَلَى ملامح الوجوه الَّتِي تركها السَماويّ يحيى ذات حزن أمراً صعب المنال؛ إذ قد تكون الذاكرة لبعض الشخوص الَّتِي عاشت تلك الحقبة الزمنية متعبة بفعل قساوة مَا تعرضت مِنْ معاناة، أو أنَّ أقدارها جعلتها بفعل مرارة أفعال الطغاة تبحث عَنْ لقمة العيش وَحالها رهين بِمَا جاء فِي لامية ابن الوردي :

ودَعِ الـذِّكـرَ لأيـامِ الصِّبا * * * فـلأيـامِ الصِّبـا نَـجمٌ أفَـلْ

وَبعد أنْ تعرفنا عَلَى مَا اكتنزته ذاكرة بعض تلك الشخصيات عَنْ السَماويّ يحيى فِي المباحث السابقة، وَمَعَ مشارفة آخر فصول الدراسة عَلَى الإنجاز، وجدت أيضاً مَا هو حافظ لكثير مِنْ حكايات الصبا واليفاعة، ألا وهو ابن مدينته وأحد أصدقاء طفولته الكاتب جبار المكتوب، وَالَّذِي بعث ليّ شهادته الَّتِي نصها تالياً " تعجز الكلمات عن وصف علاقتي مع صديق العمر الشاعر الكبير يحيى السماوي الَّذِي تمتد صداقتي معه سنوات طويلة، حيث عشنا في مدينة ومنطقة واحدة، فالسماوي أخي الذي لم تلده امي، فقد عرفته وعشت معه منذ أيام الصبا، ووجدته طوال مراحل حياته العمرية مثلما كان فِي صباه ويفاعته : وفياً، مسامحاً، محباً ومحبوباً من قبل زملائه وطلابه وأصدقائه، صبوراً على المحن والصعاب، بشوشاً مبتسماً لا يعرف البغض قطعاً؛ إذ أنَّ جمال قلبه النابض، جعل حب الناس والدفاع عن قضاياهم يسري في ضميره ووجدانه، فلم يعرف عنه البخل يوماً في اي موقف سواء لقريب أو بعيد، فهو إنسان صادق في زمن قل فيه الوفاء؛ إذ ارتبط روحاً وعاطفة مع الإنسانية ". ويضيف المكتوب أيضاً " يحيى السماوي شاعر الخبز والتنور، الشخصية الكثيرة العطاء، المملوءة بالوفاء، فقد أشبع حياته بالطيب والأمل والحب والتفاؤل، حتى أصبح نخلة باسقة من بساتين السماوة الثرية برطبها والحاملة شعراً وأدباً وبلاغة وخلقاً وسلوكاً ونوراً وصفاء ". وعَنْ الصداقة مِنْ وجهة نظر السَماوي يقول المكتوب " الصداقة عنده من أفضل العلاقات الانسانية؛ إذ ينظر إليها بوصفها شيئا عظيما مقدسا ، ويعتبرها كنزا لا يقدر بثمن، فهو يشعر بالوجع عندما يرى انسانا يتألم، ويطير فرحاً اذا كان سعيدا، بالإضافة إلى أنه لا ينسى أيا من معارفه مهما طالت مدة الفراق، فصديقه أخ له يحترمه ويتفقده ويحترمه سواء كان صغيراً أو كبيرا ".

قـد كان يعـرفُ مَـسْـلـكـاً رَفِـهــاً

فـاخـتـارَ دربـاً مُـوحِـشـاً خَـطِـرا

 

فـإذا غـفـا صُــبـحـاً عـلى دِعَــةٍ

فَـزَّ الضُّحى يـسـتعجِـلُ الـسَّـفـرا

 

مــا كــان ذا مــالٍ .. ولا فَــرَسٍ

يومـاً وليس الـمُـسْـرفَ الـبَـطِـرا

 

لـكـنـهُ في الـعِـشـقِ ذو سَـــرَفٍ

يُعطي ويُـرخِصُ دونهُ الـبَـصَـرا

 

هـو بـيـنَ بـيـنَ فـنِـصْـفـهُ شَــبَـحٌ

جِـنٌّ ونـصـفٌ يُــشــبـهُ الـبَــشــرا

 

خَبَـرَ العواصِفَ والـسـيـولَ فـتـىً

غضَّ الهوى واسْـتـنـبََـتَ الحجـرا

 

إنْ حاصَـرَتـهُ الــنـارُ صاحَ بـهــا

زيدي اللظى والعـصفَ والشَّـررا

 

والـيـومَ شـاخَ الـماءُ واكـتـهَــلـتْ

كـاســاتُـهُ .. والـمِـعـزفُ انـتـحـرا

 

أوَلــيـسَ مـجــنـونـاً يــمــدُّ يــداً

لـلـنـجـمِ مَـنْ في كـهْــفِـهِ قُــبـِرا ؟

 

ألفى الأسى في العـشقِ مُــبـتــدأً

فـاخـتـارَ أنْ يـغـدو لــه الـخَـبَـرا

 

عِــقـدانِ والــبـلـوى رديــفــتُــهُ

طحَنـتْ حـشـاشـتـهُ وما ضَجِـرا

 

بـيـن الـضلـوع تـقـومُ نـخـلــتُـهُ

أنّـى مـضـى وأقـامَ أو حَــضـرا

 

مـاهـزّهـا يـومـاً ولا عــرفــتْ

قـلــبــاً لـهُــدهُــدِ وجهـهـا نُـذِرا

 

دهــرٌ عــلى شـــوقٍ يـُـكـابــدُهُ

سِــرّاً فــمـا أفـضـى ولا ذكَــرا

*

عَلَى الرغمِ مِنْ حداثة معرفتي بالأديب إحسان أبو شكاك الَّذِي ولد فِي مدينة السَماوة وَمَا يزال يقطن فِيهَا، إلا أنيّ وجدت فِيه مِن السجايا مَا جعلني أشعر أني أعرفه منذ سنوات طويلة، الأمر الَّذِي جعلني متحمساً للحديث معه منذ بداية لقائنا فِي شارع المتنبي، وبخاصة حين علمت أنَّه كان أحد طلبة السَماويّ يحيي في المرحلة الثانوية، إلا أنَّه تردد حين رجوته أنْ يسجل مَا يحفظه فِي ذاكرته عَنْ أستاذه وَصديقه الحميم السَماوي يحيى؛ بالنظرِ لخجله أمام هيبة أستاذه والاحترام الكبير الَّذِي يكنه له، لكن يَبْدُو أنَّ طيبةَ أبو شكاك ألزمته الاستجابة لرجائيّ، حيث بعث ليّ شهادته الموسومة " الشاعر الكبير يحيى السماوي .. إنسانا "، وَالَّتِي يقول فِي مقدمتها مَا يلي " معيشتي ما بين أهل مدينتي الطيبين جعلت ذاكرتي تكتنز الكثير من سفر حياة أغلب مبدعيها، وتحفظ الجميل من سجاياهم في قلبي، وحين رجاني أخي الباحث لطيف عبد سالم تسجيل شهادتي في السماوي إنساناً، ترددت بادئ الأمر؛ لصعوبة الكتابة عن رجل له هيبة ووقار في عيوننا ونفوسنا - نحن أهل السماوة - منذ أن كنا شباباً نتتلمذ على يديه في مرحلة الدراسة الثانوية، وأمام هذا الاختبار الصعب، وجدتني منقاداً لزيارة المكان الذي كان الشاعر ذات زمان مغرماً به، ألا وهو شارع النهر المطل على نهر الفرات في مدينة السماوة، والذي حمل اسمه " شارع الشاعر يحيى السماوي ". وقد شعرت وانا أقف قرب عمود أزرق بفخرٍ كبير لم أشعر به طوال حياتي؛ لأن اسم استاذي الودود سابقاً وصديقي الحميم حالياً يظلل هامتي وهو ينتصب على ذلك العمود، فقد أعادتني الذاكرة إلى أيامٍ كان خلالها السماوي يبدي حرصه الدائم على النصح بضرورة تمسك طلبته بالتفوق والنزاهة، فقد تعلمنا من أبويته - وصداقته معاً - أيام الدراسة أنَ نكران الذات هو الفرق بين الأنانية من جهة والتضحية والإيثار من جهة اخرى، ولا عجب في ذلك ما دام يحيى السماوي يحمل هذه الصفة بجدارة ".

وَمِن بَيْنَ مَا سجله أبو شكاك فِي شهادته مَا نصه " تذكرت ومضته الرائعة التي قال فيها :

سُئل عاشق ما تتمنى أن تكون ؟

قال : أتمنى أن أكون ناعوراً أسقي آنية الآخرين وأكتفي بأنيني

وأنا سُئلت فقلت : أتمنى أن تكون لي أخلاق التنور، فالتنور يمنح خبزه للآخرين ويكتفي برماده ..

ومضة السماوي هذه التي لمْ تفارق صورتها مخيلتي منذ أن سمعتها، تعبر بصدق عن نقاء قلب السماوي وتفصح عن إنسانية أفكاره التي تفجرت منذ فجر الشبيبة وهي مملوءة هيبة ومودة وجمالا ".  

ويختم أبو شكاك شهادته قائلاً " عرفت الأستاذ يحيى السماوي مدرساً متمكناً في مادة اللغة العربية قبل أن أعرفه شاعراً نادرا شفيف الروح، قصائده ندية كالورد، فقد كان مدرساً خلوقاً هادئاً متسامحاً متواضعاً، واباً حنوناً وصديقاً ودوداً لجميع طلبته، فمن أعمق ما كنا نشعر به - نحن طلبة درسه المحبب لنفوسنا - هو شفافيته وسلاسة أسلوبه الذي أسر عقولنا بفضل لهجته ونظراته التي تتفحص ذواتنا الخفية، فنراه يحنو على طلبته من شريحة الفقراء، حيث كان - كما شاهدت بعينيّ - دائم الشعور بهم، فضلا عن مساعدة من يشعر بحاجته منهم إلى المال ".

*

سَــئِـمَ الـسـنيـن تـمـرُّ مـوحِـشـةً

لـو تُـخْـزلُ الأعمارُ لاخـتـصَـرا

 

سـلــواهُ جـرحٌ راح يـنـبــشـــهُ

لِــيُـطيـلَ في أوجاعِـهِ الـسَّـهَــرا

 

ولــربّــمـا يــغــفــو عـلى أمَــلٍ

أنْ يـلـتـقـيـهـا في سـريـر كـرى

 

حسناءُ لا أحـلـى إذا ضـحِـكـتْ

سَكَرَ المدى وأخو الـتـقى سَـكـرا

 

عـشِـقــتْ ربـابـتـهُ فـحـيـثُ شـدا

رقصتْ وفاضَ حُـبـورُها غُـدُرا

 

تـلـهــو وتـجـهــلُ أنّ مُـنـشِـدَهـا

نـذرَ الــفــؤادَ لـهـا ومــا جَـهَـرا

 

عَـشِـقـتْ ربابـتـه ومـا عَـلِـمـتْ

أنْ حــبّـهــا مَـنْ حَـرَّكَ الـوَتَــرا

 

كـم حَـجَّ فـي صـحـوٍ وفي حُـلُـمٍ

وتـلا رســائِـلَ سـعــفِـهـا سُــوَرا

 

يـشـكـو ولـكـنْ فـي ســريـرتِـهِ

دامي المُـنى يـسْـتـنـطِق الصُّوَرا

 

ولـربّـما صـلّـى الـعـشـاءَ عـلى

وِتْـرٍ وصامَ وفي الضُّحى فَـطَرا

 

صَـبٌّ أغـاظَ الـصّـبـرَ تـحـسَـبُـهُ

فــرطَ الــتـجـلّــدِ جـامِـداً حَـجَـرا

 

قـد غـادَرَ الـنـهـريـن وهـو فـتـىً

صـافـي الـمـرايا كالـنـدى خَـفِــرا

 

حَـمَـلَـتْـهُ قـسْــراً عـن شــواطِـئِـهِ

زُمَــرٌ تـرى فـي الظـلـمِ مجدَ ذُرا

 

ضـاق الـعــراقُ وكـان ذا سَــعــةٍ

ودجـى وكان الـمُـشمِـسَ الـنـضِــرا

 

أزرى بـهِ الأوغـادُ فـاحــتــبـسـوا

عـن حـقـلـهِ الـيـنـبـوعَ والـمـطـرا

 

عـرضـوا عليـهِ ظِـبـاءَ واحـتِـهـمْ

والـجــاهَ والأنــعــامَ فــاعــتــذرا

 

فـأبـى سـوى أنــثـاهُ يـسـكــنـهــا

وطـنـاً مـن الأحـلامِ لـيـسُ يُـرى

 

ويحي عـليَّ كـتـمـتُ حشـرجـتي

أحسـو مُضـاغَ الجمـر مُصطـبـرا

***

ثَمَّةَ لقاء جمعني قبل سنوات بالسَماويّ يحيى فِي مقهىً بغدادي عَلَى شاطئ دجلة، وَبينمَا كنا نتجاذب أطراف الحديث عَنْ الظروف الراهنة إذ خطر عَلَى باليّ مَا جعلني أسأله سؤالاً مفاده : يا سيدي حتى ربيعنا غدا صيفاً قائظاً، وربما يصبح فِي القادم مِن الأيام زمهريرا، فما الذي تبغيه مِنْ كتابة القصيدة فِي ظلِ هَذَا الواقع؟، فأجابني بثقة وَمِنْ دُون تردّد قائلاً : " في القصيدة أعوّض ما فاتني من كرامة، نعم حينما أهان بصفعة شرطي، أتعرف ما معنى أن يبصقَ بوجهي شرطي الأمن؟ كل انهزاماتي تذوب في القصيدة، أرسم الحياة التي أريدها بأدق تفاصيلها، أعوّض حطامي، أحلامي الذبيحة، أعوّض الشباب الذي ضاع في المعتقلات، السجون، فصل المطاردة، النقل القسري، ما كان معتماً الآن صار قوس قزح، الغد أصبح يتسع للفرح، فعلى الأقل أصبح بإمكاني أن أغفو مطمئنا أن أطفالي لن يُجلدوا ذات الجلد الذي جلدت فيه، ولن تعد من ضفيرة أختي مشنقة لمجاهد "، فازددت تَيَقُّناً أنَّ السَماويّ يحيى إنْسَان يعيش فِي وجدانه وطن.

 

لطيف عبد سالم