المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

مع الكساندر الفرنسي الروسي في موسكو

ضياء نافعهاجر اجداده الروس من روسيا بعد ثورة اكتوبر1917 واستقروا في فرنسا، وهو من جيلهم الثالث، الذي ولد في فرنسا أواسط الخمسينات، واصبحت الفرنسية لغته الام طبعا، الا ان اللغة الروسية وثقافتها بقيت تعيش في اعماق روحه وقلبه وعقله، فهو روسي الاب والام ومن (أب عن جد)، و(من سابع ظهر) كما نقول بلهجتنا العراقية، والروسية هي اللغة الاولى التي نطق بها عندما بدأ بالنطق، ولهذا، فقد عاد اليها بقوة لدرجة انه ترك مهنتة، وهو مهندس مرموق، واصبح (رجل دين) متدرج، يعمل – وبشغف كبير - في احدى الكنائس الارثذوكسية الروسية في باريس، وقد التقيته بمحض الصدفة في موسكو اثناء زيارة له (نتيجة معرفتي القديمة باللاجئين الروس في فرنسا – انظر مقالتنا بعنوان – مع اللاجئين الروس في باريس)  .

لازلت اتذكر نظرة التعجّب والاندهاش لديه عندما تعارفنا، وقد قال لي بعدئذ موضحا ذلك الموقف، انها المرة الاولى التي يرى فيها عراقي عربي يتكلم معه باللغة الروسية وبهذا الشكل الطلق، فقلت له ضاحكا – وانا معجب ايضا بلغتك الروسية ذات اللكنة الفرنسية الجميلة جدا.

ابتدأ الحديث معي – وبحذر شديد – عن الاسلام السياسي، وقال ان هذه الظاهرة لم تكن موجودة في الواقع الاوربي في شبابه حتى ولا نظريا، وانه لا يفهم ولا يستوعب كيف برزت وبقوة هكذا في  الوقت الحاضر؟ فحكيت له قصة مجموعة طلابية عراقية كانت تدرس في احدى الجامعات الروسية في ستينيات القرن الماضي، وبعد ان انهوا الدراسة (وكانوا لمدة خمس سنوات سوية وباكملها في الكلية والقسم الداخلي) جلسوا معا يتناولون ( العشاء الاخير) قبل الرجوع الى العراق، وعندما قال أحدهم ( وكان اسمه يوسف، وهو اسم شائع عند المسلمين والمسيحيين )، انه سيضطر من جديد الى مرافقة والدته المسنّة الى الذهاب للكنيسة والاياب منها  كل يوم أحد – كما كان يفعل سابقا - لانها لا تستطيع السير وحدها، صاح الجميع اندهاشا – هل انت مسيحي؟ تعجب الكساندر من هذه القصة، وسألني، هل هذه القصة صحيحة فعلا ؟ قلت له نعم، وانا أعرف هؤلاء الطلبة شخصيا، فسألني مرة اخرى، هل هذا يعني ان المسيحيين والمسلمين في العراق كانوا يعيشون معا وبانسجام كامل ولا تفرقهم الاختلافات الكبيرة بين المفاهيم الدينية  كميلاد السيد المسيح من ماريا العذراء  مثلا ؟ فقلت له، اننا كنّا ننطلق آنذاك – وباخلاص حقيقي - من شعار المتنورين العرب الشهير – الدين لله والوطن للجميع، أمّا ماريا  التي ذكرتها في مثلك، فنحن نسميها مريم العذراء، وان القرآن يتحدث عن ذلك ايضا بالتفصيل، ولم يصدق الكساندر ذلك، فسألته انا متعجبا – ألم تقرأ القرآن؟ فقال لا انا اقرأ فقط الكتاب المقدس، وسألني رأسا –  وهل يقرأ رجال الدين  لديكم الكتاب المقدس؟ فقلت له انني بعيد عن الاجواء الدينية، ولا استطيع ان اجيب عن سؤالك بشكل حاسم، ولكن رجل الدين المتبحر (بغض النظر عن دينه) يجب ان يعرف كل الكتب السماوية للاديان كافة، او في الاقل مضامينها الاساسية، فقال لي مبتسما – انك تهربت بمهارة  دبلوماسية من الاجابة عن سؤالي، وأضاف – ساحاول أنا ان أقرأ القرآن مستقبلا، فان معرفتي فعلا محدودة جدا حول الاسلام، ونحن في باريس نتجنب الاختلاط بالمسلمين، بل حتى – واقولها لك بصراحة - نخاف منهم بعض الشئ،  فقلت له، لم تكن هذه الظاهرة موجودة في اوروبا، ولا عندنا، ولكن السياسة ورجالاتها ارادوا ذلك وخططوا له، واستطاعوا فعلا تحقيقه مع الاسف (لغاية في نفس يعقوب !!!)، وحكيت له، ان المترجمين العرب عن الروسية الان وقعوا تحت هذا الضغط ايضا،وهكذا، فهم يخافون ان يترجموا قصيدة بوشكين الشهيرة بعنوان (محاكاة القرآن) كما كتبها الشاعرالروسي الكبير نفسه، وحوّلوا عنوانها الى (قبس من القرآن) او (من وحي القرآن)، وحكيت له ايضا، كيف التقيت مرة بأديب سوداني لا يعرف اللغة الروسية ومعرفته بالادب الروسي ساذجة وسطحية ليس الا، ولكنه أصرّ – وبقوة وحماس شديدين – ان تولستوي اعتنق الاسلام قبل موته، وانه أوصى ان يدفنوه على الطريقة الاسلامية البحتة، وان ذلك ما تم فعلا، وان (القوى المعادية للاسلام في العالم!) تحاول طمس هذه الحقيقة الساطعة في تاريخ الادب الروسي، فسألني الكساندر مبتسما – وكيف انتهى هذه النقاش الغريب مع الاديب السوداني؟ فقلت له، اني لم استطع ان اقنعه باي شئ حول وفاة تولستوي والحقائق المعروفة عن ذلك، عندما هرب من بيته وتوفي بعدئذ في احدى محطات القطار، وهكذا افترقنا – انا والاديب السوداني - وهو مقتنع تماما بصحة رأيه ومعلوماته عن تولستوي، ولا يريد تبديلها ابدا، رغم كل الوقائع والادلة والوثائق ...

آه لو نستطيع تحقيق حوار موضوعي وهادئ بين الاديان دون ارادة السياسيين وخططهم و(ألآعيبهم!!!).. ألا يمكن ذلك؟

 

ا. د. ضياء نافع

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم

تحياتي استاذنا القدير ، كم انا مسرور وانا اتابع مقالاتكم الرائعة حول الثقافة والادب الروسي وعلاقة العرب عموما والعراقيين خصوصا بهذا الادب وبهذا البلد العظيم من حيث الثقافة والاثر في حياة شعوبنا العراقية ...
مقالتكم هذه اضافة نوعية لتبصير العقول بحقيقة الظواهر والاحداث وزيف ثقافة التفرقة بين البشر على اساس الدين والطائفة والقومية واللون
لكم كل الود استاذنا العزيز

الاديب حميد الحريزي
العراق

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4459 المصادف: 2018-11-20 02:00:17