عبد الجبار العبيديالرحلة معقدة، والايمان بها بحاجة الى تثبيت بدليل.. فالمحاورة بشك لا تعني الكفر والألحاد، الا من وجهة نظر المتخلفين..

كانت جدلية فلسفة عودة الروح بعد الموت في اعتقاد قدماء المصريين، هي عودتها للحياة مرة اخرى بعد الموت عندما تنفصل من الجسد وتبقى تحوم حوله حتى يؤذن لها بالعودة.. ولكن من يؤذن لها.. وكيف؟.. لا نص ثابت فيه.. بل كانوا يعتقدون ان الروح غير النفس.. فالنفس هي التي تموت وتبقى الروح حية هكذا كتبوا في بردياتهم.. وهذا ما أورده القرآن الكريم ايضاً حين قال تعالى: "كل نفسٍ ذائقة الموت "آل عمران 185"ولم يقل كل روح.. لان النفس" قضاء مُدرك والروح وجود غير مدرك" 1، والفرق بينهما كبير.. لذا كانوا يدفنون مع الميت مسلتزمات العودة من طعام وشراب.. عدها البعض نوع من معتقداتهم السحرية المعروفة عندهم..

وفي الحضارة العراقية القديمة كان المعتقد الديني وهمياً ولا عودة للروح بعد الممات.. فالعراقيون القدماء لا دين لهم معين، ولا يؤمنون بحياة اخرى بعد الممات سوى التصورات.. من هنا اتجه فكرهم نحو شرائع القوانين الدنيوية.. فكان الابداع الحضاري بدلا من المخاصمات الدينية.. لذا ظل الفكر العراقي من اكثر الافكار في الشرق القديم ربطاً للظاهرة الفكرية ان هي توفرت له في جو الحرية والامان.. وفي عهد حمورابي (ت1790 ق.. م) عندما كتبت القوانين وسلمها للآله المجهول "آله الشمس.. " الوهمي.. اصبح الفكر مطلقا لكنه ربط القانون بظاهرة صحية زادت من قيمته معرفياً.. لتحقيق العدل بين المواطنين.. فكان أهتمامهم بحياة الأنسان أفضل من الأهتمام بأخرته.. هنا كان سر التقدم..

أما المسيحية فتعتقد بعودة المسيح بعد ان صلبوه.. لكن القرآن ينفي هذا التوجه، لأنه اصلا هو لم يمت وانما رفع الى السماء..، النساء 157-158 ).. وتشاركهم في الرأي فرق الشيعة الأمامية من المسلمين حين تعتقد بظهور المهدي بن الحسن العسكري (بعد غيبته والذي سيظهر في اخر الزمان ليملأ الارض عدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا.. وكأن لا احد يستطيع تحقيق العدالة الا بظهوره.. فلسفة تخريفية ميتة..

اعتقاد سطحي ووهمي عند الطرفين ً.. لا يستند على دليل.. بنص انجيلي او قرآني.. لكن الفرق ان الشيعية حسب نظرية ولاية الفقيه عندهم تعتقد بالعودة.. "ليملأ الأرض عدلاً بعد ان مُلئت ظلماُ وجوراً " نظرية مستحيلة التحقيق خاصة في ظل من يؤمنون بها وهماً لا صدقاً.. لانهم لو يؤمنون بالانسان وحقوقه لانتجوا دولة تحميه من الشرور.. لذا ادرك المرحوم الصدر مؤسس حزب الدعوة الحقيقة فاراد العودة للاصول والتخلص من عصر النصوص.. "انظر كتاب الفقيه والسلطان لوجيه كوثراني.. ص16.. وكتاب المعالم الجديدة للاصول للصدر،ص54..

 ان صورة هذا الاعتقاد عند الأثنين "المسيحية والشيعة" تتنافى وقول القرآن الكريم.. :" ونُفخَ في الصورِ فصُعقَ من في السماواتِ ومن في الأرضِ الا ما شاءَ الله ثم نُفخَ فيه أخرى فأذا هم قيامُ ينظرون، الزمر آية 68"

يقول العلماء في نظرية العقل والقياس " لا سعادة حقيقية من دون التمسك بالقداسة، ولا قداسة حقيقية من دون التمسك بوصايا الله للانبياء والرسل.. ولا وصايا ان لم تحقق للانسان العدالة بأيمان.. منطق فلسفي رائع.. وكلام جميل، ولكن هل التزموا وحققوا ما جاءت به الوصايا ؟ اقول وبثقة.. لا..؟.. لأننا لم نلتزم بما فرضته الحياة علينا من قيم ومُثل ومبادىء وأيمان.. ليس المهم ان يكون الايمان دينيا.. بل المهم ان يكون انسانيا لكل بني الانسان.. فالوحي لا يناقض العقل ولا يناقض الحقيقة التي هي أثبات الشيء بيقين.. لكن يبدو ان اصحاب الديانات السماوية ما زالوا وهميين في الاعتقاد والعقيدة لنقضهم نظرية التطبيق.. في العدل والقانون..؟

علينا ان نصحى من رقادنا الأبدي فلا يمكن للرسل والانبياء ان يشتركوا مع الله في معرفة المصير.. معرفة نتائج النص في الأيمان الا بالتطبيق، لان الانبياء جميعا لا يعلمون الغيب ولم يكونوا معصومين من الخطأ في القول والتطبيق..، يقول الحق: " لو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسني السوء، الأعراف 188 " ويقول الحق في العصمة "يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.. المائدة 67" فالعصمة في الرسالة وليس في الرسول.. .. فقيامنا وقيامهم ضمان اساسي لمعرفة نتائج الأختبار.. وعودة الحياة بعد الصور المجهول ما هي الا ما اوصى به الانبياء والرسل للناس لتصبح حقيقة عقيدية ثابتة لا تحتاج الى كهنة ورجال دين هنا يسقط حق وجودهم بين الناس كمقدسين لأنهم غير مخولين بالفتوى على الناس.. لذا فلا مرجعية دينية في الاسلام على طريقة رجال العهد القديم.. فالمرجعيات الدينية اليوم عرقلة في التقدم والتحديث بعد ان اشتركت في شرعنة اخطاء المصير، هنا كل ما قيل ويقال اراء وهمية لا تتفق وعقلية التقدم مع صيرورة الزمن للانسان..

نحن لم نرَ العودة بعد الممات التي بشر بها القرآن الى اليوم.. .. مجرد قصص قرآنية جاءت من الجزء المتغير من تراكم الاحداث حتى أصبحت حقيقة تكهنات بأيمان.. يقول الحق :"نحن نقص عليك نبأهم بالحق، الكهف 13".. لذا فهي مجرد قصص، لذا منا من صدقها.. ومنا من يقف منها موقف الحيرة والتردد في التصديق.. بعد ان مرَ الانسان بمرحلة الظلم دون رادع له ببرهان ولا زال.. فاذا لم يحصل الصور في أي زمان ستبقى البشرية تنتظر المخلص المسيح او المهدي المنتظر او اي أمل ببرهان.. لذا لازال البعض يعتبرها أختبار روحي تقربنا الى الله.. سواءً كانت حقيقة او وَهمُ بأيمان.. هنا يصبح الدين عرقلة لاتقدم فيه للانسان..

ونحن نقول لا مسيح يعود، ولا مهدي منتظر يظهر ويسود.. يقول الحق: "حتى اذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.. ..،يونس 24".. فاين المسيح والمهدي من ظهورهما.. ؟

انا شخصيا لا زال النص في فكري وَهم وايمان وهو لم يتحقق بعد.. ولازالت الخطايا تلاحقنا.. رغم اننا نحب الحق والعدل وانسانية الانسان.. فقيام الصور والحساب هو البرهان الأكيد للغفران لمن يستحقة بأثبات الأيمان.. شرط ان لا يتحكم فينا رجل دين ناكر لقيم الأيمان.. لص باموال الانسان.. كما نرى اليوم رجال مؤسسة الدين عبيدا لسلطة السياسة والمال واللاأيمان.. كفاية لقد قتلوننا ودمروا مستقبلنا ونحن لا زالنا نلطم وننوح.. ؟

اعتقد وبأيمان مطلق ان لم يتحقق ما جاء به النص.. فحياتنا جهل وضياع.. ان لم نتمتع بحياتنا دون قيد من نص، فالحياة الرديئة كالعملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة في الأسواق.. اي تطرد الأخلاق الجيدة في التعامل مع بني الأنسان..

عندما يكون الانسان عزيزاً في نفسه، فكل شيء يتعلق به يكون عزيزا ايضاً من اجل خاطره ورفعة مكانته بين الناس.. فأن الله ما خلق الانسان ليكون عبدا له بل ليكون من عباده الصالحين.. لذا فهناك فرق بين العبودية والعبيد.. من هنا نحن نرفض المذلة والاهانة والعيش الرديْ ليسود الحاكم الظالم بأسم الدين..

هكذا يقول شبنكلر "ت1936" الفيلسوف البريطاني في فلسفة الحياة.. التي عد الفضائل والمكارم الآلهية للانسان هي من صنع الله وهي ان تمسك بها الانسان يكون الخلاص من الخطايا والذنوب بتطبيق.. وحتى اذا لم تتحقق القيامة التي ينادون بها غداً.. ان تمسك بها الانسان سيكون الفريد في فكره وحياته.. اذن كم هي ارادة الله رائعة لبني الانسان..

تقول المسيحية بهذ الخصوص في" مجلة اذكر خالقك ص15" : ان الاعمال الصالحة وحدها لا تنجي الانسان من الخطأ.. بل الذي ينجيه هو الايمان بوصايا الله العشر دون نقصان.. فكسرِ واحدة منها يعني انك كسرتها جميعا من وجهة نظر العدل في الميزان.. فالقسم ايمان.. وحنث اليمين نقصان.. فأذا تكلمت كن متكلما بفكر الله وبشعور الله وكيف اراد الله لك الخير ومحبة الأوطان مثلما اراده لكل الناس.. فكيف اذا أخَليتَ بشروط التكليف.. فأنت ليس مفضلا من بينهم ساعتها ستشعر انك لم تؤدي ما اراده الله منك.. فلا يهمك ان حييت او مت بلا عودة الرحمان.. ان أشد ما يغيظ الله هي خيانة الاوطان "سورة التوبة الآية 43،120".. فالانبياء ما جاؤا ليُخلقوا أكاسرة على الناس.. بل جاؤا ليقهروا الباطل بالحق.. فلتفهم مؤسسة الدين كيف تفكر وكيف تعتقد.. فالعقيدة تطبيق بأيمان..

ويقول ارنولد توينبي الفيلسوف البريطاني (ت 1975 م) في نظريته التحدي والاستجابة ان الله منحك العقل به لتتحدى الصعاب وتستجيب للممكنات بسلطان العقل وبعدالة القانون.. لا بقوة سلطة الانسان وعقلية الوهم في المعتقدات.. فاذا عملت بما اراده عقلك وبما اوحى لك به الله فانت والانبياء في مورد واحد.. حين ترضي نفسك والناس.. ساعتها لا يهمك الصور فانت فيه ابداً.. فلسفة ربانية لم تعمم في مناهجنا الدراسية ليُخلق منا الأنسان صاحب العرفان.. فالجنة والنارما هي الا صفات رمزية لتحقيق الايمان.. وليس للتمتع بحور العين وما ملكت ايمانهم والقوارير والغلمان..

تعلمت من قراءة النص المقدس ان فلسفة الحياة تكمن في التعليم المُنفتح الصحيح، لان التعليم المُضل يصيب الناس في ارواحها واجسادها بالعقم والتكاسل.. فاذا اردت ان تقود وطن اصنع له تعليما يتفق وحضارة الانسان.. لكن مع شديد الاسف نحن ما زلنا نرى هذا الخطر العظيم يهدد وطننا كما كان في عصر السلاطين.. من اخطاء خدم الدين المُهلكة للناس والمجتمع دون رادع من ضمير او ايمان.. ..

نحن نريد ممن يدعون النص باليقين ان يكون لنا دين وحقوق بلاتفريق.. وغفران لنا بتأكيد.. وخلاص من الماضي بتجديد.. وسماء مصابيحها تضيئ للجميع.. ودين بدون منَة حتى من رب العالمين، وليس أستجداءً بالأدعية الممُلة للأنسان.. فلا فرق بيننا وبينهم بنظريات التقديس والمعرفة والعرفان.. لا ان مضى علينا 1400 سنة ونحن لازلنا نرمي الشيطان بالحجر.. ولا ادري هل للشيطان في مكة بيت من حديد لا يقاوم.. ؟.. ساعتها سيكون النص مقدسا يستحق الايمان.. فنحن نكتب من منهج معرفي اصيل يقول : ان حرية التعبير عن الرأي وحرية الاختيار، هما اساس الحياة الانسانية في الاسلام.. .. كفاية تخريف فقد قتلتنا الردة..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

.......................

ملاحظة مهمة : (1)

الفرق بين القضاء والقدر والسحر والشعوذة: القضاء هو حركة انسانية واعية بين النفي والاثبات.. بينما القدر هو الوجود الحتمي للاشياء.. اما السحر فهو مشاهدة الظاهرة بالحواس دون فهم القوانين التي تحمكم الظاهرة.. لم يفهوننا الفقهاء هذا المعنى.. فبقينا في تيه الفكر والتخمين في هذا الزمان..

اليوم ورغم كل الدراسات الاسلامية في العالم الاسلامي لم تستطع ان نضع نظرية اسلامية في المعرفة الانسانية مصاغة صياغة معاصرة لتعطينا منهجا في التفكير العلمي.. لذا ادى بنا الفكر الوهمي الذي صاغته المذاهب الأجتهادية ومرجعيات الدين الى كيل الاتهامات والالحاد لكل فكر نير يطالب بالمنهج المعرفي الصحيح.. هنا كان مقتلنا.. ولا يزال.. ؟

 

منى زيتونيحكي لنا المؤرخون عن محنة طويلة استمرت لسنوات، جرت للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري؛ شيخ المفسرين والمؤرخين والعالم بالقراءات ‏وصاحب الكتب في أصول الفقه وفروعه، مع الحنابلة؛ بسبب موقف الطبري من الإمام أحمد بن حنبل في ‏كتاب اختلاف الفقهاء، وإنكاره ‏لعقيدة الإقعاد –حيث يفسر الحنابلة آية المقام المحمود بأن الله تعالى يقعد النبي صلى الله عليه وسلم على العرش يوم القيامة-،‏ إضافة لتصحيح الطبري لروايات حديث غدير خُم. جرت وقائع المحنة بعد رجوع الطبري ‏لبغداد من طبرستان للمرة الثانية أي بعد سنة 290 هـ، ‏حتى منعوا دفنه في مقابر المسلمين عندما مات ‏سنة 310هـ. ‏

ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج7، ص8-9)‏ عن الطبري قال: "وفي هذه السنة –‏يقصد 310هـ- توفي محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ‏ودفن ليلًا بداره لأن العامة –يعني الحنابلة- اجتمعت ومنعت من ‏دفنه نهارًا وادعوا عليه الرفض، ثم ‏ادعوا عليه الإلحاد، وكان علي بن عيسى –الوزير- ‏يقول: "والله لو سُئل هؤلاء عن معنى الرفض ‏والإلحاد ما عرفوه  ولا فهموه". هكذا ذكره ‏مسكويه صاحب تجارب الأمم، وحاشى الإمام عن مثل هذه ‏الأشياء، وأما ما ‏ذكره من تعصب العامة فليس الأمر كذلك وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ‏ووقعوا ‏فيه فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب وهو أن الطبري جمع كتابًا ذكر فيه اختلاف ‏الفقهاء لم يصنَّف مثله، ‏ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك فقال: لم يكن ‏فقيهًا، وإنما كان محدثًا، فاشتد ذلك على ‏الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، ‏فشغبوا عليه وقالوا ما أرادوا"‏أهـ‏.‏

وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص849) في ترجمة الطبري، قال: "ودُفن في داره؛ ‏لأن بعض الرعاع من عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهارًا، ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه ‏بالإلحاد، وحاشاه من ‏هذا ومن ذاك أيضًا، بل كان أحد أئمة الإسلام في العلم بكتاب الله وسُنة رسوله، ‏وإنما ‏تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود، حيث كان يتكلم فيه ويرميه ‏بالعظائم ويرميه بالرفض"‏‏.‏ كما ‏ذكر الخبر ابن الجوزي في "المنتظم"، وثابت بن سنان في "تاريخه"، ومسكويه في "تجارب الأمم"، ‏والذهبي في السير، وغيرهم.‏

فكانت بداية محنة الإمام معهم هو ما افتراه عليه أبو بكر محمد بن داود الظاهري. وكان الطبري قد ‏تلقى فقه الظاهرية مدة على يد أبيه داود بن علي الأصبهاني رئيس أهل الظاهر ببغداد، ثم تخلف عنه ‏وعقد لنفسه مجلسًا. ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص100). ثم جرت بين داود الظاهري ‏وبين الإمام الطبري مناظرة كبيرة، وصنَّف الطبري كتابًا أسماه "الرد على ذي الأسفار" يعني داود ‏الظاهري، نتج عنه أن صــنّف أبو بكر محمد بن داود كتابًا في الــرد على الطــبري أسماه "الانتصار من ‏محمد بن جرير الطبري"، ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص110). وذكر ياقوت الحموي ‏في "معجم الأدباء" (ج6، ص2460-2461) الواقعة بحذافيرها. قال: "ومن كتب الطبري المسمى "كتاب الرد على ذي ‏الأسفار" يرد فيه على داود بن علي الأصبهاني، وكان سبب تصنيف هذا الكتاب أن أبا جعفر كان قد ‏لزم داود بن علي مدة، وكتب من كتبه كثيرًا، وكان داود بن علي قد أخذ من النظر ومن الحديث ومن ‏الاختلاف ومن السُنن حظًا ليس بالمتسع، وكان بسط اللسان حسن الكلام متمكنًا من نفسه، وله ‏أصحاب فيهم دعابة قد تمكنت منهم حتى صارت لبعضهم خلقًا يستعمله في النظر لقطع مخالفيه، ‏وكان ربما ناظر داود بن علي الأثبات في المسألة في الفقه فيراه مقصرًا في الحديث فينقله إليه، أو ‏يكلمه في الحديث فينقله إلى الفقه، أو إلى الجدل إذا كان خصمه مقصرًا فيهما، وكان هو مقصرًا في ‏النحو واللغة وإن كان عارفًا بقطعة منه، وكان أبو جعفر مليًا بما نهض فيه من أي علم كان، وكان ‏متوقفًا عن الأخلاق التي لا تليق بأهل العلم ولا يؤثرها إلى أن مات، وكان يحب الجد في جميع أحواله، ‏وجرت مسألة يومًا بين داود بن علي وبين أبي جعفر، فوقف الكلام على داود بن علي، فشق ذلك على ‏أصحابه، وكلَّم رجل من أصحاب داود بن علي أبا جعفر بكلمة مضة، فقام من المجلس وعمل هذا ‏الكتاب، وأخرج منه شيئًا بعد شيء، إلى أن أخرج منه قطعة نحو مائة ورقة، ثم قطع ذلك بعد ما مات ‏داود بن علي. ثم تعرض محمد بن داود بن علي للرد على أبي جعفر فيما ردَّه على أبيه، فتعسَّف الكلام ‏على ثلاث مسائل خاصة، وأخذ في سب أبي جعفر، وهو كتابه المنسوب إلى الرد على أبي جعفر ابن ‏جرير. قال أبو الحسن بن المغلس، قال لي أبو بكر ابن داود بن علي: كان في نفسي مما تكلم به ابن ‏جرير على أبي، فدخلت يومًا على أبي بكر ابن أبي حامد، وعنده أبو جعفر، فقال له أبو بكر: هذا أبو ‏بكر محمد بن داود بن علي الأصبهاني، فلما رآني أبو جعفر وعرف مكاني رحَّب بي وأخذ يثني على أبي ‏ويمدحه، ويصفني بما قطعني عن كلامه"أهـ. ‏

وإذا عرفنا أنه فوق هذا اللقاء بين الرجلين، أن أبا بكر بن داود بن علي الأصبهاني قد مات سنة ‏‏297هــ، أي قبل الإمام الطبري بثلاث عشرة سنة سندرك وجود سبب آخر لبدء ثم استمرار محنة ‏الطبري مع الحنابلة؛ ذلك أنه كان هناك أبو بكر ثانٍ بينه وبين الطبري منازعات، ‏وهو أبو بكر –واسمه عبد الله- بن أبي داود السجستاني الحنبلي، وأبوه الإمام أبو داود السجستاني ‏صاحب السُنن وهو تلميذ الإمام أحمد. قال السبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص294) عن أبي ‏داود "أحمد شيخه، ويقال إنه عرض عليه كتاب السُنن فاستحسنه"، مما يفسر غضب ابنه لعدم ذكر ‏الطبري لأحمد بن حنبل في كتاب "اختلاف الفقهاء" – وإن كان أبوه نفسه محدثًا كأستاذه الإمام أحمد ‏وليس فقيهًا-.

ويبدو أنه كان أيضًا من أهم أسباب الخلاف بين الطبري وابن أبي داود السجستاني هو ‏تفسير الطبري للمقام المحمود بالشفاعة، بينما كان أبو داود السجستاني من مروجيّ عقيدة الإقعاد، ‏ويظهر اسمه ضمن رواة أحاديثها في كتاب السُنة لأبي بكر الخلال. روى ياقوت الحموي في "معجم ‏الأدباء" (ج6، ص2450) عن محنة الطبري مع الحنابلة "وقصده الحنابلة –أي الطبري- فسألوه عن ‏أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة، وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أبو جعفر: أما أحمد ‏بن حنبل فلا يُعدّ خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما رأيته رُوي عنه، ولا رأيتُ له ‏أصحابًا يُعوَّل عليهم، وأما حديث الجلوس على العرش فمحال"أهـ.‏

إضافة لذلك كانت هناك عداوة شخصية بين الطبري وأبو بكر السجستاني -الذي كان مشهورًا ‏بالنصب وبغض الإمام علي- بسبب تصحيح الطبري لحديث خُم والذي كان ابن أبي داود يكذبه في ‏مجالسه ببغداد نكاية في الشيعة، بل ويكتب الأشعار في ذلك، وفقًا لرواية ياقوت في "معجم الأدباء" ‏‏(ج6، ص2464). ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج14، ص274) في ترجمة الطبري نقلًا عن ‏أبي محمد الفرغاني تلميذ الطبري "ولمّا بلغه –أي الطبري- أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث غدير ‏خُم، عمل كتاب "الفضائل" فبدأ بفضل أبي بكر، ثم عمر، وتكلم على تصحيح حديث غدير خُم، واحتجّ ‏لتصحيحه، ولم يُتم الكتاب". قال الذهبي (ج14، ص277)  "جمع –أي الطبري- طرق حديث غدير ‏خُم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. وقيل لابن جرير: إن أبا ‏بكر بن أبي داود يُملي في مناقب علي. فقال: تكبيرة من حارس. قال الذهبي: وقد وقع بين ابن جرير ‏وبين ابن أبي داود، وكان كل منهما لا يُنصف الآخر، وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود، ‏فكثّروا وشغّبوا على ابن جرير، وناله أذى، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى"أهـ. وأعاد الذهبي القصة ‏بتفصيلات في ترجمة أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (ج13، ص230): "قلتُ –أي ‏الذهبي-: كان –يعني ابن أبي داود- شهمًا، قوي النفس، وقع بينه وبين ابن جرير، وبين ابن صاعد، ‏وبين الوزير ابن عيسى الذي قرّبه. قال محمد بن عبد الله القطّان: كنتُ عند ابن جرير، فقيل: ابن أبي ‏داود يقرأ على الناس فضائل الإمام علي. فقال ابن جرير: تكبيرة من حارس. قلتُ –أي الذهبي-: لا ‏يُسمع هذا من ابن جرير للعداوة الواقعة بين الشيخين"أهـ.‏

وأقول: بل يكفي أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، الذي شنَّع على الإمام الطبري، أن أباه الإمام أبا ‏داود قال عنه إنه كذاب، وليس بعجيب أن ينتمي إلى هذه العصابة، ويسيء إلى شيخ المفسرين وشيخ ‏المؤرخين والفقيه والعالم بالقراءات، الطبري. روى الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص227-‏‏228) في ترجمته "وقد ذكره أبو أحمد بن عدي في "كامله" -الكامل في الجرح والتعديل-، وقال : لولا ‏أنا شرطنا أن كل من تُكلم فيه ذكرناه لما ذكرت ابن أبي داود. قال: وقد تكلم فيه أبوه، وإبراهيم بن ‏أورمة –وهو صديق أبيه-، ويُنسب في الابتداء إلى شيء من النصب. ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى ‏واسط، ثم رده الوزير علي بن عيسى، فحدّث، وأظهر فضائل علي رضي الله عنه، ثم تحنبل فصار ‏شيخًا فيهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث. وأما كلام أبيه فيه، فلا أدري أيش تبين له منه؟ وسمعت ‏عبدان يقول: سمعت أبا داود يقول: من البلاء أن عبد الله يطلب القضاء. قال ابن عدي: أنبأنا علي بن ‏عبد الله الداهري، سمعت أحمد بن محمد بن عمرو كُركُرة، سمعت علي بن الحسين بن الجُنيد، سمعت أبا ‏داود يقول: ابني عبد الله كذاب. قال ابن صاعد: كفانا ما قال فيه أبوه. قال ابن عدي: سمعت موسى ‏بن القاسم الأشيب يقول: حدثني أبو بكر، سمعت إبراهيم الأصبهاني -ابن أورمة- يقول: أبو بكر ابن ‏أبي داود كذاب"أهـ. ثم يكفي ابن أبي داود فوق ذلك البهتان الذي رمى به سيدنا علي بن أبي طالب، وافترى نسبته إلى الزُهري، ‏وكاد يقتله لأجله أمير أصبهان بعد أن شهد عليه الشهود، ثم قولته الشهيرة الفاجرة: إن صح حديث ‏الطير –وهو في فضائل علي- فنبوة النبي صلى الله عليه وسلم باطلة! ونبوة محمد صحيحة صحّ الحديث أو لم يصح. ‏روى القصتان الذهبي في ترجمته في "السير" (ج13، ص229- 232).‏

‏ والحنابلة المحدثون يتحايلون لتبرئة أسلافهم، بالادعاء أنهم قد خلطوا بين الإمام ابن جرير ‏الطبري وبين طبري آخر من أئمة الشيعة، وكأن ابن جرير الطبري هذا كان نكرة لا يُعرف، بل هو من ‏أكابر أئمة المسلمين في وقته وفي كل وقت، ثم إن دخوله بغداد المرة الثانية التي استقر بها فيها إلى ‏أن مات كان سنة 290هـ، ووفاته بعدها بعشرين سنة في 310هـ على أرجح الأقوال، وقيل بعد ذلك، ‏فهل بقي أمره مخلطًا على أكابر الحنابلة حتى يغروا به سفهاءهم عشرين سنة؟! وأيًا كانت الأسباب، ‏فهذا لا يمنع من تحقق سوء رأي الطبري فيمن يسمون أنفسهم بالحنابلة بدءًا من أواخر القرن الثالث ‏وأوائل القرن الرابع ويدّعون انتسابهم لأحمد، مع حسن رأيه في الإمام أحمد رغم تصنيفه له كمحدث ‏وليس كفقيه. ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (ج13، ص217) في ترجمة الإمام أبي جعفر الطبري ‏قوله –أي الطبري- عن الحنابلة: "لا عصابة في الإسلام كهذه ‏العصابة الخسيسة". ‏وعلّق ابن الجوزي ‏‏–وهو حنبلي- بقوله: "وهذا قبيح منه، لأنه كان ينبغي أن يخاصم من خاصمه، وأما أن يذم طائفته ‏جميعًا، وهو يدري إلى من ينتسب فغاية في القبح"أهـ. وأقول، إن في تعليق الإمام ابن الجوزي تغافل ‏عما فعلته تلك العصابة بتمامها –وليس واحد منها- ضد الإمام ابن جرير الطبري. ‏

وقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص 818) في أحداث سنة 309هـ "وفي ذي ‏القعدة أُحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله إلى دار الوزير علي بن عيسى لمناظرة الحنابلة ‏في أشياء نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحد منهم"أهـ.‏

وذكر المؤرخون أنهم كانوا يترصدون بجوار بيته يتكلمون في حقه ليمنعوا طلبة العلم من الدخول ‏عليه. ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص 847) ‏"وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبي بكر ‏محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه طالع "التفسير" لابن جرير في سنين من أوله إلى آخره، ثم قال: ما أعلم ‏على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة. وقال لرجل رحل إلى بغداد يكتب الحديث ‏عن المشايخ -ولم يتفق له سماع من ابن جرير؛ لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد- فقال: ‏لو كتبت عنه لكان خيرًا لك من كل من كتبت عنه"أهـ.‏

والخبر ذكره الذهبي في ترجمة الطبري في "السير" (ج14، ص272) بشخوصه، فحدد أن طالب ‏العلم هو حسينك بن علي. وكذا أورده السبكي، لكن للسبكي رأي آخر في القصة أورده في ترجمة ‏الطبري في "طبقات الشافعية" (ج3، ص124-125) "قال حسينك بن على النيسابورى: أول ما سألنى ‏ابن خزيمة، قال: كتبتَ عن محمد بن جرير؟، قلتُ: لا، قال: ولِم؟، قلت: لأنه كان لا يظهر، وكانت ‏الحنابلة تمنع من الدخول عليه، فقال: بئس ما فعلت، ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم وسمعت ‏منه. قلتُ –أي السبكي-: لم يكن عدم ظهوره ناشئًا من أنه مُنع، ولا كانت للحنابلة شوكة تقتضى ذلك، ‏وكان مقدار ابن جرير أرفع من أن يقدروا على منعه، وإنما ابن جرير نفسه كان قد جمع نفسه عن مثل ‏الأراذل المتعرضين إلى عرضه، فلم يكن يأذن فى الاجتماع به إلا لمن يختاره، ويعرف أنه على السنة، ‏وكان الوارد من البلاد مثل حسينك وغيره لا يُدرى حقيقة حاله، فربما أصغى إلى كلام من يتكلم فيه ‏لجهله بأمره فامتنع عن الاجتماع به. ومما يدلك على أنه لم يُمنع قول ابن خزيمة لحسينك: ليتك ‏سمعت منه، فإن فيه دلالة أن سماعه منه كان ممكنًا، ولو كان ممنوعًا لم يقل له ذلك. وهذا أوضح من ‏أن ننبه عليه، وأمر الحنابلة فى ذلك العصر كان أقل من ذلك"أهـ.

وأقول: إن رأي السُبكي أكثر ‏مقبولية، خاصة وقد كان الوزير علي بن عيسى الجراح يُجل الإمام الطبري، ويحميه، وكذلك الخليفة المقتدر، وإن كان المقتدر مسارع لسماع الوشايات في وزرائه، وينكبهم لأقل وشاية، ثم يعود ليخلع عليهم، وقد نكب علي بن عيسى مرات، ربما تأذى الطبري في أوقاتها. ولكن، على كل حال، ما من شك ‏أن الإمام لم يكن ليمتنع عن الناس بعد أن علا سنه ولم يعد يحتمل المهاترات، إلا من كثرة تشنيعهم عليه، ‏وهذه إساءة ليست بالهينة.‏ ولم تكن أول ولا آخر فتنهم، فأينما حلّوا وكثروا عم بهم البلاء.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيلكل حضارة كبرى عالمها الخاص، الذي يصنع أبطالها وأئمة الفكر فيها وذوقها الجمالي وقيمها الأخلاقية وتقييمها لنفسها والآخرين. وإذا كان التاريخ هو الحصيلة غير المتناهية للمتناهي تاريخيا، فان ذلك يفسح المجال أمام النفي النسبي للفكرة القائلة بان كل شيء عرضة للزوال. ولا يغير من ذلك شيئا صمود اليقين الإسلامي بها وربطه للخلود بوجه ذي الجلال والإكرام. وهي مفارقة لها قيمتها وتأثيرها الخاص في الحضارة الإسلامية، اللذين استمدا وجودهما من منطق الإسلام الثقافي في تناول إشكالاته المتنوعة في مختلف ميادين الحياة. وهو منطق أبدع الثقافة الإسلامية وأرواحها المتنوعة، التي شكلت بمجموعها تنوعا جميلا لوحدتها التاريخية، وفي تنوعها تجليا لاجتهادها في كيفية حل إشكاليات الملك والملكوت التاريخي للإسلام في جبروت الأمة وصراع فرقها، أي في كيفية حلها لإشكاليات وجود الأمة الطبيعي والماوراطبيعي في إرادة قواها المتصارعة.

إذ ليست الثقافة الإسلامية في نهاية المطاف سوى الحصيلة المتراكمة لصراع قواها الاجتماعية والسياسية والفكرية في غضون قرون عديدة. وفي نفس الوقت هي وعاء الهدوء والوداعة الخلابة والقلق المثمر، والجهاد الدائم واللهو المستمر، والذوق الرفيع وانعدام الذوق، والورع المتسامي والخلاعة الداعرة، وصرف الجهود صوب المطلق ونحوها بقواعد الابتذال التام في نفس الوقت.

ولا يمكن لحضارة أصيلة أن تنشأ وتنمو وتتكامل بذاتها دون أن تكون لها أساليبها الخاصة بها في كافة نواحي الحياة المادية والروحية، بما في ذلك تقييم أفعالها وأشخاصها وإبداعها بانتزاعه من أعماقها وتهذيبه بمعاييرها ووزنه بموازينها وقياسه بمقاييسها. وليس التقييم الذاتي هذا سوى الصيغة التاريخية للنماذج المثالية المتراكمة من وحدة التنوع الضروري للجميل والقبيح، والخير والشر، والعقل والنقل في إشكاليات الحضارة الإسلامية وكيفية حلها في ميادين الملك والملكوت.

وقد استمد هذا التقييم رموزه الأولية من القرآن ونماذجه المثلى في تقييم النفس والوثنية العربية في مجرى صراعه مع مظاهرها المختلفة. ففي الوقت الذي يتمثل تقاليدها في المديح والهجاء والرثاء والافتخار، نراه يربط تقييمه للمواقف والأفعال بالمطلق الإلهي والحياة الأبدية. ذلك يعني أن التقييم بالنسبة له لا يتحدد بالموقف الآني والمصلحة العابرة وقيم الوحدة المجزئة للقبيلة، بل بحكم النماذج المثلى، التي صنعت ثنائيات المؤمن والكافر، والصالح والفاسد وأمثالها. وهي نماذج واقعية أيضا. لهذا السبب لم تتكلس في صيغ نهائية، بقدر ما أنها كانت على استعداد للامتلاء بقيم جديدة ومضامين قادرة على احتواء المظاهر المتجددة للحياة وتقييمها من وجه نظر التاريخ والمطلق.

إذ نعثر في الآيات الأولى للسور المكية على مواقف متنوعة لعل أكثرها استعمالا وانتشارا آنذاك هو الرفض لكل ما يخالف المعتقد الذاتي والقيمة المطلقة للنبي محمد. فنرى سورة (العلق) تمتلئ بأداة النفي "كلا"، بحيث تختتم آياتها بعبارة "كلا لا تطعه وأسجد وأقترب"[1]. وفي سورة (الماعون) نراه يدين الرياء[2]، في حين يظهر الله في سورة (التين) بوصفه أحكم الحاكمين[3]، وفي سورة (الجن) نرى ما يمكن دعوته بالسلبية الفاعلة، كما في الآية "قل أني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا"[4] ونرى في سورة (فاطر)، فكرة إرجاء الحكم لله[5].

بعبارة أخرى، أننا نلاحظ تراكم أحكام الصراع الديني الاجتماعي وبروز تمايز المؤمن المسلم عن الكافر الوثني وتعمق تضادهما. حيث تظهر تسمية المسلم للمرة الأولى في وقت متأخر نسبيا من تاريخ السور المكية (في سورة الذاريات). وفيها نعثر على الصيغة الأولية لتقييم الخلاف كما في الآية "إنكم لفي قول مختلف"[6]، وكذلك ظهور الخلاف في الممارسة الاجتماعية والمواقف الأخلاقية التي تجعل من المؤمن ضدا للكافر في الحياة والموت وما بعد الموت. وقد كمن في هذه الاختلافات تراكم المقدمات الأساسية لوعي الذات، الذي أخذ في التكامل بالارتباط مع تعمق وتوسع الصراع بين الرؤية الإسلامية والتقاليد الوثنية. حيث يأخذ المؤمن بالظهور في كل السور والآيات بوصفه ممثلا ونموذجا للخير على عكس الكافر. ذلك يعني تراكم الصيغة الحادة في التقييم الأخلاقي المميز للأديان والعقائد الكبرى في مرحلة نشوئها الأولى. وليست هذه الحدة تجاه الآخر (الوثني) سوى الوجه المقلوب لتقييم النفس.

لكن التقييم الإسلامي الأولي لم يقف عند حدود المواقف الأخلاقية المجردة، بل وتعداها إلى جميع ميادين الحياة وبالأخص ميدان الإيمان واليقين. واتخذ ذلك في تصورات وأحكام الإسلام الأول التفريق الحاد بين الظن واليقين، بين هوى النفس ويقين الحق. فإذا كانت السور المكية الأولى تطالب بعلم اليقين وعين اليقين كما في آيات سورة (التكاثر) القائلة "لو تعلمون علم اليقين"[7]، و"عين اليقين"[8]، فان من الصعب توقع هذا اليقين دون صراعه مع الآخر. وهي معادلة ضرورية عمق التطور التاريخي للإسلام جوانبها المختلفة. من هنا لم يعد للظن قيمة حقيقية، لأنه يماثل في التصور الإسلامي الأول معنى الجهل وعدم المعرفة، كما في الآية "وما لهم من علم أن يتبعون به إلا الظن فأن الظن لا يغني الحق شيئا"[9]. إضافة لذلك أن الظن هو الوجه الآخر للشك، بينما لا معنى للشك في عوالم الإيمان. وليس ذلك لأنه ينافيه، بل ولأنه لا يثبت اليقين، وبالتالي لا يصنع شخصية ثابتة في المواقف[10]. وإذا كان اليقين الإسلامي الأول لا مكان للمعجزة فيه، فلأنه حوّل المعجزة إلى ميدان تثبيت اليقين في النفس، باعتباره هدى إلهيا. وهو أمر استلزم في مجرى الصراع مع الوثنية العربية إبراز قيمة الحكم العقلي. ومع أن مضمون "تعقلون" القرآنية لا تتطابق على الدوام مع مفهوم العقل، إلا أنها سعت على خلفية الدعوة الدائمة للتفكر والتذكر والنظر إلى الكون والطبيعة والإنسان وتجارب الأمم البائدة، إبراز حكمة الله في الوجود وتفاهة الظنون الوثنية[11]. إذ أننا لا نعثر في دعوة النبي محمد على إلزام المرء بالإيمان دون تفكر. على العكس انه مربوط على الدوام بمفاهيم الآية الوجودية والعبرة التاريخية لذوي الأبصار. من هنا فان معنى وقيمة الإيمان الإسلامي في توافقهما مع اليقين المعقول[12].

لقد أدخل الإسلام في الوعي الوثني العربي مهمة تهشيم عدم الاكتراث تجاه عالم الملكوت (الماوراطبيعي أو الميتافيزيقي). وذلك لأنه جعل من الإنسان جزءا من الكون "المتناهي" وذرة في اللانهاية. لقد أدخله في "فلك الربوبية" وطالبه بتأمل ذلك، أي أدخله في فلك الآيات التي لا ينبغي أن يتجاهلها ذوو العقول والأفئدة والحواس. وشدد القرآن على أن النبي محمد وأتباعه لا يسيرون إلا على بصيرة[13]. بل وشدد على قيمة الحكمة بحد ذاتها، بما في ذلك في تراث الوثنية العربية نفسها، وما أبدعته في أشعارها وأمثالها وكلماتها المأثورة[14]. لكن الحكمة لم تعد محصورة بتجارب الحياة وقيم القبيلة، التي اخذ الإسلام ببعضها، بل تجاوزتها إلى رؤية الحكمة في الوجود ككل بمنظور الله. أما معيارها في النظر إلى الموجدات، الذي أثار منذ البداية جدل الوثنية واعتراضاتها فهو السبب الذي جعل القرآن يشمئز من الجدل لا من البحث عن حقيقة الحكمة. إضافة لذلك كان الموقف الإسلامي الأولى المعارض للجدل النتاج الطبيعي للمواجهة المحتدمة بين يقين الإيمان الإسلامي ويقين الإيمان الوثني ـ القبلي. وهو احتدام أثار في البداية  ضيق الطرفين. ووجد انعكاسه في آيات القران العديدة وبالأخص تلك التي عبرّت عن خلجات المعاناة النفسية للنبي محمد، كما في الآية التي تخاطبه بكلمات "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون"[15]. وهي معاناة جرى حسمها لاحقا بقوة السلاح، الذي جسد عمليا قيم الروح المنتصر. ووجد ذلك انعكاسه في موقف القرآن السلبي من الجدل وجعله صفة للكافرين. لأنه وجد في جدلهم سعيا "لدحض الحق" كما يقول القرآن[16]. لهذا طالب القرآن بتأجيل الجدل إلى وقت احتكام الناس أمام عرش الله[17]. ولم يعن ذلك من حيث مضمونه الواقعي والتاريخي سوى البحث عن صيغة ملطفة للهدنة العسكرية، بينما كان يعني من حيث مضمونه المثالي إمكانية التسامح الفكري. غير أن الهدنة والتسامح، شأن كل ما في العسكرة والفكر، لا يمكنهما الاستمرار طويلا دون هدنة اليقين الحقيقي والسمو الشامل بان الغاية النهائية اعقد من مساعي الأفراد أيا كانوا. وفي نفس الوقت العمل على تحويل اليقين إلى هدنة لا يتحكم في خواطرها شيئ غير مساعي البحث عن الحق والحقيقة. أي إدراك أن هدنة بلا صراع (مع النفس) يحولها إلى مستنقع قاتل.

وأفرز الموقف السلبي من الجدل بواعث قوية في مجال التقييم الاجتماعي والديني والسياسي. فقد اضطر الصراع الذي خاضه النبي محمد إلى الإقرار ببعض عناصر التقية، التي فسحت المجال أمام إدانة الكافرين والفتنة في آن واحد[18]. ولم يكن ذلك معزولا عن روح المساومة السياسية الماهرة التي أقرت بتعدد الأديان و"شرعية" الوثنية. بينما كشفت الأحداث اللاحقة، بان تأجيل الجدل عمليا وأخلاقيا كان أمرا معقولا حتى الوقت الذي أصبحت فيه "شرعية" الوثنية انتقاصا "للقدرة الإلهية". وهي قدرة عمل النبي محمد حسب منطقها، الذي وضعه القرآن بمفهوم العمل لوجه الله. حينذاك اصبح شعار المعركة الصراع ولو كره الكافرون[19]. وعندها أصبحت الهجرة هي مساعي المؤمن في الزمان والمكان نحو السعادة الحقيقية[20]. انطلاقا من أن أرض الله واسعة. وأن سعتها الحقيقية في أعماق المرء وقلبه باعتباره ميدان جهاده التام. وهي أفكار وقيم تمثلت تاريخ الإسلام الأول من بداية الوحي حتى توحيد الجزيرة، أي من سر الكلمة الأولى حتى وحدة الجهاد الشامل، التي أبدعت تقييمات هائلة التنوع. فعدم الإكراه في الدين، المبني على أساس تبين الغي من الرشد[21]، تصبح مقدمة القتال الشامل من أجل أن "لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"[22]. فالجهاد من اجل قيم السلم الأخلاقية والسياسية لم يتجسد في مفاهيم المنافق والفاسق فحسب، بل وقيم الروح المتسامي كالورع والتقوى والتوكل. والشيء نفسه يمكن قوله عن الدور الهائل الذي ستلعبه مفاهيم وقيم الإسلام عن الصبر والعدل والحق والقضاء والقدر والتوحيد في صيرورة تقاليد التقييم الفكري والاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

تحول الوحي القرآني إلى مصدر الإلهام التقييمي للأمة الإسلامية الناشئة. فهو المستودع الذي لم يمتلك العرب قبله سوى ذاكرة الشعر الشفوية، أو ما سيدعى لاحقا بديوان أخبارهم. بهذا يكون القرآن قد وحّد الذاكرة القديمة واستثار حفيظتها في الجمع والحفظ. وللمرة الأولى يظهر إدراك قيمة وضرورة جمع الكلمات، التي لم تعد بدورها مجرد أصوات الروح المترنم بالمديح والمهاجم بالهجاء والباكي بالرثاء والمعتز بالفخر وما شابه ذلك من بقايا الروح الغضبية للقبيلة، كما لم تعد مجرد ديوان الماضي بمختلف أحداثه، بل البحر الذي لا تنفد كلماته. وبالتالي مصدر الذاكرة المقدسة للأجيال اللاحقة. مما أعطى لها صورة النموذج الأمثل والمقياس الأعلى والمرآة الصافية لرؤية وتحسس وإدراك وتدوين الانفعالات والمواقف والأحكام بهيئة تقييمات "شرعية". وهي عملية غاية في التناقض من حيث مضمونها ووظيفتها عند مختلف القوى المتصارعة فيها.

ومع ذلك تشير الصيغة العامة والسريعة التي قدمتها "للجهاز التقييمي" عن تضمنه على كل الأوصاف والأسماء، التي سيجري إطلاقها على الفرق والمدارس الفكرية من تشيع وشراة واعتزال وغلوّ، أي ممن تشيع للبيت العلوي، واحتكم إلى الله وشرى نفسه، ودعا بالعدل والتوحيد، وغلى في مواقفه بحيث أخرجه من حضرة الانتماء للأمة في ما أجمعت عليه من أصول ومبادئ كبرى وقواعد عامة.

فقد ظهر التقييم الأول للفرق الإسلامية بصورة عفوية. مما أعطى له في الأغلب صفة الاتهام العقائدي تجاه براعم القوى الصغيرة الناشئة في كيان الأمة. ولم يكن ذلك معزولا عن تجربة الأمة في المدينة، التي أفرزت المنافقون بوصفهم قوة سلبية بمعايير السياسة والأخلاق. ولم تكن سرعة الاتهام العقائدي هذه سوى نتاج الفاعلية الاجتماعية، التي لم تؤد إلى تفتيت الوحدة الجديدة، بقدر ما كانت أسلوبا لتأسيس وعيها الذاتي وشحذ تقييمها للنفس.

من المعلوم أن الوعي التاريخي الذاتي لا يقبل أن تدور في أفلاكه مفاهيم مثل "تضحية بلا معنى" بما في ذلك اشد الأفعال جنونا. وذلك لأنه مضطر لان يتعامل معها من وجهة نظر الفائت واللازم. وهو تعامل يؤدي بالضرورة إلى إيجاد النسبة المعتدلة بين العقل والوجدان، التي يجري في ثناياها إدراك وتقييم الحاضر. وقد سار التقييم والتعميم الإسلامي الأولي تجاه القوى المتصارعة بعد موت النبي محمد، بالشكل الذي لم يجبرها دوما على الالتفات إلى الوراء، كما لم يضطرها إلى السباق مع المستقبل. أما الصيغة القرآنية القائلة "لكل أجل مسمى" فقد خففت من وطأة تأنيب الضمير، على الأقل عند الحد الذي لم تتحول عنده جماعات الأمة الإسلامية إلى ضحية صراعاتها. لهذا نفهم لماذا لم يستأ عمر بن الخطاب من طعنة أبي لؤلؤة، بل نراه يقول "الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل مسلم"، في حين كان عثمان بن عفان يرتل قبيل مقتله "إنا لله وإنا إليه راجعون". وعندما أهلك السيف عليا بن أبي طالب، فإنه لم يتفوه إلا بكلمات "فزت ورب الكعبة"!

لقد قيم كل منهم نفسه وقاتله، من خلال تقييم مصيره الشخصي. ففي تقييم الأفراد لمصائرهم نعثر أيضا على عناصر التقييم الفكري اللاحق، وبالأخص عندما اخذ الصراع يتحول من مصير الأفراد إلى ميدان القوى الجماعية المنظمة. آنذاك ظهر للمرة الأولى الاعتزال الاجتماعي والسياسي، الذي رافق حرب الجمل. ومن الممكن أن نتغافل ذهنيا عن الآنية الزمنية لهذه التسمية، انطلاقا من أنها كانت تعني بالنسبة للوعي الإسلامي اللاحق سلوك الورع المبدئي، الذي يرفض تقييم القوى المتحاربة أو المشاركة معها دون استكمال اليقين الشخصي التام. وبدون ذلك فضلوا الاعتزال عن القوى المتحاربة وعدم الاشتراك في أحد المعسكرين. كما ظلت تسمية "حرب الجمل" خجولة في موقفها من القوى المتحاربة، التي يمكن البحث عن تبرير لها في تقاليد تسمية الحروب الوثنية (داحس والغبراء، والبسوس وأمثالها) أو ما تضمنه القرآن من تسميات مثل (سورة الفيل والبقرة والعنكبوت والنمل والنحل وغيرها). غير أن الرمزية "الحسية" لا تصمد طويلا في الوعي الذاتي التاريخي، وبالتالي لابد لها من التنحي نسبيا أمام تيار التهذيب والتشذيب المتزايد. حيث يتنحى عالم الحيوان أمام عالم المكان كما هو الحال في تسميات صفين والنهروان. وهنا لم يعد الصراع فعلا عسكريا خالصا بل وفكريا أيضا. بمعنى أن القوى المتصارعة لم تستند إلى مهاراتها وقوتها الحربية بل وإلى أسلحتها الفكرية والأيديولوجية. وظهر الوجه الأول لذلك في حادثة رفع المصاحف على الرماح في معركة صفين، الذي يمكن اعتباره من بين أشد الرموز إثارة في وعي الذات التاريخي الإسلامي وتجزئة وحدته وإعادة لحمها في العقل والوجدان. وما هو مهم بالنسبة لنا الآن ليس تتبع تأثير هذا الرمز في الوعي التقييمي اللاحق، بل فعاليته السياسية والعسكرية، التي أفرزت إمكانية استمرار الحرب وإثارة ما دعاه الوعي الإسلامي اللاحق بالفتنة. فقد كانت الفتنة الفعل والنتيجة التي جزأت الصراع وطورته في اتجاه ظهور الفرق السياسية الدينية الكبرى في تاريخ الخلافة ووعيها التقييمي.

 

ميثم الجنابي

.........................

[1] القرآن: سورة العلق، الآية، (19).

[2] القرآن: سورة الماعون، الآية، (7).

[3] القرآن: سورة التين، الآية، (8).

[4] القرآن: سورة الجن، الآية، (21).

[5] القرآن: سورة فاطر، الآية، (4).

[6] القرآن: سورة الذاريات، الآية، (8).

[7] القرآن: سورة التكاثر، الآية (2).

[8] القرآن: سورة التكاثر، الآية (7).

[9] القرآن: سورة النجم، الآية، (48)، سورة يونس، الآية (36).

[10] القرآن: سورة نوح، الآية(9).

[11] القرآن: سورة يس، الآية، (42).

[12] القرآن: سورة آل عمران، الآية، (113).

[13] القرآن: سورة يوسف، الآية (108)

[14] القرآن: سورة البقرة، الآية (269)

[15] القرآن: سورة الحجر، الآية (97)

[16] القرآن: سورة الكهف، الآية (54-56)

[17] القرآن: سورة الحج، الآية (68-69)

[18] القرآن: سورة النحل، الآية (106-110)

[19] القرآن: سورة غافر، الآية (14)

[20] القرآن: سورة العنكبوت، الآية (56)

[21] القرآن: سورة البقرة، الآية (256)

[22] القرآن: سورة الانفال، الآية (39)

 

علي اسعد وطفة"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".. عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

"كل ما يخرج من بين يدي الباري حسن وكل شيء يفسد بين يدي الإنسان".. روسو

مقدمة:

في القرن الثامن عشر، وفي بداية العقد الثاني منه تحديدا، كان الفكر الإنساني على موعد خلاق مع ولادة المفكر والأديب الفرنسي المشهور جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau(1712 - 1778) فيلسوف الحرية الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بعطاءاته الفكرية التي تدفقت لتشكل منطلقا للفكر الحر في أوروبا وفي العالم قاطبة. ويعد روسو زعيما للنزعة الطبيعة في الفلسفة والفكر بلا منازع، وواحدا من أبرز عمالقة عصر التنوير و أكثر هم تأثيرا على الإطلاق، ولاسيما في مجالي التربية والفكر السياسي والاجتماعي (1).

استطاع روسو، بعبقريته الفذة، أن يولّد في النظريات التربوية روحا جديدة تتدفق إيمانا بالحرية ورفضا لكل أشكال القهر والعبودية. وتجلى إلهامه هذا في كتابيه: " إميل" Emile الذي أحدث ثورة شاملة في بنية التصورات والعقائد التربوية في عصره وفتح الباب على مصراعيه لكل إبداع لاحق في ميدان التربية والتعليم؛ ثم في كتابه " العقد الاجتماعي"  Le Contrat social (2) الذي شكل مهمازا للثورة الفرنسية بما اشتمل عليه من أفكار وتصورات يعتقد بأنها أشعلت فتيل الثورة الفرنسية عام 1789، وشكلت برنامج عمل منهجي استوحاه الثوار في مختلف ممارساتهم السياسة والثورية. وفي هذا يقول نابليون " لولا كتاب "العقد الاجتماعي" لما قامت للثورة الفرنسية قائمة" (3). وقد بلغ روسو بكتابيه مبلغا عظيما من الشهرة والمجد، وكيف لا وفيه يقول الفيلسوف الألماني كانط فيلسوف عصره قوله المشهور: " إني اعتبر روسو نيوتن عصره لاكتشافه العنصر الأخلاقي بوصفه المكون الرئيس للطبيعة الإنسانية، مثلما اكتشف نيوتن المبدأ الذي ربط بين جميع قوانين الطبيعة الفيزيقية" (4). ومما لا شك فيه أن الرجل قد أحدث ثورة حقيقية في الفكر التربوي والسياسي في أوروبا في القرن الثامن عشر.

لم يسجل تاريخ الفكر الإنساني حياة أكثر غرابة وتناقضا من حياة جان جاك روسو الذي ترك سجلا إنسانيا يتدفق بالأحزان والمآسي ويفيض بكل معاني القهر وأشكال الهزيمة. كانت شخصيته نقطة تقاطع لكل التناقضات الإنسانية حيث تآلفت فيها أقدار القوة والضعف وتآزرت في أعماقها العبقرية والعاطفة والصدق والخداع والانفعالات. ومع كل هذا كان يستحوذ على بصيرة نافذة وعطف إنساني لا حدود له.

 لقد شكلت عوامل البؤس والشقاء والمصائب والهزائم البوتقة التي تشكلت فيها عبقرية الرجل فاهتزت هذه العبقرية إيمانا ساحرا بلا حدود بمبادئ الحرية والسلام والأمن ودعوة مطلقة للثورة والتمرد على كل أشكال التسلط والقهر والطغيان في عصره.

 يتحدر جان جاك روسو من عائلة فرنسية الأصل بروتستانتينية المذهب حطت رحالها في جنيف قادمة من فرنسا في منتصف القرن السادس عشر. ولد روسو في مدينة جنيف في سويسرا عام 1712. وكان على موعد مع مصائب الدهر التي كانت ترتقب قدومه، فقد ولد مريضا ضعيفا هزيلا، ولم يمض أسبوع واحد على ولادته حتى خطفت يد القدر والدته "سوزان" وتركته يتيما تحت رحمة الآخرين. ويصف بنفسه هذه المأساة في كتابه "الاعترافات" حيث يقول: "لقد ولدت ضعيفاً ومريضاً، وقد دفعت والدتي حياتها ثمن ولادتي، وكانت هذه الولادة البائسة أول مصائبي". وكانت أخلاقه متأثرة أعمق تأثر بمشاعره وانفعالاته أكثر من تأثرها بعقله.

 كان والده يشتغل في صناعة الساعات وتجارتها ولكنه ترك المهنة وانتقل للعمل كمدرس للرقص، ثم تزوج سوزان والدة روسو وكانت فتاة يتيمة تعاني من ظروف قاسية، لم تفتأ أن عانت المزيد منها بعد أن تركها زوجها والد روسو لاحقاً في رحلة له إلى القسطنطينية، لكنه بعد مغامرات فاشلة عاد إليها من جديد.

بعد دخول والده في مشاجرة عنيفة اضطر للهرب من جنيف خوفاً من ملاحقة العدالة له عام 1720، وقد عهد بابنه روسو الذي كان في الثامنة من العمر إلى خاله، الذي عهد به بدوره إلى لامببرسيه Lambercier وهو أحد رجال الدين المسيحيين، لكن روسو لم يستمر هناك كثيراً وعاد إلى خاله في جنيف، حيث عاش متعطلاً طيلة ثلاث سنوات كاملة، ثم اشتغل مساعداً لكاتب إحدى المكاتب القضائية، لكنه طرد منها بسبب إهماله الشديد، وأرسل في عام 1726 ليتلقى تمارين عند أحد المصورين، وهناك كما يقول في الاعترافات أصبح شخصاً لا ضابط لسلوكه، كاذباً ولصاً. ثم ترك جنيف عام 1728 إلى آنسي  Annecyفي فرنسا حيث أقام عند السيدة وارين Warens وهي من أصل سويسري واعتنق الكاثوليكية على يدها. ثم عاد إلى سويسرا وإلى مدينة جنيف لاحقا وألحقته إحدى السيدات بملجأ ديني بمدينة تورينو وهناك غير مذهبه البروتستانتي إلى الكاثوليكي، ثم بدأ يرتحل منذ عام 1729 من بلد إلى آخر.

بدأ روسو حياته الثقافية بقراءة القصص والروايات التي تركتها له والدته في مكتبتها الخاصة، ثم انتقل إلى قراءة المؤلفات الأدبية والفلسفية التي وجدها في مكتبة والده ولاسيما المؤلفات اليونانية والرومانية والفرنسية (5).

وفي عام 1930 سافر بعدها إلى إيطاليا وكان في الثامنة عشرة من عمره، وهناك في مدينة سافواي تعهدته امرأة تسمى مدام دي وارنز Madame de Warnes وهي امرأة على جانب كبير من الرقة والجمال، قدر لها أن توجه عنايتها ورعايتها المشرقة لروسو ولم تبخل عليه بعطفها وحبها الكبيرين، وقد شجعته على اعتناق الكاثوليكية التي كانت تدين بها، وقد قدر له أن يعيش معها عشر سنوات من أفضل أيام عمره تعلم خلالها اللغة اللاتينية و الموسيقى و الفلسفة و بعض العلوم الأخرى ثم اختلف مع المرأة و غادر سافواي في عام 1741 متجها إلى باريس ثم غادرها إلى ايطاليا حيث عمل كاتبا لسفير فرنسا Montaigne فيها ثم عاد إلى باريس مرة أخرى(6).

ثم انتقل إلى ليون حيث عمل مدرساً خاصاً لأولاد ما بلي Mably حاكم مدينة ليون 1740. سافر إلى باريس وتعرف على ديدرو Diderot 1743 وتقدم بمشروعه عن التسجيل الموسيقي للمجمع الفرنسي للعلوم. وفي عام 1745 تعرف إلى الآنسة تيريز لوفاسور Thérèse Levasseur وهي كما يصفها كانت خادمة غبية على جانب كبير من الخشونة، وعاش معها بقية عمره فقد كانت صديقته مدة ثلاثة وعشرين عاما ثم تزوجها أنجب منها خمسة أطفال أودعهم جميعا في دار الأيتام لأنه لا يمتلك إمكانية تربيتهم والعناية بهم (7).

خلال إقامته في باريس وبعد أن وثق علاقته بنخبة المجتمع الباريسي مثل ديدرو وفولتير، اشترك روسو وبحكم المصادفة في مسابقة علمية أدبية أقامتها جامعة ديجون Dijon عام 1749 حول دور النهضة العلمية والفنية في إفساد الأخلاق أو إصلاحها. والسؤال الذي طرحته الجامعة هو: هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى تقدم الأخلاق أم إلى فسادها؟ وبوحي من عبقريته الطبيعية وتجربته الإنسانية الفريدة أجاب روسو بأن تقدم العلوم والفنون يؤدي إلى فساد الأخلاق وتراجع القيم وليس إلى تقدم الأخلاق. ومن الطبيعي أن ترتدي إجابته طابعا أدبيا ساحرا ومقنعا في الآن الواحد، تمكن على أثرها من نيل الجائزة وقد أطلق على عمله العبقري هذا "رسالة في العلوم والفنون" Le Discours sur les sciences et les arts) (8) . ثم نال الجائزة في عام 1750، وهذا ما جلب لروسو الشهرة الواسعة مما شجعه على المضي في الكتابة، فاشترك بمسابقة أخرى عبر بحث له بعنوان "مقالة في أصل التفاوت بين البشر" Discours sur l’origine de l’inégalité عام 1755 ولم يحصد الجائزة المنشودة (9). وفي عام 1761 أنجز مؤلفه هيلواز الجديدة La Nouvelle Héloïse  10. وفي عام 1762 قدم للإنسانية كتابيه الشهيرين "العقد الاجتماعي" Le contrat social (11) و "إميل" Emile ou l'education(12). في عام 1765 أنجز كتابه الاعترافات les Confessions ثم كتابه قاموس الموسيقى Dictionnaire de musique 1767 (13) .

بالرغم من أن مؤلفات روسو لاقت الشهرة الواسعة والإقبال الشديد على قراءتها عبر الأرجاء الأوروبية، فإن كتابيه "العقد الاجتماعي" Le contrat social و"إميل" Emil قد جلبا له النقمة والسخط وغضب المؤمنين والملحدين والمفكرين. لقد حكم البرلمان الباريسي، وبعد عشرين يوماً من نشر كتاب إميل، بحرق الكتابين وسجن مؤلفهما مما اضطره إلى الهرب إلى سويسرا والتي بدورها كانت قد أصدرت حكماً مماثلاً على الكتابين. فلجأ روسو إلى إنجلترا حيث تعرف هناك على الفيلسوف الإنكليزي المعروف دافيد هيوم D.Hume ونزل ضيفاً عليه ولكنه ما لبث أن تخاصم مع هيوم وعاد إلى فرنسا ليعمل كناسخ نوتات حتى وفاته في عام 1778.

وعندما بلغ الستين من عمره ازداد بؤسه وفقره وانصرف الناس عنه حتى زوجته فكان يتمنى لنفسه الموت والخلاص. وقد تعرض في نهاية أمره لأزمة قلبية حادة أدت إلى وفاته فدفن في مقبرة تبعد خمسين كيلو مترا عن باريس. وبعد أن حققت الثورة الفرنسية نجاحها المظفر نقل رفاته باحتفال طقوسي إلى البانثيون وهو مدفن عظماء الفرنسيين.

مؤثرات روسو:

لم يكن في حياة روسو المعذبة والشقية والبائسة ما يؤهله لأن يكون في مكان الصدارة بين صفوف العباقرة والمفكرين في عصره. لقد أثار روسو دهشة المفكرين في عصره إذ كيف يمكن لشخص مغلوب مقهور مستلب الإرادة مثل روسو  أن يفجر عبقرية تربوية وسياسية بلغت مداها في عصره ووصلت إلى أوج عظمتها في المراحل الفكرية اللاحقة؟

كثير من النقاد والمفكرين يعتقدون أن حياة روسو المعذبة توجد في أصل العبقرية التي فجرها في عصره. هذه الحياة التي غلب عليها طابع الإثارة والتمرد والجنون وسرعة الحركة والانتقال في دائرة الزمان والمكان كان لها أكبر الأثر في تنمية عواطفه المتمردة وحسّه الإنساني النبيل الذي تفجر تمردا وثورة ورفضا منهجيا لكل أشكال الطغيان. لقد فجرت هذه الحياة المقهورة عشقا للحرية وولعا بالثورة والتمرد في أعماقه، وكانت في نهاية الأمر البوتقة التي تنامت فيها إمكانيات رؤية ثورية للوجود والحياة.

ولا يخفى على أحد عشق روسو للمطالعة ونهمه الشديد للمعرفة وجوعه المتمرد إلى الأدب والشعر العاطفة. كان شغوفا بالمعرفة لم يترك لحظة ممكنة أتاحت له أن يتبحر في كتاب أو أن يقرأ في شعر أو أن يستغرق في رواية عاطفية. وهذا الشغف الكبير بالمطالعة منذ السادسة من العمر مكّنه من امتلاك حس أدبي متميز وبراعة فنية في صوغ الخطاب المضمخ بعاطفة إنسانية فياضة وجارفة. إن من يقرأ روسو في أسلوبه الساحر يجد بأنه يتحرك ويتجاوز إمكانيات العقل ليستقر دفعة واحدة في مكنون العاطفة التي يبدأ على الأثر تدفقها بالعواطف الإنسانية النبيلة والمتمردة في آن واحد. لقد كان روسو يقرأ بنهم أسطوري كل ما يقع بين يديه من كتب الأقدمين والمحدثين، ولم يكن خافيا أنه كان يدرس الرياضيات والفلك " وقد قيل أن هذه الحياة التي قضاها في القراءة والعمل وأن تلك الحوادث الأسطورية التي تتخللها وهذه المغامرات الدافئة والأخطار المحدقة، التي كان يكابدها ألهمته وفجرت فيه قدرة هائلة على العطاء، لأن هذه الأحداث والمفارقات كانت توقظ خياله وتفجر أحاسيسه وكان فعلها وتأثيرها يضاهي ويتجاوز تأثير دروس منظمة في كلية بليسس Plessis" " (14).

لقد أضفت تجارب الترحال دون انقطاع على إحساسه العبقري طابعا إنسانيا وجماليا متشبعا بالخبرة والعطاء. لقد عرف دروب فرنسا وسويسرا وإيطاليا وبريطانيا في ترحال لم ينقطع، وفي تجوال لم يتوقف ولم يكن خافيا على أحد بأن تجواله هذا كان في مرات عديدة راجلا على قدميه وتلك هي رحلته الأولى إلى ليون التي قطع المسافة إليها من جنيف راجلا إن لم يكن حافيا. هذه التجارب عركته بالخبرة وعجنته بأحاسيس إنسانية متفردة تتعايش فيها لحظات الألم والحرمان مع لحظات الحنين والشوق والفرح والشعور بالزهو والانتصار.

ولا يمكن لأحد أن ينكر حصاد تواصله مع أهل الحصافة والرأي من علماء ومفكرين وأدباء وقساوسة ورجال دين وقد منحه هذا التواصل مع ثقاة المعرفة وسدنة الفكر طموحا عبقريا انطلق منه في تسجيل أمجاده الفكرية عبر أعماله المختلفة.

وهنا يجب علينا أن نتوقف عند الخصائص الشخصية والفردية في شخصية الفيلسوف، إذ يجب الاعتراف بأن روسو كان ذكيا مرهف الأحاسيس نبيلا بطبعه، ولم يكن أبدا طفلا عاديا. لقد كتب لنا يقول " لم أكن أملك أية فكرة عن الأشياء في الوقت الذي كنت أعرف فيه كل العواطف والمشاعر، ولم أفكر في شيء تفكيرا بل أحسست كل شيء إحساسا " (15) . وفي هذا القول إشراقة عبقرية تؤكد أن روسو كان أكثر من طفل عادي إن لم يكن قد استجمع في ذاته بذور عبقرية تأصلت في فطرته الأولى.

هذه الظروف والتجارب والخبرات والمكابدات والهزائم شكلت بوتقة نضج فيها إبداع روسو وسمت معها مواهبه الفكرية والتربوية فسجلته بين أكثر رجالات عصره عبقرية وتأثيرا وشهرة.

في مفهوم الطبيعة عند جان جاك روسو:

لا يستقيم البحث في نظرية روسو التربوية ولاسيما في التربية الطبيعية دون العودة إلى مفهوم الطبيعة لأن تحديد هذا المفهوم يشكل حجر الزاوية في فهم معمق لأبعاد واتجاهات نظرية روسو الطبيعية في التربية.

يحدد روسو ثلاثة تجليات لمفهوم الطبيعة، يأخذ الأول منها صورة الكون أو العالم الخارجي على نحو ما يتبدى لنا بصورة موضوعية، فالطبيعة وفقا لهذا التصور هي تقاطعات كونية في دائرتي الزمان والمكان. فالأرض وما عليها من بشر وشجر وحجر، والسماء وما فيها من كواكب ونجوم وأجرام كونية تشكلان الحدود القصوى لمفهوم الطبيعة بصورته الشمولية عند روسو.

ويتجلى المفهوم الثاني للطبيعة عند روسو في العالم الداخلي عند الإنسان، فغرائزنا وميولنا الأصيلة وما فطرنا عليه من قوى داخلية منحتنا إياها الطبيعة يمثل مفهوم الطبيعة الإنسانية. وهذه الطبيعة خيرة بكل ما تنطوي عليه من غرائز وميول وقوى داخلية لأنها صناعة كونية إلهية وليست من صنع الإنسان.

أما التصور الثالث للطبيعة فيتحدد بالطبيعة الاجتماعية للوجود البشري. لقد كان روسو يعتقد بأن الإنسانية كانت في العهود لغابرة تعيش حياة طبيعية سابقة للحضارة والثقافة وهي الحالة الطبيعية. كان الناس في حالتهم الطبيعية الاجتماعية كما يصورهم في كتابه " مقالة في العلوم والفنون " يعيشون حالة إنسانية تتميز بأصالتها وسموها وعظمتها إذ كانت حياة الناس البدائيين تخلو من الحقد والكراهية والحسد. إنها حياة آمنة يتفانى فيها الإنسان في خدمة الإنسان ويضحي فيها الفرد من أجل الآخر والجماعة. في هذه الحالة الطبيعية كان أفراد الجماعة الإنسانية يعيشون دونما إكراه اجتماعي، فالناس يأكلون ما يجمعون ويعيشون في ظل سمو أخلاقي يفيض عليهم بكل معاني التسامح والمحبة التي كانت قانونا كليا يحكم الوجود الإنساني برمته. إلا أنه ومع ظهور الملكية الخاصة للأرض، ومع تدجين الحيوان، ومع اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يقول لأخيه الإنسان هذه لي وهذا لك، بدأت مرحلة الجشع والطمع والفزع وبدأ الصراع الإنساني نحو مزيد من السيطرة والتسلط والاستبداد، وظهر الحاكم القوي الذي فرض على الجماعة قوته وبسط جناح سلطانه وتحول الإنسان إلى عبد لأخيه الإنسان فظهرت المظالم والشقاء وامتد البؤس الإنساني ليضع الناس جميعا في حالة استلاب واغتراب. فالحالة الطبيعية الاجتماعية هنا قد انتهكت وفقدت طهارتها وأصالتها ونقاء انتمائها وصفاء وجودها. لقد انتهكت الطبيعة الإنسانية ودنست طهارتها مع ولادة الثقافة والملكية وصولة الطغاة وتسلط الحكام. وهذه الأفكار الطبيعية هنا تجد مدّها في كتاب روسو مقالة في أصل التفاوت بين البشر حيث يبين لنا كيف تطورت الإنسانية من حالة الطهارة والحرية إلى حالة العبودية والقهر (16) .

ومهما يكن الأمر فالخير كامن في طبقات الطبيعة بأبعادها الثلاثة: في الكون وفي الإنسان وفي المجتمع. ومن أجل خروج الإنسان من حالته المأساوية يتوجب عليه أن يبحث عن الفردوس في العودة إلى الطبيعة في الإنسان وفي الكون وفي المجتمع. لقد جاء كتابه " العقد الاجتماعي " دعوة مطلقة للعودة إلى حالة الطبيعة وإحياء طقوس الحرية والمساواة التي كانت تسود المجتمعات القديمة قبل أن يلفها الفساد. وفي التربية على الإنسان كي يتحرر من ربق العبودية والقهر وينتقل إلى الفضاء الأرحب للحرية أن يعمل على بناء الإنسان وفقا لمبدأ الطبيعة وروحها.

ينطلق روسو في منظومته التربوية من المبدأ الذي يقول بأن الطبيعة الإنسانية خيرة وأن فطرة الإنسان معدن كل خير، وهو وفقا لهذه الرؤية يعارض الأفكار السائدة في عصره التي تبنى على أن الشر أصيل في طبيعة الإنسان، وهي الفكرة التي يؤسس لها الفيلسوف الإنكليزي هوبز وأغلب رجال القرن الثامن عشر كما يؤسس لها رجال الدين والكنيسة في عصره. وعلى هذا الأساس كانت التربية وفقا لمبدأ الشر الأصيل في النفس، تؤكد أهمية اقتلاع الشر من النفس الإنسانية بما توفره التربية ذاتها من أدوات التسلط والقوة والقهر لاستئصال الشر الدفين في النفس الإنسانية. وعلى خلاف هذه الرؤية البائسة للطبيعة الإنسانية، كان روسو يعتقد بأن الطبيعة خيرة وخيرها يفيض بالمطلق، ولذلك فإن التربية يجب أن تنطلق على أساس الميول الطبيعة ليكون الطفل ابن الطبيعة وربيبها. ولأن الطبيعة خيرة فإن التربية الحرة يجب أن تعمل على تأكيد النمو الحر الطليق لطبيعة الإنسان ولقواه وميوله الطبيعية.

في التربية الطبيعية عند روسو:

يشار إلى روسو بوصفه زعيما للنزعة الطبيعة في الفلسفة والتربية الحديثة دون منازع. وقد أودع أفكاره الطبيعية هذه في مختلف أعماله ومؤلفاته بدءا من كتابه الأول " رسالة في العلوم والفنون " مرورا بكتابه " مقالة في أصل التفاوت بين البشر " ثم في سفره المشهور "العقد الاجتماعي " وأخيرا في كتابه الذي يعرف بإنجيل التربية الحديثة " إميل والتربية" (17) . وفي هذه الأعمال جميعها نجد نسقا متكاملا من الأفكار والاتجاهات الطبيعية في المجتمع والتربية والسياسة والفلسفة. ويعد كتاباه "إميل" و" العقد الاجتماعي" أروع ما أهداه روسو لبني البشر (18) . وفي هذا الصدد يقول بورجولان Burgellin في كتابه المعروف "فلسفة الوجود عند روسو " يشكل كتاب جان جاك روسو إميل أحد مفاتيح حضارتنا الحديثة" (19).

ويأخذ كتابه إميل صورة عمل أدبي وتربوي صقله إلهام ارتجال عبقري يتضوع بالأحاسيس الإنسانية النبيلة. ولم يكن هذا الكتاب أبدا مجرد تلبية لرغبة السيدة شونسو Chenonceaux من أجل تربية ابنها بل كان حركة عبقرية ألهمت الحضارة والإنسان في القرن الثامن عشر وفي الأزمنة الحديثة طرا " (20).

يتضمن كتاب روسو في "إميل" منظومة عبقرية من الأفكار التربوية، وهي تشكل نظرية متكاملة في التربية حسب الطبيعية وبمقتضى الطبيعية. ويأتي هذا الكتاب بلورة منهجية لمنظومة أعمالة السابقة التي كتبها ولاسيما مقالته في العلوم والفنون وفي اصل التفاوت بين البشر.

يفتتح روسو كتابه هذا بقوله " كل شيء صنعه خالق البرايا حسن وكل شيء يفسد بين يدي الإنسان" (21). وهو في هذا القول يضع استراتيجية نظرية يؤسس عليها نظريته الطبيعية في التربية والحياة وخلاصة هذا القول تكمن في عبارة قصيرة قوامها " الطبيعة خيرة والإنسان يفسدها".

فالطبيعة خيرة وخيرها يتدفق بالمطلق وعلينا " أن نؤمن إيمانا لا مرية فيه بأن الحركات الأولى للطبيعة هي دوما رشيقة وما من فساد أصيل في النفس الإنسانية أو في القلب البشري"( (22). فالمجتمع عين الشر وينبوعه وعلينا أن نحصن الطفل ضد الشر المستطير الذي يميد بالحياة الاجتماعية. وتأسيسا على هذا الحذر الكبير من شرور المجتمع وآثامه يرى روسو أن الطبيعة هي مبدأ الخير، ومنها يجب أن ننطلق إلى بناء الخير في النفوس، وتشكيل المناعة الأخلاقية في العقول، فالطبيعة هي المبتدأ والخبر في معادلة البناء الإنساني الخيّر، وفي أحضانها يجب أن ينمو الأطفال ليكونوا في منعة وامتناع عن كل ضروب الإثم والشر في التكوين الإنساني للفرد. فإميل " ابن الطبيعة، تربية الطبيعة وفق قواعد الطبيعة لإرضاء حاجات الطبيعة" (23).  ومن هنا يتدفق تمرد روسو ضد المجتمع منبع الشرور والآثام.

هذا ويعتقد روسو أن الطبيعة قادرة بذاتها على تنمية ملكات الطفل ولذلك يجب أن نوكل أمر تربيته إلى الطبيعة ذاتها. لأن الطبيعة تريد للطفل أن ينمو نموا حرا وأن يعمل بمقتضى تكوينه الطبيعي بوصفه طفلا.

إن أعظم ما قدمه روسو للتربية يتمثل في عبقرية الكشف عن طبيعة للطفل مفارقة لما هو معهود ومألوف في عصره وفي العصور التي سبقته. يرفض روسو المبدأ التربوي الذي ينظر إلى الطفل بوصفه راشدا صغيرا، وهو على خلاف ذلك يرى بأن الطفل صغير الراشد. فطبيعة الطفل مفارقة لطبيعة الراشد نوعيا وليس من الجانب الكمي. فالطفل يختلف في مستوى قدرته على الإدراك والنظر والتحليل اختلافا نوعيا عما نجده عند الكبار. يروي روسو قصة ذلك الطفل الذي حكيت له حكاية الإسكندر الكبير وطبيبه، لقد كان هذا الطفل معجبا إلى حد كبير بشخص الإسكندر وشجاعته، ولكن هل تعلمون أين كان يرى موطن هذه الشجاعة؟ كان يراها في قدرة الإسكندر على تجرع شرابا سيء الطعم، وفي هذا المثال يبين روسو أن إدراكات الطفل وطريقة نظرته إلى الوجود مختلفة كليا عن الراشد فالطفل لا يمتلك هذا التفتح الذهني الذي يمكنه من فهم العالم بما ينطوي عليه على النحو الذي يدركه الراشدون. ومن هذا المنطلق ينادي روسو بأهمية معرفة طبيعة الطفل على نحو ما تفرضه هذه الطبيعة من خصوصية مفارقة لطبيعة الراشدين. ولروسو فيض من القول في طبيعة الطفل ومن أشهر مقولاته في هذا الخصوص:"تعلموا كيف تتعرفون إلى أولادكم لأنكم يقينا تجهلونهم كل الجهل" ولماذا هذا الجهل لأن الكبار ينظرون إلى الصغار نظرة الراشد إلى الراشد وليس نظرة الكبير إلى الصغير. نحن " نجهل الطفولة الجهل كله وكلما راودتنا الأفكار الخاطئة التي نملكها عنها ازداد ضلالنا" (24). إن هدف التربية الطبيعية يتمثل في بناء الإنسان على صورة الطبيعة أي كما خلقه الله وكما يريد له أن يكون (25) .

وهنا نجد أن روسو غالبا ما يكرر أقواله المأثورة:" دعوا الطفولة تنمو في الأطفال"... " دعوا الطبيعة تعمل وحدها زمنا أطول قبل أن تتدخلوا بالعمل مكانها خشية أن تعرقلوا عملها."احترموا الطفولة ولا تتسرعوا أبدا بالحكم عليها خيرا كان أم شرا"(....) " فالإيقاع البطيء لزمن النمو ليس شرا نحتمله بل وظيفة ضرورية للنمو ". وكثيرا ما كان يقول " الطبيعة لا تحتاج إلى تربية، والغريزة خيرة طالما تعمل وحدها وتصبح مشبوهة عندما تتدخل المؤسسات الإنسانية وينبغي علينا أن ننظمها لا أن نقضي عليها وقد يكون تنظيمها أصعب من تدميرها " (26).

تتضمن التربية الطبيعة عند روسو فيضا متدفقا بالحب والحنان على الطفولة والأطفال. وقد استلهم روسو هذا العطف على الطفولة من الحرمان العظيم والبؤس الخانق والآلام الفادحة والمدمرة التي عاناها في طفولته المعذبة. وفي حنانه هذا زفرة طفولة مقهورة وصرخة إنسانية تدعو إلى محبة الأطفال والعناية بهم. يقول روسو والقول يتدفق بأعظم معاني الحنان والحب للطفولة والأطفال: " أحبوا الطفولة، يسروا لها ألعابها ومسراتها وفطرتها المحبوبة. من منكم لا يأسف أحيانا على تلك السنين التي لا تفارق فيها الابتسامة الشفتين(...) فلم تريدون أن تحرموا هؤلاء الصغار الأبرياء من متعة فترة تكاد من قصرها تفوتهم(...) ولم تريدون أن تملؤوا بالمرارة والآلام هذه السنوات الأولى الخاطفة التي لا تعود إليكم؟ أيها الآباء، هل تعلمون الأجل الذي ينتظر فيه الموت أبناءكم؟ قلا تتهيؤوا للندامة إذ تحرمونهم من الهنيهات القليلة التي منحتهم إياها الطبيعة. متّعوهم بلذة الوجود منذ أن يصبحوا قادرين على الاستمتاع بها حتى إذا دعتهم المنية في ساعة من الساعات، لم يموتوا قبل أن يتذوقوا الحياة ويقضوا منها وطرا"( (27*.

ويمكن تحديد أهم المبادئ الأساسية لطبيعة الطفولة في التربية عند روسو على النحو التالي (28):

1- طبيعة الطفل خيرة وليس شريرة.

2- يجب احترام ميول الطفل الطبيعية وتنميتها وفقا لمبدأ التربية السلبية.

3- التأكيد على تجربة الطفل الخاصة في اكتساب المعرفة واستبعاد دور المعلم ما أمكن ذلك.

4- تقسيم التربية إلى مراحل تتناسب مع عمر الأطفال لأن طبيعة الطفل هي التي تحدد نوع التربية الممكن.

5- العمل على فهم طبيعة الطفل ودراستها ورصد مكوناتها لكي تستقيم العملية التربوية.

التربية الحرة:

ينطوي مفهوم التربية السلبية عند روسو على شحنة ثورية هائلة وإيمان متفجر بمبدأ الحرية الإنسانية. وتتجلى هذه التربية السلبية في رفض مطلق لكل إكراهات التسلط والقهر والعبودية التي تنبث في عادات الناس وتشع في تصوراتهم وممارساتهم الإنسانية والتربوية.

يقول روسو " الحكمة البشرية ذاتها لا تنطوي إلا على تحكمات استعبادية، فعاداتنا لا تعدوا أن تكون إذلالا واستعبادا، وكبتا وألما فالرجل المتمدن يولد ويعيش ويموت في حالة عبودية: يلف عليه القماط يوم يولد، ويزج في الكفن يوم يموت ويغلق عليه التابوت يوم يدفن، وما دام حيا فإنه يكون مقيدا بأغلال الأنظمة المختلفة " (29).

إنه يقترح عبر مفهوم التربية السلبية ثورة تربوية عارمة تحرر الإنسان من قيوده وتحطم أغلاله وأصفاده. نادى روسو بمبدأ التربية السلبية فالتربية الأولى التي تقدم للطفل يجب أن تكون سلبية وهي لا تكون بالتلقين لمبادئ الفضيلة، ولكن قوامها المحافظة على القلب من الرذيلة والعقل من الزلل. ويعتقد روسو التربية الحقة تكون في النمو الحر الطليق لطبيعة الطفل وقواه الداخلية وميوله الفطرية. والتربية التي ينشدها ليست نفيا للتربية بل هي رفض للأساليب التربوية التقليدية السائدة التي تزج الإنسان في مدافن العبودية والإكراه. فالتربية السلبية هي التربية الحرة التي تترك للطفل أن ينمو بمقتضى فطرته وطبيعته الخيرة. إنها التربية التي تتيح للطفل أن ينمو روحيا وعقليا ونفسيا نموا حرا أصيلا خارج دوائر الإكراه والتسلط والقهر. فالتربية السائدة تربية إكراه تفقد الإنسان براءته وأصالته لأنها تستأصل قدرته على المبادهة وعلى العيش وفق قانون الطبيعة. ولذلك فإن التربية السلبية تشكل نفيا للعادات والأساليب التربوية السائدة في عصره. وهو يقول في معرض وصفه للتربية الإيجابية بأنها هذا النوع من التربية الذي يساعد على تكوين العقل قبل الأوان كما يساعد على تلقين الطفل واجبات الرجال. وهو لا يعني بالتربية السلبية حالة من السكون والكسل بل هي نوع من التربية الحرة التي لا تسبب الفضيلة ولكنها تحمي القلب من الرذيلة. وعلى خلاف ما هو معهود وسائد في عصره يؤكد روسو ألا شر أصيل في النفس الإنسانية ومن هذا المنطلق فإن طبيعة الطفل خيّرة بالمطلق وأن التربية الحقة تجري على نبض الإيقاع الداخلي لهذه الطبيعة.

التربية السلبية تعني باختصار أن نحقق للطفل نماء طبيعيا بعيدا عن تدخل الراشدين وعبثهم. وكأننا بروسو في هذا التوجه يميل إلى الاستغناء عن المربي كليا، وميلا إلى أن يوكل مهمة تربية الطفل إلى الطبيعة ذاتها وأن يدع الطفل منفردا في صدامه مع الحياة بتجاربها وعبثها ومفارقاتها. فوظيفة المربي لا تكاد تتجاوز حدود الإشراف على إميل عن بعد، وهو ليس مطالبا بالتدخل إلا حينما تقتضي الضرورة القصوى تدخله. وليس على المربي أن يحتسب الزمن والوقت في عملية نماء الطفل وتربيته بل يجب عليه أن يبدد الزمن ويهدر إمكانية الإحساس به لأن إميل يختمر ويتكوّن  وكلما كان نضجه في ظرف زمني هادئ مستريح في صدر الزمن كلما كان ذلك في مصلحة البناء والتكوّين والإعداد التربوي عند إميل. والقاعدة التي يعلنها روسو في هذا الصدد تقول وتشدد القول " بأن ليست أهم قاعدة في التربية أن نربح الوقت بل أن نضيعه".  (30) وانطلاقا من مقولة روسو بأن الطبيعة خيرة وأن المجتمع يفسدها فإن مفهوم التربية السلبية يرتكز إلى أمرين أساسيين:

- حماية إميل من الفساد الاجتماعي وإبعاده تربويا عن سطوة الراشدين وتدخلهم المباشر في التربية.

- مجاراة التطور الطبيعي في الطفل لأن الطفل يمتلك شروط نموه طبيعيا وهو ينمو وفقا لمبدأ القانونية الطبيعية.

تنطوي التربية السلبية على ثلاثة جوانب لمفهوم الحرية الطبيعة:

- الحرية الجسدية التي توفر للطفل كل ما يحتاجه من إيقاعات النماء الجسدي الحر الذي يأخذ مساره عبر النشاطات والفعاليات والألعاب وتترك لجسده الحرية. وهنا يجب نرفض كل ما من شأنه أن يقيد حرية الطفل الجسدية. ومن هنا جاء رفض روسو للقماط وهجومه العنيف على الأساليب التربوية التي تمنع الطفل من إمكانيات الحركة والقفز والانطلاق واللعب، وغير ذلك من هذه الحريات الجسدية الضرورية لنمو الطفل. كان روسو يعتقد بأنه لا يمكن للمرء أن يكون حرا بجسد مهزوم محاصر، لأن الحرية كينونة صماء لا تقبل التجزئة والانشطار. ولا يمكن لإنسان ما أن يكون حرا في المستوى العقلي أو العاطفي بجسد مهزوم ومحاصر.

- الحرية العاطفية والانفعالية: إذ يتوجب إبعاد إميل عن كل ما من شأنه أن يفرض على الطفل مشاعر مقننة وعواطف جامدة معلبة أو مثلجة. فالتطور الطبيعي للطفل يكون في أن نترك لمشاعره الداخلية حرية النمو وفقا لاندفاعات إنسانية داخلية نابعة من أحاسيس الطفل وتجربته ومشاعره، وتلك هي الخصوصية التي يجب ألا تتعرض لعدوان الراشدين وتسلطهم. إن التدخل في توجيه النمو العاطفي والانفعالي هو قمع للروح الداخلية للطفل، وهو إكراه يتجاوز كل إكراه، لأن الروح، وهي أعمق وأقدس ما في الإنسان، يجب أن تترك حرة أصيلة رشيقة كما تفرضها الطبيعة. دعوا الأطفال يتذوقون العالم عبر إحساسهم الإنساني بعيدا عن كل أشكال التسلط والإكراه. فللطفل أن يشعر بحرية أن يحب ويكره ويغضب ويتسامح بحكم مشاعره الداخلية وعلى منوال ما تفرضه روحه الداخلية التي تفيض بالعطاء.

- الحرية العقلية: ليس لنا أو علينا أن نفرض على عقل الطفل ما لا يحتمل وما لا يستسيغ. إن الاغتراب الحقيقي يكون عندما نفرض على عالم الصغار رؤانا ومعتقداتنا وأن نعلمهم وبصورة مبكرة ما نرغب من العلوم والمعارف. إن التعليم المبكر يقض مضاجع الأطفال ويحرمهم من عطاء الطبيعة بوصفهم أطفالا. وهنا يرى روسو أن القاعدة في تعليم الأطفال وتشكيل عقولهم ليست في أن نربح الوقت ونقتنص الزمن بل تكون في هدر الزمن وتضييع الوقت بالمعنى التقليدي، فتضييع الوقت وهدره في التربية الطبيعة وفقا لمفهوم روسو هو عملية استثمار عظيمة، لأن كل لحظة تبذل في سبيل التربية تجد مردودها العظيم في التكوين الخلقي والإنساني للطفل، لأن عقل الطفل يكون في المراحل الأولى في مرحلة التكوين، وهو الخاصة الإنسانية التي تنضج متأخرة. وفي هذا يقول روسو: لو كان بيدي لجعلت الطفل لا يعرف يمينه من يساره حتى الثانية عشرة من عمره. وهو بذلك يريد للطفل أن يكون قادرا على تشكيل رؤاه الخاصة للعالم وأن يكون في مرحلة يمتلك فيها زمام نفسه وعقله بحيث لا يقبل إلا ما يراه وفقا لمقتضى طبيعته بأنه صحيح وخير وأصيل. إنه ينادي بألا نهتم بالإعداد العقلي للطفل حتى بعد سن الثانية عشرة، لأن فترة الطفولة هي فترة الركود العقلي وهي مرحلة كومونية لا نستطيع أن نتصور مدى أهميتها، ولذلك يجب ألا ندفع الطفل إلى التفكير أو إلى القراءة أو إلى بذل أي مجهود عقلي في هذه المرحلة.

 وتعتمد التربية السلبية على قانون الجزاء الطبيعي، بحيث ندع الطفل يتحمل النتائج الطبيعية لأعماله دون تدخل أي إنسان. ويرى روسو في ذلك أن المربي يمكنه أن يقوّم أخلاق الطفل طالما يبين له أن العقوبة كانت طبيعية مثال: إذا أبطأ الطفل في ارتداء ملابسة للخروج للنزهة فاتركه في المنزل. وإذا أفرط في الأكل أتركه يعاني ألم التخمة. وباختصار دعه يتحمل النتائج الطبيعية لعدم خضوعه لقوانين الطبيعة.

وباختصار شديد التربية السلبية لا تعني نفيا للتربية، بل هي تربية حرة تتوافق مع الطبيعة، وإذا كانت التربية الإيجابية تسعى إلى تكوين النفس قبل الأوان فإن التربية السلبية تسعى إلى تعبيد طريق المعرفة وجعل أدواتها جاهزة قبل إعطاء المعرفة. إنها التربية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين نمو العضوية والنفس والعقل عند الأطفال. وهي تنطلق من مبدأ النمو الذاتي الحرّ لطبيعة الطفل. إنها لا تعلم الفضيلة بل تجنيب القلب من الوقوع في الرذيلة وهي، في جماع عبارة واحدة، النمو الحر لطبيعة الطفل وميوله الطبيعية.

 من الميلاد إلى الخامسة:

يؤكد روسو على أهمية الأبوين كمربيين طبيعيين للطفل، فالأبوان هما ال أكثر قدرة على أن يمنحا الطفل الحنان الضروري لنموه إنسانيا وأخلاقيا على نحو طبيعي. فالأب هو المعلم الطبيعي والأم هي حاضنته. ويعلي روسو هنا من شأن الأم على نحو خاص في العملية التربوية، وكان يلح دائما على دور الأم بقوله "إذا أردتم أن تعيدوا كل إنسان إلى واجباته الأولى عليكم البدء بالأمهات وستعجبون لما تحدثونه من تغيرات" (31).

في هذه المرحلة يجب على الأبوين رفض جميع الأساليب التربوية التقليدية السائدة واعتماد المنهج الطبيعي في التربية. وتكون البداية بإرضاع الطفل إرضاعا طبيعيا من صدر الأم، ويحذر من تغذية الطفل من غير صدر أمه كما كان سائدا في ذلك العصر. ويرفض روسو بمطلق الرفض أن يعهد بالأطفال إلى مربيات ومرضعات، ويهيب بالأمهات أن تقوم بواجبات الأمومة لأن غير ذلك يؤدي إلى مخاطر مذهلة يتصدع لها عقل الطفل وقلبه. وكان في هذا الصدد يرفض أن يغسل الطفل بالخمرة والنبيذ ويرفض هذا على مبدأ أن الخمرة شراب متخمر وبالتالي فإن الطبيعة لا تنتج ما هو متخمر.

يرفض روسو قطعيا وضع الطفل في القماط المعهود أو في " المهاد" لأن المهاد يمنع عليه الحركة وتدفق الدماء ويميت قلبه الحر، ويحذر من استخدام هذه الطريقة كما يحذر من آثارها المدمرة للطفل جسديا ونفسيا. ويؤكد أهمية اللعب بمستوياته المختلفة، حيث يأخذ اللعب مستويات تتدرج وفقا لعمر الطفل في مدى وحدود هذه الفئة أي من الميلاد إلى الخامسة من العمر. فإميل في هذه المرحلة يجب أن يتكوّن  جسديا على محك الألعاب الرياضية. فالرياضة المضمخة باللهو والتسلية واللعب هي الرياضة التي تناسب نمو إميل جسدا وعقلا. وهو يعتقد في هذا الصدد بأن جميع الرغبات الشهوانية تجد لها مسكنا في الأجسام الضعيفة، وكل ضعف يولد ضعفا، والطفل لا يكون سيء الخلق إلا لأنه ضعيف فإذا قويته تحسن وتم له النماء الأخلاقي والجسدي في آن واحد. يرفض روسو تلقين إميل فيضا من الكلمات والمفردات اللغوية ويريد لإميل هذا أن يحقق تناسقا بين نموه اللغوي ونموه الفكري. وباختصار فإن روسو يؤكد في هذه المرحلة العمرية على:

- عدم استخدام القماط.

- دعوة إلى الرضاعة الطبيعية.

- أن تكون التربية عملية نمو داخلية عضوية.

- الابتعاد عن الأوامر والنواهي.

- التأكيد على التربية الجسدية.

التربية من الخامسة إلى الثانية عشرة:

 يركز روسو على أهمية هذه المرحلة ويعتقد بأنها من أخطر المراحل التربوية في حياة الإنسان. وهو يؤسس للتربية في هذه المرحلة وفقا لمبادئ ثلاثة:

1- على إميل أن يستمد معلوماته وخبراته عن طريق الحواس والتجربة والاحتكاك المباشر مع الطبيعة.

 2- يجب على التربية في هذه المرحلة أن تكون تربية سلبية حيث يترك الطفل في غفوة أشبه بالسبات بعيدا عن مختلف التأثيرات الخارجية. وهنا يجب على المربي عدم التدخل إلا عندما تقتضي الضرورة. لأن إميل يتكوّن تكوّنا طبيعيا في هذه المرحلة وحري بنا أن نجعل الطبيعة تفعل فعلها وتنهض بواجبها دون تدخل المربين والكبار.

 3- التربية الخلقية يجب أن تكون عن طريق الجزاء الطبيعي، فعندما يسقط إميل يتألم، وعندما يتخم يعاني من الألم، وعندما يخرج في ليلة باردة يصاب بالزكام، وعندما يضع يده على مكان لاهب يشعر بألم الحرارة ووخزها، وفي كل هذا يجب أن يشعر الطفل بأن العقاب الذي استحقه كان عقابا طبيعيا ينبع من طبيعة الأشياء ذاتها وأن هذا العقاب لم يكن انتقاما أو إكراها يمارسه الكبار. وباختصار أيضا يؤكد روسو على المبادئ التالية في هذه المرحلة:

- التربية السلبية في مختلف مستويات هذه المرحلة.

- التربية الأخلاقية عن طريق النتائج الطبيعية.

- تدريب الحواس لا تدريب العقل.

- التعلم بالأشياء والخبرة والتجربة.

- لا حاجة إلى القراءة والكتابة.

التربية من سن الثانية عشر إلى الخامسة عشرة

في هذه المرحلة تبدأ عملية تعليم إميل، لأن مرحلة الغفوة والسبات قد انتهت وقد اكتملت لإميل أسباب التعلم بعد أن نضجت ملكاته الطبيعية وبعد أن خمرته الطبيعة وسوته وهيأته لتلقي المعرفة الإنسانية وما تنطوي عليه من قيم ومعايير ثقافية. لقد آن الأوان لتعليم إميل وتزوده بالمعرفة والمعلومات والمعارف. وفي هذه الفترة كما يقول روسو تزداد فيها قوة الفرد على ما يحتاج إليه.

ومع أهمية هذه المرحلة وضرورة التعلم فيها فإن روسو يرسم سبل التعلم والاكتساب ويحدد مساره وطريقته. فالتعلم والاكتساب يجب أن يتم عن طريق التشويق وأن يتساوق مع الرغبة في التعلم وحب الاستطلاع، وهنا يجب أن يكون ميل إميل وتعطشه للعلم والمعرفة ناجما عن رغبات طبيعية أصيلة في أعماقه.

ومن حيث طبيعة المعرفة التي يجب أن نزودها للطفل يجب أن تكون متوافقة مع اهتمامات الطفل ولاسيما هذه التي تدفعنا غرائزنا إلى تتبعها والتي تتضح أهميتها وفائدتها العملية بالنسبة لإميل.

على الطفل كما يؤكد روسو وينصح أن يقرأ قصة "روبنسون كروزو" لأن هذه القصة تؤكد أهمية التعلم وفهم الحياة وفقا لقوانين الطبيعة حيث تبرز أهمية الاعتماد على النفس فيها.

ويجب على إميل أن يتعلم حرفة بحد ذاتها، وذلك ليس من أجل الكسب، بل من أجل غرض أسمى من هذا، وهو التغلب على العقائد الفاسدة التي تحط من قدر هذه الحرفة؛ وعندما نؤكد من جديد على أهمية التجربة الذاتية، ويكون التعليم مناسبا لحاجات إميل وميوله، فإن إميل سيصبح شخصا مجدا هادئا صبورا مملوءا بالشجاعة والثقة، وقادرا على أداء وظيفته الحيوية والاجتماعية بصورة تجعله أكثر قدرة على التكيف والاستمتاع بحياته وتحقيق السعادة الطبيعية المنشودة.

وفيما يتعلق بالمواد الدراسية يتوجب علينا أن نعلّم إميل العلوم الطبيعية مثل الفلك والجغرافيا وخير وسيلة لتعلم الخرائط هي الأسفار والتنقل والترحال. وهو يرفض تعليم إميل النحو واللغات القديمة والتاريخ لأنه يريد لإميل أن يعيش في عزلة عن المجتمع وفي دائرة الطبيعة تحديدا.

وفي منهج التعليم، يرفض روسو مبدأ الخطب الرنانة المصقعة، ومبدأ النصح والإرشاد، ويؤكد على الأهمية الكبرى للمارسة والتجربة ويقول " لنحوّل إحساساتنا إلى أفكار، وعلينا أن نتجنب القفز مباشرة من عالم المحسوس إلى العالم المجرد، ولنتحرك وبأناة وروّية من فكرة محسوسة إلى فكرة محسوسة، لنتعلم عن طريق الأشياء، وعلينا أن نبتعد عن معالجة الأشياء بالرمز طالما نستطيع أن نرصدها أشياء في دائرة المكان والزمان".

من سن الخامسة عشرة إلى العشرين

في هذه المرحلة تنمو استعدادات إميل وقدراته على التكيف مع الآخرين والحياة الاجتماعية، وقد آن الأوان ليصبح إميل كائنا اجتماعيا فاعلا ومشاركا في دائرة الحياة التي تنتظره في المجتمع. ومن أجل هذه الغاية يتوجب علينا أن ندربه على العلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين. في هذه المرحلة يكون إميل قد اكتمل نضجه جسديا وحسيا وعقليا، وقد آن الأوان لكي يتشكل عاطفيا وروحيا.

فالتربية في المراحل السابقة كانت تربية ذاتية تهدف إلى بناء الجسد والنفس، أما الآن فيجب إعداد إميل من أجل الحياة الاجتماعية، وعلينا أن ندربه على امتلاك شروط العلاقة الاجتماعية وفقا للمعايير الاجتماعية التي يفرضها تكيف الأنا مع الآخر.

 تسعى التربية في هذه المرحلة إلى تنمية الوجدان وبناء الأخلاق الاجتماعية، حيث تنتهي في هذه المرحلة فترة التعليم أو التربية العادية أو السلبية كما يحلو لروسو أن يسميها. وهنا يؤكد روسو في هذه المرحلة على التربية الدينية والأخلاقية. ولكنه يرفض الأساليب القديمة في تشكيل إميل أخلاقيا ولاسيما أخلاق النصح والإرشاد حيث يجب على إميل أن يكتسب عمقه الأخلاقي عن طريق الممارسة ومحاكاة أبطال التاريخ.

وفي هذه المرحلة أيضا تبدأ إمكانية بناء صلة دينية بين إميل وربه، وتتوجب تربيته الدينية على قيم الحق والخير والجمال. فالطفل يمتلك القدرة في هذه المرحلة على فهم أمور الدين ويمكنه أيضا أن يدرس البلاغة والتاريخ والمسرح لأن هذه المرحلة تمكنه من تذوق الفن والاستمتاع بالقراءة والمطالعة.

فإميل يمتلك في هذا العمر رصيدا محدودا من المعرفة ولكنه يمتلك هذه المعرفة امتلاكا حقيقيا والمعرفة التي يمتلكها معرفة نابعة من صميم الأشياء وراسخة في قلب إميل وعقله، وهناك أشياء كثيرة أيضا مازال يحتاج إلى معرفتها وهناك أشياء لا يعرفها ولا يحتاج إلى معرفتها ولكنه يمتلك القدرة الكلية على معرفة كل الأشياء.

تربية المرأة أو صوفيا:

يكرس روسو الجزء الخامس من كتابة إميل لتربية المرأة التي أطلق عليها اسم(صوفي)، وهي تظهر مباشرة في الكتاب دون تمهيد يذكر. يؤكد روسو في هذا الجزء على أهمية التربية الجسدية لصوفيا، ويرى بأنه يتوجب عليها أيضا أن تتعلم فن الطهي والتطريز والموسيقى والعناية بالطفل وعدم الاهتمام بالعلوم. وهنا نجد أن روسو كان كلاسيكيا وعدوانيا في نظرته إلى المرأة، فوظيفة المرأة هي إسعاد الرجل وإرضائه والقيام بتربية الأطفال. وهو يقف موقفا سلبيا من المرأة المثقفة التي قد تكون وبالا على زوجها وأطفالها وعائلتها. وكثيرا ما يؤخذ على روسو هذا الموقف المتوحش من المرأة، ويؤخذ عليه أيضا أن آراءه متطرفة وعنصرية وغير إنسانية فيما يتعلق بدور المرأة ووضعها الإنساني والاجتماعي. ومن أوجه الغرابة في هذا الموقف أن روسو كان في سيرة حياته كلها يدين للمرأة التي كانت عونه في مسيرته الإبداعية والفكرية والحياتية. فعبقرية روسو وحياته كانت وليدة عناية أنثوية خالصة، ولا يخفى على من يقرأ سيرة حياته أنه كان مدينا للمرأة الأم والصديقة والزوجة والعمة التي كثيرا ما كان ينهمر دمعه على عمته وعلى عدة نساء كان لهن دورا عظيما في حياته، فلمسة الحنان الوحيدة في حياته كانت هي لمسة المرأة. فصوفيا في هذا الكتاب لا تمتلك إلا على فضائل ثانوية وهي الفضائل التي تتصل بالحياة الزوجية والأسرية وهي كما يصورها روسو شخص ناقص يحتل مرتبة دنيا في عالم إميل وحياته.

الخاتمة

سجل روسو نفسه في تاريخ الفكر مربيا ومعلما وفيلسوفا وأديبا وثائرا، وكانت سيرته الحياتية والفكرية من أغرب السير التاريخية في تاريخ الفكر إن لم تكن أغربها على الإطلاق. ومن أوجه الغرابة والإدهاش في هذه السيرة أننا مع روسو نجد أنفسنا أمام عبقرية شمخت ونهضت على أعمدة القهر وعلى ثوابت الألم والهزيمة. وعلى هذا الأساس شيّد مملكته الفكرية الجبارة الفيّاضة بكل المعاني الإنسانية النبيلة والخلاقة. لقد أحدث انقلابا فكريا في عصره وفي العصور التي تتابعت بعده. ولا غرابة في ذلك فهو مؤسس التربية الحديثة وصاحب أكثر النظريات التربوية عبقرية وغرابة.

وما يدهش أن علم النفس الحديث والنظريات التربوية الحديثة قد استجابت لاندفاعات روسو العبقرية الجامحة المتمردة. ولم تستطع الانتقادات التي وجهها العلماء والمفكرون والكتاب لنظريته التربوية والاجتماعية أن تنال من شموخ هذه النظرية بل زادتها شموخا وتمردا. صحيح أن مظاهر النظرية قد تبدو غريبة مستغربة ولكن جوهرها الإنساني مازال يحلق في الأجواء الشامخة.

إن ما اكتشفه روسو بفطرته وعواطفه ونبيل إحساسه الإنساني وعبقريته الأدبية كان كشفا عن مناطق مظلمة في حياة الإنسانية فأراد أن يطرد منها العتمة ويحررها من الجمود عبر شطحات عقل ثائر متمرد. وما حمله روسو إلى البشرية عبر نظريته التربوية تارة والاجتماعية تارة أخرى لا يضاهيه عطاء. لأنه وباختصار جاء ينتصر للأطفال والضعفاء والمظلومين والمحرومين والمقهورين، جاء ليحرر الطفل من ظلمات القرون الوسطى لأن الطفل في نظريته رمز البراءة والعطاء بل هو هبة الله ولذلك فإن سعادة الأطفال يجب أن تكون هدف التربية بالمطلق.

وإذا كان عصره لم ينصفه، إذ عاش حالة التشرد والقهر مظلوما مهزوما في وطنه، فإن روسو اليوم يمثل رمزا من رموز الحضارة الإنسانية التي تفتخر به فرنسا ثقافة وحضارة، وهو الذي هجرته الأيام فعاش متوحدا حزينا مقهورا مغلوبا مطاردا من قبل رجال الأمن والسلطات في عصره. ومن من المفكرين في القرن التاسع عشر ولاحقا في القرن العشرين من لا يدين لروسو الأب الروحي للتربية الحديثة. فالتاريخ يعلمنا بأن جميع المبدعين من بعده في مجال التربية والفكر الاجتماعي يدينون له ويأخذون عنه ويتمثلون جوهر رؤيته للتربية والإنسان.

ليس غريبا أن يكون كتابه العقد الاجتماعي طفرة فكرية وجهت عمل الثورة في فرنسا وهي أعظم ثورة تشهدها أوربا ضد القهر والاستبداد والإرهاب. وليس غريبا أيضا أن يحدث ثورة تأخذ طابع الاستمرار في مجال التربية. لقد وضع روسو حجر الزاوية لانقلاب فكري تربوي أتى على كل التراث القديم في مجال التربية وأحدث انقلابا كوبرنيكيا في المفاهيم والرؤى والتصورات. وستبقى نظريته في العقد الاجتماعي ونظريته في التربية أحجارا كريمة براقة في عقد الفكر الإنساني الحر إلى الأبد.

 

علي أسعد وطفة

........................

هوامش وحواشي :

1- انظر : علي وطفة ، خالد الرميضي ، التربية قبل المدرسية، تصورات علمية وعقائد نقدية، مكتبة الطالب ، الكويت ، 2004، الفصل السادس ، صص 155-179.

2- انظر: جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

3- بو منرو، المرجع في تاريخ التربية، ترجمة صالح عبد العزيز و حامد عبد القادر، مكتبة النهضة المصرية، 1949، الجزء الثاني، ص 229.

4- السيد محمد بدوي، الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع، دار المعارف، القاهرة، 1980، ص 94.

5- Hubert Hannoun, Anthologie des penseurs de l'éducation, P.U.F., Paris, 1995,pp158-177.

6- شبل بدران، الاتجاهات الحديثة في تربية الطفل ما قبل المدرسة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2000، ص 117.

7- محمد الفرحان، الخطاب الفلسفي التربوي الغربي، الشركة العالمية للكتاب، بيروت 1999، ص 118

8- J.-J. ROUSSEAU, Discours sur les sciences et les arts, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes, in Œuvres complètes, t. III, coll. La Pléiade, 1964.

9- J.-J. ROUSSEAU, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes(1754), préf. B. de Jouvenel, Gallimard, 1965.  Du contrat social, introd. et notes J. Halbwachs, Aubier-Montaigne, Paris, 1960.

10- J.-J. ROUSSEAU, La Nouvelle Héloïse, Amsterdam, 1761, rééd. in Œuvres complètes, t. II, B. Gagnebin et M. Raymond éd., coll. La Pléiade, Gallimard, 1961.

11- Rousseau, J.-J. Du contrat social. Flammarion. 1ère édition, Paris,1762.

12- جان جاك روسو، إميل والتربية، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

13- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، دار العلم للملايين، بيروت، 1984، ص 377.

14- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، دار العلم للملايين، بيروت، 1984، ص 377.

15- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ،  المرجع   سابق، ص 376.

16-

16-  جان جاك روسو، أصل التفاوت بين البشر، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

17- انظر: جان جاك روسو، إميل والتربية، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

18- KAHN P., Emile et les Lumières, dans L'éducation, approches philosophiques, PUF, Paris, 1990.

19 P. BURGELIN, La Philosophie de l’existence de Jean-Jacques Rousseau, Paris, 1952, 2e éd. 1973, rééd. 1978.

20- فاطمة جيوشي، فلسفة التربية، جامعة دمشق، مطبعة خال بن الوليد، دمشق 1982، ص 61.

21- جان جاك روسو، أميل أو التربية، ترجمة عادل زعيتر، م، دار المعارف، القاهرة، 1956، ص 37.

22- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 378.

23- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 378.

24- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 397.

25- راتب عبود، نظريات التربية في عصر التنوير الفرنسي، ترجمة عبد الله المجيدل، دار معد النشر، 1996، ص37.

26-  فاطمة جيوشي، فلسفة التربية، مرجع سابق، ص 74.

27-  عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 384.

28- محمد كمال يوسف عالية وآخرون، الفكر التربوي: أصوله تطوره اتجاهاته المعاصرة، الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، كلية التربية، الكويت، 1985، ص 105.

29- بول منرو، المرجع في تاريخ التربية، ترجمة صالح عبد العزيز و حامد عبد القادر، مكتبة النهضة المصرية، 1949، الجزء الثاني، ص 239.

30- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق ص383.

31- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 381

 

 

عدنان عويدإن مسألة تأصيل الفكر السلفي الوثوقي الجبري وقوننته بدأت إرهاصاتها الأولى في نهايات القرن الأول للهجرة مع المالكي والشافعي  وابن حنبل، مرورا  بتلامذتهم مثل، أبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي، والسيوطي، والقطني والشعيبي وابن قيم الجوزية وابن تيمية والباقلاني والقطني والسختياني وغيرهم. فكل هؤلاء التلاميذ آمنوا إيماناً مطلقا بدور النقل على حساب العقل، وقياس الشاهد على الغائب، وأن صريح العقل لا يخالف صحيح النقل، وأن الحسن والقبيح هو ما حسنه الشرع أو قبحه. وإذا اضطروا لاستخدام العقل كما استخدمه الشافعي وغيره فيما بعد في القياس، أو كما استخدمه الأشاعرة في نظرية الكسب، فيأتي استخدام العقل هنا للاستدلال والاستقراء أو البحث عن دليل في النص أو الأثر ليشيرعن ما هو محدث او مستجد من أمور الحياة. أو بتعبير آخر، يأتي استخدام العقل في هذا المنهج لتثبيت النص والأثر وليس للحكم عليهما، لأن ما تم في الزمن الذي حدد أصحاب هذا التيار (القرون الهجرية الثلاثة الأولى)، صحته وضرورة الالتزام به، وهو زمن مقدس ولا نقاش أو رأي في ما ورد فيه من فكر وسلوكيات. كما أن التقديس راح يشمل فيما بعد عند البعض حتى أقوال فقهاء هذا المنهج السلفي أنفسهم.

لنعود وننظر في آراء من أصل لهذا التيار السلفي الجبري، حيث يعتبر الشافعي /150- 205/ للهجرة، هو أول من أصل قواعد الفقه السلفي في صيغته الوثوقية التي جئنا عليها، عندما حدد المراجع الأساسية للتشريع الإسلامي بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، وإذا كان القرآن وما اتفق عليه من الحديث الصحيح هي مسائل ثابتة، فإن الإجماع جاء عنده مقتصراً على إجماع علماء الدين من أهل السنة، أو إجماع أهل المدينة، أما القياس فهو البحث عن دليل شرعي لكل محدث أو مستجد لم يرد فيه نص أو أثر، ودور العقل في القياس هنا هو البحث عن دليل في هذه المصادر الأساسية وليس لابتداع دليل .

يقول الشافعي حول ضرورة التمسك بالنص المقدس والأثر: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى.).(1)

إن الماضي عند الشافعي يأتي هنا بصريح لفظه  متمسكاً بالعلم الوحيد في الإسلام، فلا يحل أو يحق لجيل لاحق أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه، إلا ويكون مستنداً إلى حكم أو فتوى أو فكر الأجيال السابقة. وبالتالي فكل المحدثات من الأمور هي بدعة كما يورد ابن القيم الجوزي عن الشافعي قوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما، ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه البدعة الضلالة). (2).

أما بالنسبة لأحمد بن حنبل المتوفى سنة /284/ هـ، فهو الممثل الرئيس لمدرسة الرواية، وهي المدرسة التي تأخذ بالحديث حتى المرسل والضعيف منه وترجحه على الأخذ بالرأي والقياس. فالحديث الضعيف عند ابن حنبل (أهم من الرأي)، وكذلك الخبر الضعيف كما يقول. فابن حنبل يحارب الأخذ بالرأي ويلتمس الخبر ولو كان ضعيفاً، هذا وقد روي عن ابنه عبد الله قوله: (سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل.).(3). والدغل هو فساد الرأي.

هذا ويعتبر ابن حنبل من أكثر الفقهاء تشدداً بالنسبة للتيار السلفي، وأن معظم من اشتغل على هذا التيار وأخذ به يعتبر ابن حنبل أستاذه، وفي مقدمة هؤلاء " أبو حسن الأشعري".

أما أبو حسن الأشعري المتوفى سنة /324/ هـ، وهو المعتزلي أصلاً، ثم تخلى عن فكره القدري ليلتحق بالفكر السلفي بعد أن راح أصحاب الفكر السلفي يُلاحقون من يقول بالقدر، وشُكلت لهم محاكم التفتيش منذ مرسوم المتوكل عام 232 للهجرة الذي أصدره لمعاقبة كل من يقول بالرأي، واعتماد العقل مرجعاً للحكم على مستجدات الحياه.

لقد انبرى الأشعري مدافعاً عن مقولات ابن حنبل بعد أن تبنى آراءه وهو القائل في ذلك: ( قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله وسنة نبينا محمد (ص) وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.).(4). وبهذا الموقف السلفي أصبح تياره فيما بعد الممثل الأكثر حضوراً للتيار السلفي الوثوقي الجبري في صيغته الحنبلية الضيقة، بالرغم من إشكالية الأشعري الواقعة بين رغبته في مدرسة الحديث من جهة، وبين انشقاقه عن المعتزلة وتأثره بدور العقل من جهة ثانية، وللخروج من هذه الإشكالية راح يستخدم العقل لتثبيت النص وليس للحكم عليه، أي استخدام العقل لنفي العقل. هذا وقد اعتبر الأشاعرة كتيار ديني سلفي من التيارات الأساسية التي توافق الخط العام السياسي للسلطات الحاكمة سابقاً ولاحقاً، وهو بإيمانه أو قوله – أي الأشعري - بالإجماع في زمن ظهوره، كان يلتمس الشرعية في فعل السلف وما ينسب إليهم من الإجماع على اختيار أبي بكر وعمر وعثمان، وذلك لنفي مقولة المعارضة الشيعية بالوصية لعلي وأبنائه من بعده.

على العموم، إن أبي حسن الأشعري في المحصلة أصل للسلفية من حيث العقيدة، في الوقت الذي أصل لها الشافعي فقهياً. أي هو من ولج باب الأصول أكثر من الفروع، في مسألة القضاء والقدر، وطرحه لنظرية الكسب، وهو من تحدث بالصفات العقلية واعتبرها من ذات الله، وتكلم بمفهوم العدل  والحسن والقبيح الشرعيين، وأنكر السببية، وقال ليس من قديم سوى الله أما العالم المادي فمحدث.

أما الغزالي المتوفى سنة /505/ هـ، وهو تلميذ أبي حسن الأشعري فقد تمسك بفكر أستاذه، في الوقت الذي فتح فيه الحدود بشكل (تلفيقي) بين الفلسفة والمنهج السلفي، بالرغم من بقائه محاربا للفكر العقلاني برده على الفلاسفة في كتابه المشهور (التهافت). فالغزالي واجه الفلاسفة الذين قالوا إن الله لا يعلم إلا بالكليات، أما الجزئيات فلا، فالغزالي يقول بأن الله خلق العالم بإرادة حرة قديمة وهو قادر على الإحاطة الكلية والجزئية بهذا العالم. كما يقول الغزالي إن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل وليس بقوة البشر الاطلاع عليها.(5).كما حاول إقحام التصوف في الفكر السلفي حيث اشتغل على هذا الفكر والتقى مع المتصوفة في الكثير من أفكارهم، واختلف معهم في قضية وحدة الوجود حتى ولو على أساس روحي، كون هذا المبدأ يرمي في النهاية إلى إنكار الواحد الأحد المفارق والعلوي.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

............................

1- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي

العربي –ط1- 1998- ص69

2- المرجع نفسه- ص 69.

3- المرجع نفسه- ص 72.

4- المرجع نفسه. ص- 55 .

5- الطيب تيزيني- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة  - القسم الثاني- دمشق – وزارة الثقافة- 2005– ص 253.

 

محمد عبد الكريم يوسفمقدمة: إن التفسير القانوني في إطار مفهومه العام يعني أن القاعدة القانونية المراد تفسيرها يكتنفها الغموض ولذلك يسعى الشارع إلى توضيحها. وللوقوف على المعنى الدقيق لماهية التفسير القانوني يجب أولا أن نحدد مفهومه لتبيان أهم دواعي التفسير وطرقه.

تعريف التفسير القانوني:

يقصد بالتفسير في اللغة مطلق التبيين، إذ يقال فسر الشيء يفسره ويبينه. ويعرف التفسير في الاصطلاح القانوني بأنه تحديد المضمون الحقيقي للقاعدة القانونية بالكشف عن مختلف التطبيقات التي تنسحب عليها أحكامها وإيضاح ما غمض من هذه الأحكام واستكمال النقص فيها ورفع ما قد يبدو في الظاهر من التناقض بين أجزائها أو يلوح من التعارض بينها وبين غيرها من القواعد القانونية . أما التفسير القانوني للنصوص فيعني تبيين معنى القاعدة القانونية المتضمنة في نص مكتوب، وتحديد المعنى الذي تتضمنه القاعدة القانونية وتبيين نطاقها حتى يمكن مطابقتها على الظروف الواقعية التي يثار بصددها تطبيق هذه القاعدة وهو أيضًا الاستدلال على الحكم القانوني وعلى الحالة النموذجية التي وضع لها هذا الحكم من واقع الألفاظ التي عبر بها الشارع عن ذلك. هناك دائما مفهومان للتفسير القانوني للنصوص يمكن أن نلخصهما بما يلي:

المفهوم الضيق للتفسير القانوني:

يقصد بالمفهوم الضيق إزالة غموض النص وتوضيح ما أبهم من أحكامه وهنا لا يقع التفسير إلا في حالة غموض النص ولا شأن للتفسير بنقص النصوص أو قصورها أو تعارض أجزاء القانون لأن هذه الأمور من اختصاص الشارع لا المُفسر.

المفهوم الواسع للتفسير القانوني

و يقصد به توضيح ما غمض من ألفاظ النصوص القانونية وتقويم عيوبها واستكمال ما نقص من أحكام القانون والتوفيق بين أجزائه المتعارضة وتكييفه على نحو يواكب متطلبات المجتمع وروح العصر.

وبالتالي يمكن أن يشمل التفسير المعاني التالية:

- التفسير عملية ذهنية تهدف إلى استخراج النص أو المضمون الحقيقي لقاعدة معينة.

- التفسير يعني وجود اصطلاح مطلوب اكتشاف واستخراج المحتوى الذي يتضمنه .

- التفسير يقتضي وجود سلطة عامة تضطلع عليه وكذلك وجود حكم غامض ومبهم يتطلب التفسير.

مجال التفسير القانوني للنصوص:

التفسير لا يرد إلا على التشريع المكتوب وتعد تعد الكتابة شرطا لقيامه والمقصود بالتشريع جميع القواعد والنصوص القانونية الصادرة عن سلطة الدولة. وإلى جانب التشريع نجد العرف والمبادئ العامة للقانون وغيرها حيث أجمع الفقهاء على عدم إخضاعها للتفسير لأن القاضي يتعمد التأكد من وجود العرف فقط ويتعلق في هذه الحالة بمسألة الإثبات لا غير . ويُتوصل إلى المبادئ العامة للقانون عن طريق الاجتهاد مما يجعلها في غنى عن تفسيرها.

أسباب ودواعي التفسير القانوني للنصوص:

هناك أسباب عديدة تدفع إلى التفسير القانوني للنصوص يمكن أن نلخصها بما يلي:

الأسباب الذاتية الداخلية:

1- الخطأ المادي أو المعنوي: وهو كل تشويه مادي أو معنوي لصياغة النص بحيث لا يستقيم النص إلا بتصحيح هذا الخطأ.

2 - الغموض أو الإبهام: ويقصد به عدم وضوح عبارات النص بحيث يجعله يحتمل أكثر من معنى. ودور المفسر في هذه الحالة اختيار المعنى الأكثر صحة والأقرب إلى الصواب من بين باقي المعاني الأخرى، وكمثال على الغموض الذي قد يشوب النص القانوني مصطلح " الليل" الذي قد يحمل في طياته معاني متعددة مثل السرقة ليلا أو فتيات الليل أو الغموض أو الظلام وفي اللغة العامية يعني الليل إما تخييم الظلام أو الفترة الممتدة بين غروب الشمس وشروقها من منظور علم الفلك .

3 - النقص والسكوت: لا يمكن أن يتسم النص القانوني بالنقصان إلا إذا كانت عباراته خالية من بعض الألفاظ التي لا يستقيم الحكم إلا بها أو بعبارة أخرى هو كل ما يصيب النص أو النظام القانوني من ثغرات أو فراغات غير مملوءة. لاحظ النص القانوني التالي وتمعن فيه " لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة إذا كان الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية ."

وعند فهم هذا النص يتضح أن الشارع قد اشترط لاعتبار الفعل مبررا قانونا لابد من توافر شرطين أساسيين هما: أن يكون الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية وباعتماد الواو بدل " أو" في متن النص "… وأمرت به السلطة الشرعية" يكون الشارع قد ألزم توافر الشرطين لا أحدهما فقط .

4 - التناقض والتعارض: ويتحقق هذا السبب في الحالة التي يكون فيها الحكم الدال عليه النص الأول يخالف الحكم الذي يمكن استنتاجه من النص الثاني وإذا لم يكن بالإمكان التوفيق بين النصين وتطبيقهما معا يعتبر النص المتأخر ناسخا للمتقدم. ويمكن أن نصادف هذه الحالة عندما يكون لدينا قاعدتين متناقضتين في معانيهما، ومثال ذلك ما جاء في الدستور الفرنسي عندما وجد القاضي نفسه في قضية الحجاب الإسلامي بين الحرية الدينية والعلمانية كمبدأين لهما قيمة دستورية.

الأسباب الموضوعية الخارجية: يمكن إجمال هذه الأسباب في الانتفاض ضد الشكل وتغير وظيفة القانون وتضخم في أدوار أجهزة الدولة بالإضافة إلى الأدوار الحقوقية للقاضي .

1- الانتفاض ضد الشكل:هذه الظاهرة التي تم الاعتماد عليها في مجال القانون شكلت عدة مدارس ومناهج جديدة، وما ميز الأخيرة هو تنكرها للطبيعة الخيالية للتصور الموروث من التقاليد الجوستينية التي كانت تنظر إلى القاضي على أنه مجرد ناقل ينطق كلمات القانون أي أنه يعتمد فقط المنهجية الاستنباطية دون إدخال أي جديد من تقييمه الشخصي . وعلى العكس من ذلك، فإن عملية الاختيار التي يمارسها القاضي بشأن البدائل المعروضة أمامه يعني ممارسة سلطة تقديرية وهذا لا يقتضي فقط أخذ الحجج المنطقية المجردة بعين الاعتبار وإنما الأخذ بعين الاعتبار جميع الحالات والمجالات .

2- تغير وظيفة القانون: يعود سبب ذلك إلى تنامي دور التفسير المتغير الذي طرأ على دور ووظيفة القانون والدولة فبتدخلها في جميع المجالات جعلها بحاجة لأجهزة قادرة على إكمال تدخل القانون وإعطائها فعالية عملية أكبر. فالقوانين التي تصدر الدولة لم تعد تتخذ طابع الحياد بل أصبحت تطمح إلى تغيير المجتمع وبذلك صارت القوانين تحمل عناصر سياسة الدولة في داخلها . هذا المتغير زاد من السلطة التفسيرية للقانون وقاد إلى وضع قوانين جديدة وزاد أيضا من اتساع الهامش المتروك للسلطة التقديرية لهؤلاء.

3 - تضخم أدوار أجهزة الدولة: إن التغيرات التي طرأت على أجهزة الدولة سببت في تضخمها وصيرتها عاجزة عن مسايرة التطورات العالمية فالكثير من القوانين صارت إما متأخرة أو باتت غير فعالة وأحيانا معاكسة للأهداف الاجتماعية التي يفترض أنها تسعى إلى تحقيقها وقد سبب الكثير من القوانين في حدوث الخلط والغموض وفقد الاعتبار والإهمال لها. يضاف إلى ذلك فقدان الثقة في هذه الأجهزة مما قد يؤدي إلى مخاطر الاستبداد ضد المواطن نظرا للتدخل الواسع للإدارة في شؤون الناس وزيادة الأعباء والضرائب وتكرارها وعدم منطقيتها .و بسبب قصور الجهازين التشريعي والتنفيذي بات هناك دور جديد على كاهل القضاء يشكل تحديا من أجل صد النزوع التحكمي للإدارة والميل نحو التسلط وهو الدور الذي أصبح يعول عليه في ظل هذه المتغيرات الجديدة.

4 - الأدوار الحقوقية للقاضي: وهو من الظواهر الجديدة التي طفت على الساحة الدولية وأصبحت تفتح آفاقا جديدة لتنشيط آلية التفسير حيث أدى إلى انتشار ما أضحى يطلق عليه بحقوق الإنسان التي انتشرت في دول العالم قاطبة والتي ضمنت دساتيرها نصوصا تتعلق بهذه الحقوق. يتضح لنا من كل هذه المتغيرات الجديدة أن الأنظمة السياسية والقانونية للدول تتجه وبشكل سريع نحو إلقاء مهام جديدة ومتنامية على القضاء مما يقود بشكل تلقائي إلى اللجوء إلى الأدوات والمناهج المتعلقة بتفسير النصوص القانونية.

مناهج التفسير القانوني للنصوص:

يعتمد التفسير القانوني للنصوص مناهج كثيرة يمكن أن نلخصها بما يلي:

يعتمد التفسير طرقا متعددة ومتنوعة ميز الفقه فيها بين وسائل وطرق داخلية وأخرى خارجية.

1- التفسير اللفظي: وهو تفسير النصوص اعتمادا على المعاني اللغوية والاصطلاحية لألفاظ النص القانوني بغية الوقوف والكشف عن قصد الشارع .

2- الاستنتاج بطريق القياس: وهو تطبيق حكم وارد في حالة معينة على حالة أخرى مشابهة لم يرد في حكمها نص قانوني . حيث يُعتمد على الحديث النبوي الشريف في تفسير النصوص القانونية خاصة وأن الشريعة الإسلامية هي أحد المصادر القانونية الرئيسية الذي ينص على أن قاتل مورثه لا يرث منه ويمكن الاستنتاج أن الموصى له إذا قتل من أوصى له فإنه لا يستحق الوصية منه وذلك لاتحاد العلة في الحالتين وهي القتل .

وللقياس شروط يمكن إجمالها بما يلي:

- عدم وجود حكم مقرر بنص لفظا وروحا.

- وجود أوجه للشبه للعناصر الأساسية بين الحالة المنظمة والحالة التي لا يوجد فيها حكم تشريعي.

- ألا يكون الحكم المقرر تشريعا قد ورد على سبيل الاستثناء لأن الاستثناء لا يقاس عليه.

- ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه.

- لا يجوز اللجوء إلى القياس بالنسبة للجرائم والعقوبات.

3- الاستنتاج بمفهوم المخالفة: ويكون بتطبيق ومنح واقعة غير منصوص عليها في القانون عكس الحكم الذي أعطي لواقعة منصوص عليها فيه لوجود اختلاف في العلة أو لانتفاء شرط من الشروط المعتبرة في الحكم. ومثاله أن يشترط نص لمزاولة مهنة ما الحصول على إذن إداري بذلك فإن مفهوم المخالفة يقتضي إبطال مزاولة المهنة المشار إليها في غياب الترخيص الإداري.

4- الاستنتاج من باب أولى: وهو تطبيق حكم وارد في حالة معينة على حالة أخرى لم يرد في حكمها نص لا لأن علة الحكم الوارد في الحالة الأولى أو سببه متوفران في الحالة الثانية فحسب كما هو الحال بالنسبة للاستنتاج بطريق القياس. ولكن لأنهما أكثر توافرا في هذه الحالة منهما في الحالة الأولى ومثال ذلك قوله تعالى في حسن معاملة الوالدين: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} ويستنتج من ذلك عدم ضربهما من باب أولى. ومثاله كذلك تحريم الخمر الذي لما له من أضرار على الإنسان ومن ثم فمن باب أولى تحريم المخدرات الأكثر فتكا بجسم الإنسان وهكذا دواليك .

5- حكمة التشريع: وهي تحري الغاية النهائية التي يقصدها المشرع من وضع التشريع كدعم الاقتصاد ورعاية الفئات الضعيفة ومنفعة قطاع معين من قطاعات الإنتاج كالزراعة وحماية الأقليات والحفاظ على أمن المجتمع. مثال: ما المقصود بلفظة "الليل" كظرف مشدد في القانون الجنائي: الظلام الفلكي أم الظلام الفعلي؟ حكمة التشريع تدعو إلى الاعتداد بالظلام الفلكي الذي يسكن فيه الناس ويسترخون.

6- الأعمال التحضيرية: وهي مجموعة المذكرات التفسيرية ومناقشات المجالس التشريعية ومحاضر جلسات هذه المجالس وأعمال اللجان التي تقترن عادة بالتشريعات عند تحضيرها وهذه الوثائق تفيد المفسر لمعرفة قصد المشرع الحقيقي عند وضع النص ويجب التنبيه إلى أن هذه الأعمال قد لا تعبر عن وجهة المشرع تعبيرا حقيقيا ولذا فان الرجوع إليها يكون على سبيل الاستئناس .

3- المصادر التاريخية: في حالة غموض النص الوضعي المحلي على المفسر الرجوع إلى القانون الأجنبي الذي يمثل الأصل التاريخي الذي استقي منه النص الوضعي المحلي . ومثال ذلك القانون السوري واللبناني التي تم استقاؤها من الشريعة الإسلامية والقوانين المصرية والقوانين الفرنسية . يمكن القول بأن التفسير هو عملية كشف وبيان لمقاصد الشارع من سن القاعدة القانونية واستكمال ما شابها من نقص وعيب والتوفيق بين ما تعارض من أحكامها وبين هذه الأخيرة وأحكام النصوص الأخرى .

مدارس التفسير القانوني للنصوص:

ينقسم التفسير إلى أنواع كثيرة يمكن أن نركز على ثلاثة أنواع هي

التفسير التشريعي: وهو الذي يصدر من الشارع على شكل نص لاحق لإزالة غموض أو سد نقص في قانون اختلف في تفسيره وأثير التناقض في أمر تطبيقه ويسري بأثر رجعي على الوقائع القائمة في ظل القانون المفسر والتي لم تصدر بشأنها الأحكام على ألا يتضمن أحكاما جديدة لم يتضمنها القانون المفسر. فإن تضمنها فإنها تسري للمستقبل فقط . ويعتبر التفسير التشريعي استثناء من الأصل إذ يفترض في النص التشريعي عند وضعه وضوح معانيه بما تنتفي معه الحاجة إلى تدخل تشريعي لاحق لتفسير النص وهو ملزم لكافة مؤسسات الدولة ومواطنيها ورعاياها بما في ذلك القضاة بحكم كونه نصا تشريعيا.

التفسير القضائي: هو تأويل القاضي للنص القانوني عند تطبيق أحكامه على القضايا المعروضة عليه ويواجه القاضي بحكم وظيفته غموض التشريع ونقصه وعيوبه ومن ثم يعمل على استنباط الأحكام للوقائع لسد النقص ورفع العيوب من النصوص. وبما أن القضاء يواجه وقائع الحياة المتجددة ويتميز تفسيره للقانون بالطابع العملي فإنه وعبر التاريخ كان عاملا مهما من عوامل تطوير القانون بل إنه اعتبر مصدرا من مصادر القانون. وللتفسير القضائي عدة خصائص تجعله متميزا عن باقي أنواع التفسير الأخرى في أنه تفسير عملي وذو طبيعة واقعية حيث يباشر القاضي تفسير القانون بمناسبة تطبيقه للقانون على القضايا الواقعية المعروضة عليه مما يدفعه إلى الملاءمة في تفسيره للنص بين الجانب النظري للنص والجانب الواقعي للنزاع. ويتميز أيضا بأنه لا يتمتع بأية صفة إلزامية إلا بالنسبة للواقعة التي صدر من أجلها ويترتب على ذلك جواز مخالفته وتبني تفسير مغاير له في القضايا الأخرى المشابهة. كما يتميز بأن القاضي المفسر ملتزم بالتقيد بالحدود التي رسمها له القانون ولا يجوز له الخروج عنها ولا يجوز أن يمتنع عن التفسير وإلا اعتبر متنكرا للعدالة .

التفسير الفقهي: هو التفسير الذي يباشره رجال القانون في مؤلفاتهم وهؤلاء هم أساتذة الجامعات وكبار المحامين والقضاة حين يتناولون فيها نصوص التشريع بالتحليل بقصد الكشف عن معانيها وما تشتمله من أحكام وهو مرجع لا غنى عنه للقاضي في تطبيقه للقانون على المنازعات وكذلك بالنسبة للمشرع الذي يلجأ إليه أحيانا لتعديل النصوص وفق ما استقر عليه الفقه . ولا يرتبط التفسير الفقهي بنزاع واقعي فهو غاية في حد ذاته بعكس التفسير القضائي المرتبط بواقعة معينة.

ويعد التحليل الفقهي للنصوص التشريعية عاملا مساعدا في توضيح أحكام القانون وبيان أوجه القصور فيه مما يؤدي إلى تبني تلك التفسيرات الفقهية فيما بعد على شكل نصوص قانونية ملزمة. ويبحث التفسير الفقهي في الأصول والمصادر مثل وضع التعريفات القانونية وتحليل شروط تطبيق نص معين أو وضعها في حالة خلو التشريع منها صراحة وكذلك البحث في أركان وعناصر الوقائع المادية مثل أركان العقد وأركان الجريمة أو انتقاد النصوص القائمة واقتراح البدائل الملائمة.

بعض القواعد الفقهية التفسيرية

لا يمكن حصر القواعد الفقهية التفسيرية نظرا لكثرتها وتنوعها واختلافها من بلد لآخر ومن منطقة لأخرى . نورد فيما يلي بعضا منها:

- الجهل بأحكام الشريعة ليس عذرا.

- الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره .

- ما ثبت بنص أمر يقدّم على ما وجب بالشرط.

- ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب .

- الحكم يدور مع علته وجودا وعدما .

- المثليات لا تهلك .

- اليقين لا يزول بالشك .

- الأصل بقاء ما كان على ما كان .

- الأصل براءة الذمة .

- الأصل في الصفات العارضة العد.

- ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه .

- الأصل إضافة الحادث إلى اقرب أوقاته.

- ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه .

- لا ضرر ولا ضرار .

- الضرر يزال .

- الضرورات تبيح المحظورات .

- درء المفاسد أولى من جلب المنافع.

- الاضطرار لا يبطل حق الغير.

- العادة حكمة عامة كانت أم خاصة

- الحقيقة بدلالة العادة .

- استعمال الناس حجة يجب العمل بها.

- الممتنع عادة كالممتنع حقيقة .

- العبرة للغالب الشائع لا النادر

- المعروف عرفا كالمشروط شرطا.

- التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.

- إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع.

- التابع تابع ولا يفرد بالحكم .

- إذا سقط الأصل سقط الفرع.

- الساقط لا يعود كما أن المعدوم لا يعود.

- إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه .

- إذا بطل الأصل يصار إلى البدل.

- التصرف على الرعية منوط بالمصلحة .

- السؤال معاد في الجواب .

- لا عبرة للتوهم .

- لا عبرة بالظن البيّن خطؤه.

- الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان .

- المرء ملزم بإقراره.

- قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل.

- الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق.

- الخارج بالضمان .

- الغرم بالغنم.

- الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل.

- من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

- من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه

- طالب الولاية لا يولى .

مدارس التفسير القانوني للنصوص:

هناك مدارس كثيرة للتفسير يمكن تلخيصها بما يلي:

مدرسة الشرح على المتون: ظهرت هذه المدرسة في فرنسا في مطلع القرن التاسع عشر، حيث بدأ المفسرون ينظرون إلى القوانين نظرة القداسة ويعتبرونها كاملة مشتملة على كل القانون فقصروا اهتمامهم على دراسة نصوصها متنا تلو الآخر وتقيدوا في شرح القانون وعرض موضوعاته المختلفة بترتيب نصوص القانون وأرقام مواده. فإذا كان النص واضحا في صياغته ولا غموض في معناه يستدل على الإرادة الحقيقية من واقع النص ذاته ومعاني ألفاظه ومفرداته مع إعمال قواعد اللغة مما يكاد يقتصر معه دور المفسر على التطبيق الآلي للنص إذ كما يقولون "لا اجتهاد في مورد النص ". وإذا لم يوجد نص لحالة معينة، وجب البحث عن الإرادة المفترضة للشارع فيما يتعلق بهذه الحالة وقت وضع التشريع، أي إرادته التي نفترض أنه كان يقول بها وقت وضع التشريع لو أنه أراد وضع قاعدة للمسألة المعروضة والتي لم يوضع لها نص ينظمها. وتتمثل مزايا هذه المدرسة في أنه يمنع تحكم القضاة ويكفل استقرار ومعنى التشريع وثباته إلا أنه يعاب عليه أنه يؤدي إلى جمود القانون وعرقلة تطوره وحصره في نطاق إرادة الشارع وقت وضع النصوص.

المدرسة التاريخية: ظهرت هذه المدرسة في كل من ألمانيا وفرنسا ثم بدأ إشعاعها ينتشر في بقية أنحاء العالم بدرجات مختلفة ويعتمد مذهب هذه المدرسة في مجال التفسير بحتمية عدم التقيد بحرفية وجمود النصوص القانونية بل لابد من تفسير القانون في المحيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتاريخي العام لوقت سن ووضع التشريعات القانونية فالشارع قد يتأثر ويتبادل ويتفاعل حتمياً بمعطيات وحوادث الواقع الاجتماعي . ويمتاز هذا المذهب بالواقعية والمنهجية العلمية والموضوعية والدقة في التفسير السليم والحقيقي للقانون . يعاب على هذه المدرسة أنه فتح مجالاً واسعاً للقاضي أو الفقيه للخروج عن إرادة الشارع الحقيقية تحت حجة تفسير القانون وفقاً لمعطيات اجتماعية جديدة وكان مصيرها مثل مصير الإرادة المفترضة التي نادى بها أصحاب مدرسة الشرح على المتون.

المدرسة العلمية: تقوم هذه المدرسة على أنه متى كانت إرادة الشارع واضحة لم يصح تأويل القانون أو تحويره أما إذا وجدت مشاكل لم يعالجها الشارع لسد فراغ تشريعي أو غموض فيجب البحث عن أفضل حل بانتهاج طريق علمي حر ويلزم في سبيل ذلك التقصي عن التفسير في مصادر القانون، فإن عدمت هي أيضا وجب أن يتقلد المفسر دور الشارع ويصوغ القاعدة التي تتطلبها الحقائق الواقعية والتاريخية والعقلية والمثالية.

انتشار ظاهرة التفسير القانوني للنصوص ليس دليل عافية في التشريع بل دليل على افتقار النصوص القانونية للشمولية والإحاطة في حاجة المواطن في أي بلد من البلدان . ومتى انتشر التفسير والشرح انتشرت مدافع الفقهاء في كل المجالات وحل الظلم والمصلحة الخاصة والفساد محل العدل والمصلحة العامة .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

......................

المراجع

https://www.droitetentreprise.com

مدخل إلى القانون، د حمود غزال، منشورات جامعة تشرين، 2014

تنمية المهارات القانونية والإدارية، د مجدي شعيب، مركز الأعمال الأوروبي للدراسات والتدريب، دمشق، 2005 .

 

جواد بشارةفرضية ريمان هي إحدى سبع مشاكل عويصة يتعذر حلها في الرياضيات من أكثر من قرن. وهذه المعادلة التي نشرها بيرنهارد ريمان Bernhard Riemann (1826–1866) سنة 1859 هي من الغرابة والصعوبة بمكان جعلت البعض من العلماء يطلق عليها مازحاً صفة " معادلة الله l’équation Dieu" أو الشفرة السرية للكون المرئي le code secret de l’univers، وتقترن بها أيضاً دالة زيتا لريمان fonction zêta de Riemann .  ولقد حاول فطاحل علماء الرياضيات وعلماء الكونيات وعلماء الفلك متضافرين حلها ولم ينجح أحد في ذلك لغاية اليوم والظريف أن مؤسسة كلي للرياضيات la Fondation Clay pour les mathématiques رصدت جائزة مليون دولار لمن يحلها. ومن المؤكد أن حلها من شأنه أن يجعلنا أن نفهم حقيقة الكون المرئي وربما الجواب العلمي القاطع عن وجود أو عدم وجود " الله" فهي أعقد وأكبر من أن تعرف.

1042 شفرة الخلق

وبهذا الصدد تحضرني حادثة تاريخية في التراث الإسلامي تقول أن الإمام علي مر بالقرب من شخص يصلي وفي تكبيرة الآذان يردد الله أكبر من كل شيء، فرد عليه الإمام علي ويحك لقد شيئته وهذا كفر فقولك الله أكبر من كل شيء يعني أن هناك أشياء والله أكبر منها فهو إذن شيء أكبر من الأشياء، فعقب المصلي وماذا أقول يا أمير المؤمنين، رد الإمام علي قل الله أكبر من أن يعرف ـــ بضم العين ــ فكل شيء محسوب بدقة في الكون المرئي لا مكان للصدفة في وجود هذا الكون كما يقول رجال الدين، وأن هناك شيء ما قبل البغ بانغ الانفجار العظيم الذي عد بمثابة البداية العلمية للكون المرئي وإن هذا الـــ " شيء ما" قد يكون معادلة رياضياتية على شكل معلومة حاسوبية أو كود سري " شفرة سرية" تختزن كل ما هو موجود في الكون المرئي المادي قبل انبثاقه مادياً وهذه الشيفرة تتواجد وراء جدار بلانك. فحسب نظرية التعاقب الكوني يصل الكون إلى مرحلة من التوسع يتوقف عندها ومن ثم يبدأ بالانكماش والتقلص إلى النقطة التي انطلق منها والتي تعرف بالفرادة الكونية ومن ثم يبدأ عندها الانفجار العظيم، وهذا دواليك، وبالتالي تتضمن الفرادة المعلومة الحاسوبية الكاملة عن الكون السابق بكل حساباته ومقاييسه وثوابته وقوانينه ومعادلاته لكنها مشفرة في كود سري، وبهذا الصدد كان العالم الفيزيائي هانز باغيل Heinz Pagels قد صرح " أعتقد بأن الكون المرئي عبارة عن رسالة مشفرة، أي كود سري أو شيفرة سرية وإن عمل العلماء يتخلص بفك أسرار هذه الشيفرة". فهي الشيفرة المصدر le code-source لكل ما هو موجود مادياً من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر. فالرياضيات هي التي ستوصلنا إلى الشيفرة الخفية والمصدر اللغزي للكون المرئي. ولقد علق ريمان على ذلك قائلاً " لو أمتلكت ناصية كافة النظريات والفرضيات لكان بإمكاني ربما ببساطة أن أكتشف الأدلة والبراهين والإثباتات بشأن الحقيقة " أي حقيقة الله وحقيقة الكون المرئي. فدالة زيتا هي التي قد تقودنا إلى فرضية الله ومعرفة ما إذا كانت الفرضية لازمة وحتمية أم زائدة.

للخروج من مأزق التناقضات والمفارقات والألغاز التي تحيط بالكون المرئي، وفي نفس الوقت بمفهوم الإله الخالق لهذا الكون المرئي، ينبغي إيجاد الصيغة البديلة المقبولة علمياً ودينياً.

ومن أبرز تلك المفارقات موضوع الصفات . فإله الأديان هو كائن حي عاقل يوصف عادة بأنه كلي المعرفة وكلي القدرة وكلي العلم ويتمتع بالكمال. وكان موضوع الصفات متداولاً بين رجال الدين والفلاسفة في الماضي منذ نشأة الأديان التوحيدية السماوية وموضوعاً للسجالات الكلامية والفلسفية بينهم، فلو كان كلي القدرة فهل بوسعه خلق شيء أثقل من أن يتمكن هو نفسه رفعه؟ وهل كان مرغماً على خلق الكون رغم معرفته المسبقة بعدم كمالية هذا الكون؟ وماذا كان يفعل قبل خلق الكون؟ وإذا كان يعلم بكل شيء في الوجود قبل خلقه وحاضره ومستقبله فلماذا لم يتجنب السلبيات فيه وهي لا تعد ولا تحصى؟ وهل عملية الخلق تمت وفق السيناريو الديني الذي نصت عليه النصوص والكتب المقدسة لا سيما في سفر التكوين أي خلق العالم في ستة أيام، أو بطريقة كن فيكون لحظياً؟ وهو الأمر الذي يتعارض كلياً مع السيناريو العلمي المتعارف عليه عن نشأة الكون المرئي قبل 13.828 مليار سنة إثر حدوث الإنفجار العظيم البغ بانغ؟ وهل الله الديني يتجسد في كينونة مادية كما تقول المسيحية؟ وهل يمتلك مشاعر الشهوة والحقد والغيرة والانتقام والمكر والخوف والإحباط والخيبة واليأس وهي صفات بشرية بالأساس؟ وماهو جنس الله، هل هو ذكر أم أنثى؟ وهل سيرى الناس الله يوم القيامة؟ وهناك أسئلة جوهرية أخرى كثيرة من قبيل كيف ولماذا وأين ومتى، خلق الله الكون، ولم يجد لها البشر أجوبة شافية ووافية وقاطعة ومقنعة وناجعة؟.

نفس التساؤلات والمفارقات والتناقضات تحوم حول الكون ذاتي النشأة وغير المخلوق، من قبيل: من أين جاءت قوانينه وثوابته وقياساته وذلك التنظيم الهائل والدقيق في مكوناته؟ وما سبب حدوث الانفجار العظيم ؟

سبق للمتصوفة في الدين اليهودي الكابالا، وفي الإسلام أيضاً، أن تحدثوا عن " وحدة الوجود" والتي يمكن استلهامها علمياً إذا اعتبرنا أن الوجود برمته هو الموجود الوحيد ولا شيء غيره موجود، وهو المطلق الوحيدة وكل شيء آخر نسبي. والمقصود بالوجود هنا الكون المطلق المكون من عدد لانهائي من الأكوان ومن بينها كوننا المرئي، حسب أطروحة تعدد الأكوان. وكل كون جزئي فيه، في حالة تجدد وتعاقب في وجوده، بين الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وفي حركة دائبة ودائمة. وتلك الأكوان اللامتناهية تشكل نسيج الكون المطلق الذي ليس له بداية ولا نهاية، أزلي، أبدي، سرمدي، لا متناهي في أبعاده، لم يخلقه أحد ولم يخلق أحداً وكل ما هو موجود جزء منه كمثل مكونات وخلايا الجسد البشري حيث لكل مكون وظيفة معينة ومحددة لكي تبقي جسد الإنسان حياً متعافياً وفي حالة تطور دائم يسعى نحو الكمال والتسامي، لأن الكل المطلق حي متسامي، وهي نفس الصفات التي تطلقها الأديان على الله وبالتالي تكون المعادلة أن الكون المطلق هو الله ولكنه لا يقوم بأفعال وتصرفات أضفتها عليه الأديان كالعقاب والثواب والجنة والنار ويوم الحساب أو القيامة والتدخل في شؤون الكائنات في كل صغيرة وكبيرة. فكل الأكوان المرئية والخفية، وبكل ما فيها من مكونات وجسيمات هي خلايا وجسيمات ومكونات أولية لوجوده إذ هو الموجود الوحيد وهو الوجود الذي نحن جزء منه، وهذا ما قصده الحلاج الشهيد عندما صرخ " أنا الحق" .

 

د. جواد بشارة

 

 

جواد بشارةكثيرا ما نسمع رجال الدين يدينون ويعاقبون أشخاصاً بتهمة المس بالذات الإلهية، وعندما يوجه لهم سؤال، ما هي الذات الإلهية؟ وهل الله ذات؟ وهل الله كينونة؟ يعجزون عن الإجابة.

تصدى الكثير من علماء الدين والثيولوجيين والفلاسفة لمناقشة مفهوم" الله" ودخلوا في سجالات حادة ومعارك حامية مع " الملحدين" لدحض أطروحاتهم عن غياب الدليل القاطع عن وجود " الله" وإثباته علمياً وليس فقط من خلال المراوغات الكلامية والتلاعب بالمنطق إلا أن أياً من الخصمين لم ينجح في إثبات نظريته وأطروحته، لا في النفي ولا في الإثبات.

في سنة 1963 نشر العالم الفيزيائي الشهير بول ديراك Paul Dirac نصاً قال فيه: أن الله عالم رياضيات من الطراز الأول واستخدم الرياضيات المتقدمة جداً لكي يبني على أساسها الكون المرئي، ووافق على إن الطبيعة صيغت بلغة الرياضيات كما قال غاليلو غاليله". ومن هنا خرجت " فرضية اللهl’hypothèse Dieu " و" معادلة الله l’équation Dieu" كعلة أولى وسبب أول للتكوين. وهذا يحيلنا لحدث مشهور يعود لسنة 1805 عندما قدم العالم الفرنسي بيير سيمون لابلاس pierre simon de laplace لنابليون الأول المجلد الرابع من دراسته العلمية المعنونة " بحث في الميكانيك السماوي Traité de mécanique céleste، التي أعجب بها الإمبراطور لكنه أردف معلقاً:" أيها العالم الجليل لقد شرحت كل شيء عن الكون لكنني لم أر مكاناً أو دوراً لــ "الله" الخالق، أجاب لابلاس بأدب:" سيدي الله مجرد فرضية لست بحاجة إليها". فلماذا لايكون الله مجرد فرضية رياضياتية؟ أو معادلة رياضياتية فحسب؟ أو حتى مجرد معلومة حاسوبية رقمية بصيغة معادلة كونية تفسر وجود الكون المرئي؟

لم يكن تناول موضع الله والربوبية وماهية الإله في العصور الأولى للأديان السماوية ممنوعاً أو محرماً ففي الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، تعرض علم الكلام لهذه المسائل الحساسة بحرية وجرأة، مثل التجسيد والتشبيه والغضب والكره والانتقام والمكر وغيرها من الصفات التي أضفيت على الله في نصوص دينية وردت في القرآن والأحاديث النبوية وكذلك في كتب الأديان السماوية الأخرى كاليهودية والمسيحية، كانت تناقش وتفسر وتأول من قبل علماء الدين والفلاسفة المتدينين، وكذلك إشكالية التقديس ونفي الصفات والاتجاهات فالله لدى الكثير من علماء الكلام منزه عن الاختصاص بالجهات والإتصاف بصفات المحدثات كالتحول والانتقال والقيام والقعود أو الجلوس، مثل نص "ثم استوى على العرش"، أو نفي الشيئية عنه، كما في نص" وليس كمثله شيء" فكل من زعم أن " الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك" كما قال الإمام جعفر الصادق. أما الإمام علي فقال" إن ربي لا يوصف بالبعد وهو قريب ولا بالحركة وبقيام ولا انتصاب ولا مجيء ولا ذهاب " فالله في هذه لنصوص لا يحدد بمكان ولا بزمان ولا بهيئة ولا بصفة ولا بمقارنة ولا بحدوث، فهو ليس له وجه ويدين وفوقية ونزول وحركة وانتقال وتجسد . فالموضوعات الإلهية كانت متداولة وتناقش بحرية لارتباطها بمسألة حدوث العالم وخلقه والكون ومنشأه وأصله ومصيره وبالتالي نفي صفة القدم والأزلية عن الكون . فالقديم الذي لم يزل والمتقدم في الوجود على غيره من الموجودات ليس سوى موجد الوجود كما يقول المتصوفة.فالله عند بعض المتكلمين " جوهر substance" وليس " جسم أو كينونة" فلهذا الأخير حيز هو المكان والله لا يحده مكان . يقسم الفارابي الموجودات على نوعين: ممكنة الوجود وواجبة الوجود . فالأول يرتبط وجوده بغيره والثاني يكون وجوده بذاته، وهنا تبرز المعضلة: هل الله ذات وماهي الذات الإلهية؟ وهل الله كله خير؟ وبالتالي ما هو منشأ الشر؟ إذ قيل إنه " الشيطان" فهذا الأخير مخلوق من قبل الله وبالتالي فإن الله هو من غرز فيه نزعة الشر أي إن الله هو المسؤول عن الشر إن لم يكن مصدره المباشر.

كان طرح سؤال: هل الله موجود" مسموحاً به في بدايات الدعوات الدينية، وكان الأنبياء يواجهون تحدي إثبات وجود إلههم الذي يتلقون منه الوحي، لكنه غدا جريمة لا تغتفر على مر التاريخ ومن يطرحه يستحق الموت وبأبشع الطرق وأكثر قسوة ووحشية تنفها المؤسسات الدينية أو السياسية التابعة لها ضد من يتجرأ على طرحه.

الله: بورتريه تجريدية

لقد شوهت عبارة الله أكبر وأصبحت كناية للرعب والجريمة والعنف والإرهاب والوحشية والبطش والقتل بإسم الله الذي أورد في نصوصه المقدسة للأديان التنزيلية السماوية آيات في القتل والتدمير والإبادة والعنف، ولكن هل صحيح أن تلك النصوص تنطق عن الله وهو الذي أرسلها ؟ النصوص الدينية تعمل، من حيث وعت أم لم تع ذلك، على تجسيد وشخصنة الله وتشبيهه بالبشر على اعتبار أنه خلقهم على صورته، فهو مثلهم يغار ويغضب ويفرح ويغضب وينتقم ويعطف ويسامح ويعفو ويكافيء وبيده العقاب والثواب.

فمن هو هذا الله؟ ما هي صفاته؟ ما هي طبيعته؟ ما هي ماهيته؟ ما هو جوهره؟ ما هو دوره؟ هل هو كينونة موجودة في المكان والزمان، أم خارج الزمان والمكان؟ أين يتواجد، وهل هو موجود حقاً؟ متى ظهرت فكرة الإلوهية ولماذا ؟ من الذي ابتكر فكرة الإله الواحد، الأعلى المتسامي الخالق الخالد القادر على كل شيء؟ هل هم اليهود؟ هل هو مذكر أم مؤنث؟ هل يعلم كل ما كان ويكون وسيكون؟ أي يحيط بعلمه الماضي مهما قدم، والحاضر والمستقبل مهما بعد؟ هل إله اليهود والمسيحيين والمسلمين هو نفس الإله وإن اختلفت التسمية؟ ما علاقة إله الأديان التوحيدية بمجمع الآلهة القديمة في عصر الحضارات الأولى السومرية والأكدية والآشورية والبابلية، والفرعونية والإغريقية والهندية والصينية والفارسية؟ من كتب الكتب والنصوص المقدسة التي تحدث عن يهوه والإلوهيم والرب ذو الأقانيم الثلاثة والله الإسلامي؟ ماهي الأوصاف التي أسبغتها الأديان على الله وأسبغتها الفلسفة الربوبية وأخيراً العلم؟ الخ... هناك أسئلة لا تنتهي بخصوص الإله (الله) المطلق الذي أوجد الوجود وعبرت عنه نظرية وحدة الوجود الصوفية. في الحقيقة هناك شبه استحالة للإجابة على أي من هذه الأسئلة على نحو قاطع ومثبت ومبرهن لا يمكن دحضها. فــ " الله" لغز غامض حتى لمن يؤمن به، فما بالك بمن ينكر وجوده.

ظهر الإله Dieu متأخراً في تاريخ البشرية . فالإنسان الموجود على الأرض منذ عدة ملايين من السنين لم يكن يمتلك فكرة واضحة ودقيقة عن شيء أو كينونة تدعى " الله أو الرب أو الخالق" ومن الناحية العلمية تشير التنقيبات الأثرية الآركيولوجية أن أول تمثل لفكرة الإلوهية ظهر قبل حوالي عشرة آلاف سنة . كانت هناك ربات أنثوية déesses سبقت ظهور الإله، أو الآلهة. أما الإله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، كما يقول المسلمون، والذي يعبد في أركان الأرض اليوم، بفضل الأديان التوحيدية الثلاثة الرئيسية، اليهودية والمسيحية والإسلام، فقد ظهر متأخراً . وأول فكرة توحيدية كانت قد تبلورت في زمن الفراعنة في مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد تحت حكم الفرعون أمنحتب الرابع Amenhoteb، الذي غير إسمه إلى " أخناتونAkhénaton " إشارة إلى عبادة إله الشمس والذي فرضه الفرعون كإله وحيد " آتون Aton " لكن عبادة الآلهة المتعددة سرعان ما عادت بعد وفاة الفرعون آخناتون، واحتاج الأمر انتظار منتصف الألف الأول قبل الميلاد كي تختبر الديانة التوحيدية في إسرائيل من خلال عبادة يهوه Yahvé، وفي بلاد فارس من خلال عبادة آهورا مازدا Ahura Mazda. فالأقوام البدائية في حقبة ماقبل التاريخ لم يعرفوا مفهوم الإله أو الآلهة . فلا توجد آثار آركيولوجية أحفورية أثرية عن الدين الذي يسير حياة البشر آنذاك. وهي الحقبة التي سبقت التحول العصر الحجري الحديث Néolithique قبل حوالي إثني عشر ألف عام عندما بدأ أسلافنا بالتوطين والاستقرار في بقع أرضية وتأسيس تجمعات على هيئة قرى، تطورت فيما بعد إلى مدن، ولكن توجد بعض المؤشرات التي تسمح لنا بتصور ما عن وجود معتقدات يمكن أن نسميها " دينية" لدى إنسان ماقبل التاريخ. أهم تلك المؤشرات طقوس الموت . ففي وقت ما بدأ البشر بممارسة طقوس تصاحب الموت الأمر الذي لم يقم به باقي الكائنات الحية، وقد عثر على أقدم قبر في فلسطين يعود تاريخه إلى حوالي المائة ألف عام. الهومو سابين Homo Sapiens الإنسان الحديث المنتصب كان يضع جثث موتاه في وضع الجنين في اللحد وبعناية فائقة ويغطيهم باللون الأحمر قبل دفنهم وبجانبهم بعض الأدوات البدائية التي كانوا يستعملونها في الصيد لأنهم ربما كانوا يعتقدون أن أمواتهم سيعودون للحياة وسيحتاجون لتلك الأدوات، وهو تفكير رمزي كان يميز البشر عن باقي الكائنات الحية. فتلك الألوان وتلك الأدوات والأسلحة البدائية، ما هي إلا رموز لاعتقاد أو معتقد بدائي لدى البشر عن ما بعد الموت لكننا لا نستطيع إثبات ذلك.

في البدء كانت هناك الآلهة الإنثوية وفي السبعة آلاف سنة قبل الميلاد ظهرت في الأناضول منصات للقرابين ذات طابع ديني تجرى أمامها مراسم وطقوس دينية بدائية وعليها رسومات لربات تلدن ثيران ثم انتشرت في منطقة المتوسط وفي الهند ايضاً حيث سادت عبادة الربة ــ الأم الكبرى culte de la Grande Déesse – Déesse-Mère التي تمنح الحياة ورمز الخصوبة في الطبيعة بجانب الثور رمز الذكورية والملفت للنظر أن الثور كان دائماً خاضعاً ومستسلماً للربة الأم الأنثوية فهو في وضع أدنى، كما يظهر ذلك بوضوح في الرسومات والتخطيطات التي عثر عليها في التنقيبات الأثرية في منطقة الأناضول وفي بعض مناطق الهند.

لم يكن العبرانيون أول من اختلق فكرة التوحيد كما ورد في كتاب عالم اللغويات والأنثروبولوجيا والمبشر الكاثوليكي فلهيلم شميدت Wilhelm Schmidt في كتابه " أصل فكرة الإله L’Origine de l’idée de Dieu" الصادر سنة 1912 فإنسان ما قبل التاريخ عبد إلهاً واحداً قريب منه داخل الطبيعة وأتخذ أشكال وهيئات مختلفة، قبل أن يبتعد عنه ويغدو مفهوماً تجريدياً ليترك مكانه لآلهة وآلهات متعددة مذكرة ومؤنثة، ومن ثم عاد من جديد في النصوص العبرية أو اليهودية القديمة . ولقد سبق أن طرحت هذه الفكرة، فكرة الانعزال والابتعاد عند إله وادي الرافدين ـــ ميزوبوتاميا، وهو الإله " آنو Anu وبسبب إحاطته بعدد كبير من الآلهة الثانوية المذكرة والمؤنثة حيث نساه البشر وبعد ذلك جاءت تجربة التوحيد اليتيمة الوحيدة في عهد الفرعون توت عنخ امون ولكن بعد موته عاد الناس للتعدد الإلهي بضغط من رهبان الإله آمون Amon ويعتقد أن هذه التجربة أثرت في "موسى" حيث لجأ هو الآخر إلى الإله الواحد المتعالي الذي عبده أجداده من آدم ونوح مروراً بإبراهيم وإسحق الذي أصبح اسمه إسرائيل وإسماعيل ويعقوب والأسباط الإثني عشر الذين أوجدوا القبائل الإثني عشر اليهودية أو العبرية وكان كتاب التوراة اليهودي هو أول من تحدث بالنص عن الإله الواحد، وهو كتاب تم بتجميع خليط من الأساطير والخرافات والسرديات التاريخية لأحداث متخيلة أو مستوحاة من أساطير وخرافات لحضارات قديمة ونصوص وحكم وتنبؤات وقصائد وأدعية وصلوات وترانيم، وتخبرنا الأبحاث التاريخية المعاصرة أن العهد القديم أو التوراة La Bible دون في القرن السابع قبل الميلاد اعتماداً على تراث شفهي ما يجعل حقيقة أبطاله وشخصياته تاريخياً مشكوك فيها وهذا ينطبق على نوح وإبراهيم ــ آبراهام، وموسى نفسه . هناك إشارة تاريخية لمملكة إسرائيل في عهد الفرعون مينبتاح Méneptah حوالي 1200 قبل الميلاد ورد فيها " أن إسرائيل محيت ودمرت ولم يعد فيها بذرة semence. وهناك نص آرامي في القرن التاسع قبل الميلاد ورد فيها ذكر لــ " بيت داود يشهد بوجود مملكة داود حوالي القرن العشر قبل الميلاد. وهي ليس مملكة بالمعنى الحقيقي وإنما شبه مدينة أقرب للقرية منها لحاضرة متطورة ولا يوجد آثر للمعبد الكبير الذي شيده الملك سليمان Salamon إبن دافيد David ــ داود . أشاع اليهود أن التوراة هو كلام الله لكن المنتقدين والمعارضين لهذا الطرح رغم إيمانهم وتدينهم يقولون أنه الله لم يكتبه أو يمليه وإنما هو نتيجة إيحاء أو استلهام رباني جاء لأذهان الأنبياء القدماء وبالتالي يجب تفسيره وتأويله لأنه ليس نصاً منزلاً ومقدساً لأنه ورد في الكثير من النصوص الموضوعة والمؤلفة من قبل البشر وهناك الكثير من التزوير والإضافات فيه. ثم جاء يسوع المسيح ــ عيسى بن مريم ــ كما يسميه المسلمون وكان يهودياً متديناً في صباه وشبابه ومتمسك بالتوراة قبل أن يجهر بنبوته ورسالته المصححة والمكملة للديانة اليهودية . ولقد جمعت آثاره وأقواله وقصته ومقتله في مجموع نصوص سميت بالأناجيل ــ الإنجيل يعني البشارة ــ وهي كثيرة لم تحتفظ المؤسسة الدينية الكنسية منها سوى أربعة هي إنجيل مرقص Marc ومتى Mathieu ولوقا Luc ويوحنا Jean المكونة لكما يعرف بالعهد الجديد المكمل للعهد القديم . ولقد اعتبر عدد كبير من المسيحيين أن يسوع المسيح إله وهو إبن الرب الخالق وقالوا بالأقانيم الثلاثة " الأب والإبن وروح القدس " وأن للمسيح طبيعتان ناسوتية ولاهوتية الأولى بشرية والثانية ربانية،وأضفوا عليه الكثير من المعجزات والأعمال الخارقة للطبيعة كإحياء الموتى والسير على الماء وشفاء المرضى ووصفوه برب المحبة والصفح والتسامح الخ ...

غالباً ما يقدم إله التوارة أنه كلي القدرة وحاضر أو متواجد دوماً في كل مكان وزمان ويتدخل على نحو مباشر في شؤون البشر وتفسر آيات التوراة ما يتعرض له اليهود من مصائب وكوارث بأنه عقاب أرسله الله لهم أو سمح بحدوثه بسبب خطاياهم التي ارتكبوها بحقه، فردياً وجماعياً، مايعني أن هناك تفسير ثيولوجي للشر ومصدره هو الله الخالق للخير والشر معاً والمسيح المنتظر هو المحرر الذي يمتلك قدرات إلهيه ينتظره الشعب اليهودي لكي يحرره من الاحتلالات الأجنبية المتعاقبة عليه .

الإيمان بوجود إله خالق متعالي، يتخذ أشكالاً متنوعة، من الإيمان الفطري أو الاعتقاد الديني، مروراً بالطرح الفلسفي والمنطقي، وانتهاءاً بالفرضيات العلمية. والسؤال الأهم المطروح هو: هل بالإمكان التوصل إلى وجود الله بالعقل وحده؟ شغل هذا السؤال تاريخ الفلسفة برمته لغاية القرن التاسع عشر . منذ العصر الإغريقي الذي يؤشر لبداية التفكير الفلسفي الغربي . كان المفكرون والفلاسفة الإغريق في غالبيتهم يعيشون في عالم متدين تحف به الخرافات والأساطير والمعتقدات المشركة وكانت جهود الفلاسفة التنويريين تصب في محاولات تجاوز تلك المعتقدات الخرافية والتمعن بالمسألة من الناحية العقلية الصرفة. . كان العديد من الفلاسفة القدماء يحترمون الآلهة ولكن ما هو مفهمهم وفهمهم لمفهوم الإله ؟ أول نقطة مشتركة بينهم هي دحض الصفة الأنثروبومورفية anthropomorphique التجسيمية واللاأخلاقية لآلهة الأولمبياد les Dieux de l’Olympe، لأن هذا التصور يجعل الآلهة يشبهون كثيراً البشر مما يفقدهم بعض المصداقية خاصة وإنهم يتصفون بالكثير من صفات وردود أفعال وسلوكيات البشر كالفسوق والعجرفة والتكبر وروحية الانتقام والخداع والمكر والتقلب والخداع ونقض العهود الخ... أي على النقيض من الكمال، فهناك فلاسفة رفضوا هذا النموذج التشبيهي والتجسيمي للإلهة الإغريقية مثل أبيقور Epicure، وآخرون لا يعتقدون حتى بوجود الآلهة مهما كان كمالها، لكن ذلك لم يمنعهم بالاعتقاد بوجود حكمة متعالية شمولية إلهية تحكم العالم ومتجلية من خلال سلوك بعض البشر المتميزين المصطفين. فهناك تيار فكري وفلسفي إغريقي ــ روماني ولد في القرن الرابع قبل الميلاد يعرف أتباعه بالمتحملون stoïciens يعتقدون بوجود كينونة ما بين العالم الدنيوي والعقل الإلهي وهي عقيدة الوجوديين الذين يعتقدون بوحدة الوجود panthéistes ومن أشهر من يتبنون ذلك فيلسوف النهضة باروخ سبينوزا Baruch Spinoza. وقبلهم كان الفلاسفة المشهورين مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو قد أدلوا بدلوهم في مسألة الإلوهية .وكذلك فلاسفة الأفلاطونية الجديدة néoplatoniciens، وعلى رأسهم أفلوطين plotin الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وهذا الأخير أكد وجود ثلاث مباديء عليا التي ينحدر منها العالم الحسي وهي: الواحد l’Un الذكاء le Noos والروح أو النفس l’Ame . والواحد هو المبدأ العلي الأعلى وهو متسامي وغير قابل للتعريف والتحديد وثابت لايتغير، لا يشيخ ولا يموت، خالد وخير إلى حد الكمال، ومكتفي بذاته. والذكاء أو العقل الأول، ينبثق من الواحد المتسامي حيث تتجلى الحقيقة. والنفس أو الروح تنبثق من الوعي أو العقل الأول ككينونة أو مبدأ للوحدة التي تحرك العالم المحسوس. فهناك " روح العالم الجمعية، وهناك روح جزئية لكل كائن حي، وهذا الطرح يتميز ويختلف عن الطرح التوحيدي الذي جاءت به الأديان التوحيدية الكلاسيكية الثلاثة . وهناك في ذلك الوقت فلاسفة ملحدين لايعتقدون بوجود مبدأ أو كينونة خالقة ربانية أو إلهية عليا athéistes أو لا أدريون agnostiques ويوجد فرق كبير بين إله الفلاسفة الإغريق وإله الأديان التوحيدية لأن هذا الأخير فيه الكثير من الصفات والمزايا البشرية كما نصت على ذلك النصوص المقدسة المنزلة . أما مسألة إثبات وجود الله فهناك عدة حجج وحالات أحدها يسمى بالدليل الأنطولوجي حيث يكون التفكير بالله باعتباره الكائن الأكثر كمالاً من أي كائن آخر في الوجود وبما أنه من الكمال بمكان فهو إذن يوجد أكثر مما كونه لا يوجد فسيترتب على ذلك بالضرورة أنه موجود عقلاً إلا أن هذه الحجة لا تنطلي على المفكرين والمثقفين، ما عدا ديكارت، ولاتقنع أحد سوى المؤمنين الذي لايحتاجون لحجة لإقناع أنفسهم. ولقد حاول عدد من الفلاسفة، وبأسلوب المنطق إثبات وجود الله ومن بينهم لايبنز الذي سعى لتقديم ما يسمى بالبرهان الكوسمولوجي والسبب الكافي الذي يقول لا يوجد شيء بدون سبب ولا علة بدون معلول. من هنا لابد من وجود كائن يسمى الله لضرورة وجوده . وهناك حجة ثالثة قدمها الميتافيزيقيون وتسمى البرهان الفيزيقي الثيولوجي physicothéologique وينطلق من مراقبة ومشاهدة النظام المعقد والذي يقود حتماً إلى ضرورة وجود عقل ذكي خالق ومنظم إذ لا يمكن لهذا النظام أن يكون ثمرة الصدفة.لذلك لا بد من وجود عقل علوي ذكي يكون هو الأصل الموجد للكون. ولقد علق الفيلسوف الفرنسي فولتير قائلاً " الكون يحيرني ولايمكنني أن أقبل بأن هذه الساعة الكونية موجودة بدون ساعاتي صانع لها".

وبعد ظهور نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ المبنية على نظرية النسبية العامة لآينشتين انبرى عدد من المثقفين المتشبثين بالإيمان بوجود الله تحت يافطة " التصميم الذكي dessin intelligent" ليجيروا مقولة التنظيم الدقيق للكون وللقوانين الفيزيائية التي تنظمه وتسيره، إلى جانب ظهور الحياة الذكية العاقلة ونشوء جنس البشر وتطوره لا سيما العضو الأكثر تعقيداً فيه ألا وهو الدماغ، وقالوا بأن ذلك يشهد على وجود تصميم ذكي ومصمم خارق لهذا الكون، دون أن يغرقوا في وصفه على غرار الأديان السماوية التي قللت من قيمته دون أن تعي أو تقصد ذلك. وحاول هذا التيار الثقافي والفكري أن يمحو مسلمة الصراع بين الدين والعلم بخصوص مسألة الإله الخالق للكون. ولكن لايوجد في الكون المرئي الجمال والهارمونية والتنظيم الدقيق فقط، بل تزخر الطبيعة بالفوضى والكوارث الطبيعية والمذابح وهيمنة الشر الذي لا يعرف أحد مصدره سوى أنه خالق الكون نفسه إذا آمنا بأن للكون المرئي خالق، أي أن الله هو مصدر الشر وبهذا الصدد علق الفيلسوف لايبنز في كتابه " دراسات وأبحاث في الثيولوجيا الربانية Essais de théodicée ويطرح تساؤله على نحو مباشر وصريح قائلاً:" كيف نفهم، في حالة وجود الله، وإنه إله طيب وخير، وجود هذا الكم الهائل من الشر والسوء والفظاعة والبؤس في الأرض؟ فيما يسخر فولتير من هذا الإله في رائعته كانديدCandide 1759 من خلال شخصية البروفيسور بانغلوس وهو يردد وسط الكوارث والمساويء والشرور أن كل شيء نحو الأحسن في أفضل العوالم الممكنة .وفي التصوف العبري الكابالا هناك أطروحة تقول أن الله بعد أن انتهى من خلق الكون تجرد من إلوهيته وانسحب من العالم لكي يتيح المجال لشيء آخر أن يحدث أو يوجد فبعملية الخلق وافق الله ألا يكون هو كل شيء واختزل كينونته حتى يتيح للعالم أن يفرض نفسه ويمكن لشيء آخر أن يتواجد غيره وبالتالي يوجد الشر بالضرورة في هذا العالم الذي يفتقد للكمال .

أما أبيقور فلقد طرح المشكلة بسخرية قائلاً: إما أن الله أراد استئصال الشر لكنه لم يتمكن لذا فهو عاجز وليس كلي القدرة، وإما هو قادر على استئصال الشر لكنه لا يريد ذلك لذا فهو شرير، أو هو غير قادر على استئصال الشر وغير راغب بذلك، فهو إذن عاجز وشرير وغير كامل، ولو أراد ذلك وكان قادراً عليه، فمن أين إذن أتى الشر ولماذا لم ينهه ويستأصله الله؟ .

فلاسفة عصر الأنوار انتقدوا الأديان بشدة لكن جزءاً كبيراً منهم لم يكن ملحداً ولديه مفهومه الخاص عن الله، فأغلب الربوبيون déistes، على غرار الفلاسفة في العصور القديمة، يؤمنون بوجود " مبدأ علي" خارق وخالق ينظم الكون وليس إلهاً شخصياً يهتم بشعب معين على حساب شعوب أخرى ويظهر نفسه لهم من خلال أنبياء ونصوص مقدسة يؤمنون بالإلوهية théismes. وهكذا تستمر دائرة الصراع بين العلم والدين حول موضوع إثبات وجود أو عدم وجود الله ولقد عبر غاليلو غاليله، ضحية الكنيسة الكاثوليكية بسبب أفكاره وآرائه، قائلاً:" إن العلم والدين يجيبان على سؤالين مطروحين في سياق مختلف ولا يفترض أن يدخلا في معركة أو صراع بينهما فالدين يخبرنا كيف يمكننا أن نذهب إلى السماء في حين أن العلم يخبرنا ما هي أحوال السماء . أما في وسط الإلحاد والملحدين athéisme فكان أول ملحد علني هو الراهب جون ميسليه Jean Meslier وكان فولتير قد نشر وصيته في سنة وفاته 1729 وهو نص معادي للدين بقوة واحتدام تحت عنوان مذكرات وأفكار ومشاعر جون ميسليه وهو عبارة عن دراسة فكرية مطعمة بالبراهين والحجج المنطقية والعقلية التي تنفي وجود إله وإلوهية تتحكم بالعالم والواقع الوحيد الموجود هو الواقع المادي، فمسيليه كان ملحد ومادي في نفس الوقت بعد أن كان رجل دين متعمق بدينه.

حصيلة ذلك أننا مازلنا وسنظل نجهل حقيقة هذا اللغز وهذه الفرضية المسماة " الله" وهل هي ضرورية لوجودنا أم لا لأن الله رغم جهوده في الاتصال بنا عبر أنبيائه ورسله ونصوصه، لم يكشف لنا عن حقيقته وطبيعته وماهيته وصفاته وقدراته إلا من خلال نصوص لا يمكن الجزم أنها صادرة عنه بل ربما وضعها مؤلفون بشر باسمه .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

ميثم الجنابيالفكرة العربية والوعي القومي الذاتي

للفكرة القومية، شأن كل الأفكار الكبرى، لحظتها التأسيسية الأولى. وقد شاءت الصدف أن ترتبط بشخصية الارسوزي (1900-1968). الامر الذي جعل منه فيلسوف الفكرة القومية العربية الأول في العصر الحديث. وليس مصادفة ان تكون فلسفته بهذا الصدد فلسفة شخصية ايضا. فهو الفيلسوف الذائب في الفكرة القومية بوصفه رحيقها الأول. اذ تكاملت في ذاته وإنتاجه الفكري الفلسفي بوصفها رؤية منظومة ونسق يتغلغل في كل انساق وجوده الشخصي والاجتماعي والوطني والقومي والروحي والسياسي[1].

فالطابع الشخصي لفلسفة الارسوزي يبرز أيضا على مثال حياته وموته، اي ان تاريخها النظري يتمثل أيضا تاريخه الشخصي. فقد ولد الارسوزي في بداية القرن العشرين وتوفي بعد الانتكاسة الكبرى الاولى في تاريخه القومي الحديث. بمعنى اننا نعثر في حياته ومماته على تمثل نموذجي لحياة الفكرة العربية من حيث ولادتها وموتها الاول، اي ظهورها وفسادها. وقد كانت تلك الفاجعة الاولى التي سوف تعطي للفقدان قوة الوجدان. بمعنى ان ضياع الارض الفلسطينية المؤقت قد ادى الى اكتشافها الروحي الاوسع. ومن ثم نقلها الى حيز المصدر الدائم في شحن وشحذ الوجدان العربي. مع ما ترتب عليه من اكتشاف اولي لمكر العقل التاريخي العربي وتقوية اقدامه للنهوض الجديد بعد الغيبوية الطويلة في دهاليز الزمن الضائع.

ولكن قبل ان تعاني الفكرة القومية العربية من هذا المخاض الاول، فانها قد عانت ولادتها التاريخية الكبرى في شخصية الارسوزي ومعاناة ابداعه الفكري. فقد تمثل الارسوزي التاريخ الواقعي والفعلي بمعايير الوجع الميافيزيقي للروح الولهان بوهج المعاصرة. وفي هذا يكمن سره الهائج بالبحث في اللغة وعوالمها المافوق تاريخية من اجل بلورة فكرة عن التاريخ. وفي هذا ايضا كانت تكمن المعاناة الروحية العميقة لهذه الفكرة وذبولها الجسدي في دهاليز البحث عن بعث قومي وجد لغوه في اللغة وثرائه في ثرثرته!

فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر الى الولع اللغوي والتأويل المفتعل كما لو انه الجامع الذي يجمع فلسفة الارسوزي. فقد جّسد الارسوزي في آرائه وتحليله ومواقفه ومفارقاته حب اللغة في مختلف مستوياته وأنواعه من إعجاب وغرام وحب وهيام وعشق حد الفسق. لهذا نرى فيها وفيما أجهد نفسه واجتهد للبرهنة عليه مجرد أمور بسيطة ومطروقة يمكن وضعها في عبارات "صوتية" قليلة، هي الأكثر رقة وجمالية مثل قوله "مثل الإنسان كمثل الطائر ينبت ريشه بالهمة"، و"الحياة تنشئ بنيانها وبدنها بحسب غايتها في الوجود" وامثالها الكثيرة. بحيث نقف احيانا امام صورة مغرية للخيال عن شخصيته الحكواتية الكبيرة وجمهورها الغفير في احد الجوامع الإسلامية الكبرى، فيما لو انه ولد قبل ألف عام. لكنه ولد بعد الف عام! وبالتالي، فان ما وراء اللغو والثرثرة الظاهرية كانت تكمن وتتفاعل عوالم اللغة الثرية الهائلة والصاخبة بوصفها عوالم التراث والماضي والانا المنسية. بعبارة اخرى، لقد اراد الارسوزي ان يضع هذا الثالوث المغمور على نار الوجد المعاصر لكي تلتهب مكوناته "الخالدة" في وجدان الفكرة القومية الحديثة. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن مخاض التحرر ومعاناة تأسيس الدولة القومية في عالم الفكر وميدان الحياة السياسية.

فقد عايش الارسوزي صعود الفكرة القومية ورؤية ملامحها المتراكمة، كما عايش بالقدر ذاته انحدار المشروع القومي صوب القطرية المحاصرة، وتعرضه اللاحق للتجزئة الثقافية والتهرؤ السياسي. وفيما بين هذه البداية والنهاية تلألأت رؤيته الفلسفية للفكرة القومية العربية، بوصفها معاناة اولية حقيقية كبرى. بحيث تطابق مضمون هذه المعاناة مع كيفية ونوعية الصيغة الاولية لما يمكن دعوته بفلسفة الانا الثقافية. الامر الذي جعل من الارسوزي فيلسوف الأنا القومية الثقافية. ومن ثم احتواء تأسيسه النظري على بوادر الرؤية الاولية لفكرة القومية التلقائية (الروحية). وبالتالي، لم يكن مضمون الرجوع الى ميتافيزيقيا اللغة المتسامية والخالدة عنده سوى محاولة انتشال الفكرة من السقوط والانحدار صوب تجزئتها الى حروف منفصلة لا تستقيم مع حقيقة العربية، والركض وراء جمعها في كلمات بلا عبارة! ذلك يعني، أن الاتجاه صوب ملكوت اللغة كان بالنسبة له اسلوب الرجوع الى الملك العربي المفقود، اي الواقع البائس! لكن مأثرة الاسوزي تقوم في محاولته تحويل البؤس المادي الى بأس روحي. من هنا اصبح السباحة في عالم الملكوت اسلوب تأمل المعنى والوجوب. مع ما ترتب عليه من توحيد العربية النموذجية في حروفها لكلمات النطق والمنطق الروحي للماضي والحاضر والمستقبل.

أصل اللغة وأصل الأنا القومية

من هنا محاولته تأسيس فهمه الجديد لقضية أصل اللغة. اذ نراه يبدأ من تناول القضية - الاشكالية القديمة عما اذا كانت اللغة اصطلاحية (موضوعة من قبل العقل) أو نتاجا للوحي، لكي يؤسس على كيفية حلها فكرته عن القومية العربية. فقد انطلق من المقدمة القائلة، بان ربط اللغة (العريبة) بالغيب تضييق على العقل. كما ان اعتبار اللغة مجموعة من الرموز موضوعة من قبل العقل هو دوران في حلقة مفرغة. وذلك لان هذا القول يفترض وجود عقل كامل. وكيف يمكن ذلك دون كلام (اللغة)؟ ووجد الارسوزي الحل فيما اسماه "بالصدفة السعيدة" في اكتشاف جذر اللغة (العربية). وعثر عليه فيما اسماه بمنهج اللسان العربي بوصفه جذر "اللغة الكونية". مما حدد بدوره طابعها المتميز واصالتها التي ينبغي ان تستعيد هيئتها الاولى بوصفها فكرة قومية اصيلة.

اذ لا يعني منهج اللسان العربي بوصفه جذر اللغة الكونية سوى الصيغة النموذجية التي تعكس اصل وجذر اللغة الطبيعي واستجابته للارادة الانسانية في بلوغ المتسامي[2]. من هنا توحيدها للطبيعة وما وراء الطبيعة، او ما اطلق عليه الارسوزي عبارة "الملأ الاعلى". فاللسان العربي بالنظر إلى نشأته وصناعته هو بدائي وبرئ، كما يقول الارسوزي. وكل كلمة أو قاعدة تحمل طابع عبقريته أيا كانت. فهي مستعارة منه. بمعنى ان دورها التاريخي يقوم في صنع التاريخ الحقيقي للانسانية. من هنا قوله، بان للأمة العربية فضل على الأمم جميعا. فهي ليست مصدر الشعوب السامية فقط، بل واثرها على سير المدنية بإيجاد اللغة اضافة الى إبداع الديانات الإلهية. وذلك لان العربية كانت الأكثر استعداد من بين الشعوب على إيجاد الصورة الصوتية التي هي أصلح للانتشار، وبالتالي تعميم انتشار لغتها. الامر الذي يجعل من اثرها بهذا الصدد اثرا كونيا. الامر الذي يحدد بدوره أهمية دراستها، لما في ذلك من قيمة بالنسبة لالقاء الضوء "على جذور الإنسانية، وعلى العلاقة بين الأقوام في مهد الحضارات"[3]. اما سر هذا الاستعداد والاثر فيكمن فيما دعاه الارسوزي بتفاعل مكونين فيها وهما كل من الأصوات الطبيعية بوصفها جذر الكلام، ومبدأ الاشتقاق.

فقد وجد الارسوزي معنى "اللغة العربية جذورها في الطبيعة"، هو اننا نرى فيها نمو أداة بيانية متكاملة منذ بدء الخليقة ولحد الآن. ولها نماذج لا تحصى، مثل خرير الماء (خرّ، خرب، خرج، خرم). ذلك يعني ان العربية استفادت من خضوع الصوت للإرادة. وهذه بدورها ليست الا إحدى عبارات الهيجان الطبيعية. بعبارة اخرى، انها استفادت من انتقال الصوت عبر المكان، واستعانت بحاسة البصر، واتخذت من الصورة وسيلة لجلاء المعنى، كما يقول الارسوزي[4]. وهنا يكمن سر ما اسماه الارسوزي بالصدفة السعيدة، بمعنى تلاقي الطبيعة والماوراطبيعة في وحدة الارادة. والاخيرة هي المقولة الشاملة للطبيعة والماوراطبيعة، التي تتجلى على افضل شكل في العربية وجذرها الخاص بوصفه منهجا نموذجيا شاملا.

أسس الارسوزي فكرته هذه من خلال البحث عن جذر اللغة في الحياة نفسها. واعتبر ان "جذر اللغة هي الحياة". وذلك لانها تتمثل العلاقة المتبادلة بين وضع الجسد وبين المعنى الذي هو صداه في الوجدان. فوحدة الصوت والخيال في الكلمة العربية يؤدي إلى ظاهرتين او نتيجتين تميزها عن غيرها وهي أولا- فقدان المترادفات، وثانيا – الاختلاف في التطور بين الكلمة العربية وغيرها في اللغات الأخرى. فالأجانب لا يعرفون قراءة ما كتب في لغتهم قبل ألف عام. أما في العربية فان الكلمة هي صورة. وبالتالي، فان الكلمة العربية كالحياة. لهذا لا تصمد الكلمات الشاذة (غير العربية) في العربية فترة طويلة. إنها تنقرض. الامر الذي جعل من الكلمة العربية غير خاضعة للزمن. وان نشوء كلمات جديدة فيها (ومنها) هو استمرار مدرك[5].

ووضع هذه المقدمة في اساس فلسفته للغة العربية. وفيها نعثر على فكرة عميقة تقوم في دعوته لضرورة التوفيق والتجانس بين اللغة والفكر والثقافة القومية. فهو ينطلق في كتابه (العبقرية العربية في لسانها) من أن دراسة البنية الاشتقاقية للعربية يساعدنا على معرفة الكلمة الدخيلة من الأصيلة، وبالتالي يحررنا من الركاكة والهجانة. وهذا بدوره يهدينا أيضا إلى إدراك الشبه بين بنيان البدن وهداية غرائزه في توحيد العلوم الصحية، وبين هذه الحُدُس في بنياننا النفساني وهدايتها في إنشاء ثقافتنا. وبهذا نحصل على نهج أصيل في دراسة حياتنا الفكرية بحيث ينقشع الحجاب المزعوم بين الطبيعة والملأ الأعلى (ما وراء الطبيعة)[6]. مما يوصلنا بدوره إلى "بعث الخيال الأصيل" ومن ثم الوصول إلى ينبوع الحياة بالنسبة للسان، بحيث تتميز هذه المؤسسة المتمتعة بخلود الأمة التي أوجدتها عند بنيان البدن الذي ظل متصلا بالقدر بانغلاق المكان والزمان في وحدانية نموه وخاضعا بهذا الاتصال للتحول"[7]. اما الخلاصة التي توصل اليها الارسوزي بهذا الصدد فتقوم في بلوغ ما اسماه بفكرة "الحياة معنى ينشئ الصور. والخيال من الصور على درجات متفاوتة بالقسمة والعمق تحقيقا للآية الساطعة في صميم الوجود كأني بها تقتات بتجاوبهما تجاوبا صادقا وتنمو"[8].

وفيما لو جرى تحويل هذه العبارة "البيانية" المغلقة الى بيان اللغة العربية الطبيعية(!)، فانها تعني، ان الابداع الحقيقي يفترض الرجوع الى ينبوع الاصالة الذاتية، ولا اصالة بالنسبة للفكرة العربية سوى العمل بمعايير "الخيال الاصيل"، اي الابداع الذاتي الحر والمتحرر من ثقل الزمان (المعاصر) والمكان (الجغرافي الحالي) اللذين جرى انتهاكهما بفعل الخراب الذي تعرض له العرب في مجرى السيطرة العثمانية والكولونيالية الحديثة. فالزمن المعاصر هو زمن ليس عربيا، والمكان العربي هو جغرافية متهرئة. اما العربية من حيث كونها تمثلا ابديا لحقيقة الابد الكامنة في توليف الطبيعية والمارواطبيعة فهو الينبوع الدائم للخلود. والرجوع الدئم اليه يعني الوصول إلى حالة مثلى عن العلاقة بين البيان بالحقيقة من اجل معرفة نهج الحياة الأصيل، كما انه النهج الفني للتحرر من ظروف المكان لبلوغ البصيرة من اجل الاستغناء عن الطبيعة، كما يقول الارسوزي نفسه.

ونعثر على نفس هذا الاتجاه والتأسيس في (رسالة اللغة). فقد أكد فيها أيضا على أفكاره الأساسية بهذا الصدد وبالاخص ما يتعلق بفكرة اللسان العربي باعتباره بنيانا اشتقاقيا وأصوله من الطبيعة، وله أداة بيانية متكاملة وانه بناء مازال كامل حي. وختم ذلك باستنتاج يقول، بأن مفاهيمنا وأصول مؤسساتنا تكمن "في كلماتنا، كمون الحياة في بذور النبات"[9]. وبالتالي فان الرجوع الى اصول تأسيسها الاولية هو اسلوب تاصيل الحاضر والمستقبل. من هنا جوهرية اعادة بناء فلسفة اللغة العربية. فهو يعتقد، بان احد الأسباب التي حالت دون وجود فلسفة لغوية عربية ومن ثم إدراك حقيقتها كما هي يقوم في أن واضعو قواعدها كانوا عجما. مما ادى الى سوء فهم حقيقتها. فالكلمة العربية ليست رمزا يلتصق به المعنى عرضا واتفاقا، كما هي الحال في تعريف الكلمة في اللغات الأوربية، بل أنها صورة تتآلف من صوت وخيال مرئي ومعنى هو قوام تآلفها[10]. وبالتالي، فان اللسان العربي بمبدئه (المعنى) وبتجلياته (الأصوات) لهو على غرار البدن، شجرة سحرية نامية أبدا، جذورها في الملأ الأعلى (الماوراطبيعية) وتجلياتها في الطبيعة[11]. من هنا فاذا كان الأسلوب الأدبي قد لا يخلو من البيان في أية لغة من اللغات، فإن البيان شامل في اللسان العربي (في الكلمة والحروف والحركات والصورة)، على خلاف ما في اللغات الأخرى التي يقتصر فيها البيان على حدود العلاقة بين الفكرة وعبارتها[12]. وذلك لان الكلمة العربية تتألف من ثلاثة مكونات هي صورة صوتية، وخيال مرئي، ومعنى هو قوام تآلفهما، مثل كلمة فقه. فهي فق بوصفها صورة صوتية (من غليان الماء)، اما خيالها المرئي فهو التفتح الداخلي، بينما المعنى هو الحقيقة المتجلية من صميم النفس مستضيئة بنور ذاتها[13]. كل ذلك يجعل من العربية ذات معالم واضحة لا تقبل الالتباس بغيرها. فإذا "كان المعنى يؤلف بين الصورة الصوتية والخيال المرئي في الكلمة، فان الحدس المنطوي في المصدر هو أيضا قوام الرابطة بين المفاهيم العقلية والمدلولات الحسية" كما نراه على سبيلالمثال في نموذج تنبأ ونبي ونبوة[14].

وضع الارسوزي هذه المقدمة في اساس فهم ما يمكن دعوته بالعقل العربي الاصلي بوصفه عقليا نموذجيا. ومن ثم فهو ليس اساسا ضروريا لفهم العقل العربي بل والبشري ككل[15]. وذلك لانه يستند الى ما اسماه الارسوزي بالمنهج الكوني للسان العربي القائم في توحيده الشامل للطبيعة والماوراطبيعة. بعبارة اخرى، ان المهمة التي وضعها الارسوزي بدراسة قواعد اللسان العربي القادرة على كشف تكون العقل البشري أيضا، تهدف اساسا الى ارساء اسس الرؤية النقدية تجاه النفس وتذليل انحرافها عن الاصول. من هنا قوله، بان الانبعاث القومي يفترض إلى جانب الصناعة والعلم، الاهتمام "بتراث الأجداد". الامر الذي جعله يدعو الى البحث عن مصدر الوعي القومي المعاصر في مرحلة الجاهلية. ووضع ذلك في عبارة تقول: "بالعودة إلى جاهليتنا نلتقي مع أصول الثقافة الحديثة، الأصول التي تقوم على الاعتقاد بان النفس تنطوي على مقوماتها. ثم انه يجنبنا مما أورثه التاريخ من حزازات بين المذاهب والأديان"[16]. بينا نراه في بحثه الموسوم (اللسان العربي) يقول، بان المهمة المطروحة أمامنا تقوم في استجلاء آية الأمة العربية بوصفها حقيقة تاريخية، ومن ثم "إنشاء فلسفة عربية يتحول بها ما نسجته الحياة عفوا إلى مستوى من الشعور بحيث نشترك مع العناية في تعيين مصيرنا، ونشترك ونحن أحرار"[17].

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

................

[1] وضع الارسوزي أفكاره في مؤلفاته الأساسية والتأسيسية وبالأخص منها (العبقرية العربية في لسانها)(1943) و(الأخلاق والفلسفة)(1948)، و(والمدنية والثقافة)(1954) و(الأمة العربية)(1955) و(مشاكلنا القومية)(1955-1958) و(صوت العرب في لواء الاسكندرونة)(1961) و(بعث الأمة العربية – اللسان العربي)(1963) و(الجمهورية المثلى) (1964). وغيرها من الكتب، وبالأخص ما يتعلق منها بالفلسفة مثل (رسالة عن النفس)(1953) و(رسالة عن الفلسفة)(1954) و(متى يكون الحكم ديمقراطيا)(1961) وغيرها مما جرى جمعه ونشره في (المؤلفات الكاملة) (أربعة أجزاء) في دمشق عام 1972.

[2] الارسوزي يفرق هنا بين فكرة اللسان واللغة. ويضع هذا الفرق في صلب فكرته عما يدعوه باصالة اللغة العربية ودوها التاريخي. فهي لسان لانها منهج، بينما اللغات الاخرى متأتية من اللغو، اي انها كلمات لا تتوحد في معناه ومخارجها وحدة الطبيعي والماوراطبيعي.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، دمشق، 1972، ج1، ص54.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص47.

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص53.

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص62.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص62.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص64.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص233.

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص235.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص238.

[12] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص238.

[13] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص51.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص51.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص54.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص297.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص266.

 

 ميثم الجنابي"لا تلتفت إلى ما مال إليه البعض من لا يعرف

 وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة"

(الغزالي) 

ان بلوغ الفكر وحدته النموذجية في الكلّ يعكس مخاض الروح التوليفي، بوصفه النفي الواعي لانجازات الأسلاف. وفيها يمكن رؤية الاستعادة التي تستضيء على الدوام بمبدأ وجودها التاريخي. فالكلّ الروحي هو الصيغة المثلى للمبدأ الأول. وإذا كان الغزالي قد توصل في مجرى تجربته النظرية والعملية إلى أن القرآن هو القطب الروحي للكل ّالإسلامي، بفعل تضمنه في ذاته نموذج المساعي الحقيقية صوب الكلّ في التوحيد، فإن توليفة الكلّ الروحي كان لابد لها من أن تؤسس لنفسها في رؤية مكوناته وحقائق صيرورته التاريخية. وهي الصيرورة التي لازمت في ثقافة الإسلام أسلوب الرؤية الظاهرية والباطنية ووحدة التاريخ والروح.

فالقرآن هو مبدأ الوجود التاريخي للروح الإسلامي، تماما بالقدر الذي كان على الدوام ممثل الروح الإسلامي في كلّه. ومن هنا لم تعن وحدة الظاهر والباطن أو تعايشهما سوى الصيغة الإسلامية المناسبة لوحدة التاريخي والروحي، أو الحرية في مساعيها نحو الوحدة الحقة. وقد استلزمت هذه العملية على الدوام شحذ الهمّة النقدية في تأمل ماضيها وحاضرها، ووضع انجازات الماضي على محك التجربة النقدية للتقليد. وهي الصيغة غير المباشرة و"المقلوبة" للاهتمام الكبير والعميق بتجربة السلف. فالأسلاف ليسوا صنم العبودية الإسلامية، بل أثر هيبتها الحرة. بمعنى انهم لا يلزموا بشيء غير تجاربهم العملية. وفيها كانت تتجلى على الدوام العناصر الحية في الذكرى التاريخية أكثر من حيثياتها الواقعية. أما تشذيبها النظري فكان من الممكن أن يحصل على تعبيره المناسب في كل الميادين التي أبدعتها الثقافة الإسلامية بما في ذلك في مواقف الظاهر والباطن المستقلة والمتعايشة، والمتنافسة والمتضادة. باختصار في "الكلّ" الذي حاول الغزالي إرجاعه إلىالقرآ، باعتباره قطب الوجود الأول لتنوع الوحدة الاسلامية. وهي النتيجة التي تفرض نفسها بالضرورة على كل تطور توليفي أصيل باعتباره استظهارا لتجاربها التاريخية الروحية.

ففي هذا الاستظهار الجديد للكلّ الإسلامي كانت تكمن محاولات إظهار باطنه، تماما بالقدر الذي يشكل استبطان مظاهره محاولة توليفه الجديد في الوعي الاجتماعي. وقد حددت هذه النتيجة أيضا أسلوب الرؤية الجديدة للقرآن. فإذا كان مفهوم الكلّ الإسلامي هو النتيجة التي وضعها الغزالي في نظرته عن مركزية القرآن الروحية، فإن ذلك يكون قد حدد أيضا أسلوب تعامله مع النص "المقدس" بالمعنى الذي بلورته تقاليد الكلام والتصوف الإسلامية. بمعنى إدراج الصفة في فلك الذات ودورانها في ما وصفه الغزالي بفكرة اللانهاية في المعنى، أي وضع أسس الحرية الدائمة في التعامل مع الكلّ الروحي في القرآن. وهي الأسس التي أذابتها المتصوفة في آدابها وطريقها لتكتشف في مقاماتها نماذج تجليها المتعالية. وبما انه لا يمكن حدّ هذه النماذج بصورة نهائية بفعل حركتها الدائمة، بوصفها التجلي الإنساني الصوفي "للخلق الدائم"، من هنا تطابقها النسبي مع تجارب السياحة في عالم الحرية الصوفية، أو التقيّد بقيود العبودية للمطلق. وهي ذات الحالة في أوجهها المتنوعة. وبما أن هذه الأوجه تتضمن، إن أمكن القول، تعابير الوحدة الخفية للظاهر والباطن، فإن شكل تجليها في المنظومات الفكرية يعكس أولا قبل كل شيء كيفية تطابق العقل النظري والعملي للشخصية الصوفية[1]. أما في حالة الغزالي فإنها أدت إلى صياغة مواقف متميزة لها جذورها العميقة في تراث الظاهر والباطن ونفيهما في تآلفه الجديد. مما اعطى لها مضمونها الاجتماعي السياسي والأخلاقي المتميز في منظومته الفكرية.

فقد تناول هذه القضية للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين). وما قبل ذلك لا نعثر على أي اهتمام جدي بها. والإستثناء الوحيد لظهورها الجزئي نعثر عليه في جدله مع التعليمية في(المستظهري أو فضايح الباطنية) ولكن في ظهورها "السلبي".وهذا بدوره كان نتاجا لتناوله إياها في مجرى الجدل الفكري (الكلامي) ضد الصيغة الأيديولوجية السياسية لآراء الباطنية التعليمية. وبما أن صراعه مع الباطنية التعليمية قد جرى تحت ثقل وأثر العقلانية النقدية الحادة في نزوعها الكلامي، فإنه أدى إلى إبداع عناصر التوليف الخفي في مواقفه من الباطنية وقضية الباطن. فبالقدر الذي فتت في وقت لاحق نزوعه الكلامي الضيق في الانتصار للمذاهب والسلطة، وبالتالي شحذ الروح الاخلاقي بعناصر العقلانية القائمة في نقديته الحادة، فإنه كشف أيضا عن قيمة الباطن في الباطنية من خلال إفناء البنية المتعالية للأيديولوجية الباطنية في تعاملها مع النص في تجربته الصوفية. ولاحقا بالإبقاء عليها في استمرار العقلانية الباحثة عن "حد وسط" بين ظاهر الظاهرية وباطن الباطنية. وهو النفي الذي كان ينبغي له تجاوزهما كلاهما في ما هو ارفع منهما شأنا وغاية، وتأصيلا ودراية.

وتضمن ذلك على غربلة عقلانية الكلام الفلسفية نفسها. فعندما يبدأ بتصنيف أبواب كتابه (إحياء علوم الدين) فإنه ليس مصادفة أن يضع قضايا العلم والتعليم والمعلم في بدايتها، باعتبارها قضايا المدخل العام لمشروعه الفكري الجديد. وبغض النظر عن التباين الواسع بين آرائه وآراء الاسماعيلية بصدد هذه القضايا، إلا انه لا يمكن إغفال جوهريتها بالنسبة لهما كليهما. ففي تعارض آرائهما تكمن وحدتهما الخفية في حوافز إدراكها لضرورة المعلم والتعليم والعلم، أي الوحدة المتناقضة في إدراك أهمية البديل العملي في مشاريع "العلم" والعلماء.

وقد شكلت قضية العلم إحدى القضايا الجوهرية بالنسبة للوعي والثقافة الإسلامية ككل. إذ أحتلت في القرآن مرتبة الوحي الإلهي. ومن الممكن افتراض صداها غير الواعي في صيرورة جوهريتها الثقافية، باعتبارها الخطاب "الأزلي" الأول في "مشروع" تكوينها التاريخي. فقد طالب خطاب الوحي المحمدي نفسه بالتعليم والقراءة. وفي ما بينهما إدراك حقائق المجهول والمعلوم (علّم الإنسان ما لم يعلم). وهو الصدى الذي تجمّع رنينه في تناسق الاهتمام الواسع بعلوم القرآن أولا ثم علوم الأوائل والأواخر. من هنا الأهمية التي اختزنتها الثقافة الإسلامية في وعيها ولا وعيها التاريخي تجاه العلم والتعليم والعلماء. ونعثر على تجليات هذه الأهمية في المخاض العام الأول للسيطرة الإسلامية خارج موطنها "الطبيعي". حيث أصبح الحصول على العلم الحافز الأعظم لتوكيد إسلاميتها. وسوف يحصل هذا الحافز في تقاليد علم الكلام وجدله على مكانه المناسب بصدد قضايا العلم الالهي وصفة العالمِية الإلهية. وكذلك في ثنائية علم فرض العين وفرض الواجب، أي كل ما سيحصل على نماذجه الارفع في التيارات الباطنية بشكل عام والشيعية الإسماعيلية بشكل خاص. حيث تحول العلم الإلهي والنبوي إلى سلسلة الوحدة المعرفية الظاهرية والباطنية في الأئمة الظاهرين والمستورين، الجسمانيين والروحانيين. الأمر الذي أعطى لمهمة تعليمها قيمة عملية سياسية. وقد أدرك الغزالي قيمتها العملية الفعالة الكبرى. من هنا وضعه إياها في مقدمة (إحياء علوم الدين) كمدخل لمشروعه العملي الأخلاقي الإصلاحي. بمعنى نفيه حوافز الإسماعيلية في بديله التوليفي الجديد. 

لكن إذا كانت الإسماعيلية قد صاغت ذلك في مجرى تكونها التاريخي ومنظوماتها الفلسفية، فإن الغزالي حاول إبداعه من خلال التنظيم التوليفي لمكونات التاريخ الإسلامينفسه. وهو الخلاف الذي يمكن رؤية ملامحه في أكثر القضايا اشتراكا في ما بينهما حول بواطن الباطن وتأويلها. لهذا يمكننا رؤية التناغم الخفي بين آراءه ومواقفه من المعرفة والحقيقة (العقل) والهوى (والوجدان)،باعتباره الركون إلى النفس وسكونها الى ما يوافقها. وما يوازيها من آراء ومواقف الاسماعيلية عن تعليمية الإمام. وكذلك آراؤه عن الوحي والإلهام باعتبارهما سماعا مجردا للأنبياء والأولياء أو مشاهدة باطنية للأنبياء كما هو الحال بالنسبة لآراء الاسماعيلية بهذا الصدد. وكذلك فكرته عن السماع المباشر للحديث من النبي، بل وفي جملة من ارائه ومواقفه من النبوة والولاية وغيرها من القضايا التي تلتقي في كثير من جوانبها مع آراء الباطنية الإسماعيلية.

ان لهذا التشابه الجزئي بين آراء الغزالي والباطنية الإسماعيلية مقدماته التاريخية في المجرى العام للتطور الثقافي والفكري الإسلامي. فالاتجاهات الكبرى للفكر الإسلامي هي أيضا كيانات مستقلة. وإلا لاستحال الجدل إلى عراك لا معنى له، أو لأدى ذلك إلى صعوبة تصور خلافها وتوافقها. أما الغزالي فلم يكن بإمكانه تجاهل تراث الإسماعيلية الهائل. وهو أمر لم يتوقف عليه بفعل الصيرورة التاريخية للكلّ الإسلامي في  فرقه وصراعها فيما بينها. وفي الحالة المعنية بين باطنية الإسماعيلية والتصوف. غير أنهما لم يتشابها فتشاكل الأمر! فقد أبدع كل منهما بطريقته الخاصة تأويله الباطني، مستنداً بذلك الى تباين طرقهما في بلوغ حقائق الباطن والظاهر.

ومن الممكن الحديث عن كلّ باطني في الإسلام. لكنه يبقى كلاّ معنويا مرتبطا بالمكانة التي أحتلها القرآن في مركزية الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والشرعي. وقد بلورت هذه المركزية على مثالها واحدية الثقافة الإسلامية بوصفها نموذجها التاريخي الخاص. الأمر الذي أعطى للروح الباطني إمكانية تجوله في ميدان الظاهر. فقد افترضت مركزية القرآن طابعه الأصولي في العلم والعمل. وقد جعله ذلك أكثر مرونة أمام المستجدات وتأويلاتها المحتملة. وكان من الصعب حصر هذه الإمكانات والتأويلات بسبب تباين المدارك والمعارف، والمشارب والغايات القائمة وراء أفعال وأفكار الأفراد والجماعات. وحدد هذا بدوره كثرة وتنوع ثقافة الياطن و"بواطن الثقافة" نفسها. ومن ثم إمكاناتها العديدة. وفي هذه الإمكانات كانت تختمر رؤية البدائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. أما التأسيس الفكري لهذه البدائل فقد ارتبط بالصيغة التي تبلورت فيها إشكاليات الباطن العقائدية والسياسية والفكرية. وهي الإشكاليات التي حددت تعارض وتناقض المشروع الغزالي مع قرينه الإسماعيلي.   

فقد صاغ كل منهما في غضون قرون عديدة (قبل الغزالي) أساليبه ورموزه وأمثلته الهائلة. لهذا لم يكن بإمكان الغزالي التخلي، على الأقل حتى تأليف (إحياء علوم الدين) عما بدا له منفرا في الفكر الباطني الإسماعيلي رغم استمراره في نقده إياه حتى آخر مؤلفاته كما نعثر عليه في (القسطاس المستقيم) و(مشكاة النبوة) و(المنقذ من الضلال). بحيث يمكننا الحديث عن تداخل ثقافي للباطنية الصوفية والإسماعيلية كما هو جلي ومستتر في امتزاج أسلوب الصوفية وأمثلة الإسماعيلية. إذ بإمكاننا القول بأن الغزالي استطاع أن يدمج في كلّ توليفي جديد أسلوب المعرفة القلبية الصوفي ونماذج التأويل الاسماعيلي. وهو أمر يمكن رؤيته في ذوبان "مادة" الإسماعيلية ونماذجها التأويلية للآيات والأحاديث في أساليب الكشف الصوفية عن معانيها. إذ ليس معنى إن "الله يحول بين المرء وقلبه" سوى منعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين أصابع الرحمن[2]. وليس معنى "نسوا الله فأنساهم أنفسهم" سوى أن معرفة النفس تساوي معرفة الله. وليس معنى "وما يعلم جنود ربك إلا هو" سوى  جنود القلب الظاهرة والباطنة[3]. وليس معنى "تفضيل المجاهدين على القاعدين" سوى تفضيل الجهاد الأكبر على الجهاد الأصغر. وليس معنى "الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" سوى صقل القلب بمجاهدة النفس في الوصول إلى حقيقة الحق[4]. وليس معنى "ومن كل شيء خلقنا زوجه" سوى كون الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله فإنه فرد[5].

غير أن تباين أسلوب الغزالي عن الباطنية الإسماعيلية لا ينحصر في ما سبق وإن جرت الإشارة إليه، بل وفي طبيعة اختياره للآيات والأحاديث التي تستعملها الإسماعيلية نفسها. غير أنه من الخطأ تقرير تعارض آرائه مع آرائها على طول الخط. فقد كان بينهما من القواسم المشتركة ما لا يمكن ربطه بإرادة أي منهما. بمعنى وحدة "الرصيد الإسلامي" باعتباره المادة "الخام" للكلّ الروحي الذي سعى الغزالي لإعادة بنائه في مشروعه الإصلاحي. فالخلاف الجوهري بينه وبين الإسماعيلية لم يكن في التأويل والباطن، بل في المنهج والغاية. وهو  خلاف حدد في الأغلب ما سبق وإن أسميته بالكيفية التي تبلورت فيها إشكاليات الباطن العقائدية والسياسية والفكرية لكليهما. فقد كان انتقاد الغزالي للباطنية هو انتقاد نموذجها المتطرف أو صيغتها الغالية وليس رفضه إمكانية استعمال الأسلوب الباطني ومادته. وذلك لأن المادة القرآنية المستبطنة في باطنية الإسماعيلية لم تكن كلية التجانس في "براهينها".  ولم يكن بإمكانها أن تكون  "هجينة" عن لغة الإسلام ونفسيته الثقافية وذلك لأنها استمدت خصائصها من خصائص الانعطافات الحادة في التاريخ الإسلامي نفسه، أي أن "تكامل" الإسماعيلية في مظاهرها لا ينفي تباين باطنياتها في باطنها بفعل الاختلافات الداخلية في ما بين اتجاهاتها وأحزابها.

فالغزالي لم يقف عن حدود انتقاده الباطنية التعليمية بصدد قضايا الظاهر والباطن. ولا يغير من ذلك شيئاً بقاؤها العميق، بما في ذلك في هواجس نقده اللاذع لها بهذا الصدد. فقد حاول اتمام نقده هنا من خلال إبراز هفوات ونواقص الاتجاهات المضادة لها. وبالتالي الكشف عما في الوسط والاعتدال من قيم كبرى بالنسبة لفهم حقائق وحدة الظاهر والباطن. فهو ينتقد من أسرف وأبخل، أي كل من أولئك الذين رفعوا الظواهر كلياً بحيث انتهوا إلى تغيير جميع الظواهر و"حملوا كل القرآن بلسان الحال" كغلاة الصوفية والباطنية التعليمية، وكذلك أولئك الذين "منعوا التأويل كلياً كأصحاب الحديث والحشوية"[6]. أما الاشعرية والمعتزلة والفلاسفة فقد ساروا في مدارج التسلسل الأقرب لحدود الاعتدال في الموقف من وحدة الظاهر والباطن. فقد فتحت الأشعرية باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ونفوا التأويل فيها. أما المعتزلة فأّولوا من صفات الله الرؤية والسمع والبصر، وكذلك المعراج وعذاب القبر والميزان والصراط، إلا انهم اقرّوا بحشر الأجساد واللذات الجسدية في الجنة. في حين زاد الفلاسفة في التأويل على من سبق من المتكلمين بحيث تأّولوا كل ما ورد بصدد الآخرة وردوه إلى آلام ولذّات عقلية وروحانية، وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس فقط[7].

لقد شكلت الاتجاهات الخمسة المذكرة أعلاه في مواقفها من علاقة الظاهر والباطن بنظر الغزالي، درجات متباينة في إدراكها طبيعة هذه العلاقة. ولم يضع الغزالي هذا "الترتيب" من أجل الدفاع عن "عقيدة السنّة"، بقدر ما انه أراد رفعها إلى مصاف الوسيطة المعقولة. وهو  اعتدال كان يتطابق فكريا مع مساعيه التوليفية باعتبارها نتاجا للإدراك المستجد في أتون الإصلاحية الأخلاقية العقلانية. وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية في مسارها المجرد إلى اقتراب أسلوبه وآرائه في ميدان الظاهر والباطن من توليف اتجاهية الباطنية والفلاسفة واختزال تقاليد الكلام الاشعري والمعتزلي في انجازاته العقلية. مما جعل من وحدة آرائه نموذجا للإسلامية المتسامية عن تحجر وضيق المذاهب وصراعات فرقها الكلامية والفقهية. من هنا دفاعه عن أخلاقية أحمد بن حنبل ومعارضة مواقفه من التأويل، أي أن دفاعه عن أحمد بن حنبل هو دفاع عما في "اقتصاده" التأويلي من دعوة إلى "رعاية صلاح الخلق"، لا تأييدا "لبخله" في التأويل. بمعنى أنه يأخذ عناصر الأخلاقية الحنبلية ويرفض جمودها الفكري. على عكس مواقفه من الاتجاهات الأخرى. بمعنى اخذه ما هو مناسب من أساليب فكرها التأويلي ورفض "مناقبها" السلبية الممكنة في الأخلاق والوجود السياسي للأمة، أي كل ما وضعه في دعوته لضرورة حدّ الاقتصاد بين أغلال أهل التأويل وجمود الحنابلة[8].

فالغزالي يدرك الفرق الدقيق القائم بين طرفي التناقض. وعبّر عنه بفكرة السرّ الذي لا يمكن كشفه دون ضياء النور الإلهي. وقد كان ذلك يعني أيضا انتقاد ولع المتكلمين والفقهاء في فرق الإسلام التقليدية من إدراك حقائقه بالسماع. ولم يقصد بالنور الإلهي هنا سوى نور اليقين، والوحي الذاتي للتجربة الصوفية في مستواها العقلي، أي الوحدة المتآلفة للأخلاقية الصوفية وعقلانية الوسط الفلسفية. من هنا حكمه القائل بأن ما "وافق مشاهدته بنور اليقين للعقل يجري إقراره وما خالف يؤول"[9]. لقد حاول صياغة النظرية العامة لعلاقة الباطن والظاهر استنادا إلى ثنائية الحس والعقل، والمُلك والملكوت. فهو ينطلق من أن للحواس حقائقها، إلا أنها تتسم مع ذلك بنقصان. فالبصر، على سبيل المثال، يبصر غيره ولا يبصر نفسه. وهو يبصر المتناهي ولا يبصر  غير المتناهي، ويبصر الظاهر ولا يبصر الباطن. على عكس العقل الذي يدرك غيره ويدرك نفسه. ويتساوى أمامه القريب والبعيد ويدرك الظاهر والباطن، بل كلّ ما في الوجود في مجاله. فهو يتصرف كما يقول الغزالي، في جميعها ويحكم عليها حكما يقينيا صادقا. فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفية عنده جلية[10]. وهو الاستنتاج الذي يمتلك رصيده الفكري في تاريخ التصوف الأدبي والذوقي.(يتبع....). 

 

ا. د. ميثم الجنانبي

.............................

[1] ليس من مهمة هذا البحث تناول القضايا المتعلقة بدراسة وتحليل إشكاليات وخصوصية الظاهر والباطن في الفكر الصوفي. وذلك لأن لها تنوع في المستويات وخصوصية في تجليات المعرفة الصوفية. إن ما هو مهم بالنسبة لهذا البحث يقوم في الكشف عما في وحدة المعاني غير المتناهية، باعتباره النموذج الممكن للصوفي في تذليل النفس وقهرها، وتصفية القلب من وحدة الظاهر والباطن. وهو الاسلوب الذي اتبعه الغزالي في التحليل، والصيغة التي سلكها بفعل تطابقها مع مستلزمات "قواعد الطريق" نفسه. أما صياغتها النظرية، فإنها تتباين بأثر تباين مقدمات "الوعي النظري". لهذا كان لابد لها في حالة الغزالي، من أن تتبلور تحت ثقل النفي الصوفي لعقلانيته النقدية في علم الكلام والفلسفة والفقه.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص2.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص5.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص13.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص13

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص203.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص104.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 104.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص104.

[10] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص52-53.

 

علاء اللامييمتد العصر البرونزي الوسيط بين (2000 – 1550 ق.م).وقد شهد النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد سيطرة حكم الهكسوس على فلسطين خلال القرون (18 وحتى 16ق.م). وفي هذا العصر (حوالي 1900ق.م)، تزعم الرواية التوراتية أن النبي إبراهيم ظهر مع ابن أخيه لوط في فلسطين، مهاجرا إليها من أور الكلدانية جنوب العراق. وفي فلسطين، ولد له ابناه إسماعيل وإسحاق وابنه يعقوب الذي لقب لاحقا بـ "إسرائيل". والحقيقة التي يتفق عليها جميع المتخصصين في الآثار التاريخية القديمة هي انعدام أي أثر أركيولوجي مكتوب أو غير مكتوب، في فلسطين وفي محيطها المصري والعراقي والشامي القديم، يؤكد حصول هذه الهجرة بأي معنى من المعاني.

تبدأ الرواية التوراتية بذكر فلسطين مع ولادة النبي إبراهيم في أور الكلدانية في سنة 1900 ق.م، فيما تتراوح ترجيحات ولادته في مصادر دينية غير تأريخية أخرى بين سنتي 2324 و1850 ق.م، وهجرته إليها حين كان في الخامسة والستين من عمره كما يقول سفر التكوين.

يمكن رسم خط هجرات إبراهيم التوراتية كما يأتي: من أور ← بابل ← حاران ← شكيم "نابلس" ← بيت إيل ← مصر ← بيت إيل ← حبرون "الخليل"← دمشق ← حبرون "الخليل" ← جرار ← بئر السبع ← مريا ← بئر السبع ← حبرون "الخليل".

إن قصة إبراهيم التوراتية بسيطة، وليس فيها ما هو مثير ومهم. إنها ليست سوى رحلات لأسرة صغيرة متوسطة الحال من رعاة الماشية الذين تعج بهم سهول الشرق الجزيري. فقد رحل إبراهيم مع زوجته سارة إلى أرض كنعان، ومعهم ابن أخيه لوط وزوجته، وأقام لفترة قصيرة في مدينة شكيم - نابلس، وبنى مذبحاً للرب. ثم تضيف التوراة أنه اتجه جنوباً بعد ذلك إلى بلدة "بيت إيل" الكنعانية والتي تحمل اسم كبير الإلهة الكنعانية إيل،[1] ووصل إلى النقب في طريقه إلى مصر بعد حدوث مجاعة. وبعد ذلك عاد من مصر إلى جنوب فلسطين، وفي بيت إيل ذاتها انفصل إبراهيم ولوط بسبب امتلاكهما قطعانا كبيرة من الماشية ووجود مراع قليلة ضاقت بها وعليها. وتزعم التوراة أن الرب وعد إبراهيم بأن تكون الأرض الواقعة بين الفرات والنيل له ولنسله. وقد استقر إبراهيم في حبرون "الخليل" حيث اشترى مغارة هناك، وتنقَّل في مناطق كنعان القريبة من الخليل "حبرون" مثل مدينة "جرار" الواقعة جنوب شرقي غزة، وكذلك "مريا" القريبة من القدس في الشمال. وبعد ذلك عاد إلى جنوب فلسطين، وعاد ليستقر في الخليل "حبرون" ليتوفى بها بعد عمر طويل يصل في أقصر الروايات إلى 175 عاما، ويدفن في المغارة التي اشتراها والتي تدعى اليوم "مغارة المكفيلة" الواقعة داخل المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية.

إن كل هذه المعطيات والمعلومات لم ترد إلا في المصدر التوراتي، ولم يتم العثور على أثر أركيولوجي واحد يعتد به يؤكد وجود النبي إبراهيم وجودا تاريخيا كما أسلفنا. أما ما قيل عن وجود أثر يحمل اسم "إبراهيم" في "ألواح إيبلا" التي قرأها العالم الإيطالي جوفاني بيتيناتو، والمنسوبة الى القرن الخامس عشر ق.م، وزعم أنه عثر فيها على ذكر أسماء الأنبياء التوراتيين ابراهيم واسماعيل وداود، فهذه الألواح لم تحظ بتأكيد أو تأييد علمي رصين، والضجة التي أثارتها في السنوات الأولى لاكتشافها أواسط السبعينات من القرن الماضي بين أوساط المؤيدين لتاريخية التوراة وخصوصا سفر التكوين فيه انطفأت تماما، ولم يعد يهتم بها حتى التوراتيون الباحثون بلهفة عن أي أثر حاسم من هذا النوع.

وكان الباحث بيتر كريغ قد ناقش في كتابه "أوغاريت والعهد القديم" ادعاءات بيتيناتو ونقدها بعمق ودراية وأظهر تناقضها وعدم جديتها فكتب (في سياق عمله على هذه المجموعة الهائلة من النصوص - الإيبلائية - تبين لبيتيناتو أن 80% من هذه النصوص مكتوب باللغة سومرية، و20% مكتوب باللغة الجديدة التي دعاها الكنعانية المبكرة، وهي تشكل أكثر من ثلاثة آلاف رقيم منقوش بالخط المسماري المعروف له في منطقة سومر وأكد "..." ومع قيام بيتيناتو بدراسة محتويات الرُقُم الإيبلائية ، أخذ يطرح العديد من الادعاءات في تصريحاته ومقالاته)[2]. وبعد أن يعرض كريغ ادعاءات بيتيناتو، يركز على ادعائه وجود أسماء علم سامية وردت في التوراة كداود، واسم أحد ملوك إيبلا هو "إيبروم"، المتصل صوتا ولغويا بسلف العبرانيين المدعو "عابر"، إضافة إلى وجود المدن الخمس الواردة في سفر التكوين، سدوم وعمورة وأدمة وصبوئيم وبالع، وبأسماء بعض المدن الفلسطينية كمجدو وأورشليم وأشدود، يلاحظ كريغ أن إبرام قد ارتبط بمدينة حران، وأنه عاش بعد عدة قرون من عصر ازدهار إيبلا.

إنَّ هذه الحقيقية تعني انقطاع الصلة التاريخية والمضمونية بين المسمى إيبروم الإيبلائي وإبراهيم التوراتي! ثم هل كانت التوراة ستسكت لو كانت هناك أية علاقة بين إيبرام اللإيبلائي وإبراهيم التوراتي؟

إن قضية وجود أسماء جزيرية "سامية" من قبيل إبراهيم ويوسف ويعقوب وغيرهم، على آثار من الحضارات القديمة، تتكئ على تفسير أو تحليل وحيد هو التفسير اللفظي، القائم على التقارب الصوتي بين الأسماء كملفوظات صوتية، وليس على أي شيء آخر ذي علاقة بالسياقات التاريخية المعنية بذوي الأسماء وتلك الآثار. وممن سبق أن وقعوا في هذا المطب اللفظي اللاتاريخي المؤرخ فيليب حتي حين ذكر في كتابه "تاريخ سورية ولبنان. ص 160"، وفي معرض كلامه عن رجل من الهكسوس يدعى "يعقوب هار"، (ويعقوب هذا هو حتما يعقوب المعروف في التوراة). ويعلق يوسف سامي اليوسف ساخر على هذا الاستنتاج قائلا (ولماذا "حتما" هذه؟ هل من المحال أن يكون في الدنيا رجلان اسم كل منهما يعقوب؟)[3].

 كما خرج أسد أشقر في استنتاج مشابه حين كتب في كتابه "تاريخ سوريا" (ويبدو ان اليهود، بقيادة يعقوب، قد دخلوا مصر في تلك الحقبة. ص155). وكان الأجدى بأشقر، كما يعلق اليوسف (أن يطرح هذا السؤال: هل كان ثمة يهود على الأرض في أيام الهكسوس؟). واليوسف محق هنا تماما، فالهكسوس ظهروا في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وسيطروا على مصر بعد غزو وتسلل دام خمسين عاما في القرن السابع عشر، وفي تلك الحقبة لم يكن لليهود أو من يزعمون أنهم أسلافهم كالعابيرو والخابيرو أي وجود أو ذكر، حتى ورد ذكرهم للمرة الأولى بعد أربعة قرون تقريبا في إحدى رسائل تل العمارنة حيث أشير الى احتلال الخابيرو لمدينة شكيم الكنعانية سنة 1360 ق.م والتي سيطروا عليها لنصف قرن فقط.

ومن هذا القبيل، أخيرا، ما ذكره الباحث العراقي أحمد سوسة في كتابه " العرب واليهود في التاريخ"، حين كتب ما معناه أن المنقيبين عن الآثار اكتشفوا مكانا يسمى يوسف بعل. وإن يوسف بعل اسم كنعاني ولا يعني سوى أن الساميين قد اجتاحوا مصر وحكموها خلال العصر الذي سمي عصر الهكسوس)[4] وما يقوله سوسة هنا مجرد ترجيح ضعيف، فأصل الهكسوس ما يزال غامضا، وموضوع نقاش وعدم اتفاق بين الباحثين المتخصصين حتى اليوم!

 نعود لما تكتبه كريغ فهو يقول بهذا الصدد إن عددا من الباحثين (رأى في مكتشفات إيبلا وقراءة بيتيناتو المتعجلة لها مجموعة جديدة من المعلومات التي يمكن أن تسوي الجدل الدائر حول تاريخية أو لا تاريخية النبي التوراتي إبراهيم. وللوهلة الأولى بدا أن هذا الاكتشاف يرجح كفة القائلين بتاريخية سفر التكوين، من الإصحاح 12 إلى الإصحاح 50، ولكن المسألة لم تكن على هذه الدرجة من الوضوح "..." وبين عامي 1975 و1980 قامت دعاوى عديدة صدرت عن أناس لم يروا رقُم إيبلا ولا يعرفون قراءة نصوصها أو ترجمة لغتها ولم يضعوا قدما في سورية. وإذا كنا نغفر لبيتيناتو الادعاءات المتسرعة التي تقدم بها بداعي حماسته للاكتشاف الجديد، فإننا لا يمكن ان نغفر لمن سار على خطاه، مثل أحد الباحثين الاستراليين الذي سارع عقب قراءة بيتيناتو إلى طباعة كتيب يدعي فيه أن مدينة إيبلا قدمت أخيرا الدليل القاطع على أن الكتاب المقدس على حق دوما).

ثم ينصح كريغ في كتابه فيقول (إن علينا أن نكون حذرين قبل إصدار أية دعاوى بهذا الخصوص، وقبل أن يمر زمن طويل تصبح فيه هذه المكتشفات معروفة ومقروءة جيدا من قبل الباحثين). ويختم كلامه بطريقة ساخرة فيقول (إنه لمن الخطأ أن نركب أية عربة تذيع الموسيقى وترفع يافطة كتب عليها "إيبلا تؤيد الكتاب المقدس"، وذلك لسببين: الأول هو أن الادعاء بصحة وثيقة ما، اعتمادا على بينة لم تُعاين شخصيا، ولم تدرس بما فيه الكفاية، هو أمر على جانب كبير من الخطورة، وهو كارثي من ناحية أكاديمية، وهو غير مسؤول من المنظار اللاهوتي والديني. أما السبب الثاني فهو أن هذه الدعاوى تتخذ طابع التضليل، وهي تنتمي في جزء منها إلى اتجاه يسود العالم المسيحي المعاصر، ويسعى لوضع اليد على أي شاهد ظاهري شكلي من شأنه دعم الإيمان المسيحي، سواء كان أخشاب سفينة نوح أو رقم مدينة إيبلا أو كفن تورينو. ص 146)[5]. وبعد مرور عقدين من السنوات على كلام كريغ هذا لم يخرج باحث رصين أو مؤسسة علمية مهمة وذات صدقية بأي تأكيد أو تأييد لادعاءات بيتيناتو تلك وتم إهمالها حتى من الباحثين التوراتيين أو المتدينين المسيحيين المتلهفين لأية أدلة كهذه.

 ويشير تقرير صحافي مقتضب، نشر قبل سنوات قليلة، إلى أن بعض تلك المكتشفات الإيبلائية (قد ترجمت من قبل اختصاصيين دوليين قاموا بنشر نتائج قراءاتهم وأبحاثهم في مجلة "دراسات إيبلائية" وفي مجلة "حوليات إيبلا"، وقدموا دراسات مهمة، ردت علمياً، على تلك الادعاءات، عن علاقة إيبلا بالتوراة، ومدن السهل الخمس، وكانت حصيلة الدراسات أن لا علاقة لإيبلا، من قريب ولا من بعيد، لا من حيث الشكل أو المضمون، بالعبرانيين أو التوراة)[6].

وتستمر الرواية التوراتية الدينية في روايتها حتى تبلغ عصر النبي موسى الذي -بحسب رواية التوراة نفسها - قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة في النصف الأخير من القرن 13 ق.م؛ أي قرب نهايات العصر البرونزي المتأخر، الذي شهد هو، وبداية العصر الحديدي، قيام مملكة داود وسليمان 1004 – 923 ق.م.

وبهدف الاختصار، سأدرج فقرات قليلة من مخطط تزميني "كرونولوجي" طويل جدا وذي طابع رسمي حول تاريخ مزعوم للعبرانيين، اليهود، بني إسرائيل في فلسطين، وقد تعمدت أن أقتبس هذا المخطط الكرونولوجي كما هو - مع بعض التصحيحات اللغوية والاختصار- من موقع وزارة الخارجية "الإسرائيلية"، ليكون أكثر "رسمية" في التعبير عن وجهة نظر الحركة الصهيونية الحديثة ودولتها القائمة اليوم، ثم سنبين تفصيلا كيف دحضت المكتشفات الآثارية العلمية الصلبة والمقنعة هذا المخطط الكرونولوجي الصهيوني الخرافي:

*حوالي 1700ق.م: بداية ״فترة الأجداد״ (المرحلة البطريركية) التي عاش فيها إبراهيم وسارة وهاجر في الجيل الأول، وإسماعيل وإسحاق ورفقة في الجيل الثاني، يعقوب، راحيل، ليئة وعيسـو في الجيل الثالث، يستقدم يوسف أباه وإخوته أواخر هذه الفترة للعيش في مصر بمباركة فرعون (سفر التكوين).

*حوالي 1250 ق.م: الفترة التقريبية للخروج التوراتي أو النزوح من مصر إلى صحراء سيناء، حيث عاش هناك بنو إسرائيل أربعين سنة (سفر الخروج والعدد).

*حوالي 1210 - التأريخ التقريبي ״لغزو״ بني إسرائيل أرض كنعان (سفر يشوع).

715 – يقوم الملك حزقيا بتقوية النظام الديني وتوحيد مملكة يهودا الناجية.

721-586 – تنجح يهودا في البقاء مملكة مستقلة، ومن حين إلى آخر تدفع الجزية للإمبراطوريتين البابلية والمصرية.

587-586 – تفتتح بابل أورشليم وتدمر الهيكل، وتصبح يهودا محافظة بابلية.

إن الأخطاء الفظيعة في هذا المخطط الكرونولوجي لوزارة الخارجية الإسرائيلية كثيرة، ولا تستحق الوقوف عندها لأنها لا تمت بصلة لأي علم من العلوم القديمة أو الحديثة، بل تمت بكل الصلات إلى البروباغندا السياسية والدينية. ولعل من أبرز تلك الأخطاء، أن كاتب التزمين أطلق اسم "أرض إسرائيل" وحذف اسم البلاد الصحيح والمتفق عليه بين الباحثين، وهو "بلاد كنعان"، في فترة تسميها التوراة "حكم القضاة" بين القرن الثاني عشر والحادي عشر ق.م!

كما جمع الكاتب أطلال السامرة الموجودة في قرية سبسطية على بعد 12 كم شمال غرب نابلس، مع أطلال شكيم الموجودة في قرية بلاطة البلد على بعد كيلو متر واحد في الطرف الشرقي لمدينة نابلس الحالية، جمعهما في مدينة واحدة هي السامرة وجعلها عاصمة لمملكة منشقة تدعى إسرائيل.

يمكننا أن نستخلص من المخطط التزميني التوراتي الذي استنسخته الخارجية الإسرائيلية عن التوراة مباشرة، الخلاصات التالية:

*قبل القرن السابع عشر قبل الميلاد، لم يكن للعبرانيين أو اليهود أي وجود في فلسطين التاريخية، التي كانت عامرة بالمدن والتجمعات السكانية الكنعانية آنذاك، وفي القرن الثامن عشر ق.م مرت أسرة النبي إبراهيم بفلسطين في طريقها الى مصر.

*يبدأ الغزو العبراني وفق رواية التوراة لبلاد كنعان في القرن الثاني عشر قبل الميلاد بعد "الخروج من مصر" بأربعين عاما، هي فترة التيه في سيناء، وينتهي عهد "الاتحاد الكونفدرالي غير المتين لاثنتي عشـرة قبيلة" تعيش في مناطق قبلية منفصلة داخل "أرض إسرائيل"!

نلحظ هنا جذور الكذبة التاريخية، فقد أصبحت "أرض كنعان" أو فلسطين التاريخية في الرواية التوراتية والصهيونية المعاصرة فجأة "أرض إسرائيل"، لمجرد أن عدة قبائل، أو ربما أفخاذ من قبيلة مهاجرة، استولت على جزء من تلك الأرض. وقطعا، لا وجود لأي دليل أثري واحد من فلسطين أو مصر أو العراق أو الشام يؤكد أي تفصيل من هذه التفاصيل. أما التوراة نفسها فتعترف - ضمن تناقضاتها التي لا حصر لها - بأن سيطرة "بني بنيامين العبرانيين" على القدس قد تمت، كما يفهم، عن طريق التسلل التدريجي، وليس عن طريق الحرب والغزو، إذْ يقول  سفر القضاة 1: 21، (وَبَنُو بَنْيَامِينَ لَمْ يَطْرُدُوا الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِي بَنْيَامِينَ فِي أُورُشَلِيمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ)[7]، بعد أن قالت في صفحة أخرى من السفر نفسه إنها أخذت من الكنعانيين بحد السيف (سفر القضاة 1: 8) وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ[8]، وبنيامين ويهوذا أخَوان من الأسرة ذاتها، فهما ابنان ليعقوب بحسب التوراة.

*بين تتويج شاؤول سنة 1020 ق.م، وسقوط دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، لا يزيد عمر الدولتين العبرانيتين المزعومتين إسرائيل ويهوذا على ثلاثة قرون وسبعين عاما تقريبا، تتخللها حروب ضارية ضد الفلسطينيين وتنتهي بهزيمتهما العسكرية وتدميرهما من قبل الرافدينيين الجزيريين، الآشوريين فالكلدانيين. وهناك الكثير من الأدلة على أن هاتين الدولتين لم تكونا يهوديتين أو عبرانيتين في القرون الأولى، بل كانتا دولتين كنعانيتين، تهودت إحداهما في القرون الأخيرة من تاريخها، وهي يهوذا "الجنوبية"، وبقيت الدولة الشمالية "إسرائيل" كنعانية وثنية - كما يدل اسمها الحاوي على اسم أكبر آلهة كنعان إيل - منذ بدايتها وحتى سقوطها.

هذا بخصوص النبي إبراهيم التوراتي فماذا بخصوص مقولة "شعب إسرائيل القديم" وكيف فككها العلماء والباحثون المتخصصون وفي طليعتهم توماس.ل. تومسن؟ هذا ما سيكون موضوعا لمقالتنا القادمة. 

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..............................

**هذه المقالة جزء من دراسة مطولة حول الموضوع ستصدر لاحقا في كتاب "نقد الجغرافيا التوراتية ودراسات أخرى".

[1] - صادر الصهاينة في دولة "إسرائيل" هذا الاسم " بيت إيل"  واعتبروه عبرياً ويهودياً، وأطلقوه على مستوطنة أقاموها على أراض فلسطينية مصادرة هي الأخرى شمال شرقي مدينة البيرة.

[2] -  بيتر كريغ  - أوغاريت والعهد القديم – ص 142 و 144 – ترجمة فراس السواح – دار ممدوح عدوان للنشر – ط1 – دمشق 2016.

[3] - يوسف سامي اليوسف – تاريخ فلسطين عبر العصور – ص38 – دار الأهالي – ط1  – دمشق 2000.

[4] - اقتبسه اليوسف – المصدر السابق – ص 38.

[5] - المصدر السابق - ص 147 .

[6] - تقرير إخباري بعنوان " ألواح إيبلا" نشر بتاريخ 27 نيسان 2015 في موقع شبكة الأخبار السورية المتحدة.

[7] - (سفر القضاة 1: 21) وَبَنُو بَنْيَامِينَ لَمْ يَطْرُدُوا الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِي بَنْيَامِينَ فِي أُورُشَلِيمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.

[8] - (سفر القضاة 1: 8) وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ.

 

رحيم الساعديبقلم الباحث اليوناني: إيليني لينارداكي

 موقع linke اليوناني

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

***

يُعرف معظم المسيحيين - لا سيما من خلال القراءات النبوية التي تُسمع في المعابد الأرثوذكسية وأيضًا من خلال دراساتنا الخاصة - العديد من نبوءات العهد القديم، التي أصبحت أحداثًا في العهد الجديد والتي تثبت كدليل لا يمكن دحضه، ليس فقط في أصولهم الملهمة، ولكن أيضًا في الحقيقة المطلقة عن حياة وتعاليم يسوع المسيح.

على سبيل المثال، فإن قلة من المسيحيين هم الذين لا يعرفون نبوة إشعيا في الفصل 53 من ثمانية قرون قبل وفاء المحدد لتلك النبوءات بوصفها من العاطفة الإلهية، ولكن ما هو غير معروف على نطاق واسع هو أن العديد من الكتاب اليونانيين القدماء تركوا نبوءات مروعة عن يسوع المسيح الذي كان سيأتي إلى العالم ويعاني من أجل خلاصنا.

هذه شظايا نبوية أطلق عليها آباء كنيستنا "خطابًا مألوفًا" وتوجد في جميع الشعوب، يتم نشر البعض منها اليوم أدناه، كرد فعل على أولئك الذين يشككون في مسيحية المسيح، وكذلك تقوية إيماننا جميعًا من قبل المسيحيين الأرثوذكس.

 ويتبين من دراسة مقارنة لتقاليد شعوب العالم المختلفة، ان البشرية جمعاء قبل الميلاد كانت تنتظر مجيء المخلص الذي سيخلص البشرية من الموت وقد تنبأ العالم القديم، بطرق مختلفة، وسوف نشير إلى بعض من شهدوا في المخطوطات والأعمال القديمة.

فسقراط قال في دفاعه: (يا أهل أثينا، في كل حياتكم وأنت نائمون أنتم تدنون من الموت، وقد تمكنت من إيقاظكم من نوم الظلام.  سوف تنامون حتى يأسف الله ويرسل إليكم الشخص الذي سيوقظكم حقًا)

-أفلاطون، اعتذار سقراط -

وأفلاطون كان قد كتب في كتابه القانون (الصديق الذي ظلموا وجلدوا، وضربوا في نهاية المطاف سوف يصلب "كما تحتوي "دولة" أفلاطون على نبوءة تساوي نبوءات أنبياء العهد القديم: فهو يقول (سيتم تجريده من كل شيء ما عدا العدالة، لأنه كان معارضًا بطبيعته ومن دون إدانة أي شخص، سوف يتعرض للخديعة إلى حد كبير ويوصف بانه غير عادل ويتعذب من أجل العدالة، وسوف يمتلئ بالدموع، سوف يكون مشوه الجلد، ومن بين الجروح الكثيرة التي تظهر على وجهه، سوف يستحم، وفي النهاية، بعد كل شر، سيُسم على خشب عالٍ.

والعرافات، أيضا، اللواتي كن من المتنبئات من العصور القديمة اللواتي لديهن القدرة على يتنبأن بالمستقبل ينظر (سقراط في عمل أفلاطون "فيدروس").

في جبل آثوس، توجد أيضًا مخطوطات تحافظ على نبوءات سيبيلوس لمجيء المسيح، على سبيل المثال، في مخطوطة تحت عنوان "النصب التذكاري للرسول المقدس فيليبس" المحفوظة في دير Dochiarios يرد  ما يلي:

(بعد مرور فترة طويلة، سيأتي الانسان إلى هذه الأرض الهادئة ويولد بتضحيات غير محدودة مع حدود إلهية لا تنضب، سوف يستبدل الإنسان وسوف يحسده الناس غير المؤمنين به ويعلقونه ليموت)

وتقول العرافة أيضا (من يفعل كل شيء عن طريق السبب وسوف يشفي كل إنسان، وسوف يكسر الرياح بكلمته، وسوف يطمئن البحر المرتجف، بعد أن مشى بسلام وإيمان وسيقدم الخدين والظهر المطهر بالسياط. بينما هم يصفعونه، سوف يصمت، حتى لا يمكن أن يفهموا من هو، ما هو (الابن)، من أين أتى ليتحدث إلى الموتى، وسوف يرتدي تاج الشوك)

والعرافة ودلفي في هذا العمل الافلاطوني (فيدروس) تتنبأ بالابن العظيم، الذي أظهر المجد  الذي لم يولد، من زوجين اثنين بسبب الجسد، وظهر واستحم في تيارات نهر الأردن)

وتنبأت العرافة في كتاب أفلاطون "Faidos " بالقول (انت لم تتعرف على إلهك، الذي سكب في مجرى الأردن، وطار روحًا لفترة طويلة، هو الذي كان قبل الأرض وكانت نجوم السماء الكاملة مهيمنة بكلمة الأب والروح الطاهرة، ورغم أنه كان قوياً في الجسد، فقد طار سريعًا إلى منزل والده)

 وقد أخرجت الشعوب القديمة الأخرى مثل هذه النبوءات دون أن تقترب بأي حال من الأحوال من دقة نبوءات العهد القديم لتقتصر فقط على الإشارة إلى مجيء المنقذ الذي سوف يسترد العالم.

ومع ذلك، فإن نبوءات الإغريق القدماء تقدم معلومات مفصلة للغاية عن المسيح (مولده من قبل العذراء مريم، طبيعته الإلهية، عجائبه، الصلب، النزول إلى الجحيم وقيامته).  

هذا هو بالضبط ما يعترف به كاتبنا الكنسي العظيم كليمنت الإسكندري (القرن الثاني بعد الميلاد)، والذي صرح صراحة في ستروماتيس (المتفرقات) (٥: ١٣) بوضوح: "أنا مع الإغريق بشكل واضح احتجاجًا على منقذنا"

 

 ................................

الآراء الواردة تمثل وجهة نظر صاحب المقال – د. رحيم الساعدي-

 

محمود محمد عليعُنى الأندلسيون عناية فائقة بجميع أنواع العلوم في تاريخ الحضارة الإسلامية، من علوم الدين واللغة والأدب والنحو والصرف والتاريخ وعلوم الطبيعة والطب والموسيقى والهندسة والرياضة والفلك والمنطق والفلسفة، وكانت علوم الدين واللغة أساساً للتربية العقلية، فكنت لا تجد طبيعياً ولا فيلسوفاً إلا وله علم بالفقه والنحو والشعر.

ولقد ازدهرت دراسة النحو فى الأندلس ؛ حيث كان للنحو مكانة سامية ومنـزلة رفيعة لدى الأندلسيين، فكانوا يعدونه أصلاً من أصول ثقافتهم وكان العالم عندهم لا تكون له قيمة في نظرهم إلا إذا كان بارعاً فى علم النحو ؛ يقول "ابن سعيد المغربى" : "وهم – أى فى الأندلس – كثير، والبحث فيه (أى فى النحو)، وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم فى أى علم لا يكون متمكناً من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتميز ولا سالم من الازدراء".

وكانت بداية الاتجاه النحوي فى الأندلس في منتصف القرن الثاني الهجري، فكان أول مَن جمع بين علوم الدين واللغة " أبو موسى الهوارى" في خلافة "عبد الرحمن بن معاوية"، فلقى الإمام مالكاً وأقرانه من الأئمة، كما لقى الأصمعي وأبا زيد وأقرانهما.

وبدأ النحو فى الأندلس كما بدأ في المشرق عبارة عن قطعة مختارة فى لفظ غريب يشرح، أو مشكلة نحوية توضح على النحو الذى نراه في "أمالى القالي" و"الكامل للمبرد"؛ ثم ألفوا نحواً فى مسائل جزئية، كما فعل "أبو على القالى" نفسه فى "فعلت وأفعلت"، والمقصور والممدود، وكما فعل "ابن القوطية" فى كتابه " الأفعال".

ويعد "جودى بن عثمان"، أول نحوى بالمعنى الدقيق ؛ حيث رحل إلى المشرق وأخذ عن الرياشى، والفراء، روى عن "الكسائي" كتابه واستصحبه معه فى عودته إلى القيروان، غير أنه اتجه إلى قرطبة وسكن فيها بعد قدومه من المشرق، يعد أوّل من أدخل كتاب الكسائي فى الأندلس، كان نحوياً عارفاً أدّب فى قرطبة أولاد الخلفاء، وتصدّر فيها لإفادة الطلاب فى النحو، وألّف كتاباً فيه، توفى سنة ثمان وتسعين ومائة .

وفى مطلع القرن الثالث الهجري تكاثر هؤلاء القراء والمؤدبون، فتميز من بينهم "عبد الملك بن حبيب السلمى" (ت:238)، وكان إماماً فى الفقه والحديث والنحو واللغة. ولكنه كان جامعاً لضروب الثقافة الإسلامية وقد ذكره "ابن الفرضي" في كتاب " طبقات الأدباء " فجعله صدراً فيهم وقال :" انه كان فقيهاً مفتياً نحوياً لغوياً نسابة اخبارياً عروضاً فائقاً شاعراً محسناً مترسلاً حاذقاً .

وخلال هذه الفترة كان النحاة الأندلسيين قد اعتنوا بالنحو الكوفي، وقدموه علي النحو البصري، ولم تكن العناية بالنحو الكوفي من فراغ ؛ بل كان أمر له مبرراته وأسبابه، أهمها هو أن مدرسة البصرة التي أسست النحو قبل مائة عام تقريباً من نشأة مدرسة الكوفة التي كانت قد اكتملت آراؤها النحوية، وتبلورت وأصبحت منتشرة في البلاد. ولما جاء الأندلسيون لطلب النحو من المشارقة، كان النحو الكوفي وقتذاك في بداياته، وكانت الآراء النحوية المطروحة بسيطة غير معقدة تلائم مستواهم العلمي في مجال النحو فأخذوا بها، لسهولتها لذلك كان اهتمامهم بالنحو الكوفي متقدماً علي البصري في البداية .

ومضت السنون والنحو الكوفي يسيطر علي الساحة الأندلسية حتي اشتدت سواعد الأندلسيين ووجدوا أنهم قادرين علي تجاوز النحو المختصر، إلي النحو الآخر، وهو نحو البصرة وقياساته وأحكامه، ليتخلصوا من الفوضى التي يوقعها بعض دعاة النحو الكوفي باعتمادهم الصارم علي قاعدة بمجرد سماع مثال واحد فقط، وهذا الأمر أوجد الاضطراب والفوضى في النحو العربي، وأفسد سماع الكسائي – شيخ المدرسة الكوفية – للشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة وجعله أصلاً يقيس عليه، أفسد النحو العربي، لذلك وجه علماء الأندلس جهودهم نحو البصرة وعلمائها فأخذوا النحو البصري الذي طبع به نحوهم فيما بعد .

ويعد العالم " الأُفشَنيق محمد بن موسى بن هشام"  المتوفى سنة 307هـ،أول من اهتم من الأندلسيين بالنحو البصري ؛ حيث يروي عنه أنه سافر إلى المشرق ولقى "أبا جعفر الدينورى"، وأخذ عنه كتاب سيبويه، وبدأ يقرئه بقرطبة لطلابه.

وفى أواخر القرن الثالث حاول "أبو موسى بن هاشم " المتوفى سنة (307هـ) أن يدخل إلي أرض الجزيرة كتاب سيبويه ؛ وما إن دخل كتاب سيبويه أرض الأندلس إلا وقد ذاع صيته وعمت شهرته، حتي وجد له بين العلماء من يتلقاه شرها، فرحاً بغنمه الجديد، فوجه الكثير من علماء الأندلس جهودهم نحو الكتاب الوافد عليهم من المشرق، وذلك بشرحه أو الاستدراك عليه أو دراسته وتدريسه، وقد بلغ الشغف بكتاب سيبويه مبلغه " حتي كان الناس يتساءلون هل يقرأ كتاب سيبويه، فإن قيل لا، فيقولون : لا يعرف شيئاً.

ولا يلبث " محمد بن يحيى المهلبى الرباحى الجيانى" المتوفى سنة (353هـ)، أن يفتح عصر الاهتمام البالغ فى موطنه بكتاب سيبويه، وكان يعاصره فى قرطبة أبو على القالى الذى نزل الأندلس سنة (330هـ)، وقاد فيها نهضة لغوية ونحوية خصبة.

فقد عرفت الأندلس منذ منتصف القرن الرابع الهجرى، أجيالاً من علماء النحو، ازدهرت بهم قرطبة، وأصبحوا قبلة الطلاب يأخذون عنهم الكتاب، فلم يُطِلّ عصر ملوك الطوائف إلا ومدرسة الأندلس النحوية قد استقرت، وغدا شيوخه يقفون على قدم المساواة مع شيوخ المشرق، وأصبح من النادر أن نعثر على من يطلب العلم عن المشارقة؛ حيث اتضحت معالم الدراسة اللغوية فى الأندلس واكتملت، وشعر الأندلسيون بأن لديهم حظاً موفورا منها، ولا أدل على ذلك من أن أعلام اللغة والنحو فى هذا العصر، وهم "ابن سيدَه "(ت 485هـ) و"ابن الأفليلى" (ت 441هـ) و"ابن سراج" (ت 489هـ) و"أبو الوليد الوقشى" (ت 489هـ) و"الأعلم الشنتمرى" (ت 476هـ) ، وللأعلم الشنتمري شروح عديدة على كتب النحو منها ( النكت )، وهو شرح لكتاب سيبويه وأيضا له شرح لكتاب الجمل للزجاجي . ومن أهم نحويي الأندلس الذين يدين لهم الدرس النحوي إلى يومنا هذا .

وعلى هذا أخذت دراسة النحو تزدهر فى الأندلس منذ عصر ملوك الطوائف، فإذا نحاتها يخالطون جميع النحاة السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، وإذا هم ينتهجون نهج الآخرين من الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة، ويضيفون إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين وخاصة أبا على الفارسى وابن جنى، ولا يكتفون بذلك، بل يسيرون فى اتجاههم من كثرة التعليلات والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة.

ولقد نضج النحو فى القرن السادس الهجري، وذاعت شهرة الأندلسيين فيه. ومن بين هؤلاء ابن السيد البطليوسى (ت 521 هـ)، فكان يقرئ الطلاب فى قرطبة، ثم فى بلنسية النحو، وعنى بكتاب الجمل للزجاجى، و"ابن الباذش الغرناطى" (ت 528 هـ)، الذى كان ذا معرفة واسعة بعلم العربية، وصنف شروحاً على كتب مختلفة للبصريين والبغداديين، و" ابن عطية الغرناطى "، صاحب المحرر الوجيز، والمتوفى (541هـ)، و "أبو القاسم السهيلى"، المتوفى (581هـ) مؤلف نتائج الفكر، وغيره، و" ابن خروف"  (ت:609هـ) وابن عصفور الاشبيلي (ت:669هـ)، صاحب كتاب المقرب والممتع في التصريف وغيرها من الكتب المهمة في مجالي النحو والصرف، ومنهم ابن مالك الطائي الأندلسي (ت672هـ) صاحب الألفية المشهورة في النحو، وله كتب مهمة في النحو منها كتاب التسهيل، الذي نال اهتماماً بالغاً من النحاة فكثرت شروحه والتعليقات عليه . ومنهم أبي حيان الأندلسي (ت745هـ) صاحب المؤلفات المهمة في النحو لعل من أهمها كتاب "التذييل والتكميل في شرح التسهيل"، و"ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب" وغيرها، وكان أبو حيان إلى جانب ذلك مفسراً له أهم كتاب في التفسير اللغوي والبلاغي هو ( تفسير البحر المحيط ) الذي يعد بحق بحراً محيطاً وكتاباً موسوعياً في تفسير القران .

وهكذا برز الأندلسيون فى النحو وبرعوا فيه وأحيوا عصر الخليل وسيبويه كما يقول ابن سعيد، ولعل السر فى ذلك هو ما كان لهؤلاء من فطرة عجيبة فى قوة الذاكرة والحفظ التى اعتقد أنها من أثر جمال الطبيعة فى نفوسهم فكانوا فى عناية الاستحضار للمسائل البديهية".

والسؤال الآن : كيف انتقلت الثقافة المنطقية عند نحاة الأندلس؟

كان الانتقال علي مرحلتين : المرحلة الأولي  كانت عن طريق "ابن حزم"، حينما ألف كتابه " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية،  بيد أن هذه المرحلة لم تكتمل بسبب النـزعة الظاهرية التي كان ابن حزم يعتنقها، الأمر الذي جعلته يدخل الثقافة المنطقية إلي العلوم بشكل جزئي وليس كلي بسبب رفضه للعلل والأقيسة الفقهية والنحوية، وهذا أدي بالكثير من النحاة الأندلسيين خلال القرنين الخامس والسادس إلي الإعراض عنها تماما، ومما عزز هذا الإعراض ثورة ابن مضاء الأندلسي الذي تبني ظاهرية ابن حزم بمحاولته إنكار العلل والأقيسة في النحو المشرقي.

والمرحلة الثانية بدأت بدخول كتب أبي حامد الغزالي المنطقية لأرض جزيرة  الأندلس  عن طريق تلاميذه ومريديه من أمثال أبو بكر بن العربي ومحمد تومرت اللذين أقنعوا الكثير من النحاة الأندلسيين بتبني مشروع الغزالي في مزج المنطق بعلوم المسلمين بدلاً من مشروع ابن حزم الذي أفسدته نزعته الظاهرية والتي أنكرت العوامل والعلل والأقيسة، ووجدوا مؤيدين ومشجعين لذلك من النحاة من أمثال ابن سيدة، وابن السيد البطليوسى، وابن الباذش،  وابن عطية الغرناطى، وأبو القاسم السهيلى، وابن عصفور وصولاً إلي ابن الأزرق (ت:896هـ) في القرن التاسع الهجري.

وعلي ذلك تدور محاور هذا المقال علي النحو التالي :

- موقف ابن جزم من المنطق الأرسطي:

- أدلة ابن حزم لإبطال القياس الفقهي :

-  مبررات نجاح مشروع الغزالي علي حساب مشروع ابن حزم:

- الثقافة المنطقية عند نحاة الأندلس (البطليوسي نموذجاً):-

أولاً- موقف ابن حزم من المنطق الأرسطي:

لو أننا استقرينا موقف مفكري الإسلام من علوم الأوائل، خصوصاً في القرنين الرابع والخامس الهجريين، لوجدنا أن الكثيرين منهم قد ثاروا علي الفلسفة عموماً ، والمنطق علي وجه التخصيص ." وقد ظهر الكفاح ضد المنطق في صورة معارضة خطيرة كل الخطورة، فاعُتبر الاعتراف بطرق البرهان الأرسططالية خطراً علي صحة العقائد الإيمانية، لأن المنطق يهددها تهديداً جدياً كبيراً . وعن هذا الرأي عبر الشعور العام لدي غير المثقفين في هذه العبارة التي جرت مجري المثل :" من تمنطق فقد تزندق ".

وقد بلغ هذا الاتجاه ذروته في السادس والسابع عند " تقي لدين عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشهرزوري (643هـ -677هـ)، حينما أصدر فتواه الشهيرة بتحريم المنطق والاشتغال به وبالفلسفة تعلماً وتعليماً ؛ فتساءل : هل أباحه واستباحه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون ؟ وهل يجوز استخدام الاصطلاحات المنطقية أم لا في إثبات الأحكام الشرعية، وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلي ذلك في إثباتها أم لا ؟..وما الواجب علي من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهراً به ؟ وما الذي يجب علي سلطان الوقت في أمره ؟ وإذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروف بتعلمها وأقرانها والتصنيف فيها – فهل يجب علي سلطان البلد عزله وكفاية الناس شره؟ .

وقد أجاب ابن الصلاح علي هذا بأن :" المنطق مدخل الفلسفة – والفلسفة شر ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشرع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدون والسلف الصالح وسائر ما يقتدي به .

ثم يجيب ابن الصلاح عن النقطة الثانية من السؤال، وهي استخدام الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الفقهية فيقول :" إنها من المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة، وليس بالأحكام الشرعية افتقار إلي المنطق أصلاً وما يزعمه المنطقي بالمنطق من أمر الحد والبرهان فقائع قد أغني عنها الله كل صحيح الذهن، ولا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية . ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والرقائق علماؤها، حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه المنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشطان .

وكان من نتيجة هذه الفتوي تحريم النظر في كتب أصول الفقه التي مزجت فيها الأصول بالمنطق مثل :" البرهان " للجويني، و" المستصفي" للغزالي، وغيرهما من الكتب الأصولية الهامة .

وهناك فتوي لابن الصلاح تثبت هذا تمام الإثبات، فقد سئل عن كتاب من كتب الأصول ليس فيه شئ من علم الكلام ولا من المنطق، ولا ما يتعلق بغير أصول الفقه : هل يحرم الاشتغال به أو يكره ؟ وفي الواقع أن المقصود بهذا السؤال هو الجانب السلبي من المسألة، أي عدم إباحة دراسة كتب الأصول الممزوجة بالمنطق . أجاب ابن الصلاح بأن كتب الأصول إذا خلت من منطق أو فلسفة فمن المعلوم دراستها .

ويستطرد ابن الصلاح فيضمن فتواه بأن علي ولي الأمر أن يخرج معلمي المنطق الأرسطي من المدارس، وأن يعرضهم علي السيف حتي يستتيبوا .

تلك هي عناصر فتوي ابن الصلاح، كان لها من الأثر البالغ في العالم الإسلامي ؛ حيث يأخذ بها كل من خاصموا المنطق والفلسفة بعد ذلك . ونحن نعرف أن أبا الوليد الباجي – خصم ابن حزم المشهور – قد نصب نفسه عدواً للمنطق، وكيف أفتي بعدم جواز قراءته إلا لبيان فساده، فضلاً عن أنه هو الذي نقل إلي أهل الأندلس أن المنطقي ببغداد " مستحقر مستضعف"، وقد ذكر لنا ابن حزم نفسه أنه رأي " طوائف من الخاسرين شاهدهم أيام عنفوان طلبه، وقبل تمكن قواه في المعارف ... كانوا يقطعون بظنونهم الفاسدة، من غير يقين أنتجه بحث موثوق به، علي أن الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة " ونستنتج من هذه العبارة أن اشتغال ابن حزم بدراسة الفلسفة والمنطق قد بدأ في مرحلة مبكرة من مراحل تطوره الفكري، مما يؤيد قول صاعد الأندلسي :" وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيراً لعبد الرحمن المستظهر ...ثم نبذ هذه الطريقة، وأقبل علي قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن، فعني بعلم المنطق ... وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة ".

وليس بدعاً أن  يكون المنطق من أوائل العلوم التي أقبل علي دراستها ابن حزم ، حيث كان من أهم أغراض المشروع الثقافي لأبن حزم  كما يذهب الكثير من الباحثين هو تأسيس الشرع على القطع، وضبط القواعد المتبعة فى العلوم الدينية، وهو مقصد لا يتأتى إلا بالاستعانة بعلوم الأوائل ومن بينها، وأهمها المنطق من حيث هو أداة ضابطة للتفكير، تضفى عليه الصرامة والدقة الضروريتين للحفاظ على هوية الشرع وعلى كما له وحمايته من خطر الإضافات والزيادات، لا على المستوى الشرعى فحسب، بل حتى على المستوى العقائدي ؛ حيث خطر التأويلات وتهد يدها ممثلاً فى الملل  والنحل التى جنحت عن الإسلام ديناً وسلوكا فى نظرا بن حزم مما يتطلب دعم العقيدة الإسلامية مجسماً فى علوم الأوائل  ؛ وبخاصة المنطق، وذلك من أجل بناء الشرع على القطع ودعم المنقول بالمعقول .  وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

منى زيتون

خطوة جديدة لبلورة مفهوم الموهبة والتعامل مع الموهوبين

تتناول الورقة البحثية بالتوضيح مفهوم الذكاء منذ بدايته على يد بينيه، وكيف اختلفت نظريات الذكاء في الاعتراف بالقدرات الخاصة، وإمكانية تنمية الذكاء العام والعوامل الخاصة، ثم تتناول الورقة مفهوم الموهبة منذ بداية دراسات الموهوبين على يد تيرمان وكيف ارتبط منذ بدايته بمفهوم الذكاء، ثم تتطرق بالشرح والتوضيح لنظرية الذكاءات المتعددة (مفهوم الذكاء كما تنظر إليه النظرية وكيف يربط بين الذكاء بمفهومه التقليدي وبين الموهبة والإبداع- مبادئ نظرية الذكاءات المتعددة والتي يتضح منها الارتباط الذي أصبح يفترضه جاردنر بين الذكاء والموهبة- الذكاءات المتعددة التي أقرها جاردنر والتي حدد من خلالها صور الموهبة والإبداع البشري)، ثم تعرض الباحثة لمدخل الذكاءات المتعددة في التدريس، وكيف أمكن أن يغير من الواقع التربوي خاصة كأسلوب تعامل مع الموهوبين.

وأخيرًا، فإن هذه الورقة البحثية لم تسع إلى التفريق بين مفاهيم التفوق العقلي والعبقرية والموهبة والإبداع (الابتكار)، والتي تتصور الباحثة ضرورة إعادة تحديد تلك المفاهيم في إطار نظرية الذكاءات المتعددة.

مقدمة

لقد كانت فكرة ارتباط الموهبة بالذكاء، أو بالأحرى التوحيد بين مفهوميّ الذكاء والموهبة فكرة قديمة اعتقد فيها كثير من السيكولوجيين، حيث أرجع الكثير من العلماء الموهبة إلى استعدادات في التكوين العقلي للفرد وسماته الشخصية. يذكر عبد الحليم محمود السيد (1971، ص 52) أن لفظ "عبقري" الذي نشأ أصلًا لوصف الشخص المتميز بانتاجه المبدع اُستخدم لوصف الطفل ذو الذكاء المرتفع جدًا. وكان ذلك في إطار النظرة التقليدية للذكاء على أساس كونه قدرة عقلية عامة، ولكن الأمر لم يسلم من وجود آراء معارضة رأت أن الموهبة لا تقتصر فقط على معامل الذكاء IQ، ومع ظهور نظرية الذكاءات المتعددة أعطت تعريفًا جديدًا لمفهوم الذكاء أو بالأحرى الذكاءات بحيث أصبح يُنظر إليها كمواهب عقلية قابلة للتنمية، بالإضافة إلى إسهام النظرية في تحديد مجالات الموهبة بدلًا من التصور القديم للموهبة الذي كان سائدًا في إطار نظريات العامل العام؛ مما أوجد حاجة ملحة لإعادة النظر في كلا المفهومين الذكاء والموهبة والعلاقة بينهما.

كما كان من ثمار نظرية الذكاءات المتعددة ذلك المدخل التدريسي الجديد الذي يتم فيه تنويع الأنشطة التدريسية (الصفية والتقويمية) بما يتلاءم مع الذكاءات المختلفة، والذي أصبح يُعرف باسم مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس، ذلك المدخل الذي أصبح طريقة جديدة للتعامل مع الموهوبين في مجالات الموهبة الثمانية، دون الحاجة إلى فصلهم في برنامج تعليمي خاص.

الذكاء

تُرجع جولي فينس (Viens, 2000) وهُوار (Hoerr, 2000) وكارفن (Carvin, n.d.) بداية النظرة التقليدية للذكاء على أساس كونه قدرة عقلية عامة إلى عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيه Alfred Binet حين أعد وزميله تيودور سيمون Theodore Simon في بداية القرن العشرين اختبارًا لتحديد الأطفال الذين يُخشى عليهم من الفشل الدراسي وبحاجة لمساعدة إضافية في المدرسة، وكان الاختبار كفئًا لهذا الغرض، ثم اُستخدم الاختبار بعد ذلك كأساس للقياس النفسي للقدرات العقلية أو الذكاء العام للأفراد. ويرى تيلي (Teele, 2000, p. 3 as cited in Ashmore, 2003) فائدة هامة في مدخل القياس النفسي لبينيه وسيمون ذلك أنه أعطى تقديرًا كميًا وحيدًا للذكاء، بينما ترى فينس (Viens, 2000) أن أهمية هذا المدخل تتحدد في أن ذلك التقدير الكمي الذي أعطته اختبارات الذكاء قد حدد لنا كيفية تعريف الذكاء. يوضح كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 23) تلك الفكرة بقوله إنه بالرغم من أن جهود بينيه في تطوير أول اختبار للذكاء كانت غالبًا عملية وتجريبية، فقد نظَّرت طبيعة الذكاء.

وتعتبر نظرية العاملين لسبيرمان Spearman خطوة رائدة في استخدام طريقة التحليل العاملي للكشف عن الذكاء والقدرات العقلية المختلفة، حيث توصل سبيرمان باستخدام معادلة الفروق الرباعية إلى وجود عامل عام مشترك بين جميع الاختبارات العقلية يفسر الارتباط الجزئي الموجب بينها، وتتلخص هذه النظرية في أن كل عملية عقلية تتضمن عاملين: عامل عام يشارك في جميع العمليات العقلية؛ أي يشارك في العملية المعينة وغيرها، وعامل خاص أو نوعي يوجد في العملية المعينة بالذات ولا يوجد في غيرها من العمليات العقلية؛ أي أنه يختلف من عملية إلى أخرى، ويرى سبيرمان بهذا الشكل أن العامل العام هو أساس كافة العمليات العقلية، لذلك وحَّد بينه وبين الذكاء واستخدمه فعلًا بهذا المعنى وأطلق عليه الحرف (g) (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 84: 88؛ Smedler and Törestad, 1996, p.344). وبذلك يؤكد سبيرمان على وحدة النشاط العقلي وعدم قابليته للتجزئ، وقد عبر سبيرمان (في خليل معوض، 1979، ص 156) عن ذلك بقوله "إن جميع نواحي النشاط العقلي تشترك في وظيفة أساسية أو مجموعة من الوظائف في حين أن العناصر الأخرى الخاصة تختلف تمام الاختلاف في كل عملية عقلية عنها في غيرها من العمليات". ويشير عبد الرحمن عدس (1999، ص 48) إلى أنه وكنتيجة لمنظور سبيرمان في الذكاء اعتقد العلماء أن الشخص الذي يكون لديه نقص ملحوظ في الذكاء العام لا يمكن أن يكون موهوبًا في أي من المجالات الخاصة. كما يؤكد ماجد مومني (1987، ص 79) على نفس الفكرة بقوله إن لكل شخص مقدارًا ثابتًا من الاستعداد العقلي العام يؤثر في درجة نجاحه في جميع العمليات العقلية التي يحاولها ابتداء من الإدراك الحسي إلى أرقى عمليات التفكير المجرد والابتكار، ولكن هذا الاستعداد العام لا يعمل وحده بل يوجد إلى جانبه استعداد نوعي لكل عملية خاصة، والنجاح في العملية الخاصة يتوقف على الاستعدادين معًا، كذلك اقترح سبيرمان (في فيليب فرنون ، ترجمة 1988، ص 72) أن العامل العام (g) يمثل الطاقة العامة التي تقوم بتنشيط الآليات المختلفة أو وسائل العقل المقابلة للعوامل الخاصة (s)، كما أنه يرى أن العامل العام يعد فطريًا أساسًا بينما العوامل الخاصة مكتسبة. ويرى كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 23) أن سبيرمان بذلك يعد أول من عرض النظرية الهرمية في الذكاء Hierarchical Theory of Intelligence حيث يضع في نظريته (g) أو العامل العام في قمة الهرم لأنه القدرة العقلية الأساسية التي تكون مركزة في حل المشكلات، بينما تتطلب كل المهام المعرفية أيضًا عاملًا خاصًا أو (s).

ونلاحظ إنكار سبيرمان وجود العوامل الطائفية –وإن اعترف مع مرور الوقت باحتمال وجود تلك العوامل إلا أنه لم يهتم بها (فؤاد أبو حطب، 1996، ص 76)- . كما لم يهتم كثيرًا بدراسة العوامل الخاصة، وإنما ركز نظريته على العامل العام الذي اعتبره هو نفسه الذكاء، حيث تشير ألفت حقي (1992، ص 88) إلى رأي سبيرمان أن فروق الذكاء بين الأفراد يحددها مقدار ما يمتلكه الواحد منهم من هذا العامل أو ما أسماه بالنشاط العقلي.

ثم جاء ثورنديك Thorndike لينتقد نظرية سبيرمان بشدة، حيث لم يعترف أول الأمر بوجود العامل العام. وأدت أبحاث ثورنديك الأولى (1914) إلى قوله بأن عمل العقل ينبني على عدد كبير من القدرات المستقلة استقلالًا تامًا والمتخصصة تخصصًا كاملًا، ولذلك تبدو نظريته ذرية تقسم الذكاء إلى جزيئات أو قدرات عديدة تأخذ شكل الوصلات العصبية على النحو الذي وصفه في نظريته للتعلم، ولكن بسبب تشابه بعض العمليات العقلية في وظائفها وفيما تتطلبه من قدرات فقد رأى ثورنديك تجميع هذه القدرات في مجموعات متميزة وهي: الذكاء المجرد والذي يشمل القدرات العقلية التي تعالج الألفاظ والمعاني والعمليات الرمزية المختلفة، والذكاء العملي ويشمل القدرات التي تعالج الأشياء المادية والمواد العملية والتي تعتمد عليها الأعمال الفنية والميكانيكية واستخدام وإصلاح الآلات والأجهزة ونحو ذلك، والذكاء الاجتماعي ويشمل القدرات التي تعتمد عليها علاقة الفرد بالآخرين وحسن تكيفه مع الظروف الاجتماعية المختلفة. وربما كان ثورنديك بذلك هو أول من صنف الذكاء إلى أنواع متعددة، وكان ثورنديك يرى أن هذه الأنواع الثلاثة مستقلة عن بعضها نتيجة لاعتقاده بأن القدرات التي تتضمنها منفصلة من الأصل، فقد يكون الفرد على مستوى عال في الذكاء الاجتماعي ولكنه متوسط أو أقل من المتوسط في الذكاء المجرد أو الذكاء العملي، وقد يكون العكس صحيحًا، ولكن نظرًا لأن معاملات الارتباط بين نتائج الاختبارات التي تقيس بعض هذه النواحي ببعض كانت دائمًا موجبة؛ مما يعني وجود نوع من العلاقة بينها وأنها ليست مستقلة تمامًا، فإن ذلك دفع ثورنديك إلى أن يغير موقفه عام (1947) للبحث عن عامل عام تقوم عليه قدراتنا العقلية (سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص ص 205: 208؛ إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 89: 92؛ خليل معوض، 1979 ، ص ص 168: 170).

ولا ينكر طومسون Thomson وجود العامل العام، وإنما يرى ضرورة تفسير الفروق في ضوء العوامل الطائفية، حيث يكون العامل عامًا بالنسبة لمجموعة مستخدمة من الاختبارات بحيث إذا أُضيف إليها عدد آخر من الاختبارات التي لا تشترك في هذا العامل العام فإنه يصبح طائفيًا، أما العامل العام فهو العامل العام بالنسبة للعقل، وهو صورة احتمالية يمكن أن يحدث لو توافرت الاختبارات التي تستغرق نواحي النشاط العقلي المعرفي جميعها (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 93- 94؛ سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص 208).

وطومسون في ذلك ينتقد نظرية العاملين لسبيرمان في أنها تبالغ في إهمالها للعوامل الطائفية أكثر مما تبالغ في تأكيد وجود العامل العام، ويقرر طومسون اتباع النموذج العلمي للعقل البشري ليشمل العامل العام والعوامل الطائفية والعوامل الخاصة، ويوضح أن العوامل الطائفية أقل شمولًا من العامل العام وأكثر اتساعًا من العوامل الخاصة، وأنها الأساس الذي تقوم عليه القدرات الخاصة كالقدرة الموسيقية والقدرة الرياضية والقدرة الميكانيكية (خليل معوض، 1979، ص ص 170 – 171).

كما كان لأصحاب نظرية العوامل الطائفية الأولية "القدرات العقلية الأولية" باعًا في دراسة الذكاء؛ إذ يفترض أصحاب هذه النظرية وجود عدد من العوامل الأولية التي تدخل بأوزان مختلفة في الاختبارات النفسية، بمعنى أن العامل العددي مثلًا قد يدخل بوزن مرتفع في اختبار العمليات الحسابية بينما يكون له وزن مختلف في اختبار الاستدلال ووزن أقل في اختبار تكملة الجمل.. وهكذا، وهم ينكرون وجود العوامل الخاصة، أما بالنسبة للعامل العام فقد كانت وجهة نظرهم الأولى أنه ليس له إلا أهمية بسيطة للغاية وكان ذلك استنتاجًا من بحث كيلي (Kelley, 1928). وتنسب هذه النظرية عادة لثرستون Thurston والذي اعتمد على منهج التحليل العاملي –الطريقة التي استخدمها سبيرمان وقادته للعامل العام- إلا أن عدم عثوره على ارتباط عام بين الاختبارات التي طبقها في دراساته الأولى أدى إلى إنكاره العامل العام في أول الأمر وتفضيله الاكتفاء بالعوامل الطائفية وحدها، لكن ثبت لثرستون نفسه بعد ذلك ولزملائه وجود ارتباطات عالية بين العوامل الطائفية، وفُسرت هذه الارتباطات العالية على أنها تدل على وجود صفة شائعة بين هذه العوامل أو عامل يجمع بينها هو عامل العوامل. وهذا هو المعنى الذي أعطاه ثرستون للعامل العام (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 94: 99؛ سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص 209؛ خليل معوض، 1979، ص ص 174: 177). بناءًا عليه يذكر كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 25) أن نظرية ثرستون لم تكن هرمية في طبيعتها كما كانت نظرية سبيرمان؛ ذلك أن الذكاء لديه يتكون على الأصح من عدد من العوامل المسماة بالقدرات العقلية الأولية، ومن ثم فإن أداء الفرد في مهمة معرفية محددة لم يكن وظيفة (g) و (s) أو قدرة معرفية خاصة متطلبة للمهمة، بل بالأحرى كان يتم عن طريق القدرات العقلية الأولية المتطلبة لإكمال ناجح للمهمة المعرفية.

وقد وفق سيرل بيرت Burt بين الآراء السابقة في تنظيمه الهرمي للنشاط العقلي، حيث تقوم نظريته على أن أي نشاط عقلي يقوم به الفرد يمكن أن يعتبر محصلة ثلاثة مكونات هي: العامل العام والعوامل الطائفية والعامل الخاص النوعي، إضافة إلى عامل رابع هو عامل الصدفة والخطأ: ويشمل العوامل الداخلية التي تؤثر في الفرد عند قيامه بهذا النشاط العقلي مثل حالته الجسمية والمزاجية والانفعالية (سيد خير الله وآخرون، 1984/ 1985، ص ص 209- 210).

وتعددت بعد ذلك التنظيمات الهرمية للذكاء مثل التنظيم الهرمي عند فيليب فيرنون (Vernon, 1950)، والذي كان يرتكز على تصنيف القدرات إلى عامل عام أعلى الهرم وعوامل خاصة أسفله وبينهما مجموعة من العوامل الطائفية تتدرج من قدرات بسيطة أو صغرى بعد العوامل الخاصة إلى طائفية كبرى تسبق العامل العام في قمة الهرم (خليل معوض، 1979، ص 183؛ فؤاد أبو حطب، 1996، ص 96). وبذا يكون النموذج الهرمي لفيرنون أكثر تفصيلًا للقدرات العقلية؛ إذ بينما وضع العامل العام أو عامل المجموعة الأكبر في قمة الهرم، وبذا يكون متسقًا بشكل كبير مع تنظير سبيرمان، فقد تلاه بعامليّ مجموعة أصغر يتكونان من تشكيلتين: اللفظية/التربوية والمكانية/الميكانيكية داخلهما توجد عوامل خاصة متعددة للذكاء (Kamphaus, 1993, p. 23).

ويوضح إبراهيم وجيه (1985، ص 100) بمزيد من التفصيل العوامل العام والطائفي والخاص، فيذكر أن العامل العام هو الذي يتسع في مداه ليشمل جميع الاختبارات التي تقيس نواحي النشاط العقلي المعرفي، وهو الذي يمكن أن نوحد بينه وبين الذكاء، والعامل الطائفي يمثل الصفة التي تشترك فيها مجموعة من الاختبارات التي تقيس بعض جوانب النشاط العقلي المعرفي ولا تشترك فيها بقية الاختبارات، أو بمعنى آخر أنها خاصة بطائفة معينة من النشاط العقلي المعرفي، أما العامل الخاص فهو يمثل قدرات ضيقة جدًا في انتشارها تمثل نشاط عقلي واحد تكون قاصرة على اختبار معين فحسب ولا توجد في الاختبارات الأخرى.

وبالرغم من أن ديفيد وكسلر Wechsler قد أعد اختبارًا يعرض مقاييس لفظية وغير لفظية "أدائية" – لم تكن أساسًا مصممة لتقييم جانبية وظائف المخ وهو الاستخدام الذي شاع لها بعد ذلك- فإنه قد وضع أهمية كبرى للتركيز على تقييم الذكاء العام، وهو يعرض (1958) نظرة للذكاء تظهره كتفاعل معقد من القدرات التي تنتج السلوك الذكي الذي يعكس العامل العام (g) (Kamphaus, 1993, p. 26).

أما كاتل Cattell فقد افترض وجود بنية هرمية للقدرات العقلية. وظلت أفكاره تنمو وتتطور وتتغير وتتعدل حتى نشر في عام 1963 دراسة حاسمة توصل فيها إلى نتيجة هامة وهي قابلية العامل العام (g) لسبيرمان إلى القسمة إلى عاملين من الدرجة الثانية. أطلق على أحدهما الذكاء السائل fluid (gf) ويتحدد بالاختبارات التي يفترض فيها أنها تقيس المقدرة البيولوجية biological capacity لدى الفرد على اكتساب المعرفة، بينما أطلق على الآخر الذكاء المتبلور crystallized (gc) ويتحدد بالاختبارات التي يفترض فيها أنها تقيس آثار التمدرس schooling والتثقيف acculturation . ويرى كاتل أن الذكاء المتبلور –على عكس الذكاء السائل- لا يتدهور مع التقدم في السن. كما أن التغيرات في نوعية التمدرس وغيرها من العوامل التي تسعى لتنمية الذكاء من خلال تطوير خبرات التعليم والتطبيع تؤثر في هذا النوع من الذكاء أكثر من الذكاء السائل (فؤاد أبو حطب، 1996، ص ص 102- 103). ويمكن القول إن أهمية بحث كاتل تكمن في أنه وجد أن أفكار سبيرمان عن العامل العام وأفكار ثرستون عن القدرات العقلية الأولية لم تكن متناقضة، ومن ثم فقد اقترح نظريته للتوفيق بين النظريتين؛ فالذكاء السائل (gf) في نظرية كاتل يشبه العامل العام لدى سبيرمان حيث يؤثر على كل أنواع حل المشكلة، ويتأثر أكثر بالعوامل الوراثية، وعلى حد تعبيره (1979) "إنه يتدفق مع تعبير غير مقيد في كل مجالات إدراك العلاقة"، بينما يكون الذكاء المتبلور (gc) متعلقًا بنطاق محدد من الخبرة التي تعلمها أو خبرها الفرد بشكل خاص (Kamphaus, 1993, p. 26).

بينما ركز جيلفورد (J. P. Guilford, 1967) (في مصري حنورة، 1997، ص ص 46- 47) في نموذجه للبناء العقلي على أن الذكاء ينبغي أن يُرى كنتاج 150 عملية عقلية (5 عمليات × 6 منتجات × 5 محتويات)، وعرَّف أكثر من 90 قدرة عقلية مختلفة. وقد طور جيلفورد هذا النموذج فيما بعد، وفي آخر مؤلَف له، نُشر سنة 1979، أشار إلى أن البناء العقلي يتضمن 120 عملية عقلية (5 عمليات × 6 منتجات × 4 محتويات). يذكر فؤاد أبو حطب (1996، ص 78) أن جيلفورد قد استطاع أن يثبت احتمال الحصول على معاملات ارتباط صفرية أصيلة بين الاختبارات العقلية، وفي هذا برهان كاف –في رأيه- على عدم وجود العامل العام. حيث يقرر جيلفورد (Guilford, 1977, p.153) (في مصري حنورة، 1997، ص 47) أن معامل الذكاء IQ الذي يرى البعض أنه يقدم تقريرًا شاملًا عن ذكاء الفرد لا يستطيع أن يمدنا وبشكل دقيق بصورة تفصيلية شاملة تغطي كل الاستعدادات أو المواهب العقلية والتي تصل إلى 120 وحدة عقلية، تشير كل منها إلى جانب من جوانب البناء العقلي، كما ذكر أنه من الأفضل أن نقدم للشخص بروفيلًا يحتوي على درجاته في مختلف الاستعدادات المائة والعشرين، حيث قد يكون الشخص متفوقًا في استعدادات ومتخلفًا في أخرى.

وخلال العقود الأخيرة قدم العديد من المنظرين رؤى حديثة أكثر تطورًا واختصارًا من تصور جيلفورد للبناء العقلي، وتتفق في أنه توجد أنواع مختلفة من الذكاءات، من أمثال هؤلاء هوارد جاردنر Howard Gardner الذي قدم نظرية الذكاءات المتعددة Multiple Intelligences عام 1983 في كتابه "أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة" "Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences"، والذي بدت فيه نظريته مختلفة تمامًا عن النظريات العاملية؛ حيث جاءت نظرية جاردنر لتوسع تلك النظرة التقليدية للذكاء، ولتؤكد على أن كل الناس يمتلكون ثمانية أنواع منفصلة من الذكاء (ذكاء لفظي- ذكاء منطقي/رياضي– ذكاء بصري/مكاني– ذكاء جسمي/حركي– ذكاء موسيقي– ذكاء طبيعي– ذكاء تفاعلي– ذكاء شخصي). وبذلك نجده يرفض فكرة أن الذكاء هو قدرة مفردة أو أنه مركب من قدرات منفصلة! ولأول مرة تتحول كلمة الذكاء إلى جمع فتصير ذكاءات، كما أنه لأول مرة يُضمِّن جاردنر نطاقات مثل الموسيقى والقدرات الحركية وقدرة الشخص على فهم ذاته ضمن مفهوم الذكاء؛ ذلك أن جاردنر قد تنبه أخيرًا أن الناس قد يكونون أذكياء في نطاقات عديدة، ويظهر ذلك فيما يستطيعون أن يقوموا به في الحياة، في حين أنه يكون من الممكن ألا يكونوا ناجحين في الدراسة الأكاديمية، كما تنبه أيضًا إلى أن تلك الذكاءات ليست ثابتة، وأنه يمكن تنميتها من خلال التعلم والتدريب.

الموهبة "الإبداع"

منذ بداية القرن العشرين، عندما طور بينيه اختباره للذكاء الذي عرف فيما بعد باسم ستانفورد بينيه، من أجل تحديد درجة ذكاء الأطفال، أصبح هذا الاختبار من أهم الأدوات التي تستخدم للتعرف على الموهوبين. واستمرت درجات الذكاء كجزء من تعريف الموهوبين والكشف عنهم حتى وقتنا الحاضر، مع الاختلاف فقط في تحديد الدرجة الحدية التي تستخدم في تحديد الموهوبين.

بدأت دراسات التعرف على الموهوبين بالدراسة الطولية الرائدة التي قام بها تيرمان (1925)، حيث طبق اختبار ستانفورد بينيه واختبار ذكاء جمعي على عينة بلغت 250 ألف تلميذ وتلميذة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية. واختار التلاميذ الحاصلين على درجة 140 فأكثر من تلاميذ المرحلة الابتدائية، والحاصلين على 135 فأكثر من تلاميذ المرحلة الإعدادية، والذين بلغ عددهم 1500 تلميذ وتلميذة، وسمى هؤلاء المتفوقين في الذكاء بالعباقرة. على أن كثيرًا ممن حصلوا على درجات عالية في الذكاء في دراسة تيرمان لم يحققوا نجاحًا متميزًا في الحياة ولم يقدموا إسهامات مهمة للمجتمع، وبذلك لم يتحقق لديهم الأداء المتميز الذي يستحقون بموجبه وصف العبقرية (عبد الله النافع وآخرون، 2000، ص ص 12- 13).

بالرغم من ذلك فقد كانت هناك ثقة شديدة في مفهوم الذكاء التقليدي وإجراءات قياسه، تلك الثقة التي جعلت "تيرمان" يتحدى بعمله الرائد، علماء النفس والتربية والاجتماع أن ينتجوا إن استطاعوا مفهومًا آخر بنفس كفاية مفهوم "نسبة الذكاء" لتحديد مجموعة من الموهوبين تشتمل على أكثر الطلبة نجاحًا وأحسنهم أداءً في مجال الدراسة، وكذلك –كما كان يعتقد- في مجال العلاقات الإنسانية، وأنواع النشاط الإنساني بوجه عام. هذه الثقة الشديدة في اختبارات الذكاء التقليدية التي تبين أنها لا يمكنها أن توضح جوانب هامة من الامتياز لدى كثير من الأفراد الموهوبين (عبد الحليم محمود، 1971، ص 62).

على أن حصر الموهبة بالذكاء وحده وجد اعتراضات لدى عدد من الباحثين منذ نشر دراسة تيرمان. فقد دعا وتي (1940) إلى توسيع تعريف الموهبة بحيث لا تقتصر على الدرجة المرتفعة من الذكاء العام فقط، وذلك ليشمل "أي طفل لديه أداء متميز في أي مجال من مجالات الحياة بشرط أن يكون هذا الأداء مستمرًا ومثمرًا". وقد اقترح هذا التعريف الموسع لشعوره بأن اختبارات الذكاء لا تستطيع أن تكشف بكفاءة عن التلاميذ الذين لديهم استعدادات وإمكانيات في التعبير والانتاج الابتكاري (عبد الله النافع وآخرون، 2000، ص 13).

وأيدت بحوث جيلفورد ومعاونيه (في عبد الحليم محمود، 1971، ص ص 54- 55) وجود قدرات إبداعية مستقلة عن القدرات العقلية التي تقيسها اختبارات الذكاء، وخاصة بعد ظهور عوامل القدرات الإبداعية –كالأصالة، والمرونة التلقائية والتكيفية، والحساسية للمشكلات والطلاقة- مستقلة عن القدرات التي تمثلها اختبارات الذكاء العام –كالفهم والاستدلال- .

حيث أثبتت الدراسات العاملية لجيلفورد وجود عدد كبير من القدرات التي تسهم في الأداء الإبداعي. يذكر إحسان آدم الطيب وعبد الرحيم دفع السيد (2007، ص ص 55: 59) أنه بالنظر إلى مقياس تورانس (Torrance, 1966) ونموذج بنية العقل لجيلفورد Guliford الذي افترض فيه أن للتفكير التشعيبي (التباعدي) قدرات معينة، وأيضًا بالنظر إلى اختبارات جيلفورد نجد أنها ركزت على المهارات الآتية:

1- الطلاقة Fluency: وتشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على إنتاج أكبر عدد من الأفكار عن موضوع ما في فترة زمنية معينة. وللطلاقة أنواع نذكر منها الطلاقة اللفظية والطلاقة الفكرية وطلاقة الأشكال والطلاقة الترابطية والطلاقة التعبيرية.

2- المرونة Flexibility: وتشير إلى قدرة الفرد على تغيير تفكيره بتغير الموقف الذي يمر فيه بحيث تصدر منه استجابات متعددة لا تنتمي إلى فئة واحدة، أي أن يسلك الفرد أكثر من مسلك للوصول إلى كافة الأفكار أو الاستجابات المحتملة. والمرونة نوعان مرونة تكيفية ومرونة تلقائية.

3- الأصالة Originality: وتشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على إنتاج أفكار أو حلول جديدة غير مألوفة للمشكلة، أي أن الفرد الذي يتصف بهذه المهارة لا يكرر أفكار الآخرين.

4- التفاصيل Elaboratic: وتشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على إعطاء إضافات وزيادات جديدة لفكرة معينة.

5- الحساسية للمشكلات Sensitivity to problems: تشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على سرعة إدراك ما لا يدركه غيره في الموقف المعين من مشكلات أو جوانب ضعف.

ويذكر جيلفورد (Guilford, 1957) (في عبد الحليم محمود، 1971، ص 53) "أنه إذا نظرنا إلى نوع التفكير الذي تستثيره اختبارات الذكاء التقليدية نجد أن معظم المشكلات الموجودة في هذه الاختبارات تتطلب تفكيرًا التقائيًا (تقريريًا) (تقاربيًا)، تعد فيه نتيجة معينة –أو إجابة بعينها- هي الإجابة الوحيدة الصحيحة، وعلى التفكير أن يصب في مسار هذه الإجابة وفي اتجاهها، أما التفكير الإبداعي فهو في أساسه افتراقي (تغييري) (تباعدي)، ويتميز ببحث وانطلاق في اتجاهات متعددة". ففي حين يكون الشخص في إجابته على اختبارات الذكاء غير مطالب بالتحديد أو التأمل أو الاختراع أو الإتيان بحل ظريف، بل يُحتمل أن يصحح الحل –إذا كان طريفًا- على أنه خطأ، يتميز التفكير الإبداعي بالتعامل بطرق ابتكارية طريفة مع الرموز اللغوية والرقمية وعلاقات الزمان والمكان، وهو ما غفلت عنه اختبارات الذكاء الشائعة.

ومع ذلك يرى شتاين Stein (في عبد الحليم محمود، 1971، ص 63) أن هناك مستوى معينًا من الذكاء بمفهومه التقليدي يلزم للإبداع، لكن توافر هذا المستوى من الذكاء لدى شخص معين لا يعني أنه سيصبح مبدعًا، لأنه ليست العبرة بما نملك، وإنما بما نعمل بهذا الذي نملكه.

وهكذا بقي الخلاف قائمًا في تحديد علاقة الذكاء بالموهبة والقدرة على الإبداع والابتكار، ما بين آراء تنظر للذكاء على أنه لا يمثل إلا جزءًا من النشاط العقلي، ومن ثم يتميز عن الموهبة والابتكار، وآراء ترى أن الذكاء هو العامل الأساسي المشترك في تفسير كل أوجه النشاط العقلي؛ ومن ثم يجب استخدام معامل الذكاء في التعرف على الموهوبين، ويمكنني القول إنه دائمًا قد شمل مفهوم الموهبة الفئات الثلاث الآتية:

- الأفراد الذين يحصلون على درجات مرتفعة في اختبارات الذكاء التقليدية –مع الاختلاف في تحديد الدرجة الحدية- التي تركز في أسئلتها على قياس الذكاءين اللفظي/اللغوي والمنطقي/الرياضي.

- الأفراد الذين يستطيعون إعطاء أفكار وحلول جديدة في المواقف، ويحصلون على درجات مرتفعة في اختبارات التفكير الابتكاري.

- الأفراد الذين يظهرون تميزًا في أي من القدرات الخاصة كالقدرة الموسيقية والقدرة الميكانيكية، حتى مع عدم حصول هؤلاء الأفراد على درجات مرتفعة في أي من اختبارات الذكاء أو اختبارات القدرة على التفكير الابتكاري.

واستمر الوضع كذلك حتى ظهور نظرية الذكاءات المتعددة؛ التي غيرت النظرة إلى الذكاء، حيث يمكن القول إن فكرة إعادة النظر في الذكاء وتعدديته التي أوجدتها نظرية جاردنر قد ساعدت على إعادة تعريف الموهبة أو تعدد المواهب في ضوء تعدد الذكاءات.

نظرية الذكاءات المتعددة

في عام 1979 طلبت مؤسسة برنارد فان لير الهولندية The Bernard Van Leer Foundation من جامعة هارفارد Harvard University القيام بإنجاز بحث علمي يستهدف تقييم وضعية المعارف العلمية المهتمة بالإمكانات الذهنية للإنسان، وإبراز مدى تحقيق هذه الإمكانات واستغلالها. في هذا الإطار بدأ فريق من الباحثين من ذوي الاختصاصات المتنوعة في دراسات استغرقت عدة سنوات، وهكذا تم البحث في مجالات التاريخ الإنساني والفلسفي وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية، إضافة للقاءات دورية تناولت قضايا تتعلق بمفهوم النمو في مختلف الثقافات البشرية.

وكان هوارد جاردنر Howard Gardner واحدًا من هذا الفريق البحثي بصفته أستاذًا لعلم النفس التربوي، ومن المهتمين بدراسة مواهب الأطفال وأسباب غيابها لدى الراشدين الذين حدثت لهم بعض الحوادث التي تسببت في إحداث تلف بالدماغ (أحمد أوزي، 2003) (Gardner,2003). وقد لاحظ جاردنر شيئًا مختلفًا؛ إذ لم يكن مُفسرًا من خلال نظرة القياس النفسي للذكاء حيث ذكر: "إن الفرصة اليومية للعمل مع الأطفال والبالغين الذين لديهم ضرر بالمخ طبع في ذهني حقيقة واحدة عن الطبيعة الإنسانية وهي: أن الناس لديهم مدى واسع من القدرات، وأن قوة الإنسان في نطاق واحد من الأداء لا تتنبأ بأي قوة في نطاق آخر" (Viens, 2000).

وكان على هوارد جاردنر أن يكتب كتابًا عما توصل إليه عن المعرفة البشرية خلال الاكتشافات في العلوم السلوكية والبيولوجية، وكان هذا الكتاب الذي نُشر لأول مرة عام 1983 هو "أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة" "Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences" ومن هنا وُلدت نظرية الذكاءات المتعددة. وقد ضمّن جاردنر في كتابه الأول سبعة ذكاءات منفصلة هي: الذكاء اللفظي/اللغوي- الذكاء المنطقي/الرياضي– الذكاء البصري/المكاني– الذكاء الجسمي/الحركي– الذكاء الموسيقي– الذكاء التفاعلي– الذكاء الشخصي. ويذكر جاردنر (Gardner, 2003) أنه في عاميّ 1994و 1995 قام بمراجعة الأدلة على وجود ذكاءات جديدة مما جعله يضيف ذكاءً ثامنًا جديدًا إلى قائمة ذكاءاته والذي كان الذكاء الطبيعي، كما كانت تلك الفترة هي بداية التفكير في الذكاء الوجودي –لم يتم ضمه بعد إلى قائمة الذكاءات- .

ومنذ نشأتها حملت تلك النظرية اختلافًا كبيرًا عما قبلها فلم يصبح يدور الحديث حول "إلى أي حد أنت ذكي" بل تحول إلى "في أي مجال أنت ذكي" It is not how smart you are.. It is how you are smart! (McKenzie, 1999b).

الذكاء Intelligence - كما تنظر إليه نظرية الذكاءات المتعددة- :

تضع نظرية الذكاءات المتعددة تعريفًا واسعًا للذكاء، فيعرفه جاردنر (Gardner, 1983 as cited in Kallenbach and Viens, 2001; Gardner, 1983 as cited in Torff and Gardner, 1999, p.140; Gardner, 1983 as cited in Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner as cited in McKenzie, 1999a) وجاردنر وهاتش (Gardner and Hatch, 1989 as cited in Brualdi, 1996) بأنه "القدرة على حل المشكلات أو تكوين المنتجات التي تكون ذات قيمة في ثقافة أو أكثر"، كما يذكر جاردنر (ترجمة محمد العقدة، 1997، ص 396) أن الذكاء هو قدرة سيكولوجية (نفسية) وبيولوجية (حيوية) كامنة، وأن هذه القدرة الكامنة يمكن أن تتحقق بدرجات متفاوتة نتيجة عوامل خبراتية وثقافية ودافعية تؤثر على الفرد.

وحديثًا عدّل جاردنر (Gardner, 1999, p.34) تعريف الذكاء ليصبح كالآتي: "هو إمكانية نفس حيوية لمعالجة المعلومات، التي يمكن تنشيطها في بيئة ثقافية؛ لحل المشكلات، أو ابتكار المنتجات ذات القيمة في ثقافة ما".

إن تعريف الذكاء على أنه القدرة على حل المشكلات ليس إسهامًا جديدًا في علم النفس المعرفي يحسب لجاردنر، لكن بالرغم من ذلك فقد ساهمت نظريته في إيضاح هذا التعريف؛ ذلك أنه كثيرًا ما كان يوجه النقد إليه. يذكر سيد خير الله وآخرون (1984/1985، ص 203) "أن هذا التعريف يفترض وجود علاقة بين الذكاء والقدرة على حل المشكلات، رغم أنه لا توجد في الحقيقة قدرة واحدة تقوم بحل جميع أنواع المشكلات، والقدرة على حل مشكلة خاصة تتضمن عوامل خاصة بالمشكلة التي يُراد حلها، وعلى ذلك تختلف القدرة على حل مشكلة رياضية عن القدرة على حل مشكلة بإجراء عملية جراحية. وبصورة عامة يوجد عدد من القدرات قدر ما يوجد من مشكلات". ولقد كان هذا بالطبع النقد الذي وُجه لهذا التعريف في ضوء الاعتقاد بأن الذكاء هو قدرة عامة، لكن من خلال منظور جاردنر للذكاءات المتعددة لا يوجد أي تعارض.

كيف يختلف الذكاء في ضوء هذه النظرية عن التعريف التقليدي للذكاء؟

- تعريف جاردنر يجعل الذكاء في حل مشكلات العالم الحقيقي وصنع المنتجات، فنظرية الذكاءات المتعددة تقوم على فهم كيف تؤثر ذكاءات الناس حقيقة، فهي تضع الذكاء في وضعية ما يستطيع الناس عمله.

- يقترح هذا التعريف تعبيرًا كيفيًا ووصفيًا لمجموعة ذكاءات الفرد أكثر منه تعبيرًا كميًا للقدرة المتكاملة، وهو في ذلك يخالف درجات الذكاء التي يتم الحصول عليها من اختبارات معامل الذكاء (Viens, 2000).

- لأول مرة نجد تعريفًا للذكاء يركز على صنع المنتجات وابتكارها، حيث كانت كل التعريفات السابقة للذكاء تركز على حل المشكلات فقط. وإذا كان موراي وجلفن (Murray & Glivn, 1959) (في إحسان آدم وعبد الرحيم دفع، 2007، ص 31) يعرفان الإبداع بأنه العملية التي ينتج عنها حدوث مركب جديد ذو قيمة، فإننا نرى في تعريف جاردنر للذكاء ما يمثل محاولة للتقريب بين مفهوم الذكاء ومفهوم الموهبة والإبداع. أو لنقل إن تعريف جاردنر يوحد بين مفهوميّ الذكاء والإبداع، أو لعله يوضح فكرة تعددية الإبداع؛ فكما أن الذكاء متعدد فالإبداع أيضًا متعدد، وقديمًا ذكر جيلفورد (Guilford, 1965) أنه لا ينبغي أن ننخدع بوجود إصطلاح واحد يعبر عن الإبداع مما يوهم بأنه يشير إلى شيء واحد، إذ لا يوجد شخصان مبدعان بنفس الطريقة، فبالإضافة إلى الفروق في درجة ما لدى الأفراد من عوامل الإبداع –في المجال الواحد من مجالات النشاط- توجد فروق كيفية في نوع النشاط. كما لاحظ بيرت (Burt, 1962) أنواعًا من العبقرية مختلفة باختلاف المجالات التي يتجلى فيها السلوك الإبداعي.

- الذكاء هو مصطلح لتنظيم ووصف القدرات الإنسانية في علاقتها بالسياقات الثقافية التي تتطور فيها هذه الذكاءات وتستخدم وتعطى معنى (Torff and Gardner, 1999, p.218). فلأول مرة في تعريف للذكاء نجد تركيزًا على تقدير الذكاء في ثقافات مختلفة اعتمادًا على احتياجات الناس الاجتماعية والاقتصادية، فجاردنر يرى ذكاءاته كإمكانيات محتملة عصبية، والتي سوف تنشط أو لا تكون نشطة، اعتمادًا على قيم ثقافية محددة والفرص المتاحة في تلك الثقافة والقرارات الشخصية التي يقوم بها الأفراد والمحيطون بهم. يسوق جاردنر (Gardner,1991 as cited in Carlson- Pickering, 2001) أمثلة على ذلك.. ففي المدارس القديمة كان يتعين على الأفراد أن يحفظوا عن ظهر قلب نصوصًا هامة –دائمًا دينية- إن تلك الأنماط من المهام تكون دليلًا على الحاجة لاستخدام ذكاء الفرد اللغوي، المثال الثاني يضربه جاردنر من غرب أفريقيا حيث توجد مدارس تدرس التلاميذ الممارسات التي سوف يحتاجونها لأداء الطقوس الاحتفالية الأولية وكذلك الحِرف ذات القيمة في مجتمعهم، وأخيرًا فإن التلاميذ في جنوب البحار يجب أن يحفظوا عن ظهر قلب مقادير ضخمة من المعلومات عن النجوم من أجل أن يكونوا قادرين على أن يبحروا في المحيط بأمان.

وترى الباحثة في اهتمام جاردنر بأثر السياق الثقافي الذي يحيا فيه الفرد على الذكاء محاولة أخرى للتقريب بين مفهوم الذكاء ومفهوم الموهبة والإبداع؛ حيث أنه إذا كانت هذه هي المرة الأولى التي يُشار فيها إلى ذلك الأثر في تعريف الذكاء، فقد سبق وأن أشير إليه في الحديث عن الإبداع، حتى بالنسبة لإبداع فرد بذاته. يذكر عبد الحليم محمود (1971، ص 64) أنه يلاحظ أن الأعمال الإبداعية –علمية كانت أو فنية- التي تصدر عن فرد مبدع في ظروف معينة قد تختلف كثيرًا في جوانب الإبداع الأساسية عن أعمال أخرى صدرت عن نفس الشخص في ظروف أخرى.

وتعلق هولمز (Holmes, 2002) على تعريف جاردنر: إن الذكاء هو طريق التعلم لفهم العالم الذي نحيا فيه. الذكاءات أيضًا هي الوسائل التي من خلالها نظهر ما نعرفه، فمن خلالها نحل المشكلات ونساهم في العالم على اتساعه.

مبادئ النظرية

من خلال كتابات جاردنر على سبيل المثال..(Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner, 1996 as cited in koch, 1996; Gardner, 2001; Gardner, 2003) وكتابات غيره من علماء النفس (Brualdi, 1996; McKenzie, 1999a; Morris, 2003; Multiple Intelligences for Adult Literacy and Education page, n. d; Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Torff and Gardner, 1999, pp. 152- 153; Viens, 2000) وإسماعيل الدرديري ورشدي فتحي (2001، ص 81) ومحمد الشيخ (1999، ص 284) تحدد الباحثة المبادئ الأساسية لنظرية الذكاءات المتعددة في:

- الذكاءات متعددة، وليس الذكاء قدرة واحدة عامة أو مكونة من تجمع قدرات منفصلة.

- هذه الذكاءات تحدد الجنس البشري، فهي عالمية.

- كل الناس يمتلكون الذكاءات الثمانية، أو على حد قول جاردنر (Gardner,2003) "الذكاء صفة مميزة لكل البشر". ولا يوجد أحد يستخدم ذكاءً واحدًا فقط فنحن جميعًا نستخدم كل منها في حياتنا اليومية.

- أي من تلك الذكاءات الثمانية ليس أفضل من الذكاءات الأخرى، وكل ذكاء له مجاله الخاص من الخبرة.

- لدى كل شخص تكوين فكري مختلف، فالذكاء بعد يختلف على أساسه البشر –مثل بصمات الأصابع- ، من ثم فإن كل الأفراد يختلفون في بروفيلاتهم الخاصة للقوى والعيوب العقلية، ولا يوجد اثنان –حتى التوائم المتماثلة- يمتلكان نفس بروفيل الذكاءات في نفس اللحظة، فنحن لا نملك نفس القوة في نطاق نفس الذكاء ولا نملك نفس المزيج من الذكاءات، مما يعني أن الفروق لا تكون بين الأفراد فقط Inter- Individual بل في الفرد ذاته أيضًا Intra- Individual. ولابد أن تكون لدى كل شخص ذكاءات مرتفعة وأخرى ضعيفة. وهذا الرأي يماثل ما لاحظه عبد الحليم محمود (1971، ص 65) من أن القاعدة –وليس الاستثناء- أن يكون لدى الشخص المبدع قدرات إبداعية معينة مرتفعة، وقدرات أخرى منخفضة، أما الشخص الذي تكون قدراته الإبداعية جميعها تقريبًا مرتفعة مثل ليوناردو دافنشي إنما يمثل استثناءً نادرًا.

- تقع هذه الذكاءات في أماكن مختلفة من المخ، أي أنها منفصلة تشريحيًا عن بعضها البعض.

- هذه الذكاءات تكون مستقلة نسبيًا؛ فهي مستقلة لعدم ارتباط أي قدرة بوضوح بالقدرات الأخرى، فمعرفة قوة أو ضعف أي فرد في نطاق ذكاء ما لا يمكن أن يكون منبئًا بالقوة أو الضعف في نطاق ذكاء آخر، لكن استقلالها مع ذلك يكون نسبيًا؛ حيث يدعي جاردنر أنها نادرًا ما تعمل وتحدد أثرها بشكل مستقل. على الأصح فإنها تكون مستخدمة بتزامن وبنموذجية وتكمل كل منها الأخرى عندما يطور الأفراد المهارات أو يحلون المشكلات التي تواجههم على أرض الواقع، فاستقلالها التشريحي لا يكون مانعًا للتبادل والمشاركة بل يجعلها تعمل في تناغم لإنتاج ما يمكن تسميته بالسلوك الذكي في الحياة. وترى الباحثة أن رؤية جاردنر للذكاءات باعتبارها قدرات مستقلة تشريحيًا في المخ تعمل بشكل مترابط متكامل يعني أنه يتفق ضمنًا وما ذكره ثورنديك من أن الروابط العصبية بين أجزاء المخ لها دور هام في تحديد مستوى الذكاء.

- الفروق الفردية في الذكاءات تكون نتاجًا مشتركًا لكل من العوامل الوراثية والخبراتية، وفي ذلك يتفق جاردنر في الرأي الذي يفترضه تقريبًا كل الباحثين؛ فخبرات الإنسان تؤثر في الدرجة التي يمكن التعبير بها عن كل ذكاء مثلما تؤثر العوامل الوراثية، فقد يكون لديك أفضل مورثات في العالم لكن إذا لم تتعرض لخبرات موسيقية فإن ذكاءك الموسيقي لن يتطور، كما أنه بينما تكون ذكاءات خاصة متطورة لدى العديد من الأشخاص في ثقافة ما.. لا تكون تلك الذكاءات نفسها متطورة لدى الأفراد في ثقافات أخرى؛ ذلك أن المجتمعات تقدر أنماطًا مختلفة من الذكاءات. بناءً عليه، تضيف هذه النظرية عاملًا ثالثًا رئيسيًا مسهمًا في نمو الذكاء وهو الخلفية الثقافية والتاريخية للفرد، والتي تضم المكان والزمان الذي نشأ فيه الشخص وطبيعة التطورات الثقافية أو التاريخية وحالتها في المجالات المختلفة.

- يجب أن يُفسر الذكاء الإنساني في علاقته بالسياق الثقافي المحيط، فذكاءاتنا تعكس طرقًا مختلفة للتفاعل مع العالم.

- كل ذكاء يتضمن قدرات فرعية أو مظاهر مختلفة.

- باستطاعة كل فرد أن يعبر عن كل ذكاء بأكثر من طريقة، على سبيل المثال فإن كون الفرد أميًا –لا يستطيع القراءة- لا يعني أنه ليس باستطاعته رواية القصص، فكلاهما طريقتان مختلفتان تعبران عن الذكاء اللغوي.

- هذه النظرية لا تقصي أو تستثني أفرادًا، بل تسمح لكل الناس بالمشاركة في المجتمع من خلال قواهم الخاصة وتمنحهم الفرصة كي يكونوا مبدعين.

- يمكن لهذه الذكاءات أن تُنمى وتقوى أو تُتجاهل وتضعف، ويتوقف هذا على توفر الدوافع لدى الفرد والتشجيع/التثبيط من المحيطين به وتوفر/عدم توفر التدريب المناسب، وعليه فإن بروفيل ذكاء الفرد يكون قابلًا للتغير، فنحن نستطيع جميعًا أن نُحسن كل الذكاءات، رغم أن بعض الناس تتحسن بسهولة (بسرعة) في نطاق ذكاء أكثر من الذكاءات الأخرى؛ إما لأن الحياة أعطتهم عقلًا أفضل في ذلك الذكاء أو لأن ثقافتهم أعطتهم معلمًا أفضل.

- معرفة الفرد ببروفيل ذكائه تصل به لمستوى أفضل من الفهم أو لمستوى أعلى من المهارة.

- بما أن الناس جميعًا ليس لديهم نفس الاهتمام ونفس القدرات فنحن لا نتعلم بنفس الطريقة، كما أن العصر الذي نعيشه لا يمكن أن يتعلم الفرد فيه كل شيء يمكن تعلمه.

- يمكن أن نُحسن التعلم بمخاطبة الذكاءات المتعددة لتلاميذنا عن طريق تفهم الأساليب المتنوعة التي يمكن أن يتعلموا بها وأن نحترم اختلافاتنا، لأن مجموعة ذكاءات كل تلميذ تحدد إلى أي مدى تكون السهولة أو الصعوبة للتلميذ ليتعلم المعلومات عندما تُقدم في نسق تعليمي معين، ويمكننا إيجاد العديد من الأنساق التعليمية في الفصل الدراسي الواحد.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله".

للتطرف الديني آثاره على الفرد، وكذا على المجتمع. ومن عجائب التطرف أن أكثر من يحملون ذلك الفكر الساعي لإعادة المجتمع إلى الخلف هم الشباب، رغم أن المفترض أن الشباب هم أكثر عناصر المجتمع رغبة في التجديد! ويمكن تفسير الأمر بأن فكرة معاكسة المتطرف لقيم المجتمع، تجد صداها دائمًا لدى كثيرين من الشباب، الذين يسعون إلى خلق عالم خاص بهم، يختلف عن عالم الكبار، ويتمرد عليه.

ولعل المشكلة الرئيسية في التطرف الديني أنه يبدأ بمظاهر سلوكية ظاهرية مقبولة؛ يتلقى الفرد تعزيزًا عليها من المجتمع لكونها تدينًا، والتدين محمود في مجتمعنا، فالكل يحمد للفرد التزامه في الصلاة وغضه للبصر وغيرها من السلوكيات الظاهرة، ثم عندما يبدأ فكره بالشطط بعد الاعتدال ينعزل عن المجتمع شيئًا فشيئًا، مما يصعب على المحيطين به ملاحظة أن الداء قد بدأ يستشري في بداياته، ولا يلاحظون التغيرات التي طرأت إلا عندما تغدو آثار التطرف ملحوظة، فالحد بين التدين المحمود والتطرف يصعب تحديده. من هنا جاءت خطورة السماح للفكر المتطرف بأن ينمو؛ لأنه قد يصل إلى مرحلة يصعب فيها السيطرة عليه والحد من آثاره.

وتختلف تلك الآثار اختلافًا كبيرًا؛ فقد يسلك المتطرف سلوكًا انعزاليًا بتجنب المجتمع المخالف له قيميًا، أو سلوكًا انفعاليًا يتمثل في كراهية المخالف، أو سلوكًا معرفيًا بتبني قيم جديدة تتفق وتطرفه والدفاع عنها، أو سلوكًا ظاهريًا بالاتجاه إلى العنف لتسويد أفكاره، وكثيرًا ما يصل الفرد المتطرف إلى حد القيام بكل تلك الأصناف من السلوكيات تدريجيًا. أي أن الأمر يبدأ بعدم الاعتراف بالآخر وتجنبه لينتهي بمحاربته، لكن في أحيان كثيرة يقف حد التطرف على أفكار متشددة في عقل المتطرف يكون تأثيرها مقتصرًا عليه وحده أو على المحيطين به فقط، لكن حديثنا في هذه الدراسة الموجزة يتركز على الإرهاب كأعلى درجات التطرف.

الإرهاب للتخلص من المخالف فكريًا والمختلف عقديًا

ينتهي الحال عادة بالمتطرف –إذا ما تابع التدرج في سلم التطرف- إلى تكفير المجتمع عدا جماعته، لكونه مجتمعًا جاهليًا لا يُحكِّم شرع الله، وغالبًا ما يتحول التطرف من فكر أو سلوك فردي، إلى عمل جماعي عدواني له هدف سياسي، في المجتمعات ذات القيم الوسطية التي يعيش فيها المتطرف، ويحاول تغييرها، ويشعر بصعوبة ذلك عن طريق التصادم الفكري، فيقود المجتمع إلى الحرب الداخلية؛ وتتشكل جماعات وخلايا إرهابية لا ينضم لها إلا من تشبع بالأفكار المتطرفة، ويمكن القول إنه يحدث للمتطرف في تلك الحالة انتقال من النظرية إلى التطبيق. لكن العنف والإرهاب يبقى محتملًا وليس أكيدًا اللجوء إليه، لأنه يعني تدمير المتطرف نفسه أو تدمير الآخرين.

يقول ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (ج3، كتاب الجهاد، ص535) : "كُلُّ طَائِفَةٍ خَرَجَتْ عَنْ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا، وَإِنْ امْتَنَعُوا عَنْ الزَّكَاةِ، وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ حَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ، أَوْ الزِّنَا، أَوْ الْمَيْسِرِ، أَوْ الْخَمْرِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْحُكْمِ فِي الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَالْأَبْضَاعِ، وَنَحْوِهَا بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَجِهَادِ الْكُفَّارِ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَيُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرُوا الْبِدَعَ الْمُخَالِفَةَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مِثْلُ: أَنْ يُظْهِرُوا الْإِلْحَادَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ أَوْ التَّكْذِيبَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَوْ الطَّعْنَ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ أَوْ مُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي طَاعَتِهِمْ الَّتِي تُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ‏﴿‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾‏ [الأنفال: 39]. فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الدِّينِ لِلَّهِ، وَبَعْضُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَجَبَ الْقِتَالُ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ"أهـ.

وكلام ابن تيمية هو ببساطة ما تم تطبيقه على المسلمين في جزيرة العرب في القرن التاسع عشر الميلادي؛ فأُعملت فيهم السيوف باعتبارهم مشركين، وقُتلوا وسُبيت نساؤهم واُستعبد أبناؤهم لأسباب أوهن كثيرًا من عدم تطبيق أركان الإسلام الخمسة، فلا يُسمح بأي خلاف في العقيدة مع هؤلاء إن ملكوا.

تاريخيًا.. حدث الإرهاب في مناطق عديدة من العالم، لكنه اُعتبر مشكلة محلية حتى الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م عندما هاجم الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد 11/9 أصبح الإرهاب اهتمامًا عالميًا.

ويعد الإرهاب شكلًا من أشكال الجُناح خاصة بالنسبة للأحداث في مرحلة المراهقة والشباب في مقتبل ‏العمر؛ حيث هو انحراف سلوكي، والذي يتمثل في سلوك لا أخلاقي وخارج على القانون ومضاد للمجتمع. ‏وهو من المشكلات النفسية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة بشكل متزايد، والتي تهم علماء ‏الاجتماع وعلماء التربية وعلماء النفس ورجال القانون والأمن.‏

ويمكن القول إنه بمراجعة المقالات التي أُعدت حول ظاهرة الإرهاب لوجدنا أن أغلبها يحوي نظريات عن الإرهاب، والجماعات المنخرطة فيه، إضافة إلى بعض البيانات التي تفتقد إلى الإحصائيات السليمة، وأن القليل جدًا من الدراسات قد أُجريت لتحري الأسس النفسية للإرهاب، ذلك بالرغم من تزايد وتصاعد الحوادث الإرهابية على مستوى العالم؛ ما يجعلنا نعتقد بضرورة وجود متخصصين تخصصًا فرعيًا تحت علم النفس الاجتماعي فيما يسمى "علم نفس الإرهاب".

ما هو الإرهاب؟

بسبب أهمية المشكلة وخطورتها؛ فإنه ووفقًا لـ ‏(وولتر لاكير، 2007) وكوبر ‏‎(Cooper, 1995)‎‏، هناك أكثر من مئة تعريف للإرهاب. ولدى وزارة الخارجية الأميركية‎ ‎تعريفها الخاص، فتحت العنوان ‏‏22 من المادة 2656 من مدونة القانون الأميركي نجد تعريفًا للإرهاب على أنه ‏‎"‎عنف متعمد، مدفوع بدوافع ‏سياسية، ترتكبه ضد أهداف غير مُحاربة، جماعات شبه قومية أو‎ ‎عملاء سريون، المقصود منه عادة هو ‏التأثير على جمهور‎"‎‏. ولقد قيل أكثر مما ينبغي حول عنصر "الأهداف غير المُحاربة"؛ إذ ليس هناك‎ ‎جماعة ‏إرهابية في التاريخ اقتصرت هجماتها على جنود أو رجال شرطة. وماذا سيكون الوضع‎ ‎إذا قامت مجموعة من ‏الرجال المسلحين بمهاجمة رجال شرطة في الصباح ومدنيين في‎ ‎المساء: هل رجال المجموعة إرهابيون، أو ‏هل ينتمون إلى تصنيف مختلف، أو هل يغيّرون‎ ‎طبيعتهم خلال يوم؟‎ ‎‏ ‏

بينما يعرفه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ‏FBI‏ على أنه: فعل عنيف أو فعل خطير على الحياة ‏الإنسانية؛ لإضافة أو إجبار حكومة أو سكان مدنيين أو أي جزء منها؛ لتعزيز الأهداف السياسية أو ‏الاجتماعية ‎(Cooper, 1995)‎.‏

وتعرفه كرينشو ‏‎(Crenshaw, 2001)‎‏ بأنه نمط تآمري من العدوان؛ لتعديل الاتجاهات والسلوكيات ‏للعديد من المشاهدين. إنه يستهدف القليلين بطريقة تستدعي انتباه الكثيرين. وتضيف أن أفعال الإرهاب لا ‏تشبه نموذجيًا أفعال الحرب، ويبدو أن الإرهابيين يفضلون غير المقاتلين كأهداف لهم، بالرغم من كون ‏التنظيمات الإرهابية تستعير الرموز وبهارج الإجراءات والانضباطات العسكرية.‏

وتذكر موسوعة ويكيبيديا ‏Wikipedia‏ على شبكة الانترنت أنه في الوقت الحاضر لا يوجد تعريف ‏عالمي مقبول للإرهاب. وتشير التعاريف العامة للإرهاب فقط لهؤلاء الذين يتصرفون بقصد خلق الخوف ‏‏(الإرهاب)، مرتكبين لهدف أيديولوجي (مقابل هدف مادي أو هجوم وحيد)، ويستهدفون بتعمد ويتجاهلون أمان ‏غير المقاتلين. كما تذكر الموسوعة أن بعض التعريفات تتضمن أيضًا أفعال العنف غير القانوني أو الحرب ‏غير المألوفة، كذلك تشير إلى أن الإرهاب في الأزمنة الحديثة عادة يشير إلى قتل الناس الأبرياء من قِبل ‏مجموعة خاصة بطريقة تخلق منظرًا إعلاميًا.‏

بينما يرى اريكاك وآخرون‏ ‏‎(Aricak et al., 2008)‎ أن تعريف الإرهاب قد تغير مع الحوادث العالمية المتلاحقة من كونه "فعل ‏عنيف يقوم به مجموعة من الناس المحليين ضد حكومتهم الخاصة من أجل تحقيق مكاسب سياسية" إلى ‏‏"فعل عنيف من مواطني بلد ضد بلد أخرى من أجل تحقيق انتباه سياسي".‏

وفي نوفمبر 2004، وصف تقرير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة –يُلاحظ أن هذا التقرير لا ‏يشكل قانونًا دوليًا- الإرهاب على أنه: أي فعل قصد أن يسبب الموت أو الأذى الجسماني الخطير للمدنيين ‏أو غير المقاتلين؛ بهدف إخافة سكان أو إرغام حكومة أو منظمة دولية لعمل أو الامتناع عن عمل أي فعل‎.‏

وأحيانًا يكون من الصعب على المشاهد العادي تمييز الحوادث الإرهابية عن غيرها من الحوادث ‏الإجرامية. وترى كرينشو ‎(Crenshaw, 2001)‎ أنه حتى أفضل المقاصد العلمية قد لا تكفي لتمييز الإرهاب من الاحتجاج، وحرب ‏العصابات، وحرب العصابات الحضرية، والفتنة، والعنف الإجرامي، والعسكرية المعدلة، والعنف العمومي، ‏واللصوصية. إن السياسة تتضمن منافسة لتعريف المصطلحات وفرض التفسيرات الخاصة للتأريخ.‏

وفي تحليل أُعد للمخابرات الأمريكية ذُكرت أربعة أنواع من الإرهاب: (القومي الانفصالي- الأصولي ‏الديني- الديني الجديد- الثوري الاجتماعي). ولعل أهمها وأكثرها ارتباطًا بالأذهان هو الإرهاب الأصولي ‏الديني.‏

وترى الكاتبة ضرورة التمييز بين الإرهاب والدفاع عن الحرية اعتمادًا على الأهداف والأفعال؛ وكذلك ‏التمييز بين الإرهاب وبين الانتحار؛ إذ غالبًا ما يُطلق مسمى انتحاريين على الإرهابيين في وسائل الإعلام ‏الغربية؛ ذلك أن الإرهاب ليس مجرد انتحار فردي؛ فالانتحار هو عدوان مُوجه‎ ‎نحو الذات؛ لأن ‏الشخص لا يستطيع لسبب ما أن يوجه عدوانيته باتجاه المجتمع أو باتجاه‎ ‎شخص آخر. ولقد عرَّف عالم ‏الاجتماع دوركهايم الانتحار بأنه: كل حالات الموت التي تنتج‎ ‎بشكل مباشر أو غير مباشر من فعل سلبي أو ‏إيجابي، ينفذه الضحية بنفسه، وهو يعرف أن هذا‎ ‎الفعل يصل إلى هذه النتيجة أي الموت. إن السلوك الانتحاري‎ ‎هو سلسلة الأفعال التي يقوم بها الفرد محاولًا من خلالها تدمير حياته بنفسه، دونما‎ ‎تحريض من آخر أو ‏تضحية لقيمة اجتماعية ما، وتعتبر الأمراض النفسية‎ ‎والاضطرابات العصابية والذهانية من المسببات الرئيسية ‏للانتحار، ولقد أشار فرويد إلى أن الانتحار هو توجيه العدوانية الكامنة بالشخص ضد ذاته، أما الإرهاب ‏فيتضمن توجيه تلك العدوانية نحو المجتمع حتى لو أدى هذا إلى تدمير الذات مع المجتمع، وفقًا للمثل ‏العامي "عليّ وعلى أعدائي"، وغالبًا ما يكون توجيه تلك العدوانية تحت تأثير تحريض، وتحت تأثير التصور ‏بالتضحية من أجل إعلاء قيمة أكبر، غالبًا ما تكون دينية؛ لذا يُعد تعريف الإرهاب وتمييزه عن غيره من ‏الحوادث الإجرامية هو الخطوة الأولى لتحديد سياسة التعامل مع الإرهابيين دون انتهاك حقوق الإنسان.‏

العوامل المسهمة في وصول التطرف إلى درجة الإرهاب

لعل من أكبر العوائق التي تحول ومواجهة ظاهرة التطرف الديني، هو إصرار كل حزب من المختصين، على الحديث عنها، والبحث فيها، من منظورهم فقط، وتجاهل وجود حزم متنوعة من العوامل، أسهمت كل منها في إفراز تلك الظاهرة بكل ما لها من آثار سلبية على الفرد والمجتمع، فالتطرف ظاهرة معقدة، تكثر وتتنوع الأسباب المؤدية إليها، وتتداخل وتتفاعل، حتى يصبح التطرف حقيقة ماثلة.

وينبغي مراعاة أيضًا أن العلاقة بين التطرف وبين كثير من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية هي علاقة تبادلية دائرية، فالخلل في تلك العوامل قد يتسبب في ظهور التطرف الديني في المجتمع، كما أن التطرف بدوره يؤثر في تلك الجوانب، ويحدث بها خللًا أيًا كانت نوعية الخلل تشددًا أو انحلالًا.

إن قرار استخدام أي منظمة أو جماعة للإرهاب شأنه شأن أي قرار سياسي يتأثر باعتبارات نفسية، ومساومة داخل المنظمة، وكذلك بردود الأفعال المنطقية المتوقعة، كما يتأثر ولا شك بالفرص المتاحة لهم، والقيود التي تحددهم، في ضوء أهداف المنظمة. والسؤال هو: ما الذي يدفع بإنسان –غالبًا في مقتبل العمر- إلى كراهية مجتمع والرغبة في تدميره، وإن لحقه مثل هذا التدمير وأصابه؟!

وبالرغم من إدراك الكاتبة أهمية الاتجاه التكاملي في تفسير ظاهرة التطرف، والذي يراعي تعدد المسببات لتلك الظاهرة وتنوعها؛ كونه أكثر الاتجاهات قدرة على تفسير ‏الظاهرة، ومن ثم علاجها والتخفيف من آثارها، فإن حدود الدراسة التي بين أيدينا تُعنى بتحديد العوامل والاعتبارات النفسية التي تُسهم في انخراط الفرد في دائرة الإرهاب، وتنفيذ بعض الأفراد خاصة من صغار السن لتلك الحوادث الإرهابية.

وتعرض الكاتبة لأهم مجموعة من الأسباب النفسية التي قد تؤثر في تشكيل شخصيات المتطرفين، علمًا بأنه قد يرتبط سبب نفسي بسبب اجتماعي أو بسبب ديني، كما أنه يستحيل أن تتسبب كل هذه الأسباب في إحداث التطرف في شخصية واحدة؛ فبعضها يكون متناقضًا، لكن الوعي بهذه المجموعة المتنوعة من الأسباب هام لفهم كيف يمكن أن يتحول شخص سوي إلى شخصية متطرفة.

هل هناك سمات مشتركة ثابتة في شخصية الإرهابيين؟

نظرًا لأهمية الأسباب النفسية المؤثرة في إحداث ظاهرة التطرف، وعدم إعطاء الباحثين العرب الأهمية الكافية لها، فقد تخيرتها الكاتبة لتكون محور هذه الدراسة.

تأسيسًا على نتائج استبيان أجراه دنكان ‏‎(Duncan, 2001)‎‏، بعد ثمانية أيام من تفجيرات 11 سبتمبر ‏‏2001م، فقد رأى بعض المشاركين في الاستبيان أن يكون هناك إمكانية لعمل بروفيل (تخطيط نفسي)، ‏لاستخدامه كوسيلة لتمييز الإرهابيين. لكن السؤال الهام هل هناك حقًا سمات مشتركة في شخصية المتطرفين، خاصة من يلجأون إلى العنف؟؛ فمع تنامي ظاهرة التطرف الديني، كانت هناك محاولات من علماء النفس في الغرب لوضع بروفيل نفسي للإرهابيين، ولكن النتائج كانت إلى حد بعيد محبطة.

ووفقًا لجون هورجان (2008) فهناك إغراء أثّر على نحو كبير على طبيعة واتجاه بعض الأبحاث‎ ‎السابقة -خاصة التي قام ‏بها علماء النفس-، هو افتراض وجود بعض سمات الخصوصية‎ ‎المميزة لدى أعضاء مجموعة إرهابية محددة ‏‏من حيث ما يجعلهم "متشابهين"، بالإضافة‎ ‎إلى ما يُفترض أنه يجعلهم "مختلفين" عن بقيتنا أو على الأقل ‏عن الأشخاص الذين لا‎ ‎ينخرطون في الإرهاب. وقد كان عالم النفس وخبير الإرهاب آريل ميراري مصيبًا في ‏مجادلته بأنه من الأكثر‎ ‎دقة القول بأنه "لم يتم العثور حتى الآن على تركيبة لشخصية الإرهابي، قائمة على‎ ‎تحليل السمات المشتركة الثابتة بين شخصيات الإرهابيين" بدلًا من القول بأنه "لا توجد‎ ‎صورة مركبة لشخصية ‏الإرهابي تتضمن السمات المشتركة الثابتة في شخصياتهم".

ويمكنني الجزم بأن هناك إحباطًا واضحًا في‎ ‎الكثير من دوائر وضع ‏السياسات وتطبيق القانون في الغرب، بشأن التوصل إلى صورة‎ ‎مركبة صحيحة يمكن التعويل عليها ‏للسمات المشتركة بين شخصيات الإرهابيين، ومع ذلك فإن السعي‎ ‎إليها ما زال مستمرًا‎.‎‏ وهو ما يؤكد عليه فيكتوروف ‏‎(Victoroff, 2005)‎‏ من وجود تقارير تمهيدية تقترح أن عوامل ‏اجتماعية ونفسية معدلة تسهم في تكوين العقلية الإرهابية، وأنه يمكن أن يسكن الهجوم الهائل عن طريق بدء ‏الدراسة العلمية التي تأخرت طويلًا للعقليات الإرهابية.

وترى الكاتبة أنه ربما كان من أسباب الفشل حتى الآن في الدوائر الغربية، في العثور على سمات مشتركة للمتطرفين المحتمل قيامهم بأعمال عدائية إرهابية، هو التركيز على البحث عن فروق خارجية ظاهرية بينهم وبين الأشخاص الأسوياء غير المنخرطين في أنشطة متطرفة إرهابية، بينما يجب أن ‏يتم العمل على البحث عن الفروق الداخلية بينهم وبين الأسوياء في السمات النفسية والصفات العقلية والمعتقدات الأيديولوجية، والتي جعلت الإرهابي يفكر ‏ويخطط وينفذ هذا العمل مضحيًا بحياته من أجل تلك المعتقدات، وكذا الفروق في الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها التي تسببت في التحاقه بالجماعات المتطرفة.

كما أنه بالرغم من ذلك الإخفاق الذي أشارت إليه العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية بالغرب، إلا أنه توجد مؤشرات على وجود سمات نفسية ترتبط بشخصية المتطرف أو من لديه استعداد للتطرف، ينبغي دراستها والاهتمام بها. ويمكنني تسمية تلك السمات بعوامل الخطر؛ لكونها ترتبط بزيادة فرص حدوث التطرف، ومن ثم تكون لها أهميتها في التنبؤ بالسلوك المتطرف، لكن يتعين على الأشخاص الذين يعملون في مجال ‏مكافحة الإرهاب ألا يسرفوا في التعويل على تلك الصورة المركبة لشخصية المتطرف حتى لا يقعوا في أخطار التعميم الشامل لعدم التمييز بين: المتدين والمتشدد ومن يلجأ للعنف.

ويمكن تحديد أهم العوامل النفسية التي قد تؤدي للتطرف الديني بوجه عام في:‏

1- النمو غير السوي للشعور الديني

هناك تطورات نمائية متعددة في الجانب الديني تعرض للفرد من طفولته وحتى مراهقته، مُكسبة إياه السواء ‏أو تقوده إلى التطرف.

يقول الله تعالى: ‏﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏﴾‏ [الروم:‏‏30]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يُولد على الفطرة". فكلنا نبدأ حياتنا على فطرة التوحيد الخالص، والطهر والبراءة، ثم يتدرج شعورنا الديني في مراحل النمو المختلفة التي نمر بها، وتكون المظاهر الدينية شكلية في الطفولة المبكرة، لا تتعدى ترديد ألفاظ دون إدراك لمعناها مثل: الله، الملائكة، الأنبياء، ‏الجنة، النار، ثم يتعرف الطفل على بعض المعايير الدينية كالحلال ‏والحرام خلال عملية التنشئة الاجتماعية، ويبدأ في تقليد الكبار في أداء العبادات دون فهم لمعناها؛ مسايرة منه للمجتمع؛ فقط كي يتلقى تعزيزات إيجابية على أدائها. ويُصدِّق الطفل كل ما يخبره به الكبار عن الأمور الدينية، ويفهم أنها أمور محاطة بالقدسية. ثم مع تدرج النمو يبدأ الطفل في طرح الأسئلة الدينية، ويلعب التلقين دورًا هامًا في تكوين أفكار الطفل الدينية، ويتشرب الطفل هذه ‏الأفكار ويتمثلها وتصبح أفكاره الشخصية، ويدافع عنها ويغار عليها، وتحدد سلوكه، وفي مرحلة الطفولة المتأخرة يصبح ‏الدين وسيلة من وسائل التوافق الاجتماعي، فيتأثر الطفل بالبيئة الاجتماعية التي يتربى فيها، ويعرف أن الله ليس ربه وحده، بل هو إله كل الناس. ويعرف ‏الطفل أن الدين يجمع جماعة كبيرة أوسع من أسرته، وأن هناك جماعات أخرى تتبع أديانًا أخرى. وفي الطفولة المتأخرة تصبح فكرة الطفل عن الله أكثر وضوحًا وتمايزًا عن فكرته في طفولته المبكرة. وتختلف فكرة الطفل ‏عن الله اختلافًا بيّنًا من طفل لآخر نتيجة للبيئة الدينية التي تهيمن على سلوك الطفل.‏ في مرحلة الطفولة المتأخرة يكتسب الطفل بعض المفاهيم الدينية، وأهمها معرفة معنى الوحدانية وعدم المثلية لذات الله تعالى.‏

ثم يحدث تحول المراهقة، وهي المرحلة التي سيتحول المراهق بعد ذلك في نهايتها إلى الرشد. وبينما كان الفرد يؤمن في طفولته بالشعائر والطقوس الدينية المختلفة، فإنه في مراهقته يتخفف كثيرًا من هذا الإيمان الشديد، ويتجه بعقله نحو مناقشة الشعائر وفهمها والكشف عن أسبابها ‏وعلّاتها. وسواء كان الاتجاه نحو الدين موجبًا أو سالبًا، فإن الدين ‏يعتبر قوة دافعة خلال فترة المراهقة بصفة خاصة. قد تُشاهد اليقظة الدينية العامة، كما قد ‏يُشاهد الشك، كما قد يُشاهد الإلحاد غير الحقيقي الناشئ عن الرغبة في الاستقلال والتحرر والعدوان على المجتمع، ويُلاحظ أن التنشئة الاجتماعية تلعب دورًا هامًا في تحديد الاتجاه الديني لدى ‏المراهق؛ سواء كان تحمسًا أو شكًا أو إلحادًا.

‏وتتأثر مثيرات المراهق الانفعالية بعلاقته بالدين. يذكر حامد زهران (1999، ص421-422)‏ أنه "‏وفي المراهقة المتأخرة يُشاهد الحماس الديني الذي يصل إلى درجة التطرف، والذي يحل محل الاتجاه ‏الديني التقليدي. ويتلون الحماس الديني بالسمات الغالبة على شخصية المراهق، فهناك التحمس المصحوب ‏بالتحرر من البدع، وقد يصاحب هذا نقد لاذع. وهناك الاندفاع إلى النشاط الخارجي والاجتماعي والديني ‏والانضمام إلى جماعات البر والإحسان (الشخصية المنبسطة)، أو الاقتناع في حماسه بالاقتصار على ‏المستوى الشخصي والتصوف الزائف (الشخصية المنطوية). وقد يسيطر التفكير الخرافي والتفاؤل والتشاؤم ‏والتوسل إلى الأولياء وتعليق الأحجبة. وقد يلجأ البعض إلى الدين كوسيلة لإعلاء الدافع الجنسي، ويكون لدى ‏هؤلاء حساسية مرهفة لأي مخالفة جنسية في المجتمع، وقد يأخذ هذا الحماس الديني شكل عمل جماعي يقوم ‏به المراهقون في شكل جماعات دينية لإقامة دعائم الفضيلة في المجتمع وتحطيم أماكن اللهو والفساد ‏ومهاجمة الإباحية والاختلاط. كما يُشاهد الاتجاه إلى الله في مرحلة المراهقة المتأخرة حيث يشعر المراهق بالذنب المرتبط بانبعاث ‏الدافع الجنسي؛ فيتعلق بالدين، ويتجه إلى الله يتضرع إليه ليعينه على غرائزه، ويخلصه من عذاب نفسه، حتى ‏يتجنب العقاب الداخلي المعنوي. وكلّما اشتد الشعور بالذنب أقبل المراهق على الله متعبدًا لا يترك فرضًا ولا ‏نافلة ليتطهر من الذنب، وإذا هدأ هذا الشعور بالذنب تراخى وقلت ضراعته"أهـ.

بالرغم من ذلك قد تكون مراهقة البعض مراهقة توافقية، وقد ذكر الله تعالى بعض ممن هداهم الله تعالى في سن صغيرة، وعصمهم من تقلبات المراهقة الدينية. قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ‏﴿‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ‏﴾‏ [الأنبياء:‏‏51]. وقال عن يحيى عليه السلام: ‏﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا‏﴾‏ [مريم: 12]. وقال عن أهل الكهف: ‏﴿إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى‏﴾‏‏ [الكهف:13].‏

وقد استخلص صموئيل مغاريوس ‏(1957)‏ في بحثه على الذكور من المراهقين أربعة أشكال عامة للمراهقة ‏هي: المراهقة المتوافقة- المراهقة الانسحابية المنطوية- المراهقة العدوانية المتمردة- المراهقة المنحرفة. ‏ويمكن وصف تلك الأنماط من المراهقة في علاقتها بالدين بأن نمط المراهقة المتوافقة يتسم بالتوافق والتقبل ‏للمعتقدات الدينية وعدم المعاناة من الشكوك الدينية، وينبع ذلك من التدين السليم والاستقامة، أما نمط المراهقة ‏الانسحابية المنطوية فمن سماتها العامة الاتجاه إلى النزعة الدينية المتطرفة بحثًا عن الراحة النفسية والخلاص ‏من مشاعر الذنب؛ وذلك لتأثرها بالتزمت والرجعية والمغالاة في اتجاهات الأسرة، أما السمات الدينية للمراهقة ‏العدوانية المتمردة فتتضح في الحملات ضد رجال الدين وربما إعلان الشكوك الدينية، وأخيرًا تكون أخطر ‏أنماط المراهقة، وهو نمط المراهقة المنحرفة، والتي تتسم بالجناح والسلوك المضاد للمجتمع والانحلال الخلقي ‏التام‏‏.

وهكذا ندرك من تحليلنا لأنماط المراهقة أثر الدين على التوافق النفسي للمراهق، وهو الأثر الذي يستمر ‏للدين في مراحل الحياة التالية للمراهقة؛ إذ يُحقق الدين التوافق النفسي الصحيح الذي يسعى الفرد إلى بلوغه ‏خلال مراحل حياته؛ فقط لو كان نمط التدين صحيحًا.‏ إن المتطرفين غالبًا ما يبررون أفعالهم في أغلب الأحيان على خلفيات أيديولوجية أو دينية محتجين ‏بأنهم يردون على خطأ أعظم أو يروجون لشيء أعظم. وترى الكاتبة أن النشوء في بيئة يُمجد فيها التشدد ‏وتتم صياغة الشعور الديني لدى الأفراد منذ صغرهم بشكل خاطئ هو من العوامل الرئيسية المسهمة في ‏نشأة وتطور التطرف.‏

2- الرغبة في التميز

ورد عن سيدنا علي بن أبي طالب أنه قال: "قسم ظهري اثنان عالم فاسق، وجاهل متنسك".

والرغبة في التميز هي غريزة إنسانية توجد لدى كل البشر، ترتبط بتحقيق وتقدير الذات والثقة ‏بالنفس، كما تعد تلك الرغبة دافعًا لكثير من السلوكيات الإنسانية التي يمكن تفسيرها في ‏ضوئها. هذا لا يعني أن تكون تلك الرغبة هي الدافع الوحيد وراء السلوكيات نفسها لدى جميع ‏من يسلكونها، فقد تتشابه السلوكيات الإنسانية وتختلف الدوافع إليها، وهذا أعقد ما يخص سلوك ‏الإنسان.‏

وتتعدد المجالات التي يمكن أن يكون الشخص متميزًا فيها، بتعدد ميول البشر واتجاهاتهم ‏وظروفهم وشروطهم، التي تخلقها لهم بيئاتهم الصغيرة، بل ومجتمعاتهم الكبيرة أيضًا.‏

يذكر بوست (2007) أن هناك عددًا وافرًا من الدوافع الفردية لممارسة الإرهاب؛ فهي بالنسبة للبعض، ‏إعطاء‎ ‎شعور بالقوة لمن لا حول ولا قوة لهم؛ ‏واكتساب شعور بالأهمية هو دافع آخرين غيرهم‎.‎

فرغم كونها غريزة إنسانية لا يفتقدها إنسان، ويمكن اعتبارها سرًا من أسرار التفرّد الإنساني، إلا ‏أن الرغبة في التميز تتحول لدى بعض الناس إلى هوس يؤدي إلى سلوكيات قد تدمرهم على أصعدة كثيرة ‏مادية ومعنوية؛ أهمها التطرف، خاصة وكثير من السلوكيات المتطرفة، هي سلوكيات ‏متاحة ومجانية، ولا تكلف من يقوم بها شيئًا، كالتشدد الزائف وإظهار الكراهية للمخالف، مما جعل تلك السوكيات تنتشر في كل الثقافات الفرعية في مجتمعنا، فلم تميز بين الأغنياء ‏والفقراء، والمثقفين والجهلاء، إضافة للانضمام لجماعات متطرفة، ثم ما يلي ذلك الانضمام من التعصب ‏لتلك الجماعة.‏

فالرغبة في التميز تفسر وترتبط بانضمام بعض الناس –بل الكثيرين منهم- إلى الجماعات الدينية، بينما يكون ‏سلوكهم متنافي تمامًا مع الدين، مما يجعل خبر انضمامهم لتلك الجماعات صدمة بكل ‏المقاييس لمن يعرفونهم عن قرب، ولكنهم لا يدركون الدافع الحقيقي وراء هذا السلوك ‏المستغرب من هؤلاء، وأن الأمر لا يعدو رغبة في الانتماء لجماعة تكون لها الغلبة الفكرية ‏والنجاة الأخروية أكثر مما هو إيمان حقيقي بمعتقداتها،‏ فانعزال المتطرفين في جماعة يُظهِر -وكذا يُنمِي- رغبة أعضائها في التميز عمّن سواهم، لحاجة كل منهم إلى الشعور بأنه يحتل مركزًا مرموقًا ‏بين الآخرين، أو الشعور أنه أفضل‎ ‎من الآخرين. أعرف كثيرين جُل ما يعنيهم هو إثبات حديث الفرقة الناجية، بما فيه الفقرة الأخيرة المختلف ‏حول صحتها، وإقناع نفسه والآخرين أنه منها!

وكثير من المتطرفين –خاصة شديديّ التطرف منهم- لمن يعرف حقيقتهم لهم وجه آخر يخفونه خلف تشددهم الزائف، قد يسمح لهم باقتراف كبائر الذنب، مما لا يجرؤ المؤمن البسيط الذي يراهم شيوخًا على مجرد التفكير في اقتراف مثله؛ وتكون صدمته عظيمة فيهم عندما يُكشف عن هؤلاء المتألهين القناع.

هذا ويلعب التعزيز دوره في تقوية تلك الرغبة في التميز، وهو ما يركز عليه المروجون للجماعات الدينية، بل ويمكن استخدامه لإقناع الأعضاء بالانتقال من المشاركة في المظاهرات السلمية إلى القيام بأعمال عنف.

وكما سبق ‏وأوضحنا أن هؤلاء المروجين يسعون إلى تحويل تلك الغريزة الطبيعية إلى حالة من الهوس ‏المرضي الذي يؤدي إلى رفع المستوى الظاهري للثقة بالنفس لدى الفرد، وإن كانت الحقيقة ‏عكس ذلك تمامًا؛ فتحقيق التميز الزائف عن طريق الانتماء لجماعة يُدعى كونها مميزة أو ‏ليس للفرد دور في تميزها إنما يداري الإحساس بالفشل وافتقاد القيمة التي يعاني منها الشخص ‏على المستوى الفردي، فالرغبة الزائفة في التميز فيما لا يعد تميزًا من الأساس إنما هو ‏تعبير عن عدم الثقة في النفس وليس الثقة فيها، ويعد أسلوبًا من أساليب خداع الذات ‏وتعويض النقص ينبغي أن يتغلب عليه الفرد وأن يبحث عما يمكن أن يجعله يتميز حقيقة لا ‏زيفًا.‏

3- النرجسية والكبر

تختلف النرجسية عن الرغبة في التميز، فالنرجسية تعني حب النفس، وهي اضطراب في الشخصية، حيث تتميز بالغرور والتعالي ‏والشعور الزائد بالأهمية. والمستويات العالية من النرجسية تجعل الشخص يميل لإعطاء قيمة ‏عالية لأفعاله وآرائه ظانًا منه أن كل ما يصدر عنه عظيم التأثير في كل من يتعرض له.‏ وهو يرغب أن ينال إعجاب الجميع، كما أنه يفتقر إلى التعاطف مع الآخرين.

ومن سمات المتطرفين دينيًا اغترارهم بعقيدتهم وعملهم واعتقادهم امتلاك مفاتيح الجنة، وأن غيرهم ممن يخالفونهم فكريًا وعقديًا لا شك أقل قدرًا عند الله –هذا في أفضل الأحوال-، بل ويصل بهم الأمر إلى الاقتناع بأنه لولاهم ولولا جماعتهم لضاع الإيمان من الأرض، وأنهم الذين يُعقد عليهم إعادة أمجاد الإسلام.

تذكر ميا بلوم (2008) أن "بعض علماء النفس يرون أن الإرهابيين يعانون عادة من "التضرر النرجسي"، وهو ‏أساسًا‎ ‎تضرر دائم للصورة التي يحملونها عن أنفسهم ولاحترامهم لذاتهم، يكون شديدًا إلى حد‎ ‎إرغام الذات ‏المرفوضة على السعي إلى "هوية إيجابية" جديدة (أي إحراز إحساس‎ ‎‏"بالانتماء" كعضو في جماعة إرهابية)"أهـ. ‏أي أن التضرر النرجسي على المستوى الفردي يكون سببًا في الالتحاق بجماعة متطرفة تغذي النرجسية الجمعية للمتطرفين، مما يتيح للفرد الفرصة لاحتقار البعض ممن هم خارج الجماعة، والتعالي ‏عليهم، وإشباع حاجته إلى الشعور بأنه أفضل‎ ‎منهم.

كما أن النرجسي لديه دائمًا مشاكل في التمييز بين ذاته وبين الآخرين، ويرى في نفسه تشابهًا –قد ‏يكون متوهمًا- بينه وبين من يعجبه منهم، وهو ما لاحظته الكاتبة في المتطرفين حيث ينتقي كل منهم شخصية تاريخية، ويحددها كمثل أعلى ويتوهم تشابهه معها، ويؤثر ذلك في سلوكه أعظم تأثير.

4- الاندفاع الوجداني

يتسم المتطرفون بوصولهم لأقصى درجة في التعبير الانفعالي إزاء المواقف التي يتطرفون معها أو ضدها، وعدم قدرتهم على التوسط في انفعالاتهم أو تحكيم العقل، فيحبون لأقصى درجة ويكرهون لأقصى درجة، ويوافقون لأبعد مدى وكذا يعارضون بشدة. وترتبط تلك السمة بشدة بسمة التعصب.

إننا أمام أشخاص يعانون من الشعور بالنقص، وعدم الثقة في النفس، مما يجعلهم سريعيّ التوتر، شديديّ الاندفاعية الوجدانية، ويفتقدون القدرة على ‏ضبط الذات.

5- الانقياد

نظرًا لأن المتطرف دائمًا ينضم لجماعات دينية فلا بد أن يكون على الاستعداد لقبول فكرة الطاعة العمياء للقائد أو الأمير، وأن يكون مقتنعًا بفكرة الإمارة والخلافة، وعلى استعداد لتنفيذ أي مهمة توكل إليه حتى لو عرَّض حياته أو حياة الأبرياء للخطر؛ فالمتطرف هو شخص انقيادي فقد استقلاليته التي تم القضاء عليها من لحظة انضمامه للجماعة، حتى أنه لا يمكن تفسير تصرفاته بدقة في ضوء ‏مبادئ علم النفس الفردي، بل ينبغي الاستعانة بمبادئ علم النفس الجمعي لتفسير تصرفاته وتصرفات الجماعة ككل.

ويمكن القول إن الانقياد الذي يظهره المتطرفون نحو قيادتهم هو حالة خاصة من اضطراب الشخصية الاعتمادية؛ فالاعتمادية هي اضطراب "فقد الذات"، ويتوقف إحساس المتطرف بقيمته بقدر التضحية، التي قد تكون مبالغًا فيها، لأجل الجماعة التي يستمد قيمته منها. أما الحصول على السمع والطاعة في المقابل فيناسب الشخصية النرجسية، ويوفر لها ما ترغب فيه من شعور بالأهمية.

وعلى العكس من المنقادين فإنه عادة ما تبرز شخصيات استقلالية من بين المتطرفين، إما أن يسعفهم ذكاؤهم ليصبحوا من قادة الجماعة، أو يقعوا في صدام مع القادة وقد ينشقوا عنهم. وعادة تحاول الجهات الأمنية استغلال هؤلاء ممن يبرزون الاستقلالية لشق صفوف الجماعات المتطرفة من الداخل.

6 – الرغبة في الانتقام نتيجة الإذلال والاضطهاد

في كتابه "العالم بدون تغيير" جادل فريدمان ‏‎(Friedman, 2005)‎‏ بأن الناس لديهم تقدير ‏غير كاف ‏للدور الذي يلعبه الإذلال في الإرهاب.‏

كذلك يذكر جيرولد بوست (2007) أن الانتقام قد يكون هو الدافع الرئيسي لممارسة الإرهاب ‏بالنسبة‎ ‎للبعض‎.‎‏

ويؤكد سعيد عبد الله حارب (د.ت) أن للإرهاب أسبابًا أبرزها إحساس الإنسان بالإذلال ‏والقهر،‏ ‏والإحباط واليأس من إحداث التغيير بالحسنى؛ مما يولد العنف ويلغي سيطرة العقول على ‏العضلات؛ فتنطلق ‏كالثور الهائج.‏

ويرى جون هورجان (2008) أن التجارب الشخصية الحقيقية أو ‏المتصورة في مجال الاضطهاد، أو ‏الارتباط العاطفي الوثيق بقضية، تكون متعلقة عادة بمجتمع مضطهد، هي من أهم ‏العوامل المسبقة التي ‏تجعل المرء مهيئًا‎ ‎للانخراط في الإرهاب. ‏

على سبيل المثال، يذكر لانجيليت وشوج ‏‎(Langelett & Schug, 2004)‎‏ أن من أهم ‏الأسباب التي أسهمت ولا ‏زالت تسهم في تأسيس مشكلة الإرهاب –كما يسميانه- في الشرق ‏الأوسط، هو تقسيم فلسطين عام 1948، ‏مما يجعل سلوك الناس في منطقة الشرق الأوسط يبدو ‏لغزًا بالنسبة للعديد من المراقبين الغربيين، ويجعل ‏المشاهد الوحشية وأعمال العنف تنتشر فيها بلا ‏شعور.‏

كذلك لا يغفل أوبراين ‏‎(O'Brien, 2004)‎‏ حدوث انتهاكات في سجن أبي غريب بالعراق ‏وقاعدة ‏جوانتانامو بكوبا، وأن الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من توقيعها على اتفاقيات جنيف ‏الأربع، التي تمنع أي ‏نوع من الإجبار أو التعذيب الجسدي أو النفسي أو أي معاملة لا إنسانية ‏لأسرى الحرب، فإن اتفاقيات جنيف ‏لم تُطبق فيما عُرف باسم "الحرب على الإرهاب" التي شنتها ‏إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن. ‏ولقد كان من دواعي معارضة اعتبار استعمال ‏‏"التعذيب" كطريقة استجواب هي اعتبارها منحدرًا زلقًا يمكن أن ‏يؤدي إلى العديد من الانتهاكات ‏الأخرى.‏

وقد تنبأ يو وكيم ‏‎(Yoo & Kim, 2002)‎‏ بأن الإرهاب الانتحاري وحرب أمريكا ضد أفغانستان، ‏والتوتر ‏التابع في الشرق الأوسط من شأنها أن تخلق نزاعات بين جماعات مختلفة متعارضة ‏الاهتمامات والمصالح.‏ وقد رأينا تحقق ذلك بأعيننا في الجماعات المسلحة التي ظهرت في السنوات الأخيرة في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، وعلى رأسها داعش.

وتفسر الكاتبة السبب وراء ذلك بأن التطرف يساعد الفرد على التخلص من مشاعر الكراهية المكبوتة تجاه من قام بالاضطهاد، فهو يستخدم حيلتيّ الإزاحة والإبدال للدفاع عن النفس، وعمن نحبهم، ممن تعرضوا للاضطهاد؛ ومن ثم يقل توتره.

وفي هذا المقام يلفتنا ايلشتين ‏‎(Elshtain, 2003)‎‏ أن هناك ملاحظات لأهمية التمييز بين الإرهابيين ‏وبين المقاتلين ‏من أجل الحرية، والتي تقترح كيفية وصف الناس للهجوم والتي تتعلق بشكل مباشر ‏بكيف يتكلمون عن ‏المهاجمين. وإن كان ينتقد عدم تمييز الناس قتل المقاتلين من الاستهداف ‏المقصود للمواطنين المسالمين.‏

وترى الكاتبة أن ذلك الوصف للإذلال كمنبع أساسي من منابع التطرف والإرهاب إنما ‏ينطبق غالبًا ‏على المقاتلين من أجل الحرية، وليس الإرهابيين الحقيقيين، ولكن مع بقاء الوضع ‏العالمي مشوهًا، ولا يتضح ‏فيه التمييز بين الإرهاب والدفاع عن الحريات، ويُكال الأمر غالبًا بنفس ‏المكيال في كلتا الحالتين، استنادًا إلى ‏الأفعال المتشابهة وليس الأهداف العامة الدافعة إلى ‏الانخراط في تلك الأفعال، فإنه يمكننا الإبقاء على هذا ‏العامل كأحد العوامل النفسية الأساسية المسببة للتطرف.‏

وينبغي أيضًا ملاحظة ارتباط هذا العامل كثيرًا ببعض الممارسات الأمنية الخاطئة التي ترتكبها الحكومات ضد بعض المتطرفين فكريًا غير المتجهين إلى العنف أو حتى المتدينين تدينًا وسطيًا، مما يتسبب في انضمامهم إلى ركب المتطرفين.

7- الإحباط

‏الإحباط هو تعرض المرء للحيلولة دون تحقيقه‎ ‎هدفًا أو ممارسة سلوك له أهمية قصوى بالنسبة له.

يجادل العالم النفسي جوزيف مارجولين بأن‎ ‎الكثير من السلوك الإرهابي هو استجابة لإحباط في ‏احتياجات أو أهداف سياسية‎ ‎واقتصادية وشخصية مختلفة. ويضيف الدكتور راندي بورم: إن الصلة بين ‏الإحباط والعدوان قد يكون توضيحًا رئيسيًا لفهم ‏سبب العنف البشري ‏(ميا بلوم، 2008)‏.

ومن ثم أقول: إن الانضمام لجماعة متطرفة يعطي الفرصة لمن ‏يعاني من‎ ‎إحباطات مختلفة للتعبير عن عدوانه الذي ينتج عن هذه الإحباطات. ولقد سبق وأكد فرويد من قديم أن منع الفرد من إشباع حاجاته يزيد من احتمالية إقدامه على العنف.‏

ويذكر عادل الأشول ‏(1987، ص132) أنه عندما يتعرض الفرد لموقف إحباط إما أن ‏يلجأ إلى الانسحاب والانكفاء على الذات، أو يتحول إلى العدوان. وفي حالات كثيرة لا يتم توجيه ‏العدوان نحو مصدر الإحباط؛ إذ ربما كانت إمكانية رد العدوان غير مكفولة لقوة المعتدي أو لغيبة ‏ماديًا (كسلطة الدولة مثلًا)، وهنا يلجأ الفرد إلى إزاحة العدوان إلى هدف آخر بديل تربطه بالمصدر ‏الأصلي للإحباط روابط قد تكون غير واضحة، وقد تكون مستترة إلا على الفرد نفسه، وربما رباطًا ‏غير عقلاني، وهذا يفسر مظاهر العدوان على أعضاء جماعات الهدف حتى من لم يكن منهم ‏مصدرًا للإحباط، مما يُعرف بكبش الفداء ‏Scapegoat، وعلى الرغم من تحويل العدوان إلى كبش ‏فداء فإن الأساس الحقيقي للإحباط لا يُزال ولا يُمحى، وهكذا فإن العداء يتولد بصورة مستمرة ‏ودائمة، ويُعبر عنه نحو جماعة الأقلية.‏

8- التعصب وعدم احترام حرية الفكر والاعتقاد

تعد مشكلة التعصب، وما يرتبط بها من مفاهيم وقضايا ذات صلة، وأهمها التطرف والإرهاب، من أشد المشكلات ضراوة وتأثيرًا على الإنسان، ولقد بذل علم النفس جهودًا واسعة لفهم طبيعة التعصب وأسبابه.

والتعصب هو سبب للتطرف وهو نتيجة له في آنٍ واحد؛ فالتعصب يعني إعطاء أحكام جامدة بالصحة تجاه فكرة ما، كتعصب الإسلاميين لفكرة "الإسلام هو الحل"، الذي اتخذوه شعارًا لهم لفترة طويلة. كما أن انتماء شخص لجماعة متطرفة يعني بالضرورة تعصبه لأفكارها. ويُعِد التعصب الفرد للشعور والتفكير والإدراك والسلوك بطرق تتفق مع اتجاه التعصب.

والتعصب كسمة نفسية يرتبط بسمة عقلية هي الجمود العقلي، فهو يعمي ويصم ويشوه إدراك الواقع، لأنه يقتضي رفض مناقشة أو تعديل الأحكام، أو التعميم غير المصحوب بدليل تجاه فكرة أو جماعة. ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة كافية بالموضوع المتعصب له، وإن كنا نحاول أن نبرره، ويستخدم التعصب كستار لإخفاء ضعف الحكم العقلي بالصحة على الموقف المتعصب له.

وأستطيع أن أقول بأريحية إن أغلب البشر عنصريون ولديهم ما يمكن أن أسميه الهوس بالتفرع الثنائي ‏dichotomania، فهم يحبون التقسيم الثنائي الحدّي فقط. جرّب أن تعرض تقسيمًا ثلاثيًا في أي نطاق وستجد عزوفًا ‏عنه؛‏ فالثنائية تعني الحدّية القطبية. إما أبيض أو أسود، إما مؤمن أو كافر، إما أنك سني أو شيعي، ‏ودائمًا القطب المقابل هو العدو؛ من ليس معنا فهو ضدنا. فالتصنيف الثنائي يكرس للعداوة، بينما تقبل وجود تصنيفات متعددة ثلاثية أو رباعية أو أكثر ‏يمجد التنوع الإنساني، ويصب في النهاية في بحر الإنسانية الذي يوحدهم دون تصنيف، لكن البشر يبحثون عما يقسمهم ويتجاهلون سبب توحدهم "الإنسانية"‏.

والتعصب مرض اجتماعي عضال، وسبب لكثير من الأمراض الاجتماعية، وعلى رأسها التطرف، ولم تنجح كل محاولات علاجه حتى الآن. قرأت مرة مقولة "لقد أصبحت عملية فلق الذرة الآن أسهل من عملية القضاء على التعصب".‏

يُعرِّف عادل عز الدين الأشول (1987، ص ص 120- 121) الاتجاه التعصبي ‏بأنه: "اتجاه يجعل الشخص قبليًا، أو يجعله ميالًا للتفكير والإدراك والإحساس والتصرف بطرق محابية أو غير محابية نحو جماعة معينة، ونحو أعضائها". ويشتمل هذا التعريف على ثلاثة مكونات:

- مكون معرفي: وهي جملة الأحكام المسبقة الأولية التي يكونها الفرد قبل دخوله في موقف تفاعل مع أعضاء جماعة أخرى، مضافًا إليها مجموعة من القوالب النمطية التي كونتها الجماعة الداخلية عن الجماعة الأخرى المتصارعة معها الجماعة الخارجية. وهذه القوالب النمطية تتصف بقدر كبير من الجمود والتعميم والتواتر، حيث تصنف الأفراد وفقًا لخصائص معينة لتعيين هويتهم، ويتفق المدركون على الصفات التي يمتلكها أفراد كل فئة، ويوجد تباين بين السمات التي تنسب وتعزى إليهم والسمات الفعلية التي يتسمون بها فعلًا. كذلك يتضمن المكون المعرفي معتقدات الفرد ومعارفه حول الجماعات الأخرى، والمواقف والأفكار المؤيدة أو المخالفة له.

- مكون انفعالي: وهو جملة المشاعر والانفعالات الموجبة (حب وتعاون وتآلف وإيثار للجماعة الداخلية وأعضائها) أو السالبة (كراهية ونفور وتدابر، وأثره نحو الجماعة أو الجماعات الخارجية المناهضة أو المتصارعة).

- مكون سلوكي: ويقصد به إمكانية التعبير السلوكي عن التعصب من خلال المعاملة التفاضلية أو التباينية أو الطبقية الصريحة لفرد ما بسبب عضويته في جماعة.

ويربط هذه المكونات جميعًا علاقة من الاتساق والتناغم، بحيث أن المعتقدات والانفعالات نحو موضوع ما، أو شخص ما، أو جماعة ما، تحدد إلى درجة كبيرة ما سيكون عليه سلوك الفرد أو الموقف، وعندما يحدث تنافر وعدم اتساق بين أحد هذه المكونات والمكونين الآخرين فإن الفرد يقع فريسة للقلق والاضطراب، مما يدفعه إلى إنكار التعارض أو تعديل أحد المكونات ليتلاءم مع المكونين الآخرين، وهذه النقطة كانت مدخلًا لتعديل الاتجاه التعصبي في العديد من الدراسات.

‏وقد يكون التعصب عرقيًا أو سياسيًا أو دينيًا أو مذهبيًا أو طائفيًا أو طبقيًا. ولا يخفى على أحد الدور الذي يلعبه الإعلام الغربي في إلصاق تهمة التعصب الديني بالمسلمين عمومًا، لتفسير بعض الجرائم الإرهابية التي تمت على يد أبناء تلك الفرقة المتطرفة من المسلمين سواء على أراضي غربية أو في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا لا يلغي حقيقة التصور بأن التعصب الديني والتعصب بوجه عام هو أحد منابع الإرهاب، ومن أهم الأسباب التي تقف وراء العديد من الحوادث الإرهابية في العالم.

يذكر إبراهيم الشافعي (2006، ص 298) أن ‏أغلب الدراسات قد توصلت إلى أن الاتجاه التعصبي هو اتجاه عام، حيث وُجدت معاملات ارتباط دالة موجبة بين درجات الطلاب أفراد العينة في مجالات التعصب موضوع الاهتمام. وقد ساهمت أعمال ملتون روكيش في تدعيم هذا التوجه الذي يرى عمومية الاتجاه التعصبي، حيث يرى أن المعول عليه هو أسلوب اعتقاد الفرد وليس محتوى هذا الاعتقاد، وهذا الأسلوب في تناول المعتقدات بشكل جامد أو مرن، متصلب أو متسامح، عقلاني أو بعيد عن المنطق هو الذي يحدد درجة تعصب الفرد، وهذا الأسلوب هو انعكاس لنسق معتقدات الفرد الذي يميل إلى التناسق والاتساق، مما يفسر لماذا يكون المتعصب في مجال متعصبًا في المجالات الأخرى على وجه الاحتمال. وهذه الرؤية تتفق مع رؤية هارتللي Hartley الذي يرى أن الاتجاه التعصبي العام يعتمد على اتجاه عدائي يكون في البداية نحو موضوع محدد، ولكن يتم تعميقه نحو أعضاء مختلف الجماعات الخارجية، ويستمد أصوله من المحتوى، ويمكن استنتاجه منها، ثم يتحول إلى شكل أو نمط ثابت ومستقر نسبيًا في الشخصية متحولًا إلى سمة مميزة لها، وهذا يفسر عموميته.

9- التشاؤم والانطواء

يذهب بعض الخبراء إلى حد التأكيد على أن معظم المتطرفين هم ممّن يكادون يكونون‎ ‎مصابين بالتوحد أو الانطواء على الذات، وبذلك ينجذبون نحو أيديولوجيات تبسط‎ ‎العالم فاصلة إياه إلى أسود وأبيض، ‏إلى الخير والشر‎.‎ ومن المعروف أن الانطوائي أكثر تحفظًا في وجود الآخرين، ويستمتع بالأنشطة الفردية، واختياره لأقرانه يخضع لتدقيق كبير، ويقوم على قدر كبير من الثقة، وتعمد الجماعات المتطرفة إلى ضمه استغلالًا للثقة التي يضعها في بعض أعضائها، ممن يتقربون إليه؛ بغرض تجنيده وضمه.

ويلاحظ على المتطرفين أيضًا غلبة التفكير التشاؤمي السلبي، مثل: الإكثار من الحديث عن الموت وعذاب القبر ويوم القيامة، كما أن التطرف قد يؤدي إلى مزيد من التشاؤم بسبب تضييق المتطرف على نفسه فيما أحل الله، فتصبح حياته عسيرة بعكس حياة المسلم المعتدل الذي يأخذ من الحياة أطايبها ولا يحرم على نفسه بغير دليل.

كما أدت الظروف السياسية والاقتصادية المتردية في العقود الأخيرة، خاصة بعد ضياع الأمل في التغيير بعد الثورة على نظام مبارك وغيره من الأنظمة العربية الفاسدة، وعدم تحقق أي إنجازات، إلى مزيد من التشاؤم القائم على اليأس من انصلاح الأمور؛ أدى بدوره وسيؤدي إلى مزيد من التطرف.

10- الأنانية وإقصاء الآخرين وسوء الظن بالمخالفين

تُعرف الأنانية بأنها نزعة لدى الفرد لتبني آراء إيجابية نحو ذاته، للدرجة التي تصبح فيها ذاته هي مركز العالم. ويمكن القول إن الإفراط في تقدير الذات والتمركز حولها هو مظهر طفولي طبيعي، ولكنه غير طبيعي وغير صحي في الأكبر عمرًا، الذين من المفترض أن يدركوا مع اضطراد نموهم أنهم جزء من هذا العالم، وليسوا محوره.

والأناني لا يهتم بالقيم كثيرًا، فما يهمه هو إرضاء غروره وتحقيق مصالحه الذاتية وإثبات صحة موقفه، وهذا ما نلحظه في أعضاء الجماعات المتطرفة؛ إذ يسعون إلى الانتصار لجماعتهم بأي وسيلة، سواء دفع الآخرين للتعاطف معهم بالكذب، أو استغلال جهلهم والقيام بغشهم لإثبات صحة موقفهم زورًا، ومن المؤكد أن يلجأوا إلى استخدام القوة إذا ما امتلكوها لحمل الأفراد على الإذعان لهم.

فالمتطرف تمت برمجته على عدم تقبل فكر الآخر والحوار المنطقي معه، ومن ثم هو يقصي الآخر، ولديه شعور عالٍ بالأنانية الفردية والجمعية. والأنانية ترتبط ارتباطًا قويًا بالنرجسية، ويمكن القول إن الأنانية والغرور في إطار الجماعة المتطرفة هي شكل خاص من أشكال النرجسية الاجتماعية.

فتشاؤمهم على المستوى الشخصي، إضافة لأنانيتهم ونرجسيتهم الاجتماعية ينعكسان على نظرتهم للآخرين ممن لا ينتمون لجماعتهم، فيسيئون الظن بهم ويركزون على سيئاتهم وقد ينكرون حسناتهم، فنراهم يشمتون حتى في موت من يرونهم عبادًا عصاة، وتعليقاتهم على وسائط التواصل الاجتماعي حقًا صادمة. ويسترعي الانتباه أن لديهم اضطرابًا معممًا نحو الآخرين فيكونون رأيًا سلبيًا موحدًا تجاههم. ومن ثم ينشأ التطرف عن هذا الإقصاء للآخرين على مستوى الفرد والجماعة وعدم تقريب وجهات النظر.

ويمكن تفسير كثير من سوء ظنهم الدائب والدائم بالآخرين على أنه رغبة منهم في التخلص من مشاعر الإثم‎ تجاه ما يرتكبونه من أخطاء، فيلجأون إلى إسقاط هذا الإثم على الآخرين.

11- الغلظة في التعامل

يختلف الناس ما بين سمحاء ومتذمرين. ومن الصعب أن يتحول الشخص الهيّن الليّن إلى متطرف، فيلزم للتطرف قدر عالي من الغلظة، يبرر لها المتطرفون بأنها غيرة منهم على حرمات الله، وأنهم لا يستطيعون التساهل فيها، وتقتضي منهم مكافحة الفساد والابتداع في الدين، الغلظة مع المفسدين المبتدعين، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أرفق الناس وأحلمهم، لم يكن يغضب لانتهاك محارم الله! يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

ويحتجون بآية ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏﴾ [التحريم: 9]، ويتناسون أن مثل تلك الآيات التي أمر الله تعالى فيها بالغلظة على الكفار كانت في حال القتال، وينسون سيرته عليه السلام وأحواله مع هؤلاء الكفار والمنافقين، كما ينسون أنه عندما بعث الله موسى وهارون عليهما السلام إلى شر أهل الأرض، قال لهما تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى‏﴾ [طه: 44]. بينما هم يغلظون على عباد الله، وينفرونهم، حتى لو كانوا على صواب في بعض المسائل.

12- بعض الاضطرابات النفسية والذهانية

يذكر جيرولد بوست (2007) أن هناك افتراضًا واسع النطاق بأن صفوف الإرهابيين مليئة بالأفراد ‏المصابين باضطرابات‎ ‎نفسية خطيرة؛ فمن سوى شخص متعصب جن جنونه، سيقتل ضحايا أبرياء باسم ‏قضية ما،‎ ‎وسيصبح بملء إرادته قنبلة بشرية؟‎ ‎ولكن الواقع هو أن الرأي الإجماعي للجنة الخاصة بالجذور ‏النفسية للإرهاب، والتي‎ ‎تم تنظيمها للقمة الدولية حول "الديمقراطية والإرهاب والأمن" التي عُقدت في مدريد في‎ ‎شهر آذار/مارس 2005، هو أن البحث في علم الأمراض النفسية الفردية لفهم سبب انخراط‎ ‎الناس في التطرف و‏الإرهاب عملية محكوم عليها بالفشل المحتّم، وأن التفسيرات على مستوى علم‎ ‎النفس الفردي غير كافية، وفي ‏الحقيقة فقد خلصت اللجنة إلى أننا لن نكون مبالغين إن نحن جزمنا بأن الإرهابيين‎ ‎أشخاص "طبيعيون" ‏نفسيًا، من حيث أنهم ليسوا ذهانيين إكلينيكيًا، وهم ليسوا مكتئبين، ‎وليسوا مصابين باضطراب عاطفي شديد. والواقع أن‎ ‎الجماعات والمنظمات الإرهابية تعزل من بين صفوفها ‏الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات‎ ‎عاطفية، والذين يمثلون مخاطرة أمنية. ‎

لكن بالرغم من صحة ما ذكره بوست بوجه عام، فإنه إضافة للسمات النفسية السابق عرضها فقد تؤدي بعض الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب إلى التطرف، ويكون التطرف محاولة لتحويل اتجاه الصراع من داخل النفس إلى صراع مع المجتمع.

كذلك فإن الإصابة بالبارانويا (جنون العظمة) قد تؤدي للتطرف. والبارانويا هو مرض عقلي، يسيطر فيه على المريض مجموعة من المعتقدات غير المنطقية المتمركزة حول أوهام، يصير مقتنعًا بها، لدرجة أن يقتنع أنه مضطهد من الآخرين؛ كونه شخصًا مهمًا؛ ولكونه شخصًا مهمًا فإن بإمكانه توجيه الناس وإرشادهم، وإن لم يستجيبوا له فله أن يقهرهم.

وقد تمثل بعض الاعتقادات المتوهمة ذات الصبغة الدينية خطرًا على الشخص، أو تؤدي بالضرورة إلى التطرف، كاعتقاد الشخص أنه مجدد القرن، أو أنه المهدي المنتظر، أو أنه المسيح، أو أي حالة من حالات ادعاء النبوة، وأحيانًا يكتم الشخص هذا الأمر لكنه يتصرف على أساسه. محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية كمثال، كان يُطلق على حركته مسمى "دعوة"، وكان يعتبر من عداه هو وأتباعه من المسلمين "مشركين"، وكان يستحل قتالهم باسم "الجهاد"، ويسمي حروبه معهم "غزوات"، ويأخذ نساءهم تحت مسمى "السبي"، وكان يرسل أتباعه لتحطيم قباب القبور مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما حطم الأصنام وأرسل من يحطمها.

13- خلل منظمات النفس الثلاث

حدد سيجموند فرويد ثلاث منظمات للنفس الإنسانية، وقرر في ضوء نظريته أن الشخصية الفردية هي نتاج تفاعل تلك المكونات الثلاثة. هذه المكونات هي: (الهو/الهي- الأنا- الأنا الأعلى).

- الهو/الهي: وهو مستودع الغريزة، والرغبات، والحوادث والذكريات التي لم يتم إشباعها في الواقع بفعل القيم والمعايير الاجتماعية. وهو أعمى من الوجهة الاجتماعية، فليس بينه وبين العالم الخارجي صلة مباشرة، ولا يميز بين ما هو صالح وطالح، بل ولا يعنيه التمييز، فهو يسير وفق مبدأ اللذة.

- الأنا: وتمثل الجهاز التنفيذي للشخصية، الذي يتعامل مع الواقع الخارجي وتعمل بمقتضى مبدأ الواقع. وهذا لا يعني أن الأنا تنكر إشباع الرغبات الغريزية الصادرة من الهو، بل تشترط أن يكون هذا الإشباع متسقًا مع القيم والمعايير الاجتماعية.

وتتولى الأنا وظيفة التوفيق بين مطالب الهو ومتطلبات الواقع الخارجي، فكأنه جهاز له عينان؛ عين تطل على الغرائز ورغبات النفس، وعين تطل على معايير المجتمع الخارجي، ثم العمل على التوفيق بينهما في وقت واحد.

- الأنا الأعلى: وتتكون نتيجة احتكاك الفرد وتفاعله مع البيئة الاجتماعية، من خلال الأوامر والنواهي التي يتلقاها الطفل عن والديه، ثم الآخرين ذوي السلطة في المجتمع، وتسير وفقًا لمبدأ ما يجب أن يكون (مبدأ المُثل).

ومع تكون الأنا العليا لدى الفرد منذ طفولته لا يحتاج إلى رقابة خارجية من الآخرين على سلوكه، حيث تقوم الأنا العليا بمهمة الرقابة والضبط على السلوك، فهي تمثل القانون في غياب القانون، وهي الشرطي في غياب رجل الشرطة.

ومن ثم، فشخصية الفرد تتجلى وفقًا للمنظم النفسي المتحكم فيها:

- فمن يحكمهم الهو لا يعبأون بقيم الأنا، ولا مبادئ الأنا الأعلى، ويرغبون فقط في تحقيق رغباتهم وغرائزهم دون وازع.

- ومن يحكمهم الأنا الأعلى يبدو للوهلة الأولى أن سلوكهم أخلاقي، ولكن غالبًا تنشأ عندهم عقدة الشعور بالذنب، وعندما يسلك الفرد بشكل يخالف الأنا العليا يتولد لديه عندئذ الشعور بالذنب، وهذا ما يدفع بالفرد إلى العصاب النفسي.

(فالأنا العليا) عندما تكون قاسية شديدة يكون الفرد من غير الأسوياء، وكذلك عندما تكون ضعيفة متساهلة تسمح (للهو) بالسيطرة، ويبدو هذا في كثرة الآثام والجرائم وكسر القوانين.

- وكلما كانت (الأنا) قوية لدى الفرد، وتمتلك مقدارًا كبيرًا من الطاقة النفسية، أصبح الفرد قادرًا على التغلب على مشاكله، والتكيف مع البيئة التي يعيش فيها. أي أنه بمقدار قوة الأنا واتزانها تتكامل الشخصية.

باختصار، فالمفترض أن تحكمنا الأنا مع بعض سيطرة للأنا الأعلى، وتسمحان معًا بتحقيق رغبات الهو بشكل يتوافق مع قيم المجتمع ومعاييره والمُثل، لكن لا تسمحان لها بأن تحكم الشخصية وإلا أصبح الشخص مجرمًا يخرق القوانين ولا يعبأ بالمبادئ الأخلاقية، كما من المفترض ألا تسمح الأنا للأنا الأعلى بالسيطرة التامة على الشخص وإلا فقد السواء أيضًا، وصار من مهاوييس المتطرفين المتنطعين. وهذا الخلل النفسي مردُّه دائمًا إلى أساليب التربية الخاطئة.

ولا بد من التأكيد على أن أيًا من هذه العوامل التي أسميناها عوامل الخطر، لن يساعد بمفرده في توضيح سبب تحول الناس إلى إرهابيين، إلا أنها تقدم عند أخذها مجتمعة إطارًا عامًا قويًا لفهم سبب انخراط شخص ما بالإرهاب وعدم إقدام شخص آخر على ذلك.

بوجه عام من ينضم للإرهاب؟

تذكر كرينشو (Crenshaw, 2001) أن الإرهاب ليس عنفًا كتليًا أو جماعيًا، لكن بالأحرى نشاط مباشر لمجموعات صغيرة. على أية حال، وبشكل موثوق به، فإن هذه الجماعات –حتى إذا كانت مدعومة من قبل منظمة كبيرة أو حزب سياسي- يكون عدد الفدائيين النشطين الذين ينضمون للإرهاب بها صغير. هذه القلة ربما تُعزل من المجتمع الأوسع. من ناحية أخرى ربما تتصرف كفرع متطرف لحركة اجتماعية أكبر. علاوة على ذلك فإن بعض الحكومات ووكلاءها يمكن أن يزاولوا الإرهاب سواء لقمع معارضة محلية أو لأغراض دولية بشكل أكبر.

بينما تشير موسوعة ويكيبديا Wikipedia إلى أن الإرهاب قد تم مزاولته من قِبل صف واسع من المنظمات السياسية لتعجيل أهدافهم؛ لقد تم مزاولته من قِبل كل من الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية، والمجموعات القومية، والمجموعات الدينية، والثوريين، والحكومات القائمة. وأن الأعمال الإرهابية يمكن أن تُنفذ بواسطة أفراد أو مجموعات، وعلى أية حالة، فالصورة الأكثر شيوعًا للإرهاب هي أنه يُنفذ بواسطة خلايا صغيرة وسرية عالية الدافعية لخدمة سبب معين، والعديد من العمليات الأكثر قتلًا مثل تفجيرات 11 سبتمبر وقنابل قطار الأنفاق في لندن خُططت ونُفذت من قِبل مجموعة متقاربة مكونة من أصدقاء مقربين، وأفراد عائلة وشبكات اجتماعية قوية جدًا. هذه المجموعات استفادت من تدفق المعلومات المجاني والاتصالات الكفؤة للنجاح، بينما فشل آخرون.

وتضيف كرينشو (Crenshaw, 2001) أن التنظيم الذي يستخدم الإرهاب ربما يعرِّف الإرهاب كحرب لكسب اعتراف سياسي ومنزلة، واللذين تباعًا يمكن أن يمنحا شرعية تقاومها الحكومات. إن القول بالارتباط في حرب هو تبرير للإرهاب، بالإضافة إلى أنه ادّعاء بالمنزلة القوية، وبقدر ما تكون المجموعة أصغر وأكثر محدودية –على ما يبدو- بقدر ما زادت احتمالية أن تدعو نفسها جيشًا. وبما أن لفظيّ "إرهاب" و"إرهابي" يحملان تضمين نفسي سلبي قوي، فإن الإرهابيين نادرًا ما يُعرِّفون أنفسهم هكذا، وبشكل نموذجي فإنهم يستخدمون مصطلحات تلطيفية أو مصطلحات خاصة بموقفهم مثل الانفصالي، أو المحارب من أجل الحرية، أو المحرر، أو الثوري، أو الحارس، أو شبه العسكري، أو الفدائي، أو الثائر، أو المجاهد، أو أي كلمة ذات معنى مماثل في اللغات والثقافات الأخرى مثل المجاهد والفدائي، والتي تعد كلمات عربية دخلت إلى القاموس الإنجليزي.

التأثيرات النفسية للإرهاب

تنشأ عن الإرهاب بعض التأثيرات النفسية الهامة؛ تذكر موسوعة ويكيبديا Wikipedia أن الهجوم الإرهابي يُنفذ بطريقة تزيد شدة وطول التأثير النفسي؛ ذلك أن كل عمل إرهابي هو "أداء" اُبتكر ليكون له تأثير على العديد من المشاهدين. الإرهابيون يهاجمون أيضًا رموزًا وطنية لإظهار القوة، ولمحاولة هز مؤسسة البلاد أو المجتمع الذي يعارضونه، وأن هذا قد يؤثر سلبًا على الحكومة، بينما يزيد سمعة المنظمة الإرهابية و/أو العقيدة وراء العمل الإرهابي‎‏.

كما تذكر كرينشو (Crenshaw, 2001) أنه ومن بين الأنماط المنظمة والمنظمة من العنف المدني أو الدولي يبرز الإرهاب بقيمته الرمزية والمعبرة العالية؛ ذلك أن التناقض بين سرية التخطيط ورؤية النتائج يجعلانه صادمًا بشكل أكبر، وقد يكون حقيقيًا أن المشاهدين يردون بكل من الإعجاب للتجاسر والاشمئزاز؛ للوحشية اللذين يشتمل عليهما الإرهاب.

وللإرهاب تأثيره على الأطفال والعائلات في جميع أنحاء العالم، خالقًا طلبًا لخدمات صحة عقلية موجهة نحو مساعدة الأشخاص الذين يتحملون المشاعر السيئة بعد الهجمات الإرهابية ‎(Aricak et al., 2008)‎‏.

والمتطرف الذي ينتقل إلى مرحلة العنف لا تعنيه الأزمات النفسية التي تحدث للناجين من الإرهاب ولا لأسر الضحايا، ولا يعنيه دماء الأفراد فهم كفار، وأسوأ ما في الأمر أن تلك المذابح تُرتكب باسم الدين ولإرضاء الله! كما أنه لا يعنيه تدمير بنية المجتمع الكافر لأن الهدم ضرورة على المستويين المادي والمعنوي لإعادة البناء من جديد وفق اعتقادات الجماعة.

ويبقى الأسوأ من عدم الاعتراف بقيم وآراء الآخرين هو محاولة فرض الرأي المتطرف بالقوة. وعند هذا الحد تقريبًا لا يمكن أن تتقاعس دولة عن التصدي للتطرف.

لقد أصبح الإرهاب يعد الآن ظاهرة عالمية، مناظرًا لحالة حرب تؤثر على البشر في جميع أنحاء العالم. وأرى أن دورنا كمربين وعلماء نفس وعلماء اجتماع، يتعاظم في التعامل مع هذه الظاهرة من خلال بحث العوامل التي ساعدت على بروز هذه الظاهرة، والمبادرة بعلاجها علاجًا جذريًا بشكل مخطط ومدروس، وتعليم أبنائنا من أجل أن ينشأوا النشأة الصحيحة التي تبعد عنهم خطر الانغراس في الإرهاب.

 

د. منى زيتون

 

 

مجدي ابراهيموحيث يُرَاد لنا طرح هذا السؤال: ولماذا أختص الصوفية دون غيرهم باستنباط التفسير الإشاري وكيف فهموا دعائمه ممثلةً في ذاتيته الخَاصَّة به وحده، توجد فيه ولا توجد في سواه؟

فإنَّا نجيب من واقع تلك التجربة الروحيّة الحيّة يعيشها الصوفي مع القرآن؛ ففي الواقع أن التصوف يستمد أصوله من شدة التأمل في الآيات القرآنية؛ والعمل بها، واستنباط معانيها فضلاً عن استبطانها ومعايشتها من الداخل واستنطاق الخفي منها؛ فما من موضوع من موضوعاته إلاّ ويرتكز على فهم خاصّ للآيات القرآنية.

يظل الصوفي على الدوام شاعراً بكل حرف من حروف هذا الكتاب العظيم، وبمقتضى قوته الإيمانية يستطيع أن يتحسَّس معانيه عندما يتلوه بتروٍ، وهدوء، وصفاء، وطمأنينة. يُكْثرُ من ترديد آيات الكتاب المبين ترديداً ينقله من حال إلى حال، وفي كل تلاوة صعود في معراج، وفي كل ترديد حضور مع الله. لا يتلو القرآن على غفلة؛ لأن الغفلة عنده تحجب "اللحظة": لحظة غيبته عن الكُلِّ وغيبة الكُلِّ عنه، وتوحُّده مع الكُلِّ وتوحُّد الكُلِّ معه؛ إنها للحْظةٌ من أرقى اللحظات تعرفها القلوب ساعة أن تكون مع كلام الله شاعرة حيّة بخطابات التأنيس.

لا يتلو القرآن على غفلة ولكنه يردده تدبّراً وتفكراً وحضوراً، يستشعر حلاوته ويستحضر إيحاءاته ويتلون في أحواله بتلون الواردات عليه، ومع كل معنى يرد عليه يظل الصوفي في حالاته عارجاً إلى إصابة المعاني الداخلية فيه، مستشعراً آفاقه وأجواء المعاني فيه، قاصداً غاياته العلويّة ومراميه الباطنة، وهو في ذلك كله على يقين من أنه لا يستطيع أن يصل إلى معنى واحد من تلك المعاني الفياضة عليه مواهب ومنناً لدُنِيَّة بغير معونة الله، وبغير فتح من عند الله.

يجلس الصوفي مع الله على بساط الفكرة فيه وفي آياته، يرددها من دخائل روحه وبواطن ضميره، ويتعمق آفاقها الروحيّة المتسعة بسعة الله وعلمه؛ إذْ القرآن كلام الله، والله واسع عليم، فالصوفي ينهج منهج القُرْبة من الله فيتقيه، ففي تقوى الله علوم، وعلوم التقوَى تفاضُ فيضاً من فضل الله من طريق العناية والموهبة والتوفيق.

شَرْطُ الفتوح في القرآن كما قلنا فيما تقدّم هو التخلي عن الدعوى النظريّة، الفكرية والعقلية، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والإدعاء؛ إذْ الجلوس مع الله على بساط الأدب ثم المراقبة يمضي بالمرء إلى التهيؤ لقبول ما يَردُ عليه من الحق حتى يكون الله هو الذي يتولى تعليمه على الكشف والتحقيق.

أي نعم! الله هو الذي يتولى تعليمه (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله). وهل نعيد هنا كلمات ابن عربي لتكون منهجاً لنا حيث قال :" وَنَسْلُكُ طريقة في فهم الكلمة الواردة، وذلك بأن نفرِّغ قلوبنا من النَّظَر الفكري، ونجلس مع الله على بساط الأدب والمراقبة والتهيؤ لقبول ما يَردُ علينا منه حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق".

هذا المنهج ولا شك هو عندي شرط الفتوح في القرآن : التخلي كما قلنا عن الدعوى الفكريّة والعقليّة، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة  والادّعاء. منهج الصوفي هو التقوى: (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله).

وكلما وصل إلى معنى منها أو إلى أفق، أزداد يقيناً في تجربته مع الذكر الحكيم بصواب منهجه في التلاوة وطريقه في التعبّد واستنباطاته للإشارة. قراءة القرآن لا تخلو منها تجربة الصوفي؛ إذْ القرآن أصل أصيل في أركان هذه التجربة .. ثم ماذا..؟

يمضي الصوفي ليزاد يقيناً، وكلما كثر مَضَاءَهُ في الفهم وزاد ترديده الباطني لآيات القرآن كثرت بالتالي - من طريق الفتح الإلهي - فيوضات المعاني الواردة عليه وزادت، واتسعت أمامه طرق التأويل. وبعد كثرة الترديد في هدوء وصفاء وطمـأنينة وثقة منه بفضل الله بما شاء أن يفهم - وهو لا يفهم إلا بتوفيق من الله - يحاولُ الصوفي أن يفهم الآيات من داخلها لا من ظاهرها، يسبر غوْرَها ببصيرة مفتوحة على الجناب الإلهي، ويستلهم إدراكاتها من ذاته كيما يقترب شيئاً فشيئاً من أجوائها العليا ومراقيها الصاعدة فتجيء الإشارة لفتة نادرة صافية رائقة متألقة. هذا هو الشعور الديني العميق يستوحيه بل يعايشه كل مؤمن بالله؛ على ديدن اليقين والطمأنينة القلبية، الإيمان المطلق غير محدود.

الصوفي الحق، أو قُل العبد الحق، على قناعة تامة بأن الناس محجوبون بألفاظ القرآن وعباراته عن معانيه الخفيّة الباطنة، ومادامت العبارة حاجبة، فإن الإشارة فيه غائبة عن العبارة، وهو من أجل ذلك، يشرع في فهم القرآن كأنه يتلقّاه لأول مرة، كأن لم يسمع به من قبل، ولم يأخذه عن أحد، ولم يقرأه في السابق إلا في تلك "اللحظة" (التي هى دُعامة تأسيسية لعلم الإشارة الصوفية) والتي انفتحت فيها سريرته الباطنة مع ترديد الآيات ترديداً لم يسبق له من قبل، يقرأه وكأنه يتنزل عليه للمرة الأولى، يفهم آيات القرآن لا من كتب التفاسير ولا من شيوخ عليه سابقين، ولكنه يفهمها بفضل من الله ومعونة، يفهمها بصورة إجماليّة بعد طول النظر وشدة التفكير ومواجهتها للشعور الديني لديه، وبعد كثرة الإمعان الدائم في معرفة المعاني الواردة عليه من تلقاء الجلوس مع الله على بساط الفكرة فيه، والتأدُّب في حضرته. هنالك يستقبل الشعور الديني ما يعز استقباله على النظر العقلي الخالص.

وشرط ذلك كله أن يضع هذه القاعدة نصب عينيه :"إنّ حضور القلب هو روح العبادة، وأقلُ ما يبقى به رمق الروح هو هذا الحضور".

هنالك يقوى الصوفي بقوة ما يرد عليه؛ لأنه يستمد هذه القوة من المدد الذي لا ينضُب ولا يغيض، ويقوى تباعاً ذلك التصوف نفسه - كفن من فنون الأدب والأخلاق في الإسلام، وكحياة روحية وأخلاقية فيه - بمثل هاته الطلاقة الروحيَّة التي لا تعرف قيوداً ولا سدوداً، وليست تحدُّها، من بعدُ، حدود عن مطامحها العليَّة وهِمَمَها الطليقة ومراميها العارجة دوماً في مطالب الكمال.

وبفقدان التدَبُّر في الآيات القرآنية، وبفقدان التعمق الباطني في دلالاتها والتأمل في معانيها، وبفقدان الاستغراق الواصب الدائم في أسرارها ومراميها؛ يفقدُ الصوفي حيويته الباطنية وقوته الروحانيّة، ويذهب ليفتش عن وسائل أخرى لن تغنيه قيد أنملة عن تلك الحيوية الروحية التي كان استمدها قبلاً من شدة العكوف على التأمل في آيات القرآن الكريم. وليس أدلُّ على ذلك من ضعف التصوف في القرون الأخيرة، لقد كان ضعفاً مردَّه إلى فقدان الخصوصية الروحيّة التي تقود إلى معرفة الله من طريق التأمل في آيات القرآن، واستبدالها (أي هذه الخصوصية الروحيّة)؛ بأساليب من التحليق والتطويح والدروشة، والتعلق بالأشخاص وتقديس المخلوقين ونسيان الخالق، بعد الغفلة عن كتابه وذكر آياته ذكر تبتل وانقطاع.

إن اصطناع الوسائل المُوصلة إلى الله أمرُ لا يغني فتيلاً عن التمسك بفهم كتابه عن طريق المجاهدة فيه وبذل الطاقة في استحضار معانيه والتفكير فيه باستمرار وصرف النظر البصير إليه في كل حال، وإحالة كل ما يجري في هذا الكون على الله تعالى بقلب خاشع وبصيرة مفتوحة. أفعجيب بعد ذلك أن يستنبط الصوفي من القرآن إشاراته، وأن يستحضر ذاتيته الخاصَّة، ويتلون مع دعائهما؛ لينصبغ في كل لون من ألوانها بصبغتها الذاتية وطابعها الشخصي؟

وغنيُّ عن البيان؛ أن هنالك فجوة يتأرجح معناها بين"القيم القرآنية" لمَّا أن يكون وجودها مغروساً في القلب، وبين الدلالة الواقعية والتطبيقية لها، إن التطبيق الفوري العامل البناء للعلم بتلك القيم لعنوانٌ دالٌّ على تميزها وجلالها في ذاتها، وفي غيرها؛ أعني في ذات صاحبها نفسه، ذلك العامل البناء المطبق لها، تنشرح بالالتزام بها الصدور ولو كلف الملتزمين بها الطاقات المجهدة في سبيل ذلك الالتزام مهما كان العناء وأياً ما كان؛ فالثمرة لا شك موجودة، بل ومحمودة.

والواقع الذي يصطدم مع النفس أهونُ بكثير من الترك والإهمال: أعني الواقع الذي تتبرم منه النفوس، مع الضيق والنفور أحياناً، ومع الثقل والضجر أحياناً أخرى حين يكون الالتزام مفروضاً عليها من جَرَّاء تلك التطبيقات الفوريَّة للقيم القرآنيَّة هو أهون بكثير من الضياع والإهمال، ولكن لو علمت النفوس أن نفورها وضيقها وضجرها وعزوفها من العمل بتلك القيم، إنمّا هو بالتحقيق - فضلاً عن التجريب - أسباب تعاستها وشقاوتها، وأن إقبالها وصمودها على الإقبال، ولو كانت مُكرهة في البداية على العمل والتطبيق، لهو بالتأكيد السعادة البالغة التي لا وصف لها ولا حد، مهما وصف لك الواصفون وحدّوا لك الوصف بحدودهم وتجاربهم.

غير أن المُحَقَّقَ على الدوام ليس هو في الوصف ولا هو في الأمر بهذه الأعمال تأتي على وجه الكمال، ولكنه يكمن في شيء واحد لا شيء سواه : في "التجربة".

ولستُ أكرر ما سبق أن ذكرته من قبل لمجرّد التكرار وكفى، ولكن لرسوخ هذا المعنى الذي لا نرى له رسوخاً في أنفسنا ولا نجد لمعطياته حضوراً في قلوبنا، وإنْ كان يكفينا منه إحاطة النظر المعزول دوماً عن فعل التجريب.

فإنّ التجربةُ مع كلام الحق تعالى لتقول لك بأبلغ لسان : إن هنالك نوراً علويّاً ينبعث من "كلمات الله"، يدنو منك في لحظات الاتصال، يهيئوها لك فعل الترقي والتطهير، ويعزّ عليك استقباله بغير تطهُّر واستعداد : التصافي شرطه، وأصله موالاة مصدره وخدمته، فلمَّا أن سُئل عنه قال: " نورٌ أنَّىَ أرَاهُ ". الصفاء والاستعداد والتأهب للترقي خصالُ من يريد أن يكون داخل المعيّة لا خارجها، واجتماع الخصال وسائل مُوَصِّلة لكنها ليست الغاية، فالغاية هنالك بعيدة بعيدة، بيد أنها قريبة بل أقرب ما تكون مع الإحسان.

ودوام البقاء مع الوسائل ظلمة حاجبة، والفراغ منه مطلوب في ذاته، ليتفرّغ السرُّ لورود "اللحظة". وإنها للحظة نورانية كاشفة تشع من باطن القلب، ينغمرُ فيها النور ليعطيك من فورك ما لا يخطر لك على بال : يعطيك السلامة في الحِسِّ وفي الذوق وفي الوعي وفي الإدراك. وإذا أدركت اللحظة النورانية العجيبة أدركت السعادة كلها طمأنينة قلبية لم تعد تزلزلك بعدها الزلازل من حولك ولا التهاويل، أدركت الدلالةَ وأدركت القيمةَ وأدركت من عالم القيم القرآنية مُوحيَاتها ممَّا ليس يدركه الغُفْل الجهول.

ليس عبثاً ذلك الذي تحسّه وتستشعر معناه في قلبك، وليس شعورك في هذه"الحالة" باللهو الذي ينقضي معه الزمن أو يقضي هو على الزمن، فلو أنه كان كذلك لكنت في غيبة وحجاب، أي كنت في غيبة عن اللحظة، لكنك في حيرة من أمرك : على أي وصف يمكن أن يكون حالك؟!

لست تجد لورود اللحظات عليك تفسيراً ولا تعليلاً، أنت هاهنا خارج نطاق التفسير والتعليل، أنت معه بكليتك، ومعيّة الكلية لا تستلزم وصفاً ولا تقتضي شرحاً.

الكليَّةُ بقاء تريدُ فيه آملاً من خالص قلبك أن تسكّن الزمن لحظتها، يدوم ولا ينقطع، ولكنه رغماً عنك ينقطع فلا يدوم، وانقطاعه حجاب، مع بقاء اللحظة حاضرة في "عين اليقين".

جَرّب - إنْ شئت - العلاقة مع هذه القيم القرآنية المباركة، بعد أن يكون لك استعداد صادق لتلقيها من أعلى، بوعي مفتوح وبصيرة حاضرة، وأقرأ القرآن قراءة ذَوْق وإيمان لا قراءة عقل مُغْلَق وبصيرة مطموسة، فستجد الأمر إذْ ذَاَكَ بعد التجربة على غير ما يصف لك الواصفون، ولو كنت أنت من أشد الواثقين فيما يقولون لك من أوصاف.

في فعل التجربة؛ تقف وحدك حراً طليقاً على "اللحظة" الرابطة بينك وبين الوجود الحق الذي تمنيته وتمنيت أن تتصل به، وسترى أن هذه اللحظة هى أسعد ساعات السعادة عندك، وإنه لا يدانيها مطلقاً لحظات وجودك الماضية ولا الحاضرة، إنْ استطعت أن تُسَكِّنها فأفعل؛ لأنها اللحظة التي تستشعر فيها الدوام من الأزلية إلى الأبدية، لكأنك وقفت بمفردك على معاينة السرمدية التي لا أول لها ولا آخر، وأنت إذْ ذَاَكَ في سعادة غامرة واتصال روحي عجيب، تنفرد به وحدك ولا يشاركك فيه مخلوق كائناً مَنْ كان!

وما من عجب..! فإنها وقفة شبيهة "بوقفة" النِّفَّري، ومن جرى مجراه من الواقفين عليها من السعداء. هنالك تدرك بالذوق الروحي أن الوجود الواقعي أقل منك وأحقر وأنه دونك، صغير، "كما الهباء في الهواء إنْ فتشته لم تجده شيئاً"؛ لأنك بلغت منزلة ما بلغها أحد من أولئك الذين يتنافسون فيها على كل رخيص، وإنك لأعرف العارفين من هاهنا بفقه اللحظة الحاضرة، تلك التي اتسع لها صدرك فعرفت فيها الكثير من دلالات الوجود ومعانيه، لا بل من حقائقه وخوافيه.

عندها ستعذر الحلاج، إذْ تَبَدَّتْ له شمس الحقيقة فجذبته فصرخ فقال فيها:"أنا الحق"، وعندها سيأخذك العطف على شيخنا أبي يزيد البسطامي لما قال:" سبحاني؛ سبحاني.!! ما أعظم شأني..". كانوا مثلك أصحاب لحظات فارقة، كانوا أهل وقفات في لحظات، بيد أنها كاشفة. شطحوا بعيداً عن معقول الناس، وما هو معقول الناس في عرف الناس؟

الإفلاس..!.. الإفلاس في القيم العلوية : قيم القرآن وقيم الله في كلمات الله.

لا شك كانت تلك "اللحظة" هى التي وسَّعت صدرك وفتحت نوافذ قلبك وجمَّعت همتك كيما تدرك وتعلم من الله ما لا يعلمه أهل الغفلة والحجاب. هنالك فقط متسع لمزيد من المعارف ولعزيز من العلوم، تتلقاها من علو وارتقاء، وأنت من "الحضرة" قريب دان، يكفي أن تتوحد معها لتشعر فيها بالقربة والاتصال. ويا للعجب من السعادة التي تغمر روحك في غيبة الكل عنك وغيبتك عن الكل، وتوحدك مع الكل وتوحد الكل معك!

أعرف الناس من عرف نفسه فيها : اللحظة التي يغيب فيها الكل عنك، ويكون الكل معك. في غيبة الكل تخلي، وفي كون الكل معك تحلياً وتجلياً.

إنّ الله ليتجلى على قلوب عباده في كلامه بخطابات التأنيس؛ ليقتربوا منه، يدنيهم دنو معنى ويرقيهم رقي معنى؛ ليفهموا عنه منه، وهو حين يدنيهم يلحظوا مراقي أنفسهم أو لا يلحظوها، يستشعروا قربها أو لا يستشعروها لكن عروجهم الواصب أبداً لهو لحظة تتفتح فيها نوافذ القلوب وتشرق لاستقبال الحقيقة من قريب، ليس الحقيقة كلها بل قبسٌ منها، هو الشعاع المضيء لظلمة الغفلة والحجاب.

ليس يبلغ مرتبة التفسير الإشاري للقرآن إلا ذلك الذي تجمّعت فيه أشراط الذاتية الخَاصَّة لفهمه وهى أشراط، كما تَقَدَّم، تعتمد المجاهدة وتحويل النفس من جانب في الحياة إلى جانب آخر، ولأن استنباط الإشارة من العبارة القرآنية مَرَدَّه إلى توافر تلك الشروط التي تقدَّمَت الإشارة إليها كدعائم تأسيسية ثم تمثّلها حقيقة لا مجازاً، وفعلاً لا نظراً ؛ لأنها تمثل خوض التجربة مع كلام الله على ديدن التجرّد والصفاء، وطلب القرآن لذاته لا لغرض آخر من أغراض الدنيا أو مطلب من مطالب الحياة.

لم يستطع القيام بهذا التفسير الإشاري إلا طائفة نادرة من أتقياء المسلمين جعلوا علاقاتهم مع الله تجربة حيويّة فاعلة، وليست هى بالنظر المجرّد يخلو من العمل والممارسة، فاستطاعوا من ثمَّ أن يستنبطوا الإشارة من العبارة وأن يستوحوا من كلام الله المعنى والدلالة والقيمة والوجود الروحي الباقي.

ظَهَرَ لنا أن الذاتية الخَاصَّة للقرآن؛ بدعائمها وأركانها وشروط توجهاتها، إنمّا هى أصول تأصيلية للتفسير الإشارى على طريقة أرباب الأحوال والأذواق، وأنه لولا توافر هذه الدعائم والأركان في وجود شخص المُفسر لمَا أستطاع أن يَقْدِم قيد أنملة على استنباط الإشارة من العبارة، وأن فهم الخطاب الإلهي على لسان أهل الحقيقة يحتاج إلى صفاء وتجرد وإخلاص كيما يُدْرك المُفَسّر دعائم تأصيل الإشارة بوصفها ذات نفوذ روحي عجيب.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

جعفر الحكيمتعتبر عقيدة (الماشيح) من ثوابت الأركان الأساسية في الإيمان اليهودي، وهذه العقيدة تتمحور حول شخص الملك القادم والذي سيكون ممسوحا بالزيت المقدس، وينحدر من سلالة الملك داوود عن طريق ابنه الملك سليمان، والذي سيكون ملكا عظيما، من طراز عظمتهما، وسيكون ظهوره وفترة ملكه بداية لمرحلة جديدة للانسانية، تتميز بانتهاء الاضطهاد لليهود، وعودتهم جميعا من الشتات الى الأرض المقدسة، وارتفاع شأنهم على جميع الأمم، التي ستعترف بفضلهم وتفوقهم، وانهم نور العالم، وسوف يفرض هذا الملك الماشيح السلام على جميع الأمم، وتنتهي الحروب، ويقوم ببناء الهيكل الثالث لليهود، ويعيد العمل بتطبيق شريعة التوراة…. وهناك تفاصيل اخرى كثيرة عن هذا الاعتقاد.

طوال فترات التاريخ، ظهر الكثير من الأشخاص الذين ادعوا المسيحانية او التصقت بهم صفة المسيح، وقد تجاوز عدد هؤلاء الأشخاص الخمسين!!....ففي فترة القرن الميلادي الأول فقط، كان هناك سبعة أشخاص ادعوا أنهم المسيح المخلص لليهود، من بينهم يسوع الناصري وقصته معروفة للجميع، وفي النصف الأول من القرن الميلادي الثاني، كان هناك ايضا شخصية مهمة ادعت المسيحانية وهو القائد اليهودي (شمعون بار كوخبا) الذي قاد ثورة يهودية شهيرة وحاول تأسيس مملكة يهودية مستقلة عن الرومان، وايده في ثورته كبار حاخامات اليهود في وقته من أمثال الراباي (يوسف بن عكيفا) وبعد ثلاث سنوات، انتهت تلك الثورة على يد الجيش الروماني، وكان مصير المسيح (بار كوخبا) القتل، كما هو الحال مع أغلب الأشخاص الآخرين الذين سبقوه بادعاء المسيحانية !

في بداية القرن السابع عشر، وعقب اشتداد اجرام وبطش محاكم التفتيش المسيحية في إسبانيا، وتنكيلها الوحشي بغير المسيحيين هناك، كاليهود والمسلمين، كان هناك اسرة لتاجر يهودي، هرب من اسبانيا واستقر بالعيش في مدينة ازمير التركية أيام السلطنة العثمانية، وكان احد ابناء هذه الاسرة، شاب يهودي ذكي و متدين وشغوف بالعلم ومعرفة تعاليم التناخ اسمه (سبتاي تسفي او زيفي) مولود في سنة 1626

كان هذا الشاب اليهودي الذكي، والواسع الاطلاع والعلم، يمتاز بالجرأة والشجاعة، وقوة البيان والحجة، والنشاط الدائب، وصل الى مرتبة (راباي) بوقت مبكر من العمر، يبدو انه كان ايضا يمتلك كاريزما قوية، وشخصية جاذبة ومؤثرة، ويجيد بناء العلاقات، وجمع الأتباع والمريدين!

في تلك الفترة، التي كان اليهود يعانون من الاضطهاد الكنسي المسيحي الوحشي في إسبانيا، كان من الطبيعي في مثل هكذا احوال، ان تتوجه العيون نحو السماء!!!...وترتفع وتيرة الامال في مجيئ المخلص الذي سيوقف عجلة الهلاك والإبادة للشعب اليهودي، وتزداد الأقاويل والتوقعات بقرب حلول وقت ظهور المسيح الملك الخارق القدرات

ويبدو ان الشاب (سبتاي) قد استغل تنامي هذه المشاعر لدى الشعب اليهودي، فاعلن في عام 1648 انه قد نبأته السماء (أصبح نبيا)...وأنه هو المسيح القادم!

بعد هذا الإعلان، بدأت أعداد المصدقين بدعوته تتزايد بسرعة، نتيجة للتفسيرات التي صار يضعها لنصوص التناخ، وللتعاليم الدينية الجديدة التي صار يصدرها، وكذلك نتيجة لتفوقه على حاخامات اليهود الذين عارضوه او شككوا بدعوته

وبعد فترة من النشاط الدعوي الجديد الدؤوب، وبعد أسفار متعددة قام بها المسيح الجديد الى مناطق عديدة من العالم، اصبح هناك الالاف من المصدقين به الذين انضموا الى اتباعه الأخذ عددهم بالازدياد

وصار الكثير منهم يترقب إعلان اللحظة التي سيعود فيها اليهود بصحبة ملكهم المسيح الى ارض الميعاد، وقام الكثير من اليهود ببيع وتصفية أملاكهم، انتظارا لساعة شد الرحال للعودة المظفرة !!!

بعد ازدياد رقعة الاتباع في السلطنة العثمانية، وبعد اشتهار أمر الملك المسيح اليهودي، والضجة التي رافقت ظهوره، قامت السلطات العثمانية، بالقبض عليه، لتدارك خطره، ووأد حركته التي تهدف الى تأسيس مملكة مستقلة في فلسطين الخاضعة في ذلك الوقت للحكم العثماني، فتم تقديم (سبتاي تسفي) الى المحاكمة بتهمة بث الفتنة والفرقة. وقد عقدت له محاكمة كبيرة حضرها كبار المسؤولين في الادارة العثمانية، ويقال ان السلطان العثماني (محمد الرابع) حضر بنفسه المحاكمة من وراء ستار !

واثناء المحاكمة، حدث ما لم يكن بالحسبان ...فقد أعلن المسيح الجديد توبته، وتراجعه عن دعوته، واعتناقه الدين الاسلامي!!...الامر الذي ادى بالسلطان العثماني الى إصدار عفو عنه...بعد ان أصبح مسلما، واتخذ اسما اسلاميا!

وقد حاول الكثيرون تفسير سبب اعلان (سبتاي تسفي) اعتناقه الإسلام، فهناك من قال انه تم تخييره بين الإعدام وبين الإسلام، وهناك من يقول ان المترجم اليهودي أوحى له بهذه الفكرة، وآخرون يعتقدون أنها كانت حركة تكتيكية ذكية منه للتخلص من العقاب ولمواصلة دعوته تحت غطاء الاسلام وبعيدا عن سخط الدولة!!..وهناك تأويلات أخرى

ومهما يكن السبب، يبقى الأهم هو تأثير (حركة النذالة) هذه - كما يقول المصريون- او (الدكة الناقصة) كما يصف العراقيون، على اتباع هذا المسيح الجديد !!

يقول عالم الاجتماع وعلم النفس الأمريكي البروفيسور (ليون فيستغر) في كتابه الماتع والرائع (عندما تفشل النبؤة)

ان كثير من الذين يؤمنون بفكرة ما إيمانا صادقا وعميقا، يصعب عليهم التخلي عن تلك الافكار حتى لو اتضح لهم خطأها، بل ان اغلبهم يصبحون اكثر تمسكا بها، واكثر شراسة بالدفاع عنها، ويحاولون إعادة قراءة الأحداث من جديد، من أجل تركيب تفسيرات وتأويلات، تثبت صحة ما اعتنقوا من إيمان!

وهكذا كان الحال مع الكثير من اتباع هذا المسيح الجديد، فقد حاول المؤمنون به، ان يضعوا تأويلات تفسر تراجع مسيحهم وخذلانه لهم، وتعطيهم اطمئنان نفسي بأنهم لم يكونوا مخطئين، وانهم اتبعوا الإيمان الصائب !

فقال البعض منهم، ان الشخص المسجون ليس هو المسيح المخلص، وانما هو شبه له، القي على الشيطان، وان مسيحهم قد ارتفع الى السماء، وسف يعود قريبا لاستكمال رحلة النصر الى أرض الميعاد !

ومع مرور الوقت، وحتى بعد وفاة (سبتاي تسفي) عام 1676 في ألبانيا، ظل الكثير من أتباعه، متمسكون بإيمانهم بأنه هو المسيح الحقيقي، وصاروا يضعون تأويلات تفسر اعتناقه للإسلام، وأنها جزء من التخطيط الإلهي، من أجل انتصار دعوة ذلك المسيح، وتسيدها على العالم، وان المسيح لم يمت، وإنما ارتفع للسماء ...وسوف يعود مرة أخرى !!

وصار المؤمنون به يهرعون الى النصوص المقدسة لاستخراج اشارات وعلامات تدلل على مصداقية ايمانهم !!

ان دعوة وحركة (سبتاي تسفي)، تعتبر اخر دعوة للمسيحانية، ذات أهمية وصدى واضح، وتأثير ملموس

فلا زال يعتقد بدعوته بعض أتباعه الذين أصبحوا يسمون بيهود (الدونما) وتعني (العائد او التائب) لهم وجود في تركيا، وان كان اغلب اليهود يعتبرونهم خارجين عن اليهودية، وكذلك يعتبرهم بعض المسلمين، من المتسترين بالإسلام !!

 

د. جعفر الحكيم

 

ميثم الجنابيإن حقيقة الإسلام من وجهة نظر محمد عبده، تقوم في توحيد الفضائل والصالحات والنظام، أي الفضيلة والفائدة والقانون. وتشكل هذه القيم الجوهرية الحياة المثلى في مستواها الفردي والاجتماعي والدولتي والثقافي على السواء. من هنا استنتاجه القائل، بأن حقيقة الإسلام ترمي إلى تأسيس حرية الفكر واستقلال العقل وصلاح السجية واستقامة الطبع وإنهاض العزائم إلى العمل. ويمكن تلخيص هذه الغاية من خلال ما يمكن دعوته بالمبادئ الكبرى الضرورية التي ينبغي رؤيتها والعمل بموجبها في الإسلام. كما يمكن حصر هذه المبادئ بخمس يدور الأول منها حول محور الرؤية أو العقيدة البديلة، والثاني حول التفاؤل الدائم، والثالث حول الاجتهاد النظري والعملي، والرابع حول الوحدة المتنوعة، والخامس حول الفكرة العملية.

وابتدأ هذه المحاور بإعادة إجلاء حقيقة الوحدانية الإسلامية المرتكزة على مبادئ التوحيد والتنزيه في الذات والأفعال. ويرمي هذا المحور إلى تذليل الفكرة الوثنية ومعالمها المتنوعة والمتجددة أيضا من خلال القضاء على ما اسماه بجذور الوثنية. إذ ليست الغاية من القضاء على جذور الوثنية سوى "طهارة العقول من الأوهام الفاسدة" و"تنزيه النفوس عن الملكات السيئة" كما يقول محمد عبده.

إن حقيقة التوحيد في فكرة محمد عبده ترمي إلى توحيد العقل والوجدان بالشكل الذي يطهرهما من الرذيلة النظرية والعملية، أو العقلية والأخلاقية. وتفترض هذه الطهارة والتنزيه الارتقاء بالعقل والضمير إلى مصاف إدراك حقيقة الوحدة في الوجود والحكم فيه. وأسس لهذه الفكرة في مجرى تحديده أيضا لفكرة الصفات الإلهية عندما استعرض آراء الكلام والمتكلمين عن حقيقة الذات (الإلهية). إذ وضع الحياة في أوائل الصفات مؤكدا على أن صفات العلم والإرادة تستتبعان صفة الحياة. وذلك لأن الحياة مما يعتبر كمالا للوجود، ومن ثم فهي بحكم ما يتبعها من صفات مصدر النظام والناموس والحكمة[1].

وانطلق محمد عبده بهذا الصدد من أن كل ما في الوجود هو حكمة من حيث إشارته إلى الوحدة والاتفاق في نظام الممكنات. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحكمة في الحياة تفترض السير في نفس مسار الحكمة الإلهية من خلال رؤية وتحقيق الاتفاق في نظام الممكنات. بمعنى رؤية الاتفاق في البدائل التي قدمتها الرؤية الإسلامية في مجرى نفيها لمختلف ممكنات الوثنية ونظامها الخاص. وليس مصادفة أن يشير محمد عبده إلى أن الإسلام "كشف عن العقل غمة من الوهم فيما يعرض من حوادث الكون الكبير (العالم) والكون الصغير (الإنسان). فقرر أن آيات الله في صنع العالم إنما يجري أثرها على السنن الإلهية التي قدّرها الله في علمه الأزلي لا يغيرها شيء من الطوارئ الجزئية".

وفيما لو استعرضنا هذه الفكرة بمعايير الرؤية العصرية، فإنها ترمز إلى ما يمكن دعوته بالتأويل الأبدي للإسلام تجاه المستجدات والبدائل انطلاقا من أنها تسير رغم الأخطاء والنواقص ضمن مجرى إدراك نظام الممكنات بوصفه حكمة وعدلا. إذ لا تعني إزالة الأوهام من أمام العقل تجاه رؤية التغير والتبدل في عالم الوجود الطبيعي والإنساني سوى تأديته إلى كشف حقيقة "السنّة الإلهية" في الوجود.

ورفع محمد عبده هذه السنّة (القانون) إلى مصاف المبدأ الجوهري القائم في حقيقة الإسلام القائلة، بأن الروح الإلهي يبحث عبر الإنسان عن حقيقة الحكمة والعدل الضروريين للوجود. وهو روح أودعه الله جميع شرائعه، ومن ثم، فإن مهمته تقوم في تصحيح الفكر وتسديد النظر وتأديب الأهواء.

بعبارة أخرى، ليس "الروح الإلهي" هنا سوى الروح الإنساني المترقي في مدارك الإصلاح العقلي والأخلاقي، أو في مدارك تطهير العقل وتنزيه النفس. كما أطلق عليه محمد عبده أيضا عبارة "تصحيح الفكر وتسديد النظر وتأديب الأهواء". بل انه وجد في هذا الروح نعمة "لن يسلبها الله عن الأمم ما دام هذا الروح فيها". ولا يعني ذلك سوى القول بما أسميته بالتفاؤل الأبدي القائم في ضرورة الإصلاح. ومن ثم فإن حقيقة الإصلاح وديمومته على قدر وجود الروح الإنساني المتسامي، كما انه ضمانة بلوغها حقيقة "الروح الإلهي" القائم فيها. وتفسح هذه العبارة المجال أمام إمكانية الإقرار بضرورة وعي الذات بالشكل الذي يجعل من نشاط الأمم صوب تطهيرها العقلي والأخلاقي مقدمة إبداع النظام الحقيقي في وجودها، أي إبداع نظام الوحدة المتنوعة. ووجد محمد عبده في هذه الحالة مبدأ جوهريا في الإسلام، وأسلوبا لحياته في نفس الوقت. ووضع هذه الفكرة في عبارة تقول، بأن الدعوة إلى الوحدة في الدين تفترض الإقرار بالتنوع والاختلاف. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن حقيقة الإسلام تعتبر "التفرق بغي وخروج عن سبيل الحق المبين". وإن الإسلام لم يقف بهذا الصدد عند حدود الوعظ بالكلام والنصيحة بالبيان، بل وشرع شريعة الوفاق وقررها في العمل. وفي الوقت نفسه رفع الإسلام كل امتياز بين الأجناس البشرية وقرر لكل فطرة شرف النسبة إلى الله في الخلقة، وشرف اندراجها في النوع الإنساني. ذلك يعني أن رفض الاختلاف مقرون بابتعاده عن توكيد حقيقة الوحدة المقيدة بالمصالح والمنافع والنظام، أي بالحكمة التي أكثر من يحققها "شريعة" الوفاق.

لكن فكرة الوفاق لا تتضمن في آراء محمد عبده سوى التناسق الأمثل لوجود الأشياء انطلاقا من تمايزها. وعندما طبق هذه الفكرة على الوجود الإنساني ككل، فإنه حاول تذليل أوهام التمايز والتمييز القادرة على صنع مختلف نماذج الوثنية (والعنصرية)، وإحلال فكرة الوفاق المترّقية إلى مصاف الفطرة محلها. بمعنى البحث عن ضرورتها في وحدة الكلّ، أو في ما وضعه محمد عبده بعبارة الإقرار بنسبتها إلى الله والإنسانية.

وتضمنت فكرة محمد عبده المذكورة أعلاه على أبعاد إنسانية رفيعة. إذ احتوت على إقرار ضمني بفكرة التنوع والاختلاف مع ما يرافقها بالضرورة من إقرار بمبدأ الاجتهاد النظري والعملي لتحقيق هذا الوفاق بصورة أفضل وأمثل. واستمد هذه الفكرة أيضا مما في الاجتهاد من ضرورة وغاية متسامية تستجيب لحقيقة الإسلام في فهمه لمعنى الكمال. فالاجتهاد يطلب الكمال، والكمال يفترض الاجتهاد. من هنا قوله، بأن "الكمال في المعقولات مثل الوجود الواجب والأرواح اللطيفة وصفات النفوس البشرية له جمال تشعر به أنفس عارفيه وتنبهر له بصائر لاحظيه"[2]. واعتمد في آرائه هذه على اعتقاده الجازم، بأن حقيقة الإسلام هي نفي للتقليد. وانه أطلق سلطان العقل من كل ما كان يقيده. وهي مقدمة الاختيار، ومن ثم أفعال الإرادة.

فقد دعا الإسلام لتحرير النفس الإنسانية وإطلاق إرادتها من القيود التي كانت تقيدها بإرادة غيره، كما يقول محمد عبده. وحاول بناء هذا المطلب على أساس فهمه لحقيقة الصفات الإلهية، وبالأخص صفة الإرادة. وليس مصادفة أن يتوسع في شرحه لهذه الصفة مقارنة بغيرها من الصفات الأخرى التي أدرجها في رؤيته لقضايا الكلام. وانطلق في فهمه لهذه الصفة من أن "إثبات الصفات الإلهية من الحياة والعلم والقدرة يستلزم إثبات صفة الاختيار". وأعطى لهذا الإثبات بعدا وجوديا وعقليا. وانطلق في منهجه هذا مما اسماه بحكمة النظام في وجود الكون والأشياء. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الكون ومصالحه العظمى التي تقررت له بحكم انه أثر الوجود الواجب الذي هو أكمل الموجودات وأرفعها. فالكمال في الكون "إنما هو تابع لكمال المكون. وإتقان الإبداع إنما هو مظهر لسمو رتبة المبدع. وبهذا الوجود البالغ أعلى غايات النظام تعلق العلم الشامل والإرادة المطلقة"[3]. وهي مقدمة لاهوتية معقولة بمنطق الرؤية الدينية، لكنها لم تسع لتبرير الرذيلة والفضيلة، بل كانت تهدف إلى إقرار التفاؤل المغري للأبعاد السحيقة القائمة في كمال وجود الأشياء. ومن ثم تحويلها إلى نموذج للمحاكاة في العلم والعمل.

فمحمد عبده يقر بأن حقيقة الصفات الإلهية جميعها تؤدي إلى "الكمال والنظام، وهي تجلّ للحكمة". ومن ثم فإن فعل الإنسان الذي رفعه الإسلام إلى مصاف الفرض الواجب يجب أن يتناسق مع حقيقة الأفعال الإلهية بوصفها تجلّ مطلق للكمال والنظام والحكمة. من هنا قوله، بأن الإسلام طالب بالعمل كل من هو قادر عليه، وقرر في نفس الوقت، أن لكل نفس بما كسبت وعليها ما اكتسبت. بعبارة أخرى، انه طالب الجميع بالعمل، ومقياس كل امرئ بما عمل. ولم يقصد محمد عبده بذلك ما هو معروف ومقرور في العبارات الشائعة عن معاملات الحياة العادية، بل وتعداها إلى أبعادها الأوسع. إذ لم يكن قصده بالكسب هنا مجرد فعل الحرية المقيدة بالمشيئة الإلهية الأزلية، ولا الفرض الواجب بمعايير الرؤية المتسامية فحسب، بل والقدر الذي لا بد من إدراكه لكي يكون للوعد والوعيد معناه، وللسعادة معاناتها. فعندما وقف محمد عبده أمام الإشكالية التي أرهقت الكلام الإسلامي حول ماهية وحدود الاختيار والجبر، فإنه اعتبر رأي القائلين بالجبر "هدما للشريعة ومحوا للتكليف وإبطالا لحكم العقل البديهي وهو عماد الدين"[4].

لقد اقترب محمد عبده في رؤيته عن تقرير العلاقة الممكنة بين الجبر والاختيار من أفكار الجويني القائلة، بأن الشريعة الإسلامية ترد الأمور إلى الله، وتقرر أمرين للسعادة الإنسانية، الأول وهو أن الإنسان يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته، والثاني هو قدرة الله باعتبارها المرجع النهائي لجميع الكائنات. ولم ترتق هذه الرؤية من حيث دقتها وإشكالاتها إلى ما وضعه الغزالي في فكرته عن أن في الجبر اختيارا كما في الاختيار جبرا، لكنها استطاعت أن تبقي على هذه الإشكالية ضمن ما يمكن دعوته بعالم الجبروت المترامي بين عوالم الملك والملكوت، أو الغيب والشهادة. وأن تعطي للإنسان الأبعاد الضرورية للتفاؤل والالتزام بأنه لا عبث في الوجود، وإن السعادة مسئولية دائمة تجاه الحياة والموت، والدنيا والآخرة. لكنها معادلة أقرب ما تكون إلى فرضية محكومة بقواعد واضحة مما يفقدها إثارة اللغز وحسم اليقين. لكنها قادرة في نفس الوقت على صنع مرجعيات العمل.

فقد كتب محمد عبده في مجرى وصفه حقيقة أفعال الإنسان يقول، بأنه كيان موهوب بثلاث قوى هي الذاكرة والمتخيلة والمفكرة. وبالقدر الذي يتوقف عليهن سعادته، فإنهن أيضا ينبوع بلاءه[5]. أما أن يكون مصدر السعادة هو نفسه مصدر البلاء، فإن في ذلك إشارة إلى ما في الوجود نفسه من إشكالية وسرّ لا يحلهما سوى البحث عن الاعتدال الأمثل. وهو اعتدال أسس له الإسلام، كما يقول محمد عبده، في محور الرؤية الاجتماعية الداعية للعدل العام. فقد حثّ القرآن على التعلم وإرشاد العامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرض للفقراء في أموال الأغنياء حقا معلوما، وأغلق أبواب الشرّ، وسد ينابيع فساد العقل والمال بتحريم الخمر والمقامرة والربا.

وشأن كل اعتدال يرتقي إلى مصاف المرجعية الكبرى في تنظيم الحياة الدينية والدنيوية، والمادية والمعنوية للفرد والجماعة والأمة، يفترض وجود نموذج عملي ملموس. وقد وجده محمد عبده في مثال النبي محمد. بل انه جعل من شخصية النبي محمد مثالا نموذجيا لتأسيس فكرته عن مرجعية الاعتدال في الإسلام. وليس مصادفة أن يفرد لهذه القضية صفحات عديدة من "رسالة التوحيد" كمؤشر على أهميتها بالنسبة لتحقيق ما اسماه بالمحاور الأساسية في رؤية ماهية الدين (الإسلامي) وحقيقته. وانطلق في آرائه هذه من فكرة النافع والضار، والقبيح والحسن، بوصفها المعادلة المكونة لكل حيثيات الوجود البشري. بمعنى انه حاول أن يؤسس هذه المعادلة بمكوناتها المادية (الطبيعية) والمعنوية (الأخلاقية).

فنراه ينطلق من تقييمه العام القائل، بأن الأعمال منها ما هو نافع ومنها ما هو ضار. ومنها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح. وبعدها نراه يصنع منها سبيكة عقلانية الرؤية عندما يتوصل إلى أن الحسن كل ما تدوم فائدته وإن كان مؤلما في الحال، بينما القبيح هو كل ما يجرّ إلى إفساد في النظام الخاص وإن عظمت لذته الحاضرة[6]. بعبارة أخرى، أننا نقف أمام رؤية واقعية وعقلانية للحسن والقبيح في حال وضعها ضمن سياق فكرته العامة عن الإصلاح الشامل للمجتمع والدولة والفكر. إذ ربط الحسن بالمفيد والقبيح بالمفسد للنظام. ووضعهما على محك التاريخ وليس الجسد. بمعنى أن حقيقة الحسن والمفيد تقوم في كل ما يخدم مشروع البديل التاريخي لصنع النظام بغض النظر عما فيه من آلام وتعقيد. ووجد في نموذج النبي محمد تجسيدها الفردي والروحي.

فالإصلاح من حيث كونه وحدة نموذجية للمفيد والحسن تفترض على الدوام شخصنتها الواقعية. وانطلق محمد عبده في فكرته هذه من أن الفعل الإنساني بحاجة دائمة إلى قيادة قواه الإدراكية والبدنية لما هو خير له في الحالتين. وأعتبر النبي معينا أصيلا من حيث كونه النموذج الأعلى في تحقيقه. بعبارة أخرى، انه لم يقدم النبي بهيئة صنم ينبغي عبادته، بل معينا على رؤية الصيغة المثلى لقيادة الفعل الإنساني من أجل بلوغ الأحسن والأكثر فائدة للنفس والمجتمع والدولة (النظام).

لقد نظر محمد عبده إلى النبي نظرته إلى نموذج مثالي، لكنه معقول ومقبول في الوقت نفسه في ما يتعلق برؤية الأبعاد "الإلهية" و"الإنسانية" المتوحدة في أفعاله. من هنا قوله، بأن إدراك حقيقة النبوة توصلنا إلى رؤية ما ينبغي ملاحظته "في جانب واجب الوجود من الصفات وما يحتاج إليه البشر كافة من ذلك"[7].

ذلك يعني، إن المهمة الكبرى للنبي تقوم في إيجاد النسبة المعتدلة بين المطلق والعابر، وبين الله والبشر، عبر إنزال صفات المطلق (الله أو واجب الوجود) إلى مستوى النموذج العملي لاحتياجات البشر. من هنا تصنيف محمد عبده لصفات النبي بوصفها جزء من الاعتقاد بالنبوة. وحصر هذه الصفات ضمن فكرة الإقرار بعلو فطرتهم، وصحة عقولهم، وصدقهم، وأمانتهم، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية، وسلامة أبدانهم، وكون أرواحهم ممدودة بالجلال الإلهي. وما عدا ذلك فهم بشر يعتريهم ما يعتري الإنسان[8].

مما سبق يتضح، بأن حقيقة النبي هي حقيقة الشخصية النموذجية في إدارة شئون النفس والآخرين. وذلك لأنها تفترض في الأساس منظومة قيم تجمع في كل واحد الجسد والروح والعقل والفعل بمعايير الرؤية الإنسانية العليا. فصحة العقل وسلامة الجسد المقرونة بأفعال أخلاقية عملية متسامية من صدق وأمانة وعصمة من الفواحش هو الأساس الذي يحدد أسلوب الاستمداد الدائم من "الجلال الإلهي". ولا يعني ذلك في آراء محمد عبده سوى الاستعداد الدائم على إيجاد النموذج المتسامي في العلم والعمل. إذ لم يجد في هذه المكونات النبوية أمرا معارضا للعقل أو مستحيلا بحد ذاته. على العكس، انه وجد فيه أمرا ضروريا من أجل الإصلاح الدائم. وذلك لأنه لم يجد فيها فعلا تاريخيا عابرا، بل حاجة دائمة يمكن البرهنة عليها بمسلكين، الأول وهو الاعتقاد ببقاء النفس الإنسانية بعد الموت. مما افترض بدوره التمسك بسلوك مقيد بقيم ومعايير تدرك حقيقة الأبدية والعمل بموجبها. والثاني هو مسلك الانطلاق مما اسماه محمد عبده بالطبيعة البشرية. وذلك من خلال بلوغ "الكمال النوعي في إطلاق المدارك من القيود، والمطالب عن النهايات"[9]. حيث تؤسس هذه الفكرة لما يمكن دعوته بضرورة وقيمة الفعل الدائم للإصلاح. إذ لا يعني الكمال النوعي للطبيعة البشرية سوى السير حتى نهاية تحريرها الفعلي التام وعدم وقوفها عند قيود نهائية محددة مهما كان حجمها. لكن هذه العملية غير المتناهية من التحرر وعدم الوقوف عند حد قد تصنع بدورها حمى المنافسة التي تقضي على بواعث الطبيعة البشرية نفسها. من هنا ضرورة فكرة الرسالة النبوية التي تضع لمساعي الكمال معالم للرؤية والعمل.

إذ تبرهن تجارب التاريخ العام على أن فكرة العدل والعقل لا تكفي بحد ذاتها على صنع مجتمع متكامل. بل نعثر فيهما إلى الآن على أحد مصادر الشقاق والخلاف الذي يتعارض مع حب الإنسان لذاته. بينما يفترض حفظ النوع البشري وجود المحبة. من هنا ضرورة وجود قوة أخرى تحفّز وتوجه سلوك الطبيعة البشرية في مجرى سعيها لنيل "كمالها النوعي". وليست هذه القوة سوى النبوة.

فالنبوة تقدم نموذج ما دعاه محمد عبده بالخضوع والاستكانة. ولم يقصد بهما خضوع العبودية واستكانتها الذليلة، بل قصد بها الصيغة المثلى القادرة على تربية النفس والعقل بالشكل الذي يجعلهما قادرين على الفعل بمعايير المحبة. فالنبوة قادرة على تقديم نموذج يستكين له ويخضع كل من المالك والمملوك، والسلطان والصعلوك، والعاقل والجاهل،والفاضل والمفضول بشكل أشبه "ما يكون بالاضطرار منه بالاختيار"[10].

ذلك يعني، إنه أراد تقديم النبوة كنموذج للقوة القادرة على جمع الشتات، والأسلوب الأمثل لتوحيد القوى بالشكل الذي يجعلها طاقة كامنة في "تكامل الطبيعة البشرية". من هنا قوله، بأن "الرسل من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص". وانه لا علاقة للرسل في "تفصيل طريق المعيشة والخوض في وجوه الكسب وتطاول شهوات العقل" لإدراك أسرار الوجود، أي ليس للنبوة علاقة بتنظيم شئون الحياة الخاصة والعامة ونمط الحياة ومباحث الإنسان العقلية واكتشافاته العلمية وما شابه ذلك. وذلك لأنها جزء من مهمات الحياة الطبيعية للبشر.

بل نرى محمد عبده يشدد على انه ليس من وظائف الرسل "ما هو عمل المدرسين ومعلمي الصناعات". كما نراه يقرر بعدم جواز أن يقوم الدين حاجزا بين الإنسان وطلب العلم والمعرفة بأي حال من الأحوال. بل أوجب على الدين أن يكون "باعثا على طلب العرفان، ومطالبا باحترام البرهان". بل وجعل معرفة العوالم فرضا ينبغي بذل ما يستطيع المرء من الجهد فيه.

إن مهمات ووظائف الرسل الكبرى، حسب رؤية محمد عبده، تقوم في إرشاد العقول إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته، وبيان ما اختلفت عليه عقول الناس وشهواتهم وتنازعت عليه مصالحهم، ووضع حدودا عامة يسهل على الجميع الرجوع إليها في أعمالهم، واحترام حقوق الناس جميعا، وأخيرا تفصيل كل ذلك بالشكل الذي يؤهل الناس نيل "السعادة الأبدية".

ذلك يعني، إن الوظائف الكبرى للرسل تقوم في صنع منظومة من المبادئ العملية العامة القادرة على بناء وحدة ذاتية للفرد والجماعة والأمة تخدم منافعها ومصالحها المادية والروحية. بمعنى تقديم نموذج مثالي عن وحدة الروح والجسد، والعقل والأخلاق، والحياة والمعاد في كل واحد بوصفها المقدمة الضرورية لبلوغ السعادة الحقيقية.

تكشف "رسالة التوحيد" عن الكمون الإصلاحي الديني العميق في فكر الشيخ محمد عبده، وبالأخص ما يتعلق منه بإمكانية ارتقاء الإصلاح إلى تأسيس ما يمكن دعوته بالليبرالية الإسلامية، أي الفكرة التي تقر بجوهرية العقل والعقلانية والمصلحة الاجتماعية والحرية ونبذ التقليد والشريعة الوضعية. وهي أفكار ليست معزولة عن اختمار الفكرة العقلانية والتنويرية والإصلاحية والليبرالية الآخذة في الانتشار النسبي والعميق بين النخب الفكرية والاجتماعية والسياسية آنذاك. بمعنى تكاملها المتراكم ضمن السياق العام لصعود الفكرة الاجتماعية السياسية والإصلاح الشامل وأهمية العلم والحرية والقانون بالنسبة لإعادة بناء النفس.

أما القيمة التاريخية والفكرية والروحية لأراء ومواقف الشيخ محمد عبده فتكمن بقدر واحد في ما يمكن دعوته بمنظومة الرؤية الفكرية وطاقتها الداخلية بوصفها منظومة ذاتية تلقائية. بعبارة أخرى، إن الفكرة الليبرالية الكامنة في الإصلاحية الإسلامية للشيخ محمد عبده تستمد أصولها وحدودها في الوقت نفسه من تراث الأمة العقلي. فإذا كانت الحدود الضيقة في جملة من المواقف مثل فكرته عن أن "العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد الهي"، وإن الدين "أقوى العوامل في أخلاق العامة، بل والخاصة. وسلطانه على نفوسهم أعلى من سلطان العقل الذي هو خاصة نوعهم"، وما شابهها، فإنها تبقى مجرد تصورات وأحكام وليست عناصر فعالة في منظومة الفكرة الإصلاحية. بمعنى أنها تبدو في مظهرها محاصرة بقاعدة التكرار والاجترار للفكرة اللاهوتية عن انه لا دين بلا عقل ولا عقل بلا دين، ولا دين بلا أخلاق ولا أخلاق بلا دين، فإنها تبقى في نهاية المطاف مجرد صيغة تقليدية لها أسسها الذاتية في التقاليد الإسلامية العقلية والأخلاقية المتسامية، التي لم يكن بإمكان الشيخ محمد عبده التحرر منها، لكنها تنحلّ وتتلاشى في تيار الفكرة الإصلاحية العقلانية وجوهرية الاعتدال. لاسيما وأن الشيخ محمد عبده كان يدرك، بأن الدين لا يصنع بالضرورة عقول الأمم، كما انه ليس ضامنا للأخلاق. بل أن اغلب التجارب الكبرى للأمم الحية على امتداد التاريخ تدحض هذه الفرضية الخائبة. إلا أن قيمتها التاريخية في فكر الشيخ محمد عبده تقوم في محاولاتها استنهاض الطاقة العقلية والأخلاقية استنادا إلى تقاليد العرب والمسلمين الذاتية. وهي المقدمة الضرورية لتأسيس الفكرة الإصلاحية والليبرالية أيضا.

فالليبرالية هي أولا وقبل كل شيء تراكم الرؤية العقلانية والإصلاحية بمعايير التجارب الذاتية للأمم من أجل تثبيت فكرة النظام والحرية الوضعية. وهي الفكرة التي تتخلل من حيث الجوهر منظومة الفكرة الخفية الذائبة في "رسالة التوحيد"، بوصفها جزء من البحث عن بدائل نظرية وعملية محتملة كما نراها في أفكاره عن رفضه الشامل للتقليد باعتباره مصدر الباطل والمضرة (العقلية والعملية). من هنا رفعه لمهمة العقل الكبرى بالنسبة للدين والدنيا على السواء، وجوهريته بالنسبة للنظر والعمل. بحيث نراه يرفع من شأن الفلسفة بوصفها أسلوبا معرفيا ومنظومة عملية إلى مصاف الذروة الضرورية بالنسبة للإصلاح ورفض التقليد. ومن وحدتهما أراد تقرير وتأسيس فكرة الإصلاح بوصفها مبدأ جوهريا في الدين الإسلامي، وحقيقة من حقائقه الكبرى. مع ما تحتويه من إمكانية التأسيس التلقائية لاعتبار "الروح الإلهي" روحا إنسانيا مترقيا في مدارك الإصلاح العقلي والأخلاقي، أو في مدارك تطهير العقل وتنزيه النفس. بحيث نراه يضع هذه الفكرة في ما يمكن دعوته بضرورة وعي الذات بالشكل الذي يجعل من نشاط الأمم صوب تطهيرها العقلي والأخلاقي مقدمة إبداع النظام الحقيقي في وجودها، أي إبداع نظام الوحدة المتنوعة. وأنطلق في موقفه هذا من أن الاجتهاد يطلب الكمال، والكمال يفترض الاجتهاد. من هنا اعتباره رأي القائلين بالجبر "هدما للشريعة ومحوا للتكليف وإبطالا لحكم العقل البديهي وهو عماد الدين". من هنا بحثه في شخصية النبي محمد التاريخية والواقعية عن مثال قابل للاستلهام. وبالتالي نفي وتذليل التقاليد اللاهوتية الكسيحة التي جعلت من النبي محمد صنما ينبغي عبادته.

إن الحصيلة الفعلية للأفكار التي بلورها الشيخ محمد عبده في "رسالة التوحيد" ترمي إلى بناء منظومة الإصلاح العقلية والأخلاقية العملية الإسلامية. وفي هذا كانت تكمن بذور ما يمكن دعوته بالليبرالية الإسلامية. بعبارة أخرى، لقد وقفت الفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده أمام مهمة تحولها النوعي في ميدان العلم والعمل، ومن ثم إمكانية انتقالها صوب منظومة الفكرة الليبرالية الإسلامية. بمعنى الانتقال من "الإسلام الديني" إلى "الإسلام الثقافي"، بوصفها النتيجة الضرورية لرفع مآثر الفكرة الإصلاحية نفسها إلى مصاف المأثرة التاريخية الضرورية بالنسبة لمسار التطور الطبيعي والتلقائي للعالم العربي. وقد كانت تلك الخطوة الجريئة التي خطاها محمد عبده دون أن ينجزها حتى النهاية. لكنها كانت كامنة في الحصيلة النظرية لإبداعه الفكري وسلوكه الشخصي. وليس مصادفة أن تتحول شخصيته إلى مصدر التنوع والاختلاف الشديد عند التيارات الفكرية اللاحقة، دون أن يرتقي أيا منها إلى مصاف الاحتمال العقلاني الأكبر في ما أراد قوله وفعله، أي في ما توصلت إليه الفكرة الإصلاحية الإسلامية بشخصية الأفغاني والكواكبي. 

 

ا. د. ميثم الجنانبي

.......................

[1] محمد عبده: رسالة التوحيد، ص20.

[2]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص36.

[3]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص23.

[4]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص33.

[5]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص40-41.

[6]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص42.

[7]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص43.

[8]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص95

[9]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص53.

[10]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص57.

 

ميثم الجنابيإن الملاذ الأخير لحياة المصلحين يعادل ما اختزنوه في منظومة الفكر ومصيرها التاريخي. ولا تخلو هذه الحالة من مفارقة غريبة حينا ومأساوية حينا آخر. غير أن للحياة والفكرة نهايتهما بوصفها بداية جديدة أو متجددة. من هنا احتمال أفول الفكرة شأن الحياة قبل أن تكتمل في ما يمكنه أن يكون روحا قادرا على الحياة، أو إعادة نسخها أو مسخها بوصفها جزء من "المصير التعيس" لحياة الفرد والفكر على السواء. إذ لا قانون فاعل في هذه الحالة غير مفارقة الوجود والاحتمال الكامنة فيه. وعادة ما يتحسس المفكر الكبير هذه المفارقة عند غروب الحياة أو مشارفتها كما لو انه يتحسس آفاق الرغبة والرهبة القائمة في ما كان ينوي القيام به ويسعى إليه. وقد تكون هي الحالة التي واجهها محمد عبده آخر حياته عندما شدد في سيرته المقطوعة عن أن جميع مواقفه من المجتمع والدولة كانت مهمومة "بروح الدعوة"، رغم كونه لم يكن إماما متبع، ولا رئيسا مطاع. بمعنى انه كان يتحسس ويدرك ويحدس قيمة "الروح" في الدعوة، بوصفها دعوة إصلاحية، أي انه كان يسعى لدفع الفكرة الإصلاحية صوب تكاملها الفلسفي. وليس مصادفة فيما يبدو سعيه أواخر حياته لجمع وتنسيق محاضراته الكلامية في (رسالة التوحيد)، كما لو أنها الملاذ الأخير لروح الدعوة الإصلاحية.

إننا نعثر في المنحى الفكري والغاية النظرية لكتاب (رسالة التوحيد) على محاولة أخيرة لتطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول في ما إذا كان محمد عبده يعي ذلك أم لا، لكن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا محتملا. كما انه احتمال يتصف بقدر كبير من الواقعية حالما نقرأ (رسالة التوحيد) ضمن هذا السياق. فقد تضمنت الصيغة الهادئة "لرسالة التوحيد" بين جوانحها هدوء محمد عبده وسكونه المتراكم في شيخوخته التي أدركت مع مرور الزمن الحقيقة القائلة، بأن الزمن يندثر والتاريخ يبقى. ومن ثم ليس هناك من فكرة جوهرية في تاريخ الإسلام أكثر أهمية من التوحيد. بل هي الفكرة التي شغلت في الواقع كل تفكير جرئ في محاولاته البحث عن علة العلل أو ترابطها في الوجود والزمن، أو استكناه سرّ الحياة ومعناها. ذلك يعني أنها العقدة المتراكمة في كل بحث يرمي إلى بناء منظومة عن الوجود الطبيعي والماوراطبيعي. وليس مصادفة أن يشير محمد عبده في تقديمه "لرسالة التوحيد" إلى انه سلك في ما يكتبه فيها عن "العقائد مسلك السلف، ولم يعبأ في سبر آراء الخلف". وانه ابتعد عن "الخلاف بين المذاهب بُعدَ ممّليه عن أعاصير الشغب"[1].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن ما يضعه هنا هو فكر أقرب إلى حالة الإسلام الأول في موقفه من فكرة التوحيد. لهذا لم يعبأ بما سطّره كلام المتأخرين وجدلهم الصاخب. لهذا ابتعد عما كان مميزا لمراحل ونماذج الخلاف ابتعاده هو نفسه عما اسماه بأعاصير الشغب. ولكن ما هو هذا "الشغب" الذي أراد محمد عبده الابتعاد عنه؟ هل هو شغب ما واجهه في مراحل الصراع السياسي الأولى الذي أدى إلى إبعاده عن مصر إلى لبنان؟ فرسالة التوحيد هي نتاج التأمل الهادئ الذي توفر له للمرة الأولى بعد "صخب" الحياة المثير في مصر آنذاك. إذ "أجبره" هذا الهدوء على إفراغ تأملاته في تلك المحاضرات التي ألقاها عام 1303 هجرية وجمعها لاحقا بعد أن أضاعها. فهي دون شك مرحلة ابتعاده عن "أعاصير الشغب" التي جعلته يتمتع بهدوء لبنان الطبيعي، ليكتشف من جديد القيمة الجوهرية في البحث عن مفاهيم الوحدة والاعتدال في الله والكون والوجود والإيمان، أي في كل تلك القضايا التي شكلت لبّ محاضراته المذكورة أعلاه.

فلو نظرنا إلى مستوى محاضراته في قضايا التوحيد، فإنها تبدو عادية للغاية. بمعنى أنها لا تتجاوز في أفضل مستوياتها ما سبق وأن بلورته كتب الكلام الواسعة الانتشار. إلا أن بساطتها وسهولتها استطاعت أن تقرّب تقعير (تعقيد) الكلام القديم وجمود رؤيته ومشاكله التقليدية عبر نقلها إلى أسماع جديدة بعيدة عن صخب الأعاصير السياسية واللاهوتية على السواء.

كما يمكننا أن نلحظ في "رسالة التوحيد" على انعكاس خاص ومستور لما يمكن دعوته بنفسية الانحدار صوب السلفية المتنورة، أو صوب التنوير العقلي للسلفية المجردة من اعتبارات الرؤية السياسية المباشرة. وفيها يمكن رؤية المسار المعتدل لمحمد عبده في مدارج الكلام الإسلامي، أي في مسار الرؤية الإسلامية التي تجعل من أكثر القضايا الخلافية ميدانا للاعتدال النظري والعملي.

إننا نعثر في "رسالة التوحيد" على بعد نظري عملي جديد كان يتمثل الرؤية الإصلاحية الإسلامية بمعايير قادرة على نقل "إسلام السلف" إلى عالم اليوم دون الممرور بأعاصير الشغب. وإذا كانت قيمة التوحيد قد تحولت إلى ميدان اختياره واختباره الجديد، فلأنها شكلت في الوقت نفسه معيار العلم الذي كان يبحث عن ثلاثة محاور كبرى، وهي محور وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفاته وما يجوز أن يوصف به; ومحور الرسل والرسالة وقضاياهما المتعلقة بمضمون كل منهما وما يجب أن يكونا عليه وما يجوز أن ينسب لهما; ومحور إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان[2].

ذلك يعني، انه حاول اختصار مضمون ما اسماه بعلم التوحيد في ثلاث قضايا كبرى وهي الله، والرسول، والوحدانية. وهو اختصار يشير من حيث الجوهر إلى محاولة تطويعها بالشكل الذي يجعلها عقيدة نظرية وعملية في آن واحد. بمعنى انتزاعها من تقاليد علم الكلام التقليدي وإدخالها في علم وعمل المعاصرين بالشكل الذي يحررها من اختلافات الخلف وأعاصير الشغب السياسية. وهي رؤية تنوي أكثر مما تحتمل، إلا أنها معقولة ضمن المسار العام لارتقاء محمد عبده في وجدانه الإصلاحي. بمعنى ارتقاء مداركه اللاهوتية صوب تفعيلها العملي من خلال البحث عن نموذج إنساني أو شخصاني يجعل من "تعالي" المفاهيم أمرا معقولا في المعاصرة.

لكن ذلك لا يعني، بأن محمد عبده استطاع أن يشعل جذوة الكلام المنطقية، ولا ردم هوة الفراغ الهائلة بين التاريخ والمعاصرة، ولا حتى توظيف ما في علم الكلام وتقاليده من مفاهيم قادرة على بلورة منظومة من الأفكار والقيم يمكنها الاندماج في الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي المعاصر. إلا انه استطاع أن يتعامل مع ما وضعه بالشكل الذي يعمّق حسية وعقلية الاعتدال الإسلامي في رؤيته الإصلاحية. لهذا نراه يتكلم عما "يجب" وعما "يجوز" في الموقف من الله والرسول والتوحيد. بعبارة أخرى، إننا لا نعثر في آرائه ومواقفه وكلماته حتى على ما هو محرّم ومكروه وقابل للتكفير وما شابه ذلك من عبارات مميزة لتقاليد الكلام بشكل عام وفرقه الحنبلية بشكل خاص.

إلا أن هذا الابتعاد الواضح عن تقاليد التزمت والجمود المميزة لمراحل الكلام المتأخرة، يعكس بالقدر ذاته إدراكا عميقا لقيمته المعنوية. فالرجوع إلى تقاليد الكلام القديمة هو رجوع إلى كلام الروح والوجدان الفاعلين بمقاييس العقل الإصلاحي. وهو مضمون ما يمكن دعوته بمحاولات محمد عبده إعادة تأسيس قيمة الكلام في الظروف التاريخية الجديدة.

فمن الناحية التاريخية لم يعد لتقاليد الكلام بعدا فكريا معاصرا. كما انه لم يتغلغل في مدارك الوعي والفعل الإسلاميين. وقد يكون الاستثناء الوحيد هنا هو بعض قناعات البيئة التقليدية لعلوم الدين الواسعة الانتشار في مخابئ التقاليد الضيقة. أما من الناحية الفكرية، فإن علم الكلام يحتوي على أعلام وأئمة كبار وفكر نير وأساليب مثيرة للعقل والوجدان. ومن ثم فهو قادر على بعث الروح المعنوي في حال إرجاعه إلى "وهجه" الأول، أي في حال جعله عنصرا من عناصر اليقظة العقلية والانتماء الوجداني لتاريخ عفا عليه الزمن. وتفترض هذه المفارقة نفي الزمن وإرجاع التاريخ إلى عجلات حركته الأولى التي كان علم الكلام أحدها. وليس مصادفة فيما يبدو أن يؤكد محمد عبده على أن علم الكلام كان موجودا قبل الإسلام. إذ ليست حقيقة علم الكلام سوى نوعا من علم تقرير العقائد وبيان ما جاء من النبوات. وقد كان هذا العلم معروفا عند كثير من الأمم، كما يقول محمد عبده[3]. ومن هذه الفكرة يتضح، بأن محمد عبده أراد أن يجد في علم الكلام مشروعا محتملا من مشاريع الرؤية العلمية المتعلقة بقضايا العقائد. ومن ثم لا يعني الاهتمام بعلم الكلام سوى الاهتمام بتقرير نوع العقيدة أو الأيديولوجية للأمة، بوصفها ضرورة لها تاريخها الخاص عند الأمم. أما في تاريخ الإسلام فإنها تراكمت في مجرى صيرورة الإسلام والكلام على السواء.

طبعا، إن محمد عبده لم يرم من وراء ذلك بناء أو تأسيس أيديولوجية كلامية جديدة، لكنه سعى إلى إعادة بناء الكلام الإسلامي بالشكل الذي يجعل من حصيلته النظرية طاقة إضافية بالنسبة لشحذ الرؤية الإصلاحية. ويمكن ملاحظة هذه المهمة على نموذج إبرازه لقيمة العلم العملية في تنسيق وتوفيق العقل والإيمان. فنراه يشير إلى ما اسماه بطرفي النقيض بين منازع العقول في العلم ومضارب الدين في الالتزام بالعقائد وتقريبها من مشاعر القلوب، الذي كان يميزها سابقا. ولا معنى لهذا التنازع والتضاد في حال وضعه ضمن البنية العامة لحقيقة الفكرة الإسلامية حسب قول محمد عبده. وتصبّ هذه الفكرة عموما ضمن الاتجاه المعروف عن إيجاد النسبة المعتدلة بين المعقول والمنقول، أو العقل والشرع، أو الرواية والدراية التي تكَفّل الإسلام رفعها إلى مصاف النموذج الأعلى، كما اعتقد محمد عبده. ويشكل نموذج الرجوع إليه مهمة نظرية وعملية ممكنة من خلال إعادة بناء علم الكلام. وانطلق محمد عبده في تأسيس فكرته هذه من المقدمة القائلة بأن القرآن اتخذ منهجا خاصا به متميزا عما سبقه من الكتب "المقدسة". لهذا لم يطلب محمد عبده التسليم به لمجرد انه جاء بحكايته، ولكنه "أقام الدعوى وبرهن، وحكى مذاهب المخالفين وكرّ عليه بالحجة، وخاطب العقل واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام وإتقان على أنظار العقول وطالبها بالإمكان لتصل بذلك إلى اليقين"[4].

ذلك يعني، إن محمد عبده حاول الجمع في كلّ واحد الحكاية والدراية، أي المنقول والمعقول بالشكل الذي يفترض إقامة الدعوى والبرهان من أجل تأمل نظام الكون ورؤية تناسقه. ووجد في موقفه هذا الأسلوب الأمثل لبلوغ اليقين، أي الحقيقة كما هي. وفي هذا الأسلوب وجد أيضا ما اسماه "بتآخي العقل والدين أول مرة في كتاب مقدس". ويقرر هذا الاستنتاج ما توصل إليه الفكر الإسلامي بمختلف فرقه ومدارسه، والذي لم يرفض أغلب اتجاهاته الكبرى، إن لم يكن جميعا، حق العقل في البرهنة وضرورته بالنسبة لقضايا الإيمان الإسلامي ككل.

وقد سار محمد عبده ضمن الاتجاه الإسلامي الذي يقول، بأن هناك قضايا دينية لا يمكن الاعتقاد بها إلا عن طريق العقل. وأدرج ضمن هذه القضايا مسألة العلم بوجود الله، ومعنى الرسالة (النبوية)، أي القضايا التي أدخلها في "رسالة التوحيد". ذلك يعني انه ادخل إشكاليات ما وراء الطبيعة والتاريخ، بما في ذلك العقائدي منه، ضمن اهتمام العقل ودائرة إحاطته. بل وأندفع صوب إحدى الصيغ العقلانية في تاريخ الفكر الإسلامي القديم القائلة، بأن الدين إن جاء بشيء يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل[5]. ولا يعني ذلك ضمن رؤية محمد عبده سوى إرجاع الدين إلى حدود الرؤية العقلية التي تعطي لأشد قضاياه الإيمانية أبعادا قابلة للإدراك. وهي رؤية كانت تؤسس للاعتدال الإسلامي العقلاني وتسير في الوقت نفسه ضمن تياره العام. من هنا رفضه لتقاليد وأساليب الغلوّ العريقة في تاريخ الإسلام نفسه. إذ وجد في هذه التقاليد خروجا على حقيقة الإسلام وضعها في عبارة تقول، بأن "الغلاة تعدوا حدود الدين باسم الدين"[6]. وقدم نماذج بهذا الصدد، ربط أغلبها بالتيارات الشيعية من سبئية وإسماعيلية وباطنية. حيث وجد فيها مصدرا من مصادر المدارس القائلة بالحلول والدهرية والإفراط في التأويل، وتحويل كل عمل ظاهر إلى باطن. وهو حكم يتسم بالتسطيح، لكنه مفهوم ضمن تقاليد التربية السلفية التي تشبع بها محمد عبده في دراسته الأزهرية الأولى. وليس مصادفة أن يجد في الأشعرية نموذجا أعلى للاعتدال. ومع انه لم يقرر ذلك بصورة مباشرة، إلا أن تأكيده على نموذجية الأشعري الذي سلك "سلوكا وسطا بين موقف السلف وتطرّف من خالفهم" يمكن اعتباره إشارة إلى ما أراد الكشف عنه والبرهنة عليه والدعوة إليه. ومن الممكن استشفاف هذه الفكرة أيضا عبر محاولته توظيف الأشعرية بطريقة "عصرية". بمعنى السير ضمن الخط الوسط بين موقف السلف وتطرّف الخلف (المعاصرين). ونعثر على هذا الوسط في استلهام الفكرة الأشعرية بمختلف مظاهرها واتجاهاتها، وكذلك في رؤيته لضرورة العقيدة وماهيتها المعاصرة وموقع العقل فيها.

فإذا كان من الصعب بالنسبة لمحمد عبده أن يحدد أشخاص "السلف"، فإنه وجد نموذجهم في ما اسماه بأصحاب التقليد. وقد دعاه ذلك للحديث عن "مرض التقليد". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ما يميز أصحاب التقليد هو أنهم "يعتقدون الأمر ثم يطلبون الدليل عليه. ولا يريدونه إلا موافقا لما يعتقدون. فإذا خالف ما يعتقدونه نبذوه واندفعوا في مقاومته حتى إن أدى ذلك إلى جحود العقل برمته". واختصر فكرته هذه في عبارة تقول، بأن "أكثرهم يعتقد فيستدلّ، وقلما نجد بينهم من يستدل ليعتقد"[7]. ذلك يعني، إن الفكرة والأفكار والتفكر بالنسبة لهم هي سلسلة من المعتقدات المقبولة سلفا، وفي حصيلتها وأسلوبها هي مجرد عملية مقلوبة رأسا على عقب. وأنها لا تتعدى كونها اعتقادا يبدأ وينتهي بنفس المقدمة. ووجد في هذا النمط من التفكير أسلوبا لا يؤدي إلا إلى الباطل والمضرة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن التقليد يأتي بالباطل والضار. وبالتالي فهو "مضلة يعذر فيها الحيوان ولا تجمل بحال الإنسان"[8]. ويكشف هذا السجع عن مدى استخفاف محمد عبده بالتقليد من حيث كونه تشويها لموسيقى المعرفة واليقين الحقيقي. في حين إن مهمة المعرفة والدين والعقل بنظره تقوم في الوصول إلى يقين يعتمد على الدليل لا أن يسترسل مع التقليد. ورفع هذا النمط من بلوغ اليقين إلى مصاف المطلب الشرعي المحصن بتأمل تجارب الأمم جميعا. لذا نراه يقول، بأننا أمرنا بالنظر واستعمال العقل، ونُهينا عن التقليد بما حكي عن أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم[9]. وجعله ذلك يتكلم عن أهمية الفلسفة والفلاسفة من حيث كونهما ممثلين للرؤية العقلية. وأعتبر ذلك فضيلة بحد ذاتها عندما أكد على أن الفلاسفة تستمد آراءها من الفكر المحض. بمعنى أنهم لا ينطلقون في تصوراتهم وأحكامهم وقيمهم من "كتاب مقدس" أيا كان نوعه، بل أعتبر همهّم هو تحصيل العلم والوفاء بما تندفع إليه "رغبة العقل من كشف مجهول أو استكناه معقول"[10]. ووجد في ذلك أمرا يتطابق مع حقيقة الرؤية القرآنية في موقفها من العقل. إذ اعتقد بأنه لم يأخذ عليهم أيا من عقلاء المسلمين طريقهم في النظر، ولا وضع أمام سبيلهم في المعرفة عثرة أو اعتراض، ما دام القرآن نفسه قد رفع من شأن العقل بالشكل الذي جعله نهاية العقول في بلوغ السعادة. وبالتالي فإن تطرف المتأخرين منهم دفعهم إلى "ما وراء الاعتدال، مما أدى إلى سقوط منزلتهم من النفوس ونبذتهم العامة، ولم تحفل بهم الخاصة، فذهب الزمان بما كان ينتظر العالم الإسلامي من سعيهم"[11].

وبغض النظر عن مدى دقة هذا التقرير العام لدور وواقع الفلسفة الإسلامية وإبداعها النظري والعملي في تاريخ الإسلام ككل، إلا أن مضمونه ضمن رؤية محمد عبده الإصلاحية، يقوم في محاولته إبراز قيمة الاعتدال والانتظار العقلاني من الجهد الفلسفي المبذول. وهي فكرة معقولة ضمن الرؤية الإسلامية نفسها التي تجعل من القرآن والسّنة مصدرا جوهريا في رؤيتها لكل شيء. كما أنها الرؤية التي تعتقد بأن نهاية الفلسفة الإسلامية هي النتيجة الطبيعية لخروجها على تقاليد الإسلام بشكل عام. إلا أنها اتخذت عند محمد عبده بعدا واقعيا وعقلانيا ضمن تقاليد الإصلاحية الإسلامية.

لقد أراد محمد عبده أن يعيد اللحمة بالفلسفة بالشكل الذي يجعلها جزء من تقاليد العقل المقبول. ومن ثم إدخال علاقة المعقول والمنقول، أو الشرع والعقل ضمن دائرة الاهتمام التاريخي الحديث، بما يجعلها مرجعية قادرة على صنع الاعتدال المعارض للتقليد السلفي الجامد، والارتماء التام والشامل في أحضان الدنيوية (العلمانية) الأوربية. من هنا اعتباره عداوة العلم والدين نتاجا لانحطاط العالم الإسلامي والثقافة الإسلامية. ونظر إلى هذه العداوة على أنها جزء من تاريخ الفوضى العقلية بسبب انتشار الجهل وسيطرة الجهلة على مقاليد الأمور وابتعادهم عن الرؤية الإسلامية الحقيقية. بل انه وجد في الدعوة لهذه العداوة تقليدا لتقاليد أعرق مما في الإسلام وغريبة عليه في الوقت نفسه. من هنا فكرته عن ضرورة نفي هذه التقاليد من خلال ثلاث أفكار أساسية وهي:

- أن يكون دين الإسلام هو دين التوحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد،

- أن العقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه،

- وما وراء ذلك فنزعات شياطين أو شهوات سلاطين.

لقد أراد محمد عبده من وراء ذلك إرجاع حقيقة الدين الإسلامي إلى مبدأين عبر إرجاع حقيقته إلى فكرة التوحيد، وعدم تفريقها في القواعد أيا كانت. بمعنى ألا تكون معتقدات الفرق أيا كانت، عاملا في الفِرقة من خلال رفعها إلى مصاف الرؤية الوحيدة أو المقدسة. وهو مبدأ ينبغي أن يستند بدوره على وحدة العقل والنقل. بمعنى الاعتماد على تقاليد الأسلاف وإنجازاتهم وذخيرة الفكرة الإسلامية المقبولة بمعايير العقل المتجدد. وما عدا ذلك فهي أهواء عابرة أو شهوات السلطة في محاولاتها فرض رؤيتها على حقيقة الدين (الإسلامي). بحيث جعلته هذه الفكرة يقرّ بإمكانية الشريعة الوضعية الخالصة بوصفها شريعة فاضلة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن معرفة الله واجبة، وأن جميع الفضائل وما يتبعها من الأعمال مفروضة، وأن الرذائل وما يتكون عنها محظورة. وفي حال بلوغ هذه المقدمة يمكن وضع مختلف القوانين ودعوة البشر جميعا للاعتقاد بها. ذلك يعني انه يعيد إنتاج الفكرة الإسلامية حول وحدة العقل والشرع بالشكل الذي يجعلها أكثر "ليبرالية" ضمن تقاليد الفكرة الإسلامية نفسها.

لقد وضع محمد عبده فكرة الشريعة على أساس إدراك حدود الفضيلة والرذيلة. ويمكن تجسيد هذه الرؤية الأخلاقية العقلانية بصيغ مختلفة ومتنوعة. مما يعني إقراره بإمكانية صناعة شريعة فاضلة، لكنها تبقى مع ذلك عاجزة عن صنع شريعة متكاملة في حال عدم اعتمادها على الدين. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد الهي". كما لا يستقل الحيوان في إدراك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لا بد معها من السمع لإدراك المسموعات. كذلك الدين هو حاسة عامة تكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادة. والعقل "هو صاحب السلطان في معرفة تلك الحاسة"[12].

من هنا يتضح، بأن محمد عبده يدور في فلك الفكرة القائلة بأنه لا دين بلا عقل ولا عقل بلا دين. ووجد في هذه الفكرة نموذج الاعتدال المطلوب، الذي جعله يقول متتبعا تقاليد الفكرة الإسلامية العقلية، عن أن كل ما يتعارض مع العقل ينبغي تأويله. ولا تتعدى هذه المهمة في الواقع أكثر من توسيع مدى تبعية العقل للإيمان. بمعنى تقييد الحرية العقلية بالشكل الذي يجعلها مقبولة مع الإيمان. وبما أن الإيمان هو "عقل محوّر" حسب معتقدات الفِرق والمدارس، من هنا استحالة تحرره الكامل. لكن الحرية من حيث المفهوم والممارسة هي نسبية في الشكل والمحتوى. فطابعها النسبي يظهر بوضوح تام ضمن معايير الرؤية الدينية. إلا أن قيمتها في مفاهيم محمد عبده تقوم في كونها عملت فعلا على تحرير العقل من قيود الإيمان التقليدي السلفي العادي والجازم. ومع ذلك يبقى الدين في نهاية المطاف الفيصل النهائي في كل شيء وعلى كل قضية. وليس مصادفة أن يعتبر محمد عبده الدين "أقوى العوامل في أخلاق العامة، بل والخاصة. وسلطانه على نفوسهم أعلى من سلطان العقل الذي هو خاصة نوعهم"[13].

إننا نعثر في رؤية محمد عبده المذكورة أعلاه على تقرير لواقع العامة أكثر مما هو تقرير عن إمكانية البدائل ونماذجها العملية المحتملة. وفي هذا تكمن حدود إصلاحيتها الواقعية والعقلانية في آن واحد. ونعثر على هذه الحدود في موقفه الجديد من الدين الذي لم يعد مجرد صيغة بيانية أو إنشائية لعقائد الإيمان، بقدر ما أصبح منظومة من المبادئ النظرية والعملية الهادفة إلى تحقيق ما يمكن دعوته بالحقيقة التاريخية والمعنوية للإسلام. حيث بلور مساعيه بهذا الصدد في فكرته العامة عن الإسلام عندما أعتبر الدين الذي "لم يدع أصلا من أصول الفضائل إلا أتى عليها، ولا أما من أمهات الصالحات إلا أحياها، ولا قاعدة من قواعد النظام إلا قررها".

لقد أراد محمد عبده أن يؤسس لفكرة إقرار الإصلاح بوصفه المبدأ الجوهري في الدين الإسلامي، وحقيقة من حقائقه الكبرى. انه أراد القول، بأن حقيقة الدين الإسلامي هي الإبقاء على كل أصل من أصول الفضائل المتراكمة في التاريخ العالمي. وانه أحيا من الناحية الفعلية والتاريخية أمهات الصالحات المندثرة والمنسية. وبالتالي لا يتعارض في رؤيته مع كل قاعدة قادرة على تثبيت النظام والقانون.

ذلك يعني، إن حقيقة الإسلام من وجهة نظر محمد عبده، تقوم في توحيد الفضائل والصالحات والنظام، أي الفضيلة والفائدة والقانون. وتشكل هذه القيم الجوهرية الحياة المثلى في مستواها الفردي والاجتماعي والدولتي والثقافي على السواء. من هنا استنتاجه القائل، بأن حقيقة الإسلام ترمي إلى تأسيس حرية الفكر واستقلال العقل وصلاح السجية واستقامة الطبع وإنهاض العزائم إلى العمل. ويمكن تلخيص هذه الغاية من خلال ما يمكن دعوته بالمبادئ الكبرى الضرورية التي ينبغي رؤيتها والعمل بموجبها في الإسلام. كما يمكن حصر هذه المبادئ بخمس يدور الأول منها حول محور الرؤية أو العقيدة البديلة، والثاني حول التفاؤل الدائم، والثالث حول الاجتهاد النظري والعملي، والرابع حول الوحدة المتنوعة، والخامس حول الفكرة العملية. (يتبع...).

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1]  محمد عبده: رسالة التوحيد، دار الكتب العلمية، بيروت، (ب.ت)،ص4.

[2]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5.

[3]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5.

[4]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5-6.

[5]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص6.

[6]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص10.

[7]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص35.

[8]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص14.

[9]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص13.

[10]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص13.

[11]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص12.

[12]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص68.

[13]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص67.

 

 

منى زيتونالآية الكريمة من سورة العاديات المُعنونة للمقال أتت جوابًا للقسم بعد سياق قرآني من مدح الحق سبحانه وتعالى للعاديات.

يقول عز وجل: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)﴾.

وقد اختلفوا في العاديات وهل هي الإبل أم الخيل، وإن كنت أرى الوصف في الآيات لا يكون إلا للخيل، فالإبل لا تضبح، والضبح صوت يخرج عند العَدْو، وما يضبح من الدواب إلا الخيل والكلاب. كما أن الإبل لا تقدح بحوافرها الحجارة عند العَدْو، بينما الخيل تفعل، وقد يتطاير من ذلك شرر النيران، وهذا معنى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ أي أورت نارًا من قدح حدوات حوافرها الحجارة حتى تثير الغُبار في الجو ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾.

وعليه؛ فالعاديات هي الخيل، وهي الحيوان الوحيد الذي أقسم به تعالى في كتابه العزيز، حتى أنه لم يقسم بالإنسان، وتعدى ذلك بأنه بعد أن أقسم بها، قارن الإنسان بالخيل، فأخبره تعالى أنه كنود، أي كفور جحود، ينسى نِعم ربه، وينبغي له أن ينظر إلى تقدير وطاعة الخيل لسيدها ليتعلم! والعرب كانت ولا زالت تُسمي ذكر الخيل الجواد من جوده وعدم تأخره عن بذل أقصى ما يقدر من جهد تلبية لحاجة سيده.

وأنهى الحق سبحانه السورة القصيرة بتذكير الناس بما ينتظرهم يوم البعث من حساب وجزاء على أعمالهم، فهو سبحانه الخبير الذي لا يخفى عليه شيء من تلك الأعمال.

معضلة وجود الشر

يكثر الملاحدة من إطلاق تساؤلاتهم عن سبب وجود الشرور في العالم طالما يوجد إله رحيم قادر؛ فهل هي موجودة برغبته ومن ثم هو غير رحيم، أم بغير رغبته وهو عاجز عن إزاحتها كونه غير قادر؟! وإله مثله –إن صح أن يوجد بهذه الصفات على زعمهم- لا يستحق أن يُعبد.

والإشكالية ولا شك قديمة، وقد رد عليهم كثير من الفلاسفة والمفكرين عبر العصور. كما كان لعلماء العقيدة المسيحيين والمسلمين ردودهم ومناقشاتهم حول المسألة، وهناك فرع من اللاهوت المسيحي يُعرف بالثيوديسيا Theodicy معني تحديدًا بنقاش أسباب وجود الشر.

ولسيدنا الإمام علي بن أبي طالب مقولة عظيمة وهي "العدل ألّا تتهمه"، يعني بها أن كل ما فعله الله وقدَّره هو من ‏العدل؛ فليس الله بظلام للعبيد، ولكن الإنسان قد لا يدرك الحكمة من وراء كثير مما ‏يحدث في الكون. وهو تعالى مالك الكون يتصرف فيه بما يشاء، ولا يُتصور منه ظلمًا.

ومشكلة الشر التي يعنيها الملاحدة لا تقتصر على أفعال الله تعالى بل تتعداها إلى أفعال العباد، فلماذا تحدث الزلازل والبراكين والأعاصير فتقتل وتدمر، ولماذا يمرض الأبرياء؟، ولماذا يقترف البشر الشرور في حق بعضهم البعض وفي حق باقي المخلوقات؟ وأحيانًا قد يتوسع الملحد أكثر فيرى في سلوك الحيوانات المفترسة الغذائي شرًا يحيق أثره بغيره من الأنواع!

أفعال الله

لا يكف الملحد عن التساؤل عن أسباب حدوث الزلازل والبراكين والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية، متناسيًا أنها جزء من المنظومة الكونية بقوانينها المطردة، التي يشهد العلماء أنها مخلوقة على نحو أمثل، وأن توقف حدوث هذه الظواهر فيه إخلال بعمل تلك المنظومة المتكاملة؛ فلو قُدِّر لبركان أن يمتنع عن الانفجار فهذا يعني بقاء الضغط والطاقة الكامنة داخل الكرة الأرضية معرضًا إياها لانفجار.

والمرض والموت لا يرى فيهما الملحد إلا أنهما مناقضان للعافية والحياة، ويفشل تمامًا أن يرى حقيقة أن التغير والتبدل ضرورتان في هذا العالم، وماذا كان يمكن أن يحدث لو بقي كل البشر والحيوانات والنباتات منذ خلق الله الأرض، بل وكل النجوم والكواكب منذ خلق الكون، ولم يتجدد شيء، وصارت تتزايد فقط بلا تناقص، أو بقيت ثابتة دون تزايد أو نقصان؟ فهل هذه هي الرؤية المثالية للعالم الذي يراه الملحد؟! ثم أليس في هذا التصور تعطيل لقوانين الكون التي يزعم الملحد أنها سبب وجوده وليس الله؟!

من أجمل ما قرأت وصف عجوز للدنيا تقول فيه: "سُنيهات رخاء وسُنيهات شقاء، ويوم شبيه بيوم وليلة شبيهة بليلة. يهلك والد ويخلف مولود، فلولا الهالك لامتلأت الدنيا ولولا المولود لم يبق أحد".

والملحد في نظرته تلك شديد الأنانية، فهو في حقيقة الأمر لا يعنيه وفاة من لا يهمه من البشر، بل لو خُيِّر لاختار تجدد الأحياء كما هو الواقع في عالمنا، لكنه فقط أضعف من أن يتحمل فقد أحبته.

أفعال العباد

أفعال العباد تحديدًا كان لها النصيب الأكبر من البحث العقدي لدى المسلمين، المرتبط بمعضلة الشر؛ فأهل السُنة الأشاعرة على أن أفعال العباد يخلقها الله، ومع ذلك فهي كسب العباد. وقد ورد لفظ الكسب في القرآن في 34 موضعًا، منها ‏﴿‏وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

فالأشاعرة ينزهون الله سبحانه أن يجري في ملكه إلا ما يشاء حتى لو كان شرًا، حيث يعتقد  أهل السُنة الأشاعرة أن الله وحده الفاعل على الحقيقة، وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون تكون مخلوقة من الله، وهي مع ذلك كسبهم، لكن المعاصي تكون بعلمه وقضائه ومشيئته تعالى لا بأمره؛ فيكون الفعل خلقًا لله، كسبًا للعبد، حادثًا تحت قدرة الله وبعلمه.

ومعنى الكسب عند الأشعري: أن يكون الفعل بقدرة محدثة؛ فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة، فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة، فهو مكتسب.

ويرتبط بالاعتقاد في أن العباد يخلقون أفعالهم الاعتقاد في القدر. وكما رفض الأشاعرة عقيدة خلق العباد أفعالهم، فقد رفضوا مذهب القدرية "نُفاة القدر".

يقول الإمام الشافعي:

ما شئتَ كان وإن لم أشأ **** وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن

خلقت البلاد على ما علمت **** ففي العلم يجري الفتى والمسن

على ذا مننت وهذا خذلت **** وهذا أعنت وذا لم تُعن

فهذا سعيد وهذا شقي **** وهذا قبيح وهذا حسن

كذلك رفض الأشاعرة مذهب الجبرية المنكرين للقدرة الحادثة من العباد، فهم يعتقدون أن العبد له كسب، ومن ثم ليس مجبورًا، بل مكتسبًا لأفعاله من طاعة ومعصية، فيتوسطون بين الجبرية والقدرية. يقول السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص385-386):

وكذاك كسب الأشعرى وإنه **** صعب ولكن قام بالبرهان

من لم يقل بالكسب مال إلى اعتزال **** أو مقال الجبر ذى الطغيان

يضيف السُبكي: "كسب الأشعرى كما هو مقرر فى مكانه أمر يضطر إليه من ينكر خلق الأفعال وكون العبد مجبرًا، والأول اعتزال والثانى جبر. فكل أحد يثبت واسطة، لكن يعسر التعبير عنها، ويمثلونها بالفرق بين حركة المرتعش والمختار، وقد اضطرب المحققون فى تحرير هذه الواسطة، والحنفية سموها الاختيار. والذى تحرر لنا أن الاختيار والكسب عبارتان عن مُعيَّن واحد، ولكن الأشعرى آثر لفظ الكسب على لفظ الاختيار؛ لكونه منطوق القرآن، والقوم آثروا لفظ الاختيار لما فيه من إشعار قدرة للعبد. وللقاضى أبى بكر مذهب يزيد على مذهب الأشعرى فلعله رأي القوم. ولإمام الحرمين والغزالي مذهب يزيد على المذهبين جميعًا، ويدنو كل الدنو من الاعتزال، وليس هو هو"أهـ.

أما اعتقاد السلفية فيما يخص القضاء والقدر وأفعال العباد، فأن للقدر أربع مراتب، وهي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وهذه المراتب الأربع كلها لله سبحانه وتعالى، فالله يعلم القدر، وقد كتبه، وكل شيء يجري بمشيئته سبحانه، لكن مشيئة الله تعالى لا تنفي وجود مشيئة للعباد داخلة تحت مشيئة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، واختيار العبد هو بمشيئة الله تعالى وعلمه وقدرته، فلا يخرج شيء من فعله واختياره عن قدرة الله ومشيئته. أما معنى مرتبة الخلق أن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء في الكون، ومن ذلك أفعال العباد، فالقدر خيره وشره من الله تعالى، ولكن الإنسان مخيّر والعبد يختار أفعاله، والله يشاؤها ويخلقها كي تُوجد. وهو قول يكاد يطابق قول الأشاعرة في الكسب، ولكن السلفية لم يتفق لهم أن فهموا مراد الأشاعرة بالكسب؛ لذا يرون وجود خلاف، كونهم يعتقدون أن الأشاعرة ينفون قدرة العبد ولا يجعلون لاختياره تأثيرًا، وهو ما لم يقله الأشاعرة.

والعدل هو الأصل الثاني عند المعتزلة، والعدل الإلهي عندهم يرتبط بحرية الإنسان ومسئوليته في خلق أفعاله، لأن من العدل أن يكون الإنسان حرًا ليحاسبه الله، وهذا صحيح، ولكن للمعتزلة ظن متوهم عن وجود خلاف بينهم وبين أهل السُنة في الاعتقاد في وجود حرية للعبد في الاختيار، ولظنهم أن اعتقاد السُنة في خلق الله لأفعال عباده يتنافى مع مسئولية العباد عن تلك الأفعال، وقعوا في نفي أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد؛ لأن فيها الشر، ‏والله لا يفعل الشر، ولا يأذن به بزعمهم. من ثم يكون اعتقاد المعتزلة الذين ينزهون الله تعالى عن نسبة الشر إليه، أن أفعال العباد هم يخلقونها لأن فيها الشر؛ إبراءً منهم لله أن يكون مسئولًا عن شرورهم.

ولعل قولهم بأن كل أفعال العباد الخير والشر من خلقهم، كان هربًا من الوقوع في التصنيف الثنوي المجوسي الذي كان قد دخل إلى معتقد بعض المسلمين من بلاد فارس، والقائل بأن الخير من الله والشر من الإنسان. كما يتضح أن اعتقادهم أن العباد يخلقون أفعالهم يرتبط باعتقادهم في القدر.

لكن المسلمين -على اختلاف عقائدهم- لم يجعلوا وجود الشر وحدوث الكوارث في العالم دليلًا على عدم وجود الله كما استدل الملاحدة!

 

الملحدون كالطلبة المشاكسين!

هؤلاء ضاع منهم الهدف واختلت بوصلاتهم حتى لم يعودوا يميزون أنهم على الأرض؛ فكل أسئلتهم الغبية تنطلق من عدم فهم فلسفة الحياة.‏

يتناسون أنهم في دار بلاء وفتنة. يتناسون أن الهدف الرئيس من وجودهم في الحياة الدنيا هو اختبارهم اختبارات متتالية كي يثبتوا جدارتهم بالجنان.

لا يدركون أن الحياة الدنيا مجرد وسيلة انتقال. يتعاملون مع الدنيا كما لو كانت هي حياتهم الوحيدة التي لا حياة غيرها. يتعجلون تلك الجنان فيطلبونها على الأرض؛ إذ يتصورون أن الاستمتاع الدائم في حياتهم على الأرض دون منغصات هي حقهم!

‏﴿‏وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏﴾‏ [فصلت: 35]

يصبحون وحالهم كذلك كطلبة الجامعة الفاشلين الذين يتركون محاضراتهم، ويتغيبون عن امتحاناتهم، ويقضون أوقاتهم في الرحلات والتنزه والتردد على الكافتريا، حتى يضيقون بسبب وجودهم الأساسي في الجامعة؛ وهو تلقي العلم وإثبات جدارتهم واستحقاقهم. فكما لو أنهم موجودون بالأساس في الجامعة ليفرحوا ويمرحوا! فلماذا يزعجونهم بالمحاضرات والامتحانات؟!

يتناسون أنه كما أن الاختبارات الجامعية تطورك حتى تكون جديرًا بالمكانة التي تأمل أن تحصل عليها حال تخرجك بنجاح من الجامعة، فالمحن التي تلاقيها في الحياة الدنيا تفعل بك ليتقرر على أساسها إن كنت تستحق الخلود في الجنان. ولكن هناك من يُصر على محاكمة أفعال الله تعالى وفقًا لمعاييرهم الإنسانية، وتصوير مصاعب الحياة على أنها تعكير لصفو حياتهم ما كان ينبغي أن يُسمح به!

لماذا يوجد شر؟ لماذا يسمح الله بوجود الشر؟

هل يمكن أن يسأل هذا السؤال من يفهم أنه موجود في الحياة الدنيا ليعرف الله ويُختبر إيمانه ثم ‏يُحاسب؟ وكأن أستاذ المادة لا يعرف الإجابة الصحيحة عندما يترك تلميذه يكتب الخاطئة في ورقة إجابته!

الفساد أحد أسباب انتشار الإلحاد

لعل انتشار الفساد في مجتمعاتنا المعاصرة من أهم الأسباب التي أدت لانتشار الإلحاد كأحد جرائره.

ذكرنا أنه من المفترض أننا نُختبر في الحياة وكل منا يُجازى بما يستحق بناءً على جهده فيها، وضعاف الإيمان غالبًا ما يجعلون مدى تحقق العدالة في الدنيا دلالة على حقيقة الحساب والجزاء في الآخرة، ومن ثم فإن انتشار الفساد على الأرض يشكك بعض الناس في الإيمان بالله. ربما لو كان الناس يرون أن كل شخص ينال حقًا ما يستحق لآمنوا جميعًا أن ما يتحملونه من عناء في الدنيا سيكون له مردوده في الآخرة.

ولكننا لا نسمع سوى عن محاربة الفساد؛ فحكامنا فاسدون، واليد غير النظيفة لا تستطيع محاربة الفساد. لا بد أن تكون نظيف اليد وصادقًا أولًا قبل أن تشرع في محاربته، لكن الأمر لا يعدو الادّعاءات.

الدلال (الدلع)!‏ من أهم أسباب الإلحاد

قد يُصدم من يقرأ هذا الكلام. فهل للدلال الزائد علاقة بالإلحاد؟

الكفر لغةً هو الجحود. أوله جحود النِعم، والتي يتبعها جحود الله، وتركيز الإنسان على ما ينقصه وتغافله عما عنده يجعل فقره بين عينيه. وكل منا عنده الكثير، ولكن هناك من يظن أنه يجب أن يحالفه النجاح في كل مساعيه؛ فمن يحوز ذلك؟!

ليس على كل حي إلا أن يسعى طلبًا لحاجاته حتى لو كانت أغلب جهوده مهدرة. ولعل كثيرين لا يدركون أننا نُحاسب ونُجزى في الآخرة على مساعينا في الدنيا وليس فقط على ما حُزناه فعليًا من وراء هذه المساعي. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ [النجم: 39-40-41]

والمدقق يرى أن الملاحدة شخصيات ضعيفة تتأوه لأي مصيبة، ليس لديهم جَلَد ولا صبر على النوائب، كلما تمنوا أمنية أو نزلت بهم نازلة ودعوا فلم يُستجب لهم تشككوا!

ربما يظنون الله تعالى سيعاملهم مثلما كانت تدللهم أمهاتهم؛ يهرعون إليهن عندما يتذمرون من شيء أو نقص شيء مستجيبات لطلباتهم!

لم أجد ما حييت شخصًا قوي النفس ضعيف الإيمان؛ لذا فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وإيمانه بالله قوى لا يتزعزع. ربما كانت هذه نظرة جديدة للمعنى الذي ينطوي عليه هذا الحديث، ولهذا أيضًا كان الصبر رأس الإيمان.

 

د. منى زيتون