mohamad husanaldaghstaniالمقدمة: عقب عمليات التهجير القسرية التي تعرضت لها شعوب بلاد شمال القفقاس وبضمنها الهجرة الكبرى التي امتدت للمدة من 1859 م ولغاية 1864 م الى تركيا ومن ثم الى البلاد الواسعة التي كانت تحت سيطرة العثمانيين، كانت حصة العراق كبيرة من اعداد الاسر الشيشانية والداغستانية والشركسية (الأديغا) التي استوطنت بصورة رئيسية في مدن وريف كركوك و ديالى وبغداد والموصل والأنبار(الفلوجة) الى جانب العوائل التي قدمت طوعاً من شمال وجنوب داغستان الى العراق عبر أذربيجان وإيران قبل التهجيرالقسري وبعده بفترات غير قصيرة وإستقرت في دهوك وأربيل والسليمانية ... وكانت الغالبية العظمى من المهاجرين القادمين قسرا الى العراق تتكون من عوائل القادة العسكريين أو المقاتلين الذين إنضموا الى الجيش العثماني بدواعي دينية ومن ثم فضّلوا البقاء في العراق ولم يغادروه حتى بعد سقوط الدولة العثمانية.

وعلى إمتداد سنوات القرن الماضي ونتيجة الإفتقار الى مرجعية عشائرية مركزية تتولى رعاية شؤون الشيشان والداغستان والشركس في العراق تعذر القيام بتنظيم العمليات الإحصائية الدقيقة الخاصة بتحديد ومسح الأعداد الفعلية للشيشان والداغستان والشركس (الأديغا) في العراق ومواقع سكناهم لأسباب عديدة لامجال الآن للخوض فيها، لذا فقد كان من المستحيل تنظيم عملية إحصائية دقيقة عن واقع حال هذه العوائل، إلاّ أن رغبة نخبة من رجالها وإيمانهم بضرورة إيجاد وسيلة تنظيمية تتولى لّم الشمل ومعرفة التفاصيل الخاصة بها حياتياً وعلمياً وإجتماعياً والعمل على النهوض بها دفعتهم عام 2004 نحو تأسيس (جمعية التضامن الخيرية لعشائر الشيشان والداغستان والشركس في العراق) وأختيرمركزها العام في محافظة كركوك بالنظر للكثافة السكانية العالية لأبناء هذه العشائر فيها ولكونها تتوسط المدن والمناطق التي تسكنها الأكثرية المتحدرة عن شمال القفقاس .

ورغم غياب تلك الجهة الراعية قبل تشكيل الجمعية إلأّ أنه من باب الأمانة الإشارة الى الجهود الفردية التي بذلت من قبل رجال ورموز إجتماعية بارزة في تعزيز الصلات بين أبناء هذه العشائر ورص صفوفهم وتوحيد كلمتهم وإشعارهم بضرورة تعميق معارفهم عن مواطن الأجداد وفي مقدمة هؤلاء المرحومين مصطفى نجيب تيمور بك (1907 ــ 1989) الذي جعل قريته (جارشلو) في ناحية العباسي بقضاء الحويجة بكركوك نقطة إستقطاب حقيقية لعدد كبير من العوائل الشيشانية والشخصيات المتحدرة من شمال القفقاس منذ خمسينيات القرن الماضي، والمرحوم شمس الدين خالص (1906 ــ 1989) الذي كانت أبواب ديوانيته في قرية الشيشان (الحميدية) بقضاء المقدادية في محافظة ديالى مفتوحة أمام الزوار والضيوف القادمين إليها من داخل وخارج العراق، لقد كان المرحومان يتصفان بالكرم وسعة الصدر والحرص على المشاركة بكافة مناسبات العوائل القفقاسية في السراء والضراء، كما وكانا يعلنان بوضوح عن رغبتهما في إيجاد صيغة مــا للم شمل هذه العوائل وتوفير فرص التعارف والتماسك فيما بينها، لولا الضوابط المركزية القسرية التي كانت تحول دون التطلعات القومية المشروعة للأقليات القومية، لهذا فإنه يمكن القول بأن هاتان القريتان هما الوحيدتان المعروفتان بأنهما تضمان عوائــــل شيشانية في العراق قبل أي مكان آخر، ثم أضيفت إليهما قرية (ينكجة بابلان) الشيشانية في قضاء طوزخورماتو التابعة الى محافظة صلاح الدين وقضاء الفلوجة في محافظة الأنبار الذي كان لجمعية التضامن الفضل في التعريف بأبناء القفقاس فيهما على نطاق واسع وضمهم الى عضويتها منذ تأسيسها .

الفصل الأول: الحجم الســـكاني والتوزيع الجغــرافي

يستفاد من المعلومات التأريخية المتاحة من أن منطقة فيشخابور كانت معبرا للشيشان (يشكلون 75% من القفقاس المهاجرين) الى العراق مرورا بالموصل ثم نزولا الى وسط العراق، فسكن قسم منهم أول الأمر في الكلك الواقعة على الضفة اليسرى من نهر دجلة مقابل مدينة تكريت ثم إنتقلوا منها الى بقية المناطق، وكانت لبغداد حصة حيث تجمعوا في محلة أطلق عليها إسم محلة الججان (1)

تتباين التقديرات المنشورة حول أعداد المتحدرين من شعوب شمال القفقاس في العراق تباينا كبيراً، ومثلما أسلفنا فإنه نذكر للتأريخ بأنه لا تتوفر أية معلومات إحصائية دقيقة عن الحجم الحقيقي لهم في الوقت الحاضر، ولكن على ضوء المعلومات المتاحة بين أيدينا فإن عددهم قد يبلغ عشرة الآف نسمة، مثلما يحصر المستشار لشؤون العشائر في جمعية التضامن الخيرية في العراق السيد عبدالحميد مصطفى نجيب الججان أيضاً عددهم بـ 1890 عائلة متوزعة على كافة محافظات العراق (2)، فيما يقول الفريق الأول المتقاعد محمد عبدالقادر الداغستاني في محاضرة ألقاها في جمعية أصدقاء جمهورية الشيشان في عمان في الأردن في شباط 2006 أن العدد التقريبي للشيشان والداغستان والشركس في العراق لا يتجاوز الألفين نسمة (3) إلاّ أن الدكتور أحمد حسين كتاو نائب رئيس الهيئة الإدارية للجمعية وهو شركسي يطرح عددا طموحا فيؤكد بأنه يتجاوز الثلاثين ألف نسمة (4) بينما يشير عبدالله محمدوف الى أن المعطيات الرسمية تؤكد على أن عددهم في العراق يبلغ خمسة عشر ألفا حيث يعيشون الى الشرق من مدينة زاخو بمحافظة دهوك وجنوب محافظة أربيل (5)، إلا أننا بلا شك سنعول على خطة الجمعية المستقبلية الهادفة الى إجراء مسح دقيق لعدد العوائل في كافة المحافظات بعد أن يستتب الأمن وتتوفر الإمكانات الضرورية لأنجاز هذا المشروع الحيوي، وإنه لمن الضروري ذكر الروحية الجديدة التي بدأت تسري في عروق أبناء هذه العشائر ورغبتهم العارمة في تأمين سقف وجداني تستظل به مئات العوائل المبعثرة في محافظات العراق وخاصة في العاصمة بغداد التي تضم حوالي خمسمئة عائلة شيشانية وداغستانية وشركسية، وأغلب رجالها من القادة العسكريين والموظفين العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة، وفيهم من المهندسين والأطباء والصحفيين والإداريين العدد الكبير، ويعيشون في مناطق سكنية متعددة ومتباعدة، وربما لا يعرف أحدهم الآخر . وقد افلح أغلب الشيشان والشركس في إنشاء قرى خاصة بهم منذ بداية القرن الماضي في عدد من مناطق البلاد وكالآتي :

1. قرية زندان (الحميدية) في محافظة ديالى :

قرية زندان ويطلق عليها أيضا الحميدية نسبة الى السلطان العثماني عبدالحميد، وقد شيدت من قبل الشيشان عام 1880 وكانت مساحتها عند بداية التكوين تبلغ حوالي عشرين دونما ثم إتسعت لتصل الى أكثر من خمسين دونما، وفيها من الخدمات الرئيسية الكهرباء ومصادرالمياه والطرق الحديثة والمدارس، وقد شيد أول مدرسة إبتدائية فيها عام 1947م والمركز الصحي عام 1963 وكليهما على نفقة المرحوم شمس الدين خالص، وتنحدر العوائل الشيشانية القاطنة فيها من عشائر معروفة في شمال القفقاس كالأرشتغوي والغلغاي والنشغوي ..وكانت تضم أكثر من خمسين عائلة تناقصت تدريجيا لأنتقال بعضها الى مركز المحافظة بعقوبة أو الى العاصمة بغداد والتي لا تبعد سوى (110) كيلومترا .

ولشيشان القرية صلات حميمة وقوية ودائمة مع أقربائهم من الشيشان والداغستان في البلدان المجاورة وخاصة في الأردن وسوريا، ومن أبرز شخصياتها التي كانت معروفة في القرية مراد آغا وسليمان آغا ومحمد عارف آغا وغوبا وصالح متي وتوبوت وبطل وقنديت وصالح بيبرت وعزيز آغا وأصلان وتويتا وعبدالقادر أغا ..

وفي خضم الفوضى العارمة التي سادت العراق فقد تعرضت القرية منتصف شهر أيلول من عام 2007 الى هجومين مسلحين غادرين من قبل مسلحين مجهولين وميليشيات طائفية قامت بحرق وتدمير جميع دوروجامع وبساتين القرية عن بكرة أبيها، وإستطاعت العوائل أن تنقذ بنفسها بالملابس التي على أفرادها بعد أن قاوم أبنائها الشباب القليلين وبأسلحتهم البسيطة جموع الغزاة المسلحين المدججين بكافة أنواع الأسلحة لحين وصول النجدة إليهم وبعدها تشتت العوائل على المحافظات بحثا عن الملجأ والأمان .

2. ناحية المنصورية (دلي عباس)

وتعتبر من أقدم نواحي محافظة ديالى سكنتها العديد من العوائل الشيشانية المهاجرة حتى يقال ان حوالي نصف سكانها كانوا من الشيشان ومنها انتقل قسما منهم الى الحميدية مثل عائلة خالص بك وأبنائه شمس الدين ونور الدين وعائلة احمد دولت وزارخمت وغيرها وبقيت هناك عدة عوائل منهم عائلة خالص بك وإبراهيم آغا وكان وابنه عبد الرحمن من ضباط الجيش التركي كان برتبة عقيد واشغل منصب مدير شرطة الديوانية والبصرة كما توكل قائمقامية ديالى ومن أحفاده الفريق الأول المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني، وهناك ضابط اسمه ابراهيم آغا ايضا وكان ضابط في الجيش القيصري ثم انضم للثوار كان من اكبر المعمرين عاش 125 عاما .

3. قرية الشيشان (جارشلو) في محافظة كركوك

تأسست هذه القرية التابعة لناحية العباسي في قضاء الحويجة عام 1936 م على يد المرحوم إبراهيم بك دولت، وتقع جنوب نهر الزاب الصغير وشرق نهر دجلة بمسافة عشرة كيلومترات عن نقطة إلتقاء الزاب بدجلة، وقد قدمت اليها العوائل الشيشانية من قرية (اللقلق) الشيشانية التي أسسها المرحوم تيمور بك بن علي المعروف بـ (تمربيك) سنة 1284 هـ بعد قدومه الى العراق من تركيا قبل عام من تلك السنة وشيدها على ضفة نهر دجلة الشرقية مقابل قضاء بيجي في محافظة صلاح الدين جنوب فتحة جبل حمرين، وكانت جارشلو قرية حديثة ومنظمة وجميلة مقارنة بالقرى المتخلفة المحيطة بها، وكانت ذات بيوت قليلة مكعبة الشكل تقع على جانبي شارع ترابي واسع فيه قليل من الأشجارويعيش سكانها عيشة مدنية منظمة وفق تقاليدهم وعاداتهم وأخلاقهم الجميلة وإكرامهم العالي للضيف (6)

وكانت ديوانية مصطفى نجيب بك في القرية مفتوحة على الدوام تستقبل الضيوف والأقرباء من كل حدب وصوب، وهي لا تزال في عهد خلفه الصالح الشيخ عبدالعزيز مصطفى نجيب بك الجاجان مقصد العديد من الزوار والعوائل والأسر القفقاسية سواء من العراق أو خارجه فضلا عن كون القرية نفسها ملجأ للمعتصمين بها في الظروف العصيبة .

ومن أبرز الشخصيات التي ساهمت في إنشاء القرية وعاشت فيها كل من الذوات حسين محمد علي ويونس محمد علي ومصطفى نجيب تيمور ومحمد عسكر وبشير أحمد وهم من سكان قرية اللقلق فيما كانت هناك شخصيات من عوائل شيشانية قدمت من الأردن بهدف الإستقرار في القرية وهم كل من محمد أسندر وإبراهيم أسندر وخليل إبراهيم وعثمان أبو بكر وشقيه طيب وموسى عثمان وخضر أرسلان .. وقد عاد هؤلاء وغيرهم الى الأردن بعد إنتشار الملاريا في المنطقة وإرتفاع مستوى الملوحة في الأراضي الزراعية عدا عائلة بدرخان برك خان التي لا يزال خلفه يعيشون مع بقية الشيشان في القرية .

4. قرية ينكجة بابلان في قضاء طوزخورماتو

يقول الباحث والمؤرخ صلاح الدين ناجي أوغلو(1945 م) بأن الشيشان القاطنين مركز قضاء طوزخورماتو قد إنفصلوا أصلاً عن العوائل الشيشانية المستوطنة في منطقة قره داغ في محافظة السليمانية وقد إستقروا فيه حوالي العام 1890 م، وأول من وصل القضاء منهم الأخ الأكبر لهذه الأسر وكان يدعى (ججان) ثم أعقبه إخوته بيرام وحلو ومحمد وفتاح وكانوا قد قدموا العراق عن طريق أذربيجان و إيران ليكون القضاء آخر مطاف لهم، وبلغ عددهم 27 عائلة . فيما إستقرت 40 عائلة شيشانية تنتمي الى عائلة البسلي في قرية ينكجه بابلان التي تبعد عن القضاء حوالي خمسة كيلومترات وقد جاءت تسمية البسلي نتيجة إختفاء جدهم أثناء حروب القفقاس ويقال أن الأتراك أطلقوا عليه هذه الصفة عندما وجدوه مختبأ مريضا في ركن غرفة منعزلة قذرة بعيدا عن أعين الروس الذين كانوا يقتلون كل من يصادفونهم من القفقاس (7)

يبلغ عدد العوائل القاطنة في القرية حاليا 72 عائلة تضم 112 شابا تمتهن غالبيتهم الزراعة وتربية المواشي الى جانب عدد منهم يعملون في دوائر الدولة وهم يتصفون بصفات الأجداد من الكرم وحسن وفادة الضيف والشجاعة والنبل .

5. قضاء الفلوجة

يعتبر قضاء الفلوجة أكبر أقضية محافظة الأنبار (مركزها الرمادي) ويبعد عن بغداد غربا حوالي 60 كيلومترا ً وعن مركز الرمادي حوالي 55 كيلومتراً، وتؤكد المعلومات التأريخية الدقيقة الى أن أول من إستوطن الفلوجة كان الشركسي مصطفى إسماعيل الذي قدم من تركيا العثمانية فأقطعه السلطان العثماني أراضي زراعية له ولعائلته الشركسية (الأوبيخ / أديغة) في أراضي تسمى بأراضي الخراب والبساتين المطلة على نهر الفرات (أصبحت هذه الأراضي الآن من ضواحي القضاء الحديثة) وكان ضابطا في الجندرمة وعالماً متضلعاً في شؤون الدين والتقوى،وهو والد الوجيه الفلوجي الثري صاحب الإقطاعيات المعروفة بإسمه حسن بك و وأخويه هما حسين وعلي، وقد خلف حسن بك كل من المهندس والمقاول الفلوجي الشركسي حقي حسن بك وخالد ومنذر و الحقوقي والكاتب الشركسي مؤيد ومصطفى . وبذلك فإن هذه الأسرة الشركسية هي المؤسسة الفعلية لقضاء الفلوجة الذي إتسع فيما بعد وتكونت بيوتاته من سكان الصقلاوية التي كانت مركزا للناحية وكانت الفلوجة تابعة له عام 1872 م . وأول ما بني فيها من الأبنية والمسقفات جامع (كاظم باشا) وهو الجامع الكبير حاليا والذي يطل على النهر ثم القلعة القريبة منه وكاظم باشا هو صهر السلطان عبدالحميد الثاني وقد بنى كذلك دارا مقابل الجامع وإسطبلا للخيول (8)، وعلى أثر إحتلال القوات الأمريكية لدور الأسرة وبساتينها وحرق وتدمير ممتلكاتها عام 2003 م إضطرت الى البحث عن سكن مؤقت لها في بغداد العاصمة بإنتظار ما يوؤول إليه المستقبل .

6. محافظة السليمانية

يعود تأريخ التواجد القفقاسي في مناطق كردستان العراق الى زمن الحروب والويلات القفقاسية والقيصرية الروسية ؛ حيث هاجر جمع من العوائل الشيشانية مع مواشيهم عبر إيران وأذربيجان وإستقروا في البداية في قرية (بيوكة) الواقعة في منطقة برزنجة في محافظة السليمانية ثم إنتشروا الى بقية القرى والمناطق بحثا عن الأمان والإستقرار والكلأ ومصادر المياه .

وتتوزع في قرى محافظة السليمانية ومركزها 630 عائلة جيجانية (شيشانية) وخاصة في قرى سيان زار وكل وسويره وجناره وجوزه كوره وشيره وبرده رشه وسليمانا وسه بوره وكاني ميران، وحصة المركز تتجاوز 200 عائلة منها (9) ويبدو واضحاً ذوبان هذه الأسر في بودقة المنطقة ففارقت على مر السنين سماتها القومية والثقافية وإكتسبت القيم والتقاليد واللغة السائدة، وبالتالي فإن قلة منهم فقط لا تتذكرمن الماضي سوى إنتمائها الأصلي الذي فقدته أيضا الى الأبد !

إحصائية رقمية تقريبية

وفيما يلي الإحصائية المتاحة (حالياً) لحجم العوائل القفقاسية في محافظات العراق مؤكدين عدم ثبات هذه الأرقام لحين إنتهاء عملية المسح :

المحافظة          العدد التقريبي للعوائل          الملاحظات            

بغداد                     500

ديالى                    250                         أغلبية شيشانية

كركوك                 190                         أغلبية داغستانية وشياشانية

أربيل                    10                          عوائل داغستانية

السليمانية               630                         أغلبية شيشانية

الموصل                150                         أغلبية داغستانية

النجف                   50                          أغلبية داغستانية

الكوت                   20                          أغلبية داغستانية

البصرة                 20

الناصرية               10

العمارة                  5

دهوك                   3

الحلة                    20

الديوانية                12

الأنبار                   20                                       أغلبية شركسية (أوبيخ)

المجموع                 1890 عائلة

وإذا ما تم إعتماد مقياس 5 أفراد لكل عائلة أو أكثر قليلا ً فإن العدد الكلي لنفوس هذه العوائل يبلغ حوالي عشرة الآف نسمة .

ملاحظات حول الحجم السكاني:

1. نشرت جريدة (الإتجاه الآخر) في عددها 183 الصادر في يوم السبت الموافق 21/ 8/2004 تحقيقاً صحفياً بقلم السيد حسان شروخ تحت عنوان (صقيع الأديغة يغلي في جحيم بغداد) وأشارت فيه الى وجود أكثر من (30) ألف عائلة شركسية فـــــي بغداد لوحدها، ولم يتسن التأكد من دقة هذه الإحصائية رغم محاولاتنا الدؤوبة للإتصال بكاتب التحقيق الصحفي عن طريق الجريدة ذاتها أو بواسطة البريد الألكتروني لمعرفة مصادره مع قناعتنا بأن الرقم مبالغ فيه .

2. أكد عدد من الرجال والوجوه الإجتماعية للشيشان القاطنين في قرية (كاني ميران) ـ وتعني باللغة الكردية ينبوع الأمراء ـ الواقعة في منطقة قره داغ الكردية في محافظة السليمانية وذلك خلال زيارتنا اليها صيف عام 2004 بأن لهم أقربــــاء يتوزعون على خمس قرى شيشانية تضم أكثر من ألف عائلة في منطقة (برزنجة) في السليمانية

الفصل الثاني: العادات والتقاليد واللغة

لا تزال العوائل المتحدرة من شمال القفقاس في العراق تمارس جانباً من تقاليدها العريقة سواءً في المناسبات الإجتماعية أو الدينية وخاصة تلك التي تتوافق مع القيم السائدة في المناطق التي يتواجدون فيها أو مع الأقوام القاطنة في الأراضي التي يعيشون عليها والذين تأثروا بها كثيراً بحكم المعاشرة والتقادم الزمني الطويل، لذا فالشيشاني أو الداغستاني أو الشركسي (الأديغة) عربي الهيئة والهواجس والقناعات واللغة حيثما ولد وترعرع في أحضان المنطقة العربية وهكذا الحال مع الذين يقطنون في المناطق الكردية أو التركمانية الأخرى في العراق فهم أكراد في هيئاتهم ولغتهم و أزيائهم وممارساتهم الإجتماعية في المدن والقرى الكردية وكذلك فهم تركمان في مناطق التركمان، فضلا عن إكتسابهم القناعات والعقائد الطائفية لسكنة هذه المناطق .

إلاّ أن كل تلك السنين الطويلة التي صهرت تلك العوائل في بودقة البيئة وأكسبتهم السمات الحضارية والإجتماعية السائدة لم تفلح في مسح وإلغاء روح الإنتماء الى عشائرها الأصلية أو ممارسة بعض التقاليد أو التحلي بالقيم والمثل ذات الدلالات التربوية ذاتها الموجودة في المجتمع القفقاسي كالحرص على تطبيق مفردات أعراف ومبادئ ما يطلق عليه (قانون أديغا خابزة) التي توجب بصرامة التحلي بقيم الآباء والآجداد وكأن التقاليد القفقاسية قد إمتزجت مع جينات الإنسان القفقاسي أينما وجد، ففي طقوس الزواج والولادة والمناسبات الإجتماعية الأخرى فإن بعضاً من التقاليد القفقاسية يفرض نفسه، كما ولا يزال مطبخ العائلة الشيشانية أو الداغستانية أو الشركسية عامراً بالكثير من الأكلات والمقبلاّت القفقاسية التي تتولى المرأة إعدادها بمهارة مثل (الحلطمش) و(الكلمش) و (الكرزنش) و (المهلبية) و(الشبس باصتا) و(الحلفة) وغيرها .

أما على صعيد اللغة فإن عدداً محدوداً من المسنين والمسنات في بعض العوائل القفقاسية يجد متعة بالغة في التحدث باللغات أو اللهجات القفقاسية القومية التي لا تزال حية في الذاكرة خاصة عندما يفد بعض الضيوف الى الديار ويتحدثون معهم بلغات الأجداد، ومما لا ريب فيه فإن هذا العدد يتناقص يوماً بعد يوم بسبب الوفاة وعدم حرص الجيل اللاحق على تعلم اللغة مما سيؤدي حتماً الى نسيانها لولا أن تتدارك جمعية التضامن ذلك وتضع عملية تعليم اللغة نصب عينيها مستقبلاً رغم صعوبة إقرار منهج مشترك لتعليم اللغات المتعددة المنتشرة حتى في بلدان الأسلاف نفسها .

إن الإكثار من فتح الدورات التعليمية وإيجاد فرص الإيفادات والزمالات الدراسية لأبناء هذه العوائل وخاصة الطلبة وتشجيع وتبادل الزيارات الى شمال القفقاس بالتنسيق مع السلطات الحكومية والجامعات الأكاديمية والمنظمات والجمعيات الشقيقة سيسهم فعليا ً في توسيع قاعدة المتحدثين بلغات الأجداد والتي تشكل عاملاً حاسماً في تعزيز الروح القومية في نفوس الأجيال الناهضة، كما أن الجمعيات الشقيقة في البلاد العربية وفي شمال القفقاس قادرة فعلاً على مد يد العون الى القائمين على جمعية التضامن في هذا المجال الحيوي نتيجة الخبرة العالية التي تتمتع بها خلال عملها طيلة السنوات الماضية التي سبقت تأسيس (التضامن) بعشرات السنين لإنقاذ هذه العوائل من الضياع والتشتت والذوبان في الكيانات القومية الأخرى ..

الفصل الثالث: دور القفقاس في الحياة السياسية والإجتماعية في العراق

هناك حقيقة تأريخية لاجدال عليها تؤكد على أن رجال وقادة عظام من الداغستانيين والشيشان والشركس كان لهم أبرز الأدوار في مختلف الفترات التأريخية المتعاقبة على العراق، بل وساهموا بشرف ورجولة في بناء اللبنات الأساسية للمؤسسات الحضارية والسياسية والعسكرية العراقية وفي المقدمة منها الجيش العراقي العريق منذ بدايات القرن العشرين منطلقين من مشاعرهم الصادقة في إنتمائهم الى تربة وادي الرافدين أرواحا وأجساد .

إن عشرات الفرقاء ومئات الألوية وأصحاب الرتب العسكرية من وطن الإمام شامل الشهير قد خدموا برجولة وبتفان في تشكيلات الجيش العراقي وإكتسبوا نتيجة لذلك شهرة فاقت حدود وطنهم العراق (10)، كما وأن هناك العديد من الأسماء المعروفة في الحياة الثقافية والإعلامية ورجال الأعمال لا يزالون يكرسون جهدهم في سبيل رفعة وتقدم العراق، وقد كان هؤلاء جميعهم موضع عناية وإهتمام حيثما وجُدوا لِما كانوا يتصفون به من إخلاص كبير وتفان متناه وإدراكهم بأن الجهد الذي يبذلونه مكرس لرفعة وطنهم العراق وليس للإشخاص أو المسؤولين الذين عملوا بمعيتهم، وهذا جعل العديد منهم يتبوأ مناصب قيادية عليا في الجيش وفي كافة العهود، وعلى الرغم من قلة عددهم فهم معروفون في كافة المناطق التي تواجدوا فيها نتيجة سمعتهم الطيبة (11) .

إن هناك قصص ووقائع تتحدث عن شيشان و داغستانيين و شراكسة وقفوا بصلابة لا تتزعزع أمام المغريات أو الضغوط التي كانوا يتعرضون لها من قبل قادة أو مسؤولين كانوا يفرضون عليهم ما يتنافى مع قناعاتهم ومبدئيتهم ووطنيتهم لكنهم كانوا لا ينحازون في النهاية سوى لعراقهم ودينهم مهما كانت الأسباب .

أعلام وشخصيات

كأي من الشعوب أو القبائل الحية التي رفدت مجتمعاتها بشخصيات بارزة لها خدمات متميزة أسهمت بفاعلية في تعزيز موقعها ودورها في الحياة، فإن لعشرات بل والمئات من أبناء ورجال القفقاس في العراق دورأً بارزاً فــي سبيل رفعة بلدهم المفدى العراق ومواصلة عطائهم الجليل وتأكيد دورهم الإنساني وبذلهم النقي والبعيد عن التعصب أو التطرف أو الإنحياز .

ويبدو واضحاً من خلال إستعراض أسماء الأعلام والشخصيات الداغستانية والشيشانية والشركسية أن للقادة والضباط العسكريين حصة كبيرة منها، وهذا نابع من الحقيقة التي أوردناها والمتمثلة بأن الغالبية العظمى منهم قد إختاروا المؤسسة العسكرية ليخدموا وطنهم وشعبهم، وكانوا بحق قادة ورجال عظام سيحفظ لهم التأريخ الوطني هذا الإرث النفيس من الذكر الحسن .

1. محمد فاضل باشا الداغستاني :

من أبرز الشخصيات في التأريخ العراقي الحديث، تقلد العديد من المناصب المهمة عمله مستشاراً ومرافقاً عسكرياً للسلطان العثماني، كما وساهم في عشرات المعارك فنال العديد من الأوسمة والنياشين، ولخبرته العسكرية فقد تدرج في الرتب حتى أصبح فريق أول ركن .

عين مفتشا عاماً للجيش العثماني في البلاد العربية ومقره بغداد كما وعهد إليه بولاية بغداد وكالة عام 1907م ثم عين واليا على ولاية الموصل وقائدا لقواتها ثم مفتشا لفيلق العراق في 1913، وعند بدء الإحتلال البريطاني للعراق عام 1915م قاتل ضد الغزاة قائدا للعشائر العراقية في عدد من الصولات المظفرة ثم إستشهد في إحدى تلك المعارك يوم 11/ أذار/ 1916 ودفن جثمانه الطاهر في مقبرة الأمام الأعظم ببغداد .

2. غازي محمد فاضل الداغستاني

ولد في بغداد عام 1912 م، تخرج من الكلية العسكرية في وولج (المملكة المتحدة) عام 1930 ثم دخل كلية الأركان عام 1938، تقلد عددا من المناصب القيادية في الجيش العراقي لينتهي قائدا للفرقة الثالثة، وكان واحدا من المرشحين ليكون رئيسا لوزراء العراق، ثم حكمت عليه محكمة الشعب المشكلة أعقاب ثورة عام 1958 بالإعدام بسبب تفانيه في واجبه وإخلاصه للملكية في العراق، إلا أن الحكم لم ينفذ فيه وأطلق سراحه من سجن أبو غريب في 28/ اذار/ 1961فسافر مع عائلته الى لندن، توفي هناك عام 1966إلا أنه دفن جوار والده في مقبرة الإمام الأعظم ببغداد في مسيرة وإستعراض عسكري مهيب شاركت فيه كل الصنوف العسكرية في الجيش العراقي .

3. تيمور علي بك

ولد في ارشت في الشيشن، هاجر مع والده الى تركيا ثم سكن مع صديقه الحميم وزوج أبنته محمد فاضل باشا الداغستاني ببغداد، إستقر في قرية اللقلق بتكريت شارك مع الفريق محمد فاضل باشا الداغستاني في العمليات العسكرية ضد الإحتلال البريطاني للعراق، وافته المنية في 24/8 /1921 ودفن في مقبرة الإمام الأعظم، من أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان التي ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

شارك مع القائد الكبير محمد فاضل باشا الداغستاني في المعارك الضارية ضد الاحتلال الانكليزي في العراق ثم وافته المنية في 24 /8/ 1921 ميلادية ودفن في مقبرة تكريت .

ومن أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان و ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

4. القاضي نورالدين خالص إسماعيل الجاجاني

ولد في قرية زندان / الحميدية المعروفة بقرية الججان في ديالى عام 1914 م وأنهى دراسته الابتدائية في بعقوبة والمتوسطة والإعدادية في بغداد وتخرج من كلية الحقوق 1936 م ونال شهادة الليسانس في الحقوق بدرجة إمتياز ومرتبة الشرف الأولى عين معاوناً لرئيس تسوية الموصل ثم حاكماً لمحكمة بداءة العمادية في العام 1955 وبعده رئيسا لتسوية أربيلا وكركوك ثم رئيساً للمحكمة الكبرى في ديالى في العام 1961 ثم رئيساً لمحكمة الإستئناف الوسطى ومقرها الحلة عام 1965 م ورئيساً لمحكمة بغداد عفي العام 1968 وأخيرا عضواً في محكمة تمييز العراق في العام 1973 لحين إحالته على التقاعد في العام 1977 م . كان واحداً من أعمدة عشائر الشيشان وكان معروفاً عنه بالجدية والصرامة والعدل ومحباً لقومه وله حضور وقور في حياة الناس من حوله . إنتقل الى جوار ربه في 1/8/2010 في بغداد .

5. الباحث التأريخي محمد علي مصطفى (شيخ الآثاريين في العراق)

ولد في 28/ 11/1910 بغداد وعائلته تنتمي الى عشيرة (الأوبيخ) الشركسية العريقة .

و درس الابتدائية والثانوية ثم تخرج من الكلية الأمريكية في بغداد ودرس الهندسة المدنية في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1935 م . حاز على المرتبة الأولى في العراق عام 1933 في سباق القفز بالزانة . وكذلك في سباق الجري مسافة 400 متر في نفس العام . تعين في مديرية الآثار العامة واصبح ممثلا لها لدى جامعى بنسلفانيا الأمريكية في موقع تبه كورا جنوب الموصل عام 1936. ثم عمل في عدد من مواقع الحفر والتنقيب في أنحاء العراق .

أحيل على التقاعد في العام 1973 إلا أنه إستمر في العمل كمستشار آثاري في بناية المتحف الوطني العراقي .

توفي يوم 10/10/1997 ودفن في مقبرة الكرخ في (أبو غريب) . وقد نظم له حفل تأبيني كبير يوم 19/11/1997 شارك بالحضور والكلمات كبار علماء الآثار في العراق، وكتب عنه في عدد من الصحف والمؤلفات كل من العالم الدكتور عبدالقادر حسن التكريتي والدكتور بشير فرنسيس والدكتور قحطان رشيد صالح وغيرهم وعلقت إدارة متحف الآثار البريطاني في لندن لوحة تعريفية عنه عام 1998كتبها كل من العالمين ديفيد وجوان لويس

6. الفريق الطيار الشهيد المرحوم صفاء شمس الدين خالص الشيشاني

ولد بمحافظة ديالى في العام 1942 م، وأكمل الإبتدائية فيها في العام 1956 م، وأكمل المتوسطة والثانوية في ثانوية المقدادية للبنين في العام م1961 م ثم دخل كلية القوة الجوية العراقية في العام 1962 وأوفد الى المملكة المتحـــدة حيث أكمل دورة الطيران عام 1963 ليتخرج منها برتبة ملازم طيار في العام 1965 .

أوفد الى المملكة المتحدة ثانية للمشاركة في دورة معلمي الطيران في العام 1970 ثم الى دورات تخصصية في كل من فرنسا وألمانيا الغربية .

تقلد خلال حياته الوظيفية عدة مناصب هامة فتعين آمر سرب في العام 1976، ثم آمر تشكيل طيران عام 1986، ثم قائداً لطيران الجيش العراقي للأعوام 1993 الى 1998 م.

إستشهد المرحوم إثر مواجهة مفتعلة بين فريقين من المسلحين المجهولين في منطقة نفق الشرطة في العاصمة ببغداد، حيث كان ينتظر مع نجله دوره في إستلام حصة سيارته من الوقود، وذلك في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الإثنين الموافق 30/ تموز/ 2007، بعد أن أصابته طلقة في رقبته، في سياق العنف الأعمى الذي كان يعصف بالبلاد، أدت الى نزف شديد، مما إضطر نجله الى الإنتقال به بين عدد من مستشفيات بغداد بحثاً عن الإسعاف وتوفير العناية الطبية الطارئة له فأبدت هذه المستشفيات عجزها !، فأدى النزيف المتواصل الى إستشهاده وهو يوصي إبنه بأهله وأقربائه وعشيرته ومحبيه خيراً، قائلاً : (ياولدي إنه قضاء الله وقدره وعلينا أن نرضح لمشيئة الخالق).

كان المرحوم مثالاً للتواضع والمروءة، نبيلاً، يتصف بطيبة القلب وبشاشة الوجه ورجاحة العقل والقدرة على ولوج قلوب الآخرين دون إستئذان، وكان يعشق الإنكليزية فبادر الى ترجمة عدد من القصص الروسية التي تناول كتابها الحياة القفقاسية ولأول مرة الى اللغة العربية كقصة الغارة للكاتب الكبير تولستوي .

7. المصور الفوتوغرافي العالمي مراد الداغستاني

ولد في مدينة الموصل الحدباء في العام 1917 وإبتدأ رحلته مع التصوير الفوتوغرافية في عام 1935 وفي زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال بين الشعوب كما هي عليه اليوم، حيث استطاع الفنان الفوتوغرافي العالمي الموصلي مراد الداغستاني بجهوده الشخصية ان يشارك في اكثر من تسعين معرضاً للتصوير الفوتوغرافي داخل العراق وخارجه . فاز بعدة مداليات من دول عالمية مختلفة وحصل على شهادات تفوق من المانيا والبرازيل وفرنسا والصين ويوغسلافيا، كما حصل على شهادة الابداع من البرازيل وكان طليعة ثمانية فنانين فوتوغرافيين في العالم منحوا هذه الجائزة وذلك عن تصويره صور لحالات وحركات الناس التي قد لا تتكرر مرة اخرى، مثل صورة صياد الاسماك وهو يرمي بشبكته في نهر دجلة العظيم وصورة أرجل الخيول وهي تجر عربة الخيل وصورة احد صيادي الاسماك وهو يدفع بزورقه عكس اتجاه مجرى النهر وسواها الكثير من الصور الفوتوغرافية التي اثارت دهشة واعجاب المتلقي لها

أنتخب رئيساً للجمعية العراقية للتصوير فرع نينوى لعدة سنوات و كان من المولعين بالتدخين ما جعله يرقد في المستشفى لاستئصال احدى رئتيه عام 1973 وخرج من المستشفى برئة واحدة لحين وفاته . توفي في يوم 27 /7/ 1982 .

8. الفريق الركن الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني

ولد في العام 1942 م وهو من خريجي الكلية العسكرية العراقية عام 1961م (بكالوريوس علوم عسكرية ,و من خريجي كلية الأركان العراقية (ماجستير علوم عسكرية) و حاصل ايضاً على شهادة (دكتوراه بالعلوم العسكرية) حصل ايضاً على شهادات عليا ليضيف لمهنتة الإختصاصية علوماً أخرى ذات العلاقة .

عمل قائداً لعمليات شرق دجلة وقائدا لقيادة قوات شط العرب ثم قائداً للفيلق الرابع ثم الفيلق السابع ثم محافظا لديالى ومحافظا لنينوى ورئيسا لهيئة السياحة في العراق . من أعمدة عشائر الشيشان في العراق ومن القادة العسكريين العراقيين البارزين في مجالات التخطيط والحرب والأركان . وهوكاتب وباحث عسكري، وشارك في مؤتمرات متعددة داخل وخارج العرا ق .

9. الحقوقي والباحث الشركسي مؤيد حسن مصطفى بيك

ولد في 2/2/ 1934 في مدينة الفلوجة . و ينتمي الى عشيرة الآوبيخ الشركسية العريقة

درس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة الفلوجة وتخرج من كلية الحقوق في بغداد في العام 1958 م . ثم إلتحق بكلية الاحتياط بتاريخ 1/11/1960م ثم تسرح من الجيش بتأريخ 1/8/ 1962تعين في وزارة الداخلية وكان أول منصب أنيط به مديرا لناحية الرحبة في النجف الأشرف في 11/11/ 1962 وعدد من النواحي فيما بعد .إرتقى الى منصب قائمقام حيث باشر بوظيفته الجديدة قائم مقاماً لقضاء الرطبة بتاريخ 30/3/1976م. إرتأى ترك الوظيفة الإدارية وقدم طلبا بذلك الى وزارة الداخلية وحصلت الموافقة ونقل موظفا على ملاك مديرية الدفاع المدني في بغداد ثم خرج من الوظيفة لأسباب صحية . وهو متفرغ حالياً لكتابة مذكراته الشخصية والدروس والخبر المستنبطة من سنوات عمله في أرجاء البلاد المختلفة .

 

محمد حسين الداغستاني (*)

..................

الهوامش

(*) أديب وشاعر وإعلامي عراقي (1948 ـ) / رئيس تحرير مجلة التضامن الشهرية / أمين سر جمعية التضامن الخيرية للشيشان والداغستان والشركس في العراق / والده المرحوم حسين داغستاني (1928 ـ 1984 م) عميد الداغستان في كل من محافظتي أربيل وكركوك .

(1) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / الشيشان في العراق / مجلة التضامن الشهرية / العدد 7و8 الصادر في حزيران 2006 / ص 20 .

(2) مقابلة خاصة .

(3) مصدر سابق، ويمكن الإطلاع على أصل و نص المحاضرة أيضا على الموقع الألكتروني http://www.sukhneh.com

(4) من مقابلة له مع وكالة أنباء القفقاس التركية / أيار 2005 / موقع (وقف القفقاس) الألكتروني .

(5) داغستان والداغستانيون في العالم / تأليف عبدالله محمدوف / إعداد بدرالدين أواري / ترجمة زياد الملا / ط 1 / دمشق 1998 ص 83

(6) المحامي محمود نديم إسماعيل ونخبة من الباحثين / مشروع إصلاح القرى في العراق / بغداد 1954 م

(7) الأسر الشيشانية في طوزخورماتو وضواحيها / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005

(8) المحامي صادق الجميلي / دور الشراكسة في إنشاء الفلوجة / مجلة التضامن العدد 9و10 أذار 2007

(9) الجيجان في السليمانية / مقابلة صحفية مع الحاج سعيد رحيم خالي الجيجاني / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005 ص 22

(10) داغستان والداغستانيون في العالم / مصدر سابق ص 84

(11) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / مصدر سابق .

 

 

ryad alsindiتحّل في الخامس عشر من حزيران من كل عام ذكرى صدور اول صحيفة عراقية وهي (الزوراء) عام 1869 في بغداد على يد الوالي العثماني المصلح مدحت باشا والذي أعتبر فيما بعد عيداً وطنيا للصحافة العراقية. كما تحل في الأول من تشرين الثاني من كل عام ذكرى صدور أول صحيفة باللغة السريانية وهي صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849، والذي عُدّ عيد للصحافة السريانية.

ويرجع الكثير من الباحثين في تاريخ الصحافة العراقية بداية الصحافة النسوية في العراق الى 15 تشرين الثاني من عام 1923 ، وهو تاريخ صدور مجلة (ليلى) التي اصدرتها ورأست تحريرها بولينا حسون، الا ان تحديد بدايات الصحافة النسوية في العراق ليس بالأمر الهين، وقد اثيرت هذه المسألة في خمسينات القرن الماضي بعد ان تناول الباحثون تاريخ الصحافة في العراق، وكان المرحوم روفائيل بطي رئيس تحرير جريدة البلاد سباقاً الى ذلك، فقد القى عدة محاضرات في تاريخ الصحافة العراقية على طلبة معهد الدراسات العربية العالية عام 1955، جمعت فيما بعد في كتاب مستقل بعنوان (الصحافة في العراق). وكان قد سبقه شيخ المؤرخين العراقيين المرحوم عبد الرزاق الحسني فجرد كل الصحف والمجلات العراقية في كتاب بعنوان (تاريخ الصحافة العراقية) صدر جزأه الاول عام 1935، ولم تصدر بقية اجزاءه. كما ان انشاء نقابة الصحفيين العراقيين عام 1959 قد حفّز على اثارة هذا الموضوع مجددا.       

- مفهوم الصحافة النسوية

ظهرت الصحافة النسوية بصورة مستقلة وأصبح لها كيان خاص بها مع تأسيس في بداية القرن التاسع عشر في أوربا (Curtis) مجلة بيت السيدات كرتس التي نشرها وحررها ادوار بورك أكبر المحررين في تاريخ المجلات النسوية.

وتشير المصادر الى ان الصحافة النسوية العربية ظهرت في مصر عام ١٨٩٢ ولم تكن قد عرفتها دولة عربية أخرى، لان مصر شهدت نهضة صحفية لم تعرفها البلاد العربية من قبل وهي حديثة عهد بالصحافة وبصناعة الأقلام ولما كان اغلب أصحاب الصحافة وحملة الأقلام بها من الشاميين كان من الطبيعي ان تسعى نسائهم لإنشاء صحف تعالج قضايا المرأة تشبها بذويهن من الرجال، فقد انشات (هند نوفل) وهي فتاة لبنانية أول دورية نسائية في الإسكندرية في مصر تدعى مجلة (الفتاة). وتعد مجلة ليلى التي أصدرتها السيدة (بولينا حسون) ١٩٢٣ أول مجلة نسوية في العراق.

وتعرف الصحافة النسوية (صحافة المرأة) بأنها نوع من الصحافة المتخصصة التي تعالج شؤون المرأة ومشكلاتها وقضاياها حتى لو عمل بها وأصدرها رجال وهي ليست الصحافة التي تملكها او تعمل بها النساء وتعالج الأمور العامة.

وفيما يخص العراق فقد ظهرت الصحافة المتخصصة بمفهومها الحالي بعد الانقلاب الدستوري العثماني ١٩٠٨ وبعد إطلاق الحريات وانشاء الصحف الخاصة باللغة العربية وبذلك تكون الصحافة المتخصصة في العراق قديماً قياسياً الى بداية صدور الصحف في العراق.

يتسع مفهوم الصحافة النسوية ليشمل مجالين رئيسين:

المجال الأول: صفحات المرأة في الجرائد اليومية والمجلات العامة الأسبوعية والشهرية .

المجال الثاني: ويشمل المجلات المتخصصة بالشؤون النسوية سواء أكانت أسبوعية، شهرية ، فصلية.

وقد عرف المجال الأول في الصحافة النسوية في مدة مبكرة من تاريخ الصحافة، الا ان المجال الثاني ظهر بشكل واضح بعد نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في قارتي أوربا وأمريكا.

ووفق هذا التعريف تقسم الصحافة النسوية الى:

١- الصحافة النسوية العامة:

ونعني بها النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور عام يشمل قطاع النساء إلى جانب قطاعات أخرى والتي تجمع ما بين المضمون النسوي المتخصص المعالج لقضايا المرأة المختلفة العامة والخاصة والقضايا العامة.

٢- الصحافة النسوية المتخصصة:

وتعني النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور يتسم بالتجانس هو قطاع النساء وتحمل مضموناً نسوياً متجانساً متخصصاً بقضايا المرأة.

تعد الصحافة السريانية في العراق جزء لا يتجزأ من صحافة العراق، ولا نغالي إذا قلنا ان مسيحيي العراق على اختلاف طوائفهم ومسمياتهم كانوا من أوائل من ادخلوا الطباعة الى العراق أواخر القرن التاسع عشر. واشتهروا بالتأليف والطباعة، وبرزت لهم اسماء لامعة في هذا المجال، وقد رأينا ان رائدات الصحافة النسوية في العراق كنّ من هذه الطائفة، مثل بولينا حسون ومريم نرمه. ولا غرو في ذلك فلا يستطيع أيُّ منصِف أن يتحدث عن تاريخ الحضارات دون أن يذكر دور السريان ولغتهم التي لُقِّبَتْ ﺑ «أميرة الثقافة وأم الحضارة»، فكانوا بمثابة القنطرة التي عبرت عليها العلوم والمعارف لتصل إلى العرب وأوروبا؛ فترجموا من اليونانية إلى السريانية، ومنها إلى العربية، ثم إلى اللاتينية، وأخيرًا للغات الأوروبية الحديثة. ولم يكن السريان مجرَّد نَقَلة، بل كانوا مبدعين أيضًا؛ فقد أضافوا خبرتَهم ومعارفهم، فطوَّروا وجدَّدوا. وكتب السريانُ في عدة موضوعات منها: الفلسفة، والمنطق، والموسيقى، والأدب، والهندسة، والزراعة، والتجارة، والطبيعة، والرياضيَّات، والفلك، والفيزياء، والطب. وباختصار فان فضل السريان على العرب كبير ولا يمكن تجاهله ونكرانه.

 الا ان مساهمة السريانيات في صحافة العراق كانت ضعيفة نظرا للصعوبات التي واجهت الصحافة السريانية عموماً وصحافة المرأة السريانية خصوصاً، واهمها: -

• انها من صحافة الاقليات في العراق.

• انها مازالت في الغالب صحافة دينية أو حزبية، لصدورها عنها أو لاعتمادها عليها في التمويل.

• يستخدم معظم أفرادها اللغة العربية في الغالب، وتقتصر ممارسة اللغة السريانية داخل العائلة فقط.

• إن اللغة السريانية تعد في الوقت الحاضر من اللغات غير الحية لندرة استعمالها، ولعدم استخدامها في الكتابة والقراءة بين ابناءها، بل غدت لغة محكية فقط. ويشهد العراق الان محاولات جادة لإحيائها من خلال استحداث المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية منذ عام 1998.

• عدم توفر المطابع بالسريانية، مما دفع الكتاب والمطابع الى اعتماد صيغة رسم الحروف السريانية. وهذا ما ادى الى قلة استخدامها، في حين لم تعاني الصحافة الكردية من هذه المشكلة لاستخدامها الحروف العربية ولاحقا الحروف اللاتينية.

• تعدد المطبوعات الصحفية من مجلات وصحف الى جانب قلة القراء وضعف انتشار المطبوع، لابل ان بعض المطبوعات لا تلقى اي رواج وتكاد لا تذكر عند جردها.

• عدم وجود كادر صحفي متخصص بالصحافة والاعلام، وانما يعمل في هذه الصحف والمجلات مجموعة من الشباب الهواة. وهذا يسري على عموم الصحافة في العراق.

• لقد عانى مؤرخو هذه الصحافة من اشكالية التسمية نتيجة لاستخدام تسميات متعددة كالأثورية والاشورية والكلدانية اضافة للسريانية التي كنّا اول من استخدمها مجاراة للقانون في دراستنا الموسومة عن تاريخ الصحافة السريانية في العراق والمنشور في مجلة أثرا(الوطن) في دهوك، العدد 16 لعام 1997، الا ان ضعف المجلة وعدم انتشارها وضعف حماية حقوق الملكية الفكرية قد أضاع قيمة تلك الدراسة. ويبدو ان المرحوم فائق بطي قد استحسن هذه التسمية، فعنون كتابه الرائع موسوعة الصحافة السريانية في العراق عام 2014. وقد استقر هذا المصطلح مؤخرا فأخذت تستخدمه جميع الطوائف والاحزاب المسيحية في العراق.

• اعتماد اسلوب الاستبعاد لكل مطبوع أو كاتب أو صحفي أو مؤسسة تمارس العمل الصحفي بلغات أخرى حتى لو كانت تدافع عن السريان. وهذه نظرة قبلية تقوم على التخوين والنبذ والتجاهل.

• تجاوز إطار الدولة في الاعتماد على مطبوعات تصدر خارج العراق، لابل حتى في كتابة تاريخ هذه الصحافة. وكانت معظم الكتابات تشير الى مطبوعات صدرت خارج حدود العراق، كما هو الحال في الصحافة الكوردية والتركمانية.

وبشكل عام، فقد عانت الثقافة السريانية من اهمال كبير طيلة عشرة عقود متتالية، مما ادى الى ضعفها بعد ان كانت لغة العلم والثقافة طيلة عشرة عقود مماثلة سبقتها. وفي تقديرنا فان هذه الثقافة قد شهدت اضطهادا متواصلا على يد الحكام المسلمين عقب انتهاء الحروب الصليبية كما اضطهد ابناؤها، ولم يعد اعتبارها الا بعد زوال حكم العثمانيين وبداية الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917، باستثناء فترة قصيرة جدا بداية العهد المغولي للعراق. وكما قال أحد رواد الصحافة السريانية وهو الملفان نعوم فائق بأن:"الأمة التي ليس لها جرائد هي أمة خرساء وصماء وخاملة".

أما الصحافة السريانية فهي لم تحتل ما احتله الأدب من شهرة وديمومة، نتيجة للتنقلات المستمرة بين المناطق التي يعيش فيها السريان. وترجع بداية الصحافة السريانية عموما الى عام 1849 بظهور صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849 في مدينة أورميا بايران واستمرت بالصدور حتى عام 1918، والذي اعتبر لاحقا عيدا للصحافة السريانية. لذا تعد هذه الصحافة واحدة من أقدمها في المنطقة.

أما باكورة الصحافة السريانية في العراق فكانت مجلة (ܟܠܝܠܐ ܕܘܪܕܐ) أكليل الورد التي أصدرها الاباء الدومنيكان في الموصل اواخر عام 1902 واستمرت بالصدور حتى عام 1907. ومجموع ما صدر منها بالسريانية 330 عدداً. تلتها مجلة (ܐܬܘܪܝܐ) أثورايا (الاثوري) التي اصدرها نادي أثورية عام 1927، وفي السنة التالية أصدرت البطريركية الكلدانية مجلة (ܟܘܟܒܐ) النجم للقس سليمان الصائغ في الموصل، فصدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1928 واستمرت تصدر بانتظام - سوى توقفها اثناء الحرب العالمية الثانية – لمدة ستة عشرة سنة، وآخر عدد صدر منها في 1 حزيران 1956. وكانت تكتب باللغة الكلدانية الا ما ندر في عناوين صغيرة للتوضيح وباستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها. ثم تلتها مجلة (ܢܘܗܪܐ) النور في بغداد، التي رآس تحريرها القس (المطران لاحقاً) يوسف بابانا، وهي كسابقتها صدرت باللغة العربية ولم تكتب بالكلدانية باستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها، وقد صدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1949، وكان آخر عدد صدر منها في آذار 1956. ثم مجلة (ܩܠܐ ܡܢ ܡܕܢܚܐ) قالا من مدنحا (صوت من المشرق) والتي أصدرها السيد كاكو لازار في الموصل عقب الحرب العالمية الثانية، ثم مجلة (ܠܙܘܐ) لزوا (العصبة) للقس إيشو دمرزعيا في النصف الاول من القرن الماضي، واخيرا مجلة (ܦܢܩܝܬܐ) بنقيثا (المجلد) التي أصدرها القس يوخنا دانيال البازي عام 1951. واخير مجلة الفكر المسيحي التي أصدرها كهنة يسوع الملك في الموصل عام 1964 ومازالت مستمرة بالصدور.

- فترات الصحافة السريانية

ويمكن تقسيم تاريخ الصحافة السريانية في العراق الى عدة فترات، وهي: -

1. فترة الولادة (1901- 1968)، أي منذ بداية القرن العشرين الى حكم حزب البعث في العراق.

2. فترة الاقرار (1972- 1991)، أي منذ صدور قرار منح الحقوق الثقافية ولغاية انشاء الملاذ الآمن شمال العراق.

3. فترة الملاذ الآمن (1992- 2003)، أي منذ انشاء المنطقة الآمنة وحتى سقوط نظام حزب البعث.

4. فترة الانتعاش (2003- حتى يومنا هذا)، أي منذ دخول القوات الامريكية لبغداد حتى الان.

ولقد ظلت الحقوق الثقافية للسريان مهدورة ولم يلتفت اليها احد منذ تأسيس الحكم الملكي في العراق عام 1921 حتى عام 1972 حيث صدور قانون منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 251 لعام 1972، والذي نص على منح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين بالسريانية من الأثوريين والكلدان والسريان، فبدأت الحركة تدب من جديد في اوصال الصحافة السريانية ، حيث نصت الفقرة (ه) من القرار المذكور على اصدار مجلة شهرية باللغة السريانية من قبل وزارة الاعلام، وقد صدرت تبعا لذلك عدة مجلات منها:-

- مجلة (ܡܘܪܕܢܐ ܐܬܘܪܝܐ) موردنا أتورايا (المثقف الاثوري) من 1974-1991.

- مجلة (ܣܦܪܐ ܐܣܘܪܝܝܐ) سبرا سوريايا (الكاتب السرياني).

- مجلة (ܚܘܝܕܐ) خويادا (الاتحاد) من 1985- 1990.

- مجلة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين) من 1973- حتى الان.

- مجلة (ܩܠܐ ܣܘܪܝܝܐ) قالا سوريايا (الصوت السرياني) 1973- 1984.

- مجلة (ܐܬܪܐ) التي اصدرها نادي نوهدرا في دهوك عام 1975- 1990، وظلت متعثرة في صدورها. وقد توليت شخصيا مهمة اعادتها بعد توقف طويل، فأصدرت بالتعاون مع الزميل أفرام فضيل البهرو عددا جديدا في صيف 1997، الا انها عادت متعثرة في صدورها ثانية.

- مجلة مجمع اللغة السريانية عام 1975- 2005 ورآس تحريرها الاب يوسف حبي.

أما صحافة الملاذ الآمن شمال العراق للفترة من 1991-2003 فقد تميزت بفترة انتعاش نسبي غير مسبوق في العراق، فصدرت عدد من الصحف والمجلات وظهرت عدد من القنوات التلفزيونية الفضائية، الا انها عانت من نفس ظروف شقيقتها الكردية في انها كانت أسيرة الاحزاب السياسية التي تمولها وتصدرها. ومن تلك الصحف: -

1. صحيفة (ܒܗܪܐ) بهرا (الضياء)، التي اصدرتها الحركة الديمقراطية الاشورية منذ 1982- ومازالت مستمرة.

2. صحيفة (ܟܓܒܐ ܕܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) كخوا دبيث نهرين (نجم بين النهرين)، أصدرها المركز الثقافي الاشوري في دهوك عام 1992- حتى الان.

3. صحيفة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين)، أصدرها حزب بين النهرين في أربيل عام 1992- حتى الان.

4. صحيفة (ܟܟܒܐ ܕܡܕܢܚܐ) كوخوا دمدنخا (نجم المشرق)، اصدرتها بطريركية بابل الكلدانية في بغداد عام 1995- حتى الان.

5. صحيفة (ܐܘܦܩܐ) أوفقا (الافق)، أصدرتها الكنيسة الشرقية القديمة في بغداد عام 1997- وحتى الان.

6. صحيفة (ܟܢܪܐ ܕܪܘܚܐ) كنارا دروخا (قيثارة الروح)، اصدرها مطرانية كنيسة المشرق في بغداد عام 1998- وحتى الان.

7. صحيفة (ܩܠܐ ܟܠܕܝܝܐ) قالا كلدايا (الصوت الكلداني)، اصدرها المركز الثقافي الكلداني في دهوك عام 1998- وحتى الان.

8. صحيفة (ܦܢܝܦܐܠ) بانيبال، اصدرتها المديرية العامة للثقافة السريانية في أربيل عام 1998- حتى الان.

- بواكير الصحافة النسوية السريانية

وقد عانت الصحافة السريانية من ضعف مشاركة المرأة فيها اسوة بنظيرتيها العربية والكردية الا انها كانت سباقة عليهما – كما رأينا- فأقدم مساهمة نسوية تعود الى مريم نرمه لعام 1921، كما انها اول من اصدرت مطبعا نسويا متخصصا عام 1923. وقد حاولنا جاهدين تعقب أدنى مساهمة نسوية سريانية فأحصينا عدد من المساهمات الادبية وباللغة السريانية وإن بدت صغيرة وضعيفة الا انها تبقى محاولات جريئة، وهي: -

1- لوديا مرقوس، من أكلات الصوم في القرية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 15 لعام 1978.

2- يوليا ريحانة، دعوة للفتاة الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 26 لعام 1980.

3- يوليا ريحانة، من الاعياد الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 29 لعام 1981.

4- يوليا ريحانة، من الاكلات الشعبية، مجلة الصوت السرياني، المجلد السنوي لعام 1982.

5- ماركنيتا بدريشا، ترنيمة في الطريق الى المعركة - شعر، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

6- ماركنيتا بدريشو، حب كل شيء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

7- ماركنيتا بدريشو، قصة قصيرة، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

والى جانب هؤلاء، فقد جرى نشر مساهمات نسوية أخرى في الصحافة السريانية، ولكنها كانت جميعها باللغة العربية، وقد أحصينا اهمها، وهي: -

8- مارلين يترون، اليك ايها الغريب، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

9- جوليت زكريا، اليه، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

10- مارلين يترون، من الاعماق، مجلة المثقف الأثوري، العددين 3-4 لعام 1974.

11- مي اسطيفان بيداويد، الفكر السرياني المخضرم، مجلة الصوت السرياني، العدد 5 لعام 1975.

12- أكنس يوخنا جورج، اراء في الاغنية الاثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

13- أستر دانيال، اراء في الاغنية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

14- نعيمة نجيب، نعم للرجل، للمرأة لا، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

15- نوال خضر اسطيفان، حكم في الصباح الندي، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

16- فلورنس جون ايشو سابر، بكاء لقديسة الوعد (شعر)، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

17- ايف يوسف، أنا من فقدت ظلي (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

18- زابيت رول، وعدتك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

19- برناديت سامبيو، نداء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

20- أكنس يوخنا جورج، بكاء الشمس، مجلة المثقف الأثوري، العدد 11 لعام 1977.

21- كبرييلا يونان، عرض لتاريخ الادب الأثوري الحديث، مجلة الصوت السرياني، العدد 23 لعام 1979.

22- جاكلين يوخنا زيا، الزمان (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

23- جاكلين يوخنا زيا، أراك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

وبطبيعة الحال، فإلى جانب هؤلاء كان هناك صحفيات مسيحيات مارسن الصحافة والأدب في الصحف والمجلات الرسمية وكتبن باللغة العربية، وحققن شهرة واسعة تفوق اللاتي كتبن بالسريانية أو العربية في الصحافة السريانية، أمثال: -

- انعام كجه جي.

- مريم السناطي.

- فرقد ملكو.

وبحسب اطلاعنا وبحثنا المستمر يمكن القول بأن لوديا مرقس هي أول أمرأه تلج ميدان الصحافة السريانية في العراق وان كانت مساهمة وحيدة في هذا المجال. كما ان اول امرأة تتولى وظيفة صحفية في الصحافة السريانية العراقية هي الانسة جاكلين يوخنا زيا التي كانت عضوة هيئة تحرير مجلة المثقف الأثوري ابتداءً من العدد 31 لعام 1985. وتلا ذلك جريدة نهرانيثا التي كانت تصدر عن اتحاد النساء الآشوري في أربيل بالبداية، وهي متخصصة بشؤون المرأة ثم انتقلت الى بغداد وتوقفت لاحقاً. ويمكن ببساطة ملاحظة ضآلة الانتاج النسوي السرياني في العراق وتأخر المشاركة النسوية لفترة طويلة نسبيا عن مثيلاتها، وربما كانت اللغة سببا في ذلك. واليوم تشهد الساحة الاعلامية ظهور عدد كبير من الاعلاميات والصحفيات بما يبشر بجيل جديد واعد وطاقات شبابية مبدعة.

وقد تم استحداث قسم اللغة السريانية في كلية اللغات – جامعة بغداد، حيث قد حصلت الموافقة على فتح القسم المذكور بموجب كتاب مجلس الحكم المرقم 1228 في 31 آذار 2004، وبدأ التدريس في القسم في تشرين الثاني 2004. تخرجت الدفعة الاولى (دفعة نعوم فائق) عام 2008. عسى ان يساهم ذلك في تقدم وتطوير الصحافة السريانية عموما والنسوية خصوصا.

د. رياض السندي - سويسرا

....................

المصادر

أولا. الكتب

1. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الصحافة العراقية، الجزء الاول عام 1935.

2. روفائيل بطي، الصحافة في العراق، طلبة معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة 1955.

3. صبيحة الشيخ داود، أول الطريق الى النهضة النسوية في العراق، بغداد 1958.

4. فائق بطي، الموسوعة الصحفية العراقية، بغداد 1976.

5. د. فائق بطي، موسوعة الصحافة السريانية في العراق - تاريخ وشخصيات، بغداد 2014.

6. د. خالد حبيب الراوي، تاريخ الصحافة والاعلام في العراق منذ العهد العثماني وحتى حرب الخليج الثانية، (1810-1990)، ط1، دمشق 2010.

7. المس بيل، العراق في رسائل المس بيل 1917- 1926، ترجمة وتعليق جعفر الخياط، ط 1 بيروت

8. فيليب دي طرازي، عصر السريان الذهبي، القاهرة 2013.

9. يعقوب يوسف كوريا، حكايات عن الصحافة في العراق، ج 1، بغداد 1969.

ثانيا. المقالات والبحوث

10. المحامي رياض السندي، تاريخ الصحافة السريانية في العراق، مجلة أثرا (الوطن) دهوك، العدد 16 لعام 1997.

11. رياض السندي، الوصية الاخيرة لأول صحفية عراقية، صحيفة الاتحاد، اتحاد الصناعات العراقي (بغداد)، العدد 92، 2 تشرين الاول 1988.

12. د. شكرية كوكز خضر السراج، التغطية الصحفية لموضوعات المرأة في الصحافة العراقية بعد أحداث 2003، دراسة تحليلية في عينة من صحف بغداد، مجلة كلية الآداب-بغداد، العدد 93،2010.

13. د. شكرية كوكز خضر السراج، الصحافة المتخصصة في العراق بعد احداث ٩/٤/ ٢٠٠٣- تقويم الصحفيين العراقيين لأدائها، مجلة الباحث الاعلامي، العدد 4، آذار 2008.

14. شاكر مجيد سيفو، قراءة عامة في الصحافة السريانية، صحيفة صوت الاخر، العدد 408 في 24/10/2012.

15. حنان أويشا، (165) عامـا عـلى ميـلاد الصحافـة السريانيـة، صحيفة الصباح(بغداد)، 9/11/2014.

ثالثا. المجلات والصحف

16. مجلة دار السلام، العدد 11 من المجلد الرابع – السنة الرابعة والصادر في 29 آيار 1921.

17. مجلة نشرة الاحد، السنة الاولى، العدد 12 في 19 آذار 1922.

18. مجلة ليلى (بغداد) العدد الاول الخامس عشر من تشرين الأول-أكتوبر سنة 1923.، والعدد الخامس السنة الاولى 15 شباط 1924، والعدد 20 الصادر في 15 آب 1925.

19. مجلة النجم (الموصل)، العدد 11 السنة الثانية 25 تشرين الاول 1930.

20. مجلة المجمع العلمي العراقي (بغداد)، اعداد متفرقة للسنوات 1973- 2005.

21. مجلة فتاة الرافدين (البصرة)، العدد 9 آذار 1944.

22. مجلة مجمع اللغة السريانية (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1975-2005.

23. جريدة الجمهورية - الملحق الاسبوعي للعدد 470 في 41/6/1969.

24. مجلة المثقف الأثوري (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1978-1985.

رابعا. المواقع الالكترونية

25. ابراهيم خليل العلاف، بولينا حسون ومجلة ليلى وبدايات الصحافة النسائية في العراق، موقع الحوار المتمدن، 4/11/2009.

26. منى هلال، الآداب غير العربية في سورية، الجزء الأول، موقع معابر الالكتروني.

nabil alrobaei2أما واقع حال يهود بغداد، فقد كان حالهم حال بقية أبناء أهل الذمة لكن أثريائهم تمكنوا من الوصول إلى المراكز المهمة في الدولة العباسية، وقد تمكن سهل بن نظير في منتصف القرن الثالث من الاحتفاظ بوظيفة جهبذ الوزير طوال حياته وكان جده سهل جهبذاً في النصف الثاني من القرن الرابع، واستعان الوزير علي بن الفرات بالجهبذيين يوسف بن فنخاس وهارون بن عمران، وأجبرهما علي بن عيسى على ضمان جهبذة الأهواز على أن يقرضا الدولة مبلغ 150 ألف درهم في مطلع كل شهر، ولم يزل هذا الرسم جارياً عليهما وعلى من قام مقامهما مدة ستة عشر عاماً (21).

وتبين لنا من هذا أن يهود بغداد عاشوا وانسجموا مع المجتمع البغدادي والدولة، لكن لم نعرف أعدادهم في تلك الفترة لضآلة المعلومات حولهم، مع العلم أن الرئاسة فيهم إذ كانت لرأس الجالوت الذي يقيم في بغداد ويمثل اليهود لدى القصر. ويقول مؤرخو اليهود أن رأس الجالوت عانى أياماً شديدة في القرن الرابع الهجري (22).

كما كانت لمدارس اليهود الدور في الوعي الديني لأبناء الطائفة ومنها مدرسة سورا الدينية، إذ مارس أساتذة المدرسة صلاحياتهم حتى قيام الدولة الفاطمية، إذ أصيبت الوحدة الدينية اليهودية بانقسام زعامتها، فكانت سلطة رأس الجالوت تسري على اليهود في شرقي الفرات فقط، في حين أوجد الفاطميون منصباً آخر في مصر والشام فتراخت العلاقات بين اليهود وفقدت مدارس بغداد التلمودية سندها المالي مما أدى إلى ضعف دورها الديني (23).

كان رئيس الطائفة اليهودية (رأس الجالوت) يأخذ جزية مخفضة بمعدل دينار واحد في العام، فيخصص لرأس الجالوت مبلغ 700 دينار سنوياً، ويعطى لرئيس مدرسة سورا الدينية مبلغ 1500 دينار مساعدة سنوية للمؤسسة، وقدر آدم متز عدد دافعي الجزية من اليهود في بغداد بألف شخص إلا أن مبلغ المساعدة التي كانت تعطى لرجال الدين اليهود والبالغة 2200 دينار سنوياً، ولم يبين ما إذا كانت هذه المبالغ هي مجموع ما يدفعه يهود العراق أم هي ضريبة سكان بغداد من اليهود فقط (24).

ويذكر الطبري في تاريخ الرسل والملوك إن الخليفة المتوكل قد فرض على يهود بغداد الغيار وكذلك (أهل الذمة الذي يذكر أنه كان عسلي اللون إلا أن عمرو بن متي قال بأن الغيار كان أزرق اللون بالنسبة للنصارى، وفرض على اليهود اللون الأسود) (25). كما أعيد فرض الغيار على أهل الذمة جميعاً في سنة (429ه)، ويبدو أن اليهود عادوا إلى ترك الغيار في القرن الخامس، فأصدر الخليفة المقتدي أمراً سنة (478ه) ألزمهم فيه بالعودة إلى لباس أهل الذمة (26).

والغيار كما هو معروف، هو نوعية اللباس والسلوك التي فرضها المسلمون على غير المسلمين من أجل تمييزهم عن المسلمين حيثما كانوا، وأينما حلّوا، والغيار كان جزءاً لا يتجزأ من عقيدة تمجيد الإسلام التي روج لها الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب والخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز على نطاق واسع. والغيار قديماً طبق في الامبراطورية البيزنطية كقيود ناشئة تعود أساساً إلى القانون البيزنطي المتعلّق باليهود في الامبراطورية، وهو نقل واضح ومباشر لمدونة تشريعية تتعلق بأعضاء ديانة مهيمن عليها. ومع ذلك ترجع القواعد الناشئة في العالم الساساني، خصوصاً المتعلقة بالغيار، إلى أمثولة المنظومة الطبقية الساسانية، التي روّج لها في إيران عن طريق الطبقة الأرستقراطية الساسانية، تطلّب وجود مجموعة من العلامات بما في ذلك اللباس والأدوات والعادات العامة لتميّز بين الطبقات الراقية من عموم الناس. وهذه الأمثولة الساسانية حول مجتمع هرمي غير متحرك، كلّ طبقة مميزة بلباسها وأدواتها، تبناها المسلمون بل في الواقع استولوا عليها من أجل التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، بوصفها طريقة لإثبات تفوق المسلمين الخاص (27). والغيار كما نفهمه، ربما يكون أول وثيقة فصل عنصري مفصّلة ومعتمدة رسمياً تعرفها البشرية، وثيقة ما تزال آثارها ماثلة للعيان حتى اليوم في الدول العربية، التي فشلت على ما يبدو في إخراج رأسها من عنق الزجاجة، بفضلّ أحلام القرن الثالث والرابع الهجريين الوردية، على واقع القرن الحادي والعشرين الكارثي في العراق اليوم.

أما واقع يهود بغداد الاجتماعي فكانوا جماعة محافظة، يؤمنون بالعلوم والطب والتنجيم، وكان الرؤساء الدينيون يقومون بالدفاع عن التقاليد الدينية اليهودية كلما احتاجوا إلى ذلك، معتمدين على تفسيرات متشددة لتعاليم التلمود، كانوا ينشرونها بين حين وآخر ويلقنونها لتلاميذهم. كما عمل اليهود في بغداد في مجال الخياطة والصباغة والخرازة وبيع بعض أنواع الطعام ومنها الهريسة في الشتاء. كما كان يعاملون في البيمارستان معاملة المسلمين.

عملَّ اليهود في دباغة الجلود وربما كانوا أول من تمكن من الحصول على الأصباغ، وكان يفضل استعمال القرض اليماني في الدباغة، وفرضت أصول للدباغة فيما يخص الجلد نفسه، أو مادة دباغته أو طريقة الدباغة (28).

قال الجاحظ في رسالته: (ولا تجد اليهودي إلا صباغاً أو دباغاً أو حجّاماً أو قصّاباً أو شعّاباً، فلما رأت العوام اليهود على ذلك، توهمت أن دين اليهود من الأديان كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم أقذر كفر، إذ كانوا هم أقذر الأمم) (29)، وهذا غير حقيقة حياتهم ومكانتهم الاجتماعية والاقتصادية كما نعرف، لأن أغلب يهود بغداد كانوا من الصيارفة والتجار والأطباء، ولم تكن أغلبيتهم من الوضاعة في مهنهم التي كانوا يزاولونها.

وقد عهد الخليفة عبد الملك بن مروان إيجاد نظام تعاملي يضبط النقود والموازين، وقد جاء ذلك على شكل اقتراح تقدم به سمير اليهودي إلى الحجاج، وبين فيه الحاجة إلى نقد سليم، وإلى ضرورة ضبط الأوزان، وبينَّ أهمية ذلك في عدم وقوع التغابن بين الناس ولتسهيل أعمالهم (30). ويبدو أن اقتراح سمير اليهودي في وضع نظام نقدي راسخ كانت لها دلالتها الواضحة في التعبير عن نمو العلاقات التبادلية، التي عادت لتفرض نفسها من جديد في الربع الأخير من القرن الثالث، فإنَّ إقبال المعتضد على اقتناء الذهب يشير إلى سيطرته كمعدن نقدي متين (31).

لكن يهود بغداد إذ اجبروا على الغيار ولبس الزنار وتحريم استعمال السروج، وكانت هذه الشروط قديماً حيث يطلق عليها الشروط العمرية (أي شروط عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز)، والمصادر التي أوردت مرسوم عمر بن عبد العزيز، بما في ذلك ابن عبد الحكم (32)، وأبو يوسف (33)، وأبو عبيدة (34)، وابن عساكر (35)، منسجمة تماماً فيما يخص القواعد المتضمنة في هذا المرسوم، وتظهر الواقع تشابهاً لغوياً قوياً في بعض الأجزاء.

المرسوم مكوّن من جزأين : الأول يحظر على غير المسلمين، رجالاً ونساء، استعمال السرج، والثاني ينظم اللباس والمظهر، بما في ذلك جزّ الناصية، وارتداء زنار (جلدي)، وعدم ارتداء أحذية بأشرطة، وطيلسان (لباس رأس، عادة ما تكون قلنسوة تلبس فوق العمامة)، وقباء (ثوب فاخر)، أو عمامة (عمامة أو عصب). في الأمور الإضافية ثمة فروقات بين نسخ ابن عبد الحكم، وابن عساكر من ناحية، وأبي يوسف من ناحية أخرى، الذي يبدو أنه يقدّم هنا مرسوماً مختلفاً قليلاً، لكن هذه الفروقات ضئيلة، ولا يمكن بأية حال أن تصل إلى مستوى التناقص. كما لم يسمح لغير المسلمين إلا باستعمال الإكاف (برذعة). وبحسب المرسوم الذي يورده ابن عبد الحكم، فقد منعوا عن ركوب الحيوانات بساقين منفرجين، ولم يكن باستطاعتهم ركوبها إلا وكلا الساقين في جانب واحد، كما كانت النساء تفعل (36).

وفي عهد المتوكل (حكم 847/861م) قد أصدر مجموعة قيود رسمية على أهل الذمة معروفة للباحثين في مجال التاريخ، هي تلك التي وضعها، فللمرة الأولى يصدر الخليفة مجموعة منظمة من القيود التي وجب تطبيقها على الذّميين.

تضمّن هذا القانون مطلب ارتداء الأصفر كلون مميز، ارتداء الزنار، والركوب على سروج بركابين خشبيين ملحقين بالقربوسين في المؤخرة، وربط زرين بالقلنسوة، وربط خرقتين بلون أصفر، من الأمام ومن الخلف، مثل إلى ثياب العبيد وذميي الطبقة الدنيا، وتدمير البيع الجديد (بيعهم المحدثة)، الاستيلاء على عُشر مساكنهم، ودق صور شياطين بالمسامير على أبوابهم، وتحريم استخدام غير المسلمين في الحكومة، وحظر دراسة أولادهم في مدارس المسلمين أو أن يعلّمهم مسلمون، وحظر المواكب العلنية بما في ذلك في أحد الشعانين، وتسوية القبور التي تشبه قبور المسلمين (37).

من الجانب الإسلامي يقول الطبري إنه في (محرّم 239ه/ 12-حزيران -13 تموز 853م)، أمر المتوكّل بأن يربط الذّميون كمّين (ذراعين) أصفرين إلى عباءاتهم الخارجية. وهذا لا يعقب على نحو دقيق المرسوم الذي أورده الطبري نفسه سابقاً، الذي يتضمن أنَّ على أعداد إضافية كثيرة من غير المسلمين، بمن فيهم التجّار والحجّاب، أن يرتدوا الطيالس الصفراء، والعمائم الصفراء، وأن ترتدي نساؤهم إزاراً أصفراً، في حين أن أولئك من تابعيهم الأذلاء الذين هم أدنى مرتبة من هؤلاء، والذين تمنعهم ظروفهم من ارتداء البرنس، فيجب أن يربطوا خرقتين صفراوين إلى عباءاتهم من الأمام ومن الخلف (38)، ثمة ما هو أكثر من ذلك، ففي الوصف تستخدم الخرق الصفراء كعلامة مميزة للعبيد (المماليك) (39)، بينما لا يقال شيء عن الأكمام. وفي صفر 239ه/ 12 تموز 9 آب، من العام نفسه، أمر المتوكل أن تقتصر حيوانات ركوبهم على الحمير والبغال، وأن يتجنبوا امتطاء صهوة الخيول (40).

بالتوافق مع الطبري يقول إنه في محرّم 239ه/853م، فرض الأمر الذي يقتضي أن يلبس الرجال غير المسلمين خرقاً بلون عسلي إلى أثوابهم ومعاطفهم، وأن ترتدي النساء حجابات بلون عسلي، وفي صفر من ذلك العام حُظر على الذّميين ركوب الخيول وفرض عليهم أن يقتصروا على استخدام الحمير والبغال (41)، وفي عام 240ه/ 854-855م، أعلن على الملأ أنه على أبناء الذّميين تعلّم السريانية أو العبرية، وأن يحظر عليهم تعلّم العربية (42)، والحظر على رفع الصوت في الصلاة، وعلى الجلوس على مقاعد محترمة (علينا النهوض من مقاعدنا إذا ما كانوا يرغبون بالجلوس)، والطلب أنه حين التحدث إلى المسلمين يجب أن تنظر العينان إلى الأسفل، أي يجب أن نبدي الاحترام للمسلم(43).

تذكر المصادر، عدة خلفاء من الذين استنَّوا مراسيم مشابهة. فيقال إن المقتدر (حكم 908/932م) استنَّ مجموعة قوانين تتعلق باستخدام الذّميين في الخدمة العامة، واللباس الفارق بلون العسل، وغير ذلك من الغيار (44)، ويقول المقريزي إن جوهر وزير المعز (حكم935/975م) في الخلافة الفاطمية، فرض قوانين الغيار على الذّميين (45)، لكن أشهر هؤلاء جميعاً، بلا شك هو الحاكم المسلم، الذي علينا أن نعترف، أنه سار إلى أبعاد أكبر بكثير، ليس فقط بإنزال القيود على الذّميين بلا شفقة ولا كلل، بل أيضاً بتدمير كل الكنس والكنائس، ومصادرة الأملاك. يبقى السؤال بالطبع، ماذا كانت هذه الإجراءات قد فرضت بالفعل، أم أنها كانت مجرد رسالة ميتة؟

أما حال أبناء الديانة من الصابئة والمجوس، فقد حصل الصابئة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري على عهد من الخليفة أمر فيه إلى جانب صيانتهم وحراستهم، والذود عن حريتهم ورفع الظلم عنهم، كما حصل المجوس في بغداد في القرن الرابع الهجري على اعتراف من السلطة بأنهم من أهل الذمة إلى جانب اليهود والنصارى وصار لهم رئيس مثلهم لدى قصر الخلافة، كالطوائف الدينية الأخرى (46).

وهكذا يمكن القول إنَّ التعامل مع اليهود والنصارى والمجوس والصابئة المندائيين وغيرهم من أهل الذمة كان على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وكان وضعهم مماثلاً في العديد من الجوانب لوضع الأجانب المقيمين، مع ذلك حافظ حكام الدولة الإسلامية بالتزام واضح لحماية أهل الذمة، والعيش وفق القوانين والعادات القديمة الخاصة بهم، مع العلم أن المؤسسات اليهودية والنصرانية واصلت العمل، فاليهود والمعابد اليهودية، التي كانوا يرزحون تحتها بضغط تهديد متزايد، كانوا محميين بالقانون من أي أذى أو ضرر، فلم يكن اليهود يضطرون للحضور في المحكمة يوم السبت بسبب العادات القديمة والأعراف.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

..................

المصادر /

1-

2- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. لندن وبيروت 1992. ص222/223.

3- هلال بن المحسن الصابي. تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء. مصدر سابق. ص9.

4- آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. مصدر سابق. ج1. ص64/65.

5- المصدر السابق. ج1. ص63.

6- المصدر السابق. ج1. ص164.

7- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. بيروت. 1405ه. دار المعارف. ج9. ص171/172.

8- ابو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. المنتظم. المصدر السابق. ج8. ص96/97.

9- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام من الاستسلام إلى التعايش. ترجمة د. نبيل فياض. بيروت. ط1. 2016. المركز الأكاديمي للأبحاث. ص33/34.

10- صالح أحمد العلي. ألوان الملابس العربية في العهود الإسلامية الأولى. مجلة المجمع العلمي العراقي. م26. بغداد. 1975. ص107.

11- الجاحظ. الرد على النصارى. المصدر السابق. ص17.

12- أبو هلال العسكري. الأوائل. دمشق. 1975. ج1. ص369/370.

13- ابن الجوزي. المنتظم. مصدر سابق. ج6. ص67.

14- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز. القاهرة، 1994، ص160.

15- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف. كتاب الخراج. بيروت. 1989. ص127/128.

16- أبو عبيدة القاسم بن سلاّم. كتاب الأموال. تحقيق محمد عمارة. بيروت. 1989. ص130. مقطع 137.

17- أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر. تاريخ مدينة دمشق. بيروت. 1995. المجلد الثاني. ص179.

18- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. مصدر سابق. ص190/191.

19- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. المجلد الثالث. ص1389.

20- الطبري. تاريخ الرسل والملوك. مصدر سابق. المجلد الثالث. ص1389.

21- المصدر السابق. ص1392.

22- المصدر السابق. ص1419.

23- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. ص265.

24- المصدر السابق. ص270.

25- ابن عساكر. تاريخ. المجلد الثاني. مصدر سابق. ص175؛ ابن قيم الجوزي. أحكام أهل الذّمة. دمشق. 1966. المجلد الثاني . ص659.

26- عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. المجلد الثالث عشر. لندن وبيروت. 1992. ص82.

27- أحمد بن علي المقريزي. انماط الحنفاء بأخبار الأمور الفاطميين الخلفاء. القاهرة. 1967. المجلد الأول. ص132.

28- آدم متز. المصدر السابق. ج1. ص59/60.

 

 

nabil alrobaei2المكانة الاجتماعية لغير المسلمين الشرعية في المجتمع الإسلامي نتاجاً لمعاملتهم معاملة حسنة بأنهم أهل الذمة أو أهل الكتاب التي نجدها في القرآن، وكذلك وفق اتفاقيات بدأت منذ صدر الإسلام عام 634م وما بعدها، حين فتحت المدن والبلدان على أيدي جيوش المسلمين، بدأوا بتبني سياسة أكثر انسجاماً تقوم على مبدأ الصلح المعتمد على الأمان أساساً له، أو الوعد بالأمان الذي يعطى مقابل أن يدفع أهل الذّمة أو أهل الكتاب الجزية. هذه المنظومة الأساسية كانت تطبّق على وفق الروايات التاريخية الإسلامية، مع بعض الشروط والالتزامات الإضافية التي كانت تطبّق أحياناً وتختلف من مكان إلى آخر. والمصادر الإسلامية التي تعود إلى القرن الثالث والرابع الهجري وما بعده تقّدم لنا غالباً تقارير تتعلّق باتفاقيات الحماية لأهل الذمة تحت نظام الدولة الإسلامية.

عند تتبع حال أهل الذمة في بغداد السلام يتبين لنا أن المسلمين قد تتبعوا ظهور التشريعات بغير المسلمين منذ ظهور الإسلام، وتطبيق هذه التشريعات عليهم في ظل الحكم الإسلامي، بدءاً بالاتفاقات الموقعة زمن ظهور الرسالة الإسلامية فصاعداً أو ما تسمى بالشروط العمرية، وهي حقبة وضعت فيها أسس العلاقة بين الحكام المسلمين وأهل الذمة.

يبدو أن بناء بغداد في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور مرحلة هامة على طريق تعزيز الدولة العباسية، كما لوجود علاقة وثيقة بين قيام الدولة العباسية وبناء بغداد ونمو العامة فيها وتعدد وجود أبناء الديانات والمذاهب والقوميات الدور الكبير في تطوير المدينة وخلق جو من التعايش السلمي بين أبنائها، في حين كان المجتمع الإسلامي يخرج من التنظيم القبلي إلى التنظيم السكني أو الحضري، باتجاه قيام مجتمع تتوفر فيه شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي مما أصبحت مدينة بغداد كبرى المدن وعامرة بالناس والأسواق.

لذلك من يرغب أن يقدم دراسة عن حال أبناء الذمة في مدينة بغداد يمكن أن يشكل نقطة البداية لتطور حالة المجتمع البغدادي ويبين التعايش السلمي بين أبناء بغداد من جميع الطوائف ودور أهل الذمة في المجتمعات الإسلامية، وبخاصة أن بغداد كانت أول عاصمة عربية ضمت كثافة عالية من السكان المتعددي الأصول العرقية والدينية والمذهبية، واللذين خاضوا تجربة العيش ضمن ظروف جديدة في عاصمة عالمية تختلط فيها الثقافات القديمة، لكن بغداد استقبلت العديد من أبناء أهل الذمة مستفيدين من توسع مجالات الإنتاج وازدهار الحركة النقدية واحترام حكام بغداد وسلاطينها لأبناء أهل الذمة ورجالات الدين.

أهل الذمة يندرجون ضمن مفهوم الموقف الشرعي، وقد عبرَّ عنه الأوزاعي بقوله: (إنهم ليسوا بعبيد ولكنهم أحرار أهل الذمة). ورأى الليث بن سعد في فداء أهل الذمة إذا وقعوا في الأسر (أن يفدوهم من بيت المال ويقروا بذمتهم)(1). وقد عاش أهل الذمة مع المسلمين بموجب عهود كانت ترعى مصالحهم، مقابل ضريبة يؤدونها عن رؤوسهم(2)، وأهل الذمة هم من النصارى واليهود والصابئة والمجوس والسامرة.

نصارى بغداد:

ويذكر الشابشتي في كتابه الديارات حول مكانة النصارى في عهد الخليفة المنصور إذ قال: (أقام النصارى في منطقة بغداد قبل تمصيرها، وأدخل المنصور في مدينته الكثير من قراهم وأديرتهم، منها القرية التي بها دير مارفثيوس الذي عرف في العهد العباسي بالعتيق، ومنها قريتا درتا وقطفتا ومنها دير كيليشوع عند باب الحديد، وفي هذا الدير دفن البطريك طماثاوس (205هـ) الذي جعل إقامته فيه حتى عرف باسم دير الجاثليق)(3).

كانت إقامة النصارى داخل بغداد متجاورين مع المسلمين، وعرفت مناطقهم في بغداد بـ(قطيعة النصارى) التي أقطعها لهم المنصور وكانت تقع بين نهر الدجاج ونهر طابق، كما نزلوا في درب القراطيس(4).

قدر المؤرخ أدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري عدد النصارى في بغداد خلال القرن الرابع الهجري ما بين 40 وخمسين ألف شخص (5)، وقد كانت واردات الجزية كما يذكرها آدم متز في كتابه أعلاه في القرن الرابع الهجري، التي كان يدفعها أهل الذمة في بغداد، والتي بلغت في القرن الثالث الهجري 130 ألف درهم، وبلغت في قائمة قدامة بن جعفر المائتي ألف درهم، كما بلغت في أوائل القرن الرابع الهجري 160 ألف درهم، ويعني هذا أن عدد دافعي الضريبة من أهل الذمة يبلغ خمسة عشر ألفاً مع العلم أن هذه الضريبة لم يكن يدفعها الجميع، إذا استثنى منهم الصبيان والنساء والمساكين والمقعدون والعميان والخدم والمجانين ومعظم أهل الصوامع (6).

خضع نصارى العراق لرؤساء دينيين، وكان الجاثليق ينتخب بين عدة مرشحين، وكان الجاثليق النسطوري رئيساً شرعياً للنصارى الشرقيين في خلافة المقتدر. ولعل الأهمية الخاصة التي كانت لمنصب الجاثليق كانت وراء التنافس الشديد الذي كان يجري بين المرشحين أحياناً، مما حملَّ البعض على دفع الرشا إلى الناخبين، أو الاستعانة بالسلطة السياسية للوصول إلى كرسي البطركية، فقد لجأ طاماثوس إلى إغراء تلامذة المدرسة الدينية في المدائن ووعدهم بتوزيع الأموال عليهم في حال انتخابه، واستعان أحد المطارنة بمال أودعه لديه أحد البدو والإعراب دفع منه مبلغ 200 دينار لأحد معارضيه (7).

كانت الكثير من المشاكل تجابه المرشحين لكرسي البطركية، وتعهد الكثير منهم أن لا يتعرض لجمع المال وأن يؤخذ الرشا وألا يمنح رتبة الكهنوت إلا لمستحقيها (8)، كما للبطاركة والمطارنة في بغداد نشاطاً طيباً فلهم الدور في تجديد أديرتهم وترميم بناء دير مارفثيون في العتيقة في القرن الثالث الهجري، وهو الذي أقيم في عهد الفرس، وأخرج المنصور من فيه من المسلمين عند بناء بغداد، وبعد تجديده، ألحقت بهذا الدير مدرسة مجهزة بالمعلمين، كما أصبح مقر البطركية. وفي سنة 349ه، بنيت البيعة الكبيرة بدار الروم وجددت بيعة العتيقة (9).

وفي العهد العباسي تولى النصارى الكتابة والجهبذة، وتولى نصرانياً كتابة ديوان الجيش لكل من الموفق والمعتضد، وفي القرن الرابع الهجري وجه اللوم إلى علي بن فرات الوزير في تقليده ديوان الجيش رجلاً نصرانياً، لأنه جعل أنصار الدين وحماة البيضة يقبلّون يده ويمتثلون أمره، كما كان النصارى داخل قصر الخلافة، فقد كانت إحدى جواري المهدي تعلق صليباً في صدرها، وكانت فرج النصرانية تعمل كاتبة لدى أم موسى القهرمانة (10).

مع كل الامتيازات التي حصلوا عليها النصارى في ظل الدولة العباسية إلا أنهم تعرضوا لنقمة بعض الخلفاء، فقد أمر الرشيد وهو في مواجهة البيزنطيين (191هـ)، بأخذ أهل الذمة في بغداد بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم، وأعاد المتوكل سنة (235هـ) أخذ النصارى وأهل الذمة بلباس الطيالسة العسلية والزنانير والركوب بالسروج، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان، وأن يتعلّم أولادهم في كتاتيب المسلمين ولا يعلمهم مسلم، وفي سنة (296هـ) أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنصارى، فألزموا بيوتهم وأخذا بلبس العسلي والرقاع من خلف وقدام وأن تكون لهم ركبهم خشباً (11).

وفي القرن الثالث الهجري كان النصارى أرباب مهنة الطب ورجال المال، وقد اشتهر الطبيب أسد بن جاني كساد في مهنة الطب، وكان النصارى يمارسون حياة عادية لا تختلف عن غيرهم، وكانوا يتقدمون من القاضي المسلك لينظر في دعاواهم، كما دخلوا حمامات المسلمين، وأفادوا أحياناً من الصدقات التي تعطى للمحتاجين (12).

أما أعياد النصارى في بغداد فكانت مظهراً من مظاهر البهجة يشارك فيها المسلمون، فذكر الشابشتي في كتابه الديارات : (أن أعياد النصارى ببغداد مقسومة على ديارات معروفة، منها أعياد الصوم الكبير تقام على أربعة أيام آحاد متتالية. فالأحد الأول منه عيد دير العاصية، الأحد الثاني دير الزرافية، الأحد الثالث دير الزند ورد، والأحد الرابع دير رمالس الذي يجتمع إليه نصارى بغداد، كذلك نصارى بغداد يخرجون في أحد الشعانين (13).

لكن النصارى وأهل الذمة لم يسلموا من بعض المتعصبين والمتشددين من المسلمين أيام الاضطرابات السياسية، ففي سنة (271هـ) وثب العامة على النصارى وخربوا الدير العتيق ونهبوا كل ما فيه من متاع وقلعوا الأبواب والخشب وسار إليهم صاحب الشرطة فمنعهم من هدم الباقي وكان يتردد على حمايته أياماً. وتعرض هذا الدير في العام التالي لهجمات العامة وبسبب هذا الشغب أنهم أنكروا على النصارى ركوب الدواب. وعلى أثر ضائقة اقتصادية افتتحت الجوالي سنة (331هـ) في ربيع الأول فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح، وفي سنة (392هـ) ثار العامة على النصارى فنهبوا البيعة بقطيعة الدقيق وأحرقوها فسقطت على جماعة من المسلمين فهلكوا. وفي سنة (403هـ) توفيت بنت أبي نوح بن أبي نصر بن إسرائيل أحد كتاب النصارى، فأخرجت جنازتها نهاراً ومعها النوائح والطبول والزمور والصلبان والشموع، فقام رجل من الهاشميين فأنكر ذلك، فضربه أحد غلمان الكاتب مما تسبب في فتنة أدت إلى تدخل العامة وانتهت بإلزام أهل الذمة الغيار(نوعية اللباس) (14).

تعتبر هذه الاضطهادات أحداثاً استثنائية قد تعرض لها أبناء النصارى في بغداد بسبب إقامتهم بين باب البصرة ذي الأكثرية السنية وبين الكرخ ذي الأغلبية الشيعية، فكانت الصدامات بين هاتين الفئتين تجري في قطيعة النصارى. لكن مع هذا فإن النصارى تمتعوا في ظل العهد العباسي بمركز أفضل بكثير من الذي كان عليه بعض الجماعات الإسلامية، لأن المحاورات لم تكن لتتم بين أعداء يريد بعضهم تدمير البعض، لكن الجاحظ يؤكد قائلاً : (وبالفعل فقد ترك كثير منهم عقد الزنانير وامتنع كثير من كبرائهم من أداء الجزية، مع اقتدراهم من دفعها، وسبّوا من سبَّهم وضربّوا من ضربّهم (15).

كما أجبروا النصارى على ركوب الحيوان دون سرج لكن يجب أن يركب على برذعة، وأي امرأة من نسائهم يجب أن لا تركب على سرج، بل يجب أن تركب على برذعة، ويجب أن لا يبخسوا على حيوانات الركوب بساقين منفرجتين، ويجب أن يضعوا سيقانهم في جهة واحدة. ويورد ابن عبد الحكم في كتابه سيرة عمر بن عبد العزيز قائلاً : اكتبوا لهم رسالة حازمة بشأن هذا وأرضوني فيما يتعلق بهذا(16).

أما في عهد الخليفة العباسي المنصور فقد أزال الصلبان من على قمم الكنائس، وأمر بوجوب إضافة علامات على أشجار نخيل الذّميين، وفرض الجزية على الرهبان، الذين كانوا معفيين منها حتى ذلك الوقت. لكن وجدَ أمر إزالة الصلبان من قبل عمر بن عبد العزيز، فهو يرجع إلى القرن الثاني الهجري، في حين أن أول محاولة منظمة لإقصاء غير المسلمين عن المناصب العامة قام بها عبد الملك بن مروان، في حين قام بالثانية عمر بن عبد العزيز (17).

أمر هارون الرشيد أن تسوي الكنائس في المناطق الحدودية بالأرض، أمر كان له علاقة من دون شك بالوضع الأمني على طول الحدود. أما أن يغير أهل الذمة مظهرهم فقد تمت صياغتها على يد المستشار الشرعي لهارون الرشيد، أبو يوسف (ت789م). ويذكر الطبري أن الرشيد أمر أن يغيّر الذّميون في بغداد مظهرهم كي يختلفوا عن المسلمين (18).

لكن مرسوم أبي يوسف مرسوم عام ينطبق على غير المسلمين جميعاً، والأسباب حيثما يكون هناك حضور إسلامي معتبر، وبين زمن هارون الرشيد وزمن المتوكل ثمة خبر يتعلّق بالخليفة الواثق (حكم 842/847م)، الذي حظر استخدام النواقيس في الكنائس (19).

ويخبرنا ابن الجوزي أنه في العام 236هـ/ 850-851م، في أعقاب المرسوم العام الذي صدر في شوال 235هـ/ 850م (20)، طُرِد المسيحيون من الوظائف العامة، كذلك فقد أعفوا من الولايات ولم يعودوا يستخدمون عموماً في أي شيء له علاقة بأمور المسلمين، والحظر على القيام بمواكب جنائزية عامّة، كما أجبروا أهل الذمة على اعتناق الإسلام.

نبيل عبد الأمير الربيعي

....................

المصادر

1- فاروق عمر. العباسيين الأوائل. ج2. ص167. دمشق. 1973. دار الفكر.

2- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف. كتاب الخراج. بيروت. 1989. ص131.

3- أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي. الديارات. تحقيق كوركيس عواد. بغداد. ط2. 1966. مكتبة المتنبي. ص3/4.

4- فهمي عبد الرزاق سعد. العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين. ط1. 2013. اتحاد الناشرين العراقيين. ص74.

5- آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط3. القاهرة. 1957. ج1. ص66.

6- المصدر السابق. ج1. ص66.

7- أحمد بن علي القلقشندي. صبح الأعشى في صناعة الأنشا. القاهرة. 1964. ج10. ص295/297.

8- عمرو بن متي. أخبار بطاركة كرسي المشرق. من كتاب المجدل. بعناية جسمو ندي. بيروت. ص81/82.

9- أحمد بن القاسم ابن أبي أصيبعة. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. تحقيق نزار رضا، بيروت. 1952. ص69/70.

10- هلال بن المحسن الصابي. تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء. تحقيق عبد الستار فرج. بغداد. 1964. دار إحياء الكتب العربية. ص109.

11- ابو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. القاهرة. 1960/1969. دار المعارف. 1985. ج8. ص324.

12- أحمد بن محمد مسكوية. تجارب الأمم. القاهرة 1992. مطبعة التمدن. جزءان وملحقان. ج2. ص408.

13- الشابشتي. الديارات. مصدر سابق. ص3/4.

14- أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. حيدر آباد الدكن. 1992م. مطبعة دائرة المعارف. بيروت. ج5. ص82/84.

15- ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ). الرد على النصارى. ضمن ثلاث رسائل. القاهرة. 1382ه. المطبعة السلفية. ص18.

16- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز. القاهرة، 1994. ص140.

17- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص215.

18- الطبري. تاريخ الرسل والملوك. مصدر سابق. المجلد الثامن. ص985.

19- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص216.

20- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. لندن وبيروت 1992. ص222/223.

 

 

ali mohamadalyousifإن اول فيلسوف روماني وضع بذور التصوف الديني افلوطين (240-270 ميلادية) وكان له تأثير كبير على الفكر المسيحي، لا يقل اهمية بالنسبة إلى هذه الدراسة عن الطريقة التي استطاع بها ان يتجاوز أو بالأحرى يكتسح جانب التناقضات الموجودة في نظرية افلاطون حول خلود النفس وتقوم هذه النظرية على الوجود (التصوفي) وهي التجربة التي يدرك افلوطين في اطارها استقلال النفس عن اطار الجسم الذي تسكنه، حيث يقول (كثيراً ما اتيقظ بذاتي، تاركاً جسمي جانباً واذا غبت عن كل ما عداي أرى في اعماق ذاتي جمالاً بلغ اقصى حدود البهاء، وعندها اكون على يقين من انني انتمي إلى مجال ارفع) (1).

وكان افلوطين يخجل من كونه اسير الجسم وقد رفض الجلوس امام نحات وكانت كلماته الاخيرة متفقة مع فلسفته، ومع موقفه من الوجود الارضي والموت، حيث قال: (انني ابذل جهدي الاخير لارجاع ما هو الهي بداخلي إلى ما هو الهي في الكون)(2).

ومن الجدير ذكره ان برجسون يعتبر تصوف افلوطين تصوفاً ناقصاً لانه لم ينته بالعمل، بل توقف عند حد التأمل والنشوة، وان افلوطين يتنكر للعمل حيث قال: (العمل يضعف التأمل)، وظل اميناً على النزعة العقلية اليونانية، ويعقب المفكر صادق جلال العظم إلى فهم برجسون القاصر لمعنى العمل عن افلوطين بقوله: (ان فهم برجسون للعمل هو غير فهم افلوطين له فالعمل الذي يضعف العمل لدى افلوطين، هو العمل الذي يغرقنا في توافه الحياة وتفاصيلها المتكررة الرتيبة، وليس العمل الخلاق المنتج)(3).

ولا يفوتنا في هذا المجال من ان برجسون يفهم التصوف كالتالي:

1- ان التصوف الكامل بزعم برجسون يتمثل في التصوف المسيحي فقط، وما عداه في مثل الاسلام واليهودية والاديان الاخرى غير السماوية كما في البوذية والهندوكية والزرادشتية فان التصوف فيها ناقصاً علامة واحدة لانه يتخطى حدود مرحلة الوجد والتأمل والنشوة، ولا يتتوج بالعمل والفعل بل يكتفي بالتأمل (4).

2- ان الحدس الصوفي يكشف لصاحبه ماهية الحقيقة الميتافيزيقية المطلقة، (الله) بصورة مباشرة لا تعتمد التصورات ولا العقل، ولا على الافكار مطلقاً، انه نوع من المعرفة الفائقة للعقل، وتعطيل لوظائف العقل النقدية كشرط لتحقيق التجربة الصوفية الكاملة (5).

3- ينفرد التصوف المسيحي، التصوف الكامل الحقيقي بنظر برجسون بثلاث خصائص هي العمل والخلق والمحبة (6).

4- يعتبر برجسون كما مر بنا تصوف الفيلسوف اليوناني افلوطين ناقصاً.

5- تصوف البوذية تعلم الانسان اطفاء ارادة الحياة على حد تعبير برجسون (7).

ويهاجم الفيلسوف الانكليزي المعاصر براتراندرسل

(1872-1979) الصوفية بضراوة ويقول: لا وجود للزمن في التصوف، فالزمن ملغي تماماً عندهم، فهم لا يهتمون بالماضي ولا بالحاضر ولا بالمستقبل لذلك لا نجد لهم حضوراً في فلسفة التاريخ لا من بعيد ولا من قريب، فرديتهم فوق كل شيء، سلبيون اجتماعياً، لا تستقيم بارائهم التربية، ولا يمكن الاعتماد عليها تربوياً وتعليمياً، ويضيف رسل ان الطريق التي يتبعها المتصوفة لا يمكن لها بناء أي حضارة، فغياب الامل وعدم الاعتراف بالاعمال الدنيوية كل ذلك يتعارض مع إمكانية قيام حضارة (8).

كما يؤكد رسل ان المتصوفة يجاهرون ان العلم بحد ذاته غير كافٍ لتفسير جميع الظواهر المتعلقة بالإنسان، وهذا ما لا يدعيه العلم نفسه، فالعلم لا يستطيع ان يطبق وسائله على ما هو روحي صوفي، إذ يؤكد المتصوفة ان الحقيقة تكمن في داخل انفسهم، وهي متعلقة بالنفس الإنسانية وهذه حقيقة متوقعة على التجربة الفردية وحدها، حالها حال الجمال والإحسان والصداقة ومعرفة الله، فمثل هذه التجارب الروحية يقع إدراكها وراء العلم، وتقع خارج إمكانية العلم، وعلى هذا الأساس فليس للعلم أي شيء يقوله عن مثل هذه التجارب الروحية (9).

ويؤكد رسل كذلك على عدم إمكانية التحقق من التجربة الصوفية، ومن المشاهدات التي يتفق عليها اغلب المتصوفة، فهو يرى: ان من غير الممكن التحقق من النتائج التي توصل اليها المتصوفة فعندما تسأل الصوفي عن كيفية وصوله إلى الحقيقة؟ يرد عليك قائلاً: بأنك لا تستطيع ان تفهم شيئاً من دون ان تمارس ان أمارسه، فالتصوف له طقوس ورياضيات خاصة، وهو نظام جسمي يسمى (اليوغا) وهذا ما يقوم به البوذيون، فأنهم يحيون حياة فردية لا يمكن عدها إلا عزلة وهمية تمارسها ذات واحدة معتقدة بأن لا شيء موجود إلا وحدة الكون التي هي وحدة الحقيقة (10).

واليوغا نظام فلسفي وطريق فلسفي يفضي إلى التوحد والى الفناء في الله، وهي تنادي الانسان كي يترفع عن امور دنياه، وان يرتفع عن العقائد والمذاهب والطائفية، والتمركز في الطقوس، وان ينظر إلى الاديان نظرة اخاء ومحبة وصفاء، واليوغا في الهند هي طريق المعرفة الصوفية أو عن طريق النقاء أو الصفاء، والتصوف الهندي أو طريق اليوغا قد وضع الاسس والتبويبات التي تأخذ بيد السالك إلى الخلاص فهي تجلي صدأ القلوب، وتزيل الهموم، وتسكن الروح في قلوب المؤمنين وتوجه الناس إلى عمل موحد، يخرجها من مشاكله العصبية، ومن احقادها وحروبها فيحل السلام والوئام ويتعاون الانسان مع اخيه الانسان، لرفع قيمة الحياة إلى المستوى الذي يليق بالإنسانية والذي اراده الله لعباده (11).

واليوغا كالتصوف فلسفة تمخر في بحر زاخر من المعرفة وهي كفلسفة التصوف ذات طابع عالمي (12)، وكما وصفت الصوفية في الحضارة اليونانية بالحكمة، فان كلمة بوذا (Bouddha) الهندية معناه ايضاً الحكيم المستنير أو المبارك، وكان بوذا قد المح في آخر حياته إلى انه اول البوذات (الحكماء) ولن يكون آخرهم. ويبدو ان الفيدا (Veda) وهي كتب البراهمة المقدسة كانت تبشر بحكيم يحي ويبحث ما محاه الزمن من معالم الديانة البراهمية، وينقيها مما علق بها على توالي العصور والاجيال، وترى غالبية البراهمة والكهنة المتخصصين في دراسة الفيدا يترقبون مجيء حكيم يكون مهدياً منوراً مخلصاً (13).

لذلك نرى البوذيون يترقبون إلى يومنا هذا ظهور حكيم من بينهم يجيء لينير ويهدي ويُنقي الدين ويحدد تعاليمه ويبعثها مجدداً (14). وقد عرف بوذا من خلال تعاليمه السامية التي دخلت القلوب دون استئذان، ومن تزهده في هذا العالم الفاني واصراره على قول كلمة الحق حتى ولو كانت لا تلاقي قبولاً من الملوك والامراء والوجهاء والكهان وذوي السلطان (15).

وطمح زرادشت الذي لم تفته ماهية الفلسفة الروحية (التصوف) فعاد إلى تفحص سرائر الانسان واهواءه ودعاه إلى حل المعضلات الاجتماعية، وعاد زرادشت إلى الشريعة الاولى يختلس منها آيتها الكبرى ليوردها وصية لدنياه فقال: حذاري في الطفرة في مسلك الفضيلة، فعلى كل فرد ان يسير في طريقه وان جنح على مسلك الآخرين، فلا يطمحَّن إلى بلوغ الذروة وحده، إذ على كل سائر ان يكون حبسه للمتقدمين قدوة للمتأخرين (16).

وخاطب زرادشت قومه فقال: (أحب من تفيض نفسه حتى يسهوا عن ذاته عندما تحتله جميع الاشياء فيضحك فيها ويغني بها)، أحب من تحرر قلبه وتحرر عقله حتى اصبح دماغه بمثابة احشاء قلبه، لقد آن للانسان ان يضع هدفاً نصب عينيه لقد آن له ان يزرع ما ينبت أسمى رغباته فيجتنب ويمتنع عن أية دومة ان تنمو فوقها.

والتصوف في البلاد الصينية يعرف بالتاوية (Toisme) والتاو (Tao) كلمة صينية معناه الطريق أو النهج أو السبيل، ويقصد به اسلوب الحياة أو الطريق الصحيح، طريق السماء والتاوية هي ديانة ومذهب فلسفي في وقت واحد، أسسها في القرن السادس قبل الميلاد لوتشو (Lawtzu)، فخاطب العواطف ونزع إلى التأمل الصوفي حاول انصاره فيما بعد العناية بالكيمياء بحثاً عن اكسير الحياة (17).

ويعرف الصوفية في اليابان بأسم الزن (Zen) وتعني حرفياً التأمل وهي مدرسة من اهم المدارس في اليوغا وتزعم انها تعبر عن جوهر البوذية وروحها عندما تحاول المرور (18)، بتجربة الاستنارة التي بلغها بوذا الكبير، وقد نشأت هذه المدرسة في الصين في القرن السادس بأسم شان (Shan) وهي صورة من صور المهايانا البوذية، ثم انتشرت في اليابان منذ القرن الثاني عشر، والتصوف في اليهودية هو الربانية، وفي المسيحية هو الرهبانية، وفي الاسلام علم الحقيقة أو عين الحق، وحق اليقين (19).

وهناك من يؤكد ان التصوف الإسلامي تأثر بفلسفات هندية وفارسية ومصرية ويونانية، وان نظرية الفناء الروحي دخلت التصوف الإسلامي من باب الفلسفة الهندية، وهناك من يرى ان المسيحية أثرت في التصوف الإسلامي من ناحية الدعوة إلى الزهد (20).

وتشير المصادر إلى ان الحلاج الحسين ابن منصور ذهب مذهب (وحدة الوجود) والعشق الألهي طريقاً إلى معرفة الاسباب، سمي بالحلاج ولد عام (244هـ) بواسط في العراق، تصوف وعمره ستة عشر عاماً، سمي بالحلاج لانه مطلع على سر القلوب، ويستخرج الكلام كما يستخرج الحلاج لب القطن كما يقول الخطيب البغدادي، وكان الحلاج يلقب بالقاب عديدة ومن تلك الالقاب الزاهد المغيث، حلاج الاسرار، المميز المحير، الشيخ، ذات الذات كان الحلاج جسوراً على السلاطين والطغاة يحرك الجماهير وينادي بالاصلاح ويبشر بفكر الحكومة المثالية التي تقسم الشريعة الدينية على انظمة المحبة والعبادة الخالصة لله، وهنا كان لابد للسلطة من مطاردة الحلاج وجمع التهم ضده، وسجنه عدة مرات، ووضعه تحت الاقامة الاجبارية، دليل صراحته وطلاقة وقوة فكره الفلسفي الصوفي إلى ان قتل، ويظل المشهد الابشع لوجه السلطة في الاسلوب الهمجي الذي نفذ فيه مقتل الحلاج، ومهما تباينت صور وصفه بالمصادر، يظل قائماً في التاريخ لصالح هذا المفكر المتصوف الكبير الذي انتشرت افكاره من بعده في كل بقاع الارض، ويروي ابو بكر الشبلي مقتل الحلاج، وقد قطعت يداه ورجلاه، وصلب على جذع ثم ضربت عنقه ولفّتْ بحصير، وصب عليه النفط، واحرق وحمل رماده على رأس منارة لتنسفه الريح، وقال ابن كثير عن ابي الحديد: فضرب الف سوطاً ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في كل ذلك ساكت، ولم ينطق سوى بكلمة (أحد أحد) وتتفق المصادر كافة على يوم مقتله يوم الثلاثاء من ذي القعدة عام 309هـ وحرمت بيع وشراء كتبه التي بلغت (25) كتاباً.

جعل الحلاج من لحب الألهي فلسفة كاملة ومنهجاً متماسكاً، وعثر الحلاج ولم يكن له من يأخذ بيده (21)، وان اول الفلاسفة الذين قلدوا الصرامة والشدة التي اخذها اخوانهم في الدين الشرقيون (مشرق العالم الاسلامي) من الرهبان المسيحيين، وربطت بمراسيم المؤمنين الاطهار، فلسفة وحدة الوجود وعقيدة الحلول هو ابن عربي (560هـ- 1165م) كما كان لابن رشد (520هـ- 1126م) وفلسفته اثر كبير على اوربا وحتى ميلاد العلم التجريبي الحديث، وهاجم ابن رشد المتصوفة. أما الغزالي ابو حامد الطوسي (1058هـ- 1111م) فبعد كل مجهوداته في البحث عن الحقيقة الا انه لم يجد في الاخير ما ينير له سبيل السلوك الا التصوف اذ قال عن لسانه (ثم اني لما فرغت من العلوم، اقبلت بهمتي على طريق الصوفية ولما احسست بعجزي وسقط من كليتي اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر اذا دعاه وسهل على قلبي الاعتراض عن الجاه والمال والاهل والاصحاب)(22)، ومن الجدير بالذكر انه لبيت الحكمة في عهد المأمون، وما قام به العرب المسلمين من ترجمات فلسفية الاثر الكبير في التصوف الاسلامي.

التصوف في وسط آسيا والقفقاس هم انفسهم قادة الطريقة النقشبندية الصوفية، وكانت هذه الطريقة انتشرت انتشاراً واسعاً في القرن الثامن والتاسع عشر في وسط آسيا، ابتداءاً من ولاية هانسو الصينية حتى قازان واستطنبول وايران واذربيجان، ولعل انشط اقسام النقشبندية واكثرها تعبيراً عن روح الجهاد القسم الذي يمثل منطقة شمال القفقاس في الداغستان والشيشان، لقد اشار الكاتب الامريكي جي، اف بادلي في كتابه (الغزو الروسي للقفقاس) إلى ان حروب القفقاس التي شنتها الطرق الصوفية النقشبندية على روسيا للدفاع عن بلادها قد أسهمت في التدمير المادي والمعنوي للأمبراطورية القيصرية وشاركت تلك الطرق في اسقاط حكم أُسرة رومانوف واقامة النظام البلشفيكي (23).

والنقشبندية الصوفية التي انتشرت في العالم الاسلامي وجدت لها المجال الأرحب في كردستان العراق على يد العلامة الشيخ خالد الشهروزوري وكان قد رحل إلى الهند، وثم عاد إلى كردستان اسس في السليمانية هذه الطريقة، ثم قصد بغداد وفتح له (تكية) زمن الوالي داود باشا، ولم تكن الطريقة النقشبندية الصوفية مقتصرة على الرجال فقط، وانما شملت النساء ايضاً، والعارفون باحوال كردستان يعلمون ان قلوب معظم سكانها الكرد تتعلق تعلقاً معنوياً وروحياً بالطريقتين النقشبندية والقادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، ولد عام 470هـ، في جيلان وتوفي 561هـ في بغداد، ومن ابواب فضائل التصوف باب صحبة الصوفية، باب المحبة، باب المعرفة، باب التوكل، باب ثواب توكل الكفاية، باب الرضا، باب السخاء والكرم، باب الشفقة، باب حسن الخلق والتواضع، باب مكارم الاخلاق، باب الوصايا، باب شروط التصوف (24).

نعود الان إلى التصوف في الفكر الغربي وهو مناقض لمفهوم التصوف في الفكر الاسلامي الذي مررنا ببعضه، فبمجيء القرن الثامن عشر برز الانكار المتشدد للخلود، إلى جانب رواج خطابات الموتى لما بعد الموت، وتناسخ الارواح، وتتمتع في هذا الصدد الاطروحة التي كتبها الروسي الكسندر راد يشتيف عام 1792م، فهو يرى ان حجج فناء النفس، اكثر اقناعاً من حجج خلودها، وينتهي إلى القول بأن الحجج الميتافيزيقية والعقلانية المحض غير مقنعة، وان على المرء ان يضيف لها مبررات القلب، ومع ذلك ترك للقارئ حرية الاختيار في تأمل البراهين التي تؤيد الخلود وتلك التي تفنده وان يتوصلوا إلى نتائج خاصة بهم، ومن جانبه يؤكد ان الخالق الرحيم لم يخلق الانسان ليجد ان الغرض من الخلق كان بلا طائل. كما يضيف هوبز قائلاً: النفس ليست خالدة، لكن الرب في يوم الدينونة سيبعث المخلصين باجسام روحانية مجيدة، وتلك بالطبع معجزة، ليست بعزيزة ولا مستحيلة على الخالق (25).

كما ان موران يشير إلى اسبينوزا يردد وان يكن في اطار المنطق الديكارتي صدى القضية الرئيسية للهندوسية، وهناك ضروب ملحوظة من التماثيل بين ذلك الشيء الذي هو ماهية النفس عن اسبينوزا، وبين الاثمن (براهما) بين اله وحدة الوجود، وبين (براهما)، بين الغبطة الاسبينوزية، أو المعرفة الكاملة، وبين المعرفة الصوفية عند البراهماتية للراجا (26). ان حالة الخلود عند اسبينوزا سواء سميت بالخلاص أم بالقداسة، أم بالانبعاث الروحي، تعتمد على الحب المتبادل بين الرب والانسان، وذلك كما يشير ولفسون ليس بالامر الجديد فقط قال به اللاهوتيون قبل اسبينوزا وهو يعترف بذلك قائلاً: ان هذه السعادة الروحية تسمى بالمجد في الكتابات المقدسة ولذلك ما يبرره (27).

في تجربة باسكال الصوفية يدعو إلى التخلي عن العقل الطبيعي وهو اكثر ما يستطيع الناس فعله، كما ان الايمان ما دام يأتي من العادة، فافعل كما لو كانت تؤمن، حادثة التصوف وقعت كما يشير جاك شورون في حياة باسكال وهو كما معروف عنه عالم رياضيات ما بين العاشرة والنصف والثانية عشرة والنصف ليلاً، في ليلة ثلاث وعشرين نوفمبر عام 1654ميلادية وقد عثر على وصف تجربته الصوفية عقب وفاة باسكال مكتوبةً على قطعة من الرق، حيكت في بطانة سترته، وكان كلمة النار أو بترجمة افضل اللهيب مكتوبة في اعلى الرق بحروف كبيرة: (رب ابراهيم واسحاق ويعقوب لا رب العلماء والفلاسفة يقيناً يقيناً يقيناً، فرحة سلام رب يسوع المسيح، نسيان العالم من كل شيء عدا الله، وينتهي الرق، خضوع شامل لليسوع المسيح والكاهن الذي يتلقى اعترافي. آمين).

كما يؤكد كانط اثبات الخلود على الحجة الاخلاقية بدلاً من الرجوع إلى التجربة الدينية والايمان الاعمى، انه نتيجة نفور كانط من النزعة الصوفية فيقول: القانون الاخلاقي الكامن فينا، هو الذي يكشف لنا ان العالم في يد عناية الهية حكيمة وان الانسان كائن ينتمي إلى عالمين هما العالم الظاهري والعالم في ذاته.

أما بالنسبة لنوفاليس (1772-1801) أعظم الرومانتيكيين واكثرهم عمقاً فالموت ليس عودة إلى الكل، وذلك على الرغم من فلسفته تختلف عن كل من كانط وفخته لاعادة تأكيد الايمان بالخلود، كذلك فهي تناقض ايضاً فلسفة الماديين الفرنسيين الذي ذهبوا إلى الموقف الرواقي باعتبارهم الموت فناءاً شاملاً، فالمعرفة بحسب الرومانتيكيين بأسرها هي في نهاية المطاف معرفة صوفية، وعلى روح الانسان ان تتجه إلى الداخل لتعيد خلق عالم جديد، وعلينا ان نتوغل داخل الاشياء ونخلع عليها بعداً آخر هو بعدها الحقيقي (28).

أما بالنسبة لشوبنهاور فهو قد وضع البذرة الاولى امام الوجودية الحديثة في قوله: (الرغبة في ان تكون الفردية خالدة، تعني حقاً التطلع إلى دوام الخطأ بلا انتهاء، فكل فرد هو في اساسه خطأ فحسب، خطوة زائفة، شيء كان من الافضل ان لا يكون، بل شيء بعد خروجنا منه هو الانتهاء الحقيقي للحياة).

ويذهب ياسبرز ان العلو الشامل يمكن ان يدعى الله، وهو يضل شيئاً لا يمكننا تخيله تماماً، خارجاً عن أي اتصال انفعالي، والارتقاء إلى العلو ليس تجربة صوفية، ليس توحداً مع الله الحي، ما يقدمه ياسبرز ليس إيماناً دينياً وإنما هو إيمان فلسفي دون عقيدة واعتقاد.

أما وليم جيمس فهو يقول: (وأما في الحالات الصوفية فان الذات تشعر باتحادها بالله بضرب من التحول والابدال Deplacement في مركز طاقتها الشخصية نتيجة لذلك الاتحاد، وليس الحالات الصوفية بمثابة انحرافات في صميم الشعور الديني، بل هي اعلى صورة من صور ذلك الشعور النفسي الذي يستولي علينا حينما نحس بان وجودنا قد اتسع باستغراقه في موجود اعظم منا، وهذا الشعور نفسه هو صميم الدين باعتباره تجربة حية، فعلى كل حال فان الرجل الديني اياً كان ايمانه الديني، يشعر بان علاقته بذلك الموجود الاعلى الذي يتعلق به هو مصدر قوته وطاقته ورجائه في الحياة، وهو لهذا يستمد من تلك العلاقة نفسها سعادة وسلاماً وغبطة روحية ما كان يمكن مطلقاً ان يحصل عليها عن طريق آخر) (29).

والواقع ان من شأن فكرة الله ان تخلع على نظرتنا إلى الكون شيء من الاتساع والعمق فضلاً عن انها تجعل الكون اقرب الينا واكثر تآلفاً معنا، وليس الله مجرد اسم أو موجود مجرد، بل هو شخصية حقيقية متناهية توجد في الزمان، اعني – حسب جيمس- انها ذات الهية أو بالاحرى انت، ولما كان الله شخصية متناهية فانه لا يمكن ان يحيط بكل شيء أو ان يعرف كل شيء، ذلك لان اعظم الذوات واوسعها عقلاً قد تجهل مع ذلك طائفة من الاشياء، التي تنكشف لغيرها من الذوات، ولا يتصور جيمس الله على انه خارج عن العالم أو متعال عليه، بل هو يتصوره على انه جزء من الكون أو هو من يتحدث عنه احياناً كما لو كان الحقيقة المثالية الباطنة في صميم الاشياء، وما دام الله هو الجانب المثالي من الاشياء، فانه لا يمكن يحوي كافة الاشياء من الخارج بل قد يكون من الممكن ان نقول ان الاشياء في جانبها المثالي تكون جزءاً من صميم وجوده، ومعنى هذا ان الله لا يخلق كل شيء، هذا فضلاً عن ان الخلق بالنسبة اليه ليس بمثابة مجرد تنظيم آلي، وتبعاً لذلك فان وجود الشر ليس بدليل مطلق على عدم وجود الله، إذ ان الله شريكنا الاعظم الذي لا يكف عن محاربة الشر دون ان يفرض علينا بعنايته طريقاً معيناً لا يكون علينا من بعد سوى ان نسير فيه، وليس في استطاعة الله ان يضمن لنا خيرية العالم هذا فضلاً عن انه هو نفسه ليس بقادرٍ على كل شيء، ولكن اذا كان العالم كثيراً ما يحيد عن الطريق المرسوم فذلك لان الله لا يكاد يكف عن ان يتخذ تصميمات جديدة، وبالاجمال يصنف جيمس الله بانه الخير ولكنه لا يقول انه لا متناه، أو انه قادر على كل شيء (30).

ومع ذلك فان وليم جيمس يؤمن بنزعة فائقة للطبيعة، لانه يرى ان هناك معجزات تعبر عن تدخل الله في صميم النظام الطبيعي بطريقة مباشرة فالعالم المثالي كثيراً، ما يتدخل بطرق مفاجأة في صميم العالم الواقعي، مما يدل على ان الله كثيراً ما يغير من مجرى التاريخ بين الحين والآخر، افلا يكون من الصواب ان نقول ان وجود الله انما يتجلى بشكل واضح في تلك المعجزات التي تظهرنا بين الحين والآخر على عمل الله؟ وهذه المعجزات نفسها اليست هي اكبر مظهر على وجود حرية في صميم العالم، ما دامت الحرية على حد تعبير رينوفييه Renouvvier بداية مطلقة؟ الواقع حينما يتداخل المثالي والعالم الواقعي، أو حينما يصطدم كل منهما بالاخر، فهناك تنبثق الحقيقة للجدة في صميم هذا الوجود (31).

ولا يقتصر وليم جيمس على القول بان الله يفيدنا ويشد من ازرنا، بل هو يذهب ايضاً إلى ان الله ايضاً في حاجة الينا، كما نحن بحاجة اليه (أني لست ارى ما يمنع من ان يكون وجود العالم اللامرئي متوقفاً إلى حد ما على ردود افعالنا الشخصية بالنسبة إلى مؤثرات الفكرة الدينية، وفي هذه الحالة ليس ما يمنع ان الله نفسه يستمد من ولاءنا واخلاصنا عظمة وجوده ومقومات بقاءه) ومعنى هذا اننا بإيماننا بالله نؤدي لله اجل خدمة واعظمها إذ نساهم بذلك في تثبيت دعائم ذلك العالم المثالي (32).

وفي تساؤل جوهري فلسفي هام يتساءل جيمس، لكن هل يكون معنى هذا ان الله مجرد فكرة يخلقها الانسان لتقوية عزيمته وشحذ همته بحيث يكون الله مجرد تصور مثالي؟ ومن رحم هذا التساؤل اذا كان متناهياً فما الذي يضطرنا إلى التحدث عنه بصيغة المفرد؟ كأن ليس هناك الا إلهاً واحداً، الا يمكن ان يكون هناك آلهة متعددة، يجيب جيمس ان فرض الشرك ليس اقل احتمالاً من فرض التوحيد، فلماذا لا نقول بوجود قوى متعددة تحكم الكون؟ (33).

أليس من المحتمل ان يكون العالم مؤلفاً من مجموعة القوى الفردية الالهية التي تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكمة والفهم، دون ان يكون بين هذه القوى العديدة أية وحدة مطلقة؟ ان الناس يتصورون الله على انه حاكم قوي أو طاغية مستبد، ولكن الله في الحقيقة إلا واحداً بين معاونين كثيرين في وسط جمهرة من مشكلي أو صائغي مصير هذا الكون العظيم، هكذا نجد ان عالم جيمس هو اقرب ما يكون إلى جمهورية شاملة يعيش فيها مواطنون احرار يعملون جميعاً على قدم وساق بغية الوصول إلى تحسين هذا الكون (34).

ويأخذ الدكتور زكريا ابراهيم على وليم جيمس: ولسنا نفهم كيف يمكن ان تكون ارادة الاعتقاد هي التي تكون ماهية الدين، بينما الدين في صميمه هو اتجاه الذهن إلى اكثر الاشياء موضوعية وواقعية على حد تعبير هوكنج... ان الله لن يكون شيئاً على انه من خلقنا، فلن تكون له اهمية عملية على الاطلاق لانه عندئذٍ لن يكون حتى ولا مجرد فرض ملائم في صميم حياتنا.

 

علي محمد اليوسف

....................

 (1) التساعيات، التساعية الرابعة، ترجمه إلى الانكليزية: استفين ماكينا، لندن، 1957.

(2) جاك شورون، مصدر سابق، ص 284.

(3) صادق جلال العظم، دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة، ص 179-181.

(4) علي محمد اليوسف، فلسفة الاغتراب، الدار العربية للموسوعات، 2013، ص 156.

(5) نفس المصدر السابق، ص 157.

(6) نفس المصدر السابق، ص 157.

(7) نفس المصدر السابق، ص 157.

(8) د. محمد فاضل عباس، مجلة دراسات فلسفية، بغداد، ع21، 2008، نقلاً عن: Russel Betrand, Oxford university press, London, p176.

(9) نفس المصدر السابق.

(10) نفس المصدر السابق.

(11) د. عبد القادر ممدوح، فلسفة التصوف، ص 27.

(12) عباس المسيري، اليوغا والتصوف، ص 21.

(13) نفس المصدر السابق، ص 28.

(14) محمد علي الزعبي، ومحمود مقلد، البوذا في التصوف في الهند، ص 113.

(15) عبد القادر ممدوح، مصدر سابق، ص 28.

(16) عبد القادر ممدوح، نقلاً عن فريدليك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، دار القلم، ص 15.

(17) جفري براندرار، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، عالم المعرفة، ع 173، ص 421.

(18) عبد القادر ممدوح، مصدر سابق، ص 30.

(19) عباس المسيري، مصدر سابق، اليوغا والتصوف والرهبانية، ص 63-64.

(20) عبد القادر ممدوح، نقلاً عن احمد الشرباصي، الغزالي والتصوف الاسلامي، ص 150-151.

(21) عبد القادر ممدوح، فلسفة التصوف، هامش صفحة 13.

(22) عبد القادر ممدوح، مصدر سابق، ص 81.

(23) Baddly, J, F, The Russian conquest of the Caucasus, 1980.

(24) عبد القادر ممدوح، فلسفة التصوف، مصدر سابق، ص 142- 147.

(25) جاك شورون، مصدر سابق، ص 143.

(26) ادجار موران، الانسان والموت، باريس، 1951م، ص 222.

(27) الاخلاق، الكتاب الخامس، القضية 36.

(28) شاك شورون، مصدر سابق، ص 168.

(29) دكتور زكريا ابراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة نقلاً عن: بوترو (العلم والدين) E Boutrox: science of religion dans La philosophy

(30) المصدر السابق، ص 51، نقلاً عن: W. James "Prgmatisim", p.928

(31) المصدر السابق، ص 52.

(32) نفس المصدر السابق، ص 56.

(33) المصدر السابق، ص 57.

(34) المصدر السابق ص 53.

 

 

 

دابت الجمهورية التونسية منذ الاستقلال على اصدار القوانين التي تعطي المراة حقها طبقا لما ذكر في القرآن حتى انها اعتبرت وبدون منازع رائدة عربيا في مجال حقوق المرأة.وها نحن نفاجأ مرة اخرى بتزكية حرية المراة التونسية في اختيار شريك حياتها وذلك باصدار قانون جديد يقف الى جانب المراة التونسية، وينصفها حقها في اختيار القرين، وقد جاء هذا على اثر الدعوة التي أطلقها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في شهر اوت المنصرم بمناسبة عيد المرأة، من أجل إلغاء القيود القانونية التي "تمنع زواج المرأة التونسية من رجل أجنبي غير مسلم"، بعد ضغوط مارستها منظمات نسائية، وحقوقية طالبت بتمكين المرأة من حرية اختيار زوجها. وقد تم ذلك فعلا بعد ان وجه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسى إلى وزير العدل دعوة لإعادة النظر فى المنشور رقم 73 الذى يمنع زواج المرأة التونسية بأجنبى غير المسلم. وآتت دعوته اكلها حيث انه أعلن اخيرا ورسميا بان "للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم" دون التنصيص على ذكر الديانة التي تنتمي اليها التونسية، وتونس ككل الدول فيها خليط من الاديان، خاصة بعد المصادقة على حرية الاديان بعد الثورة...حيث اننا نجد في تونس الديانات السماوية الثلاث لذا وجدت كلمة من الاجنبي غير المسلم. ففرحنا وقلنا مادام الامر هكذا فلا ضرر في ان تتزوج التونسية باجنبي غير مسلم ما دام هذا القانون لم ينص على ديانة التونسية ولم يأت على ذكر التونسية المسلمة ولم ينص عليها لا بين ظفرين ولا دون ذلك بل هو لم يذكرها مطلقا وهذا ان دل على شيئ انما دل على ان القانون التونسي عنى وبالدرجة الاولى الاقليات التونسية، لان تونس ككل دول العالـم فيها اغلبيـة واقلية، وكما يعلم جل التونسيين ان الشعب التونسي به تركيبة سكانيـة ذات اغلبيـة مسلمة واقليـة مسيحيـة واخرى يهودية، وربما هناك ديانات اخرى لم نسمع بها، او ربما لا وجود لها. وللتونسية المسلمة الحق في الزواج باجنبي مثلها مثل بقية النساء التونسيات لكن بشرط الزامي الا وهو ان يكون الاجنبي مسلما وذلك طبقا لتعاليم الدين الاسلامي الحنيف لان زواجها من غير مسلم يعتبر باطلا، وطالما هذا القرين الاجنبي يتدين بنفس الدين فلا حرج في ذلك لان الاسلام لم يحرم زواج المسلمة من اجنبي انما حرم زواج المسلمة من غير المسلم. وكما لا يخفى على احد ان الدين الاسلامي خاصة في السنوات الماضية انتشر انتشارا واسعا وبصفة كبيرة في جميع اصقاع العالم بصرف النظر عن الاجانب الذين اعتنقوا الدين الاسلامي منذ عدة قرون، منذ نشاة الاسلام الاولى وذلك عن طريق دروب التجارة القديمة، خاصة منها دروب تجارة الحرير، وذلك مثل الصين، والهند و

بورما او جمهورية اتحاد ميانمار، وبنغلاداش، ومنغوليا. واماريكا في القرن 16 عشر الميلادية، وفي القرن العشرين وما قبله دخل الاسلام كوريا وتايلندا وتايوان والفلبين وكمبوديا وفيتنام و...و...و...وكندا دون ان ننسى ان لنا جاليات عربية مسلمة مهاجرة تقريبا في كل اصقاع الدنيا. فالمسلم منهم الحامل لاحدى هذه الجنسيات يعتبر مسلما اجنبيا. اما الجدل الذي اثير نتيجة صدور قانون زواج التونسية باجنبي غير المسلم ارى انـه اما ان يكـون مفتعلا، والاصح انه ينم عن جهل بعض التونسيين والتونسيات مع كامل احترامي لهم ولهن بان تونس تحتضن ضمن شعبها المسلم 25.000 مسيحي ومسيحية مع 3000 يهودي ويهودية هل من المعقول ان تجبر الدولة ودار الافتاء التونسية التونسيات المسيحيات واليهوديات بالزواج باجنبي او تونسي مسلم غير ممكن لذلك وضع المشرع كلمة "اجنبي غير مسلم" وهذا خدمة للتونسيات غير المسلمات وهو يعتبر حقا عملا محمودا يذكر فيشكر عليه لا ان يثير ضجة كما يثير ضجة في غربال او زوبعة في فنجان.

الا اننا فوجئنا في بعض القنوات الاجنبية وغيرها ببث الخبر او الاعلان وترويجه ونشره بعد تحويره وتزييفه بصيغة مغايرة للحقيقة فاصبح (زواج التونسية المسلمة بالاجنبي غير مسلم) عوضا عن الاعلان الصحيح الا وهو للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم، حتى ان دار الإفتاء التونسية، الإثنين 14 اوت، أعلنت تأييدها لمقترحات رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي التي طرحها خلال كلمته بمناسبة العيد الوطني للمرأة التونسية، ودعا السماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.

بعد البحث والتثبت وجدت ان كلمة التونسية المسلمة لم ترد مطلقا ولم تذكر. ترى لماذا الاصرار على كلمة المراة التونسية المسلمة؟؟؟، وكاني باضافة كلمة مسلمة او صفة مسلمة الى كلمة التونسية الزواج باجنبي غير المسلم اضيفت لا عن سهـو ولا عن حسن نيـة انما اضيفت قصـدا وعمـدا بسابقيـة الاصـرار والترصد وذلك بغاية توظيفها لبث ونشر البلبلة بين الاقليات في تونس ولارباك الشباب، وهذا ما حدث فعلا حتى ان بعضا من الاقليات تساءلن هل لغير المسلمات الحق في الزواج من اجنبي غير المسلم؟ كيهودية مثلا ألها الحق في الزواج من غير يهودي؟...وهذا الاعلان الذي بث البلبلة روجته بعض وسائل الاعلام بهذه الصيغة المحرفة كمونت كارلو الدولية وFrance 24 والجزيرة نات وRT العربية مع ان القنوات التونسية ومن بينها قناة نسمة قالت رسمي: (للتونسية الحق في الزواج بالأجنبي غير المسلم) وذلك بعد ان أعلنت الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش اليوم الخميس 14 سبتمبر 2017، عن إلغاء مرسوم 5 نوفمبر 1973 الذي يمنع ضباط الحالة المدنية وعدول الإشهاد من إبرام عقود زواج التونسيات من الأجانب غير المسلمين.وقالت ايضا السيدة سعيدة قراش معلنة في تدوينة لها نشرتها في حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك: "تم الغاء كل النصوص المتعلقة بمنع زواج التونسية بأجنبي يعني بعبارة أوضح منشور 1973 وكل النصوص المشابهة له. مبروك لنساء تونس في تكريس حق حرية اختيار القرين"."المصدر قناة نسمة" وكذلك قال موقع arabesque.tn وقد نزلت قائمة الوثائق المطلوبة للزواج وذلك يوم 16 سبتمبر 2017 تحت عنوان زواج التونسية بغير المسلم دون ذكر كلمة المسلمة.

لعلمنا بان المشرع التونسي يتمتع بحدة الذكاء وبالنظرة الثاقبة وواسع المعرفة الفقهية لا يمكن ان يقع في مازق يجلب عليه المشاكل والمصائب والويلات لذا حدد القانون بكلمة التونسية دون ربطها بكلمة المسلمة الا اننا فوجئنا باحدى السيدات في قناة France 24 الا وهي احدى نساء المجتمع التونسي ذات مركز محترم قالت في تصريـح لها لقناة ''فرانس 24''، ان القانـون يخص المـراة التونسيـة المسلمـة دون غيـرها واعتبرت في نفس التصريح لقناة ''فرانس 24''، أنّه ''لا يوجد أي نص ديني صريح يمنع زواج المسلمة من غير المسلمين" في حين ان الرئيس قال زواج المراة التونسية باجنبي غير المسلم وهي تقول المراة التونسية المسلمة. لماذا هذا التحوير؟؟؟ ولماذا اقحمت كلمة المسلمة؟؟؟. يبدو ان هناك شيئا ما وخلفية ما وراء كلامها الذي خصته بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها. وهذا ما اثار حفيظة

كثير من التونسيين مع استغرابهم لجهلها او نسيانها اوتجاهلها وربما تناسيها لبعض الايات الصريحة في منع زواج المسلمة من غير المسلم. ان ما صرحت به السيدة لقناة France 24 ان لا وجود بالقران ما يمنع زواج المسلمة من غير المسلم.فهو كلام خاطئ وخطير للغاية، فيه مغالطة كبيرة وجسيمة للراي العام، وان لا اساس له من الصحة، ولتعلم هذه السيدة وكل منهن على شاكلتها ان زواج المسلمة من غير المسلم حرام لانه مخالف لشرع الله ولا علاقة له قانونيا بالشريعة الاسلامية والقرآن الكريم.

 ان قضية الزواج على علاقة بالحلال والحرام تتطلب نقاشا فقهيا. اما مسالة زواج المسلمة من غير المسلم لا اجتهاد فيها مع القرآن لأن زواج المسلمة من غير المسلم - مهما كانت ديانته- من الفواحش العظيمة التي نهى الله عنها وهو باطل لانه حرام؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول وذلك تطبيقا لكلام الله سبحانه وتعالى (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221).صدق الله العظيم. ان السور القرآنية ليست بنصوص كما قالت السيدة فالنصوص معروفة كتبها البشر، والفها البشر ككتب القوانين وكتب البحوث والدراسات والفلسفة والكتب المستنبطة والروايات وكتب القصة ودواوين الشعر وما الى غير ذلك، اما القرآن فهو سور منزلة من الله سبحانه وتعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء والمرسلين عن طريق الوحي، ولم يؤلفها بشر لذا هي ليست نصوصا ولا يمكن ان نطلق عليها هذه التسمية بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ. ان الله سبحانه وتعالى اعتنى بالمراة احسن عناية وبين حقوقها احسن تبيين في الزواج والطلاق والرضاعة والارث وما الى غير ذلك. في القرآن الكريم ورد عديد الايات المحكمات خاصة بالمراة في سورة النساء والبقرة. وفيما يخص الزواج هناك عديد الآيات القرآنية المانعة لزواج المسلمة من غير المسلم - ايا كانت ديانته- لانه معصية كبرى وخطيئة من الخطايا العظمى التي نهى الله عنها وهو باطل؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. لانه مخالفة للشَّريعة الإلهيَّة لذا لا جدال فيه ولا نقاش.

ان الله سبحانه وتعالى نهى نهيا قاطعا في سورة البقرة الرجل المؤمن عن الزواج بغير مؤمنة ونهى المراة او الانثى المؤمنة عن الزواج بغير مؤمن وقد اجتمع فقهاء المسلمين على أنّ زواج المسلمة من غير المسلم بغض النّظر عن ديانته هو أمر محرّم في الشّريعة الإسلاميّة. قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري : "إن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه"، وقال الإمام القرطبي: "أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام".وذلك لقوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآية (221) (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). صدق الله العظيم.

ان هذه الآية المرادً بها كل مشركة وكل مشرك من أيّ أصناف الشرك، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة،او مشرك دون مشرك وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً،او وثنيا كان او مجوسيا او كتابيا.ولا نُسخ منها شيء. والمراد بنـزول هذه الاية هو تحريم نكاح كل مشركة على كل مسلم من أيّ أجناس الشرك، عابدة وثن كان، أو يهودية كانت أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك وتحريم نكاح كل مشرك على كل مسلمة من أيّ أجناس الشرك، عابد وثن كان، أو يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أو من غيرهم من أصناف الشرك. وهذا تحريم صريح بين وجلي صادر من الله عز وجل انه على المؤمنين أن لا يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان او المجوس او النصارى او اليهود حتى يؤمن وعلى المؤمنات ان لا يتزوجن من عبدة الاوثان والمجوس والنصارى واليهود حتى يؤمنوا، ثم إن كان في العموم المراد به أنه يدخل فيها كل مشركة ومشرك من كتابية ووثنية وعبدة النار. قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) هذا إجماع : لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك) يعني المشركين (يدعون إلى النار) أي إلى الأعمال الموجبة للنار (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه) أي بقضائه وإرادته (ويبين آياته للناس) أي أوامره ونواهيه (لعلهم يتذكرون) يتعظون .

 وكذلك لقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) صدق الله العظيم الآية (10) سورة الممتحنة.

وقال تعالى} فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{(الممتحنة:10) صدق الله العظيم فالتكرير في قوله تعالى:} لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{ بالتأكيد والمبالغة بالحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك.

وقوله تعالى} وآتوهم ما أنفقوا { أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية. وقال تعالى} وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا{]النساء [141. والزوج له ولاية وقوامة على زوجته، وهما ممتنعان من الكافر على المسلمة؛ اذا فالكافر لا ولاية له على مسلمةٍ باي حال, بإجماع أهل العلم.

اما قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) يعني: سلوهنّ ما جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمنّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يمتحن المؤمنات إلا بالآية، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (12) سورة الممتحنة صدق الله العظيم.وكان "امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله".

أن النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين جميع المسلمات وأزواجهن الذين لم يسلموا، ومنهم ابنته زينب زوج أبي العاص بن الربيع، فلما وقع في الأسر يوم بدر أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك ثم أسلم بعدها فردَّها عليه.

وأخرج مالك في الموطأ وابن سعد في الطبقات عن ابن شهاب قال لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله وإلى رسوله (أي اعتنقت الاسلام) وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها (أي اسلامها) بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجراً (أي مسلما) قبل أن تنقضي عدتها".

أما الإجماع: فقد انعقد إجماع العلماء على أن زواج الكافر بالمسلمة باطل لا ينعقد أصلاً؛ لمخالفته صريح القرآن الكريم.

فالمسلمة بحكم كونها زوجة يجب عليها الطاعة للكافر الذي تزوجته والخضوع له، بل هي عانية (أسيرة) عنده كما في الحديث الصحيح، وهو سيد عليها؛ كما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى} وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ{ صدق الله العظيم ولا يجوز بحال أن يُمكَّن الكافر من السيادة على المسلمة او على المسلمين.

- والكافر لا يحترم دينها، بل يذلها في دينها. ليضلَّها عن سبيل الله فيتخذه هزوا .قال الله تعالى (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) ﴿6 لقمان﴾) صدق الله العظيم اي يتخذ سبيل الله سخرية واستهزاء.

 - ثم إنه لا يُؤمَن على المرأة المسلمة

- والمراة بطبعها تميل إلى العاطفة أكثر من الرجل

 - يخشى عليها أن تتأثر بزوجها إذا دعاها لدينه، والرجل شديد التأثير على المراة. والنساء شقائق الرجال.

- وكما قيل: "المرأة على دين زوجها". ومخالطة ذلك الكافر تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة وهي جهنم وبئس المهاد.

- والزوج الكافر؛ لا يؤمن على الأولاد أن يتابعوا أباهم على كفره.

ارى ان استناد السيدة كان مبنيا على كلمة (مؤمن) او على الآية الكريمة في سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) صدق الله العظيم. ان الله سبحانه وتعالى في هذه الاية وضح توضيحا ظاهرا وجليا وحدد تحديدا بينا في قوله تعالى في المؤمنين من هم قال سبحانه وتعالى (المؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله) صدق الله العظيم. وكل البشرية تعلم ان المسيحيين واليهود اهل الكتاب مؤمنون موحدون لكن ايمانهم ناقص ومبتور لانهم لا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ولا يؤمنون بالمصحف الشريف (القرآن) كلام الله اذا هؤلاء ليسوا بمؤمنين اذا النتيجة محرمون على المسلمات والمسلمات محرم عليهن الزواج باحدهم.لا ننسوا ان هناك مسيحيون علاوة على ذلك لا يؤمنون بالمسيح عليه السلام رسولا انما يؤمنون به ابنا لله كما يؤمنون بثالث ثلاثة يعني انهم اصبحوا مشركين، قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) سورة البقرة صدق الله العظيم. اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها على الرد على النصارى ومن أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم : إن لله ولدا . فقال تعالى : (سبحانه) أي : تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا (بل له ما في السماوات والأرض) أي : ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد ! كما قال تعالى) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) سورة الأنعام : الاية 101 صدق الله العظيم وقال تعالى) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (سورة مريم (الايتين 88 - 95)صدق الله العظيم وقال الله تعالى بسم الله الرحمان الرحيم (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) صدق الله العظيم سورة الإخلاص. وقال الله تعالى في سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) صدق الله العظيم.

قال الله تعالى وقوله الحق (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) يعني فيه إضمار معناه : ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون : الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) سورة المائدة، الاية (116) صدق الله العظيم ، فإن الله يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (7) سورة المجادلة صدق الله العظيم.(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) (سورة المجادلة،الاية 7) صدق الله العظيم، (إلا هو رابعهم) يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " . ثم قال الله تعالى ردا على الكافرين في الاية (73) (وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) صدق الله العظيم (أي ليصيبن الذين كفروا) خص الكافرين لعلمه أن بعضهم يؤمنون .

وهذا باختصار ما جاء في القرآن عن شرك اهل الكتاب قال الله تعالى:(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) سورة التوبة صدق الله العظيم

نلاحظ في هذه الاية الكريمة قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ)، وقول النصارى(وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ).(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) أي إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا . وقال الله تعالى في سورة مريم (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72)) صدق الله العظيم.ثم في قصة خلق عيسى عليه السلام من مريم بدون رجل .. قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً(88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً(89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً(90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً(91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً(92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً(93) سورة مريم . صدق الله العظيم

ان الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله ولجوؤهم إلي هذا الافتراء حيث قال الله سبحانه وتعالى مخاطبا اهل الكتاب في شان عيسى بن مريم عليه السلام (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚإِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) سورة النساء صدق الله العظيم.

القول في تأويل قوله : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) قال بعض المفسرين يعني بقوله : "وروح منه" إنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله : "كن" . قالوا : وإنما معنى قوله : "وروح منه"، وحياة منه، بمعنى إحياء الله إياه بتكوينه. والمقصود بكلمة الله هنا هى كلمة "كن" (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) صدق الله العظيم سورة يس وفي سورة آل عمران قال الله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) صدق الله العظيم. وقال آخرون : معنى قوله : "وروح منه"، ورحمة منه، كما قال جل ثناؤه في سورة المجادلة (وأيدهم بروح منه) الاية :]22["وكلمته ألقاها إلى مريم "، قال : هو قوله : "كن"، فكان.

يجب على المؤمن ان يكون مؤمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يفرق بين احد من رسله، ومادام أي انسان كان لا يؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا يؤمن بالقرآن كتابا من الله عز وجل لا يعد مؤمنا لان ايمانه منقوص وزيادة على ذلك لا يعتبر مسلما لانه لايؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين وبالقرآن كتابا ولا ينطق بالشهادتين ايمانا واحتسابا لذا فهو ليس بمؤمن ولا مسلم. ولا يزوّج كافر مسلمةً بحال، أمّا الكافر وهو المشرك فلا ولاية له على مسلمة بحال، وهذا بإجماع أهل العلم، منهم: "مالك، والشّافعي، وأبو عبيد"، استنادا لكلام الله وامره.وأصحاب الرّأي.

ولو ان النصراني (المسيحي) يزعم أنه يؤمن بالله وجميع الرسل، وذلك بمشاركته المسلمين اعيادهم الدينية، لا يصح زواجه من المسلمة؛ لأنه مازال متشبث بدينه، وذلك لانه لم ينطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام، مع الإقرار بمقتضاهما، والعمل به وطالما انه لم يفعل ذلك، فهو كافر غير مسلم، وحكم زواجه من المسلمة في حكم الزنا، ويجب أن يفرق بينهما في الحال هذا اذا تزوجا. وفي حال كون المسيحيّ يؤمن ايمانا قاطعا بان عيسى عليه السلام رسول الله ولا يعتقد أنّ عيسى المسيح هو ابن الله، فإنّ ذلك لا يجعله مسلماً بأيّ حال وايمانه منقوص ما دام لا يؤمن بسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا ولا بالقرآن منزل من الله، ولا يكون مسلماً إذا لم ينطق بالشّهادتين، مع نيّته أن يدخل في الإسلام، وذلك مع إقراره بمقتضاهما، وإذا لم يفعل ذلك يعتبر كافراً غير مسلم، ويحرم عليه الزّواج من مسلمة بأيّ حال. (1)

ومن تزوجت بمسيحي او يهودي او مشرك ايا كان وهي عالمة بحرمته مستحلة له، فقد ارتدت عن دين الإسلام، ويجب عليها المبادرة بمفارقة هذا الرجل الغير مسلم فوراً؛ لأن نكاحها له باطل، بل هو محض الزنا، قال الله تعالى (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) صدق الله العظيم والله تعالى نهى عن الزنا بكونه فاحشة وساء سبيلا. يقول تعالى ذكره : وقضى أيضا أن (لا تقربوا) أيها الناس (الزنا إنه كان فاحشة) يقول : إن الزنا كان فاحشة "أي معصية" (وساء سبيلا) يقول : "وساء طريق الزنا طريقا، لأنه طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقا يورد صاحبه نار جهنم". لذا وجب عليها فراقه والتوبة إلى الله تعالى بالندم على ما صنعت والعزم على عدم العودة إليه أبداً، وان كانت فعلته من غير استحلال ولا جحود؛ فتكون عاصية ومرتكبة لكبيرة من الكبائر، وإن كانت جاهلة بالحكم؛ لنشأتها في غير بلاد المسلمين فلا إثم عليها حينئذ، ويكون نكاحها نكاح شبهة فلتفارقه وإن أسلم زوجها، فهو أحق بها ما دامت في العدة.

ان زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان يعد فعلا منكرا عظيما ومعصية كبرى، لانه ليس زواجاً شرعياً، وإنما يعد علاقة محرَّمة آثمة، والواجب على المسلمة التي تزوجت غير مسلم ان تفارقه اولا، مع محاولة دعوته إلى الإسلام لعل الله يبعث النور في قلبه ويهديه الى الاسلام.

الحكمة من منع زواج المسلمة من غير مسلم (مشرك) او من مسيحي او يهودي والحكمة من تحريم زواج المسلمة من شخص غير مسلم (مشرك) أو كتابي، هو أنّ الإسلام دين يعلو ولا يُعلى عليه، وإنّ للزوج فيه قوامةً على زوجته، وهذا أمر ممنوع في حقّ من كان كافراً، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) سورة النساء، 141 صدق الله العظيم .وفي هذه الحالة فإنّه لا يؤمن على المرأة أن تميل إلى زوجها في حال دعاها إلى اعتناق ديانته، ولا يؤمّن على الأطفال أن يقوموا باتباع والدهم في ديانته، وأمّا في حال تزوّج المسلم بامرأة كتابيّة فإنّ هذه المفاسد لا تكون موجودةً، لأنّ القوامة تكون للزوج المسلم، ومن الممكن أن يؤثر هو على زوجته وبالتالي تسلم، والزّوج هو الكلف بأن ينشئ الأولاد تنشئةً إسلاميّةً تحميهم من متابعة الأمّ في دينها، وفي حال قصّر في هذا الأمر فإنّ حسابه يكون على الله عزّ وجلّ، وفي حال زواجه من امرأة كتابيّة فإنّه يكون مؤمناً بكتابها غير المحرّف وبنبيّها، وبالتالي يكون لديهما أساس للتفاهم ويمكن لحياتهما أن تستمرّ، وأمّا المشرك او الكتابي عند زواجه بالمسلمة فإنّه لا يؤمن بدينها ولا بنبيها، ولا يوجد بينهما أيّ طريقة للتفاهم والوئام، ولذلك منع المشرع هذا الزّواج ابتداءً. (2).

بعد كل هذه الاثبات القطعية كيف يمكن للمسلمة المؤمنة ان تتزوج بمسيحي او يهودي يشرك بالله لم اقل كلهم انما اغلبهم وحتى ان يكن بينهم فئة ضئيلة تؤمن بسيدنا عيسى نبيا ولكن وللاسف كلهم في جميع اصقاع العالم لا يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا ينطقون بالشهادتين هؤلاء رافضون رفضا قاطعا وباتا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورافضون للقرآن الكريم في حين ان الله سبحانه وتعالى اشترط والشرط واضح وجلي في هذه الاية الكريمة في قوله تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة صدق الله العظيم. استنادا الى اواخر سورة البقرة لا يكون الانسان مؤمنا مادام لا يؤمن بجميع الرسل وبجميع الكتب السماوية... وقال الله تعالى في سورة المائدة الآية (5) (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) صدق الله العظيم. والخطاب هنا في النكاح او الزواج موجه للرجال دون النساء اذ قوله تعالى '' وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ " صدق الله العظيم وهنا المقصود والله اعلم الحرائر العفيفات المراد بالمحصنات : العفيفات عن الزنا، قال الله تعالى في الآية 25 في سورة النساء : وهذا جزءا منها (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) وقد تكرر ذكر كلمة "محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان" ولم يقل المحصنين او المؤمنين وفي الطعام موجه للكل. ولكن اذا كان في الطعام خنزير فهو حرام طبعا لأن الانسان يجب ان يتبع كل القرآن وليس آية واحدة.

ان الدين والشرع والعقل والعادات والتقاليد والاعراف ترفض زواج المسلمة من غير المسلم ايا كانت جنسيته وبلده ااجنبيا كان او غير ذلك. ان زواج المسلمة بغير المسلم يجعل المسلمة العابدة لله الواحد الاحد والمؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله ولا تفرق بين احد من رسله وهي مطيعة لله ومستغفرة لكن شهوتها للزواج او اعجابها بذاك الكتابي او السيخي او المشرك الوثني او الزرادشتي او البوذي او الهندوسي او عابد الشيطان او عابد الفرج واستمالها بهواه فاتبعت هوى نفسها والمعروف عن المراة انها عاطفية اكثر من الرجل وهذا لا يخفى على احد بإهدائها وردة واحدة او طبطبة صغيرة او هدية بسيطة ترضيها وتجعلها تركع مطيعة لزوجها في دينه ومعاشه وان لم تجد من يتصدى لها او يفهمها او يقنعها ارتدت خاصة اذا اقتنعت بان من سمح بزواج المسلمة من غير المسلم هو المشرع رجل الدين عالم باصول الفقه وبالحلال والحرام وبتاويل كلام الله وبالشريعة ومقاصدها فتزوجت منه وهي متاكدة ان زواجها حلال وليس باطل من يتحمل وزر ارتدادها عن دين الاسلام وكلنا نعرف مدى تاثير الرجل على المراة خاصة ان كانت محبة له وعاشقة او طامعة في ماله ومقتنعة به جملة وتفصيلا. وتتزوج برجل غير مسلم. هل فكرتم في الناشئة التي ستولد من اب مشرك وام مسلمة كيف سيكون دينها اسلاميا او مسيحيا او يهوديا او مشركا لا يؤمن بالله الواحد الاحد. والمعروف ان المراة تتبع دين زوجها وهذا لكونها عاطفية اذا ستكون هناك كثير من النساء المرتدات عن دينهن الاسلام.

لذا اجمع علماء الإسلام على ان الشرع الإسلامي يحرم زواج المسلمة بغير المسلم ايا كانت ديانته، تحريما قطعيا وذلك إستنادا إلى قول الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}. سورة البقرة: 221صدق الله العظيم. دلالة الآية الكريمة على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم لا خلاف فيه بين المفسرين وعليه إجماع الفقهاء سلفا وخلفا، والمقصود بغير المسلم كل كافر أو مشرك سواء أكان من الوثنيين أو المجوس أو من أهل الكتاب، وفيما يلي أقوال بعض العلماء :

قال الإمام القرطبي: " أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام ". [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

قال الإمام الرازي: "فلا خلاف ها هنا أن المراد به الكل-أي جميع غير المسلمين- وأن المؤمنة لا يحل تزوجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة ". [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وإن كانت الآية نزلت في تحريم نساء المسلمين على المشركين من مشركي أهل الأوثان يعني قوله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} فالمسلمات محرمات على المشركين منهم بالقرآن بكل حال وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين وما لم يختلف الناس فيما علمته ". [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

قال الإمام الكاساني: " فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثروا من الأفعال ويقلدونهم في الدين وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: {أولئك يدعون إلى النار}. [سورة البقرة: 221]. لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراماً. والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع فيتعمم الحكم بعموم العلة فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}. [سورة النساء: 141]. فلو جاز نكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز". [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

قال الإمام مالك: " ألا ترى أن المسلمة لا يجوز أن ينكحها النصراني أو اليهودي على حال وهي إذا كانت نصرانية تحت نصراني فأسلمت إن الزوج أملك بها ما كانت في عدتها ولو أن نصرانيا ابتدأ نكاح مسلمة كان النكاح باطلا ". [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

قال الإمام ابن جزي: " وإن نكاح كافرٌ مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع ". [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

قال الإمام الشافعي: " فإذا أسلمت المرأة أو ولدت على الإسلام أو أسلم أحد أبويها وهي صبية لم تبلغ حرم على كل مشرك كتابي ووثني نكاحها بكل حال ". [الأم ج: 5 ص: 7].

قال الإمام البهوتي : " ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال حتى يسلم لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]، وقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} . [سورة الممتحنة: 10]. [كشاف القناع ج: 5 ص: 84].

قال الإمام ابن مفلح: " إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولأن دينها اختلف فلم يجز استمراره كابتدائه وتعجلت الفرقة وكان ذلك فسخا". [المبدع ج: 7 ص: 117].

قال الإمام ابن قدامة: "إن أسلمت الكتابية قبله وقبل الدخول تعجلت الفرقة سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ". [المغني ج: 7 ص: 129].

قال الإمام ابن حزم: "ولا يحل لمسلمة نكاح غير مسلم أصلا... برهان ذلك قول الله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]. [المحلى ج: 9 ص: 449].

وحكمة ذلك: أنّ المسلم يؤمن بكل الرسل بما فيهم موسى وعيسى عليهم السلام، وبكل الكتب بما فيها التوراة والإنجيل، بينما لا يؤمن أهل الكتاب إلا برسلهم وكتبهم.

 وبما ان المسيحيين يؤمنون بثالث ثلاثة فهم يعتبرون مشركين لانهم يعتبرون ايضا ان المسيح ابن الله ومنهم من يعتبر ان المسيح عليه السلام ممثل الله فوق الارض وهذا كفر ظاهر وبين وشرك بالله فالله واحد احد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد.

من خلال الايات الكريمة ومما تقدم يتضح وضوحا جليا لا لبس فيه ولاطمس أن زواج المسلمة من غير المسلم دون استثناء كتابي كان أو كافر(مشرك) فإنه حرام وهو زواج باطل شرعاً وقانوناً، لما تقدم من ذكر الايات المحكمات وأقوال العلماء والفقهاء قديماً وحديثاً، وإن وجد يجب فسخ هذا الزواج في الحال.

و لكن للاسف كثير يجهلون احكام القران والدين لهذا كثير من الناس يقعون في الخطأ. لذا اقول لا يمكن ان يضاف في اي تصريح لوسائل الاعلام الاجنبية او العربية او المحلية بان النص القانوني ملزم بالتونسيات المسلمات لان هذا يثير البلبلة في الاوساط التونسية والعربية والدول الشقيقة ونحن في غنى عنها وليكن في علم الجميع ان ضمن الشعب التونسي المسلم هناك تونسيات غير مسلمات وكذلك تونسيون غير مسلمين كما ذكرت آنفا 25.000 مسيحي ومسيحية و3000 يهودي ويهودية اننا نتساءل لماذا التاكيد على ان النص القانوني الجديد ملزم بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها ولماذا اضيفت كلمة المراة التونسية المسلمة لواسائل الاعلام ولم يبق الاعلان على ذكر كلمة المراة التونسية بصفة عامة. يبدو للمستمع من الوهلة الاولى انها مقصودة لكون دينها الاسلام يحرم عليها الزواج من غير المسلم ايا كان اجنبيا او غير اجنبي. وقد يبدو كأن هناك تحريض نوعا ما للمراة التونسية المسلمة على الارتداد عن دينها. هل التونسيون كلهم مسلمون لا غير صحيح بعد الثورة ظهرت في تونس ديانات شتى ومختلفة وتبجحوا بها حتى ان منهم من ترك وصية الا وهي الامر بحرق جثمانه بعد موته اترى من يوصي بحرق جثمانه بعد موته مسلما لا اظن.

كان على المفتي او المشرع التونسي ان يصر بان يكون هناك قانونا خاصا بالمسلمين وينص فيه بوجوب منـع زواج المسلمـة من غيـر المسلم وكـان لزاما علـى المشـرع التونسـي ان يوجـد قانـونا يجبـر التونسـي والتونسية كليهما على التصريح بديانتهما وكتابتها في هوية كل منهما(بطاقة التعريف الوطنية) وان يجبر المراة بالتصريح بديانتها التي تنتمي اليها مع الاستظهار بما يثبت ذلك قانونيا عند كتابة عقد زواجها.

و لحسم النزاع وكفى الله المؤمنين شر القتال يجب فرض اضافة كلمة الدين الذي تنتمي اليه الزوجة والدين الذي ينتمي اليه الزوج في نص عقد الزواج ويكون هذا الشرط ضمن قائمة الوثائق المطلوبة في ابرام عقد الزواج. بعد صدورهذا القانون نتساءل اتصبح تونس متعددة الاديان مثل الهند بعد السماح للتونسية بالزواج من اجنبي غير مسلم حيث ان الابناء الاغلبية الساحقة منهم يعتنقون دين آباءهم ويتبنون سلوكهم وحتى تصرفاتهم وقلة منهم يعتنقون دين امهاتهم لذا منع الاسلام زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان اجنبيا او عربيا.

فيما يلي: قائمة الوثائق المطلوبة لزواج التونسية بغير المسلم16 سبتمبر 2017 .(3)

اصدرت وزارة الشؤون المحلية والبيئة بلاغا نصت فيه انه وبعد الغاء القانون عدد 73 الذي يمنع التونسية من الزواج بغير المسلم

يجب على المعنيين ,عند إبرام العقود المذكوره ان تتوفر جملة من الشروط وهي .

- مضمون ولادة لكل من الزوجين (مدة صلوحياته 20 يوما) دون التقيد بمدة الصلوحية بالنسبة للأجانب, الشهادة الطبية لإتمام الزواج.

- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو أي وثيقة رسمية أخرى تثبت هوية الزوجين ,إذن من المحكمة لمن هم دون السن القانوني.

- موافقة الولي والأم أو الأم بمفردها في صورة وفاة الأب بالنسبة الى القاصر الذي لا تتوفر فيه السن القانونية للزواج أو اذن بالزواج من المحكمة في صورة امتناع الولي أو الأم ,مضمون وفاة الزوج أو الزوجة بالنسبة للأرامل.

- نسخة من حكم الطلاق بالنسبة للمطلقين أو مضمون ولادة منصوص به على الطلاق.

- بينة من القنصلية أو البعثة الدبلوماسية تشهد بإمكانية عقد الزواج بالنسبة للأجانب.

- شهادة في عدم الارتباط بأي علاقة زوجية بالنسبة للأجانب.

- ترخيص من الادارة بالنسبة للمنتمين الى قوات الأمن الداخلي والديوانة (أعوان الأمن الوطني والشرطة الوطنية، وأعوان الحرس الوطني، وأعوان الحماية المدنية وأعوان الديوانة).

- الاستظهار ببطاقة التعريف بالنسبة للشاهدين (مع وجوب توفر الشروط القانونية لكلا الشاهدين).

- ترخيص من وزارة الدفاع الوطني بالنسبة للعسكريين.

- ترخيص من الادارة بالنسبة لأعوان السلك الدبلوماسي

 

 الكاتبة فوزية بن حورية

...................

المراجع:

 (1) بتصرّف عن فتوى رقم62835/ تحريم زواج المسلمة من غير المسلم مطلقاً/ مركز الفتوى

(2) بتصرّف عن فتوى رقم31025/ الحكمة من منع زواج المسلمة من كتابي/ مركز الفتوى

 [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

 [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

 [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

 [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

 [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

 [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

 [الأم ج: 5 ص: 7].

 [كشاف القناع ج: 5 ص: 84]

 [المبدع ج: 7 ص: 117].

 [المغني ج: 7 ص: 129].

 [المحلى ج: 9 ص: 449].

 (3) الشروق

 

 

khadat jleedلا شك أن الحرب ظاهرة تاريخية ملازمة لوجود الإنسان منذ فجر التاريخ، حتى يمكن أن نقول أنّ تاريخ الإنسان هو تاريخ الحرب حيث لا يخلو مجتمع أو حضارة من هذه الظاهرة المرعبة التي تحصد الأرواح وتفسد العمران، ونظرا لأهمية هذه الظاهرة في التاريخ فقد تطرق إليها كل من إبن خلدون  وهيجل، كل من زاويته الخاصة وفي إطار ظروف العصر التي تحدد المرجعية الفكرية والموقف السياسي والإيديولوجي لكل واحد منهما، ولكنّ قبل أن نتطرق إلى هذا الموضوع عند هذين الفيلسوفين، فلا بأس أن نتطرق إلى الأسس النظرية والفكرية لظاهرة الحرب فنتساءل: هل للحرب بعد فكري؟ وهل لها مبررات نظرية وفلسفية؟ وهل يمكننا أن نتساءل عن وظائف إيجابية للحرب؟.

إذا كانت الحرب ظاهرة عدوانية وفعل عنيف فهل يمكننا أن نربط هذه الظاهرة بالطبيعة البشرية ( LA NATURE HUMAINE  )؟ وبمعنى آخر « هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان أم هي ردّ فعل مكتسب؟ يمكننا أيضا طرح هذا السؤال على الشكل التالي: هل الإنسان عدواني بطبيعته؟ من الصعب جدا معرفة ذلك فليس ثمّة من شخصية تعيش في حالة الطبيعة الصرفة، أي بمنأى عن تأثير العوامل الثقافية » .

ولا شك أنّ الإنسان تتنازعه طبيعتان طبيعة الخير وطبيعة الشر كما يقول الحكماء وأنّ طبيعة الشر أقرب إلى الإنسان من طبيعة الخير، لذلك نجد أنّ الكثير من الفلاسفة أقاموا فلسفتهم السياسية على الطبيعة البشرية خاصة طبيعة الشر وهذا مما جعل الفيلسوف الإيطالي مكيافيلي يقول: « لا يفعل الناس الخير إلاّ مكرهين، ولكن ما إن يحصلوا على حرية الإختيار في ارتكاب الشر من دون عقاب حتى يزرعوا الشغب والفوضى في كل مكان وهذا ما دفع إلى القول أنّ الفقر والحاجة يجعلان الناس حاذقين وأنّ القوانين تخلق أناسا صالحين » .

كما نجد أيضا من الفلاسفة الذين ربطوا ظاهرة الحرب والنزعة العدوانية بالطبيعة البشرية الفيلسوف الإنجليزي هوبز (1588 – 1679 ) الذي كان يدعو إلى ضرورة الخروج من مأساة حالة الطبيعة والبحث عن السلم، لأنّ حالة الطبيعةعنده تعني شيئا واحدا وهو أنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ( L’homme est un loup pour l’homme  ) وبعبارة أخرى « إنّ سياسة هوبز تتأسس على أنّ الإنسان محدد برغبتين أساسيتين: الرغبة في السلطة والخوف من الموت العنيف الذي يتعرض له من طرف الآخر، فمنذ زمن بعيد والناس يعيشون بدون سلطة مشتركة تحكمهم في إطار الإحترام، إنّهم يعيشون في هذه الظروف التي نسميها الحرب، وهذه الحرب هي حرب كل واحد ضد الآخر » .

وإذا كان الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة يعني الخروج من حالة الحرب إلى حالة السلم والإنتقال من النزعات الطبيعية إلى القيّم الإجتماعية والسياسية المشتركة، فإنّه لا يمكننا ربط الحرب بالطبيعة البشرية وحدها لأنّ الإنسان أيضا كائن ثقافي واجتماعي وتاريخي ولأنه وعلى مسرح التاريخ وجدت ثقافات وحضارات تمجد الحروب وتقدس الأبطال الذين يخوضون هذه الحروب بكل فخر واعتزاز، وسواء كانت الحرب من أصل طبيعي أو ثقافي أو كليهما معا فإنّه     « تبقى أكثر عنفا وعشوائية وتقلبا بين جميع القوانين الإجتماعية، تبقى رفيق الدرب العظيم للتاريخ وهي بنفس الوقت رحمة القوي تسير مع الموت الفردي الطبيعي والطارئ الذي يعتبر أعلى مشكلة مطروحة في ساعتها بالنسبة لكل كائن بشري وترافق الكوارث الطبيعية التي تدفن مناطق بكاملها فهي الموت الجماعي الأعظم، بل هي المذبحة الكبرى للإنسان على يد الإنسان التي تعرض للخطر الدول والمجتمعات والحضارات بالإضافة لتهديدها للأشخاص والأسرة من جميع الأنواع »

وبالرغم من الطابع التدميري والعنيف للحرب، إلاّ أنّ هناك من يرى أنّها ضرورية وأنّها تؤدي وظيفة إيجابية وأنّها حالة إنسيابية لا يمكن توقيفها وإنّما هي موجودة على الدوام مثل الوجود الإنساني، وإنّما يمكن فقط التقليل من آثارها من خلال عقد الإتفاقيات والمعاهدات وتشجيع السلم وتمجيده بين الدول والشعوب « ومن هنا يأتي السؤال التالي: ألا يعني دوام وكلية وجود هذه الظاهرة المرعبة رغم كل الجهود والنوايا الحسنة التي بذلت لمحاربتها ألا تعني بأنّ الحرب تقوم في المجتمعات والحضارات بوظائف لا تزال ضرورية حتى الآن ولا يمكن الإستعاضة عنها؟ ولهذا أليس من الواجب أن تكرس جهود جميع المسؤولين في المجتمع الإنساني لتوجيه عدوانية الإنسان نحو مخارج أقل دموية وأقل تدميرا؟» .

وإذا ثبت تاريخيا أن الإنسان لم يستطع أن يمنع الحرب حتى ولو أراد ذلك لأنه مدفوع إليها دفعا فإننا نجد أيضا عبر التاريخ من يدافع عن الحرب من باب أنّ مصائب قوم عند قوم فوائد فالحرب عبر التاريخ تبرز المنتصر والمنهزم كما تبرز الحضارة المتقهقرة والمنتهية والحضارة الصاعدة والمتألقة لأنّ الحرب تقوم عادة في التاريخ « عند احتضار وموت الحضارات وهنا لابد من التفكير أيضا بأولئك الذين يستفيدون من هذه الخاتمة المدمرة ففي مثل هذه المناسبات يبرز على المسرح المناصرون للحرب والمدافعين عنها فهي بالنسبة إليهم امتحان للشعوب ومن وظائف الحرب كما يدعي هؤلاء إزالة الأشكال الإجتماعية والدول والأعراق والحكومات المنهكة المنحلة لتخلي المكان للقوى الغضة والأشكال من التفكير والتنظيمات الجديدة وهذا يعني في النهاية إعطاء الحرب دورا خارقا يتعدى حدود البشر حكم التاريخ أو حكم الإله حسب العبارة الهيجيلية التي اشتهرت في القرون الوسطى » .

وإذا كانت الحرب عبارة عن فوضى اجتماعية فإنّ ذلك في نظر بعض الفلاسفة مرحلة مؤقتة لأنه طبقا للمنطق الجدلي الهيجلي كل أطروحة تؤدي إلى نقيضها وكل فكرة تحمل في ذاتها بذور فنائها فالنظام وليد الفوضى والفوضى وليدة النظام، وفي هذا الإطار يقول أحد الفلاسفة « إنّ أكبر تأثير مألوف للثورات التي تعصف بالأمبراطوريات هو ذلك الذي يجعلها تمر من النظام إلى الفوضى ليعود بها فيما بعد إلى النظام ولم يكتب أبدا لما هو بشري أن يتوقف في نقطة ثابتة عندما يبلغ أقصى كمال ممكن، وعندما يعجز عن الإرتقاء أكثر فإنّه يسقط ولنفس السبب، فهو عندما يسقط في منتهى الفوضى ولا يتأتى له السقوط أكثر من ذلك فإنه يرتقي، وهكذا فإن كل ما هو بشري ينتقل بالتعاقب من الخير إلى الشر ومن الشر إلى الخير، الفضيلة تولد الراحة والراحة تولد الفراغ والعطالة  والعطالة تولد الفوضى والفوضى تؤدي إلى خراب الدول، ثمّ بعد قليل يولد من رحم خرابها النظام من جديد والنظام يولد الفضيلة ومن الفضيلة يولد المجد والرخاء، ومهما كان بالإمكان خلق أفضل أشكال الحكم التي يراد تكوينها فلن يمنعها ذلك من الزوال ذات يوم إذ أنّ كل شكل يحمل في أعشائه بذرة فنائه »

ومن هنا نستنتج أنّ هناك اختلاف بين المفكرين والفلاسفة في تقييم ظاهرة الحرب وتحديد وظيفتها الإجتماعية والتاريخية وهذا لا شك مرتبط بالظرف التاريخي والحضاري الذي كان يعيشه كل مفكر وفيلسوف في عصره، أي حسب منطق العصر وحسب الأطر الإجتماعية للمعرفة التي تكون شعوريا أو لا شعوريا المنهج العام الذي يرى من خلاله الفيلسوف العالم ويحدد علاقته به سواء على المستوى الإبستمولوجي أو الإيديولوجي وإذا كانت الحرب كظاهرة إنسانية شغلت الفلسفة والفلاسفة منذ القديم إلى اليوم فإنّ التساؤل المطروح هو: كيف ينظر كل من ابن خلدون وهيجل إلى هذه الظاهرة؟ وهل يمكننا أن نجد تقاطعات معرفية لتحديد هذه الظاهرة عند كليهما؟ وإذا كان إبن خلدون  متقدم على هيجل في الزمان والمكان فكيف ينظر إلى هذه الظاهرة؟ وهل رؤيته إلى هذه الظاهرة رؤية واقعية أم مثالية؟ وهل الحرب عنده تحمل في ذاتها قيمة سلبية أم إيجابية؟.

ينطلق إبن خلدون  من فكرة الطبيعة البشرية لتفسير ظاهرة العدوان والحرب، وهو بذلك سابق لكل من هوبز ولوك ومكيافيلي.

ويرى إبن خلدون  أنّ العدوان غريزة متأصلة في الإنسان وأنّها هي أصل الشرور وبالتالي الحروب، ولكبح هذه الغريزة العدوانية فلا بد من وجود وازع سياسي تكون له الغلبة والسلطان والقهر لردّ الظلم عن الناس فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا في إطار جماعة وهذا ما معناه أنّ الإنسان حيوان إجتماعي، فلا بدّ من وجود سلطة فوقية لتحديد وتنظيم العلاقة بين أفراد الجماعة وإلاّ أصبحت الحياة الجماعية متعذرة، يقول إبن خلدون  « ثمّ إنّ هذا الإجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتمّ عمران العالم بهم فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنّها موجودة لجميعهم فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتّى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معناه الملك، وقد تبين لك بهذا أنّه خاصة للأنسان طبيعية ولا بد منها، وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والإنقياد والإتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه، إلاّ أنّ ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكر والسياسة».

ويمكننا أن نستنتج من هذا النص الخلدوني أنّ غياب الملك واحتكام الإنسان إلى طبيعته العدوانية هو السبب الرئيسي للمنازعات والحروب، وإذا كانت الحروب قديما تحدث أكثر بين القبائل فلأنّ هذه القبائل لم تخضع لإطار سياسي مشترك ولسلطان غالب قاهر، ولأنّ هذه الحروب أيضا كانت تخضع للعصبية القبلية والعصبية فكرة طبيعية تقوم على الرابطة والدموية وليس على مبدأ أخلاقي واجتماعي وسياسي، أما فكرة الوازع السياسي فنجدها عندما تنتقل القبيلة من البداوة إلى الحضارة أي بعد تأسيس الدولة وإخضاع العصبيات إلى عصبية واحدة قاهرة تحمل مشروعا سياسيا وبالتالي كما يقول إبن خلدون  الإنتقال من الشظف إلى الترف ومن حالة الطبيعة إلى حالة الحضارة.

وإذا كان إبن خلدون  يربط العدوان بالطبيعة الإنسانية التي لم تخضع بعد لفكرة الوازع فكيف ينظر إبن خلدون  إلى ظاهرة الحرب في التاريخ؟.

يرى إبن خلدون  ومن منظور واقعي أنّ الحرب ظاهرة إنسانية تاريخية ملازمة للبشرية منذ فجر التاريخ وأنّها تقوم لغرض انتقام البعض من بعض الآخر، يقول إبن خلدون : « إعلم أنّ الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته فإذا تذامروا  لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الإنتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل » .

وإذا تأملنا هذه العبارة الأخيرة  لإبن خلدون ندرك حقيقة الحرب بالنسبة إليه وهو الذي حنكته التجارب بحيث يعتبر فكره خلاصة تجاربه، فهو يرى إذن أنّ الحرب أمر طبيعي وكل ما هو طبيعي واقع لا محالة ولا يمكننا أن نمنع وقوعه فلم يوجد ولن يوجد هناك أمة في التاريخ لم تعش الحروب أو تواجه أمما وأجيالا أخرى بها .

وإذا كانت الحرب أساسها الإنتقام عند إبن خلدون  فإنّه وبلغة الفيلسوف الذي يبحث عن الأسباب والعلل يقوم بعملية تفسير لهذه الظاهرة وهذا من خلال وقوفه على دوافعها ومنطلقاتها  يقول إبن خلدون : « وسبب هذا الإنتقام في الأكثر إمّا غيرة ومنافسة وإمّا عدوان وإمّا غضب لله ولدينه وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشية الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما أيدي غيرهم ومن دافعهم عن متاعه آذوه بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك رتبة ولا ملك وإنّما همهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها » .

ونستنتج من هذا النص أنّ أسباب الحروب أربعة عند إبن خلدون  أولها الغيرة والمنافسة وهذا يحدث بين القبائل وأساسه التنافس في المال والسلطان والجاه بحيث تريد كل قبيلة أن تظهر بمظهر القوي أمام القبائل الأخرى المجاورة وهذا ما تؤكده وقائع التاريخ البعيد منه أو القريب سواء عند العرب أو غيرهم من الشعوب الأخرى لأنّ نظام القبيلة هو نظام اجتماعي إنساني عرفته البشرية منذ مراحلها المتعاقبة عبر التاريخ ولا تزال شعوب إلى اليوم  تخضع إلى هذا النظام البدائي والشكل الإجتماعي، وثانيها العدوان وهو الذي يكون في الأمم الوحشية البعيدة عن الحضارة والمدنية والتي هدفها توفير أقواتها وأرزاقها ولا يكون ذلك إلاّ بالغزو والحروب واستعمال السلاح، وحرب العدوان هذه ليس لها هدف سياسي أو إجتماعي وإنّما هدفها طبيعي محض أي الصراع من أجل البقاء والحياة وهي حرب أشبه بصراع الحيوانات مع بعضها البعض لا يحركها شيء سوى إرادة الحياة، وثالثها حرب الجهاد وهي حرب دينية مقدسة الهدف منها نصرة دين الله والدفاع عن الأمّة الإسلامية وهذه الحرب تجسدت من الفتوح الإسلامية سواء في عصر الخلفاء الراشدين أو في عصر الدولة الأموية والعباسية، ورابعها حرب الملك، أي الحرب ضد أولئك الذين لا يعترفون بالسلطة المركزية والمناوئين لها ولا يسلمون بشرعيتها السياسية وهذه الحرب كانت معروفة في التاريخ الإسلامي سواء مع الدولة الأموية ضد مناوئيها أو مع الدولة العباسية ضد خصومها وحتّى في عصر إبن خلدون  في القرن الرابع والخامس عشر بحيث كانت تعيش تلك الدويلات في المغرب العربي إشكالية الشرعية السياسية، بحيث كانت دائما في حالة حرب ضد القبائل التي لم تدخل في طاعتها بعد.

وبعد أن يبرز ويحلل إبن خلدون  أسباب الحروب فإنّه يقوم بعد ذلك بتصنيفها حسب طبيعة كل واحدة منها مع تحديد أيضا أنواع القتال حسب الثقافة الحربية لكل أمّة في التاريخ، يقول إبن خلدون: « فهذه أربعة أصناف من الحروب: الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة والصنفان الآخيران حروب جهاد وعدل، وصفة الحروب الواقع بين الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين نوع بالزحف صفوفا ونوع بالكر والفر أمّا الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم وأمّا الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب » .

وما يمكننا إستنتاجه من هذا النص هو تصنيفه للحروب فالصنف الأول والثاني هي حروب بغي وعدوان في نظره ورغم أنّها تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية سلبية إلاّ أنّها مسألة طبيعية في نظر إبن خلدون  لأنها تقع في إطار شروط إجتماعية وتاريخية معينة، أمّا الصنف الثالث والرابع فهي حروب جهاد وعدل وهنا يعطي إبن خلدون  المشروعية الأخلاقية لهذه الحرب مادامت مرتبطة بهدف أخلاقي وسياسي وهو العدل أو هدف ديني الذي يتمثل في نصرة دين الله، ومن هنا نستنتج الوظائف الإيجابية للحرب عند إبن خلدون  .

وإذا كان هذا بصورة مختصرة يعكس التصور الخلدوني للحرب في إطار نظرته التاريخية والإجتماعية والفكرية، فكيف يتصور هيجل الحرب؟ وما هي المنطلقات والمرتكزات النظرية والتاريخية التي ينطلق منها لمقاربة هذه الظاهرة الإنسانية والتاريخية؟ وهل ينطلق هيجل من نفس منطلقات إبن خلدون؟ وما هو الجديد الذي تحمله فلسفة هيجل في تفسير ظاهرة الحرب؟ وهل الحرب عنده ضرورية؟ وأخيرا وليس آخرا هل تؤدي وظيفة إيجابية وحضارية؟.

ينطلق هيجل من مبدأ سياسي جوهري في مقاربة علاقة الدولة بالحرب وهذا المبدأ الأساسي عنده هو السيادة، لأنّ الحرب من شأن الدول وليس الأفراد، فالدولة قد تضطر للحرب للمحافظة على سيادتها التي تحقق لها التمايز والإختلاف عن بقية الدول الأخرى وبالتالي التحقق الفعلي لماهية الدولة، يقول هيجل: « السيادة الداخلية هي هذه المثالية بمعنى أنّ لحظات الروح وتحققها الفعلي الذي هو الدولة، قد تطورت في ضرورتها وأصبحت لا توجد إلاّ بوصفها أعضاء في الدولة، غير أنّ الروح في حريتها هي علاقة سلبية بذاتها على نحو لا متناه ومن ثمّ فإنّ طابعها الجوهري من جهة نظرها الخاصة هو فردانيتها وهي فردانية تجمع في داخلها هذه الإختلافات وهي بالتالي وحدة لكنها وحدة مبعدة للوحدات الأخرى والدولة حين تتسم بهذه السمات إنّما تكون لها فردية والفردية من حيث ماهيتها عبارة عن فرد ومن حيث السيادة فرد مباشر متحقق بالفعل، الفردية هي إدراك المرء لوجوده كوحدة تتميز تمايزا حادا عن الأخرى وهي تتجلى هنا في حالة الدولة بوصفها علاقة الدولة بغيرها من الدول التي لكل منها استقلال ذاتي في مواجهة غيرها من الدول وهذا الإستقلال الذاتي يجسد الإدراك الفعلي للروح لذاتها بوصفها وحدة ومن ثمّ فهي الحرية الأساسية التي يمتلكها شعب ما كما أنّها أيضا أعلى كرامة يصل إليها» .

يرى هيجل إذن أنّ ما يربط أي دولة بأخرى هو السيادة والسيادة تتضمن الحرية، وعندما تلجأ الدولة للحرب قد تكون مدفوعة بهذا المبدأ السامي، كما يرى هيجل أيضا أنّه لا يجب أن ننظر إلى الحرب كشر مطلق أو مظهر خارجي عرضي، بل قد يعبر في نظره عن قوة الضرورة والطبيعة، يقول هيجل: « إنّ اللحظة الأخلاقية في الحرب متضمنة فيما سبق أن قلناه في هذه الفقرة إذ ينبغي ألاّ ينظر إلى الحرب على أنّها شر مطلق، على أنّها مجرد حادث خارجي عارض لها هي نفسها، ، أو باختصار هذا السبب أو ذاك من الأمور التي ما كان ينبغي لها أن توجد، فالأحداث العرضية إنّما تقع لما هو بطبيعته عرضي، وهكذا يكون القدر الذي تحدث به عبارة عن ضرورة وهنا، كما هي الحال في أي مكان آخر، تزول وجهة النظر التي تبدو منها الأمور أحداثا عارضة، تماما إذا ما نظرنا لهذه الأمور في ضوء الفلسفة والفكرة الشاملة، لأنّ الفلسفة تعرف أنّ العرضي هو مظهر وترى الضرورة في قلب ماهيته، فمن الضروري أن يوضع أن يوضع المتناهي، الملكية والحياة على نحو قاطع بوصفهما أمرين عارضين لأنّ العرضية هي فكرة المتناهي وتبدو هذه الضرورة من زاوية معينة في صورة قوة الطبيعة وأنّ كل شيء فان وعابر غير أنّ الدولة والطبيعة في الجوهر الأخلاقي تسلب هذه القوة وتمجد الضرورة على أنّها عمل الحرية وعلى أنّها شيء أخلاقي وسرعة زوال المتناهي يصبح زوالا مرادا وتصبح القابعة في أعماق المتناهي الفردية الجوهرية المناسبة للجوهر الأخلاقي » .

والفكرة التي يمكننا أن نستنتجها من هذا النص الهيجلي بصفة عامة هو أنّ الحرب مسألة طبيعية وأنّها قضية جوهرية ذات ماهية وليست بالشيء العرضي، بل إنّ هيجل يذهب إلى أكثر من ذلك وهذا عندما يؤكد أنّ الحرب ضرورية في حياة الدول والشعوب لأنّ الدول تستيقظ وعيها في حالة الحرب وبالتالي تصبح حالة نفسية باعثة على التجديد وحث الهمم على الفكر والفعل، يقول هيجل: « فللحرب ذلك المغزى الرفيع إذ بفاعليتها كما قلت في مكان آخر تحافظ الشعوب على صحتها الأخلاقية حيث تقف موقف لا مبالاة من المؤسسة المتناهية، تماما مثلما أنّ هبوب الرياح يحفظ البحر من التلوث الذي يوجد نتيجة لفترة طويلة من السكون، كذلك فإنّ فساد الأمم قد يوجد نتيجة لفترة طويلة من السكون، كذلك فإنّ فساد الأمم قد يوجد نتيجة لفترة طويلة من السلام دع عنك السلام الدائم، ولقد قيل أنّ تلك ليست سوى فكرة فلسفية أو إذا شئنا استخدام تعبير آخر شائع، هي تبرير للعناية الإلهية كما قيل أنّ الحروب التي حدثت بالفعل لازالت بحاجة إلى مبرر» .

ولا شك أن الحرب عند هيجل مرتبطة بالحركة والنشاط وأنّ السلم الدائم قد يخنق الإرادة ويمنع الفعل من التحقق، فالتراخي والتكاسل لا يمكنه أن يدفع الأمم إلى الأمام بل إلى القهقري والتراجع وفقدان السيادة والتبعية للآخر، ولا شك أنّ هذا النص الهيجلي الذي يعبر عن هذه الحقيقة يقابله نص خلدوني يقول تقريبا نفس الشيء، يقول إبن خلدون  في الفصل الرابع والعشرون من المقدمة والذي عنوانه: في أنّ الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء « والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالإستبعاد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل والإعتمار إنّما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من نشاط في القوة الحيوانية، فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أو لم يحصلوا » .

ولا شك أنّ هذا التقابل بين النصوص يشير إلى الإتفاق الفكري بين إبن خلدون  وهيجل فكلاهما يؤكد أنّ الدولة إذا جنحت للتكاسل والتراخي وهما نتيجتان للسلم، قد يؤدي هذا إلى فقدان السيادة والدخول في حكم الآخرين وبالتالي ينطبق عليها الفناء التاريخي بتعبير إبن خلدون ، وإذا اعتبر هيجل أنّ الحرب ضرورية في حياة الشعوب كما أسلفنا سابقا فإنّه يؤكد من جهة أخرى على وظائفها الإيجابية فالحرب في نظر هيجل من شأنها أن تقضي على الإضطرابات الداخلية وتحل الأزمات التي تمر بها الدولة، يقول هيجل « إنّ المثالية التي تبدو واضحة في الحرب، أعني تبدو بوصفها علاقة عرضية من الدولة لدولة أخرى، هي نفسها المثالية التي بناء عليها تكون القوى الداخلية في الدولة لحظات عضوية في كل واحد وتظهر هذه الحقيقة طول التاريخ في صور مختلفة فمثلا الحروب الناجحة تحول دون الإضطرابات الداخلية وتعزز السلطة المحلية للدولة وهناك ظواهر أخرى توضح نفس هذه النقطة فمثلا الشعوب التي تنفر من تحمل أعباء السيادة الداخلية أو تخشى أن تخضعها وتستعبدها شعوب أخرى خارجية وتكافح من أجل استقلالها بجد أقل ويقل نجاحها فيما كانت تفعله فيما سبق من تنظيم قوى الدولة في الشؤون الداخلية، لقد ماتت حريتهم بسبب خوفهم من الموت، أمّا الدول التي كان استقلالها مضمونا لا بواسطة قواتها المسلحة وإنّما بوسائل أخرى مثلا عن طريق كونها صغيرة جدا على نحو غير متكافئ بالنسبة لجيرانها فقد أمكنها الإستمرار في الوجود رغم تكوينها الذي لم يكن يضمن لها السلام في الشؤون الداخلية والخارجية » .

ومن هنا نستنتج تلك الوظائف الإيجابية للحرب في نظر هيجل ففي نظره أنّ الدولة المستعدة دائما للحرب هي التي تستطيع أن تضمن السلم لشعوبها لأنّ الصراع هو منطق التاريخ في نظر هيجل  ولكل فكرة لها ما يسلبها حسب فلسفته العامة وفي إطار تمجيد هيجل للحرب فإنّه يدعو الأفراد أو الموجودات الجزئية للتضحية من أجل الدولة وأنّ ذلك يعتبر قمّة الشجاعة والتعبير عن الحرية، يقول هيجل « تمثل التضحية في سبيل فردية الدولة الرابطة الأساسية بين الدولة وأعضائها وهي لهذا السبب واجب عام وما دامت هذه الرابطة جانب واحد من المثالية في مقابل واقعية الموجودات الجزئية فقد أصبحت في الوقت نفسه رابطة جزئية وأولئك الموجودين فيها يشكلون طبقة خاصة بهم تتسم بالشجاعة » .

وإذا كان هيجل يمجد الحرب من أجل سيادة الدولة وحريتها واستقلالها عن الدول الأخرى فإنّه من ناحية أخرى وهذا هو الأخطر في نظرته للحرب أنّه يدعو الدولة ذات القوة العسكرية والتي تعتدّ بشجعانها أن تنتقل من الدفاع الداخلي عن الدولة إلى غزو دول أخرى، يقول هيجل: « الأمر الذي يكون موضع نزاع بين الدول قد لا يكون إلاّ وجها جزئيا واحدا من علاقتها بعضها ببعض وسبب وجود أمثال هذه المنازعات فقد خصصت أساسا الطبقة الجزئية المكرسة للدفاع عن الدولة لكن إذا ما كانت الدولة بما هي كذلك، وإذا ما كان استقلالها الذاتي يحيط به الخطر وإذا كانت الدولة بكاملها في مثل هذه الظروف تحت السلاح وانتزعت نفسها من حياتها الداخلية للقتال في الخارج فإنّ حرب الدفاع في هذه الحالة تتحول إلى حرب من أجل الغزو والفتح » .

وما يمكننا أن نقوله في الآخير وبعد عرضنا للنصوص سواء نصوص إبن خلدون  أو هيجل في الحرب فإنّنا نؤكد أنهما يتفقان في مسألة أنّ الحرب ظاهرة طبيعية أي أنّها ملازمة للإنسان منذ وجوده على هذه الأرض كما أنّ كليهما يشرع للحرب ونجد هذا على سبيل المثال حروب الجهاد والملك عند إبن خلدون  وكذلك هيجل عندما يقول بضرورة الحرب كما أسلفنا سابقا فكل منهما يعتبر أنّ الحرب طبيعية وضرورية ومشروعة، غير أنّ إبن خلدون  ينفرد عن هيجل وهذا عندما يربط الحرب بالتحضر، فغزو المتحضر يختلف عن غزو المتخلف وبتعبير إبن خلدون  ومفاهيمه فإنّ حرب الحضري تختلف عن حرب البدوي ونجد هذا واضحا وجليا في الفصل السادس والعشرون من مقدمة إبن خلدون  هذا الفصل الذي عنوانه: في أنّ العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، يقول إبن خلدون : « والسبب في ذلك أنهم أمّة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلق وجبلة وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الإنقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له، فغاية الأحوال العادية كلّها عندهم الرحلة والتغلب وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له ».

غير أنّ ما يفهم من العرب هنا ليس بالمعنى العنصري، فلا يقصد إبن خلدون  العرب ولكن يقصد طريقة معينة في التفكير والعيش تنطبق على العربي وغيره، فهو يقصد ذلك النموذج من البشر الذي يعيش في البادية ويقتات من الضروري وهو في ترحال دائم للبحث عن معاشه وعادة ما لا يخضع لأي سلطة سياسية .

وبعد توضيح ذلك فإنّه لا يسعنا إلاّ أن نذكر بالتقارب الفكري الكبير بين إبن خلدون وهيجل في مقاربة ظاهرة الحرب، ومع ذلك فإنّه لا يسعنا إلاّ أن نتساءل: هل يمكننا أن نعتبر إبن خلدون  وهيجل فيلسوفان من فلاسفة الحرب

 

الدكتور قادة جليد

 

 

نشأة الدولة الرومانية: مصر لم تشهد بعد رحيل الهكسوس عنها استقراراً مقنعا، ولم تكن قادرة بعد هذا التاريخ على هضم عقيدة او سياسة مشتركة، لا سيما بين الشمال والجنوب، بين الدلتا والصعيد . ومنذ هذه الفترة الانتقالية بدأت ترتبك الأمة المصرية وتنهار عقيدة تقديس الفرعون والالتفاف حوله بصورة ملفتة، لذلك تناوبت على السلطة مجموعة من الأسر، وتخلل سلطتها تغيّر الوجه الديموغرافي لمصر .

لقد ظهرت مجاميع من القبائل الليبية تنتشر قريباً من الدلتا المصرية، كما كان الى جانبها مجاميع من اليهود واليونان، يضاف اليهم مجاميع من الأسر الرافدينية والشامية، رافقت وجود الهكسوس . وقد بدأ الصراع والانقسام واضحاً بين الجنوب الطيبي القائم على الديانة المصرية القديمة الفرعونية، وبين الشمال عند الدلتا الذي بدأ يشهد تغيّراً سكانياً وفكرياً . حتى وصل الامر الى استيلاء كهنة (آمون) على السلطة في الجنوب، وإقامة إمارة دينية في بلاد (النوبة)، التي تشكّل القسم الجنوبي من المملكة الفرعونية القديمة . وفي خضّم الصراع في الشمال وبداية تزايد نفوذ القبائل الليبية عسكرياً، والنفوذ الرافديني اليوناني فكرياً، يبدو انّ مجاميع من ( الملأ الفرعوني) القديم بدأت بالهجرة شمالاً او شمالاً غربياً، تحمل ثروتها الكبيرة معها، وتحاول الحفاظ على إرثها الفكري والمالي .

وهذا ما يفسّر لنا التزامن الغريب بين انشاء مدينة روما في حدود ٧٥٢ ق م، وبين انهيار الفرعونية القديمة في شمال مصر . حيث سيطرت القوات النوبية بقيادة (بخنعي) على مصر في هذه السنة تقريبا . وقد تمّ انشاء مدينة روما على يد مجموعة من المنفيين - بحدود ٣٠٠٠ عنصر - بقيادة (رومولس)، والذين كانوا غرباء كليًّا عن النواحي الإيطالية، كما انهم حملوا معهم مجموعة من القوانين الخاصة بهم، ومن ثم طوروها لتشمل جوارهم، ولاحقاً أضافوا عليها فقرات تتناول الممالك المرتبطة بهم، لكنهم اصروا على نشر صورة تحضّر الروماني وحده .

لم تكن رؤيتي هذه قائمة على السنة التي دخل فيها النوبيون شمال مصر، لكنها تأخذ في الحسبان تأريخ الصراع الذي ابتدأ منذ خروج الهكسوس، وتزايد الخلاف الفكري في شمال مصر، وكذلك الفترة التي وصلت فيها القبائل الليبية للحكم لأوّل مرة، لتؤسس الاسرة الثانية والعشرين ٩٤٥ - ٧١٥ ق م، وما حمله المنفيون الرومانيون من إمكانية حضارية، جعلتهم ينشئون حضارة امبراطورية في فترة قياسية، لا يمكن ان تكفي مجموعة مبتورة لإنشاء مملكة، لاسيما فيما يتعلّق بالقوانين، كما انّ اندماج الرومان بالمعتقدات اليونانية - الفرعونية يثير الباحث ويفتح الباب أمامه واسعاً عن حقيقة الارتباط الحضاري والتاريخي بين هذه الامم .

انّ روما حين تمّ بنائها فتحت ابوابها للمطاردين والمهاجرين، وصار كلّ الذين يهربون من العدالة والقانون في بلدانهم يلجأون اليها . ولعلّ الاغرب انّ ثلاثة من اهم ملوكها المؤسسين - رومولس وتركان الاول وسرفيوس تليوس - كانوا مجهولي الأصل ! . فيما قامت البلاد في توسعها وانتقال السلطة على المؤامرات والدسائس والقتل والغدر . وقد شهد اغلب ملوكها طعنة في ظهره، وعانى الكثيرون من سياسييها وأمرائها جرعة من سمّ .

انّ كلّ ذلك - بالاضافة لما سيأتي من حقائق - يدفعني للاعتقاد بأنّ روما قامت على تحالف متعدد الجنسيات، كان الملأ الفرعوني جزءاً مهماً منه، بالاضافة الى عناصر يونانية تعتقد بذات الاعتقادات الفرعونية، ومن أركانه أيضاً مجموعة من اليهود الذين هاجروا بسبب الحروب والصراعات والانهيارات التي اصابت مجتمعهم منذ الانقسام بحدود ٩١٣ ق م الى حوالي ٧٠٠ ق م، اي قبل السبي البابلي الذي قضى على تاريخهم تماما، وقد اندمج داخله مجاميع من العناصر الجديدة المنبهرة لقدرته التنظيمية .

وإذا كانت الامبراطورية الرومانية قامت بالمعنى الرسمي بحدود ٢٧ ق م فلقد كانت الفترة من ٧٥٢ ق م حتى هذا التاريخ ضرورية للوصول بالفكر الروماني للإمبريالية .

انّ الامبراطورية الرومانية هي الأصل الذي قامت عليه الأفكار الأوربية الحديثة، وهي كذلك احد الأسباب بل والفلسفات التي أنتجت العقل الأوربي القائم على الأسس التصنيفية للبشر .

لكنّنا لن نجد كبير عناء في توصيف تلك الامبراطورية القديمة باخرى مستنسخة عنها معاصرة، انها الإمبريالية الامريكية . فالشبه بين الدولتين كبير جداً جداً، الى الدرجة التي يمكننا القول معها أنهما ولدتا عن عقلية واحدة لا عن عقليتين اجتمعتا صدفة . لقد تشكّلت كلتا الدولتين على يد مهاجرين يملكون مالاً، هاربين من واقع ما، ثمّ فتحتا ابوابهما للمهاجرين المطاردين والمنبوذين تماما . وابتدأت تلك الدول حضارتها بخداع الشعوب الأصلية وقتلها، وكلنا يعرف ما فعله الأمريكيون بالهنود الحمر، السكان الأصليين للقارة الامريكية، لكن الباحث فقط من يعرف انّ الرومان قاموا بخداع (السابنيين)، السكان الأصليين لمنطقة روما، ومن ثمّ قتلوا رجالهم، واستولوا على بناتهم ونسائهم، قبل ان يدخل الطرفان في صلح قائم على المصلحة والامر الواقع . وانقسم المجتمع عند تأسيس الدولتين - واستمرّ تأثير ذلك لاحقاً - الى أشراف وعوام، أغنياء وفقراء، أثرياء رأسماليين واجراء وعبيد . ولم يكن فيهما قانون يحدد الحكم في شخص ما وعائلة تتوارث، وإنما كان بإمكان كل الذين يبرزون كقادة في الحروب، او اصحاب الثروات، او ذوي النفوذ، ان يصلوا الى حكم البلاد، لكنّ الامر في الدولتين ظلّ يدور على الدوام في عوائل ومؤسسات محددة، في آلية غريبة جدا، حيث يحكم شخص ما ثمّ بعد فترة من الزمن يعود فرد من أسرته للحكم، وقد يصل من هو خارج الاسرة لكنّه ضمن دائرة المال والنفوذ لها . امّا الصورة التي اختارتها كلتا الدولتين للحكم فكانت متطابقة، حيث الرئيس الأعلى، ومجلس الشيوخ، الذي هو قائم على مؤشرات اجتماعية خاصة، وكذلك مجلس النوّاب العموم، والخاضع لتأثير المال والنفوذ . انّ المجتمعين اختارا نظاماً هجيناً بين الديمقراطية والأرستقراطية، بمعنى للشعب حقّ الاختيار، لكن ضمن دائرة الاشراف واصحاب الأموال فقط . ومن الطريف انّ المجتمعين لم يجعلا الشرف والنبالة حكراً عائليا، بل اعتمدوا في هذا التوصيف على مقدار الثروة في زيادتها ونقصها، لذلك كان الاشراف وذوو النفوذ يتغيرون في الدولتين، مع بقاء العوائل المؤسسة ضمن هذه الدائرة . فيما قسّمت الدولتان العالم الى أقاليم، قريبة وبعيدة، بعضها يخضع لمجلس الشيوخ، وبعضها يخضع لاوامر الإمبراطور، وتبعاً لهذه القسمة كان يتم تصنيف الحقوق ايضا، فليس للأقاليم الخاضعة للإمبراطور - وهي الامم والشعوب الاخرى المختلفة - ذات الحقوق التي للرومان الذين يشرف عليهم مع الإمبراطور مجلس الشيوخ، وكذلك الحال ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم . ولم يكن للامبراطوريتين من حدود حقيقية، وليس هناك تعريف واضح لنفوذهما، لذلك اعتمدوا تماماً على العسكرة، والتزموا تجييش شعبيهما بكل الوسائل والاليات، فكانت لهما فرق دائمية خارج الإطار الجغرافي للسلطان السياسي، كما كان لهما أسطول ضخم جدا . لقد تميّزت الإمبراطوريتان الامريكية والرومانية - عن سواهما - بوجود جيوش شبه مستقلة تنوب عن سلطتهما المباشرة في مختلف بقاع العالم، وقد غيّروا بذلك نظام الحاميات الصغيرة . وفيما يبدو الانتشار العسكري الامريكي اليوم واضحا، او شبه واضح، فالانتشار الروماني لم يكن اقل منه، فقد كانت الجيوش الرومانية تمتد ضمن العالم القديم بما يشبه الانتشار المعاصر، كانت هناك فرق في شمال شرق إيبيريا، والقطاع الغربي من افريقيا، امّا اهم الفرق الرومانية فكانت في مصر، وفي سوريا، وعلى الراين والدانوب الأعلى . فيما كان تجهيز الجيوش الأجنبية للقتال بالنيابة أمراً طبيعياً لدى الإمبراطوريتين .

اما النظام الاداري للأقاليم الرومانية فهو اقرب ما يكون الى نظام الامبراطورية البريطانية، حيث أقاليم وطنية، تتبع للسلطة المشتركة بين الإمبراطور ومجلسي الشيوخ والعموم، واقاليم تابعة شبه مستقلة، تخضع لإحدى سلطتين، نائب عن الإمبراطور، او ممثلين عن عموم الدولة، بحسب الأهمية الجيوسياسية للإقليم، حيث كانت مصر تأتي في المرتبة الاولى، وتخضع للسلطة الامبراطورية مباشرة، فيما أقاليم مثل الالب وموريتانيا فكانت خاضعة لسلطة الخيّالة العامَّة .

لقد كان الإمبراطور والقناصل والقضاة والحكّام هم الوجود الفعلي للدولة الرومانية، ولم تكن للدساتير - مثل دستور انطونين - من أهمية واقعية بالنسبة لمن هو خارج هذه الدائرة، كما لم يكن للمثل الانسانية المكتوبة من دور فعلي في حماية الأقاليم التابعة وسكّانها، وكأننا نعيش الخداع الكلامي المعاصر الذي يأتي من عالم الدول الكبرى، حيث يتم استغلال القيم الانسانية لسحق كرامة الانسان في العالم . فالدولة الرومانية لم تكن ديمقراطية أبداً، بل هي دولة أرستقراطية، إِلَّا انها أرستقراطية تمزج بين الأرستقراطية الملكية البريطانية المعاصرة والأرستقراطية الرأسمالية العسكرية الامريكية الحديثة . لذلك لم يكن من الصعب على طبقة من رجال الكهنوت المصري التغلغل الى عمق العقائد الشعبية، اذ هي أخضعت العوائل الحاكمة لسلطانها الباطني، بما يشبه الكهنوت الذي تمثّله المسيحية الجديدة في السياسية الامريكية، والممتزجة باللوبي اليهودي للكبّاليين، في عملية إذابة للعقل العام بانسيابية وبطئ، حيث احتكار المال والتشريع القانوني والسلطة العسكرية بيد مجموعة من العوائل . وقد كانت القوانين خاضعة في مجملها للسلطة الامبراطورية، وكذلك سلطة العوائل الكبرى، فيما يشبه الاتفاق القائم على المصالح المشتركة، وحتى حين صار للعموم مجلسهم كان خاضعاً لتأثير المال والإعلام الأرستقراطي، ومحتاجاً للأثر العسكري، لذلك لم تكن هناك من ديمقراطية حقيقية، لا على المستوى التشريعي، ولا على المستوى العملي، ورغم انّ القانون لا يحتكر الوجود الإمبراطوري في عائلة محددة الا انّ الوصول الى ذلك المنصب - ومنصب القنصل - كان خاضعاً للواقع الأرستقراطي والعسكري، وهذا شبيه بنسبة كبيرة للواقع الامريكي المعاصر عند تحليله .

انّ اكثر الخدع الحكومية الطويلة الامد شبهاً بين الإمبراطوريتين الامريكية والرومانية كانت ترتبط بالنقد والعملة، حيث اجبرت عسكرة المجتمع في الدولتين وتزايد ضخامة الإنفاق العسكري الحكومتين على توفير المزيد والمزيد من النقد . الا انّ النقد لم يكن لعبة عبثية، فقد كان ذهبيّاً، او مقوّماً بالذهب، ولاحقاً بالعين المملوكة، ولأنّ الدولتين لم تملكا موارداً توازي انفاقهما العسكري فقد اضطرتا الى خلق التضخم، حيث القيمة الوزنية للعملة لا تساوي قيمتها الاسمية، ولم يكن من داعم لوجود هذه العملة الا الكفالة السياسية، التي هي عرضة للانهيار . لقد كانت هذه السياسة النقدية واضحة في زمن (كاركلا)، الذي أوجد عملة (انطونينيانوس) الهزيلة، لسدّ نفقات الجنود التي زادت بنسبة ٢٥ ٪ عام ٢١٥ م . فيما حاول (اورليانوس) تحديد قيمة العملة اسميّاً بشكل تحكّمي . وهذا الامر الأخير بالضبط هو ما تفعله الامبراطورية الامريكية الحديثة منذ عشرينات القرن العشرين، حيث أسقطت الكفالة الذهبية والعينية عن عملتها الورقية، بعد التضخم العسكري والرغبة الاستعمارية الناشئة فيها، والتي تطورت كثيراً بعد الحرب العالمية الثانية، وصارت العملة مقوّمة بتوقيع البنك الفدرالي فقط، وهو بنك مملوك لافراد أرستقراطيين، وبالتالي فهي عملة ليس لها من قيمة فعلية . ولأنّ العملة الامريكية (الدولار) صارت مقوّماً للعملات الاخرى في اغلب الدول فالعالم اصبح في حقيقته خاضعاً لتلك العوائل الأرستقراطية المالكة، بسياستها ورغباتها، بل وعقائدها . وهنا تكمن خطورة النظام النقدي وبالتالي المالي العالمي المعاصر، الذي من الممكن ان ينهار في اي لحظة مجنونة .

امّا الرأسمالية المرابية في الدولتين فكانت هي الميزة الواضحة للمجتمع بكلّ طبقاته واعماله، ولانّ نظام البنوك المعاصر واضح في قيامه على الربا والإقراض ذي الفوائد المجحفة، حيث تتم اغلب المعاملات السوقية عبر نظام البطاقة الالكترونية ذات الرصيد المسبق، بقي ان نشير الى الوضع إبّان الدولة الرومانية، حيث كانت الطبقة الأرستقراطية تسترقّ الشعب وتستعبد الجماهير عبر الاقراض ذي الفوائد المتزايدة، مما استدعى قيام الجمهور الروماني بانتفاضة، كان من شأنها امتناعهم عن الالتحاق بالقوات الخارجة لمواجهة (تركان الخائن)، ما لم يتم إعفائهم من بعض تلك الديون الثقيلة القائمة على الفائدة المتزايدة أساسا، مما اضطرّ مجلس الشيوخ الى اعلان الحكومة الدكتاتورية لأشهر عديدة، وفرض التجنيد بالقوة، وفي عهد القنصل (كلاوديوس ابيوس) الثري المرابي زاد الضغط على الجمهور، الى الحد الذي جعلهم يمتنعون عن مواجهة قوات (الفولسك) الغازية . ومن ثمّ قام الأهالي بالثورة عدة مرات، واعتصموا عند (الجبل المقدس) وعند جبل (افانتان)، ودخل معهم مجلس الشيوخ في مماطلة وصراع لأكثر من قرنين، حتى صار لهم ممثلون في القنصلية . لكن الغريب انّ مجلس الشيوخ وعوائله الأرستقراطية كانت تقوم بضرب سمعة ممثلي الشعب وقادة ثورته اعلاميا، كما اليوم !، وبطريقة تجعل الشعب يتصارع مع قادته الثوريين، الذين تصوّرهم الماكنة الإعلامية كخونة للبلد، كما حدث مع (سبوريوس كاسيوس) .

وقد كانت الإمبراطوريتان الامريكية والرومانية ناجحتين جداً في استقطاب الشعوب المقاتلة عنهما بالنيابة . فامريكا من خلال حلف الناتو او غيره من الأحلاف، ومن خلال الجواسيس والحكّام والملوك المتعاملين معها، تشنّ حروباً كثيرة، كما هي الحال ايّام الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وكحرب العراق مع ايران، وحرب القاعدة ضد القوات الروسية في أفغانستان، وحرب داعش ضد المسلمين المعادين لامريكا . امّا الرومان فقد استقطبوا مئات الآلاف من الشعوب المقاتلة تحت رايتهم ونيابة عن الإمبراطور، فكان هناك (الباتانيون) من جرمان الراين، الذين خدموا ضمن جيش (جرمانيكوس)، وهناك أيضاً (الفاندال) الذين أوكل اليهم الرومان امر استعادة النظام في بريطانيا، فيما يمكننا ان نقبل انّ الجيش الروماني قد تمت (جرمنته) من خلال القبائل والشعوب الجرمانية المستوطنة، لكن كان هناك أيضاً الآلاف من البربر، وايضاً ممالك عربية كبيرة وشرسة كالغساسنة، فيما أيضاً مجموعة كبيرة من الشعوب الأوربية المشاركة .

ليست الدولة الرومانية جامعة لجنس او دين، لكنها كالولايات المتحدة الامريكية تماما، دولة هجينة، شكّلتها أقلية عنيفة، جعلت من نفسها المحور الوطني، وانتشرت فيها مجاميع بشرية تختلف من حيث الجنس والدين . نعم كان هناك اليوناني الروماني والإسباني الروماني والغالي الروماني والجرماني الروماني واللاتيني الروماني، وغيرهم من الأجناس، فيما كانت الوثنية تستمد جذورها مرة من مصر، ومرة من اليونان، واُخرى محلية، حتى اليهودية كانت موجودة، وأخيراً ظهرت المسيحية والإسلام .

عقائد الدولة الرومانية الوثنية

من الواضح جداً - كما استعرضنا سابقا - انّ الديانة الرومانية كانت وثنية، لكنّها لم تكن صنمية ساذجة، بل كانت نسخة عن الديانة المصرية النجمية الفلكية، القائمة على أسس هندسية ورياضية، تتعلق بالأرواح والقوى في العوالم البُعدية الاخرى، المؤثرة في قوى العالم الطبيعي . وسيأتي لاحقاً كيف انّ الرومان حاولوا استنساخ الديانة المصرية الفرعونية، مع عصرنتها، ومع رومنتها، فابقوا على مضمون الآلهة، لكن مع تغيير المسميات في الغالب، لتتناسب والإقليم الأوربي، او لغرض عولمتها . لذلك تقبّل المصريون - وتواجد كهنتهم - المفاهيم الدينية الرومانية، كما تقبّلوا من قبل المفاهيم الدينية اليونانية، وساعدوا كليهما على النهوض والعولمة .

وقد اقتبس الرومان عن اليونانيين عبادة بعض الهتهم، كالاله الرئيسي (جوبيتر) او المشتري، الذي أقاموا لها معبداً في القدس مكان الهيكل في ١٣٥ م، بعد القضاء على الثورة اليهودية . وعنونوا لكلّ واحدة من قوى الطبيعة إلهاً، او باباً بصورة ادقّ، كما كان يفعل المصريون . وقد قدّسوا أيضاً المريخ والزهرة، وغيرها من الكواكب والأفلاك، فيما اعتمدوا على الطوالع الفلكية بصورة تكاد تكون ملازمة . وكانوا يحتقرون الديانات التوحيدية اليهودية والمسيحية ومن ثم الاسلام بصورة كبيرة، الى الدرجة العنفية الدموية الأقرب الى الإبادة، كما في حروبهم الكبيرة على اليهودية ٦٦ - ٧٠ م، حتى انهم نشروا معابد الآلهة في عموم الارض المقدسة، وفي محاولتهم إبادة المسيحيين في القرن الاول، بعد ان أرادوا - بالتعاون مع المنحرفين من اليهود - محاكمة المسيح ذاته وصلبه، وفي حروبهم الكبيرة ضد الدولة الاسلامية الناشئة، والتي استمرت لعقود طويلة .

فيما كان للعرافة والتنجيم وجودهما المحوري في الحياة السياسية والاجتماعية الرومانية، فعند فتح اساسات (الكابيتول) وحين عثر عمَّال البناء على رأس إنسان رأى المنجّمون انّ هذا يعني بأنّ (روما) سيكون لها شأن عظيم وستكون مقرّ السلطان العالمي . ولم يكن من المستغرب أنْ تظهر في عهد (تركان الثاني) ذلك الحاكم الظالم امرأة متكهنة، عرضت عليه تسعة من الكتب التنبئية، القائمة على العرافة والتنجيم او غيرها من فنون معرفة المستقبل، بسعر معيّن، وحين رفض احرقت ثلاثة منها، وعرضت الستة الباقية مرة اخرى وبسعر التسعة جميعا، لكنّه حين رفض أيضاً احرقت ثلاثة أخريات، وابقت على سعر اخر ثلاثة ذاته سعر التسعة، فاخذهنّ (تركان الثاني)، ووضعهنّ في خزانة خاصة تحت (الكابيتول)، وعيّن لحراستها اثنين من الاشراف . فيما أرسل هذا الملك ولديه الى اليونان ليسألا اكبر متكهناتها عمّن سيخلفه في الحكم، وكان يرافقهما (بروتوس) الذي فهم رسالتها وراح يقبّل الارض الامّ، ليكون خليفة لتركان الثاني، وكان ذلك فعلا . ولعلّ ذلك شبيه بما كان يفعله اليونانيون بنحو الاستمرارية والوراثة، كما في قصة (كرويسوس) وكاهنة (دلفي)، قبيل حربه مع ملك الفرس (قوروش) الهجين .

وقد كان الرومان يعتقدون انّ الهتهم تشاركهم في معاركهم الكبيرة، لذلك لم يكن النصر سوى اثر لذلك الوجود الماورائي، كما في رؤيتهما لحضور الإلهين (كستور) و(بولوكس)، الذين أقيم لهما معبد في الفورم .

امّا في زمن الامبراطورية فقد كان الرومان يعتقدون ما اعتقده المصريون في الفرعون، من حيث ارتباطه بعالم الآلهة، واعتباره الباب الذي يُفتح الى جهتها، وهو أيضاً الناطق والحاكم باسمها . وقد كان أيضاً الإمبراطور - او رئيس الدولة - هو الكاهن الأكبر .

وهنا يظهر انّ الرومان ورثوا رسمياً الخط البشري القابيلي، الذي يؤمن بما وراء الطبيعة، لكنّه لا يؤمن باسس الديانات التوحيدية، او لنقل بما يؤمن به الخط الآدمي الشيتي . لذلك اعتمد الرومان ذات الأسس الفرعونية في معرفة مراد الآلهة، فتورّطوا مع ما سمّته الأديان التوحيدية (عالم الشياطين) .

امّا الآلهة المصرية فقد دخلت روما منذ وقت مبكّر، طريقها المعلوم هو يونانيو جنوب إيطاليا، الذين تغلغلت اليهم بصورة واضحة حتى صارت معابدها تقام في كلّ مكان، امّا طريقها الاخر الذي أراه فكان على يد تلك الأسر التي بنت روما ذاتها، وقد جائت مهاجرة . ولم يكن ذلك التغلغل في العبادة إِلَّا الصورة الظاهرة لعقيدة باطنية تقوم على الأسس المشفّرة، للتواصل مع العوالم الاخرى . لذلك يمكننا القول انّ الآلهة الفرعونية المصرية - بطقوس التواصل معها - قد أضحت آلهة روما فعليا .

لم يكن الشعب الروماني يلتئم في المجامع الّا في الأيام التي تسمح له الآلهة فيها بذلك . وفي (روما) كان لابد قبل دخول جلسة مجلس الشيوخ من تأكيد المستخيرين انّ الآلهة راضية . وكان المجمع يبدأ بصلاة يتلوها المستخير ويكررها القنصل بعده . وكان المكان الذي يجتمع فيه مجلس الشيوخ هو احد المعابد دائما . وإذا عقدت جلسة في مكان اخر غير مقدس فإنّ القرارات المتخذة يلحقها البطلان . حيث لم تكن الآلهة حاضرة . وقبل كل مداولة يقدم الرئيس قرباناً ويتلو دعاءاً . وكان في القاعة مذبح يريق عليه كل شيخ السكائب عند دخوله ويدعو الآلهة . وهذا بالضبط يشبه ما يحدث في اجتماعات (المحافل الماسونية) اليوم .

ويوجز المؤرخ (شاف) حقيقة العبادة في روما بعبارته (كانت العبادة الوثنية تتداخل في كل مرافق الدولة الرومانية، كخيوط النسيج الواحد المغزولة معا . بل لقد جعلت من الدين اداة لسياستها) .

العلاقة بين مصر وروما

اذا كانت الامبراطورية في روما فلقد كانت الحكومة في مصر، هكذا باختصار هو حال الأمة الرومانية، وهكذا كانت العلاقة بين الاقليمين . ولأنْ كانت موارد الامبراطورية الاقتصادية قد اعتمدت على مصر بصورة محورية، فإنّ موارد الامبراطورية الدينية كذلك اعتمدت على مصر أيضاً - بشقّها اليوناني - .

أخذ الرومان عن الإغريق الكثير حضارياً ودينيا، كما أخذوا عن المصريين في ازمنة مختلفة . وكانت آلهة الفراعنة مثل (إيزيس) و(آمون) و(سرابيس) قد انتشرت في عموم الاراضي اليونانية، كما في (بيريوس) و(ديلوس) و(ميليتوس) و(هاليكارناسوس) و(اثينا) و(ايوبيا)، فيما ظهرت الآلهة (إيزيس) على العملة الأثينية عدة مرات، ورغم فقدان مصر لتأثيرها المباشر في عهد (بطليموس الثالث) إِلَّا انّ عقيدة الاله (سرابيس) التي ولدت في الاسكندرية لم تتوقف عن الانتشار في حواضر الجزر اليونانية، ومنها الحاضرة الرومانية الوارثة .

في عهد (سولا) كان للاله المصري الكبير (أوزوريس) كهنة في قلب روما، وتواجدت الآلهة المصرية الأشهر (إيزيس) في قلب الصراع العقائدي والسياسي الروماني .

لكن من الواضح جداً انّ هناك محاولات عديدة جرت لردع هذا التغلغل الباطني المصري الفرعوني، كما حدث بين عامي ٥٨ و٤٨ ق م، وكما في حملة (اجريبا) لتحريم عبادة الآلهة المصرية ضمن الف مرحلة من روما . لكنّ هذا الصراع الحضاري الديني سار باتجاه انتشار اكبر للعقائد الفرعونية المصرية .

في عهد (كاليجولا) تمّ بناء معبد لإيزيس قرب روما، وفي اثناء حكم (فيسبسيان) ظهر كل من (سرابيس) و(إيزيس) على العملة، فيما وسّع (دوميتيان) معبد (إيزيس)، التي بنى لها (كاراكالا) معبداً داخل المدينة، وهي الآلهة التي وصل هيكلها الى قلب (لندن) في ذلك العصر، وصار لها في روما عيد خاص في الخامس من مارس، حيث يوضع تمثالها في قارب تحمله عربة تسير في شوارع روما، في نسخة رومانية عن المسيرات الاحتفالية الفرعونية التي تحمل تماثيل الآلهة في الحواضر المصرية سابقا، حيث كان تمثال الآلهة يُحمل على اكتاف الكهنة المتطهّرين حينها . ويبدو انّ هناك شخصاً يُدعى (بلوتارخ) قد ولد في مدينة (خايرونيا) اليونانية عام ٤٦ م، قام بجهود كبيرة لزيادة رقعة الاعتقاد بقصة الآلهة (أوزوريس) و(إيزيس) في حدود الدولة الرومانية، حيث أثمرت جهوده تلك بناء عدّة معابد لها، وهو من التزم ان يكون مصدراً تفصيلياً لهذه العقيدة والقصة عند بداية التاريخ الميلادي، بنحو يزيد عن السرد المصري القديم .

وفي الوقت الذي يكتب (مينوكيوس فليكس) عند القرن الثاني الميلادي (انّ هذه الآلهة المختلفة - المصرية أصلا - أصبحت الان رومانية ايضا)، تشكّل كهنوت الآلهة في الامبراطورية المتأخرة من طبقة خبيرة، بعض أفرادها كانوا مصريين فعلا، كالمدعو (حرنوفيس)، الذي عمل مع مركز القيادة الرومانية العامة في (اكويليا)، ايّام الحروب (الماركومانية)، الى جانب كهنة رومانيين . فيما استبدل واحد من أشهر ملوك الرومان (يوليوس قيصر) الذي حكم في منتصف الاول قبل الميلاد التقويم القديم بالتقويم المصري .

ورغم انّ معبد الآلهة الفرعونية (حتحور) قد بناه (بطليموس التاسع) إِلَّا انّ الرومان هم من اتمّوه في عهد تراجان . وتحكي قصة هروب (بومبي) عدو (يوليوس قيصر) الى مصر تلك الرابطة العضوية بين الحضارتين، لا سيما عند إتمامها بقصة العلاقة بين (يوليوس) والملكة (كليوباترا)، التي كانت تحكم مصر باسم البطالمة اليونان حينها، حيث ساعدها على هزيمة اعدائها، وأخذها في زيارة لروما، مما يوحي بدائرة عضوية بين الأقاليم الثلاث . فيما تشير المكتشفات الاثرية انّ طقوس زيارة تمثال (ابو الهول) - التي كان يقوم بها الفراعنة المصريون - قد استمرت حتى نهاية العصر الروماني . وفي نهاية للصراع الذي نشب في عهود الاسرة المتأخرة في مصر - بما فيهم البطالمة - بين الكهّان والسلطة حول سلطان كل منهما قام الرومان بحصر الاشراف على الحياة الدينية عند احتلالهم مصر بيد كبير كهّان الاسكندرية، والذي كان يشرف على التحركات الكهنوتية والعسكرية .

لقد رأى المعتقدون بالديانة الفرعونية القديمة انّ الفرعون كان جزءاً من حظيرة الآلهة، وهو ظلّها على الارض، وهكذا كان يرى المعتقدون بالديانة الرومانية في الإمبراطور . حيث انّ العبادة الامبراطورية التي تقوم على تأليه القيصر كانت سارية في كل ارجاء المملكة . وقد كان ذلك واضحاً في كم التشريفات التي نالها (أوغسطس) في حياته وبعد مماته . فيما كان (دوميتيانوس) غيوراً جداً على القيم الإلهية التي أضفيت على سلطته . امّا (ديوكلتيانوس) فقد طالب باحترامه على نحو العبادة، باعتباره (الكاهن الأعظم)، وراح يدعو نفسه (رب = سيّد العالم)، وهذا نظير الخطاب الفرعوني [ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [الجزء: ٣٠ | النازعات (٧٩) | الآية: ٢٤]، وطلب الى زوّاره السجود بين يديه، ولم يكن يخطو دون اسرار الكهانة والعرافة . وقد يبدو ذلك غريبا، حيث كان الفراعنة يحكمون بالوراثة، لكنّ الاباطرة كانوا يصلون الى العرش الإمبراطوري عن طريق المؤامرة، كما في عمليات الاغتيال والسمّ، مثل عملية اغتيال (كاليجولا)، او بالقوة، كما في تنصيب (ڤاسبيان)، فلماذا كانوا يحظون بهذا التقديس ؟!، يبدو انّ جواب ذلك كان مرتبطاً بحقيقة ما عليه الديانة الرومانية من باطنية، حيث كان عموم من وصلوا للعرش قد مَرُّوا بمرحلة من الطقوس الباطنية اللازمة ليكونوا متحدثين باسم الآلهة، وكذلك هم يخضعون لذات الطقوس وأكثر بعد استلام العرش والتاج .

انّ الإمبراطور قد حمل سلطة ما فوق البشرية، لكنها ليست سلطة الآلهة، فهو المختار من قبل الآلهة، الذي باستطاعته توفير السلام الالهي للإمبراطورية، عن طريق التواصل مع العالم اللامرئي، الذي يكفل التواصل معه سلام الامبراطورية وراحة الشعب الروماني، وهذا بالضبط ما كان يعتقده شعب الفراعنة . غير انّ هذه السلطة ما فوق البشرية لم تكن ممكنة الادّعاء والسرقة، وهي لم تكن لتنتقل عن طريق الدم في الاسرة الواحدة، بل تخضع لقدرة المرشّح على ممارسة الطقوس المتعلقة بضرورة التواصل مع الآلهة، او القدرة على الصمود في قدس الأقداس . لذلك بعد وفاة (ليبيدوس) في ١٢ ق م لم يكن هناك معترض على حصر الزعامة الدينية الكبرى والتشريع الديني بيد الإمبراطور، بالاضافة لمهامّه كقائد اعلى للجيوش والسياسة، لكن ذلك لم يمنع ضرورة ان يكون للإمبراطور الكفاءة اللازمة لإدارة الحكم، والّا تعرّض للاغتيال او الخيانة .

لقد كانت روما في عهد قيصر ممتلئة بالآلهة المصرية، وهذا قد يكون وارداً في عالم اقتباس المعبودات، لكن ان تقام فيها أيضاً مجموعة من (المسلّات) المصرية التي ليست تُفهم - وثنياً - إِلَّا وفق معادلة التواصل الماورائي المصري، القائمة على أساس ميتافيزيائي، فذلك يثبت انّ الديانة الرومانية أخذت الكثير عن الفرعونية الباطنية .

ورغم تمتع الدولة الرومانية بنسبة استقرار هي الأكبر عالمياً حينذاك، إِلَّا انّ الغريب فعلاً هو المآل الذي وصل اليه أباطرتها، فطيباريوس خنقه جنده، وكاليجولا قتله حرسه، وكلوديوس مات مسموماً بفعل زوجته، ونيرون منتحرا، واخرون قتلهم جندهم، او ماتوا منتحرين، او تمّ إعدامهم من قبل الشعب . ومن الغريب حدوث ذلك في دولة أشبه ما تكون بدول حديثة كالولايات المتحدة الامريكية او المملكة المتحدة .

ولعلّ المشترك الأهم بين الديانتين الفرعونية والرومانية كان مبدأ (العرافة)، بمعنى التنبّأ بالمستقبل، ولم يكن بنحو ساذج كما هو الحال في بعض مدّعي ذلك اليوم، بل كان قائماً على قياسات فلكية وماورائية، احتاجت الى انشاء مدارس، كما خضع أصحابها لمراحل من التعلّم وادراك طرق التواصل مع الآلهة المفترضة .

المشترك الاخر بين الفراعنة والرومان كان ملفتاً للنظر، فهم رغم انتصاراتهم وقوتهم العسكرية - في أوجها - لم يحاولوا إقامة حاميات عسكرية دائمة في بلاد ما بين النهرين (العراق)، على عكس ما فعله الإسكندر المقدوني، الذي اختار بابل مركزاً لتحركه في اسيا، ثمّ اختار ان يموت فيها . والذي أراه انّ هذه العلاقات المختلفة بين الجانبين مع العراق كانت قائمة على أسس عقائدية تاريخية، تدخّل في إيجادها خضوع الإسكندر لأساتذة ينحدرون عن المدرسة الرافدينية علميا، مثل (أرسطو)، الذي استدعاه الملك المقدوني (فيليب الثاني) لتعليمه، فيما كان الرومان - تبعاً للفراعنة - يستشعرون العداء العقائدي مع الشعب العراقي، فضلاً عن العداء السياسي، الذي كان من الممكن معالجته بنحو ما تمّ في البلدان التي احتلتها هذه الدول لولا الرسوخ التوحيدي للعقيدة العراقية .

وقد وجدت التمائم الفرعونية السحرية مساحة كبيرة للانتشار في العصرين اليوناني والروماني . ومثال ذلك رواج (لوحات حورس)، التي هي لوحات صغيرة الحجم، زوّدت بحمالة في احد اطرافها، يتم عليها تصوير الاله الفرعوني (حورس) . وهي رغم وجودها منذ عهود قديمة، لا سيما في عهد الاسرة التاسعة عشر، إِلَّا انها لاقت رواجاً كبيراً في العهد الروماني، واستمرت حتى العهد القبطي . وكانت هذه اللوحات تُستخدم للحماية من المخلوقات الضارّة او المفترسة .

انّ الآلهة الفرعونية التي أخذت عند اليونانيين والرومان اسماءً جديدة، كما هي عادة هذين الشعبين في تغيير المسميات، ظلّت داخل مصر تحمل أسمائها الأصلية، مثل (حورس وابوللونيوس) و(باخوم وهيراكس)، او اسماءً هجينة للتوفيق بين الجانبين الشعبي والرسمي مثل (سيرابيس حابي) .

 

 

بنو إسرائيل: بنو اسرائيل هم الاسباط من ذرية يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم السلام جميعا . وهم اثنا عشرة سبط (يوسف او منسى – ابنه -، بنيامين، لاوي، روبين، يهودا، شمعون، زبولون، ياساكر، دان، نفتالي، جاد، عشير) .

ان مجتمع بني اسرائيل كان مجتمعا موحدا لله، خاضعا لتعاليم دين ابراهيم الخليل . لكن القرآن الكريم يكشف لنا ضعف النفس الانسانية في ذلك المجتمع – مع ايمانها -، وكان الداء الاول الذي تسبب في انهيار هذا المجتمع لاحقا هو (الانا) . حيث تنافس ابناء النبي يعقوب في التقرب الى ابيهم والحظوة عنده، فسوّلت لهم نفسهم قتل اخيهم النبي (يوسف الصدّيق) . وهذا الامر يثير فينا تساؤلا اكبر : كيف كان تعاملهم مع الاخرين من بني اسرائيل الذين لم يكونوا من ذرية يعقوب النبي ؟!، {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ }يوسف9، {قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ }يوسف10، وكما هو واضح لم تكن نفوسهم خالية من الايمان ابداً، بل نراهم خلف هذه الآيات قوما مؤمنين تدغدغهم (الانا) .

ان (الانا) التي توّلدت في ذلك اليوم جعلت من بني اسرائيل مجتمعا (مغلقا) في الغالب، وهذا ما يتعارض مع مبدأ هجرة الهداية الابراهيمية . ومع ذلك كان ليوسف ان يصل الى مراتب دنيوية عالية بالاضافة لمقامه في الاولياء، وقد كاد الله له من خلال وصوله الى ارض مصر في زمن الهكسوس، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

[الجزء: ١٢ | يوسف (١٢)| الآية: ٢١]، وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ

[الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٤]، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ

[الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٥] .

لكن رغم ذلك كان لوجود اسحق ومن بعده يعقوب دورا هاما في التأثير الاخلاقي والسلوكي على المجتمعات المحيطة، التي رأت في المجتمع الاسرائيلي الاول مجتمعا صالحا، يختلف عمّا رأته من مهاجرين سابقين .

ان مساهمة اسحق في حفر الكثير من الآبار في الارض الكنعانية، وفتحها امام كل الاقوام اوجد تصورا آخر لدى الاقوام المحيطة بالمجتمع الابراهيمي، يقوم على اساس المقارنة بين الصالحين والطالحين من قادة الاقوام المتجاورة، وشكّل سهما مهما في نظرية تولي الصالحين للقيادة .

ان المجتمع الفرعوني المصري كان يشكل اخطر العقبات التي تواجه نشر العقيدة الايمانية الابراهيمية، لان ذلك المجتمع كان في الواقع يتعبد بالشريعة السحرية، ويمارس طقوس السحر الاسود، لذلك كان بحاجة (الهجرة الايمانية)، التي تزيل عنه الدنس وغبار الاوثان، وتوقظه من غفلة الجهل بالرب الحقيقي . لذلك كان على بني اسرائيل ان يهاجروا، وسنة الهجرة البلاء، فحدث القحط في كنعان، وتوجه اخوة يوسف الى ارض مصر كباقي الاقوام المحيطة، فعرفهم يوسف، وخطط لتنفيذ مهمة الرب، ونجح عبر استغلال (دين الملك) ان يثبت حقوقه التي صادرها القريب قبل البعيد، وتاب اخوته، فطلب الى الملك الهكسوسي ان يستقدم بني اسرائيل الى مصر، فرحب الملك باولياء الله من آل يعقوب، واسكنهم احسن ارضه، واكرم مثواهم .

كان يعقوب النبي يستشرف المستقبل ويدرك القادم، وهو يعلم مقدار تأثير سحر المعتقدات الفرعونية في حال انهار الهكسوس وعاد الفراعنة للحكم، لذلك جمع بنية واوصاهم وبيّن حقيقة الرب الخالق، لماذا ؟، فهي خطوة قلّما فعلها احد الانبياء، ذلك انه ادرك مقدار الشبهة التي سيوجدها مفهوم الرب الفرعوني على العقل الاسرائيلي .

{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (القرآن الكريم : البقرة، 127 – 134)

لكن من الطبيعي ان يدفع المجتمع الاسرائيلي ضريبتين عند انتصار الفراعنة على الهكسوس، الاولى لأنهم كانوا موحدين يدينون بعقيدة تجرّم عقيدة الفراعنة، والثانية لأنهم كانوا جزءاً من المجتمع الهكسوسي ذاته .

كان الفراعنة هذه المرة اقوى لسببين انهم عرفوا العربة الحربية من الهكسوس وانهم اسقطوا اهم القوى المنافسة في المنطقة، فكان على بني اسرائيل (يعقوب) ان يدفعوا ثمن علاقتهم بالهكسوس،فاستعبدهم الفراعنة واذلوهم .

توفرت في بني اسرائيل صفتان مهمتان يحبهما الشيطان هما : (الانا) و (امراض الاستعباد النفسية)، فتأثروا كثيرا بالمجتمع الفرعوني المصري ووجد البعض فيه ضالتهم،وكذلك وجد الشيطان جنودا ورجالا كان يبحث بجهد عن مثلهم .

ان العالم الجديد الذي يخدم رغبات الشياطين هو القائم على تحالف الفرعون وهامان وقارون، وهو ثلاثي كان فيه فرعون هو السلطة المتواصلة مع العالم الآخر، وهامان هو الاداة التنفيذية والعلمية، وقارون هو الكيان المادي الشره للمال والثروة واللذات . لقد تم اختيار قارون لهذه المهمة لاسباب ذاتية وموضوعية، فهو يحمل خصائص (الانا) التي انحدرت بالمجتمع الاسرائيلي، كما انه عنصر داخل المجتمع الايماني المعادي للمجتمع الفرعوني، وهو ايضا قريب من العائلة الابرز والاهم في مجتمع بني اسرائيل الموحد، هو اذاً ابن المجتمع الديني والمرجعية الدينية لمجتمع بني اسرائيل .

قال تعالى : (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77))

(فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80)) (القصص).

لقد كان قارون احد اهم الاسباب لاختراق المجتمع الايماني الاسرائيلي، وقد كان تملكه من قبل الشيطان هو الباب الذي خرج منه المئات بل الآف الذين يحملون صفة قارون في المجتمع اليهودي المعاصر، والذين يؤدون ذات الدور .

من لطيف الروايات التي تربط اساليب القارونيين قديما باساليبهم حديثا هي : (عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما أتى موسى قومه أمرهم بالزكاة، فجمعهم قارون فقال لهم : جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوا أن تعطوه أموالكم . فقالوا : لا نحتمل أن نعطيه أموالنا فما ترى ؟ فقال لهم : أرى أن أرسل إلى بغي بني إسرائيل فنرسلها إليه، فترميه بأنه أرادها على نفسها، فدعا الله موسى عليهم فأمر الله الأرض أن تطيعه، فقال موسى للأرض : خذيهم . فأخذتهم إلى أعقابهم، ...) (المستدرك على الصحيحين) .

وكانت الفترة بين نزول يعقوب مصر وظهور موسى عدة قرون، تغير خلال ذلك المجتمع الاسرائيلي بصورة كبيرة و انحرف، الا انهم لازال فيهم الكثير من المؤمنين، ولازالوا المجتمع الايماني الاكبر في العالم، فكان من الضروري ان يستنقذهم الله من براثن فرعون وهامان وجنودهما ويريهم ويري بني اسرائيل من آياته،فبعث فيهم موسى عليه السلام،الا ان مهمة موسى كانت صعبة ومضاعفة، لانه سيواجه فرعون ومن خلفه الشياطين، وكذلك عليه ان يبين لبني اسرائيل حقيقة ما يجري، لأنّ العقائد المصرية الفرعونية اقترنت بالسحر وكانت معقدة جدا، لذلك انبهر لها طائفة كبيرة من بني اسرائيل في ظلّ غياب الجو الاجتماعي المناسب .

كتب الباحث محمد حسن المبارك ما نصه : (لا شك أن بني اسرائيل خلال وجودهم في مصر تأثَّروا كثيرا بالثقافة الوثنية التي كانت سائدةً هنالك، إلاَّ أنهم و بعد خروجهم من مصر استرفدوا الكثير من المعطيات الوثنية لدى المصريين القدماء، محاولين بذلك إدخاله على دينهم اليهودي الذي اختلطت به وثنيات و أساطير كثيرة، فقد عرفوا تقاليد كابالا المصرية القديمة ونقلوها من جيل إلى جيل كتعاليم شفوية .

فالحضارة الفرعونية المصرية تعد من أقدم الحضارات الإنسانية، وكان الفراعنة على رأس السلطة،حيث يحكمونها بمطلق القسوة و الدكتاتورية، ثم يأتي فريقان مهمان كانا يحيطان بفرعون، وهذان الفريقان هما "الملأ" المذكور في القرآن الكريم . و هما:

ـ الجيش والذي يمثل القوة المادية لفرعون.

ـ السحرة أو الكهان، و الذين كانوا يمثلون الفكر والفلسفة التي يعتمد عليها فرعون، مع اشتغالهم بالسحر أيضاً و تأديتهم لطقوس سحرية معينة من السحر الأسود، بالإضافة إلى اشتغالهم ببعض العلوم الطبيعية كعلم الفلك والرياضيات والهندسة .

و قد تكونت خلال هذه الحضارة الطوطمائية قاعدة هائلة من الثقافة السحرية السوداء، وقد انتقلت تلك الثقافة تدريجياً الى بني اسرائيل من خلال إقامتهم عدة قرون في مصر، و تشكَّلت في تعاليم كهنوتية و فلسفية و سحرية عُرفت في التاريخ اليهودي فيما بعد بثقافة الكابالا، و التي قاموا من خلالها بنقل التراث الوثني لمصر القديمة إلى الأجيال الأخرى ...) .

لقد كانت بعثة موسى ضرورة تحتمها الحاجة الواقعية المركبّة، حيث الطغيان الفرعوني وشريعته المعقدة السحرية، وكذلك الانبهار الذي عاشه المجتمع الاسرائيلي امام هذه القدرات المادية الخارقة لهذه الشريعة . فالمجتمع الاسرائيلي عانى ضغطاً نفسياً وفاقة للمادة، بسبب الاستعباد والاستغلال الفرعوني، لذلك صار معيئاً في جزء واسع منه للدخول في عالم المادية الظلموتية .

بعث الله تعالى موسى كسفينة يركبها من يريد النجاة من بني اسرائيل، وكذلك كدليل يري فرعون وجنوده وملأه وشعبه انّ القدرات الخارقة لشريعة الفراعنة ليست حكراً عليهم، ولا تعني انّ المنتج لها اله، لكنها تلاعب بفيزياء الطبيعة، التي أوجدها الخالق الأكبر، وهو الله جلّ شأنه .

من هنا كان لموسى مهمة كبيرة، تدعمها المعجزات الكبرى، الموافقة لما عليه ذلك المجتمع من اعتقادات وممارسات، لكنها في الطرف الاخر الصالح . وقبل خروج موسى بشعب بني اسرائيل ومن معهم اظهر امام الملأ الحقيقة كاملة .

[ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتابَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الجزء: ١ | البقرة (٢)| الآية: ٥٣]، [ ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتابَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِّكُلِّ شَىْء وَهُدى وَرَحْمَة لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الجزء: ٨ | الأنعام (٦)| الآية: ١٥٤]، [ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بآياتنا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [الجزء: ٣ | آل عمران (٣)| الآية: ١١] .

وفي سورة يونس : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِين) .

وفي سورة الاعراف : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون) .

وهذه الآيات من سورة الاعراف القرانية كاشفة عن عدة نقاط :

١ - جهل فرعون بحقيقة اله موسى، واختلاط اللاهوت في ذهنه، نتيجة للتلاعب التاريخي الكبير الذي اصاب عقيدة التوحيد والخلق في مصر .

٢ - إيمان المصريين بالسحر تماما، لذلك جعلوا كلّ أية خارقة يرونها فرعاً عن السحر، وبالتالي استخدموا لمواجهة موسى كبار السحرة في مجتمعهم .

٣ - انّ السحرة لم يكونوا يمارسون طقوسهم دجلا، بل كانوا يَرَوْن ما يفعلون جزءاً من شريعة صادقة تربطهم بالإله، لذلك آمنوا عند اللحظة الاولى التي اكتشفوا فيهم انهم كانوا مخدوعين، وحين عرفوا حقيقة وجود عوالم كانت تؤثر فيهم، وانّ الله الخالق اكبر من ذلك كله .

٤ - انّ المادية وحبّ الملك والدنيا طغت في نفس فرعون، ما جعله في هستيريا منعته من اتبّاع رأي المختصين - السحرة -، وصار يتوعد بالقتل والابادة .

٥ - انّ المنتفعين من ملأ فرعون واصحاب رأس المال والنفوذ كانوا يريدون إبادة كل الذي يتعلق بموسى قبل انهيار منظومتهم النفعية .

٦ - كان على المجتمع المؤمن ان يمرّ بابتلاءات وامتحانات متعددة، تستلزم الصبر والاستعانة بالله الخالق .

٧ - وهي نقطة مفصلية، حيث كشفت الآيات انهيار النفس الإسرائيلية في بعض جوانبها، نتيجة الضغط والمادية، وبالتالي تذمّرها، وبداية الانشقاق داخل المجتمع الإيماني التوحيدي . لذلك جائت الآيات اللاحقة من سورة الاعراف لتعرّفنا مدى المادية والتشوه الفكري والعقائدي الذي اصاب هذا المجتمع : (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِين) الأعراف .

ولسنا بحاجة الان لمعرفة حقيقة عقيدة (العجل) ومن أين جاء بها بنو اسرائيل، بعد ان عرفنا عمق هذه العقيدة في الديانة الفرعونية القديمة . ومن هنا وَمِمَّا سبق نعرف مدى تأثير الحضارتين السامية والفرعونية إحديهما في الاخرى، وبالاتجاه المعاكس .

لكن مع ذلك فالمجتمع الاسرائيلي تضعضع وانشقّ، لكنّه لم ينحرف بالكامل، بل ربما بقيت الأغلبية على ايمانها في الجملة . الا انّ الملاحظة المهمة هو انّ الانحراف دبَّ في الكهنوت الرجالي الاسرائيلي، حيث كان صاحب بدعة (العجل) احد مساعدي موسى ذاته، وهو (السامريّ)، (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ) كما في سورة طه . لكنّ موسى مع ذلك لم يكن شديداً في مخاطبة السامريّ، ربما لانه من اصحاب التاريخ الكبير في حركة بني اسرائيل (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) كما في نفس السورة السابقة .

المرحلة اليونانية

وحّد الإغريق بين الآلهة المصرية (نخبت) وآلهتهم (اليثيا) تحت اسم (اليثياسبوليس)، وهو الاسم الذي أطلقوه على مدينتها (نخب)، وكذلك كانت سجيتهم مع باقي الآلهة المصرية، حيث ورثوا تقريبا تلك الديانة، لكن بمسمّيات تناسب اللغة اليونانية . ويرى بعض الباحثين ان العصر اليوناني أراد الامتزاج بمصر القديمة، لا بمصر التي سبقته مباشرة، لذلك حاول تقليد الاولى في رسوماتها ونحتها وفي مقابرها . ولقد ولدت أشهر الملكات المصريات - مع حشبسوت - وهي (كليوباترا) في مقدونيا اليونانية، وتلقت تعليما رفيعا هناك، لكنّها حكمت مصر . انّ المثير في ذلك التداخل بين الإغريق والمصريين هو القبول اليوناني لعقائد المصريين الدينية، في مقابل انهيار الفلسفة الاخلاقية المشهورة لليونانيين . حيث انّ اليونان قبيل الميلاد لم تعد تحمل من سمات الفلاسفة الكبار الا الذكرى، حتى انها صارت مطمعاً للغاليين البرابرة . فيما أصبحت في فوضى سياسية ضخمة .

انّ تغلغل الديانة الفرعونية داخل الكيان البطليموسي اليوناني في مصر والذي ترافق مع التغلغل البطليموسي فكرياً في ارض اليونان خلق فيما يبدو جليًّا فوضى اجتماعية، ساعدت في نموها الفوضى المحيطة ببلاد اليونان ذاتها . لكنّ هذه المرحلة كانت المقدمة لميراث جديد هو الأمّة الرومانية .

انّ النفوذ والممازجة اليونانية لم تكن وليدة العهد البطلمي وحسب، بل ابتدأت من قرون اسبق، ربما كانت ابعد من القرن السابع قبل الميلاد، منذ عهد الاسرة السادسة والعشرين . حيث اعتمدت القيادات المصرية المتنافسة على الجنود المرتزقة، وكان اليونانيون من اهمهم .

فيما يرى (هيرودوت) انّ المصريين هم اوّل من استخدم اسماء الآلهة الاثني عشر الذين قدّسهم الإغريق، وهم اوّل من تنبّأ بطالع ميلاد الشخص كذلك، وأوّل من استحدث لقاءات ومسيرات احتفالية وعلَّم الإغريق إياها . وبذلك فهيرودوت يرى انّ كلّ مقدّس يوناني يرتبط بأصل مصري . ولا حاجة لبيان انّ تلك المقدسات المصرية ربما لم تكن في جذورها وثنية، كما انها لم تكن دائماً مصرية، وربما لم يعي هيرودوت انّ الكثير منها ربما دخل بلاد الإغريق من طريق اخر .

 

العقدة العراقية الشرقية للدولة الفرعونية: لقد انتقلت العقيدة المصرية من التأثير الآدمي الشرقي الإدريسي الى الفرعونية الممتزجة بالسحر، وفيما حافظت على بعض العناوين مشتركة بين الديانتين الا انها اختطت قصصاً واحداثاً جديدة تماماً، ادخلت من خلالها تأثير العالم الذي تسميه الديانة الإبراهيمية عالم (الشياطين) . لذلك بدأت الأوراق بالاختلاط على المصري القديم، ثمّ ظهرت قوى السحر وتأثيراتها، وبدأ المصري ينتفع من وجودها بنحو ما، لا سيما الملوك - والنَّاس على دين ملوكها - ووجدت طبقة من الكهنة تحققت لها أرباح من خلال العالم السحري هذا، كما انّ الانتقال نحو هذا العالم الباطني الغريب تم تدريجيا وببطئ، واختلطت فيه الأحداث بمرور الزمن، وعلى مراحل .

لاحقاً تمّ سرقة العناوين الآدمية - التي سارت ضمن الديانات الإبراهيمية كما هي - من قبل الفكر الفرعوني الجديد، وتمّ افراغ العنوان من محتواه وملأه بشخصيات شيطانية بحتة، يمكن التعرّف عليها من خلال المكتشفات الآثارية المصرية، وكذلك من خلال الجماعات السرية المنتسبة للدين الفرعوني في العصر الحديث .

وفي خضّم المواجهة بين الحضارتين الشيتية والقابيلية كانت هناك مواجهة فكرية تسير نحو التعقيد أيضاً، حيث رأت الحضارة الآدمية الشيتية انّ سلوك أفراد الحضارة القابيلية السيء سيخضع لحساب الهي تفرضه الحياة الابدية في عالم الآخرة، فيما ابتكرت الديانة الفرعونية رؤية لاستنقاذ الحضارة القابيلية وأفرادها من ذلك المآل عبر افتراض مجمع الهي خاص هو من سيقود عملية محاسبة الموتى، وابتكرت مجموعة من الطقوس لحماية الموتى من اخطار العالم الابدي، بادعاء انها ستكون تحت حماية الآلهة .

وبدأت فلسفة اخرى تشرح حقيقة علاقة الانسان بالإله الخالق، تقوم على أساس الافتراض القائل انّ الانسان ابن الآلهة ويمكنه العودة للاندماج معها من خلال حلقة من الطقوس والمعارف . وبالتالي تمت ازاحة ذلك الفكر التوحيدي البسيط الذي اعتقدت به الحضارة الآدمية الشيتية وإيجاد فكر معقد غير مفهوم لا يقوم على البساطة في تفسير مفاهيم الآلهة والإنسان .

ويبدو انّ هذا التعقيد والانقلاب الفكري كان مستمراً في مواجهة الحضارة الآدمية خلال الدولة القديمة في مصر، الا انه بدا واضحا في فترة الانتقال الغامضة - كما يصفها الباحثون - التي سبقت الدولة الوسطى . ومن ثمّ خلال الدولة الوسطى كان مفهوم الآلهة قد أخذ بعداً اخر، يختلف تماماً في مؤداه عن الفكر الشيتي الآدمي الأوّل . يقول عالم المصريات (جاردنر) وهو يصف نظرة المصريين للأحياء والآلهة والموتى : (ثلاثة انواع من نفس الجنس البشري، تخضع لعين المتطلبات المادية، ولنفس العادات والرغبات) . وقد اعتقد المصري حينذاك انّ روح الميّت لها قدرة ال (با ba'a) التي تمنحها الشكل الذي تريد تقمصه، حتى وان كان حيواناً معيناً تختاره هي، باعتبارها (آخ ikh) بمعنى (روح مشعة)، رغم أني حين أدمج معنى الأخ كما تم استخدامه في العصور المتأخرة بمعنى (المارد / الشبح) اجد انّ هذا الفهم للروح وتشكّلها ومآلها هكذا مأخوذ فقط عن ظاهرة الآلهة المتشكّلة التي كانت تظهر للكهنة المصريين حين قدومها من عالم الشياطين .

ولعلّ النص التشاؤمي الذي تمت كتابته في عصر الانتقال الأوّل يبيّن لنا حقيقة ما جرى تلك الفترة، حيث ورد فيه (ليس ثمة ما هو حقّ، لقد انتقلت مقاليد العالم الى أيدي من يرتكبون الشرّ مقترفي الاثم) .

ورغم انّ فكرة الثواب والعقاب الأخروي كانت راسخة بفعل تعاليم آدم ومن ثمّ ادريس الا انّ الديانة المصرية الفرعونية غيّرت ملامح تلك الفكرة، وأصبحت هناك صورة معدّلة عنها، فمثلاً تمّ استبدال ملائكة الحساب في القبر - الذين يهتمون فقط لعمل الميّت - بفكرة القرين، والقرين كان له كهنة يخدمونه مقابل ان يساعد الميّت، رغم انّ الفكرة كلها ربما أتت من موضوع بذل الثواب الدنيوي لمساعدة روح ميّت ما، والتي لا تزال مقبولة في الديانات الإبراهيمية .

بل انّ العزل الذي يعتمد الواقع الذي آمنت به الديانات الإبراهيمية للتفريق بين الملائكة والشياطين لم يعد موجوداً في الديانة الفرعونية، والتي خلطت بين المفهومين، حيث اصبح للشياطين ذات التأثير المفترض للملائكة، ومن هنا تمّ التلاعب بجميع القصص التي تتناول فكرة ابليس ولعنته، وأصبح له لاحقاً مظهراً اخر .

انّ تقمّص مصر للديانة الفرعونية هذه جعلها تنسلخ عن دينها الآدمي الأوّل عمليا، رغم عدم احساس شعبها بذلك، حيث سرت الفرعونية ببطئ وعبر سرقة العناوين والتعديل عليها . ولمّا ظلّت الارض العراقية تحتضن النبوات ودينها التوحيدي الذي يظهر الأسماء والاحداث الحقيقية صارت المواجهة محتمة بين الحضارتين، اذ انّ التصوُّر لعالم الآلهة والاخرة وحتى الملائكة والشياطين بينهما صار متناقضا تماما، وصار القبول بعقيدة احدهما يعني تجريم العقيدة الاخرى . ولم يكن من السهل على الدولة الفرعونية التغلغل الى الارض العراقية، كما تغلغلت الى الارض اليونانية والأرض الرومانية، لامتلاك العراقيين عقلاً فلسفيا، صنعته الاثار التي أوجدها ادريس ومن ثمّ نوح، لتصل لاحقاً للحركة الإبراهيمية الكبرى .

وفيما ذهب الفراعنة بعيداً في مطاردة الهكسوس حتى دخلوا الحدود العراقية، رغم انهم لم يفعلوا ذلك مع حضارة اخرى، وأرادوا جاهدين ازالة الأثر الهكسوسي، إِلَّا انهم في عملية موازية تأثروا بالآلهة الخاصة بشعوب العراق والشام الوثنية . فنرى أنّهم احترموا تلك الآلهة الأجنبية حدّ التقديس، مثل (بعل، عشتارت، عنات، قادش، ارشوب، كسرت)، وتمّ ادخال الأسماء الرافدينية ضمن الاستخدام المحلي المصري . ولم يكن هذا الامر ظاهرة شعبية، بل كان قائماً على مستوى الملوك الفراعنة، فلقد صار (أمنحوتب الثاني محبوب ارشوب)، و (رمسيس الثاني رضيع عنات)، و (عنات وعشتارت دروع رمسيس الثالث)، و (تحوتمس الرابع الفارس القوي مثل عشتارت)، فيما يجلس (رمسيس الثاني) الى يمين (عنات) وهي تخاطبه (انني أنا أُمَّك) . فيما شيّد احد بنّائي (تحوتمس الثالث) المدعو (امينموبي) لوحة ل (ميكال سيد بيت شان)، وكما نعلم انّ (ميكال) قريب جداً من اللفظ الرافديني السامي للملاك (ميكائيل) .

ولا يمكن تفسير هذا التناقض في سلوك حضارة منغلقة اجتماعيا ودينيا الا بوجه واحد، هي انها كانت ترى في عقيدة الهكسوس الساميين خطرا مباشرا على ديانتها ووجودها، فيما كانت ترى تطابقا مع عقائد الأقوام الوثنية الباطنية من الساميين، ولا تختلف معها الا في تسمية الآلهة فقط .

وَمِمَّا يعضد انّ هناك عالماً دينياً مشتركاً اكبر من الحدود الدولية والشعور الوطني كان يجمع من يتعبّد بالديانة المصرية انّ الاثيوبيين الناباتيين حين احتلّوا مصر اعتبروا انّ ملوكها - من المصريين - قد انحرفوا عن الديانة القديمة ولم يعودوا مخلصين للاله (آمون)، الذي أقام له الإثيوبيون المعابد والطقوس وأخلصوا لديانته حين كوَّنوا الاسرة الخامسة والعشرين . فيما اعتبر اليونانيون انّ الاثيوبيين اكثر الشعوب تدريبا وحكمة، نتيجة اخلاصهم لآمون .

لكنّ العراق كان على الدوام مصدر قلق للديانة الفرعونية، وقد رأينا كيف أصبحت مصر مختلفة بعد حكم الهكسوس لها، وبالتالي كانت نهاية مدينة (آمون) طيبة تبدو منطقية على يد الملك الاشوري (اشوربانيبال)، عام ٦٦٣ ق م، بعد حروبهم مع (تانوت آمون) .

انّ ظهور النبوات التوحيدية - لا سيما الكبرى - من ارض الرافدين وكونها مركز ومحور الحركة التوحيدية جعل العراق مصدر قلق دائم للفرعونية المصرية، كما انّ المجتمع العراقي او الرافديني بتفرعاته عموماً كان على نقيض مع المجتمع الفرعوني السحري، حيث كانت السلسلة الآدمية الشيتية الاولى تسكن الارض العراقية، كما انّ ارض الكوفة ومدينة (شوروباك) خصوصاً المهد الاول لنوح، ومن رافقه من السومريين التوحيديين الأوائل، فقد جاء في (ثبت الملوك السومري) ما مضمونه (في (سيبار) حكم (اينميدورانا) ... ثم هُجرت سيبار ونقلت ملكيتها الى (شوروباك) . في (شوروباك) حكم (اوبارتوتو) ... كملك – ملك واحد ... (المجموع) خمس مدن، ثمانية ملوك حكموا  ... ثم اغرق (الطوفان) (البلاد)، وبعد ان اغرق الطوفان البلاد وهبطت الملكية من السماء (مرة ثانية) اصبحت (كيش) مقر الملكية . في كيش حكم (جا اور) ...، وحكم (جولا – نيدابا انا ياد) ....) .  وهذا الاعتقاد مترسخ في الوجدان العراقي، وقد اثبته الاسلام، حيث جاء في كتاب مفاتيح الجنان في زيارة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (السلام على الشجرة النبوية، والدوحة الهاشمية المضيئة، المثمرة بالنبوة، المؤنقة بالإمامة، وعلى ضجيعيك آدم ونوح عليهما السلام ...) . لذلك كان من الطبيعي ان يتجه النبي (موسى) شرقاً في رحلته نحو الاكتمال .

حين كان للمصريين تأثيرهم في الفترة الكريتية لليونان كان للعراق وسوريا أثرهما المهم في الفترة المايسينية النقية لليونان، حيث ثبت وجود علاقات وتواصل بين الجزر اليونانية والمناطق الفراتية، على نحو أنتج مجموعة من الرؤى التي ساهمت في نمو العقلية الإغريقية للفترة ما بعد الدورية، اي في عهد الدولة المدينة .

العولمة المقدونية

تقع مقدونيا جنوب شرق أوربا في شبه جزيرة البلقان استطاعت أسرة ارجيد أن تتربع على عرش مقدونيا في القرن السابع قبل الميلاد، ثم أصبحت خاضعة للسيطرة الفارسية في القرن الخامس قبل الميلاد، وفي منتصف القرن الرابع قبل الميلاد تولى عرش مقدونيا الملك فيليب الثاني الذي استطاع أن يوحّد بلاد اليونان في وحدة سياسية واحدة .

استغل الملك فيليب الثاني المقومات الإقتصادية التي تمتلكها مقدونيا وموقعها الجغرافي في شمال بلاد اليونان والضعف الذي أصاب دويلات المدن اليونانية نتيجة الحروب الأهلية اليونانية ونجح في توسيع رقعة مملكة مقدونيا فاستولى على المدن اليونانية الواحدة تلو الأخرى، وتمكن في عام 338 ق.م . من هزيمة أثينا واسبرطة في موقعة تعرف بإسم (خايرونا) فتم بذلك سيطرته على كل بلاد اليونان وبذلك انتهى نظام دويلات المدن اليونانية فعليا في هذا التاريخ وتوحد اليونان في وحدة سياسية ودولة واحدة لأول مرة في تاريخهم الطويل هي مملكة مقدونيا وكانت هي حجر الأساس لإمبراطورية الاسكندر .

اغتيل الملك فيليب الثاني في صيف 336 ق.م، فخلفه على العرش ابنه الاسكندر المقدوني . ولد الإسكندر في صيف 356 ق.م، وفي الثالثة عشر من عمره استقدم له أبوه العالم والفيلسوف أرسطو الى مقدونيا ليتولى تعليم وتثقيف ولده الأمير الشاب الاسكندر وعاش أرسطو مدة ثلاث سنوات في تعليم الإسكندر في القصر الملكي فعلمه فنون الحكم والسياسة والجغرافية والفلسفة والأدب اليوناني وأشعار هوميروس وقد تأثر الاسكندر في سلوكه وثقافته وتشبع بأفكار معلمه أرسطو، كما تعلم فنون الحرب وأساليب القتال من والده الملك فيليب الثاني وخاض معه عدة معارك وهو في السادسة عشرة من عمره وعندما بلغ العشرين من عمره تولى عرش مقدونيا بعد مقتل والده .

توجه الاسكندر من آسيا الصغرى وسيطر على سوريه بعد معركة سهل (ايسوس) عام 333 ق.م . وهزيمة الفرس، فاتجه جنوباً نحو فينيقيا وسيطر على صيدا وصور بعد حصارها 6 أشهر حتى استسلمت مدينة صور ثم اتجه الى فلسطين وسقطت غزة في عام 332 ق.م. فأصبحت مفتوحة .

دخل الاسكندر المقدوني مصر وحرر مصر من الإحتلال الفارسي ورحب به المصريون وأعجب الإسكندر المقدوني بالحضارة المصرية وقضى فيها عدة شهور أسس فيها مدينة الإسكندرية ثم غادر مصر نحو بلاد الرافدين . كان أول صدام لجيش الاسكندر المقدوني في العراق مع الجيش الفارسي عن (سهل كاوكا ميلا) وانتهت بهزيمة للفرس في عام 331 ق.م. وفرّ الملك الفارسي دارا الثالث فلاحقه الاسكندر المقدوني باتجاه الجنوب وظل يحرز انتصاراته على الفرس حتى وصل الى مدينة بابل وسط العراق وكانت مشهورة بتحصيناتها وقلاعها وأسوارها ولكن استقبل بالترحيب فأحسن معاملته للبابليين، بعد ذلك اتجه نحو إيران واستولى على عاصمة الإمبراطورية الفارسية مدينة برسيبولس وفر الملك الفارسي الى إقليم بقطريا وهناك قتل الملك الفارسي دارا الثالث على يد حاكم بقطريا الفارسي عام 330 ق.م. فكانت نهاية الإمبراطورية الفارسية.

بعد أن حقق الاسكندر المقدوني هدفه من القضاء على الإمبراطورية الفارسية، استمر في حملته العسكرية نحو آسيا الوسطى والهند وأخضعها في عام 327 ق.م. ووصل أقصى ما وصل إليه نهر السند شرقاً قرر بعدها العودة وعاد عن طريق البر حتى وصل عائداً الى بابل في عام 323 ق.م. واستغرق في حملته العسكرية 12 عاماً.

توفي الاسكندر المقدوني في بابل عام 323 ق.م . بعد أن حكم 12عاماً وثمانية شهور ولم يتم الثالثة والثلاثين، وترك إمبراطورية تمتد في ثلاثة قارات من بلاد اليونان غرباً الى نهر السند شرقاً وما بين جبال القوقاز وبحر قزوين شمالاً حتى شمال الجزيرة العربية جنوباً بما فيها مصر وضمت إمبراطوريته شعوب وثقافات وحضارات مختلفة.

عقد قواد جيش الاسكندر المقدوني بعد وفاه مؤتمراً في مدينة بابل واتخذ المجتمعون القرارات التالية :

-  المحافظة على وحدة الإمبراطورية وتحت حكم أسرة فيليب الثاني .

-  تقسم الإمبراطورية الى 24 وحدة سياسية يتولى إدارتها قواده العسكريين .

-  يصبح القائد كراتيروس وصيا على العرش والقائد برديكاس قائداً عاماً للجيش.

لم تستقر الأمور حسب قرارات مؤتمر بابل فسرعان ما بدأت الصدامات العسكرية والصراع بين قواد الاسكندر المقدوني أدى إلى تقسم الإمبراطورية الى ثلاث دول يونانية هي:

أ- دولة البطالمة في مصر .

ب- الدولة السلوقية في سوريه وآسيا الصغرى والعراق وإيران والهند .

ج- دولة مقدونيا (الانتيجونية) في بلاد اليونان .

وبعد هذا السرد للحركة العسكرية والديموغرافية اليونانية المقدونية يمكننا ان نلاحظ :

- خضوع الإسكندر لأستاذ (موّحد) هو (أرسطو)، والذي كان احد ثمار الفلسفة الرافدينية .

- ترحيب البابليين بقدوم الإسكندر وتخليهم عن الفرس يذكّرنا بترحيبهم في المستقبل بالجيوش الموحدة الاسلامية وتخليهم عن الفرس .

- رغم ترحيب المصريين بالإسكندر الا انه فضّل انشاء مدينة جديدة يقيم فيها عسكره وحشوده، بعيداً عن الاختلاط بالجنوب المصري، الذي كان ربما لازال يخضع لتأثيرات الفكر الطيبي - النوبي الوثني .

- اختيار الإسكندر لبابل كمدينة مركزية - او ربما عاصمة - لإمبراطوريته الجديدة يكشف عن اثر واضح للفكر الأرسطي داخله، حتى انه توفي فيها .

- يبدو واضحاً انّ هناك اندماج فكري سمح بتقارب الإسكندر مع البابليين الذين سمحوا له بالتواجد بينهم كحاكم، رغم شراستهم وأنفتهم وتحسسهم للوجود الأجنبي، حتى انّ الفرس لم يستطيعوا لا في القرون الاولى ولا اللاحقة التواجد - كحكّام - الا خارج المدن البابلية .

- ويمكننا بوضوح ان نستشف مساهمة هذه الحركة المقدونية في عولمة الفكر التوحيدي، او على الأقل في إيجاد الأجواء المناسبة عالمياً للنقاش الديني الحرّ، او حتى الفكر الحر عموما .

الحلقة اليونانية

هناك من يقول انّ (سيكروبس) المصري هو اوّل من ادخل التمدّن لليونان، أعقبه الفينيقيون، فيما يرى المؤرخ (هيرودوت) انّ مجمل هويات الآلهة اليونانية وطقوسها مصرية، وانّ عقيدة تناسخ الأرواح كذلك، لكن من المؤكد ان العصر المبكر (الفترة الكريتية) شهد علاقات وصلات واضحة مع مصر . غير انّ امتزاج الحضارتين المصرية الفرعونية واليونانية الوثنية شكّل حلقة انتقال نحو الاخطبوط الوثني الروماني . حيث نلاحظ انّ الفن المصري حمل الأثر الإغريقي بعد فترة الاحتلال اليوناني لمصر، لكنّه ظلّ محتفظاً بشخوص الآلهة ذاتها . ففي معبد (بيتوزيرس) المقام من اجل (تحوت) كان للذائقة اليونانية اثر واضح، وفي المنازل الجنائزية اجتمعت أساطير (اجاممنون) و (اوديب) اليونانية مع أساطير (تحوت) و (حورس) الفرعونية . فيما قدّست المستعمرة اليونانية في (منف) الاله الهجين (أوزير - حابي) الذي يجمع بين (اوزيريس) والعجل (أبيس)، تحت اسم (اوزورابيس) . حيث استشار (بطليموس الاول) اللاهوتي الإغريقي (تيموثاوس) واللاهوتي الفرعوني (مانيتون) من اجل عقيدة مشتركة بين الشعبين، فكانت عقيدة (أوزورابيس) هي ما ارتضاه اللاهوتيان، وتمت تسميته الاله (سرابيس)، الذي كان مصريا في الأصل والاسم واغريقيا في المظهر . وتمّ انشاء معبد (السرابيوم) الكبير من اجل عبادته، والذي استبدل لاحقاً - في عهد بطليموس الثالث - بمعبد اكبر وأفخم . وتمّ فرض عبادته بارادة ملكية، لتبلغ (السرابيومات) بعد ذلك نحو أربعين .

وفي أصبحت لغة الخدمة الدينية هي اليونانية الا انّ المصريين استمروا في إطلاق الاسم القديم للاله الجديد (أوزير - حابي) . وصار الاله الجديد - حسب الباحثين - ذَا شعبية كبيرة في الجمهورين اليوناني والمصري .

وفيما كان اوزيريس حاكماً على عالم الموتى صار في العهد اليوناني حاكماً في عالم الأحياء ايضا، وهي انتقالة كبيرة في العقيدة واللاهوت، رافقت تلك الانتقالة في التسميات الخاصة بالاشخاص، التي صارت للمرة الاولى تضيف اسم اله الموتى اليها، مثل (بيتوزيرس) اي (عطية أوزوريس) . لكنّ هذه الانتقالات لم تكن باهمية اختزال الاله الأكبر (رع) في شخص (أوزوريس) منذ الاسرة العشرين، حيث لم يعد (رع) يُستخدم كثيرا، بل صار هو عينه (أوزوريس)، وصار يشار له بعين الشمس . وقد أكّد احد نصوص الاسرة الثامنة والعشرين ذلك بشكل صريح وواضح، حيث جاء فيه (أوزوريس ... الحاكم الذي احتلّ مقعد رع) .

فيما تقدمت الآلهة (إيزيس) كما تقدّم زوجها (أوزوريس) الى المقدمة، يرافقهما ابنهما حورس . وقد أصبحت (إيزيس) تُعبد في كل حواضر اليونان، ومنها اثينا وايوبيا، ولم تعد عبادتها وعبادة (سرابيس) وباقي الآلهة المصرية الفرعونية تُمارس سراً على يد الجماعات فقط، بل صارت عامّة وشعبية، كما انها رسمية ايضا .

ولم يكن انتشار هذه العبادة بصفة رسمية فقط، لكنها كانت تسري بفعل انتقال الموظفين اليونانيين، وبالتالي جلبهم تلك العقائد الى مدنهم، كما في ثيرا وكنيدوس . ولم يمنع فقدان البطالمة اليونانيين لجزر بحر ايجة وباقي بلاد اليونان من استمرار انتشار عبادة (سرابيس) و (إيزيس)، حتى انّ (إيزيس) بدأت تظهر على العملة المعدنية في اثينا . وقد وصلت هذه العقيدة الى ديونيسيوبوليس على البحر الأسود، والى صقلية في البحر المتوسط . بينما نرى اليونان قد مزجوا بين الاله المصري (تحوت) وبين ألههم (هرمس)، ومن هنا أطلقوا على واحدة من اهم المدن المصرية دينيا وهي مدينة (الاشمونين) اسم (هرموبوليس ماجنا) . وقد بقي الثالوث المصري المقدس (أوزوريس - إيزيس - حورس) في العهد اليوناني البطلمي معبوداً له طابع خاص، سوى انّ حورس قد تمّ تصويره كطفل بين يدي أمه .

ويبدو انّ المصريين كانت لهم هجرة تجارية او ادارية في زمن اليونان او قبله ساهمت في بداية انتشار العقائد المصرية الفرعونية . فنلاحظ انّ عقائد (إيزيس) و (آمون) تواجدت في (بيريوس) بين التجار المصريين، ومنذ (بطليموس الاول) و (بطليموس الثاني) بدأ انتشار المصريين في جزر اليونان وجزر بحر ايجة . وقد ساهم الموظفون المصريون الذين ارسلهم البطالمة لهذه الجزر في سرعة انتشار تلك العقائد، وقد بنيت ل (سرابيس) المعابد في (ميليتوس) و (هاليكارناسوس)، رغم انّ عبادته وصلت الى (ديلوس) في وقت اسبق . ومن خلال هذه الجزر اليونانية عبرت العقيدة المصرية - بثيابها الجديدة - حتى وصلت الى قلب (اثينا) .

ويرى الباحث (سلامة موسى) في كتابه (مصر أصل الحضارة) انّ الهجرات المصرية نحو اليونان وجزرها كانت على ثلاث مراحل، الاولى في عصر الدولة القديمة، والثانية في ايام الدولة الوسطى، والثالثة وهي الأهم ايام الاسرة السادسة والعشرين . وينقل سلامة موسى انّ أسطورة إغريقية تتحدث عن (أسرة ملوكية مصرية) كانت تحكم بلاد اليونان، أنشأها (دانوس)، لذلك هو يرى وجود أصل مشترك بين الشعبين . فيما ينقل انّ المصريين في الوقت الذي يرسمون أشكال الشعوب الاخرى مثل الزنوج والحيثيين بنحو من الاستهزاء فانهم كانوا يرسمون اليونان بالشكل الذي يتطابق مع هيئة المصريين . فيما تزوجت (كليوباترا) أخاها (بطليموس الثالث عشر)، في واحدة من الممارسات الخاصة بالعوائل الملكية الفرعونية .

وقد ورثت روما مجمل الحضارة اليونانية، بحكم الواقع او المخالطة او التأثر، وفيها ومن خلالها بدأ الانتشار المكثف للديانة الفرعونية الوثنية، حيث لعبت روما لاحقاً دوراً خطيراً في عولمة هذه العبادات والعقائد، وبفعلها صار للديانة الفرعونية طريق جديد، وتزاوجت لاحقاً مع الديانات الإبراهيمية التي تمت سرقتها، وهذا ما سيأتي لاحقاً باْذن الله .

فرغم انّ معابد الآلهة القديمة (حتحور) ترجع الى العصور الفرعونية الاولى الا انّ اهم معابدها الحديثة بناها (بطليموس التاسع) في نحو نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، فيما استكمل بنائه خلفائه من البطالمة اليونان، ومن ثمّ الرومان في عهد تراجان عند القرن الاول الميلادي .

الإغريق مجموعة إنسانية اجتمعت تحت ظلّ الظروف الصعبة، وارتضت بعض المدن اجواء التمدن القريبة اليها، وتوفرت لها عوامل ثقافية رافدينية وفينيقية مناسبة، امتزجت برغبة في تطوير الذات الوطنية، وشيء من السلام، وطبيعة خلّابة وفَّرت السماء الصافية لعقلية متفتحة، فيما اختلطت فيها أيضاً مجموعة من التأثيرات المجاورة والوافدة المهاجرة .

ولم يكن الإغريق مناسبين لعولمة الديانة المصرية بقدر ما كان الرومان مناسبين لذلك، فالاغريق في مصر وحدها هم من اعتنق تلك الديانة وحاولوا نشرها في محيطهم اليوناني القريب، فيما كان باقي الإغريق ممتزجين بعقائد اخرى . انّ ارتباط تأسيس الحضارة العقلية اليونانية ببلاد الرافدين وسوريا جعلها أقلّ استقراراً امام العقائد الوثنية، لذلك جاء في نقش يوناني يعود للقرن الميلادي الاول ما نصه (انهم بنحتهم تماثيل لاوزيريس وإيزيس ولالهة ذات وجوه حيوانية او بشرية من مادة فانية فانهم يخاطبونهم جميعا كآلهة . انه لمن الغباء ان تخلقه هو ذلك الذي خلقك . وانه لمن المحال على مثّال ان يعبّر عن الجوهر غير المتجسد واللامدرك والذي لا تحيط به الابصار واللامادي . وفي الحقيقة انه بالعقل وليس بالايدي يمكن فقط ان يُحتفظ بالسرّ المقدس . وهناك معبد واحد للاله هو الملكوت بأسره) .

 

 

الوجه الآخر للآلهة: لقد اعتبرت الأسطورة المصرية انّ تل (السكينتين) هو المكان الذي ظهر عليه (آتوم)، وبالتالي هو المكان الأزلي، وهذا الاختيار لارض مرتفعة يظهر عليها المخلوق الاول يتطابق مع الرؤية الاسلامية الشيعية التي ترى انّ الظهور الاول لآدم كان على ارض هضبة النجف المرتفعة، او (جبل الكوفة) .

لكنّ الأسطورة المصرية لاحقاً يبدو انها أدمجت أحداثاً اخرى في هذه القصة، لتنتج مفاهيماً قابيلية ابليسية خاصة . فقد افترضت - حسب مصادر التاريخ الفرعوني - انّ هذا التل الأزلي يقع ضمن (جزيرة اللهب)، وإطلاق هذا الوصف على الجزيرة يستدعي صوراً فريدة عند دمجه بالمعتقدات الاخرى للفراعنة، حيث كان للمصريين تلالاً أزلية اخرى، منها تلّ عين شمس الذي يعلوه حجر مخروطي كان بداية ظاهرة المسلّات الغريبة في الحضارة الفرعونية، والتي تشترك فيها حضارات وثنية كثيرة حتى في اصقاع بعيدة جدا عن الارض الفرعونية، وتتشابه هذه الظاهرة في وجودها مع ظاهرة الاهرامات .

وفي حين كانت الرواية الإبراهيمية لظهور آدم بسيطة، كانت الرواية الفرعونية معقدة، وترى انه ظهر للمرة الاولى على شكل طائر (البنو Phoenix)، وهذه الصورة تذكّرنا بفكرة ظهور مخلوقات غريبة للسحرة والمتعاملين مع عوالم الجنّ . وَمِمَّا يلفت النظر انّ المصريين كان لهم مجموعة من التلال المشابهة في مجموعة من المدن، مما يثير تساؤلات مهمة حول حقيقة إيجادها اذا كان التل الأزلي واحداً مرتبطاً بالظهور الاول للبشر ! .

القصة الاخرى الملفتة والتي يمكن دمجها مع قصة (جزيرة اللهب) هي معركة الاله (رع حور اختي)، التي خاضها حين كان حاكماً على النوبة ضد مؤامرة حيكت ضده في مصر . انّ هذه المعركة لم تكن ضد البشر هذه المرة، بل ضد مخلوقات مختلفة تم توصيفها بما يعني الأرواح الشريرة او الآلهة الأقل رتبة، وهي بالمعنى الإبراهيمي تعني الجآن . وفيها استقلّ الملك (رع حور اختي) سفينته، يرافقه (حورس)، لكنّ حورس بعد الوصول لمصر اقلع طائراً من سفينة الملك باستخدام (قرص الشمس)، مهاجماً اعدائه من السماء، ملحقاً بهم الهزيمة حتى اضطروا الى الهروب . ثمّ يعود حورس الى سفينة الملك، حيث يمنحه (تحوت) لقب (حورس بحدتي) . ثم يتفقد (رع حور اختي) ارض المعركة برفقة الآلهة الآسيوية (عشتارت)، ولا نعلم سرّ وجود آلهة آسيوية في معركة عظيمة مفصلية في تاريخ الآلهة المصرية، لكن الذي افهمه انّ هناك تحالفاً كان بين المنطقتين لمواجهة خطر كبير تعرضت له المنطقة هدد وجودهما . وقد ظهر لاحقاً انّ حورس لم يقضِ على الأعداء تماماً، حيث عمد الفارّون منهم الى النزول الى الماء بشكل (تماسيح وأفراس نهر)، مهاجمين سفينة (رع حور اختي)، لكنّ معركة بالسلاح الأبيض نشبت بينهم، قادها حورس، انتهت بالقضاء عليهم، بعد تسللهم الى السفينة . ثم اقلع حورس باستخدام قرص الشمس مرة اخرى، ترافقه الآلهة (نخبت) التي تأخذ رمز النسر الحامي، والآلهة (وادجت) التي تأخذ رمز الأفعى، ليغيرا من جديد على الاراضي المصرية ويخضعاها لسلطة الملك (رع حور اختي) . لكن يتجدد القتال في (تحل) قرب الحدود الآسيوية، وقائد المتآمرين كان (ست)، الذي فرّ لاحقاً متخذاً شكل الثعبان، مما يكشف انه استخدم ذات تقنيات الآلهة (وادجت) . لكنّ حورس هزم الجميع، فقرر الملك مكافأته واتخاذ (قرص الشمس) كظاهرة مقدسة في جميع المعابد .

انني كإنسان معاصر أعيش تقنيات العصر الحديث سيتبادر الى ذهني عند قراءة احداث هذه المعركة تصوّر واحد لسفينة الاله الملك (رع حور اختي) و (قرص الشمس) للاله القائد (حورس) هو (حاملات الطائرات)، وربما ذلك ما يُفسر انّ الأسطورة لم يرد فيها ذكر البشر، حيث كانت الآلهة وَالْجِنُّ هما بطلاها حسب القصة المصرية القديمة .

انّ قصة معركة الطائرات هذه كان لها شبيه في عدة حضارات اخرى، مثل الحضارة الهندية حيث معركة الآلهة الكبرى (الفاميناس) في (حضارة راما) كانت سماوية او فضائية، وفي حضارة ألمايا القديمة كان هناك الاله او الملك (بكال) الذي استخدم ما يشبه الصاروخ لزيارة العالم الاخر، حيث يظهر وهو يمسك بيديه لوحة تحكم، فيما قدمه على كابس او شيء من هذا القبيل، فيما في نهاية النقش ما يشبه فوهة لخروج اللهب، والملفت للنظر انّ هذا الملك - الذي تقع حضارته في المكسيك اليوم - هو احد الذين بنوا هرماً شبيهاً لأهرام فراعنة مصر .

يرى بعض الباحثين في المصريات مثل (تشيرني) أصلاً حقيقياً لهذه الأساطير، بسبب الصراع بين اتباع حورس واتباع ست، وربما يكون ذلك مقبولاً الى حد ما، لكنّه يخالف تصوّرنا المعاصر عن بدائية العالم القديم، كما اننا لا نملك تفسيراً واضحاً لهذه الأساطير الضخمة، ولا يمكننا أيضاً ان ننفي حقيقة وجودها بعشوائية ومزاجية . لكنّ الامر الأهم هو وجود التقنيات القتالية الضخمة لدى تلك الحضارات، ودخول حضارات غير بشرية في القتال، ودموية تلك المعارك وشراستها، مما يكشف عن انهيار سكّاني واقتصادي رافق كل ذلك . وقد نقلت أسطورة اخرى هي أسطورة (دمار البشر) كيف انّ الآلهة غضبت على البشر بسبب أعمالهم السيئة، وارادت تدميرهم، لكنها لاحقاً عفت عنهم وحاولت استنقاذهم .

وقد كان المصريون يعتقدون بوجود عوالم اخرى، مثل عالم (دِت Det)، وأنّ هناك مخلوقات ترافق الآلهة وتحظى بقوى خارقة خاصة . لكنّ المصريين كانوا يعتقدون انّ الملك وحده هو من يستطيع التواصل مع الآلهة، باعتباره ابناً لها، لذلك كانت المنقوشات الاولى تظهره وحده من يبتهل الى الآلهة . ويبدو انّ سلسلة من الملوك احتفظوا بأسرار مهمة تتعلق بعلم التواصل مع العوالم الاخرى، استطاعوا من خلالها التأثير في الناس، وربما من خلال اتفاقيات سبقت هزيمة المخلوقات التي شاركت في المعارك الكبرى السابقة، تضمنت خضوعهم لارادة تلك الحضارات غير البشرية مقابل انتفاعهم بتقنيات خاصة تنتجها تلك الحضارات، اثبتت فاعليتها في خضمّ الصراع . وربما لم يكن جمهور الناس متقبّلاً لفكرة التعامل مع المخلوقات التي كانت تحارب ضد حورس وتحوت، لذلك احتفظ الملوك بأسرارهم، وحاولوا الظهور بصورة اكثر نفعاً للناس . لكن مع مرور الزمن ومع ازدياد الاضطراب الفكري تغلغلت عقائد هؤلاء الملوك في الناس، وبدأت تظهر قدرة عامة للتعامل مع تلك المخلوقات، التي أخذت صبغة وعنوان الآلهة، في فلسفة دينية جديدة مخترعة ومبتدعة . لذلك يظهر في المنقوشات الاثرية اللاحقة انّ العامة من الناس يبتهلون الى الآلهة، وليس الملوك وحدهم . ثمّ ظهرت رسومات الآلهة (القزمة)، التي هي مجموعة من الكائنات التي تتصف بصفات القزم (القزم ذو الوجه الكبير والظهر الطويل والعجز القصير) كما جاء في الأساطير اللاحقة، مثل الآلهة (بس) و (عحا) و (توريس)، لكنّ هذه الآلهة الاقزام كانت مع ذلك تستطيع ان تصل الى السماء ! . (يَٰبَنِى ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) .

وقد وردت رسومات (القرين) في الكثير من النقوش المصرية، وهي فكرة متكررة وثابتة في العقيدة المصرية، كما في منقوشة الاله (حكاو) والملك (أمنحوتب الثالث)، ولا نعرف المعنى الذي قصده المصريون من القرين، وهل هو ذاته المعنى الذي ذكره القران الكريم ( قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ) و (قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ) و (وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ) و (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ)، حيث يبدو انّ للسلوك البشري حاكمية على هذا الاختيار للقرين كما في (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ) و (وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا) .

الأديان الإبراهيمية عموماً متفقة على وجود مخلوقات غير الانسان، لكنّها خفية (جآنّ) . فقد ورد في القران الكريم سورة كاملة باسمهم، ومنها يتضح انهم كائنات عاقلة مكلّفة، تعيش ذات التساؤلات التي نعيشها، وتهتم لقضايا كثيرة نهتم لها . لكن من هذه السورة التي فيها (بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًۭا [الجزء: ٢٩ | الجن (٧٢)| الآية: ١]) نعرف انّ لهذه الكائنات القدرة على الاستماع لعالمنا، ومن خلالها نعرف انهم تواصلوا مع عالمنا باستمرار .

لكن مع ضرورة ان ندرك انّ هناك مخلوقات اخرى خلقها الله كما نصّت الأديان الإبراهيمية، وهم الملائكة، الذين هم غير الجنّ هيئة وتكليفا . حيث هم الذين جعلهم الله قوانين تتحكم في مجريات الكون، وربط وجودهم بالعرش، والعرش هو أصل كل شيء إنار بنور الله .

قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن العرش خلقه الله تعالى من أنوار أربعة: نور أحمر، منه احمرت الحمرة، ونور أخضر منه اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أبيض منه [ابيض] البياض، وهو العلم الذي حمله الله الحملة وذلك نور من عظمته، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة، بالأعمال المختلفة والأديان المشتبهة، فكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فكل شيء محمول والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا والمحيط بهما من شيء، وهو حياة كل شيء ونور كل شيء، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً) .

والعرش هو المقترن بتدبير الامر، حيث يقول تعالى (ان ربكم الله الذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والارضَ في ستةِ ايامٍ ثمّ استوى على العرش يُدبّرُ الامرَ) . وقرن الله تعالى عمل الملائكة بتدبير الامر، وقد أشار جلّ جلاله الى ذلك حين قال (فالمقسمات أمرا)، حيث قال صاحب تفسير (الميزان ( وقوله : (فالمقسمات أمرا) عطف على ما سبقه وإقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم فان امر ذي العرش بالخلق والتدبير واحد فإذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم انشعب الامر وتقسم بتقسمهم ثم اذا حمله طائفة هي دون الطائفة الاولى تقسم ثانيا بتقسمهم وهكذا حتى ينتهي الى الملائكة المباشرين للحوادث الكونية الجزئية فينقسم بانقسامها ويتكثر بتكثرها) . ويمكن ادراج قوله تعالى (فالمدبرات أمرا) في هذا المعنى، حيث ذكر صاحب الميزان انها في الملائكة ايضا، (تَنَزَّل الملائكة والروح فيها باْذن ربهم من كلّ امر) .  وَمِمَّا يؤيد هذا الدور العملي في الخلق للملائكة ان الله تعالى جعل انقضاء الامر مقرونا بهم، حيث قال تعالى (ما نُنزّلُ الملائكةَ الا بالحقِّ وما كانوا إذاً مُنظَرين)، و قال ايضا جلّ شأنه (يوم يَرَوْن الملائكةَ لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا)، و (ويوم تشقق السماءُ بالغمام ونُزّلَ الملائكةُ تنزيلا)، و (هل ينظرون الا ان يأتيهم الله في ظُلَلٍ من الغمامِ والملائكةُ وقُضِيَ الامر والى الله تُرجعُ الأمور) .

ومن لطيف التعبير القراني عن عمل الملائكة هو قوله تعالى (له مُعقّبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله إِنّ اللَّهَ لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد اللهُ بقومٍ سوءاً فلا مَردّ له وما لهم من دونه من وال)، حيث جمعت الآية ما نريد من كون الملائكة يعملون كقوانين تحفظ الانسان من الأوامر الكونية لله، طالما ارتبطت نفس الانسان بأولئك الملائكة، لكنه حين يقطع ارتباطه بهم - بمعاصيه وخروجه عن حقلهم الإيجابي - يخلّون بينه وبين تلك الأوامر الكونية .

وحين نعلم من اثار الباحثين - مثل احمد سوسة وجرجي زيدان والأستاذ كنغ والمؤرخ ماسبرو - انّ المصريين هم حصيلة لخليط من مجتمعين احدهما ساميّ هاجر الى مصر بحدود الألف الرابع قبل الميلاد يصبح القول بأصل توحيدي للعقائد المصرية أمراً منطقيا، وتكون هذه الأساطير وليدة الحضارة الآدمية العراقية بدرجة كبيرة من القبول . ويرى الأستاذ L.W.King  انّ الساميين الذين هاجروا بحدود الألف الرابع قبل الميلاد هم من نقل مصر الى العصر الحديدي، الذي عرفوا فيه الاَلات واستخداماتها .

السحر شفرة الفراعنة

يشير بعض الباحثين الى انّ مفردة (ديانة) لم تكن متميزة في المجتمع المصري، وانّ كلمة (حكا hike) التي تعني (القوى السحرية) هي الأقرب لهذا المفهوم في ذلك المجتمع . وكانت هذه القوى مقتصرة في الأدب المصري القديم على الآلهة والملك الحي، لكن نلاحظ انها في الدولة الوسطى أصبحت اكثر سرياناً في المجتمع العام، مما يعني انّ تعاليم الشفرات السحرية صارت متداولة ومتفشية ومقبولة، وذلك يستتبع انّ العقيدة التي تستند اليها انتشرت أيضاً كدين عام للدولة، من خلال ازاحة العقائد الأقرب للديانة العراقية .

لقد تضمنت نصوص الاهرامات في الدولة القديمة ونصوص الأموات في الدولة الوسطى وكتاب الموتى في الدولة الحديثة الكثير من التعاويذ والتراتيل السحرية، التي كان هدفها التواصل مع الآلهة لحماية الميّت في رحلته ضمن العالم الاخر، رغم انها كانت في الأصل مكتوبة لحماية ونفع الأحياء .

وقد اعتقد المصريون انّ الآلهة تمتلك قوى خارقة، يشاركها الملك في ذلك نتيجة لمعرفته بعالم الأسرار الماورائية . لكنّهم اعتقدوا لاحقاً انّ المتعلّمين لهذه العلوم يمكنهم تسخير قوى الآلهة لصالحهم حين يمتلكون قدرات معرفية اعلى من الآلهة المقصودة، لذلك رأوْا انّ الاله سوف يكون مسخّراً لخدمة الساحر الذي يمتلك تلك المعرفة الباطنية .

والمصريون اعتقدوا تماماً بوجود عالم اخر، غير منظور، وله وجود حقيقي، وهو فوق عالمنا الطبيعي في قدراته، ورأوا انّ التراتيل السحرية لها تأثير كبير في العالمين الطبيعي والماورائي . وآمنوا انّ (الكلمة) هو جوهر السحر، وأنها تؤثر فيما تُطلق عليه، لذلك كانوا يختارون الأسماء بعناية، ويحذرون من نطق الكلمات التي يعتقدون بأنها تجلب اللعنة .

لكن الملفت انهم في كثير من نقوشاتهم المهمة جمعوا بين (حكا) التي هي الشفرة السحرية وبين (ماعت) التي هي نواميس الكون وقوانينه، في إشارة مهمة جداً تدلّ على الترابط الوثيق بينهما، وهذا يعني - كما اعتقدتُ دائما - انّ السحر كان في نظر المصريين تصرّف بفيزياء الكون، لولوج العوالم الاخرى، والتأثير في مجريات الحوادث، وليس هوى ميتافيزيقيا أسطورية .

ورغم انّ السحر تحوّل الى طقس من طقوس العبادة في الديانة المصرية إِلَّا انّ ممارسته ومستويات تلك الممارسة تتفاوت، فالسحر لدى الملك في مستوى ارفع من السحر لدى العامة . وفي المعابد كانت التراتيل السحرية والتعامل مع الأرواح في العوالم الاخرى ترتبط بالكاهن المرتّل (xry hpt)، وهو كذلك يقوم بمعالجة الكثير من الحالات المرضية . حيث ارتبط السحر في مصر القديمة بالطب، وكان العامة يحملون التمائم الشافية او الواقية .

وقد حمل السحرة في الدولة المصرية لقب (حري تب)، بمعنى (من يقوم بالشعائر) او (الكاهن المرتل)، فيما حملوا في الفترة المتأخرة لقب (كتبة نصوص الآلهة)، مما يعني توّغل العقيدة السحرية في المجتمع الى الدرجة التي اُعتبرت فيها نصوصاً الهية .

وقد وردت اسماء العديد من السحرة الذين كانوا يلمّون بثقافة عامة ومعرفة كبيرة، مثل (ديدي) و (چاچا ام عنخ) و (مري رع)، فيما نقلت احدى البرديات شغف (واس ام عنخ) ابن (رعمسيس الثاني) بالسحر وبالأثار القديمة .

وكان الى جانب الكاهن المرتل كاهن اخر بعنوان (وعب wab)، والذي يقوم بمهام خاصة في بيت الحياة (pr-anx)، الى جانب كاتب نصوص الآلهة . وكان السحر بجزئين، احدهما شفهي، والآخر عملي . ويأخذ الاسم مركزاً محورياً في الممارسة السحرية، حيث يتمّ تدمير صاحبه من خلال تركيز الطقس على المعرفة بالاسم .

ومن الطبيعي ان تحفل أساطير حضارة تقوم على الشفرة الباطنية بالعديد من قصص السحر، وتسرد تلك الأفعال السحرية الخارقة للآلهة . ومن هذه الأساطير (إيزيس - رع) و (عقارب إيزيس) و (قصة الأخوين) .

ومن هذه القصص ما جاء في بردية (وستكار)، التي تتحدث عن مجموعة الروايات تمّ القائها بين يدي الملك (خوفو) باني الهرم الأكبر، والتي تدور حول قدرات (الكاهن المرتل) . حيث في احدى تلك الروايات تحدّث الراوي عن الساحر الكبير (چاچا ام عنخ) الذي شقّ البحيرة الى نصفين بارتفاع يصل الى عشرين ذراعاً لاستنقاذ احدى مجوهرات مرافقة الملك (سنفرو) احد ملوك الدولة القديمة . وهذه القصة تكشف حقيقة ما قام به النبي موسى عليه السلام من معجزة كانت جذورها ترتكز في العقل المصري للدلالة على الاعمال الإعجازية الكبيرة، ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ [الجزء: ١٦ | طه (٢٠)| الآية: ٧٧])، (فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍۢ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ [الجزء: ١٩ | الشعراء (٢٦)| الآية: ٦٣])، (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [الجزء: ١ | البقرة (٢)| الآية: ٥٠])، وهذه النصوص القرانية كاشفة عن ظاهرة خاصة في ذلك المجتمع الغريب عن واقعنا الحالي .

اما أسطورة (إيزيس - رع) فتكشف لنا عن أهمية معرفة اسم الحقيقي للآلهة - المفترضة -، ومن ثمّ نطقه للتمتع بمزايا خاصة يملكها ذلك الاله وحده، وقد استخدمت إيزيس ذكائها - حسب القصة - لخداع رع والاستحواذ على قدرات مشابهة لقدراته .

وفي أسطورة (عقارب إيزيس) يبدو التركيز على القدرات الشفائية للآلهة، وهي تلامس الوجدان الشعبي، وتحاول ربط الناس بالآلهة، عبر افهامهم ضرورة الاستجابة لها والاحسان اليها، ومن ثمّ الاستفادة من قدراتها وتمائمها الخاصة .

وقد ارتبطت الرسومات السحرية بديانة الشمس كثيراً كما الاثار المكتشفة، وبالتأكيد لم تكن هذه الديانة ترى في الشمس - بذاتها - إلهاً، لكنّ رمزية الشمس ربما كان لها دلالة اخرى تحتاج الى بحث، لأنّ المعتقدات المصرية كانت معقدة ولم تكن بدائية . حيث انّ ربط الأدوات والوسائل السحرية كان بربّ الشمس لا بالشمس ذاتها كما يبدو، اذ انّه في رحلته يتعرّض لمخاطر متجددة يوميا .

الامر الذي يثير التساؤل أيضاً هو ربط السحر في مصر القديمة بالرّبات الإناث، بصورة اكبر من الأرباب الذكور، كما هي الآلهات (إيزيس - نفتيس) والالهات (سخمت - حقات - سرقت - نيت) . ومع ذلك ارى انّ الترجمة التي اعتمدها الباحثون الغربيون - بفهمهم الذي يعاني إشكالاً فلسفيا - هي السبب في هذا التصوير، ففي حين كانت إيزيس ونفتيس آلهة بالمعنى الفلسفي المصري، لم تكن الآلهات (سخمت - حقات - سرقت - نيت) سوى قوى ووسائل او ظواهر فيزيائية حملت اللفظ المؤنث، وربما كانت (نيت) أيضاً لها أصل فلسفي كإيزيس .

قد يعتقد البعض – تساهلا – ان السحر لا يعدو الممارسات والصور الخادعة لاعين واذهان الناس , لكن هذا ليس هو الواقع بكل تأكيد . ان الوقائع والحوادث التي تسبب بها الممارسون للسحر على الارض تدحض كل الدعاوى الفقيرة لمن يعيشون ما تزقه عليهم دعوى التحضر والعصرنة . اما الاديان فقد اثبتت وجوده بكل تأكيد , دون استثناء , في اطار انتقاده واظهار مساوئ اللجوء اليه , وكذلك شرحت الشرائع سبل مقاومة آثاره  .

(قالَ ألقوا فلمّا ألقَوا سحَروا أعيُنَ الناسِ واسترهبوهم وجاءوا بسِحْرٍ عظيم)، وكما نلاحظ فالآية قسمت السحر الى انواع ومراتب ثلاث – وهي ذات المراتب التي اشار اليها الشهيد محمد محمد صادق الصدر في كتابه ما وراء الفقه - :

1 – سحر الاعين

2 – الاسترهاب

3 – السحر العظيم

وتتدرج المراتب تصاعديا , كما تتدرج معها تأثيراتها , فالاول ربما يكتفي بالخداع البصري , والثاني ينشأ في داخل الانسان الهدف شيئا من الخوف .

اما الثالث فهو تحكم فيزيائي بالكون , عن طريق مجموعة قواعد , كان القدماء من البشر يجهلون علتها , رغم انهم يعلمون استخدامها , لذلك ادخلوها ضمن العلوم الغريبة وسموها (السحر الاسود) , بينما اتخذتها اقوام اخرى كشرائع , فيما هي فيزياء وفق توصيفنا المعاصر , لكننا كاي طفل في الطبيعة لازلنا في بداية معارفنا . ولكن تم زق هذه القواعد الفيزيائية من قبل مخلوقات سبقتنا بحضارتها لآلاف السنين , وهي الجن .

لو عثر شخص ما في الالف الثالثة قبل الميلاد مثلا على جهاز هاتف يعمل بنظام الاندرويد ماذا ستكون ردة فعله , او انه حصل على كاميرا سوني ؟ , فهو سيدخل كل ما وجده ضمن منظومة السحر , فيما ندخلها نحن اليوم ضمن نطاق التقنية القائمة على الفيزياء , وكذلك قواعد السحر التي نجهل علتها اليوم , فربما تكون علما وتقنية في المستقبل .

ويمكننا الإحاطة ببعض أشكال وطقوس السحر إجمالاً، وهو في كثير من الأحيان اتفاق بين الساحر وشيطان، في معظم الحالات يتم تعيين ما يصل الى اتفاق بين الساحر والشيطان , والتي تتطلب من الأول ارتكاب بعض الطقوس الوثنية، سواء سرا أو علانية , والثاني يقوم بتوفير الخدمات التي يحتاجها الساحر أو إرسال شخص ما للقيام بهذه المهمة عادة . يتم تعيين اتفاق يصل بين الساحر وواحد من رؤساء قبيلة من الجن والشياطين .

ظلمات الكفر تغطي وجهه الساحر مثل سحابة سوداء. إذا كنت تتصل بالمقربين منه، سوف تكتشف أنه يعيش في البؤس النفسي مع زوجته وأولاده، وحتى مع نفسه. انه غير قادر على النوم بسلام في الليل بضمير مرتاح. يستيقظ في كثير من الأحيان حتى في حالة الهلع عدة مرات في الليل، وقد تقوم الشياطين بإيذائه شخصيا او عائلته .

لكن الملاحظ ان على الساحر دائما القيام بطقوس وثنية ولا اخلاقية او مخالفة للشرائع السماوية , مما يؤكد ان الهدف منها والذي ترتضيه الشياطين كثمن هو انحراف الانسان وتلبسه ثوب المعصية , فكثيرا ما يقوم ساحر بكتابة بعض الآيات القرآنية مع القذارة، وبعض الكتابة عليها باستخدام الحيض أداء بعض كتابتها تحت أقدامهم .

يؤكد الخبراء المختصون بالممارسات السحرية ان من أقواها السحر الفرعوني , ويليه أسهل نسبيا من الأول، ويمارس هذا في الهند على نحو مفرط. , وفي مثل هذا النوع تتم الدعوة إلى التضحية بالأشياء لآلهة مختلفة مثل bhuwani، chumari، luuna، bheron وغيرهم متفرقات. أيضا بواسطة الجواهر والإضاءة، ووضع عطور في أماكنهم .

وهناك انواع تتعلق بالسيطرة على ارواح معينة , لاهداف خاصة , سيما ما يتعلق بالارواح القوية , او يقوم السحرة احيانا بالتعاون مع الشياطين بالهجوم على بلدان محددة لاسباب دينية , كما اكد حدوث مثل ذلك بعض العارفين والروحانيين ضد العراق اليوم .

كما ان هناك انواعا سحرية تستخدم الشياطين من الجن لخلق الخمول في اشخاص معينين , ومن شأن الساحر ارسال الجن الى الشخص المستهدف، أوعز له ليستقر في دماغه وجعله منطويا على ذاته وحداني. والجن يبذل قصارى جهده لتنفيذ المهمة، وأعراض هذا السحر سوف تظهر، وفقا لنقاط القوة والضعف .

فيما هناك سحرا يستخدم الجن لغزو احلام الاشخاص , الساحر يرشد من الجن أن يظهر لشخص في كل من الحلم والواقع، في شكل حيوانات وحشية والهجوم عليه , او يسمع اصواتا لايسمعها القريبون منه . الأعراض وفقا للغاية القوة والضعف من السحر. فإنها قد تزيد إلى حد الوصول إلى الجنون، وربما يقلل أيضا إلى حد كونه مجرد الوسوسة. بعض أعراض هذا السحر الضحية تعاني كوابيس , والمريض يسمع أصواتا تتحدث اليه عندما يستيقظ، ولكن غير قادر على رؤية من أين هذه الأصوات قادمة . المريض يسمع همسا كثيرا .

وهناك سحر الفودو يأتي من القارة الافريقية وهو قاتل للغاية , يتم باستخدام الدمى والابر .

ان للسحر شرائعه وقواعده , وهي ترتبط بمنظومات الشياطين ومراتبها ومحافلها , وكل ذلك يستند ويعتمد على المسافة الحضارية الطويلة للجن وتقنياتهم العالية , والتي سبقت وجودنا بآلاف السنين , والنتيجة ان السحر علم , لكننا لازلنا نجهل الكثير من طرق الوصول اليه , ونحتاج الى عمر حضاري كعمر اقوام الجن .

ان الملفت في عالم السحر والحضارات التي تستخدمه ارتباطه بصورة الآلهة الحيوانية والرموز الهجينة، كما في حضارة مصر الفرعونية وحضارات الهند الباطنية . فيما نلاحظ انّ سحر (الفودو) الأفريقي الذي يستخدم الدمى والإبر والسكاكين للطعن هو ذاته الموجود في الرسومات المنقوشة على الاثار الفرعونية المصرية .

لقد اقرّ القران الكريم بصورة واضحة انّ القدرات الخاصة لكهنة الفراعنة كانت سحراً [ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [الجزء: ١١ | يونس (١٠)| الآية: ٨١] .

 

عقائد الدولة الفرعونية: هيرودوت كتب (انّ المصريين اكثر تقوى من سائر البشر ... ويهتمّون كل الاهتمام بالشعائر المقدّسة ...)، ومع ذلك لم تكن عقائدهم هي ذاتها في كل زمان ومكان، بل تبدّلت في احيان كثيرة، ولا أقلّ من التغيّر الذي تكشفه جهة توجيه الميّت عند دفنه التي تكشفها مقابرهم خلال عصور متعددة، حيث كانت اجساد بعض الموتى المصريين باتجاه الغرب، والبعض الاخر بالاتجاه الشمالي او الشمالي الشرقي، مما يعني التبدّل في قناعاتهم في موضوع باهمية مصائر الموتى الذي يشغل الانسان دائما.  لكن يمكن لذلك ان يكون تنوّعا مناطقيا في العقائد ايضا، وليس زمانيا ربّما، حيث اختلفت اتجاهات الدفن باختلاف المقابر .

لقد تم العثور على مجموعة من الرسوم والنقوش التي تعود لعصور ما قبل التاريخ المصرية - السابقة على عصر الأسرات الأوّل - توّثق مجموعة من المعارك والحوادث التي تشارك فيها كائنات مثل العقرب وطائر أبيس والصقر وابن آوى، وهي التي نقل التاريخ المكتوب تقديسها وتأليهها في مجمل الحضارة المصرية اللاحقة . كما تضمّنت تلك المكتشفات وجوداً للاله (مين) .

انّ العقل المعاصر يقرأ تلك الرموز بنحو من الأسطورة الحاكية عن سذاجة تلك الشعوب الاولى، لكنّ هذه القراءة المتأخرة لا تكشف السبب الواقعي لتقديس تلك المظاهر الحيوانية لاحقا، وبتركيز ومواظبة، من قبل حضارة كبيرة ومتمدنة كالحضارة المصرية، كما انها لا تفسّر وجود هذه الكائنات في منقوشات هدم قلاع المدن واحتلالها، وربّما لم يُرِد الناقش للحجر الفهم المعاصر للباحثين الغربيين، بل أراد قول شيء آخر تماما .

كما حملت المنقوشات التي يُرجّح انها تنقل احداث توحيد مصر العليا ومصر السفلى على يد الملك (مينا) رسومات لابن آوى والصقور، وفيها ايضا الاله (خنسو)، احد أعمدة ثالوث طيبة . ومن غير المفهوم استمرار واصرار المصريين على توثيق وجود الآلهة - الحيوانية الوجوه في الغالب رغم بشرية بعضها - ضمن معاركهم وحوادثهم الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بوجود الملك .

كانت الكثير من هذه الآلهة تفقد حجمها بمرور الزمن امام اله صاعد جديد، او ربما يتم دمج الهين في اله واحد، وأحياناً تكون هناك الآلهة الكبرى الحاكمة على مجموعة الأقاليم المصرية فيما تنتشر أيضاً مجاميع من الآلهة الصغيرة المساعدة، والملفت انها تعمل بانسيابية مثيرة ضمن المنظومة الكبرى للآلهة .

ربّما كان العجل الذي حمل اسم (أبيس) او (مرور) و (العجل الأبيض) و(العجل الأسود العظيم) من اهم الآلهة الواضحة التقديس في عصور الدولة المصرية القديمة، وكانت له مجموعة من الكهنة والخدم، فيما ارتبطت الآلهة (حتحور) بصورة البقرة، رغم بشريتها .

فيما كان الكبش من الصور الملفتة للآلهة الاولى للمصريين، وقد مُثّلت من خلاله الآلهة (آمون رع) و (حرشف) و (خنوم) . انّ العامل المشترك في الآلهة (الكبش) هو ارتباطها بعملية الخلق، حيث حملت بعضها لقب (خالق البشر) وبعضها (ابو الآلهة) .

كما كانت المسّلات - وهي أعمدة طويلة نسبيا - تحمل قدسية خاصة لدى قدامى المصريين، استمرت لاحقا، وقد وجدت مجموعة كبيرة منها مثل أعمدة (ايونو) و (بنبن) و (جد) . ورغم انّ الباحثين الآثاريين عاجزون عن تفسير أصل قداستها الا انّ المصريين ربطوها بشكل غامض بالآلهة ذاتها، كما في عمود مدينة القوصية الذي ارتبط بالآلهة (حتحور) . والذي أراه مناسباً انّ هذه الأعمدة لم تكن هي بذاتها مقدسة، بل كانت عبارة عن وسائل مفترضة للتواصل مع الآلهة، لذلك أخذت قدسيتها من قدسية علم الآلهة ذاته .

والصولجانات اليدوية كانت مشابهة لقدسيتها - كواسطة لعبور قوى الآلهة - بحال المسلّات، فكان هناك مثلاً الصولجان (سخم)، الذي يعني (القوة)، وكان يرمز للسلطة وقوة الآلهة . وقد كان للآلهة ذاتها صولجانات، لا نعرف مغزى واضح لحملها من قبلها مع كونها آلهة لا تحتاج في فعلها للصولجان، لكن يبدو انّ هناك تفسيراً مصرياً لم يصلنا حول حقيقة استخدامها في العالمين البشري والخارق . وقد ارتبط احد هذه الصولجانات بالإله الكبير (اوزيريس)، مما يعني عناية خاصة لهذا الصولجان .

لكن الامر الأكثر اثارة فهو ورود مصطلح (دواور) الذي ترجمه بعض الغربيين بمعنى (المنتمي العظيم للفجر)، لكنّه اليوم يُترجم - بكلّ بساطة ووضوح - الى كلمة (متنوّر)، ومنه طائفة (المتنوّرين) المنتشرة في عالمنا . وقد ارتبط المصطلح باحتفالات مقدّسة غامضة، كما في عصر الملك (جت)، كان المتنوّر فيها يضع (لحية) صناعية .

نظرية الخلق والآلهة المصرية

يبدو انّ المصريين القدماء كانوا يعتقدون بعقيدة التوحيد ذاتها التي اعتقد بها الانسان السومري الاول، حيث (نُون)، (القديم)، (اللانهائي)، (العمق العظيم)، والوصفان الأخيران ليسا الا بمعنى (السرمدي)، وهو ذات المعنى المستخدم لوصف الاله الإبراهيمي . وهنا من الغريب إدِّعاء باحث مثل (ياروسلاف تشيرني) انّ ذلك يعني إيمان قدماء المصريين بالفوضى ! .

و (آتوم) عنى به المصريون القدماء (الكامل، المطلق، الموجود بذاته، الأزلي، الأقدم، المتفرد، الأوحد)، وربما يكون هو ذاته المخلوق الاول ل (نُون)، لكن نجد انّ هذا التقريب بين المصطلحين يكون بعيداً عن ذهنية الباحث الغربي في الغالب، لافتقاده للخلفية الفلسفية الشرقية العميقة . ثمّ أوجد (أتوم) - بنفخة منه - (شو) و (وتفنوت)، وهما وصفان للطبيعة بحسب الباحثين، وان حملهما الباحثون الغربيون - كالعادة - على محمل الآلهة . وهذا الإشكال في الحمل الخاطئ قد عانت منه الترجمات الغربية للعقائد السومرية ايضا، كما صوّروا كلمة (دنجير) بمعنى الاله، فيما لم يقصد بها السومريون سوى القداسة . وهذا الاشكال ناتج عن الخلفية الوثنية او المادية للمجتمعات الغربية . لكن يبقى هناك احتمال كبير ان يكون (شو) أيضاً مظهراً آخراً ل (نُون) و (أتوم)، حيث هو اسم التجليّ من خلال الآيات الطبيعية، حين خلق السماوات والأرض وملأ ما بينهما بآياته، لا سيما ان اللاهوت المصري وصف (شو) باللامرئي وأنّ الابصار لا تدركه . ومن الغريب ايضا ان يحيل الباحثون هذه المعاني الى الرؤية اللاهوتية التثليثية الاقانيمية للمسيحية الرومانية، وجعلهما متطابقتين ! .

كانت هناك على الدوام في مصر آلهة رئيسة وآلهة ثانوية، وكانتا يشكّلان منظومة واحدة، وانا لا اذهب الى الفهم الذي نتج عن بعض الآثاريين لتفسير ظاهرة دمج الآلهة الثانوية بآلهة اكبر كنتيجة لصراع سياسي او مناطقي، لأنّ الكثير من تلك الآلهة الثانوية ظلت مقدسة ومحترمة حتى لدى المنتصر والغالب، إنَّما كان السلوك هذا لدى المصريين يقوم على أساس المعتقد المصري ذاته، الذي يؤمن بوجود عالم اخر، تسكنه كائنات خفيّة، مترتبة بصورة طبقية، لذلك كان فيها من هو ذو نفوذ في عالمه وبالتالي في عالمنا ايضا، وكان هناك من هو أقلّ شأناً، لكنّه كان قادرًا على التواصل مع مناطق محددة، لا تهدد نفوذ الكائن ذي النفوذ، وبالتالي ليس من الغريب ان يتم دمج هذه الآلهة والربط بينها .

ومن الطبيعي انّ الانحراف في الفكر الديني المصري بدأ ينتشر خلال فترات زمنية متباعدة، كما هو الحال مع الانحراف في المجتمعات التوحيدية العراقية، لكنّ شيئاً ظهر فجأ ذهب بالدِّين المصري بعيدا، فانغمس كليًّا في منهج الظلموت . والواضح من الاستعراض التاريخي للعقائد في مصر انّ هناك تعمّداً في دمج نظرية الخلق الاولى - التوحيدية ربما - مع قصص وأساطير اخرى، لخلط الأوراق وإشباع صور الشخصيات والحوادث فيها بألوان جديدة تناسب ذلك الظهور المفاجئ . وسيأتي لاحقاً بعض ملامح هذا الدمج، وسيتبين لماذا نعتقد بذلك .

انّ النتيجة المباشرة لهذا الخلط العقائدي الغريب وتشوّه الأفكار بمرور الزمن هي ظهور مفهوم الآلهة المادية، المرتبطة بالماورائيات، ذات القدرات الخارقة، يصحب ذلك الكثير من الطقوس والسلوكيات الناشئة عن تلك الاعتقادات، والتي تتطور مع الزمن بنحو اكثر تعقيدا .

يمكننا تقسيم الآلهة المصرية في فترة الظلموت - التي اعقبت الفترة الشبيهة بالتوحيدية - الى مستويين، آلهة رئيسة، وآلهة ثانوية او محلية . وربما اندمجت الآلهة المحلية مع الرئيسة في فترة من الفترات لإنتاج اله جديد رئيس .

يمكننا القول انّ واحداً من اقدم الآلهة المصرية التي تعود لعصر ما قبل الأسرات هو الاله (مين)، الذي يتم تصويره على شكل رجل منتصب يرتدي رداء ضيّقاً ويرفع احدى يديه بالسوط ويخفي الاخرى تحت ردائه .

من الآلهة الرئيسة (آمون) الخفي، ومعبود الدولة الحديثة، والذي يتم دمجه عادة بآلهة رئيسة اخرى، و (رع) وهو اهم الآلهة المصرية وأشهرها ورئيس مجمعها التاسوعي، والمسافر الدائم على مركب الآلهة، الذين اندمجا لاحقاً في الاله (آمون - رع) . وهناك أيضاً الاله (حورس) البعيد، الذي اشتهر في الأسطورة المصرية الكبرى (اوزيريس وست وإيزيس) كابن لاوزيريس وإيزيس، والمنتقم من عمه ست . والإله (اوزيريس) حاكم عالم الموتى، و الرمز الكبير لضحايا الحسد، والذي قتله اخوه ست، واراد أخذ زوجته (اختهما معا) . والإله (بتاح) رب الصناعات والفنون او خالقهما . والإله (ست) رمز الشر لانه قتل اخاه اوزيريس، لكنه المقدس ضمن التاسوع الالهي .

وربما كانت هذه الآلهة تظهر في مناطق متعددة، لتحمل عناوين متعددة، رغم وحدة الظهور، مثل ظهور (ست) بصورة (آشو) . وأحيانا يكون الاله هو ابن لأحد الآلهة الكبار، فيأخذ أهميته من ذلك البعد النسبي والقوة التي يملكها ايضا، كما هو الاله (أنوبيس) .

او انّ الآلهة تكون زوجة لأحد الآلهة، وهي ذاتها تكون مهمة ايضا، كالآلهة (إيزيس)، زوجة الاله (اوزيريس)، وأم الاله (حورس)، والتي انتشرت عبادتها في أوربا بصورة كبيرة في العهد اليوناني الروماني .

وهناك ما ارى انها عناوين لقوى مقدسة، لا انها اسماء لآلهة، وهذا ما تحويه الهالة التقديسية الخاصة بها كالعنوان (سخمت)، والعنوان (أبيس)، و (سرقت)، و (سكر/ سوكر)، و (يوسعاس)، ربما كانت وسائط عمل الآلهة بايّ صورة كانت، وربما هي مجموعة من الآلهة الفرعية العاملة تحت نظر الآلهة الكبرى . وهناك احتمال اخر أتبناه ان تكون هذه العناوين تشير الى وسائل تكنولوجية، أُستخدمت من قبل هذه الآلهة المفترضة، مما ابهر المصريين ونفعهم ايضا .

او تكون تلك الآلهة في الواقع ليست سوى بشر مقدّس لدى المصريين، كانت له إنجازات او خوارق، او ربما اخطأ الباحثون في ترجمة رؤية المصريين لقدسيته، كما هو الاله (إيمحتب)، الذي كان مهندساً معمارياً للملك (زوسر) . وعلى هذا الواقع يمكن احتمال وجود اله بشري اخر هو (ددون)، الشاب الصعيدي الذي يحمل البخور .

وبعض الآلهة كان يوصف بانه رسول الآلهة كالاله (تحوت)، مما يعني انه ليس إلهاً بالمعنى الفلسفي، ومع ذلك تم وصفه بانه رب الكتابة، وهذا ما يشير الى معنى اخر يرتبط بتكنولوجيا تواصل الآلهة مع المصريين، لا سيما انه ارتبط بالقمر، وبه ارتبطت الآلهة (سشات) آلهة المعرفة والكتابة . ويشبه (تحوت) اله اخر هو (خنسو)، او (الهائم على وجهه) كما ترجمه المتخصصون، والذي لا يعني اكثر من (المسافر) بلغتنا الحديثة، وعلاقته دائمة مع (آمون) وحركته، وتم ربطه بالقمر ايضا، مما يعني انّ الآلهة الرسولية او الناقلة كان يتم الإشارة اليها برمز القمر، او الشمس كما حدث مع الاله الكبير (رع) .

وأحيانا لم تكن تلك الآلهة المفترضة سوى وصف لحالة مكانية او زمانية، ارتبطت لدى المصريين بمعاني بُعدية محددة، كالاله (جب) اله الارض، والآلهة (نوت) آلهة السماء، الذين اعتبر الباحثون انّ المصريين قالوا بزواجهما، وهو امر مستبعد اذا فكّرنا بعقل المصري ذاته، لكن ربما كان المصريون يعتقدون بارتباط هاتين الحالتين بعلاقة ما، منتجة لعلاقات اخرى .

وقد نفهم بعض تلك الآلهة على نحو مخالف لما هو شائع، كالآلة (حتحور)، التي تعني (بيت / مقر حورس)، والتي اعتبرها بعض الباحثين زوجته، فيما ترجمة اسمها قد تعني وسيلة انتقاله، او مقر قيادته فقط، خصوصاً انها ذاتها تُسمى (عين رع)، وأنها القوة التي دمّرت اعدائه .

وبعض تلك الآلهة ليست الا مسميات لحالات تواصل الآلهة وأوامرها، كالآلهة (حكا) و (حو) و (سيا)، التي تصاحب مركب الاله، وتعبّر عن حالات مثل النطق والسحر، والأخير ربما ليس اكثر من وصف لتقنيات تلك الآلهة .

أمّا اله مثل (خنوم) فيبدو محيراً للباحث، حيث يعني اسمه (الخالق)، وفي ظلّ وجود آلهة خالقة ك (نُون) و (أتوم) و (شو) يكون وجوده مستقلّاً أمراً غير مستساغ و غير متوافق مع المنطق العقلي، لذلك يمكن ان يكون وصفاً آخراً لإله اخر . وعلى ذلك نحمل الثنائي الاخر في ثالوث (خنوم) المتمثل بالالهتين (ساتت) و (عنقت) .

فيما هناك آلهة مستوردة ووافدة من اسيا او غيرها، كالالهة (رشبو) و (بعل) و (سبد) و (عشتارت) و (عنات) و (قادش) . وآلهة اخرى ارتبطت بمعاني الزمن او المواسم، مثل الآلهة (رنبت) المرتبطة بالسنة، والآلهة (رننوت) المرتبطة بالقدر، ويشابهها الاله (شاي)، والآلهة (رننوتت) المرتبطة بالحصاد .

وكانت هناك أيضاً آلهة لوصف فلسفة النظام الكوني، وتثبيت العدالة والحق والنظام كمقدس حاكم على الوجود الكوني والتشريعي، مثل الآلهة (ماعت)، التي تصف الأساس الذي خُلق عليه العالم .

انّ ارتباط آلهة مثل (رع) وهو اله رئيس مسافر دائماً مع آلهة اخرى تجسيدية رمزية مثل (حكا) التي ترمز للسحر - او الفيزياء بالمصطلح الحديث - و (سيا) التي تشير للذكاء والمعرفة و (حو) التي تجسّد الأوامر الصوتية للاله يعطي معنى اخر لفهم حقيقة الآلهة الفرعونية، ويدفعنا بعيداً عن الفهم المُتكلَّف والساذج للباحثين الغربيين . فهنا يبدو واضحاً ان المصريين كانوا يتحدثون عن ظواهر ذكية ابهرتهم، ويصفون مظاهرها بمصطلحات عديدة .

وكانت هناك آلهة من نوع خاص، احتفظت بهيبة ناتجة عن خوف المصريين منها، مثل الاله (مونتو) اله الحرب وحامي الملك، والإله (نحب كاو) الذي يتم تصويره كثعبان برأسين وجسد بشري، يرافق الاله (رع) في قاربه كحارس له . وكذلك هناك الآلهة المرعبة (نيت)، وهي حامية للملك ايضا، واحدى بنات (رع) . ومن آلهات السحر (ورت حكاو) .

ولعلّ الملفت في تصوير النقوش المصرية للآلهة تعدد مظاهرها وغلبة الصفة الحيوانية عليها . لقد استخدم المصريون أشكال العجل والثعبان وابن اوى وطائر إبيس والصقر والاسد وغيرها كثير، وكذلك استخدموا الشمس والنجوم والقمر .

لكن الملفت هو ظهور الآلهة بصورة هجينة، تجمع بين رأس حيواني وجسد بشري، وليس من الواضح الحكمة من ذلك اذا اعتمدنا الفهم العام المتداول لتفسير اعتقادات وأساطير الشعوب، لكنّ الأخذ بما يُنقل عن ظهور كائنات بهذه الصورة الهجينة للعاملين بالسحر في عصرنا الحالي يعطي تفسيراً اكثر وضوحا .

وكذلك يلفّ الغموض انتشار رمزية (قرص الشمس) فوق رؤوس الآلهة، واستخدام القبعات الطويلة او ذات القرون من قبل اغلب الآلهة، فتلك التفسيرات الاحتمالية المتداولة - بحسب ما اطلعت عليه - ليست الا فهمًا معاصراً لسلوك قديم له فلسفته الخاصة .

الآلهة البشرية والحضارة القابيلية

اذا اعتبرنا اتفاقاً مع المنهج الفلسفي العقلي انّ الاله (نُون) هو الذي أفاض الحياة وكان وجوداً متفرداً، سيكون لزاماً علينا اعتبار (أتوم) هو المخلوق الاول، الذي ظهر على التل الأزلي (تاتنن) . ومن (أتوم) ظهرت باقي الآلهة او المخلوقات . انّ هذا المعنى يقابله في الخطّ الديني الرسولي العام المخلوق الاول (آدم) . وقد ربط بعض الباحثين بينهما فعلاً كما ذكر ياروسلاف تشيرني، باعتبار انّ (آتوم) هو لهجة مصرية عن (آدم)، وكذلك اسم (آتوم) في اللغة المصرية القديمة أخذ معنى (الكامل)، وربما هو ما يشير الى فكرة الاصطفاء التي جائت في القران الكريم لآدم واختياره (انّ اللَّهَ اصطفى آدم)، وهو كذلك يشير الى معنى وجود انواع اخرى من البشر أقلّ اكتمالا من آدم، لذلك تمّ اختياره دونهم لاصطفائه بالرسالة الإصلاحية واستعمار الارض، وتم زقّه بالعلوم والمعرفة، فكان هو مصدر الفيض المعلوماتي لبني الانسان، فربطته الأسطورة المصرية بالإله مباشرة .

وقد وصفت الادبيات المصرية القديمة (آتوم) بالاوحد والأقدم والذي أتى الى الوجود بنفسه، كذلك أطلقت عليه (سيد الجميع) . وفي تاسوع (هليوبولس - منف) كان (آتوم) هو اللسان والقلب، حيث كانت بداية الخلق من اللسان والقلب، ومظهر ذلك الخلق كان الإلهين (حورس) و (تحوت) . وأنّ (آتوم) كان هو من نطق الأسماء الاولى للاشياء . وهذا المعنى الأخير ورد في النص القراني كذلك (وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ) .

انّ (تحوت) الذي هو مظهر من مظاهر (آتوم) يقابله في الادبيات الإبراهيمية (إدريس) عليه السلام، حيث أعطت الأساطير المصرية له ذات الخصائص التي تم اعطائها لإدريس في العقيدة الإبراهيمية . لقد جاء في المصريات القديمة انّ (تحوت) كان اله (الحكمة والمعرفة) و (العارف) و (المتمرس بالمعرفة)، كما وصفته ب (سيد السحر) و (المجلل بالأسرار)، وهذان الوصفان الأخيران ربما كانا تلخيصاً للعلوم التي زقّها ادريس في عصره دون ان يكون لها سابق فاخذت معنى غامضا . كما وصفت الأسطورة المصرية (تحوت) بانه مخترع الكتابة وواضع القوانين وكذلك الناموس التقليدي للكتب المقدسة . انّ هذا الوصف لتحوت قابله في النص الإبراهيمي الوصف الخاص بإدريس، حيث جاء ما مضمونه (انّ ادريس اولّ مَن خطَّ بالقلم)، كما نقل صاحب بحار الأنوار، الذي أضاف انّ اليونان يسمونه (هرمس الحكيم)، وما يؤيد كلام صاحب البحار انّ الإغريق أطلقوا اسم ألههم على مدينة (الاشمونين) التي تمّ فيها تقديس (تحوت) فسمّوها (هرموبوليس) .  وقد وجدتُ شخصيا لهرمس كتاباً فيه حكمته وعقيدته وفلسفته، حيث أخذت أثراً من عقائد الماضين على مختلف اصقاعهم كما آورد صاحب كتاب (متون هرمس) . كما أشار صاحب بحار الأنوار - ومصادر اخرى - انّ اسم ادريس أيضاً (اخنوخ)، وقد وجدتُ لاخنوخ قصصا وأساطير في عقائد تاريخية عديدة . وينقل العلامة المجلسي عن السيد ابن طاووس انه قال : (وجدت في كتاب مفرد في وقف المشهد المسمى بالطاهر بالكوفة عليه مكتوب (سنن ادريس) عليه السلام وهو بخط عيسى نقله من السرياني الى العربي عن ابراهيم بن هلال الصابئ الكاتب ...) . وجاء ايضا (مسجد السهلة بيت ادريس عليه السلام الذي كان يخيط فيه) .

ومن ملاحظة هذه الإيرادات جميعا نستشف وجه تقديس ادريس عليه السلام - بمختلف مسمياته - لدى شعوب الارض، فهو من علّمهم الخط، وكذلك من زقّ المعرفة والعلوم . ويمكننا بعد ذلك حلّ الإشكال التاريخي بين مصر والعراق حول الذي كتب الحرف الاول، فكلا الشعبين يريان انّ (ادريس / تحوت / هرمس / اخنوخ) هو من فعل ذلك .

ومن قصة تحوت يمكننا ان نلج الى ما يدعم الرأي القائل بأنّ (آتوم) هو ذاته (آدم) حيث التشابه العجيب بين قصة ابني آدم التي أوردتها الأديان الإبراهيمية وبين أسطورة اوزيريس وست الإلهية المصرية . فقد ورد في القران الكريم (۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ) . فيما جاء في أسطورة (اوزيريس وإيزيس) المصرية ما مضمونه (انّ اوزيريس كان يحكم في سالف الزمان على الارض، ونشر في أرجائها أعماله الخيرة، لكن شقيقه ست دبّر له مؤامرة واغتاله خلسة . وبعد ذلك جمعت اختاه إيزيس ونفتيس اشلائه من المواقع التي وجدت فيها، واستطاع ان يُمنح قوة التناسل بمفعول السحر الذي برعت فيه إيزيس . وكان من نتائج هذا السحر ان حملت منه إيزيس وانجبت له ابنهما الاله حورس، الذي هربت به خوفاً من عمه الاله ست وشروره . حتى كبر وأصبح قوياً كفاية، فانتقم لأبيه بمساعدة أمه، فحكم مكانه . وقد خاض حورس مع عمه معارك عنيفة جداً) .

انّ الأصل المشترك للقصتين يمكن فهمه من معرفة انّ الوسيط الذي أنهى هذا الصراع الكبير هو الاله (تحوت / ادريس)، بحكمته عمد الى تهدئة النزاع بين الإلهين المتقاتلين (حورس وست)، وهو كذلك من شافى عين حورس لتعود بارئة .

ولفهم اكبر يمكننا تلخيص مجمل القصة بالمعنى الذي أورده السيد سامي البدري - ذلك الباحث الفذ - عن نشوء الحضارة القابيلية قبالة الحضارة الآدمية الشيتية . حيث انّ (قابيل) و (شيت) في الموروث الإبراهيمي هما ابنا آدم ابي البشر، وقد كان قابيل (يقابل ست في الموروث المصري) قد قام بقتل أخيه هابيل (يقابل اوزيريس)، وكان شيت الابن الاخر لآدم، والذي يقابله في الأسطورة المصرية (حورس) . انّ قابيل بعد قتله لاخيه لم يعد له مكان في الجماعة الصالحة الآدمية، لذلك انتقل لتأسيس جماعة خاصة به، وهو على كونه ابناً لآدم وقد أخذ من علومه لكنّه حمل بذرة الانحراف بعد مقتل أخيه، الذي أنشئه الحسد والأنانية، فكان من المنطقي قيام حضارة قابيلية تجمع بين مظاهر التوحيد الآدمية وبين نتائج الانحراف النفسية لقابيل، فبدأت أولى الحضارات المنحرفة العقيدة . وقد كانت هذه الفرصة ذهبية لاختراق عالم الادميين من قبل حضارات وجماعات اخرى ظاهرة او خفية، متقدمة علمياً او بدائية، فبدأ قيام الحضارة الدينية العكسية، التي تجمع بين الموروث القابيلي والموروث البدائي والموروث غير البشري، فكان ما أنتجته خليطاً عجيباً وملوثاً، ومن الطبيعي ظهور الطقوس المبتدعة والصفات المغلوطة للاله . في المقابل كانت هناك الحضارة النقية الآدمية التي يقودها شيت، والتي ارادت دفع الحضارة القابيلية بعيداً للوقاية من شرورها، فنشأ الصراع الحضاري الكبير والعنيف بينهما، حيث ارادت الحضارة القابيلية أيضاً السيطرة وفرض معتقداتها، وطمس الجرح الكبير في مسيرة الادميين الذي أوجدته فعلة قابيل بقتل أخيه . وقد استمرّ الصراع كما يبدو طويلاً، وبصورة عنيفة، حتى ظهر (ادريس) وعمل على إيقافه وتهدئة قادته، من خلال حكمته، ولأنه كان يحمل هدفاً أسمى في توحيد البشرية وتهذيبها، لذلك تجاوز قساوة المجتمع القابيلي، رغم انه شخصياً كان جزءاً من المجتمع الشيتي الآدمي . وقد جاء في الأسطورة المصرية انّ تحوت كان كاتب الآلهة الذي يستشيرها في الحكم بين المتصارعين على العرش، لكنّه كان ينحاز دائماً الى جانب الحق حيث (حورس) . وَمِمَّا يؤيد هذا الاختيار انّ (الهكسوس) - وهم من أصل عراقي - وحّدوا بين (ست) وإلههم (سوتخ)، حيث أقاموا له المقابر في مدينة (اواريس)، وصاروا يستخدمون الاسمين للدلالة على مقصود واحد .

انّ الرؤية الدينية الإبراهيمية تثبت دائماً وجود مخلوقات بُعدية في عوالم اخرى خفية، لذلك حملت عنوان (الجآن) بمعنى المخفي او المراوغ، يقودها كائن ذو قدرات خاصة اسمه (ابليس)، ولقبه (الشيطان)، وهو اول أعداء آدم بعد اصطفائه، بسبب الانانية والحسد ايضا . لذلك كان من الطبيعي استغلال هذه المخلوقات للمجتمع القابيلي البدائي، وفتح الصراع من جديد مع المجتمع الآدمي، فكان هناك تبادل نفعي بين الحضارتين القابيلية والابليسية، حيث قابيل يفتقد الى الدعم الذي حظي به المجتمع الآدمي سماوياً بعد انشقاقه وانسلاخه .

لكن كان من الطبيعي جداً ان تسعى الحضارة القابيلية لتحسين الصورة السيئة لمؤسسها (قابيل) وجعله محترماً كبقية اخوته، لذلك تمّ ادخال (قابيل / ست) كاله في مجمع الآلهة المصرية، وكذلك في مجامع آلهة لشعوب مختلفة اخرى، بعد انتشار هذه الحضارة في عموم الارض، من هنا كانت أسطورة (اوزيريس وإيزيس وحورس وست) نسخة معدّلة عن قصة ابني آدم الإبراهيمية، لتحسين صورة (قابيل / ست) في الذاكرة البشرية .

انّ المجتمع المصري القديم ربما لا يشترك شكلاً مع المجتمع الآدمي العراقي - الملامح الشرق اوسطية -، حيث تظهر المومياوات جنساً يجمع الى حد كبير من حيث الهيئة بين الميديترانية المتوسطية وبين النوبية الجنوبية، قد أخذ المعرفة عن المجتمع الآدمي الشيتي، او انه اختلط بالمجتمع القابيلي .

تبين لنا في  الجزء الأول من هذه الدراسة أن الحضارات القديمة، أنتجت أديانها الخاصة بها، ولهذه الحقيقة دلالة عميقة ومؤثرة على حياتنا لأن ثقل الماضي على الحاضر أمر لا مراء منه ولا جدال في أن الحاضر ما هو إلا تراكم للماضي، الذي  إن تمكنا من فك طلاسمه وأسراره وسبر أغواره وفتح شيفرته ورموزه، سيتكون عندنا سبيل مهم لتلمس طريق المعرفة، علماً بأن المنهجية المعرفية  الوحيدة المقبولة والمعترف بها هي تلك المبنية على التجربة والنقد والتقدم العلمي واستبعاد كل معرفة ماورائية غيبية مغلفة بالخرافة، كما ولا بد من التصدي  لكل من يقف حجر عثرة من المدعين بأنهم يدافعون عن المعرفة الإلهية  أو الحفاظ على المصدر الإلهي للمعرفة، لأن فضحهم سيكشف زيف وسطحية وسخافة المعطيات التي يتشبثون بها  والتي كانت تعتبر مقدسة كما كانوا يريدون إقناع شعوب الأرض بذلك، ولقد نجحوا في نشر جرثومة، أو فيروس التقديس في صلب الكثير من الشعوب والحضارات التي كانت متألقة ومقرونة بالقوة والعنف والجبروت رغم أنها كانت تستسلم بدعة إلى الخرافات والأساطير والقيم الفكرية القديمة المهيمنة آنذاك، و التي عفى عليها الزمن اليوم. فآفة البشرية هي التقديس والقداسة والمقدس للأشخاص والأحداث، وإن كل مظهر من مظاهر المقدس إن هو إلا محصلة، وكل طقس، وكل أسطورة، وكل معتقد إن هو إلا صورة إلهية ماورائية وغيبية تعكس تجربة المقدس كما أشار إلى ذلك عالم ومؤرخ الأديان الشهير إليا ميرساد  في كتابه الموسوعي" تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية". وكان العديد من الفلاسفة قد سلكوا طريق الدين واللاهوت للوصول إلى الفلسفة كهيجل وفيورباخ وغيرهم، فكان الدين  دائماً وظيفة جوهرية وأبدية للروح الإنسانية. وكان فيورباخ، على سبيل المثال يقول في محاضراته عن جوهر الدين:" لقد كان شغلي دائماً وقبل كل شيء أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العلم حتى يمكن للإنسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري" ويقصد بها هنا المؤسسات الدينية وطبقة الأكليروس ورجال الدين والكهنة التي تريد التحكم بــ، والسيطرة على، الجنس البشري وتسيره وفق أهدافها ومصالحها وأهواءها للحفاظ على سلطتها بإسم الدين. وكان السلاح بيد المفكرين والفلاسفة ورجال الدين المتنورين والمتمردين على المؤسسة الدينية وظلاميتها، هو الفلسفة في باديء الأمر والعلم فيما بعد، ابتداءاً من القرن السابع عشر. إذن كان الدين سلاحاً بيد القائمين عليه وحراسه الدنيويون لقهر الشعوب وتجهليها وإخضاعها بإسم الإرادة الربانية العليا. ولكن كيف نشأ التفكير والشعور الديني؟ وماهي الأديان الأولى  للبشرية البدائية؟ كيف ظهرت مفاهيم المقدس والقداسة والأضاحي والقرابين والخلاص والمخلص والتضحية والفادي والفداء والخطيئة والشعائر والطقوس والعبادات وطبقة رجال الدين؟ وكيف انتقلت البشرية الأولى من عبادة الآلهة المتعددة إلى عبادة الإله الواحد؟ ولماذا ارتبط العنف بالمقدس؟ ولماذا تعددت الأديان بدلاً من دين واحد إذا كان منبعها مصدراً واحداً هو الله؟ وماهي نقاط الاشتراك والتقارب ونقاط الاختلاف والتباعد بين الأديان ومؤسسيها. وأخيراً هل سيقع تصادم وصراع حضاري بين الأديان؟ سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات في سياق هذه الدراسة مستندين في ذلك على كل ما يتوفر لدينا من معطيات ووثائق ومصادر علمية وتاريخية موثوقة. تخبرنا الاكتشافات الآركيويولجية الحديثة وعلماء الأنثروبولوجيا الكبار أن التجمعات البشرية البدائية  كانت تمارس نوعاً من العلاقة الغامضة مع قوى وأرواح خفية غير مرئية تخيلتها وهي تسيير وتتحكم بالطبيعة وتلاحقها بالموت لا سيما في مرحلة إنسان الكرومانيون Cro-Magnons، وحقبة الهوموسابيان أو الإنسان الواعيHomo sapiens،حيث كان البشر في تلك الفترة يعيشون تحت رحمة الطبيعة وتقلباتها المناخية وظواهرها الطبيعية الغامضة بالنسبة لهم وكانوا مرعوبين من لغز الموت وما بعد الموت ومأساة الفراق. وكانوا يدفنون مع موتاهم أدوات وأغذية لاعتقادهم أن موتاهم سيواصلون رحلة الحياة ولكن بطريقة أخرى بعد الموت،  وبالتالي كان ما في داخل تلك القبور التي يعود تاريخها إلى أكثر من مائة ألف سنة، أول مظاهر لحظات التدين لدى الإنسان البدائي قبل ظهور الأديان المنظمة والمبرمجة. وكانوا يرسمون عالمهم وما يحيط بهم من مخلوقات وحيوانات على جدران الكهوف التي تأويهم، لا سيما في عصر  الصيد والتقاط مايوجد في الطبيعة Chasseurs – Cueilleurs، وفيما بعد في العصر الحجري paléolithique حيث كان هناك مايشبه التدين العفوي  الفطري، يشبه طقوس الشامان والديانة الشامانية، وهي ديانة تقديس الطبيعة الحية المتطورة التي تمتلك القدرة والوعي وتتحكم بحياة الإنسان البدائي. وما تزال بقايا تلك الاعتقادات موجودة لدى الشعوب البدائية الأصلية في استراليا قبل دخول الإنسان العصري الأبيض إليها واستعمارها وكذلك في سبيريا وغابات الآمازون وأعماق أفريقيا. كان إنسان تلك الفترة يريد أن يضفي ملمحاً جوهرياً لعالم خفي غير مرئي ومجهول لا يعرف عنه شيئاً . كان هناك شعور مبهم لدى إنسان العصر الحجري لا يمكن اعتباره ديناً ذو طقوس وشعائر  وأساطير وخرافات ومعجزات كما نلمسه اليوم، بل مجرد معتقدات مبنية على مسلمة واحدة هي محاولة إنقاذ الروح ووجود أرواح للطبيعة يحاول ذلك الإنسان البدائي أن يتفاوض معها ويتقرب إليها باعتبارها المسبب الخارق، أو ما فوق- طبيعي، للأحداث الطبيعية وهذا ما نصفه علمياً أو أكاديمياً، بالديانة الشامانية le chamanisme. هناك أطروحة تقول أن الأصل الأفريقي هو الذي انحدرت منه كافة التشعبات والأعراق البشرية الأخرى ولذا فهي تتحلى بذاكرة جمعية نجمت عنها كافة  الميثولوجيات اللاحقة، فكل دين  موجود اليوم له جذر يعود لدين أولي بدائي انتشر بفعل الهجرة والتنقل الدائم بحثاً عن الماء والكلأ عندما كانت اليابسة متصلة، سيما في حقبة  الهومو هابيليس  Homo habilis أي الإنسان الماهر حيث تمكن بعد مليوني سنة من صقل الحجر والصوان وصناعة الأدوات والأسلحة البدائية التي تساعده في الصيد، أما موجة الهجرة الكبرى فقد حدثت في حقبة الإنسان المنتصب Homo erectus قبل ستمائة ألف سنة وعنه نشأ الإنسان الذي يعرف أو الإنسان الواعي  الذي انحدرنا نحن منه . وكان عالم اللغويات الألماني فلهيلم شميد Wilhelm Schmidt 1868-1954، قد أكد في كتابه المعنون" أصل فكرة الله L’origine de l’idée de Dieu" الصادر عام 1912، أن التوحيد هو الفكر الديني الأولي لدى الشعوب البدائية حيث استنتج ذلك من خلال معايشته لقبائل بدائية تعيش في جنوب شرقي آسيا لفترة طويلة وتعلم لغاتهم وعاداتهم وتراثهم الشفوي، لكنه رأي متحيز بقدر كونه قاطع، ولو بدون دليل علمي، إذ لم يكن سوى استنتاج مبني على الملاحظة والمعايشة اليومية لأنه كان مبشراً دينياً كاثوليكياً في نفس الوقت. إلا أن ذلك الإله الواحد، صار يبتعد تدريجياً مع مرور الوقت كما ابتعدت الآله’ آن An، أكبر الآلهة السومرية في حضارة وادي الرافدين كما تخبرنا أسطورة رافدينية قديمة بذلك. ومن ثم نشوء مفهوم المقدس الأصلي numineux الذي تطرق له عالم الأديان الشهير ميرسيا إلياد Mirciea Eliade في كتابه المقدس والمدنس Le Sacré et le Profane. لنعد  مرة أخرى للتسلسل التاريخي  ولما أخبرتنا به فرضية حضارة الأطلنتيك، حيث كان المصريون القدماء آخر معاقل الفكر  والتنظير الأطلنتيكي الحضاري ولقد احتفظت مصر الفرعونية بذكريات ومنجزات الشعوب الأطلنتيكية المندثرة عندما خضعت لسلطة الكهنة الفينيقيين وكانت متشبثة بتقليدين جوهريين الأول يأتيها من العرق الــعابد للآلهة الجنوبية sudéenne، والثاني من العرق الــعابد للآلهة الشمالية boréenne، واستلهمت منها طرق العبادة  والقوانين. حافظ المجمع المقدس المصري على تقاليد قديمة منحته شعوراً بالتفوق على الآخرين. فكهنة  طيبة Thèbes، يسخرون من إدعاءات الإغريق، بعد مرور  قرون عديدة، بأنهم أصليون ويتحدثون عن طوفانات محدودة ويعطونها باعتبارها  الطوفان الأكبر وشخصيات خرافية مثل  أوجيجيس Ogygès، و ديوكاليون Deucalion، باعتبارهم الأسلاف الأوائل للبشرية وللنوع الإنساني. ويتناسون أو يتجاهلون ما يدينون به لشعوب السيلت  والكلدانيين والفينيقيين وللمصريين أنفسهم الذين نهلوا من علومهم ووضعوا في كريت قبر زيوس الإله الحي وجعلوا ولادة ديونيسوس في قرية نائية من  الفيوتيا الــ Béotie، ذو الذكاء الإلهي وفي جزيرة صغيرة من الجزر الإغريقية وضعوا أبولو Appollon، الأب الكوني ما جعل الكاهن المصري يقول  لسولون Solon، :" أنتم أيها الإغريق مثل الأطفال الذين يضربون مرضعتهم، تعتقدون أنكم علماء وعارفون في حين أنكم لا تعرفون شيئاً من تاريخ العالم والبشر". وهكذا كانت مصر آخر محطة رست فيها قوارب الفكر الحضاري  الأطلنتيكي أو ما تبقى منه على أية حال. فشعوب السيلت التي هاجرت مناطقها وتحولت إلى قبائل تائهة وجوالة بلا وطن ثابت ولا مأوى مستقر وهم الذين عرفوا بإسم البدهون، ومنهم جاءت تسمية البدو الرحل، من هؤلاء انحدر الشعب العبري  العدو اللدود للكهنة القادمون من الهند كغزاة والذين أرغموا العبرانيين على الهرب في الصحراء لكي لا يقعوا عبيداً بأيدي الكهنة. لذا بوسعنا أن نؤكد أن العبرانيين ليسوا من بقايا الكهنة الفينيقيين كما أعتقد بذلك بعض الكتاب. فهذا الشعب نتج عن اختلاط فئة من الــ  sudéenne، و الــ boréenne في شبه الجزيرة العربية  . وإن معارضتهم للعقيدة الإيونية ionnienne، أجبرتهم على التخلي عن أرضهم، ولقد تعرضوا للإضطهاد في مصر وأثيوبيا ما جعلهم متعصبين ومتشددين واعتبروا بمثابة جماعات غير قابلة للتآلف وغير إجتماعيين وانعزاليين لا يمكن قهر العند  التي يميزهم وطردوا للصحراء باعتبارهم نوع من المنبوذين المشردين الأنجاس  والملوثين  أو المدنسين   impurs parias، وهؤلاء هم الذين وجدهم موسى في مصر كما تقول مصادر التاريخ الديني العبري والتوراتي. لا أحد يعرف على وجه التحديد ما هو أصل موسى وهل هو شخصية تاريخية حقيقية. تقول الرواية العبرية  الت ينقلها الإسلام بحرفيتها تقريباً، أن أمه وضعته في قفة  ورمته في النهر خوفاً عليه من القتل إثر إعلان الفرعون المصري قتل كل الأطفال الذكور عند العبريين لكنه أنقذ على يد إبنة الفرعون التي ربته كأنه إبنها، لكنه عندما كبر في البلاط الملكي وعلم بأصله  الوضيع باعتباره من العبرانيين ترك البلاط والتحق بشعبه. بينما تقول رواية أخرى أنه إبن حقيقي لإبنة الفرعون أي حفيد الملك الفرعون الحاكم أي هو من دم ملوكي ولكي تتفادى الأميرة إبنة الملك الفضيحة أختلقت هذه القصة المةسرحية والمخرجة باتقان لكي تحافظ على إبنها وتربيه دون أي اعتراض , وفي كلتا الحالتين  فإن موسى تربى في أحضان إبنة الفرعون وفي البلاط الملكي، وكان العلم آنذاك محتكراً من قبل كهنة المعابد وإن الملكية كانت دينية أكثر منها مدنية أي أن الفرعون هو رأس الهرم الدينين أي الإله على الأرض،  وبالتالي فإن موسى كان من المطلعين والمعدين إعداداً عقائدياً متقدماً ومتقناً للعقيدة الدينية المصرية ومطلعاً على الأسرار  العليا بسبب ذكاءه الحاد، لكنه لم يتمالك غضبه عندما رأى قائداً عسكرياً مصرياً يضرب عبداً عبرياً بقسوة  فقام بقتل الضابط المصري بيده ثم هرب خوفاً من غضب الملك  الفرعون. أمضى بعض الوقت في أثيوبيا وأطلع هناك أيضاً على مآثر وعقائد وتقاليد الأطلنتيكيين الأصلية خاصة فيما يتعلق بمسألة التوحيد  والوحدة الإلهية وعثر على بقايا التجمعات البشرية العربية التي طردها الكهنة الفينيقيون من اليمن ما يعني أنه استكمل تعليمه الديني الذي حصل عليه من الكهنة المصريين حراس  التقاليد الأطلنتيكية الأصيلة، ولكن هذه المرة على يد الكهنة الأثيوبيين. وهؤلاء العرب  هم نتاج اختلاط بقايا الأطلنتيكيين وأحفادهم مع السيلت البدهون أو البدو وكانوا يحقدون على أولئك الكهنة الذين كانوا يحملون إسم الفلستينيين philistins، وكانوا مشتتين في مصر وأثيوبيا وكانوا تعساء، وعاش موسى بينهم وكان رحالة متجولاً وراعي غنم عند جيثرو Jéthro وتزوج  من إبنة هذا الأخير وهي  زيفورا Zéphora، وكان جيثرو أحد  الكهنة من عرق العرب  المشردين بلا وطن ولكن  من الجزء المسمى العبرانيين وكانوا مطلعاً على أسرار الأسلاف وعلمها لموسى بدوره وربما كان يمتلك بعض المصادر أو الكتب والصحف الأطلنتيكية التي أعطاها لموسى ليطلع عليها ويتعلم منها مثل كتاب:" أجيال آدم Le Livre des Générations d’Adam، وكتاب حروب إيهوا les Guerres de Ihôa، وكتاب التنبؤات أو النبؤات Prophéties، التي ذكرها موسى كمصادر لمعلوماته ومعارفه الروحية  وادعى أنه تلقى في الصحراء أولى الإلهامات الربانية أو الإلهية باعتباره المختار من قبل إله أجداده والذي سماه إيهوا أو يهوه Ihôa أي الكائن  بذاته l'Etre-étant، مصدر الحياة والرفاه، ومجري النعم، والذي أسمعه صوته من خلال الدغل المحترق أو الشجرة المتوهجة buisson ardent. ثم تحمل  موسى مهمة نشر  أسطورة الإلوهيم Aelohim، كائن الكائنات جميعاً وموجدها، ورب  نوح الذي أنقذه من الطوفان وأبراهام  ــ إبراهيم ــ  الذي أنقذه من النار عندما أراد الملك  النمرود حرقه حياً، وهذا الأخير هو الجد العظيم المشترك للعرب والعبرانيين، وأخيراً موسى المنقذ من القتل وهو رضيع، ومنه إلى جوشوا Josué، الذي واصل رسالته ــ وليس هارون شقيقه كما يقول المسلمون  ــ  ومن  الطبيعي  الاستنتاج أن كل ما عرضه موسى كان مجازيا أو استعارياً فيما يخص أصله  وحكايته والأساطير المرتبطة به وهي موصولة بجذور كونية ضاربة في القدم تعود إلى حقب غائرة في الماضي العميق للوجود، حسب الطريقة التي ينتهجها الحكماء القدماء التي تعود أصولها إلى ما قبل حقبة الأطلنتيكيين  ومعطيات الكارثة التي أدت إلى اندثارهم بل وإلى ابعد من ذلك  ألا وهو المبدأ الأول للأشياء كما صاغته الحكمة  الخالدة التي احتفظ بها القباليون ــ الكابالا ــ العبرانيين عبر العصور كأسرار  ورموز تأتينا من حقب ما قبل موسى إلى يوم الناس هذا. وبين موسى وعيسى  أو يسوع المسيح يتمركز الفلاسفة الإغريق  الكبار الذين استنشقوا من نبع المعرفة البشري القديم جداً، من خلال تجوالهم واتصالاتهم بالحضارات  الرافدينية والمصرية القديمة، ومن هؤلاء فيثاغورس الذي ولد في  ساموس Samos، سنة 608، ويقال سنة 570،  قبل الميلاد وزار صور وهو شاب  لدراسة  علوم الفينيقيين  ثم زار مصر  وشبه جزيرة العرب  ومن ثم ذهب إلى بابل وأقام فيها إثني عشر عاماً ونهل من أسرارها وعلومها الكثير وأطلع على الديانة الزرادشتية عندما زار بلاد الفرس، وكان قد تعرف على أولياتها في بابل. ومن ثم عاد وأسس مدرسة فكرية وفلسفية وعلمية في كروتون في إيطاليا ولقد أثرت مدرسته وآثاره على مستقبل البشرية جمعاء. بفضل كتابات تلامذته وأتباعه ومريديه . وأخيراً  وليس آخراً، لا بد من أن نعرج ولو قليلاً لنتحدث عن مصدر آخر للتوحيد الأ وهو  الصابئة، وهي من الديانات القديمة جداً في بلاد الرافدين " والصابئة " يسمون في بعض الأحيان "المندائيين"ويشكلون مجموعة بشرية متميزة وقديمة جداً يتسمون بطابع الكتمان والإنزواء وعدم التدخل في شؤون الديانات الأخرى. عدهم البعض  من بقايا الديانات الآشورية والبابلية ونعتهم البعض خطئاً بأنهم وثنيون يكتمون إيمانهم، وهم من عبدة  الكواكب والنجوم وطقوسهم وشعائرهم تتصل بديانات بابل القديمة وهم قطعاً ليسوا مسيحيين لأنهم لا يؤمنون بالسيد المسيح ولا بإلوهيته وآخر نبي مقدس عندهم هو " يوحنا المعمدان أو يحيى بن زكريا"، فأعتبروه هو المخلص وهو النبي المجدد والمنقذ  أو المنتظر فأجلوه وعظموه لأنهم يعتقدون أنه هو النبي المرسل إليهم خصيصاً. ودمغهم آخرون بأنهم من عبدة الملائكة ولديهم كتاب مقدس هو " كنزا ربا" أو الكنز العظيم، وكتاب آخر هو " السيدرا"، وهم في واقع الأمر من أوائل الموحدين إن لم يكونوا أول الموحدين ولديهم تراث ديني وفلسفي وفكري وعلمي عريق بل ونظرية خاصة في الخلق والكون تضرب عميقاً في جذورها في العصور الغابرة، لذلك  فهي من أقدم الديانات التي عرفها البشر وطقوسهم ترتبط بالماء وبالطهارة  لذلك تراهم يتجمعون بالقرب من الأنهر، كما أنهم تأثروا فيما بعد بالفلسفة اليونانية واقتبسوا الكثير من مفاهيمها ومسائلها وأدخلوها إلى معتقداتهم. وهكذا فإن الدين الصابئي دين توحيدي يؤمن بإله واحد إنبعث من ذاته لم يخلقه أحد، وبالطبع يؤمنون بالثواب والعقاب وبيوم الحساب والآخرة. ويعتقدون أن الجسد فاني والروح أو النفس خالدة  وهي التي سيعاد بعثها من جديد وهي جزء من روح عليا جماعية موجودة في الملكوت الأعلى  ويمارسون التعميد في الماء الجاري كما فعل نبيهم يوحنا المعمدان حين عمد السيد المسيح يسوع  أو عيسى بن مريم. يتبع  .

 

د. جواد بشارة

يرى كثير من المفكرين الاوربيين المدفوعين بدوافع عنصرية بان الفلسفة انجاز يوناني خالص، وهو نتاج العبقرية اليونانية، وهو انجاز طاريء غير قابل للرد الى اصول اخرى سابقة عليه، خاصة الاصول الشرقية، والمصرية منها على نحو اخص . (1)

فيما عرف بنظرية "المعجزة اليونانية"، ومن المفكرين القائلين بالمعجزة اليونانية، فريدريك كوبلستون، الذي يرى ان الفلسفة اليونانية عبارة عن معجزة يونانية انفردت بلاد اليونان دون سائر الشعوب وكانها خلقت من العدم، ولكنه كبداية اولى يقرر ان اصل الفلسفة اليونانية، هو الاسطورة وتحديدا اساطير هوميروس وهزيود، وبسبب تاثير اساطير هذين الشاعرين على الفكر اليوناني لفترة طويلة من الزمن فقد تولد لدى بعض اليونانيين حسن الاطلاع والمعرفة والبحث عن جواهر الاشياء، ومبادئها اولى، مما مهد لظهور الفلسفة فيما بعد على نطاق واسع .(2)

يقول فريدريك كوبلستون في كتابه الضخم " تاريخ الفلسفة ":

" كان ميلاد الفلسفة اليونانية على شاطيء البحر في اسيا الصغرى، فقد كان فلاسفة اليونان الاوائل من ايونيا، اما اليونان فقد كانت في حالة نسبية من العماء والفوضى والبربرية نتيجة لغزوات الدوربين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد " .(3)

ويضيف كوبلستون: " ان الفلسفة اليونانية هي في الواقع انجاز اليونان الخاص، وثمرة قوة ذهنهم ونضارته، تماما مثل انجازهم الخاص في الادب والفن . وينبغي ان لانسمح لرغبة حميدة جديرة بالثناء تريد منا ان نضع باعتبارنا امكان وجود مؤثرات غير يونانية ان تقودنا الى المبالغة في اهمية هذه المؤثرات فتجعلنا نقلل من اصالة العقل اليوناني " . (4)

وعلى نفس المنوال،، وبنفس الروح الاستعلائية، سار جون بيرت في تبنيه لنظرية المعجزة اليونانية، وكون الفلسفة نتاجا يونانيا خالصا . يقول جون بيرت في كتابه "فجر الفلسفة اليونانية ": " ان البحث فيما اذا كانت الافكار الفلسفية عند هذا الشعب او ذاك من الشعوب الشرقية قد وصلت الى اليونان ام لا؟ هو مجرد مضيعة للوقت من الناحية العملية، مالم نكن على يقين من البداية ان الشعب الذي نتحدث عنه كانت لديه اصلا فلسفة، والقول ان للمصريين فلسفة يمكن نقلها لم يثبت قط " . (5)

النظرة الاستعلائية تجاه مصر

وهذه النظرة الاستعلائية، والروح الاقصائية العنصرية، التي تنضح حقدا نجدها عند واليس بدج (wallis budge)، عالم المصريات الانكليزي الاشهر، فقد كتب عام 1904 م مايلي:

" ان المصريين وهم في الاصل شعب افريقي يتصفون بكل ماتتصف به اجناس الشمال الافريقي عامة من فضائل ورذائل ولاسبيل للظن ولو لبرهة بان اي شعب افريقي يمكن ان يصبح ميتافيزيقيا بالمعنى الحديث للكلمة . فما من لغة افريقية تتوائم مع التعبير عن التاملات اللاهوتية والفلسفية، وحتى الكاهن المصري حين يبلغ ارقى مدراج الفكر يظل عاجزا عن ترجمة مقالة لارسطو الى لغة يفهمها رفاقه من الكهنة دون تعلم، فبنية اللغة تجعل ذلك مستحيلا، ناهيك عن افكار الفيلسوف الاغريقي العظيم التي تنتمي الى مجال من الفكر والحضارة يعد غريبا تماما على المجال المصري" . (6)

وبنفس هذه النظرة الفوقية المتعالية، يتحدث عالم الانثروبولوجيا ويلز عام 1818 م، عن المصريين بقوله: " ان المصريين القدامى كانوا من السود وابيضت وجوههم مع تقدم حضارتهم ! فهناك علاقة للبياض ودرجة التحضر" . (7)

نقد الدكتور فؤاد زكريا لنظرية المعجزة اليونانية

وقد ناقش الدكتور فؤاد زكريا نظرية (المعجزة اليونانية)، ونقدها وابان عوارها وتهافتها في كتابه الرائع "التفكير العلمي" حيث يقول:

"ان الكلام عن معجزة يونانية ليس من العلم في شيء، فالقول ان اليونانيين قد ابدعوا فجاة، ودون سوابق او مؤثرات خارجية، حضارة عبقرية في مختلف الميادين، هو قول يتنافى مع المباديء العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات، وتاثير بعضها ببعض، على حين ان لفظ المعجزة يبدو في ظاهره تفسير لظاهرة الانبثاق المفاجيء للحضارة اليونانية، فانه في واقع الامر ليس تفسيرا لاي شيء، بل تعبير غير مباشر عن العجز في التفسير " . (8)

الفلسفة بدات من الشرق

والراي الذي يقول بان الفلسفة بدات من الشرق، قال به كثير من المفكرين في وقت مبكر، فالمؤرخ ديوحنيس اللايرتي في القرن الثاني الميلادي يرى بان الشرقيين وخاصة المصريين، هم اول من تفلسف، وهو راي الكثير من المفكرين القدامى مثل فيلون اليهودي وكليمنت الكسكندري . (9)

الاصول الشرقية للحضارة اليونانية عند مفكري اوربا

ان جمهرة من مفكري اوربا، ردت الحضارة اليونانية الى اصول شرقية، وان اليونانيين عرفوا الحضارة بعد احتكاكهم بالشرق.

 فيرى مايز: " ان المدنية اليونانية لم تبدا بالرقي الحقيقي الا بعد ان احتكت بالشرق في ايوليا وايونيا باسيا الصغرى " .

وذهب دنكر الى الراي نفسه حين قرر انه لم يبق من شيء في مدينة اليونان لم يلحق به تاثير الشرق في اسيا الصغرى، ولايستثني من ذلك الدين اليوناني الذي اقتبس كثيرا من المعتقدات والافكار الشرقية .

اما روبرتسون فان يقول في الجزء الاول من كتابه (تاريخ حرية الفكر):

" اننا مهما قلبنا وجوه الراي وامعنا البحث، فلن نعثر على مدنية يونانية اصيلة بريئة من التاثر بالحضارات الشرقية، غير ان الاعجاب الشديد باليونانيين هو الذي جعل جمهرة من اصحاب الراي كما يلاحظ روبرتسون، تصر على انكار تاثر حضارة اليونان بحضارات الشرق " . (10)

التاثير المصري في الفلسفة اليونانية

مصر على راي كثرة من الباحثين هي مهد الحضارة، وهي الاصل لكل الحضارات وتركت بصماتها على كل الحضارات ومنها الحضارة اليونانية، يقول وليم ج بيري، في كتابه "نمو الحضارة ": (مصر هي البلد الذي تزكيه كل الحقائق موطنا للحضارة، وهي المصدر الاكبر للوحي المتجدد الذي الهم الحضارت المجاوزة خلال قرون طويلة) . (11)

اما على الصعيد الفلسفي فقد انتهت محاولات الفيلسوف اليوناني طاليس في بحثه عن المادة الاولى التي تكون منها العالم، الى اعتبار الماء هو هذه المادة، ولهذا السبب اعتبره ارسطو اول من تفلسف، وهذا ماوصل اليه المصريون قبله بالاف السنين بتاكيدهم انه في البدء لم يكن في الوجود سوى نون، وكان نون محيطا ازليا مظلما) . (12)

اما النزعة المثالية او التاملية، (والتي يعدونها خاصية يونانية)، فقد اقتبسها افلاطون "Plato" واقام عليها مثاليته، فتعود اصولها الى نزعات مثالية مصرية قديمة . (13)

وفضل المصريين على الحضارة، وسائر النشاطات الفكرية والروحية اقر به المؤرخ اليوناني (هيرودوت) معترفا بالدين الذي يدين به اليونانيون للمصريين في كثير من مظاهر نشاطهم الروحي والفكري خاصة في مجال الدين . (14)

موقع اليونان الجغرافي يؤهلها للتواصل

وموقع اليونان الجغرافي المتميز لكونه حلقة وصل بين الشرق والغرب، يؤهلها للتاثر بحضارات الاخرين والتفاعل معهم، يقول الدكتور جميل حمداوي: (عرفت اليونان نهضة كبرى في المجال الاقتصادي لكونها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وكان لاثينا اسطول تجاري بحري يساعدها على الانفتاح والتبادل التجاري بين شعوب حوض البحر الابيض المتوسط) . (15)

الاصل المصري لحضارة اليونان لدى مدرسة الاسكندرية

اعلام مدرسة الاسكندرية، من مفكري الحضارة الهلنستية، يرجحون ان يكون المصدر المصري هو الاصل المباشر للفلسفة الاغريقية، وهذا مابينه واشار اليه العديد من المفكرين والباحثين، امثال، كليمنت السكندري، وفيلون اليهودي، وغيرهما . (16)

بيري والتفوق الثقافي المصري

يرى بيري ومعه مجموعة من الباحثين، التفوق الحضاري والثقافي المصري، على عكس فريق اخر من الباحثين الذي يرى تفوق حضارات وادي الرافدين، وخصوصا سومر، التي يعتبرها هذا الفريق اقدم الحضارات. يقول بيري:

"اننا في ضوء ماعرفت حتى الان، لابد من ان نسلم بان مصر في عصر ماقبل الاسرات كانت تتمتع بثراء ثقافي يفوق اي مجتمع من المجتمعات التي قامت حضاراتها على انتاج الطعام في اقدم العصور . فلسنا نجد في سوسا "susa" او سومر "sumer" او في اية بقعة اخرى مثلا لتلك الثروة " . (17)

هوميروس وتاثره بالاساطير المصرية والبابلية

هو ميروس هو شاعر اغريقي شهير، وكاتب لملحمتين عظيمتين هما " الالياذة والاوديسا "، قام بتخليد حرب طروادة شعرا بدقة متناهية، والتي يعتقد حدوثها عام 1250 قبل الميلاد، ولم يكتف بذلك حتى انجز ملحمة شعرية اخرى تروي مغامرات اوديسيوس وهو عائد لوطنه بعد سقوط طروادة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد .

امتازت الالياذة بسلاسة واضحة، وبلاغة لغوية راقية، وكان دقة رسم الملامح من اهم خصائصها، الى جانب حسن استخدام التصوير والتشبيه، والتي احصيت بحسب المترجمين الى اكثر من 180 تشبيها تعكس الفعل الملحمي بدقة، ويختلف المؤرخون في تحديد الفترة الزمنية التي عاش فيها هوميروس، فمنهم من يقول انه عاصر حرب طروادة، وشارك فيها، اي انه عاش في القرن الثالث عشر قبل الميلاد .

اما ارجح الاقوال فتؤكد انه عاش في القرن الثامن او العاشرقبل الميلاد، اي انه لم يعاصر الحرب، ومما يدل على ذلك عدم ورود اسمه بين المحاربين المشاركين في الحرب . (18)

وتشير الدراسات الحديثة الى ان هوميروس كبير شعراء اليونان، قد تاثر في ملحمته الاوديسية تاثرا واضحا بملحمة جلجامش السومرية، وهذا لاينتقص من عظمته، ولامن اصالة الحضارة اليونانية . (19)

الاصل المصري لالهة الاغريق

وقد تشابهت اسماء الهة الاغريق مع اسماء الالهة المصرية، ولذلك رجح هيرودوت المؤرخ الاغريقي الشهير، ان تكون جاءت من مصر، يقول هيرودوت:

(في الواقع ان معظم اسماء الهة الاغريق جاءت بلاد الاغريق من مصر . ذلك انني عن طريق التحري تاكدت، ان هذه الاسماء جاءت من بلاد اجنبية، واني لاعتقد انها داءت بصفة اساسية من مصر) . (20)

اما بالنسبة للغة الاغريقية فهيرودوت يرجح الاصل الاغريقي لها، فيقول: (علم الفينيقيون الاغريق اشياء كثيرة من بينها، وفي مقدمتها الحروف)، ويضيف هيرودوت: (ان الفينيقيين كانوا يستوطنون بويوتيا وان الايونيين تعلموا منهم فن كتابة الحروف) . (21)

اللغة الاغريقية خليط من اصول سامية ومصرية وهندواوربية

يرى مارتن بال في كتابه المثير للجدل (اثينة السوداء)، ان اللغة الاغريقية خليط من من لغات عديدة ف25% منها من اصل سامي، و20-25% من اصل مصري، و 40-50% من اصل هندو اوربي، واورد قائمة طويلة بهذه الاشتقاقات . (22)

كيف انتقلت الحضارة المصرية الى اليونان والمناطق الاخرى

يرى الباحث المصري الدكتور حسن طلب بعد ان ناقش اسطورة " المعجزة اليونانية " وبين تهافتها، وعدم صمودها امام الادلة العلمية، ناقش مسالة انتقال الحضارة المصرية الى اليونان والمناطق الاخرى، وقدم عدة نظريات في تفسير انتقال الحضارة، واختار النظرية الانتشارية (Defusionism)، وهذه النظرية تقول بالاصل الواحد للحضارة، ومن هذه النظرية " الانتشارية "، نشا اتجاه اخر يعرف بالانتشارية المصرية، يفسر انتقال الحضارة المصرية الى اليونان والمناطق الاخرى، باعتبار الحضارة المصرية هي الاصل .

ويمثل الانتشارية المصرية كل من سميث وبيري، وريفرز (1864-1922)، وهذا الاتجاه اجمع على ان هناك موطن للحضارة انتشرت منه الى مراكز ثانية فثالثة، حتى غطت وجه الارض. (23)

هل اخذ اليهود عقيدة التوحيد من مصر؟

يدعي سيجموند فرويد، عالم النفس اليهودي النمساوي، وصاحب مدرسة التحليل النفسي (1856-1939 م)، في كتابه: (موسى والتوحيد) "Moses and Monotheism"، ان اليهود اخذوا عقيدة التوحيد من مصر وافادوا من العلوم والعادات المصرية طوال اقامتهم في مصر، ونقلوا عنها عادة الختان . (24)

ونحن لانوافق فرويد في دعواه بل نرى عكس ذلك، فبنوا اسرائيل الذي هم اولاد يعقوب (ع)، جاؤوا الى مصر، بعد ان اصبح النبي يوسف (ع) عزيزا لمصر، وهو الذي نشر التوحيد في ربوع مصر، بعد ان كانت مصر وثنية تتقاسمها الهة عديدة .

فابراهيم (ع) عرف مصر، ويعقوب واولاده الاسباط هم الذين نشروا التوحيد في مصر، وبعد سقوط الهكسوس، ومجيء الفراعنة ثانية، واظطهادهم لبني اسرائيل، نشات الوثنية عند الاسرائيلين وعبدوا العجل كما يحكي عنهم القران الكريم ذلك.

فبنوا اسرائيل هم من علم المصريين التوحيد، اما الشرك فقد اخذه الاسرائيليون من المصريين .

اما عادة الختان فنرجح ان المصريين تعلموها من الاسرائيليين، لان الختان من سنن الفطرة، ومن بقايا تعاليم النبي ابراهيم عليه السلام .

وايضا لانتفق مع فرويد في زعمه ان موسى (ع) مصريا، فموسى من انبياء بني اسرائيل الذي ارسله لخلاص الاسرائيليين من اضطهاد الفراعنة، ولايضير موسى اذا كان اهله قد سموه باسم مصري، وكما قيل ان اسمه كان عاموس، فهذا اجراء وقائي لحمايته لحمايته من ذبح فرعون الذي كان يذبح ابناء بني اسرائيل ويستحيي نساءهم .

التاثيرات العراقية في الحضارة اليونانية

يرى كثير من الباحثين ان بلاد مابين النهرين هي مهد الحضارة الاول، وان سومر هي الحضارة الاولى في تاريخ البشرية، وفي هذا يقول: هنري فرانكفورت في كتابه: "فجر الحضارة في الشرق الادنى ": " ان شعب بلاد مابين النهرين كان معلما العلوم للمصريين واليونانيين " (26)

وهنري فرانكفورت وجوردن شايلد يذهبان الى ابعد من ذلك ويؤكدان على تاثر مصر بالافكار السومرية، وينصان على انه كان يجري تلقيح بربرية النيل عن طريق الاحتكاك بحضارة سومر . (27)

ويؤكد كريمر سبق السومريين وتقدمهم في الحضارة بقوله:

" ولدينا من الاسباب المعقولة، مايحملنا على الاستنتاج، انه ظهر في غضون الالف الثالث قبل الميلاد طائفة من المفكرين والمعلمين السومريين، حاولوا ان يصلوا الى اجابات مرضية عن المسائل التي اثارتها تاملاتهم في الكون واصل الاشياء فكونوا اراء وعقائد في اصل الكون والالهيات، اتسمت بقدر عظيم من الاقناع العقلي، واصبحت اراؤهم ومعتقداتهم فيما بعد عقائد ومباديء اساسية لكثير من شعوب الشرق الادنى القديم " . (28)

السومريون اول من ابتدع الكتابة

بدا فجر الحضارة في العراق بحدود عام 5000 قبل الميلاد، وانتهى بالحقبة الزمنية التي ابتدع فيها ابناء الرافدين الكتابة لاول مرة في تاريخ الانسانية في الربع الاخير من الالف الرابع قبل الميلاد .(29)

هل كانت هنالك فلسفة في بلاد الرافدين؟

ترى الباحثة السورية بكلية الاداب والعلوم الانسانية بجامعة حلب، هزار ابرم، في قصة احيقار التي دونت في القرنين السابع والخامس قبل الميلاد، اهم عمل في ادب الحكمة كتب باللغة الارامية القديمة، وانها اقدم اثر في الفلسفة والحكمة .(30)

واحيقار كان كاتبا ووزيرا ومستشارا للملك الاشوري سنحاريب الذي حكم بين عامي 705 و 681 قبل الميلاد، واشتهر بالحكمة . (31)

ويقر المؤرخ البريطاني "ارنولد توينبي" بوجود فلسفة وحضارة مزدهرة في العراق القديم، فيقول: "ان بلاد مابين النهرين هي مهد الحضارات القديمة، وان الانسان وجد على هذه الارض منذ خلق الانسان، فقد دلت الحفريات الاثرية التي تمت على مدى مايقرب من مئة عام وجود مجتمع بشري متقدم ومتحضر على هذه الارض . وقد تمتع ذلك الانسان بفكر خلق اللغة والفلسفة وجميع العلوم التي قد نرى فيها تالقه في جميع مجالات الحياة الارضية والسماوية، واستطاع ان يتجاوز الذات الى دراسة كنه الاشياء والموجودات والعوالم والمجرات والنجوم وغيرها " . (32)

التاثير المصري البابلي على فيثاغورس

ان لبابل تاثيرا واسعا على الحضارة اليونانية خاصة في مجال الفلك والرياضيات . (33)

وان فيثاغورس الذي عاش مابين (580-497) قبل الميلاد، قد رحل الى مصر وعاش بها اثني عشر عاما، وبعدها سافر الى بابل وبقي فيها اثني عشر عاما ايضا، ومن البابليين تعلم العلوم الرياضية، لانهم كانوا متقدمين في التجريد الحسابي كجدول الضرب، وجداول التربيع والتكعيب وجداول عكسية الجذور التربيعية والتكعيبية والكسور والاوزان والمقاييس، وعلم الجبر والمعادلات الاولى والثانية والثالثة، هذه الثقافة البابلية والمصرية التي تعلمها فيثاغورس، كانت حجر الاساس لهذه العلوم في اليونان . (34)

والعلوم البابلية كثيرة ومتنوعة كعلم الفلك والرياضيات وعلم الادارة والقانون والعلوم العسكرية، وفن رسم الخرائط، وعلم الهندسة، ويعتبر رسم خريطة العالم في بابل من اقدم الخرائط في تاريخ الانسان . (35)

وفي الختام، لايستهدف هذا البحث معرفة الحضارة الاقدم والاسبق في تاريخ البشرية، هل هي حضارة مصر ووادي النيل ام حضارة بلاد مابين النهرين ؟ فذلك يحتاج الى دراسة معمقة ومتانية للوصول الى هكذا نتائج، ولكن البحث يهدف الى اثبات المؤثرات الشرقية في الحضارة والفلسفة اليونانية، وان نظرية المعجزة اليونانية، التي تشدقت بها الافواه المتعصبة، ماهي الا خرافة لاوجود لها الا في اذهان المتعصبين .

 

زعيم الخيرالله

........................

المراجع والمصادر

1- انظر الدكتور حسن طلب، اصل الفلسفة، الفصل الاول، المعجزة ودلائل الاعجاز .

2- احمد ارسلان، مقالة في منتديات الساخر .

3- نفس المصدر السابق.

4- فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة، ص 39-40، نقلا عن مقال احمد ارسلان في منتديات الساخر.

5- قصة ميلاد الفلسفة اليونانية، دراسة تحليلية، احمد ارسلان، منتديات الساخر.

6- اثينة السوداء، ج1، ص 26، مارتن برنال، مقدمة الكتاب .

7- نفس المصدر السابق، ج1، ص 27.

8- التفكير العلمي، فؤاد زكريا، ص 114-115 .

9- قصة ميلاد الفلسفة اليونانية -دراسة تحليلية - احمد ارسلان - منتديات الساخر.

10- اسماعيل مظهر، فلسفة اللذة والالم، ص 18 .

11- وليم بيري، نمو الحضارة، ص 64 .

12- هنري فرانكفورت، ماقبل الفلسفة، ص 66.

13- انظر فيلكوفسكي، اوديب واخناتون، ترجمة فاروق فريد، ص 60، نقلا عن " اصل الفلسفة "، الدكتور حسن طلب.

14- John Burnet , Early Greek Philosophy , 4th edit, London, 1975,p.8 نقلا عن " اصل الفلسفة "، الدكتور حسن طلب.

15- جميل حمداوي، مدارس الفلسفة اليونانية ومناهجها، نقلا عن موقع دروب.

16- انظر حسام محيي الدين، بواكير الفلسفة قبل طاليس، ص 14.

17- و.ج. بيري، نمو الحضارة، ص 52-53، نقلا عن كتاب اصل الفلسفة، الدكتور حسن طلب.

18- نقلا عن ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .

19- الدور الغوالي في المسرح الاحتفالي، الدكتور رشيد ياسين، فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحيين، من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000.

20- اثينة السوداء، ج1، ص 46، مارتن برنال.

21- نفس المصدر السابق، ج1، ص28.

22- نفس المصدر السابق، ونفس الجزء والصفحة .

23- جمال حمدان، شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان، ج2، ص 391 .

24- سيجموند فرويد، موسى والتوحيد، ص 73.

25- نفس المصدر السابق، ص 28-32 ز

26- مقالة " الفكر السياسية في بلاد مابين النهرين "، اسحق قومي، نقلا عن شبكة زهريرا الاخبارية .

27- انظر، هنري فرانكفورت، فجر الحضارة في الشرق الادنى، وانظر جوردن شايلد، ماذا حدث في التاريخ ؟، ص 115 .

28- احمد كمال زكي، الاساطير، دراسة حضارية مقارنة، ص 9، نقلا عن منتديات الوليد .

29- السومريون اوائل من كتبوا التاريخ في وادي الرافدين، توما شماني، مقالة في موقع " ديوان العرب" .

30- حكمة بلاد الرافدين عرابة الفلسفة في الشرق القديم، سعد القرش، ميدل ايست اون لاين، نقلا عن موقع " معا لدعم قضايا المراة " .

31- نفس المصدر السابق.

32- الفكر الفلسفي في بلاد مابين النهرين، اسحق فيومي، نقلا عن شبكة زهريرا الاخبارية .

33- انظر جورج سارتون، تاريخ العلم، ج1، ص 162- 214، وكذلك صموئيل كريمر، السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم، ترجمة فيصل الوائلي، ص 389، نقلا عن اصل الفلسفة للدكتور حسن طلب .

34- مقالة " الفكر الفلسفي في بلاد مابين النهرين "، اسحق فيومي، نقلا عن شبكة زهريرا الاخبارية .

35- بابل . باب الالهة. مهد العلم .. مملكة بابل التاريخية، ديار الهرمزي، مقالة في موقع: الحوار المتمدن، العدد: 3731، تاريخ، 7-8-2009.

مما لا ريب فيه أن التاريخ البشري  المكتوب بدأ في سومر كما قال صاموئيل كرامر، وإن الكتابة  والتفكير المنطقي  والوعي  واختلاق الآلهة قد بدأ في سومر أيضاَ كما قال جون بوتيرو، ولكن ماذا كان يوجد قبل ظهور الحضارة السومرية المتألقة والمتطورة آنذاك، بمعايير ذلك العصر، قبل قرون عديدة من العصر الحديث، أي ما قبل ميلاد السيد المسيح؟ قبل المضي قدما لا بد من أن نقوم بعملية اختيار للمنهج الذي سيجيبنا على هذا التساؤل. هل سنتبع العاطفة ونتقيد بالمنطق الديني الذي نصت عليه الكتب المقدسة وغير المقدسة التي قدمتها لنا الأديان البشرية عبر التاريخ وتناولت في طياتها قصص الأقدمين، أم سنتحرر منها و ننعطف باتجاه المنطق العلمي والعقلاني ودراسة الأجوبة التي تقدمها لنا المكتشفات الآركيولوجية والحفريات الحديثة في هذا المضمار؟ لأن الإجابات لن تتطابق ولن تلتقي إلا إذا قمنا بعملية توفيقية قسرية خوفاً من خطيئة إنكار الله وعملية الخلق الرباني بصيغة كن فيكون وأسطورة آدم وحواء وإبليس والجنة والنار والتفاحة والثعبان.

ما سوف يلي لا يعدو أن يكون مجرد فرضيات بخصوص الحضارات الغارقة في القدم والتي لم يقم عليها برهان مادي وعلمي بعد، لكن الدلائل القليلة المتوفر حولها تشير إلى إمكانية وجودها في سياق التاريخ. ستكون أدواتنا، العلم، والمنطق العقلي والعلمي العقلاني، ومصادر التاريخ المتوفرة بين أيدينا ومساهمات المفكرين والفلاسفة القدماء، الماديين والمثاليين، والآثار الباقية إلى يوم الناس هذا، بيد أن ذلك لا يعني أننا سنغفل أو نتجاهل مساهمة الأديان المختلفة والمتعددة وتاريخها. ولنبدأ بالسؤال الأهم والأولي لمعرفة الحضارات القديمة، ألا وهو من الذي أقامها، ومن نحن في واقع الأمر؟ يعيش على هذا الكوكب، الأرض، اليوم ما يقرب من ثمانية مليارات من البشر إلى جانب كم هائل من المخلوقات والكائنات الحية الأخرى، الحيوانية والنباتية والحشرات  والأسماك والطيور، على سطح الأرض وفي الجو وفي أعماق الأنهار والبحار والمحيطات، والحال  أننا لو تعمقنا ملياً فسنكتشف أننا جميعاً من مكون واحد، فكلنا أبناء للنجوم، من الجسيم الأولي المكون للمادة إلى الجسم الإنساني المعقد، فلا يوجد اختلاف إلا في الدرجة . ماذا يمثل الإنسان على المستوى الكوني؟ وما هي قيمة الأرض التي يعيش فوقها بالنسبة للكون المرئي والمنظور الذي يحتويها؟ الإنسان على الأرض أصغر من ذرة غبار مقارنة بحجم الكوكب المأهول بكل هذه الكائنات. فنصف قطر الأرض le rayon de la terre هو حوالي 6.378 كلم، وبالتالي فإن قطرها son diamètre   يقدر بــ 12.756 كلم أما حجم الأرض فهو 1.083.260 مليون كلم مكعب وهذا يبدو لنا مهولاً لكنه في الواقع لا شيء، مقارنة بالشمس أولاً، فنصف قطر هذه الأخيرة أكبر من الأرض بــ 109 مرة كما تقدر مساحتها بــ 11.881 مرة أكبر من الأرض إذ يصل حجمها إلى 1.300.000 أكبر من حجم الأرض.

والحال إن شمسنا تعتبر نجماً صغيراُ بين نجوم مجرتنا درب التبانة أو مجرة الطريق اللبني la voie Lactée ، فقطر نجم بيتلجوس l'étoile Betelgeuse، أكبر من  قطر شمسنا بــ 300 مرة، وحجمها يقدر بــ 27.000.000 مرة أكبر من حجم شمسنا، فيما يبدو قطر نجم أنتاريس l'étoile Antarès أكبر بــ 487 مرة من قطر شمسنا وحجمها 113.000.000 مرة أكبر من حجم شمسنا. وأخيراً مثالنا الثالث هو نجم كانوبوس l'étoile Canopus فهو أكبر بمليون مرة من الشمس وهي النسبة التي لا يمكن تخيلها إلا إذا وضعنا برتقالة صغيرة بجانب الكرة الأرضية، فماذا يمثل الإنسان بالنسبة لنجم كانوبوس؟ يقدر محيط الأرض بــ 40.000 كلم، و يتواجد نجم النهار l'astre du jour، أي شمسنا كما يسميها العلماء، على بعد 149.500.000 كلم من الأرض، ويحتاج ضوءها، الذي يسير بسرعة 300.000 كلم في الثانية، إلى ثمان دقائق لكي يصل إلينا، ما يعني لو إن قطاراً  يسير بسرعة 100 كلم في الساعة فسوف يحتاج إلى 173 سنة ونصف لكي يصل إلى الشمس. وأقرب نجم إلينا عدا الشمس هو آلفا دو سونتور Alpha de Centraur ويبعد على مسافة 41.100 مليار كلم عنا ويحتاج ضوئه إلى 4.35 سنة ضوئية لكي يصل إلينا، أي ما يقطعه ضوئه بسرعة 300.000 كلم في الثانية لمدة تزيد على أربع سنوات ونصف. فما هي السنة الضوئية؟ هناك 24 ساعة في اليوم  أو 86.400 ثانية في اليوم و 31.536.000 ثانية في السنة والضوء يقطع مسافة 300.000 كلم في كل ثانية من هذه الثواني لمدة عام ما يشكل السنة الضوئية وتعادل 9.460 مليار كلم هي المسافة التي يقطعها الضوء خلال عام. لذا تم قياس موقع أجمل نجم في سماءنا وهو نجم سيريوس l'étoile de Sirius ووجد أنه يقع على بعد 81.100 مليار كلم عنا  ويحتاج ضوئه إلى أكثر من  ثمان سنوات ضوئية 8.58 لكي يصل إلينا، ويقطع النجم القطبي l'étoile polaire مسافة 440.500 مليار كلم ولمدة 46.55 سنة التي تفصله عنا. وكان العالم الفرنسي الشهير هنري بوانكاريه قد قاس نصف قطر مجرتنا درب التبانة la voie Lactée وقدره بأنه أكبر ألف مرة من أقرب نجم إلينا وهو آلفادوسونتور.وبالتالي فإن عدد النجوم المكتشفة في هذه المجرة يتجاوز الـمائتي مليار نجم، ناهيك عن النجوم  المحتملة التي تتواجد خارج نطاق الرؤية الرصدية لتلسكوباتنا الأرضية والفضائية، فما هي قيمتنا وسط هذا العمق الكوني اللامتناهي؟

أمام هذا المشهد المذهل يقف الإنسان عاجزاً عن التصور والإدراك الحقيقي لهذا الواقع الكوني الذي لا يعرف عنه شيئاً يذكر فيلجأ إلى الخرافات  والماوراءيات  عندما يتساءل مع نفسه من أوجد كل هذا وكيف؟ فتخيل كائناً يتمتع بقدرات لا محدودة لا يمكن إدراكه أو معرفة حقيقته وصفاته وماهيته، فهو خارج المكان والزمان النسبيين اللذين يألفهما هذا الإنسان اللامتناهي في الصغر بالنسبة إلى الكون المرئي كما رأينا أعلاه، وبالتالي لا يمكن لهذا الكائن الخارق  والخالق إلى أن يكون أزلياً وأبدياً وسرمدياً و لا نهائياً، خالداً لا يموت يعلم كل شيء، يعلم ما في السماوات وما في الأرض، هو الذي خلق كل شيء، أعطته الأديان عدة أسماء مختلفة، أشهرها الله إله المسلمين، فيما سماه الوضعيون واللاأدريون المهندس الأول والأعظم المصمم  للكون le grand architecte de l'Univers. ما هي السمة الأساسية والجوهرية لهذا الكائن الخالق للحياة والوجود؟ هل هو إله خير وإله طيب ومصدر للخير في الكون فقط؟ إذا كان الرد بالإيجاب فما هو مصدر  وأصل الشر إذاً؟ فإذا لم يكن هو أصل الشر وخالقه فلماذا سمح به وبوجوده ينخر في مخلوقاته التي خلقها، وهل هو عادل وتصدر عنه العدالة الإلهية؟ فإذا كان كذلك فلماذا توجد تباينات وفوارق بين المخلوقات وتوجد كوارث وأمراض وأوبئة وفقراء وأغنياء وضعفاء وأقوياء  وتعساء  وسعداء وجرائم وعذاب وألم وحزن وفراق وموت الخ، فلو كان قادراً على كل شيء لماذا لا يضع حداً لهذه المفارقات؟ حاول الفلاسفة القدماء والمعاصرين ومعهم الأنبياء والرسل والمفكرين والقادة الفكريين أن يبحثوا عن إجابات عن هذه الأسئلة الوجودية الجوهرية لكنهم أخفقوا فصعوبة  الموضوع وتعقيده هي كصعوبة وتعقيد فكرة اللانهاية والخلود l'infini et l'éternité. حاول البعض الاحتماء و التمترس خلف ذريعة حرية الخيار والاختيار التي منحها الله للبشر، لكنه إذا كان يعلم كل شيء فهو يعلم بالضرورة  حتماً ما سوف يفعله البشر سلباً أو إيجاباً عندما يمنحهم حرية الاختيار وسيكون هو المسئول عن أفعالهم وبالتالي عن فعل اختيارهم، لأنه هو الذي خلقهم . فإما أن يكون خلقه متقناً كاملاً، وبالتالي لا يمكن للشر أن يمسهم، أو أن يكون ناقصاً أو قاصراً، غير مكتمل وغير متقن، وهذا مس بالذات الإلهية وبالقدرة الكلية الإلهية، مما أتاح للشر، أياً كان مصدره، أن يتحداه ويشكل قوة موازية ومعادلة لقدرته وسلطته. كان ألفيلسوف الإغريقي أبيقور يعرف ذلك ويعيشه بكيانه كله ويشكل تحدياً لنظامه الفلسفي والاعتقادي خاصة فيما يتعلق بمسألة القضاء والقدر والمصير المحتوم والمكتوب سلفاً على البشر الذي كان يقض مضجع مفكر المسيحية الشهير القديس أوغسطين أيضاً و الذي حرم طرح مثل هذه التساؤلات وتوعد من يمارسها بنار جهنم ومأواه الجحيم، فعندما سأله أحدهم ماذا كان الله يفعل قبل أن يخلق البشر أجاب" كان يعد الجحيم ليضع فيها من يطرحون مثل هذا السؤال".

لنعد قليلا لما بدءنا به لنقول إن شمسنا لم تخلق هكذا فجأة بإرادة ربانية لوحدها وإنما جراء سيرورة كونية نجمت عن تجمع أغبرة وغازات ومواد أولية كونية  نجمت ربما عن انهيار نجم عملاق أو سوبر نوفا، وولدت من ذلك شمسنا قبل 4.6 مليار سنة، أي بعد 9.2 مليار سنة من حدوث الإنفجار العظيم البغ بانغ، قبل 13.85 مليار سنة وهو العمر التقديري للكون المرئي حسب آخر المعطيات العلمية إلا أن عمره قطعاً  أقدم من ذلك بكثير. وبعد ذلك بفترة قليلة تكونت أرضنا في مدار الشمس وبفعل تجمع العناصر الثقيلة والصلدة وبفعل الجاذبية  والتجاذب الكهرومغناطيسي والحركة المغزلية ودوران الشمس والأرض البدائية حولها، وليس في ستة أيام كما تشير التوراة العبرية إلى ذلك في سفر التكوين وعنها أخذ القرآن قصة الخلق. إذن بات عمر الأرض معروفا ويقدر بأربعة مليارات ونصف من السنين وهو زمن قصير بالنسبة لعمر الكون المرئي التقديري وليس الافتراضي والذي يتجاوزه بكثير، فالأول ثبت على 13.85 مليار سنة أما الثاني فيعتقد أنه يتجاوز الــ 40 مليار سنة على أقل تقدير. يعود تاريخ أقدم حضارة معروفة على الأرض، وهي السومرية، إلى 5000 سنة قبل الميلاد ولكن ماذا كان يوجد قبلها منذ ظهور الحياة والإنسان والحيوان على الأرض؟ في كتاب  محاورات الفيلسوف الإغريقي أفلاطون نجد إشارة تفصيلية لحضارة قديمة اندثرت في زمنه كانت تعرف بحضارة " الأطلنتيك" Les Atlantes، لا أحد يعرف على وجه التحديد تاريخ نشؤها ويقال أن قصورهم ومعابدهم شيدت من الصدف والمرمر والبرونز ويتمتعون بالرهافة، عندما كان أسلافنا يمشون على أربع. وفي حقبة أقرب إلينا، شيد المصريون حضارة متطورة وأنيقة وتمتعوا بثقافة فكرية ومعمارية متقدمة ما زلنا نستمد منها لحد الآن منابع الحكمة ونناقش بفضلها مساءل الوجود والخلود، كما كانت في تلك الأزمان شعوب أخرى تعيش في الأدغال والغابات المظلمة هي شعوب السيلت les Celtes  التي كانت تقطن في أوروبا، وبالذات فرنسا الحالية، وهي عبارة عن قبائل نصف متوحشة نجح قياصرة روما بعد قرون قليلة في قهرهم واستعبادهم، بقوات قليلة رغم شجاعتهم الأسطورية واستبسالهم في القتال التي اعترف لهم بها خصومهم وأعدائهم.  وما تزال  إلى يوم الناس هذا، ونحن في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين، شعوب عارية تعيش في الغابات والجبال مقطوعة عن الحضارة والمدينة  وتعيش بطريقة بدائية، بل وبعضها من أكلة لحوم البشر. وقبل بضعة عقود تم اكتشاف مغارات مزينة جدرانها بالرسوم الملونة وأشهرها مغارة مونتنياك التي قدر عمر رسومها بثلاثين ألف سنة وربما أكثر. في حين ما يزال سر التماثيل الضخمة المنحوتة في الطبيعة خافياً في جزيرة الباك ولا أحد يعرف عمرها وقدمها ومن الذي نقلها إلى هناك وكيف نقلت؟ مثلما ما يزال التساؤل حول من بنى الإهرامات  وأبو الهول وما حولها من معابد ضخمة، هناك نصوص  من الأسرة الفرعونية الرابعة تعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد وجدت بالقرب من تمثال أبو الهول. ما نجهله الآن هو كم مضى من الزمن بين ولادة الإنسان  والفترة الزمنية التي وصل فيها تطوره لكي يترك لنا آثاراً وبقايا حفريات عنه. وكيف ظهرت اللغة وتنوعت ولماذا، وكم من الوقت انصرم بين التوصل إلى تقنية صقل حجر الصوان وصنع الأدوات منه، لكننا نعرف الزمن الذي استغرقه البشر تطورياً  بين اختراع المطبعة وفلق الذرة. ومنذ ظهور الكتابة وصلت إلينا أخبار وتواريخ بعض الشعوب القديمة، في الفيدا الهندية والكتب الصينية  والنصوص السومرية والآشورية والكلدانية والبابلية. تستغرق عملية التحضر أو التمدن لدى الشعوب زمنا، يطول أو يقصر، حسب المؤثرات والظروف المحيطة ووجود أو عدم وجود عامل أو جهة توجه الشعوب البدائية نحو التطور والانتقال من المرحلة البدائية إلى المرحلة الحضارية . يروي لنا المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت في سنة 450 قبل الميلاد كيف أنه شاهد بنفسه في زيارته لمصر تماثيل ضخمة لــ 345 كاهناً مصرياً كبيراً يعود تاريخها إلى 11340 سنة قبل تاريخ رؤيته لها والحال أن وجود التماثيل يشير إلى وجود حضارة أقدم من 11345 سنة، وبالمناسبة  يعتقد أن أغلب فلاسفة الإغريق زار أو مكث ودرس في وادي الرافدين وفي مصر  وبلاد فارس والهند والصين وكانوا على إطلاع  بتلك الحضارات وكان فيثاغورس معاصراً لبوذا. في كتاب محاورات أفلاطون وزمنه Timée de Platon، أخبر كاهن مصري عجوز محاوره الإغريقي بقصة قائلاً له :" ما هو حقيقي بما سأخبرك به هو أن ثورات عظمى تعاقبت وتراكمت في الفضاء الذي يحيط بالأرض  وفي السماء، أحدثت في فترات طويلة متباعد فيما بينها، حرائق مهولة أحرقت سطح الأرض. وقد انقرض سكان الجبال والمرتفعات بصورة أبكر من السكان القاطنين بمحاذاة الأنهر والبحر. ونحن المصريون كان النيل هو منقذنا في كل مرة." وفي الأساطير  القديمة نجد أن الآلهة الغاضبة تقوم بتطهير الأرض بالمياه والفيضانات والطوفان، وإذا كانت الماشية و الرعاة بمنأى من هذا السيل الجارف فإن سكان المدن  والجماعات البشرية التي تعيش بالقرب من الأنهار والبحار جرت إلى الغرق. عدا ما حصل في مصر فلم تنهمر المياه من الأعالي على  السهول والأرياف بل على العكس، كانت تبدو وكأنها تنبث من أعماق الأرض  لذلك بقينا محافظين على إرثنا وآثارنا وتقاليدنا القديمة من الهلاك حيث احتوت معابدنا على قصص وتفاصيل من عرفناهم عن طريق الكتابة والتدوين للتفاصيل ". ويواصل الكاهن روايته قائلاً : "أما عنكم أنتم وعند شعوب أخرى، فبالكاد بعد نشأة الكتابة وتكون البنيات الأولى للحضارة جاءت الفيضانات والطوفان لاكتساحكم ولم تترك إلا بضعة أنفار من البشر، جهلة وأميين لا وجود للجمال والفن والموسيقى في حياتهم، مما يضطركم في كل مرة إلى أن تبدءوا من جديد من الصفر دون أن تعرفوا ما حدث  وما وقع من أحداث لأسلافكم في هذه البلدان". من هذا النص نستشف أن لدى المصريين تدوينات ومدونات وتقاليد مكتوبة عن باقي الحضارات التي سبقتهم. وقاموا بدور حلقة الوصل والتواصل ونقل الأحداث والتواريخ بين الحضارات. كانت نينوى الكبرى، على سبيل المثال، تملك جداراً بارتفاع 30 متراً ومحيطه 45 كلم وأبراج بارتفاع 70 متر ويبلغ عدد سكانها أكثر من 600.0000 نسمة حيث شيدت المدينة في 2680 سنة قبل الميلاد وكانت واحدة من أقوى المدن في العالم  وأكثرها وفرة وثراءاً آنذاك، لكنها دمرت وأزيلت عن بكرة أيها ولم يبق منها شيء يذكر كما لو أنها محيت من الخارطة، وتطلب الأمر أبحاث  وتنقيبات آثارية أو آركيولوجية كبيرة ومضنية وجهود جبارة وأعمال ضخمة من أجل العثور على بعض البقايا من آثارها . وبابل العظيمة عاصمة وادي الرافدين الشهيرة، وأغلب الحضارات البابلية الأخرى، مدينة سمير آميس المرهفة التي عشقها الأسكندر المقدوني،، المدينة التي احتوت برجاً ارتفاعه 40 كلم و 100 باب من البرونز وجنائن معلقة التي أعتبرت من عجائب الدنيا السبع وجدران وأسوار ضخمة تحيطها مرتفعة جداً لحمايتها وبسمك مذهل وعدد من القصور الفارهة، وكانت أولى مدن العالم بالشهرة والجمال في زمن المؤرخ هيرودوت، هاهي اليوم مدفونة تحت الرمال والتراب و لا يعرفها إلى حفنة من علماء الآثار رغم أنها شدهت عهوداً من القوة والعظمة تفوق حتى أهمية باريس العالمية حالياً والتي لا يعود تاريخها إلا لبضعة قرون قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة. كما كتب أفلاطون أن بابل هي أم القوانين ومع ذلك غرقت ودمرت .

كل تلك المدن والحضارات المندثرة عرفت أدياناً وآلهة متعددة، ولكن من أين جاء الدين للبشر؟ على امتداد تاريخها كان لدى الأطلنتيك طقوس وشعائر دينية وتقاليد ومعارف ورؤى فكرية ونظريات للخلق ونظرة للكون، كانت هناك سلطة سماوية على اٍلأرض أو سلطة ما فوق أرضية supra terrestre، ممتدة من الأرض إلى الفضاء الخارجي ومتصلة به وبرز أشخاص يتمتعون بموهبة بعد النظر أو الرؤية المستقبلية والتكهن  والتنبؤ ومن هؤلاء جاءت النصوص والكتب المقدسة البدائية شكلت  كنوزاً ومصادراً  تاريخية داخل المعابد القديمة وبلاديومات أو قاعات العروش  في المدن القديمة التي هي بمثابة مآثر باقية لحضارات قديمة سبقت حضارتنا بكثير. واعتقد بعض العلماء أن كل حضارة كانت تختص بجنس معين من البشر وأعطوها أسماء  مثل الحضارة الصفراء والحضارة الحمراء والحضارة السوداء والحضارة البيضاء. ولكل واحدة من هذه الحضارات تطورها الثقافي والفكري ولها دينها الخاص وتقاليد أورثوها لمن أعقبهم من الحضارات والأجناس والأعراق،  كما عرفت مدارس استهلالية لتعليم السكان مباديء الدين  والمعتقدات الروحية. لا تتوفر بين أيدينا وثائق ومراجع كثيرة عن الحضارتين الصفراء والحمراء، مما جعل بعض العلماء يشككون بمصداقية وجودها المفترض، لذا سيقتصر الحديث عن الحضارة السوداء والعرق السود، ولنشير مبدئياً أن الجنس الأسود الحالي ليس سوى انعكاس باهت لما كان عليه العرق السود الأول على الأرض حتى الأثوبيين الذين عرف أسلافهم القدماء عظمة الحضارة  السوداء  وكبرياء الكائن الذي كان يتربع على قمة الجنس البشري المتطور والعاقل، لا يمثلون سوى أحفاد متأخرين بقوا على قيد الحياة بعد فناء مئات الأجيال من العرق السود الأول. قبل آلاف السنين من تاريخنا المعاصر، وقبل الحضارة السومرية  بكثير، كانت هناك إمبراطورية كبيرة وشاسعة تقع وسط المحيط الأطلسي الحالي وهي حضارة الأطلنتيك ATLANTIDE وهي بعيدة كل البعد عن مخيلة كتاب الروايات العلمية وأفلام الخيال العلمي، كما جاء في وصفها على لسان أفلاطون في محاوراته مع الكاهن المصري. ولقد ذكر  الكاهن المصري لأفلاطون قائلاً :" تروي كتبنا كيف أن الأثنيين ــ نسبة لأثنيا Athènes ــ  القدماء قبلكم بكثير قهروا ودمروا قوة عسكرية هائلة كانت جزءاً من المحيط الأطلسي كانت قد غزت أوروبا وآسيا. ففي ذلك الوقت كانت اليابسة متصلة وكان بوسعنا عبور المحيط " ويواصل القول ": كانت هناك في الحقيقة جزيرة عامرة تقع  مقابل ما تسمونه  بلغتكم  ــ أعمدة هرقل  colonnes d'Herculeـ وهي جزيرة تزيد مساحتها على مساحة ليبيا  وآىسيا مجتمعتين. وكان البحارة يمرون من هنا إلى الجزر الأخرى  ومن تلك الجزر إلى هذه الجزيرة  شبه القارة التي تحدها شواطيء البحر وتستحق هذه التسمية وفيها مدخل هو عبارة عن مضيق يؤدي إلى بحر حقيقي وميناء كبير فهي في الواقع قارة حقيقية . وفي هذه الجزيرة  ــ  القارة  الأطلنتيك كان هناك ملوك عظماء ذوي قوة مذهلة ومدهشة تسيطر على الجزيرة ـ القارة، بأكملها ويهيمنون على باقي الجزر المجاورة وفيما يتعدى المضيق  كانوا أسياداً على ليبيا ولغاية الأراضي المصرية وأوروبا لغاية ترهيني Tyrhénie" ثم يقدم أفلاطون شرحاً  وافياً ومطولاً ووصفاً دقيقياً للأطلنتيك والجزر التابعة لها ولمدنها الرائعة الجمال splendides، ولمآثرها وصروحها الضخمة وقصورها ذات الجدران المغطاة أو المطلية بالذهب والفضة  والعاج والصدف orichalque، ومبانيها ومنشآتها الضخمة ومعمارها الجميل المدهش . كما حدثنا عن ملوكها  وأصولهم  وقوتهم الهائلة وعظمتهم منذ الملك أطلس، الذي تحول إلى ملك خرافي. في سنة 1678 كتب أحد رجال الدين المسيحيين وهو الأب كيريشر père Kircher، أن أفلاطون كان يجهد في التقليل من أهمية ما سمعه واختزال وصفه إلى الحد الأدنى من الروعة والإشادة والتركيز على الحقائق التاريخية التي لا يمكنه إنكارها من خلال الوصف الجغرافي  والفيزيائي للمكان  وللوضع الاقتصادي والسياسي السائد في جزيرة ـ قارة الأطلنتيك ووجودها الجغرافي يمكن أن يكون محصوراً بين جزر الكناري  وجزر الآزور ils d'Açores، وجزر الفلاندر  ــ هولندا ونصف بلجيكا حالياً باعتبارها آخر الآثار المتبقية من إمبراطورية الأتلنتيك.

وفي عام 1924 نشر كاتب فرنسي يدعى روجيه دفين Roger Dévigne مجلداً ضخماً مزوداً بالصور والخرائط الموثقة عن " الأطلنتيك الجزء السادس من العالم الأرضي"، كما جاء في عنوان الكتاب، وقدم ما توفر بين يديه من أدلة وبراهين علمية عن وجود تلك القارة المختفية عن الوجود اليوم وأشار في كتابه إلى وجود تقارب بين حضارة الأطلنتيك والحضارة المصرية الفرعونية في بواكيرها وما يجمعهما من مشتركات وكذلك المشتركات مع الحضارتين الصينية والبيروفية، ووصف معمارها وتماثيلها ومنحوتاتها  وآثارها الفنية النحتية  التي بدت وكأنها من إبداع نفس الفنانين من أصل إتروسكاني origine étrusque، ولديهم نفس الميل نحو بناء الإهرامات، ولقد عثر مؤخراً على إهرامات غارقة في عمق المحيط، ووجود  شعارات وإيقونات ومنمنمات دينية emblèmes religieux  متشابهة مثل الصليب المعكوف  la croix anséeأو صليب الحياة وكذلك التاو Tau على شكل قطعة نقدية أو كرسي أو أي شيء آخر.فكل شيء يشير إلى أن مصر القديمة جداً كانت مستعمرة أطلنتيكية أو على الأقل متأثرة جداً بالحضارة الأطلنتيكية وعلى الأخص منطقة مصر العليا  وأثيوبيا. جلب الأنطلنتيكيون إلى أوروبا وأفريقيا سر طريقة صهر المعادن  وصناعة الصلب والحديد وصنع أسلحة منها  وطريقة تبريد النحاس كما دلت على ذلك حفريات حديثة في فرنسا وانجلترا واسبانيا وألمانيا والدول الاسكندنافية فهذا الشعب كان هو القوة العظمى الأكبر على الأرض في حقبة ما قبل الطوفان وقبل الحضارات القديمة التي نعرفها أي السومرية والآشورية والبابلية والفرعونية بألف وستمتائة عام، 1600 سنة. والفرضية الوحيدة التي تفسر تطورهم العلمي  والتكنولوجي هي أنهم على اتصال بحضارات فضائية متطورة ومتقدمة جداً تكنولوجياً وعلمياً وتعلموا منها الكثير من الأسرار الصناعية والعلمية. ويقال أن ديانة عبادة الشمس أخذها المصريون من سكان الأطلنتيك الذين كانوا على اتصال بهم في أواخر حياتهم قبل اختفائهم في أعماق المحيط، وعبدوا إله الشمس رع الذي هو في الحقيقة مخلوق فضائي كان على اتصال بالأطلنتيكيين الذي أتخذوه إلهاً لهم وقلدهم المصريون في ذلك . كما عثر الإسبان على آثار لعبادة الشمس ومعابد مأهولة عندما نزلوا من سفنهم واستعمروا البيرو والمكسيك . عثرت بمحض الصدفة أثناء بحثي عن المصادر القديمة، على ثلاث كتب قديمة جداً باللغة الفرنسية لكاتب فرنسي مغمور إعلامياً لكن تأثيره كبير على بعض الباحثين وهو أنطوان فابر د أوليفية Antoine Fabre d’oliviet، في إحدى أسواق بيع الكتب القديمة تعالج  العلوم الراقية أو العلوم الغامضة والخفية Sciences Occultes، وعناوينها هي :" اللغة العبرية المستعادة " و " التاريخ الفلسفي للنوع الإنساني" و" والأشعار الذهبية لفيثاغور". يقول أوليفية في كتابه التاريخ الفلسفي للنوع الإنساني أن العرق الأبيض كان متخلفاً وموجوداً في شمال أوروبا وكان يقاوم بضراوة هجمات العرق الأسود الأكثر قوة وتسلحاً وعدة وعدداً ويقود العالم آنذاك. ثم حدث اتصال مع بعض  المتمردين داخل معسكر العدو وتعلموا منهم طريقة صناعة الأسلحة المعدنية وتمكنوا من دحر العرق السود الغازي  ومن ثم سيطر العرق البيض على كامل أوروبا وقسمها إلى ثلاث مقاطعات أو مناطق رئيسية . المنطقة المركزية وسماها توتس لاند Teuts- land، أي الأرض المرتفعة الراقية أو الرفيعة الشأن، وفي الغرب  منطقة سماها هولاند Holl- land أو الأرض المنخفضة أو الغولاند Ghol -land أي الأرض الأدنى، وفي الشرق منطقة سماها بولاند Pol- land أو الأرض المتفوقة  أو الأرقى أما المنطقة الواقعة شمال هذه المقاطعات الثلاثة فسماها داهن مارك D’ahn-mark، أي حدود الأرواح ومايزال بقايا هذه التسميات موجوداً  فروسيا هي في الأصل روس لاند Ross – land، أي أرض الجياد، وبلاد الغال هي في الأصل  الغول لاند Ghol –land، ولقد أطلق المؤرخون على هذا العرق الأبيض إسم شعوب السيلت Celtes. وكانت تلك الشعوب تقيم احتفالاً في ذكرى اكتشاف  الدبق gui ــ وهو نبات طفيلي، ويحمل  الاحتفال  الطقسي إسم  الليلة – الأم، Nuit-mère وبلغة السيلت  نيوهيل أو هيل الجديد New-   heyl، ومن هذه الكلمة جاء اشتقاق نويل Noel، ويتم الاحتفال بهذا  النيوهيل في الليلة الأولى solstice لانقلاب الشمس في الصيف. وكان سكان السيلت يمتلكون معرفة فلكية متقدمة والشهر عندهم مقسم إلى ثلاثين يوماً  والسنة مقسمة إلى 365 يوماً وست ساعات  والقرن مكون من 30 و 60 سنة وبالتالي فإن الاحتفال بالنيوهيل أو نويل كان يجب أن يحدث في الليلة الأولى لبدء الشتاء وانتهاء الصيف لكنهم يرجعوه إلى الوارء 45 يوماً بسبب أن السنة  السلتية أطول من دورة الشمس السنوية وتحدث خطأ في الحساب بيوم واحد كل 132 سنة وبعد حسابات معقدة بالحاسوب تبين أن عصر السيلت يعود إلى عشرة آلاف سنة قبل الميلاد . كانت قبائل السيلت منقسمة على نفسها ومتناحرة فيما بينها بعنف وشراسة لكنها توحدت أمام الخطر المحدق بها جميعها والمتمثل  بالنزعة العدوانية لهيمنة للعرق الأسود واضطروا إلى إيجاد نوع من التنظيم السياسي والديني للحفاظ على تماسكهم. ويصف الكاتب الفرنسي دوليفية كيفية تكوينهم لجمعيات الكهنة والقائمين على المعابد من رجال ونساء، ومن ثم نجحت هذه الفئة الدينية تدريجياً في فرض هيمنتها وسلطتها المطلقة على كافة القبائل  والشعوب السلتية، وهي نتيجة طبيعية لمسلمة تقول  أن أية سلطة لا يوجد عليها أية رقابة أو سيطرة ولا كوابح  ستتجه حتماُ نحو الطغيان وهو حال كافة الأديان على الأرض عندما يهيمن عليها رجال الدين والأكليروس ومن ثم ينحرفون بالأديان عن نقاوتها الأولية وكانت الطبقة الدينية الحاكم مكونة من الكاهنات النساء الطاغيات druidesses. هاجر عدد من أبناء السيلت قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد هرباً من الطغيان والاستبداد الذي مارسه الكهنة ورجال الدين على القبائل والشعوب السلتية، وكانوا عبارة عن مجموعات  رحل تنتقل باستمرار طلباً للكلأ والماء والمأوى، واتخذوا إسم البودهون les bodhones، ضد الكهنة المعروفين باسم الدرويديسيات druidesses، ومن هؤلاء البدهون اشتق اسم البدو الرحل bédoins والتي تعني التائهين والمتجولين errant، وكان هؤلاء قد أنزلوا المرأة في مجتمعاتهم من مكانة القيادة إلى أدنى موقع ممكن وهو العبودية وجعلها عبدة خادمة وخاضعة لسلطة الرجل كردة فعل على قيادة وسلطة الــ druidesses، وهذا ما يفسر مكانة المرأة المتدنية عند الشعوب اليهودية والعبرية  والعربية المنحدرون من البدهون. من بين الدرويديات كاهن شاب يدعى رام RAM، أو راما. تمكن رام، بعد تجارب عديدة، من معالجة نبات الدبق بطريقة سرية خاصة به، ونجح في استخلاص علاج ضد مرض عضال ضرب شعوب السلت وتعاظمت قوة وشهرة ومكانة رام مما أثار مخاوف مجمع الكاهنات الدرويدييات إلا أن رام تخلى عن مشروع إطاحة سلطة الكاهنات وشعر بأنه مكلف بمهمة أسمى من قبل قوى فوق طبيعية خارقة surnaturelles اتصلت به تخاطرياً عن طريق الإلهام، ولتفادي نشوب حرب أهلية، جمع حوله بعض الأتباع المخلصين، بضعة آلاف من السيلت المؤمنين به وبقواه الخارقة واتجه بهم نحو الجنوب الشرقي . سار بمحاذاة بحر قزوين وتوقف لشهور طويلة عند جبال الأورال عندما عثر على قبائل بدائية خاضعة لسلطة وهيمنة العرق الأسود ويرغبون بالتحرر والانعتاق من قاهريهم  الشرسين  والقساة، فنظم منهم ومن أتباعه المخلصين قوة عسكرية واجتاز بهم جبال الأورال وبنى قاعدة له بين بحر قزوين وبحر آرال . ومع تعاظم قوة رام التي دحرت العرق الأسود في تلك المنطقة ولاحقتهم إلى جزيرة لانكا  وهي جزيرة سيلان اليوم، عاد جيش راما لإحكام سيطرته التامة على كافة المناطق الآسيوية خاصة الوسطى منها والجنوبية ثم اجتازت قواته إيران ثم وصلت إلى شبه الجزيرة العربية حيث لقيت استقبالاً باهراً وتكريماً يليق بها وبقائدها الأسطوري وبعد زيارة بلد الكلدان توجه رام بجيوشه لمصر فخاف الفرعون من قوة جيش رام وبأسه وشعر بعدم جدوى المقاومة فقدم البيعة وقبل بالانضواء تحت لواء رام وقام حاكم أثيوبيا بنفس الشيء مما أخضع ضفاف النيل كاملة ونهر الغانج المقدس وجزيرة لانكا أو سيلان لغاية جبال القوقاز لحكمه. خلدت الكتب المقدسة الهندوسية حروب وفتوحات وإنجازات رام العظيمة وبالغت بها إلى درجة أنها لايمكن أن تحدث في حياة إنسان واحد لكي يقوم بكل هذه الأحداث والمنجزات لذلك تبنوا فكرة أن روح رام تعود إلى إنسان آخر بعد موته في ما يعرف اليوم بتناسخ الأرواح . فبعد اختفاء إمبراطورية الأطلنتيك برزت سطوة العرق الأسود وهيمنت على العالم مقابل عرق ابيض ضعيف ومشتت في شمال أوروبا لكنه كان شعباً شاباً ويتمتع بذكاء فطري وبطموحات تجسدت برام. إنهار العرق السود أمام العرق الأبيض المتنامي. تعود حقبة رام إلى فترة تمتد من 6000 إلى 10000 سنة قبل الميلاد. فلقد تمركز في ما يسمى اليوم بشبه القارة الهندية وتحول إلى إله يعبد وهو الدين الذي وجده الاسكندر المقدوني عندما غزا الهند في 326 قبل الميلاد. عندما وصل رام إلى الهند كانت تلك المنطقة تخضع لسلالتين نصبهما الأطلنتيك هناك وهما السلالة الشمسية Dynastie Solaire والسلالة القمرية Dynastie Solaire، في الأولى كان هناك ذرية إكشوكو Ikshaukou وفي الثانية ذرية أول بوذا Boudha،. طبقة البراهميين الهندوس Brahmes يقولون أن  إكشوكو هو زعيم  سلالة الشمس الأول وهو إبن  سابع مينو Menou وهذا الأخير هو إبن فيفاسواتا Vaivasouata الناجي الوحيد من الطوفان حسب الأسطورة الهندوسية عن الطوفان، وهي الأسطورة الموجود في كافة الحضارات والأديان والمعتقدات. أطاح رام بالملك راهون Rawhon الذي كان الملك الخامس والخمسون من سلالة الشمس منذ إكشوكو ويسمى داساراثا Daçaratha. عندما غزا راما الهند عثر على التقويم الأطلنتيكي وتبناه  بعد دراسته بتمعن وكان على اطلاع على المؤلفات الفلكية التي كانت عند الأطلنتيك وعلى معرفة معقمة بأفكارهم وديانتهم  وقال عنه المقربون منه أنه ملهم من الإله الأعلى. وكان هناك تشابه بين دين رام وديانة المصريين ونزوعهما للمعابد الفخمة والضخمة مثلما هو حال الأديان الشرقية مما يلمح إلى مصدرها وأصلها المشترك الأطلنتيكي. كان رام مشرعاً كبيراً وقائداً صارماً وكان  بمثابة الشعلة الأطلنتيكية التي خبت ثم  تأججت تحت إسمه، ورام هو الذي يسميه الهندوس في الهند اليوم " راما" RAMA وفي التبيت يسمونه لاما Lama وفي الصين فو Fo  وفي اليابان با pa وفي شمال آسيا با با Pa-pa أو با دي شاه Pa-di-shah أو با سي با Pa-si-pa والفرس يسمونه جيام شيد Giam-shyd والآريين يسمونه ديونيسوس Dionysos. وفي 2100 قبل الميلاد كان انهيار السلالة الشمسية قد أدى إلى السقوط السياسي لإمبراطورية رام  فكرس رام نفسه للوجود الروحي وللنشاط الديني ونصب مقعده الديني في التبيت الذي ما يزال قائماً إلى اليوم بالرغم من كبر سنه حسب معتقدات اللاميين culte Lamique  فالعبادة اللامية تقول أنه حي لا يموت إنما تتناسخ روحه الخالدة  وتنتقل من جسد إلى آخر.  دامت إمبراطورية رام في الهند 35 قرناً ساد فيها السلام والطمأنينة عند الشعوب الهندية وانتشر أثره الديني بتنظيم محكم وانضباط منقطع النظير وكانت الحضارتين الهندية والصينية قد دونتا كل شيء وبكافة التفاصيل وحافظوا على تلك النصوص وهي الكتب  المقدسة الأقدم في العالم اليوم. ملحمة راما يانا Ramayana تروي لنا جزءاً من تاريخ رام، والفيدا Les Vidasهي الأكمل والأقدم ربما بين النصوص الهندية وتليها ملحمة المهابهاراتا Mahabharata التي يحتل فيها بهاغافاد جيتا Bhagavad-Gita حيزاً كبيراً ومهماً، فهي أثر أدبي وملحمي عظيم ما يزال يستخدم كدليل منذ قرون عديدة لملايين من الناس. فمصدر إلهام رام هو الأطلنتيكيين كما كانوا كذلك مصدر إلهام العبادات والديانات المصرية والعبرانية ولا سيما الكابالا وأسس الفلسفة المحكمة والغامضة أو السرية والرمزية أو المرمزة والتي عبرت لبقية الشعوب عبر المدرسة الفيثاغورية  ومدرسة الإسكندرية ووصلت إلى الإغريق وتلقفها العرفانيون والكاباليون اليهود، وهناك مصدر آخر هو الفلسفة الطاوية والبراهمانية والبوذية وغيرها التي شكلت منهلاً خصباً للأفكار والمعتقدات الدينية والفلسفية المعاصرة. لا بد أن نعرج قليلاً لنتحدث عن شخصية مهمة ثبت وجودها تاريخياً وخلقت تياراً روحانياً مهماً تحول إلى ديانة منتشرة اليوم في جميع أرجاء العالم لا سيما في الهند وأفغانستان والصين واليابان، وهي شخصية بوذا. عندما توفي بوذا عن عمر الثمانين، أعلن الحداد لمدة سبعة أيام من قبل أتباعه  ثم أحرقت جثته وكان شهرته قد طفقت الآفاق وانتشرت رسالته وأقواله وتفاصيل حياته بين المؤمنين به والسائرين على خطاه. وكان هذا المعلم الروحي المستيقظ والمستنير l'éveillé قد حذرمن  مغبة تقديس شخصيته وقال بالحرف الواحد:" عندما أموت كونوا أنتم كما أنتم كونوا جزيرتكم الخاصة بكم ومأواكم وملجأكم  ولا يجب أن يكون لديكم ملاذ آخر غير أنفسكم ولا تلجئوا أو تعودوا لي". ومع ذلك تنازع الأتباع في تقاسم رماد بوذا وبقاياه، وجمعوا أقواله وأفعاله وسنته وشهادات المقربين منه وصحابته. حدثت بينهم انشقاقات وهرطقات وتأويلات وخلافات أدت إلى نشوء عدة مدارس بوذية، بشأن الطريق الواجب إتباعه لبلوغ الغاية القصوى التي وصلها المعلم الأول  بوذا ذاته أي الــ "آرشات archat" وهي الرؤية الإختراقية  المؤدية للصحوة واليقظة الدائمة والتسامي. وهذا الطريق صعب وشبه مستحيل، مقصور على عدد ضئيل جداً من المختارين لاجتيازه وبلوغ نهايته كما فعل بوذا. وقد عقدت مجالس  عقائدية وفكرية بهذا الخصوص في القرن الرابع قبل الميلاد من قبل كهنة الديانة البوذية لتحديد معالم الطريق واعترافهم بأن الوصول إلى "آرشات archat" كامل وتام ومتقن ومثالي أمر غير قابل للتحقيق ووهم  لا يمكن لأحد غير بوذا تحقيقه وتحويله إلى واقع وكانت إحدى المدارس قد اعترضت على ذلك وقالت بأنه من الممكن السير على خطى " طريق القدماء la voie des Anciens بغية امتلاك الرؤية الإختراقية vision pénétrante et l'éveil وبلوغ اليقظة  والديمومة الروحية theravada  الذرافادا للتحرر من سلطة الجسد المادي والانعتاق منه  وتحرير الروح . ويصف هؤلاء بوذا بأنه إنسان، بشر، حكيم بلغ مرحلة اليقظة الروحية l'éveil spirituelle، وهو معلم من الطراز الأول عرف كيف يكيف خطابه لمختلف المستويات من الأتباع والمتلقين إلى درجة إعطائهم ما يربو على 84000 باباً للولوج  ووضع خطواتهم مطابقة لخطواته  واتباع تجربته وبذلك يمكنهم التحرر من السامسارا samsara، وهناك سبل  معقدة لبلوغ هذه الغاية تمر عبر الصلاة والتأمل والترحم méditation et compassion  والتقشف austérité. ويمكن إتباع التعليمات التي أعطاها بوذا نفسه ليس من خلال الـ "آرشات archat"، بل من خلال بوذيساتفا bodhisattva، أي  أسلوب الكائن الاستثنائي الذي لا يبغي بلوغ النرفانا nirvana، بل اليقظة التامة  والكاملة أو الصحوة المثالية éveil parfait. وبوذا ليس هو المعلم الوحيد بل هناك آلاف  النسخ من بوذا بعدد حبات الغبار على شواطيء نهر الغانج  Gange المقدس وعلى مختلف مستويات الوجود فكل كائن عليه أن يبذل ما في وسعه لكي يغدو بوذا آخر. والسؤال هو : من هو بوذا الحقيقي، بوذا التاريخي؟ حسب نص المهايانا mahayana فإن شخص غوتاما  Gautama، وهو إسم بوذا البشري الحقيقي، ليس مجرد كائن بشري، وهذا التأكيد يعتبر من الهرطقة في نظر البوذيين التقليديين الــ theravada الثيرافاديين. فهو في نظر التجديديين  " ظهور أو تجلي فيزيائي مادي في جسد ممسوخ أو ناقص، لبوذا الكوني الروحاني. ولمعرفة سر هذا " الجسد" ينبغي الركون إلى عقيدة التريكايا trikaya، أي بعبارة أخرى عقيدة الأجساد الثلاثة لبوذا المتعايشة في نفس الوقت والمتواجدة في آن واحد أي بوذا الذي وصفته عقيدة المهايانا البوذية. فهذا الوجود الثلاثي متجسد في جسد بوذا  وفي كل بوذا آخر يأتي بالتناسخ . الجسد الأول هو الجسد الخفي الخالي من أي شكل وهو المسمى ذرماكايا dharmakaya،  أي جسد ذرما، وهو جسد خالد لا يموت، فريد من نوعه وكوني، وهو جسد بوذا الأصيل الأولي قبل تجسده المادي والذي يمثل  البعد الكوني في خواء الصحوة الدائمة vacuité de l'éveil، والوحيد القادر على تقبل الكائن الكامل  المتحرر كلياً من السامسرا samsara. الجسد الثاني هو المعروف بإسم سامبوغاكايا أو جسد القصاص le corp de rétribution، وهو مجرد انعكاس للذرماكايا dharmakaya، وهو يظهر بفضل تراكم  الاستحقاقات والسجايا والمزايا  الجدير بها، وبالتالي فهو جسد شبه مثالي يتسم بخمس سمات ومكلل بخمس هبات من الكمال من شأنها أن تنقذه من دورة  التناسخات المضنية. والجسد الثالث هو النيرماناكايا nirmanakaya أو جسد الانبثاق émanation، الذي اختاره البوذا الروحي لكي يتجسد مادياً في جسد كائن بشري هو غوتاما  Gautama والذي هو في الأصل جسد الأمير سيدهارتا Siddharta . الجسدين الأخيرين هما تجلي صارخ  للجسم المدرك corps perceptible لبوذا الأصيل الأولي غير المادي  أو بوذا الكوني. ولكن التقديس الموجه لبوذا اليوم يأخذ الطابع التأليهي divinisé رغم أن الديانة البوذية لا تعترف بوجود إله خالق، ولا تعتقد بوجود جنة ونار  وجحيم وفردوس وعقاب وثواب كما نصت عليه الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام. الحياة من وجهة نظر بوذا ليست سوى دورة من المعاناة  والعذاب تبدأ من الولادة ومحفوفة  بالنواقص البشرية كالشيخوخة والمرض  والموت والحزن  والتلوث والنجاسة. ولقد أخذ بوذا ثلاث خصال من الديانة الهندوسية الفيدية  ــ نسبة إلى فيدا ــ ومنصوصة باللغة السنسكريتية وهي " الكارما karma، والسامسارا samsara، والنيرفانا nirvana " وكيفها وفق مفهومه للذات الفردية  فالهندوسية تعتقد بوجود الذات الدائمة  الخالدة المعادلة للروح في التقاليد والمعتقدات الدينية الغربية، والتي  تتناسخ مرات ومرات إلى أن تتخلص وتتحرر نهائياً من عقوبة الانبعاث وعودة الميلاد المتكررة، بينما يرفض  بوذا وجود الذات  ويقول بأن كل كائن حي هو بمثابة تجمع لخمسة عناصر مكونة للتقلبات fluctuations، كما في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية، وهذه العناصر الخمسة هي :" الجسد أو المادة، المشاعر والأحاسيس، الإدراكات، التشكيلات النفسية أو الروحية، والوعي". فالذات  إذن في حالة تغير من ثانية لأخرى ودائماً مؤقتة .

يتبع

د. جواد بشارة

 

بمجرد أن تقع عين القاريء الحصيف المتدبر للقران على هذه الآية الكريمة (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) يلاحظ بوضوح، ان القران الكريم قد احاط بشكل مطلق بكل حقائق الأشياء في الوجود، المحسوسة منها، والغيبية، السالفة التحقق منها، والحاضرة التحقق بالآن، والآتية منها في المستقبل، وبذلك يشكل سبيل هداية لا يتناهى للإنسان، لتلمس من خلاله طريق الوصول إلى الحق، عندما تختلط عليه الأمور، وتلتبس عليه معرفة المجاهيل بكل أشكالها، من تلك التي لا قبل لطاقاته العقلية المحضة باستحضار حقيقة ما هيتها لأي سبب كان.

وإذا كان هذه هي حقيقة القران، فان الأمر يتطلب من الإنسان أن يحرص على تدبره بوعي تام، ويتأمل ما فيه من الآيات بعمق، وبعقل رشيد مفتوح النوافذ على افاق فضاء هذه الاحاطة القرآنية المدهشة، متناغما في هذا الصدد مع قاعدة (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، لكي لا تغيب موضوعية هذه الدلالة المدهشة عن البال، وبالتالي فأنه ينبغي ان يتجسد التدبر في القرآن بالتأمل حقا بمعانيه، وإعمال الفكر فيه بعمق، وذلك بالحضور الفعلي للجوارح، والرغبة الصادقة في فهم نصوصه بمعيار(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)، الأمر الذي يتطلب استشعار عظمة الله بتلاوته، كأنه هو المقصود بالخطاب القرآني، حتى يتحقق عنده الإحساس المؤمن كأنه عليه نزل، وذلك بقصد التمكن من الإبحار بوعي في فضاءات إحاطة القران الكلية بحقائق هذا الوجود، والنجاح في تلمس ما يمكن تلمسه منها.

على ان من المفيد عند محاولة فهم معاني القرآن بجانب منهجية التدبر، الرجوع إلى المشهور من مراجع التفسير التي تهتم ببيان المعنى، بهدف التسلح بمعرفة كافية في علوم القران، بقصد المساعدة في الاقتراب المتجسد من مرادات النص على مقاصده، وبعكسه فان القراءة المشوشة، لا تحقق لصاحبها الغرض المنشود، حيث ستكون كحاطب ليل. ولعل ما ورد في الأثر من أحاديث بهذا الصدد من انه (سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم)، يؤشر حقيقة هكذا حال، ويرسم صورة حية لواقع الكثير من القراءات المعاصرة، سواء منها غير المتدبرة، أو المفتئتة، التي لا تزيد صاحبها إلا ضلالا عن السبيل القويم المستهدف من وراء منهجية التدبر.

ولعل الوقوف على الحقائق المكتشفة التي اثبتتها الأبحاث العلمية المعاصرة أيضا، والتي تعتمد على التجارب الحسية، تزيد اليقين، بإعجاز الاحاطة القراني، وتقطع بدقة آلية التوافق المتناغمة، التي تحكم العلاقة بين تلك الحقائق الكونية، مصداقا للقانون الالهي الضابط لهذه الإحاطة المطلقة، التي تأبى العفوية التي لا تتجلى تداعياتها إلا بالفوضى والتخبط، الأمر الذي يرسخ الإيمان المطلق بالإرادة المركزية الحرة للخالق، والقصدية الهادفة، والدراية المطلقة بهذه الإحاطة المعجزة، التي تتجلى بوضوح للإنسان بالبحث والتدبر معا، يوما بعد آخر، مصداقا لمعيارية التبيين والاستبانة على قاعدة (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، حيث لم يحصل أبدا أن تقاطعت حقيقة كونية مكتشفة علميا، بعدما تبينت لمتدبر القران الباحث في الآفاق، مع حقائق احاطة القران الكلية بتفاصيل الوجود حتى الان.وبذلك يتحقق حصول اليقين التام في القلب بهذه الحقيقة على قاعدة(هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ)، وهذا ما يؤكد بالملموس العملي، أن هذا القرآن يهدي المؤمنين الذين يفهمون مراد الله على حقيقة مقصوده، إلى العلم اليقيني الصحيح بإلهية مصدرية القران، ويدفع عنهم الشك والريب الذي يساور معطلي حركة العقل السوي، عن ممارسة وظيفته الكبرى في تبين الحق، وكشفه في ثنايا احاطة القران الكلية من خلال البحث العلمي، والتدبر العقلي، حيث تترسخ بإعجاز الإحاطة القرآني المدهش، حقيقة الهية القران على وجه القطع المطلق على قاعدة (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) من ناحية اخرى، من دون حاجة للدخول في مماحكات لا طائل من ورائها، مما قد يثيره المتنطعون للتشكيك المغرض في إعجاز يقينية إحاطة القران بحقائق الوجود، وبذلك يزداد الذين امنوا ايمانا فوق ايمانهم.

 

نايف عبوش  

 

 

mohamad abdulkarimyousifكلنا تقريبا يشعر بقشعريرة عند التفكير بتقديم حياة إنسان إرضاء للآلهة . يربط المجتمع الحديث عبارة "الأضحية البشرية" مع الطقوس الوحشية، أو السيئة، أو الشيطانية. ومع ذلك، فإن الثقافات التي يعتبرها العلماء متحضرة للغاية، وغنية، ومتقدمة تعتبر التضحية البشرية جزءا عاديا من الحياة.

ارتبطت بعض الثقافات القديمة في عمليات القتل الطقسي للإنسان للحصول على رضا الآلهة، في حين أن آخرين يمارسونه لإظهار الاحترام والتفاني لزعمائهم. الطقوس يمكن أن تكون هادئة وبسيطة كشرب السم أو قاسية مثل الدفن أو الحرق وأنت على قيد الحياة. ولكن فوق كل شيء، كان هذا العمل يعتبر عاديا تماما.

القرطاجيون

المجتمع القرطاجي متناقض في أنه كان واحدا من أغنى وأقوى الحضارات في العالم القديم، ومع ذلك ارتبط ببعض الطقوس التي حتى مثيلاتها "الهمجية " المعاصرة لها اعتبرتها مرعبة . وشمل ذلك عمليات قتل الأطفال كأضاحي - يعتقد العديد من الخبراء أن تقديم الأطفال لكسب رضا الآلهة ساعد القرطاجيين على التحكم في عدد سكانهم المتزايد. وهم يعتقدون أيضا أن التضحية بالرضع تتم عمدا من قبل الآباء القرطاجيين الأثرياء للحفاظ على ثرواتهم سليمة معافاة .

ويقدر أنه من عام 800 قبل الميلاد حتى 146 قبل الميلاد، عندما غزا الرومان قرطاج، تم التضحية بنحو 20،000 طفل . ومع ذلك، لا يعتقد الخبراء أن القرطاجيين ارتبطوا في الواقع بالمشاركة في التضحية بالرضع. ويؤكدون أن بقايا الرضع المكتشفة تشير إلى أنهم قد ماتوا لأسباب طبيعية.

الإسرائيليون

ويعتقد كثير من العلماء اعتقادا راسخا بأن الإسرائيليين القدماء قاموا "بإحراق الأطفال كقرابين "باسم إله كنعاني قديم يدعى مولوخ . لم تمارس كل إسرائيل القديمة هذه الطقوس و يعتقد الخبراء أن طائفة إسرائيلية واحدة على الأقل مارست ذلك لتكريس حياتها لعبادة الإله مولوخ، وأن الطقس من أصل كنعاني .

لا يوافق بعض العلماء على هذا، ويعتقدون أن الإله مولوخ لم يكن موجودا في المجتمع الإسرائيلي القديم . وبالنسبة لهؤلاء العلماء، فإن كلمة ملك التي اشتقت منها كلمة مولوخ لا تعني "الإله"، بل تعني " التضحية ". وعلى هذا النحو، فقد تكون التضحيات قد قدمت بمعنى أعم وأكثر شمولا، أو ربما لا تكون موجودة على الإطلاق . لم يتوصل العلماء على الاتفاق على هذه المسألة، ولا تزال المناقشة مستمرة حتى يومنا هذا.

الأتروسكيون

الأتروسكيون شعب قديم عاش في ما يعرف الآن باسم توسكانا . كانوا من المزارعين والتجار الذين قاموا بعمليات تجارية مع اليونان وقرطاج . وبصرف النظر عن الزراعة والتجارة، اعتمد الأتروسكيون على المعادن لتغذية اقتصادهم.

لسنوات عديدة، كان العلماء غير راغبين في قبول حقيقة أن الأتروسكين لم يشاركوا في ممارسة تقديم الأضاحي البشرية. ولكن عندما اكتشف علماء الآثار في جامعة ميلانو أدلة هامة في تاركوينيا في إيطاليا، فقد ثبت بشكل قاطع أن الأتروسكيين قاموا بالفعل بممارسة القتل وتقديم الأضاحي البشرية. اكتشف علماء الآثار العديد من بقايا البالغين الذين تم التضحية بهم، والرضع، والأطفال الذين كانوا إما أجانب أو مرضى أو من ذوي المستوى الاجتماعي المنخفض . وبصرف النظر عن الرفات البشرية، اكتشف علماء الآثار أيضا مبنى مقدسا، ومذبحا حجريا، و " كوديعة طقسية للسلطة العلمانية " التي تضمنت البوق والفأس والدرع.

الصينيون

كانت ممارسة التضحية البشرية شائعة جدا في الصين القديمة، وخاصة خلال عهد أسرة شانغ، أول سلالة صينية ذات سجلات مكتوبة . في الواقع، تشير الأدلة الأثرية إلى أن التضحية البشرية كانت تمارس على نطاق واسع خلال عهد أسرة شانغ . والغرض من ذلك له شقان: السيطرة السياسية والتواصل الديني .

ويعتقد الخبراء أن هناك ثلاثة أنواع من الأضاحي البشرية التي مارسها الشانغ . في أضاحي الحفر، تم التضحية بالشباب. تم تقطيع أجسادهم ودفنهم دون ممتلكاتهم الشخصية . في الأضاحي بالأساس، تم استخدام الأطفال والرضع . وتبين الأدلة الأثرية أن هذه الأضاحي البشرية شهدت وفيات عنيفة، ودفنت أيضا دون ممتلكات. وأخيرا، في الأضاحي بالمعتقلات، تم التضحية بالفتيات الصغيرات. على عكس النوعين الأوليين، ودفنوا في أماكن الدفن العادية وأبقيت أجسامهن سليمة .

السلتيون

مارس السلتيون عمليات القتل وتقديم الأضاحي البشرية كجزء من طقوسهم الدينية، وهناك أدلة واسعة تثبت ذلك. هناك أعمال مكتوبة للمؤرخين الرومانيين واليونانيين والنصوص الايرلندية المكتوبة خلال العصور الوسطى، بالإضافة إلى الأدلة الأثرية الأخيرة . ناقش سترابو، وهو جغرافي وفيلسوف يوناني، طقوس السلتيين في الأضاحي البشرية في كتابه "الجغرافيا" . حيث قال:

"إن السلتيين يضربون الرجل المخصص للتضحية في ظهره بالسيف، ويقومون بتقديم النبوات عن سبب وفاته وهم لا يضحون دون حضور الدرويد ".

وعلاوة على ذلك، ذكر التضحية بالصغار، وكيف كان السلتيون يستخدمونهم كأضاحي .

وأضاف " إنهم يبنون هيكلا كبيرا من القش والخشب، وبعد إلقاء الماشية وجميع أنواع الحيوانات البرية والبشر فيه، يقومون بحرق كل شيء فيه".

يشكك كثير من العلماء في صحة وقائع سترابو، فضلا عن غيرهم من المؤرخين اليونانيين والرومان، وذلك لأن أعمالهم كانت مليئة بالدعاية السياسية . ومع ذلك، فإن اكتشاف جسم من الذكور في مستنقع ليندو أثبت مرة واحدة وإلى الأبد أن السلتيين مارسوا تقديم الأضاحي البشرية إلى حد ما . ويقال إن الرجل في مستنقع ليندو " خُنق، وضرب على رأسه، وقطع حلقه، في نظام سريع، ثم استسلم ميتا في المستنقع ".

الهواويون

يعتقد الهواويون القدماء أنه من خلال التضحية بالبشر يمكنهم كسب ود الإله كو، إله الحرب والدفاع، ويستطيعون تحقيق النصر في معاركهم. قُدمت الأضاحي في معابد تسمى هياو . وكان الناس المقدمون في الأضاحي من الأسرى، ولا سيما رؤساء القبائل الأخرى، حيث كانوا يعلقون الضحية رأسا على عقب على منصات خشبية". وسيتم مسح الكاهن بالعرق الذي يتم جمعه من الأضحية . ثم تضرب الأضحية مرارا وتكرارا حتى يصبح لحمها طريا . وأخيرا، يتم نزع الأحشاء . الطقوس لا تنتهي هناك، وبمجرد تنظيفها، يتم تناول اللحم إما "مطبوخا نيئا " من قبل الكاهن ورئيس القبيلة .

بلاد وادي الرافدين

مارس سكان بلاد وادي الرافدين تقديم الأضاحي البشرية كجزء من طقوس الدفن من عائلاتهم الملكية والنخبة . وقد تم التضحية برواد القصر وزواره، وبالمحاربين، والخادمات بغرض مرافقة أسيادهم في الآخرة . بعد أن يقتلوا يتم وضع جثثهم في ترتيب منتظم، ومزخرف. ويحمل المحاربون أسلحتهم على جوانبهم، في حين أن الخادمات يتم تزيينهن بأغطية للرأس .

لسنوات عديدة، اعتقد الخبراء أن هذه الأضاحي قتلت بالسم. ومع ذلك، تظهر التقصيات الجديدة أن وفاتهم كانت أكثر وحشية بكثير - يطعنون بالرأس برمح، إنه موت مؤلم ولكنه سريع.

الأزتيك

كان مجتمع الأزتك يقدم حياة البشر لكي يحافظ على بقاء الشمس حية لا تموت . يعتقد الأزتيك بقوة أن الدم البشري هو " قوة الحياة المقدسة " وأن إله الشمس، هيتزيلوبوكتلي، يحتاج إلى الغذاء والتغذية.

قام الأزتيك بأعمال القتل البشرية الوحشية والمروعة لكل من المتطوعين وأعضاء القبائل الأخرى الذين تم القبض عليهم خلال الحرب. في نوع واحد من الطقوس، يطلب من الضحية أن تمشي فوق الدرج إلى المعبد. عندما الوصول إلى أعلى يفتح الكاهن بطنها، ويشق الحلق وصولا إلى البطن . ثم يقدم الكاهن القلب للآلهة، بينما يتم تقطيع الجثة في الجزء السفلي من المعبد . وتناقش تقديرات عدد الأضاحي بشراسة، وهي مشكلة متفاقمة حقيقة نظرا لأن المصادر المتاحة المحايدة قليلة.

المصريون

يعتقد كثير من علماء المصريات أن المصريين القدماء مارسوا تقديم الأضاحي البشرية. على الرغم من أن هناك بعض الخبراء الذين يختلفون مع هذا الرأي، فقد وجدت قبور الأضاحي في أبيدوس لتثبت أن المصريين القدماء قدموا على الأقل بعض الأضاحي في طقوس، حيث يتم قتل عبيد الفراعنة أو الشخصيات الرئيسية الأخرى حتى يتمكنوا من الاستمرار في خدمة الفراعنة في الآخرة . اقترح عالم المصريات الشهير جورج رايسنر أن مقابر الملك دجر والملك آحا كانت مليئة بالخدم الذين تم التضحية بهم عن طريق دفنهم أحياء بأدواتهم. كما افترض رايسنر أن زوجة الملك دجر دفنت حية مع جثمانه. ومع ذلك، تم التخلص من هذه الأضاحي في نهاية المطاف والاستعاضة عنها بشخصيات إنسانية رمزية.

الأنكيون

لجأ الأنكا إلى ممارسة تقديم الأضاحي البشرية للآلهة، ولاسيما تقديم أطفالهم، كوسيلة لمنع الكوارث الطبيعية. وعانت إمبراطورية الأنكا من العديد من الكوارث الطبيعية، بما في ذلك الانفجارات البركانية والزلازل والفيضانات . يعتقد الأنكا أن هذه الكوارث الطبيعية كانت تسيطر عليها الآلهة، وأن الأمر يحتاج إلى التقرب من الآلهة من خلال الأضاحي .

وفي حين أن العديد من الأضاحي كانوا من السجناء، فإن بعض الأطفال قد قدموا فقط لغرض قتلهم طقسيا بسبب الاعتقاد بأن الأطفال الأصحاء جسديا كانوا أنقى الأضاحي التي يمكن أن تقدمها الأنكا. ويعتقد الأنكا اعتقادا راسخا بأن هناك حياة ما بعد الحياة حيث يعيش الأطفال الذين تم التضحية بهم في مكان أفضل وأكثر سعادة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت الأضاحي غالبا ما تعامل بشكل جيد جدا قبل أن يُقتلوا - يعطى لهم نظام غذائي ممتاز، وتقام وليمة على شرفهم، ويلتقون مع الإمبراطور.

 

بقلم: بول جونكو

 ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف

…………….

المصدر الأصلي للمقالة

10 Ancient Cultures That Practiced Ritual Human Sacrifice, Paul Jongko , 2015.

 

abdulreda aliتراثُ أيّة ِأمّةٍ معناه ما تقدّمهُ تلك الأمةُ في سنيّ حياتِها من جهدٍ ثقافيٍّ، وفكريٍّ، وحضاريٍّ لأبنائها على وجه الخصوص، وللإنسانيّة على وجه العموم، والتراثُ ينقسم أقساماً ثلاثة:

1- التراثُ الدينيُّ: ويُقصدُ بهِ التراث الذي يرتبطُ بقيمِ السماءِ لكلِّ شعوبِ العالمِ.

 والدراساتُ الشعبيّةُ حين تضعُ الإشارةَ تريدُ أن تنبّهَ إلى أنّ الباحثين في قسمتِهم للتراثِ لايفرّقونَ بين أُممِ الأرضِ، ودياناتِها مهما اختلفت تلك الأعراقُ أو الديانات.

2- التراثُ الرسميُّ: ويُقصدُ به التراثُ المدوّنُ الذي كتبته الأممُ، وانتقلَ مكتوباً إلى الحاضرِ عبر الأجيالِ، كما هو الحال في التراثِ العربي المدوّنِ بالفصحى، وهو غيرُ تراثِها الشعبيِّ المنقولِ شفاهاً.

3- التراثُ الشعبيُّ: ويقصد به ما كان خاصاً بأمّةٍ من الأمم، وتناقلته شفاهاً جيلاً بعد جيلٍ، ويندرجُ تحته: العاداتُ، والتقاليدُ، والحِرفُ اليدويّة، والفنُّ الفطريُّ، وفنونُ الأدبِ الشعبيّ من أساطيرَ، وملاحمَ، وسِيَرٍ شعبيّةٍ وحكاياتٍ وأمثالٍ وأغان ٍ، وشعرٍ عاميٍّ وغيرِ ذلك.

*****

 وفي هذا التراثِ المتنوّعِ لا تعدَمُ أن تجدَ الكثيرَ من المُخيّلِ المنافي للعقلِ والمنطق، وهو شأنٌ ينبغي توصيفُهُ منهجيّاً.

 فالخيالُ الفنّيُّ: تشكيلٌ سحريٌّ يؤديه كلامٌ يُثيرُ في المتلقّي انفعالاً هدفَ إليهِ صانعُهُ مع سبقِ الإصرارِ والترصّدِ، بعدَ أنْ تقصّى حركتَهُ النفسيّة بتصميمٍ واعٍ، وتقديرٍ ذكيٍّ، وهذا التشكيلُ السحريُّ لا يقدِرُ عليهِ غير الفنّانِ المبدعِ، وهو على وفقِ رأيِ العلامةِ المرحومِ عليّ جواد الطاهرِ: (أن تخلقَ من أشياء مألوفةٍ شيئاً غيرَ مألوفٍ في الفنِّ عموماً .)¹

 وقد أشار إلى أهمّيتهِ في الإبداعِ نقادنا القدامى، وأوضحوا قيمتهُ الفنّيَّةَ في عمليّةِ الإدهاش، والإثارةِ . ولعلَّ خيرَ من وقفَ عندهُ من القدامى ابن سينا في كتابهِ (الشفاء) حين قال: (والمُخيّلُ هو الكلامُ الذي تذعنُ لهُ النفسُ فتنبسطُ عن أمورٍ، وتنقبضُ عن أُمورٍ من غيرِ رويَّةٍ وفكرٍ واختيار.وبالجملة تنفعلُ لهُ انفعالاً نفسانيَّاً غيرَ فكريٍّ، سواء كان المقول مصدّقاً بهِ، أم غيرَ مصدّقٍ.)²

فالبردُّونيُّ حين يقولُ:

طلبتُ فطورَ اثنينِ قالوا: بأنّني   وحيدٌ فقلتُ: اثنينِ إنَّ معي صنعا

فقد خلقَ من هذهِ المفرداتِ المألوفةِ المعروفة: طلبتُ، اثنين، وحيد، فطور، صنعاء... إلخ، صورةً غيرَ مألوفةٍ في سحريّةِ الأداءِ .

وكما في قولهِ أيضاً:

     ليسَ بيني وبينَ شيءٍ قرابةْ  عالمي غربةٌ، زماني غَرابةْ

ربّما جئتُ قبلَ، أوبعدَ وقتي!   أو أتَتْ عنـهُ فترةٌ بالنـيابةْ

 وهكذا يتمُّ تكوينُ الخيالِ الساحرِ.

 لكنّنا في إشارتِنا إلى الخيالِ الشعبيِّ في الميثولوجيا العربيّةِ نتوسّعُ في قبولِ هذا السحرِ الفنّيِّ، فنُشيرُ إلى ما كانَ خارجاً عن مألوفِ الاستساغةِ والقبولِ، أي إلى ما كانَ خيالاً وهميَّاً لا مكانَ فيهِ للعقلِ، ولا يملكُ سلطاناً من المنطقِ كـ: زواجِ السعالي من الرجالِ، وزواجِ الجنِّ من بني الإنسانِ، وعبثِ الغولِ بالمسافرِ، ومشيِ النسناسِ برجلٍ واحدةٍ، وقدرةِ (الهاتفِ) على تغييرِ مواقفِ الرجالِ، ومقاتلةِ (الشِّق) للإنسان بالسيفِ إذا انفردَ به،، وما إلى ذلك من أساطيرَ، ومعتقداتٍ آمنَ بها بعضُ العربِ، وحفظتْها لنا أسفارُهم، وهي أمورٌ تؤكّدُ مقولة أدونيس من أنَّ (الأسطورةَ دفءٌ للعقلِ والجسد)³ ممّا يذكِّرُ به الشاعرُ الفرنسيُّ باتريس دولار دوبان في عبارتهِ الجميلة: (الشعبُ الذي لا أساطيرَ له يموتُ من البرد)⁽⁴⁾ خير دليلٍ على أهميّةِ هذا الدفءِ الفنّيِّ.

 ولعلّ من ضروراتِ المنهجِ أن نوضحَ الآتي:

• الخُرافة:

 لم تُعنَ معاجِمُنا العربيّةُ عنايةً تامّةً بمصطلحِ (الخرافة) بل إنَّ بعضَها لم يُشرْ إليهاِ، في حين ظلّتْ إشاراتُ بعضِهم موجزةً، ويبدو أنَّ الأصلَ اللغويَّ قد جاء من خُرافةِ التمرِ، ففي اللسان نقرأُ: (وخَرَفْتُ فلاناً أَخرفُه إذا لَقَطْتُ له الثَّمرَ. أَبو عمرو: اخْرُفْ لنا ثمَرَ النخلِ، وخَرَفْتُ الثِّمار أَخْرُفُها، بالضم، أَي اجْتَنَيْتُها، الثمر مَخْرُوفٌ وخَريف.....

وأَخْرَفَ النخلُ: حانَ خِرافُه)، كما أنّكَ لا تعدم وجودَ معنىٍ آخر لكلمة (خرافة) تنبئ عن كلامٍ كذبٍ لا طائلَ منه، فقد ورد في العُبابِ الزاخرِ أنّ (خرافة أسمُ رجلٍ من عذرة استهوتْهُ الجنُّ فكان يحدِّثُ بما رأى؛ فكذبوه، وقالوا: حديثُ خرافةٍ. وقال الليث: الخرافة: حديثٌ مستملحٌ كذب.)

 غير أنَّ حكاياتِ (لافونتين) أوضحت أنَّ الخُرافةَ في الأدبِ الشعبيِّ: هي قصّةٌ قصيرةٌ خياليّةٌ أبطالُها من الحيوانات والبشرِ، فيها الشعرُ أكثرُ من النثرِ، وقد بيّنَ الكاتبُ الفرنسي (فلوبير) أنَّ (لافونتين) قد تأثّرَ بكتاب (كَليلة ودِمنة) لابنِ المقفّعِ المترجمِ من الفارسيّةِ عن الأصلِ الهنديِّ.

 إذاً، فالخرافةُ قصّةٌ اختلطت فيها الرموزُ الحيوانيّةُ بالشخوصِ الإنسانيّةِ على نسقٍ من الأخيلةِ التي لا ترتبطُ بالواقعِ أبداً، لكنّها تؤدّي مغزى، أو تهدفُ إلى نشرِ فضيلةٍ ما.

• الأسطورةُ:

 ما زالَ تعريفُ الأسطورةِ غائماً غيرَ محدّدٍ، وما زالتِ الآراءُ والنظراتُ فيها تُشكّلُ خلافاً جوهريّاً حتى بالنسبةِ إلى المتخصّصينَ، وشهادةُ (صمويل نوح كريمر) خيرُ دليلٍ على هذا الخلاف، فقد ذهبَ إلى أنَّ المحدثينَ من دارسي الأساطيرِ يختلفونَ اختلافاً جذريّاً في نظراتِهم لطبيعةِ الأساطيرِ، وميدانِها، ومدلولها.فقد ذهبَ بعضهم إلى أنّها (نتاجٌ صبيانيٌّ ووهمٌ نزقٌ) بينما يرى آخرون أنَّ (أساطيرَ العالمِ القديمِ إنّما تمثّلُ واحدةً من أعمقِ منجزاتِ الروحِ الإنسانيّ، وهو الخلقُ الملهمُ لعقولٍ شاعريّةٍ خياليّةٍ موهوبةٍ سليمةٍ لمْ يفسدْها تيّارُ الفحصِ العلميِّ، ولا العقليّةُ التحليليّةُ)، في حين يراها ثالثٌ (أنّها لم تزدْ على أنْ تكونَ رواياتٍ خرافيّةٍ تطوّرتْ من أجلِ تفسيرِ طبيعةِ الكونِ ومصيرِ الإنسانِ، وأصولِ العاداتِ والعقائدِ، والأعمالِ الجاريةِ في أيامهم، وكذلك أسماء الأماكنِ المقدّسةِ والأفرادِ البارزينَ .)

 وقد أكَّدَ بعضُ النقّادِ العربِ أنَّ الأسطورةَ هي الجزءُ القوليُّ المصاحبُ للطقوسِ البدائيّةِ . ولكثرةِ هذهِ التفسيراتِ فقد قسّمَ بعض النقّادِ الأسطورةَ إلى أقسامٍ عديدةٍ، واختلفوا أيضاً في أنواعِها، فذهبت الدكتورة (نبيلة ابراهيم) إلى تعدادِ خمسةِ أنواعٍ منها:

1- الأسطورةُ الطقوسيّةُ

2 – أسطورةُ التكوين

3 – الأسطورةُ التعليليّةُ

4 – الأسطورةُ الرمزيّةُ

5 – أسطورةُ البطلِ الإله .

بينما يقسّمُها الدكتور أحمد كمال زكي أربعةَ أقسامٍ هي:

1 – الأسطورةُ الطقوسيّةُ

2 – الأسطورةُ التعليليّةُ

3 – الأسطورةُ الرمزيّةُ

4 – التاريخسطورة.

 نخْـلُصُ من هذا إلى أنَّ الأسطورةَ ما هي إلا الوعاءُ الأشملُ الذي فسّرَ فيهِ البدائيُّ وجودَهُ، وعلّلَ فيهِ نظرتَهُ إلى الكونِ محدِّداً علاقتهُ بالطبيعةِ من خلالِ علاقتِهِ بالآلهةِ التي عدّها القوّةَ المسيّرةَ والمنظّمةَ والمسيطرةَ على جميعِ الظواهرِ الطبيعيّةِ من تعاقبِ الفصولِ، والليلِ والنهارِ، والخصبِ والجفافِ . مازجاً فيها الجانبَ السحريَّ بالدينيِّ، وصولاً إلى تطمينِ نفسهِ، بوضعِ حدٍّ لقلقهِ، وأسئلتهِ الكثيرةِ . فهي إذاً حصيلةُ تجاربَ، ومواقفَ عبّرت عن رضاهُ الزّمني في ذلكَ الحينِ، فكانت تاريخاً لتأمّلهِ الفكريِّ (بداءةً من جهلِهِ قبلَ وعيهِ) وشرحاً لما جابههُ من مصاعبَ ومواقفَ في عالمهِ المخيفِ . إنّها أُسلوبٌ لشرحِ معنى الحياةِ والوجودِ صيغَ بمنطقٍ عاطفيٍّ كادَ يخلو من المسبّباتِ امتزجَ فيه التأمّلُ بالتأريخِ، والعلمُ بالخيالِ، والحلمُ بالواقعِ، فكانتِ الفنَّ الإنسانيَّ الأوّلَ الذي جعلهُ يعيشُ مع الجماعةِ بعلاقاتٍ حميمةٍ أملاً في تحقيقِ تكاثرهِ الإنسانيِّ، وسيادتِهِ على عالمِ الطبيعةِ العجيبِ ⁽⁵⁾.

وفيما يأتي صورٌ من هذه الأخيلةِ الشعبيّةِ التي حفظتها لنا المظانُ القديمةُ:

1. الغولُ والسعالي: عالجَ المعجمُ العربيُّ كلمةَ)(غول() فرآها لغةً (من غاله الشيءُ غَوْلاً واغْتاله: أَهلكه وأَخذه من حيث لم يَدْر.)، والعربُ آمنت بوجودِ الغول والسعالي، ولم تناقشْ في كونها حقيقةً أم خرافة، فقد دخلت إلى العقليّةَ العربيّةَ بارتياحٍ. والغُولُ، بالضم: السِّعْلاةُ، والجمعُ أَغْوال، وغِيلان.. والتَّغَوُّل: التَّلَوُّن (لسان العرب.)

إنَّ الغولَ في معظمِ المظانِ مؤنّثةٌ، وهي تتراءى للناسِ في الفلواتِ فتضلُّهم في الطريقِ، ثمَّ تهلكهُم، وأنّ معظمَهم يرى أنَّ (السعلاة) هي أنثى الغول، والعامّةُ من العربِ القدامى يُشبّهونَ المرأة َ السيئةَ الخُلقِ، والعجوزَ الخبيثةَ بالسِّعلاتِ، قال الراجز:

لقد رأيتُ عجباً مذ أمـسى

عجائزاً مثلَ السَّعالي خمسا

 

يأكلنَ ما في رحلِهنَّ همسا

لا تركَ اللهُ لهُـنَّ ضِرسـا⁽⁶⁾

وقال الأعشى ميمون:

وشيوخٍ صرعى بشطّي أريكٍ

ونساءٍ كأنّهنَّ الســـَّعالي⁽⁷⁾

وأنشدَ الفرّاءُ قول علباءِ بن أرقم في (الوَتْم) وهو قلب السين تاءً:

يا قبّحَ اللهُ بنـي السَّــعلاةِ

عمروِ بنِ يربوعَ شرارِ الناتِ

ليـــسوا أعفَّاءَ ولا أكياتِ⁽⁸⁾

إنَّ الغولَ لا تخرجُ على الناسِ إذا كانوا زرافاتٍ، إنّما تخرجُ عليهم إذا كانوا وحداناً، ويذكرونَ أنها لا تخرجُ في الأماكنِ العامّةِ، ولا في الطرقِ السالكةِ، أنّما تختارُ الفيافيَ المقفرةَ لتترصّدَ الضعيفَ الخائرَ، والمهزوزَ الرعديدَ حينَ يكونُ وحيداً منفرداً، فتوقعُهُ في حبائلها، وتعبثُ به، وترعبُهُ، لذلك لاتقتربُ من الشجعانِ، ولا من عظماءِ الناسِ، (وفي حديث النبي، صلى الله عليه وسلم: عليكم بالدُّلْجة فإِن الأَرض تطوى بالليل، وإِذا تَغَوَّلت لكم الغِيلان فبادروا بالأَذان ولا تنزلوا على جوادِّ الطريق ولا تصلّوا عليها فإِنها مأْوى الحيات والسباع أَي ادفعوا شرّها بذكر الله،) ⁽⁹⁾

2. زواجُ بني الإنسانِ من الجانِّ: أشارت بعضُ المصادرِ القديمةِ إلى أنَّ الإنسَ قد تزوّجوا من الجنِّ، مستشهدةً بحكاياتٍ خرافيّةٍ، وأساطيرَ توزّعت بين التركيزِ والإطنابِ، ونحنُ إذ نشيرُ إلى قصّتينِ ممّا أدخلهُ الخيالُ الشعبيُّ في هذا التراثِ الميثولوجيِّ، لاننسى ما كانَ من أثرِ كعبِ الأحبارِ، و وهبِ بن منبّهٍ في صناعتها، لاسيّما كتاب الأخيرِ الموسومِ بـ (كتاب التيجان في ملوكِ حمير)¹⁰⁾، فهما المسؤولانِ عن هذا الخلطِ بين الواقعِ،  واللاواقع أحياناً، وبينَ خلقِ الأساطيرِ في أحايينَ أخرى. وقبلَ أنْ نُشيرَ إلى تينكَ القصّتينِ من هذا الخيالِ الشعبيِّ نوردُ ما ذكرهُ القاضي بدرُ الدين بنِ عبد الله الشبليِّ في كتابه (غرائب وعجائب الجنِّ كما يصوّرُها القرآنُ والسنّةُ) فقد قالَ: (وأمّا وقوعُ ذلك فقالَ أبو سعيد عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميِّ في كتاب: (إتباعُ السنن والأخبار) حدّثنا محمّد بنُ حميد الرازي، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا الأعمش، حدّثني شيخٌ من بُجيل قالَ: علِقَ رجلٌ من الجنِّ جاريةً لنا ثمَّ خطبها إلينا وقالَ: إنّي أكرهُ أنْ أنالَ منها محرَّماً، فزوّجناها منه، قال: فظهرَ معنا يُحدِّثُنا، فقلنا: ما أنتم؟ فقال: أممٌ أمثالكم، وفينا قبائلُ كقبائلكم، قلنا: فهل فيكم هذهِ الأهواء؟ قالَ: نعم فينا من كلِّ الأهواءِ القدريّة، والشيعةُ، والمرجئةُ قلنا: من أيها أنتَ؟ قالَ: من المرجئة. وقالَ أحمدُ بنُ سليمان النجاد في أماليه: حدّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ سليمان أبي الشعناء الحضرميِّ أحدِ شيوخِ مسلمِ، حدّثنا أبو معاويةَ، سمعتُ الأعمشَ يقولُ: تزوّجَ إلينا جنّيٌّ فقلتُ له: ما أحبُّ الطعامِ إليكم فقالَ: الأرز قالَ: فأتيناهُ بهِ فجعلتُ أرى اللقمَ تُرفعُ ولا أرى احداً، فقلتُ: فيكم من هذهِ الأهواءِ التي فينا؟ قالَ: نعم. قلتُ: فما الرافضةُ فيكم؟ قال: شرُّنا.)¹¹. وفيما يأتي القصّتانِ:

الأولى ـ زواج الهدهاد من فارعةِ الجنيّةِ:

وردتْ هذه القصّةُ في تعقيباتِ بعضِ الإخباريين، وهم يتحدّثون عن والدِ بلقيس ملكة اليمن، ووالدتِها، لاسيّما ما أورده القاضي بدر الدين الشبلي في (غرائب وعجائب الجنِّ) ص: 91، وما فصّله وهب بن منبّه في (كتاب التيجان في ملوك حمير) ص: 145-172.

 إنَّ بلقيسَ حقيقةٌ وتاريخ، وقد ذُكِرت في القران الكريم، وقصّةُ زواجِها من سليمانَ عليهِ السلامُ من القصصِ القرآنيِّ الذي يحملُ الموعظةَ والمغزى، والتأكيدَ على حقيقةِ الوجودِ، لكنَّ القرانَ الكريمَ لم يُشِرْ إلى والِدَي بلقيسَ، لأنَّ اللهَ سبحانهُ لم يشأْ ذلك، من هنا تلقّفَ الخيالُ الشعبيُّ هذا الأمرَ، ونسجَ قصصاً ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان.

 ففي قولهِ تعالى: (قيلَ لها ادخُلي الصَّرْحَ فلمَّا رأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَـشَفَتْ عن ساقيها قالَ إنَّه صَرْحٌ مُمَرَّدٌ من قواريرَ قالَتْ ربِّ إنِّي ظلَمتُ نفسي وأسلمْتُ مع سليمانَ للهِ ربِّ العالمين .)¹² إشارةٌ إلى ما كان من عملٍ مدهشٍ لذلك الصَرْحِ بحيثُ حسبتْهُ ماءً رقراقاً فكشفتْ عن ساقيها لئلا تبتلَ ملابسُها الملكيّةُ، فما كان من صانعي الخيالِ إلا استثمارَ الساقينِ، فأشاروا إلى أنها (شعراء الساقين، ورجلها كحافرِ الحمارِ)¹³

وبعد أنْ (أسلمت، وعزم سليمانُ على تزويجها، فأمر الشياطينَ فاتّخذوا الحمّامَ والنورةَ، وهو أولُ من اتخذَ الحمّامَ والنورةَ، وطلوا بالنورةِ ساقيها، فصارَ كالفضّةِ، فتزوّجها... وأبقاها على ملكها. وكان يزورُها في كلِّ شهرٍ مرّةً على البساطِ والريح.)¹⁴⁾

 فهي إذاً بنتٌ من الجانِّ، وذكروا أنَّ والدَ بلقيس (وأسماؤهُ عديدةٌ وأشهرها) الهدهادَ رأى حيّتينِ، أو ثُعبانينِ (أسودَ وأبيضَ) يقتتلان، فأمالَ الإناءَ إلى الأبيضِ، فارتوى، فتمكّنَ الأبيضُ من قتلِ الأسودِ، فظهرَ الجنُّ للهدهادِ، وبيّنوا له أنَّ الثعبانَ الأبيضَ كان من أبناِء ملوكهم، (وما جزاؤك عندنا إلا أخته نزوجُها منك، وهي رواحةُ بنتُ سكنٍ. فزوجوهُ إياها وقالوا له: لها عليك شرطٌ لا تسألها عن شيء تفعله مما تستنكرُ منها، فإن سألتها فهو فراقُها. قال: نعم.)¹⁵⁾

وولدت له ولدين وأنثى، فكانت الأنثى هي بلقيس، لكنَّ رواحةَ فارقتْهُ حين خالفَ شروطَها، وسألَها عن الكلبةِ التي كانت تجيءُ وتأخذُ الطفلَ حين يبلغُ عمره سنةً، فقالت له: (فارقتك يا هدهاد.إعلمْ أنهُ لم يُجَرَّ منهم أحدٌ، بل هم محمولون، وتلكَ درّةٌ تحملُهم وتربيهم حتى يبلغوا خمسَ سنين فيأتوكَ أنقياءَ، فأمّا ابنُكَ الأوّلُ فقد مات أحسن اللهُ عزاءَكَ فيه. وأمّا الآخر فإنهُ يأتيكَ وليسَ يعيشُ  بعدَ أبيوهو يموتُ، وأمّا ابنتُكَ فإنها تأتيكَ وتعيشُ لك. ثمَّ ذهبت عنه فلم يرَها بعدها، ووجدَ في الفراشِ ابنَهُ وبنتَهُ بلقيس، فمات الصَّبي، وعاشت بلقيس.)¹⁶⁾

الثانية ـ زواجُ عمرو بن يربوع من السعلاة:

وقد أوردها أبو زيد في نوادره، و الجاحظ في الحيوان، فضلاً عن أبي العلاء المعرّي في الفصول والغايات، وملخّصها أنَّ رجلاً من الأعرابِ اسمه عمرو بن يربوع تزوّج السعلاةَ، وقد نبّهه أهلُها إلى أنّها ستكون خيرَ امرأةٍ ما لم ترَ برقاً، وحذَروه من أنّها إذا رأتِ البرقَ فستفارقُهُ عائدةً إلى أهلها، فعليهِ أن يسترها من رؤيةِ البرقِ، فمكثت عنده زماناً حتى ولدت لهُ بنين، فأبصرت ذاتَ يومٍ برقاً فقالت له:

ألزم بنيكَ عمرو إنّــي آبقُ

برقٌ على أرضِ ألسعالي آلقُ¹⁷⁾

وقد كانَ عمرو بن يربوع يخبئ السعلاةَ تحت خيمتهِ، وحين يستشعرُ قربَ حلولِ الوميضِ يغطيها كي لا تراهُ، غير أنهُ لم ينتبه للوميضِ الأخيرِ، فقرّرت ترك عمرو بعدَ أن غشيَ الوميضُ عينيها، فاستحالت طيراً، وغادرت خيمة عمروٍ وهو يردّدُ:

رأى برقاً فأوضعَ فوقَ بكرٍ

فلا بكَ ما أسالَ وما أغاما

وهو بيتٌ لا شعريّةَ فيه، يدلُّ على أنَّ واضعه لم يكن شاعراً، بقدرِ ما كان ذا خيالٍ جامحٍ، علماً أنَّنا أوردنا استشهادَ الفرّاءِ بأبياتِ علباءِ بن أرقم في (الوَتم) كما وردت في كتاب الحيوان للجاحظِ:

يا قبّحَ اللهُ بنـي السَّــعلاةِ

عمروِ بنِ يربوعَ شرارِ الناتِ

ليـــسوا أعفَّاءَ ولا أكياتِ¹⁸⁾

3. مدنٌ أسطوريّة:

 من المدنِ، والأماكنِ التي حفلت بالخيالِ الشعبيِّ عند ياقوت الحمويِّ في معجم البلدان (إرَم ذات العماد) و (عين وبار)، فقد اختلطت فيها الحقائقُ بالأخيلةِ، وإذا كانت إرمُ ذاتُ العماد قد تعرّفها المتلقّون من خلالَ القرانِ الكريمِ في قولهِ تعالى في سورة الفجرِ: (ألمْ ترَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بعادٍ، إرَمَ ذاتِ العمادِ، التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلاد)¹⁹⁾، فإنّ الإخباريين أشاروا إلى أنّ شدّادَ بنَ عادٍ بنى جنَّةً في الأرضِ، لينافِسَ بها جنّةَ اللهِ (فلمّا قرب شدّادَ من المدينةِ جاءتْه صيحةٌ من السّماِء فماتَ هو وأصحابُهُ أجمعونَ، حتّى لمْ يبقَ منهم مخبرٌ (...) وساختِ المدينةُ في الأرضِ، فلم يدخلْها بعدَ ذلكَ أحدٌ إلا رجلٌ واحدٌ في أيّامِ معاوية َ يُقالُ لهُ عبد الله بن قلابة (...) خرجَ من صنعاءَ في بُغاءِ إبلٍ لهُ ضلّت، فأفضى بهِ السيرُ إلى مدينةٍ صفتها كما ذكرنا. وأخذَ منها شيئاً من بنادقِ المسكِ والكافور، وشيئاً من الياقوتِ، وقصدَ إلى معاوية َبالشامِ، وأخبرهُ بذلك، وأراهُ الجواهرَ والبنادقَ وكانَ قد اصفرَّ، وغيَّرتهُ الأزمنةُ، فأرسلَ معاويةُ إلى كعبِ الأحبارِ وسألهُ عن ذلك فقال: هذهِ إرَمُ ذاتُ العمادِ التي ذكرها الله عزَّ وجلَّ في كتابهِ، بناها شدّادُ بنُ عادٍ (...) وقيل شدادُ بنُ عميلق بنِ عويجِ بنِ عامرٍ بنِ إرَمَ (...) ولا سبيلَ إلى دخولِها، ولا يدخُلُها إلا رجلٌ واحدٌ صفتُهُ كذا، ووصفَ صفةَ عبدِ اللهِ بنِ قلابة.)²⁰⁾

وهم بتحديدِهم أوحديّةِ الرائي يُغلقون على الآخر سبلَ المناقشةِ، ولعلَّ ذكرَ طوفانِها عند العراقيين، وأنها لاتظهرُ إلا لشخصٍ واحدٍ كلَّ أربعينَ عاماً هو الذي جعلَ السيّابَ يراها مدينتَهُ الفاضلةَ، وإن أجرى ذلك على لسانِ جدِّ أبيه:

(ولن أراها بعدُ، إنَّ عمريَ انقضى

وليس يُرجِعُ الزمانُ ما مضى.

سوفَ أراها فيكمُ، فأنتمُ الأريجْ

بعدَ ذبولِ زهرتي. فإنْ رأى إرَمْ

واحدُكم فليطرقِ البابَ ولا ينمْ

إرَمْ ...

في خاطري من ذكرِها ألمْ

حلمُ صبايَ ضاعَ... آه ضاعَ حينَ تمْ

وعمري انقضى .)

4. أما (عينُ وبار) فإنَّ قصَّـتَها وردت عند ياقوت الحمويِّ بروايتينِ، لكنَّهما تؤكّدانِ معاً إلى ما ألمعنا إليهِ من أوحديّةِِ الراوي، وفردانيّتهِ، وبذا فلا سبيلَ غيرَ الانتقالِ من فضائها الجغرافي، إلى الفضاءِ الميثولوجي لتحقيقِ متعةِ الإدهاشِ ليس غير، وإليكم ما أورده الحموي في روايتهِ الأولى حين قال: (...إنَّ رجلاً من أهلِ اليمنِ رأى في إبلهِ ذاتَ يومٍ فحلاً كأنّه كوكبٌ بياضاً، وحُسناً، فأقرَّهُ فيها حتى ضربها. فلمّا ألقحَها ذهبَ ولم يرَهُ، حتى كان في العامِ المقبلِ فإنه جاءَ وقد نتجَ الرجلُ إبلهُ، وتحرّكتْ أولادُهُ فيها، فلم يزلْ فيها حتى ألقحَها، ثمَّ انصرفَ. وفعلَ ذلكَ ثلاثَ سنينَ، فلمّا كانَ في الثالثةِ وأرادَ الانصرافَ هَدَرَ، فاتّبعَهُ سائرُ ولدِهِ، ومضى، فتبِعهُ الرجلُ حتى وصلَ إلى وَبارِ، وصارَ إلى عينٍ عظيمةٍ، وصادفَ حولها إبلاً حوشيّةً، وحميراً، وبقراً، وظباءً، وغير ذلك من الحيواناتِ التي لا تُحصى كثرةً، وبعضُه آنسَ ببعضٍ، ورأى نخلاً كثيرةً حاملاً وغيرَ حاملٍ، والتمرُ ملقىً حولَ النخلِ قديماً وحديثاً، بعضُهُ على بعضٍ، ولم يرَ أحداً(...) فبينما هو واقفٌ يفكِّرُ إذ أتاهُ رجلٌ من الجنِّ فقالَ له: ما وقوفكَ هنا؟. فقصَّ عليهِ قصّةَ الإبلِ، فقال: لو كنتَ فعلتَ ذلك على معرفةٍ لقتلتُك، ولكن اذهبْ، وإياكَ والمعاودة، فإنَّ هذا جملٌ من إبلنا عمدَ إلى أولادهِ فجاء بها، ثمَّ أعطاهُ جملاً وقالَ له: انجُ بنفسكَ وهذا الجملُ لك(...) ثمَّ جاء الرجلُ وحدَّثَ بعضَ ملوكِ كندَةَ بذلك، فسارَ يطلبُ الموضعَ، فأقامَ مدّةً فلم يقدر عليهِ، وكانت العينُ عينَ وَبارِ.)²¹

5. استيلادُ الجنِّ:

عمد الخيالُ الشعبيُّ الخلاقُ إلى استيلادِ شخصيّاتٍ من الجنِّ تلقّفها الناسُ، ثمَّ أشاعوها بينهم، وتداولوا قصصاً عنها، فتلقّفها الإخباريّونَ، ونسبوا بعضها إلى رموزٍ من الرعيلِ الأوّل من المسلمينَ، وأوردوها على أنّها حقائقُ، ومن هذه الشخصيّات المستولدة: (الشقُّ) و(النسناسُ) و(الرِّئيُّ) و (الهاتفُ).

 وقد اختلفت هذهِ الكائناتُ الجنيّةُ الأسطوريّةُ في الأشكالِ، والأفعالِ، فـ (الشِّقُّ) و(النِسناسُ) متشابهانِ شكلاً، مختلفانِ فعلاً، إلا أنّهما بعينٍ واحدةٍ، ورجْـلٍ، ويدٍ، ويتكلّمانِ كالإنسانِ، لكنَّهما يختلفانِ في التكوينِ الانفعاليِّ، فـ الشِّقُ شرّيرٌ لا يظهرُ إلا للسائرِ الضعيفِ المنعزِلِ المنفردِ، فيعتدي عليهِ، ولا يتردّدُ في قتلهِ، بينما النِّسناسُ ضعيفٌ لا قدرةَ لهُ على الدفاعِ عن نفسِهِ حينَ يتعرّضُ لهُ الصيّادونَ، لذلك يقعُ فريسةً بين أيديهم، فيذبحونَهُ، ويشوونَهُ.

 فعنِ الشّقِّ ذكرَ أبو عثمانَ الجاحِظُ في الحيوانِ: (خرجَ في الجاهليّةِ علقمةُ بنُ صفوانٍ بنِ أميَّةَ بنِ محرثِ الكنانيِّ جدِّ مروانَ بنِ الحكمِ، وهو يريدُ مالاً له بمكّةَ، وهو على حمارٍ، وعليهِ إزارٌ ورداءٌ، ومعهُ مِقرعةٌ في ليلةٍ أضحيانةٍ، حتى انتهى إلى موضعٍ يُقالُ له حائطُ حزمان، فإذا هو بِشقٍّ لهُ يدٌ، ورجلٌ، ومعهُ سيفٌ، وهو يقولُ:

علقمُ إنّــي مقتولْ.....وإنَّ لحمـي مأكولْ

أضربهم بالهدلـولْ.....ضربَ غلامٍ شملولْ

رحبَ الذراعِ بهلولْ

فقالَ علقمةُ:

يا شِقَّها مالـي ولكْ؟.....أغمدَ عنّي منصلكْ

تقتُلُ مــن لا يقتُلُكْ!

فقالَ شِقُّ:

عبَّيتُ لكْ عبَّيتُ لكْ.....كيمــا أُتيحَ مقتلَكْ

فاصبر لما قد حُمَّ لكْ

قالَ: فضربَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَهُ، فخرَّا ميّتينِ، فممَّن قتلتِ الجنُّ علقمَةَ بنَ صفوانٍ هذا، وحربَ بنَ أُميّةَ .) ²²

 وعنِ النِّسناسِ قالَ ياقوتُ الحمويُّ في معجمِ البلدانِ: (وقد ذكرَ بعضُ العربِ قالَ: قدِمتُ الشَّحْرَ، فنزلتُ على رجلٍ من مَهرَةَ، له رياسةٌ، وخطرٌ، فأقمتُ عندَهُ أيَّاماً، فذكرتُ عندَهَ النِّسناسَ، فقالَ: إنّا نصيدُهُ ونأكلُهُ، وهو دابّةٌ لهُ يدٌ واحدةٌ، ورجْـلٌ واحدةٌ، وكذلكَ جميعُ ما فيهِ من الأعضاءِ، فقلتُ لهُ: أنا واللهِ اُحبُّ أنْ أراهُ (...) ثمَّ غدونا بالكلابِ، فصرنا إلى غيضةٍ عظيمةٍ، وذلكَ في آخرِ الليلِ، فإذا واحدٌ يقولُ: يا أبا مجمرْ، إنَّ الصبحَ قد أسفرْ، والليلَ قد أدبرْ، والقنصَ قد حضرْ، فعليك بالوَزرْ (السلاح)، فقالَ له الآخرُ: كلي ولا تراعي، قالَ: فأرسلوا الكلابَ عليهم، فرأيتُ أبا مجمرٍ وقد اعتورَهُ كلبانِ وهو يقولُ:

الويلُ لي ممّا بهِ دهانـي.... دهري من الهمومِ والأحزانِ

قـفـا قليلاً أيهـا الكلبانِ.....وأسمعا قولـي وصدِّقانـي

إنَّكما حيـنَ تحاربانـي.....ألفيتماني خضلاً عنانـي

لو بي شبابي ما ملكتماني.....حتى تموتا أو تخلياني

 قال: فالتقيا عليهِ وأخذاهُ. فلمّا حضرَ غذاءُ الرجلِ، أتوا بأبي مجمرٍ بعد الطعامِ مشوِيّاً .)²³

أمّا (الرِّئيُّ) و (الهاتفُ) فهما جنّيانِ استولدا في بداءةِ البعثةِ النبويّةِ الشريفةِ ليقّدما المساعدةَ لأشخاصٍ محدّدينَ . وإذا كان الرِّئيُّ لا يظهرُ إلا لعليةِ القومِ وسراتِهم، وشعرائهم، ويحتجبُ عن العامّةِ، فإنَّ (الهاتفَ) لا يظهرُ لأحدٍ أبداً، إنّما يسمعونَ صوتَهُ، ولا يبصرونَ هيأتَهُ.

 فعن الرِّئيِّ (شِصار)، وهو رئيُّ خنافر قالَ أبو عليٍّ القالي في الأماليّ: (قالَ خنافرُ: وكانَ رئيِّ في الجاهليّةِ لا يكادُ يتغيَّبُ عنِّي، فلمّا شاع الإسلامُ فقدتُهُ مدّةً طويلةً وساءني ذلك. فبينما أنا ليلةً بذلك الوادي نائماً إذ هوى هويَ العُقابِ، فقال: خنافر، فقلتُ: شِصار؟ فقال: إسمعْ أقلْ، فقلتُ: قُلْ أسمعْ، فقال: (...) إنّكَ سجينٌ موصولٌ، والنصحُ لكَ مبذولٌ (...) رسولٌ من مُضَر، من أهلِ المَدَر، ابتُعِثَ فظهر، فجاءَ بقولٍ بهَر، وأوضحَ نهجاً قد دَثر*، فيهِ مواعظُ لمن اعتبر، ومعاذٌ لمن ازدجر، ألِفَ بالآيِ الكبر، فقلتُ: ومن هذا المبعوثُ من مُضَر؟ قال: أحمدُ خيرُ البشر، فإن آمنتَ أُعطيتَ الشِّبَر*، وإن خالفتَ أُصليتَ سقر. فآمنتُ يا خنافرُ، وأقبلتُ إليكَ أبادرُ، (...) فبتُّ مذعوراً أراعي الصباحَ، فرددتُ الإبِلَ على أربابِها، بحولِها، وسقابِِها، وأقبلتُ أريدُ صنعاءَ، فأصبتُ بها معاذَ بنَ جبل (...) فبايعتُه على الإسلام ...).²⁴⁾

 أما هواتفُ لقمان بن عاد، فقد تعدَّدتْ، فحينَ خرجَ مع الوفدِ للاستسقاءِ طلبَ طولَ العمرِ، وقد ذكرَ أسطورتَهُ وهب بن منبّه في (كتابِ التيجان في ملوك حمير) في الصفحاتِ: 369 ـ 380، ومما جاء فيها: (لما توجّهَ لقمانُ مع الوفدِ (...) اختار طول عُمرِهِ، فكان من دعائهِ حين سألَ طولَ العمر (...):

اللهُ يا رَبَّ البحارِ الخضرِ   والأرضِ ذاتِ النَّبْتِ بعدَ القطرِ

أسألْكَ عمراً فوقَ كلِّ عمرِ

 فنوديَ قد أعطيتَ ما سألتَ، ولا سبيلَ إلى الخلودِ، فاخترْ إنْ شئتَ سبعَ بقراتٍ من ظبياتِ عُفر {أي تعلو بياضها حمرة } فـي جبلٍ وعر، لا يمسُّها قَطر، وإنْ شئتَ بقاءَ سبعةِ أنسُرٍ سحر، كلَّما هلكَ نِسرٌ، أعقبَهُ نِسر. فكان اختيارُهُ بقاءَ النسورِ ...) .

أمّا عن العمرِ الذي بلغهُ لقمان، فإنَّ الخيال الشعبي يحلِّقُ فيه عالياً، فقد جاء في(كتاب التيجان في ملوك حمير) أنَّ عمرهُ بلغَ أكثر من ألفٍ وسبعمئةِ سنةٍ، وأربعٍ وستين، ولعلَّ من الطريفِ هنا أنَّ عبيد بن شريّة الذي يروي قصّةَ لقمانٍ لمعاوية يحاولُ أنْ يفصِّل لمعاوية أنَّ هذا العمر هو مجموعٌ لأعمارِ النسور السبعةِ، فضلاً عن إضافةِ سنواتِ عمرِ لقمان التي عاشها قبل النسور، التي جاوزت الثلاثمئةِ عام، وإليكم ما ذكره وهب بن منبّه تحديداً: (قال معاويةُ: للهِ أنتَ يا عبيد! أخبرني كم كانَ عمره؟ قال: بلغني أنَّ عُمُرَهُ كانَ ألفَ سنةٍ وسبعمئةِ سنةٍ، وأربعاً وستينَ سنةً . قال معاويةُ: فعمرُ النسورِ من ذلكَ كم؟ قال عبيد: إنّي سمعتُ ابنَ عمِّكَ يقولُ: كانَ عمرُ كلِّ نسرٍ مئةَ سنةٍ، وزيدَ لُبد عليها نيِّفاً . وذكرَ غيرُهُ أنَّ أعمارَها كانت مختلفةً (...) كان عمرُ النسورِ التي متِّعَ بِها ألفَ سنةٍ وأربعمئةٍ ونيِّفاً، وكانَ عمر لقمانَ قبلَ النسورِ ثلاثمةً ونيّفاً، وستينَ سنة .)²⁵⁾

 

ا. د. عبد الرضا عليّ

....................

 إحـــالات

 (1) في النقد الأدبي الحديث، منطلقات وتطبيقات، د. فائق مصطفى، ود. عبد الرضا عليّ، 37، جامعة الموصل، 1989م.

(2) فنُّ الشعر، عبد الرحمن بدوي، ط1، دار الثقافة، بيروت 1973.

(3) و(4) ديوان الأساطير، من الاستهلال الذي كتبه أدونيس للكتاب، تنظر الصفحات: 6-9، نقله للعربيّة قاسم الشواف، قدّم له وأشرف عليه أدونيس، ط، دار الساقي، 1996.

(5) ينظر كتابنا: الأسطورة في شعر السيّاب، 13- 19. ط1، دار الشؤون الثقافيّة، بغداد، 1978م.

(6) اللسان (ابن منظور) مادة (أمس).

(7) الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني، 11: 104.

(8)  الحيوان، ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ 6: 161، تحقيق عبد السلام هارون، دار الكتاب بيروت، 1969.

(9) اللسان، ابن منظور، مادة غول.(جواد الأرض = البعيدة.)

(10) كتاب التيجان في ملوك حمير، 89، مركز الدراسات والبحوث اليمني، ط1، صنعاء (د.ت).

(11) غرائب وعجائب الجن كما يصوّرها القران والسنّة، القاضي بدر الدين الشبلي، 713- 769، تحقيق و تعليق: ابراهيم محمد الجمل، مكتبة القاهرة، 1983.

(12) سورة النمل، آية 44.

(13) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل في وجه التأويل، جار الله الزمخشري 3: 370، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت).

(14) غرائب وعجائب الجنّ، 91.

(15) كتاب التيجان في ملوك حمير، 146.

(16) نفسه، 147.

(17) نوادر أبي زيد، 147، والفصول والغايات، لأبي العلاء المعرّي، 210. بدلالة: عبد المالك مرتاض، الميثولوجيا عند العرب، 118.

(18) ينظر: الهامش الثامن.

(19) سورة الفجر، الآيات: 6-8.

(20) معجم البلدان، ياقوت الحموي 1: 197- 199.، والميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض، 116، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(21) نفسه، 8: 393، والميثولوجيا عند العرب، وعبد الملك مرتاض، 120، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(22) الحيوان، 6: 206- 207، بدلالة (الميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض) 119- 120 المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(23) معجمُ البلدان، ياقوت الحمويُّ، 5: 240 – 241، بدلالة (الميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض) 126، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(*) دثر= درس، و الشِّبَر = العطيّة.

(24) الأمالي لأبي عليّ القالي، 1: 132 ـ 133، و(الميثولوجيا عند العرب، عبد الملك مرتاض)، 117، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب / الجزائر، 1989، والدار التونسيّة للنشر.

(25) وهب بن منبّه، كتاب التيجان في ملوك حمير، 380.

 

mohamadtaqi jonيبقى القرآن بلا تفسير أكثر حرية وإنصافاً، كأني أراه وهو ضمن تفسير مسجوناً بالآراء والأهواء، وحين أراه بلا تفسير أراه طليقاً يتنفس الراحة والحقيقة.

 لقد ساد القول بإباحة زواج الرجل من امرأتين وثلاث وأربع في الإسلام باعتيادية تامة، حتى صار الإسلام (دين تعدد الزوجات). وصار كل رجل تسمح له ظروفه يتزوج على زوجته، فإذا اعترض عليه أحد قال: الله يدعو إلى ذلك، ويقرأ قوله (تعالى): (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ْ(النساء: 3)). وقد سمح ذلك للطبيعة الشهوانية بالاستفحال والظهور، وكاد يصبح الزواج المتعدد هو القاعدة على الرغم من رفضه من قبل واقع الاسرة، وطبيعة المرأة.

إنَّ عدم الشرح الدقيق لآية التعدد هو وراء سيادة هذا المفهوم عن الإسلام، وتنشيط شهوانية الرجل، والقلق النسائي الدائم، وتشتت العوائل. وان قراءة الآية أو فكرتها تامة سيظهر مقدار الغبن، وسوء الفهم، والتمادي في الخطأ. وطبعاً فكرتها تتم مع الآية السابقة عليها. والآيتان هما:

(وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا* وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (النساء: 2- 3)).

ويتضح بالقراءة العميقة الآتي:

1- الآيتان تتكلمان عن حقوق اليتامى وحفظها بالشكل الأمثل. فالأولى تحذر من أكل حقوقهم وتدعو إلى إعطائها وافية لهم مقابل الأجر لقول الرسول (ص) (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين = إصبعيه). وتأتي آية التعدد لتقترح طريقة أضمن لحفظ تلك الحقوق لليتامى، (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى) أي خفتم ألا تعدلوا في منح حقوقهم  (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (الأرامل) لتكون صلة قوية بهم ويتحقق إشراف مباشر من الكافل لليتامى. وليس صحيحاً ما ذهب إليه بعض المفسرين بأن آية التعدد خرجت من موضوع اليتامى الخاص إلى العموم فسمحت بالزواج المتعدد، لأن الكلام متعلق باليتامى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ).

2- سمحت الآية بالزواج إلى حد أربع أرامل، ولولا ضعف الطبيعة الإنسانية عن العدالة لكان الرقم مفتوحاً، لأنَّ هذا الزواج ليس المطلوب منه المتعة بل الأجر.

3- إذا خاف الكافل ألا بعدل بين (زوجته الأصلية) وبين الأرامل إذا صرن اثنتين وثلاثاً وأربعاً، فيكتفي بواحدة تصير نظيرة لزوجته. وإذا لم يعدل بينهما لأي سبب كان فلا يتزوج حتى واحدة. وقد أوضح جل جلاله عدم قدرة الرجال على العدل حتى بين اثنتين في قوله (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ (النساء: 129)). ويذكر صاحب تفسير الجلالين أن المسلمين كانوا يتزوجون العشر أو الثمان من الأزواج (الأرامل) ولا يعدلون بينهن، فلما نزلت هذه الآية تحرّجوا من ولاية اليتامى واقتصروا على أربع.

 نخرج من ذلك بأن الزواج المثالي (القياسي) الذي يطرحه الله (تعالى) في القرآن والذي يمثل رأي الإسلام هو الزواج من امرأة واحدة فقط. وهذا الزواج هو المبني على المودة ويؤسس لمبدأ الحب والخير، وعليه يبنى كل مظاهر وظواهر الحب والخير التي تتجلى بصناعة مجتمع متماسك ومدينة فاضلة بكل التفاصيل، وهو معني قوله (تعالى): (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم: 21)).

 ويؤكد القرآن بما لا يقبل الشك الزوجة الواحدة في الآية (4) من سورة الأحزاب، فذكر أن ثلاثة أمور (لم يجعلها) أي لم يقرها هي: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ) (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ). ومعنى الآية أن الله لم يجعل بمقدور الرجل أن يحب ويقدم زواجاً صحيحا إلا مع امرأة واحدة، وهو الزواج المثالي في الإسلام لذا يقول الله في تمام الآية (ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ).

 وواقعاً، لا يمكن للمرأة التي يتزوج عليها زوجها أن تحبه إلا ظاهراً قسرياً، أو تكون مغلوبة على أمرها، وفي دواخلها  تبغضه وتنقم عليه، وإذا امتلكت الجرأة وساعدتها الظروف في يوم ستعلن ذلك البغض المقدس. ولا يمكن لزوجها وقد اختار امرأة جديدة أن يحبها، فسيحول وده إلى الجديدة. وهذا الزواج الجديد سيشطر العائلة إلى شطرين مهما حاول الرجل حالماً أن يوحدها. والاولاد من أم واحدة وآباء مختلفين أقوى أخوَّة من الأولاد من أب واحد وأمهات مختلفات، والعرب تسميهم (أخوة علات) بمعنى ليسوا أخوة خالصين.

إذن الزواج يجب أن يكون في الظروف الطبيعية من امرأة واحدة فقط وهو (الزواج القاعدي) الذي يدعو اليه الله. أما الزواج من أكثر فهو استثنائي، إما بالزواج من الأرامل لكفالة الأيتام، أو اضطراري بسبب عدم إنجاب الزوجة أم لمرض يمنع التواصل، أو لسبب قاهر. وقد ارتضاه الله كرهاً للطلاق، فيتزوج الرجل زواجاً ثانياً ويبقي الأولى إذا أرادت البقاء.

وعليه يجب على الرجل أن يجيد اختيار الزوجة ليعيش معها العمر كله بلا أدنى رغبة في استبدالها أو إضافة أخرى عليها، وهذا الزواج يكون وعداً بالحب الدائم، وحبذا لو ذكر ذلك بصيغة عقد الزواج فما يذكرونه في عقود الزواج اشبه بعقود البيع (هل تقبلين الزواج من فلان بمهر قدره....) وليس في العقد طلب بالحب والحفاظ على الحياة الزوجية والتفاني من اجلها. بينما يوجد هذا في عقد الزواج المسيحي.

فإذا قال لك أحدهم: إن الله يقول (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)، فقال له: إنَّ الله يقول: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ).  

 

أ.د محمد تقي جون

 

 

بما إننا في صلب عملية النقد للعقل الإسلامي، فالواجب يقتضي التمهيد لذلك بوصف وتعريف وموقف من رواة الأخبار، وهذه القضية من الأهمية بمكان، لأنها ستدلنا على أشياء متعلقة في صناعة الخبر وفي تقديمه للناس، وهذا يعني التعرف على الطبيعة وعلى الجو الذي كُتبت فيها الأخبار كذلك نتعرف على هوية هؤلاء الرواة، وحين نتعرف على كل ذلك ونعرفه عن قرب ستتكشف لدينا حقايق وأمور وأحكام في التاريخ والفقه والأصول وغيرها لم تكن واضحة أو ملتبسة لدينا، ومن هنا سنولي هذه المسألة عناية خاصة، لما لها من علاقة خاصة في نوعية الأخبار وطبيعتها وأثرها اللاحق على مجمل الأصول والفروع التي يُستنبط منها و من أجلها، ومن هنا برزت الحاجة للتخصص في هذا الجانب لدى الأقدمين وحتى لدى المتأخرين،

ونعرفه عن قرب ستتكشف لدينا حقايق وأمور وأحكام في التاريخ والفقه والأصول وغيرها لم تكن واضحة أو ملتبسة لدينا، ومن هنا سنولي هذه المسألة عناية خاصة، لما لها من علاقة خاصة في نوعية الأخبار وطبيعتها وأثرها اللاحق على مجمل الأصول والفروع التي يُستنبط منها و من أجلها، ومن هنا برزت الحاجة للتخصص في هذا الجانب لدى الأقدمين وحتى لدى المتأخرين، وفي هذا المجال أفردت لذلك المؤلفات والكتب التي تعتني وبشكل رئيسي بهذه الناحية، ومن هنا نشأ في الفكر الإسلامي علم أطلق عليه علم الرجال وعلم الدراية، والحق أن لهذا الأمر أعني تصنيف الرجال والحكم عليهم حساس جداً ومثير جداً، ولذا ومن أجل ذلك أميل أنا للاحتياط في هذه الشأنية [أعني تصنيف الرجال والحكم عليهم]، والسبب في العادة إن كثيراً من المواقف يتحكم فيها الفاعل السياسي والبيئي والمادي، وهذا ما يجعل من صناعة الأخبار أسيرة لهذا الفاعل، مما يجعل من منتجاتهم تأتي بحسب المقاسات التي يريدها و في الموضوعات والمسائل التي ينتخبها .

لذلك تبدو الحاجة إلى معرفة رواة الأخبار ضرورية لأنها ستحدد، نوعية الأخبار، ولماذا قيلت؟ وكيف أتت؟، ولأن مشروعنا هذا يستهدف نقد العقل، إذن فنحن بحاجة ماسة للتعريف بهؤلاء من جهة، والتعريف بالمادة التي يقدمونها من جهة ثانية، وهذا التعريف لازم للتمييز بين مادتي الخطأ والصواب والحق والباطل فيما نحن بصدده، والتمييز الذي نقصده هو ذلك التفريق في الأحكام على أساس المادة والعلم، وبالتالي فنحن لا ننطلق من عاطفة أو إستجابة لأمر ما أو إنسجاما مع مرحلة ما أو دورة حياة ما، بل هو نقد موضوعي أساسه ومادته الكتاب المجيد، وفي هذا المجال نحن ملتزمون بالقول المأثور: - [خذ ما وافق كتاب الله ورد كل ما خالفه]، هذه هي الضابطة أو هذا هو الميزان والمقياس الذي على أساسه نحكم على صحة الخبر أو خطئه، وإذا إلتزمنا بهذه القاعدة فسوف نتجنب ذلك الخلط والتشابك والإرباك السائد في المدرسة الإسلامية، وكلامنا هذا نُحيل له من أراد مراجعة قواعد إستنباط الأحكام الشرعية والعقيدية، التي ما أنفكت تحذو حذو ــ القذًة بالقذًة ــ مما جعل من منتجاتها لا تستجيب لما هو ضاغط وحاضر .

وبما إننا نعتمد التمييز المعرفي في محاكماتنا، لذلك ترآنا نقيس أشيائنا على العلوم الأكثر ضبطاً ومنها علم الرياضيات، طبعاً نريد هنا من لفظ - ضبط - يعني موازنة التي لا يدخل في بابها الظن ولا التوارد ولا الترادف، ولك أن تقول هي إذن عبارة عن مفاهيم ومصاديق، ذات دلالات مُحكمة وغير مُتشابهة حتى لا يحدث الزيغ المنهي عنه في كتاب الله، فإذا كان ذلك كذلك ـــ يعني النص ــ تأتي قضية السلوك والتعبير عنه كحكم ثانوي تابع للحكم الاولي

أصحاب الإجماع

هو مصطلح رجالي مُركب من لفظين [أصحابُ + إجماع]، وأصحابُ هو جمع صُحبه (وهم جماعة الرجل ورفاقه) واللفظ في أصله مصدر، حين يأتي مُنكراً يدل على الإستغراق والعموم، وأما لفظ إجماع فهو مصدر رباعي من أجمع، وله معنيان:

الأول: - يدل على العزم - .

والثاني: - يدل على الإتفاق - .

وبين المعنيين تفاوت وإختلاف من جهة في التصور، فالإجماع حين يدل على العزم يصح من الواحد، ولكنه لا يصح من الواحد في الإتفاق، وعرفه أبن بابشاذ: - هو إتفاق أهل كل علم على ما أجمعوا عليه -، وبناءا على ذلك يكون معنى - [أصحاب الإجماع] بحسب هذه التعاريف هم الجماعة الذين أتفقوا على أمر معين، وصار إتفاقهم حجة على غيرهم وعلى التابعين لهم !!، وهذا القيد جعلنا نبحث في أصل المصطلح وفصله ومن أين أتى ولماذا؟؟،

وفي الجواب نقول: - إن أصل هذا المصطلح ورد في وصف الشيخ الكشي لجماعة عاصرت الأئمة ورووا عنهم، والشيخ الكشي هو: - (محمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بالكشي نسبة إلى منطقة كش القريبة من سمرقند وهو صاحب كتاب الإختيار في معرفة الرجال)، وهو كتاب رجالي يبحث فيه قضايا الأخبار ورواة الأخبار، وقد قام (الشيخ الطوسي) بتَهذيب هذا الكتاب وتلخيصه وتبويبه .

وأصحاب الإجماع عند الشيخ الكشي هم ستة في كل طبقة، فهم ستة في الطبقة الرابعة، وستة في الطبقة الخامسة، وستة في الطبقة السادسة، وقال الكشي في وصفهم لقد: - [أجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون] -، وأما وصفم بالعصابة فهو توكيد منه على أنهم جماعة من الناس أجتمعوا على أمر ما، وأصبح إجتماعهم هو المقياس الذي على ضوءه تصحح الأخبار وتضبط، ..

ولكن من هم أولئك الذين أجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح منهم، قال هم أصحاب الإجماع الذين ذكرهم الكشي بحسب طبقاتهم وأسمائهم، وفي هذا الباب كان السيد البروجردي قد ألف كتابا أسماه (طبقات الرجال)، وكلمة ــ طبقة ــ هي كلمة اصطلاحية قديمة، ذكرها الواقدي في كتابه (المغازي)، و ذكرها محمد بن سعد في كتابه (الطبقات)، ذلك الكتاب المتداول في الأسواق والمكتبات العامة والمؤلف من ثمانية أجزاء

وفي طبقاته عرف السيد البروجردي الأمر على النحو الآتي:

الطبقة الأولى: وهم من عاصر النبي من أصحابه .

الطبقة الثانية: وهم التابعين، الذين رووا عن صحابة النبي .

الطبقة الثالثة: وهم تابعي التابعين، الذين رووا عن التابعين .

وعند السيد البروجردي كل طبقة لها فترة زمنية عاشتها، هذه الفترة بحدود الثلاثين سنة [وهذا على نحو تقريبي]، ومع نهاية كل فترة زمنية تبتدئ مرحلة جديدة وطبقة جديدة تليها وهكذا .

[وأما الطبقة الرابعة: فقد ابتدأت عنده مع حلول السنة 90 للهجرة، و هذا يعني إن التقدير الزمني [في ثلاثين سنة] لكل طبقة تقدير صحيح بلحاظ الإعتبار المتقدم، والذي يعني أن حوالي 80 % من الطبقة الماضية قد ذهب، وما يتبقى منها [أي من الطبقة الماضية] فيضاف للطبقة اللاحقة، وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم ـــ بشيوخ الطبقة اللاحقة ـــ، ويجب العلم: إن الترتيب في كل طبقة إنما هو ترتيب إفتراضي إعتباري القصد منه التمييز والمعرفة لاغير] .

والطبقة الرابعة: هم أصحاب الإمام محمد بن علي الباقر، أي هم الذين عاصروه ورووا عنه، وهم ستة عند الكشي:

1 – زرارة بن أعين

2 – معروف بن خربوذ

3 – محمد بن مسلم بن رباح

4 – الفضيل بن يسار الهندي

5 – بريد بن معاوية العجلي

6 – أبو بصير الأسدي

والطبقة الخامسة: هم أصحاب الإمام جعفر بن محمد الصادق، أي هم الذين عاصروه ورووا عنه، ومنهم

1 - جميل بن دراج .

2 – عبد الله بن مسكان .

3 – عبدالله بن بكير .

الذي قال عنه الشيخ الطوسي كان: [عبدالله بن بكير فطحياً] ويعني إنه كان من أتباع عبد الله بن جعفر الصادق المعروف بالأفطح (والأفطح في اللغة هو الرجل العريض الرأس، وأصله من فطح فطحاً أي صار عريضاً) إذن فهو من الأفطحية، وما يدل على ذلك إنه روى أخباراً عن الإمام الصادق تأييداً لدعوتهم، كما في قوله: [الإمامة في أكبر أولاد الإمام، أو إن الإمام بعدي من يجلس مجلسي، وقوله ولا يغسل الإمام إلا الإمام وهذه الصفات كانت لعبد الله بن جعفر الصادق على حدً زعمه]، وقالت الفطحية في تأييد دعوآها: - أن الإمام الصادق أعطى مالاً لبعض أصحابه، وأمرهم أن يدفعوه لمن يطلبه منهم [ومن يطلب ذلك عليهم أن يتخذوه إماماً]، قال ولم يطلبه أحد سوى عبد الله بن جعفر -، (الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 77 الحسني)

4 – حماد بن عثمان .

5 – حماد بن عيسى .

6 – أبان بن عثمان .

قال الكشي: كان أبان بن عثمان من الناووسية [وهم أتباع عجلان بن ناووس، الذين أدعوا أن الإمام الصادق لم يمت بل رفعه الله وسيظهر في أخر الدنيا ليملأها قسطاً و عدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً]، وقد روت الناووسية إنه: [إذا رأيتم رأسي (يدهده) عليكم من الجبل فلا تصدقوا بموتي فأنا صاحبكم صاحب السيف] - أنظر كتاب الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 77

الطبقة السادسة: وهم أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم، وقد أدركوا بعضاً من حياة الإمام الرضا فاعتبروا من أصحابه أيضاً، وهم ستة كما ذكرهم الكشي

1- يونس بن عبد الرحمن .

2 – صفوان بن يحيى .

3 – عبدالله بن المغيرة .

4 – أحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنًطي .

5 – الحسن بن محبوب السراد .

6 – محمد بن أبي عمير البغدادي .

قال الكشي: وهم من أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم وأقروا لهم بالفقه والعلم، ولكن ماذا يعني هذا؟ هل يعني أن كل الذي يأتي به هؤلاء يُعدُ صحيحاً و صالحاً؟، حتى ولو كان الذي جاء عنهم عبارة عن مجاهيل و مراسيل، وهل يعني ذلك أن (أصحاب ألإجماع) هم من يجعلون من الخبر المجهول صحيحاً ومن المرسل معتمداً؟

هل هذا الذي يريده الكشي بالفعل؟

ولأن البحث حول صحة الإجماع وحجيته فقد أدلينا فيه برأينا في المقدمة فلا نعيد، ولكننا من باب التوكيد نقول: - أن غير واحد من علمائنا الأعلام قد نفوا حجية الإجماع -، وبحسب ما نعلم إن قلةً قليلة قالت بحجية الإجماع وألتزمت به، وأما عبارة - (تصحيح ما يصح عنهم) - فهي عبارة فضفاضة لا جدوى منها في البحث العلمي الذي يعتمد الدقة وليس حُسن الظن والحدس والتخمين، وعليه تكون عبارة الكشي إنما تعبر عن مرحلة تاريخية معينة و عن ظرف زماني و مكاني خاص، ولهذا لا يصح اعتبار ذلك الظرف صالحاً لكل زمان وكل مكان .

*

وأما الاجتهاد: فأصله فعل ثلاثي المصدر من مادة  - ج، ه، د -، والجُهد بضم الجيم هو الطاقة، والجَهد بفتح الجيم هو المشقة .

وأما الإجتهاد: من باب -الإفتعال - فهو صيغة لغوية تدل على المبالغة في الفعل .

والإجتهاد في اللغة: هو إستفراغ الوسع أي – بذله - فيما فيه طاقة ومشقة .

وهو في الإصطلاح: العلم بالاحكام الشرعية العملية من الدليل التفصيلي، والدليل التفصيلي هو الكتاب المجيد، وأما العقل فهو الدليل الدال على الكتاب، والحكم الشرعي: هو حكم عام في النظري والعملي من الأشياء ويدخل فيه الإعتقادي أيضاً ذلك لأن تحصيل الحكم الإعتقادي إنما يتم من خلال الإجتهاد والنظر، ولهذا يكون الإجتهاد عاماً في كل مجالات الحياة الفكرية منها والمعرفية والسلوكية، وكل حكم يقع مادة للإستنباط فهو حكم شرعي طالما يرتبط بالحياة، وقولنا هذا ناظر إلى طبيعة مقاصد الشريعة وأساسها التي أعتنت بالإنسان وبما حوله، وذلك كان الهدف من نزول الكتاب المجيد لتحقيق مصالح العباد في الحياة ودرء المفاسد والمخاطر عنهم .

والإجتهاد في أصول الفقه على نوعين هما:

الإجتهاد المطلق: الذي يُراد به الإجتهاد في كل أحكام الشريعة، والذي يدخل فيه الإجتهاد في المسائل المستحدثة أو مايُسمى بالإجتهاد الإنشائي

.

الإجتهاد التجزئي: وهو إجتهاد في بعض مسائل الفقه والأحكام، والفقيه المتجزء يكون بمقدوره الفتيا فيما إجتهد به .

والإجتهاد: واجب شرعي على نحو الكفاية وهو من

الضرورات الشرعية، وقولنا على نحو الكفاية:نعني به إن وجوبه يسقط مع قيام البعض به، وحجيته ثابتة في الكتاب المجيد كما في قوله تعالى: - [فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] - التوبة 122 - .

ولولا حرف تحضيض، والفرقة: هي الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم من المواطن وتنكير - طائفة - مؤذن بأن النفر للتفقه ومايترتب عليه هو واجب كفائي، والتفقه: تكلف الفقاهة، وهي مشتقة من فقه بكسر القاف، والفقه أخص من العلم ويعني الفهم في الدين، والإنذار هو الإخبار بما يتوقع منه شر .

إن حاجة مجتمعاتنا إلى الإجتهاد هي حاجة ماسة، نابعة من الواقع ومايتطلبه من حلول لمشكلات تواجه الناس كل يوم، ولايجوز في هذه الحال الركون إلى إجتهادات من سبق، مهما كانت قوة ومتانة تلك الإجتهادات، ذلك لأن طبيعة الواقع وطبيعة المشكلات قد تغيرت، تبعاً لتغير الطبيعة الموضوعية للحياة، وهنا يكون الإجتهاد مطلباً شعبياً وإجتماعياً وهو حاجة عملية لتلبية ماهو مطلوب، وهنا يجب الإشادة بالشيعة الإمامية لأنها أبقت باب الإجتهاد مفتوحاً، حتى وإن كان في المسائل السلوكية الفقهية، فبقاء الباب مفتوحاً أمام طُلاب العلم يؤدي بالضرورة إلى تقدم العملية الفقهية، وتطور حركة الإجتهاد مما يطرح قضية الأعلمية للمجتهد في سباق علمي منهجي واضح الدلالة، وإن كنا لا نقول بالأعلمية ككونها قضية نسبية وإتصاف البعض بها أو الإشارة إليه بها وصف غير دقيق وغير موضوعي، لكنها في اللاوعي دعوة لتقديم الفكر الإجتهادي على نحو متميز يكون فيه المجتهد قد حقق نوعاً من الكفاءة والتأهيل اللازم.

ويشترط في المجتهد المطلق إن يكون بالغاً عاقلاً مريداً وعادلاً، وأما الإسلام فهو ليس شرطاً لازماً لأن كل إنسان هو مسلم بالضرورة وإن لم يتسمى، إلاّ مادل الدليل على خلافه، والإجتهاد الصحيح لازمه العلم بالكتاب ومقاصده والعلم بلغة الكتاب وفقهها، وأما العلم بالسنة فليس بلازم وقد تقدم بيان ذلك في مقدمة كتابنا - الفتاوى والأحكام -، و أما الإجماع فليس عندنا بشيء وقد مر الكلام بذلك فلا نُعيد ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

 

karima nooresawiاحتل الكنعانيون[1] منطقة بلاد الشام التي تقع بين البحر المتوسط وبلاد الرافدين، فسيطروا على معظم جزر البحر المتوسط حتى امتدت مستعمراتهم من قرطاج في شمال أفريقيا إلى كورسيكا وجنوب إسبانيا. أطلق اليونانيون عليهم اسم “الفينيقيين” نسبة إلى الصباغ الأرجواني الذي يعتبر واحدا من اكتشافاتهم. فقد اشتهروا، كما تخبرنا بذلك مصادر تاريخية عديدة، بصناعة الأقمشة ذات اللون الأحمر حيث كانوا يقومون باستخلاصه من قواقع البحر الأبيض المتوسط [2] .

وقد ضمت مستعمرات الفينيقيين بعض المدن الواقعة على الساحل السوري الممتد من أقصى شمال سوريا حتى جنوب فلسطين مثل صورو صيدون (صيدا) وبيروت وجبيل وأوغاريت والإسكندرون وعكا. كما أنها ضمت مدينة قرطاج في شمال أفريقيا.

صيدا: كانت عاصمة للفينيقيين الذي انطلقوا منها ليؤسسوا محطات تجارية في دول عديدة. وقد أثبت علماء التاريخ أن الفينيقيين وصلوا إلى أمريكا الشمالية والجنوبية. بل لا تستبعد بعض الدراسات التاريخية أنهم سبقوا كريستوفر كولومبس في اكتشاف القارة الأمريكية الشمالية بقرون عديدة. اشتهرت مدينة صيدا بتجارتها التي سيطرت على المنطقة خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر.

جبيل (بيبلوس): اشتهرت جبيل بمكانتها الدينية والتجارية. هذا فضلا عن كونها موطن ظهور الأبجدية الرومانية المأخوذة عن الكتابة الفينيقية.

صور: انطلق منها الفينيقيون بقيادة الملكة أليسار وهي ابنة الملك ميتينوس، ليؤسسوا مدينة قرطاج في شمال أفريقيا. أحرزت صور تقدما˝ في مجال التجارة مما جعلها تتفوق على صيدا. وقد عرف البحر المتوسط لفترة من الزمان ببحر صور.

بعلبك: أسسها الفينيقيون في أوائل العام 2000 ق.م فبنوا فيها أول هيكل الذي أهدى لإله الشمس، بعل. ومن هنا حصلت المدينة على اسمها. لكن الهيكل لا يمكن رؤيته الآن بسبب الأعمدة الرومانية التي بنيت فيما بعد في بعلبك. كانت بعلبك، على عكس المدن لأخرى، معزولة عن التجارة.

قرطاج: وتُعرف في اللغة الفينيقية بـ”بقرت حدشت” أي المدينة الحديثة، وتقع في خليج “أوتيكينسيس المشهور حاليا باسم خليج تونس. أسستها الملكة أليسار. وكانت قرطاج عاصمة المجد وملكة البحار بسبب ما احتلته من مكانة عالية من الرقي والتمدن والازدهار. وجعلت أليسار من هذه المدينة مركزا دينيا للربة عشتروت، وساهمت بمعية مرافقيها في بناء مجتمع حضاري جديد يضاهي الوطن الأم صور. والحقيقة أن هذه المدينة امتازت بالحيوية والبراعة والإبداع. واستطاعت أن تسيطر على المستعمرات المغربية كما أنها لعبت دورا˝ حضاريا˝ في شمال أفريقيا وجزر البحر المتوسط وبريطانيا.

المعتقدات الدينية عند الفينيقيين:

اعتمد الدين الفينيقي السامي الأصل على الاعتقاد بظاهرة الخصوبة والإنتاج. آمن الفينيقيون ببعض قوى الطبيعة المحيطة بهم، كما أنهم عبدوا الكثير من الآلهة. كان لكل مدينة إله يُعبد. سمى الفينيقيون بعض آلهتهم نسبة إلى المدن التي استقروا بها. ومن الآلهة التي عبدها الفينيقيون، وقدسوها:

إله القوى الكامنة (الإله إيل): معناه الإله بصورة عامة. ولكنه يدل في الأصل على كبير الآلهة أو الإله-الآب. وما تمتع به من صفات ورثها عنه أبناؤه الآلهة.

آلهة الخصب (عشتار): عبدت بعض المدن إلاهات. لكن عشتروت بعلة جبيل وآلهة الخصب والحب والجمال تفوقت عليهن جميعا.

إله المطر (الإله بعل): قصد الفينيقيون به إلها معينا يُحتمل أن يكون هو الإله “أدد” السوري. وهو إله الجبال والصواعق والعواصف والمطر.

الإله (أشمون): وهو إله صيدون أي إله الصحة.

أما في قرطاج، فقد عبدوا آلهة الخصوبة والإنتاج (تانيت)، والإله (بعل آمون) بالإضافة إلى الآلهة التي عبدت في بلاد الشام. وقد استمرت عبادتهم حتى العهد الروماني.

اعتقد الفينيقيون بالحياة الثانية فبنوا مقابرهم التي وضعوا فيها الميت بالإضافة إلى أدوات خاصة به للاعتقاد بأنها ستلزمه عند قيامه في الحياة الثانية. وقد امتازت هذه الأدوات بالبساطة فضمت بعض الأدوات المنزلية التي كان يستعملها الفينيقيون كالأواني الفخارية والمصابيح الزيتية. ومن هنا أولى الفينيقيون اهتماما كبيرا بحفظ الجسد. فلم يترددوا في الاقتباس عن المصريين عادة تحنيط الأجساد[3]. وإلى جانب المقابر، شيد الفينيقيون معابد امتازت بالتأثر بالطابع اليوناني. وقد اهتم بها الكهنة المتفرغون الذين عرفوا بتوارث الكهانة في عائلتهم.

نظام الحكم عند الفينيقيين:

تألفت فينيقيا من عدة ممالك وضمت كل مملكة مدينة اعتبرت عاصمة لها. عرف نظام الحكم في فينيقيا بالملكي الوراثي حيث كان يمثل الملك الآلهة وله السلطة المطلقة في إدارة شؤون المملكة التي يحكمها. أما كبار المدينة ورجال الدين والقضاة فلعبوا دور مساعدي الملك في إدارة المملكة. أما الجيش فقد تكفل بحماية المملكة من أي اعتداء وتأمين القوافل التجارية.

المجتمع الفينيقي

ويتألف المجتمع الفينيقي من طبقة الأشراف التي يرأسها الملك والعائلة المالكة وقوامها النبلاء والكهنة والقادة وطبقة أخرى تضم البورجوازيين من غير النبلاء والعمال والفلاحين.

إنجازات الفينيقيين:

اكتشاف الأبجدية:

يُعد اكتشاف الأبجدية من أعظم ما قدمته الحضارة الفينيقية للبشرية. ابتكرت هذه الكتابة عام 1100 ق.م

وقد تألفت من اثنين وعشرين حرفا˝ يمثل كل صوت منها صوتا واحدا منفردا. استعان الفينيقيون، في البداية، لتدوين لغتهم بالكتابة المسمارية والمصرية القديمة. غير أنهم سرعان ما أفلحوا في التخلص من هذه العلامات التصويرية، واستبدالها بالنظام الأبجدي الذي يناسب طبيعة الشعب الفينيقي المعروف بنشاطه التجاري. ولا حاجة للتذكير بأن السرعة عنصر يرتبط كثيرا بالتجارة. يقول ديسو: « ويجب الاعتراف للفينيقيين بما هو من حقهم صدقا، فهم أصحاب اختراع من أكبر الاختراعات البشرية، منذ أن تركوا بإرادتهم الكتابات الكثيرة المعقدة التي كانت مستعملة في أيامهم، ومنذ أن ميزوا 22 صوتا بسيطا تتيح تسجيل المخارج المختلفة الساكنة في لغتهم، ومنذ أن خلقوا خلقا كاملا نظاما من العلامات على درجة مدهشة من البساطة يتميز فيه كل حرف لأول وهلة عن سائر الحروف الأخرى. فبلغوا منذ أول محاولة درجة الكمال»[4]. لقد كتب الفينيقيون هذه الحروف من اليمين إلى الشمال (مثل العربية) ونشروها في جميع بلاد العالم شرقا وغربا. وهي الأبجدية نفسها التي اقتبسها الأوروبيون.

صناعة السفن:

كانت السفن الفينيقية عبارة عن مراكب شراعية تتألف من سارية واحدة، شراع مربع، ومجاديف يدوية. اعتمد عليها الفينيقيون في تجارتهم وأسفارهم وتبادل صناعاتهم مع الدول الأخرى المجاورة لها والبعيدة عنها.

الحياة الاقتصادية في فينيقيا

ازدهرت الحياة الاقتصادية في فينيقيا بسبب تقدمها صناعة وتجارة وحرفة. ارتكز عمل الفينيقيين على البحر فاشتهروا بصيد السمك والإسفنج والملاحة وصناعة السفن. كما أنهم أظهرا مهارات كبرى في صناعات عديدة أهمها صناعة العاج والزجاج والأقمشة الأرجوانية اللون والزهريات الحادة القعر والفخاريات. ساهم اطلاع الفينيقيين على صناعة الحديد (في الألف الثاني ق.م). في صناعة الخزف. وكان الفينيقيون يقلدون الصناعة المصرية والكريتية والميسينية مما مكنهم من بلوغ منزلة عظيمة في الصناعة والفن.

أما بالنسبة للتجارة في فينيقيا، فقد بلغت أعلى درجاتها، وتنوعت الأغراض التي تاجروا فيها فكان منها الصباغ الأرجواني والأقمشة، الزجاج، المعادن، الفخار، النبيذ، الغار والأرز، الخشب… كل هذه الأشياء كانوا يتبادلونها مع اليونان، إيطاليا، إسبانيا، والجزر المتوسطية. كما أنهم خاطروا بالإبحار إلى أبعد من ذلك حتى وصلوا الرأس الأخضر في بريطانيا.

أصبحت فينيقيا أحد أغنى وأهم المقاطعات في الإمبراطورية الفارسية واستولى الاسكندر الأكبر على فينيقيا عام 332 ق.م

د. كريمة نور عيساوي

......................

المراجع

كونتنو، ج: الحضارة الفينيقية، ترجمة محمد عبد الهادي شعيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997

الذبيب، سليمان بن عبد الرحمن: الأوجاريتيون والفينيقيون مدخل تاريخي، بحوث تاريخية، الجمعية التاريخية السعودية، كلية الآداب، قسم الآثار والمتاحف، الرياض، 2004

لبيب، عبد الستار: الحضارات، دار المشرق، بيروت، 1985

[1] اسم الكنعانيين مشتق من الجذر ك.ن.ع الذي يدل على الأرض المنخفضة. والجدير بالذكر أن ك.ن.ع.ت عرف أيضا كاسم علم لمكان في السريانية. هذا بالإضافة إلى أن المصريين القدماء استخدموا “بي-كنعان” للدلالة على المناطق الجنوبية لبلاد سوريا.

[2] انظر لمزيد من التفصيل سليمان بن عبد الرحمن الذييب: الأجاريتيون والفينيقيون: مدخل تاريخي، الجمعية التاريخية السعودية: بحوث تاريخية، الرياض، 2004

[3] انظر لبيب عبد الساتر: الحضارات، دار المشرق، بيروت، 1985

[4] النقوش الفينيقية في قبر أحيرام نقلا عن ج. كونتنو: الحضارة الفينيقية، ترجمة محمد عبد الهادي شعيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997

 

 

abdullah badrhskandarيشتمل الأمر الخارق للعادة على عدة عناوين، كالمعجزة والكرامة والسحر وقد تتفرع على هذا الأمر مجموعة من الأحداث لا يمكن ان تظهر علائقها عند المشاهدة وذلك لبعدها عن الأسباب المألوفة، أو ربما ترتبط بها من وجه خفي يصعب الوصول إلى معرفة حقيقته بالطرق التقليدية على أقل تقدير. ولهذا أصبح استقرار العَلمية لا يتعدى لغير المفهوم العام، كالصلاة التي لا تعرف إلا بالحركات العبادية المتعارف عليها، علماً أن هذا اللفظ لا يراد منه إلا الدعاء كما في أصل الوضع، وقد ذكر القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية) الأنفال 35. وبهذا يتحصل أن المعجزة لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء مصحوبة بالتحدي الذي يكون حجة لله تعالى على الأقوام المرسل إليهم بغض النظر عن إيمانهم أو عدمه، وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم، كإبطال خاصية النار وانشقاق القمر وصولاً إلى المعجزة المعنوية المتمثلة في القرآن الكريم.

أما الكرامة فهي لا تختلف عن الفاعلية التي جعلها الله تعالى في المعجزة، إلا أنها تفترق عنها في المشتركات العرضية، على الرغم من مجيئها بقانون آخر دون التحدي، كإتيان مريم (عليها السلام) فاكهة الصيف بالشتاء أو العكس. ومن غرائب التفسير ما ذهب إليه بعض الذين أرادوا نفي حقيقة السحر بقولهم إن السحرة الذين جاء بهم فرعون قد استعملوا طلاء الزئبق مما جعل الحبال تتحرك كأنها حيّات تسعى، ولو أن الأمر كما يقولون لكان السحرة من المقربين لفرعون، إلا أن متفرقات القرآن الكريم تظهر أنهم ليسوا كذلك، كما في قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين... يأتوك بكل ساحر عليم) الأعراف 111- 112. وبعد مجيء السحرة كانت لهم مجموعة من المطالب أهمها الأجر حين الغلبة، كما صور القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين... قال نعم وإنكم لمن المقربين) الأعراف 113- 114. وهذا يدل على عدم قربهم من فرعون لما لذلك العمل من انتشار لا يتناسب مع شريعته، ولا أريد الإطناب في هذا الموضوع لأنه يجعلنا نخرج عن البحث المخصص لهذا المقال، وعسى أن نوفق إليه في مقال آخر.

من هنا يظهر أن السحر لا يختلف عن المعجزة والكرامة من جهة إبطاله للقوانين الطبيعية، إلا أنه يجانب الأسس الشرعية، وهذا ظاهر من اعتماد أصحابه على التخيلات التي يصدقها من لا يحيط بأسرار هذا العمل، وربما يستند السحر إلى تعاليم شيطانية قد تخفى على كثير من الناس، كما ورد ذلك في قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) البقرة 102.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن للمعجزة سمواً وبعداً لا يمكن تواجدهما في الكرامة والسحر، حتى ذهب بعض المفسرين إلى أن ما حصل من ولادة النبي عيسى (عليه السلام) لا يمكن حمله على الكرامة التي ظهرت لمريم (عليها السلام) وإنما يصنف من المعجزات التي دلت على براءة ساحتها على الرغم من أنها ليست من الأنبياء، واعتبر آخرون أن هذه الولادة العجيبة يمكن أن تكون كرامة لمريم ومعجزة لعيسى، وفي كلتا الحالتين فإن الكلمات الأولى التي نطق بها عيسى (عليه السلام) تؤكد الإعجاز بكل تفرعاته التي لا يمكن أن تظهر لمولود آخر إلا بإذن الله، وهذا ظاهر في قوله تعالى: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً) مريم 30. وفي الآية مبحثان:

المبحث الأول: ذهب جمع من المفسرين إلى أن الكتاب الذي آتاه الله تعالى لعيسى هو الإنجيل، وقال آخرون إن الكتاب هو التوراة باعتبار أن الإنجيل لم ينزل بعد، وقال بعضهم إنه كتاب القضاء، كما سيمر عليك في المبحث الثاني المخصص لآراء المفسرين، والحقيقة: إن الكتاب الذي ذكره عيسى (عليه السلام) لا يراد منه الإنجيل أو التوراة لأن نزول الكتب التشريعية لا يتحقق إلا في فترة الرسالة التي تأتي بعد النبوة التي أشار إليها أو التي ولدت معه كما في ظاهر الآية.

وعند التأمل في متفرقات القرآن الكريم يظهر أن الكتاب يحمل العمومية التي لا تختص بها الكتب الحاملة للمنهج كالتوراة والإنجيل ولا حتى القرآن، وهذا العموم يشتمل على المعارف الإيمانية والحقائق التكاملية، إضافة إلى الأسرار والحكم الربانية التي تكون خارج الأطر التشريعية، التي تتفرع عليها الكتب المنهجية التي تحمل الهداية العامة، فتأمل الفرق.

وبالإضافة إلى ما مر فإن هذا الكتاب الذي أشرنا إليه لا يختص به نبي دون آخر بل هو من المشتركات التي يتوارثها الأنبياء، وقد يكون للصالحين والأوصياء نصيب منها، كما سيمر عليك في هذا المقال، فإن قيل: إذا كان هذا الكتاب مما يتوارثه الأنبياء فما تفضيل عيسى إذن؟ أقول: الفرق إن هذا الكتاب ولد مع عيسى دون سائر الأنبياء الذين حصلوا عليه لاحقاً كما في قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) الأنعام 89. ولا يمكن القول إن المراد هنا هو أحد الكتب المعهودة كالتوراة والإنجيل، لأن الكلام فيه إشارة إلى مجموع الأنبياء، فإن قيل: وماذا عن الزبور؟ أقول: الزبور لا يحتوي على الأحكام والكتاب الذي حكم به داود هو التوراة التي توارثها جمع من أنبياء بني إسرائيل.

ولأجل التوصل إلى بيان أكثر تفصيلاً علينا أن نشير إلى قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) البقرة 213. ومن هنا تظهر النكتة في خطابه تعالى للنبي (ص) بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله) المائدة 48. وقد يظهر الأمر جلياً عندما أشار تعالى إلى عيسى بقوله: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) آل عمران 48. وبهذا يظهر أن الكتاب أعم من الكتب التي تحمل المنهج، وبعبارة أخرى فإن هذا الكتاب هو العلم اللدني الذي يخص به الله تعالى بعض من عباده المخلصين، كما في قوله: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً) الكهف 65. وكما هو ظاهر فإن الآية تشير إلى العلم الحضوري الذي يهبه الله تعالى لعباده المخلصين، دون العلم الذي يحصل عن طريق الاكتساب، ومن هنا يظهر معنى قوله: (من لدنا) وعند التأمل في الآيات التي تبين هذا النوع من العلم نجده لا يخضع للقوانين الطبيعية، أو الطرق المعتادة لدى عامة الناس.

ومن الأمثلة على هذا العلم ما ذكره تعالى بقوله: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) يوسف 76. وبالإضافة إلى هذا فإن ما بينه تعالى من أمر يعقوب يجعلنا أمام دليل آخر، كما في قوله: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف 68. وبهذا يظهر ما خفي على بعض الناس من قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) النمل 40. وعند التأمل في هذا الأمر يتبين أن هذا العلم هو جزء من علم الكتاب الذي أفاضه الله تعالى على وصي سليمان الذي قيل إنه آصف بن برخيا، أما علم الكتاب كاملاً فقد أشار إليه تعالى بقوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) الرعد 43.

المبحث الثاني: اختلف المفسرون في قوله: (آتاني الكتاب) حيث قال ابن الجوزي في زاد المسير: نقلاً عن ابن عباس: إنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه وقيل علم التوراة والإنجيل، ثم خلص إلى القول إن في الكتاب قولان: أحدهما التوراة والثاني الإنجيل، أما النسفي في مدارك التنزيل: فقد ذهب إلى أن الكتاب هو الإنجيل دون أن يضيف شيئاً آخر. وقال البغوي في معالم التنزيل: إن هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ، ثم نقل عن أكثر المفسرين: إنه أوتي الإنجيل وهو صغير وأضاف عن طريق الحسن البصري إن الله تعالى ألهمه التوراة وهو في بطن أمه.

وللصوفية رأي آخر حيث يقول مكي بن أبي طالب في تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية: نقلاً عن عكرمة: إن الكتاب يعني القضاء، ومن أغرب الأقوال ما نقله ابن كثير عن ابن أبي حاتم: من أن عيسى قد درس التوراة وأحكمها وهو في بطن أمه، ويقول الشوكاني في فتح القدير: (آتاني الكتاب) الإنجيل: أي حكم لي بإيتائي الكتاب والنبوة في الأزل وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبياً، وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبياً في تلك الحال وهو بعيد، على حد قول الشوكاني.

وللإمامية رأي حيث يقول الطبرسي في مجمع البيان: أي حكم لي بإتيان الكتاب والنبوة، ثم نسب إلى قيل: إن معناه إني عبد الله سيؤتيني الكتاب وسيجعلني نبياً، وكان ذلك معجزة لمريم (عليها السلام) على براءة ساحتها، ويقول الجنابذي في بيان السعادة: أتى بالماضي لتحقق وقوعه أو لتحقق استعداده، والمراد بالكتاب الإنجيل أو كتاب النبوة. انتهى ماذهب إليه جمع من المفسرين. وآخر الآراء هو الأقرب لما قدمنا وهو ما ذهب إليه الجنابذي من أن الكتاب هو كتاب النبوة على الرغم من عدم تفصيله لما ذهب إليه.

فإن قيل: السؤال الذي وجّه إلى مريم يراد منه نفي التهمة عنها، كما يظهر من قوله تعالى: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغياً) مريم 28. ولكن عيسى لم ينف تلك التهمة، بل ذهب إلى أبعد من هذا الأمر كما يظهر من قوله تعالى: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب...... إلى قوله...... والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) مريم 30- 33. وهذا السياق لا يظهر فيه نفي التهمة عن مريم؟ أقول: الكلام الذي صدر منه وهو في المهد يعد من الآيات التي لا يمكن عدم تصديقها من قبل القوم، فإذا ثبت هذا فمن باب أولى يثبت تصديقهم بنبوته التي أشار إليها علماً أن النبوة لا يمكن أن تأتي إلا بالطرق الشرعية، وهذا ما يعلم بالفطرة كما بين النبي ذلك بقوله: لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا. وقد يؤيد هذا الحديث بقوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم... وتقلبك في الساجدين) الشعراء 218- 219.

 

عبد الله بدر السلطان

............................

 

 https://www.youtube.com/watch?v=G55Kv2YiRXs

 

 

مقدمة: يشهد العالم برمته تطورات مذهلة على اثر انتشار ظاهرة العولمة وتطورها، ما أدى الى ظهور مجموعات عالمية تتبنى الارهاب في دول، وأخرى تسعى للاحتكار الاقتصادي عبر ادارة البوصلة العالمية لما يحقق مآرب دول عظمى، ولكن كيف كان للعولمة التأثير على السنة المحمدية أو بالأحرى على الارث القرآني بشرح واسع من السنة؟، واليوم وفي هذا العصر الذي يسوده عالم مفترض لماذا تسعى الكثير من المناهج لإعطاء صورة مغايرة تماما لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟، ما جعل تنظيمات وحكومات عديدة تدخل في حروب طائفية تولدت بسبب الكراهية المتنامية لمعتقدات ليست تمت بصلة لمعيار الوسطية الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .ففي كفة نجد العالم يتطور ويتغير وينافس وفي كفة أخرى نجد الاضطراب والتذبذب والانحطاط في التمسك القوي بالمرجعية الدينية، هذه المرجعية التي لا تشكل اشكالية لبعض الشعوب والحكومات لأنها تجاوزت الالتفات الى أمور من المفروض لا حديث عنها لأنها هي من تحدد الخلفية الأمامية لحضارة أي أمة.

وهذا بالضبط ما تواجهه السنة النبوية من تحديات كبيرة ومتنوعة خاصة في طريق عرضها ونشرها والتعريف بها، على الرغم من أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في عصر نشر الرسالة حرص كل الحرص على تفسير ما غمض على الصحابة وعلى الناس مما نص عليه القرآن الكريم بعد أن تلقى التنزيل عبر وحي منزه من الخطأ.

فأسلوب نشر الدعوة عند الرسول صلى الله عليه وسلم بدا من الشوارع وبالقرب من منازل الناس، من ذلك ما تنقله مصادر السيرة النبوية المطهرة وغيرها عن المغيرة بن شعبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" ان أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبو جهل في بعض أزقة مكة، اذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله لأبي الحكم: يا أبا الحكم هلم الى الله والى رسوله، أدعوك الى الله، فقال أبو جهل: يا محمد: هل أنت منته عن سب آلهتنا، هل تريد الا أن نشهد أنك قد بلغت، فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم ما تقول حق لاتبعتك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل علي فقال: والله اني لأعلم أن ما يقول حق".

ولأجل توسيع دائرة الدعوة الاسلامية بين القبائل فكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في التجمعات الموسمية الكبرى وكان يرتادها لأجل تبليغ الدعوة، حيث كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتمتع بشخصية متوازنة فيها مقومات تخلق الثقة والألفة الوطيدة والمتبادلة بينه وبين مدعويه على اختلاف مواقعهم وبينه وبين أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

كما كانت لديه القدرة على استيعاب أصحابه من عدم كبت لقدراتهم أو كبح لمواهبهم أو تحديد لطاقاتهم، أو تثبيط لفاعليتهم أو أسر لإرادتهم وتوجهاتهم الابداعية واستثمر تلك الطاقات وأحسن توظيفها فيما يفيد في تبليغ الدعوة عبر منهج سلس ووسطي مستخدما في ذلك أسلوب الاقناع بعدالة القضية الدينية وخلق الرغبة لديهم للتضحية لأجلها حفاظا عليها من أي انحراف أو تحريف أو سوء فهم .. وما ساعد في توسع التبليغ للرسالة المحمدية هو حرص الرسول صلى الله عليه وسلم ويقظته المستمرة لحماية منجزاته الدعوية في الأنفس وكذا الآفاق المتجسدة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والمالية وغيرها من أساليب التعامل الانساني القائمة على تفعيل القيم والمبادئ الخالدة خلود الدين والمنهج.

وعليه وفي هذا السياق، بودي طرح اشكالية توافق ما طرحته سابقا، وهي عن ماهية المهارات التي يفترض استخدامها في العصر الحديث لأجل اعمال العقل الانساني وتوجيهه نحو خدمة السنة النبوية التوجيه الأمثل والصحيح مثل ما جاء به نبينا الكريم حفاظا عليها مما قد يؤثر على ديمومتها بالتخلي عن التمسك بها والعودة الى نصوصها وقيمها؟.

و هذا ما سيكون عنوانا لمداخلتي وهو:

 المهارات الفكرية والنفسية الصحيحة في اعادة احياء السنة النبوية في العالم الاسلامي.

يعني مختلف المهارات التي تليق بالعقل البشري وبالفطرة الاسلامية، وبما أني ذكرت العالم الاسلامي فليس الأمر يقتصر على جنس معين بذاته أو على اللغة وعلى التقاليد بل الفكرة مجسدة في احياء السنة كوسيلة منهجية لإعادة النهضة الاسلامية الى مصاف الطريق الصحيح بانبعاث حضاري قوي بقيمه وأخلاقياته لمعالجة الركود الذي يعانيه المسلمون بسبب الحروب والتغيير التكنولوجي الذي أحدث فروقات كبيرة وواضحة بعيدة جدا عن مبادئ العدل والسلام العالميين.

و لأجل تحرير البحث اخترت المنهج الوصفي التحليلي من أجل تسليط الضوء على أهم عناصره ومحاولة التركيز على المهارات الفكرية والنفسية التي يمكن اعتمادها لأجل اعادة احياء السنة النبوية.

المبحث الأول: السنة النبوية بين الماضي والحاضر

قال تعالى " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين، واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، واذا قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وأرزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره الى عذاب النار وبئس المصير، واذا يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم" سورة البقرة من 124- 129.

في هذه الآيات امتحان الله لسيدنا ابراهيم ببعض الأوامر والنواهي التي يصعب تأديتها، لأنها من الأمور الشاقة الصعبة، وذلك ليعود الله نبيه ابراهيم على الصبر وتحمل المشاق(1).

ونفسه كان نسق المسيرة لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه الى يوم الدين، وهو ما جاء في سورة الكوثر من أمر رباني " انا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر، ان شانئك هو الأبتر".

و على مر سنوات الدعوة الى الله ظل أعداء النبي يترصدون نهاية لهذه الرسالة التي خلفت من بعدها سنة متبعة على مر العصور من شرق الأرض الى غربها ومن شمالها الى جنوبها، لم يكتفوا بهذا الترصد وفقط بل حاربوا النبي بشتى الوسائل حتى يتراجع عن تبليغ هذا الدين لكنه لم يتراجع.

و أعداء الدين الاسلامي(2) على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتوهمون لجهلهم أنه اذا مات بنو الرسول صلى الله عليه وسلم، انقطع ذكره، ولم تعد لدعوته أي أثر فلا يرثه ابن ينادي باتباع ما كان يدعو اليه به أبوه. فكان العاص بن وائل اذا ذكر رسول الله يقول: دعوه فانه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، وعندما مات بن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب أبو لهب الى المشركين، فقال: بتر محمد الليلة، فأنزل الله –تعالى-  في ذلك " ان شانئك هو الأبتر".

أما في العصر الحديث فلا تزال محاولة تشويه صورة الاسلام وصورة الرسالة المحمدية قائمة ولربما بطريقة أكثر حداثة عمن كانت عليه في الماضي وهو ما بدى في حملات اعلامية خاصة لدحض الصورة الحقيقية لسيرة خير الخلق، وهو ما يعكس العداء الشديد لهذا الذين ممثلا في شخص الرسول صلى الله وسلم .

وفي سؤال لقناة الجزيرة للشيخ العلامة يوسف القرضاوي عن سبب تكرار الاساءة للرسول صلى الله عليه وسلم أجاب: (3)

الإساءة إلى رسل الله جميعا سنة من سنن الله القديمة والمتجددة، كل رسل الله أوذوا والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام:34] كل رسل الله أصابهم الأذى، القرآن يعبر عن الإساءة بكلمة الأذى وقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه وفي أهله وفي أصحابه وصبّ عليهم ما صب من العذاب واضطروا أن يقاطعهم المشركون ثلاث سنوات في مكة لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم ولا يزوجونهم ولا يتزوجون منهم حتى أكلوا أوراق الشجر وحتى دميت أشداقهم، ثلاث سنوات لقي الرسول عليه الصلاة والسلام ما لقي من هؤلاء المشركين والله تعالى يقول:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}[الفرقان:31] {وكذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ }[الأنعام: 112] هذه سنة الله{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن:2] والكفار أكثر، المؤمنين دائما أقل من الكفار{وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}[الأنعام:116] فهذه هي طبيعة الحياة لذلك ليس عجيبا أن يساء إلى رسول الله في عصرنا هذا، الدوافع القديمة هي موجودة كما قال القرآن: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة:118] ما أشبه الليلة بالبارحة، الدوافع متجددة هي نفس الدوافع القديمة دوافع الإساءة إلى رسل الله والى أنبيائه وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، محمد لم يؤذِ أحدا لم يسئ إلى أحدا.

المطلب الأول: السيرة النبوية وما تناقله علماء الدين

الفرع الأول: فضل آل البيت

معرفة ما يجب من آل البيت لدى المقريزي(4)، من الحق على من عداهم، وهو عنوان الكتاب الثاني من مجموعة رسال المقريزي، حيث عالج المؤلف قضية هي من أدق القضايا والتي كان لها أثر واضح في تاريخ الأمة الاسلامية، من خلال شرحه للآيات الخمس من القرآن الكريم وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب: "انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وقوله تعالى في سورة الطور " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " وقوله تعالى في سورة الكهف " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا" وقوله تعالى في سورة الرعد" جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " وقوله تعالى في سورة الشورى "قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى" .

قد جعل المقريزي من هذه الآيات الخمس حول بحثه عما يجب على المسلمين نحو آل البيت من توقيرهم ونصرتهم ومودتهم، واعتمد في تفسير هذه الآيات على عمدة المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ثم اقتبس نصوصا أخرى من تفسير أبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، وأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، ونجم الدين سليمان الطوفي، وغيرهم من أئمة المفسرين.

فكان المقريزي صاحب بحث مدقق فيما سبق ذكره من الآيات " قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى" والسائل هنا يسأل عن من هما أهل القربى هل هم الأنصار أم بطن قريش؟ أو ربما غيرهما، وهل المعنى من القربى التقرب الى الله أم معناها أهل قرابته صلى الله عليه وسلم؟ .

ويعلق المقريزي في ذلك قائلا: " يظهر لي أن الخطاب موجه في الآية لجميع من آمن، ذلك أن العرب بأسرها قوم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو منهم، وعلى من سواهم من العجم أن يوادوهم ويحبونهم .

وبالمناسبة فان المقريزي خالف أهل الشيعة فيما ذهبوا اليه من تخصيص آل البيت بأولاد علي وفاطمة، حيث رد على بعض الآراء في معنى قوله تعالى" انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" والذي يظهر من الأدلة أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم.

ومن حديث يونس بن أبي اسحاق(5) قال:" أخبرني أبو داود عن أبي الحمراء قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم اذا طلع الفجر جاء الى باب علي وفاطمة رضي الله عنهما فقال: الصلاة (الصلاة)، " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا".

ومن حديث الوليد بن مسلم (6) قال: حدثنا بن عمرو قال: حدثني شداد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدث قال: (سألت) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في منزله؟ فقالت فاطمة رضي الله عنها: قد ذهب يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليا عن يساره وحسنا وحسينا رضوان الله عليهم بين يديه، فلفع عليهم بثوبه وقال "انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"، اللهم هؤلاء أهلي (اللهم أهلي) أحق"، قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي، قال واثلة " انها لمن أرجى ما أرتجي.

الفرع الثاني: أخلاق النبي وآدابه

ان لمن نعم الله على خلقه أن من عليهم بإرسال خير الأنبياء محمد صلوات الله عليه وسلامه، وأنزل عليه أفضل كتبه وجعل من أمته خير أمة أخرجت للناس، أي فضل وأي كرم جاد به الله على أمة نبينا، وأي تفضيل وأي تكريم تحلى به المسلم على وجه الأرض ليباهي الأمم بإسلامه وبأخلاقه وبعقيدته، فمن هو هذا النبي الذي استطاع أن يؤثر في الناس ويستهوي قلوبهم ويشد اليه عقولهم؟.

ان الأخلاق لهي المعصم الوحيد الذي يلف كيان المؤمن، والخلق (7) صفة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير تكلف، كالكرم يصدر عنه العطاء بلا عناء، والحلم يستدعي مصابرة السفيه والعفو عن المسيء والحكمة تقتضي وزن الأمور بميزان المصلحة، وقد حث النبي على حسن الخلق وهو أحسن الخلق، كما ورد في الحديث الصحيح.

لقدر اشتهر كتاب أخلاق النبي(8) لصاحبه أبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان بروايته عن جده أبي ذر الصالحاني عنه، وكتاب عمل اليوم والليلة لابن السني أحمد بن محمد بن اسحاق مطبوع في مجلد متوسط الحجم عدد صفحاته 282 صفحة من القطع المتوسط بتحقيق أحمد عبد القادر عطا، وكما هو معلوم فان بن السني تلميذ للنسائي، فقد أسند بن السني من طريق النسائي عدد 133 حديثا ولكن أسانيد بن السني التي من غير طريق النسائي دون أسانيد النسائي، بل وفيه أسانيد لا يرتضيها النسائي وليست على شرطه، وكتاب أخلاق النبي أشمل منه الا أنه مقارب له في أسانيده حيث يذكر الضعفاء والمتروكين بل ربما الوضاعين، وهناك فرق بين الكتابين من حيث الصناعة وهو أنه في عمل اليوم والليلة لابن السني لا يكرر حديثا مرتين ولا يعدد اسناد الحديث الواحد وهذا موجود في كتاب النسائي وفي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم .

 وقد روى جبير بن مطعم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر وأنا الماحي الذي يمحو بي الله الكفر، فاذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت أمام المرسلين، وصحاب شفاعتهم" (9).

و قد سمى الله النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز ب:

*البشري والنذير

*الرؤوف

*الرحيم

*رحمة للعاملين

وببلوغ الاربعين من العمر ابتدأ محمد بتلقي الكرامات من الله، حيث نزل عليه الوحي أين أتاه جبريل وأقام بمكة ثلاثة عشر سنة وقيل خمس عشر وقيل عشرا.

وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في حديث طويل في قصة سعد بن هشام بن عامر حين قدم المدينة وأتى عائشة رضي الله عنها يسألها عن بعض المسائل، فقال:

فقلت يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قالت: ألست تقرأ القرآن؟.

قُلتُ: بَلَى

قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ القُرآنَ.

قَالَ: فَهَمَمْتُ أَن أَقُومَ وَلَا أَسأَلَ أَحَدًا عَن شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ ...الخ) رواه مسلم (746).

وفي رواية أخرى:

(قُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ ! حَدِّثِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ

قَالَت: يَا بُنَيَّ أَمَا تَقرَأُ القُرآنَ؟ قَالَ اللَّهُ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) خُلُقُ مُحَمَّدٍ القُرآنُ. أخرجها أبو يعلى (8/275) بإسناد صحيح

قال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" (3/268).

" معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته ".

المطلب الثاني: منهج اتباع السنة المحمدية لدى أهل السنة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه"، وقال" أفضل الناس القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" وقال أبو زرعة" اذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وانما أدى الينا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب السنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة".

يعني: أن من طعن على الصحابة فإنما يطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعن على دين الله تعالى(10).

ومما صح على منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو مخالفة الاحكام مقارنة مع الغير مسلمين. فاليهود(11) يؤخرون الصلاة الى اشتباك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب الى اشتباك النجوم، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب الى اشتباك النجوم". واليهود تزول عن القبلة شيئا وكذلك الرافضة، واليهود تنود في الصلاة وكذلك الرافضة، واليهود تسدل أثوابها في الصلاة وكذلك الرافضة، واليهود لا يرون على النساء عدة وكذلك الرافضة، واليهود حرفوا التوراة وكذلك الرافضة حرفوا القرآن، واليهود قالوا: افترض الله علينا خمسين صلاة، وكذلك الرافضة، واليهود لا يخلصون السلام على المسلمين، انما يقولون: السام عليكم، -  والسام الموت-  وكذلك الرافضة، واليهود لا يأكلون الجري * والمرماهي.

(*الجري: هو نوع من السمك، زعموا ان السمك خاطب عليا الا هذين النوعين.)

فإذا كان من يتخذ الملائكة والنبيين أربابا بهذه الحال، فكيف بمن يتخذ اماما معدوما لا وجود له؟، وقد قال تعالى" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا الله الها واحدا لا اله إلا هو سبحانه عما يشركون" سورة التوبة، الآية 31، وقد ثبت في الترمذي وغيره من حديث عدي بن حاتم أنه قال" يا رسول الله ما عبدوه؟" فقال، انهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم فهؤلاء اتخدوا أناسا موجودين أربابا"

الفرع الأول: الوسطية في المنهج المحمدي

الاسلام دين يوافق الفطرة، فهو يدعو الى التوازن في السلوك والاعتدال في الاقبال بالمعاملات الاجتماعية والفردية، كما يدعو الى التسامح، قال الله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا" ومن مظاهر الاعتدال هو دعوة الاسلام الى الاقبال على المطالب الدنيوية والواجبات الأخروية بما يحقق للفرد حقه من الحياة مثل ما أمرنا الله تعالى " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الأرض، ان الله لا يحب المفسدين "سورة القصص الآية 77.

ومن ذلك يشير الدين الاسلامي الى أن خير الامور أوسطها مثل ما ورد في السنة النبوية فلا غلو في الدين الى درجة التطرف ولا تعصب الى درجة التعقيد في الأمور، فالدين الاسلامي صالح لكل زمان ومكان وفيه توضيح لكل ما غاب عن العقل من أحكام شرعية وما مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، والوسطية التي حث عليه رسولنا الكريم انما هي للابتعاد عن كل أشكال التطرف مصداقا لقوله تعالى " قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" سورة المائدة الآية 77.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عني يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله ثم تلا هذه الآية " وأن هذه صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" رواه بن ماجة وصححه الألباني وقال صحيح.

وبقدر ابتعاد الانسان المؤمن عن الافراط والتفريط بقدر ما بلغ ذروة الاعتدال وسار على النهج السليم الذي ارتضاه لنا الله تعالى، ومنه يمكن القول من أن الوسطية هي اتباع الصراط المستقيم والثبات على هذا الطريق وأخذ الحذر والحيطة من الميل الى أحد الجوانب، وبما أن العقيدة وصفت كونها بالسمحة فالحق أن يتبع أمر الله والحق أن يثبت المرء على دينه على قدر ما أوتي من طاقة ودرجة في تحمل المحن والتجاوز الصعاب والله لا يحمل نفسا إلا وسعها ويبتلى المرء على قدر دينه وفي كل الأحوال فان ما يصيب المرء من قدر خيره وشره فهو خير له، قال الله تعالى" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به "سورة البقرة الآية 286. ولا بد من تذكر أن دين الاسلام انما هو دين يسر ووضوح وسلم وخير وبركة وفلاح ورشاد .

الفرع الثاني: من مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك.

يعطي كل جلسائه بنصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقة فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس علم وحلم وحياء وأمانة وصبر لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم ولا تثنى فلتاته متعادلين بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة.

قال الحسين: سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه؟ فقال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه.

 قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه واذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير

فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم.

 فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مواقف حكيمة ومشرفة والداعية الى الله، حينما كان يقف ويتأمل المواقف التي كان يقفها الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة الى الله يزداد حكمة، ويستفيد من هذه المواقف في دعوته، فالنبي هو الأسوة الحسنة التي ينبغي على كل مسلم أن يلتزمها "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"(12).

 وهذا يدل دلالة واضحة على أن الله أعطى نبيه الكريم الحكمة، ولهذا قام بهذه المواقف الحكيمة المشرفة لتكون نبراسا للداعية الى الله يسير بمقتضاها، وخاصة في دعوة المجتمعات الوثنية الكافرة، أما المجتمعات الاسلامية فلا دليل لمن يرى سرية الدعوة في بلاد المسلمين(13).

ومع هذا الجهد المبارك العظيم(14) لم يلجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الاغتيال السياسي، ولم يتخلص من أفراد بأعينهم، وكان بإمكانه ذلك وبكل يسر وسهولة، اذ كان يستطيع أن يكلف أحد الصحابة بقتل بعض قادة الكفر، كالوليد بن المغيرة المخزومي أو العاص بن وائل السهمي، أو أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي لهب: عبد العزى بن عبد المطلب أو النضر بن الحارث، أو عقبة بن أبي معيط، أو أبي بن أبي خلف، أو أمية بن خلف ...و هؤلاء هم من أشد الناس أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يأمر أحدا من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الاسلام، فان مثل هذا الفعل قد يؤدي بالجماعة الاسلامية كاملة، أو يعرقل مسيرتها مدة ليست باليسيرة، كرد فعل من أعداء الاسلام، الذين يتكالبون على حربه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر في هذه المرحلة باغتيالهم، لأن الذي أرسله هو احكم الحاكمين.

و من هنا يستنتج أسلوب الدعوة الى الله على الأرض اقتداءا بمواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في كيفية تعامله حتى مع العدو، لأن تمام تبليغ الدعوة انما بتمام الأخلاق والصبر على الأذى وتجاوز الزلات والأخطاء بالصفح الجميل والتسامح.

المبحث الثاني: ضرورة اعادة احياء السنة النبوية في العصر الحديث

المطلب الأول: نظرة تأملية في الواقع الاسلامي

قال الدكتور أحمد عبادي(15)، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، إن العلوم الإسلامية رغم ما هي عليه اليوم في وضعها الحالي، تبقى قادرة على إلهام المفكرين وإعطائهم مجموعة من الآليات في غاية الفاعلية لتيمم شطر قِبلات أهدى سبيلا.. إلا أن واقع العلوم الإسلامية الحالي، يضيف د. أحمد، يحتاج إلى مراجعة وتجديد.

ودعا د. عبادي في حوار معرفي مع مجلة الإحياء إلى تجاوز العوائق التي تعترض سبيل العلوم الإسلامية، من هذه العوائق: أن هذه العلوم قد دلفت نحو قُطب التقليد، وثانيها: انفكاكها من مصدرها الذي هو القرآن المجيد، وثالثها: هذه العلوم قد توزعتها نزاعاتٌ مذهبية في فترة من الفترات. ورابعا أن هذه العلوم قد تسربت إليها في فترة من الفترات مناهج دخيلة.

كما أكد د. عبادي ضرورة استئناف الحوار مع القرآن الكريم، لأنه حين يُستأنف الحوار يكون الإبداع والنظر المتجددان، وحين ينقطع الحوار تحل السلبية ويطفح الجمود مرة أخرى من جهة أخرى، دعا

د. عبادي إلى تحرير وتجريد الباراديغمات الكامنة من جهة وراء العلوم الإنسانية حتى نتعامل معها برشد وفاعلية واتزان، وتجريد من جهة ثانية الباراديغمات الكامنة وراء علومنا ومعارفنا حتى نتأكد من قرآنيتها وسلامتها، واتصالها بالمعطيات التي في الكتاب المسطور وفي الكتاب المنظور.

التاريخ يسكننا كما يسكنُ سائر الأمم والشعوب، ولكن بالنسبة إلينا فإن التاريخ متصل من حيث انطلاق هذه الدورة الحضارية الإسلامية بالرسول الأكرم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحبه الكرام، الذين أسسوا الأنموذج.

 فالنظر إلى هذه القضية حين انفك هو بدوره عن مقصديته القائمة على أن هذا الأنموذج يشكل وحدة قياسية، أي أنها معيار أو حالة سواء، وجب أن يتم ردُّ الأمور إليها بعد دراستها حتى يُصبح هذا الاستعمال لهذا الجزء المشرق من تاريخ المسلمين استعمالا وظيفيا، وتكون مقاربته مقاربةً وظيفية أيضا

حين لم يتم تجريدُ حالة السواء هذه وتجلية معالم الوحدة القياسية التي تحدثنا عنها، ولم تتم (مَنهَجَة) كيفية التعاطي معهما، والاستمداد منهما، بكل الواقعية وكل المرونة اللتين تجعلان الإنسان دائمَ الارتباط بواقعه، غيرَ غافل ولا لاهٍ عنه ولا عن ضروراته وإكراهاته؛ بحيثُ إنهُ يُطالب في إطار هذا المنهج، بأن يكون دائمَ القيام بخطوات ثلاث: الخطوة الأولى: هي تَمثُّل الوحدة القياسية وحالة السواء، بطريقة علمية بحيث تكون مبوّبةَ وممفصلةً وممنهجة، والخطوة الثانية: هي النظر إلى الواقع وتحليله، والوقوف على مقوماته ومكوناته وأدواره وسُلطه ومراكزه(16).

الفرع الأول: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أنموذجا

اقتداءً(17) بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان صحابته رضوان الله عليهم يقومون بما كان يقوم به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن الأعمال الجليلة والخُلُق الكريم مِن التَّواضُع وخفض الجناح.

فكان أبوبكر رضي الله عنه يحلب الشَّاة لجيرانه، وكان عمر رضي الله عنه يحمل قربة الماء، وكان عثمان رضي الله عنه وهو يومئذ خليفة -  يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصباء في جنبه، وكان عليٌّ رضي الله عنه يحمل التَّمر في ملحفة ويرفض أن يحمله عنه غيره، وكان أبو الدَّرداء ينفخ النَّار تحت القِدْر حتى تسيل دموعه.

وصفوة(18) القول إنَّهم رضي الله عنهم ساروا على نهج الرَّسول الكريم، فلم يستكبر منهم أحدٌ، أو يستنكف عن القيام بتلك الأعمال اليسيرة النَّافعة مهما عَظُمَت مكانة الواحد منهم.

عن طارق بن شهاب، قال: (خرج عمر بن الخطَّاب إلى الشَّام ومعنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأَتَوا على مخاضة، وعمر على ناقة له، فنزل عنها وخلع خفَّيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أنت تفعل هذا، تخلع خفَّيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أوَّه، لم يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم إنَّا كنَّا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، فعن -  عن أبي محذورة قال: كنت جالسًا عند عمر رضي الله، عنه جاء صفوان بن أميَّة بجَفْنَة، يحملها نفرٌ في عباءة، فوضعوها بين يدي عمر، فدعا عمر ناسًا مساكين وأرقَّاء مِن أرقَّاء النَّاس حوله، فأكلوا معه، ثمَّ قال عند ذلك: فعل الله بقوم، أو قال: لحى الله قومًا يرغبون عن أرقَّائهم أن يأكلوا معهم!! فقال صفوان: أما والله، ما نرغب عنهم، ولكنَّا نستأثر عليهم، لا نجد والله مِن الطَّعام الطَّيِّب ما نأكل ونطعمهم.

وعن عروة بن الزُّبير رضي الله عنهما قال: (رأيت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها).

هذه أمثلة بسيطة لتواضع الصحابة، وهذا التواضع قياس للبقية من كانوا يصادقون الرسول في السراء والضراء فكانوا له نعم الوجاء ونعم الاخوان وقد بشروا بالجنان وهم بعد لم يرحلوا عن الدنيا.

الفرع الثاني: فضل الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم

 الدولة الاسلامية بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهدت حركة علمية واسعة أساسها جمع الحديث وروايته وتدوينه، فقامت عليه حركة علمية قامت على النقل والاسناد، فكل ما نعرفه من تأريخ السير، والمغازي والفتوح، والتراجم والطبقات، وحتى تفسير القرآن وعلوم القرآن، ما تشعبت عن جمع الحديث وروايته، فمن أبرز أوجه التأثير البالغ الذي أوقعه الحديث النبوي في العلوم العربية الاسلامية (النقلية)، الرحلة الى طلب العلم الى أقاصي الأمصار، فكان العلماء يطوفون البلدان ويتبادلون العلم تأثر وتأثيرا ، مما وحد المناهج والخطى، والروايات والنصوص، ومما أذاع بين الناس في كل مكان ألوانا من العلم، وضروبا من المعرفة ليس لهم سابق عهد (18).

ومن فضل الصحابة على الرسول الكريم هو نقل الحديث عنه، هذا الحديث الذي سيرد بيان نوعه .

أولا: الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي والحديث النبوي(19)

القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه، وقولهم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للتمييز بينه وبين الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والانجيل، والزبور وعلى نحو الصحف المنزلة على ابراهيم عليه وعلى نبينا السلام .

الحديث القدسي: هو ما أضيف الى الرسول صلى الله عليه وسلم وأسنده الى رب العزة مثل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال "قال رسول الله فيما يروي عن ربه"، أو قال الله تعالى فيما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متعبد بتلاوته .

الحديث النبوي: هو ما أضيف الى الرسول صلى الله عليه وسلم قولا ومعنى، اذا الفرق بين الحديث القدسي والنبوي كلاهما نبوية، الا أن القدسي معناه من عند الله، ولفظه من رسوله الكريم.

أيضا من صور محبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم الدفاع عنه، حينما بدأ بنشر الرسالة التي كلفه الله بها حيث اشتد عليه الكرب وزادت ضده الشائعات والمطاردات لأجل أن يتوقف عن تبليغ الدين للناس، ولكن بفضل وقوف الصحابة الى جنب الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأت الدعوة في الانتشار، فها هو أبو بكر الصديق ينطلق صوب الكافر الذي أراد خنق رسول الله حينما رآى عقبة بن أبي عبيط متجها صوب رسول الله وهو قائم يصلي فأخذ أبو بكر يترقبه، اذ حينما خلع ثوبة ليلقيه على رسول الله ليخنقه الا ويندفع أبو بكر متجها نحوه ليدفعه دفعة شديدة، ونجا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كيده، ثم أخذ يردد الآية الكريمة " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" سورة غافر الآية 28.

أيضا من مظاهر محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو خوفهم من فراقه، حيث

 خرج أحمد عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ جزعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

اضافة الى التنافس من أجل حبه، هذا التنافس هو صورة من صور محبة الصحابة لرسولهم وقائدهم الكريم، هذه المحبة نشأ منها سلوك عظيم وهو فدائهم له، ومن ذلك قصة زيد بن الدثنة، عندما ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فبعثه مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهطاً من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: "أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وإنك في أهلك؟ "، قال: "والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي"، فقال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ثم قتله نسطاس".

وهذا واذ سردنا صورا عطرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفا من شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم، الا أن العالم الاسلامي اليوم يشهد حالة من الركود في تكرار هذا النموذج المحمدي في عصرنا هذا المتكالب عليه تقنيات وتكنولوجيا بعولمة أدخلت تحديثا على نسق العيش، بالإضافة الى الواقع السياسي والذي حصدت معه الحروب أرواحا كثيرة وخلقت تشتتا وفقرا وانقسامات في اتباع المنهج الاسلامي فصارت الطائفية تفرض توجهات أحدثت نوعا من الفرقة بدل التوحد والالتفاف حول السيرة المحمدية بكل ما دعت اليه من لم للشمل والدفاع عن القضايا المصيرية وأهمها ما تعانيه الأمة الاسلامية من غربة وتغريب، فكيف العمل للعودة الأصيلة الى حضارة الرسالة المحمدية بآليات ناجحة من شأنها أن تقلب الموازين لتزيد من سد الشروخات وتضميد الجراح التي آلمت ولا تزال والسبب هو عدم اتباع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والابتعاد عن المنهج الحقيقي والذي به تستقيم الحياة وتتحقق به نجاحات الأمة

المطلب الثاني: آليات اعادة احياء السنة النبوية في العالم الاسلامي

يقول فضيلة الشيخ اسماعيل محمد رفعت عضو هيئة العلماء والدعاة في ألمانيا حول معنى احياء السنة

حينما ذكر أنها مركب من كلمتين، فكلمة "احياء" مصدر من الفعل حيي وحي حياة، وحيوانا ذا نماء، وأحيا الله فلانا بمعنى جعله حيا وأحيا الله الموتى: أي بعثهم، والحياة تعني الخصب كما تعني النمو والبقاء، وفي علم الأحياء مجموع ما يشاهد في الحيوانات والنباتات من مميزات تفرق بينها وبين الجمادات مثل التغذية والنمو والتناسل ونحو ذلك (المعجم الوجيز: مادة "حيي" ط المجمع ص 182).

فالكلمة اذن معناها البعث والانماء.

أما كلمة " السنة " فهي الطريقة والسيرة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي ما ينسب اليه من قول أو فعل والسنة في الشرع هي العمل المحمود، فالكلمة اذن معناها البعث والانماء في الدين مما ليس فرضا ولا واجبا والجمع سنن، وأهل السنة من يأخذون بالمأثور في الشريعة ومن تابعهم و" السنية" أهل السنة (المعجم الوجيز، مادة "سن" ص 325.

وقد رود في القرآن الكريم عما يشير الى اتباع السنة وهي قوله تعالى " ومن يطع الله والرسول فأولئك أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" سورة النساء الآية 69.

هذا وقد جاء ذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع من الكتاب والسنة وفي هذه المواضع تكمن ضرورة العودة الى هذين المصدرين لإحياء السنة النبوية في زمن طغى فيه التغريب والتضليل على نحو ما أثر على توحد المسلمين وتلاحمهم خاصة في قضاياهم المصيرية.

الفرع الأول: احياء السنة النبوية من منظور القرآن الكريم

 يقول الله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ان الله شديد العقاب " سورة الحشر الآية 7 .

ولعل من مظاهر التفريط في السنة مثلما ورد على قول الشيخ (20) اسماعيل محمد رفعت هي التبعية لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعمر أن يستقيم حال المسلم حتى يعظم السنة ويحتاط بها، فالمطلوب أن يحفظ المسلم لنفسه قدرها ولا يتبع الا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه لن تطيب نفس المسلم لو اتبع سنن الغرب وتقاليدهم ونقل أفكارهم ومعتقداتهم لأنها تناقض الفطرة التي فطرنا الله عليها وتناقض فطرة التوحيد والايمان بوحدانية الله عز وجل، حيث قال تعالى" ألمص، كتاب أنزل اليك فلا يكن في نفسك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين " سورة الأعراف الآيتين 1 و2.

كما يذكر الشيخ مظهرا آخر من مظاهر التفريط في السنة وهي العدول عن التأس به صلى الله عليه وسلم وعن مطالعة سنته وسيرته العطرة وسيرة زوجاته وصحابته وأهل البيت رضوان الله عليهم، حيث تلزم هذه المطالعة الاقتداء بها في الأمور القيادية والسياسية وفي الفكر وفي الاقتصاد وفي جميع مظاهر الحياة التي لا تحلو الا بالاقتداء بسنة الهدى نبراس الأمة محمد عيله أفضل الصلاة والتسليم، حيث اتخذ الناس اليوم طريق الرذيلة والبعد عن الفضيلة فانحنى ظهر الأمة الاسلامية وتكالبت عليها الأمم من كل صوب فكثر بذلك الهرج والمرج وكله بسبب ذنوب العباد في ابتعادهم عن المرجعية الدينية الصحيحة والتي لا يظل من اتبعها أبدا .

وعليه فان من آليات احياء السنة النبوية هي العودة الى السنة والعمل بما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم وتعليم الأجيال الناشئة هذه السنة وأهميتها في صلاح واستقامة المسلم عبر مسيرة الحياة،

 فطاعة الرسول هي طاعة لله تعالى، والاعتبار من ذكر هذه الطاعة في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن الكريم، حيث قال تعالى " وما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى "سورة النجم، الآيتين 3- 4.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليها بلفظ كتاب الله كما في قصة العسيف (الأجير) الذي زنى بامرأة الذي استأجره فقال المستأجر للنبي صلى الله عليه وسلم " أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله، ففيها اشارة الى أن السنة يطلق عليها كتاب الله لأنها بوحيه وتدبيره .

الفرع الثاني: احياء السنة النبوية من منظور السنة

روى الترمذي بسنده عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ .[سنن الترمذي: كتاب المناقب: باب فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم ح رقم 3797وأحمد مسند البصرين مسند عبد الله بن مغفل 19641، ، 19669

هي اشادة على جمال السنة ومن تبعها من الصحابة حينما صلح حال المسلمين وتآخوا فيما بينهم وقد قادهم الرسول صلى الله عليه وسلم الى ما يلم شملهم ويوحد صفهم بروحانيات من السنة الشريفة.

ويذكر الشيخ اسماعيل محمد رفعت أن ما يمكن استنتاج آليات لإحياء السنة النبوية في عصر التقنية والتكنولوجيا السريعة حيث ينبه الى أن الانتفاع بالتقنيات الحديثة والاكتشافات العلمية (على الوجه المشروع) غير معارض للسنة، وقصر استعمال النبي صلى الله عليه وسلم للوسائل التقنية المتاحة في عصره لا يمنع شرعا من الانتفاع من المستحدثات الحضارية طالما كانت داخلة في باب الوسائل لا المقاصد والغايات، فمن السفه ان نمتنع عن ركوب السيارة بدعوى ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يركبها.

 تبقى أن طاعة الرسول واتباعه هي ثمرة محبة الله "قل ان كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله "سورة آل عمران الآية 31.

وينسب للنابغة وغيره هذين البيتين:

تعصى الإله وأنت تزعم حبه ذاك لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن أحب مطيع

كما دافع عن صاحب السنة الصحابة وسطروا في ذلك أفضل الأمثلة وأصدق الأعمال

أبو طلحة الأنصاري –رضي الله عنه-  كان يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، ويرمي بين يديه [بالسهام] ويقول: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ " [البخاري: كتاب المناقب باب مناقب أبي طلحة رضي الله عنه حديث: 3527

وما أجمل ما قاله أنس بن النضر يوم أحد " فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابَهُ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ قَالَ سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ قَالَ أَنَسٌ فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ "مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عليه".

" [صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب قول الله تعالى { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } ح رقم: 2805،

4048.

 أو بعد كل هذا نقصر في حب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نحترق شوقا لإحياء سنته وللقائه ولشفاعته يوم لا ينفع مال وبنون الا من أتى الله بقلب سليم .

خاتمة:

في الحقيقة (21)، أننا إذ نعمل على "إحياء السنة" ونشر فضائلها فإنها هي التي تحيينا وتضيف لحياتنا قيمتها الحقيقية قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ..." سورة الأنفال، الآية24 .]

والعمل بالنية مبنى العلم هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ "، سورة يوسف، الآية 108.

فالعلم مصاحباً للعمل سبيل النجاة، قال الإمام الغزالي في رسالته القيمة "أيها الولد": "واعلم أن العلم المجرد لا يأخذ باليد" [أيها الولد ص 5 ط: دار التوزيع والنشر الإسلامية] فالعلم المجرد عن العمل لا ينجي أمام الله يوم القيامة.

والحقيقة التي لا بد وأن تكون ظاهرة أن العمل لإحياء السنة لا ينفك أبداً عن العمل للإسلام بشموله فإن السنة لحمة وسدى وهي نسيج الإسلام، ولا يستطيع أحد أن يفصلها عنه فهي أحد الوحيين وثاني مصادر التشريع.

واستغفر الله أولا وأخيرا

 

أ. سميرة بيطام

........................

الهوامش مع المراجع:

* بحث المشاركة في المؤتمر الدولي لمهارات خدمة السنة النبوية، 10-11 ماي 2017 بالجامعة الزرقاء –الأردن

1- أحمد متولي محمد، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، الجزائر، دار المجدد للنشر والتوزيع، 2009، ص 9.

2- أحمد متولي محمد، المرجع السابق، ص 5.

3- برنامج الشريعة والحياة، الاساءة الى النبي وسياسة التعامل معها على قناة الجزيرة الاعلامية.

www.aljazeera.net/programs/regionan drift/2012/9/19/

4- تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، فضل آل البيت، من نوادر التراث، القاهرة، دار النصر للطباعة الاسلامية، 1977، ص10، 9.

5- تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، المرجع السابق، ص 22.

6- تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، المرجع السابق، ص 24، 23.

7- الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، أخلاق النبي وآدابه، الرياض، الجزء الأول، 1418 هـ، 1998، الطبعة الأولى، ص 15.

8- الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، المرجع السابق، ص1.

9- أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، مختصر سيرة النبي وسيرة أصحابه العشرة، الرياض، 2003، الطبعة الثانية، ص 53.

10- أبي العباس شيخ الاسلام أحمد بن تيمية، مختصر منهاج السنة النبوية، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1430 هـ، ص6.

11- أبي العباس شيخ الاسلام أحمد بن تيمية، المرجع السابق، ص 15.

12- د.سعيدبن علي بن وهف القحطاني، مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة الى الله، ص 4، يمكن تحميل الكتاب من شبكة الألوكة على الرابط التالي:

www.alukah.net/library/070806/

13- د.سعيد بن علي بن وهف القحطاني، المرجع السابق، ص 8.

14- د.سعيد بن علي بن وهف القحطاني، المرجع السابق، ص 5

15- العلوم الاسلامية:الاستيعاب والتجديد، في حوار مع الدكتور أحمد عبادي، المملكة المغربية، مجلة الاحياء، يمكن تحميل الحوار من رابط المجلة:

www.alihyaa.ma/Article.asp؟c=5599

16- العلوم الاسلامية، الاستيعاب والتجديد، المرجع السابق

17- نماذج من تواضع الصحابة رضوان الله عليهم، موقع الدرر السنية

www.dorar.net/enc/akhlaq/342

18- مروة ابراهيم شعبان قوتة، الأحاديث القدسية –دراسة بلاغية-  رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في اللغة العربية (البلاغة)، غزة، الجامعة الاسلامية، عمادة الدراسات العليا، كلية الاداب، قسم اللغة العربية، 2007، ص 5.

19- مروة ابراهيم شعبان قوتة، المرجع السابق، ص 4، 3.

20- احياء السنة، لفضيلة الشيخ اسماعيل محمد رفعت، عضو هيئة العلماء والدعاة في ألمانيا.

21- احياء السنة، نفس المرجع السابق.

 

 

abdullah badrhskandarعندما يريد الإنسان دراسة الأفكار المتشعبة ويجهد نفسه في حل ألغاز كذا نوع من أنواع العلوم والإبحار في نظريات أهل العلم فإنه يواجه أمواجاً كثيرة تجرفه واتجاهات شتى تأخذ به وبناءً على هذا تبدأ لديه مرحلة التحليل والتنقيح فيكون موقفه من تلك الاتجاهات إما القناعة بها أو الخروج بما يخالفها، ولهذا فإن نشأة الفكر لا يمكن أن تعتمد على اتجاه الآحاد أو أخذ الآراء السقيمة قياساً إلى ما يجب العمل به في الأفكار الإيجابية. ومن هنا نعلم أن ما يحثنا به القرآن الكريم على اعتماد الوسطية لا يعني أن تلك الوسطية التي تلتزم الموازنة في الجانب الايجابي وليس تلك التي تحدث طرفاً مضافاً، ولذلك فإن الغالب العام من هذه الأمة حين التزموا الوسطية ووضعوها في المكان غير المناسب كان هذا هو السبب في نشأة الاختلاف بين المذاهب والاتجاهات، حتى أصبحت ميول أصحاب القرار نحو الأهواء والرغبات معتبرين أن الآخرين في واد وهم في واد آخر وهذا ما أدى إلى تطور الخلاف المذموم بين المذاهب والفرق على اختلاف مللها ونحلها.

وعندما نريد دراسة تلك الانقسامات والتحكم بها نكون قد وجدنا الحل الأمثل لجمع الأفكار التي تفرقت بسبب الاختلاف غير السليم وبهذا نحصل على فكر مخالف وجديد يتمثل في المفاهيم العامة التي يرتكز عليها المجتمع وبنفس الطريقة التي شرعها الله تعالى في هذا المبدأ المتمثل في العبادات والأحكام من خلال النهج السليم لأن الاختلاف بطبيعة الحال يفضي بالأمة إلى الواقع المحيط بها والذي بموجبه تحسن التصرف في الأعباء الملقاة على عاتقها والمطلوب التمسك بها أما بخلاف هذا فإن الواقع المتزمت والاعتقاد المتخذ دخلاً بين أبناء الأمة تكون نتائجه غير سليمة.

وهذا الاختلاف الذي يبعث اليأس في حال هذه الأمة يتفرع على الاختلاف الفكري الذي شغل العلماء طيلة القرون السابقة إلى يومنا هذا، وإن كانت بعض المراحل لا تخلو من المخلصين الذين بذلوا الجهد لأجل التقريب بين الفرق المختلفة فكرياً، ولكن هذا العدد لقلته لا يمكن أن يجاري التيارات التي همها الهدم والتفريق لأن دافع هؤلاء لا يخرج عن حب التسلط والتحكم بمصير السواد الأعظم من الناس ولو كان ذلك على حساب حقوق الآخرين. والأشد فتكاً بهذه الأمة من ذلك التيار الذي يعمل على علم وبينة تيار آخر يغلب عليه الجهل والتخلف وعدم مراعاة مصالح الآخرين وهذا التيار له اليد الطولى في القضاء على همم الطليعة التي تأمل على إصلاح ما أفسده السلف.

والاختلاف الذي يفرضه الواقع والمعتقد الحي بطبيعته يثري النهج السليم، حيث إن تعدد الآراء وفتح أكثر من باب للعلوم المختلفة يجعل المتلقي على يقين وطمأنينة عند دخوله هذا الصرح ومن أي الأبواب شاء وليس هناك أمر سالب في هذا لأن القرآن الكريم جعل من الاختلاف أمراً ايجابياً كما قال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين... إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) هود 118- 119. ولو أخذنا هذا الاختلاف الذي أشارت إليه الآية الكريمة على عمومه لكان مفهوماً عاماً ينطوي تحته ألف عنوان من اختلاف الألوان والألسن والرغبات والقوة والضعف وما إلى ذلك، بحيث يتفرع على هذا تكامل الحياة وخدمة البعض للبعض الآخر كما قال تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا) الزخرف 32.

فإن قيل: إذا كان الاختلاف أمراً مشروعاً فلماذا لا يحق لنا أن نختار الدين الذي نرغب به؟ أقول: إن الاستعداد الديني خارج عن الاختلاف لأنه أمر فطري جبل عليه الإنسان كما قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم 30. لكن الذي حدث فيما بعد من تفرق الناس واختيارهم الطرق البعيدة عن الدين ما هو إلا خروج عن الفطرة وهذا يعد من البغي على دين الله كما قال تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) الشورى 14. وكذلك قوله: (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) الجاثية 17. وهذا ما أشرنا إليه من تصادم الأطماع والجهل الناتج من العلماء ومن يعمل على شاكلتهم ولهذا فإن القرآن الكريم يؤكد دائماً على أن الناس أمة واحدة وتحت ظلال فطرة واحدة لكن الاختلاف السلبي جعل الحاجة ماسة لإرسال الرسل والأنبياء لسد هذا الفراغ الذي أوجده الاختلاف لذلك قال جل شأنه: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) البقرة 213. وكذلك قوله: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون) يونس 19.

 

عبدالله بدر السلطان

 

ibrahim telbasilkhaتوجد نظريات كثيرة اهتمت بدراسة عوامل قيام الحضارات وانهيارها منها نظرية البيئة ونظرية العرق أو الجنس ونظرية التحدى والاستجابة .. الخ:

أولا: نظرية البيئة

تؤثر الطبيعة في الانسان، وتعدل من شكل المجتمعات البشرية، اذ هناك باستمرار عملية تفاعل وتجاوب بين الإنسان وبيئته لذا فان التنظير الجغرافي الأمثل لهذه العلاقة هو العلاقات المتبادلة بين المجتمع والبيئة ويمثل استقرار الانسان وتوزيعه، عبر المراحل التاريخية، من خلال العلاقة الجدلية بين الانسان وبيئته، صورةً للتوافق او الصراع، والتي شكلت انماطا متباينة من الحضارات، تبعا للبيئات المكانية والتطور المعرفي وتراكماته.(1)

تؤكد نظرية البيئة على دور عامل البيئة فى بناء الحضارة وتطورها وترى أن هذا الدور يتف اوت بتفاوت خصائص البيئة وإمكاناتها . فالفرق واضح بين ما إذا كانت البيئة استوائية أو معتدلة أو قطبية لما بين هذه المناطق من فروق واختلافات واضحة فى درجة الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف والأمطار والرياح، إضافة إلى طبيعة شبكة المواصلات البرية والنهرية والبحرية الموجودة فى المنطقة . فضلا عن الثروات النباتية والحيوانية والمعدنية التى قد تكون موجودة فيها . وهذه بمجموعها تشير فى حال الاعتدال والانحراف والاتساع والضيق والكثرة والقلة إلى طبيعة الدور الذى يمكن أن تلعبه المنطقة كخاصية حضارية .(2)

ومن هنا نلاحظ أن الأقاليم المعتدلة، لطبيعة خصائصها وإمكاناتها وتفردها بهذه الخصائص والإمكانات دون أقاليم الكرة الأرضية شهدت كثافة سكانية عالية وحفلت بالفعاليات البشرية التى أبدعت حضارات العالم المعروفة ولذلك نجد أن مفكرى اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد أكدوا على دور عامل البيئة فى بناء الحضارة، فأرجعوا تنوع الثقافات إلى عامل بيئى، وقالوا بأثر الجو والماء والهواء على الإنسان فى خلقه وتفكيره، وميزوا – على سبيل المثال – بين أهل الجبال الذين وصفوهم بالبنية الضخمة والشجاعة والقدرة على الاحتمال ونقاء اللون، وبين أهل الأراضى المنخفضة الحارة الرطبة الذين وصفوهم بالأجسام المترهلة والألوان القاتمة وسرعة الغضب وضعف الاحتمال .(3)

ويذكر ابن خلدون أثر البيئة على جلد الإنسان سوادا، وبياضا، على العين زرقة وغير زرقة، وعلى الشعر وعلى البدن فى لونه صفاءاً وإنكسافاً وغلطة ولطفة ورقة وعلى الشكل نقاءا وبشاعة وعلى الخلق حسنا وقبحا، وعلى التدين قوة وضعفا، وعلى العقل فطنة وذكاءا وبلادة وغباءا . وميز بين أثر الأقاليم المعتدلة فى ذلك وأثر المنحرف منها، وقال إن اعتدال مناخ الأقاليم يجعل حياة الناس فيها معتدلة، فأهلها أعدل أجساما وأخلاقا على عكس أهل الأقاليم المنحرفة، فالدين عندهم مجهول والعلم مفقود وأحوالهم قريبة من أحوال البهائم بأمزجتهم وأخلاقهم .(4)

كما يؤكد ابن خلدون على وجود رابطة قوية بين أخلاق الناس والشعوب وبيئتهم الطبيعية . ويذهب إلى أن أخلاق الناس فى المناطق المعتدلة تتسم بالاعتدال، فالبيئة تخلق خلقا وملكة وعادة تنزل فى الإنسان منزلة الطبيعة والجبلة، ومعنى ذلك أن العمران يؤثر فى أبدان البشر وأخلاقهم، كما تؤثر البداوة فيهم . وأهل الجبال فى نظرة أحسن حالا فى أجسامهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين فى العيش، فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن، وأخلاقهم أبعد عن الانحراف، وأذهانهم أثقب فى المعارف والإدراكات وهذا أمر تشهد له التجربة فى كل جيل منهم.(5)

ويبدو أن ابن خلدون فى هذه الآراء قد تأثر بجالينوس فى تفسيره لفسيولوجيا الجسم الإنسانى لأنه يقول: "إن كثرة الأغذية ورطوبتها تولد فى الجسم فضلات رديئة، وكثرة الأخلاق الفاسدة العفنة، مما يؤدى إلى إنكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللحم، ويؤدى ذلك إلى البلادة والانحراف عن الاعتدال بالجملة . أما حياة البادية فهى تعلم الناس الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الأثقال . وذلك لان الإقلال من الطعام والجوع يؤثر فى نقاء الأجسام من الزيادات الفاسدة والرطوبات المختلطة المخلة بالجسم والعقل ".(6)

وهكذا نلاحظ أن نظرية البيئة تتخذ من الأحوال المناخية والجغرافية المختلفة سببا لتفسير اختلافات البشر القائمة فى سلوكهم. وبالتالى تؤكد ضرورة اعتبار البيئة عاملا حاسما يبعث الحضارة إلى الوجود .. ولكن ترى إلى أى حد يمكن قبول هذه النظرية ؟

موقفنا من نظرية البيئة:

لا ريب فى أن القول بارتباط الحضارة بالبيئة ارتباط العلة بالمعلول، والسبب بالمسبب مجانب للواقع، إذ يقتضى هذا القول أن كل بيئتين متشابهتين لابد من أن تقوم عليهما حضارتان متشابهتان وهو ما لا يؤيده دليل تاريخى . فضلا عن أن دور البيئة وأثرها على الإنسان كان أكثر وضوحا فى الماضى منه فى الحاضر، فاليوم تجد الناس يعيشون عصرا تتجلى فيه زيادة قوة الإنسان وقدرته فى تسخير البيئة لأغراضه والانتفاع بها لصالحه . وهذا يدعونا إلى عدم التعلق بنظرية البيئة واعتبارها المسئولة عن نشؤ الحضارة، هذا فضلا عن دور النظم الفعالة فى حياة المجتمع وتأثيرها فيه .(7)

ويمكن أن نشير هنا إلى موقف أرنولد توينبى الذى يدلل على تداعى نظرية البيئة فهو يرى أنه قد تحدث فى بعض الظروف البيئية المتشابهة أن تقوم مجتمعات حضارية معينة فمثلا قد أتاحت الظروف الجغرافية الملائمة فى وادى النيل وحوض الرافدين قيام مجتمعات وحضارات متشابهة كحضارة النيل والرافدين، ولكن فى وديان أخرى قد لا تتاح فرصة قيام حضارات متشابهة كنهر الكلورادو، بل أكثر من ذلك قد ظهرت الحضارة الأنديانية على مرتفعات وهضاب ومع ذلك لا تبرز إلى الوجود دائما مجتمعات مشابهة للحضارة الأنديانية فمرتفعات أفريقيا لم تخلق حضارات . وهناك حضارات أخرى قد نشأت مثلا وسط الغابات والأحراش فى أفريقيا، ولكن مرة أخرى نؤكد أن مثل هذه الحضارات لم تبرز أيضا فى وسط أحراش وغابات الأمازون .(8)

لا ترتبط الحضارة إذن فى نشأتها بعوامل البيئة وحدها، فليس صحيحا أن البيئة السهلة هى التى تنبثق منها الحضارة . فإذا كان نهر النيل علة الحضارة المصرية القديمة فإنه كان يجب أن تنشأ الحضارات فى بيئات من الطراز النيلى، وإذا كانت حضارة ما بين النهرين تؤكد ذلك فإن عدم قيام حضارة فى وادى الأردن يدحضها، وإذا كانت بيئة الأمازون قد أنتجت الحضارة الأنديانية فإنه فى نفس خط العرض ونفس الظروف البيئية لم تقم حضارة . والحضارة الصينية سليلة النهر الأصفر، ولكن حوض الدانوب مع التشابه فى المناخ والتربة قد أخفق فى إنجاب الحضارة .(9)

خلاصة القول: إن الحضارات لا تقوم نتيجة العوامل الجغرافية فقط بل إن عامل البيئة لا يعد عاملا إيجابيا فى نشوء الحضارة وبعثها إلى الوجود .

ثانيا: نظرية الجنس أو العرق

يذهب القائلون بنظرية الجنس إلى أن بعض أجناس البشر تصعد، أى تتقدم وتزداد قوة لأن جنسها – أو نفرا من قادته – مهيأ للتقدم، بينما لا تتمتع أجناس أخرى بمواهب كافية للتقدم فيبطئ تقدمها

وتميل إلى الركود فى حالة من البداوة أو البقاء على مستوى حضارى معين لا تتخطاه . وأن الجماعات البشرية المهيأة بطبعها للتقدم تتميز غالبية أفرادها بخصائص بدنية أو خلقية، أو بدنية وخلقية معا يتوارثها أفرادها بحيث تصبح هذه الخصائص مميزة لها عن غيرها. ويقول علماء الأجناس إن هذه توجد مركبة فى طبع الجنس وهيئته بالخلقة . وهذه الخصائص تمكنه من صنع الحضارة أو - إذا استعملنا تشبيه التقدم الحضارى بعملية الصعود على سفح الجبل - أن هذه الأجناس قادرة على التحرك والتسلق إلى أعلى مرحلة بعد مرحلة . وخلاصة رأيهم أن هناك أجناسا قادرة على صنع الحضارة وأخرى غير قادرة أو ذات قدرة قليلة فى هذا الميدان .(10)

والقول بامتياز الأجناس بعضها على بعض شائع عند معظم الأمم فى العصور القديمة والوسطى، ولا يزال قائما عند أهل الغرب – وخاصة غرب أوربا والولايات المتحدة الأمريكية إلى اليوم – فاليونان كانوا يرون أنفسهم أفضل الأمم وأذكاها وأشرفها وبقية الخلق همج، والرومان جعلوا الرومانى فوق غيره بحكم القانون، حتى صاروا إذا أرادوا أن يعرفوا قدر إنسان أو جنس أصدرت لهم الدولة قرارا بمنحه الجنسية الرومانية . أما أهل الصين فكانوا يؤمنون بأنهم أفضل الخلق وأنه لا وجود لأى حضارة أو فضيلة خارج جنسهم . بل كانوا يرون أنهم لا يحتاجون إلى غيرهم فى شئ وليؤكد ملوكهم هذا المعنى أقاموا سور الصين العظيم حتى لا تتدنس أرضهم بأقدام أقوام آخرين . وأما الهنود فشأنهم فى تفضيل طبقة البراهمة على غيرها معروف .(11)

إن جذور النظرية العرقية الحديثة ومنشأها يعود فى الحقيقة إلى مرحلة الصراع المستميت بين النبالة المسيطرة والبرجوازية الناهضة التى تهدد سلطانها . فقد كانت هى حجة هذه النبالة ومبررها " القانونى " فى رفض المساواة بين البشر والأجناس، وفى مواجهة شعارات الحرية والإخاء والمساواة التى كانت تغزو العقول فى كل مكان . فالفرق بين البشر وعدم المساواة فى عرف هؤلاء هو النظام الطبيعى وإلغاؤه يعنى إلغاء القيم الإنسانية السامية. ومنذ بداية القرن الثامن عشر أى عصر التنوير كتب كونت بولينفلييه (1727) كتابا يردد فيه زعم النبالة الفرنسية بأنها وريث الجنس السائد من الفرانك بينما ينحدر بقية السكان من المقهورين والمستعبدين فثمة عرقان يختلفان كيفا ولا يمكن إلغاء سيادة الفرانك دون إلغاء الحضارة ذاتها .(12)

وفى مستهل القرن التاسع عشر الميلادى وفى غمار المجادلات التى انبعثت عن الثورة الفرنسية ودارت حول التفرقة بين سكان فرنسا الأصليين وبين الفرنجة باعتبارهم برابرة مغتصبين نادى ألكونت دى جوبينو بنظرية الجنس مدعيا انتماء الفريقين إلى جنس واحد هو الجنس النوردى . ونقطة الانطلاق عند جوبينو هى الصراع ضد خطر الديمقراطية، فالمساواة بين البشر فى نظره مفهوم " غير علمى ومناهض للطبيعة " وكل شرور البشر التى تولدت خلال التاريخ نشأت عن هذا المفهوم، مفهوم المساواة. وبهذا يحاول جوبينو أن يعيد إحياء المقولة الإقطاعية القديمة عن عدم المساواة باعتبارها الحالة الطبيعية بين البشر .(13)

كان هم جوبينو هو مصير الحضارة وهو يتساءل كيف تنتهى الحضارات وتموت، وقد وجد الإجابة فى نظرية الأجناس، فالحضارات تضمحل بسبب انحلال صفاتها الموروثة وهذا التحليل ينشأ عن اختلاط الأجناس، ومع ذلك فالحضارة لا تتقدم إلا بالغلبة والغزو، غزو أمة لأخرى، غلبة جنس على آخر . ولذلك فاختلاط الأجناس هو العامل المنشئ للحضارة وهو علة موتها وانتهائها، فهو أفضل الأشياء وأسوأها فى الآن نفسه . فنظرية جوبينو عن العرق تحمل تناقضا أساسيا وهو يعى هذا التناقض فالنوع الإنسانى يخضع لقانون مزدوج من التجاذب والتنافر، وعامل التنافر والرفض الذى يبدو أساس النظرية العرقية هو على العكس فى نظر جوبينو آخر شئ . فالبدائيون والمبتربرون الذين يرفضون الغير لن تتاح لهم فرصة الحضارة أبدا . وهناك قسم من البشرية مصاب بالعجز المطلق والقصور عن تقبل الحضارة، لأنه لا يستطيع أن يتغلب على نزعة الرفض الطبيعية عند هؤلاء المتخلفين . وقانون الرفض أو النفور يمكن التغلب عليه بفضل القانون الآخر وهو قانون التجاذب، وهو وقف على الشعوب القوية شعوب الصفوة التى تملك صفة مميزة، هى القدرة على الاختلاط بدم أكثر تخلفا . وهذه العملية لا تتوقف وتنتهى بالضرورة بالتحلل والاضمحلال .(14)

وجوبينو يأخذ بالتقسيم الشائع للبشر إلى ثلاثة أجناس: السود والصفر والبيض، والسود أحطها ولا يمكن أن يرتفعوا أبدا عن قاع الدرج والخروج من دائرة الحطة العقلية . أما الصفر فيحرهم نزوع إلى حب المفيد، واحترام القواعد، وبعبارة أخرى العقل العملى . أما سمات الجنس الأبيض فأقل تحديدا، وذلك بلا جدال يرجع إلى أن " الحسن والجيد يصعب إجماله فى كلمات " ومحرك هذا الجنس للعمل هو نزوع العزة والشرف وهو يقدم الدليل على ذكائه اليقظ، وهو يسود الأجناس الأخرى، لا بحكم السيطرة بل بسبب استعداده الحضارى المتفوق، وقدرته على تمدين الآخرين، الذين يفتقدون هذه الصفة .(15)

والأوربيون من وجهة نظر جوبينو هم من البيض، فمن حيث البنية الجسدية هم أجمل الأجناس، هيئتهم تبعث البهجة فى الأرض، أجسادهم ألهمت المثالين صانعى تماثيل أبولو وجوبيتر، وروحهم من أسمى الأرواح " تطلق حيوية وطاقة بلا نهاية " وهذه العائلة الإنسانية الفريدة هى أكثر نبلا . وصادفت آراء جوبينو حدوث كشف لغوى مفاده أن جميع اللغات الأوربية إضافة إلى اللغات اليونانية واللاتينية ولغات فارس وشمال الهند تنتسب بعضها إلى بعض وهى أعضاء فى عائلة لغوية واحدة واسعة .(16)

واكتشف جوبينو من هذا الكشف اللغوى أن المتكلمين بهذه اللغات ينتسب بعضهم إلى بعض أسوة بالنسب القائم بين اللغات التى يتكلمون بها، وأنهم ينحدرون من جنس واحد أصلى آرى أو هندى أوربى . وأن هذا الجنس هو الذى أنتج عبقرية زرادشت الدينية وعبقرية اليونان الفنية وعبقرية الرومان السياسية، ويرجع الفضل إليه فى جميع ما حققته الحضارة البشرية من أعمال وتقدم عبر تاريخ البشرية الطويل .(17)

كما يؤكد جوبينو أن اختلاط الأجناس هو قدرها جميعا فلا يوجد شعب لا يحمل فى عروقه قليلا من كل عنصر من هذه العناصر . والحضارة تنتج عن تدفق الدم الأبيض ولكن هذا الاختلاط بعينه هو علتها إلى التحلل والاضمحلال، فلا التعصب ولا الرفاهية، ولا سوء الأخلاق ولا حتى عدم التدين يؤدى بالضرورة إلى سقوط المجتمعات . فالأجناس المتخلفة والمنحطة غير مستعدة بطبيعتها لتقبل الحضارة، ولا تصلح إلا للعبودية والرق، وللعمل كآلات حية، وحيوانات مستأنسة لدى الأجناس الراقية .(18)

كما صاغ تشامبرلين كاتب ألمانى من أصل إنجليزى (1855-1972) – نظريته العرقية فى كتابه " أسس القرن العشرين " عام 1899، وقد استبعد فيها التجاء جوبينو ونزوعه إلى الماضى واستبدل بها توجهها نحو المستقبل، ووضع كل ثقته فيه ورأى أن كل شئ يمكن إنقاذه . وكان محور فكره هو ضرورة المحافظة على نقاوة الدم الجرمانى بالتصدى والصراع ضد العناصر الأجنبية الغربية على هذا الجنس .(19)

وقد استبعد تشامبرلين فى نظريته عن الجنس السمات الظاهرة " لون الشعر الأشقر والشكل العام للوجه " كما رفض أيضا القياسات الأنثروبولوجية واعتبر معيار العرق الحاسم هو فى طبيعته السيكولوجية الخالصة، وطريقة اكتشافه ذاتية، فكل منا ينبغى أن يتعرف على الفروق بين الأجناس بلمحة عين " أليس كذلك بالنسبة لمربى الغنم الذى يملك الحدس والمذاق وعبقرية المهنة "، تكفى لمحة لتتضح الحقيقة مثل ضوء الشمس . ويستشهد بطفلة صغيرة رآها فى حدائق باريس رفضت أن تلعب مع طفل آخر فى سنها، فقد أدركت بفطرتها أنه يهودى .(20)

إن الطريق المباشر والأقصر إقناعا بحقيقة الجنس هو أن يحمل الإنسان " العرق " فى وعيه الخاص . ومن ينتمى لعرق نقى ومحدد يحس بذلك فى دخيلة نفسه فى كل لحظة فالعرق يرقى بالإنسان فوق ذاته ويمده بذخيرة غير عادية، بل وبقدرات فوق الطبيعة تميزه عن الفرد الذى يأتى نتاج خليط وفوضى من الأعراق والشعوب .(21)

لكن هل يمكن إعادة نقاء الجنس وبعثه فى مجموعة بشرية معينة؟، هل السقوط يعنى أن لا خلاص ؟ هل الانحطاط يستبعد العلاج ؟ يرى تشامبرلين فى دراسته لهذه المسألة أن الأعراق يمكن أن تعيد نفسها من جديد بشرط أن تتخذ الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك. وهذا يتطلب خمسة قوانين طبيعية، هى شروط إعادة تشكيل الأعراق النبيلة:

1- الحصول على مادة أولية من نوعية ممتازة .

2- حدوث تزاوج داخلى من داخل العرق على مدى طويل وممتد.

3- القيام باختيار بعض الأفراد من داخل هذا النظام طبقا لقوانين معينة لإعادة إنتاج بعض العناصر واستبعاد البعض الآخر .

4- ضرورة الخليط أو القيام بعمليات التهجين بين أنواع من الأفراد الممتازة كما يحدث فى عالم الكلاب .

5- على أن يكون هذا الخليط تحت الضبط المحدد، فبعض التهجين يزيد من نبالة الجنس وبعضه يدمر العرق . وكذلك ينبغى أن تتم عملية التهجين فى فترة زمنية محدودة بمعنى أن يتم نقل الدم الجديد فى أقصر مدة وبسرعة ثم يقف، أما إذا استمر الخليط فقد يؤدى إلى دمار أقوى الأجناس .(22)

ومهما يكن الأمر فإن بعض علماء الأجناس يدافعون عن نظرية الجنس ويلتقون فى ذلك حول نقطة أساسية وهى أن التفوق البشرى الذى يساهم أساسا فى بناء الحضارة يرتبط بلون البشرة . وبذلك يضعون السلالة النوردية على منصة الشرف وهى السلالة ذات البشرة البيضاء والشعر الأصفر والعيون الشهباء والرأس الطويل . كما يذهبون إلى أننا يمكن أن نفهم أن التفوق الخلقى والمعنوى مرتبط بصورة ما بلون البشرة .(23)

ويبدو أنه فى ظروف التقدم الصناعى الذى حققه الأوربيون وما أتاحه هذا التقدم للأوربيين من التفوق على الشعوب الأخرى، والتغلب عليها، وقيام حركة الاستعمار الأوربى للشعوب واستبداد الأوربيين بها أن لاقت نظرية الجنس مناخا طيبا للانتشار والقبول من الأوربيين فأخذ الألمان بها وقالوا بالجنس الهند جرمانى بدلا من الهند أوربى كجنس متفوق على غيره . كذلك أخذ الأمريكيين بنظرية الجنس فى مطلع القرن العشرين وطالبوا بتقييد الهجرة إلى أمريكا للمحافظة على نقاء الفرع الأمريكى الذى يعد شجرة الجنس النوردى.(24)

وفى الوقت الذى يتخذ دعاة العنصرية فى الحضارة الغربية البشرة البيضاء دليلا على التفوق واعتبار ذلك علامة تفوق الجنس النوردى على غيره من الأجناس، فإن اليابانيين يستخدمون علامة بدنية مختلفة للدلالة على التفوق تقوم على اعتبار خلو الجسم من الشعر الذى يميز الإنسان عن القرد خلافا للإنسان المشعر الذى يعد أقرب منزلة من القرد .(25)

موقفنا من نظرية الجنس:

من الواضح أن الأفكار الأساسية لهذه النظرية وهى التى تميز بين جنس وآخر باستخدام علامات بدنية مختلفة، هى أفكار غير منطقية ولا يمكن قبولها . فمقولات التاريخ تشهد على زيف هذه النظرية وبطلانها إذ تؤكد ان الحضارة لم تكن وقفًا على جنس دون جنس فلقد ظهرت الحضارة عند كثير من الشعوب التى تنتمى إلى جنسيات مختلفة كالمصريين والهنود والسومريين وغيرهم . كما ظهرت بين الشعوب البيضاء والحمراء مثلما ظهرت عند الشعوب الصفراء . وعلى هذا فليس من حق أى جنس أن يدعى أنه وحده صانع الحضارة على مر التاريخ .(26)

ولذلك نجد أرنولد توينبى يهدم هذه النظرية من أساسها من خلال عرضه لإسهامات النورديين وغيرهم فى الحضارات . فلقد تبين له أن إسهام الألبيين كان فى سبع حضارات: السومرية والحيثية والهلينية والإيرانية والمسيحية والأرثوذكسية والصينية، وأن الجنس اليابانى والكوردى أسهم فى حضارة الشرق الأقصى وأن النورديون قد أسهموا فى الحضارة الهندية والحيثية والهلينية . هذا بالإضافة إلى أن الشعوب السوداء مازالت تنتظر للإسهام بطريقة إيجابية فى الحضارات المقبلة . وينتهى توينبى إلى القول بأن ذلك يعنى أن نظرية الجنس ما هى إلا هراء ويؤكد ذلك التصنيف الحضارى السالف .(27)

ومن ناحية أخرى يمكن القول إن الأفكار العنصرية التى تقوم عليها نظرية الجنس قد ارتدت على صانعيها فالذى يقهر الغير يقهر شعبه فى نفس الوقت، والذى يمارس التمييز العنصرى سواء بسبب اللون أو العرق أو الدين بالنسبة للغرباء فإنه يرتد على داره ويمزق مجتمعه . فاليونان فى إيمانهم بأنهم أزكى الشعوب على الأرض وأقربها إلى الكمال واختصاص أنفسهم بهذا الموقف لأنهم بعد أن انتصروا على الفرس فى حروبهم الطويلة المعروفة ركبهم غرور فتعففوا عن العمل واستكثروا من العبيد لخدمتهم وقامت الحروب بين بعضهم وبعض وانقسموا إلى أحلاف يسفك بعضها دماء بعضها الآخر . فوهن أمرهم وبطلوا عن العمل، وأنصرف قادتهم إلى العبث والاستمتاع بالحياة، وأوغل علماؤهم فى التفلسف فابتعدوا عن الحياة وانقضى عليهم المقدونيون وكان الإغريق يحتقرونهم وأزالوا دولهم بقيادة الإسكندر .(28)

وأما الرومان فإن اعتزازهم بأنفسهم وغرورهم بشعبهم ومآثره دفهم إلى مغامرات عسكرية بعيدة المدى عادت بشر كبير وخير قليل للرومان أنفسهم، وبلغ من اعتدادهم بأنفسهم أنهم كانوا إذا أرادوا تكريم شخص أو شعب منحوه حقوق الرومان أى رفعوه إلى مقام جنسهم، واستمر غرور الجنس هذا يعشش فى رؤوس الأمم حتى فى عصرنا كما ظهر عند طلائع الفاشية فى عدد من دول أوربا وكذلك عند اليهود .(29)

فالصهيونية كأيديولوجية عنصرية عرقية فاشية تقدم لنا نموذجا عن هذه الحقيقة . ذلك أن العنصرية الصهيونية الموجهة فى المحل الأول ضد العرب الفلسطينيين تعود وترتد على نفسها لتمارس ذات الشىء داخل صفوف مجتمعها بين اليهود الشرقيين والغربيين أو السيفاراديم والاشكيناز . وهذه الحقيقة معروفة تماما حتى اشتق منها تعبير "إسرائيل الثانية". ويكفى التجوال فى حيفا وتل أبيب، أو فى الأحياء التى تشمل التجمعات الشرقية لنتبين ما يربط هؤلاء بالثقافة العربية . فالمطاعم لا تقدم سوى الأطعمة العربية، والباعة ينادون على بضاعتهم من الخضر والفاكهة بلهجة عربية عبرية . والموسيقى التى تخرج من المقاهى هى موسيقى أم كلثوم وسليمان المغربى وعبد الحليم حافظ، والأنغام الشعبية بينهم أنغام عربية الخ . وقد اتسعت الهوة بين الشرقيين والغربيين كما ازداد التباعد والجفوة الاجتماعية بروزا . ولهذا فإن القول بتفاضل الأجناس واختصاص بعضها دون بعض بالذكاء والكفاءة والقدرة على بناء الحضارات أدى إلى مشاكل ومآس طويلة أغرقت البشرية فى تصرفات حمقاء غير معقولة وحروب طويلة . فالحضارة ظاهرة إنسانية عامة، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذى يرتقى ويعمل على تحسين أحوال نفسه بفضل ما أهداه الله من عقل يمكنه من التفكير واختزان المعلومات والربط بينها والإفادة منها، فكل أجناس البشر متحضرة، وما من شعب إلا وله مستواه الحضارى والفرق فى المستويات، فلا يوجد إنسان غير متحضر أصلا ولا جماعة لا نصيب لها من الحضارة . والحضارة هى ثمرة أى مجهود يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته على وجه الأرض ماديا أو معنويا .(30)

الحضارة الحقيقية هى التى تحقق للإنسان الكفاية، والكفاية هى شعور الإنسان بأن لديه ما يكفيه مما يحتاج إليه أو يطمح إليه . وهى قسمان: كفاية مادية وكفاية معنوية .

الكفاية المادية: الإنسان فى المدينة قد يكفيه نصف مكعب من الماء والإنسان فى الصحراء قد يكفيه ربه هذه الكمية . الكفاية للإنسان الغربى تعنى مثلا أن يكون عاملا ماهرا أو مخترعا أو فلكيا والكفاية للإنسان العربى قد تعنى حصوله على درجة جامعية تؤمن له مركزا اجتماعيا مرموقا وقدرا معقولا من المال .

الكفاية المعنوية: كالأمان والاطمئنان والتفاهم والتعاون والمحبة ... الخ

ثالثا: نظرية التحدى والاستجابة

لماذا تصل بعض المجتمعات إلى مستوى الحضارة، وتخفق مجتمعات أخرى عن بلوغ الحضارة؟

تعد نظرية " التحدى والاستجابة " عند توينبى من أهم النظريات التى قدمت إجابة عن هذا السؤال فى ضوء دراستها لعوامل نشوء الحضارة . فلقد ناقش توينبى معظم النظريات التى حاولت تفسير عوامل بناء الحضارة، وقدم لها العديد من الانتقادات، كما هو الحال بالنسبة لنظرية البيئة ونظرية الجنس كما أوضحنا من قبل .(31)

فقد أنكر توينبي وجود حضارة واحدة قديمة -، مثلا القول ان مصر هي اصل جميع الحضارات، فعند توينبي خمس عشرة حضارة تصل بصلة البنوة بحضارات سابقة، وستة مجتمعات فقط قد انبعثت من الحياة البدائية مباشرة . تلك هي: {المصرية – السومرية – الصينية – المايانية – الانديانية} والاخيرتان نشأتا بأمريكا الجنوبية . - وقال: " أنه لا يمكن ان يُعزى قيام الحضارات الى صفات معينة في جنس من الاجناس، إذ لا يمكن ان يرتبط التفوق الروحي والذهني بلون البشرة فالواقع ان جميع الأجناس قد ساهمت في انبعاث الحضارة ".(32)

كما رأى توينبي أن الصراع والصدام بين الحضارات ناتج من مخيلة الانسان على مدى تطوره الاجتماعي والحضاري، فهناك اللقاء المتناقض بين الخير المطلق وهو الله وبين الشر المطلق وهو الشيطان، هذا اللقاء التراجيدي الرهيب الذي توارثته مخيلة الانسان على مدى التاريخ نجده يتكرر في معظم الحضارات الغربية والشرقية، ونجدها في مصر وبلاد ما بين النهرين، والهند، والاغريق ... فالألم والعذاب وصور النضال ضد الطبيعة والكون هي قصة ماساة الانسان، كما انها هي نفسها قصة الانسان وقصة فدائه، وما لقاء آدم وحواء الا صورة من صور الابداع الاجتماعي الذي انتهى بمولد حضارتين متباينتين، حضارة الخصب عن طريق رعي الغنم التي يمثلها هابيل وحضارة الارض التي يمثلها قابيل . هكذا باختصار بدات الاسطورة المعبرة عن اعمق حقائق صراع الانسان مع الطبيعة والكون من اجل ايجاد مجتمعه وحضارته .(33)

ورأى توينبى أن العامل الإيجابى فى نشوء الحضارة ليس مفردا ولكنه متعدد، وهو علامة مشتركة تكون عند تعرض الإنسان للتحدى وقيامه بالاستجابة لهذا التحدى . فعامل التحدى والاستجابة عنده هو العامل الهام الفعال الأقرب إلى ظهور الحضارة وإلى تقليل عطاء الإنسان فى حالة والعقم فى حالة أخرى، إذ قد توجد البيئة وتنشأ حضارة، وتوجد بيئة مماثلة ولا تنشأ حضارة وسبب ذلك وجود التحدى والاستجابة فى الحالة الأولى، وعدم وجودها فى الحالة الثانية .(34)

وقد يكون التحدى ماديا أو فكريا، والناس ليسوا سواء فى مواجهة التحدى حتى ولو كان هذا التحدى واحدا ذلك أن رد فعل الناس يتصل فى بعضه بالقوى السيكولوجية الدفاعة التى يستحيل وزنها وقياسها أو بالأجدى تقديرها مقدما . فالإنسان هو الذى يلعب الدور الأساسى فى التغيير وليست طبيعة التحدى نفسها الإنسان هو الذى يعين مسار الانتقال والتغيير حسب الحال الذى يكون عليها وهى حالة لا يصنعها التحدى ولكنه قد يستثيرها . غير أن الاستثارة وحدها ليست كافية لعملية التغيير، فالتحدى وحده غير جدير بتمكين الإنسان من الانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى، إذ لابد للإنسان حتى يحقق إنجازا ما أن يحوز الكفاية اللازمة للقيام بذلك وإلا ظل حبيس الوهم والتخيل .(35)

إن مبدأ التحدى واستجابة هو المبدأ الأساسى لخلق الحضارة عند توينبى، فنمو الحضارة لا يرجع إلى التوسع الجغرافى للمجتمع، فهذا التوسع يصحبه تخلف وتفكك بدلا من التقدم والنهوض . ولا يرجع نمو الحضارة أيضا إلى التقدم التكنولوجى أو زيادة سيطرة المجتمع على البيئة الطبيعية فلا وجود لأى ارتباط بين التقدم فى التقنية والتقدم فى الحضارة التى تنجح فى الإفصاح عن ذاتها وإرادتها عندما تتخلل قيمتها فى نفوس أبنائها وتبسط معداتها وتقنيتها .(36)

وكل حضارة لها صفة غالبة تختلف باختلاف الحضارة، فقد كانت الصفة الاستاطيقية أو الجمالية أو الفنية هى الغالبة على الحضارة الهيلينية . والدين هو الغالب على الحضارة الهندية والحضارة الأندية " كانت توجد بالقرب من جواتيمالا بأمريكا الجنوبية " والحضارة الغربية خاضعة للآلات والمعدات العلمية وهكذا .(37)

وللحضارة وحدة على رأسها أقلية ذات روح خلاقة، تقلدها الأغلبية وتتبعها بحرية كاملة . فلا وجود فى المجتمع المتحضر لأى صراع دموى، فهو جسم متسق ومتوافق . ومن أهم المشكلات التى تواجه الحضارة أسباب تصدعها وهذه ظاهرة ملحوظة فلم يبقى من الحضارات الكثيرة أكثر من أربع حضارات والأخرى ماتت واقتربت من الاحتضار . والاختلاف بين نهوض الحضارة وتحللها أنه فى حالة النهوض تنجح الحضارة، أو بمعنى أصح تنجح أقليتها الخلاقة فى الاستجابة إلى التحديات المتتالية والمتنوعة التى تواجهها، ولكنها عندما تتدهور تفشل فى مواجهة التحديات .(38)

ولقد لاحظ توينبى فى دراسته للحضارة البشرية أن هناك بعض المجتمعات لم تستطيع الصعود أمام التحديات الطبيعية والبشرية وذلك لشدة هذه التحديات ويسمى توينبى هذه الحضارات باسم " الحضارات المتعطلة " أى التى أخفقت فى استمرارها، ومن أمثلة هذه الحضارات، حضارة الإسكيمو، ومن أمثلة المجتمعات التى استجابت للتحديات " الأسبرطيون" فلقد واجه الاسبرطيون دواعى التحدى الطبيعى والبشرى .(39)

وعامة ترتكز نظرية توينبى فى انهيار الحضارات أصلا على نظريته فى التحدى والاستجابة، فاستمرار التحدى وتكراره فى حضارة من الحضارات إما أن ينتهى باستجابة على التحدى وتصعد الحضارة فى طريق التقدم، وإما أن تخفق هذه الحضارة فى الرد على ذلك التحدى وفى خلق استجابة إزاء تلك التحديات، وهذه السلسة المتكررة من الاستجابة المخففة إزاء هذه التحديات هى فى الحقيقة المصدر الأساسى لتدهور الحضارات .(40)

ولذلك يقول توينبى عن نظريته في التحدي والاستجابة:" اعتقد انه في كل لحظة من حياة كل فرد فينا، وفي كل لحظة من حياة مدنية من المدنيات، يتحدانا على الدوام موقف جديد، موقف علينا ان نواجهه، فاما نجحنا او فشلنا . وقد نفشل في أي لحظة ونبدأ في الانحدار، وقد ننجح ونستمر في العيش ".(41)

ويعني التحدي وجود ظروف صعبة تواجه الإنسان في بناء حضارته وتكون استجابته إما ناجحة إذا تغلب الإنسان على هذه المصاعب، أو استجابة فاشلة إذا عجز الإنسان على مواجهة هذه المصاعب، فالتغلب على هذه المصاعب هو واقعة نمو حضاري، والرضوخ تحت وطأتها عند الانطلاق علامة على الانحلال والسقوط، والتحدي إما يكون ناتجا عن الظروف الطبيعية الصعبة والقاسية أو يكون تحديا بشريا في شكل عدوان خارجي من طرف دولة أو جماعة بشرية أخري معادية.(42)

إن الحضارة في رأي توينبي تواجه أنماطاً مختلفة من التحديات، فاذا ما استطاعت ان تجيب على هذا التحدي، استطاعت ان تعيش وتنمو وتزدهر وإلا فإن مآلها الى الزوال والاندثار فالحضارة تقوم مدفوعة بقانون {التحدي والاستجابة} القائل ان الظروف الصعبة هي التي تستثير الامم على اقامة الحضارات . في سياق توافقي مادي – معنوي ".(43)

وبالرغم من ضرورة تعرض الحضارات للتحديات كشرط أساسى للارتقاء إلا أن هذه التحديات لابد أن تكون متوسطة العنف كى تكون حافزا على مضيها فى الطريق الصاعد . هذا التحدى الوسط بين طرفين: طرف الإفراط وطرف التفريط يطلق عليه توينبى اسم " الوسط الذهبى " الذى يضمن تقدم الحضارات فى طريق الارتقاء لأنه إذا كان التحدى عنيفا فعندئذ سوف تخفق الحضارة فى تحقيق استجابة ملائمة له، وإذا كان ضعيفا سوف تخفق أيضا لأنه حينذاك لن يشكل هذا التحدى دافعا بأى صورة للحضارة وارتقائها.(44)

ومن هنا نلاحظ أن الأحوال الصعبة هى فقط التى تهيئ للبيئات الطبيعة والبشرية فرصة قيام الحضارات . ولذلك يرى توينبى أن هناك خمس دوافع رئيسية تتصل بطبيعة البيئة وهى فى الحقيقة مبدعة الحضارات:-

أولا: دافع الأرض الصعبة:

الدوافع الصعبة التى تواجه الإنسان هى التى تولد لديه قدرة التحدى التى تساهم فى بناء الحضارة فالنهر الأصفر فى الصين – على سبيل المثال – طرح تحديات هائلة للإنسان، فهو لم يكن صالحا فى أى موسم بالإضافة إلى تجمده فى الشتاء، ومع ذلك فقد واجه الإنسان تحديات هذا النهر وحاول أن يغير اتجاهه طوال أربعة آلاف عام إلى أن تمكن من ذلك بالفعل .(45)

ثانيا: دافع الأرض الجديدة:

يرى توينبى أن تاريخ معظم الحضارات يبين أن ذروة ازدهارها كان فى تلك المناطق الجديدة، التى لم تكن من قبل موطنا للأسلاف . فهناك العديد من الهجرات التى حدثت فى التاريخ مثل هجرة التيوكويين والأيوبيين والفلسطينيين والإنجليز ... الخ . وكلها تؤكد حقيقة واحدة وهى انتقال الأنظمة الاجتماعية لهؤلاء المهاجرين إبان حدوث الهجرات، وهكذا تأخذ هذه الهجرات عند توينبى شكل الحافز الحضارى .(46)

ثالثا: دافع النكبات والضربات:

يترتب دائما على دافع النكبات ردود أفعال عديدة تلاحظ بصفة خاصة فى تلك التى تنجم عن الكوارث الحربية وهناك ردود أفعال أخرى يتمثل أهمها فى الردود الدينية من خلال أعمال الرسل.(47)

رابعا: دافع الضغوط:

والمقصود بالضغوط هنا الضغوط الخارجية، أو تلك التحديات الخارجية التى تأتى من الخارج . وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح فى تاريخ الحضارة المصرية حيث كان الجزء الجنوبى معرض دائما لضغط قبائل النوبة واعتدائها، ولأن هذا الجزء هو الأكثر تعرضا للتهديد فقد تميز منذ ذلك الحين بنفوذ قوى واستطاع من خلاله مجابهة التحدى الخارجى .(48)

خامسا: دافع العقوبات:

ويرتبط بالتحديات الداخلية التى تصيب جزءا فقط من الكيان الاجتماعى بفقدان القدرة على مواجهة ذلك التحدى .

وإذا كانت هذه الدوافع تساهم فى بناء الحضارات، فإن التحديات لابد أن تكون متوسطة العنف . ومن ثم كان تأكيد توينبى على قانون الوسط الذهبى بدلا من القانون القائل: " كلما زاد التحدى زاد الدافع " .(49)

انهيار الحضارات:

والحضارة تنتهى بالانتحار لا بالقتل، ويلخص توينبى عوامل انهيار الحضارات فى ثلاثة عوامل: إخفاق الأقلية المبدعة أو فشل قوتها الخلاقة وفتور الإيمان عند الأغلبية أى انسحاب الأغلبية عن الأقلية الحاكمة وضياع الوحدة الاجتماعية للمجتمع . فعندما تتدهو الأقلية الخلاقة وتتحول إلى أقلية محبة للسيطرة وتحاول الاحتفاظ بسلطانها على المكانة التى لم تعد جديرة بها يتسبب هذا التغير القاتل فى طابع الحاكم فى استفزاز الأغلبية الموالية له التى تفقد إعجابها به، وتتوقف عن مساندتها له، بل وتثور عليه . والموالون للحاكم ينقسمون عادة إلى موالين فى الداخل وموالين فى الخارج، وسرعان ما يؤدى فقدانهم لروح الأقلية الحاكمة إلى تشاحنهم وظهور حرب طبقية تنتهى أحيانا بانتقال السلطة إلى نظام كنائسى يمثل الروح الدينية وتنحية الأقلية الفاشلة والاستعاضة عنها بحكام جدد .(50)

وهكذا يرجع توينبي سبب انحطاط الحضارات إلى عوامل داخلية، فهو يرفض الآراء التي ترد السقوط إلى أسباب حتمية خارجة عن قدرة الإنسان، فالسقوط والانهيار سببه داخلي وليس ناتجاً عن غزو خارجي، والعامل الرئيس في انهيار الحضارات يكمن في فقدان الأقلية الحاكمة للطاقة المبدعة، إذ تفشل في الاستجابة المناسبة للتحدي القائم.(51)

ومعنى ذلك أن الحضارة تنهار داخليا قبل أن تطأها أقدام الغزاة، والعامل الرئيسى فى انهيار الحضارة هو فقدان الأقلية الحاكمة للطاقة المبدعة فيها . والمجتمع فى حالة الانهيار يتشكل على النحو التالى:-

1- أقلية مسيطرة فقدت قدرتها على الإبداع وأصبحت تحكم بالقهر .

2- بروليتاريا داخلية ذليلة، ولكنها عنيدة تتحين الفرصة للثورة .

3- بروليتاريا خارجية انشقت عن المجتمع وتقاوم الاندماج فيه وتتحين الفرصة للغزو .(52)

وهكذا يفسر توينبي انهيار الحضارات بتحلل المجتمعات من الداخل قبل أن يأتيه غزو من الخارج ليجهز عليه، ذلك أن الغزو الخارجي في مثل هذه الحالة يمثل الضربة القاضية في مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة، لذا يمكن القول: إن أية حضارة لا يمكن أن تنهار من الخارج من دون أن تكون قد تآكلت من الداخل، إذ لا يمكن بحال من الأحوال قهر أية إمبراطورية من الخارج إذا لم تكن قد انتحرت من الداخل .(53)

وتمر مرحلة التدهور فى ثلاثة أطوار: أولها التصدع ثم التحلل والتفتت: وعلى سبيل المثال حدث تصدع للحضارة المصرية القديمة فى القرن السادس عشر قبل الميلاد ولكنها تحللت فى القرن الخامس الميلادى . فى خلال هذه المدة أى زهاء ألفى سنة بقيت فى حالة متحجرة شبيهة بالموت . وفى الصين بالمثل تصدعت حضارتها فى القرن التاسع الميلادى وبقيت ألف سنة حتى انتهى تحللها .

إن ما نود التأكيد عليه هو أن انهيار الحضارة يرجع إلى عدم وجود استجابة ناجحة للظروف المختلفة، فالحضارات تولد أساسا وقتما تستحث الظروف الصعبة الإنسان على التحضر، وتتمثل هذه الظروف فى بيئات طبيعية أو ظروف بشرية، ومن ثم فإن الظروف السهلة لا تؤسس حضارة . كما أن الذين يتمسكون بالاستجابة هم الذين يتمكنون من البقاء فى مواطنهم ويبنون حضاراتهم .(54)

ولم يتوقف توينبى عند هذا الحد، بل تحدث عن مصير الحضارة الإسلامية " فأكد أنه برغم النكبات التي حلت بالحضارة الإسلامية لوقوع معظم دولها فريسة للإستعمار، إلا أنه لن يأتي اليوم الذي تجمد فيه الحضارة الإسلامية وتتحجر كبعض الحضارات المتحجرة في عالمنا اليوم، بل يرى أن الحضارة الإسلامية حضارة قد تٌنافس الحضارة الهندوكية أو البوذية من أجل السيطرة في المستقبل بوسائل تتعدى تصوراتنا، حيث أن طابع الحضارة الإسلامية هو الاتساق بين الفكر والعمل و المساواة، إذ ارتفعت في أزهى عصورها إلى أن وصل الرقيق أو العبيد إلى أرقى مراكز السلطة، فمثلا تولى المماليك - الذين كانوا عبيد - الحكم في مصر . وكذلك تحريم الخمر، فقد لا يدرك الكثيرون قيمة هذا التحريم بالنسبة للحضارة، حيث أن الإمتناع عن شرب الخمر لا يتم إلا بوازع ديني، وهو في نفس الوقت عامل مهم لإزدهار الحضارة".(55)

وتحدث توينبى عن واقع الحضارة الغربية المعاصرة مبينًا أهم التحديات التى تواجهها. ورأى أن الحضارة الغربية تواجه اليوم كثيرا من المشكلات منها احتمال قيام حرب عالمية ثالثة، وتأليه هذه الحضارة للدولة، "والفراغ الروحى " الذى يمثل الخطر الحقيقى الذى يواجه الغرب ووجود عقائد بديلة كالقومية والفاشية. (56)

وبالرغم من تأكيد توينبى على وجود أعراض تصدع فى هذه الحضارة فإنه قد آثر الحياد ولم يصدر حكما قاطعا بشأنها، وكأنه يتوقع حدوث معجزة . وقد عبر عن ذلك فى ابتهال إلى الله بأن يرجئ نهاية عالمنا، أعلن عن إيمانه بأن الله سوف يستجيب إلى هذا الدعاء مادمنا نشعر بالندم وقلوبنا محطمة . كما رأى توينبى أن السبيل الوحيد أمام الغرب هو العودة إلى الطريق الصحيح، طريق الإله الخالق . فخلاص الغرب لا يمكن أن يتحقق إلا بمعجزة الدين، ويبدو أن الدين عند توينبى عظيم الأهمية، وهو الملاذ الذى يجب أن يلجأ إليه الغرب . فالرجوع إلى الله هو نهاية المطاف فى التطور من حالة إنسان ما قبل الحضارة إلى حالة الإنسان المتحضر إلى السوبرمان أو الإنسان الأعلى الذى يتجاوز الحضارة .(57)

وخلاصة القول: إن الحضارة إذا تغلبت على التحدى يمكنها أن تمضى فى الطريق من جديد، وأن تنسحب وتعود مرة ثانية، أو يمكن أن تتجمد إلى أن يشاء لها الله بالحياة أو السكون أو الموت. ولكن الموت هنا ليس حتميا، أى ليس حتمية عضوية، فالإنسان له دور كبير فهو القادر على الرد على التحدى ومن ثم فإن " الحضارات لا تولد تماما ولا تموت تماما" . ولقد استطاعت تحليلات توينبى المتفائلة هذه أن تخلق جيلا من المفكرين والقادة يؤمن بأن القارة العجوز " أوربا " تملك القوة الخلاقة التى تكفى لارتقاء الحضارة .. ويرى هؤلاء أن القوى الخلاقة متوفرة فى السياسة الأوربية، وفى الاقتصاد الأوربى، وفى الفنون كالمسرح والسينما والموسيقى والتقدم، وفى التوجهات الديمقراطية والتطلع إلى السلام.(58)

 

ا. د. ابراهيم طلبه سلكها

.......................

الهوامش

1- يسري الجوهري: اسس الجغرافية البشرية، منشاة المعارف بالاسكندرية، 1982، ص 115

2- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ترجمة، الجزء الأول، ص 93

3- الموضع نفسه

4- ابن خلدون: المقدمة، نشر وتحقيق على عبدالواحد وافى، لجنة البيان العربى عام 1957، ط1، ص 90

5- الموضع نفسه

6- المرجع نفسه، ص 95

7- د. محمد ضيف الله بطاينة: فى تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، عمان، الاردن، دار الفرقان، 1985ج1، ص 42

8- نيفين جمعة: فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991، ص115

9- د. حسين مؤنس:الحضارة، دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتطورها، سلسلة الم المرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط2، 1998، ص 42

10- المرجع نفسه، ص 45

11- المرجع نفسه، ص ص 45-46

12- اديب ديمترى: نفى العقل، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، ط1، 1993، ص 278

13- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 13

14- اديب ديمترى، مرجع سابق، ص 279

15- الموضع نفسه

16- الموضع نفسه

17- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 13

18- آدريين كوخ: آراء فلسفية فى أزمة العصر،

19- اديب ديمترى، مرجع سابق، ص 282

20- الموضع نفسه

21- الموضع نفسه

22- المرجع نفسه، ص ص 282-283

23- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 12

24- المرجع نفسه، ص 13

25- المرجع نفسه، ص ص 13-14

26- الموضع نفسه

27- د. حسين مؤنس، مرجع سابق، ص ص 48-49

28- المرجع نفسه، ص 50

29- المرجع نفسه، ص 51

30- راجع فى ذلك:

- اديب ديمترى، مرجع سابق، 173

- د. حسين مؤنس، مرجع سابق، ص ص 56-57

31-Tymbee، A،J: Civilization and the Historical progress،p-52

32- لوسيان فيفر: الارض والتطور البشري، ترجمة محمد السيد غلاب، ط2، دار المطبوعات الجديدة، القاهرة، 1973، ص 33

33- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ج1، ص 73

34- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، 15

35- د.أحمد محمود صبحى: مرجع سابق، ص ص 265-266

36- المرجع نفسه، ص 169

37- المرجع نفسه: ص ص 269-270

38- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ترجمة د.فؤاد شبل، لجنة التأليف والترجمة، 1966 ص 33

39- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 122

40- د. محمد ضيف الله: فى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، ص 18

41- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص 44

42- المرجع نفسه، ص 17

43- الموضع نفسه

44- المرجع نفسه، ص ص 459-460

45- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 119

46- المرجع نفسه، ص ص 119-120

47- المرجع نفسه، ص 120

48- المرجع نفسه، ص 121

49- الموضع نفسه

50- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص ص 45-46

51- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 15

52- د.أحمد محمود صبحى: مرجع سابق، ص 273

53- المرجع نفسه، ص 270

54- د. حسن الكحلانى: فلسفة التقدم، دراسة فى اتجاهات التقدم والقوى الفعالة فى التاريخ، مكتبة مدبولى، القاهر، ص 67

55- المرجع نفسه، ص 287

56- الموضع نفسه

57- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص ص 93

58- أرنولد توينبى: الفكر التاريخى عند الأغريق، ترجمة لمعى المطيعى، مراجعة د. محمد صقر خفاجة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص ص 14-15، مقدمة المترجم

abdullah badrhskandarتبقى الخطابة المؤثر الأهم في نفوس الجماهير بمختلف اتجاهاتها وكذلك بمختلف اللغات التي يتكلمها الناس، ويبقى لها التأثير الكبير في أي قضية يراد طرحها ووضع الحلول المناسبة لها. وقد قال ابن قتيبة في مشكلات القرآن: والخطيب من العرب إذا ارتجل كلاماً في نكاح أو حمالة أو تحضيض أو صلح أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد بل يتفنن فيختصر تارة إرادة التخفيف ويطيل تارة إرادة الإفهام ويكرر إرادة التوكيد ويخفي بعض معانيه حتى تغمض على أكثر السامعين ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل وكثرة الحشد وجلالة المقام، ثم لا يأتي بالكلام كله مهذباً كل التهذيب ولا مصفى كل التصفية بل تجده يمزج ويشوب ليدل بالناقص على الوافر وبالغث على السمين ولو جعله كله من بحر واحد لبخسه بهاه وسلبه ماءه ومثل ذلك الشهاب من القبس يبرزه الشعاع والكوكبان يقترنان فينقص التوازن والسحاب ينتظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان ولا يجعله كله جنساً واحداً من الرفيع ولا النفيس المصون. انتهى كلام ابن قتيبة.

وكان العرب قديماً يمتازون بنقل الخطابة إلى مختلف البقاع التي يستوطنونها على لسان حفاظ الكلام من غير الخطباء أي إنه عندما يفرغ الخطيب من خطبته تكون الخطبة قد حفظت من قبل بعض الناس ثم نقلت إلى أماكن أخرى كما لو أنها نقلت مكتوبة على صفحات الإنترنيت في وقتنا الحاضر، لأن سمة الحفظ كانت ضمن البديهيات التي يمتازون بها وهذا لا يعني أن الحافظة تضعف وتتلاشى بمرور الزمن أو أن إنسان ذلك العصر أفضل من إنسان اليوم ولكن الذي جعلهم في هذه الدرجة من الحفظ هو الحاجة فعند الحاجة للحفظ فإن الإنسان يستعين بالقابل الذي يساعده على ذلك لعدم توفر الورق أو الجهاز الحافظ.

إذن للخطابة الدور المؤثر في جميع المراحل في حال توفرت شروطها في الخطيب لأن مهمته أكبر من الأجر الذي يعطى له مقابل ما يقدم من فنون الخطابة والخطيب الناجح عليه أن يلتزم الشروط الواجب توفرها فيه لأن الذين يرتقون المنبر دون وعي وهدفهم الاستهانة بعقول الناس كثر ولا يمكن أن نحصيهم، إذن لا بد أن نوجه كلامنا إلى الخطيب الذي يجعل أحداث الساعة والمصلحة العامة فوق حقوقه الشخصية ولنبدأ بهذه الشروط قبيل ارتقاءه المنبر واستعداده لذلك ولا يمكن أن يكون هذا الاستعداد قد أخذ لوازمه إلا إذا كان هذا الخطيب يمتاز بالعلم وجوامع الحديث بحيث يستطيع أن ينقل المتلقي إلى أجواء متعددة ومتشعبة وقبل البدء وتعيينه العنوان المناسب للمحاضرة عليه جدولة ما يريد طرحه دون الاعتماد على الورق أو التلخيص أثناء الإلقاء لأن هذا من الأمور المعيبة التي تحصل للخطيب وتكون ثقيلة على سمع المتلقي وعليه أن يأتي بالكلام سلسا وبسيطاً ويكون على اعتقاد تام بأن الجالسين تحت منبره منهم من هو أعلم منه ومنهم من هو دون ذلك فعليه أن يلتزم الأسلوب الذي يرضي الجميع وكذلك عليه الإحاطة وتوجيه النظر بالتتابع إلى من هم جلوساً عنده لأجل أن يوصل أكبر قدر من العلوم في أقصر وقت دون أن يأتي بأشياء لا تفيد الجليس والهدف منها ضياع الوقت كما يفعل ذلك الأجير الذي يرتقي المنبر، وعلى الخطيب أن يترك الإيماء وتحريك اليد كثيراً لأنها تخل بالخطبة وتعتبر مكملة للغة الخطيب بدلاً عن لسانه ومن أهم الشروط الواجب توفرها في الخطيب هي الأمانة في النقل ونسبة الآراء إلى أصحابها، وتنبيه المتلقي عند نهاية القول المنقول حتى يعلم أن القول المستأنف هو للخطيب وهذا ينطبق على الكاتب أيضاً حرصاً على حقوق الآخرين، والمحاضرة أو الخطبة لا يمكن أن تكون مادة دراسية بحتة بحيث تثقل على الجليس وإنما مادة محببة ممزوجة بمختلف المواصفات الطريفة والأدبية والعلمية وعنصر المفاجأة الذي يعتمده الخطيب لجعل الجالسين على حضور تام طيلة الوقت.

أيضاً على الخطيب الابتعاد عن التكرار الممل وكذلك الابتعاد عن توضيح الواضحات لأن هذا من أشكل المشكلات وعليه أن يراعي عامل العصر والعقد والمتاعب والأزمات والهموم المعاشية وغيرها من المتاعب الكبيرة قياساً إلى العصور السابقة وإن كان لكل عصر همومه الخاصة، ففي السابق ممكن تذكير الناس ببعض رؤوس الأقلام لتفهم المادة أما اليوم فلا بد من استيفاء كل شيء، لأن جاهل الأمس هو عالم اليوم، فلا يكفي الحديث الجزئي دون التوسعة والإحاطة وهذا لا ينافي البلاغة التي هي الحصول على المعنى بأقرب الطرق والتكلم بمقتضى الحال.

وتبقى هناك بعض الأمور الخاصة لكل خطيب في طريقة تحضيره للمحاضرة فمنهم لا يحتاج لهذا التحضير إطلاقاً فهو حين يضع العنوان يتبادر إلى ذهنه ما يريد وبعضهم يعتمد التلخيص ودراسة المادة ثم ينهي كل هذا حين صعوده المنبر والخطبة الناجحة أو المحاضرة كما يعبر عنها اليوم يجب أن تتضمن ثلاثة عناصر وهي المقدمة وموضوع المحاضرة والنهاية. وعلى المحاضر أن يمد جسراً بين هذه العناصر ويكون الهدف من ذلك الجسر هو ربط ذهن المتلقي والانتقال به من مرحلة إلى أخرى حسب نوع المحاضرة فإذا كانت في التفسير أو الأدب يكون الربط فيها متمثلاً بمقاطع من الشعر والحكم والمواعظ وطرح ما يتوقعه من أسئلة لدى الجمهور إلى نفسه والإجابة عليها لأجل أن يغنيهم عن سؤاله بها، وإذا كانت المحاضرة علمية فعلى الخطيب التركيز على وسائل الإيضاح وغيرها من الأمور التي تطلب من أصحابها.

ولو أجرينا دراسة معمقة للخطابة نجد أنها تتمثل بعدة مصاديق بغض النظر عن المكان والزمان والحشد، فممكن أن يوجه الخطاب إلى صديق ويأخذ أحد مصاديق الخطابة كما حدثنا القرآن الكريم عن صاحب الجنتين كيف تلقى خطبة الوعظ من صاحبه كما قال تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) الكهف 37. واستمر في توجيهه بما يناسب مكانة المتلقي في الفهم وإن شئت فقل المتكلم لأنه لم يذكر مراحل خلق الإنسان الأخرى كوجود تلك النطفة في القرار المكين ومراحل العلقة والمضغة والعظام وكسوها باللحم فهو تجاوز كل هذا وذكر ثلاث مراحل فقط وهي التراب والنطفة وتسويته رجلاً لأن مقتضى الحال يتطلب ذلك، ويمكن أن توجه الخطابة إلى الابن كما هو الحال مع لقمان وكيف كان يوجه ابنه إلى طاعة الله تعالى كما قال عز من قائل: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) لقمان 13. وممكن أن توجه إلى الأهل بصورة عامة كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا ًوقودها الناس والحجارة) التحريم 6.

وهناك نوع آخر من الخطابة يوجه إلى الجمع الكبير من الناس كما قال تعالى على لسان موسى: (واحلل عقدة من لساني... يفقهوا قولي) طه 27- 28. وقد جمع تعالى كل هذا إضافة إلى خطاب أصحاب الشرائع الأخرى في قوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) النحل 125. ولو تتبعنا تأريخ الأحداث بعد نزول الكتب وإرسال الرسل أي بعد المرحلة التي يطلق عليها الفترة نجد الخطابة أخذت طابعها الجديد المتمثل بالحث على أمور الدين والدنيا للوصول بالبشرية إلى بر الأمان المستمد غايته من تلك الكتب وكان لأصحابنا بعد نزول القرآن الكريم الدور الكبير في تغيير الخطابة التي كانت تدعو إلى الهمجية والحروب العبثية إلى رسم مرحلة جديدة من صنع الإنسان، وبالتالي تكون الأمة هي التي تحمل الرسالة إلى كافة أرجاء الأرض وبالفعل حدث ماحدث وكان ما كان ودخل الكثير من الناس في دين الله أفواجاً لما أثرته تلك الخطابة في نفوس الناس.

أما اليوم فإن الخطابة لا تدعو الناس إلى الدين وإنما تجعل أصحاب هذا الدين يطوفون في الأرض بحثاً عن دين آخر بسبب جهل الخطباء وعدم ورعهم وانهماكهم في طمع الدنيا وتمجيد السلطان وإذا جاء وقت خطبة الجمعة تأتي معها المأساة الكبرى التي تجعل أصحاب الشرائع الأخرى في الدرك الأسفل من ألسنة هؤلاء الخطباء الذين بدل أن يتمسكوا بقوله تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن". نراهم يدعون إلى الشقاق والتفرقة وكأن الآخرين يعيشون في كوكب آخر، وصدق تعالى حين قال ما ذكره الشيطان بحق هؤلاء: (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً) النساء 119.

 

عبدالله بدر السلطان

 

 

abdullah badrhskandarاقتصر الرعيل الأول من المفسرين على مجموعة من الشبهات تعتمد جلها على اثبات الغث من الروايات التي شفعت بالإسرائيليات، وذلك إرضاءً لمجموعة من الناس على حساب كتاب الله تعالى، حتى بانت أضرار هذا النهج وتبعاته عبر الأجيال، ومن هنا أخذ المحدثون هذا الاتجاه بين منقح لما أفسده أسلافه وبين متقبل للأمر على استحياء، علماً أن الصنف الثاني قد يقع في المحدثات من الشبهات إذا ما أراد قول الحقيقة التي بدونها يكون قد وضع نفسه بين أحد أمرين، إما التسليم والانقطاع لمن سبقه، وإما التجديد، ولا يخفى على أصحاب الشأن مدى الصعوبات التي يتعرض لها الباحثون عند انتقالهم إلى الحداثة في التفسير، بسبب أن اثبات المستجدات لا يحاكي العقول التي ألفت المأثور حتى أصبح ملازماً لها في جميع ما تؤول إليه استنتاجاتها الروائية.

من بعد هذه المقدمة نريد أن نبين بعض الأضرار التي وصلت إلينا من لدن أصحاب الاتجاه الروائي الذين امتدت علومهم لتكون أشبه بالقاعدة للمتأخرين إلا ما رحم ربي، ولهذا نسبت للأنبياء بعض الأخطاء البريئة التي لا أصل لها في مسيرتهم العامة أو الخاصة، وهذا ما يظهر عن طريق الدلائل العقلية والنقلية، باستثناء ما صرح به القرآن الكريم من ترك الأولى، أو مخالفة الأمر الإرشادي دون المولوي، الذي لا يحسب على النوعية الكلية للأخطاء المتعارف عليها لدى عامة الناس، وعند المقارنة بين ما ذكره المفسرون الذين اعتمدوا الروايات الدخيلة في تفسيرهم وبين كتاب العهد القديم، لا نجد كثيراً من الفروقات، ومثالاً على ذلك ما صرح به جمع من المفسرين بشأن ما نسب إلى داود (عليه السلام) من خطيئة لا أصل لها إلا في خيالهم وتفكيرهم الساذج، إضافة لفهمهم القاصر لقوله تعالى: (قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب) ص 24.

وكذلك ما نسب إلى سليمان (عليه السلام) في قصة الجسد الذي ألقي على كرسيه والتي ورد ذكرها في قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) ص 34. وما يبطل ادعاء أصحاب النسب الخاطئة أن الآيات التي تلت هذه الآية تشير جميعها إلى الفترة التي وهب الله تعالى فيها لسليمان الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، فكيف يمكن الجمع بين الخطيئة وبين ما سخر الله تعالى له من ريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وكذلك تسخير الشياطين وتقسيم الأعمال بينهم، إضافة إلى تعليمه منطق الطير، كما في قوله تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين) النمل 16. وهذه الحقائق التي أصبحت موضع بلاء وفتنة لكثير من الناس، جعلت ما حدث آنذاك أشبه بالقضية المبهمة، بسبب عدم تكرارها أو حصولها لنبي آخر، أو إنسان مقرب.

وعند التسليم بهذه الشبهات نجد أن ما ذكر صريحاً في القرآن الكريم من تعليم آل داود منطق الطير، قد حرف إلى غير حقيقته العلمية الناتجة عن القضايا الصادقة، سواء عرضت على التجربة أم لم تعرض، كما هو الحال في تفقد سليمان للهدهد وحواره معه، إضافة إلى تفهمه لمقاصد النملة، وغير ذلك مما ورد في سياق الآيات ذات الشأن. وبناءً على ما مر يمكننا الإشارة إلى السؤال الذي يراود أناس كثر، وهو هل أن الهدهد الذي وجد ملكة سبأ وقومها وما جرى من قصتها، ممكن أن يطابق تفهم الطير لهذه الأحداث، أم أن ذلك الهدهد له شأن خاص لا يمكن أن يهبه الله تعالى لغيره؟.. وعند التسليم بالفرضية الثانية فإن الأمر لا يتوقف على الطير، وإنما يجري في النملة، وفي تسخير الجن، والريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، وصولاً إلى إسالة عين القطر، أما إذا اعتمدنا الفرضية الأولى، فسوف نظل نبحث عن أسباب لا حصر لها ولا يمكن التحقق من صحتها أو اثباتها بالتجربة.

ولهذا فإن الطريق الأمثل لإثبات حقيقة ما حصل هو اعتماد الفرضية الثانية، باعتبار أن المسلمات القرآنية كفيلة في اثبات ما نبحث عنه، ومن هنا نعلم أن تسخير الجن والإنس والطير لسليمان، إضافة إلى المصاديق الأخرى التي تتفرع على ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده، كل هذه المسلمات لا يمكن أن تكون في متناول إنسان آخر سواء كان من الأنبياء أو من الملوك، وبناءً على هذا نفهم أن النملة التي نصحت قومها في أن يدخلوا مساكنهم، كما في قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على وادِ النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) النمل 18. لا يمكن أن تكون ظاهرة متكررة عبر الزمان، بل هي حالة خاصة أراها الله تعالى لسليمان دون غيره، وما يثبت ذلك ممكن الرجوع به إلى المفاجأة التي حصلت لسليمان جراء حديثها مع قومها، مما جعله ينتقل من التبسم إلى الضحك إلى شكر الله تعالى، كما في قوله: (فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) النمل 19.

ولو كان النمل يتفهم ما يحدث أمامه في كل زمان ومكان ويعلم لطائف ما حوله بما في ذلك الأسماء، فقد يتلاشى نوع الغرابة التي حصلت لسليمان.

 وبهذا نصل إلى أن الهدهد الذي كلف بمهمة البحث عن الماء كما قيل، لا يمكن أن نجري ما قام به على فصيلته الخاصة دون أن نغفل الوجوه المجتمعة بين نظائره التي لا يمكن أن تصل إلى نوع المهمة التي ألقيت على عاتقه، باعتبار أن أمر ذلك الهدهد من الأمور التي لا يمكن تكرارها، فهو أشبه بإسالة عين القطر، وتسخير الجن وغير ذلك من مصاديق حكم سليمان التي ذكرناها آنفاً، أي أن هذا الهدهد قد مكنه الله تعالى من تفهم القيام ببعض المهمات التي كلف بها دون غيره، وهذا ظاهر من السياق الذي قال تعالى فيه: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين... لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين... فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين... إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم... وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون... ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون... الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) النمل 20- 26. 

 

عبدالله بدر السلطان

 

abdullah badrhskandarالمفاهيم الكبرى المبيِنة للأحكام المنزلة على أهل الكتاب لا تخرج عن أخذ الميثاق وما يتفرع عليه من المصاديق العملية المتعلقة في تنظيم ما تنص عليه الأوامر التشريعية، باعتبار أن الكتب السماوية كفيلة بتبيان المنهج الإلهي مضافاً إليه ما يستجد من الجوانب التي تحتاج إلى ترسيخ أعمق لأجل أن تحيط بجميع الأبعاد المصاحبة للتشريعات، وكذا ما يرجع إليها من المصاديق الثانوية المتصلة بالتقسيمات المعدة سلفاً والتي يمكن التوصل إليها بواسطة التفاصيل المشار إليها في جل الكتب المنزلة على الأنبياء ومن هنا كان الأمر الموجه إلى بني إسرائيل بأن يأخذوا ما في التوراة بقوة، والقوة كما هو ظاهر في سياق البحث الذي سيمر عليك بيانه فيها نوع من العموم، فهي لا تقتصر على القوة البدنية أو المعنوية وإنما هي جامعة للأمرين معاً لكي يتم استيعاب المفاهيم العامة التي ينادي بها الأنبياء، والتي نزلت على ضوئها الكتب حاملة للتشريع.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن الأوامر الموجهة إلى بني إسرائيل لا تبتعد كثيراً عن المعنى الحرفي عند إرادة تطبيقها ومدى تعلق ذلك التطبيق بإطاعة الأوامر واجتناب النواهي، وتعليلاً لكثرة الأخطاء الواردة في مسيرتهم العملية نلاحظ أن نتائج العقاب الذي حل بهم كان بسبب اعتمادهم على الخداع والالتفاف على الأحكام الشرعية دون وجه حق، ولذا تراهم قد ابتدعوا ما يسمى بالحيل الشرعية في مسألة اصطياد الحيتان وسيمر عليك ذلك من خلال تفسير الآيات التي نحن بصددها، وعند تأمل هذا الأمر نلاحظ أنه يكاد يتقارب مع ما يذهب إليه ضعاف الإيمان في هذه الأمة الذين لا يزالون يتمسكون بحرفية التشريع دون النظر إلى الغايات، ولهذا فهم يعمدون إلى الحيل الشرعية ظناً منهم أنها من المباحات أو الرخص التي أقرها الشرع، ولهذا السبب نرى أن هناك مجموعة من الطاعات أو الالتزامات العملية قد أخذت جانباً آخر لدى بعض الناس الذين يعتقدون أن عملهم هذا مطابقاً للتشريع الإلهي، وهذا ما يجعل أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً.

من هنا نعلم أن الحق سبحانه قد أشار إلى هذا السنخ من الناس بقوله: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً... الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) الكهف 103- 104. وكذا قوله تعالى: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) الزخرف 37. ومن الأمثلة على ذلك:

أولاً: ما يرفع من أعلام كتب عليها واعتصموا بحبل أهل البيت جميعاً ولا تفرقوا ونحن نعلم أن الاعتصام بحبل أهل البيت من الأشياء العظيمة، إلا أن وضعه في سياق كهذا يعد تحريفاً لكتاب الله تعالى وما أقبحها من حسن نية.

ثانياً: ما يرفع من أعلام كتب عليها انتخبوا القوي الأمين... ولا تعليق.

ثالثاً: ما يتصدر بعض المقالات من عناوين تبدأ بقوله تعالى: (ويسألونك) ولكن تكملة هذا اللفظ تنسب إلى أغراض متدنية لا يراد منها إلا الجهل الذي مني به أصحاب تلك المقالات.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) البقرة 63. الطور هو الجبل، ويظهر بيان ذلك بصورة أكثر تجلياً إذا أضفنا إلى هذه الآية قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) الأعراف 171.

 وفي الميثاق ثلاثة أقوال:

الأول: أمرهم الله تعالى بأن يعملوا بالأحكام الواردة في التوراة فكرهوا ذلك فرفع فوقهم الطور.

الثاني: الميثاق المأخوذ على بني آدم وهم من أكبر مصاديقه وذلك لكثرة ما أرسل إليهم من أنبياء.

الثالث: ما أخذه الله تعالى على الرسل وأتباعهم من الإيمان بالنبي الخاتم (ص) ولهذا السبب كان امتناعهم. وعندي أن الرأي الأول هو الأرجح.

أما تسمية الجبل بالطور فقد ذكر المفسرون لها عدة أسباب أهمها:

أولاً: معنى الطور الجبل بالسريانية.

ثانياً: ما أنبت من الجبال فهو طور، وما لم ينبت فليس بطور.

أما المراد بالقوة فقد ذكروا لها مجموعة من الأقوال:

أولها: الجد والاجتهاد.

ثانيها: الطاعة.

ثالثها: العمل بالأحكام الواردة بالتوراة. والأخير هو الأقرب.

أما الذكر ففيه قولان:

الأول: ذكر الثواب والعقاب.

الثاني: دراسة ما فيه.

وقوله تعالى: (لعلكم تتقون) أي تتقون العقوبة عند تخلفكم عن اتباع الأحكام التي ذكرت فيها الأوامر والنواهي.

قوله تعالى: (ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) البقرة 64. أي أعرضتم عن العمل بما في التوراة وكذا عن الميثاق والوفاء به، ومن مصاديق ذلك:

أولاً: تحريفهم للتوراة وترك العمل بها.

ثانياً: قتل الأنبياء والكفر بتعاليمهم.

قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) البقرة 65. الآية تشير إلى قوم كانوا في زمن داود كما قيل وكانوا يسكنون على ساحل البحر، وهم الذين ذكرهم تعالى بقوله: (وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون) الأعراف 163. وكما هو ظاهر من السياق فقد نهاهم الله تعالى عن صيد الحيتان في اليوم المذكور ابتلاءً لهم واختباراً لإيمانهم وإثبات الحجة عليهم، وهذه السنة جارية في جميع خلقه سبحانه، كما ذكر ذلك في قوله: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون... ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) العنكبوت 2- 3. وبالرجوع إلى بني إسرائيل نجد أنهم لم يجتازوا الاختبار، وبدأ الضعف يدب فيهم عند رؤيتهم للحيتان أي الأسماك وهي تملأ البحر بطريقة لم يألفوها من قبل، ولهذا أخذوا بالاحتيال على الأمر الإلهي فشرعوا في حفر الأحواض الكبيرة التي تدخلها الحيتان دون أن تخرج منها وذلك بعد فصلها عن البحر، فإذا جاء يوم الأحد استخرجوها من الأحواض بكل يسر، وهذا هو الاعتداء الذي أشار إليه تعالى في موضوع البحث وكذا في آية الأعراف.

فإن قيل: ما الغرض من ذكر هذه الواقعة في القرآن الكريم؟ أقول: ذكرت هذه الواقعة في القرآن الكريم لأجل إظهار معجزة النبي محمد (ص) لأن الخطاب كان موجهاً لليهود الذين عاصروه، وهذا يدل على أن إخباره لهم بما علموا خير دليل على صدق رسالته، ولذلك صدر تعالى الآية بقوله: (ولقد علمتم) هذا من جهة، ومن جهة أخرى يظهر أن في الآية تحذير من إنزال العذاب عليهم كما أنزله على أسلافهم وذلك بسبب تمردهم في هذه الحادثة، إضافة إلى أن في الواقعة عبرة لمن يحاول الالتفاف على نهج الله تعالى وتشريعه كما قدمنا في معرض حديثنا، ولهذا كانت العقوبة التي عاجلهم الله تعالى بها فيها نوع من المسخ والخسوء في آن واحد.

فإن قيل: هل كان المسخ مادياً أم معنوياً؟ أقول: ذكرنا في كتابنا هذا أن كلا الأمرين جائز في المسخ، وقد ذكر مكارم في تفسير الأمثل: أن المسخ هو تغيير الشكل الإنساني إلى الصورة الحيوانية، ومن المسلم أنه حدث على خلاف العادة والطبيعة، على أنه قد شوهدت حالات جزئية من (موتاسيون) والقفزة وتغيير الشكل في الحيوانات إلى أشكال أخرى، وقد شكلت فرضية التكامل في العلوم الطبيعية الحاضرة. ولكن الموارد التي شوهدت فيها الموتاسيون والقفزة إنما هي صفات الحيوانات الجزئية، لا الصفات الكلية يعني أنه لم يشاهد إلى الآن نوعاً من أنواع الحيوان تغير على أثر الموتاسيون إلى نوع آخر، بل يمكن أن تتغير خصوصيات معينة من الحيوانات، إضافة إلى أن هذه التغييرات إنما تظهر في الأجيال التي توجد في المستقبل، لا أن يحصل هذا التغيير في تولد الحيوان من أمه.

ويضيف مكارم: وعلى هذا الأساس يكون تغيير صورة إنسان أو حيوان إلى صورة نوع آخر أمراً خارقاً للعادة، ولكن يذكر أن هناك أموراً تحدث على خلاف العادة والطبيعة، وهذه الأمور ربما تقع في صورة المعاجز التي يأتي بها الأنبياء، وأحياناً تكون في صورة الأعمال الخارقة للعادة التي تصدر عن بعض الأشخاص، وإن لم يكونوا أنبياء وهي تختلف عن معاجز الأنبياء طبعاً. وبناءً على هذا وبعد القبول بإمكان وقوع المعاجز وخوارق العادات، لا مانع من مسخ صورة إنسان إلى إنسان آخر، ولا يكون ذلك مستحيلاً تأباه العقول، ووجود مثل هذه الخوارق للعادة لا هو استثناء وخرق لقانون العلية، ولا هو خلاف العقل، بل هو مجرد كسر قضية عادية طبيعية. وبناءً على هذا لا مانع من قبول المسخ على ما هو عليه في معناه الظاهري الوارد في الآية.

وأضاف في الأمثل: من أن بعض المفسرين وهم الأقلية قالوا إن المسخ هو المسخ الروحاني والانقلاب في الصفات الأخلاقية، بمعنى ظهور صفات مثل صفات القرود أو الخنازير في الطغاة والمتعنتين، مثل الإقبال على التقليد الأعمى والتوجه الشديد إلى البطنة والشهوة، التي هي صفات بارزة لهذين الحيوانين. انتهى بتصرف يسير منا.

قوله تعالى: (فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) البقرة 66. اختلف المفسرون في إرجاع الضمير إلى عدة وجوه:

الأول: إلى حالة المسخ، أي جعلنا مسخهم قردة نكالاً لمن عاصرهم وكذا من جاء بعدهم.

الثاني: إلى القرية أي جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً لما بين يديها وما خلفها.

الثالث: إلى هذه الأمة، أي جعلنا هذه الأمة نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. والنكال هو العقوبة الشديدة أو العبرة.

والذي أميل إليه هو الرأي الأول وذلك للمذكور المتقدم فتأمل.

 

    عبدالله بدر السلطان

 

 

هناك ثمة سؤال مشروع يُطرح علينا: - ما ذا تريدون بالعقل؟ وما هو العقل في الإسلام؟ وهل هو عقل في الإسلام أم عقل إسلامي؟، وماذا نعني به؟ وهل نعني به الأفكار الإسلامية؟ أم نعني به الأداة المنتجة لهذه الأفكار؟ .

لقد عُرف العقل في اللغة بأنه: - (من مصدر عقل يعقل فهو عاقل، ودلالته على المنع) -، وهو بهذا المعنى يدل على التمييز والإدراك في الأشياء بين الصواب والخطأ وبين الحق والباطل وبين الأمر والنهي،

ويمكننا تعريف العقل الإسلامي: - (بأنه الأداة التي من خلالها يتم إنتاج الأفكار والحكم عليها)، ولا يبتعد هذا التعريف عن المعنى اللغوي له، من حيث دلالة المعنى المستفاد وبحسب الوظيفية التي يؤديها العقل،

له، من حيث دلالة المعنى المستفاد وبحسب الوظيفية التي يؤديها العقل، فهو حين يكون أداة لإنتاج الأفكار فهو يتضمن التمييز والإدراك في آن معاً، ولكن حين تكون مهمته إنتاج الأفكار الإسلامية، (فهنا يكون العقل ليس واحداً بل هو مجموعة عقول مختلفة ومتناقضة ومتباعدة)، وهذا يوضح لنا ذلك التناقض والتعدد والتضاد في الأفكار الإسلامية، وبما إن مهمتنا في هذا الكتاب هو نقد العقل وليس نقد الفكر، يعني نقد لمُنتج الفكر وليس الفكر نفسه، ولهذا السبب أسمينا بحثنا هذا أو كتابنا هذا - (نقد العقل الإسلامي) .

والنقد في اللغة: يدل على إبراز شيء وبروزه قال أبن فارس (النون والقاف والدال) أصل صحيح، والنقد عند أبي الدرداء بمعنى كشف العيوب

وهو في الإصطلاح بمعنى ومفهوم قريب و يعني: إظهار عيوب الشيء ومحاسنه، أو قل: التمييز بين الحسن والقبيح أو بين الجيد والرديء، إذن مهمة البحث هو ليس فقط بالنظر إلى المنتج بل نقد المُنتج، يعني العقل، نقد المسلمات والمبادئ التي يتخذها العقل قواعداً في إنتاجه للأفكار، هذه المبادئ وهذه المسلمات، هي في الحقيقة ليست مبادئ ومسلمات لا يأتيها الباطل، بل هي في الأساس إذا نحينا كتاب الله جانباً وطبعاً هذه التنحية تتعلق بمصدر الكتاب لا بما يتضمنه الكتاب، و نحن لا نشك بأنه كتاب من الله العزيز القدير هذا من جهة المصدر، لكن ما يتضمنه هذا الكتاب من نصوص وآيات يحتاج إلى تأويل وإلى تفسير، ونعني بذلك البحث عن مآلات النصوص والآيات وليس الإغراق في المعاني المعجمية للفظ وإن كان ذلك ضرورياً، وهذا الشيء يحتاج إلى تحليل النصوص والآيات من وحي الواقع وليس من خلال الأراء المسبقة، بمعنى أدق: إننا نحتاج إلى قراءة جديدة للكتاب المجيد، ومن لوازم القراءة الجديدة رفع القداسة المُدعاة لأهل التراث، ومن لوازم ذلك تسمية الأشياء بأسمائها و تنحية مناهج البحث القديمة والتي تؤثر في فهم نصوص كتاب الله المجيد، تلك المناهج والأسماء التي هيمنة على الساحة الإسلامية وأثقلتها، وكان لذلك أثره ودوره في إلغاء - الإجتهاد - أو توقفه، وتم تحويل العقل إلى مجرد أداة للإعادة والتكرار، ونقصد من رفع حالة التقديس عن رجال الماضي إضفاء الواقعية والبشرية على منتجاتهم وأفكارهم، مما يعني رفع القول بالعصمة والعلم بالغيب من دون معرفة بهذه المصطلحات ودلالاتها، ومن مقتضيات ذلك محاربة الغلو في الدين وفي رجال الدين، والغلو (

في اللغة: (هو مجاوزة الحد أو الزيادة)، قال الطبرسي في مجمع البيان، يُقال غلا في الدين غلواً - تفسير سورة النساء النص رقم 171 - .

وقيل: هو من غلا غلاء فهو غال، وغلا في الأمر غلواً بمعنى جاوز الحد، قال أبن فارس في المقاييس: - الغين واللام والحرف المعتل - أصل صحيح يدل على إرتفاع ومجاوزة القدر .

قال أبن منظور في اللسان: غلا في الدين غلوا، أي تشدد وتصلب حتى جاوز الحد .

وقال الفيومي في المصباح المنير: وغلا في الدين غلواً من باب قعد تصلب وتشدد حتى جاوز الحد، وغالى في أمره مُغالاةً أي بالغ .

والغلو في الإصطلاح معناه كما:

قال الشيخ المفيد رحمه الله: الغلو هو التجاوز عن الحد والخروج عن القصد، وفي تفسيره لقوله تعالى: - ولا تغلوا في دينكم - قال: أي لا تتجاوزوا على الحد في المسيح، وهو تحذير من الخروج عن القصد، (فجعل ما أدعته النصارى في المسيح غلواً لتعديه الحد) - أوائل المقالات ص 238 - .

ويقول الشيخ المفيد يكون المرء مُغالياً فيما لو:

1 - إدعاء الإلوهية في النبي أو الإمام أو إدعاء النبوة في الإمام .

2 - وصف النبي أو الإمام ببعض الصفات الإلهية .

أ - كاضفاء صفة الخلق أو الرزق لهم، وهذا ماكانت تقوله المفوضة (وهم فرقة قالت: بان الله فوض أمر هذا الكون إلى النبي أو أهل بيت النبي) .

ب - أو إدعاء علمهم بالغيب مطلقاً .

ج - أو وصفهم للأئمة بصفات تخرجهم عن البشرية .

د - أو القول بان ذات النبي - ص - وذوات الائمة كانت موجودة قبل خلق آدم ..

ه - أو القول بان خلق آدم كان من أجل خلقهم) .

وهو خلل أو زيادة ومبالغة تحصل للإنسان بسبب ما يعتمد عليه عقله من أدوات في إنتاج أفكاره .

إن نقطة البداية هي في تحديد قواعد الإنتاج المعرفي لدى المسلمين، التي هي بالإضافة إلى الكتاب المجيد، هناك ما يسمى بالسُنة النبوية: (التي هي كل أثر جاء عن النبي من قول وفعل وتقرير)، وهذا الوصف الفضفاض للسُنة يجعل منها موازية في الدرجة والحجية والرتبة لكتاب الله المجيد في إنتاج المعرفة، وهذا عندنا مرفوض لأنه يُساوي بين الكتاب المجيد و السُنة، ذلك لأن السُنة في أحسن الأحوال هي كلام وأثر منسوب لرسول الله، وهذه النسبة يجب وضعها في إطارها الصحيح هذا إن إعتبرناها صحيحةً (أعني السُنة)، ولكنها في الواقع مجرد ظنون لا تتعدى في كونها تفسيراً لنصوص الكتاب، أو إذا عتبرناها إجابات لمحمد الرسول وليس لمحمد النبي عن أسئلة من الناس يومية، وذلك التفسير أو تلك الإجابات كانت ولا تزال محفوفةً بالكثير من المخاطر والأخطاء والوهم والعقبات .

ولذلك نقول إن مايُسمى بالسُنة النبوية ليست سوى: (ظنون صنعتها قوى سياسية سادت في تلك المراحل التاريخية القديمة)، أي إنها خدمت إتجاه ما وعززت من نفوذه، وليس في هذه السُنة التي نقرئها في كتب الأخبار، ولا خبر واحد يمكننا القول عنه و فيه وعلى نحو أكيد، (إنه لرسول الله باللفظ والمعنى) أو كأن نقول: (هكذا تحدث محمد بن عبدالله)، ولهذا نعتقد: - (إن ما أقدم عليه عمر بن الخطاب في شأن تدوين أخبار النبي والرسول ورفضه لذلك، كان ذلك إجراءً متقدماً وصحيحاً) -، بل يمكننا إعتباره الخطوة الجرئية والعلمية والسابقة التي يجب الإشادة بها، وكان رأيه ينصب في هذه الإتجاه، أعني عدم الخلط في أذهان الناس بين ما لله وما لمحمد ..

ولهذا يمكننا القول، (إن كل الذي بين أيدينا من، كلام منسبوب لرسول الله، هو صناعة لاحقة، لا يجوز بحال الإعتماد عليها في تشكيل وعينا التشريعي ولا العقدي) !، أي لايجوز إعتبار هذا المنسوب قاعدة نؤوسس عليها وننتج من خلالها أفكارنا، والمسألة لا تتعلق بالنبي ولا بالرسول لا ولكن القضية تتعلق بهذه الأخبار التي جُمعت لا حقاً، وأراد لها الأراخنة موازاتها بالكتاب المجيد، أي جعلها بثقل الكتاب من حيث القيمة ومن حيث الحجية، مع إن السُنة هي بالفرض تُنسب للنبي، و نحن من يصحح هذه النسبة ويصحح محتوياتها، أي إننا نحن الحاكمين عليها في مدى الصواب وفي مدى الخطأ، وهذه كما ترون إشكالية معرفية كبيرة يجب ان تعيق الإندفاع العاطفي لدى البعض في تصويب القول المُتبع الذي أسسه الشافعي وسار على خطاه الكثير ممن يدَّعون الأصولية .

ثم إن هناك إشكالية تمس الطبيعة التاريخية للسُنة، أعني في زمن التدوين وفي رجال التدوين وهذه الطبيعة تؤثر في وعينا التاريخي لماهيتها، وقد قلنا: - إن التأخير في كتابة وتدوين السُنة النبوية، أخل بعنصرين أساسيين:

الأول: في بنائها اللغوي أي المفردة من قائلها؟ ولماذا قالها؟ ولا يهمنا التعليق اللاحق لأنه صُنع في زمن آخر .

والثاني: هو المحتوى والمضمون وهذا يتعلق بطبيعة منتج هذه الأخبار، ولا ننسى رواج صناعة الأخبار مع نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية .

وكان لهذا الرواج دوافعا متعددة منها سياسي ومنها مادي وكثير منها خيالات ومحض إفتراء، وقد سخر رجال الحكم هذه الصناعة في تضخيم شخص الخليفة والحاكم ليجعوا منه ظلاً لله، فبرروا ظلم الحاكم وقسوته وعدم كفائته وجهله، ومن هذه الأخبار تولدت المقولة التاريخية للإسلام السياسي القائلة: - الخلفاء من قريش - أو الخلفاء من بعدي أثنى عشر - ثم وظفها العقل الوافد بحسب مقاساتها، ثم أضفى عليهم صفات من الجلال والجمال الباطلة ...

ولقد كان لما يُسمى بالسُنة النبوية دوراً مباشراً في صُنع الخلاف الدائر بين جماعة المسلمين اليوم، فمنها ومن خلالها تركبت أخبارا نُسبت للنبي أو للرسول لكي تُمجد هذا الطرف أو ذاك، والجميع يجتر مفهوم الحق من خلال ما يظن إنه المعني بذلك، حتى نشأ ذلك الخبر الموضوع كما يقول أبن حزم: - (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلاَّ واحدة) - تفسير الشوكاني ج2 ص 68، إذن هذه الأخبار سببت إنشقاقا تاريخيا وعقديا بين الجماعة المسلمة، فصيرت المسلمين طوائفا ومذاهب متناحرة، وكل منهم يدعي إنه الفرقة الناجية في تمثل لهذا الخبر الكذوب، ولو تفحصنا طبيعة الخبر اللفظية والدلالية فإننا لا نجد فيه غير الكيد والتخوين والتسفيه في خلاف واضح مع كتاب الله، الذي قال: - (إن أكرمكم عند الله أتقآكم) -، وقال إيضاً: - (لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى) -، ساداً الطريق أمام هذه المزايدة الرخيصة التي شكلت وعي المسلمين عبر التاريخ، و من خلال هذه الأخبار المزيفة التي تُنسب عمداً لرسول الله، لكي تشوه في وعينا صورته الجميلة من جانب، كما وتؤهله من جانب أخر ليكون طرفاً في الصراع السياسي الذي أنتجناه والذي نعيش تدافعاته السلبية ..

لقد قلنا في غيرمناسبة: ليس لمحمد بن عبد الله لا بصفته الرسولية ولا بصفته النبوية التشريع والحكم على الأشياء، وقلنا: - إنه ليس سوى ناقل للوحي بأمانة، ومعلوم إن صفة الرسول لها دور الإشراف على تنفيذ القوانين، ولكن ليس بصيغة المُشرع بل بصيغة المُنفذ، وهذا ما عبر عنه الكتاب المجيد بقوله: - (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا) -، أي إن ماجاء به الرسول إليكم فهو من عند الله يجب إتباعه، وما نهى عنه الله بواسطة الرسول فأنتهوا، وجعل الله الرسول الوساطة المنفذه للأوامر والنواهي بإعتباره المتصل المباشر مع الناس ولهذا كلفه الله أن يقوم مقامه في هذا الشأن، ولهذا عالج الكتاب المجيد حالات الإختلال التي قد تنشأ بفعل ذلك، قال: - (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى) -، وهو يعني ذلك الوحي النازل على محمد النبي، وبأن الذي يأتكم به فهو من عند الله، ولقد إلتزم هذا النص لكي يقيد الكلام الصادر عن النبي وعن الرسول محمد، فيجعل ماورد عنه بطريق الوحي، هو الذي (لا ينطق فيه عن الهوى) بل هو وحي يوحى، ومن هنا يجدر التنبه إلى إن محمد بن عبد الله خارج إطار الوحي يعني محمد الإنسان الذي لا ينطق عن الوحي، وإنما يكون كلامه صادراً عنه بإعتباره إنساناً .

ولا بد من الإعتراف هنا: إن صفة الرسول وصفة النبي هما صفتان إضافيتان زائدتان عن الأصل الذي هو محمد الإنسان، وهذه الصفات مقيدة بما يوحى إليه من عند الله، و يعني هذا إن: - (محمداً خارج الوحي ليس رسولاً ولا نبياً بل هو إنساناً طبيعيا) -، وفي الكتاب المجيد نجد التأكيد على هذا التمايز وهذا التفريق

ففي سورة الأحزاب يقول الله: - (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) - الأحزاب 40 .

وفي سورة الفرقان يقول: - (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ..) - الفرقان 7 .

وفي نص قريب يقول: - (... أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ..) - آل عمران 144 .

وفي هذه النصوص الثلاثة التي ذكرناها، تبدو صفة النبي وصفة الرسول هي المضاف للأصل الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويموت أو يقتل، وهذه الصفات هي للإنسان وليس للنبوة ولا للرسالة، فهو يأكل لا بصفته كنبي ويموت لا بصفته كرسول، وهذا الذي نقوله هو فقط للتمييز والدرس والبحث، فحين ننظر إلى سُنة النبي يجب أن لا يتخطى نظرنا إلى ما أنزل على محمد من وحي في كتاب الله، ثم إن محمد النبي هو غيره محمد الرسول طبعاً هذه الغيرية في الصفة وفي الفعل، فمحمد الرسول هو شأن خاص يتعلق برسالة محمد وبالمؤمنيين بها، وهي بمثابة القانون الذي يسري بحسب الوضع، وبما إنها قوانين فهي لا تعني أولئك الذين لا يؤمنون برسالته، وبالتالي فهي غير ملزمة لهم إلاَّ بحدود تطبيق القانون داخل الدولة التي أكثرية الناس فيها من أتباع محمد والمؤمنين به، ولكن هذا الكلام لا ينطبق على محمد النبي فصفة النبوة صفة عامة يشترك فيها جميع الناس، ولكن ما سر هذا الإشتراك؟ نقول في الجواب: النبوة ليس فيها أمرا ولا نهيا، أعني هي ليست صفة قانون في المعاملات والسلوك، بل هي مجموعة قوانين ونظرة نحو الخلق و الكون، وفي الكلام عن هذه الصفة يقع الإشتراك إذ ليس من المعقول نكران قوانين الحياة وقوانين الكون ونظام الليل والنهار والموت والمنظومة الشمسية وهكذا، فهي إطار في مجال العقل المجرد صحيح إنها ليست ملزمة لكنها تخص الجميع، ولا أظن عاقلاً في الكون ينكر على النبوة دعوتها أو الإيمان بها في هذه الصيغة المجردة، والنبي ليس حاكماً ولا منفذاً للتشريع فهذه ليست من لوازمه، لأن النبوة ترتبط بالوعي العلمي للناس، وزيادة في الإيضاح تعتبر رسالة محمد شانية خاصة وأما نبوته فشأنية عامة ولا يمكن لمن لا يؤمن برسوليته أن لا يؤمن بنبوته، نعم إن هذا التفريق يرتبط بطبيعة المهمة والدور الذي أضطلع به محمداً في حياته، وهذا يعني إننا الآن بحاجة للتمييز بين هاتين الصفتين في شخص محمد، كي يسهل لنا فهم مهمته ككل،

ولسأل أن يقول: في قضية النبوة نجد النداء موجها للنبي وعلى هذا النحو: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ..) - الأنفا ل 65، ونفس الشيء ورد في مسالة الزواج والطلاق وهناك زهاء الأربعين نداء في صيغة (يا أيها النبي)،

فكيف يمكننا فصل النبوة عن الرسالة؟ والجواب: الفصل إقتضائي يتعلق بمفهوم الحاكمية ومفهوم تنفيذ القانون، وهذه من متعلقات الرسالة أو من مهام الرسول بإعتباره حاكماً زمنياً، ولا شأنية للنبي أو للنبوة في مجال تنفيذ الأحكام والقوانين .

فإن قلتم إذا كان ذلك كذلك: إذن فلماذا جاء النداء والتحريض والأمر بصيغة - يا أيها النبي -؟ .

قلنا: إن النداء في المسائل الحيوية يشير فيها النص على نحو المخاطب المباشر الذي هو النبي ولكن لا بصفته منفذا بل بصفته مبلغاً، أو حاكياً عن المُراد الذي يجب فعله من قبل الناس، فجملة حرض المؤمنين، أي أدفع بالمؤمنيين إلى القتال، أو حبب للمؤمنيين القتال وهذه الصيغة الإنشائية تماثل قوله (قل يا أيها الكافرون) يعني هي صيغة تحفيز لا صيغة تنفيذ وإجراء، و كذلك حينما يقول: - (يا أيها النبي قل لأزواجك ..) -، هي ذات الصيغة أي أدفع على نحو يجعل من الحياة مستقرة، والصيغة إنشائية كذلك وليس فيها إجراء وتنفيذ، لأن ذلك من مهام الرسول، حتى الصيغ االتي يأتي فيها النداء موجهاً للنبي يكون الفاعل في التنفيذ والإجراء هو الرسول وليس النبي، وفي النتيجة ليس هناك ثمة شيء أسمه - السُنة النبوية - بالمعنى الذي قدمناه، ولكن هناك (سُنة رسولية) وهذه محط أنظارنا وهي التي وقع الكلام عليها في التصحيح والتخطئة ..

في كلامنا عن المنتجات الفكرية يبرز - الإجماع - واحداً من هذه المُنتجات، وطبعاً الكلام ليس في فكرة الإجماع ولكن في حجيته، وبما إننا قد فصلنا الكلام فيما يُسمى بالسنة النبوية فإننا كنا قاصدين، نقض حجيتها المُدعاة في باب التشريع أو العقيدة، وإذا كان هذا موقفنا من - السُنة النبوية - فمن باب أولى أن يكون موقفنا مُشابها له في مجال - الإجماع - وحجيته المزعومة، ولكن ما هو الإجماع وكيف يمكننا تعريفه؟، الإجماع: في اللغة يعني العزم، وفي الإصطلاح يعني إتفاق المجتهدين من هذه الأمة - كما يرى الحاجبي، وهو عند الإمامية - الكاشف عن رأي المعصوم - أو الكاشف عن شهرة الحكم الشرعي في العصر الأول، والإجماع عند الملتزمين به من المفاهيم العرفيه، وأساسه عندهم خبر ينسبونه إلى الرسول، قال فيه: - لاتجتمع أمتي على خطأ - !! وهذا القول كما ترى قولاً مطلقاً، والضمير فيه يعود فيه على إعتبار الإيمان والثقة، وليس على حجية الإجماع، إذ إن هذه المسألة اعني مسألة - لا تجتمع أمتي على خطأ - من المسائل الخلافية التي لا يمكن الإعتماد عليها في توكيد عدم الإجتماع على الخطأ من جميع الأمة، فهذه المسألة تجعلنا أمام أمة وكأنها معصومة، وهذا ما لا يجوز عقلاً ولا شرعاً .

ولكن ماذا لو أعتبرنا حجية الإجماع تنطلق من مقبولة عمر بن حنظلة المروية عن الإمام الصادق قوله: - خذ بما أشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر –؟، نقول: إن الكلام في معنى - خذ - إنما يتموضع في هذه المنطقة، أي خذ على أساس ما أشتهر بين أصحابك، ولنلاحظ بدقة هنا: وكأن الملاك هو الشهرة وليس الملاك هي القواعد التي تحكم الخبر وتدل على صحته، فالشهرة من حيث هي ليست ملاكاً مستقلاً يمكن الإعتماد عليه والعمل بموجبه، ومقبولة عمر بن حنظلة لا تفيد سوى الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، ولكي لا ندخل في متآهة البحث الأصولي المجرد عن - حجية الإجماع -، يلزمنا التركيز على - الإجماع المنقول - والذي يحاجج به البعض، فهذه المحاججة ليست على ما ينبغي بدليل: إن ذلك الإجماع المنقول يفتقد في مضمونه للدقة والعلمية، من جهة تباعد المسافات وإنقطاع الدليل، أقول: لم يكن في تلك الأعصار السعة والإنتشار للكُتب الخبرية كما هو حاصل اليوم، فكانت كتب الأخبار لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وهذا ما يجعل من إجتماع الفقهاء على خبر ما في كتاب ما يكون في بلد ما، من الصعب الوصول إليه أو الإلتقاء بهؤلاء المجمعين عليه أمراً غير معقول و يدعوا للحيرة .

فإن قيل: يمكن تحصيل الإجماع المنقول بالملازمة العقلية .

قلنا: هذا القول هو مجرد وهم لا غير .

إذ كيف يمكن تحصيل إجماع من المتقدمين على مسالة ما؟ ويكون نفس ذلك الإجماع وعلى نفس المسألة لدى المتأخرين أو المتوسطين؟ ثم يبنى على ذلك الإجماع ويعتبر حجة، يتضح لنا مع كل ما مر من هفوات وضعف التخريجات التي نجد فيها التكلف الزائد، كقولهم هناك حدس بحصول الإجماع ومعلوم إن دليل الحدس هو في ظن دخول المعصوم في هذا الإجماع وإمضاءه عليه، وهذا النوع من الإستدلال ساقط من الإعتبار لأن التعليل بدخول المعصوم تعليل ليس في محله، والقول: - إن الإتفاق من المجتهدين على أمر ما هو إجماع - هذا القول: مجرد تخيل ووهم ولا حقيقة عليه شرعية أو علمية .

ومن أدعى: إن الإجماع حجة بدليل - قاعدة اللطف - .

قلنا: إن هذه الدعوى باطلة، ذلك لأن قاعدة اللطف ليست تامة لا في باب النبوة ولا في باب الإمامة .

من هنا فالقول بأن للإجماع حجية تساوي في قدرتها على الإستنباط وعلى الإلزام كما لكتاب الله المجيد، هذا القول ليس على ما ينبغي، بدليل: إن الإجماع المُدعى له مهمة وله ركيزة يقوم عليها، أو مستند يعتمد عليه وهذا المستند هو الأخبار كما قلنا، وما من شك إن فهم الأخبار من جماعة ما من المجتهدين، أبداً لا يُلغي فهم تلك الأخبار من مجتهدين أخرين، و يكون ذلك الفهم مُغايراً لفهم المتقدمين، وبالتالي فليس هناك من دليل مقنع يلزم التابعين بإتباع المتقدمين، وقد رفض الكتاب المجيد هذا السلوك في قوله تعالى: - (بل نتبع ما ألفينا عليه أبائنا ..) - البقرة 170، و قال أيضاً: - (بل نتبع ما وجدنا عليه أباءنا ..) - لقمان 21، إذن فالكتاب المجيد أسس لقاعدة تقول: - يجب فتح المجال أمام العقل لكي يتدبر ويتعقل ومن دون إلزام بإتباع من سبق -، وببساطة أكثر: يشبه الإجماع في صيغته النهائية يشبه ذلك الإتباع والإقتداء من غير دليل ولا هدى، ولو تأملنا جيداً تلك المقولة السائدة في الوسط الإسلامي - شرع ما قبلنا - لوجدناها ممتصة من ذلك المعنى للإجماع، بقي أن نقول: - ليس الخلاف في أصل الإتفاق إنما الخلاف في حجية هذا الإتفاق -، وعلى أي أساس يكون وما هو مستنده؟، فإذا كان المستند والأساس معلوم ففي هذه الحالة لا يكون إتفاق المتقدمين حجة علينا، أعني طالما لنا الحق نحن إيضاً في فهم هذا المستند وإستنباط الحكم منه، ومادام الإستنباط مسموحا فالواجب أن تكون حجية الإجماع ممنوعة، ومن هنا يسقط ذلك الزعم القائل: - إن إجماع طائفة من الناس على فهم معنى معين من تلك الأخبار كفيل بجعل هذا الفهم مُلزم للآخرين -، لأن ذلك الإلزام إلغاء لدور العقل اللاحق في تفحص تلك الأخبار وإستنباط الأحكام منها، أي إن من إعتبر الإجماع حجة ألغى عن قصد الإجتهاد اللاحق، وأفترض منطق تقليد الجماعة التي إجتمعت على رأي معين في مسألة ما معلومة المستند ..

وأما الكلام في - حجية العقل - فهو عندنا ليس بإعتباره مقابلاً في الحجية للكتاب المجيد، ولكن بإعتبار ما يصدر عنه ناتجاً عن الكتاب المجيد، والكلام هنا في مجال الشريعة والعقيدة، و المسألة في عنوانها العام إشكالية، من حيث إعتبار العقل هو الحاكم على النص، أو من حيث إعتبار العقل محللاً للنص، وبما إن المسالة إشكالية فالواجب إستحضار الشروط الموضوعية التي تحدد ما إذا كان حاكماً أم محللاً، وقيد الشرط الموضوعي قيدا إحترازيا نريد به الطبيعة التي تتغير عملياً و دورياً، والشرط الموضوعي مرتبط بالواقع و بطبيعة الأرضية المعرفية لذلك الواقع، وفي هذه الحالة فقط يمكننا قبول نظرية صلاحية الكتاب لكل زمان ولكل مكان ضمن هذا اللحاظ وهذا المعنى .

وسنبسط الفكرة أكثر ونقول: يكون الكتاب صالحاً للإستخدام في كل ظرف، وذلك في حال أعتبرنا إن محمداً قد مات تواً أو الآن وترك بين أيدينا هذا الكتاب، فكيف يجب أن نقرئه؟ وكيف يجب أن نتعامل معه؟، وهذه الصيغة الإفتراضية هي صيغة واقعية تتعلق بمادتي القراءة من قرب والتعامل بعد الفهم وبعد القراءة، في هذه الصيغة نحن دائماً في مواجهة دائمة و مباشرة مع الكتاب، ومن لوازم هذه المواجهة: (رفع حالة التقديس لأهل التراث وأهل التاريخ، كما يلزم رفع كل الزوائد التاريخية الكلامية والسياسية، التي أثقلت قدرتنا في فهم الكتاب والتعاطي مع موضوعاته)، ونحن نعلم كم كانت تلك الزوائد فاعلة في تشكيل وعي المجتمع الخلافي أو المتناقض أحياناً، إذن فلكي نعطي للعقل دوراً فاعلاً ونعطي لأحكامه حجية معتبرة لا بد من أن تكون السيادة للعلم، وحين نقول العلم: فهذا يعني وجوباً البعد عن الأوهام والأفكار المزيفة والأحقيات المزعومة، التي دُست بكتب التراث في الفقة والتاريخ والأخبار والعقايد، لتُخرب هذه العلاقة الطبيعية بين الإنسان والكتاب، وحين نستخدم لفظ - تخرب - نستخدمه على سبيل الوصف متساهلين جداً مع أحداثيات وأثر ذلك الدس، و لكن لو تأملنا ما نتج عن ذلك الدس فسنجد إن مصطلح - قصد - أدل وأوضح، يعني هناك كيدية معينة القصد منها تخريب العقل وإلغاء دوره في معادلة البحث والإستنباط، وهنا جوهر المشكلة حالما نعتقد أو نتصور إن حجية النقل هي أولى من حجية العقل، مع إن المشكلة التي أسست لهذه الفوضى هي تلك الروايات التي نشك في صحتها ودرجة وثاقتها ودلالتها وأسانيدها، وإذا كان التمسك بحجية النقل هو الأصل فهذا يعني إننا إزاء تصورات موهومة وحلول موهومة لأننا عطلنا حجية العقل، التي دُعينا للتمسك بها عبر ذلك الخطاب التلقائي الذي يقول - ما خلقت خلقاً أحب إلي من العقل - والتعليل المتصل يقول في حسن الإتباع ووعي الطاعة، وهذه مسلمات مطلوبة في صحت العبادة، ويعني ذلك إحتياج الصغريات بنفس درجة ورتبة إحتياج الكبريات للعقل .

ونعود لنقول إن مفهومنا عن - نقد العقل الإسلامي - يعني نقد الأداة المنتجة للفكر في الإسلام، بمعنى نقد عناصر إنتاج الفكر في الإسلام، والنقد كما في أصله اللغوي هو تمييز بين الصواب والخطأ أو بين الحق والباطل، ولكي يكون التمييز دقيقاً لا بد من التعرف على مولدات الفكر في الإسلام، وحتى تكون العملية - النقدية - نافعة ومجدية لا بد من تحرير مصادر إنتاج المعرفة من هيمنة التقديس المزعوم، وفي هذه المسألة بالذات ليس هناك ثمة أنصاف حلول إنما هو حل واحد، والقصد منه ليس تسفيه وتخطئة التراث والتاريخ والأخبار والنصوص، بل هو رفع لمستوى الوعي بحيث يتجرد من الأحكام المسبقة، وفي هذا المجال كم سمعنا من دعوات مخلصة لإعادة كتابة التاريخ، مع إنني لست مع من يدعوا إلى إعادة كتابة التاريخ بل إلى نقد التاريخ وتصحيح محتوياته، وإظهار الحشو والتغليف والتزييف والكلام الذي لا أساس له منه، وكما إن موضوعة - نقد التاريخ - لا تخرج أبداً من العملية الكلية لنقد العقل، إذ ليس من الجائز ولا من المتصور أن يكون نقدنا للتاريخ مفيداً ونافعاً، إن لم نكن ننقد العقل الذي أسس ذلك التاريخ، ومهما علا ذلك العقل ومهما كان له شأن في موروثاتنا، ولابد من الإعتراف بأن تلك عملية شاقة وخطيرة وتستدعي المزيد من الحرص والمراعات لضوابط الحياد وعدم الوقوع في أسر الأحكام القبلية أو الأطر الضيقة ذات الاتجاهات المعروفة ..

وأقول: - إن الإسلام السائد اليوم لا يمثل القيم والمبادئ الأخلاقية التي أنطلق الإسلام من أجل سيادتها في الحياة -، فلقد حورت الكثير من قوانينه وتشريعاته وشوهت عقيدته، وقولنا هذا ليس مجرد كلام عن شيء مفترض بل هو الحقيقة التي يلمسها جميع الناس، وكلامنا نعني به هذا السلوك السياسي والإجتماعي الذي يتحدث بأسم الإسلام، كتلك الجرائم التي ترتكب بإسم الإسلام اليوم، حدثت هذه الجرائم حينما غلبت جماعة المسلمين التراثيات على العقل والخرافات على المنطق، وهذه الممارسات على حدود ما أنزل الله، وحين يختفي دور العقل ويخبو تنتشر في أوساط الناس الخرافة والوهم، ولا نبالغ إذا ما قلنا: إن للعامل السياسي الدور الحاسم في هذا التغييب المقصود، و قد شجع هذا العامل ونمى كل العناصر السيئة التي تحاول إغراق الناس في الجهل والخرافة وتعظم لهم أشياء ما كانت في الكتاب ولم تكن، إنما هي مجرد خيالات ووهم وتضخيم عاطفي، وهو بالتأكيد شيء غريب عن أدبيات ونصوص الكتاب المجيد، إن شيئاً من الواقعية لا يتحقق إذا ما بقيت موجة التزييف والطعن بالحقيقة، فالتراكيب التي تنتجهما هاتان الظاهرتان تجعلان من الحركة الجمعية أسيرة للسلطات المرجعية بكل رتابتها ووضعها النفسي المتأزم والذي يرى الأشياء بمنظور سكوني منقبض يعيش الزوايا الحرجة ويتعامل بأنصاف حلول

وإذا كنا نؤمن بأن الإسلام هو حركة من أجل الحياة، فلا بد أن لا يعرف الانغلاق ويجب أن يستوعب التطور العام، وأن لا يجد حرجاً في أن يتعامل مع الأشياء بروح منفتحة، الروح التي تساهم في دعم مشروع العدل والحق والحرية، مشروع التقدم والنهوض الشعبي المجتمعي الذي من أهدافه حماية الإنسان والدفاع عن حقوقه الطبيعية والتاريخية وحرياته العامة .

والفرق بين الإسلام والإسلاموية إنه لا يؤمن بالطائفية ولا المذهبية الضيقة ولا الاثنية العنصرية، بل يؤمن بالإنسان الواحد المجرد عن الأسماء والصفات والحيثيات والصبغيات، والفرق بين الإسلام والإسلاموية إنه يؤمن بسيادة القانون الذي يجعل منه واحة أمان لكل الناس، والفرق بين الإسلام والإسلاموية إنه جاء ليكون في صف الناس ينهض بهم يقدمهم ولا يتقدم عليهم، ويهدف من خلال ذلك تقويم سير الإنسان ليكون في خدمة الجماعة البشرية .

وللتأكيد على هذه المواصفات يلزمنا مواصلة النقد وإعادة البناء لكل لبنات التركيب فيه، وإعادة النظر في مباحث الشريعة والفقه وإزالة الهيمنة الإسلاموية عليه، تلك الهيمنة التي تغلف عمله في مجال التشريع وفي مجال العقيدة، كما نجد من اللازم اعتبار الفقهاء مفسرين بدرجة معينة للنصوص ليس أكثر، دون إغراءات أو إطناب سواء في الكنى أو الألقاب، وحتى تتم عملية التفريق بين الإسلام والإسلاموية نحتاج لتجديد النظر في مصادر إنتاج العقيدة وأصولها، فهناك ثمة حاجة تدعو لذلك سيما ونحن نلاحظ الخَبط والعشوائية وعدم التركيز والخوف من الدخول في هذا المجال، وعلى سبيل المثال في هذا المجال: تبدو قضية الإمامة بحاجة إلى تأسيس من جديد ينسجم وطبيعة النص .

فالقضية معرفياً تثير إشكاليات متعددة ومتقاطعة تاريخياً وفكرياً، وهناك موضوعات جدُ حاسمة تحتاج إلى مراجعة كمسألة (الرجعة والبداء والمهدي)، ولأن هذه المسالة من مخلفات ما يُسمى بالسُنة، فهناك حاجة أذن للتحقيق والتنقيب بكل ما ترشح لنا من هذه السُنة المزعومة، ولكي يكون الأمر هيناً نقول بوجوب إعادة فهم السُنة ومستوى أخبارها وما ترشح منها، كما يجب إعادة النظر والموقف من أراخنة الدين الذين غيروا وبدلوا قواعد التعاطي مع كتاب الله، فجعلوه رهناً لما يقولون ولذلك نشأ هذا الزيف والتطويب والمبالغة في أذهان الناس، وبما إننا في صلب هذا العمل فالواجب أن يكون النقد حراً لكي يصحح قواعد الإعتقاد، وإن تمكنا من هذا فإننا حتماً سننتج وعياً تاريخياً كاشفاً للحقيقة ونابذاً للتقديس والتطرف الذي الزمتنا به مناهج رجال الدين وسلطاتهم، تلك السلطات التي سعت جاهدة لكي تتربع على الكرسي مستغلة مشاعر الناس وعفويتهم وإيمانهم الساذج، معممين مع الخرافة ذلك الجدل الفئوي الضيق المهزوز، الذي من مهامه إشغال الناس فيما لا شأن لهم به، وليس خافياً على أحد إن رجال الدين يقيمون سلطتهم ويسيروها على جدل الأفكار المنقبضة والصراع المذهبي الهزيل، تلك التي تحرف التاريخ وتطعن بالخطاب والنص القائم على موافقة الصحيح والصريح، وتعتمد في أحكامها على الصفة التجزئية التي تختزل الذهن والفكر معاً، تختزل الإبداع خدمة للخرافة وقواها .

التجديد وضرورات الحاضر والمستقبل

مفهوم التجديد: - (في اللغة العربية من أصل الفعل "تجدد" أي صار جديدًا، والجديد ما لا عهد لك به، و سُمِّي كل شيء لم تأت عليه الأيام جديدًا) -، وفي الكتاب المجيد وضفت كلمة جديدا لا تجديدا في النصوص كما في قوله: (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديدا) - الإسراء 49، ولكن اللفظة وردت فيما يُنسب إلى الرسول قوله: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها)، والمشار إليه في هذا النص هو تجديد الفكر بعدما يكون قد أستفذ وسائل حجيته وإقناعه، ويُفهم منه تطوير مادة الإجتهاد كما قال بها السيوطي الذي ربط بين هذا الخبر ومعنى الإجتهاد، وتطوير مادة الإجتهاد معناه تغيير في مفاهيم الإستنباط بحسب الواقع وهذا يستلزم جدلاً نبذ التقليد وتبني الأفكار الجديدة التي يعمل بها العقل في وقته، وهذا لا يعني أبداً طرح الماضي كل الماضي بروحه وعقلانيته بل إستلهام تلك الروح وتلك العقلانية، ولكن في صيغة المجتهد وليس في صيغة المُقلد، ولو توصلنا إلى تلك الصيغة فإننا حتماً سننمي فكرة التغيير والتجديد، ليس في وسائل الإنتاج بل المادة المُنتجة، ولا نشك إن في تاريخنا جيل من دعاة التجديد كان منهم الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والشيخ صالحي نجف آبادي، كما كانت هناك تيارات احدثت موجة من الجدل يمكننا حسابها على فئة المجددين كالمعتزلة و القرامطة والبهائية وغيرهم، وهؤلاء عملوا في طريق التجديد مهتدين بالعقل وما صح من التراث، هؤلاء قرئوا التراث قراءة من وحي الواقع، وطبقوا ذلك على مفردات تاريخية بعينها فكانت النتائج مبهرة، وإني أستمد هذه الروح الخلاقة منهم وأحاول تطبيقها كمذهب فكري على عامة النصوص التراثية وحتى على نصوص الكتاب المجيد، فكانت النتيجة إيجابية توضحت في بحثنا عن - وقعة كربلاء -، وجعلتنا أكثر حيادية وإبتعاداً عن التطرف والغلو والتفريط، وإلزامتنا بالمنهج البحثي العلمي ولكن ذلك لم يشفع لنا عند ذوي النيات السيئة، مما أثاروا موجات من الجدل والردود من حولنا تبدت في افعال تحكم في القسط الأوفر منها العواطف والأوهام والغيظ، أوهام الذهنية النرجسية و أوهام السلفية الضبابية المتخلفة، المعادية لحركة الإصلاح والتجديد، حدث هذا من خلال الاستبدال والتغيير في بعض كتاباتي أو محاولة نسبتها إلى الغير، وحدث هذا حينما أتهمنا ــ بالسنوية ــ يوماً ما وذلك بعدما أصدرنا فتوانا المعروفة بجواز التعبد بمذهب أهل السنة، وحدث هذا في قولهم: إننا نحاول تخريب العقيدة وإفساد عقول الشباب وتشكيكهم في عقيدتهم .

ولكن في مقابل هذا الزيف ازدادت قناعة الجيل الجديد والمثقفين بالطرح الذي نتبناه على الصعيد التاريخي والفقهي والعقدي، وقد استجاب لذلك جمهور من الناس وابدوا شعوراً ينم عن قناعة وتصميم من أجل متابعة هذا الطرح، ومن جانب تصدى البعض من المخلصين لتعرية و إدانة ذلك السلوك الذي أتبعه المخالفين في كيديتهم وحقدهم، ومع إيمان أولئك الشباب الطامحين نحو التجديد والتغيير أزددت يقيناً وإيماناً بأننا إنشاء الله إلى صواب، ومن جانب أخر أزدادت قناعتي بأن مطالب الشباب في تغيير مباني العقيدة وإعادة النظر في مباني الشريعة حقيقية و ليست وهمية، أو مجرد هزات وعواطف إنما هي قناعات وإيمان وتوجه لمتابعة طريق التحرر .

إن أحداً لا يستطيع التنبؤ بمستقبل الدين إذا ظل الحال كما هو، وإذا ارتبطنا بالماضي ارتباط الظل بذي الظل، وإن الكلام الذي ندعوا به لفتح باب الاجتهاد في العقيدة والشريعة ليس ترفاً أو مماحكةً، بل يدخل في صلب عملية التجديد ولهذا كانت دعوتنا لإعادة تركيب وتبويب أدلة الاستنباط من جديد، أعني لا يجب الخلط فيها أو إعتمادها كما أتت من الماضي، بل يلزم التدقيق فيها كلاً على حدة وبواقعية ونظرة موضوعية لما هو ضروري ومنطقي ومعقول فيها، وهذا إن فعلناه فإننا سنكون قد بدأنا الخطوة الأولى في مجال التحرير الذهني والعقلي، وسنخرج من هيمنة العقل المثالي، وسنخرج أيضاً من ظلم الطبقية . والإستبداد وظلم التجهيل المتعمد

وفي هذا المجال نقول: - إن التمسك بالقراءة الماضوية لأدوات الإستنباط سيضر في فهمنا للواقع وكيف يجب أن نعيش فيه؟ -، فالقراءة الماضوية للدين وللتراث هي قراءة من وحي زمن الماضي، وهذا الزمن بمنطق وحساب الكتاب المجيد قد ولى - تلك أمة قد خلت -، ويكون إعتماد هذا الماضي في محاكمة الحاضر والتحكم فيه تجاسر وطوباوية وتخيل غير محمود، ذلك لأن للماضي أدوات فعله التي لا تصح للإستخدام في الحاضر، مهما حاولنا تطويع ذلك الماضي أو محاولة إدخاله كجزء من منظومة حياتنا الحاضرة، كما يجب التنويه لتلك النقلة التي حصلت في مجال العلم وفي الحاضر وقد غابت تماماً عن الماضي، هذه النقلة هي صناعة عقل الحاضر المختلف عن عقل الماضي، ولا يصح أبداً جعل العقل الماضي حاكماً كما لا يصح السماح له بذلك، فالقضية لا تدخل في الإيثار لأنها ليست قضية أخلاقية إنما هي قضية علم، وواقع يتحول ويتحرك بسرعة و في المجالات كافة، وفي هذا يجب أن نعترف بإن مشروعنا النقدي ينطلق ليواكب هذا التحول وهذا التحرك السريع، لأننا نريد تحديث وتجديد عقل الفرد وعقل المجتمع عقل الإنسان الذي هو غاية الحياة ومنطلق الحياة، وقد بينا ذلك في كتبنا التي نشرناها في مجال التاريخ والطبيعة والإنسان والدين، معتبرين العقل هو الدليل الدال على مشروعنا في التجديد والإصلاح .

*

وما دمنا نتكلم عن تجديد الخطاب والعقل معاً، فلابد أن نشير إلى تلك الجهود التي تبذل من مفكرين لقراءة الدين والتاريخ قراءة جديدة وقريبة إلى عقل الواقع، بحيث يتم من خلالها التخفيف من غلواء الماضي وهيمنته عبر سدنته التراثيين، وفي هذا المجال أدعو ومن منطلق الحرص لتظافر الجهود ونبذ الأشكال الصامتة والحالات السَكونية، والمساهمة في دفع عجلة تطوير المجتمع حتى يحقق ذاته موضوعياً وينتصر على أخطاءه جدلياً، وتلك غاية مشروعنا فيما نُسميه تجديدا أو إجتهادا أو إنتاجا معرفيا جديدا، إنها دعوى نأمل أن يُلتزم بها بالقدر الذي يجعل منها قاعدة تؤوسس لبناء غدا جديد ...

قرائتي هذه

هي قراءة في العقل الإسلامي في الأدوات والوسائل والمادة المنتجة للفكر، وفي هذا الطريق نحن نبحث عن الحقيقة التي هي ضآلتنا، ولا يهم أن كنا واضحين وصريحين في نقدنا للموضوعات التي أنتخبناها، وللعقل محل التجربة والمثال فكان نقداً للعقل الإسلامي (في حالة العقل الشيعي مثالاً)، أعني كتب الأخبار الشيعية ورجال الأخبار الشيعية ومنتجات العقل الشيعي، لإيماننا (بان الشيعة هم الإسلام في اللفظ والمعنى وفي التعبير عن التابعية للإسلام، إن نقد العقل الشيعي أو الإسلامي مهمته التمييز بين الحق والباطل في متبنياته وقواعده، وهدفنا كما هو معلوم إخراجه من دهاليز الانغلاق والأحكام القبلية، ومما يسهل من المهمة أن العقل الإسلامي يعتمد بدرجة كبيرة في إنتاجه للفكر على الأخبار وليس على الكتاب المجيد، لذلك كان لزاماً معرفة نوعية ودرجة ووثاقة هذه الأخبار، التي هي عنده أهم من الكتاب ومن نصوصه، وهذه ليست مبالغة بل هي الحقيقة أو الترجمة الحرفية لما هو مدون بالفعل في كتب التراث، إن تقييم الأخبار من جديد على ضوء كتاب الله وتطبيق العمل عليها وفقاً وبموجب قانون الموافقة والمخالفة لكتاب الله، كما يلزم رصد ومعرفة حال رواة الأخبار وطبقاتهم ووثاقتِهم وعلاقتهم بالحدث وصياغة الخبر شيء على غاية من الأهمية .

ولو أغفلنا ذلك فلا يكون - لنقد العقل الإسلامي – معناً يذكر، ولهذا وجدنا من الضرورة بمكان متابعة التمييز والفحص الدقيق لمصادر ومنابع هذا العقل، ونقدها بجرئة وبدليل منطقي مقبول .

ومن أجل التذكير بما تقدم نقول: لقد حاولنا في قرائتنا هذه التعريف بسُنة الرسول، وكذا التعريف بالكيفية التي تشكل فيها ما يسمى بعلم - أصول الفقه -، وقد نبهنا على معنى الاجتهاد المباح ومعنى الاجتهاد الممنوع من خلال التمثيل بفكرة التمتع بالرضيعة، كما ناقشنا فكرة البداء والرجعة والمهدي والمرجعية والتقليد، وبحثنا صحة أو عدم صحة أحاديث في أصول الكافي، وإنني لعلى يقين بأن هذه القراءة ستجد لها من الأرضية ما يجعلها مركز إلانطلاق نحو آفاق كشف المجهول والتصدي له وعلى المستويات كافة .

ولما كنا ننزعج من نسبة أشياء لأهل البيت وهي ليست لهم، فكان من الواجب تطهير ساحتهم من هذه الأشياء ومن نسبتها إليهم، و الإعلان عن عدم شرعيتها وصحتها، إن البقاء والإبقاء على الزيف المخادع ونسبته إليهم تحريف مرفوض للحقيقة، لهذا كان النقد مشروعاً إنسانياً أولاً وإسلامياً ثانياً، وهو في مجالي العقيدة والشريعة يُعد الحاجة الأهم والأغلى لأن من خلالها تتشكل القناعة ويتم البناء وتصحح المسيرة .

وأقول: إن هذا المؤلف هو واحد من مجموعة حلقات نأمل أن يساعدنا الرب على إتمامها وإنجازها، وهو بعد محاولة نستهدف من خلالها إزالة هذا التراكم الكمي للعقيدة والشريعة، وأنا واثق أنه سيأخذ مكانه الطبيعي المأمول في المكتبة العربية الإسلامية، لكي يساهم في حملة التوعية والتثقيف ضد مخاطر الجهل والتعليمية الملفقة ونظام التربية السكوني، وسيجعل من العقل الإسلامي في ساحة المواجهة والتساؤل والنقد، لأن ذلك باعتقادنا يكون المظهر الأكمل للقول المأثور بإثارَة دفائن العقول وتفعيلها وتحريكها .

وارجوا من القارئ العزيز أن يطالع هذا الكتاب بهدوء، ويتفاعل معه ويحكم عليه أو له ولكن ضمن معايير القراءة الموضوعية لقواعد الجرح والتعديل وبناءً وحصراً على ما جاء فيه، دون انفعال أو مقاربات ظنية كما يحلو للبعض القيام به، الكتاب ليس ترفاً أدبياً أو قصصاً رومانسياً بل هو في الصميم من مشاكلنا فلنسًتفق من رقدتنا فقد آن الآوان ...

(وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)

 

الشيخ إياد الركابي

 

 

abdullah badrhskandarتخضع وحدات قياس الأوزان لقانون يتميز من خلاله نوع المعايير المستخدمة في هذا النظام، كما هو الحال في وزن الأجسام المادية، بحيث لا تتأرجح كفة على حساب أخرى إلا بما يظهر ثقل أو أفضلية أحدهما ضمن عملية مقدرة دون زيادة أو نقصان، أما في حالة حصول ما يخالف هذا النظام فإن الأنظار ستوجه إلى التدخلات الخارجية التي يقوم الإنسان بصنعها بما لا يتناسب مع الضوابط المتفق عليها ضمن ترتيب يعلمه المختصون بهذا القانون.

وهذا النظام المصغر يعتمد في تشريعه على القانون الكوني الكبير باستثناء العبثية التي أشرنا إليها، باعتبار أن ما تحمله السماء من مكونات لا يمكن أن تستقيم إلا بخضوعها للقوانين الحسابية الدقيقة، وأنت خبير بأن حدوث الاختلاف في المعادلات الكونية سيؤدي إلى انتفاء أجزاء الكون مما يفضي إلى زوال الحياة في جميع الكواكب (إن وجدت) ولهذا يقول الحق تبارك وتعالى: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) الحجر 19.

والموزون: يعني المقدر من ناحية الطول والحجم، أو ما تحتاجه تلك الأشياء من مياه ونور ودرجات حرارة، وغير ذلك من المكونات التي تجعل النبات والجماد يؤدي وظيفته المخلوق من أجلها على أتم وجه، ومن هنا يظهر سبب قوله تعالى: (من كل شيء) بدلاً من أن يقول من كل نبات، ليشمل جميع المحتويات التي تتكون منها الأرض. وعند تأملنا لهذا النظام الدقيق نجده خاضعاً لعملية حسابية غاية في الدقة والتنظيم، كما بين ذلك تعالى في مطلع سورة الرحمن التي صدرها بتعليم القرآن عاطفاً عليه مجموعة من الآلاء التي أنعم بها على خلقه، ابتداءً من خلق الإنسان وتعليمه البيان، مروراً بالآلاء الحسية التي ذكر منها الشمس والقمر والنبات الذي لاساق له والشجر المعطوف عليه، وصولاً إلى رفع السماء ووضع الميزان.

من هنا يظهر أن العدل الإلهي هو الذي رمز له تعالى بالميزان ثم عطفه على تعليم القرآن وأنزل من أجله الكتب تفريعاً على بعث الرسل، ومن هنا ظهرت النكتة في قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) الحديد 25. وكذا قوله: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب) الشورى 17. فإن قيل: ما وجه تناسب ذكر الساعة مع الميزان؟ أقول: لا تقوم الساعة إلا إذا اختلفت موازين الأرض وانتشر فيها الظلم والجور، بحيث يصبح الخائن مؤتمن والفاسق مستشرف مما يؤدي إلى ظهور الفواحش ونقض العهود والمواثيق، حتى تلد الأمة ربتها، كما في الروايات المتفق عليها، عند ذلك يظن الإنسان أنه قادر على احتواء الأرض، كما أشار إلى ذلك تعالى بقوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) يونس 24.

وبهذا يتحصل أن الميزان الذي وضعه الله تعالى هو المقياس المعنوي للعدل الذي أمر سبحانه الناس أن يأخذوا به، بما يضمن سلامة الأرض التي وضعها للأنام، ولهذا فإنه (جل شأنه) يوجه الإنسان في حالات استعماله للعدل التشريعي إلى الوفاء بالكيل والميزان سواء كان ذلك مادياً أو معنوياً، كما في قوله تعالى: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها) الأنعام 152. وقوله: (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) الأعراف 85.

وبالإضافة إلى ما مر فقد حذر تعالى الإنسان من أن يميل سلباً في حالات الحكم وعند الشهادة، كما في قوله: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة 8. وقد قابل تعالى هذه الآية بالتزام العدل في الميول الايجابية، وذلك في قوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً) النساء 135.

وبناءً على ما سلف يظهر أن التناسب الدقيق الذي أشارت إليه سورة الرحمن يدلل على أن الموضع الذي ذكر فيه الميزان، يحمل العديد من اللطائف القرآنية، فقد بدأت السورة بالوزن المحكم الذي لا مثيل له سواء في الشعر أو النثر، وكما هو ظاهر في تقديمها تعليم القرآن على خلق الإنسان، وبعد ذلك أخذت بتعداد النعم والآلاء التي امتن بها تعالى على الإنسان، في أروع تقابل وألطف بيان، ثم أشارت إلى المتقابلات الحسية، بين الإنسان والجان والشمس والقمر، والنجم والشجر، وهذا النظام القويم الذي يربط الدنيا بالآخرة، نجده قد تمثل بالآلة التي تجعله لا يحيد عن الاستقامة وهذه الآلة (على تعبيرنا) هي الميزان الذي يرسم العدل الإلهي في أروع صوره المشابهة للخروج من القوة إلى الفعل، كما في قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان) الرحمن 7.

فإن قيل: لمَ وضع تعالى الظاهر موضع المضمر في الآيتين التاليتين لآية البحث؟ بتعبير آخر لماذا قال: (ألا تطغوا في الميزان) الرحمن 8. بدلاً من أن يقول: ألا تطغوا فيه، وقال: (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) الرحمن 9. بدلاً من أن يقول: ولا تخسروه؟ أقول: أراد تعالى في آية البحث مفهوم الميزان الذي تتفرع عليه المصاديق، كما قدمنا، أما في الآية الثامنة فأراد تعالى بالميزان النوعية المعرفية للتعامل بين الناس، وذلك ظاهر من تصدر الآية للنهي بعدم الطغيان في الميزان، أما الآية التاسعة فتشير إلى خصوصية المواد الموضوعة في الميزان، لذا اقتضى التكرار في اللفظ والاختلاف في المعنى، وبهذا يكون السياق المفصل نظير قوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً... وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً) الإسراء 105- 106. أي إن الله تعالى قد أنزل القرآن بالحق ونزل حاملاً لمنهج الحق.

 

عبدالله بدر السلطان

 

abdullah badrhskandar يذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله تعالى أخفى حقيقة الروح وجعلها مبهمة ولا يمكن لأحد الوصول إلى تفاصيلها وفهم مصاديقها ودليلهم في ذلك قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الإسراء 85. وهذا الدليل لا يمكن نعته بالضعف فقط بل هو باطل وحجته غير ناهضة، وقبل الخوض في الحديث عن الروح أود أن أشير إلى أن في القرآن الكريم مبهمات كثيرة لا يمكن الوصول إلى معرفتها بخلاف الروح الواضحة لأن المسيرة البشرية مليئة بالحجب والإنسان يسير في غفلة غير متناهية ولا يمكن أن يكتشف تلك الغفلة إلا بالرجوع إلى الله تعالى والابتعاد عن الموبقات وفي هذه الحالة لا يستدل على وجود الخالق بالمخلوقات أو على قاعدة الأثر يدل على المسير بل يستدل بالخالق على وجود المخلوقات نفسها، من هنا نعلم أن الحجب التي ليس بإمكاننا كشفها كثيرة ومتعددة والسبب في ذلك يتعلق في الغفلة التي تلازم الإنسان كما أسلفت ولا يمكن أن تنتهي هذه الغفلة إلا بالموت الذي يكشف الحجب التي تستر الإنسان بسبب بعده عن المهمة التي خلق من أجلها لذلك يشير تعالى إلى هذا الموقف بقوله: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق 22. وهذه الغفلة التي قرع الإنسان على أثرها قد أشار إليها تعالى  بقوله: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) الروم 7. وهذا أشد خفاءً من الروح فضلاً عن المغيبات التي إستأثر الله تعالى بعلمها كما أشار إلى بعض منها في قوله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت) لقمان 34.

 وهذه المغيبات التي ذكرت في سورة لقمان لا يعني أن الاستئثار يتوقف عندها فقط كما يعتقد البعض وأنت خبير من أن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه وإنما هذه المغيبات كانت رداً على سؤال وجه للنبي  (ص) ومن أراد الاطلاع عليه فليراجع أسباب النزول لأن الفترة التي نزل فيها القرآن لا يمكن للباحث أن يغفلها وإلا فإن فهمه للقرآن يترتب عليه ألف دليل ودليل فلا بد إذن من دراسة تلك الفترة بعمق لمن أراد الخوض في تفسير القرآن الكريم. ولطالما تطرقنا إلى هذه المغيبات لا أريد أن أناقشها لأن هذا يجعلنا نحيد عن موضوع البحث ولكن أريد أن أشير فقط إلى الأمر الذي يشكل على البعض والذي يثير لديهم التساؤل المتمثل بالعلوم الحديثة التي استطاع الإنسان من خلالها أن يتوصل إلى معرفة نوع الجنين وبالتالي فإن آية من آيات القرآن الكريم قد ألغي مفعولها ولا يمكن العمل بها حسب اعتقادهم.

 وفي هذه المناسبة لا يسعنا إلا أن نقول لهؤلاء إن الذي توصل لمعرفة نوع الجنين هو العلم الذي سخره الله تعالى لخدمة الإنسان وعندما يشاء الله رفعه فلا راد لحكمه كما يؤكد ذلك في قوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس) يونس 24. وقوله تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام... إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) الشورى 32- 33. من هنا يظهر أن ما حصل عليه الإنسان كان بتخويل منه تعالى فمرة يكون التخويل بالعلم التدريجي والاكتشافات البشرية ومرة يكون بنقل القدرة إلى الإنسان ليفعل ما يشاء ولكن ذلك الفعل يتوقف على الإذن منه تعالى كما حصل مع عيسى وأشار إليه تعالى بقوله: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرأً بإذني وتبريء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني) المائدة 110.

 وأيضاً حصل لإبراهيم ما يشابه ذلك. من هنا يتحصل أن كل هذا الذي تقدم أشد خفاءً من الروح التي نالت نصيباً من البيان أكثر من أي شيء آخر وقد سلط القرآن الضوء عليها وبمختلف الطرق والإتجاهات ولكن جهل بعض أهل العلم للغة القرآن الكريم يجعلهم يظنون أن قوله تعالى: "قل الروح من أمر ربي" هو الجواب الشافي دون تحليل وتمحيص لما يجب أن يستخلص من المعنى المتمم لمسألة الروح فقوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الإسراء 85. لو تأملناه بدقة وعرضناه على متفرقات القرآن الكريم لكانت النتيجة أن الأمر في منتهى الوضوح وعند استعراضنا لمراحل الروح نجد أن لها مصاديقاً كثيرة فمنها ما يرافق الملائكة كما في قوله تعالى:  (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) القدر 4.

 وكذلك قوله: (ينزل الملائكة بالروح من أمره) النحل 2. وأيضاً قوله: (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) النبأ 38. ولذلك وصف به جبريل توسعاً في قوله: (نزل به الروح الأمين) الشعراء 193. وهناك الروح الذي نزل لمريم (عليها السلام) كما في قوله : (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً) مريم 17. وقوله: (فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) الأنبياء 91. وقوله: (ومريم إبنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) التحريم 12. وهناك الروح الذي أيد به عيسى (عليه السلام) كما في قوله: (وأيدناه بروح القدس) البقرة 87. وقريب منه البقرة 253. والمائدة 110.

 وهناك الروح الذي يرافق المؤمنين كما في قوله: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) المجادلة 22. وأيضاً الروح الذي أوحي به إلى النبي في قوله: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى 52. ولو تأملت المراحل التي ذكرت الروح تجد الغالب فيها أن الروح من سنخ الأمر الذي مر عليك بيانه وعند استمرارنا في البحث نحصل على معنىً آخر للأمر يظهر من خلال الآيات التي أشارت إلى تعريفه كما في قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس 82. وهذا الأمر الذي تجسد بكلمة (كن) يبين أنها هي الكلمة التي أفاضها الله تعالى على الوجود ليتم من خلالها حصول الإرادة الإلهية دفعة واحدة دون توسط الأسباب الطبيعية ويؤكد هذا قوله: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر 50. وهذا الأمر بطبيعته لا يحتاج إلى العد أو لمح البصر وإنما يخاطبنا تعالى باللغة التي أنشأنا كلامنا فيها، وهذا يدل على نفي التدريج والحصول على مايشاء تعالى بكلمة كن على ما في تعبيرنا.

 أما الخلق الذي تتوسط به الأسباب الطبيعية يمكن أن يكون حصوله في زمان ومكان معينين ومن هنا لا بد من التفريق بين الخلق الذي توسطت به الأسباب الطبيعية والأمر الذي هو خلق أيضاً لكن دون توسط تلك الأسباب وقد جمعهما الله تعالى بقوله: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف 54.

من هنا يظهر أن الأمر لا يحتاج إلى الوسائط فهو بمنزلة المشرف على كلمة كن كما قال تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمران 59. فالمرحلة التالية لخلقه من تراب هي كلمة كن أي دخول الروح المجردة عن التدريج وقد أشرف عليها الأمر وقد مر عليك قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" وهذا الإشراف هو الذي أوجد لنا الخلق السريع أي بالدفعة التي انتصب بفعلها الكائن الحي وقد أخذ بالدخول الفعلي إلى الحياة فظهر بكل ما تقدم أن الروح هي من الأمر الذي أشرف على إيجاد الخلق كما قال تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) الحجر 29- ص 72. وهذا يدل على أن النبي (ص) لما سئل عن الروح كان الجواب الذي نزلت به الآية  قل "الروح من أمر ربي" أي إنه الإيجاد بالدفعة لا بتدخل الوسائط كما مر عليك في المراحل التي أشرنا إليها والتي بينت معنى الروح.

 

عبدالله بدر السلطان

 

ahmad alkinaniيثير سروش في هذا المقطع من المقال قضية الزمان في القران ليس على مستوى احداث يوم القيامة او التوقيتات الزمانية كالذي مرَ في عروج الروح والملائكة اليه في يوم مقداره خمسين الف سنة، وانما بشكل عام وعلى مدار نصوص القرآن يلاحظ عدم وضوح معالم الزمان في تلك النصوص، اذ لا وجه ثابت للزمان في القرآن ماضيه ومستقبله .

 ويمثَل سروش على ضبابية الزمان في النص المقدس ببدايات سورة البقرة وحوارية الله مع الملائكة في فجر الخليقة وانه جاعل في الارض خليفة واعتراض الملائكة على هذا القرار أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ثم تنتهي الحكاية بسجود الملائكة لآدم ... وهذا قبل خلق بني ادم وحكاية اغواء الشيطان لهم .

لكن فصول هذه القصة تأخذ رونقا اخرا في سورة الاعراف، وبمرور الزمان تأتي الايه 11 لتقول: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس لم يكن من الساجدين ...وهنا يقع التهافت بين سجود الملائكة في سورة البقرة لآدم قبل خلق الادميين وبين سجودهم في سورة الاعراف بعد خلق بني آدم وتصويرهم .

هذا التهافت وقف عنده المفسرون وكل دلى بدلوه للخلاص من هذا المأزق، لكن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع بسبب اعتقادهم بتاريخية وواقعية قصة الخلق هذه، وواقع الحال ان الزمان في هذه الاسطورة امر تصوري وخيالي ولا مدخلية له في الزمان الواقعي اذ لا سنخية بين زمان الرؤيا وزمان الواقع .

شاهد آخر على عدم وضوح الترتيب الزماني نلاحظه اواخر سورة المائدة في حوارية الله مع اليسوع : واذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب ... قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا .

يشير سروش عابرا الى ان لغة الحوارهذه يحدث فيها تحول في الزمان من الماضي ذهابا الى المستقبل، ولم يفصَل كثيرا في هذا الانقلاب الزماني رغم اهميته، اذ ربما يقال ان الالتفات في الخطاب والتحول في زمان الخطاب امر وارد في لغة العرب ونظائره كثيرة جدا في نصوص القرآن حيث جعل من شواهد الاعجاز البلاغي، لكن الامر هنا مختلف جدا مما انعكس على فهم المفسرين لهذه الحوارية الغريبة والانتقال السريع الى الحديث عن يوم ينفع الصادقين صدقهم، ولم يكتف المفسرون بذكرهم انها جملة مستأنفة لا علاقة لها بما قبلها وينتهي الموضوع على هذه الشاكلة كما فعل بعضهم، لانهم مدركون انها جزء الحوار وسياق متصل بين الحوار ونتيجة الحوار .

شاهد ثالث على غياب الزمان والمكان معا هذه المرة في النص المقدس، ايات العهد والميثاق الالهي، او ما يسمى في المرويات والاحاديث بعالم الذر :

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ . الاعراف 173

هذه الايات من عجائب ما ورد في النص القرآني ومن عويص الكلام، اذ ان الاله وفي مكان وزمان مجهولين يطلب من بني ادم وهم لازالوا نطفا في ظهور آبائهم بالقرار والاشهاد بربوبيته عليهم ألست بربكم، وهم في تلك الحالة يقرون ويشهدون بالاثبات بلى شهدنا، والظاهر ان مكان الاقرار والاشهاد هذا هو في الرؤيا، وعالم الذر هذا عالم الارواح لأن صريح الروايات تشهد بحضور بني ادم وسماعهم لنداء الحق بروحهم وتلبيتهم للنداء بلغة القلب .

وليس من العجب ان يتحدث المفسرون عن لغة الرمزية والخيال في تفسير هذه الاية، وضروب من الاحتمالات، ثم يتركونها لظلمة التاريخ .

يقول جار الله الزمخشري في تفسير الكشاف 2/530 ط1 ( مكتبة العبيكان ) :

" قوله : ألست بربكم قالوا بلى شهدنا : من باب التمثيل والتخييل! ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم، وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقررهم، وقال لهم : ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا : بلى، أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا، وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب، ونظيره قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون، فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين" .

لكن الطباطبائي في الميزان وعلى نهجه في تسلق سلم الفلسفة هناك في عالم مقدم على عالم الانسانية حيث زمان ومكان وراء المادة تحقق فيه الاقرار والاشهاد الواقعيين لا التخيليين، بعد تفصيل طويل الذيل حول معنى اخذ الرب من بني ادم من ظهورهم وكيفية انفصال بني الانسان عن بعضهم البعض واستقلالهم بعد ان كانوا جزء منهم، ثم يلخص فهمه لاية العهد والميثاق بقوله :

"  معنى الآية أنا خلقنا بني آدم في الأرض وفرقناهم وميزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد، وأوفقناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنك ربنا، وعلى هذا يكون قولهم: «بلى شهدنا» من قبيل القول بلسان الحال..." .

اما الفخر الرازي فيختار طريقا ثالثا وهو وجود الارواح قبل الاجساد لكن من دون الدخول في التفاصيل . يقول الفخر : " وفي الآية قول ث