رجاء موليوإن اليهود منذ نشأتهم الأولى كانوا قبائل رحل، فمنذ عهد إبراهيم عليه السلام كانوا يقومون بهجرات جماعية وذلك لأن بنو إسرائيل كانوا في الأصل من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى  بإبلها للبحث عن الماء والكلأ وطلبا للأمان ولهذا السبب سموا بالعبرانيين أي من العبور .

ونجد أن إبراهيم عليه السلام تلقى عهدا ربانيا بأن تكون له أرض كنعان؛ بالإضافة أنه سوف يخرج من صلبه اثني عشر سبطا أبناء يعقوب (إسرائيل) يملكون أرض كنعان .

وبعد ذلك ارتحل يعقوب وأبناؤه بدعوة من يوسف عليه السلام إلى مصر؛ ولكن وبعد الاضطهاد من قبل الفرعون بسبب خوفه من أن يستولوا على دولته، تمكنوا من الخروج من الاستعباد بمعية موسى عليه السلام الذي أراد التخفيف من آلامهم وأن يبث الأمن في نفوسهم، ولكن لم تشأ الإرادة الربانية أن يدخل بهم موسى إلى الأرض الموعودة التي وعدهم بها إلا مع يوشع بن نون، وهكذا استفاد اليهود من الحضارة الكنعانية في تشييد صرح دولتهم .[1]

ويعتبر عهد القضاة من الإرهاصات الأولى لنشأة الدولة اليهودية وذلك لتعدد الملوك (القضاة) فيها؛ فقد تشكل لليهود وعي بضرورة إنشاء وطن قومي؛ وهكذا فإن العهد الرباني لهم كان نازعا مباشرا في قيام الدولة اليهودية.

وهذا ما سوف نتطرق إليه بالدرس والتحليل في هذا المبحث مبرزين أهم الأسس والعوامل التي ساهمت في تشكيل الدولة اليهودية ؟

يطبق سبينوزا نظرية العقد الاجتماعي على تاريخ العبرانيين فبعد خروج العبرانيين من مصر لم يخضعوا لدولة أجنبية، بل أقاموا شريعة خاصة واحتلوا ما شاؤوا من الأرض. وفوضوا حقهم الطبيعي إلى الله نفسه ووعدوه بتنفيذ أوامره التي قررها الوحي، وقام العبرانيون بهذا العقد بمحض اختيارهم،وبذلك أصبح الله زعيمهم السياسي، وأخذت دولتهم اسم مملكة الله. وكان الله ملك العبرانيين، واختلط التنظيم الديني بالتنظيم الوضعي، وقامت دولة العبرانيين على الحكم الإلهي (التيوقراطي) وكان العبرانيين سواء أمام الله والقانون والمشاركة في وظائف الدولة.

وفي العهد الثاني، فوض الجميع لموسى الحق في مخاطبة الله وتفسير القوانين، وبذلك حكم موسى العبرانيين بدلا من الله لدرجة أن اتهمه البعض باغتصاب السلطة، ولم يكن للشعب قبل موسى الحق في اختيار خليفته، بل كان على موسى بمقتضى تفويض السلطة له تعيين الخليفة لتنظيم الدولة ومخاطبة الله ونسخ القوانين وإرسال المبعوثين وتعيين القضاة واختيار الخليفة تحول النظام إلى ملكية طبقا للتعاليم الإلهية.[2]

ونجد أول ما قام به موسى هو بناء مسكن الله، وقد قام الشعب بتكاليف البناء، وعين اللاويين خداما له وعلى رأسهم هارون الذي أصبح فيما بعد خليفة لموسى ومفسرا للقوانين ومخاطبا لله، كما أسس جيشا من الأسباط الاثني عشر لغزو بلاد كنعان، وقد كانت الخدمة العسكرية واجبة على الجميع من العشرين حتى الستين، وكان على الجنود قسم الولاء لله لا للقائد، ولذلك سمي الجيش جيش الله فقد عين موسى موظفين لا رؤساء دولة لأنه لم يعط أحدا حق مخاطبة الله، ولم يكن لأحد سواه الحق في القيام بمهام الدولة من سن القوانين ونسخها وإعلان الحرب وعقد معاهدات السلم والتعيين في الوظائف المدنية والدينية.

والنظام الذي كان سائدا في عهد موسى عليه السلام "المعبد" وهو عامل الوحدة بين الأسباط، "قسم الطاعة" الواجب على المواطنين لله.[3]

كما تقوم الدولة أيضا بمهمة السيطرة على الانفعالات القائمة بين المواطنين، وذلك لقيامها على حب المواطنين لبلدهم والدفاع عن استقلاله، ويعتبر العقد الذي ربطه العبرانيون مع الله يمثل شرفا له وكل الشعوب عدوة له، بل جعلت الإقامة خارج وطنهم عارا لأنهم لم يكن لهم الحق في إقامة شعائر دينهم.

وكانت المصلحة هي الدافع الوحيد في سلوك العبرانيين وفي حرصهم على الدولة لأنهم لم يحصلوا على حق الملكية المطلق إلا في هذه الدولة الإلهية، ولكن العبرانيين لم يحافظوا دائما على تطبيق الشريعة، ومن ثم وقعوا تحت نير الأجنبي، وانهارت دولتهم والسبب في ذلك راجع بالأساس إلى أن هذا الشعب كان عاصيا بطبعه وذلك راجع إلى شريعتهم الناقصة والمتناقضة بسبب تلاعبهم فيها مما جنى عليهم وأطاح بنظامهم الذي كان مبنيا على شريعة موسى الصحيحة والمنزلة من عند الله عز وجل. وهكذا توالت الحروب والفتن إلى أن أدى هذا بسقوط الدولة العبرية اليهودية.[4]

وهكذا نستنتج أن بني إسرائيل في بدايتهم حاولوا الخروج من دوامة الشرك وعبادة الأوثان إلى توحيد الله، وتأسيس دولة أساسها حكم الله عز وجل مع تنفيذ مطلق لشريعته إلا أنهم لم يلتزموا باحترام شعائره ولا باتباع أحكام نبيهم، مما عجل في إطاحة دولتهم وسقوط نظامهم الذي يغلب عليه الشرك والوثنية.

" فقد انتهت أحداث الخروج والاستيطان إلى تطور نظام سياسي جديد للإسرائيليين. وتحول الإسرائيليون بالتدريج من جماعة قبلية بدوية في شبه جزيرة سيناء إلى تكوين إتحاد قبلي بين القبائل الإسرائيلية في عصر القضاة، واستمر هذا النظام السياسي إلى أن انتهى إلى تكوين نظام دولة لأول مرة في تاريخ بني إسرائيل ولا شك أن البيئة الكنعانية لها أثرها في هذا التحول السياسي في تاريخ بني إسرائيل فهي بيئة زراعية أدى اندماج الإسرائيليين في نظامها الثقافي إلى تحولهم من بدو رحل إلى أقوام مستقرين واتخذ استقرارهم شكل الاتحاد القبلي أولا وانتهى إلى اتخاذ شكل الدولة .

وقد استغرق هذا التطور ما يقرب من ثلاثة قرون منذ دخول كنعان في القرن الثالث عشر إلى قيام مملكة داود وسليمان في القرن العاشر قبل الميلاد ".[5]

يتضح من هذا النص أن الدولة اليهودية تشكلت بوادرها منذ عهد الخروج ووصول الإسرائيليين إلى أرض كنعان، فقد أدى اندماجهم مع الكنعانيين أن استفادوا من حضارتهم في عدة مجالات  ممهدين الطريق لتشكيل دولة وكيان خاص بهم .

ويعتبر عهد صموئيل فترة مهمة في رسم معالم الكيان اليهودي " وقد قام صموئيل بدور رئيس في زعامة بني إسرائيل حتى فترة الملكية . وتركز نشاطه في منطقة بنيامين وأفرايم، التي كانت خاضعة للفلسطينيين آنذاك (...) أما دوره الأساسي فقد قام به في شيخوخته، عندما اقتربت فترة نشاطه من نهايتها، عندما طالبه الشعب بأن ينصب لهم ملكا ليحكمهم"[6]  "فَاجْتَمَعَ كُلُّ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ وَجَاءُوا إِلَى صَمُوئِيلَ إِلَى الرَّامَةِ وَقَالُوا لَهُ: «هُوَذَا أَنْتَ قَدْ شِخْتَ، وَابْنَاكَ لَمْ يَسِيرَا فِي طَرِيقِكَ. فَالآنَ اجْعَلْ لَنَا مَلِكًا يَقْضِي لَنَا كَسَائِرِ الشُّعُوبِ».[7]

وهكذا يتبين أن صموئيل هو الذي نصب شاؤول ملكا، وهو أول ملك، على الرغم من معارضته الشديدة لفكرة الملكية في البداية . كما أنه ساند الملك في خطواته الأولى، ولكنه اختلف معه في النهاية، وترك نشاطه السياسي، بل وبشر بنهاية ملكية شاؤول واعتلاء داود العرش .

وتبدأ فترة حكم شاؤول ما بين 1004-1025]ق.م [بالصراع مع الفلسطينيين كما تنتهي به. حيث تبدأ بهزيمة شاؤول للفلسطينيين وذلك بأسلوب المباغتة والحيلة، مثل ما حدث في فترة القضاة ويعتبر ذلك بداية حرب إبادة ضد الفلسطينيين[8] القاطنين في إقليم الجبل، في منطقة بنيامين وأفرايم " وَأَخَذَ شَاوُلُ الْمُلْكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَحَارَبَ جَمِيعَ أَعْدَائِهِ حَوَالَيْهِ: مُوآبَ وَبَنِي عَمُّونَ وَأَدُومَ وَمُلُوكَ صُوبَةَ وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَ غَلَبَ. وَفَعَلَ بِبَأْسٍ وَضَرَبَ عَمَالِيقَ، وَأَنْقَذَ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ نَاهِبِيهِ."[9]

وكانت فترة حكم شاؤول مرحلة انتقالية من الناحية الاجتماعية والسياسية، فلقد انتهت فترة حكم الأسباط البطاركة وخلت محلها ظواهر جديدة وصلت لأوج تطورها في عهد داود وسليمان.

كما أن فترة حكمه تميزت بإيجابيات نرصد منها أنه أدخل تجديدات عدة، هو التنظيم العسكري، حيث لم تكن المهام التي أخدها على عاتقه تكفيها فرق المحاربين الذين يتم تجنيدهم  استجابة لنداء الزعيم المخلص وقت الطوارئ،فقد دعت الضرورة إنشاء جيش ثابت، ولهذا الغرض جمع شاؤول "شباب إسرائيل" ونظمهم مئات وآلاف ورغم ذلك فقد كان هذا التنظيم يعتمد على البنية التقليدية السبطية الإقليمية .[10]

أما من الناحية الاجتماعية فقد تميزت بظهور طبقة جديدة في المجتمع الإسرائيلي وهي طبقة المقربين للملك، ومن طبيعة الحال كانت تلك الطبقة من أسرة الملك، ولقد منحهم شاؤول ملكيات من الأراضي التي تم احتلالها من الفلسطينيين أو التي سلبت من الجبعونيين[11]، وقضية منح الأراضي كانت جديدة في إسرائيل، إلا أنها كانت معروفة في المدينة الكنعانية، ولقد أدى ظهور طبقة أقارب الملك، أصحاب الضياع والتي كانت غريبة عن روح القضاة إلى ازدياد المعارضة في فترة حكم شاؤول،  مما أدى إلى الإطاحة بحكمه وهذا الوضع ساعد على صعود الملك داود عليه السلام [12].

وهكذا فإن فترة شاؤول تعتبر مرحلة فاصلة ما بين مرحلة القضاة والانتقال إلى المرحلة الملكية،  وفترة حكمه لم تخلوا من الإيجابيات فمن الناحية التنظيمية تم تأسيس قوة عسكرية تمثل دورها في تعزيز الأمن والحفاظ على الاستقرار الدولي، ومن الناحية الاجتماعية تميزت بظهور طبقة مقربة للملك تستفيد من الهبات الملكية في الإستحواد على الأراضي التي سلبت من الفلسطينيين وغيرهم، هذا أدى إلى إحداث نوع من النفور وسقوط ملكية شاؤول ليحل مكانه النبي داود عليه السلام .

- فترة داود عليه السلام  965-1004]ق.م]:

حظي تاريخ داود بوصف مفصل للغاية في العهد القديم، مما يميزه عن باقي تواريخ شعب إسرائيل القديمة، ومن أهم مميزات تاريخ داود عليه السلام هي : تشكيل المملكة الموحدة، وحدودها الإقليمية، ووجود مؤسسات حكم ضخمة ويتضح أن مكانة الأدباء الذين يدونون تاريخ الملك في سجلات تاريخية قد حضوا بمكانة مهمة ومرموقة. [13] ومثال ذلك ما جاء في سفر صموئيل الثاني :

"  وَجَعَلَ دَاوُدُ مُحَافِظِينَ فِي أَرَامِ دِمَشْقَ، وَصَارَ الأَرَامِيُّونَ لِدَاوُدَ عَبِيدًا يُقَدِّمُونَ هَدَايَا. وَكَانَ الرَّبُّ يُخَلِّصُ دَاوُدَ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ"[14] .

أما شؤون المملكة التي كانت تحتاج لتدوين دقيق مثل إحصاء السكان :" فَقَالَ المَلكُ ليُواب رَئِيسْ الجَيشْ الذِي عنْدهُ طف فِي جَميعْ أسْبَاط إِسرائِيل مِن دَان إِلى بِئرْ سَبع وعَدُوا الشَّعب فَاعلمْ عَدَد الشَّعْب " [15].

كما تم تسجيل وثائق أنساب مفصلة وأوصاف موسعة وأماكن أنصبة الأسباط، وهذه المادة التاريخية القيمة نجدها في سفر أخبار الأيام الأول :" آدَمُ، شِيتُ، أَنُوشُ، قِينَانُ، مَهْلَلْئِيلُ، يَارِدُ، أَخْنُوخُ، مَتُوشَالَحُ، لاَمَكُ، نُوحُ، سَامُ، حَامُ، يَافَثُ. بَنُو يَافَثَ: جُومَرُ وَمَاجُوجُ وَمَادَايُ وَيَاوَانُ وَتُوبَالُ وَمَاشِكُ وَتِيرَاسُ. وَبَنُو جُومَرَ: أَشْكَنَازُ وَرِيفَاثُ وَتُوجَرْمَةُ. وَبَنُو يَاوَانَ: أَلِيشَةُ وَتَرْشِيشَةُ وَكِتِّيمُ وَدُودَانِيمُ."[16]

وبالتالي فإن فترة داود عليه السلام تتميز بمرحلة انتقالية في تاريخ الدولة اليهودية، من حيث أنه وضع القواعد الأساس لبناء الدولة وتوحيد المملكة ورسم حدودها والوثائق التاريخية تبرز هذا الجانب في الإتجاه  نحو تأسيس كيان خاص باليهود .

" تولى الأمر داود (...)  ما بين -966/1004  ق.م – وكان في أول الأمر يحكم بصفته تابعا للفلسطينيين، ولكنه تمكن من إحراز الاستقلال، ولم يكتفي بذلك بل إنه وسع حدود مملكته إلى جهات لم يبلغها سلطان اليهود من قبل، واحتل القدس، وجعلها عاصمة ملكه (...) وأقام إدارة على الطراز المصري القديم، وأجبر دمشق على دفع الخراج له، كما أحبط مؤامرة ابنه أبشالوم، وأخمد ثورة الولايات الشمالية من مملكته، وأخضع الموابيين[17] والأدوميين [18]والعمونيين[19]( ...) ومع هذا فالدولة في أوج خيلائها ". [20]

وهكذا استطاع داود عليه السلام خلال معاركه من بسط نفوذه على المنطقة وطرد الفلسطينيين إلى ما وراء الجبل، وبذلك تم الاعتراف له بالسيادة عليهم .

"كما وحد الأسباط الإسرائيليين تحت سيادة إدارية واحدة، واختار أورشليم (القدس)[21] ירושלים مركزا لحكمه (...) ولم يكتف داود بجعل القدس مركزا لقواده، بل نقل إليها تابوت العهد وأسرة الكهنة (...)  وجعل منها أيضا مركزا روحانيا للعبادة ". [22]

ويبدوا أن السبب في اتخاذ داود عليه السلام للقدس عاصمة لحكمه وملكه؛ راجع للموقع الجغرافي لها، فهي تمثل حصنا طبيعيا مما يضفي نوعا من الاستقرار والأمن على المنطقة وهذه العوامل انعكست إيجابيا على نظام الحكم فقد تمكن داود عليه السلام من الوصول إلى حكم إسرائيل كلها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الحنكة السياسية للنبي داود عليه السلام في الولاية السياسية .

" وخلف داود ابنه سليمان الذي بدأ حكمه بقتل أخيه الأكبر أدوناي، وقتل يؤاب رئيس جيش أبيه (...) وكانت مصر وأشور في حالة اضطراب مما ساعده على البلوغ بمملكته 925/960]  ق.م[-أوج ازدهارها . كان اهتمامه بالتجارة الخارجية والصناعة والتعدين والبناء والتعمير من عوامل عيشة البذخ والإسراف، على غرار ملوك مصر وآشور، وأسرف في بناء قصره الذي استغرق بناؤه ثلاثة عشر عاما، واشتهر كذلك ببناء المعبد المشهور باسم (هيكل سليمان).[23] وقد اتضحت في بنائه الرمزية الكنعانية [24]،واهتم ببناء الحصون والقلاع والثكنات، وأنشأ بمساعدة صديقه (حيرام)[25] ملك صور أسطولا من السفن التجارية ".[26]

" توفي داود عليه السلام، وتولى من بعده حكم الدولة اليهودية ابنه "سليمان" عليه السلام،  وهو النبي المشهورة قصصه في القرآن الكريم، وقد صخر الله له القوى الطبيعية كالريح، وسخر له الجن والطير والحيوانات يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وقصور وغيرها. ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا أل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾[27]  ولما توفي سليمان عليه السلام تمزقت دولته بين أولاده وضعفت"[28].

ويتضح أن فترة حكم سليمان عليه السلام تميزت بايجابيات عديدة؛ منها الاهتمام بالتجارة الخارجية والعناية بالبناء والتعمير وهذا يتمظهر في تشييد المعبد والقصر، زيادة على العناية بالجانب العسكري وذلك حفاظا على الأمن الداخلي وحماية للدولة .

" ولقد أتاحت له سيطرته الكاملة على طرق التجارة الرئيسية التي تربط أرام النهرين وسوريا . امتيازات سياسية وتجارية كثيرة . وكانت سيطرته على طرق القوافل العربية ذات أهمية قصوى، وخاصة قوافل البخور والعطارة (...) ونظرا لأن أهل سبأ كانوا هم المصدر الرئيس لهذه التجارة(...) فإن ذلك يفسر قصة زيارة ملكة سبأ للقدس، تلك الزيارة التي ساهمت في إيجاد علاقات تجارية(...) ووصل سليمان عن طريق الصوريين والدول الحديثة الجديدة في شمال سوريا إلى مصادر المعادن للمعادن، فأخذ النحاس من قبرص، والحديد من أسيا الصغرى . وكان النحاس مخصصا لصنع آنية الهيكل، بينما خصص الحديد لآلات العمل والأسلحة . ويعتبر ازدهار التجارة جانبا واحدا من جوانب الازدهار الاقتصادي في مملكة سليمان (...) و كانت حركة العمران النشطة في أرجاء البلاد من أبرز علامات الازدهار في عصر سليمان".[29]

من هنا يتضح ما مدا التطور والازدهار الذي عرفه عهد الملك سليمان عليه السلام في شتى الميادين؛  بالإضافة إلى العلاقات التي ربطها مع الدول الأخرى والتي عززت من مكانة المملكة؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الحكمة العالية التي كان يتمتع بها والتي داع صيتها بين مختلف الأقطار .

"... لكن نشاط التجار والمرابين والعمال المعطلين زاد من الفساد الاجتماعي والسياسي، مما ساعد على نشاط الأعداء، فاستعادوا بعض البقاع التي كانت خاضعة لأبيه، وانكمش ملكه في أخر عهده، فاقتصر على غرب الأردن ".[30]

ورغم الإيجابيات التي عرفتها فترة حكمه إلا أنها لم تخلوا من سلبيات؛ تمثلت في الفساد الاجتماعي والسياسي مما أضعف من قوة المملكة وجعلها تسقط في يد الأعداء الذين بطشوا بها.

ومع كثرة الأزمات السياسية والضغوط الخارجية المتتالية كل هذا ساهم في انقسام المملكة المتحدة إلى قسمين شمالية وجنوبية.

" بعد سليمان كان النزاع الشديد بين المدن والريف الذي يصحب عادة النشاط التجاري والصناعي – من عوامل انقسام الدولة إلى: (يهوذا) تحت (رحبعام) بن سليمان الذي لم يستطع – بسبب بطشه – جمع شمل البلاد، واتخذ عاصمة ملكه (أورشليم)، أما (إسرائيل) فكانت تحت حكم (يربعام) – من سبط أفرايم – الذي اتخذ عاصمة دولته مدينة (السامرة) في الشمال – 922 ق.م . تقريبا ".[31]

"אָז יֵחָלֵק הָעָם יִשְׂרָאֵל, לַחֵצִי: חֲצִי הָעָם הָיָה אַחֲרֵי תִבְנִי בֶן-גִּינַת, לְהַמְלִיכוֹ, וְהַחֲצִי, אַחֲרֵי עָמְרִי".[32]

هذا النص يدل على انقسام المملكة الموحدة إلى شمالية وجنوبية .

"حِينَئِذٍ انْقَسَمَ شَعْبُ إِسْرَائِيلَ نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُ الشَّعْبِ كَانَ وَرَاءَ تِبْنِي بْنِ جِينَةَ لِتَمْلِيكِهِ، وَنِصْفُهُ وَرَاءَ عُمْرِي. وَقَوِيَ الشَّعْبُ الَّذِي وَرَاءَ عُمْرِي عَلَى الشَّعْبِ الَّذِي وَرَاءَ تِبْنِي بْنِ جِينَةَ، فَمَاتَ تِبْنِي وَمَلَكَ عُمْرِي ".[33]

وهكذا وبعد وفاة النبي سليمان عليه السلام اشتد بطش الأعداء بالمملكة، مما دفع بأبنائه رحبعام ويربعام إلى تقسيم المملكة إلى شمالية وجنوبية لكن يتبين أن كل من المملكتين عرفتا مصيرا مغايرا ونخص بالذكر المملكة الشمالية التي عرفت اضطرابات داخلية وغزوات خارجية مما عجل بسقوطها، عكس المملكة الجنوبية التي عرفت الاستقرار وقدر لها البقاء لمدة أطول .

" لما مات سليمان بدأ شيشنق ينفذ تخطيطه، واستغل يربعام في ذلك، فلما نجح يربعام في تقسيم الدولة والتسلط على جزئها الشمالي كان ذلك في الحقيقة انتصارا عمليا لفرعون مصر، ولم يكتف شيشنق بهذا بل غزا فلسطين وصعد على أورشليم ونهبها وبسط سيطرته على دولة يهوذا ثم على دولة إسرائيل وامتد سلطانه إلى الجليل (...) كانت دولة إسرائيل تمثل أغلبية الأسباط، وكانت أوسع رقعة من دولة يهوذا، ولكن دولة إسرائيل كانت مضطربة كثيرة الانقلابات، في حين كانت دولة يهوذا أكثر استقرار وهدوءا ".[34]

"וַיְהִי בַּשָּׁנָה הַחֲמִישִׁית, לַמֶּלֶךְ רְחַבְעָם; עָלָה שושק (שִׁישַׁק) מֶלֶךְ-מִצְרַיִם, עַל-יְרוּשָׁלִָם.

וַיִּקַּח אֶת-אֹצְרוֹת בֵּית-יְהוָה, וְאֶת-אוֹצְרוֹת בֵּית הַמֶּלֶךְ, וְאֶת-הַכֹּל, לָקָח; וַיִּקַּח אֶת-כָּל-מָגִנֵּי הַזָּהָב, אֲשֶׁר עָשָׂה שְׁלֹמֹה ".[35]

" وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْمَلِكِ رَحُبْعَامَ، صَعِدَ شِيشَقُ مَلِكُ مِصْرَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَخَذَ خَزَائِنَ بَيْتِ الرَّبِّ وَخَزَائِنَ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ. وَأَخَذَ جَمِيعَ أَتْرَاسِ الذَّهَبِ الَّتِي عَمِلَهَا سُلَيْمَانُ ".[36]

وفي ظل هذه التوراة المتتالية كانت دولة الأشوريين تزداد قوة، فتوجه سرجون – 722ق.م – إلى الشام، واستولى على السامرة، أما المملكة الجنوبية فقد كانت أكثر استقرار من المملكة الشمالية وذلك نظرا لصغر حجمها بالمقارنة مع المملكة الشمالية ولقلة أهميتها وبعدها عن طرق الجيوش الغازية، وضعف مستواها الاقتصادي مما جعلها بمنأى عن الاضطرابات الداخلية والغزوات الخارجية التي قضت على السامرة؛ ومع هذا كله فقد انهارت تحت وطـأة ضربات الملك البابلي بختنصر، عام 586  ق.م  .[37]

وخلاصة القول فإن كلا من المملكة الشمالية والجنوبية عرفتا اضطرابات داخلية وخارجية، إلا أن حدة المشاكل التي عرفتها المملكة الشمالية عجلت بسقوطها في وقت وجيز وذلك نظرا لمكانتها الاقتصادية وعدم وجود مركز ديني قومي لها زيادة على تعدد ملوكها وشيوع الكفر فيها وتعدد القبائل الغير المتجانسة؛ هذا ولد لديها عدم الاستقرار لتسقط في أيدي التيارات الطاغية التي أطاحت بنظام الحكم فيها وبعد زوال المملكة الشمالية أصبحت المملكة الجنوبية معرضة بشكل مباشر للضغوط الخارجية مما أدى إلى سقوطها وهكذا تنتهي المملكة اليهودية الموحدة .

ومما ينبغي الانتباه إليه أنه كان للمملكة داود وسليمان عليهما السلام أهمية خاصة بالنسبة للديانة اليهودية؛ فهذا الحدث الهام قد فسر من الناحية الدينية على أنه يعني تحقيق العهد الذي منحه الرب لإبراهيم عليه السلام، وهو الوعد بالأرض كما أن قيام مملكة داود عليه السلام دليلا على تحقق الوعد الرباني، وقد استغل كل من داود وسليمان عليهما السلام هذه الظروف لإعطاء شرعية لاهوتية للمملكة التي نجحا في إقامتها وتأسيسها، وتم تكامل الدولة والعقيدة من خلال الدعائم اللاهوتية وأعمال طقوسية وذلك لإعطاء طابع الاستمرار للدولة اليهودية .

تأسيس الدولة العبرية:

نستطيع رسم خطوات تأسيس الدولة اليهودية من خلال المعالم التاريخية الرئيسية التالية:

"نظم اليهودي المجري ثيودر هرتزل[38] (1904-1860) المؤتمر الصهيوني العالمي الشهير في بال بسويسرا عام 1897 والذي نتج عنه تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية وترسيخ فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وأنشأ أيضا الصندوق الوطني عام 1901 لشراء الأراضي في فلسطين .

وعد بلفور عام 1917 بإنشاء مسكن وطني يهودي في فلسطين على أن لا يلحق ضررا بالحقوق العربية .

توقيع اتفاق تعاون بين الأمير فيصل (ملك العراق لاحقا) وبين اليهودي الروسي حاييم وايزمن 1952-1874)) والذي أصبح أول رئيس للدولة العبرية بعد إعلانها في فرساي بفرنسا عام 1919"[39].

"إعطاء بريطانيا السيطرة على فلسطين من خلال الانتداب الذي وافقت عليه الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، تحول الوعد من مشروع مسكن وطن يهودي بناء على طلب ستالين إلى مشروع إقامة دولة يهودية يتعهد الإتحاد السوفييتي بحمايتها .

تصويت اللجنة السياسية في الأمم المتحدة لصالح قرار تقسيم فلسطين بين اليهود والعرب...

تقسيم فلسطين وإعلان الدولة اليهودية واعتراف معظم دول الصناعي بها .

حرب عام 1948.

حصول الدولة العبرية على 100,000,000 دولار من الولايات المتحدة الأمريكية في 1948/5/14 عن طريق الرئيس الأمريكي هاري ترومان، إضافة إلى عدد وعتاد عسكرية لترجيح كفة اليهود العسكرية ".[40]

وخلاصة لما تقدم يتبين أن المجهودات التي قام بها اليهود من أجل تأسيس الوطن القومي لهم، تتمثل في توقيع اتفاقيات مع الدول الأخرى من أجل اكتساب الصبغة الشرعية لإقامة الدولة اليهودية في أرض فلسطين؛ وقد تمخض عن ذلك أن قامت عدة مؤسسات بمنحهم مختلف المساعدات الضرورية وذلك بغية تحقيق فكرة الوطن اليهودي المستقل، وتأكيدا لفكرة العهد الرباني لهم بالأرض الموعودة ألا وهي فلسطين؛ وقد نشأ عن ذلك أن استعانوا بتبريرات أسطورية لتعزيز وتأكيد فكرة إقامة الدولة اليهودية .

" وكان من أهم أهداف قادة الحركة الصهيونية، ثم المنظمة الصهيونية العالمية، هو إقامة دولة تحمل اسما تاريخيا صرفا، في محاولة من جانب هؤلاء القادة لترسيخ مفهوم إسرائيل ككيان تاريخي، حمل المسمى نفسه في التاريخ القديم؛ وعلى الرغم من أن فكرة هذا الكيان هو كيان يهودي في الأساس؛ فإن هؤلاء القادة ابتعدوا في البدايات عن توصيف الكيان بسمة دينية كالدولة اليهودية، لخشيتهم من رفض العالم لهذا الكيان؛ وبخاصة أن دول العالم في القرن  التاسع عشر كانت تنحى منحى النمط القومي (...) فارتأى قادة الحركة الصهيونية استخدام النمط القومي؛ على اعتبار أن دولة إسرائيل المزمع إنشاؤها ستكون للقومية اليهودية التي تجمع بين أجنحتها كل شتات اليهود في العالم؛ مع عملهم الدؤوب على أن يحمل أي قرار بخصوص دولتهم اسم الدولة اليهودية، لاستخدامه عندما تقتضي الظروف ذلك ".[41]

الملاحظ أن الهدف الذي ترمي إليه الحركة الصهيونية يتمثل في تأسيس الدولة اليهودية على أنقاض الكيان الفلسطيني، عن طريق رسم مخطط يلوح بآفاقه على المدى البعيد وذلك بوضع الشتات اليهودي في أسس بناء وإنشاء القومية اليهودية مع حث الدول الأخرى على الموافقة والتنظير لهذا المشروع الذي يحمل في طياته السموم للمجتمع الفلسطيني .

" والثابت تاريخيا أن انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بازل في سويسرا عام 1897 م، الذي ضم كل التجمعات الصهيونية في العالم، كان بمثابة الإعلان الأول لإنشاء الدولة اليهودية، فمن خلاله وضعت اللبنات الأولى والمقومات الأساسية الضرورية لقيام تلك الدولة على أرض الواقع، وظهر ذلك جليا من خلال تحديد المؤتمر لأهدافه، والتي كان من أهمها : خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام؛ وقد تعمد مؤتمر بازل أن يستعمل في قراره الرئيس تعبير "وطن" لأسباب دبلوماسية، بينما كان الهدف الحقيقي للمؤتمر منذ البداية هو "دولة يهودية"، ولتحقيق هذا الهدف لابد من وسائل لتنفيذها، منها : العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين اليهود وفق أسس مناسبة، وتقوية الشعور والوعي القومي اليهودي وتغذيته، بل أكثر من ذلك فقد ألف "تيودور هرتزل" عام 1895 م كتابا أسماه (الدولة اليهودية) (...) شرح فيه أفكاره حول المسألة اليهودية والحلول التي يتوخاها لها ".[42]

يتضح مما سبق أن فكرة إنشاء الدولة اليهودية،كانت الأساس لدى قادة الفكر الصهيوني وعلى رأسهم هرتزل لذلك كان عليهم تقوية الشعور القومي في نفوس الجماعات اليهودية وكل ذلك يصب في هاجس تحقيق الوعد الإلهي بالأرض الموعودة وإعادة أمجاد الملوك السابقين مثل داود وسليمان علهم السلام في تأسيس المملكة اليهودية .

ومن بين التبريرات التي اعتمدها اليهود لتأسيس دولتهم نرصد التالي:

جاء في تصريح جولدا مائير لصحيفة قنداي تايمز أن :

" ليس هناك شعب فلسطيني (...) ولم يكن الأمر أننا جئنا وأخرجناهم من الديار واغتصبنا أرضهم . فلا وجود لهم أصلا .

كما أن الإيديولوجية الصهيونية تستند إلى مسلمة بسيطة تتمثل في ما جاء في سفر التكوين: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ".[43]

وجاء في صحيفة لوموند : " إن وجود هذه الدولة هو تجسيد للوعد الإلهي ومن السخف أن يطالب أحد بشرعيتها غير ذلك "

كما صرح لبيجين في أوسلو في صحيفة دافار :

" لقد وعنا بهذه الأرض، ولنا الحق فيها ".

أما "موشي ديان" فيقول:

" إذا كنا نمتلك التوراة، ونعتبر أنفسنا شعب التوراة، فمن الواجب علينا شرعا أن نمتلك جميع الأراضي المنصوص عليها في التوراة. أراضي القضاة والآباء، أراضي أورشليم وحيرون وأريحا، والأراضي الأخرى " .

يقول "مناحم بيجين" الذي تشبع بالتراث التوراتي :

" سوف تعود أرض إسرائيل الكبرى إلى شعب إسرائيل، كاملة وإلى الأبد ". [44]

ونستخلص من هذه التصريحات المختلفة أن اليهود استثمروا بعض النصوص المقدسة ليجعلوها تخدم أغراضهم في تأسيس وطن قومي لهم على أرض فلسطين، وذلك بغية اكتساب الطابع الشرعي وهو الوعد الرباني بالأرض، لهذا السبب فإنهم يعتبرون أن الأعمال التي يقومون بها مبررة ومن حقهم ماداموا ينفذون أمرا ربانيا، وبعكس ذلك فإن الوعد بالأرض كان في الوقت الذي كانوا فيه على العقيدة الصحيحة وماداموا نقضوا عهدهم مع الرب ومع أنبيائهم فإن الوعد لم يعد قائما.

 

رجاء موليو - المغرب

طالبة دكتوراه

...........................

[1] - تاريخ الديانة اليهودية، محمد خليفة، ص: 193-194 بتصرف.

[2] - رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، دار التنوير للطباعة والتوزيع، بيروت، 2005، الطبعة الأولى، ترجمة حسن حنفي، ص: 92-91-90 بتصرف.

[3] - رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ص: 92-91-90 بتصرف.

[4] -  نفسه، ص: 94-93 بتصرف.

[5] - تاريخ الديانة اليهودية، محمد خليفة حسن أحمد، ص : 203.

[6] - العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والإكتشافات  الأثرية، أبراهام مالمات وحييم تدمور، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة،  2001، الطبعة الأولى، ص : 199 .

[7] - سفر صموئيل الأول : 5/8 .

[8] -فلسطين هو الإسم الذي يطلق في الوقت الحاضر على المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن والممتدة حتى لبنان وسوريا شمالا والبحر المتوسط وسيناء غربا، وكانت تسمى أرض فلسطين "بحور" نسبة إلى الحوريين، ويشار إلى فلسطين بعبارة " إرتس يسرائيل " و "صهيون" و"أرض الميعاد" في الكتابات الدينية اليهودية وفي اللغة العبرية . (ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري- المجلد 4 ص: 180 ).

[9] -سفر صموئيل الأول : 47/14 .

[10] - العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والإكتشافات  الأثرية، أبراهام مالمات وحييم تدمور، ص :-202- 201-200  بتصرف .

[11] -الجبعونيين : ال "نيثينيم" جماعة غير يهودية كانوا يعدون من عبيد الهيكل، كما كانوا يقومون على خدمة كهنته اللاويين، وقد اشتق اسمهم من فعل "ناثان" بمعنى "يكرس" أو "يسلم" ويمكن أن يكون معنى الكلمة في صيغة المفرد هو "تخصيص فرد للعبادة القربانية" وهم سكان عدة مدن بجوار القدس، وقد كانوا من الكنعانيين . (ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري المجلد 4 ص: 171-172).

[12] - العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والإكتشافات  الأثرية، أبراهام مالمات وحييم تدمور، ص :-202- 201-200  بتصرف .

[13] - نفسه، ص : 204  بتصرف.

[14] - سفر صموئيل الثاني : 6/8 .

[15] - سفر صموئيل الثاني : 2/24 .

[16] - سفر أخبار الأيام الأول : 7-1/1 . ينظر سفر أخبار الأيام لمعرفة أنساب بني لإسرائيل بالتفصيل .

[17] - الموابيين : كلمة "مؤابي" مشتقة بالنسب إلى بلاد مؤاب، وكلمة "مؤاب" لفظ سامي معناه "من أبوه" والمؤابيون ساميون يرجع تاريخ استقرارهم في فلسطين إلى أواخر القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي أنهم أسبق من القبائل العبرانية بزمن طويل في فلسطين . وتقع مملكتهم في سهل مرتفع شرقي البحر الميت، يحدها شمالا نهر الأردن، وتمتد جنوبا إلى أدوم . ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري- المجلد 4 ص: 150.

[18] - الأدوميين : كلمة " أدوميون" تشير إلى إحدى الجماعات السامية التي كانت تقيم في أرض كنعان بمنطقة جبل سعير التي كان يطلق عليها "أدوم" وحسب الرواية التوراتية من نسل عيسو الذي كان يدعى أيضا أدوم . ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب الميري- المجلد   4 ص : 148.

[19] - العمونيين: شعب سامي قديم تجمعه، حسب الرؤية التوراتية، صلة قرابة بالعبرانيين، وبعد فترة قصيرة من الحياة شبه البدوية، أنشأ العمونيون مملكة شمالي مؤاب التي استمرت من عام 1500 ق .م حتى القرن الثاني الميلادي . وقد سموا عاصمتهم " رباة عمون " ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري- المجلد 4 ص: 149.

[20] - اليهود تاريخ وعقيدة، كامل سعفان، ص : 18.

[21] - القدس : تقابلها في العبرية كلمة "يروشلايم ירושלים" وقد وردت الكلمة بهذه الصيغة في العهد القديم أكثر من ستمائة وثمانين مرة . وهي كلمة مشتقة من الكلمة الكنعانية "اليبوسية" من مقطع يارا بمعنى يؤسس أو من أور بمعنى موضع أو مدينة ومقطع "شولمانو" أو شالم أو شلم وهو الإله السامي للسلام . ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري- المجلد 4 ص: 198-197.

[22] - العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والإكتشافات  الأثرية، أبراهام مالمات وحييم تدمور، ص : 209-208.

[23] - هيكل سليمان : اشترى داود أرضا من أرونا اليبوسي ليني فيها هيكلا مركزيا، ولكنه لم يشرع هو نفسه في عملية البناء ( وتبرز التوراة ذلك بأن الرب منعه من ذلك لوقوعه في خطأ قتل أوريا الحيثي )، فوقعت المهمة على عاتق ابنه سليمان الذي أنجزها في الفترة 960- 953 ق.م ولذا، فإن هذا الهيكل يسمى "هيكل سليمان" أو "الهيكل الأول" وحسب التصور اليهودي، قام سليمان ببناء الهيكل فوق جبل موريا، وهو جبل بيت المقدس أو هضبة الحرم التي يوجد فوقها المسجد الأقصى وقبة الصخرة. وفي العبرية يسمى "هرهبايت"  "הר הבית"  أي "جبل البيت" (بيت الإله). (ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري- المجلد 4 ص:(262 .

[24] - كلمة "كنعاني": هي صيغة النسب إلى كنعان وهي كلمة حورية تعني "الصبغ القرمزي" وهو الصبغ الذي كان الكنعانيون يصنعونه ويتاجرون فيه، وتبعا لجدول أنساب سفر التكوين فإن الكنعانيين هم نسل كنعان بن حام بن نوح . (ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري- المجلد 4 ص: (157.

[25] -حيرام : لفظ عبري وفينيقي اختصار لكلمة "أحيرام" ومعناه "الأخ يرفع" وهو ملك صور الذي شيد هياكل لعشتاروت . كان حيرام صديقا لكل من داود وسليمان . (ينظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري- المجلد 4 ص:( 169.

[26] - اليهود تاريخ وعقيدة، كامل سعفان، ص : 17.

[27] - سورة سبأ، الآية: 13.

[28] - فلسطين.. التاريخ المصور، د. طارق السويدان، الإبداع الفكري، الكويت، 1425ه- 2004م، ص: 42.

[29] - العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والإكتشافات  الأثرية، أبراهام مالمات وحييم تدمور،  ص : 219-218-217.

[30] - اليهود تاريخ وعقيدة، كامل سعفان، ص : 18.

[31] - اليهود تاريخ وعقيدة، كامل سعفان، ص: 18 .

[32] -www.Sefarim.fr .

[33] - سفر الملوك الأول : 22-21/16 .

[34] - مقارنة الأديان اليهودية، أحمد شلبي، ص : 83-82 .

[35] - www.Sefarim.fr .

[36] - سفر الملوك الأول : 26-25/14 .

[37] - اليهود تاريخ وعقيدة، كامل سعفان، ص: 18 و موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري المجلد 4، ص: 292 والإسلام والدين المصري القديم، محمد أبو رحمة، ص: 21  بتصرف .

[38] - ثيودر هرتزل : صحفي يهودي نمساوي، ومؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة اسمه العبري الشخصي : بنيامين زئيف ولد في بودبست في 2 مايو 1860 وتوفي في إدلاخ بالنمسا في 3 يوليو 1904، تلقلى تعليما يطابق روح التنوير الألماني اليهودي السائد في تلك الفترة، التحق بكلية القانون حتى حصل على الدكتوراه سنة 1884 تم اشتغل بعدها فترة قصيرة في محاكم فيينا سالتسبورغ، تم توجه إلى الأدب والتأليف .

[39] - أساليب اليهود في تحقيق أهدافهم، إبراهيم بابللي، 2006، دار ناشري، ص: 5-4 .

[40] - أساليب اليهود في تحقيق أهدافهم، إبراهيم بابللي، ص: 5-4 .

[41] - يهودية دولة إسرائيل جذور المصطلح وتأثيره على القضية الفلسطينية، أسامة محمد أبو نحل، ص: 298 .

[42] - يهودية دولة إسرائيل جذور المصطلح وتأثيره على القضية الفلسطينية، أسامة محمد أبو نحل، ص: 298-299  .

[43] - سفر التكوين : 19-18/15 .

[44] - الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، روجيه جارودي، دار الشروق، القاهرة، 1418ه – 1998م، الطبعة الأولى، ص: 226-225-223 .

 

 

ابراهيم القادري بوتشيشمن الانعكاسات الإيجابية لجائحة كورونا على العالم، أنها عادت بالبشرية إلى أصلها الطبيعي، القائم على التضامن والتعاون والتآزر. فالإنسانية برمتها تعيش هذه الأيام زمنا عالميا متجانسا، باتت فيه تشعر بالألم المشترك، وبارقة الأمل الجماعي في التشبث بخيط البقاء، والتطلع  للخلاص من شبح هذه الجائحة التي عصفت بالمعمور شرقا وغربا، حتى بدا وكأن العالم اليوم بدأ يتحدث لغة كونية واحدة، لغة صامتة عنوانها الصبر والصلاة والصوم واليد الممدودة للآخر على حدّ قول جيل دولوز Gilles Deleuze.

من البديهي في ظل هذا الإحساس الإنساني المشترك، أن تتأثر بوصلة علاقة الغرب بالإسلام بوهج التلاحم البشري الذي أفرزه الوباء العالمي، وأن تعود الديانات إلى أصلها الطبيعي في التلاقي والتحالف، من أجل بناء الإنسان وتحقيق الغاية من وجوده، بعيدا عن مشاهد التعصب والتشنج،  وأعطاب الهويات القاتلة حسب تعبير أمين معلوف، وهي مشاهد أفرزتها للأسف المصالح الاقتصادية والسياسية.

نحاول في السطور التالية رسم الخطوط الأولية لهذا التقارب والتسامح الإنساني من خلال محورين يعكسان " شهر العسل" الذي أصبحت تعيشه الحضارات برمتها في زمن كورونا، وخاصة الإسلام والغرب.

1- فتاوى جديدة في زمن كورونا: تفاعل وانفتاح بين الإسلام والغرب

لا سبيل لإنكار انعكاسات جائحة كورونا في توجيه مؤسسة الإفتاء بأوروبا، نحو تطويع أجوبتها حول النوازل الواردة عليها من أبناء الجاليات الإسلامية بما يتماشى وظروف وقوانين البلاد التي تعيش تحت كنفها، ودعوتها للتآزر والتعان مع الآخر.

أستند في هذه الفرضية إلى كتاب جديد صدر مؤخرا  بعنوان " نوازل الأوبئة" في طبعة إلكترونية، ببرمنجهام أبريل 2020 ، يسلّط  فيه مؤلفه محمد علي بلاعو الضوء على هذه المسألة من خلال ما جمعه من نوازل همّت قطاعا عريضا من الأقليات الإسلامية بأوروبا، علما أن المؤلف يشغل عضوية بعض لجان هيئة الفتوى ببريطانيا، وقام بترجمة بعضها حسب ما ذكره في مقدمة الكتاب. وبطبيعة الحال، ثمة كتب أخرى صدرت مؤخرا  في عزّ جائحة كوفيد 19، تسير على نفس المنوال، ولكننا اقتصرنا على الكتاب الأخير كنموذج.

إن نظرة راصدة لمجموعة من النوازل والفتاوى التي يحويها هذا الكتاب، وتفكيك نسيح مكوّناتها، وافتحاص السياقات المؤطرة لها، يجعلنا نضع الإصبع على خانة من الخانات التي تعكس تطور العقل الفقهي الإسلامي، وانفتاحه وتفهمه وتفاعله مع شروط وظرفية البيئة الغربية التي يعيش فيها، وحرصه على التأقلم مع أزمة الوباء، ومع قوانين الطوارئ الصحية التي أعلنتها السلطات الأوروبية. فالمفتي يسعى جاهدا لتوسيع منظوره، وترحيله من الدائرة التشريعية الإسلامية الصرفة،  نحو أفق التفاعل المركّب مع الدائرة الكونية، لأن الوباء عالمي بامتياز، ولا يمكن الإجابة عن النوازل المطروحة إلا من خلال تفاعلها مع الوسط العالمي.

كما يؤكد استنطاق هذه النوازل، ما تتميز به الشريعة الإسلامية من لون متجدد، متفاعل مع تغيرات الأزمنة، واختلاف الأمكنة، ومراعاة الاستثناءات، وتطويع النصوص والأعراف في" أزمنة  الشدة"، مما يلزم المفتي بالتحاور مع الوضع الاستثنائي بكافة أشكال الليونة، لأن مثل هذا الوضع تترتب عليه قضايا جديدة تتطلب من العقل الفقهي عدم الانزلاق في حفرة الجمود والتحجر، والتعامل معها بمواقف تتسم بالتعقل والاجتهاد الذكي.

نسوق مثالا على هذا التكيّف مع الواقع الأوروبي من خلال تحذيرات المؤلف عند تأطيره لنوازل كورونا، وحرصه على عدم وقوع المفتي في فخّ  المقارنة والمماثلة بين المواقف من الجوائح التي عرفها التاريخ الإسلامي الباكر، من دون فهم تغير الزمن التاريخي الذي أنتجها، ذلك أن مقارنة الأوبئة المعاصرة  من قبيل (إنفلونزا الخنازير، أو إيبولا أو كوفيد 19 بطاعون عمواس أو وباء الجدري عام الرمادة أو غيرها من الجوائح والأوبئة التي حصلت زمن الصحابة ومن بعدهم، ينبغي أن يحكمه ضابط مراعاة تغير الظروف وتفاوت الأزمنة عند إصدار الفتوى. صحيحٌ أن الجامع بينها أنها أوبئة، إلا أن الظروف والأزمان مختلفة ومتباعدة) على حدّ تعبير المؤلف.

واستنادا إلى رأي كاتب مقال" إغلاق المساجد بسبب كورونا، وأزمة العقل الفقهي"، آخذ جامع هذه النوازل على الفكر الفقهي التقليدي افتقاره إلى فقه الاستشراف، وغلبة العاطفة على العقل، وانفصال التكوين الفقهي عن العلوم الطبية، ومن ثمّ الحاجة إلى تغيير منظومة الدراسات الشرعية. لذلك يذهب إلى أن تشكّل بنية الفتوى ينبغي أن يتكيف مع مجموعة من المتغيرات التي رافقت وباء كورونا، وهي على الخصوص: مراعاة ظرفية الأزمة (الشدة)، الحلّ الواقعي والتيسير، ورفع الحرج، وجلب المصالح، واحترام بيئة الاستقبال، وضرورة سرعة تنزيل الفتوى بما يتلاءم مع مستجدات الوضع الصحي التي تتغير يوما بعد يوم، وغيرها من المعايير التي يتبناها الفقه المقاصدي، مما يشي بأن فقه الأقليات يسعى إلى  حسن تدبير أزمة كورونا، وإعادة تجسير العلاقات بين الجاليات الإسلامية وبيئية الاستقبال الأوروبية.

وتجسّد نوازل الوفيات وترتيب الجنائز الواردة في هذا الكتاب، تجلّ آخر من تجليات تطويع فقه الأقليات وتكيّفه مع الواقع. فارتفاع أعداد الوفيات جسّد الحدث البارز في جائحة كورونا بأوروبا، لذلك بات من البديهي أن تشكل نوازل الجنائز والدفن والاختلاط مع غير المسلمين السقف العالي في هذه النوازل. وقد اعتمد المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قواعد تخدم هذا الاتجاه، ومنها أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن المشقة تجلب التيسير، ولا تكليف إلا بمقدور،  ولا واجب مع العجز، خاصة  في حالات استثنائية كغسل المصاب بهذا الوباء، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه.

وتطبيقا للتغيرات التي طرأت على بنية الفتوى بالنسبة للأقليات الإسلامية في أوروبا وتأقلمها مع ظرفية وباء كوفيد 19، وتجسيدا للتقارب الذي حصل بين المسلمين والأوروبيين، نورد أربعة نوازل تصبّ في هذا الاتجاه:

- نازلة حول الدعاء لغير المسلمين بالشفاء:

ورد سؤالٌ إلى هيئة الفتوى في بريطانيا من ممرضة مسلمة تقول فيه:

(أنا أعمل ممرضة في قسم العناية المركزة بمستشفى كبير في برمنجهام، وهو ممتلئٌ حاليا  بمرضى وباء كوفيد 19 ، وهم مختلطون بين مسلمين وغيرهم، فهل يجوز الدعاء لغير المسلمين بالشفاء؟).

نصّ الجواب: (وهي الفتوى الصادرة عن المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث تحت رقم 10/30):

(لا حرج أبدا في الدعاء لجميع المرضى بالشفاء،  لا سيما في هذ الأوقات الحرجة التي يجب على المسلمين فيها أن يكونوا جزءا من مجتمعاتهم، والمشاركة مع الناس في حملات التوعية، وما يساعد على تخفيف المصاب، وإظهار التضامن ومنها الدعاء، وخاصة وأن هذا الوباء عامٌ، والمريض به يمكن أن يؤثر على الجميع دون تمييزٍ، وهذا هو هدي الإسلام).

- ثمة نازلة أخرى تمحور موضوعها حول جواز تقديم الشبان المسلمين الأطعمة للأطقم الطبية غير المسلمة التي تشتغل في مستشفيات مدية برمنجهام.

وقد أباحت مؤسسة المجلس الأوروبي للإفتاء جواز ذلك بناء على المرجعيات القرآنية والحديثية، لما تعكسه المبادرة من روح التضامن، خاصة في هذه المرحلة الصعبة التي تصل فيه الأطقم الطبية بياض النهار بسواد الليل، حفاظا على صحة المرضى، وعدم إمكانية الرجوع لبيوتهم.

- وتعكس النازلة الثالثة أيضا ليونة الفتاوى تجاه التداعيات التي تسببت فيها جائحة كورونا، إذ ورد على هيئة الفتوى في بريطانيا سؤال من أحد الأطباء المسلمين حول جواز التوقيع على إذن بحرق جثث مرضى قضوا نحبهم بسبب كورونا، قبل نقلها إلى المحرقة، وأن حرق الجثة لا يسبب تلوثا للطبيعة. وقد صدرت في هذا الشأن فتوى عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث تحت رقم  28 (8/2) بجواز ذلك، لأن الطبيب المسلم غير مسؤول عن الحرق، وأن شهادته تخص عدم تلويث البيئة فحسب.

- أما النازلة الرابعة فيدور فحواها حول جواز شهود جنازة غير المسلمين ودفنهم. وقد وردت على هيئة الفتوى في بريطانيا من عامل في الإسعافات الطبية، يقول فيه:

(أنا أعمل في الإسعاف في قسم الطوارئ بالمستشفى في إحدى القرى الصغيرة في بريطانيا، وفي ظل تفشي أزمة كورونا فإننا نضطر أحيانا لشهود جنازة الموتى المسنّين من غير المسلمين ودفنهم؛ نظرا لأن الكنيسة مغلقة للسبب نفسه، وهي التي كانت تقوم بهذا الدور في الأيام العادية، فهل في ذلك حرجٌ؟).

وقد صدر قرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث حول هذه النازلة تحت رقم22 (4/6) بجواز القيام بدفن الموتى غير المسلمين وشهود جنازتهم، على أن لا يشارك في الصلوات والأدعية التي تقال إن كان معه أحد.

2- خفوت خطاب الإسلاموفوبيا بأوروبا:

لم تقتصر علاقة الجالية الإسلامية ببيئتها الأوروبية على التفاعل الفقهي ، وتطوير" فقه نوازلي وبائي" متعايش مع  الآخر في زمن كورونا فحسب، بل تخطته إلى تحولّ خطابات العنصرية المقيتة، وشبح الإسلاموفوبيا بدورها نحو خطابات تآلفية تضامنية، وتسامح ديني لا تخطئ العين السليمة في رؤيته، وهو ما نقوى على بيانه من خلال عدة مشاهد نذكر منها:

- المبادرات التطوعية للجاليات الإسلامية في أوروبا، حيث تمّ جمع التبرعات المالية بهدف تقديمها للمستشفيات التي يتم فيها علاج ضحايا فيروس كورونا، بغض النظر عن جنسيتهم أو دينهم أو معتقداتهم. ففي الأزمات والكوارث، عادة ما تغيب المرجعيات الإثنية والمحرّكات الدينية والقبلية، ليصبح وجود الإنسان هو حجر الزاوية ومحور الاهتمام.

- وفي الاتجاه ذاته، حضرت مبادرات أرباب المطاعم العربية بأوروبا ضمن مشاهد التضامن والتآزر؛ ولا غرو فقد أخذ هؤلاء على عاتقهم مهمة التكفّل بتحضير الأغذية  للأطباء والممرضين الذين لم تسعفهم ضغوطات وقت العلاج للخروج من المستشفيات، وتقديمها لهم دون مقابل، بغض النظر عن ديانتهم وجنسياتهم، عربونا على التعاضد والتلاحم من أجل حماية أرواح المصابين مسلمين وغير مسلمين.

-  وأمام استفحال وباء كورونا، وزيادة ضحاياه في هولندا، تمّ حسب ما ورد في بعض التقارير الصحفية والكتابات، وضع أحد مساجد أمستردام رهن إشارة السلطات الصحية الهولندية، لاستخدامه كمأوى للطوارئ، للتخفيف من الاكتظاظ البشري على المستشفيات بسبب ارتفاع عدد المصابين بالوباء.

- وخلافا للصورة النمطية لمرحلة ما قبل كورونا، صار الآذان في المساجد يرفع جهارا عبر مكبرات الصوت في عدد من المدن الأوروبية. ففي هولندا، وخاصة عند بداية انتشار فيروس كورونا،  أصبح آذان الجمعة يسمع من بعيد في المساجد رغم فراغها من المصلين. وفي العاصمة الألمانية برلين، غدا صوت المؤذن يصدح من مئذنة مسجد السلام، ونفس الشيء يقال عن مسجد أبي بكر الصديق في فرانكفورت.

ولم تحد الدول الأوروبية الأخرى عن هذا المسار التسامحي الذي خلفه وباء كورونا، ففي قلب بروكسيل، حاضرة الدولة البلجيكية، علا صوت الأذان من إحدى المساجد لأول مرة عبر مكبرات الصوت. وفي المسجد الكبير بمدينة ليون الفرنسية،  تمّ سماع  الآذان لأول مرة كذلك بمكبرات الصوت عند آذان المغرب. أما في إسبانيا، فقد  تمّ رفع الأذان من مسجد بمدينة غرناطة الإسبانية لأول مرة بعد مرحلة تاريخية دامت أكثر من خمسة قرون.

وحتى في ظل الإغلاق الذي طال المساجد بأوروبا، بثت إحدى فيديوهات اليوتيوب مشهد فتح كنيسة مارتا ببرلين أبوابها استثناء لصلاة المسلمين يوم الجمعة، مع اتخاذ كافة الاحتياطات الصحية كحصر عدد المصلين والتعقيم والتباعد.

وفي ألمانيا ذاتها، صدر في هذه الأيام قرار مهم بمنح عطلة بمناسبة عيد الفطر لكافة الجاليات الإسلامية،  وهو سلوك إيجابي ينطق بروح التسامح والتقارب.

والحاصل أن هذه المشاهد من التسامح التي حظيت بها شعائر العبادة لدى الجاليات الإسلامية بأوروبا، والفتاوى الفقهية المنفتحة والمتأقلمة مع الواقع الأوروبي، تؤكد تأثير الأوبئة في السلوك العام وفي المواقف والذهنيات والمشاعرـ وتبيّن كيف أن وباء كوفيد 19 وهو العدو المشترك، وحّد المشاعر والأحاسيس بين الأوروبيين والأقليات الإسلامية رغم الاختلافات العرقية والدينية،  وساعد على إبداع "فقه أزمة" منفتح ومتفاعل، يصبو إلى استنبات بذور التعايش بين الإسلام والغرب، ولو في المرحلة الحالية - مرحلة كورونا-  في انتظار معرفة الوجهة التي سيتجه إليها شراع السفينة التي تقلّهما معا وسط هذا البحر المتلاطم الأمواج.

 

أ. د. إبراهيم القادري بوتشيش

جامعة مولاي إسماعيل بمكناس - المغرب

 

 

حاتم السرويمقدمة: عندما نزلت الكتب السماوية كان هدفها الأول أن تهدي الخلق إلى الحق وأن تصل بالإنسان إلى بر السلامة والسعادة وأن تحفظ على الناس كل ما لهم من حقوق وأن تساوي بين الجميع لأنهم متساوون فعلاً في أصل خلقتهم وإنما يكون التفاوت بالعمل وليس بالنسب أو باللون.

ولم تأتِ الأديان لتعيق مسيرة الإنسانية ولا لتكبل الفرد أو تضع فوقه ما لا يطيق من الأحمال والقيود، وإنما جاءت لتنظم حياته وهل تقوم الحياة بغير نظام؟؟ ومن يعتقد أن الدين هو حفنة من المحظورات فقد حكم على نفسه بقلة المعرفة أو بغلبة الهوى.

وهذا البحث يبين ذلك في جلاءٍ وإيضاح من خلال بعض النماذج، وإلا فالكلام يطول جدًا عن حقوق الإنسان في الديانات السماوية ولذلك آثرنا الإيجاز مع ذكر الأدلة والأمثلة؛ فالدين جاء حتى يضمن للإنسان حقه في الدنيا ونجاته في الآخرة، ولمن لا يقر بهذا نقدم له ما يلي ونرجوه أن يقرأ بتروي وتركيز وأن يضع خلف ظهره كل آراءه المسبقة ولا يحكم إلا روح الإنصاف فلربما اقتنع بأن الحق هو روح الدين.

أولاً: حقوق الإنسان في اليهودية

تخبرنا أسفار العهد القديم عن وجود أنبياء مصلحين في بني إسرائيل وعلى رأسهم النبي موسى عليه السلام، وأنهم دعوا جميعًا إلى العدل والحق والاستقامة واهتموا بدور الضمير في صياغة الحقوق وأنه يجب إخضاع السلوك البشري لمنطق العقل ونداء الحكمة.

 وإن الحق الأول من حقوق الإنسان والذي يعرف بداهةً ولا يحتاج إلى أية نصوص قانونية لتؤكد عليه وإنما يعرف بداهةً هو الحق في الحياة ولذلك جاء النهي الواضح والصريح في الوصايا العشر للنبي موسى عن القتل وتم تشريع القصاص لتأخذ العدالة مجراها ويستوفي أهل القتيل حقهم من القاتل، ويجد هذا جزاءه العادل وأيضًا يحدث الردع لكل من تسول له نفسه أن يزهق روحًا  بريئةً خلقها الله.

ورغم كل هذا فقد بقيت حقوق الإنسان عند اليهود في ضعفٍ واضح وقصورٍ كبير وكان القوي منهم يأكل الضعيف؛ فالمعيار الأول عندهم لمفهوم القوة هو القسوة والله عندهم ليس رب العالمين الرحمن الرحيم وإنما هو رب إسرائيل الذي يحب الحرب وينتصر فيها وتعجبه مناظر الدماء.

يقول الدكتور عبد الرازق رحيم صلال الموحي في كتابه " حقوق الإنسان في الديانات السماوية" وكثيرًا ما تطالعنا أسفار اليهود بصفات (يهوه) المقترنة بألفاظ الحرب والقتال مثل: "الرب رجل حرب".. وإلههم فخورٌ بنفسه كجندي منتصر يحرص على التباهي بقدرته على إغراق المصريين في البحر ويأمر شعبه بارتكاب الوحشية ضد جميع من يحارب إسرائيل، ويضع يهوه نفسه في هرم الآلهة عند اليهود فهو ليس الإله الوحيد لكنه الإله الغيور والمحب الأعظم لشعبه. ( صـ 45 من كتاب حقوق الإنسان في الديانات السماوية.. د/ عبد الرزاق رحيم صلال الموحي.. تقديم د/ سعدون محمد الساموك.. طبعة دار المناهج.. سنة النشر غير مذكورة)

على أن هذه الصفات وما تحمله من الغضب والقسوة تغيرت فيما بعد ليصبح يهوه رب المساكين الذي لا يرضيه ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وهنا بدأت تظهر بوادر حقوق الإنسان، وبنظرة تاريخية سريعة على تاريخ المملكة اليهودية بعد عهد سليمان نستطيع أن نفهم سر ذلك التغير.

إذ انقسمت المملكة اليهودية الموحدة بعد سليمان بن داود إلى مملكتين؛ إحداهما في الشمال وهي الأكثر مالا وذلك لعلاقاتها التجارية مع الفينيقيين سكان سواحل الشام القدامى، وهذه المملكة تسمى إسرائيل. والأخرى في الجنوب وهي فقيرة وبلا موارد وتسمى "يهوذا" وكان بعض أهلها ينظرون إلى الخالق عز وجل باعتباره إلهاً عادلاً رحيما لا يعجبه القهر والسلب، وانتشر الورع في سكان يهوذا، ومنهم ظهر بعض الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى مملكة الشمال والتي انتشر فيها الظلم، ومن هؤلاء النبي عاموس الذي لم يكن إلا راعيًا للغنم ويجني ثمار الجميز وبكل تواضع يقول: "فأخذني الرب من وراء الضأن" وهذا الراعي ندد بالظلم الاجتماعي الواقع في مملكة الشمال فالغني يلهو ويمرح وينام على سرير من العاج، بينما الفقير يباع بزوجٍ من نعال، ثم أنه رأى حالة الانحلال الأخلاقي من الزنا والرشوة والكذب والغش وكيف يظن الأغنياء أن المطلوب منهم فقط تقديم الأموال والذبائح وكأن الله في حاجةٍ إليها أو كأنها رشوة يدفعونها للرب حتى يتغاضى؛ ولذلك تنبأ عاموس بخراب مملكة الشمال وهذا ما حدث بالفعل، ولا يفوتنا أن نذكر معنى كلمة عاموس وهو بالعربية يعني الثقل؛ فهو نبيٌ مثقل بآلام الفقراء والمظلومين الذين يعاملهم الأغنياء بكل احتقارٍ وقسوة.

وفي قصة إيليا النبي تظهر لنا بعض الملامح من حقوق الإنسان؛ إذ عمد رجال آخاب ملك إسرائيل إلى سرقة واغتصاب نتاج أرض كان يملكها رجل يسمى (نابوت اليزرعيلي) فجاء له النبي إيليا وأنذره غضب الله، ولم يتأثر الملك في البداية، وكانت له زوجة صيدونية من غير بني إسرائيل تعبد البعل وتعول كهنته وكثيرًا ما قاومت دعوة إيليا وهي التي دبرت مقتل نابوت ليحصل زوجها على كَرْمِه؛ وقد تنبأ النبي إيليا بمقتل آخاب وكذلك بمقتل زوجته وأن الكلاب ستلعق دمائها؛ ولذلك سلط الله على آخاب الملك رجلاً ثائرًا يسمى ياهو ولما وصل إلى بيت آخاب تطلعت إليه إيزابل وهي مكتحلة فلم يتأثر وإنما أمر أن يلقيها رجاله إلى أسفل فلقيت حتفها ولعقت الكلاب دمائها وتمت فيها نبوءة إيليا. (انظر قصة النبي إيليا في سفر الملوك الأول بالعهد القديم).

   وفي سفر الجامعة المنسوب إلى سليمان عليه السلام نقرأ ما يلي: "إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا." الإصحاح الخامس من سفر الجامعة آية 8. (يرى البعض أن آية تقال في حق عبارات القرآن، أما عبارات العهد القديم فيقال للواحدة منها عدد)

ومع كل ما سبق فإنه توجد في التوراة والتلمود أحكامٌ متناقضة هنا وهناك فنجد بعض إصحاحات التوراة لا تتحدث فقط عن السلب والنهب وإنما تأمر بهما أيضًا! وعلى سبيل المثال نجد الكثير من القتل والنهب قد ارتكبا على أيدي اليهود تجاه الكنعانيين في سفر يشوع وهو يؤرخ لدخولهم إلى فلسطين بعد موسى عليه السلام، كما أن بعض النصوص تأمر بانتهاك حقوق المحارب المستسلم مع أنه رفع الراية البيضاء، وفي التلمود تأكيد على هذا المعنى حيث يأمر بقتل الأسرى الذكور واستبقاء الفتيات وقتل النسوة المتزوجات.

وفي المزمور الشهير رقم 137 من مزامير داود والذي تمت كتابته في السبي البابلي أي بعد الملك داود بقرون ومع ذلك وضع في مزامير ينسب جلها إلى داود الذي لا يراه اليهود نبياً بل ملكًا مقاتلاً عرض قائده الهمام أوريا الحيثي للقتل حتى يحصل على زوجته بتشبع التي رآها من فوق السطح وهي عارية تستحم! والتي هي أم سليمان، نرى في هذا المزمور عجبًا عجابا؛ إذ يقول: " على أنهار بابل هناك جلسنا. بكينا أيضًا عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف في وسطها علقنا أعوادنا. لأنه هناك سألنا الذين سبونا ترنيمة. ومعذبونا سألونا فرحًا قائلين: رنموا لنا من ترنيمات صهيون، كيف نرنم ترنيمة الرب في أرضٍ غريبة، إن نسيتك يا أورشليم تنسني يميني، ليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك، إن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحي، اذكر يارب لبني أدوم يوم أورشليم القائلين هُدُّوا هُدُّوا حتى إلى أساسها. يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزائك الذي جازيتِنا. طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة"!.. فوصل حنق اليهود وغلهم حتى إلى الأطفال؛ فهم يتمنون أن يأتي من يضرب أطفال بابل بالصخر.

وإلى جانب كل هذه الأحكام هناك أحكامٌ أخرى تدعو إلى البر والرحمة والرأفة، ومنح الأجير أجرته حتى لو كان من الدخلاء، وبالجملة يجب على اليهودي أن يدفع كل ما عليه من الاستحقاقات وهذا عملاً بما ورد في سفر التثنية وهو من الأسفار الخمسة الأولى في التوراة والتي نسبت لموسى الكليم عليه السلام؛ حيق تقول التثنية: " لا تهضم أجرة فقير أو مسكين، من إخوتك أو من الدخلاء الذين في أرضك بل ادفع له أجرته في يوم، لا تغب عليها الشمس؛ لأنه فقير، لا ترتهن ثوب أرملة، إذا حصدت حصادًا لك في حقلك فنسيت حزمةً في الحقل فلا ترجع لتأخذها؛ إنها تكون للغريب واليتيم والأرملة، وإذا فرطت زيتونك فلا تراجع ما بقي في الأغصان، وإذا قطفت كَرْمَك فلا تراجع ما بقي منه " ومعنى لا تغب عليها الشمس يعني اجتهد ألا تغرب الشمس إلا وقد دفعت للأجير أجرته.

فالنص هنا يعلن بوضوح أحد أهم حقوق الإنسان وهو حقه في مقابل مادي عادل على عمله وبصرف النظر عن الإنتماء لليهود أو لغيرهم ممن دخلوا أرضهم وليسوا منهم.

وهناك نصٌ آخر نلمح منه شيئًا من حقوق الإنسان وهو يلوم الغني والمقتدر اللذين يضران بالفقير ويسيئان استعمال ما لديهما من سلطة فهذا عاموس النبي يصب جام غضبه على من باعوا البارَّ بالمال والفقير بِنَعْلَيْن.

ومع هذا بقيت العدالة عند اليهود على نحوٍ كبير من الضعف والقصور لأنها عدالة ذاتية لا يمنحها اليهود إلا لبني جلدتهم ويحلل باروخ اسبينوزا وهو أحد فلاسفة اليهود المعاصرين هذا المنحى في الشريعة اليهودية فيقول: " إن شعائر الديانة اليهودية لم تكن تختلف عن شعائر باقي الديانات فحسب بل كانت مناقضة لها أشد التناقض، وكان لابد أن يتولد عن العار الذي يلحقه اليهود بالأجنبي كل يوم كراهية شديدة لهذا الأجنبي، كراهية كانت أشد تملكًا لقلوبهم من أية عاطفة أخرى، وقد تولدت عن الإيمان والتقوى، بل كانت هي نفسها تعد من التقوى، وتلك أشد أنواع الكراهية وأبعثها على التأمل، وكان لابد أن تقابلها كراهية متبادلة تكنها الشعوب الأخرى بدورها نحو العبرانيين.. ثم ينتهي اسبينوزا إلى القول بأن العبرانيين يرون بأمر دينهم أنه ليس عليهم أي واجب مقدس تجاه الشعوب الأخرى، وهذا هو نفس ما أوضحه القرآن قبل اسبينوزا بقرون إذ يقول: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدهِ إليك ومنهم من إن تأمنه بدينارٍ لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما* ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون". آية 75 من سورة آل عمران.

وفي تفسيره للآية الكريمة يقول ابن جرير الطبري: "فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك: منهم المؤدِّي أمانته والخائنُها؟ يقال: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرَهم – على ما بينه في كتابه بهذه الآيات – تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفهم الاغترارَ بهم، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين. فتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيمٍ من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يَخُونُك فيه، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يَخُنْكَ فيه فلا يؤدِّه إليك، إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.

وذكر الطبري في تفسيره أيضًا أن بعض المسلمين فعلوا كما كان اليهود يفعلون فكانوا يصيبون بعض أموال أهل الكتاب ويقولون ما علينا من ذلك بأس فسأل أحدهم عبد الله بن عباس عن هذا الأمر وقال إنا نصيب من  أموال أهل الذمة الشاة والدجاجة! فقال ابن عباس: وما تقولون؟ قال: نقول ليس علينا من بأس! فقال إنكم تقولون مثلهم "ليس علينا في الأميين سبيل" ولكنهم ما أدوا الجزية لا تحل لكم أموالهم إلا بطيب نفسٍ منهم.

ويمكن القول في النهاية أن حقوق الإنسان عند اليهود في كتبهم المقدسة لم تظهر على نحوٍ كامل فيما عدا حق التملك والحياة وقد غابت عن هذه الكتب إلا قليلا قيمة المساواة العامة والإخاء البشري، وظلوا يعتقدون أن الله ربهم فقط، حتى جاء بعض الأنبياء ومنهم اشعياء وعاموس وأوضحوا أن الله رب العالمين، وأنه يحب الناس جميعًا ويرحمهم ولا يعطي المزية لليهود على غيرهم.

وأما عن المرأة عند اليهود باعتبار أن حقوق المرأة هي جانبٌ أصيل من حقوق الإنسان فكما هو معروف تعتبر اليهودية المرأة كائنًا أقل من الرجل؛ فاليهودي كل صباح يصلي فيقول: "الحمد لله الذي خلقني رجلاً ولم يخلقني امرأة"! أما المرأة اليهودية فتقول: "الحمد لله الذي خلقني امرأة ولم يخلقني حيوانا" ومن المعروف أنها إذا جائها الحيض أصبحت عاراً يجب التنزه عنه والابتعاد الكامل ولا يحل أن تمس ولدها! وإذا مات عنها زوجها يرثها أخوه فورًا فإذا أنجب منها فالولد ينسب إلى الأخ المتوفى لا إليه! والمرأة هي أصل الشر ومنبع الخطيئة؛ ذلك أن حواء هي التي أغوت آدم حتى يأكل من الشجرة كما ورد في سفر التكوين ولا يزال بعض المسلمين يعتقدون بهذا الخبر مع أنه من الإسرائيليات وليس عليه دليلٌ قاطع من آيات القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية بل إن إنها يجعلان المسئولية مشتركة بين آدم وحواء وتفصيل هذا لا يسعنا الآن، فنذكره في موضعٍ آخر إن شاء الله.

وأخيرًا نقتبس من كلام الدكتور عبد الرزاق رحيم صلال الموحي هذا المقطع ففيه خلاصة موقف اليهودية من حقوق الإنسان: " ومع وجود كافة التشريعات المنظمة للحقوق والواجبات في التوراة إلا أنها لم تصل بالإسرائيليين إلى الآفاق السامية، ولم تقم لهم مجتمع العدل الإنساني ولم تسمو بالإنسان إلى التحرر من العبودية المادية لذلك تعرض الإنسان في مجتمعهم إلى كثيرٍ من المحن والصعاب". (صـ 50 من المرجع السابق ذكره).

ثانيًا: حقوق الإنسان في المسيحية:

جاء المسيح بدعوته المثالية إلى بني إسرائيل الذين طغت عليهم المادية وحب الدنيا والمال وفيها يحثهم على التسامح والمحبة والتواضع والمساواة ونبذ التعصب الديني الذي كرسه الأحبار والكهنة والاهتمام بالفقراء والمساكين والأطفال والأخذ بيد العصاة على سبيل التوبة بالكلمة الصالحة والنبرة الحانية وليس بازدرائهم فلربما كان الخاطئ عند الله أقرب من الكاهن المرائي والعالم الذي يطلب الدنيا بعلمه، وكل الناس يخطئون فلا داعي لسحق العصاة باسم الطهر لأنه من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.

وحمل المسيح عيسى عليه السلام إلى الإنسانية دعوة أخلاقية كبرى تؤكد على جميع الحقوق التي تصون الكرامة الشخصية المعتبرة؛ فالإنسان عامةً يستحق الاحترام والتقدير ولا يمارس عليه السلطة المطلقة إلا الله وحده.

ومن المعالم الواضحة لحقوق الإنسان في دعوة المسيح تحريمه للربا وأكثر من ذلك أن يعطي الإنسان ماله وهو لا يرجو أن يسترده؛ فنقرأ في إنجيل لوقا وتحديدًا في الإصحاح السادس على لسان السيد المسيح: " وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم فأي فضلٍ لكم؟! فإن الخطاة أيضًا يقرضون الخطاة لكي يستردوا منهم المثل* بل أحبوا أعدائكم وأحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئًا فيكون أجركم عظيمًا وتكونوا بنو العلي فإنه منعمٌ على غير الشاكرين والأشرار" عدد: 35،34.

ودعت المسيحية إلى عدم التكثر من المال واكتنازه وإنما الطريق الأمثل هو العطاء الدائم والعطف على الفقير، والمرء في المجتمع إنما يتم تقييمه بعمله ومجهوده وبمقدار ما يكون شخصًا نافعًا تجيء له الفرص ويضمن المساواة.

وبشكلٍ عام يمكن القول أن عظة المسيح على الجبل كانت ولا تزال هي الدستور الأول عند المسيحيين لضمان حقوق الإنسان ونذكر بعضًا مما فيه وذلك من الإصحاح الخامس في إنجيل متى الذي يقول: " ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل. فلما جلس تقدم إليه تلاميذه. ففتح فاه وعلمهم قائلا. طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى لأنهم يتعزون. طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون. طوبى للرحماء لأنهم يُرْحَمُون. طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله. طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدْعَوْن. طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات. طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كلَّ كلمةٍ شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيمٌ في السماوات. فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم.

أنتم ملح الأرض. ولكن إن فسد الملح فبماذا يُمَلَّح. لا يصلحُ بعدُ لشيء. إلا لأن يُطرَحَ خارجًا ويُداس من الناس. أنتم نور العالم. لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل. ولا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات."

ويتكلم المسيح عن القتل فيحرمه ويحرم ما هو أقل منه وهو الغضب ويحرم السباب أيضًا فيقول: " قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم. ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم. فإن قدَّمتَ قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك. وحينئذِ تعالَ وقدِّم قربانك. كن مراضيًا لخصمك سريعًا مادمت معه في الطريق. لئلا يسلمك الخصم إلى القاضي ويسلمك القاضي إلى الشرطي قتلقى في السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفيَ الفلس الأخير.

قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزنِ. وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأةٍ ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. فإن كانت عينك اليمنى تُعْثِرُكَ فاقلعها وألقها عنك. لأنه خيرٌ لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك. لأنه خيرٌ لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم.

ويقول: من سألك فأعطه. ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.

ثالثًا: حقوق الإنسان في الإسلام

الحقوق هي كما نعرف جمع حق وكلمة حق يأتي ذكرها في القرآن على معنى الشيء الثابت الذي لا ريب فيه وفي سورة العصر يمدح الله المؤمنين لأنهم يوصي بعضهم بعضًا بقول الحق فيقول جل ذكره " والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " فالبشرية كلها في خسران مبين إلا الذين آمنوا بالله ورسله وأتبعوا هذا التصديق بالعمل الصالح ثم أوصى بعضهم بعضًا بأداء الطاعات وترك المحرمات وهذا هو الحق، وبين ذلك في تفسيره الإمام ابن كثير، وكان الشافعي رحمه الله يقول: لو تأمل الناس في هذه الصورة لوسعتهم.

ويأتي الحق بمعنى كل نصيب يجب أداؤه سواءً للفرد أو للجماعة كما أن الحق هو من أسماء الله الحسنى.

وإذا قلنا أن الحق هو النصيب الواجب آداؤه؛ فإن من أهم الحقوق التي أقرها الإسلام مبدأ المساواة الكاملة بين البشر، "ويذكر الدكتور عمر رولف – وهو بارون من النمسا أسلم باختياره- في هذا المضمار أن من أهم ما استرعى انتباهه في الإسلام روح الأخوة الشاملة بين عباد الله جميعًا مهما تباينت سلالاتهم أو طوائفهم أو لغاتهم.

ويوضح مستر  Mellmaالهولندي هذا الموضوع فيقول: بالإضافة إلى الوحدانية والصلة المباشرة بين الله والخلق والتسامح الإسلامي؛ فقد أدهشني مبدأ الأخوة في الإسلام، هذه الأخوة التي تشمل كل البشر بغير اعتبار للون أو جنس أو عقيدة، وينفرد الإسلام بين كل الأديان بأنه الوحيد الذي طبق هذا المبدأ عمليًا." (كتاب "الإسلام" للدكتور أحمد شلبي أستاذ ورئيس قسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية الأسبق بكلية دار العلوم/ جامعة القاهرة..الطبعة الثامنة سنة 1985 صـ 295

ونقتبس أيضًا من كتاب (توجيهات نبوية للشيخ عبد المتعال الصعيدي) ما يلي:

روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

" خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: برٌّ تقيٌ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌ هينٌ على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى..." الآية ".. رواه الترمذي.

لما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وجاء وقت الصلاة أمر بلال بن رباح مؤذنه فصعد على الكعبة ونادى بالأذان، وكان بلال رقيقًا لبعض أشراف قريش قبل الإسلام؛ فعظم على أشرافها أن يصعد مثله على الكعبة؛ فجمعهم النبي وخطب فيهم هذه الخطبة التي أعلن فيها حق التسوية بين الناس وحق الإخاء بينهم، وكان إعلان هذا قبل إعلان أهل أوروبا له في عصرنا بمئات السنين. وشتان بين إعلان الإسلام لهذا وإعلانهم له كما سيجيء. وكانت قريش والعرب جميعًا قبل الإسلام يتفاخرون بالأنساب والأحساب في أشعارهم وخطبهم، ويقسمون الأفراد إلى طبقتين: طبقة الأشراف من ذوي الأنساب العظيمة بينهم، وطبقة العامة ممن لا أنساب لهم، ممن يقومون بخدمتهم وقضاء مصالحهم من جمهور الناس، ومنهم طائفة الأرقاء التي كانوا يعاملونها كما يعامل الحيوان الأعجم.

ثم يقول الشيخ عبد المتعال رحمه الله: فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة إلغاء نظام الطبقات في جميع أقطار الأرض، وبين جميع الأفراد والشعوب، ولم ينظر فيه إلى العرب والمسلمين وحدهم، وهذا حينما آثر هذا النداء " يا أيها الناس " على نداء – يا أيها العرب أو المسلمون- ثم جعل الناس جميعًا بني آدم ليكونوا إخوانًا متساوين، ثم جاءت الآية السابقة في الحديث فكانت صريحة كل الصراحة في أن هذا هو حق لكل الشعوب على اختلاف أجناسهم وأديانهم، لا حق العرب أو المسلمين وحدهم (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) أي لا لتناكروا ويتعالى بعضكم على بعض؛ فهذا حق لكل الشعوب في الدنيا وحسابهم في الآخرة على الله تعالى؛ فلا يصح أن نفرق بينهم في دنيانا ونقسمهم شعوبًا راقية بأنسابها لها حق السيادة في الأرض، وشعوبًا منحطة بأنسابها لا حق لها في سيادتها على نفسها بل يجب أن تكون السيادة عليها للشعوب الراقية. فلا ميزة في الإسلام لفردٍ على فرد ولا لشعبٍ على شعب بالنظر إلى الأنساب، لأنه لا نسب عنده إلا النسب إلى آدم عليه السلام، وجميع بني الإنسان فيه سواء، إنما يمتاز الفرد على الفرد والشعب على الشعب في الإسلام بالعمل... والمسلمون عنده خير أمة أخرجت للناس لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.. فإذا لم يعملوا بهذا وعمل به غيرهم فهو خيرٌ منهم.( انظر صـ 27-31 من كتاب توجيهات نبوية الطبعة الثانية/ مكتبة الآداب)

ومن حقوق الإنسان التي يقرها الإسلام ويدعو إلى حمايتها (الحق في الملكية الفردية):

فالإسلام يقر حق الفرد في ملكيته للمال الذي اكتسبه بالطرق المشروعة، والمال في الإسلام هو مال الله ومع ذلك فقد نسبه عز وجل إلى الناس فقال في سورة التغابن، آية 15: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة" وعلى ذلك تكون ملكية المال أصلًا لله سبحانه وإنما نسب المال إلى الناس باعتباره ملك انتفاع، ونضرب لذلك مثلاً ولله المثل الأعلى: فلو أن رجلاً يملك قطعة أرض وأعطاها لبعض الناس حتى يزرعوا فيها ويأكلوا من خيرها فهل الأرض لهم أم لصاحبها الذي تكرم ومنحهم إياها لينتفعوا منها؟ وهكذا فإن المال هو لله وإنما أعطاه للإنسان على سبيل الإعارة فإذا أكل منه بالحلال وأعطى الفقير حقه فجزاؤه عند الله والله لا يضيع أجر المحسنين؛ أما إذا تكبر به على عباد الله وآثر الشح والبخل فإن الله قادر على استرداد هذا المال مثلما كان قادرًا على منحه.

ورغم دعوة الإسلام إلى التكافل الاجتماعي وجعله الزكاة حقًا واجبًا على الأغنياء للفقراء وهي الركن الثالث من أركانه الخمسة إلا أنه يقر التفاوت في الغنى بقدر الجهد الذي يبذله كل مسلم؛ فمن الذي يستطيع أن يحرم الإنسان من ثمار عقله ومجهوده حتى لو كان الشعار المرفوع هو منع الاستغلال؛ وهل منع استغلال الفقراء يكون باستغلال الأغنياء؟ لقد قامت الزكاة في الإسلام على منهاج القصد والتوازن فهي تمنح الفقراء ولا تقضي على أموال أصحاب الغنى لأنها لو فعلت ذلك فهي لا تحل مشكلة الفقر بل تزيد أعداد الفقراء، والإسلام يقول: كل ما شئت والبس ما شئت ما خطتك اثنتان سَرَفٌ ومخيلة.

ومنح الإسلام للناس حرية التدين ففي وقتٍ قامت فيه الفتن المزلزلة بين أتباع اليهود والمسيحيين بل وبين أصحاب المذهب الملكي والمذهب المونوفيزيتي أو القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح وهم أهل ملة واحده جاء الإسلام ليقول: "لكم دينكم وليَ دين" وقال أيضًا: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي؛ فالإكراه لا يصنع الإيمان وإنما يصنع النفاق ولا يصلح في العقيدة إلا يقين المؤمن القلبي الخالص، وعندما دخل الإسلام إلى مصر على سبيل المثال أعطى ألقائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح كافة حرياتهم وأمنهم على أموالهم وكنائسهم.

وأخيرًا لا يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة فالرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو داود يقول "إنما النساء شقائق الرجال" ومال المرأة للمرأة فلها بذلك ذمتها المالية المستقلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتاجر في مال زوجته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، كما ورد عن رسول الله أنه قال في حق النساء: " ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم" ولنا في تفصيل حقوق المرأة في الإسلام بحث نرجو أن يكون وافيًا وأن يخرج قريبًا إلى النور.

وعمومًا حظيت حقوق الإنسان في الإسلام بما لا مزيد عليه من الصيانة والرعاية ويكفي أن نعرف ضرورات الشريعة الخمسة وهي حفظ النفس والنسل والمال والعقل والدين، ونختم بقوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلا" آية 70 من سورة الإسراء، وصدق الله العلي العظيم.

 

حاتم السروي

 

 

ميثم الجنابيالاهداء الى الدكتور عبد الحليم كاصد، فقيد الروح والعقل والمؤانسة

كان بودي أن انشر هذا المقال لحاله، دون ربطه بشخص ما أيا كان، غير أن وفاة الدكتور عبد الحليم كاصد الأمس قد صدمني بقوة، وجعل من ربط اسمه بشخصية عبد الله بن أباض كما لو انه امر طبيعي. وهو كذلك. فكل ما في عبد الحليم يتمثل تاريخ البصرة بقوتها وحزمها وإبداعها التاريخي الأكبر والأعمق والأعظم في كل تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. مع انه لم يكتب مقال في حياته! بينما كان هو من القلائل جدا بين مثقفي العراق ممن يحتوي في اعماقه وشخصيته على معارف جمة. كما كان ثاقب الفكر، نقدي النوازع، عقلاني الرؤية، اضافة الى ثباته في المواقف، انيس لا مثيل له في التعليق والشرح والنكتة. بحيث يمكن ان ترى فيه آثار الخوارج والمعتزلة والفلاسفة والأدباء. وعندما كنت ادعوه وأطالبه بالكتابة في ميدان احترافه (علم الاقتصاد) فقد كانت ردوده مقتضبة تقول بأنه لا يوجد عنده ما يمكنه أن يكون اضافة جدية وكبيرة وعميقة للفكر الاقتصادي. لهذا لا معنى للكتابة. وهو موقف ينعكس فيه أيضا قرفه من هذا الكم الهائل من "المقالات" و"الأبحاث" التي لا يليق بها مكان غير سلة المهملات (الاكترونية!).

لقد نشأ عبد الحليم في البصرة وتغذى من كل ما فيها من هواء وماء وتمر وسمك وشمس وأصالة لا مثيل لها بما في ذلك في العراق. فهو المكان الوحيد في العراق الذي تتعايش فيه على الدوام وحدة العقل والوجدان، والإبداع الحر والتمرد المتسامي. وبالنسبة له لم يكن ذلك وليد الصدفة. فقد نشأ وترعرع في عائلة تتسم بالذكاء والنباهة والعلم والمعرفة والأصالة. فأخوه الأكبر هو الشاعر والأديب العراقي الكبير عبد الكريم كاصد، والأصغر هو سلمان كاصد، أحد افضل النقاد الأكاديميين العراقيين، وبينهما عبد الرحيم كاصد، الذي جرى اختيار قبل سنوات كأحد أفضل الأطباء في بريطانيا. وقد كان عبد الحليم يبدو فيما بينهم الحلقة المفقودة، بينما كان هو الحلقة التي تربط كل هذا الكل وتكشف عما في اعماقه من نسبة جميلة لا يدرك حقيقتها إلا من يعرفه عن قرب وصدق. وقد كان هو صديقي على امتداد عقود من الزمن، وأنيسي الوحيد في موسكو على امتداد العشرين سنة الأخيرة.

حليم! هذا اقل ما يمكنني ان اقدمه لذكراك. وانت في القلب والذاكرة دوما .

***

عبد الله بن أباض.. مثقف الاستقامة العملية

إن صخب العاصفة في ثناياها! مما يجعل من دويها فعلا مسموعا لا مرئيا. وهي الحالة التي حققها عبد الله بن أباض في وجوده وفنائه في تاريخ الثقافة الإسلامية. فقد أثار صعوده الخاطف اهتمام وانتباه الرؤية التاريخية بالشكل الذي جعلها تنسى التمعن في ملامحه الشخصية. إذ تمثل في ذاته وجمع نسيم الثقافة الصاعدة وأعاصير هيجانها العنيف ضد السلطة. من هنا ذوبان ملامحه الفردية في زوبعة المرحلة التاريخية لصعود الخوارج، وتلألؤها في الفرقة الأباضية[1]. ووجدت هذه المفارقة انعكاسها في إطلاق اسمه على الفرقة، بينما لم تحتفظ حتى الفرقة نفسها بمعلومات دقيقة عنه بما في ذلك تاريخ ولادته وموته!

فما نعلمه عنه لا يتعدى القليل جدا، بما في ذلك في أوسع وأوثق وأدق المصادر الأباضية. إذ إننا  لا نعثر فيها على سيرة حياة شخصية، بقدر ما نعثر على صورة قيميية عامة، رغم دقتها البلاغية والفعلية، مثل تلك التي تقول، بأن عبد الله بن أباض هو "إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولى التفريق. سلك بأصحابه محجة العدل، وفارق سبل الضلالة والجهل". وهو تقييم يفصح عن موقف أكثر مما يفصح عن حياة. وضمن هذا السياق يمكن اخذ العبارة كما هي باعتبارها تصويرا حياتيا لعبد الله بن أباض. إذ لا يعني تلاشي المعلومات عنه في غياهب الماضي وبقاءه ناصعا في تاريخ الخوارج وإماما للاباضية سوى الصيغة النموذجية لحالة الفناء المتسامي في غيب المستقبل. وهو غيب يستظهر إشكالاته المثيرة فيما يفرزه من قضايا حية للعقل والضمير، وفيما يستبطنه من طاقة في إثارة الجدل النظري والعملي للثقافة والمثقفين. بمعنى استمراره في دهاليز العقل النظري للثقافة والوحي التاريخي للمثقفين. ويستحيل استمرار حدوثه دون أن تكون الشخصية الأولى بحد ذاتها تجسيدا لتجانس الحياة الشخصية والفكرة المتسامية. بمعنى انه استطاع أن يحقق في ذاته وحياته معنى الاستقامة الإسلامية في العلم والعمل، أي في الرؤية والمواقف.

إن المعلومة الدقيقة الموثقة والوحيدة عنه هو انه بصري من بني تميم. عماني الأصل[2]. بينما ينقل عن آخرين انه انتقل من نجد، موطن قبيلته، إلى البصرة[3]. وانه عاش ومات في القرن الأول الهجري دون أن تحدد مراجع التواريخ والسير وكتب المقالات سنة مولده ووفاته. وهي حالة نادرة وفريدة لحد ما. لاسيما وانه الشخصية التي اقترنت بها فرقة الاباضية، بوصفها الفرقة الأوسع والأعمق والأكثر ديمومة وتمثيلا لحقيقة الخوارج والفكرة الخوارجية. كما انه الشخصية التي سطع نجمها السياسي والفكري بحيث أصبح اللسان الناطق للخوارج في مجادلة عبد الملك بن مروان.

كما أنها درجة وحالة لم يكن بالإمكان تبوءها دون المرور بكل دهاليز الصراع السياسي والفكري وعراك الإرادة التي صنعت شخصية عبد الله بن أباض في مجرى القرن الأول الهجري، أي قرن المرحلة التأسيسية، ومرجل الاحتراق الفعلي للزائف من الصحيح على مستوى الفكرة والشخصية. بمعنى انه تعرك في مجرى الامتحان الفكري والأخلاقي، وتكاملت إرادته الذاتية ومعالمه الفردانية التي جعلت منه عقل الخوارج الناطق أمام أسئلة السلطة واتهاماتها. وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل المؤرخين يجمعون على انه أدرك معاوية بن أبي سفيان وهو شاب وعاش إلى زمن عبد الملك بن مروان. وهي مرحلة الانعطاف الكبرى في تاريخ الدولة وفكرة الخلافة واختبار الروح الأخلاقي الإسلامي الأول. وليس مصادفة أن يثار الجدل اللاحق بين أتباعه والمعاديين له عما إذا كان عبد الله بن أباض صحابيا أم تابعيا، أو أن يجري تجاهل هذين المكونين في شخصيته الفردية. فهناك روايات تقول، بأنه كان صحابيا لفترة قصيرة، بينما لم يقبل بها القسم الآخر[4]. لكن المشهور عنه كونه من التابعين الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الهجري الأول. انطلاقا من انه عاصر صراعات المرحلة التأسيسية الأولى وصعود الأموية وتوفي في أواخر أَيام عبد الملك بن مروان(65-86 هجرية). كما أنها أيضا إحدى الوقائع والحقائق المتفق عليها، بمعنى أنه كان تابعياً. وهي الحقيقة التي يجري عادة استنباطها من أحداث التاريخ الفعلي وكمية ونوعية الجدل السياسي والفكري الذي قام به عبد الله بن أباض مع عبد الملك بن مروان[5]. ويعكس هذا الجدل استتباب المواقف وتبلور الشخصية الذاتية وتعركها في العلم والعمل، باعتبارها الصفات التي ميزت آنذاك سلسلة الصحابة والتابعين، أي تلك الكمية النوعية التي افرزها ظهور الإسلام وتطوره وانقلاباته العنيفة التي أسست بدورها لتراكم منظومة العقل الثقافي والمرحلة التأسيسية للحضارة الإسلامية ككل.

إذ لا تعني حقيقة "الصحابي" و"التابعي" من الناحية الثقافية سوى المعايشة الفردانية للأحداث التاريخية الجسام والانهماك الفعال فيها. وبالتالي ليس الصحابي والتابعي سوى سلسلة الإرادة الواعية لقيم الإسلام الأول والعمل بموجبها. فليس كل من عايش النبي محمد صحابيا، وليس كل من خلفه تابعيا. كما أن الفرق بينهما هو فرق الزمن لا التاريخ. بمعنى أن القيمة العلمية والعملية لأي منهما يتوقف على نوعية التأثير الذي تركه على مسار الدولة والأمة والثقافة. أما التمايز "الروحي" بالشكل الذي بلورته تقاليد الإيمان، فانه يبقى جزء من آلية فعله الخاصة. مع ما لها من قيمة وأثر عميقين في دهاليز اللاهوت ومخارجه الفاعلة في التقليد. وعموما لا قيمة جوهرية لها بالنسبة لتأسيس العقل الثقافي إلا بالقدر الذي تستثير الرؤية النقدية والإرادة الأخلاقية في مواجهة النفس من اجل البرهنة على أن السمو الفعلي ليس تقليدا، بل التزاما فرديا وفردانيا تجاه إشكاليات الوجود الكبرى للدولة والأمة والروح. وبالتالي، فان الاتفاق أو الاختلاف على ما إذا كان عبد الله بن أباض صحابيا أو تابعيا، لا يغني القيمة التاريخية لأثره الهائل في تاريخ العقل الثقافي والروح الأخلاقي، بقدر ما يغري التقليد الإيماني للفرق. لكنه اختلاف يمكن رؤية ملامحه العميقة في ذوبانه التام في "الاباضية" وتفتحه في أثره الروحي والعقلي بالنسبة لفكرة الاستقامة بوصفها الصيغة العملية والفكرية لفلسفة الاعتدال.

فقد تراكمت فكرة الاستقامة عند عبد الله بن أباض في مجرى التأمل النقدي والعقلي الحر للحروب العسكرية والمعارك السياسية والصراع الاجتماعي ومواجهات القيم. ذلك يعني أن شخصيته الظاهرية وحقيقته الباطنية وأثرهما في تاريخ العلاقة الخاصة بين المثقف والسلطة هي الخلاصة النموذجية لتمثل تاريخ السلف الأول ومعنى الفكرة الإسلامية تجاه إشكاليات الوجود الحية آنذاك. وهو سر "الاختلاف" حول بقايا أو تاريخ الصحابة والتابعية فيه. أما في الواقع، فان الاختلاف الجوهري كان يجري بينه وبين انحراف الدولة من الخلافة إلى الملكية الوراثية، ومن الخلافة الإمبراطورية إلى إمبراطورية الخلافة العائلية والقبلية. حيث ميز هذا الخلاف فكرة الخوارج ومواقفهم العامة والخاصة ووسم مظاهر إحساسهم ومشاعرهم المرهفة تجاه قضية السلطة (الإمامة). الأمر الذي يمكن العثور على ملامحه الواضحة والبارزة بل الناتئة في رسائله إلى عبد الملك بن مروان. إذ تكشف هذه الرسائل عن تراكم الرؤية النقدية العقلية الحرة ومنطقها الصارم في التدليل والوسيلة والغاية. بمعنى إننا نستطيع العثور فيها على منظومة معينة من المواقف النظرية والعملية. وهو الشيء الذي يعطي لنا بدوره إمكانية تتبع اشتراكه المادي والمعنوي، الفردي والجماعي، العقلي والوجداني في صراع المرحلة. وهو اشتراك رفعه بصورة سريعة من ميدان الاختلاف الدامي للسلاح إلى سماء التأمل العقلي والأخلاقي لمجرى التاريخ والفكرة (الإسلامية). كما أنه الشيء الذي يمكن رؤيته في انتقاده ومعارضته لشخصية وسياسة معاوية بن أبي سفيان وخروجه عن "القرآن والسنة"[6]. وهو نقد عقلي وأخلاقي خالص، ومتجرد من نفسية وذهنية الثأر والانتقام. وبالتالي يكشف عن خلوه الأول من "الخروج بالسيف" على السلطة.

بعبارة أخرى، إننا نعثر في مواقفه هذه على انعدام الاشتراك الفعال في معارك السلاح. وشأن كل حالة منتجة لعبارة "وداعا أيها السيف"، كان لابد لها من أن تتحسس وقعه على جوارح الجسد. إذ ليست عبارة "وداعا أيها السيف سوى الصيغة الأدبية والعقلانية لحزّ لسان الشكوى. وأدى هذا السبب إلى قلق العبارة والتقييم المتعلق فيما إذا كان عبد الله بن أباض قد اشترك في الحروب التي دارت رحاها بين المسلمين قبل استحواذ معاوية بن أبي سفيان عليها.

مما لا شك فيه، أن عبد الله بن أباض لا يشبه في مظاهرة زعماء الخوارج الأوائل الذين عاصرهم مثل عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير وعروة بن جدير ومرداس بن جدير وأمثالهم. فقد كانوا أولئك رجال السيف والكلمة. ولا تعكس هذه المزاوجة إلا مظهر الفكرة الخوارجية، التي جرى رفعها لاحقا إلى الصورة النمطية الوحيدة عنهم. مع أن المعلوم والمشهور والأدق هو رجوع الفكرة النظرية للخوارج إلى جابر بن زيد، أي إلى الشخصية التي كانت الفكرة وتأسيسها الصيغة الأكثر إخلاصا وتعبيرا عما كانوا يسعون إليه. غير أن السيف، بالنسبة للوعي الشائع، اصدق أنباء من الكتب! والدماء هي حبر التسطير الغالب عند السلطة والغلاة. فقد أغمرت هذه الحالة رؤية التاريخ المؤدلج وغمرت في مجرى سيولها العارمة تاريخ عبد الله بن أباض وتراكم شخصيته العقلية والوجدانية. وذلك بسبب خروجها على خروج الخوارج المشهور والمعروف عن السلطة والغلاة على السواء. لكنه خروج يصب فيه، بمعنى يوسع شواطئه بالشكل الذي يجعل من الممكن العوم فيه بقوة اكبر. إذ تجعل هذه الفرضية من اشتراكه في معارك السلاح الصيغة الملازمة لشهادة الإسلام الخوارجي الأول. كما أنها الصفة الملازمة لجيله المرّكب من فروسية العربية القديمة ووهج الجهاد الإسلامي.

إذ لكي يكون لسان الحركة وناطقها "الرسمي" في مراسلاته مع ملوك بني أمية في ستينيات القرن الأول للهجرة، فان ذلك يفترض تجاوزه على الأقل عمر الأربعين. فقد توفي الراسبي عام 38 للهجرة وقتل مرداس عام 61 للهجرة[7]. وما بينهما دارت رحى المعارك الطاحنة دون أن تبرز شخصيته العسكرية والقتالية. وهو واقع يشير أما إلى صغر سنه النسبي أو تشابهه مع شخصية جابر بن زيد، أو الجمع بينهما. وهو الأكثر احتمالا ودقة. بمعنى ولادته في عشرينيات القرن الأول، شأن جابر بن زيد، ومعايشته لرجال الخوارج الكبار أمثال أبي بلال مرداس، وبقاءه مدة أطول بقليل أو اقل بقليل من وفاة جابر بن زيد (ت-93)[8]. من هنا انعدام أية معلومات حول اشتراكه في معارك صفين والنهروان. والخبر الوحيد عنه (الذي يورده الشهرستاني) هو الذي يصور خروجه بتبالة في زمن مروان بن محمد، الذي أرسل إليه عبد الله بن محمد بن عطية[9]. وهو خبر لا يستقيم مع التاريخ الفعلي وأحداثه. كما جرى تجاهله منة جانب المؤرخين الكبار كالطبري وأمثاله[10]. غير أن هناك معلومة واحدة موثقة عن اشتراكه في معارك السلاح، تتحدث عن اشتراكه في الدفاع عن مكة بوجه القائد الأموي حصين بن نمير، الذي خلف مسلم بن عقبة (ت- 63 للهجرة)[11]. وهي السنوات الأشد احترابا وخلخلة بالنسبة للدولة والمعارضة على السواء بمختلف اتجاهاتها وتياراتها وشخصياتها. وذلك بسبب تمازج وتداخل شخصية ومأساة الحسين بن علي وصعود عبد الله بن الزبير وثورة الحجاج بن يوسف الثقفي ومعارك الخوارج المتناثرة[12]. وقد اشترك فيها الخوارج بصورة فعالة. ومن ثم ما كان بإمكانها ألا تسحب في سيلها عبد الله بن أباض، وهو في سن القوة والحكمة!

ومهما يكن من أمر الفرضيات المتنوعة بهذا الصدد، فإن ظهوره في البصرة وبقاءه ونموه وتكامله فيها يعكس طبيعة التحول الفكري السياسي الذي بدأ يشق طريقه إلى عقله ووجدانه. مما يجعل من عيشه وفعله في زمن جابر بن زيد وأبو بلال مرداس ونافع بن الأزرق اقرب إلى الواقع وأكثر دقة. كما أنها تكشف طبيعة الطبقات المحيرة في شخصيته. بمعنى قلة المعلومات عنه وأثره في تاريخ الحركة التي جعلت من اسمه رديفا لأحد اكبر الحركات الخوارجية وأكثرها ديمومة وقوة. ونعثر على هذه الحالة في الحادثة التي تصورها بعض كتب الاباضية عن أن المسلمين بعد قتل أبي بلال، اجتمعوا بجامع البصرة وعزموا على الخروج وفيهم عبد الله بن أباض ونافع بن الأزرق وغيرهم. وعندما سمع عبد الله بن أباض أصوات القراء والمؤذنين وغيرهم من المسلمين، عند ذاك قال لأصحابه "أعن هؤلاء أخرج؟" ثم كتم أمره واختفى. وقد حدث ذلك، حسب هذه الروايات سنة 64 للهجرة. وهو تاريخ لا يستقيم مع مقتل أبو بلال عام 61، وظهور عبد الله بن أباض في أحداث الدفاع عن مكة عام 63 للهجرة. إلا إننا نعثر فيها على صدى الأحداث الدرامية الفكرية السياسية وانعكاسها في شخصية عبد الله بن أباض. فقد كان عام 64 فيما يبدو بداية التاريخ المغيّب عبد الله بن أباض، بوصفه بداية التاريخ الباطني الذي تلاشت فيه شخصيته المباشرة لكي يظهر مع مرور الزمن في الفرقة الاباضية. إذ لا يعني "كتم أمره واختفى" سوى التعبير الأدبي عن تغير مواقفه وإعادة بنائها الجديد في تقاليد الكتمان الجديدة لحركات الخوارج، والموقف من النفس، ومن تقاليد الخوارج، وتجاه السلطة والعقائد.

ففيما يتعلق بتقاليد الكتمان الجديدة، كما يمكننا رؤية الانسجام أو التوافق الفكري والعملي بينه وبين جابر بن زيد، بوصفه المؤسس الروحي والنظري لتيار الخوارج الفكري. إذ تشير اغلب المصادر الاباضية إلى أن تقاليد الكتمان أدخلت في عهد جابر بن زيد الذي وجه نشاط الخوارج. كما يمكن رؤية حدوث اغلب انتفاضات وتمر الخوارج في زمنه دون أن يجري توجيه الاتهام له من جانب السلطة الأموية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار انه كان الأب الروحي لمرداس وغيره، كما أن اغلب المصادر الاباضية عادة ما تجعل من عبد الله بن أباض شخصية ثانية أو حتى ثالثة مقارنة بجابر بن زيد فيما يتعلق بتأسيس الحركة الأباضية وقيادتها، من هنا انتشار الفكرة القائلة، بأنه كان يعود في كل ما يفعله ويخطط له إلى آراء وأحكام جابر بن زيد. ونعثر على صدى هذه الفكرة في التقييم غير المباشر عنه في تقاليد الاباضية، التي جعلت منه ناطقا علنيا عن فقه جابر بن زيد كما نراه في صراعه الفكري العلني مع تيارات المعارضة آنذاك مثل القدرية والمرجئة والشيعة وغلاة الخوارج أنفسهم. وهي حالة يمكن تصويرها بعبارة "الاكتشاف الخاطف" للنفس، لكنها كانت تحتوي دون شك على تاريخها الخاص. وهو تاريخ الرؤية النقدية والعقلية الحرة تجاه النفس أولا وقبل كل شيء. ومن المكن العثور على صداها الظاهري في التقييم العام الذي يورده ابن حزم عن أن أكثر علماء الأباضية في الأندلس لم يكونوا يعرفون شيئا عن عبد الله بن أباض. والسبب كما يقول ابن حزم، هو أن ابن أباض تنكر لآرائه الأولى وانضم إلى مجوعة الثعالبة (الصفرية) من الخوارج. من هنا تبرؤهم منه وجهلهم به[13]. ونعثر على نفس الفكرة عند الذهبي فيما اسماه بتراجع ابن أباض "عن بدعته"[14].

وفيما لو جرى وضع هذه الحالة ضمن سياقها الفعلي في حياة عبد الله بن أباض، فإنها تشير إلى طبيعة الخروج الأول على سلوك الخوارج الأوائل. بمعنى الخروج على التطرف والبقاء ضمن تقاليد الخوارج الأولى، كما وجد تعبيره الظاهري الأول في الموقف من غلو الازارقة ولاحقا في مخالفته لبعض أراء ومواقف النجدية والبيهسية. بمعنى وقوفه ضد الغلو العقائدي والسياسي الذي ميز سلوك ورؤية نافع بن الأزرق[15]، وبالأخص أقواله عن اتهام الأمة الإسلامية بالشرك واعتبار دارهم دار حرب[16] في حال القعود عن محاربة ومواجهة الإمامة الجائرة. وهو موقف نبيل يعكس أولا وقبل كل شيء غلو الوجدان. من هنا لم تكن معارضة عبد اله بن أباض له سوى معارضة غلو الوجدان وليس العقيدة اللاهوتية السياسية، كما نعثر عليه في الموقف من قضية "تكفير الأمة".

فقد كانت فكرة التكفير الخوارجية الصيغة المقلوبة والعنيفة لتهيج الوجدان في مواقفه المعارضة للجور والطغيان الذي ميز سلوك السلطة الأموية تجاه الأمة وتهوينها للنخب واستهتارها بالقيم. ووجدت هذه الفكرة تعبيرها المركز والمكثف في رسالة نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن أباض. إذ يقول فيها "أما بعد! فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد ففيم المقام بين أظهر الكفار؟! ترون الظلم ليلا ونهارا، وقد ندبكم الله إلى الجهاد فقال (وقاتلوا المشركين كافة)، ولم يجعل لكم في التخلف عذرا في حال من الأحوال". وهي فكرة حادة مبدأها وغايتها العدل الصارم. ومن ثم لم تكن صيغتها الغالية سوى الوجه الآخر أو المعارض لغلو السلطة في انتهاكها للشريعة والدين، أي للقانون والحقوق والقيم الأخلاقية. وبما أن مسئولية المثقف هو تحقيق القيم الأخلاقية والقانون، من هنا ضرورة المواجهة مهما كلف الثمن. ولم يختلف عبد الله بن أباض مع هذه الفكرة، بقدر ما انه وجد فيها وجها آخر لاستهتار السلطة. بمعنى الخروج عن حد الاعتدال بالمعنى الشرعي والأخلاقي. من هنا رده المشهور عنه "قاتله الله! أيّ رأيٍ رأى! صدق نافع بن الأزرق لو كان القوم مشركين! كان أصوب الناس رأيا وحكما فيما يشير به، وكانت سيرته كسيرة النبي في المشركين. ولكنه كذب وكذبنا فيما يقول. إن القوم كفار بالنعم والأحكام وهم براء من الشرك. وما سوى ذلك من أموالهم فهو حرام علينا".

بعبارة أخرى، لقد أدرك عبد الله بن أباض إصابة نافع بن الأزرق المجردة، بل وجد فيها تمثيلا واستمرار لسلوك لنبي محمد، غير أنها تتعارض معه حالما يجري وضعها على محك الواقع. لقد انطلق نافع بن الأزرق من الفكرة المجردة ليحكم بها على الواقع والناس والقيم، بينما أراد عبد الله بن أباض الانطلاق من الواقع في فهم الأفكار المجردة. وهو اختلاف في الذهنية والمنهجية والاجتهاد. ووجد هذا الاختلاف تعبيره في جوهرية فكرة "الكفر بالنعمة". بمعنى رفع نفسية وذهنية التكفير العقائدية وإدراجها ضمن مسار الواجب الأخلاقي. ولا تبتعد هذه الباطنية الرفيعة عن الواقع، بقدر ما أنها تجعل منه درجة في سلم الارتقاء الروحي والأخلاقي للفرد والجماعة والأمة. بمعنى أنها لا تجعل من الإدانة تكفيرا، ومن ثم من الخروج (الحرب) معيارا وحيدا للقيم. وبهذا يكون عبد لله بن أباض قد وضع مبدأ الاعتدال العلمي – العملي، أو العقلي الأخلاقي في صلب الموقف من النفس. ومن خلاله تطبيقه على الأفراد والجماعات والأمة. ذلك يعني انه أراد الإبقاء عل الصراع مع السلطة ضمن ثنائية النخبة – السلطة، دون أن يلغي بذلك مسئولية العوام (الجمهور). لكنه لم يجعل من الجمهور الخامد والخائب والخائف هدف التجريح والتبريح والتحريم والتجريم. وبهذا يكون قد تمثل حصيلة التجارب الفكرية والسياسية والاجتماعية للخوارج بما يتوافق مع فكرة الاعتدال[17].

لقد تحول عبد الله بن أباض في مجرى مواجهته العلنية مع الازارقة إلى "رجل الساعة". بمعنى أن صراعه مع غلاة الخوارج جعله مقبولا ومرفوضا بقدر واحد من جانب السلطة والمعارضة. وعادة ما تلازم هذه الحالة ظهور الشخصيات المعتدلة الكبيرة. فالاعتدال الكبيرة شفرة حادة ومسن خشن! وهو السر القائم وراء بروزه الفكري السياسي وقيادة للتيار الخارجي الجديد[18]. بحيث جعل المؤرخين القدماء يربطون به ظهور الصيغة الأولية أو الجنينية للفرقة الاباضية[19]. وبالتالي انتساب الفرقة باسمه[20]. بحيث تحول أيضا إلى شخصية تتصارع من اجل حمل اسمه الفرق الأخرى[21].

وبغضّ النظر عن تنوع واختلاف الفرضيات حول ترابط اسم الفرقة باسمه، فإن اقتران اسم الفرقة به لم يكن معزولا عن تأسيسه للعقائد الجديدة من خلال الصراع ضد غلاة الخوارج والسلطة. ذلك يعني أن انتساب الفرقة باسمه لم يكن اعتباطا، رغم أن الأسس الفكرية ولحد ما السياسية قد جرى وضعها من قبل جابر بن زيد[22]. غير أن نشاط عبد الله بن أباض السياسي والفكري (العملي) هو الذي أعطى لتقاليد الفكرة الخوارجية التي بلور معالمها الأولية جابر بن زيد مذاقها الخاص والبارز في مجرى المواجهة مع الأموية وغلاة الخوارج. إضافة إلى ما في شخصيته من تراث وتاريخ سياسي وروحي، بوصفه احد التابعين الذين عاصروا مرحلة صعود الأموية وانحراف معنى الإمامة والأمة والخلافة والقيم. بمعنى الجمع بين بلورة تقاليد الاستقامة الروحية والعقلية والإنسانية تجاه النفس والأمة والسلطة.

وليس مصادفة أن تبلور تقاليد الرؤية الخوارجية الثقافية الدقيقة تصويرها له باعتباره "إمام أهل الطريق وجامع الكلمة لما وقع التفريق، وعمدة في الاعتقادات والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات، والمهدم لم اعتمده أهل الخلاف، ورئيس أهل البصرة والأمصار. قنع بالخمول من غير قصور ولا اقتصار، وخالف ورفض آراء الازارقة تجاه الأمة". وهي عبارة دقيقة رغم معاييرها الخاصة. بمعنى إننا نعثر فيها على الأبعاد العامة والكونية في شخصية عبد الله بن أباض بوصفه ممثل ما يمكن دعوته بتيار الاستقامة الثقافي.

لقد تراكمت فلسفة الاستقامة التي بلورت شخصية عبد الله بن أباض في مجرى انتقاد التجارب الذاتية للخوارج امتحانها التاريخي الأول، بينما كان موقفه من الإمامة ونقد السلطة تحقيقها المكمل. بمعنى اختبار مضمون وقواعد الاعتدال الجديد للفكرة السياسية الجديدة. وتمثلت هذه الفكرة روح الخوارج المستقيمة في مواجهة الإمامة الجائرة واعتبارها "دار البغي"، دون أن يقع في غلو الفكرة الفوضوية المتسامية لبعض الخوارج الذين قالوا بإمكانية إلغاء الإمامة (السلطة). والصراع ضد السلطة الجائرة بلا هوادة دون أن يجري حصره بالتمرد المسلح. ولهذا قيل عنه بأنه لم يرفع السيف في وجه الدولة الأموية. بمعنى انه استكمل الطريقة التي ميزت السلوك الأولي لمرادس ولكن حتى النهاية. كما سار حتى النهاية في فكرة حقوق الأمة باختيار خليفتها، بعد أن أسس لفكرة الخلافة بوصفها عقا، والخليفة بوصفه معهودا باتفاق وعلى أسس لا علاقة لها بأصوله الاجتماعية والقومية. بمعنى السير هنا أيضا حتى النهاية فيما يتعلق بمعارضة فكرة "الأئمة من قريش"، والاستعاضة عنها بفكرة الأئمة من المسلمين المستقيمين. لكنها استقامة متنوعة ومتعرجة لحد ما، شأن الحياة والحقيقة والقيم المتسامية. بمعنى تنوعها في الصور والأشكال والألوان ووحدتها في المعنى والغاية. وهي المعادلة التي جسدها عبد الله بن أباض في موقفه من السلطة (الأموية) بوصفها الحلقة المكملة لموقفه من النفس. وبما أن نشاطه الفكري والسياسي والأخلاقي الناضج قد تزامن مع مرحلة عبد الملك بن مروان، من هنا اختبارها الروحي، بوصفه الصيغة المكثفة لما أسميته بالاختبار التاريخي الأولي في الموقف من النفس (الخوارج)[23]. ويستعيد هذا الاختبار خلاصة الموقف المجرد من النفس والسلطة عبر موشور الفكرة الإسلامية المتسامية (القرآن). بمعنى خلو التدليل والحج من "دلائل" الحديث وآراء الفرق وعقائدها، بعد إبراز أولوية الوقائع الفعلية للتاريخ السياسي نفسه. وقد تكون رسالته المشهورة في الموقف من عثمان بن عفان إلى الخليفة عبد الملك بن مروان نموذجا لفكرة الاستقامة والاعتدال.

فهو ينطلق فيها من أن النصيحة ذات معنى للمتقين. وان الحقيقة فوق الجميع، وان المرء يعرف ولا يعرف، وما ينكره ليس بالضرورة منكرا عند الله. وهي المقدمة التي وضعها في محاولته تفسير موقفه من المعضلة السياسية العقائدية التي قصمت ظهر الاستقامة الروحية في الثقافة الإسلامية من خلال تطويع كل الرذيلة السياسية لرفعها إلى مصاف الفضيلة. فقد جسّدت الأموية هذه الحالة من خلال جعل الدفاع عن عثمان "سنّة" بينما لم يجد فيه الخوارج أكثر من شخصية عادية، شأن كل امرئ له ما له وعليه ما عليه. بمعنى تجريد الأفراد والتاريخ من التقديس، خصوصا إذا كان فارغ منه. وإذا كان الموقف من عثمان هو المصيدة التي وضعتها الأموية لكشف "معادن" المعارضة من خلال جعل انتقاده خروجا على "السنة"، فان الإجابة التي قدمها عبد الله بن أباض على أسئلة عبد الملك بن مروان بهذا الصدد تقوم في حرق هذه المصيدة بحطب الرؤية التاريخية الواقعية والفكرة الإسلامية المتسامية. بمعنى تحريرها من جدل العقائد. وهو الأسلوب الذي وضعه عبد الله بن أباض في عبارته القائلة "إني لم أكن أذكر لك من شأن عثمان شيئا إلا والله تعلم أنه الحق. وسأنزع لك في ذلك البينة من كتاب الله". وانطلاقا من هذه الرؤية حلل ونظم موقف الخوارج منه. وهو موقف ابتدأ بعرض حاله على من قبله. بمعنى انه حاول أن يضع شخصية عثمان ضمن سياق الفكرة التاريخية والفضائل الإسلامية المتراكمة في مجرى سيادة الإسلام النبوي وخلافة الأوائل. وبالتالي النظر إلى أفعاله باعتبارها جزء من تاريخه الشخصي والسياسي. من هنا قول عبد الله بن أباض، بان قدم عثمان في الإسلام لا يعني شيئا، لان "الله لم يجز العباد من الفتنة". وان الشيء الجوهري بالنسبة للحق هو عرض سلوك الخلفاء على القرآن. بمعنى ألا يبدل حكما ولا يستحل حراما ولا يحرم حلالا ولا يبدل فريضة. وهو الشيء الذي قام به محمد وبعد أبو بكر وعمر. كل بطريقته الخاصة ولكن ضمن الحدود العامة والملزمة للجميع.

وقد أجمل عبد الله بن أباض موقفه مما اسماه بالنقمة على عثمان في تسع قضايا هي: انه أول من منع مساجد الله أن يقض فيها كتاب الله، وانه طرد ونفى خيار هذه الأمة، وانه أمَّر أخاه الوليد بن عقبة على الناس، فكان يلعب بالسحر ويصلي بالناس وهو سكران، فاسق في دين الله وإنما أمّره من أجل قرابته، وانه جعل المال دولة بين الأغنياء، وانه منع واضع القطر وحماها لنفسه ولأهله ومنع الرزق الذي أنزله الله لعباده متاعا لهم ولأنعامهم، وانه تعدى في الصدقات. وأنقص أهل بدر من عطاياهم، وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله، وانه كان يضم كل ضالة إلى إبله ولا يردها ولا يعرفها، وانه أخذ خمس الله لنفسه، وأعطى منه أقاربه، وأخيرا منعه أهل البحرين وأهل عمان أن يبيعوا شيئا من طعامهم حتى يباع طعام الإمارة. وتوصل في النهاية إلى أن عثمان كان يحكم بغير ما أنزل الله. وهو خروج على حقيقة الإسلام، وبالتالي فهو ظلم وجور، وذلك لان (من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) كما يقول القرآن. ولم يجد في موقفه هذا رأيا شخصيا أو مميزا للخوارج، بقد ما وجد فيه موقف عاما من جانب أولئك الذين يحتكمون في ظاهرهم وباطن لحقيقة القرآن والسلوك النبوي. من هنا جمعه بين ما "طعن عليه المسلمون وفارقوه وفارقناه عليه[24]. بمعنى انه تمثل تجارب المعارضة الإسلامية للسلوك الأموي الذي وضع عثمان بن عفان أسسه الأولية. من هنا جوهرية الاستعادة الحية لفكرة الشريعة والفضيلة، والحق والأخلاق في سلوك السلطة والنخبة، باعتباره سرّ الاهتمام الكبير والمؤسس لعبد الله بن أباض في قضايا السلطة والدولة والأمة وقيم العدالة والحق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] من الأمور المؤسفة والسطحية أيضا هو خضوع بعض المؤرخين "الأباضيين" المعاصرين لابتزاز "أهل السنّة والجماعة"، بحيث نراهم يتحدثون عن اختلاف وتباين وتناقض وخروج الأباضية على الخوارج! وأنه لا جامع يجمعهم باستثناء أمور عرضية، كما تجتمع بعض الفرق المتناحرة على مواقف مشتركة! بل ويصل الأمر أحيانا بالبعض إلى درجة نسب الأباضية للخوارج بوصفه فعلا قامت به الدولة الأموية، وذلك بسبب إطلاقها كلمة الخوارج على كل معارض لها! بينما حقيقة الأباضية أبعد ما تكون عن الخوارج! وأنه لا يجمعها بهم غير إنكارهم للتحكيم ومعارضتهم للحكم الأموي. ولعل عدم اتفاق عبد الله بن أباض، بل ومعارضته لنافع بن الأزرق ومن معه من الخوارج دليل قاطع بهذا الصدد. إن هذه الأفكار وأمثالها هي مجرد صيغة أيديولوجية حديثة لا علاقة جوهرية لها بالتاريخ الفعلي للخوارج بشكل عام والأباضية بشكل خاص. فالخوارج تيار كبير وهائل، ومن ثم متعدد الفرق والشخصيات. وله أثره الفكري والسياسي والأخلاقي الهائل بالنسبة لترسيخ قيم الإسلام الروحية والكونية. كما انه احد التيارات الأعمق والأكثر إنسانية من بين التيارات الإسلامية قاطبة في ما يتعلق بقيم الحق والعدالة والحقوق السياسية وفكرة السلطة والدولة. بل ويمثل احدى أرقى صيغ الثبات في المواقف والإخلاص في الشخصية. وبالتالي، فان محاولة إخراج الأباضية من الخوارج هو جهل بحقيقة الخوارج وانتقاص للأباضية نفسها.

[2] ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج3، ص346.

[3] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج5، ص566-567.

[4] خير الدين الزركلي: الأعلام، ج4، ص184. وهو الأدق. وذلك لأن بناء سيرته الشخصية من خلال الأحداث والأفكار يخرجه من زمن الصحابة وتاريخهم الخاص، بالمعنى الذي أشرت إليه.

[5] يذكر عبد الله بن أباض نفسه في رسائله إلى عبد الملك بن مروان بأنه أدرك معاوية وأنكر عليه أشياء من أعماله وتصرفاته. ذلك يعني ان عمره كان في حالة يؤهله لتحديد مواقف متميزة ومؤثرة بالنسبة للحياة السياسية والفكرية. كما نعثر فيها على استقلال شخصي وتراكم في الرؤية والمواقف.

[6] رسالة عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان كما يوردها البرادي في كتابه (الجواهر المنتقاة في ما أخل به كتاب الطبقات). ص 163-164.

[7] لقد برز نشاطه وشخصيته بعد مقتل أبي بلال. ويمكن فهم بروز هذا على انه من جماعته، رغم انعدام الأدلة حول مشاركته إياه في الخروج إلى منطقة آسك أو الاشتراك في القتال معه.

[8] التخمين القائل، بأنه مات في وقت قريب من وفاة جابر بن زيد ( 21-93 للهجرة) يستند إلى واقع تولي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة قيادة الفرقة. ويستند هذا التخمين بدوره إلى ما يورده البغدادي عن أن الحارث الأباضي ترأس مجموعته خلفا لعبد الله بن أباض. وبما أن الحارث الأباضي قد خالف بصورة علنية بعض عقائد الأباضية فيما يتعلق بقضايا القدر، من هنا الاستنتاج القائل باستحالة مرور ذلك دون اعتراض أو نقد من جانب عبد الله بن أباض.

[9] الشهرستاني: كتاب الملل والنحل، ج1، ص 134. وتبالة، بلدة بأرض تهامة بالطريق إلى صنعاء. وهي إشارة تحتمل الخطأ، أو أنها خلطت بين أمور وأحداث مختلفة. وذلك لأن محمد بن مروان هو آخر خلفاء بني أمية، وتربع على الحكم بعد المائة الأولى. ولم يكن ابن أباض آنذاك على قيد الحياة. أو حتى في حال افتراض وجوده، فانه كان طاعن في السن. غير أن تميز محمد بن مروان (72-132 للهجرة) في محاربة الخوارج ومحاولته إعادة الاستتباب للسلطة والدولة قد قرنت في ذاكرة المؤرخين (وبالأخص في الكتب المتخصصة بقضايا الفرق الإسلامية) إمكانية ربط أحداث انتفاضة الخوارج المشار إليها أعلاه ودمج شخصية أبن أباض فيها. وهي فرضية تؤيدها المعلومات المتعلقة باشتراك عبد الله بن يحيى الكندي والمختار بن عوف فيها. وهما شخصيتان عادة ما ترجعهما المصادر الاباضية إلى حلقة أو أتباع أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. إذ تشير لائحة المراجع الأباضية القديمة إلى أن عبد الله بن أباض وعروة بن جدير كانا من تلامذة جابر بن زيد وعبد الله بن وهب الراسبي وزيد بن صوحان. كما تدل أيضا على أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة كان من تلامذة عبد الله بن أباض ومعاصرا له. وعموما يمكننا القول، بأنه في حال كونه لم يكن احد أتباعه، فانه على الأقل من معاصريه الأصغر سنا والأكثر تأثيرا بالنسبة لنشر الأفكار "الاباضية". ومن ثم يؤيد المعنى القائم في تلمذته على يد ابن أباض وأساتذته.

[10] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج7، ص48، ص399-402. ويؤيد هذا الاستنتاج الدرجيني في كتابه طبقات مشايخ المغرب، ج1، ص231 – 232.

[11] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج5، ص563.

[12] يمكن الرجوع بهذا الصدد إلى كتابي (المختار الثقفي – فلسفة التوبة والثار).

[13] ابن حزم: الفصل في الملل والنحل، ج4، ص191.

[14] إن المراجع الأباضية لا تقر بهذا الانطباع والأحكام والتقييمات. وهو أمر طبيعي! إذ تعتبرها جزء من تاريخ التشويه المتعمد، والذي لم يكن بدوره معزولا عن غطاء الأسرار الذي لف حياة عبد الله بن أباض، بحيث جعل من الممكن تخيل مختلف الصور عن حياته وموته، كما نراه على سبيل المثال فيما أورده ابن حوقل عن موت عبد الله بن أباض وعبد الله بن وهب الراسبي في جبل نفوسة!

[15]المبرد: الكامل في التاريخ، ج3، ص1031-1032.

[16] الأشعري: مقالات الإسلاميين، ص86؛ الشهرستاني: كتاب الملل والنحل، ج1، ص179-186.

[17] ومن الممكن هنا الرجوع إلى آراء ابن حزم في كتابه (الفصل في الأهواء والملل والنحل، ج4، ص188-191) حول تطرف الاتجاهات وسببه في اندثارها (إبادتها)، أو ما يدعوه ابن حزم بشنائع الخوارج. بمعنى رؤيته النقدية لما في الشنائع (الغلو) من اثر لما اسماه بإبادة الحركات، أي اندثارها التاريخي. وهي رؤية دقيقة ونقدية من الناحية المجردة، لكنها بعيدة عن الواقع فيما يتعلق بالخوارج بشكل عام وبالاباضية بشكل خاص.

[18] المبرد: الكامل في التاريخ، ج3، ص1040؛ ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج1، ص261.

[19] الذهبي: لسان الميزان، ج3، ص248.

[20] ابن خلدون: كتاب العبر، ج2، ص656.

[21] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص 62. ذلك يعني أن شهرته لم تك معزولة عن نشاطه العلني. وفيه يمكننا العثور على معالم شخصيته الاجتماعية والسياسية والفكرية. فمن بين الفرق التي اعتبرت عبد الله بن أباض قائدها تجدر الإشارة إلى المعمرية. كما قالت به الحارثية، أتباع الحارث بن مزيد، بعد وفاة أبي بلال مرداس. (هنا أيضا إشارة إلى تعايشهما وتأثيرهما المشترك)

[22] لم يكن الأباضيون في البداية يستخدمون اسم الأباضية ؛ بل استخدموا عبارات "أهل الاستقامة" و"أهل الدعوة". ولم يرد ذكر اسم الأباضية في الأعمال الأباضية الأولى. إلا أنهم اعترفوا في وقت لاحق بهذا الاسم وقبلوه. وقد ظهر لأول مرة في الأعمال الأباضية المغربية في رسالة عمروس بن فتح (ت- 280 للهجرة).

[23] لقد كان عبد الملك بن مروان (26-86 للهجرة) احد النماذج الرفيعة لرجل الدولة الإمبراطورية. فقد ولد وتربى بالمدينة. وأتقن المعارف الإسلامية الأولى. وورث الدولة وهي مهددة ممزقة. لكنه استطاع توحيدها من جديد بعد القضاء على مختلف مظاهر الفتن والتمرد والانتفاضات والتجزئة. فقد قضى على عمرو بن سعيد في دمشق وقتله في حادثة "كلاسيكية" للتخلص من المنافسين (انظر ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج2، ص27-28) ثم قضى على مصعب وأخيه عبد الله بن الزبير. ثم ولى الحجاج على الحجاز ثم الكوفة. بدأت في عهده حركة تعريب الدواوين، واستبدال الموظفين العرب بالأعاجم. كما أقيمت دور لصك العملة التي حملت كتابة عربية. كما قام بإصلاحات كبرى في الزراعة والتجارة والبناء (قبة الصخرة) وكسا الكعبة. وضمن هذا السياق يمكن فهم مراسلاته مع عبد الله بن أباض على سعة أفق الرؤية السياسية لعبد الملك بن مروان، وكذلك إدراك عبد الله بن أباض قيمة الدولة والسلطة السياسية. وهو السبب الذي طبع رسائله بتقديم ما يمكن دعوته بالنصيحة التاريخية السياسية الأخلاقية من خلال توحيد وقائع التاريخ ومرجعيات الفكرة الإسلامية المتسامية.

[24] إننا نعثر على كل هذه الانتقادات الدقيقة والمرتبة بهذه الصيغة لاحقا في كتب (الملل والنحل)، أي الكتب التي عممت تجارب الرؤية النقدية أو أسباب الخلافات في مجرى ظهور وتعدد الفرق الكلامية والمدارس الفلسفية.

 

 

نجلاء الوركليرسالة النصيحة الغياثية للحسن اليوسي نموذجا

تقديم: يُعد التراث، باعتباره ممارسة نظرية وسلوكية في مرحلة تاريخية ما، وفي سياق تاريخي ما، أهم زاد تلجأ إليه الأمم إذا ما أرادت أن تشق طريقها نحو تعميق فهمها لذاتها وإنجاز ممارساتها التجديدية التي تنتقل من خلالها نحو التقدم والازدهار والتنمية. إن هذه الممارسة، أو ما أنتجته النخبة من علوم نظرية وعملية لم تتوفر، بعد، وفي عالمنا العربي بشكل عام، وفي بلاد المغرب بشكل خاص، كل الشروط الضرورية الملائمة التي تسهم في نفض الغبار عن العديد من المخطوطات التي ما زالت تسكن الخزانات العامة والخاصة بإخراجها إلى الوجود بعد فحصها وغربلتها وتحقيقها واستثمار مضامينها بما يفيد في تأصيل النموذج التنموي الذي يناسب الأمة ويتلاءم مع خصوصياتها.

إن المغرب المعاصر، وهو يقيم صرح دولته الحديثة، كغيره من الأمم، في حاجة ماسة إلى تأصيل اختياراته ومشروعه المجتمعي ونموذجه التنموي. وهذا التأصيل لن يجده ملائما في النماذج المستوردة من الخارج حتى لو كانت نماذج ناجعة في بلدانها الأصلية. وإنما يجده في تراثه الغني والمتنوع. لذا هو في حاجة إلى الاهتمام بهذا التراث الفكري الذي ما زال جله حبيس الخزانات العامة والخاصة وذلك بالكشف عنه والقيام بما يلزم حتى تتحقق الاستفادة منه.

من الشخصيات الفكرية التراثية، التي يحتاج ما تركته من إنتاجات إلى المزيد من الاهتمام، نجد العلامة الحسن بن مسعود اليوسي. الذي يمثل بشخصيته الفكرية المتعددة المداخل " تعميقا لمطامح الجماهير الشعبية المغربية في نضالها لتحقيق العدالة الاجتماعية، وصنع عالم أفضل أساسه تلك العقيدة السامية التي تقوم بالدرجة الأولى على التحرر المطلق من كل عبودية" ([1]). لقد كان اليوسي صاحب بناء فكري متكامل. انخرط في مواجهة مشاكل عصره الاجتماعية والسياسية، فكان نموذجا للمثقف العضوي في عصره، يحقق فكره في ذاته وذاته في فكره، دون أن تجعله الظروف الاجتماعية والسياسية يعيش في ذاته ذلك التناقض الذي " يعانيه الأديب العربي اليوم من انفصام يجعل غالبا حياة المثقف وأفكاره على طرفي نقيض" ([2]).

ترك اليوسي تراثا مهما ومفيدا أغنى به الخزانة المغربية والعربية والعالمية، فكان من بين ما أنتج محاضراته ورسائله.

اعتبارا لأهمية هذه الرسائل قامت الباحثة المغربية فاطمة خليل القبلي بمجهود جبار استهدفت به جمع هذه الرسالة وتحقيقها حتى تقربها من فئة أوسع من الباحثين والمهتمين. وفي هذه الدراسة سنعمل على تحليل إحدى هذه الرسائل ومن خلالها نبرز الخصائص المضمونية والفنية لرسائل اليوسي من جهة، ونسلط الضوء على مقومات أدب الرسائل في المغرب في فجر المغرب العلوي من جهة ثانية، ونكتشف أهم المحاور التي استقطبت اهتمام علماء ومفكري ومثقفي هذه الحقبة التاريخية المهمة في تاريخ المغرب.

أولا: الإطار النظري:

لا يستقيم الخوض في تحليل نص تراثي، مهما كان، دون ربطه بإطار نظري مؤطر لطبيعة هذا التحليل وخلفياته وأهدافه. فتحليل النص النثري، كغيره من النصوص، يستند إلى منهج سواء تم التصريح به او لم يتم التصريح. والمنهج، بدوره، يستند إلى نظرية تشكل إطاره وخلفيته. فكما لا يوجد نص بريء لا توجد قراءة نقدية أو تحليلية بريئة. ولما كان الغرض الأساس في هذه الدراسة هو تحليل رسالة من رسائل العلامة الحسن اليوسي بهدف الوقوف على خصائصها الفنية والموضوعية فإن ذلك، إن كان لا يسمح بتعميق البحث النظري وإبراز الخلفيات، فهو يتطلب، بالتأكيد، الاستناد إلى عدد من الدعائم النظرية والمنهجية ومنها دعامة تأصيل الرسالة ضمن مجالها الإبداعي باعتبارها فنا من الفنون الأدبية ورافدا من روافد النثر الفني، وكذا الاعتماد على خطوات منهجية تساعد في عرضه بشكل يجعله أقرب إلى حقل البحث العلمي.

مفهوم الرسالة الأدبية:

ينحدر لفظ رسالة من مادة رسل في اللغة العربية.  فقد ورد في مادة رسل: الرسل: القطيع من كل شيء، والجمع أرسال. وأرسلوا إبلهم إلى الماء أرسالا أي قِطعا. واسترسل إذا قال أرسل إلىّ الإبل أرسالا. وجاؤوا رِسلة أي جماعة جماعة. والرِّسل والرِّسلة: الرفق والتؤدة. وترسل في قراءته: اتَّأد فيها. وفي الحديث كان في كلامه ترسيل أي ترتيل؛ ويقال ترسَّل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يتعجل. والمراسيل: جمع مرسال وهي السريعة السير. واسترسل إليه أي انبسط واستأنس. وقال ابن جنبة: الترسل في الكلام التوقر والتفهم والترفق من غير أن يرفع صوته شديدا. وتراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض. وأرسل الشيء: أطلقه وأهمله.([3])

وكما تتطور اللغة بتطور مجالات استعمالها وتطور الحاجة إلى تحيينها، "تطور مفهوم لفظ رسالة من الاستعمال الحسي إلى الاستعمال المعنوي، فقد ذكر ابن منظور أن الإرسال يعني التوجيه، والإسم الرِّسالة والرَّسالة، ثم تطور هذا المفهوم للفظ رسالة وانطلق من المجال اللغوي ليدل على كل كلام يراسل به من بعيد([4]).

وقد ذكر صاحب كتاب " كشاف اصطلاحات الفنون" أن الرسالة في الأصل الكلام الذي أرسل إلى الغير. وخصت في اصطلاح العلماء بالكلام المشتمِل على قواعد علمية. والفرق بينها وبين الكتاب على ما هو المشهور إنما هو بحسب الكمال والنقصان والزيادة والنقصان([5]).

أما اصطلاحا فالرسالة فن أدبي ينتمي إلى مجال النثر الفني. ارتبط بالكتابة فلم يعرف أن العرب كان لها من هذا الفن في عصرها الجاهلي وإنما سيظهر في عصر التدوين وخاصة في القرنيين الثاني و الثالث الهجريين حيث برزت أسماء اعتمدت الرسالة شكلا من أشكال التعبير والتواصل ومعالجة القضايا الآنية ومن هؤلاء نذكر الجاحظ.

من الضروري التأكيد على أن التراث النثري العربي القديم لم يحظ بالاهتمام الذي حظي به التراث الشعري وخصوصا في العصر الجاهلي. وهذا ما يؤكده الدكتور زكي مبارك بقوله" إن النقاد لم يعطوا للنثر ما أعطوا للشعر من العناية: فلسنا نجد في كتب النقد تلك الأبحاث المطولة التي يراد بها رد معاني الكتاب إلى مصادرها الأولى على نحو ما فعلوا في درس معاني الشعر وبيان المبتكر منها والمنقول"([6]). ويضيف " فالشعر في نظر النقاد من العرب أكثر حظا من الفن واولى بالنقد والوزن. والنثر مهما احتفل أصحابه بإتقانه وتجويده لم ينل من أنفس النقاد منزلة الشعر، ولذلك قلَّت العناية بتقييد أوابده، والنص على ما فيه من ضروب الإبداع والابتكار أو دلائل الضعف والجمود"([7]).

وبطبيعة الحال، هناك أسباب وراء عدم الاهتمام بالنثر الفني العربي في العصر الجاهلي وفي العصر الإسلامي الأول  ومن هذه الأسباب نذكر ضعف انتشار الكتابة في هذا العصر والاعتماد على الذاكرة في حفظ التراث وأن الشعر أقرب وأسهل للحفظ والتخزين في الذاكرة منه إلى النثر حيث قال الدكتور زكي مبارك " كان للعرب قبل الإسلام نثر فني يتناسب مع صفاء أذهانهم، وسلامة طباعهم، ولكنه ضاع لأسباب أهمها شيوع الأمية وقلة التدوين وبُعْدُ ذلك النثر عن الحياة الجديدة التي جاء بها الإسلام ودوَّنها القرآن"([8]). ويضيف في نفس الاتجاه" إن العرب في الصدر الأول من الإسلام تناسوا عامدين أبوابا كثيرة من الأدب الذي كان محفوظا قبيل الإسلام، صيانة للوحدة الإسلامية من عبث الأهواء(...) والذي نقضي به في الشعر هو نفس ما نقضي به في الرسائل والخطب والأسجاع، فمن عسى ان يكون ذلك المسلم الذي يستبيح رواية خطب الكهان ورسائلهم وأسجاعهم وهي تفيض بالروح الوثنية؟"([9])

إن البحث في التراث النقدي عن النثر الفني ومكوناته، للأسباب السالفة الذكر، يكاد لا يعْثُر على دراسة لأدب الرسائل في العصر الجاهلي والإسلامي الأول. وهذا ما يفسر القول بظهور أدب الرسائل مع عصر التدوين.

تٌعدُّ الرسائل على حد تعبير عمر الدسوقي " من أقدم فنون الأدب في النثر العربي، منذ استحالته إلى صناعة فنية على يد عبد الحميد الكاتب، وكان للرسائل شأن عظيم في أخريات العصر العباسي، ونبغ فيه جمهرة من أكابر الأدباء"([10]).

أما الأدباء الأندلسيون فكانوا يطلقون الرسالة على "ما ينشئه الكاتب في نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويوجه إلى شخص آخر، ويشمل ذلك الجواب والخطاب.([11]) ويرادف لفظ الرسالة في الأدب الأندلسي لفظ كتاب حيث " دلّ هذا اللفظ منذ البداية الأولى لأدب الرسائل في الأندلس على ما كان يدل عليه لفظ رسالة، وهو الإشارة إلى النص المكتوب الذي يبعث به الكاتب إلى غيره في أي موضوع([12]). لذلك، يقول صاحب أدب الرسائل في الأندلس أن الباحث يخرج في هذا الأمر إلى القول" بأن لفظ رسالة في الأدب الأندلسي إنما كان يقصد به الرسالة النثرية الفنية أي القطعة النثرية التي يُدبجها الكاتب في نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويبعث بها إلى شخص آخر([13]) . ومن ثمة فالرسالة حسب ما ذهب إليه في هذا الكتاب هي لون من ألوان النثر الفني الجميل، وضرب من ضروبه التي تنهال على القريحة انهيالا، ولا يكاد يختلف مفهوم الرسالة الفنية عند الأندلسيين عن مفهومها عند المشارقة، فالأدب في عرفهم جميعا ينقسم إلى أصلين أساسيين: منظوم ومنثور، والمنثور منه الخطب والرسائل، وهما فن واحد أو فنان متقاربان يقابلان الشعر([14])

ورد في كتاب صبح الأعشى في معنى الرسائل أنها جمع رسالة والمراد فيها أمور يرتبها الكاتب: من حكاية حال من عدو أو صيد، أو مدح وتقريض، أو مفاخرة بين شيئين، او غير ذلك مما يجري هذا المجرى. وسميت رسائل من حيث أن الأديب المنشئ لها ربما كتب بها إلى غيره مخبرا فيها بصورة الحال، مفتتحة بما تُفتتح به المكاتبات، ثم تُوُسِّع فيها فافتتحت بالخطب وغيرها.([15])

الرسائل: دواعيها ومكانتها في الأدب

تعتبر أهمية الرسالة من أهمية النثر الفني في الأدب كما هي أهمية الجزء من أهمية الكل في الفيزياء. لذا نجد صاحب كتاب " صبح الأعشى " في خضم حديثه عن الشعر والنثر يُبرز أهمية النثر بالقول بأن "المقصود الأعظم من النثر الخطب والترسُّل، وكلاهما شريف الموضوع حسن التعلق"([16]) وأن "الترسل مبني على مصالح الأمة وقوام الرعية لما يشتمل عليه من مكاتبات الملوك وسَرَاة الناس في مهمَّات الدِّين وصلاح الحال وبَيْعات الخلفاء وعهودهم، وما يصدر عنهم من عهود الملوك، وما يلحق بذلك من ولايات أرباب السيوف والأقلام الذين هم أركان الدولة وقواعدها. إلى غير ذلك من المصالح التي لا تكاد تدخل تحت الإحصاء ولا يأخذها الحصر([17]).

لقد جعل القلقشندي الرسالة والمكاتبة ذات شأو عظيم. حيث يقول: "إذ الترسل والمكاتبات أعظم من كتابة الإنشاء وأعمها من حيث أنه لا يستغني عنه ملك ولا سوقة، بخلاف الولايات فإنها مختصة بأرباب المناصب العلية دون غيرهم، وعلى ذلك بنى الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي رحمة الله تسمية متابه" حسن التوسل، إلى صناعة الترسُّل" ([18])

ولهذه الأهمية التي يحظى بها فن الرسالة كشكل من أشكال الكتابة الإنشائية، بل باعتبارها أرفع مكانة بين هذه الأشكال، فإنها تستلزم الكثير منها "زيادة في العلم، وغزارة الفضيلة، وذكاء القريحة، وجودة الرويَّة: لما يحتاج إليه من التصرف في المعاني المتداولة والعبارة عنها بألفاظ غير الألفاظ التي عبر بها من سبق إلى استعمالها مع حفظ صورتها وتأديتها إلى حقائقها، وفي ذلك من المشقة مالا خفاء فيه على من مارس الصناعة، وخصوصا إذا طلب الزيادة والعلو على من تقدمه في استعمالها، أو حذا حذو رسوم المبرزين الذين ينتحلون الكلام ويُوقِعُونه مواقعه مع مراعاة رشاقة اللفظ، وحلاوة المعنى، وبلاغته ومناسبته مع ما يحتاجه من اختراع المعاني الأبكار للأمور الحادثة التي يقع مثلها، ولا سبق سابق إلى كتابتها – لأن الحوادث والوقائع لا تتناهى ولا تقف عند حد"([19]) . إنها تشتمل على البيان الدالّ على لطائف المعاني التي هي زبد الأفكار وجواهر الألفاظ، التي هي حلية الألسنة، وفيها يتنافس أصحاب المناصب الخطيرة، والمنازل الجليلة، أكثر من تنافسهم في الدرّ والجوهر" ([20])

واعتبارا لخطورة الرسالة بما تحدثه من أثر، وبما يحظى به كتابها من مكانة اجتماعية ودور في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية فقد جعلها صاحب " صبح الأعشى " محاطة بضوابط وافترض في أصحابها أن يتصفوا بصفات وآداب واجبة وصفات عرفية.

فأما الصفات الواجبة فمنها الإسلام وهي الصفة الأولى" ليؤمن فيما يكتبه ويمليه. ويوثَق به فيما يذره ويأتيه. إذ هو لسان المملكة، المرهب للعدو بوقع كلامه، والجاذب للقلوب بلطف خطابه"([21]). ومنها الحرية لما في العبد من نقص ولما قد يشوبه من ضعف الثقة. ومنها التكليف، إذ لا وثوق في كلام الصبي ولا يعتمد عليه. ومنها العدالة، إذ لا ثقة في الفاسق.  ومنها البلاغة، " فرب كاتب بليغ أصاب الغرض في كتابته فأغنى عن الكتائب، وأعمل القلم فكفاه إعمال البيض القواضب؛ وإذا كان جيد الفطنة صائب الرأي حسن الألفاظ، تتأتى له المعاني الجَزْلَة فيجلوها في الألفاظ السهلة، ويختصر حيث يكون الاختصار، ويطيل حيث لا يجد عن الإطالة بدَا ويتهدد فيملأ القلوب روعة، ويشكر فيلقي على النفوس مسرة([22]). ومنها أيضا وفور العقل وجزالة الرأي لأن العقل " أس الفضائل وأصل المناقب؛ ومن لا عقل له لا انتفاع به، وكلام المرء ورأيه على قدر عقله؛ فإذا كان تام العقل كامل الرأي، وضع الأشياء في مكاتباته ومخاطباته في مواضعها، وأتى بالكلام من وجهه.([23])  ومنها أيضا صفة العلم بمواد الأحكام الشرعية، والفنون الأدبية وغيرها. ومنها كذلك قوة العزم وعلو الهمة وشرف النفس.

أما الصفات العرفية فقد نقل صاحب " صبح الأعشى" عن المهذب بن مماتي في كتابه" قوانين الدواوين" قوله: " ينبغي أن يكون الكاتب أديبا، حاد الذهن، قوي النفس، حاضر الحس، جيد الحدس، حلو اللسان، له جراءة يثبت بها الأمور على حكم البديهة، وفيه تُؤَدة يقف بها فيما لا يظهر له على حد الروية، شريف الأنفة، عظيم النزاهة، كريم الأخلاق، مأمون الغائلة، مؤدم الخدام"([24])

أما الآداب التي يجب أن يتصف بها كتاب الرسائل فقد جعلها في نوعين وهي كثيرة فتشمل حسن السيرة وشرف المذهب ولذلك شروط ولوازم منها تقوى الله وطلب الأجر ومجانبة الرِّيب والتنزه عنها ولزوم العفاف وطلب العفاف والحمد والاقتصاد في طلب اللذة والاقتصار من ذلك على ما يقيم المروءة من أفضل الأخلاق وأشرفها ومنها كذلك حسن العشرة بما تعنيه من المعاني كالإخلاص والنصيحة والاجتهاد وكتمان السر والشكر والوفاء ومجانبة الإدلال والتمسك بآداب الخدمة.

إذن فن التراسل والمراسلة وكتابة الرسائل نشأ، كشكل فني قائم الذات، في دواليب الدواوين، وقد حظي بالاهتمام فكانت له المكانة والحظوة. وهو ما دعا إلى إحاطة من يقبل عليه بشروط ولوازم. كما تطور في سياق تنوع مظاهر الحياة وتكاثفها وتوسع رقعة البلاد الإسلامية وانتشار الإسلام بين الأمم غير العربية مما اقتضى التعبير والتواصل والتخاطب بشكل يتلاءم وهذه الوضعية الجديدة حتى يعم الفهم ويحصل الأثر المرغوب.

بفعل تطور الحياة، ومن أجل التواصل مع عامة الناس والتأثير فيهم تهيأت الظروف أمام هذا الفن ليتوسع ويتطور فخرج من الدواوين ومجالات اشتغالها ليصبح شكلا من أشكال التعبير يعيش بين الناس كما عاش الشعر. فيتنوع شكلا ومضمونا.

أنواع الرسائل:

لقد تأثر النثر الأدبي بحركة النقل والترجمة التي ازدهرت في العصر العباسي الأول، ومن مجالات النثر الأدبي كانت الرسائل الأدبية التي نسميها اليوم بالمقالة حيث يقول الدكتور شوقي ضيف " حتى النثر الأدبي الخالص أخذ يتأثر بملكات اللغات الأجنبية وخاصة اللغة الفارسية على نحو ما هو معروف عن ابن المقفع وترجمته عن هذه اللغة لقصص كليلة ودمنة الهندي الأصل ونقله لكثير من آداب الفرس الاجتماعية والأخلاقية ونظمهم في السياسة والحكم، مما كان له أعمق الأثر في الرسائل الديوانية وفي نشوء الرسائل الأدبية التي تعنى بالكتابة في موضوع محدود، مما نسميه اليوم باسم المقالات، إذ يعالج الكاتب موضوعا في طائفة من الصحف.([25]) وقد صنف هذه الرسائل إلى:

الرسائل الديوانية وهو صنف ارتبط بتطور بنية الدولة ومتطلباتها ومنها نظام الدواوين الذي أصبح بنية إدارية مهمة في هيكلة الدولة حينئذ. ومع تطور هذه الدواوين تطورت الرسائل الديوانية حيث أضحت "الكتابة في هذا العصر الجسر الذي يصل الشخص إلى أرفع المناصب، وكان من يتقنها من الوزراء والقواد والولاة يلقى الإكبار والإعجاب في كل مكان.([26])

الرسائل الإخوانية والأدبية حيث " نمت الرسائل الإخوانية في هذا العصر نموا واسعا، ونقصد الرسائل التي تصور عواطف الأفراد ومشاعرهم، من رغبة ورهبة ومن مديح وهجاء ومن عتاب واعتذار واستعطاف، ومن تهنئة واستمناح ورثاء وتعزية، وكانت هذه العواطف تؤدى في العصر الأموي بالشعر، وكان من النادر أن تؤدى بالنثر.([27]) ويضيف أن هذه الرسائل الإخوانية دعت أصحابها إلى " أن يتحولوا بها إلى ما يشبه الرسائل الأدبية الخالصة، وهي التي تتناول خصال النفس الإنسانية وتصور أهواءها وأخلاقها وتوضح لها طريقها إلى الخير، حتى لا تسقط في مهاوي الشر.([28])

أما صاحب كتاب أدب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري فقد بين تنوع الرسائل من حيث موضوعها ليشمل مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والأدبية والفكرية حيث رصد أثناء هذه الفترة رسائل تنتمي إلى الاتجاه السياسي ورسائل تنتمي إلى الاتجاه الاجتماعي ورسائل في الجهاد والصراع مع الصليبيين والرسائل الدينية ورسائل المفاضلات والمفاخرات ورسائل النقد الأدبي ورسائل الفكاهة والرسائل الوصفية والرسائل الديوانية والرسائل الإخوانية. وقد أبرز الخصائص الفنية واللغوية لهذه الرسائل في هذه الحقبة التاريخية كما ذكر أشهر كتاب الرسائل في الأندلس.

خلاصة القول، أن أدب الرسائل فن أدبي أصيل، وباب من أبواب النثر الفني الجميل. له خصائصه المميزة التي تعطيه شكله الخاص الذي يميزه عن باقي الفنون الأدبية النثرية. تطور فن الرسالة بتطور التاريخ وتنوع مجالات الحياة. يعود أصلها إلى أصل النثر الفني، حيث ظهر منذ العصر الجاهلي واستمر وتطور في الحياة الأدبية العربية. لكنه سيتطور بشكل ملحوظ منذ القرن الثاني الهجري. ويكون للتدوين والكتابة الديوانية الأثر البالغ في رسم معالم جديدة لفن كتابة الرسائل لما سيحظى به من مكانة في حياة الناس الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية. وستساهم الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية والدينية في انتشار هذا الفن ليصبح من بين أهم الأشكال التعبيرية التي يعتمدها العلماء والمفكرون والأدباء في معالجة القضايا التي تواجههم في الحياة اليومية.

ثانيا: رسائل الحسن بن مسعود اليوسي

يعتبر كتاب رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي، الذي ألفته جمعا وتحقيقا ودراسة الباحثة فاطمة خليل القبلي، المرجع الأساسي المعتمد في أدب الرسائل عند هذا العلامة المفكر والأديب المغربي. وهو كتاب يقع في جزأين. صدرت طبعته الأولى عن دار الثقافة سنة 1981. وهو في الأصل موضوع بحث باشرته الباحثة تحت إشراف أستاذها الدكتور عباس الجراري، عميد الأدب المغربي. وقام على جمع هذه الرسائل، التي لم يكن أغلبها معروفا في أوساط الدارسين على حد تعبير الباحثة. ولم تكن مادته الأولى متوفرة بسبب تشتت الرسائل وتواجدها بالمكتبات العامة والخاصة الأمر الذي تطلب منها جهدا ومثابرة وصبر وإرادة وعزيمة.

اعتمدت الباحثة في جمعها للمادة الأولية لهذا الكتاب على ما توفر من مخطوطات بالمكتبات العامة ( قسم الوثائق التابع للخزانة العامة بالرباط- الخزانة الملكية بالرباط – خزانة القرويين بفاس)، والمكتبات الخاصة ( مكتبة الأستاذ المرحوم العابد الفاسي بفاس – مكتبة الأستاذ محمد حماد الصقلي بفاس –مكتبة عبد الحي العمراوي بفاس – مكتبة محمد المنوني بالرباط – مكتبة الفقيه التطواني بسلا)، وفهارس المكتبات الذي أنجزه الأستاذ محمد المنوني الذي كلفته وزارة الثقافة بجرد وإحصاء المخطوطات المتوفرة بهذه المكتبات، وكذا فهارس جائزة الحسن الثاني للمخطوطات، ومخطوطات خاصة في ملك الباحثة.

ومن أهم الكتب التي أُلفت حول الحسن اليوسي، كتاب " عبقرية اليوسي" لعميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري. وهو كتاب صادر عن دار الثقافة سنة 1981. كتاب سلط الضوء على هذه الشخصية المغربية الفكرية المتميزة في بعدها الخاص والعام. لذا فهو يستحق القراءة كما يستحق الحسن اليوسي أن يكون، من خلال ما تركه من مؤلفات، محط اهتمام لما تميز به فكره من عمق في التحليل ووضوح في الرؤية وسلامة في البناء العقدي ودقة في المعالجة وجرأة في القول وشجاعة في التعبير وتميز في الأسلوب وصفاء في المنهج وصدق في المقصد.

نبذة من ترجمة الحسن اليوسي:

في كتابه المحاضرات قدم اليوسي نفسه قائلا: أنا الحسن بن المسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم ابن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف، وهو أبو القبيلة ابن داوود بم يدراسن بن يننتو. والكنية أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد.([29])

ولد الحسن اليوسي سنة 1631م، وسط أسرة فقيرة وأمية، بإحدى قرى السفح الشمالي للأطلس الكبير الشرقي، الواقعة على وادي ورن، أحد روافد نهر ملوية العليا، بالقرب من جبل العياشي. وتوفي بقرية تمزيزت، 1691م. عايش مرحلة انتقال السلطة من يد السعديين إلى الأشراف العلويين وهي مرحلة اتسمت بالاضطراب وعدم الاستقرار إلى أن تمكن المولى الرشيد من تثبيت دعائم الاستقرار في الدولة. وفي ظل هذه المرحلة التاريخية نشأ وترعرع ونضجت شخصيته فكان عالما ومثقفا فاعلا في مجتمعه لا يتوانى في التعبير عن رأيه في قضايا الدولة والمجتمع ولا يتكاسل في القيام بمهمته العلمية والتعليمية والجهادية والإنتاجية.

تتكون حياة اليوسي من ثلاث فترات، كما حددتها جامعة رسائله. حيث شملت الفترة الأولى من حياته مقامه بين أسرته التي جعلته ينشأ نشأة دينية رصينة، وأثر بيئته عليه حيث كان لها الدور الأساس في تحديد ملامح شخصيته وتشكيل ثقافته وطبع أصالته وصقل مزاجه وترسيخ قناعته. وهي بيئة قروية "وعرة الطبيعة صعبة المراس تتسم بالحركة البشرية المتنوعة وبالاضطرابات والفتن والثورات."([30]) كما شملت هذه الفقرة رحلاته المتعددة لطلب العلم حتى انتهى به المطاف" إلى زاوية له بها من الصلاة العرقية والشعورية ما لم يتمكن من إخفائه ولا التغلب عليه في الفترة الأخيرة من عمره"([31]). أما الفترة الثانية فتتمثل في انتسابه للزاوية الدلائية طالبا ثم أستاذا وهي الفترة التي اكتملت فيها ملامح شخصيته الفكرية والعلمية والدينية. أما الفترة الثالثة فهي الفترة الحاسمة من حياته. إنها الفترة التي سيواجه فيها المشاكل والتحديات إن على مستوى علاقته بزملائه العلماء والفقهاء أو على مستوى علاقته بأولي الأمر. بل إنها مرحلة النضج والإنتاج والعمل الميداني المتواصل.

لقد كان اليوسي صاحب ثقافة موسوعية " تعكس ما كانت تلقنه الزوايا العديدة والرباطات البعيدة من مغرب آخر القرن الحادي عشر من ثقافة" ([32]) . فقد تلقى العلم في تنوعه، شمل علوم التفسير والحديث والتوحيد والفقه والأصول وعلوم التصوف وعلوم اللغة والبلاغة والأدب وكذا علوم الحساب والمنطق. وعندما اكتمل إدراكه في هذه العلوم ألف فيها وأنتج فكان إنتاجه غزيرا.

من بين أهم إنتاجاته كانت رسائله التي تعددت مواضيعها فكانت تعبيرا مستوفيا لمجالات اهتماماته وصورة عاكسة لسياقها التاريخي التي تميز بالاضطراب وعدم الاستقرار.

الخصائص المضمونية والفنية لرسائل الحسن اليوسي:

ارتبطت رسائل اليوسي في شموليتها بخصائص موضوعية وخصائص شكلية وفنية. نستحضرها مختصرة على الشكل التالي:

الخصائص الموضوعية:

جاءت رسائل اليوسي في أربعة محاور أساسية هي الشؤون العامة وأحوال المجتمع ثم التصوف والتوحيد والفقه على الشكل التالي:

تضمن المحور الأول المتعلق بالشؤون العامة وأحوال المجتمع أربعة جوانب هي:

نظريته في الحكم والسلطة القائمة انطلق فيها من مبدأ أساسي مفاده أن" الناس كلهم سواء في الحقوق وسواء في الواجبات، وأن ولي الأمر هو كواحد من الناس لا يتميز عنهم إلا بما يحمل من المشاق والمتاعب في مصالحهم، ابتلاء وامتحانا من الخالق سبحانه"([33]) . وهو مبدأ إسلامي أصيل. اقتنع به وناضل من أجله رافضا الخضوع والخنوع والتواطؤ مع الحاكم متشبثا بالحرية والاستقلالية الفكرية والجرأة الأدبية، مواجها بحزم لكل من يستغل الدين ويجعله أداة لإخضاع المجتمع ولمساندة النظام القائم. كما أنه لم يتهاون في مؤاخذة السلطان في شان طريقته ومنهجه في تدبير شؤون العباد ولعدم اعتماده على العلماء في الاستشارة والسند.

العلماء ودورهم في الأمة حيث ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن العلماء هم أهل الحل والعقد يجب الأخذ برأيهم وطاعتهم. فقد كان يقدر" المسؤولية الخطيرة التي يضعها على عاتق العلماء. والدور الفعال والحيوي الذي يفرضه عليهم علمهم وتقواهم". ([34])

الدفاع عن مصالح الأمة المادية والمعنوية حيث ينطلق من قناعة دينية أصيلة مفادها أن محاسبة الحكام ومراقبتهم فرع من فروع الحرية وتساوي الحقوق. وقد ركز دفاعه عن حقوق الأمة على الجباية، وظلم الولاة والجهاد.

محاربة البدعة والجهل وتشويه تعاليم الدين الحنيف حيث دعا إلى الاعتناء بالتعليم ورفع الجهالة بين الناس وخصوصا بالبادية لأنه كان يدرك" مدى انتشار البدعة والضلال والفساد نتيجة لهذا الجهل الفادح"([35])، فجعل التعليم بالنسبة لأهل البادية " بمثابة تبليغ دعوة الإسلام وقد حاول جهده في المساهمة في رفع ذلك، فكان يعلم العلم ويبسط قواعد الإسلام ويشرحها، ويفتي أينما حل وارتحل."([36])

أما المحور الثاني فيتعلق بالتصوف حيث " عرف التصوف الموصول بالقلب والروح والمطبوع بالصدق والعمق، ولم يعرف أبدا ذلك التصوف الموصول بالإشارات والرسوم والتقاليد" ([37]). بل إن تصوفه لم يكن تصوفا ذاتيا انفراديا يدفع صاحبه إلى الابتعاد عن الناس والانفصال عن المجتمع، كما هو معتاد، ولكنه كان تصوفا اجتماعيا. "يمتاح من ذاته في تعمق لهذه الذات بكل ما يعمل فيها من مثيرات، دون أن يفقد خيوط الاتصال بالمجتمع والانصهار فيه لإمداده بالعطاء والتزود منه كذلك، طالما أنه يفكر فيه وينسجم معه ويستقي منه ويعبر عنه، بل طالما أنه يحاول التغلب على أزماته التمزقية ويسعى للحفاظ على تكامله."([38]) لم يكن التصوف بالنسبة لليوسي أمرا طارئا في حياته منفصلا عن ظروف نشأته وحياته، ولم يكن مجرد سبيل اتخذه للهروب من واقعه والاختفاء من حياة الناس والابتعاد عن قضاياهم وظروف عيشهم وأمور دينهم ودنياهم ولكنه جاء نتيجة تظافر عوامل تربيته الأولى ونفسيته المرهفة الإحساس وتفتحه المبكر على حياة الزهاد والصالحين. وتكون من عناصر ثلاثة: العقائد والأحكام الشرعية والآداب. وقام على "مبادئ سنية صافية لا تشوبها شائبة، ويتلخص أولا في تصحيح العقيدة ثم إقامة التكاليف الشرعية مع الاجتهاد في جعلها تتسم بالإخلاص والصدق والبعد عن الرياء، ثم البحث عن المعرفة من خلال التربية ومختلف الرياضات والمجاهدة النفسية"([39])

أما المحور الثالث فيتعلق بالتوحيد حيث ناقش خلاله قضايا تتعلق بالعقيدة والتوحيد، ناقشها فرق المفكرين من أهل السنة والمتكلمين والدهريين والفلاسفة ومن هذه القضايا قضية " حدوث العالم أو قدمه، وثبوت الصانع وعدمه، والصفات، والذات الإلهية أحسية هي أم معنوية، وجواز الكفر على الأنبياء والحديث من القرآن والقديم منه وعلم النبي صلى الله عليه وسلم. وغير ذلك من المواضيع الحساسة التي تناولها مفكرو الإسلام وغيرهم، وكثر فيها النزاع والنقاش"([40]).

أما المحور الرابع والأخير فيتعلق بقضايا الفقه. هذا المجال الذي يتميز عن باقي مجالات العلوم الإسلامية بالاجتهاد وضرورة مسايرته لظروف الناس وأحوالهم. حيث كان اليوسي فقيها على المذهب المالكي. مجتهدا كغيره من "الفقهاء الذين يتغلغلون في أدلة الأحكام، على اختلاف أنواعها ويؤيدون وينكرون في قوة حجة ومتانة رأي"([41])، فكانت فتاويه متزنة تستجيب لمتطلبات عصره، مناسبة لظروف وملابسات كل حالة على حدة، تأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية. كما تميزت "باليسر في الأحكام وخفة التكليف، وعدم العسر والحرج، والأخذ بسياسة الشارع في الرفق الذي يجلب الإنسان إلى الطاعة بصفة تلقائية"([42])

الخصائص الفنية:

كما سبقت الإشارة، فإن أدب الرسائل ارتبط بمصالح الامة وقوام الرعية. فكانت الرسالة وسيلة للتواصل والتخاطب. توجه إلى عامة الناس فتميزت بلغتها وأسلوبها وقوتها الحجاجية. وانتشار أدب الرسائل دليل على توسع رقعة المستهدفين من الرسائل وتنوعهم واختلاف مستوياتهم. لذلك فإن الرسالة في عهد اليوسي حظيت بمكانة رفيعة وكان لها دور بارز. فقد كانت وسيلة الاتصال والمخاطبة والتفاوض ووسيلة لمخاطبة العلماء اولي الامر في الشؤون العامة ووسيلة لتقريب الأجوبة وتوصيلها لمن لا تتوفر له ظروف الأخذ عن العلماء مباشرة فكانت الوسائل المحببة بين العلماء لتبادل الرأي في قضايا الدين والدولة التي فيها اختلاف في وجهات النظر.

عرف المغرب في عصر اليوسي نوعين من الرسائل: رسائل ديوانية ورسائل إخوانية. فإذا كانت الرسائل الديوانية، كما كانت دائما تتعلق بأمور الدولة وتصدر عن الديوان السلطاني فإن الرسائل الإخوانية تناولت: مواضيع مختلفة كالنصيحة والوعظ والأسئلة والأجوبة العلمية والاستعطاف والاعتذار والشفاعات والشكوى والعتاب وغيرها"([43]) .

لقد اختلفت الرسائل من حيث مميزاتها الفنية من كاتب إلى آخر، فرسائل اليوسي كانت " خلاصة التجربة في التعبير التي مارسها في مؤلفاته ومصنفاته العلمية والأدبية التي أنتجها في مختلف العلوم". ([44]) ومن ثمة، جاء أسلوبه أسلوبا " خاليا من التعقيد والمحسنات المتكلفة"([45]) وجاءت رسائله تحمل طابعا تجديديا لأنه تصرف في الإطار العام للرسالة بإخضاعه لمتطلبات فكره. فجعل المقدمة " بسيطة قصيرة، يلخص فيها موضوع السؤال من غير إطناب ولا تكرار، يستعمل السجع فيها ولكنه لا يتقيد به دائما. وبعدها يتناول موضوع الرسالة فيعالجه" بطريقة جديدة غير ما تعودنا عليه في كتب الفقهاء والمتكلمين المتأدبين، ودون أن يستعمل مصطلحات المتخصصين إلا في النادر، يعالجه بطريقته الخاصة ويسلط عليه أضواء تحليله الشخصي، فيعدد الاحتمالات وينص على حكم كل احتمال ويقسم ويحدد، ويناقش ويحلل ثم يبدي رأيه الخاص مناقشا كل الاعتراضات المحتملة معززا آراءه بالحجج والبراهين"([46]). لقد تميزت رسائل اليوسي بأسلوبها وبميلها للكتابة العلمية  القائمة على التقسيم والترتيب والتفريع والتحديد وبلغتها الواضحة المحققة لدرجة عالية من الإفهام والفهم ينتقي ألفاظه بعناية فلا يستعمل غير الكلمات السهلة النطق ذات البنية الصوتية الخفيفة  ولا يستعمل غير العبارات السلسة الواضحة المتينة فكانت رسائله تحقق غايتها لدى المتخصصين كما عند العامة غير المتمكنين من اللغة العربية. ومن زاوية أخرى، يمكن القول بان رسائل اليوسي كانت رسائل علمية لأنها تزخر بالمصطلحات والمفاهيم العلمية كما كانت رسائل تاريخية لأنها تضمنت إشارات ومعطيات تاريخية مساعدة على فهم السياق الذي كتبت فيه كما أنها كانت رسائل حجاجية بامتياز لأنها تتضمن شواهد واقتباسات من القرآن الكريم ومن الحديث النبوي الشريف ومن الآثار ومن الأشعار وأقوال الصوفية.

رسالة النصيحة الغياثية:

سبق القول بان رسائل الحسن اليوسي جاءت في أربعة محاور. حيث أفرد للتصوف محورا خاصا. ولما كان الاهتمام برسائل اليوسي المتعلقة بآرائه في الشأن العام وأحوال المجتمع قد حظيت باهتمام او أكثر فقد ارتأينا أن نسير في اتجاه محور التصوف لإبراز أهميته. فإذا كانت الظروف التاريخية التي كانت يمر منها المغرب في عصر اليوسي قد دفعته إلى التفاعل مع هذه الظروف فكان ناصحا للحكام مناضلا إلى جانب العامة المظلومين صاحب رأي في مختلف القضايا السياسية والدينية لا يخشى في الحق لومة لائم فإنه، أيضا كان فقيها متصوفا له منهج وطريقة. فجاءت رسائله في هذا الباب رسائل في التربية الصوفية الحقة المبنية على المنهج القويم الذي يتخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم سيد أرباب القلوب وقدوة العارفين. لذلك نجدها تهتم ببيان "المبادئ الأساسية للتصوف السني والتي منها: تصحيح العقيدة، والتفقه في الدين، وشرح طرق إصلاح القلوب، وتحليل الآداب الصوفية"([47]).  كما نجدها " تخاطب فئات مختلفة من المتصوفة يخاطب الأخ العالم الذي قطع بعض مراحل الطريق، ويخاطب الأخ المريد المبتدئ، ويخاطب جمهرة العوام من مريدين وغيرهم ممن يريد معرفة دينه والتفقه فيه. وهو يخاطب كل فئة بما يناسب أحوالها، وما هي مستعدة لفهمه وهضمه وتطبيقه"([48]).

بطاقة تعريف الرسالة الغياثية:

هي الرسالة السادسة من رسائل الحسن اليوسي. تنتمي إلى محور التصوف. وردت بالجزء الثاني من كتاب رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي الذي جمعتها وحققتها ودرستها الدكتورة فاطمة خليل القبلي. تتوفر نسخ عديدة لمخطوط هذه الرسالة ذكرت منها الباحثة سبعة. وهي رسالة معتمدة متناولة بين العامة في انحاء البلاد. تقول الباحثة بأنها أخذت عنوانها عن المخطوطة المعتمدة التي تتوفر بمكتبة محمد المنوني الخاصة. وهي تنتمي إلى فصيلة الرسائل الطويلة لأنها جاءت في خمس وأربعين صفحة من الكتاب.

تتعرض هذه الرسالة، كما جاء في تقديم الباحثة لها إلى" ماهية التصوف ورتب المتصوفة وخصائصهم وللتربية وآداب المريد وغير ذلك مما يتعلق بالتصوف السني الإسلامي." وهي رسالة ينتقد فيها اليوسي الشعوذة والادعاء والاتجار بالتصوف الذي كان شائعا في عهده.

الخصائص الموضوعية لرسالة النصيحة الغياثية:

تناولت رسالة النصيحة الغياثية أمور التصوف الأساسية وفي المقابل انتقدت كل ابتداع وشعوذة. ومن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه الرسالة:

أن الله جعل التقوى سببا لخير الدنيا والآخرة. تحصل بالمحافظة على المأمورات وهي نوعان:

الظاهرة وهي سبعة شهادة الحق، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة بشروطها وأركانها وإيتاء الزكاة بإخراجها على وجهها وصرفها في مصارفها والصيام كما وبما يجب والحج عند وجوبه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه والجهاد إذا تعين.

الباطنة وتعني أحوال القلب المحمودات ومقامات اليقين المطلوبات وهي الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به عن الله وشرع وحشر وعرض على الله وجنة ونار وغير ذلك. والتوبة من كل ذنب ظاهر وباطن، والرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتوكل في كل الأمور على الله. كما تعني المنهيات التي يجب اجتنابها ظاهرة كانت أو باطنة.

أن الله تعالى مدح التقوى وجعل أهلها أشرف الناس حيث يقول في محكم تنزيله" إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

أن الاستقامة تحصل بصحة التقوى وهي حمل النفس على الأخلاق النبوية حتى تتخلق بها وتتحقق الاستقامة بمراعاة الأحوال وتوفية حق الله تعالى.

أن العبد لا يخلو من أربعة أحوال في دينه ودنياه: فإما يكون في طاعة أو معصية أو يكون في نعمة أو بلية حيث أن حق الله في الطاعة الشكر والاعتراف بمنة الله وحق الله في المعصية المبادرة إلى التوبة والاستغفار والانكسار والاستحياء وأن حق الله في النعمة القيام بشكرها باللسان وبالقلب وبسائر الجوارح من خلال السعي في خدمة المولى وطاعته والامتثال لما أمر به واجتناب ما نهى عنه. أما حق الله في البلية فيكون بالصبر والاحتساب وللمؤمن في ذلك ثلاثة أحوال:

أن يتألم قلبه من المصيبة ويضيق صدره غير أنه يرضى بقضاء الله تعالى ولا يتسخط لا بقلبه ولا بلسانه وهي حالة تحصل للعبد بالنظر إلى العقيدة لأن الله الفاعل المختار لا مرد لقضائه ولا منازع لحكمه ومن سخط فهو ظالم.

أن يتسع صدره فلا يتألم أصلا ويفوض الأمر إلى الله تعالى لأنه الفاعل ما يشاء ويحكم بما يريد، وهي حالة تحصل للإنسان بأن لا يكون للدنيا في قلبه قدر فلا يبالي ما نقص منها وما زاد.

أن يجد السرور في قلبه والانبساط كما يجده عند حصول الفائدة. وهي حالة تحصل بغلبة النظر إلى فائدة المصيبة وهي رضى الله ومحبته والثواب الجزيل في الآخرة، والخلف في الدنيا.

أن أعظم منن الله على عبده معرفة ربه ومعرفة نفسه ومعرفة الدنيا ومعرفة الآخرة. فمن عرف ربه أطاعه وخافه وتوكل عليه، ومن عرف نفسه لم يثق بها ولم يستحسن حالتها ولم يتبعها في أهوائها، ومن عرف الدنيا عرف أنها ملعونة ولا قدر لها عند الله، ومن عرف الآخرة اشتغل لها وبها فالجنة نعيم والنار عذاب أليم.

أن العباد ثلاثة أقوام فمنهم الكفار الذين كانت الدنيا همهم ولا غرض لهم بالاخرة، ومنهم المؤمنون أهل الغفلة وحب الدنيا الذين يريدون الآخرة بالأطماع والأماني بلا عمل أو عمل قليل مع وجود الإيمان بها وبالعمل الصالح. ومنهم خواص الخلق والمختارون من عباده وهم الذين كان همهم الآخرة فأعرضوا عن الدنيا فمنهم المجذوبون الذين واجههم الحق سبحانه بمعرفته وأوصلهم إلى حضرته عناية سابقة منه تعالى لهم من غير سعي ولا طلب ولا سلوك ولا تعب، ومنهم السالكون المريدون الذين واجههم الحق سبحانه بالنية الصالحة والعزيمة الناهضة والهمة العالية والزهد في الفاني والرغبة في الباقي فاجتذبهم إلى طاعته وشغلهم بخدمته وامدهم بتوفيقه ونظمهم في سلك أهل الطريق.

أن الطريق إلى الله يكون بتصحيح العقيدة على طريق الشيخ أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة وبالاشتغال بالتوبة بتصحيح أركانها الأربعة (الإقلاع ومعناه ترك المنهي عنه والاشتغال بالمأمور به؛ الندم على ما فات من المخالفات؛ العزم على عدم العود إلى المخالفة؛ رد المظالم وهي ما لزمه من الحقوق) وبالرجوع إلى الله وبالانحياز إلى جانب الله وأهله وبالتآلف على الخير والتعاون على البر والتقوى وحسن الخلق وبالابتعاد عن الابتداع وهو يظهر في الأقوال والأفعال ويظهر بخمس علامات هي بغض العلم وبغض أهله وعدم التحفظ على الصلوات الخمس في الجماعة ومخالطة النساء وادعاء الكرامات بغير الكرامات وبغير استقامة نية. ثم التسليم والرضى بحكم الله تعالى والتأدب مع الله في مملكته من دون حسد ولا بغض وبتصحيح القصد وإخلاص النية وبالمحافظة على سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واتباع شمائله وسيرته.

وختم هذه الرسالة التي هي في شكل وصية بذكر جملة كرامات حصرها في أربعين. عشرون منها في دار الدنيا وعشرون أخرى في الآخرة.

الخصائص الفنية لرسالة النصيحة الغياثية:

نهج اليوسي في هذه الرسالة ما تميزت به رسائله من خصائص فهي:

من حيث الشكل رسالة لم تبدأ بالبسملة وإنما بدأت بالسلام على الجميع ثم تحديد المرسل والمرسل إليه فكان الحسن اليوسي العبد الظالم لنفسه المتوسل إلى الله بالغفران وستر العيوب هو المرسل أما المرسل إليه فكان الإخوان والمحبين وسائر المؤمنين وانتهت بطلب الغفران من الله للمؤلف ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وبالصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. لذلك فهي رسالة توجيهية في شكل نصيحة والنصيحة لا توجه إلا لمن شمله حب في القلب وحضور في النفس. فلا ننصح إلا من نحب ولا ينصحنا إلا من يحمل لنا في قلبه حبا خالصا. فما أعظم أن تكون النصيحة أساسها حب ومبتغاها ترسيخ حب الخالق الأعظم جل جلاله وحب سيد العارفين صاحب الخلق العظيم النبي الصادق الأمين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام في القلب وإقناع في العقل والوجدان.

من حيث البناء فهي رسالة محكمة البناء مرتبة الأفكار، دقيقة العبارات والجمل والفقرات، علمية المنهج. منظمة الفقرات. متسلسلة مترابطة. بسيطة التقديم ومتدرجة البناء والتحليل ومنسجمة الأطراف بين التقديم والختام فجمعت بين الإقرار بالضعف وظلم النفس في التقديم والاستغفار والرجاء في الله في الختام.

من حيث أسلوبها فهي رسالة بأسلوب سلس وبسيط خال من المحسنات اللفظية إلا ما استدعته العبارة وغاية الإفهام.

من حيث لغتها فهي رسالة لغتها واضحة سهلة وألفاظها متداولة وجملها قصيرة.

من حيث بلاغتها فهي رسالة حجاجية تواصلية وظيفية متضمنة لاقتباسات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. تستهدف عامة الناس وغايتها الإقناع.

خاتمة:

تعتبر الرسائل شكلا من أشكال النثر الفني. وهي أقرب الأشكال الفنية إلى عموم الناس والأكثر تعبيرا عن همومهم وقضاياهم، بل هي الأفضل في تحقيق الأهداف الحجاجية والتواصلية. وهذا ما جعل الحسن اليوسي يعتمد الرسالة في معالجة قضايا عصره ويتخذها وسيلة مفضلة في التخاطب والتواصل مع الحكام كما مع عامة الناس كما مع إخوانه في الطريقة التي انتمى إليها. فتميزت رسائله ببعدها التربوي وصيغتها العملية وخصائصها الفنية المتميزة. إنها رسائل ستظل محتفظة بقيمتها العلمية وقابليتها للاستثمار لتساعد الناس على معرفة دينهم وامور دنياهم. فما أحوجنا، في عصرنا هذا، لمن يرشدنا إلى طريق الصلاح على هذا النحو، بلا تجهيل ولا ترهيب ولا تضييق ولا تعسير. وما أحوج أهل عصرنا لمن يجمع بين حضور دينه في ذاته عبر الطريق الصوفية المنفتحة الصافية وبين حضوره في مجتمعه عبر طريق الوسطية والاعتدال. تلك هي الدواعي التي جعلتنا نميل إلى اختيار الرسائل الصوفية عند اليوسي ومنها رسالة النصيحة الغياثية.

 

الباحثة نجلاء الوركلي

المملكة المغربية

............................

المراجع:

ابن منظور. لسان العرب. الجزء 11. ص 83-84

الحسن اليوسي. المحاضرات في الأدب واللغة. تحقيق وشرح محمد حجي وآخر. دار الغرب الإسلامي. تونس. الطبعة الثالثة 2011.ج1.

الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. العصر العباسي الأول. دار المعارف. الطبعة الثانية.

زكي مبارك. النثر الفني في القرن الرابع. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.

الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. صبح الأعشى. دار الكتب المصرية. 1922. الجزء 14.

عمر الدسوقي . نشأة النثر الحديث وتطوره. دار الفكر العربي. 2007.

فاطمة خليل القبلي. رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي. الجزء الأول. دار الشركة العامة دار الثقافة. الطبعة الأولى. 1991.

فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989.

فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989.

محمد علي بن علي التهانوي. كشاف اصطلاحات الفنون. دار صادر بيروت. الجزء الثاني.

الهوامش

 [1]  - فاطمة خليل القبلي. رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي. الجزء الأول. دار الشركة العامة دار الثقافة. الطبعة الأولى. 1991. ص8

[2] -  فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص8

[3]  - ابن منظور. لسان العرب. الجزء 11. ص 83-84

[4]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989. ص 77

[5]  - محمد علي بن علي التهانوي. كشاف اصطلاحات الفنون. دار صادر بيروت. الجزء الثاني. ص 584.

[6]  -  زكي مبارك. النثر الفني في القرن الرابع. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. ص 19

[7]  - زكي مبارك. المرجع السابق. ص 19

[8]  - زكي مبارك. المرجع السابق. ص 26

[9]  - زكي مبارك. المرجع السابق. ص 53

[10]  - عمر الدسوقي . نشأة النثر الحديث وتطوره. دار الفكر العربي. 2007. ص 99

[11]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989. ص 78

[12]  -  فايز عبد النبي الفلاح القيسي. المرجع السابق. ص 80

[13]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. المرجع السابق. ص 83

[14]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. المرجع السابق. ص 83

[15]  -  الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. صبح الأعشى. دار الكتب المصرية. 1922. الجزء 14. ص 138

[16]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق ص 60

[17]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 60

[18]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق . ص 53

[19]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق . ص 55

[20]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 55

[21]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 61

[22]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 62

[23]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 62

[24]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 67

[25]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. العصر العباسي الأول. دار المعارف. الطبعة الثانية. ص 442

[26]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. المرجع السابق. ص 465

[27]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. المرجع السابق. ص 491

[28]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. المرجع السابق. ص 502

[29] - الحسن اليوسي. المحاضرات في الأدب واللغة. تحقيق وشرح محمد حجي وآخر. دار الغرب الإسلامي. تونس. الطبعة الثالثة 2011.ج1. ص 30

[30]  - عباس الجراري . عبقرية اليوسي. ص.21

[31]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص44

[32]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص52

[33]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص68

[34]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 74

[35]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 78

[36]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 78

[37]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 81

[38]  - عباس الجراري . عبقرية اليوسي ص. 49

[39]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 82

[40]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 97

[41]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 102

[42]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 103

[43]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 107

[44]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 113

[45]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 114

[46]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 114

[47]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 84

[48]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 84

 

 

محمد كرياني بنى دعاة التطور في الدين مذهبهم على مذهب أو نظرية التطور في الكائنات، تلك النظرية التي دعا إليها ديدرو [1] ولامارك ([2]) وأخذت شهرتها على يد شارلز داروين[3] ومفاد هذه النظرية أن الكائنات تطور بعضها عن بعض([4])، وأن الحياة والموجودات تطورت على مر الدهور والأجيال فكانت الحياة في بدايتها بسيطة ثم أخذت تتطور بتأثير البيئة وبعامل الاصطفاء فتدرجت من حالة أدنى إلى حالة أعلى حتى بلغت مستواها الحاضر .فالحيوان كان في مبدأ نشأته ذا خلية واحدة، ثم أصبح ذا خلايا متعددة، بدأت باللافقريات فالزواحف أولا ونشأت بعدها الأسماك ثانيا فالطيور فاللبونات ...الخ هكذا قامت فلسفة النشوء والارتقاء وفلسفة بقاء الأصلح .([5])

وتقوم هذه النظرية على ثلاث قواعد رئيسة هي:

1- أن الكائنات الحية تتبدل أشكالها جيلا بعد جيل تبدلا بطيئا، وتنتج في النهاية أنسالا تتمتع بصفات غير صفات أسلافها .

2- أن هذا التطور قديم وجد يوم وجدت الكائنات وهو السبب في وجود كل أنواع الكائنات الحية في هذا الكون وتلك التي انقرضت وهذا هو التناسخ الذي تقول به بعض الديانات .

3- أن جميع الكائنات الحية من حيوان ونبات مرتبط بالبعض الآخر ارتباط صلة وقرابة وكلها تجتمع عند الجد الأعلى للكائنات كلها([6]).

لهذا لا غرابة إذا رأينا علماء الأديان ومؤرخيها يسلكون في بحوثهم مسلك التطور، ويرون أن الدين أيضا ينبغي أن يجاري التطور، فيبدأ بحالة بسيطة ترى أثارها لدى الأقوام البدائية، ثم يأخذ بالتطور نحو التكامل، حتى يبلغ مرتبة الأديان السماوية الموحدة([7]).

لكن هذه النظرية أعني نظرية التطور في الكائنات غير مسلم بها من الناحية العلمية، وقد استنكرها علماء الأديان وفندوها، واستنكرها أيضا فريق من علماء الطبيعة وعلم الأحياء، وسنعرض جملة من الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية .

أولا: نقد نظرية التطور في الكائنات

إنه ما من أساس من الأسس التي قامت عليها نظرية التطور في الكائنات إلا وأبطلها الباحثون سواء من ناحية الحفريات([8]) أو من ناحية الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، أو من ناحية علم الأجنة أو علم التشريح .هذه الأسس التي أضحت الآن حديث المؤتمرات العلمية التي انتهت إلى أن هناك عمليات تزوير واسعة تمت لصالح نظرية التطور على الرغم من عدم صحتها أصلا([9]).

ويمكن إجمال أهم الانتقادات التي وجهت لنظرية التطور في الكائنات فيما يلي:

- لو كانت نظرية النشوء والارتقاء صحيحة، لكان معناها رفض قصة الخلق التي وردت في الكتاب المقدس، ولذا اعتبرت الكنيسة في الحال النظرية الداروينية خطرا يهدد الدين وأثارت زوبعة من المعارضة ضدها([10] ).

إن نظرية النشوء والارتقاء تخالف ما جاءت به الكتب السماوية ولذلك ناهضها علماء الأديان إذ رأوا فيها ما يخالف كتبهم السماوية التي تلزم المؤمنين الاعتقاد بكل ما جاء فيها وهي تنكر هذا القول بصراحة ([11]).

فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى" وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصل من حمإ مسنون "([12])

وقوله تعالى "و الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيئ قدير"([13]). وقوله تعالى "الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين" ([14]) .

من هذه الآيات الكريمات يظهر بجلاء أن الله خلق الإنسان مباشرة إنسانا، ولم يخلقه بالواسطة أو بالتطور، وخلقه حين خلقه في أكمل صورة وأحسنها ([15]).

ومما يدل أيضا على عدم صحة نظرية التطور ما جاء في التوراة (العهد القديم)، ولذلك نقرأ في سفر التكوين "وقال الله لتخرج الأرض ذرات أنفس حية من جنسها:بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها، وكان كذلك فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها، وجميع دابات الأرض كأجناسها .وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا ...فخلق الله الإنسان على صورته.على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم"([16]).

- إن علم الحفريات لا يزال ناقصا، فلا يدعي أحد أنه كمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار، وعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فان وجود الكائنات الأولى البدائية أولا، ثم الأرقى ليس دليلا على تطور الكائنات الراقية من الكائنات الأدنى، بل هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود، وإذا كانت الحفريات في زمن (داروين ) تقول: إن أقدم عمر الإنسان هو ستمائة ألف سنة، فان الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدرت أن عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين([17]).

- وقد أجمل الدكتور يحيى هاشم في كتابه- الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة- أهم الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية في خمس نقاط:

أولا: وقوعها في جملة من الأخطاء والتجاوزات العلمية شاع أمرها في الأوساط العلمية التجربية المعاصرة .

ثانيا: قيامها على عدد من الافتراضات غير الملزمة .

ثالثا: قيامها على القول بالصدفة في أهم مراحل التطور، وهو قول لا يستسيغه العلم أو الدين على السواء .

رابعا: استناد أدلتها إلى فكرتي التشابه والترتيب بن الأطوار، وهو لا يصلح أساسا للقول بضرورة وجود علاقة ذاتية بين هذه الأطوار .

خامسا: أنه مع التسليم بصحة الافتراضات التي قامت عليها النظرية فهي لا تقتضي إلغاء الإرادة الإلهية، ومن ثم ينبغي أن يبقى فيها مكان خاص لنظرية الخلق الخاص بالنسبة لبعض الأنواع (الإنسان)([18]).

وفي النهاية ننقل عبارة "آرثركيث"Sir Arthur Keith (1866 – 1955م ) وهو أحد أرباب الداروينية والمنادين بها يقول:"إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك: الإيمان بالخلق الخاص المباشر،  وهذا مالا يمكن حتى التفكير فيه"([19] ).

أولا: نقد نظرية تطور الدين

إن دراسة علماء الأديان الغربيين للإنسان البدائي إنما هي دراسة نسبية تقوم على الظن لا على اليقين، ولذلك نستطيع القول ببعض الثقة أن ما توصلوا إليه من نتائج إنما هي نتائج لا تنبني على أسس علمية .

وهذه الدراسة تقوم على خطأ مزدوج من ناحية الغاية والوسيلة، لأن هذه المنطقة البدائية المحضة قد اعتبرها العلم شقة حراما حظرها على نفسه، وأعلن في صراحة كاملة خروجها عن حدود عمله .فاقتحامها الآن باسم العلم تعامل بصك مزيف، وتستر بثوب مستعار... ومؤرخو الديانات على الخصوص معترفون بأن الآثار الخاصة بديانة العصر الحجري وما قبله لا تزال مجهولة لنا جهلا تاما، فلا سبيل للخوض فيها إلا بضرب من التكهن والرجم بالغيب([20] ).

إن ما نعرفه عن التاريخ الإنساني قبل خمسة آلاف سنة قليل أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف سنة فيعد أقل من القليل([21])، وما قبل ذلك يعتبر مجاهيل لا يدري التاريخ عنها شيئا فما هي معرفة العلماء بمليونين ونصف مليون عام ؟لقد اكتشف في جبل حجري بصحراء تقع شرق بحيرة "رودلف" في كينيا بقايا جمجمة وساق يرجع تاريخها إلى مليونين ونصف مليون عام ولذلك تعتبر هذه البقايا أقدم أثر للإنسان الأول([22])، إن المعلومات التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير بل ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الدجل والتحريف والزيف، إن كتابة تاريخ شخص فضلا عن جماعة في العصر الحديث أمر في غاية الصعوبة فكيف بتاريخ يمتد إلى فجر البشرية([23] )؟.

ونستطيع أن نجمل أهم الانتقادات التي وجهت إلى القائلين بالتطور في الدين فيما يلي:

أولا: إن الاستدلال على ديانة الأمم المنعزلة المتخلفة عن ركب المدنية خطأ في الاستدلال ، لأنه مبني على إن تلك الأمم تمر بأدوار متقلبة ، وهو افتراض لم يقم عليه دليل، بل الذي أثبته التاريخ واتفق عليه المنقبون عن آثار القرون الماضية، هو أن فترات الركوض و التقهقر التي سبقت مدنيتها الحاضرة كانت مسبوقة بمدنية مزدهرة، وبالتالي فلا تصلح الأنماط الدينية المنحطة أو الهمجية للاستدلال على نقطة البدء في التدين لأنها تمثل انتكاسات في تاريخ البشرية([24] ).

ثانيا:إن القائلين بالتطور في الديانات لو قصروها على الديانات الوضعية لكان لهم وجه إما أن يعمموا أحكامهم على الديانات الوضعية وغيرها فهذا لا يجوز ولا يتأتى . على أن نزعة التوحيد في الديانات الوضعية ليس مردها إلى الإنسان وتفكيره ولكن مردها إلى الوحي الذي أنزله الله مع الرسل إلى الأمم.([25] ) .

ثالثا: إن قياس تطور الدين على تطور الفنون والصناعات حجة تحتاج إلى الدليل لأن معنى التطور في الفنون –كما في كل كائن حي – هو أنها تبدأ في صورة ساذجة، متحدة، متجانسة، ثم تنتقل تدريجيا إلى نوع من التكثر والتركيب، تزداد به تعقيدا كلما بعدت عن أصلها .وواضح أن تطبيق هذا القانون التطوري بمعناه العلمي الحيوي على العقيدة الإلهية يستوجب أنها سارت أيضا من الوحدة إلى الكثرة، ومن النقاوة والسهولة واليسر، إلى التعقد بالإضافة إلى الأسطورية، والنزوات الخيالية، التي لا ضابط لها من العقل السليم([26]) .

ثم لو كان قياس تطور الدين على التطور في العلوم والصناعات لوجدنا أن إنسان القرن العشرين قد وصل إلى درجة عالية من الاعتقاد والتطور الصحيح للألوهية ولكن هل حدث ذلك؟ الواقع يشهد بعكس بذلك، لقد اتخذ إنسان القرن العشرين أصناما عبدها من دون الله مثل التقدم، و الفردية، وتمجيد الأمة، وغير من طوطم ورموز مقدسة، وطقوس واحتفالات ([27]).

رابعا:إن الدين لم يتطور كما يزعم التفسير المادي للتاريخ أو غيره من الدراسات الاجتماعية التي ظهرت في القرنين الأخيرين، إن عبادة الأب وعبادة الطوطم وعبادة الوثن لم تكن لم تكن هي تطور العقيدة الذي وصل في النهاية إلى التوحيد، إنما كان هذا تطور الانحراف البشري عن العقيدة الصحيحة في عصوره المختلفة، وليس صحيحا–- من التاريخ –أنه مرت على البشرية سلسة منتظمة من العقائد الضالة أدت في النهاية إلى التوحيد. إنما الثابت –من التاريخ –أن البشرية مرت في دورات متعاقبة من الهدى الضلال من التوحيد والتعدد من التجريد والتجسيم([28]) .

خامسا: إن تطبيق فكرة التطور على الدين تؤدي حتما إلى ما ذهب إليه فيورباخ (1804-1872) Feurbach، Ludwig من الاعتراف بالدين على أنه من صنع الإنسان ... والقول بان فكرة الله نفسها ليست سوى مثل أعلى متغير وضعه الناس لأنفسهم سدا لحاجة ما يسميه الناس من التجربة الدينية ([29])، وهي تؤدي بالضرورة إلى تكذيب النصوص الدينية التي تقرر سمو التصور الديني عند سيدنا آدم عليه السلام، وتقرر استحالة قبول تعدد الآلهة في أي عصر من عصور النبوة كما تقرر وحدة الدين عند الله: إن الدين عند الله الإسلام . وقد تنطبق هذه النظرية- أو لا تنطبق –على الأديان الوضعية، أما الدين الذي هدى الله إليه الإنسانية منذ آدم، فلا يقبل هذه النظرية على أي حال من الأحوال ([30] ).

سادسا: إن ما زعمه القائلون بتطور الدين وترقيه من أن الإنسان استطاع أن يصل إلى التوحيد، فليس المقصود بالتوحيد الذي زعموه هو التوحيد الذي دعت إليه الأديان التوحيدية، وإنما التوحيد الذي يدعونه لا يعدو أن يكون طورا من أطوار الوثنية ينبذ الآلهة الصغيرة ويتجه الى الوثن الأكبر ويحيطه وحده بكل مظاهر التعظيم والتقديس ولم يخطر ببالهم ولم يرد في بحوثهم التوحيد الحق لأنهم يرون أن الدين صناعة بشرية من بدايته حتى منتهاه، أوجده الإنسان واخترع له الآلهة بفكره أو بغريزته أو تحت ضغط حاجته الاجتماعية ([31]).

وبناء على ما سلف نقول إذا كانت نظرية تطور الكائنات التي بنيت عليها نظرية التطور في الدين قد أبطلها العلم وعارضها ثلة من العلماء فبالأحرى بطلان نظرية التطور في الدين.

 

 

 

محمد كرياني

طالب باحث بجامعة محمد الأول، كلية الآداب وجدة (المغرب)

........................

المصادر والمراجع:

أصل الأنواع، تشارلز داروين، ترجمة مجدي محمود المليجي، تقديم سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة 1، ص199.

تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي، ص 139.

خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء، عربه بتصرف الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، دط، دت، ص9:.

تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي ص:139

ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:107 /108 كما ينظر أيضا الإسلام يتحدى، لوحيد الدين خان، ص: 39

العقيدة الدينية نشأتها وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص 85

مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944: .

مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944: .

ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص7 مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944:

سورة الحجر الآية 28-29.

سورة النور آية 45 .

سورة غافر الآية 64.

خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:7

سفر التكوين 1/22-27 .

العقيدة في الله، د عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار النفائس للنشر والتوزيع –الأردن ب، ط. س ص 95.

- الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم، دار المعارف، كورنيش النيل، القاهرة دط، دت، ص:40-41.

الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان، ص:36

الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108

العقيدة في الله، دعمر سليمان عبد الله الأشقر ص245:

مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث العدد الرابع، مقال الدكتور بركات دويدر ص:972

الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108-109

العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص:91 .

الدين د محمد عبد الله دراز ص:111

العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص: 90، وينظر أيضا ما يعد به الإسلام، لروجيه جارودي ص:267 .

معركة التقاليد، محمد قطب، دار الشروق – القاهرة، الطبعة السادسة عشر، سنة 1422ه-1992م ص:78 .

تكوين العقل الحديث، جون هرمان راندال، ترجمة د جورج طعمة، مراجعة برهان دجاني، دار الثقافة- بيروت،  ط الثانية، د، ت الجزء الثاني، ص:117

الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم حسن، ص: 73-72 .

- التدين في الشرق الأدنى القديم –دراسة في الملال والنحل، د عبد الستار مختار نصار، مؤسسة الشيماء للنسخ والطبع، دط، دتـ ص:42-43

الهوامش

[1] ديدرو دنيس 1784-1713)م) كان ابنا لإحدى صناع الأدوات القاطعة، ولد في لانجرز بفرنسا، وتلقى تعليمه النهائي بكلية لوي لجران التابعة لليسوعيين بباريس من مؤلفاته |: أفكار فلسفية سنة 1846، خطاب عن العميان سنة 1849 ؛أفكار في تفسير الطبيعة سن 1854 )الموسوعة الفلسفية المختصرة ؛ نقلها عن الانجليزية فؤاد كامل ؛ د زكي نجيب محمود وآخرون، دارالقلم بيروت- لبنان د ط، دت ص 184. وينظر أيضا تاريخ الفلسفة الحديثة يوسف كرم ص(190:.

[2] جان لامارك Jean Baptiste de Lamarck (م1829-1744م)، أودع لامارك خلاصة بحثه عن أصل الأنواع الحيوانية في كتابه الشهير فلسفة علم الحيوانات سنة 1809م La philosophie zoologique وحاول فيه ليس فقط بيان أصل أنواع الحيوان، بل وأيضا حاول تفسير تحول هذه الأنواع بعضها إلى بعض، وهو طبعا من أوائل القائلين بنظرية التطور والبقاء للأصلح، ينظر موسوعة الفلسفة، عبد الرحمان بدوي ج 2 ص 348.

[3] شارلز داروين Charles Robert Darwin (1882-1809)عالم حيوان انجليزي، اشتهر خصوصا بمذهب التطور، ولد في Shrews Bury(انجلترا) من مؤلفاته "أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي " On the origin of Species by means of Natural Seliction ، تغيير الحيوان والنبات تحت تأثير الاستئناس The variation of animals and plants under domestica-tion، ينظر موسوعة الفلسفة، عبد الرحمان بدوي ج1، ص437 .

[4] أصل الأنواع، تشارلز داروين، ترجمة مجدي محمود المليجي، تقديم سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة 1، ص199.

[5] تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي، ص 139.

[6] -خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء، عربه بتصرف الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، دط، دت، ص9:.

[7] -تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي ص:139

[8] -ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:107 /108 كما ينظر أيضا الإسلام يتحدى، لوحيد الدين خان، ص: 39

[9] - العقيدة الدينية نشأتها وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص 85:.

[10] - مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944: .

[11] - ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص7: .

[12] - سورة الحجر الآية 28-29.

[13] - سورة النور آية 45 .

[14] -سورة غافر الآية 64.

[15] -خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:7 .

[16] -سفر التكوين 1/22-27 .

[17] -العقيدة في الله، د عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار النفائس للنشر والتوزيع –الأردن ب، ط. س ص 95.

[18] - الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم، دار المعارف، كورنيش النيل، القاهرة دط، دت، ص40-41.

[19] - الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان، ص:36. -1426ه

[20]- الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108

[21] - العقيدة في الله، دعمر سليمان عبد الله الأشقر ص245:.

[22] - مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث العدد الرابع، مقال الدكتور بركات دويدر ص:972 .

[23] - العقيدة في الله، دعمر سليمان عبد الله الأشقر ص:245.

[24] - الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108-109.

[25] - العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص:91 .

[26] - الدين د محمد عبد الله دراز ص:111.

[27] - العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص: 90، وينظر أيضا ما يعد به الإسلام، لروجيه جارودي ص:267 .

[28] - معركة التقاليد، محمد قطب، دار الشروق – القاهرة، الطبعة السادسة عشر، سنة 1422ه-1992م ص:78 .

[29] - تكوين العقل الحديث، جون هرمان راندال، ترجمة د جورج طعمة، مراجعة برهان دجاني، دار الثقافة- بيروت،  ط الثانية، د، ت الجزء الثاني، ص:117.

[30] - الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم حسن، ص: 73-72 .

[31] - التدين في الشرق الأدنى القديم –دراسة في الملال والنحل ، د عبد الستار مختار نصار، مؤسسة الشيماء للنسخ والطبع، دط، دتـ ص 42-43.

 

 

مهدي الصافيالامراض الاجتماعية في العالم الاسلامي هي نتاج الفشل السياسي والديني، التي تتفاقم وتزداد حدة مع الازمات الاقتصادية او الحروب والنزاعات الطائفية، هذه الامة التي تتعايش وتتوارث التاريخ كهوية مقدسة متواصلة، تنتعش بالعقائد والاجتهادات والافكار والاراء الاسلامية المستجدة، بينما هي تحارب بقوة فكرة التجديد، انما تعتبر ان التطور الحضاري بحاجة الى فقه وفتاوى اكثر تشددا، حتى لاتنفك او تنفصل سلسلة الترابط الزمني بين الماضي والحاضر، على اعتبار انه وحدة واحدة...

الحضارة العلمانية الغربية لاتؤمن بهذا الترابط، بل هي تحمل الماضي اسباب التأخر العلمي او المعرفي، مع انها لاترفض العودة من اجل الاقتباس او المراجعة والتحليل او الحاجة المعنوية لرفع ثقافة وشخصية المجتمع، لكنها بالطبع لاترجع للدين  (عدا بعض جماعة اليمين المتطرف من اجل الاستغلال السياسي وهؤلاء خارج الحضارة الانسانية) لانه سيعيدها الى مربع الانقسامات والصراعات الكنسية السابقة...

الامة العربية والاسلامية عليها مواكبة عصر الحضارة التكنولوجية والفضائية، والابتعاد كليا عن قيود التراث الديني المذهبي، بطرح مفهوج نقدي وفلسفي حديث للدين والمذاهب، اذ يعد من المستحيل ان تنتج هذه الامة حضارة اسلامية حديثة دون انهاء مسألة المذاهب والطوائف، وقد بدأت بالفعل منذ مدة محاولات مايسمى التقريب بين المذاهب، الا انها ولدت ميتة، فالمشكلة تكمن اصلا في المذاهب او الفرق الاسلامية نفسها، وقد انتهت كمحاولة جادة لاحتواء الاختلافات، بعد2003 وانقسام الامة الى عدة محاور وجبهات، بعد تصاعد ثقافة العنف والكراهية والاحقاد المذهبية في المنطقة، وكما هو معلوم علميا او طبيا ان الاساس الخاطئ او الامراض المتعفنة لايمكن معالجتها الا بالهدم اوالاستئصال الكامل، من هنا نعتقد ان لاخيار امام الامة غير مغادرة نظرية المذاهب والعودة الى الجذور والاصل الاسلامي الواحد (القران والسنة النبوية)، تحت قاعدة لا عقائد ولا مذاهب ولافرق او تفرقة بعد وفاة الرسول محمد ص....

المذاهب السنية اعتبرت ان الشيعة روافض ومخالفين للسياق الاسلامي الرسمي العام المتوارث، الذي تشكل بعد الخلافة الراشدة، والشيعة لايعترفون ببقية المذاهب، ولا بكل الموروث الاسلامي البعيد عن ال بيت الرسول محمد ص (او عقيدة الامامة)، وللحقيقة المجردة نذكر من ان الوهابية والشيعة هم الطرفان الاكثر تزمتا وتشددا في مسألة التقييم التاريخي للاسلام، فالشيعة مثلا هم لايرفضون الخلافة الراشدة فقط، انما كل تراث الدولة الاموية والعباسية، ويجعلون من اجتهاداتهم وافكارهم مسار احادي لايشاركهم فيه احد، مع ان الكثير من رجال الفقه والدين والفكر الاسلامي (من ابناء السنة والجماعة)

 ينتقدون ايضا عهد الخلافة الراشدة، وبعض الانحرافات الكارثية لخلفاء بني امية وبنو العباس، لكنها ليست رؤية من منظار او اطار مذهبي، انما جاءت في سياق مراجعات بحثية نقدية تاريخية او معرفية منفصلة عن بقية الاعتبارات،

علما ان التشيع كما يصفه الدكتور علي شريعتي (رحمه الله)تشيع علوي، واخر صفوي (نسبة للدولة الصفوية الشيعية)، حدد مسارات الاختلاف بين المدرستين، الاولى يبدوا انها مدرسة علوية غير مذهبية، تعود الى خلافة الامام علي ع، ومدرسة اصولية اجتهادية اضافت الكثير من العقائد السياسية للمذهب...

المذاهب السنية متصالحة مع التراث الاسلامي بالكامل"تحت نظرية كل الصحابة عدول"، الا انها ايضا فتحت ابواب التطرف والتشدد المذهبي للحركات التيمية والسلفية الوهابية، التي صارت اقرب لصناعة مذهب خاص بها بدلا من اعتباره مجرد اجتهادات شخصية داخل منظومة المذاهب الاربعة، مما جعلها مدرسة قائمة بحد ذاتها ترفض جميع المذاهب والمدارس الاخرى...

التشيع غير متصالح تماما مع التراث الاسلامي العام، ويرفض (ويلعن احيانا) كل الانجازات والابداعات الموروثة البعيدة عن مدرستهم، بفعل ايمانهم العميق بعقيدة الامامة المقدسة، وبالتالي بعض فرقهم المغالية تتشارك مع الخوارج والوهابية الداعشية بعقيدة التكفير (من لايعتقد بالخلافة الراشدة من وجهة نظر الوهابية، ومن لايؤمن بعقيدة الامامة وجهة نظر بعض فرق الشيعة (المغالية) كافر، او هو اقرب للكفر منه للاسلام، من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية)،

ولكن هناك محاولات حثيثة نقدية حديثة للعديد من المفكرين ورجال الدين المتنورين العرب، حول تفكيك الترابط والتداخل التاريخي بين السياسة والمذاهب الاسلامية، بغية ايصال الفكرة من ان نشأة المذاهب والخلافات الطائفية هي بالاساس سياسية، وليست دينية عقائدية،

فعندما تأتي الى شرح الاختلافات المذهبية بين المذاهب السنية نفسها، وبينها وبين التشيع او الاباضية وبقية الفرق، لاتجد جوهر او اساس ديني لهذا الاختلاف، انما بالضبط هي اجتهادات واراء فقهية شخصية (عدا ظهورالاجتهادات والعقائد مابعد الخلافة الراشدة)، لايوجد اي مبرر ان تبقى ابدية مغلقة غير قابلة للتجديد، او التغيير او حتى الانهاء، تجد ان المذاهب هي فقه التأويلات والاستنباطات والاجتهادات الدينية المعتمدة غالبا على القران والسنة،

ومايشذ عنها مثلا مايدخل بينهما من ثقافة لعن الصحابة او السيدة عائشة عند المغالين الشيعة، وهي ثقافة دخيلة وتراث مكتسب، وكذلك من الجهة الاخرى هناك اسلوب التكفير الهمجي السني لعموم الشيعة دون وجود اية ادلة قرانية او فقهية عقلانية مقبولة، مع ماتعاني منه الامة من وحشية التطرف الوهابي تجاه كل من يثبت وفقا لفتاواهم بأنه مرتد او كافر او مشرك، كل هذه السلبيات والانحرافات هي بالدرجة الاساس اجتماعية وسياسية شخصية او عامة، غايتها الكسب المادي والمعنوي الاجتماعي..

الاخطاء المتوارثة عند الشيعة انهم ينظرون الى الخلافة الراشدة مثلا وفق رؤيتهم الخاصة، ولايكترثون للكيفية والالية التي تعامل بها امام المذهب كما يدعون الامام علي ع مع بقية الخلفاء والمجتمع حينها، وكذلك ينظرون ايضا الى هارون الرشيد ليس كخليفة شرعي ورث الحكم تحت تأييد العامة في ذلك الزمان، انما الى مغتصب للخلافة، وحاكم مستبد اعتقل الامام موسى الكاظم ع سنوات، واضطهد العلويين كما فعل اجداده، ولكن هل مخاوف الرشيد كانت عقائدية ام سياسية، وهل لديه معرفة بنظرية الامامة كعقيدة ام لا، التي ظهرت وتطورت بعده عبر مراحل عند الشيعة، بالطبع كلا اذا لايجوز مزج العقائد بالسياسة، وتجريد الوقائع التاريخية من البيئات والمتغيرات والاحداث المصاحبة لها، لان التاريخ اثبت ان الحكام المسلمين منشغلين بالسياسة والحكم  (والجاه والسلطة والمصالح الشخصية) اكثر من انشغالهم بالدين والمذاهب،

وان كانوا يدعون ويظهرون عكس ذلك، من جهة اخرى لايجوز اسلاميا تكفير هؤلاء الخلفاء لانهم مسلمين في نهاية المطاف، الا ان المعضلة في تبعات عقيدة الامامة، التي حولت ارث ال بيت الرسول محمد الى سنة، لابد تحيط بها الاسباب والاعتبارات المقدسة وغير المقدسة، اي انها اصبحت بالتدريج محور وحلقة الايمان التي يلتف حولها الشيعة، وهذه كارثة لم يلتفت لها الشيعة انفسهم في الماضي، فاليوم هناك فرق مغالية تعتبر الائمة معصومين (ولكنهم لايذكرون ادلة حجة العصمة والروايات المتواترة عليها)، مما يعني ان كل رواية ضعيفة كانت او معتبرة يمكن البناء عليها، واعتمادها كأساس للافتاء والتشريع (ولعل اجتهاد بعض المغفلين واشتغالهم بفكرة ضرورة تشريع اللعن واستحسانه)، ففي تلك الروايات مصائب وماورائيات وتقولات وحسابات دنيوية واخروية، فيها ظاهر وباطن، اعتمدت عند البعض على انها حجة ودليل، وانقلبت الى شعائر وطقوس ومقدسات، وفتحت لها ابواب اجتهادية كثيرة،

هذه الشطحات تكثر ايضا عند المذاهب السنية في كتب الصحاح المعتمدة كمراجع فقهية لهم، مما جعل من مسألة الاعتماد في الاجتهادات الفقهية على السنة النبوية مجازفة، لانها تتعارض في كثير من الاحيان مع القران الكريم، الذي يحمل ايضا ابواب مختلفة في الفهم والتأويل كلا حسب مذهبه او مدرسته الفقهية..

هذا البحث المختصر لايتحدث عن التفصيلات او السرديات التاريخية للمذاهب، انما يطرح كما نعتقد رؤية فلسفية خاصة حول الاخطاء الاسلامية المتوارثة، لسد منافذ التشرذم بين المسلمين، وابعادهم عن حالة الصدام الدائم مع الحضارة الانسانية العلمية الحديثة، بطرح فكرة ان السياسة والدين لايلتقيان في العقائد، واعتبار ان كل الخلافات والاجتهادات والافكار والاطروحات السياسية بعد وفاة النبي محمد ص ليس لها علاقة بالدين الاسلامي والمذاهب، تماما كما يحصل من الجدل المعرفي الدائر منذ مدة ولازال مستمرا، حول فكرة هل كان النبي محمد ص رجل دولة اي نبي ورسول وحاكم، ام نبي ورسول فقط..

لايجوز رفض او لعن الخلافة الراشدة والدولتين الاموية والعباسية بالكامل، لانهما يمثلان اساس الحضارة العربية الاسلامية الاولى، ولايمكن اعتبارها نموذج مثالي نافع، انما لكل عصر ومرحلة ايجابيات وسلبيات، اهم تلك السلبيات الظاهرة السياسية الطاغوتية لاغلب الخلفاء البعيدة عن الاسلام، واسلوب التوريث المبتدع في الحكم او الخلافة، وهذا يفتح للمسلمين نافذة النقد والمراجعة والتصحيح، الا ان الايجابيات تعد هي الكفة الارجح في مجال العلوم والمعارف والفنون والاداب، بل حتى الاجتهادات المذهبية في حينها تعد من الانجازات الكبيرة (المعتزلة، اخوان الصفا، الاجتهاد المذهبي السني والشيعي)، الخ.....

الوحدة الاسلامية تبدأ عندما يعود رجال الفكر الاسلامي الى بيئاتهم وحواضنهم المذهبية ومرجعياتهم الفكرية، لغرض فتح فضاءات النقد الذاتي للعقائد والاصوال والاجتهادات المذهبية المتوارثة، عندها يمكن ان ترى طلائع الحضارة الاسلامية الحديثة، تخرج نور المعرفة الى العلن، وهي تمسك بجوهر الاسلام، لا بقشوره وتفرعاته المذهبية، بفهم ووعي وفكر جديد، لايحمل بين طياته اية مشاعرمتوترة مليئة بالاحقاد والكراهية الدينية، يرفض ان ترفع الواح طويلة عريضة محشوة بتراث اللعن والعنف والتكفير والارهاب .....

هذه المحاولات الخاصة بنقد التراث المذهبي في الاسلام، بحاجة الى بحوث ودراسات ومؤتمرات ونقاشات كثيرة بغية انضاج الفكرة، وجعلها امرا مستساغا عند العامة من الناس، لايراد منها ان تقول للشيعي ان ال البيت ع ليس ائمة، ولكن تقول لهم لاسنة ولاعقائد بعد وفاة الرسول محمد ص،

وهذا ماتجده بالفعل في الفقه عند التشيع  (وهو الاساس في الاسلام والايمان) اي الاجتهادات المستندة للقران والسنة، يؤخذ منها مايتوافق مع العقل والمنطق والقران (الرسائل العملية للمراجع).....

وتقول للوهابية والمذاهب السنية لاتكفير ولاردة، ولا رجم ولاحدود، ولا اكراه في الدين والعقائد والثقافة والعبادة والاسلام، انما الدين في كتب الفقه ودور العبادة ومراكز التربية والتعليم الديني،

ولايسمح له ان يخرج عن مجاله الواسع المحدد بالضوابط والشروط العامة، ولكنه قطعا لايملك الحق  (الدين الممثل برجال الفقه) بأن يأخذ هذه الشمولية الهائلة المطروحة منذ قرون في الدولة والمجتمع،

فالدين بعد النبي محمد ص اصبح عمليا بين يد رجال الدين والحكام والمجتمع احيانا، وقد تحول في بعض مراحله الى مايشبه الاديان الشعبية، التي تدخل فيها العادات والتصورات الاسطورية والقصص والاحداث الغيبية المتوارثة في المجتمع، من هنا لايمكن اعتبار ان مايراه الناس من الاسلام اليوم، هو ذلك الدين المقدس الخال من الدس والتحريف والتضخيم كما كان في عهد النبي ص، يصدق عليه فكرة التحصين الالهي المقدس على يد رجال المذاهب، وكأنما حملته جيلا بعد جيل الايادي الفاضلة، والعقول السليمة، والنيات الامينة دائما، والحقيقة انه حتى في عهد ائمة المذهب الشيعي (الذين يعتبرهم ابناء الطائفة معصومين)،  كان المذهب الذي اشتهر بالتقية ممنوعا ومخفيا، ولاتوجد له مراجع رسمية متواترة ومتوارثة، وصولا الى العهد البويهي (956-1055م) والصفوي (1623-1639م)في بغداد، وهنا ايضا امتزج المذهب بالسياسة وضرورات الحكم،

وخير دليل على ذلك كما ذكرنا سابقا الكتب والمرويات الشيعية الكثيرة الموضوعة بعناية، التي يرفضها العقل والمنطق فضلا عن عقلاء فقهاء المذهب وبعض عامة الناس، لانها تتحدث عن الغيبيات والمعجزات والموارائيات العجيبة الغريبة المضحكة احيانا، وتنسب الى ال بيت النبي محمد ص احداث وقصص ووقائع غير موثقة في كتب معتبرة، مع ان هناك في اصول المذهب والفقه الشيعي مايتفوق به غالبا على بقية المذاهب الاسلامية (بالقضاء والقدر، وحكم الخروج على الحاكم الظالم، والخمس، رفض التكفير الوهابي، عدم اعتبار الصحابة كلهم عدول، الخ.)...

نقد المذاهب لايهز اركان الاسلام، انما يثبت اسس الحضارة الاسلامية الحديثة، بتعريف العقائد والعبادات والمحرومات القرانية، واعتماد مبدأ الاجتهاد في الحدود والتأويلات القرانية تبعا للبيئة والظروف والمتغيرات الحضارية الانسانية العالمية، واعتبار ان الاديان ثابتة في امور معينة، ومتغيرة في اخرى، تتطور وتتغير مع التطور الانساني العلمي والكوني، ليس انحرافا عن المبادئ الاسلامية العامة، والانزلاق نحو الانحلال الاخلاقي والانفتاح الاجتماعي المشوه، او بالاتجاه الى تحليل المحرمات ونشر الموبقات، ولكن بغية تخفيف القيود الدينية الشخصية التي يضعها رجال الدين امام الناس، مع التأكيد على ان من اسهل الثقافات او الايديولوجيات او العقائد البشرية هي الاديان السماوية، شرط ان لايدس المنافقين والانتهازيين والمتطفلين وقليلي المعرفة عقولهم في مسألة العبادات والعقائد والفطرة الانسانية السليمة، بوضع انفسهم الهة في الارض للتحكم بالناس، او حاجز مقدس يملك مفتاح العبور نحو التوبة والمغفرة والجنة...

المسلم عليه ان يفكر قليلا ولو من باب الدعوة للمراجعة للتزود بالغذاء الروحي، والمران الفكري لنيل الاطمئنان النفسي امام مايراه متناقضا بين الحضارة الانسانية والتراجع الاسلامي، هل بالامكان ان اكون مسلما مؤمنا دون مذاهب، ودون الخضوع والمرور الشبه يومي بما يقوله رجال الدين والمذاهب، هؤلاء الذين يروجون دائما بأن وظيفتهم في الحياة هي كعلماء الطبيعة والمفكرين والفلاسفة والاطباء والمهندسين  (الخ.)،

بينما هي وظيفة روحية ونفسية وشرعية محدودة لها مجالاتها الخاصة والعامة، الا انها يجب ان تكون في ضفة المجالات والجوانب الايجابية دائما، لايراد لها ان تكون او تدخل طرفا في الازمات والنزاعات وحتى الحروب بين الامم والشعوب، كي لايصبح الدين والطائفة هي المحرك في هذه القضايا، فتزيد من نيران التوترات والصراعات الدموية وحشية، وتجعلها نقمة متوارثة، وهذا ما بات واضحا في اعادة نقد الفتوحات الاسلامية من قبل عقلاء الاسلام، واعتباره احتلالا وغزوا مرفوض دينيا، حتى لاتبقى في تراث الاسلام وتاريخ الامم والشعوب على انها تعد جزءا اساس من اسس الحضارة الاسلامية الاولى انما هي مرحلة تاريخية عابرة...

لايوجد مذهب او فرقة في الاسلام افضل من الاخرى، يوجد في التأريخ ان ايمان  (وشجاعة وزهد وعدل) الامام علي ع لعظمته لايقارن بأيمان والاسلام بقية الصحابة، وايمان ال البيت ع المعروفين بين المسلمين (بالائمة)لايقارن بأيمان الخلفاء الامويين والعباسيين او بأيمان بقية ائمة المذاهب، وان الوهابية زندقة وفهم بدوي متوحش للاسلام، هذه لاتخرج عن اطار انها وجهات النظر النابعة من القناعات الشخصية، وهي ليست اساس لبناء عقيدة اسلامية جديدة، ولايمكنها ان تكون احد اصول الاسلام، لانها تمثل كما اوضحنا اعتبارات تأريخية معنوية خاصة، لابد ان يبتعد الناس عن اقحامها في الدين او جعلها محور الصراعات المذهبية...

وظيفة رجال الفقه والدين حماية الانسان والمجتمع من التراجع والانحطاط الاخلاقي والحضاري، بالكلمة والعبارة الهادفة، دون تعصب او تشدد او صراخ، اذ لابد ان يكونوا هم اكثر الناس حكمة وعقلانية وهدوءا وتسامحا، كما اراده الله عزوجل من انبياءه ورسله ع...

قال تعالى في سورة النحل

 (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (12)

المسلم كبقية البشر، عليه ان يفكر، لايجوز عليه اغلاق العقل، الحياة في الارض مرة واحدة، والندم بعد فوات الاوان موت بطيئ، النيات الصادقة المخلصة في البحث عن الحقيقة لاتبعد الناس عن طريق الهداية، اسلام بلا مذهب ترفع الحواجز بين المسلم وربه، وكلما تقرب العبد من ربه كلما زاد ايمانه وصلح حاله.

 

مهدي الصافي

 

 

بليغ حمدي اسماعيللم يكن الإسلام الحنيف يوماً ضد حرية الاعتقاد، بل كان داعياً إلى حرية المرء في اختيار عقيدته، ومن هنا تبرز سماحة الإسلام وعبقريته في آن واحد، وجاء ذلك بوضوح شديد في النص القرآني، حيث يقول الله تعالى (لا إكراه في الدين)، والإسلام بذلك يقر حقيقة عظيمة للإنسانية وهي عدم إرغام المرء على ترك دينه ودخول دين جديد. ويؤكد النص القرآني ذلك مثل قوله تبارك وتعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

والدين الإسلامي كان الدين السماوي الحنيف الذي أقر بمبدأ التعددية الدينية، بل واعترف بها أيضاً. ومن منطلق هذا اعترف الرسول (ص)  باليهود ككيان واقعي بالمدينة المنورة، وإعطاء الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الأمان والحرية الدينية للمسيحيين من سكان مدينة القدس العربية، وما فعله عمرو بن العاص بالأقباط حينما فتح مصر . بخلاف ما فعله الأسبان بأهل الأندلس المسلمين من قتل وصلب وحرق وتدمير.

وتؤكد كافة الكتابات التاريخية الإسلامية أن الإسلام كفل حرية النقاش الديني معتمداً في ذلك على مبادئ أصيلة مثل الحوار الجيد الخصب، واحترام الآخر، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). وكم من مرة أشار القرآن الكريم إلى الدعوة الجادة  للحوار بين أهل الأديان مثل قوله تعالى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).

وبالرغم من هذه السماحة والدعة التي منحها الإسلام للمختلفين معه عقدياً، تجرأ البعض من أهل الكتاب وغيرهم ممن تجردوا من نعمة العبودية لله بالهجوم على الإسلام والمسلمين، والطعن في العقيدة الإسلامية وتشويه معالم الإسلام السمحة.

الحقد المتنامي ضد الإسلام:

يبدو للبعض أن موجات الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين ظهرت حديثاً، أي منذ بداية القرن العشرين، لكن الحقائق والمؤشرات التاريخية توضح أنه منذ فجر الإسلام وتلك الموجات تتنامى وتتصاعد ضده، وضد القرآن الكريم بصفة خاصة. ولك أن تدرك المحاولات المستميتة والمسماة بالإسرائيليات لتشويه وتخريب الدين القويم.

والمدهش أنه وسط غفلة المسلمين في العصر الحديث والمعاصر، بدأت هذه الموجات التخريبية في وضع خطط منهجية منظمة للنيل من الإسلام وأهله، وبدأ هؤلاء المتآمرون على الإسلام بالتعاون مع أشكال الاستعمار والحركات الصهيونية في الكيد للإسلام وتخريب عقول أبنائه عن طريق الغزو الثقافي ومسميات التيارات الفلسفية والفكرية ومبادئ الحداثة والحداثوية .

وتمثلت هذه التيارات في حركات منحرفة ضالة مثلت الوجه القبيح للإلحاد والغلو الفكري والعقائدي، ومن المؤسف انتشار بعضها بالبلدان العربية والإسلامية انتشار النار بالهشيم وسط حيرة مستدامة من الشباب العربي المسلم الذي ترك نفسه صيداً سهلاً لمفاسد الإنترنت والفيس بوك المتغيرات الوافدة من الغرب والشرق والشمال والجنوب . وأعني بتلك الحركات والتيارات المنحرفة البابية والبهائية والقاديانية.

أولاً ـ الحركة البابية:

ظهرت البابية أول ما ظهرت في إيران، تحديداً في القرن التاسع عشر، وهي حركة إلحادية مبغضة للإسلام . وأخذ أصحاب هذه الحركة المشبوهة يبثون الفتنة ويشيعون الإلحاد والفتنة في صفوف الناس هناك من أجل تحقيق أهدافهم الخبيثة للنيل من الإسلام.

وعمل أولئك الموتورين في النيل والكيد للإسلام على وسائل متعددة منها الدعوة إلى الإباحة في النساء والأعراض والأموال، تشبيهاً بالشيوعية الممقوتة، وبالدعوة إلى الحلول والاتحاد وهي أفكار تغلغلت في الفكر الإسلامي الصوفي عن طريق المسيحية، انتهاء بالقول بالتناسخ.

ويشير الدكتور محمد الجيوشي (1998) أن هذه الأفكار انتقلت من فرق وتيارات مثل السبئية والكسانية والراوندية والباطنية مروراً بالإسماعيلية والقرمطية والحزمية انتهاء بالحريدينية حتى أصبحت على مسماها الحالي بالبابية.

البابية وعوامل ظهورها:

تشير كلمة باب إلى الدلالة على الشيخ الذي يعلم الناس، وتشير أيضاً إلى المدخل الذي يدخل منه المرء. وقد ظهرت البابية في إيران نتيجة عدة عوامل أججت في ظهورها من أهمها تأهب الغالبية العظمى من السكان في انتظار الإمام الغائب الذي نادت به الشيعة، بالإضافة إلى الدروس الدينية المستمرة على يد (أحمد الإحسائي) الذي تشير الدلائل التاريخية إلى أنه قس غربي جاء من إندونيسيا حسب خطة استعمارية منظمة لإفساد عقيدة المسلمين،  و (كاظم الرشتي) من ظهور إمام يرشد الرعية ويخلصهم من فسادهم وانحرافاتهم الدنيوية. وأخذا يدعوان إلى الحلول والاتحاد والخرافات الوثنية وتقديس الأئمة.

ولاشك أن الاستعمار السوفيتي وجد في ذلك فرصة سانحة لتسهيل مهمته التدميرية بتدعيم هذه الحركة، فعمل الاستعمار الروسي على إفساد العقيدة الإسلامية بنشره للخرافات والحيل والأكاذيب كالصنيع الذي فعله اليهود بتراثنا الإسلامي كما أشرنا سابقاً.

الدور اليهودي في مساندة البابية:

من الطبيعي أن تظهر لفظة اليهود في كل مساحة يحاول الملاحدة فيها التشكيك في الإسلام والنيل والكيد له، واليهودية العالمية عملت ولا تزال تعمل في تدمير العقيدة الإسلامية منذ بدايتها، وهذا ظهر جلياً في إعلان التأييد والتعاون للباب، وليس من الدهشة والغرابة أن تجد أعداداً كبيرة من اليهود انضموا إلى الحركة البابية .

وإذا أردنا أن نفسر هذه الهرولة من العناصر اليهودية نحو الحركة البابية فإننا سندرك أن هدفهم هو توجيه هذه الحركة والقدرة على التحكم في مبادئها وآرائها، وهذا يؤكده أن الباب ومن بعده البهاء استندا على ما جاء في التوراة، وأن الميرزا على الشيرازي كانت التوراة أنيسه في محبسه وسجنه.

العقائد البابية:

عبرت العقائد والأفكار البابية عن حالة الهوس والانحراف العقلي لدى أنصارها، وهذا ما نجده واضحاً وجلياً في اعتبارهم بأن الله يعلو علواً كبيراً يحل في البشر، وأن هذا الحلول يعتبر مظهراً إلهياً في هيكل بشري. وجاوزوا هذا العبث بإعلانهم بأن ظهور الله الواحد الأحد الفرد الصمد في هيكل تعدد بتعدد ظهور الأنبياء والرسل.

أما بالنسبة لأفكارهم ومعتقداتهم حول الآخرة فهي مختلفة تماماً مع ما جاء في القرآن الكريم، وهم في ذلك يفسرونها تفسيراً باطنياً. والباطنية باختصار شديد هم أهل دعوا إلى الحلول وأفرطوا في التأويل وحولوا كل عمل ظاهر إلى سر باطن، وكما أشار الإمام محمد عبده في كتابه رسالة التوحيد أنهم فسروا الكتاب بما يبعد عن تناول الخطاب، وعرفوا بالباطنية أو الإسماعيلية ولهم أسماء تعرف في التاريخ فكانت مذاهبهم غائلة الدين، وزلزال اليقين، وكانت لهم فتن معروفة وحوادث مشهورة.

والبابية من منطلق ما سبق لا يؤمنون بشئ مما ورد بشأن الآخرة في القرآن الكريم، ولقد أشار إليهم القرآن وأمثالهم حين قال (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر). والقيامة عندهم قيام الروح الإلهي في مظهر بشري جديد، ولقاء الله يوم القيامة هو لقاء الباب لأنه هو الله، والجنة في اعتقادهم هي الفرح الروحي الذي يشعر به المؤمن، أما النار فهي الحرمان من معرفة الله في تجلياته في مظاهره البشرية.

العبادات عند البابية:

أ ـ الصلاة:

ألغى الباب الصلوات الخمس المفروضة بالإضافة إلى صلاة الجمعة، وأبقاها فقط في صلاة الجنازة، وهذا من غريب وفحش قولهم، ويقول الباب في كتاب البيان الواحد السابع ـ كما أشار الدكتور محمد الجيوشي ـ مخاطباً أتباعه: " رفع عنكم الصلاة كلهن إلا من زوال إلى زوال تسع عشرة ركعة واحداً واحداً بقيام وقنوت وقعود، لعلكم يوم القيامة بين يدي تقومون ثم تسجدون ثم تقنتون وتقعدون" .

وفي موضع آخر في كتاب نقطة الكاف للكاشاني وهو أحد رجال البابية الموتورين نجده يقول عن الصلاة ما يلي: " إن المقصود من الصلاة التكبير والتحميد والتعظيم قولاً وفعلاً لحضرة النقطة الشيرازي وهذا هو المفهوم لقول الأمير عليه السلام: "نحن الصلاة، وإلى جانب ذلك تحدث الباب عن السجود فقال في البيان: فلا تسجدن إلا على البللور، فيها من ذرات طين الأول والآخر من ذكر الله في الكتاب لعلكم شئ غير محبوب لا تشهدون البيان الثامن من الواحد العاشر".

وإذا أعملنا العقل الذي منحنا الله إياه وهو نعمة لا تعد ولا تحصى، لتعجبنا أولاً من هذا الكلام الذي لا دلالة له، والمعاني الرخيصة التي تحملها النصوص السابقة، فكما أكدنا في تصديرنا للدراسة الحالية بأن التيارات والفلسفات الإلحادية المعاصرة قامت بتلفيق النصوص الوثنية القديمة وحشوها بعبارات دينية بقصد إيهام العامة، نجد النصين السابقين يكودان هذا، فمثلاً يشير الكاشاني إلى ضرورة السجود على البللور عند الصلاة التي هي في الأصل مغلوطة ومشوهة لديهم، وهم في شرك وضلال حينما ينادون بالحلول والاتحاد في الباب .

علاوة على الألفاظ التي نجدها مرصوصة رصاً دون معنى أو قيمة، بالإضافة إلى ابتكارهم غير المرغوب فيه في قواعد النحو كالإضافة مثلاً حينما يقولون البيان الواحد العاشر، والبيان الواحد السابع، ورحم الله علماءنا النحويين الذين يسروا لنا قواعد اللغة فرقت ولانت طبائعنا بها.

ومن عجائب بدعهم في الصلاة والطهارة أيضاً ما رخصوه لنسائهم، فلقد أعفا الباب النساء من الصلاة والصوم عند حيضهن، ثم دعاهن إلى الوضوء ثم التسبيح خمساً وتسعين مرة من زوال إلى زوال، ويقلن عند ذلك: " سبحانك الله ذي الطلعة والجمال" .

ب ـ القبلة:

وكل المسلمين يعلمون أن قبلتهم هي المسجد الحرام لقول الله تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث كنتم فولوا وجوهكم شطره)، أما عند تلك الفرقة ـ أي البابيين ـ فقد جعل الباب الشيرازي قبلة الصلاة البيت الذي ولد فيه، أو مكان سجنه ومحبسه بعد ذلك، ثم تطرف أتباعه فجعلوا القبلة الأماكن والبيوت التي عاش فيها.

ونحمد الله تعالى على اجتماعنا واتحادنا في الصلاة والآذان والقبلة، فلقد تشتت أمرهم بتشتت قبلتهم وشرود صلاتهم، ونجد الباب الشيرازي يشير إلى القبلة بقوله: " قل إنما القبلة من تظهره متى ينقلب تنقلب إلى أن يستقر ثم من قبل مثل من بعد تعلمون، قل إنما تولوا فثم فوجه الله أنتم إلى الله تنظرون" .

ج ـ الصوم:

أما الصوم فعند البابية تسعة عشر يوماً فقط، وهو ما أسموه بشهر العلاء، ويأتي عندهم في الربيع، ويكلف الباب بالصوم من سن الحادية عشرة إلى سن الثانية والأربعين. ويقول الباب الشيرازي في ذلك: " أنتم في كل حول شهر العلاء لتصومون وقبل أن يكمل المرء والمرأة إحدى عشرة سنة من حين ما ينعقد نطفته أن يريدون، أن حين الزوال يصومون وبعدما يبلغ إلى اثنتي وأربعين سنة يعفى عنه، وما بينهما من الطلوع إلى الغروب لتصومون".

غرائب وعجائب البابية:

أورد فضيلة الدكتور محمد الجيوشي  في كتابه عن البابية بعض الغرائب عن أتباعها، وأبرز ما أورده فضيلته سر العد 19 عندهم، فلهذا العد مكانة خاصة لديهم، ومن أجل ذلك اتخذ تقديس العدد 19 مظاهر متعددة منها تقسيم السنة إلى 19 شهراً، وجعل الشهر 19 يوماً .وتخصيص أيام الاحتفال  بالعيد 19 يوماً وهو عيد النيروز. واعتبار الصوم الصوم 19 يوماً وهو شهر العلاء. جعل عدد الطلقات 19 طلقة ونفس العدد لعدة المطلقة، وجعل التسبيح في السجود 19 مرة.

وكما تفردوا في اختيارهم العجيب للعدد 19، امتازوا وتباينوا أيضاً في اختيارهم لأسماء أيام الأسبوع، لذا نجدهم يطلون الأسماء الآتية على أيام الأسبوع السبعة وهي: الجلال، والجمال،والكمال، والفضال، والعدال، والاستجلال، والاستقلال.

البهائية:

من أدق التعبيرات التي وصفت بها البهائية ما جاء على لسان الإمام الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) بأنه دين استعماري، أسهمت السياسة البريطانية والصهيونية في ترسيخها وتدعيم أركانها وسط غفلة المسلمين التي تحدثنا عنها من قبل،  ومن خلال خططتهم الموجهة المتحفزة للقضاء على معالم الدين الإسلامي.

وما ذكرناه من قبل عن عقائد البابية المنحرفة ينطبق على مثيلتها البهائية، التي أسقط زعيمها البهاء فريضة الحج العظيمة قدراً ومكانة بنفوسنا أجمعين، بل تجاوز في غلوه عندما أوصى بهدم البيت الحرام. وتمادى رؤساؤهم بعده في إسقاط فرائض الصلاة والصيام والجهاد والقصاص.

ومنذ اللحظة الأولى لميلاد البهائية وهم يلحون في صناعة دين جديد يحارب الإسلام ويخاصمه، فالبداية إعلان البهاء مبشرا بالمهدي، ثم أعلن بعد قليل بأنه المهدي المنتظر نفسه، ثم انتقل بعد ذلك إلى ادعاء النبوة، حتى وصف لأتباعه الموتورين بأن الله تجلى به وحل فيه والعياذ بالله.

وليس من العجيب أن كل كتب البهاء تنشر في الغرب، لأننا أشرنا أن الاستعمار البغيض وجد في موتوري العصر الحديث فرصة سائغة للنيل من الإسلام والمسلمين، بل وجدنا الغرب المستعمر يصف البهاء بأنه داعية محبة وسلام وإخاء. ويؤكد ذلك أن بريطانيا دعت البهاء لزيارة سريعة إلى سويسرا سنة 1911م، وعقدت له مؤتمراً صحافياً ليعرض أفكاره الفريدة. ومنها أنه أعلن بالمؤتمر أن الناس قد نسوا تعاليم بني إسرائيل وتعاليم المسيح وغيره من معلمي الأديان فجددها البهاء.

ونظراً لما لاقاه البهاء من حفاوة من قبل البريطانيين وجدناه يؤكد علانية دون خجل أو خشية أو حياء بأن المدنية الشرقية لم تكن في يوم من الأيام أرقى من المدنية الغربية إلا في عهد (بوذا) وعهد (زرادشت) ثم بدأت بعدهما في الأوهام والخرافات تفسدان على الشرقيين معتقداتهم، على حين كان الغربيون يجتهدون في الترقي نحو النور. وتعددت أسفار البهاء بعد ذلك إلى باريس وأمريكا التي قال فيها: " إن أمريكا أمة مجيدة وهي حاملة للواء السلام في العالم، وتستنير منها جميع الآفاق" .

ينتشر البهائيون اليوم في أكثر من مائتين وخمسة وثلاثين بلداً، وهم يمثّـلون أصولاً دينية مختلفة وينتمون إلى أجناس وأعراق وشعوب وقبائل وجنسيات متعددة. أما الدين البهائي فمعترف به رسمياً في العديد من الدول، ومُمثّـل تمثيلاً غير حكومي في هيئة الأمم المتحدة والأوساط الدولية العلمية والاقتصادية.

والبهائيون على اختلاف أصولهم يُصدِّقونَ بما بين أيديهم من الكتب السماوية، يؤمنون بالرسالات السابقة دونما تفريق، ويعتقدون بأن رسالة حضرة بهاء الله من الرسالات السماوية  لا تمثّـل سوى مرحلة من المراحل المتعاقبة للتطور الروحي الذي يخضع له المجتمع الإنساني.

ويؤمن البهائيون بوحدة المنبع الإلهي لأغلب الديانات الكبرى الموجودة في العالم، ويعترفون بمقامات مؤسسيها وبأنهم رسل من الله، ومنها الزرادشتية والهندوسية واليهودية والبوذية والمسيحية والإسلام. ويعتقدون بأن جميع هذه الديانات جاءت لتهذيب البشر أينما كانوا عبر العصور، وبأنها نشأت في مجتمعات كانت تدين بديانات سابقة وبنت الواحدة على الأساس الذي وضعته الأخرى. وهذا أحد أهم المعتقدات البهائية التي تقوم على أساسها علاقتها بالأديان الأخرى واتباع هذه الأديان.

ويعتقد البهائيون أن كما نجد أن للمسيحية على سبيل المثال جذورا في الديانة اليهودية، فإن للبهائية جذورا في الديانة الإسلامية. غير ان هذا لا يعني بأن الدين البهائي فرقة من الإسلام أو فرع من الديانات السابقة، بل يؤمن أتباعه بأن دينهم هو دين مستقل منذ بداياته وله كتبه وشرائعه المستقلة.

رأي علماء المسلمين في البهائية:

يتفق أغلب علماء المسلمين على أن البهائية ليست فرقة أو مذهبا من الإسلام. وقررت المحكمة الشرعية العليا في مصر سنة 1925م أن الدين البهائي دين مستقل عن الدين الإسلامي. وينظر كثير من المسلمين لمتبعيه على أنهم كفار خارجون عن الملة والاعتقاد، وذلك لأن البهائيين يعتقدون بأن مؤسس البهائية هو رسول موحى له جاء بعد رسالة الإسلام. فالمسلمون يؤمنون بأن رسالتهم هي آخر الرسالات السماوية.

وتستند العديد من الآراء الحالية ضد البهائيين على البيان الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامّية بالأزهر ضد البهائية والبهائيين ونُشِرَ في عددٍ من الصّحف المصرية والعربية بتاريخ 21/1/1986م. ولقد قام البهائيون بالرد على هذا البيان في مقالة صدرت في مجلة أخبار العالم البهائي. وكان هذا المقال مختصرا نسبيا ليتناسب مع بيان الأزهر من حيث الحجم والمضمون. ولقد قامت المؤسسات البهائية بالرد على الاتهامات المشابهة التي كان قد أصدرها الأزهر في بيان صدر عام 1947م، وردت عليه لجنة النشر المركزية بالقطر المصري والسودان بإجازة المحفل الروحاني المركزي للبهائيين ونشر هذا الرد في مصر في نفس العام. كما يدرج موقع حقائق عن الدين البهائي ردا مفصلا على التهم غير الموثّقة والتي تدرجها بعض المواقع والمنشورات معتمدة في معلوماتها على مصادر معادية للتيار  البهائي وأتباعه.

ولقد قرر مجمع البحوث الإسلامّية بالأزهر البحث في المسألة البهائية من جديد نتيجة لما أثارته قضية البهائيين المصريين ووضعهم القانوني في الصحف المصرية، والعربية، والعالمية. ولقد عرضت الجالية البهائية العالمية في رسالة موجهة للأزهر التعاون والمساهمة في هذه الدراسة وذلك تعبيرا عن أملها بأن يسود هذا البحث "روح الاحترام المتبادل والتجاوب الودي التي حثت عليه والمتوقع أن تسود العلاقة بين الهيئات الدينية في العالم". وتستمر العديد من الجهات الإسلامية خاصة في إيران ومصر بمحاربة البهائية علنا والدعوة للقضاء عليها وعلى أتباعها.

العقائد البهائية:

يمكننا عرض بعض العقائد والأحكام البهائية بشكل بسيط وكما هو معروض في دائرة المعارف ويكيبيديا على النحو التالي:

ـ الصلاة: هناك ثلاثة أنواع من الصلاة البهائية اليومية وعلى الفرد اختيار أحدها.

ـ الصوم: الامتناع عن الأكل والشرب من الشروق إلى الغروب خلال الشهر الأخير في السنة البهائية.

ـ موافقة الطرفين ورضاء الوالدين عند الزواج وقراءة آية معينة وقت عقد القران بحضور شهود العيان (الآية: يقول الزوج "إنا لله راضون" والزوجة "إنا لله راضيات").

ـ تحريم المشروبات الكحولية والمخدرات وكل ما يذهب به العقل.

ـ تحريم النشاط الجنسي إلا بين الزوج وزوجته.

ـ تحريم تعدد الزوجات.

افتراءات البهائية:

نعرض في هذا الجزء بعضاً لافتراءات البهائية وزعيمها، ونترك القارئ المسلم ليدرك حجم الجهل والكذب والزيف لدى هؤلاء:

ـ يقولون إن الوحي لا يزال مستمرا وبأن المقصود بكون محمد خاتم النبيين (ص) هو أنه زينتهم كالخاتم يزين الإصبع.

ـ يعترف البهائيون أنهم يؤمنون بأن الوحي الإلهي سيبقى مستمرا لأن هذا من وعد الله لعباده.

ـ يحرمون ذكر الله في الأماكن العامة ولو بصوت خافت، كما جاء في كتاب "الأقدس": "ليس لأحد أن يحرك لسانه ويلهج بذكر الله أمام الناس، حين يمشي في الطرقات والشوارع".

ـ يقول البهائيون أن مقولتهم السابقة حول ذكر الله هي للتأكيد على حرمة وأهمية الصلاة وذكر الله. وأن ذكر الله يجب أن يحاط بالتقديس والاحترام من قبل المتكلم والسامع على حد السواء. ويضيفون ان أحكام البهائية لا تمنع، وإنما تؤكد على أهمية ذكر الله في كل الأوقات كضرورة لسعادة الفرد ورقيّه الروحي. ولكن يجب أن يتم ذلك بكل احترام وتقديس.

ـ لا يؤمن البهائيون بالعقاب والثواب الجسدي وتشير الكتب البهائية إلى أنهم يؤمنون بالعذاب والثواب وأنه يقع على الروح لا على الجسد.

ـ تشير الكتب البهائية أنهم يؤمنون بوجود الملائكة والحياة الآخرة ولكنهم يفسرونها تفسيرا قد يختلف عن التفسيرات والمعتقدات الشائعة المتعلقة بهذه الظواهر. وتؤكد المراجع البهائية على إيمانهم بالحياة بعد الموت كمرحلة أساسية لاستمرار حياتهم الروحية ولكنهم لا يؤمنون باستمرار الحياة الجسدية أو المادية للفرد بعد الموت .

 

د. بليغ حمدي اسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

ميثم الجنابيتقديم: إن أغلب العقول العربية الحديث والمعاصرة هي عقول مستلبة، بما في ذلك ما يسمى بالمفكرين منهم. إذ لا علاقة في الأغلب لاهتمامهم وهمومهم وما يتناولوه من قضايا وإشكالات بتحليل ونقد التجارب المتنوعة إن مهمة هذا المقال تقوم بالكشف عما ادعوه بالعقل الثقافي. وهو العقل الذي تتراكم صيرورته وكينونته في مجرى التجارب الذاتية للأمة. وما عداه يمكن أن يكون كل شيء باستثناء أن يكون عقلا بالمعنى الدقيق للكلمة. وهي قضية منهجية وثقافية ومستقبلية بقدر واحد.

فعندما نتناول إنتاج اغلب تيارات وشخصيات الفكر العربي العقلاني الحديث والمعاصر، فإننا نتوصل في نهاية المطاف الى انه لا عقلانية فيها ولا عقل. والسبب يكمن في أن أغلب عقول المثقفين العرب المعاصرين في مختلف الميادين، تتسم بقدر هائل من الاستلاب الثقافي. من هنا انهماكها في تحليل ودراسة شخصيات وفلسفات أوربية لا علاقة لها بإشكالات العالم العربي الواقعية الحالية منها والمستقبلية. وحتى حالما يجري التطرق إلى بعض المدارس والشخصيات الفكرية والثقافية منها، وهو عمل مهم أيضا، فإنه يجري تجاهل تطويعها تجاه إشكالات العالم العربي. الأمر الذي حدد معنى وطبيعة هذه الاستلاب. فالعقل الثقافي هو الوحيد الحق، حتى حالما يخطأ في تحليله وتأسيسه للأحكام والمواقف، وذلك لأنه يساهم في تعميق الوعي النقدي وتأسيس الحقيقة وغرسها في الوعي النظري والعملي. وهي مهمة العقل الأولية والنهائية أيضا.

فكل ما بلورته الثقافة العربية الإسلامية في ميدان الوعي والنظري كان نتاجا لعقلها الثقافي. من هنا بقاؤه في العقل والضمير والذاكرة التاريخية للعرب، بينما تضمحل وتتلاشى النظريات والفلسفات الأوربية مع كل ظهور جديد فيها سواء من جانب من ينفيها أو يكملها، كما لو أنها لا شيء. فالانهماك والإفراط المثير للغثيان بعقلانية ديكارت، على سبيل المثال، بينما هي صغيره وزهيدة مقارنة بعقلانيات الثقافة العربية الإسلامية، أو أن تتحول موضة "نقد العقل العربي" إلى مفخرة فلسفية وإبداع كبير بينما هي مجرد نقد لا يخلو من الحذلقة الفكرية ولا علاقة له "بالعقل العربي"، وخصوصا حالما يجري وضعه ضمن قوالب وقواعد لا علاقة لها بالواقع التاريخي والثقافي العربي القديم والمعاصر. غير أن الاعجاب بها يكمن أولا وقبل كل شيء في الاستلاب الثقافي أمام "العقل الغربي" أو "الأوربي". وفي كلتا الحالتين لا قيمة علمية فيهما ولهما بالنسبة لتأسيس العقل وغرسه في مسام الوعي الفردي والاجتماعي والقومي. وذلك لأن العقل الثقافي هو الوحيد الذي يمكنه أن يكون مصدرا لوعي الذات القومي والثقافي. وما عداه يمكن أن يكون مصدرا من مصادر الوعي المعرفي. من هنا قيمة ما ادعوه بالعقل الثقافي، الذي نعثر على نماذج واعية ومتنوعة له في الثقافة الإسلامية.

***

لقد كتب الجاحظ عدد من الرسائل لمختلف شخصيات الدولة (العباسية)، حيث وضع فيها وجهة نظره حول مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والفكرية والدينية. وفيها نعثر على نموذج خاص لعلاقة المثقف بالسلطة هي علاقة المثقف الحر والعامل من اجل إضفاء العقل والعقلانية على السلوك والمعنى السياسي للدولة. فقد كانت علاقة الجاحظ بالسلطة (العباسية) في الأغلب ايجابية الطابع. وهو موقف شاطره المعتزلة بسبب تلاقي الرؤية والمواقف والغاية. وقد بنى هذه الفكرة والموقف على أساس الحديث القائل:"من لم يشكر للناس لم يشكر لله". غير أنه وجد لهذه الفكرة اساسها في الفطرة والعقل. من هنا استنتاجه:"فمن كفر بنعم الخلَق كان لنعم الله أكفر"[1].

إننا نعثر في هذه المقدمة على إدراك يقترب من الحدس عن قيمة ما أدعوه بالعقل الثقافي بالنسبة لتأسيس الرؤية والمواقف. بل إنهما ينبعان من تراكم التجربة التاريخية الإسلامية في مختلف الميادين وتهذّبهما بمعايير تجاربها الخاصة. فكل ما كتبه بهذا الصدد يبدأ بالرؤية العقلية وينتهي بأحكامها. لكنها في الوقت نفسه هي رؤية عقلية من طراز خاص تكمن في جوهرها الثقافي. بمعنى إنتاج وتأسيس المواقف بمعايير ما أدعوه بالعقل الثقافي. وقد كانت تلك السمة التي ميزت شخصية وتاريخ المعتزلة وفرادتها في الثقافة الإسلامية ككل. وضمن هذا المفهوم فقط يمكن إدراك وفهم خصوصية مواقفهم من السلطة.

إن المقصود بالعقل الثقافي هنا هو العقل العامل بمرجعيات الثقافة الخاصة واستشراف آفاقها المستقبلية بوحي تجاربه الذاتية، أي العقل المتراكم في مجرى تجارب الأمة وهمومها. وما عداه هو "عقل مستلب" أي ليس عقلا بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد أبدع الجاحظ وأسس مواقفه من الدولة ورجالها بمعايير هذه المرجعية الكبرى، كما لو أنه أراد البرهنة على أن علاقة المثقف الكبير أو أهل العلم والمعرفة بالسلطة إشكالية كبرى، لا يحلها إلا العقل الثقافي وقدرته على تأديب الروح النظري والعملي لرجال الدولة. لهذا نراه يضع في رسالته عن (الحجاب)، أي احتجاب السلطة عن المجتمع، أولية الآداب (الأدب) وإشكالية الدين والدنيا. وذلك لأن واقع وحالة الحجاب بحد ذاتها هي خروج على آداب الثقافة العربية الاسلامية من جهة، ومنافاة للآداب العقلية من جهة أخرى. وليس مصادفة أن يربط الجاحظ هذه الظاهرة السياسية بصعود وسيطرة الأموية. ففيها بدأت تقاليد احتجاب الولاة. وفي منطلق نقده لهذه الظاهرة، استعمل الحديث النبوي الموضوع، وغير المتعارض في الوقت نفسه مع مضمون الفكرة المحمدية في الموقف من الإنسان والمجتمع، اضافة إلى التقاليد العربية آنذاك. فالاحتجاب معيب، لأن القوة الحاسمة في دفع حقيقة الشخصية تقوم في الإقدام والعزة والفروسية والسؤدد. وهذه كلها تتعارض تماما مع الحجاب والاحتجاب. ومضمون هذا الحديث يقول:"ثلاث من كن فيه من الولاة اضطلع بأمانته وأمره. إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد". وقد طوّع الجاحظ بأثر عقله الثقافي أغلب ما وصل إليه من أقاويل وأحكام ومواقف مختلف الشخصيات بما في ذلك تلك التي يعارضها. من هنا استعماله لكلمات معاوية والحجاج. غير أنه يضعها ضمن سياقها الفعلي. وأورد بهذا الصدد موقف هانئ بن قبيصة في معاتبته ليزيد بن معاوية في قول يشدد على أن احتجاب الخليفة يجعل من الضروري خلعه ومبايعة من لا يحتجب عن المسلمين. حينذاك أجابه يزيد:"والله لولا أن أسُنَّ بالشام سُنَّة العراق، لأقمت أوَدَك"[2]، أي لرميتك في الدواهي! وهذا تبرير أرذل من غايته. لكننا نعثر فيه على حقيقة الأموية واحتجابها السياسي، بوصفه خوفا وهلعا من المعارضة. ففي عبارة يزيد بن معاوية نعثر على تفرقة في المواقف تجاه أهل الشام والعراق. فأهل العراق هم أعداء بني أمية "بالفطرة والسليقة". وفيهم التحدي والجرأة. كما أن لهم "سنّة" خاصة في السياسة الأموية مستقلة بحد ذاتها لا علاقة لها بالمناطق الأخرى للخلافة تقوم على القمع والإكراه والسجن والتعذيب والتشريد والقتل.

وقد جمع واستعرض الجاحظ في رسالته عن (الحجاب) الكثير من المواقف التي تكشف عن تزايد النقد الشعبي لظاهرة احتجاب الحكام والخلفاء. بمعنى إننا نعثر فيها على الصيغة المبطنة لمواقف الجاحظ تجاه نقد ظاهرة اغتراب السلطة عن المجتمع. من هنا تأسيسه لقيمة الآداب في السياسة، أي القواعد الضرورية التي تجمع في ذاتها بين وجدان الأمة وثقافتها الأخلاقية ومتطلبات المنافع العامة، أو السياسة الوضعية العقلية.

فالآداب بالنسبة له هي آلات تصلح للاستعمال في الدين والدنيا. كما أنها توضع على أصول الطبائع، كما يقول الجاحظ. بمعنى إن الآداب واحدة من حيث أصولها بالنسبة لكافة نواحي الحياة ذات الصلة بشئون الدين والدنيا، أو المادي والروحي، أو السياسي والأخلاقي وغيرها من الجوانب. لقد سعى الجاحظ في تقديم وتأسيس موقفه من الحجاب على مثال ربط إشكاليات الوجود الكبرى آنذاك (الدين والدينا). انه سعى لربط مهمات الدين والدنيا من حيث صلاحيتهما للإنسان والمجتمع. فالأصول بالنسبة له واحدة. بمعنى أن "امور التدبير في الدين والدنيا واحدة. فما فسدت فيه المعاملة في الدين فسدت فيه المعاملة في الدنيا. وكل أمر لم يصحّ في معاملات الدنيا لم يصحّ في الدين"، كما يقول الجاحظ. .

ولم تعن الوحدة المترابطة بين الدين الدنيا هنا سوى الربط بين قضايا الروح والجسد بمعايير الرؤية العقلية وأحكامها. من هنا قوله، بأن "من كان ليس له من العقل ما يعرف كيف دبرت أمور الدنيا، فكذلك هو إذا انتقل إلى الدين"[3]. والعكس هو الصحيح. بمعنى أولوية الرؤية الحياتية وجوهريتها أيضا بالنسبة للدين. والدين بالنسبة للجاحظ هو منظومة القيم المتوحدة بمعايير العقل ومتطلباته. فهو الحاكم الفيصل والنهائي في كل ما له علاقة بحاضر الإنسان ومستقبله. وضمن هذا السياق يمكن فهم استشهاده بالآية القرآنية (من كان في هذه (الدنيا) أعمى فهو في الآخرة أعمى وأظلَّ سبيلا). ومن ثم يمكننا القول، بأن هذه الفكرة كانت تحتوي على نقد وجود رجال الدين والفقهاء وضرورة الاستعاضة عنها برجال الدولة العاملين بالروح العقلي وآدابه. من هنا ضرورة التقوى. فمن لا يتمسك بها سيكون مصيره مصير من مضى وعبرة للآخرين.

وليس اعتباطا أن يكتب الجاحظ رسالة في (الفتيا)، والتي ينطلق فيها من الفكرة الكامنة في الحديث المنسوب للنبي محمد "لَمَا يَزَعُ الله بالسلطان أكثر مما يَزَعُ بالقرآن".  بمعنى أولوية السلطة والسياسة والدولة بالنسبة لتنظيم الوجود الإنساني. وقد اعتبر الجاحظ هذه الفكرة (الحديث) هو موقف اهل العلم والتجربة. ففيهما يمكننا العثور على مختلف أساليب وأدوات ونماذج الحصيلة القائلة، بأن القوة هي التي تكف المرء عن اقتراف الكبائر أكثر مما يمنعه القرآن (أو النصائح). بمعنى إنها هي التي تجعله يقف ويتمسك بحدود القانون والأخلاق. من هنا فكرته عن أنه بغض النظر عن كون السلطان والرعية أشياء متباينة، لكنه لا يمكن توقع إصلاح أحدهما دون الآخر. وهو موقف حددته المبادئ المعتزلية العامة وبالأخص مبدأ العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من هنا توكيد الجاحظ على أن ما يهم المعتزلة أمثاله هو تحقيق "العمل الصالح" و"التعاون على مصلحة العباد، ونفي الفساد عن البلاد"[4]. من هنا قيمة المعرفة العلمية والعقلية الدقيقة، انطلاقا من أن "العلم هو على الدوام أشرف الأشياء"، حسب عبارة الجاحظ. [5]. ومن هنا أيضا عودته إلى من حيث بدأ عن أهمية العبرة أو التجربة التاريخية المختزلة في المفاهيم والرؤية النظرية. وهذا كله مرتبط بالنسبة له بواقع التطور الدائم في المعرفة ومن ثم تغيرها بأثر الممارسة. من هنا استنتاجه القائل:"ينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا. على إنا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا. كما أنَّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا"[6]. ووضع هذه الحصيلة العقلية والعقلانية الدقيقة في موقفه من المبدأ الجوهري للإفتاء. بمعنى، إن العبرة المتراكمة في مجرى السياق الفعلي والتطور التاريخي، ينبغي أن تكون محكومة بالعقل والمعرفة، والمؤيدة بدورها للدولة العامة بمعايير العدل والحق، والمستندة الى تأمل تجارب الاسلاف والماضي.

وليس هذه النتيجة بدورها سوى التعبير الدقيق عن الحقيقة القائلة، بأنه كلما يتوسع ويتعمق العقل النقدي في تناول إشكاليات الوجود التاريخي كلما يرتقي أكثر فأكثر صوب الرؤية الثقافية. ووضع لهذه الحقيقة منطلق يقوم في ما اطلق عليه الجاحظ نفسه عبارة "العقل هو وكيل الله في الأرض". وتعادل هذه الصيغة بمعايير الثقافة الإسلامية الفكرة التي قال بها انكساغورس عن أن العقل هو الذي يحكم العالم. ولا معنى هنا لعبارة انه "وكيل الله" سوى كونه يتصرف بالوكالة. فالله هو عقل. والعقل هو القوة التي تنظم شئون الوجود وتتحكم به. وعلى المستوى الإنساني المباشر يعني أن يكون العقل الحاكم الأول والأخير في المواقف والأحكام والرؤية. من هنا قوله:"وكيل الله عندك هو عقلك"[7].

فمهمة العقل بالنسبة للجاحظ تقوم، كما هو الحال بالنسبة للمعتزلة ككل، في الكشف عن علل الأشياء. وفي مجال القضية المتعلقة باحتجاب السلطة عن المجتمع، يضيف لمهمة العقل المشار إليها مهمة إدراك أسباب "ما اتفقت عليه محاسن الأمم"[8].  وضمنها يعيد تأسيس وتوسيع مدى الرؤية العقلية لإشكالية الدين والدنيا بمعايير العقل العملي والمنفعة. فالأدباء السابقون، كما يقول الجاحظ، "لم يكشفوا عن العلل والأسباب، رغم اقترابهم من الحق"[9]. وذلك لأنهم لم يفعلوا سوى أن "قاموا بأداء الأمانة ولم يبلغوا فضيلة من استنبط". بينما مباشرة اليقين ممكنة فقط عن طريق كشف علل الأشياء وأسبابها. وذلك لأن المعرفة السابقة في أغلبها ظنون. بينما في كثير من الحق مشتبهات لا تتضح وتنجلي إلا ببعد النظر. ولا يمكن بلوغ اليقين فيها إلا بعد معرفة الأصول والفروع. فقد كانت الغاية من وراء كل هذا التقديم النظري بالنسبة للجاحظ تقوم في ما اسماه برؤية ومعرفة "المعقول في كل طبيعة"، أو كل وجود[10].

إن معرفة طبيعة الأشياء هي المقدمة الضرورية لمعرفة العمل والسلوك الضروري بالنسبة لرجل الدولة. وقد وضع الجاحظ هنا وحل قضية غاية في الأهمية من الناحية النظرية والعملية، ألا وهي قضية تحديد ماهية وحقيقة المفاهيم. وبالتالي التعامل معها بما فيها وبما تتطلبه من مواقف. من هنا دعوته الى ضرورة النظر إلى المفاهيم بصورة ملموسة كالشجاعة والجود وغيرها[11]. وفي مجرى تحقيقها العملي نراه يقدم رؤية تتعلق بما يدعوه بتحصين الأسرار والإكثار من الوعيد للأعداء، والتعامل المتمايز تجاه الفئات الاجتماعية، واستدعاء محبة العامة بالتواضع[12]. وكذلك معرفة ما جرى في حال استحالة الاطلاع عليه مباشرة، عبر تواتر الأخبار والمقارنة ومن أية جهة قدمت هذه المعلومات. فالعلم الذي لا يدركه احد بعيان (مثل سرائر القلوب)، فإنما تدرك بآثار أفاعيلها وبالغالب من أمورها، كما يقول الجاحظ.

إن مهمة التفكر والتفكير والتمسك بمنطق الرؤية السببية والوصول إلى العلم اليقيني في ما يخص طبيعة الأشياء والظواهر من اجل تحديد المواقف المناسبة، قد ادى بالجاحظ الى بلورة فكرة عميقة للغاية وضعها في عبارة تقول:"الهزيمة مع التفكير لأفضل من التفريط مع الفوز". "فالمقادير ربما جرت بخلاف ما تقِّدر الحكماء، فنال بها الجاهل في نفسه، المختلط في تدبيره، ما لا ينال الحازم الأريب الحذِر. رغم ندرة ما يحدث مثلها"[13]. ولا يعني ذلك سوى اهمية وجوهرية التراكم المعرفي في التجارب الذاتية والعمل بموجبها. فالأخطاء في الأعمال والأفعال المبنية على تقدير العقل ليست خطيئة. على العكس. إنها تعمل باتجاه تراكم الحكمة العقلية والعملية. والخطيئة هو ما يعاكسها، رغم نجاحها المؤقت. وذلك لأنه فوز عابر ومخرب بقدر واحد.

وضع الجاحظ هذه الرؤية النظرية العميقة في صلب ما يمكن دعوته بالقواعد العملية للسلطة في التعامل مع النفس والمجتمع. من هنا طالبته لرجل الدولة بما اسماه بضرورة المؤانسة، انطلاقا من إن المرء لا ينتفع "بعيش مع الوحدة"، ثم النظر في تاريخ الرجال، ومحاربة الكذب وعدم القول به، وذلك لأنه دليل على صغر قدر النفس. وتجنب الغضب، لأنه لؤم وسوء مقدرة. إضافة إلى ما فيه من ثمرة هي خلاف ما تهوى النفس. وتجنب الجزع والحسد. فالأول هو انعكاس لضعف الشخصية، والثاني يلتهم بما فيه من دناءة، الأقرب فالأقرب.

وبالمقابل وضع ضرورة تربية النفس بصفات الصبر والحلم والصدق والوفاء. فالصبر هو مفتاح الانتصار في العاقبة. والحلم يفترض حسن المعاملة مع الجميع والضعفاء منهم بشكل خاص. والاكتفاء بالصدق أيا كان شكله ومضمونه. أما الوفاء فهو الوفاء لمن لا حاجة في رجائه ومخافته. ووضع حصيلة كل هذه الرؤية العملية والعقلية تجاه السلوك السياسي لرجل الدولة في موقف عام مهمته خدمة ما ندعوه الأن بالجماهير، أو المجتمع ككل. وكتب بهذا الصد ما يلي: "فأجهد أن يكون أغلب الأشياء على أفاعيلك كل ما تحمده العوام". وهذا بدوره ليس إلا العمل على تذليل النفس من أجل الأمور المحمودة[14].

إننا نقف هنا أمام نموذج لتراكم الرؤية العقلية الثقافية، أي المحكومة بتجارب وقيم النفس الثقافية. من هنا تغلغل الرؤية العربية الإسلامية، بوصفها رؤية ثقافية، كما في قوله، إن حياة الإنسان هي ابتلاء في العسر واليسر، غير أن الابتلاء هو اختبار. وأن الله غفور، غير أن حكم الآخرة هو حكم الدنيا. وهذه جميعها "بدون مقارنة (موازنة) العمل لا يصبح للميزان معنى يعقل"، حسب عبارة الجاحظ.

إن هذه الوحدة الحية بين مرجعيات الرؤية الثقافية (الإسلامية) وتجارب الخلافة السياسية والثقافية العامة كما نراها في ربط وتلازم الابتلاء بالإرادة، وحكم الآخرة بوصفه حكم الدنيا تعادل معنى ضرورة العمل بها بما يتطابق مع متطلبات العقل. وبدون ذلك لا يصبح للميزان معنى. فالميزان معادلة محكومة بالعمل أولا وقبل كل شيء. ومن ثم تحتوي على تحرير النفس والعقل من ابتزاز النفس والآخرين بعفونة الاخطبوط اللاهوتي. وبالتالي جعل الإرادة والعقل، والإرادة العقلية مقياس ومعيار العمل الضروري في كل شيء وتجاه كل شيء. فالإرادة، كما يقول الجاحظ تقتضي على كل امرئ بما يتوافق مع عمله. فالطبيعة (الفطرة) المميزة للإنسان لا تجعله يعمل بصورة مطلقة. فكل ما تأخذه النفس تصرفه آجلا أم عاجلا[15]. من هنا ضرورة التأديب. فهو الأسلوب الضروري الذي ينبغي أن يلازم كل عمل. وبالنسبة لرجل الدولة يفترض الجمع المعقول بين الترغيب والترهيب، على أن يكون ميزانهما العدل بما يتطابق مع العمل. فالسياسة مبنية على اساس الترغيب الترهيب. لاسيما وأنهما أصل كل تدبير[16]. وهي حصيلة مبنية على اساس تأمل التجربة السياسية التاريخية للخلافة واستحضار ما هو حي فيها بمعايير الرؤية العقلية الصرف. وليس مصادفة أن نعثر في مفاهيم ومواقف وأحكام الجاحظ على شبه كبير، بل شبه متطابقة مع الآراء التي وضعها الإمام علي بن ابي طالب في رسالته أو وصيته السياسية لمالك الأشتر (النخعي)[17]، وبالأخص ما يتعلق منها بفكرة جعل العدل والإنصاف واحدا تجاه الجميع في الثواب والعقاب، وأن يعرف للجميع منازلهم وأقدارهم، وكذلك مشاورة الخواص[18]. من هنا تحذيره من ظاهرة وسلوك الإفراط بوصفه منافاة للعقل. وكذلك أن يجري فهم المنفعة على أنها محبة، والصدق على انه ثقة، والعدل على انه اجتماع القلوب. وهذه كلها ليست إلا الصيغة العملية السياسية لتحرير النفس العادية ورفع شأنها إلى مستوى النفس الثقافية، أي العاملة بميزان العدل العقلي. مما حدد بدوره المبادئ الكبرى الأساسية لهذه السياسة العملية، حيث حصرها في كل من "تربية النفس على كل أمر محمود العاقبة"، و"تثمير المال آلة للمكارم وعون على الدين"، و"تقدير الأمور على قدر الزمان". بمعنى الربط الدقيق والعملي والعقلاني لتربية الإرادة (النفس)، واستثمار الثروة المادية بالشكل الذي يخدم الكينونة المعنوية للإنسان والمجتمع، وتطبيق ذلك بما يتوافق ويستجيب لمتطلبات الواقع الحي والمباشر. وهذا في كله ليس إلا الحصيلة النظرية المجردة لتأمل التجربة الذاتية للأمة وتهذيب رؤيتها العملية بما يتوافق مع ما ادعوه بعقلها الثقافي التاريخي. وبالتالي، فإن حقيقة الفكرة السياسية الضرورية هي المتنورة بالعقل وآداب الثقافة الذاتية، أي حصيلة التجارب التاريخية الذاتية وتحقيقها في الأقوال والأعمال بالشكل الذي يخدم إصلاح ومصالح الأمة والجماعة والأفراد والدولة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج1، ص95.

[2]  الجاحظ: الحجاب، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج2، ص41-42.

[3]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص99.

[4]  الجاحظ: الفتيا، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964، ج1، ص314.

[5]  الجاحظ: الفتيا، ج1، ص316.

[6]  الجاحظ: الفتيا، ج1، ص316.

[7]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص92.

[8]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص95.

[9]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص96.

[10]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص98.

[11]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص114.

[12]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص115-118.

[13]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص121.

[14]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص123-127.

[15]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص103.

[16]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص105.

[17]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص106-107.

[18]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص108.

 

ميثم الجنابيإن إحدى الأفكار النظرية والعملية الكبرى التي بلورها الجاحظ في موقفه من أهل العلم والمعرفة تقوم في ضرورة مواجهتها للواقع كما هو والعمل على نقده وتغييره بما يتوافق مع مبادئ الفكرة العقلية والالتزام الفردي المحكوم بقيم الحق والحقيقة. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المتسامية لفكرة الاعتدال. إذ لا حق ولا حقيقة خارج الاعتدال. والاعتدال لا متناه في الأشكال. من هنا موقفه المعارض للتقية السياسية والفكرية على السواء. وذلك لأن إخراج الحقيقة في الرؤية والمواقف إلى العلن هو جزء من الحقيقة بل الحقيقة بعينها عندما تكون مهمة المواجهة تجاه الخطأ والخطيئة القضية الكبرى والجوهرية. ونعثر في هذه الفكرة على موقف فكري وسياسي يلازم معنى وحقيقة أهل العلم، أو المثقف الكبير. والمقصود من فكرة الجاحظ هذه وموقفه هو أن رجل العلم والفكر ينبغي أن يبوح بحقيقة أفكاره كما هي. من هنا استفساره النقدي بهذا الصدد عندما قال:"فمتى إذن تزول التقية ويجب إظهار الحق والنصرة للدين والمباينة للمخالفبن؟ أحين يموت الخصم ويبيد أثره ويهلك عقبه ويقلّ ناصره، ويزول جميع الخوف، ويكون على يقين من السلامة. وكيف يكون القائم حينئذ بالحق مطيعا ولله مخلصا؟"[1].

إن أولوية الطاعة للحق، هو الموقف الذي استحكم في ذهنية ونفسية الجاحظ وحكمها على الدوام، بوصفها الصيغة الملازمة لمنطق البحث العقلي عن الحقيقة. وضمن هذا السياق يمكن فهم دفاعه عن علم الكلام، عندما كان البحث عن الحقيقة وتأسيسها في المواقف والعقائد، باعث الإبداع الجوهري فيه. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن أن مهمة الدفاع عن علم الكلام عند الجاحظ مرتبطة بتقاليد مضمون الكلام المعتزلي من جهة، وكونه العلم الذي كان يحمل آنذاك وهج الرؤية العقلية والنقدية، على الأقل ضمن تقاليد المعتزلة بشكل عام والجاحظ بشكل خاص.

وخصوصية الجاحظ بهذا الصدد تقوم، في انه حالما يتناول هذه القضية أو تلك في جميع رسائله وكتبه، فإنه يسعى لإبراز قيمتها الكبرى، كما لو أنها الأهم بين غيرها من القضايا. ذلك يعني، إن كل شيء مهم. ولكل شيء فضيلته. ومهمة أهل العلم تقوم في إبراز ذلك لكي لا تجري الاستهانة بأي مظهر من مظاهر الوجود الإنساني بشكل عام والإبداع الحر بشكل خاص. من هنا قوله "لصناعة الكلام فضيلة على كل صناعة، ومزية على كل أدب"[2].

وقد كانت قضية نقد الغلو والخروج على الاعتدال إحدى القضايا التي نعثر على تناولها المباشر أو تناولها الجزئي وصداها المبطّن في كل ما كتبه. الأمر الذي يشير إلى أولية وجوهرية فكرة الاعتدال في منظومته الفكرية ككل. ونعثر على أهم أفكاره بهذا الصدد في نقد "النابتة" ومظاهرها المختلفة. فقد كانت رسالة (النابتة)، من حيث مضمونها الفكري والتاريخي والسياسي، موجهة أساسا ضد بني أمية. لكنه يجد أصولها ومظاهرها الأولية في صدر الإسلام الأول. وكتب بهذا الصدد يقول عن أن النابتة هم الذين ظهروا بعد الصدر الأول من الإسلام، بالأخص زمن عثمان بن عفان. ولها طبقات، الأولى من عصر محمد حتى نهاية خلافة عثمان. ومن أهم صفاتها آنذاك التوحيد الصحيح، والإخلاص، واجتماع الكلمة[3]. من هنا يمكن فهم موقفه المعارض والتقدي تجاه قتل عثمان، ليس محبة به أو احتراما له، بقدر ما كان موقفه ينبع مما اسماه بأن القتل بهذه الطريقة هو أحد آثار الهمجية[4]. لقد أراد الجاحظ القول، بأن الانتفاض والتمرد هو ليس الحل الأمثل لإحقاق الحق. وبالتالي، فإن الطريق الأمثل للتغيير يقوم عبر الإصلاح وتنوير العقول والقلوب. وهو استنتاج بناه فيما يبدو على تأمل التجربة التاريخية وما أدت إليه من صعود الأموية وظهور مختلف أشكال وأنواع الغلو السياسي والعقائدي والفكري. وليس مصادفة أن يتناول بعد موقفه النظري هذا إلى تاريخ الدولة بعد مقتل عثمان حتى صعود معاوية للسلطة، أو ما يسمى بعام الجماعة. بينما يعتبره هو عام الفُرقة. وكتب بهذا الصد يقول، بأن "العام الذي سموه عام جماعة، ما كان بعام جماعة، بل كان عام فُرقة وقهر وجَبَرية وغَلبة. والعام الذي تحولت فيه الإمامة مُلكا كسرويا، والخلافة غَصْبا قيصريا"[5]. إننا نعثر في هذا التقييم على موقف سياسي عقلاني دقيق وتقييم فكري نظري لظهور وتوسع وتعمق ظاهرة الغلو كما وجدها في سلوك القهر السياسي وتجبّر السلطة واستبدادها، والجبرية السياسية، أي كل ما رافق زمن الهيمنة الأموية. من هنا تقييمه الحاد للأموية كما في حكمه القائل، بأن صعود معاوية للحكم هو "أول كفرة كانت في الأمة".

غير أن نقده للأموية لم يكن مجرد ولع فكري أو استظهار للماضي أو تجيير لمصالح سياسية عابرة، بقدر ما كان يحتوي في أعماقه وتأسيسه وغايته على نقد ظاهرة الغلو الجديدة التي تسحق معالم الفكر العقلي والعقلاني وتدفع الجميع صوب هاوية الانحطاط الذهني والأخلاقي، كما وجدها في ما اسماه بظهور المستوى الجديدة للنابتة. فقد لاحظ الجاحظ  ظاهرة ازدياد تأثير النابتة التي تدافع عن بني أمية. كما نراه يشير إلى أن العوام تتبعها. وربط ذلك بسببين أساسيين وهما كل من انتشار فكرة التشبيه والجبر، وصعود الشعوبية والصراع القومي[6]. بمعنى انه وجد في كل هذا الانحطاط الذي تجّسد في ظهور النابتة الجديدة هو النتاج الملازم للخروج عن الاعتدال الفكري والسياسي. فالتشبيه والجبر يعكسان الصيغة الكبرى للخلاف الفكري والعقائدي في تاريخ الثقافة الإسلامية بين خطين وتيارين في مجال الفكر النظري والعملي، ألا وهما تاريخ الصراع بين التيار الحشوي (المشّبة) والتيار العقلي للمعتزلة الداعي الى التنزيه التام. وترتبط بتيار الحشوية كل مظاهر التشبيه والجبرية وتأييد السلطان وتحويل كل "اجتهادها" إلى احاديث نبوية مزيفة ووضعها ضمن مخزون "أهل السنّة والجماعة" بينما لا سنّة نبوية فيها ولا جماعة. وكلاهما من صنع الأموية القاهرة بعقيدة الجبر الدينية والسياسية. فقد كان سلوك وشخصية أهل التشبيه (التيار السنّي الحشوي). يقوم في عبادته وعبوديته للسلطان والقوة. كما أنه التيار الذي لا يستند إلى العقل والجدل والنقاش، كما يقول الجاحظ. وهذه ملاحظة فكرية مهمة لأنها تحولت إلى جزء من شخصية وتراث التقاليد السنيّة الحشوية. بما في ذلك في العالم المعاصر. انها جزء من هراوة السلطات والاستبداد وقمع الفكر ومحاربة حرية التعبير وازدراء الروح الإنساني. وقد شدد الجاحظ في اشارته على هذه الظاهرة. فعندما كان السلطان إلى جانبهم زمن الأموية، فإنهم كانوا أبواقه وخدمه في الترويج للتشبيه والاستبداد والمجاهرة العنيفة، لكنه حالما تغير مزاج وتوجه السلطة، انقلبوا أو اضطروا للنزال إلى المنازلة الفكرية. من هنا تأكيد الجاحظ على أن ما كتبه بهذا الصدد هو بسبب مهاجمتهم للمعتزلة[7]. من هنا اشارته إلى انه سبق وأن وضع كتابا بهذا الصدد بالرد على آراء الحشوية وتزييف آيات القرآن بسبب عدم تأويلها العقلي. وبالتالي، فإن الغاية من رسالته هذه  تقوم في "المنفعة وإصلاح قلوب العامة"[8]. بمعنى أن غايته الأساسية هي المنفعة وإصلاح القلوب على الأقل. بينما يختلف الأمر بالنسبة لإصلاح العقول، وذلك لأن هذه المهمة تحتاج إلى جهود ومستويات أخرى. من هنا يمكن فهم مقصوده من الفكرة التي وضعها في عبارة وجيزة تقول، بأن ظنّ العاقل كصواب غيره.

وبالمقابل يمكن فهم موقفه المؤيد (شأن المعتزلة ككل) لمن يدعوهم بالحكام المتنورين على خلاف وتناقض مع الحشوية[9]. وبأثر ذلك بلور حكمه القائل، بأن النابتة التي لا تسمح بمهاجمة ولاة السوء. وذلك لأن فعل كهذا يؤدي إلى الفتنة. واعتبره كفر أكبر من كفر يزيد بن معاوية وأبيه[10]. من هنا مهاجمته الشديدة لنابتة عصره المدافعين عن الأموية من جهة، ووقوفه إلى جانب البيت العلوي، من جهة أخرى[11]. وبأثر كل ذلك يمكن فهم الأسباب الكامنة وراء تقيمه العالي لشخصية عبد الله بن عباس[12]. وذلك لأنه وجد مأثرته هنا في أسلوبه للتأويل العقلي الذي أدخله إلى علم التفسير والموقف من القرآن. فالجاحظ يعتبر علوم القرآن والسنّة النبوية من أرفع العلم وأشرف الفكر[13]. وهذا بدوره ليس تفضيلا مطلقا، بقدر ما يعكس موقفه الذي أشرت إليه في البداية من أن كل العلوم والفنون والإبداع الإنساني لها قيمتها الكبرى بالنسبة له حالما يجري تناولها بانفراد.

أما لماذا جعلت الحشوية من التشبيه عقيدة، مع أنها مخالفة لأبسط مقومات العقل وقواعد المنطق العقلي، فلأنها بلا عقل. ومن هنا أيضا كرهها للمنطق والفلسفة. إنها تعكس نمط من الذهنية البدائية المبنية على أساس التمسك بأقوال السلف والنصوص "المقدسة" بعد أن تكون قد رفعتها في تصوراتها إلى مصاف "المصدر الوحيد للحقيقة". مع إن كل ما فيها أشياء تقترب من حيث الجذر والأصل والأسلوب إلى مستويات البلادة والغباء والجهل. والشيء الوحيد "الحي والفعال" فيها هو الاستعداد لنقل النصوص. وهذه مهمة يمكن أن يؤديها الأطفال والمجانين إيضا!

أما السبب الثاني المتعلق بصعود الشعوبية، فإنه استفز مشاعر العرب، الذي وجدوا في الأموية "أكثر عروبة" من العباسية. وقد اعتبر الجاحظ هذه الرؤية شيئا لا علاقة له بالعرب والعروبة والعزة القومية. وليس مصادفة أن تنتشر بين العوام. كما إنها الوجه الآخر للشعوبية التي تمثلت أرذل ما في الفكرة القومية من خلال جعلها أسلوبا للاستفزاز والانتقام والتشفي. ومن ثم تحتوي في ذاتها وتختزن كل قبح الآثام المترتبة على انعدام الرؤية العقلية والعقلانية والإنسانية. وبالتالي، ليست هي سوى الصيغة المعبرة عن الغلوّ ومن ثم انعدام الاعتدال فيها.

وبالمقابل دعا إلى أن يكون الرد القومي ثقافيا. ليس ذلك فحسب، وسعى إلى أن يكون الرد الثقافي عقلانيا أيضا. وإن الرد العقلاني ينبغي أن ينفي إمكانية ظهور وترسخ مختلف مظاهر ومستويات السخافة العقلية في مواجهة سخافة العقول والعقول الموتورة بالفكرة القومية ونفسية التشفي والانتقام التي وجدت تعبيرها آنذاك في الشعوبية.

كل ذلك يكشف عما في فكر ومنهج الجاحظ من تأسيس شامل لفكرة الاعتدال، بوصفه الصيغة النظرية لكل ما بإمكانه أن يؤدي إلى تكامل النفس الفردية والاجتماعية والأمة والدولة بمعايير العقل بشكل عام والعقل الثقافي بشكل خاص، أي ذاك الذي تتراكم قيمه ومفاهيمه وأحكامه ومواقفه بمعايير التجربة الذاتية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1]  الجاحظ: نفي التشبيه، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964ج1، ص287. وقد كتب الجاحظ رسالته (في التشبيه) إلى محمد بن احمد(ت-239) قاضي بغداد زمن المتوكل. كما كتب له رسالة (النابتة). وكانت الكثير من رسائله مكتوبة لرجال الدولة من أمراء وقضاة ووزراء وغيرهم. بينما كانت كتبه الأخرى ورسائله موجهة للجميع. انه أراد إيصال الفكرة للنخبة السياسية والحكومية وللجمهور. وتعكس هذه الظاهرة بدورها طبيعة العلاقة بين أهل العلم أو المثقف الكبير مع السلطة والمجتمع. كما تعكس واقع استفهام واستفسار رجال الدولة ومؤسساتها عن الكثير من القضايا الفكرية. ومن ثم تكشف عن إنهم يقرءون ما يكتب رجال العلم والمعرفة، على عكس ما هو مميز لأزلام السلطة، الذين لا تتعدى مصادر معارفهم الكتابات الصحفية المسطحة والسخيفة والمرتزقة، كما هو سائد في العالم العربي المعاصر. لقد كانت هموم رجال المعرفة والعلم تتركز حول قضايا الحق والحقيقة وتأسيسهما النظري والعملي، بينما مهمة أهل الصحافة المأجورة هو مسح أحذية السلطة وأزلامها، ولحس ما تحتها والتلذذ بهذه المهمة!

[2]  الجاحظ: في نفي التشبيه، ج1، ص285.

[3]  الجاحظ: في النابتة، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج2، ص7-8.

[4]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص9.

[5]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص11.

[6]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص20-21.

[7]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص288.

[8]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص291.

[9]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص292.

[10]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص14.

[11]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص12-13.

[12]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص300.

[13]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص300.

 

 

محمد بنيعيشأولا: الأسس المنطقية للحضارة وحصر الأقيسة

إن الأسباب وراء تقدم حضارة أو تخلفها، في شكلها الإنساني وليس المادي أو العمراني المحض، لا تعدو أن تحصر طبيعتها في شكلين:يعرفان عند المنطقيين بالقياس الشرطي المتصل والقياس الشرطي المنفصل.

إذ الأول لا يقبل وجود وسائط للوصول إلى النتيجة، لأنه عبارة عن امتناع شيء لوجود شيء حال دونه وتحقيق غايته أو حضوره، أما القياس الشرطي المنفصل فإنه يحتاج إلى سبر وتقسيم وهو بدوره يحتاج إلى استقراء كلي يصعب نيله أو تحقيقه، اللهم إلا في بعض القضايا النظرية التي تعتبر من أوائل العقل وبديهياته!

إن موضوع الدراسات النفسية والأخلاقية عند المسلمين وعلاقتها بالمسار العام والسليم للحضارة الإسلامية، بل الإنسانية عموما، ليأخذ صورة القياس الأول، أي الشرطي المتصل بالدرجة الأولى.

إذ أن معرفة النفس يضادها مباشرة الجهل بها، فلولا معرفة الإنسان لنفسه لما حدد دوافع نشاطه وسلوكه ولما أنجز مجتمعا راقيا وواعيا بذاته وبغيره، ولهذا فإن علم النفس عند المسلمين كان ملازما ذاتيا وشرطيا متصلا بحضارتهم .

هذه المعرفة النفسية أيضا لها ملازم شرطي آخر يتفاعل معها جوهريا ويمثل عنصرها الأساسي وجانبها العملي الذي هو الحضارة بعينها، هذا الملازم يتحدد في الأخلاق وحسنها، وعندها يبدو القياس الشرطي المتصل مستقيما وواضحا من ناحية تطبيقاته العملية، يمكن أن نصوغه كالتالي:

أ) لولا علم الأخلاق لما كانت للمعرفة النفسية قيمة...

ب) لكن الأخلاق موجودة

ج) إذن فعلم النفس له قيمة

هذه الأخلاق لها ملازم شرطي في داخلها، لأنها تنقسم إلى الشيء وضده وهو: الفضيلة والرذيلة، والملازم هنا في امتناع وجود شيء بسبب وجود شيء آخر معترض مسألة بديهية، ولا يوجد مشترك أو حد وسط بين القسمين، لأنه إذا وجدت فضيلة امتنع وجود رذيلة وإذا وجدت رذيلة امتنع وجود فضيلة، ولا مكان لشيء اسمه فضيلة رذيلة، أو لا رذيلة ولا فضيلة...

هكذا إذن، حينما نتعقب التسلسل المنطقي والعلمي فإن القياس سيفضي بنا إلى القول بأنه: لولا وجود العامل الخلقي عند المسلمين لما كانت هناك حضارة إسلامية، لكن الأخلاق وجدت فالنتيجة هي أن الحضارة موجودة!

إن هذه النتيجة كانت الحافز وراء اختياري المتواضع لهذا الموضوع الهام جدا، والمطلب العام لكل البشر ذوي الضمائر الحية والناشدة لكمالها الخاص ومهد سعادتها.

فمن العادة النفسية أن الشيء كلما قرب من الشخص ولامسه إلا وقل اهتمامه به والبحث فيه، لكنه بقدر ما ابتعد عنه واختفى عن حواسه، ولو لم يكن ذا مطلب ملح وضروري في حياته العامة، فقد يسعى إلى تفقده والإلحاح بالسؤال عنه وإعطاء تصورات حول طبيعته وقيمته ...إلخ

ففترة ما قبل القرن الخامس الهجري كان الجانب النفسي والأخلاقي فيها لا يشكل مدعاة للبحث والتنقيب بصورة مكثفة، ولئن كانت بوادرها قد أخذت تطفو على المجال العلمي بعد القرون الأولى من الهجرة إلا أن اهتمام الباحثين حينذاك كان في أغلبه نظريا وذا غاية معرفية فكرية أو فلسفية محضة، أو حتى ذات أبعاد فقهية تتعلق بأحكام الأخلاق قبل حكمتها.

لكننا ونحن نطل على القرن الخامس الهجري إذا بنا نجد تحركات غير عادية، وبحوثا مكثفة، واتجاهات مختلفة المشارب ومتحدة الغايات من تناول الجانب الأخلاقي والنفسي على نطاقه الواسع وبعمق، عز نظيره في تاريخ التنظير سواء من قبل أو من بعد.

كما أن الدراسة لم تعد تقتصر على اعتبارها مجرد ثقافة تكميلية أو ترفيهية لهذا العالم أو المفكر أو ذاك، ولكنها ستأخذ أبعادا تجريبية وعملية واستكشافية لغايات تصحيحية ووقائية وبالتالي ذات مناحي علاجية وإصلاحية...

في هذا القرن بالذات سيبرز على الساحة بصورة مثيرة ومؤثرة شخصية علمية تحمل هم الأمة بشكل جدي ما بعده من جدية، وبعنف إصلاحي ما بعده من عنف ؛عنف الحقيقة والمصلحة العامة وعنف الرحمة والمعرفة، عنف يختلف كليا عن المظاهر المألوفة له ويحوله إلى رفق ولين وترويض للذات لكي تنال سعادتها وتسعد غيرها، من غير شوائب ذاتية أو نزعات سلطوية واستقطابية، وإنما هي كيمياء رفيعة المستوى وثمينة المحتوى وخالية من خواطر النفس والهوى...

هذه الشخصية لقبت في زمانها بحجة الإسلام وكتب عنها أصحاب الأقلام وتناولتها بالتحليل وأفانين الكلام ...إنه أبو حامد الغزالي الطوسي الخراساني، مجدد القرن الخامس الهجري كما يعرفه المؤرخون ويقيمون أعماله وما قدمه للعالم الإسلامي من دراسات وعلوم، كان على رأسها: علم النفس والأخلاق؛ بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى وما يتضمنه من تخصص وعمق وسبر لأغوار السلوك الإنساني وخلفياته.

ثانيا: الغزالي بين النشأة والثورة النفسية على زيف المظاهر

قبل الشروع في كشف اللثام عن بعض الجوانب من شخصية الغزالي النفسية سيكون من اللازم كتقليد علمي التعرض ولو بإيجاز شديد وعلى شكل ديباجة إلى نشأة هذا المفكر أو العالم مع تحديد فترة ولادته وظروفه الخاصة.

فالغزالي كما يؤرخ له إسما ونسبا هو:محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي أبو حامد الغزالي ...

ولد في الطابران من جهة طوس سنة 450هـ، و كان أبوه رجلا فقيرا من الذين يغلب على حالهم الصلاح والعفاف، كما أنه كان يعمل في غزل الصوف، حيث قد غلب عليه لقبه من خلال مهنته، في حين كان يحب أهل العلم ومجالسة أهل الفقه والاجتهاد ويسعى في خدمتهم، حبا وتمنيا للحاق بهم بشكل أو آخر، حتى إنه كان يتضرع إلى الله تعالى من أجل أن يرزقه ولدا يكون من العلماء في مثل الذين يجالسهم.

فلقد حقق الله له دعوته ورزقه ولدا لم يستطع رؤية ثمرة دعوته فيه، بحيث سيتوفى عنه وهو مازال صغيرا، ولكنه لم تفته الفرصة لأن يوصي به ومعه أخاه أحمد إلى رجل صالح وصوفي ليتولى رعايتهما والسهر على تربيتهما.

فكان من حسن طالعهما أن التركة التي تركها لهما والدهما نفذت قبل كمال نضجهما، فنصحهما باللجوء إلى مدرسة توقف عليها الأرزاق ويتعيش منها طلبة العلم1 .

هناك سيتابع الغزالي مسيرته نحو التألق والتطلع للتحصيل؛ومن بعده للبروز كطالب متميز ونجيب حتى وصل إلى مستوى التتلمذ على يد إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، الذي سيكون عاملا رئيسيا أو ممهدا قويا لربط علاقته برجال السياسة وبالتالي وصول صداه إلى الوزير نظام الملك في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله، بحيث سيفوض له التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد من سنة 484هـإلى 488هـ.

بهذا سيرتقي الغزالي سلم التواصل الاجتماعي إلى أن يصير ذا ثقة كبيرة لدى لخليفة نفسه، كما ستصبح له اليد الطولى في اتخاذ القرار وفرض رأيه وإسماع علمه وآرائه من عدة تخصصات وفنون، بل سيصير فكره خطابا رسميا للدولة والمعتمد في الرد على رؤوس الفتن ومحاربتهم بالقلم واللسان، كان من أبرز ما ألفه في هذا المجال كتابه المشهور والمسمى على إسم الخليفة نفسه:المستظهري أو فضائح الباطنية...

لكن سرعان ما سيتغير حاله بعد هذا التألق وسيسعى إلى التخلص من هذه الرسميات التي تكبل فكره وسلوكه معا، وذلك بهجرانه العملي للأجواء التي كان ينعم بها ظاهريا بينما تشقيه في نفسه باطنيا!

هكذا إذن وباختصار سيلجأ الغزالي إلى التصوف كمدرسة نفسية وأخلاقية ذات أبعاد علاجية من الأمراض المزمنة والدفينة، والتي قد لا يشعر بخطورتها أكابر العلماء بله الأغمار والعامة من الناس، كما يعبر عنهم في شتى كتاباته.

في حين كان الكل يظن أن أعلى المناصب الدينية هي ما وصل إليه من شهرة وبروز على المنابر والمجالس الرسمية، وإلقاء للدروس وغيرها من المظاهر التي يظن أنها هي عين الحظوة الدينية، حتى إنه قد دون الجدل الذي دار حول هجرته لدار الخلافة بهذا الإصرار والعنف الذي لا يرتجى معه مراجعة فيقول:

"...وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام، حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي المقام بالشام، فتلطفت بطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم ألا أعاودها أبد، واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من العلم، ثم ارتبك لناس في الاستنباطات وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان من استشعار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة وكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون هذا أمر سماوي وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم، ففارقت بغداد..."2 .

فلقد كانت تلك المفاوز الشكلية التي يتهافت عليها الناس من عامة وعلماء في نظر الغزالي تمثل مسلكا إلى الهلاك والتغرير والعجب والكبر، وما إلى ذلك من المهلكات النفسية والمدمرة للعمل الديني وصرفه عن صورته المخلصة، وهو ما سيسطره كسيرة ذاتية وتعبير صادق وصريح يمثل مادة معرفية ودراسة نفسية إنسانية تقول وتعمل بما تقول بل تعيش وجدانيا ما تقوله وما تعمله! .ومن هنا فقد كان الغزالي يؤسس لثورة عالمية عملية في مجال السلوك والأخلاق ولم يكن مراوغا أو مغررا أو عقلا مستقيلا كما يزعم البعض، وإنما هو ملتزم بالموضوعية الشرعية والعلمية التي تقول كما في الحديث النبوي الشريف:"ابدأ بنفسك ثم...".سنرى لاحقا ما سينتجه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

......................

1- ابن تقي الدين السبكي :طبقات الشافعية، المطبعة الحسينية الكبرى بمصر ط1ج4ص103

2- ابو حامد الغزالي:المنقذ من الضلال مكتبة الجندي مصر ص48

 

ميثم الجنابيلكل ثقافة كبرى حدودها ومرجعياتها، تماما كما أن لكل ثقافة من هذا القبيل شخصياتها المتميزة ومدارسها، التي تطبع بطابعها إما إحدى سماتها الكبرى أو حقيقتها الجوهرية. وقد كان الاعتزال الإسلامي من بين مدارس الثقافة العربية الإسلامية التي عبّرت عن حقيقتها الجوهرية. بمعنى انه تمّثل ومثّل بقدر واحد نزوعها العقلي النقدي وتوجهها الإنساني. وقد احتل الجاحظ موقعه في سلسلة الشخصيات الكبرى للاعتزال ومدارسه بتمثّله المبدع لهذا النزوع والتوجه. بمعنى انه الشخصية الكبرى ليس ضمن تقاليد الاعتزال فقط، بل وضمن تقاليد الثقافة الإسلامية ككل ممن كان صوته العقلي النقدي ممزوجا بنزوع إنساني رفيع المستوى وعميق المحتوى. بل يمكننا القول، بأن آراء ومواقف الجاحظ هي ليس فقط تجسيدا حيا للروح النقدي تجاه كل شيء، بل وتأسيسا منطقيا ووجدانيا للفكرة الإنسانية. الأمر الذي جعل من العقل النقدي عنده أداة لتوسيع وتعميق الروح الإنساني. ومن الممكن العثور على هذه الحالة الفريدة والراقية أيضا في كمية ونوعية الرسائل التي وضعها بهذا الصدد مثل رسالة (مناقب الترك وعامة جند الخلافة)[1]، وكتاب (فخر السودان على البيضان) وغيرها.

وليس مصادفة أن يحتل نقد الفكرة الشعوبية موقعه الخاص هنا أيضا. وذلك لأنه وجد فيها أحد المظاهر المخربة لفكرة الوحدة، وأولوية الدولة، ووحدة النوع الإنساني وطابعه الملزم في الأمة الإسلامية. ولا يغير من ذلك شيئا، حتى فكرة أولوية ورفع شأن الحق والحقيقة في حالة تجييرها لمصالح جزئية أو رؤية عقائدية ضيقة. فقد كان الفرس يتحدثون عن أنفسهم، بأثر انتصار العباسية وزوال الأموية بالشكل التالي:"نحن النقباء أبناء النقباء، ونحن النجباء أبناء النجباء، ومنا الدعاة قبل أن تظهر نقابة، وقبل المغالبة والمباراة، وقبل كشف القناع وزوال التقية، وزوال ملك اعدائنا عن مستقره وثبات ملك أوليائنا في نصابه. وبين ذلك ما قتلنا وشرُدّنا ونهكنا ضربا وعذبنها بألوان العذاب"[2]. وأضافوا لهذا الانتصار أبعاده العقائدية التي لا تخلو من سلامة العقل والوجدان، لكنه يخلو من فكرة التوحيد الضرورية بالنسبة للدولة والأمة. فقد قالوا بهذا الصدد ما يلي:"وبنا شفى الله الصدور واُدرك الثأر. ونحن أهل هذه الدولة، وأصحاب هذه الدعوة، ومنبت هذه الشجرة، ومن عندنا هبت هذه الريح"[3]. و" نحن على وتيرة واحدة تعرف بالشيعة، وتدين بالطاعة ونقتل فيها ونموت عليها. ونحن أصحاب الرايات السوداء والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، الذين يهدمون مدن الجبابرة وينزعون الملك من أيدي الظلمة"[4].

إننا نعثر في هذه النصوص على تداخل أفكار متعارضة ومتضادة، رغم وحدتها الداخلية بمعايير الانتماء السياسي والعقائدي. ولعل نقصها الجوهري هنا يقوم في تشبعها الباطني ببقايا الشعوبية وفكرة "الانتقام". ومن ثم رفع شأن تقييم النفس بالشكل الذي يتعارض مع فكرة الاعتزال ومجرى المسار التاريخي الفعلي لما ادعوه بصيرورة وتكامل النفس الإنسانية في الثقافة العربية الإسلامية. وضمن هذا السياق يمكن فهم ايراد الجاحظ للفكرة القائلة، بأن السبب الأساسي القائم وراء توجه الحركة العباسية صوب إيران في مجرى الصراع ضد الأموية، هو كونها المكان الذي خلى آنذاك من تأثير مختلف التيارات المتنازعة والمعارضة للتيار الشيعي العلوي. فقد كانت البصرة لعثمان، والشام لبني مروان، والجزيرة حرورية شارية (خوارج)[5]. لهذا ينسب إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (مؤسس الدعوة العباسية) قوله:"أمرنا هذا لا شرقي ولا غربي.... يطلع كطلوع الشمس ويمتد على الآفاق امتداد النهار"[6]. بمعنى انه إسلامي خالص ولا ينتمي لجهة أو فئة أو قوم معين لحاله فقط. بل هو محكوم بما فيه من مبدأ إعادة الحق إلى نصابه عبر إزالة الأموية بوصفها القوة التاريخية التي حرفت مسار الإسلام الحق. لكن هذه بدورها مجرد صيغة أيديولوجية ودعائية صرف. غير أنها تحتوي على بُعدٍ جديد سوف تظهر معالمه وآثاره ونتائجه الكبرى لاحقا عندما تحولت مرجعيات الثقافة العربية الإسلامية زمن الخلافة العباسية إلى ميدان تفتح وتوسع المرجعيات الثقافية الإسلامية بشكل هائل، مع ما ترتب عليه من تحولها إلى ثقافة كونية وإمبراطورية ثقافة.

وقد تمثل الجاحظ المسار الجديدة للثقافة العربية الإسلامية من خلال توليف الأبعاد العقلية النقدية والروح الإنساني، بوصفه النفي الأدبي لمختلف مظاهر الضيق القومي والفئوي والفِرقي والمذهبي. من هنا دفاعه عن الجميع، كل بقدر ما فيه من طاقة وتميز خاص لرفد فكرة الوحدة والوئام. لهذا ركز على القيمة المتميزة للأتراك بوصفهم القوة المقاتلة والتربية والمتدبرة لفنون القتال. ومن ثم إمكانية استعمالها لما يخدم مصالح الدولة والوحدة والإسلام. ووضع هذه الحصيلة في صلب نقده ونفيه لكل ما يتعارض معها بالانتقاص من الأتراك كقوم. لقد أراد القول، بأن للأتراك فضيلة كبرى، هي جزء من صيرورتهم التاريخية وكينونتهم الثقافية. بمعنى انها خصلة جوهرية من خصالهم الكبرى مقارنة بالأمم الاخرى. ومن ثم ينبغي فهم محدداتها وقيمتها ومآثرها ضمن هذا السياق. وفي الوقت نفسه لم يجعلها قيمة مطلقة. من هنا مقارنته إياهم، في ميدان القتال، مع الخوارج. واستشهد هنا بكلمات حميد بن عبد الحميد الطوسي القائل[7]، بأنه يفّضل في حال الحرب أن يلاقي مائة تركيا من أن يلاقي مائة من الخوارج، على عكس القواد الآخرين[8]. لكنه كان يقرّ بقوة الأتراك وشجاعتهم في القتال. وقد حدد الجاحظ الصفات الأساسية للخوارج في كل من صدق الشدة من اول وهلة من اجل بلوغ الهدف؛ والصبر على القتال؛ وقدرتهم على بلوغ ما يسعون إليه بالتخلص من مكائد العدو؛ وخفة الأزواد وقلة الأمتعة، فهم "كالطير لا تدخر ولا تهتم لغد. ولها في كل أرض من المياه والأقوات ما تبتلغ منه. وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرّب منها البعيد"؛ ولا يمكن بالتالي إرسال جيشا خفيفا لمقاتلتهم. فمائة جندي لا يمكنهم مقابلة مائة خارجي، وأخيرا، إن الخارجي يقاتل لاعتقاده بأن "القتال دين، على عكس التركي الذي يقاتل من أجل السلب"[9]. والفكرة الأخيرة لا تنتقص من بطولة وبسالة وجرأة الجند الأتراك في القتال. فلكل منهم تقاليده الثقافية والروحية والأخلاقية بهذا الصدد.

وطبق هذه الفكرة تجاه موقفه المدافع عن السودان (بمن فيهم الزنج والعبيد آنذاك)[10]. فقد أورد الجاحظ الكثير من الشخصيات الكبرى والمهمة في تاريخ الإسلام من ذوي الأصول السوداء، مثل سعيد بن جبير، الذي قتله الحجاج الثقفي سنة 95، وبلال الحبشي، والمقداد، ووحشي بن حرب الحبشي (قاتل مسيلمة) وكثير غيرهم. بل نراه يشدد عل ما يدعوه بصفاتهم المتميزة مثل الشجاعة، والقوة، وحسن الخلق، وطيبة النفس، وحسن الظن[11]. كما انتقد الانطباع والحكم المسطح والقائل، بأن تميز الزنوج بالسخاء هو بسبب قلة العقل. لهذا نراه يؤكد العكس تماما. حيث شدد على انه لو كان الأمر كذلك، لكان الصبي أكرم خصالا. بينما نحن نعرف بأن الأمر ليس كذلك، بل وعلى العكس. واستند الجاحظ في موقفه واستنتاجه هذا على "القياس الصحيح". بمعنى إن "قلة العقل لا يمكنها أن تكون سببا للسخاء"[12]. ثم استطرد وأسهب بهذا الصدد من خلال الكشف عن قيمة السودان وفضائلهم على مثال الطبيعة والحيوان والنبات. لقد أراد القول، بأن الحكم على الإنسان استنادا إلى بشرته هو عين الجهل والسخف. وأن لون السواد في الطبيعة والحيوان والنبات تبرهن على جماله وقيمته.

إن الحصيلة الأساسية والتأسيسية في فكر الجاحظ النقدي تجاه مختلف أشكال الانغلاق والتفاخر المفتعل وذم الأقوام والإنسان لاعتبارات لا علاقة لها بحقيقتهما هو دليل على سخافة العقل وانعدام الرؤية الإنسانية، أي افتقادها إلى كل ما يشكل مضمون وحقيقة الإنسان نفسه. لقد كانت مساعي الجاحظ بهذا الصدد تقوم في البحث عن الوحدة والوئام، كما نراه في مضمون رسائله عن الترك والسودان وغيرهم. من هنا توكيده على انه لا يسعى لتفضيل أحد على آخر، بل لجمع قلوب الجميع[13]. من هنا وقوفه بالضد من كل ما يرمي إلى "الجدال والهراء واستعمال الهوى"[14]. من هنا اعتباره مهمة "زيادة الألفة إن كانت مؤتلفة" المهمة الأساسية. ومن ثم استكمالها بالسعي "لاتفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم ولتسلم صدورهم". وبالتالي محاربة مختلف الأباطيل والأوهام والشبهات المزورة. وذلك لأن "المنافق العليم، والعدو ذو الكبد العظيم، قد يصوّر لهم الباطل في صورة الحق، ويلبس الاضاعة لباس الحزم"[15].

ووضع كل ذلك في ما يمكن دعوته بتأسيس مهمة البحث عن الجمعية الإنسانية وفضائل الأمم في خصائصها الجوهرية. وقدم بهذا الصدد تصنيفه الخاص للأمم وتميزها بالفضائل. وأشار أساسا إلى خمس أمم كبرى وهي كل من أهل الصين واليونان والفرس والعرب والأتراك. واعتبر من ميزات أهل الصين وخصائصهم الصناعة. بينما اليونانيون للحكمة، والفرس للسياسة، والأتراك للقتال، والعرب للغة والشعر[16]. ولم يقصد هو بذلك الطابع المطلق لهذه الصفات في هذه الأمم، بل إشارة إلى ما هو أكثر جوهرية فيها آنذاك. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "ليس انه ليس في الأرض تركي وهو كما وصفنا، كما انه ليس كل يوناني حكيما، ولا كل صيني غاية في الحذق، ولا كل اعرابي شاعرا فائقا. ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعمّ وأتّم، وهي فيهم أظهر وأكثر"[17].

ذلك يعني انه يجد في العرب قوة وفضائل ثقافية محض شأن اهل اليونان. وذلك لأنه طابق فضائلهم الجوهرية مع ابداع العقل والوجدان. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "العرب لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، والشمائل والهمة، وفي الأنفة والحمية، وفي الأخلاق والسجية. فسبكوا سبكا واحدا، وأفرغوا إفراغا واحدا. وكان القالب واحدا فتشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط، وحين صار ذلك اشد تشابها في باب الأمم، والأخص في باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب. وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتى تناكحوا عليها وتصاهروا من اجلها"[18].

ودفع هذه الفكرة صوب غايتها النهائية، ألا وهي الكشف عن أن الصيرورة التاريخية الخاصة للعرب جعلتهم أمة ثقافية، أي ليست عرقية. وهذا جزء من صيرورتها التاريخية الطبيعية. فإذا كان الماء والطين يختلف في أشكاله ومحتواه، مثل أن يكون طمى الأرض، والحجر، والياقوت، والذهب[19]، فإن أصولهم في نهاية المطاف واحدة. لاسيما وأن الله خلق آدم وحواء من الطين[20]. ونفس الشيء يمكن قوله عن حقيقة العرب والعربي. وقدم الجاحظ هنا إحدى الأفكار الثقافية العميقة في تناوله لشخصية الموالي. فالمولى عربي من جهة العائلة، كما يقول الجاحظ. [21]. وبالتالي، فإن الجميع، من وجهة نظر الجاحظ، في نهاية المطاف عرب. فإذا "كان الخراساني مولى، والمولى عربي، صار الخراساني والمولى والعربي واحدا"[22]. وهذه بدورها ليست إلا حصيلة التأمل والتأسيس العقلي والإنساني في موقفها من كينونة العرب الذاتية، أي كل ما أدى إلى أن تصبح فكرة الأمة الثقافية (للعرب) هي فكرة الروح الأدبي العربي والنفس الثقافية.

***

ا. د. ميثم الجبابي

........................

[1] كتبها إلى ابي الفتح بن خاقان وزير المتوكل العباسي، الذي قتل لاحقا مع المتوكل. وكان أديبا وشاعرا. أما العبارات التي يتقدم بها الجاحظ في رسالته المثمنة لشخصية بن خاقان في دفاعه وخدمته للخليفة والسلطة، فإنها لم تكن جزءا من تقاليد الخضوع والخنوع المميزة للكثير من كتّاب المرحلة، بقدر ما كانت تحتوي في أعماقها على إدراكه الخاص لقيمة وأهمية الدولة المركزية القوية، التي كانت تتآكل آنذاك. من هنا حديثه عن قيمة وأهمية الجيش من جهة، والدفاع عن مناقب الترك بوصفهم قوة عسكرية، من جهة أخرى. ليس ذلك فحسب، بل ووضع مناقب الترك ضمن الرؤية العامة لما اسماه "بكافة جند الخلافة" (الدولة).

[2]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص14.

[3]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص14-15.

[4]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص15.

[5]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص16.

[6]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص17.

[7]  أحد كبار قادة جيوش الحسن بن سهل في خلافة المأمون. وكان ذا قوة وبطش وشجاعة في الحرب. لهذا كان المأمون ينتدبه للمهمّات الصعبة.

[8]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص41-43.

[9]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص51-52,

[10]  تستمد أفكار الجاحظ هذه، مقوماتها من جوهر الفكرة الإسلامية لكنه يؤسسها ضمن سياق التطور التاريخي الثقافي للخلافة. كما انه يبلوها بمعايير الرؤية العقلانية للمعتزلة ومنظومته الفكرية المبنية على اساس الرؤية العقلية النقدية ونزوعها الإنساني. من هنا تحررها من جميع أشكال الأحكام النمطية الساذجة والسيئة. ووضع بالضد منها منهج إدراك حقائق الأشياء بعيون العقل النقدي والنزعة الإنسانية. من هنا الطابع الرفيع المتسامي لموقفه من الشعوب والأمم والأقوام والبحث فيها عن فضائلها الخاصة التي تشكل بمجموعها وحدة الفضائل الإنسانية. وبهذا المعنى يكون الجاحظ قد ارتقي حتى على الكثير من الأفكار التقدمية والثورية الحديثة والمعاصرة. كما نعثر فيها على نفي لكل تلك "الاجتهادات" الغبية التي لازمت مسار وتطور الثقافة الأوربية في مجرى وضعها للكثير من العقائد والأيديولوجيات غير الإنسانية والوحشية "المتمدنة".

[11]  الجاحظ: فخر السودان على البيضان، ، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج1، ص177-185.

[12]  الجاحظ: فخر السودان على البيضان، ج1، ص196-197.

[13]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص36-37.

[14]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص30.

[15]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص29.

[16]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص 67

[17]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص73,

[18]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص11.

[19]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص33.

[20]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص32.

[21]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص31.

[22]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص34.

 

 

ميثم الجنابيعادة ما ترتبط ذكرى الشخصيات العلمية والفكرية الكبرى بكتاب ما معين. ومن ثم ترابط شهرتها به. وهو ترابط أقرب ما يكون إلى العقدة الخفية أو السر المجهول أو المصير الجميل لكليهما. وبغض النظر عن اختلاف تفسير هذه العلاقة أو تنوع تأويلها، فإن تلازمهما ليس صدفة طارئة أو حالة مفتعلة. ففي هذه العلاقة يكمن أولا وقبل كل شيء الحدس المختفي وراء وحدتهما الداخلية، باعتبارها تاريخ العلاقة الذاتية للفيلسوف وفلسفته، والأديب وأدبه.

وقد جمع الجاحظ في اغلب مؤلفاته بين هذين الجانبين، غير أن كتاب (البيان التبيين) يبقى النموذج الذي حقق فيه أحد النماذج الرفيعة لوحدة الرؤية الفلسفية والأدبية وغايتها العملية. ومع انه يحتوي على مختلف صنوف الأدب والتفلسف والجدل والرواية الشعرية والأدبية والخطابية والنوادر والنكت وكثير غيرها، إلا أن ما يجمع كل هذه الفنون وغيرها هو تأسيس وعي الذات العربي الأدبي[1]. بمعنى الكشف عما يمكن تسميته ببلاغة الروح الأدبي. وهذه بدورها حلقة ومستوى وجزء من صيرورة الروح الثقافي للخلافة، أو ما يمكن دعوته بإمبراطوريتها الثقافية. بعبارة أخرى، إن الجوهري فيه ليس نظرية الأدب والشعر والخطابة، رغم إننا نعثر فيه على الكثير من أجنتها الأولية، بل تأسيس مرجعية النفس الثقافية.

إن تأسيس مرجعية النفس الثقافية، أي مرجعية رفع العقل والوجدان الفردي والاجتماعي إلى مصاف الرؤية الثقافية الخالصة والبقاء في الوقت نفسه ضمن حدود الانتماء الذاتي، هي الغاية الفعلية التي وضعها ودققها وحققها في (البيان والتبيين). لقد كشف فيه عن بلاغة الثقافة العقلية والوجدانية والقومية وتبيان أصولها وجذورها وحقيقتها في مواجهة النفس أولا وقبل شيء. ومن خلالها مواجهة كل تلك الحالة التاريخية الشاذة التي ميزت ظاهرة الشعوبية آنذاك.

وقد بنى هذه الرؤية والمواقف العقلية والأدبية الرفيعة على أسس العقلانية الثقافية، التي ميزت تاريخ المعتزلة وتقاليدها. ومن ثم سعى لأن تكون بلاغة الروح القومي الثقافي بيانا للنفس وتبيانا للحقيقة. من هنا إعارته الاهتمام الأكبر لقضية البلاغة، في مجرى الجدل والصراع ضد الشعوبية، من اجل الكشف عن جدواها وقيمتها وأهميتها بالنسبة للروح القومي. ومن ثم واجه من خلالها وفي مجراها قضية الإبداع الحر والبقاء ضمن حيز الكينونة الثقافية للأمة. وبالقدر نفسه كان المظهر الأدبي والبلاغي والبياني المعّبر عن تقاليد وتوسع الأبعاد الثقافية في الحضارة العربية الإسلامية. ومن ثم تعزيز مرجعياتها الذاتية الخاصة في النفس الفردية والاجتماعية والأمة ككل، بوصفها فلسفة النفس الثقافية (العربية الإسلامية). وليس اعتباطا أن يبدأ الجاحظ تقديمه (للبيان والتبيين) بالحديث عما اسماه بفتنة الكلام والعمل. فهي المعايير التي تكشف عن حقيقة الأقوال والأفعال أو العلم والعمل[2]. كما انه ليس مصادفة أن يبدأ بإظهار أهمية "البيان والتبيين" انطلاقا من أقوال الشعر العربي أولا والقرآن ثانيا.

إننا نقف هنا أمام رؤية تنطلق من الشعر بوصفه الصيغة الأدبية الراقية و"ديوان العرب" وخزين حكمتهم ورؤيتهم ومواقفهم، ومن ثم تعبيره عن ماهية وحقيقة الروح العربي. وهي الفكرة التي سيضعها لاحقا في اساس الخصوصية الثقافية للعرب، بحيث جعل من الشعر والبلاغة ذروة إبداعهم الأعظم مقارنة بغيرهم، أي مطابقة خصوصيتهم الثقافية بإبداعهم الأدبي والبلاغي.

لقد كانت قيمة البيان بالنسبة للجاحظ تطابق مع قيم الإدراك الدقيق لحقيقة الروح العربي الثقافي. بل إن القرآن نفسه يشدد على هذه القيمة كما في عدد من آياته مثل "الرحمن. علمّه القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان) و(هذا بيان للناس) و(نزلنا عليك القرآن تبيانا لكل شيء). إننا نعثر في هذه الصيغة وكذلك في هذا الاستنطاق للقرآن عن تلازم البيان والتبيان، كما لو انه يريد القول، بأن (البيان والتبيين) هو الصيغة الأدبية لفلسفة الروح الثقافي العربي كما أسس لها القرآن. لكنه وضعها ضمن سياق الرؤية التاريخية للماضي والحاضر والمستقبل. فإذا كانت في الماضي (الجاهلي) هي لغة وجودهم التاريخي، فإنها اتخذت زمن الإسلام الأول لغة الآيات القرآنية وبيانها الجديد، القادر على مواجهة التعنت "الجاهل" لقريش. بحيث جرى رفع بيان آياته وتبيانها للحق "معجزة" الإسلام الوحيدة.

من هنا اهتمامه العميق والدقيق بكل ما له علاقة باللغة. فاللغة العربية هي جوهر الوجود العربي. وكما كان الحال بالنسبة لمرحلة ما قبل الإسلام، كذلك الحال بالنسبة للإسلام. بل إن الإسلام نفسه هو الذي جعل من اللغة قوة الوحدة والانتماء الثقافي. والقرآن نفسه هو قراءة للوجود بآيات الحق، أي بآيات الرؤية المحكومة بفكرة الحق والحقيقة. وذلك لأنها إلهام صادق. وسوف يشدد الجاحظ لاحقا على هذه الصفة العميقة للكينونة العربية وصيرورتها التاريخية، عندما اعتبر خاصية العرب في الخطابة تقوم في ابتداعهم إياها بالبداهة والإخلاص للمعنى، بحيث كانت عندهم تصدح من الأعماق المتوقدة كما لو إنها إلهام. وهي ظاهرة وخاصية لها تقاليدها العميقة والعريقة عند العرب. فما وراء الشعر كانت تتراكم أيضا تقاليد السجع، التي جمّعت في ذاتها الحدود الدقيقة للكلمة والمعنى، وأعطت للعبارة أبعادها المترامية، التي نعثر على نموذجها اللاحق في آيات القرآن. فقد كان السجع العربي الأول الصيغة الأدبية الراقية للأحكام. بمعنى انه كان يجمع بين قوة الكلمة والتكهن بالحوادث، والحكم بما ينبغي التمسك به. من هنا يمكن فهم السبب القائم وراء تركيز الجاحظ على ظاهرة الكهانة. فقد كن كهان العرب الذين كانت العرب الوثنية يتحاكمون إليهم، يحكمون بالاسجاع[3]. وإذا كان الموقف السلبي الأول في الإسلام الأول من السجع بسبب ارتباطه بالكهانة، فإنه بعد انتصار الاسلام والتطور التاريخي "زالت العلة إلى التحريم" كما يقول الجاحظ[4]. بمعنى جرى قبوله ولكن ليس بمعايير الوثنية، بل بمعايير المحاكاة الأدبية للآية القرآنية ونغمها البلاغي والروحي والمعنوي.

إن ارتقاء الكلمة والعبارة العربية من السجع حتى الآية القرآنية يعكس من وجهة نظر الجاحظ ومنهجه في البيان، عما للكلمة من "قدسية" في الوعي العربي التاريخي. بحيث تحولت العبارة بصيغتها القرآنية (الآية) إلى معجزة الإسلام الكبرى الوحيدة. وهذا بدوره يكشف عما للكلمة والعبارة واللغة من قيمة لا يضاهيها شيء في الحس والعقل والحدس العربي. من هنا اهتمام الجاحظ بكل ما له علاقة باللغة العربية بدأ من تخريج الحروف والنطق وانتهاء بإدراك المعنى الحقيقي للكلمة، أي من الحس بالكلمة وإدراك المعنى حتى تذوقها بالحدس. ففي أحد نماذجها الراقية يورد الجاحظ مثال واصل بن عطاء (80-181) في نطق الكلمة وكيفية تأثيرها في التحكم بها عبر بلاغة المعاناة العقلية وحكمة البلاغة. فقد كان واصل بن عطاء الثغاً. من هنا عمله على تلافي هذه العلة الصغيرة من خلال التحكم برصف الكلمات واختيارها بالشكل الذي يزيل منها حرف الراء. وقد اشتهر بذلك، وبالأخص في احدى خطبه التي تجنّب فيها حرف الراء. لهذا قيل عنه:"رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ويناضله ويساجله حتى انتظم له ما حاول"[5]. وقد مدحه عليها بشار بن برد[6]. بينما نراه في موقع آخر يهجوه، ويفضل النار على غيرها، كما لو انه يؤجج نار الزرادشتية تحت غطاء الشعوبية آنذاك. الأمر الذي دفع صفوان الانصاري بالرد عليه وهجوه في قصيدة منها[7]

زعمت بأن النار اكرم عنصرا     وفي الأرض تحيا بالحجارة والزَّند

وتُخْلقَ في أرحامها وأرومها       أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد

وفي القعر من لجِّ البحار منافع    مـــن اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد

كذلك سرُّ الارض في البحر كله   وفـي الغيضة الغنّاء والجبل الصلد

ثم يعدد كل ما في الطبيعة من معادن وعجائب[8].

وتتبع الجاحظ معالم الخروج على النطق في ظاهرة اللحن التي استفحلت وانتشرت في العصر الأموي. بمعنى أخطاء النطق في تخريج الحروف وتشويهها[9]. واستشهد الجاحظ بأقوال عديدة بهذا الصدد مثل قول عبد الملك بن مروان:"اللحن هجنة على الشريف". وينسب له أيضا قول "اللحن في النطق أقبح من آثار الجدري في الوجه"[10]. بينما رد زياد بن ابيه على رجل اشتكى عنده ضد اخيه الذي سلبه ماله قائلا:

إن اخينا وثب على مال أبينا فأكله

إن الذي أضعت من لسانك أضرّ عليك مما أضعت من مالك[11].

كما اورد الكثير من النكت والنوادر بهذا الصدد مثل قول احد الأعاجم "هذا الذّمل يذكرنا بالسرّ" ويقصد بذلك "هذا الجمل يذكرنا بالشر". أو الحادثة الطريفة التي تروي كيف جاء أحدهم يطلب من جاره بإمرة سيده قائلا:

اهدوا لنا همار وهشي. (ويقصد بذلك أن يعطيه حمارا وحشيا، أي حيوانا بريا أو ما يشابهه مما يحل أكله)، فأجابه:

ما تقول ويلك!؟

اهدوا لنا أير وهشي!

الأول أهون![12]

لقد أراد الجاحظ هنا تأسيس المواقف المتشدد من اللغة، بوصفها وعاء وأداة التعبير عن المشاعر والحكمة العقلية وما ورائهما. ومن ثم الكشف عن قيمتها الجوهرية بالنسبة للشعر والبلاغة. ولم تكن هذه القضية بالنسبة للجاحظ مجرد تمرينا لغويا، وإلا كانت مجرد لغو لا طائل تحته أو  في أفضل الأحوال مجرد فقاعات في أزيز الريح. بينما كانت بالنسبة له تعادل وتتمثل وعي الذات العقلي والجمالي والثقافي. بمعنى ربطها في كل واحد الشعر والبلاغة، بوصفها الصفة الجوهرية للكينونة العربية وحكمتها التاريخية الخاصة. وأورد الجاحظ عبارة سعيد بن المسيب عندما قالوا له "إن ها هنا قوم نساك يعيبون إنشاء الشعر"، فأجابهم "نسكوا نسكا أعجميا"[13]. بمعنى إن الشعر بالنسبة للعربي يتطابق مع معنى هويته وكينونته التاريخية الثقافية، التي جعلت من اللغة إحدى أهم مرجعياته في كافة الميادين. مما اضفى عليها طابع ومضمون الهوية الثقافية. فحتى الأذان يبدأ وينتهي بالكلمة والعبارة وليس بالناقوس والطبول والأحجار والأخشاب، أي بجميع ما لا علاقة له باللغة بوصفها حياة الروح الناطق. لهذا نراه يقف موقف المعارض والداحض للآراء التي حاولت سلب الشعر قيمته، بما في ذلك من خلال وضع الاحاديث النبوية الكاذبة لدعم مواقفهم. لقد كان رد الجاحظ واضحا ودقيقا بهذا الصدد عندما شدد على أن القرآن هو من رفع قيمة البيان. كما أن أغلب، إن لم يكن جميع هذه الأحاديث التي تحارب الشعر وتنتقص منه ومن البيان، هي موضوعة، أي كاذبة. (يتبع.....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] كتاب (البيان التبيين) هو الكتاب الذي اهداء الجاحظ إلى القاضي احمد بن ابي داوود (160-240) من كبار القضاة، معتزلي المذهب. شخصية كبيرة في البلاط العباسي زمن ازدهار الخلافة و"عصرها الذهبي".

[2]  الجاحظ: البيان والتبيين. القاهرة، 1975، ط 4، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ج1، ص3.

[3] الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، ص290.

[4]  الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، ص290.

[5]  الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص15.

[6]  الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص24.

[7]   صفوان بن صفوان الانصاري هو أحد أبرز شعراء المعتزلة. توفي في البصرة بحدود عام 180 للهجرة. وقد عاصر واصل بن عطاء ومدحه مراراً في شعره وأشاد به كثيراً. ومن أشهر ما قال فيه:

فما مسّ دينارا ولا صرّ درهما  ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه

وهي اشارة إلى زهده. وقد كانت مهنة واصل غزل الملابس، ولذلك لقب بالغزّال. وفي مجرى دفاعه عن واصل بن عطاء ضد هجوم بشار بن برد عليه، قال في بشار (الأعمى) وأخَويه بشر وبشير (أحدهما أعرج والآخر ناقص اليد)، مخاطبا أمهم

ولدتِ خلدا وذبخا في تشتُّمهِ     وبـــــعده خزَراً يشتدّ في الصّعُدِ

ثلاثةٌ من ثلاثٍ فُرِّقوا فِرِقاً      فاعرف بذلك عِرقَ الخالِ في الولدِ

والخلد هو الجرذ الأعمى، ويقصد به بشار، والذبخ هو ذكر الضباع، وهو أعرج، ويقصد به أخو بشار الأول، والخزر هو ذكر الأرانب، وهو قصير اليدين، ويقصد به أخو بشار الآخر.

[8] الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص27-29.

[9] ارتبطت هذه الظاهرة بالتوسع العربي الذي ادخل الكثير من الشعوب والأقوام في فلك الدولة العربية (الخلافة) ومن ثم هيمنة اللغة العربية وانتشارها، مع ما رافقه من تعقيدات وصعوبة في فهم اللغة ومعانيها ونطق حروفها بالنسبة للأغلبية من غير العرب. والسبب هو صعوبتها بالنسبة لعوام الأقوام الأخرى. وبأثر ذلك تباينت أيضا ولحد الآن لهجات العرب (مع إن للظاهرة تقاليدها العربية الخاصة). لكنها بالارتباط مع تعريب الأقوام الأخرى جرى صنع لهجات جديدة، إضافة إلى انحدار العربية من الفصحى إلى العامية (من العوام).

[10] الجاحظ: البيان والتبيين، ج2، ص216.

[11] الجاحظ: البيان والتبيين، ج2، ص222.

[12] الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص73-74.

[13] الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، ص 202.

 

 

نستهل الكلام بقوله تعالى: [.. إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة يُغنيكم الله من فضله ..] - التوبة 28، ونقول: أن ما يقوله فقهاء المسلمين حول - نجاسة الكفار والمشركين - لا معنى له ولا دليل عليه، بل هو قول واهن ضعيف وغير صحيح، وهذا ما يدل عليه الكتاب المجيد وصريح العقل وصحيح النقل .

 والفرق كبير بين لفظ - نجس - الوارد في الكتاب المجيد ومعنى - نجس - عند الفقهاء، ويعتمد الفقهاء في أقوالهم وفتاويهم في هذا الشأن على مجموعة أخبار وروايات مبتورة السند ساقطة الدلالة، ولا تصمد أمام النقد والبرهان والتحليل، ولتداخل اللفظ بالمعنى الدارج كان لا بد لنا من وقفة تحليلية موضوعية من أجل البيان والتوضيح، وذلك لأهمية الأمر وحساسيته، ونقول:

أولاً: يجب رد دعوا الإجماع والاتفاق في ذلك، والتي يقول بها بعض الفقهاء، وكذا رد دعوا أهل التقليد من الفقهاء والمتكلمين .

وثانياً: التأكيد على ان (الأصل في الأشياء الطهارة)، ومن ذلك طهارة بني آدم القطعية .

وثالثاً: التأكيد على أن (النجاسة هي عرض زائل) .

 وهذا القول يسري حكما على جميع الناس مؤمنين كانوا أم كفاراً ومشركين وغيرهم، ذلك: [ان دعوى الإجماع في هذا الشأن ليست دليلاً مستقلاً بحد ذاته، حتى يمكننا الاعتماد عليها في تقرير هذا الأمر وغيره]، والتقليد في هذا الأمر من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم، غير جائز قطعاً، والأحوط تركه مطلقاً، (لأن التقليد من حيث هو تحجير للعقل وإلغاء للاجتهاد ومعناه)، ودائماً يكون على نحو المطلقة السالبة التي نبذها الله في قوله: (هذا ما وجدنا عليه أباءنا ..) – لقمان 21، وكذلك قوله تعالى: (.. بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا ..) - البقرة 17، والقول الصحيح: (إن فساد التقليد على نحو عام)، يكون باعتبار: (التقليد قائم في الأصل قائما على خبر ساقط سنداً ودلالة)، قال العلامة الحلي وكذا السيد الخوئي (والخبر جاءنا برواية سهل الديباجي عن أبيه بأحاديث من هذه المناكير) - التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري ..

والصحيح - ان الأصل في الأشياء الطهارة - حكماً ومنه (طهارة الآدمين جميعاً) ولا استثناء في ذلك ولا تخصيص ولا تقييد، والشيء نفسه يُقال عن النجاسة بعنوانها العام: (وفي كونها عرض زائل، تزول بزوال سببها)، وهذا ما عليه عامة الفقهاء والأصوليين، وأما: [ما ذهب إليه بعض الإمامية في هذا الشأن فليس عندنا بشيء]، وعدم صحة دعوى الإجماع في ذلك فلأنها

أولاً: مخالفتها لظاهر الكتاب وعمومه، كما في قوله تعالى - (ولقد كرمنا بني آدم) - الإسراء 70، والتكريم صفة إطلاق وعموم، ومنها رفعة المقام والقدر، ولا يصح التكريم مع النجاسة، وكقوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) - البقرة 30، ولا تصح الخلافة مع نجاسة المستخلف مطلقاً .

وثانياً: معارضتها للأخبار الصحيحة المروية عن النبي الأكرم، ومنها قوله: (.. كلكم لأدم وأدم من تراب ...) .

وثالثاً: ضعف ما يستند عليه الإجماع في الأصل .

 وأما حكم المسألة لدى - أئمة المذاهب الأربعة - وفقهائهم فالمشهور عندهم القول: بطهارة أبدان الكفار والمشركين مطلقاً -، وأما نجاستهم فهي عرض زائل، أي إن النجاسة لا تسري للذوات من الأبدان .

وإن قلتم: وإنما المُراد من - نجاسة الكفار والمشركين - فلاعتقاداتهم الباطلة وأفعالهم المحرمة .

قلنا: إن هذا القول في أصله باطل، لأنه يفتقد للدليل المحكم الذي يعضده، والقول المظنون ليس حكما وهو لا يغني من الحق شيئا، والاعتقاد من حيث هو (عمل فكري مباح)، ولا ضير في مخالفته للمشهور في ذلك، قال تعالى: (لا إكراه في الدين) – البقرة 256، وقال كذلك: (أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) - يونس 99، وأما نسبة النجاسة فلما يقومون به من فعل محرم، وهذه كذلك نسبة باطلة: لأن طبيعة النجاسة وماهيتها كما قلنا (هي عرض زائل مفارق)، وزوالها مرتبط بزوال سببها -،: وليس من خواص النجاسة الالتصاق وعدم المفارقة بالأبدان أو الذوات، قال تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات ..) - هود 114، وعلى ذلك إتفاق العقلاء وسيرتهم .

 طبيعة الفقه الإسلامي:

يُناكف البعض فيدَعي: (ان الفقه الإسلامي - جامع مانع وغني بأحكامه وموضوعاته -) !!!!!!، وهذه الدعوى ليست صحيحة من وجوه، بل ولا تصح في المطلق على الفقه القديم والفقه الجديد والمعاصر كذلك، لأن الفقه المتداول في حقيقته ليس سوى إجترارا وتكرارا لمن سبق، وما يُقال عن الإجتهادات الفقهية والتفريعات فهي ليست سوى إعادة إنتاج لما هو قائما بالفعل في كتب التاريخ والتراث .

وأما طريقة الإستنباط فلم تتحرر منذ عهد الشافعي وإلى يومنا هذا، لا في طريقيتها ولا في كيفيتها ولا فيما تقوم عليه أو تؤسس، وأصول الإستنباط كذلك هي ذاتها التي قررها الشافعي في رسالته المشهورة من غير تغيير أو تبديل، ولم نسمع أو نقرأ عن محاولات جادة في تطوير طرق الإستنباط أو إعادة النظر في اصولها ومتبنياتها، ونصطدم دائماً في هذا المقام بذلك التطرف البشع من البعض، وبتلك المزاعم من البعض الأخر .

فيما يخص مفهوم الأخبار المنسوبة إلى الرسول محمد - ص - وطبيعتها وحجيتها ودلالتها، والتي غالا البعض فيها فنزلها منزلة نصوص الكتاب أو أعلى رتبة منها، بل وجاوز البعض الحد منهم فقال:- هي ناسخة لكتاب الله واحكامه -، مع إن هذه الأخبار في أحسن الأحوال لا تفيد سوى الظن في اغلبها، والمعلوم إنها قد كُتبت بظروف غامضة ونوايا نجهلها .

ولذلك فلا يعتد بها ولا يجوز إعتبارها صنو الكتاب، ومن هنا فنحن ندعوا لإعادة النظر في أصول الإجتهاد والإستنباط وطرقهما وموضوعاتهما وقواعدهما، والذي نفهمه عن الإجتهاد السائد إنه إجتهاد تنقصه الكفاءة والقدرة على تلبية حاجات الناس المعاصرين، ونعلم كذلك أنه لا يستطيع الإجابة عن الكثير من المسائل ذات الصلة، وهذا المعنى بالذات دفع الإمام الخميني للقول: بإن عامة علماء الدين والروحانيين منهم لا يدركون معنى الإجتهاد، ولذلك جعلوه مقتصراً على شؤونات الحيض والنفاس، مع إنه في حقيقته أعمق وأهم من هذا بكثير، إنه ذلك الفكر أو التفكير العلمي الذي يستجيب لتطلعات المجتمع في الحاضر والمستقبل، ولأهمية ذلك يتطلب تنبيه العلماء لبذل الجهد ومضاعفته، وأعمال النظر في المسائل الحيوية التي تهم إدارة المجتمع والمشاركة الجادة في تقديم الحلول لذلك .. - صحيفة النور ج21 ص 100 .

 ولكن هل الفقه الإسلامي غني بالفعل ؟ كما تقول المقدمة !!، أم إن غناه في اصوله وقواعده الموجودة في الكتاب المجيد ؟، وهذا الإستدراك في السؤال يقودنا للقول التالي أن: الغنى المقصود إنما هو ذلك الموجود في نصوص الكتاب المجيد، والنصوص هي التي تؤسس لتلك القواعد والأصول، واما الفروع والتفريعات من الفقهاء فقد غاب عنها المنهج الصحيح، وغابت عنها الأداة الواقعية أعني (العقل المؤمن بالتطور السنني الطبيعي الغالب في الحياة والكون)، وتغييب العقل إخراج متعمد للقدرة الذاتية في الكشف الدقيق عن الأحكام ومناسبتها للموضوعات بحسب الزمان والمكان، وكذلك في قدرته على المشاركة في التخطئة والتصويب لكثير من المسائل والموضوعات والأحكام العامة - .

 يقودنا هذا للتعرف على السبب الحقيقي في تخلف الفقه الإسلامي عن مجاراة الحياة وتطورها !!، وقد قيل: إن السر يكمن في عدم إهتمام الفقهاء بكتاب الله واحكامه في الإستنباط أو في الإجتهاد، وبدلاً عنه يتمسكون في تحليل الأخبار والروايات وتحليل وعرض أقوال من سبقهم من الفقهاء، وفي تلك الدورة يفتون ويحكمون ومن هنا تبدو المخاطرة التي نوهنا إليها في أكثر من مناسبة .

 ولا يخفى أن عجز الفقه عن التطور في الحياة واضح بيَّن، وشاهدنا على ذلك ما نحن فيه أعني قولهم القديم الجديد - [نجاسة الكفار والمشركين] -، تلك المقولة التي أثرت على الضمير والوجدان الإنساني وحالت دون التعامل احسن بين الناس، ومعلوم أن تلك المقولة إنما قامت وتأسست على أخبار وظنون ونوايا غير صالحة، ومع ذلك أدعَّوا عليها الإتفاق والإجماع !! مع إن إجماعهم على ذلك في أصله باطل، وسبب بطلانه ضعف مستنده الذي يتكئون عليه هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجود المانع له من الكتاب والعقل .

 وأما ما يُحكى عن تواتر الأخبار في هذا الشأن فهو ليس صحيحاً سنداً ودلالة، وقد مر بنا تكريم الكتاب المجيد لبني آدم على نحو مطلق ومن غير تمييز، حين قال: (ولقد كرمنا بني آدم) - الإسراء 70، وفي قوله كذلك: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات 13، وظاهر الكلام في الحجرات عن مطلق خلق الناس (الذكر والأنثى)، وما يعزز ذلك الظاهر هو القيمة المضافة التي تكون في اللقاء والتعارف والتجاوب وعدم الخلاف فيما لا ينفع الناس ..

ولكن ما معنى الكفار ؟

الكفار جمع كافر، وأصل اللفظ من - كفر - بمعنى رفض، والكافر هو الرافض وجمعها الرافضين أو الرافضون، وقد أخطأت المعاجم حينما اعتبرت معنى الكفر هو الستر أو الإخفاء والتغطية، وقد أخطأ أهل الإصطلاح في معنى الكفر بقولهم إنه الإنكار أو الجحود، والصحيح ما ذهبنا إليه إذ الأصل في اللفظ يكون من اللفظ الثلاثي الصحيح - كفر - والذي هو بمعنى رفض -، وليس بمعنى أخفى أو أنكر أو جحد، إذ الرفض في لغة العرب أكمل وأعم دلالة من مقولات أهل المعاجم، والكفر مصدرا مادة تدل على - الرفض - كذلك، أي الرفض الفكري والعقلي، ذلك بإعتبار كونها مادة نظرية بحتة، ولهذا جاءت في سياق الكلام، قل: (لا أعبد ما تعبدون)، ويكون التذييل اللاحق بصيغة تأكيد الأمر، في قوله: (لكم دينكم ولي دين)، والخطاب في مجمله يتحدث عن الكفار لا عن المشركين، ومعلوم ذلك الفرق بين الكفر والشرك والذي لا يخفى على أهله .

أقول: ولما كانت مادة الكفر تعني الرفض، إذن فيصح القول: إني أكفر بدين بوذا -، وأنا أعني به: (إني أرفض دين بوذا) على نحو ما تكون عليه طريقته بالتفكير وبطريقة الإيمان التي يتبعها، إذن فقيد الرفض هو للطريقية والكيفية وليس لطبيعة الوجود والعدم، ونفس الشيء يُقال: إني أكفر بمذهب إبي حنيفة - مثلاً، ولا يريد القائل معنى الرفض الوجودي على نحو (الإنكار)، بل يُريد القول من ذلك: (رفض طريقة ابي حنيفة في الإجتهاد وتحرير المسائل)، والكلام في مجمله هنا فكري ونظري محض ولا دخل له بالجانب العملي، ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن – الرافضة -: وهو الصفة المشبهة المرافقة للجماعة التي: (رفضت الطريقة والبيعة التي تولى بها أبي بكر وعمر الخلافة)، وليس هي بمعنى إنكار خلافة أبي بكر بالفعل (فلإنكار شيء والرفض شيئا أخر)، ولا دخل لجدلية (الوجود والعدم) في هذا المقام، وسواء قلنا إن - الرافضة - هي أسم صفة أو صفة مشبهة فالمتبادر للذهن من اللفظ يعني: تلك الجماعة التي كفرت بخلافة ابي بكر -، أي رفضتها ولم تنكروها كواقع موضوعي وتاريخي، وهذه غير هذه كما هو واضح، والأمر كله يتعلق بمعنى الرفض، والفرق بينه وبين الإنكار والجحود .

 وأما ما ذهب إليه أهل اللغة وما تعارف عليه أهل الشرع في ذلك فليس صحيحاً، بدلالة معنى الكفر الوارد في لسان نصوص الكتاب والتي حصرته بالرفض دون سواه .

قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ) – البقرة 89 .

وقال تعالى: (فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً) - الإسراء:99

هذه النصوص وغيرها كثير تدفعنا:

أولاً: لطرد الفكرة المتداولة والسيئة في أدب المسلمين وفقههم، والتي تمزج بين المعاني والألفاظ تبعاً لمقولة الترادف .

 وثانياً: تدفعنا للتمييز بين لفظ - نجس - ولفظ - كافر -، فلكل منهما معناً مغايرا للآخر، وقد بينا معنى - كفر – في اللغة والإصطلاح .

 .. .

ولكن ما معنى كلمة – نجس - ؟:

حان الآن للتعرف على معنى كلمة - نجس - في اللغة والإصطلاح، ونقول: هي لفظ متشابه، فإذا جاء في صيغته المُنكرة دل على مطلق عنوان النجاسة، والتي هي ضد الطهارة، وجمعها أنجاس، وقد خالف في ذلك الفراء فقال: (والنجس لا يجمع ولا يؤنث)، وقد أختُلف في معناه الإصطلاحي بين الفقهاء إلى أقوال منها:

أولاً: إنه لفظ دال على معنى العين النجسة أو الذات النجسة، ومثلوا على ذلك بالمشرك، فقالوا: هو عين نجسة أو ذات نجسة .

وثانياً: انه لفظ دال على ما يتعلق به أو بسببه فيكون نجساً لذلك، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير .

وثالثاً: انه لفظ دال على لزوم ومداومة الفعل النجس وعدم التطهير منه .

ورابعاً: انه لفظ دال على ما يعتقد به المرء، فيكون نجسا بسببه، وهذا من قبيل النجاسة المعنوية !! .

و قيل: انه لفظ دال على الفعل النجس وعدم التحرز منه .

واما بالنسبة للقول الأول:

فجهة الإستدلال به تقوم عندهم على أساس النص الذي بدأنا به الكلام أول مرة، قوله تعالى: (إنما المشركون نجس)، وفي توضيح ذلك قالوا: [إن عامة المشركين هم أعيان نجسة أو ذوات نجسة] !، وهذا التوضيح تنقصه الدقة الوثائقية والدليل وشاهد الإثبات، وبحدود علمنا لم نجد ما يوثق هذا القول أو يؤكد عليه ويدل .

وإذا كان ذلك كذلك: إذن فما هو الدليل عليه أو ماهي العلة التي أستند عليها الفقهاء في قولهم بالنجاسة الذاتية ؟ .

 فإن قلتم: إن الدليل عندهم هو النص المتقدم نفسه: (إنما المشركون نجس) .

قلنا: إن النص المتقدم لا يبين ذلك المعنى ولا يدل عليه إنما هو إشارة أو نعت لما فعله المشركين، وليس في ذلك دلالة تفيدنا بالقول: أن نجاستهم ذاتية أو عينية -، وقولهم على نحو مطلق لا يُفهم منه المتعين في هذا الشأن،: (لأنهم أعتمدوا في ذلك على التعريف الإصطلاحي)، وليس على النص الذي جاء قبل ذلك بكثير، وتحميل النص المعنى الإصطلاحي اللاحق مثلبة، وتحميل للنص ما لا يحتمل من المعاني .

والعين النجسة بتعريف الفقهاء: هي تلك التي يستحيل طهارتها ولو بمياه الأرض جميعاً -، ومعلوم أن اللسان العربي قد وسع دائرة (معنى النجاسة) وجعلها شيئا مطلقا، أي إنها عنده أعم وأشمل من الجانب المادي، بل جعلها - صفة متعدية - تشمل حتى القيم والأخلاق، وفي هذا السياق نفهم مقولة الحسن البصري عن ذلك الرجل الذي زنى بإمرأة، فقال عنه: (هو أنجسها – إذن - فهو أحق بها) – أساس البلاغة للزمخشري ص 447 .

ويدخل في هذا الباب كذلك - نجاسة الشيطان - والتي هي مفهوما ذهنياً تسالمياً، ويطلق على كل فعل يفعله الناس فيه مكر وخداع وتضليل ويريدونه يسمونه - عمل شيطاني نجس -، وعليه فلا يصح تخصيص وحصر معنى النجاسة بالذاتية كما هو مُراد المعنى الإصطلاحي .

 كما ولا يصح الربط بين معنى النجاسة هذا ومفهوم منع المشركين من زيارة البيت الحرام، لا بسبب ذلك أو لمجرد توارد سياق اللفظ مع قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام)، فالذي نفهمه من سياق النص: إن المنع من دخول المسجد الحرام كان بسبب علة خاصة، وليس بسبب نجاستهم الذاتية، أي إن المنع كان بسبب ما فعلوه من نقض للعهود والمواثيق مع رسول الله (وهذه علة طارئة)، كذلك ولا يصح الربط بين مفهوم نجاسة المشركين ومفهوم الخوف من النقص المادي (العيّلة)، على إعتبار ان مبنى القول اللاحق وأداة الشرط الواردة في النص: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) وردا في سياق إتمام الحجة على المعترضين، بدليل أن النص إنما يتحدث بلسان حال ما يمكن قوله من قبل الأخرين، وليس في صحة قولهم .

والملفت أن كثيراً من المفسرين لا يفرقون ويخلطون بين (من كفروا من أهل الكتاب وبين المشركين)، مع ان الله قد ميز وفرق في كتابه ذلك، وبنصوص متعددة ومنها قوله تعالى: (ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم) - البينة 6، ومنها قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين) - البينة 1، والواو هنا للمغايرة قال الكسائي وللتمييز بين مختلفين، سواء في الطبيعة أو في الماهية أو في الإيمان والتفكير، وليس بين اللفظين وحدة معنى ومفهوم .

وأما بالنسبة للقول الثاني:

فجهة إستدلال القائلين به على نحو: (إنما المشركون نجس)، أي بسبب نجاسة ما يأكلون، وهذا الإستدلال ركيك جداً ولا يصمد أمام النقد والتمحيص، إذ لا علاقة بين نجاسة المأكول والآكل، فالنجاسة بهذه الحالة لا تنتقل بالتبعية من المأكول إلى الآكل، وفي وصفنا للنجاسة قلنا: ان من صفاتها عدم الملاصقة للمتنجس بها -، لأن النجاسة في أصلها عرض زائل تزول بزوال سببه، والامتناع عن الأكل النجس سبب كاف في زوال النجاسة .

 وإذا كان ذلك كذلك: فيصح إذن القول: (ان المشركين اذا تطهروا من النجاسة فلا مانع من حجهم وزيارتهم إلى البيت الحرام)، وهذا القول أو التقرير يكون بمثابة نفي المنع على نحو مطلق .

وأما بالنسبة للقول الثالث:

 فالاستدلال بالمنع من الحج بسبب الجنابة أو غيرها من النجاسات، إستدلال ركيك بل متهالك إذ الجنابة هي عرض زائل، والأعراض الزائلة لا يكون المرء بسببها نجساً، وكل العوارض من هذا القبيل تزول بالتطهير بالماء وغيره من المطهرات، ولهذا لا يكون وجود الجنابة سبباً كافياً في المنع من الحج والزيارة وعلى نحو مطلق .

واما بالنسبة للقول الرابع:

 فجهة الإستدلال بالنص لما يعتقد به الناس لذلك هم محكومون بقوله: (إنما المشركون نجس)، وهذا الإستدلال باطل كذلك، لأن الله أباح حرية الإعتقاد وجعل الإيمان مسألة شخصية تخضع لضوابط المعرفة والتدبر والعلم، ونفى المولى الإكراه والعنف والإبتزاز في ذلك وكما قلنا: إن مفهوم الإعتقاد أو الإيمان يرتبطان بالفكر وبالحرية، لأنهما من المسائل التي تخضع للإختيار عبر الدليل والبرهان، ولذلك ترك المولى شأنها للناس فقال: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) – الكهف 29 .

 والنص مورد البحث لم يربط مفهوم النجاسة بالإعتقاد مطلقاً، بل إعتبر من يكره الناس على الإيمان ليس مؤمناً قال تعالى: (أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) - يونس 99، معتبراً الإكراه هذا بمثابة - المطلقة السالبة الملازمة - .

إذن فالإستدلال بالنص من جهة الإعتقاد وإعتبار النجاسة من هذا الباب مانعة لهم من دخول المسجد الحرام، إستدلال باطل كما قلنا لا يمنع من دخول المسجد الحرام وزيارته .

وخلاصة الكلام:

في معنى قوله تعالى:: (إنما المشركون نجس)، ظهر لنا إن هذا القول لا يحمل معنا عاما، أي لا يجوز تعميمه على كل أفراد لفظ المشركين وعامتهم، كما ولا يجوز حصر معنى المشركين بالمعنى الإصطلاحي الفقهي، كما ولا يصح إعتبار النجاسة شيئا ذاتيا أو عينيا، ذلك لأن النجاسة في طبيعتها عرض زائل ولا تكون ذاتية مطلقاً .

 وأما المنع من دخول المشركين البيت الحرام فلم يكن منعاً مطلقاً، كذلك ولم يكن بسبب ما يعبدون من أصنام، ولهذا لا يجوز إعتبار المشركين نوعا واحدا أو فئة واحدة، إذ المشركين بلسان النص فئات متنوعة، وما عناهم النص المتقدم إنما هم، [فئة معينة خاصة من المشركين لا جميعهم]، وهذه الفئة: (هي تلك الجماعة التي نقضت عهدها مع رسول الله)، والتي وصفها الكتاب المجيد بقوله: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاَّ ولا ذمة) - التوبة 8 .

أقول: هذه الفئة من المشركين هي التي لا يصح دخولهم المسجد الحرام على نحو معين وبزمن معين، وصيغة الخطاب هذا تدل على ذلك، بدليل البيان التالي: (إلاَّ الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فاتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) - التوبة 4، ففي هذا البيان نجد أن نفي (تعميم المنع) واضح بيَّن، هذا بدليل التقابل الذي يؤكد على أن الفئة التي حفظت عهدها مع رسول الله غير مشمولة بالحكم، الذي صدر بحق تلك الفئة التي قال عنها الله - (إنما المشركون نجس)، ويؤكد هذا دعوته تعالى للإستقامة مع تلك الفئة التي حافظت على عهدها ولم تنقظه، قال: (فما أستقاموا لكم فاستقيموا لهم) - التوبة 7، وفعل أستقام يدل على الثبات في الموقف، ولهذا أمتدحه الله بصيغتي الفعل والصفة:

 قال تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) – هود 112 .

وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا ..) - فصلت 30 .

 وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم أستقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..) - الأحقاف 13 .

إن تصحيح الفكر والإعتقاد عملية مهمة وشاقة، ولكي تكون مؤدية للغرض يجب ان تتكأ في ذلك على كتاب الله، وليس على ذائقة الفقهاء وتقليدهم لمن سبقهم، ولأن هذه المهمة كذلك تطلب الأمر رفضا لترجيح مقالات الفقهاء على نصوص الكتاب المجيد، لأن في ذلك مخالفة ومغامرة غير محمودة، والمشركون وفقا لمنطق الكتاب المجيد ليسوا واحدا، وكذلك هم في لسان العرب ليسوا سواء لا في المعنى ولا في الموقف، بل هم فئات متنوعة والحكم الصادر بحق البعض منهم لا يشمل البعض الأخر، ونسبة النجاسة للبعض منهم لا تصح على البعض الأخر طالما أرتبطت النجاسة بالسبب، والذي هو دائماً سببا مفارقا بكل تأكيد، لأنه سبب جدلي يصدق على كل ما يمكنه ان يكون كذلك .

تنبيه 1:

فإن قلتم: ماذا لو كان المُراد من نجاسة المشركين جميعهم ؟ .

قلنا: لو كان ذلك كذلك، لتطلب الأمر بطلان القول بحليَّة طعامهم مطلقاً !، في حين ان الله أباح لنا طعامهم جميعاً، حيث قال تعالى: (. وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ ..) - لمائدة 5، والحليَّة بصيغتها المتقدمة وردت على نحو مطلق، والقيد الوحيد الذي ورد فيه التذكير، هو بالتذكية أي ذكر أسم الله عليه، وهذا الشيء يصدق كذلك على ما علمتم من الجوارح مكلبين، وبهذا يرتفع الحرج من النجاسة الظنية التي يذهب إليها البعض من غير حاجة شرعية، سوى التكلف والإحتياط الزائد المبالغ فيه .

تنبيه 2:

فإن قلتم: وكيف يمكن تبرير قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح أبن الله ..) – التوبة 30 .

قلنا: إن هذه الجدلية المثيرة يتبادر منها إلى الذهن، صفة الشرك التي هي ضد التوحيد، والحق إن النص لا يعني هذا إنما يُركز على مفهوم أخر، ليس له علاقة بالعبادة والتوحيد، ونفي القول من جهة الله إنما يتناول مفهوم الخصوصية من جهة الرعاية والتعليم والتربية، مع أهمية عزير النبي وعيسى النبي، والكتاب المجيد لم يقل إن (عزيرا ولد الله أو المسيح ولد الله)، لأن مفهوم الولد ممتنع على الله بحسب المنطق التالي (لم يلد ولم يولد)، والذي ورد على نحو المطلقة السالبة، وبالمقابل رفض الكتاب فكرة بنوة الله لأحد من البشر على نحو خاص، وكذلك رفضها بإعتبارها دعوة ترسخ المفهوم السلبي لله في ذهن العامة، فيظنون ويكأن العزير أو المسيح هم أولاد الله، من هنا أنطلق الرفض لذلك قال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ..) - المائدة 73، ولم يقل (لقد أشرك الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة !!) فتدبر ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

 

ميثم الجنابي"لا يكون المرء نبيلا حتى يكون نبيل الرأي،

نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخُلق"

(الجاحظ)

للقيم الإنسانية تاريخها الثقافي الخاص. ولكل مرحلة تاريخية ثقافية قيمها الخاصة، بوصفها النتاج الضروري الملازم لتجاربها الذاتية. الأمر الذي كان وما يزال وسوف يبقى لفترة طويلة قبل أن يرتقي الوجود الإنساني من حالة وجوده الطبيعي الى مقام وجوده الماوراطبيعي. بمعنى الانتقال من التجارب الجزئية إلى مستوى الرؤية الإنسانية الشاملة. وهذه فكرة مستقبلية وبالقدر نفسه تمثل وتتمثل الآفاق الضرورية لاحتمالات المستقبل العقلانية.

غير أن المستقبل يتراكم في مسار التجارب التاريخية، التي يتوقف على تأسيسها النقدي الدائم إمكانية إرساء أسس المرجعيات الضرورية لوعي الذات التاريخي الثقافي على مستوى الفرد والجماعة والأمة. وقد ساهم الجاحظ في رفد الثقافة العربية الإسلامية بمنظومة من القيم المحكومة بمعايير العقل النقدي. الأمر الذي اعط لها وهج الاستنارة الحية، ورونق البلاغة المعنوية. وكلاهما يمثلان حقيقة الجاحظ بوصفه أحد أهم ممثلي منظومة المعتزلة الفكرية. من هنا توحيده الدائم للفكرة المنطقية والبلاغة الأدبية بمعناها العربي الإسلامي الكلاسيكي. ومن هنا ربط أيضا في مجرى تناوله لإشكاليات النبل والتنّبل والنبيل وما يعارضها، بمعايير التنوير والتأسيس. فالأول هو التعبير الضروري عن مضمون المبدأ العقلي للاعتزال، بينما الثاني هو تمثله بمعايير الروح المعنوي، الذي كان الأدب ميدانه وأسلوبه في الوقت نفسه.

إننا نعثر عنده في ما يخص الفكرة المنهجية لفهم حقيقة النبل والتنّبل والنبيل، بوصفها إحدى القيم الرفيعة، عن ابرازه وتأسيسه لعلاقة المعرفة بالتنوير العقلي. بحيث نعثر عليها حتى في معرض اجابته على من كتب إليه عن هذه القضية. فهو ينتقد من كتب إليه يشتكي ويتشاكى من تنّبل الآخرين عليه رغم أنه "أكثر فهم في المحصول وفي حقائق المعقول. معتبرا ذلك سوء في الاختيار وفي طول مقامه على العار"[1]. وبالمقابل اعتبر الجاحظ الحكم العلمي والدقيق عن حقيقة الشخصية يجري بما يتوافق مع حقيقة النبل وليس حسب ما يتصوره المرء عن نفسه، أو حسب تصورات وأحكام الآخرين. وكتب بهذا الصدد يقول:"وليس الذي يوجب لك الرفعة أن تكون عند نفسك رفيعا دون أن يراك الناس رفيعا، وتكون في الحقيقة وضيعا. ومتى كنت من أهل النبل لم يضّرك التبذّل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبّل"[2]. بمعنى إن للقيم قيمتها الذاتية التي تتوافق مع ما فيها. وهو استنتاج يحتوي على أبعاد عميقة ومتنوعة، لعل أكثرها جوهرية هو إن النبل عقل ووجدان ومواقف وشخصية وليس إرثا ووراثة. من هنا توكيده وسعيه لتأسيس قيمة النبل وشخصية النبيل بوصفها معاناة دائمة في تنقية الإرادة وشحذها على مسّن الحياة ومصاعبها ومصائبها. وكشف عن حقيقة هذا المعنى على مثال فكرة السيادة الشخصية. بحيث ربطها أساسا بخصلتين وهما كل من الحلم والصبر. وكتب بهذا الصدد يقول، "السيد المطاع لم يسهل عليه الكظم ولم يكن له كنف الحلم إلا بعد طول تجرع للغيظ ومقاساة الصبر. والحرب سجال بينه وبين الحلم، ودول بينه وبين الكظم. وحالما انقادت له العشيرة سمحت له بالطاعة، ووفّق بظهور القدرة خلاف المعجزة"[3].

إن القدرة الإنسانية في صنع ذاتها وسؤددها، بالنسبة للجاحظ، هي الوجه الآخر للمعجزة. لكنها أكثر أصالة وإنسانية لأنها أصيلة وإنسانية، بمعنى خالية من ثقل الأوهام والخرافة. وهكذا هو الحال بالنسبة لكل قيمة جوهرية في الوجود الإنساني. فالمساعي الفردية والشخصية لبلوغ ما يدعوه الجاحظ "بالأمل في الرياسة والطمع في السيادة" يفترض تكلّف الحلم والصبر في البدء. وبالتالي، لا يتم هذا الفعل في بلوغ غايته بالنسبة للإنسان إلا بعد ثلاثة أشياء وهي كل من الاحتمال، ثم الاعتياد، ثم ظهور الطاعة[4]. وهذه بدورها ليست إلا فكرة الإرادة وصيرورتها الذاتية.

لقد وضع الجاحظ قيم النبل والتنّبل والنبيل في منظومة القيم العامة، وبالشكل الذي نعثر فيها على رؤية عقلية وإنسانية واجتماعية وسياسية وفلسفية. إذ نراه يبرّز قيم النبل ويضعها في أعماق منظومة القيم كما لو أنها بؤرة القيم المتسامية. وذلك لأن النبل يحتوي على ما يمكن دعوته برحيق القيم. فكل ما هو عظيم نبيل. كما انه بداية الجمال والجلال الإنساني. وبهذا تصبح قيم النبل جزءا من تاريخ السمو الأخلاقي والمعرفي. فالنبيل كائن وكينونة متوحدة. ومن ثم غير قابلة للتجزئة على خلاف ما هو غيره. وقد وضع هذه الحصيلة في فكرته القائلة، بأن الانسان "لا يكون نبيلا حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخُلق، نبيل النظر بعيد المذهب في التنزه، طاهر الثوب من الفحش"[5].  بعبارة أخرى، إن النبيل هو نبيل في ظاهره وباطنه ومواقفه وأحكامه. وفي ذاته يحقق الكمال الإنساني في جميع مساعيه من حيث الحافز والوسيلة والغاية. لقد أراد الجاحظ القول، بأن النبل هو عقل وإرادة وموقف.

إن هذه الحصيلة التي توصل إليها الجاحظ، كانت مبنية على فلسفة النبل ومنهجها في رؤية المقدمات والغايات الفعلية لهذه القيم. وفي كلهّا هي نقيض عقلي وأدبي للتكّبر والتجّبر ومختلف أصناف الرذيلة التي تفرّغ الإنسان من النبل. ذلك يعني انه سعى لتأسيس الفكرة المنهجية في نفي التجّبر والتكّبر أو الاستبداد من خلال إبراز خللها الذاتي. ومن ثم التأسيس لإرساء أسس ما ادعوه بفلسفة النفس الثقافية. بمعنى دفع مختلف القيم صوب التراكم في منظومة متوحدة وفاعلة بمعايير المنهج العقلي والنقدي والتأسيسي.

وقد يكون هو من بين اوائل المتكلمين وأدباء الإسلام الكبار، الذين ربطوا ظهور القيم بتطور الحضارة. ومن ثم يكون سبّاقا بهذا الصدد حتى على ابن خلدون. ففي مجرى تناوله لظاهرة التكّبر، والتي تفقد الإنسان والمجتمع معنى وقيم النبل، نراه يشير إلى تنوع الترابط بين القيم ومستوى التطور الحضاري. بمعنى استمرار وجود القيم وفاعليتها الاجتماعية والأخلاقية من جهة، وإمكانية استعمالها للمصالح والمآرب السياسية والأيديولوجية، من جهة أخرى. وأن الحضارة في مجرى تطورها تهذّب وتشذّب العقل والوجدان والقيم. وبالتالي، فإن مختلف مظاهر الرذيلة عادة ما تعكس بقايا ما قبل الحضارة. وفي رؤيته النموذجية هذه يختلف اختلافا جذريا عن ابن خلدون ومختلف النظريات الفلسفية التي تؤكد على أن الحضارة هي الحالة التي يلازمها تفسخ وتحلل القيم. من هنا قوله، على انه لو كان في التكبر خيرا لما كان هو في دهر الجاهلية أظهر منه في دهر الإسلام، أي كان "في أهل البدو أكثر منه في أهل الحضر". وينطبق هذا على الحضارات الأخرى من الروم والفرس. فوجود ظاهرة التكبر في الدولة الفارسية القديمة (آل ساسان وانو شروان وجميع ولد اردشير بن بابك) هو ليس تكبرا بالمعنى الدقيق، بقدر ما هو "سياسة للعوام وتفخيم لأمر السلطان والملك"[6]. وعندما تناول هذه الظاهرة على مثال دولة الخلافة، نراه يشير إلى انه "لم يكن من الخلفاء أشد نخوة من الوليد بن عبد الملك وكان اجهلهم وألحنهم". كما لم يكن "في ولاة العراق أعظم كِبرا من يوسف بن عمر وما كان اشجعهم ولا ابصرهم ولا اتمهم قواما ولا أحسنهم كلاما"[7]. لقد أراد الجاحظ القول، بأن الكِبر والتجّبر والاستبداد هو من بقايا ما قبل الحضارة من جهة، وتعبير عن ضعف الشخصية وخللها الداخلي وعقدها النفسية، من جهة أخرى[8].

لقد بحث الجاحظ عما يمكن دعوته بمقدمات التكّبر والتنّبل. ومع ذلك لم يربطها بطريقة محددة دون أخرى. انه في الأغلب يتكلم عن الجانب السياسي العام على مستوى القيادة. لكنه لا يهمل مصدرها الاجتماعي. ففي واقع الأمر من أين للرؤساء والسلاطين والأمراء اكتساب هذه الصفات إن لم تكن هي نتاج التربية ووجود الظاهرة نفسها؟ فالكِبر لو اعترى الشريف والجميل أو الجواد لكان ذلك أفضل رغم سوءته، كما يقول الجاحظ. غير أنه يمكن العثور عليه أيضا عند الدميم والناقص، والجبان والكذوب، تماما مثلما عند من هو بالضد منهم[9]. ووضع هذه الرؤية العامة في أساس نقده لظاهرة التجّبر والتنّبل المزيف.

لقد وجد الجاحظ في شخصية المتكبر والمتجبر ظاهرة تستمد قوتها وأصلها من الاستبداد. فالاستبداد هو القوة التي تشوه الواقع والمفاهيم والقيم. ومن ثم فإن التكّبر والتجّبر والتنّبل المزيف هو من يضع نفسه وسلوكه العلني والمستتر بالضد من حقيقة المعنى المتسامي الذي بلورته الثقافة الإسلامية في فكرة "اسماء الله الحسنى" التي تحتوي على الجبار والمتكبر، ولكن بوصفها مؤشرا وهاديا لنفي وتذليل ظاهرة التزييف في التكّبر والتجّبر البشري. أي على عكس ما في فكرة أسماء الله الحسنى التي جرى لاحقا رفعا إلى مصاف المنظومة النظرية للسلوك العملي والمعرفي، كما هو الحال في التصوف. وقد حلت الثقافة الإسلامية هذه المعضلة الشكلية من خلال جعل الله جبارا والإنسان عبده (عبد الجبار)، أي المتخلق بمعانى الجبروت الآلهي. وينطبق هذا على بقية الاسماء. أما بالنسبة للجاحظ فقد انطلق من تحليل شخصية الإنسان الفردية، باعتباره كيانا ضعيفا. لذلك من اللائق التذلل والتواضع فهو "أذا جاع صرع، وإذا شبع طغى". وأستند هنا أيضا إلى حديث (موضوع) رغم انه يستمد مقوماته من القرآن يقول "العظمة رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه"[10].

ولم يسع الجاحظ في مواقفه هذه سوى للتأكيد على أن الإنسان لا يكون نبيلا حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخُلق. وبهذا يكون قد أرسى أسس الموقف الاجتماعي والسياسي والأخلاقي المعارض للتكّبر والتنّبل المزيف. ووضع حصيلة تصوراته وأحكامه بهذه الصيغة في عبارة مكثفة تقول، بأنه "لم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهمت العقول، عملا احتباه ذو عقل أو اختاره ذو علم بأوبأ مغبة، ولا انكد عافية، ولا أوخم مرعى، ولا أبعد مهوى، ولا أضّر على دين، ولا افسد لعرض، ولا أوجب لسخط الله، ولا أدعى إلى مقت الناس، ولا أبعد من الفلاح، ولا أظهر نفورا عن التوبة، ولا أقلَّ دركا عند الحقيقة، ولا انتقض للطبيعة، ولا أمنعَ من العلم، ولا أشد خلافا للحلم، من التكّبر في غير موضعه، والتنبّل في غير كنهه"[11].

لقد استجمع الجاحظ في تقييمه المذكور أعلاه كافة الأبعاد الأساسية في نقد ظاهرة التكّبر والتنّبل المزيف، بعد إخراجها من معنى الوجود الإنساني الحق. وليس مصادفة أن يسعى الجاحظ أيضا إلى رفع هذه القضية إلى مستوى الرؤية الميتافيزيقية، بحيث نراه يجعل من التكّبر "أول ذنب في السموات والأرض". وبغض النظر عن الموقف الأخلاقي والصورة الدينية الميتافيزيقية في هذه العبارة، فإن مضمونها الاجتماعي غاية في الوضوح، ألا وهو معارضة الظلم والاستبداد. فعندما يقول الجاحظ، بأن "الكِبر هو أول ذنب كان في السمو ات والأرض، وأعظم جرم كان من الجن والأنس"[12]، فإن مضمونه الفعلي، حالما يجري تجريده من صور الدين ولاهوتية الرؤية، يعني أن الكِبر والاستكبار والتجّبر وما يلازمه بالضرورة من التنّبل المزيف ما هو في نهاية المطاف سوى الصيغة الفجة لفاعلية الرذيلة بمختلف أشكالها وأصنافها ومستوياتها. إذ لا يعني أن ابليس هو أول من استكبر سوى الصيغة المقبولة لذهنية العوام عما يمكن دعوته بالنموذج "المتكامل" لظاهرة التكّبر. وبالتالي، فإن كل مظاهره الواقعية ليست إلا أشكالا جزئية لهذه النزعة الإبليسية. ومن ثم ادانتها بالضرورة وإدانة الواقع. إذ ليس إبليس سوى الصورة النموذجية التي تجمع في ذاتها نفس الصفات التي نعثر عليها عند البشر مثل الكِبر، والاحتجاج بالباطل، والزور، والحسد، والظلم، والخديعة والذم.[13]. بل نراه يطير في سماوات التفلسف اللاهوتي بهذا الصدد ولكن دون الوقوع في فخاخه المغرية. فهو يدرج ويحاصر الصورة الدينية اللاهوتية عن نموذج التكّبر في شخصية ابليس ضمن عالم الاسطقسات الإغريقي أو عالم المكونات الكبرى للطبيعة أي الفكرة الفلسفية عن العناصر الأربعة أو الأركان الأربعة. فاحتجاج ابليس بأنه نار، ومن ثم الأفضل غير صحيح، انطلاقا من أن منافع العالم نتاج أربعة أركان وهي نار يابسة حارة، وماء بارد سيال، وأرض باردة يابسة، وهواء حار رطب. ومنها استناج الجاحظ موقفه عن انه "ليس منها شيء مع مزاوجته لخلافه إلا وهو مبق على أن النار نقمة الله من بين جميع الصفات: اسرعهن اتلافا. وهذا كله ثمرة الكِبر"[14]. ووجدت هذه الفكرة تحقيقها في الموقف النقدي المباشر وغير المباشر لظاهرة التكّبر والتجّبر وما يرافقها من تنبّل مزيف. فعلاقة السلطان بالجمهور، ضمن مفهوم وسلوك الطاعة، هي سلطة شكلية ظاهرية، كما يقول الجاحظ. الأمر الذي يجعلها قاسية بالضرورة. ووضع هذه الفكرة النقدية في عبارته القائلة، بأن "السلطان يملك أبدان الناس، ولهم الخيار في عقولهم". وهي الفكرة التي سيقول بها الغزالي لاحقا، في مجرى نقده للفقه والفقهاء، عن انه لا ولاية للفقيه على القلب. بمعنى إن الأعماق السحيقة للإنسان ينبغي أن تبقى خارج سلطة الفقهاء. بينما قرر الجاحظ قبله بقرون من أن العالم الباطني للإنسان في عقله ووجدانه يبقى حرا رغما كل السلطة المتجبرة على الأبدان. الأمر الذي يجعل منها بالضرورة زائفة وقاسية بقدر واحد. ومن ثم عرضة للتحلل.

وبالمقابل كان نقد الجاحظ لرذيلة التكّبر والتجّبر والتنّبل المزيف مبنيا على اساس الاعتراف بقيم وفضيلة العقل والإرادة الإنسانية الحرة، التي ترفع شعار "احتمال الفقر اهون من احتمال الذل". وذلك لأن "الرضا بالفقر قناعة وعز، واحتمال الذل نذالة وسخف"[15]. وعموما إن كل الصفات الرذيلة هي وحدة واحدة من حيث قوتها على التخريب والتدمير الأحمق للعقل والضمير والإرادة. وليس اعتباطا أن يضع الجاحظ كل من اللئيم والحاسد والخائن في سلة واحدة. بل ونراه يجعل من بين أهم معاييرها ومحكها الموقف من الأديب. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "ليس يأمن اللئيم على إثبات جميع ما اشتمل عليه أسم اللؤم إلا حاسد. فإذا رأيته يعّق أباه ويحسد أخاه ويظلم الضعيف ويستخف بالأديب، فلا تبعده عن الخيانة"[16]. وهنا نقف أمام معايير يكون فيها الأديب مرجعية وفيصلا لحقيقة المواقف وليس الله والأنبياء وما شابه ذلك. لقد أراد إرجاع الفضيلة والرذيلة وقيمها إلى عالم الإنسان الواقعي والفعلي. والحكم بها وعليها بما يتوافق مع مساعي الروح العقلي الإنساني صوب الكمال أو السؤدد الذاتي. وضمن هذا السياق يمكن أن نفهم لماذا يفرّق الجاحظ بين عيوب أخلاقية قابلة للعلاج وأخرى غير قابلة. فالظلم والحمق والبخل عيوب يمكن معها السؤدد، إلا أن الكِبر والكذب والسخف والجهل بالسياسة لا يمكن معها السؤدد[17]. واستشهد الجاحظ هنا بموقف وكلمات قتيبة بن مسلم الباهلي (القائد العسكري العربي الفذ) عندما رفض توجيه قوة عسكرية بقيادة وكيع بن ابي سود، لأنه بنظره رجل عظيم الكبر. إذ لأن "من عظم كبره اشتد عجبه، ومن اعجب برأيه لم يشاور كفيا، ولم يؤامر نصيحا، ومن تبجح بالانفراد وفخر باستبداد كان في الظفر بعيدا والخذلان قريبا، والخطأ مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة، وإن كانت الجماعة لا تخطأ والفرقة لا تصيب"[18].

لقد كانت هذه النتيجة الوصية العملية التي تكشف عن أن للكِبر والتجّبر والتنّبل المزيف نواقص ورذائل لا تغتفر، وذلك لأن نهايتها استبداد وخذلان وخيانة. وتاريخ الأفراد والدولة والسلطات يبرهن على صحة هذه الفكرة التي ترتقي إلى مصاف البديهة النظرية والعملية، لكنها الأكثر رسوخا في ظاهر البشر وبواطنهم بسبب بقائهم ما دون العقل وحقيقة الأدب.

 

ا. د. ميثم الجنابي

***

[1]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، منشورة في مجلة Arabica/ Vol. XIV, October, 1967  تحقيق ونشر ج. بيلات،ص283.

[2]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص282

[3]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص281.

[4]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص281.

[5]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص280.

[6]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص274.

[7]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص247.

[8]    الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص270.

[9]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص274-275.

[10]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص279.

[11]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص276.

[12]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص276.

[13]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص276.

[14]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص275.

[15] الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر. ص282.

[16]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص278.

[17]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص272-273.

[18]   الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص270.

 

مجدي ابراهيمفي مقال سابق عن تربية الشعور الديني ذكرت شيئاً عن الخواطر كونها معتمد العمل في الأساس، وذكرت شواهد منصوصاً عليها في إطار تزكية الشعورُ الديني كونه مورداً من موارد العاطفة، بل وربما يكون أساساً لها وأصلاً. ولا معنى للدين بغير العاطفة، وتساءلت حينها: كيف يتّصل العبد بخالقه وهو مُجَرَّد عن العواطف النبيلة الدافعة إلى الاتصال بالله؟

تأكيداً لعاطفة الشعور الديني، تبرز أمامنا ملامح توجهات السّرائر لدى أهل البصائر؛ لتتخذ من العاطفة النبيلة مناط حركة وعمل وتوجّه، ودوافع غائرة في وجدان أصيل، وبواعث وعي وعقل وتفكير.

فإذا كانت العاطفة خاصَّة قلبية لطيفة هى مستودع الأسرار الإلهية، فللقلب طاقة نورانية نافذة إلى ملكوت السّموات لا تتغذى إلا بهذا الرافد الشعوري الذي يتصل بالعاطفة فتتصل العاطفة بالقلب، فيتصل القلب بالنور السّاري في أجزاء الكون كله: تفاصيله وذراته وممكناته.. ولله في خلقه شئون!

وللدين في قلوب المؤمنين سلطاتُ عجيب يتنامى في شعور الشاعرين بوجود الله ويزداد ليرتفع إلى أسمى آيات الإيمان: هو سلطان الإيمان يقوى في الضمائر ويعلو ويشتد كلما قوت روحه وعلت واشتدت إلى حيث الاتصال بالله من طريق الحب لا من طريق المعرفة النظرية.

والطريقان قد يجتمعان ولكنهما لا يستويان لا في الدرجة ولا في النوع ولا في طريق الوصول، لأن طريق المعرفة النظرية برهان عقلي وكفى؛ هو إلى الجفاف والصلابة أقرب منه إلى شاعرية الوجدان الديني ومعاناة التجربة الشعورية الفياضة بمعايشة الإيمان؛ فمثل هذا "الإيمان" الدافق الفعال في قلوب المؤمنين لا يسعه البرهان العقلي ولا تحتويه مساحة الأدلة النظرية؛ ولكن مساحته التي تسعه هى "قلب المؤمن" الذي يرى الأشياء بنور الله ويشعر شعوراً قوياً أن الله معه في كل حال، وأن الحب أسمى وأقوى وأشد فاعلية من جميع البراهين النظرية.

وأغلب الظن أن الله تعالى عرف بالحب لا بالعقل ! لأن العقل في الغالب معزول عن المعرفة الإلهية: أنت تبحث بالعقل المشكلات اليومية والمبادئ المفروضة، وبالعقل تستن الحجج المنطقية لتجادل بها من تود مجادلته لتقنعه بشيء ما يفرضه هواك، ثم تتلذذ بانتصارك عليه وإفحامك له وتنتشي فرحاً كلما فزت بالعقل على خصمك فتثني على العقل لا لأنه عقلك عن صفات مرذولة كنت ستقع فيها وأنت تدري أو لا تدري، ولكن لأنه أعانك على نصرة هواك؛ فما دخل معرفة الله ها هنا بالعقل؟

وأي عقل تلك أوصافه له تحصيلٌ بمعرفة الله؟ يٌعرَفُ الله - تعالى الله عن المعرفة - بالله لا بالعقل. أما العقل فهو من العجز بحيث لا يَدل إلا على عاجز مثله. العقل عاجز عن أن يعرف نفسه، وإلا فما وقع الخلاف البادي بين المتحاورين والمتجادلين من أجل نصرة هواهم على سواهم، بل لو كانت هناك معرفة يتوصّل إليها العقل في ذاته ما صحّ أن يكون ها هنا خلاف ولا نزاع ولا شقاق يؤدي بالضرورة إلى ذهاب الريح!

أفئن دلَّ ذلك على شيء؛ فمدلوله الأقوى أن"الوحدة العقلية" مفقودة أو تكاد بين الناس؛ فكيف يتأتَّى لي الزعم بعد ذلك أن تكون هى هى المقياس الصالح لمعرفة الله؟

إنما المقياس الصالح لمعرفة الله هو "الحب"؛ فالله بالحب لا بالعقل عرفوه! ولو لم تكن هناك موهبة إلهية تمكن الموهوبين بقدرة المعرفة بالله عن طريق المحبة ما جاز أن يكون الله معروفاً بغير هذه الوصلة الروحيّة والصلة الكمالية في عباده المقربين. وليس من شك في أن هذا الطريق الأخير "طريق الحب" لهو نفسه الطريق الذي يعمق من سلطان الدين في القلوب ويُعلي من شأنها - بتفعيل الدين وتثويره - ليهبها مثل هذه الدرجة الواعية: أعني تلك الوصلة الروحية التي تكشف، على الحقيقة، قوة الدين وأغواره الدفينة في نفوس المؤمنين. ولننظر إلى قول من قال: أحبابنا شتان: واف وناقضُ.. لا يستوي قط محبُ وباغضُ.." وما يستوي الأعمى ولا البصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور.. وما يستوي الأحياء ولا الأموات. إنّ الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور".. "والمرءُ مع من أحبَّ".

ليس هناك شعوراً قط أقوى وأنبل من ذلك الشعور الذي تكشف التجربة الروحية عنه الغطاء؛ ففي تلك التجربة نفسها تشعر الروح بوعيها المتسامي وذاتيتها المتعالية وحيويتها الباطنة والحاضرة دوماً في رحاب الله؛ تماماً كما تشعر بتحررها عن العلائق والأوهام والشواغل ومعاقرة الآفات.

ومن هاهنا تكون "تربية الشعور الديني" كامنة في هذا التحرر: تحرر الروح من سطوات الأغيار. لكن هذه ليست كلمات تُقال بل طريق شاق طويل كله مكابدة وعناء في نهايته يجيء مثل هذا التحرر، لكنما البداية إنما هى فضائل كريمة تُزكي النفس وتترقى بها عروجاً في طريق الكمال: البدايةُ جهاد.. والنهاية اتصال.

أولى هذه الفضائل وأوْلاها فضيلة "الجهاد" الذي تتحقق فيه هداية السبيل. والجهاد عمل دائب وعبادة وتكليف ورباط. الجهادُ هو الذي يخلق للإنسان قوة تمهد لسلطان الإيمان أن يستقر في قلب المجاهد، فتمنع عنه خواطر التعطيل والانحراف؛ ليتفجر من المجاهدة نور يهدي به الله إلى سبيله. لاحظ قوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبُلنا" (العنكبوت: آية 69)، أي الذين يعملون (والعمل جهاد) بما يعلمون؛ يوفقهم الله ويهديهم إلى ما لا يعلمون حتى يكونوا علماء حُلماء.

وتلك هى ولا شك "علوم المعارف" التي هى مواريث أعمال القلوب، تتأتى بالمجاهدة والكدح قاصدة توفيق الله. قال بعض السلف نزلت هذه الآية في المتعبدين المنقطعين إلى الله سبحانه وتعالى، المستوحشين من الناس، فيسوق الله تعالى إليهم من ذوات نفوسهم مَنْ يعلمهم أو يلهمهم التوفيق والعصمة، وإليه الإشارة بقوله تعالى:"ومن يتق الله يجعل له مخرجاً"؛ قيل مخرجاً من كل أمر ضاق على الناس ويرزقه من حيث لا يحتسب: أي؛ يعلمه علماً بغير تعليم ويفطنه بغير تجربة أي بالشاهد الصحيح والحق الصريح.

وكلما تَقدَّم الجهادُ  مثل هذا الحبّ العلوي الذي يستشعره قلب العبد المؤمن مأخوذاً من عين الإتباع لسيد الخلق -  صلوات ربي وسلامه عليه - في قوله تعالى:" قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله"، صار بالتحقيق فضيلة ماضية لا صعوبة فيها ولا مشقة؛ وصارت التربية الروحيّة على هذا النهج النبويّ الكريم هى النموذج الذي ينتهجه الصالحون العابدون العارفون لله من طريق المحبة.

وأول درجات التربية للشعور الديني تكمن في سدّ ذريعة عناء الخواطر: بحذف الخواطر الرديئة والنهوض بالجملة للتحقق من خواطر اليقين الإيماني مع العصمة الدائمة بالرقابة الإلهية على العمل، وعلى الفعل وعلى التصريف؛ فيما يفعل العبد وفيما يقول. وهذا لا يتمّ بغير جهاد ومكابدة. وفي الأثر أن كل قلب أجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين، ولكن يضعف الخاطر ويخفى لضعف المعاني ودقتها، ويقوى اليقين ويظهر؛ لأن هذه الثلاثة مكان اليقين في القلب، بها جميعاً يقوم فيه سلطان الإيمان ناهضاً غير خذلان.

تتمثل تلك المعاني الثلاثة في "الإيمان"، "والعلم"، "والعقل". ولنا أن نلاحظ أن العقل المذكور هنا ليس هو العقل النظري المنطقي الاستدلالي المجرّد عن الفاعلية العملية.. كلا بل هو العقل عن الله، هو الخاصة الإنسانية التي تعقل أوامر الله وتنتهي عند نهيه، ولا يخلو هذا العقل العملي من استدلال يقوم على شرطه ويجرد النظر العقلي وفق خاصته، لكنه لا ينفصل مطلقاً من فاعلية التحقق بالتجربة مع الله.

وعليه؛ فإذا لم يكن القلب يخلو من هذه الثلاثة صار مخصوصاً بصفة أهل الإيقان أولئك:" الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب"؛ هؤلاء هم المخصوصون بتجليات السكينة القلبية التي أنزلها الله تباركت عطاياه في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم.

وبما أن القلب موطن الإيمان لا ريب فهو خزانة من خزائن الملكوت؛ فقد وجب أن يكون محفوظاً على الدوام بنور الإيمان إذا كان الدين الواصب شرعته ومنهاجه وفيض أسراره ومنازل أنواره.

كتب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إلى أمراء الأجناد:"أحفظوا ما تسمعون من المتعظين، فإنهم ينجلي لهم أمورٌ صادقة". وكان أبو الدرداء يقول:" المؤمن ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، والله إنه للحق يقذفه الله تعالى في قلوبهم ويجريه على ألسنتهم". وقال بعض العلماء:"ظنُ المؤمن كهانة"؛ أي كأنه سحر من نفاذه وصحة وقوعه، وقال أحدهم:"يد الله تعالى على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله عزّ وجل لهم من الحق". وأثر عن بعضهم أنه قال:"لو شئت لقلت إنّ الله يطلع الخاشعين على بعض سره"؛ فمن حق مَنْ شاء أن يستغرب مثل هذه الأقوال، وأن يستهجن قائليها؛ ولكنه لن يكون قد تربّى سلفاً على فقه الشعور الديني العميق، فما هو في الأصل إلا نور الحكمة يترائى لهم بمقدار ما ينكشف الحق لمثل هذه القلوب المؤمنة العاقلة عن الله حكمته، كما جاء في تفسير قوله تعالى:"يؤتي الحكمة  من يشاء"، قيل: الفهم في كتاب الله. وقد قيل في قوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا إنّ تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً"؛ إنه "النور تفرقون به بين الشبهات؛ و"اليقين" تفرقون به المشكلات. ومن أصدق من الله قيلاً:"واتقوا الله ويعلمكم الله".

وفي ملكوت القرآن ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد، ومن أجل تربية وجدانية نابضة بالحياة الروحيّة قال أهل البصائر الذين حفظوا قلوبهم بنور الإيمان الثابت الدائم الواصب؛ المترقي بالزيادة إلى عين اليقين، قالوا: إنّ أول ما يَرد على القلب الخواطر، وهو حديث النفس ثم الميل، وهو ميل الطبع إلى العمل. ثم الاعتقاد ؛ ثم حكم القلب بأن ينبغي على الفعل أن يفعل، ثم العزم، وهو عزم الإنسان أخيراً على الفعل في تصميم.

فهذه - كما ترى - سلسلة أخلاقية تربوية، من مراقبة الإدراك: تبدأ بالخاطر الوارد على القلب، وتنتهي بالفعل (أي العمل) وترتد في البداية والنهاية إلى فضيلة الجهاد وإلى شرف المجاهدة. وبما أن الخواطر هى المحركات للإرادات؛ فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنويِّ بالبال لا محالة؛ فبداية الأفعال الإنسانية تكون في الخواطر؛ فأنت لا تفعل الفعل بحركة آلية تلقائية كما لو كنت آلة، ولا تفعله بحكم الغريزة كما لو كنت حيواناً، ولكن تفعله بخاطر يَرد على القلب يحرك البواعث. والبواعث تحرك الرغبة. والرغبة تحرك العزم. والنية تحرك الأعضاء. وهكذا دواليك حركة من خطرة، فالخواطر تحرك الرغبة ضرورة وتدفعها إلى الفعل، إنْ كانت تدعو إلى الخير وهو مما ينفع في الآخرة؛ فإنها تسمى "إلهاماً"، وإنْ كانت تدعو إلى الشر، وهو ما يضرُّ في الآخرة فإنها تسمى  وسواساً". وإنما تأتي التربية للشعور الديني دُرْبة على معروف الخواطر والتفرقة بينها فيما إذا كانت خيراً أو شراً ثم استعداد المرء على أن يعمل بمقتضى الصحيح الخيِّر منها ويترك وراءه ما عداه. فكأنما هذا كله يطلعنا على أهمية تلك الخواطر في أعمال الإنسان: أعرف خواطرك تعرف عملك.

وخاطر الخير سببه الملك.. وخاطر الشّر سببه الشيطان؛ كما قال أبو مسعود رضى الله عنه:" وقد روينا من طريق مسند في القلب لمَّتان: لمَّة من الملك إيعادُ بالخير وتصديقُ بالحق. ولمَّة الشيطان إيعادُ بالشر وتكذيبُ بالحق". ومن صدق العزائم في توجُّهات القلوب المستنيرة بنور الإيمان أن يُرَبِّي العبد كل ما يرد عليه من خير الخواطر؛ يزكيها لتكون "فعلاً" يجزي عليه ويثاب أحسن المثوبة وأفضل الجزاء، ويحفظ قلبه بسياج التقوى إذا ما ورد عليه خاطر الشر: يقلعه ويقمعه قبل أن يصير إرادة تنهض بالفعل على التحقيق.

وبماذا يتم حذف الخواطر الشريرة ؟ والجواب: بالاستعاذة بالله تعالى من نزغات الشيطان كما في قوله جل ذكره:"وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنّه هو السميع العليم".

وإذا تقوى في القلب نور الإيمان، قوت تباعاً نافذة البصيرة المانعة عن النزغ والتلبيس. تأمل قوله تعالى:"إنَّ الذين اتقوا إذا مسَّهم طائفُ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبصرون". هذه البصيرة خطفة من عبقرية مُبصرة ناتجة عن التذكرة، هى لمحة فريدة من الإدراك العلوي. والتذكرة حركة قلبية تتولد عن فعل التقوى: أعني النور الإيماني الصادق في الترقية اليقينية المحفوظة داخل تلك اللطيفة المشار إليها بالقلب.

وأنت ترى في كل هذا فعالية الجهاد حركة معمولاً بها كل العمل؛ لا تعطل لحظة واحدة من لحظاتها الشريفة؛ إنْ في الشعور وإنْ في العمل. إنها لتمْضِي عملها وتحقق طريقها في اللحظة الخاطفة والخاطر اللمَّاح؛ وذلك لأنها فعالية ( المجاهدة) تتحكم في أدق الدقائق لعمل النفس الباطني؛ وإنها لقدرة لا تتهيأ لأحد إلا لأولئك الذين اكتسبوها بالنظام المقرَّر في طريقهم وبالأركان التي وضعوها قوائم لهذا الطريق؛ فعالية للجهاد وتمرين للعبد وتدريب لنفسه وتهيئة له للاتصال بالحقيقة الإلهية، فضلاً عن كون هذا النظام التربوي يحقق أكبر طاقات الطمأنينة القلبية والسلام النفسي ويجلب السعادة الداخلية التي يعز وجودها ويندر فيمن أرادوا أن يعطلوا في نفوسهم وقواهم مثل هذه الفعالية الجهادية من طريق الإيمان. ثم إنه ليكشف عن اتصال الدين بالعاطفة الوجدانية، وتنمية هذه العاطفة وفق مقررات المنهج المشروط فيها. وأن الشعور الديني في ذاته قائمٌ على تضحيات بالمطالب العاجلة في سبيل تحقيق القدر الكبير من المطالب الآجلة، مع أن هذه الآجلة مكشوفة مرئية مع الفاعلية رؤية العين؛ هى نفسها اليقين الذي أشارت إليه أدبيات أذواق المجتهدين.

ولك من بعدُ - إنْ شئت- أن تتصوَّر أنه كلما مرَّت "اللحظة" خاطراً ولم تتدارك ولم تضمحل صارت شهوة. وإذا لم تتدارك الشهوة صارت طلباً. وإذا لم يتدارك الطلب صار عملاً فعلياً مُحققاً في الواقع الفعلي.

وسلطان الإيمان زاجرُ لكل هذا، وفوق هذا، إذا ما كان علو كل قلب على قدر إيمانه؛ لأن الإيمان في هذه الحالة هو هو "البصيرة القلبية" ذات القوة المانعة عن شرور الخواطر من جهة، ثم هو هو القوة الدافعة من جهة أخرى إلى خير الخواطر وتزكيتها بفضل الله.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

محمد بنيعيشأولا: التنزيل الأخلاقي للأحكام الفقهية وقياس الأولى

الأخلاق ليست غباء ولاهي مركبة ومطية، ولا هي عائق وحائل بين مقتضيات السياسة والمجتمع ومطالب التقدم والازدهار وتحقيق الاستقرار.وإنما هي بناء وغذاء ودواء وشفاء، وفي غيابها لا يوجد سوى الداء، الداء الوبيل من جنس الطير الأبابيل. حيث التفتت والتشتت، والتنافر والتناقر، والجار والمجرور، والماكر والمغرور.

وتظهر قيمة الأخلاق أكثر عند وجود حدث عام ذي بال أو زلزال اقتصادي وأمني وسياسي، بل فكري أيضا، قد ينال من المجتمع ككل ويهز استقراره ويقظ مضجعه، فتتضارب حينذاك المصالح وتتناقص المنافع ويضيق الحال، ثم تبدأ النفوس بنفث ما بداخلها من دفائن وذخائر وستائر ونوايا، كل له مقام وما يحتويه من سقام...

ومن هنا فأخطر ميدان يمكن له أن يكون إما عاملا لترسيخ المبادئ، وعلى رأسها العدالة والصدق في التخطيط والتدبير، وإما مكرسا للاستغلال والأكل على جثث الأموات والمعطوبين والمصابين، هو ميدان التشريع، أو الفقه والقانون، أو الفلسفة السياسية والإدارية .فلنسم الأمر بما شئنا مادام هناك مبدأ لا مشاحة في الاصطلاح إذا عرف المعنى.

والفقه السليم هو العين الراصدة والرائدة والآخذة بناصية المجتمع ووجهته شرقا أو غربا، ولكن كماله يكمن في :" فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا".وقبلة المجتمعات والشعوب في باب العدالة والحكم هي تحقيق الاستقرار ودفع المشاق ورفع الحرج، والضرر يزال.. وهذه كلها قواعد فقهية متلازمة وذات أسس أخلاقية من النوع الرفيع.

إن هذا الربط بين الأخلاقيات والاجتماعيات مع القواعد الفقهية سنجده عند كثير من الفقهاء المسلمين الثائرين على الأرعنين من المستغلين والمميعين لمفهوم الدين ومقاصده السامية العالية. ومن بين هؤلاء كنموذج نجد أبا محمد علي بن حزم الأندلسي، الذي سيكرس هذا المعنى في دراساته الفقهية، وسينحو باجتهاداته إلى مسالك أخلاقية دقيقة، مستشهدا في ذلك، ابتداء وانتهاء، بالنصوص القرآنية والحديثية.

فإذا كان أصحاب الصناعات الخسيسة، في نظره، كأهل التعيش بالزمر وكنس الحشوش ..تتأثر نفوسهم بهذه المهن وتظهر عليهم أعراض الرذيلة بسببها فإنه سيأخذ هذا المبدأ ليبني عليه حكما فقهيا معطرا بأخلاقيات لائقة به، فيقول في موضوع النفقة على الأقارب:

"وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم:عقوق الوالدين من الكبائر، وليس في العقوق أكثر من أن يكون الابن غنيا ذا حال ويترك أباه أو جده يكنس الكنف و يسوس الدواب ويكنس الزبل أو يحجم أو يغسل الثياب للناس أو يوقد في الحمام ويدع أمه أو جدته تخدم الناس وتسقي الماء في الطرق!فما خفض لهما جناح الذل من الرحمة من فعل ذلك بلا شك، وقال تعالى:"وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم"...."[1].

وحينما يتحدث عن المهن، فليس معناه انتقاص لقيمتها، ولكنه تعبير عن حقيقة نفسية لا يمكن نكرانها، وهو ذلك الانعكاس الذي يقع على النفوس بسببها، والذي هو في حد ذاته من مولدات الرؤية الاجتماعية التي تعمل على تكريس الطبقية بحسب المهن في حد ذاتها لا بمجهود الممتهن ووظيفته ومردوديته...

هكذا إذن سيحاول ابن حزم الربط بين المبادئ الملتزمة ونتائج الملاحظات المباشرة، ساعيا في آن واحد إلى الإصلاح الاجتماعي، عن طريق إبراز تلك المبادئ على المستوى الفقهي والقضائي لتحقيق الفضيلة، كنتيجة تربوية وإلزام قضائي، إذا اقتضى الحال فقد تتدخل السلطة لتحقيق هذه المبادئ الخلقية، والتي صيغت عن طريق وضع اللمسات على مكامن الأدواء والأمراض التي توجد في تجاعيد المجتمع وحناياه ومداخله الأسرية الدقيقة.

ثانيا: التوافق الشرعي والفلسفي حول الخلق الاجتماعي

إن هذا الاتجاه المنهجي في دراسته الأخلاقية ذات المعتمد الاجتماعي لا يمكن أن يفهم بما دأبت عليه المدارس الاجتماعية الحديثة التي تريد أن تجعل من المبادئ الأخلاقية انعكاسا لما درجت عليه المجتمعات.

لأن هذا قد يعني أن علم الأخلاق مجرد مواضعة وعرف اجتماعي، وبالتالي حصر مبادئه في وقائع آلية صدرت من مجتمعات معينة على مر الزمان حتى أمكن جمع هذه المبادئ الخلقية التي يكاد يجمع عليها أغلب العقلاء من الناس.

فقد كان من أهم من تزعم هذا الاتجاه في تفسير أصل الأخلاق بهذا المفهوم أصحاب المدارس الاجتماعية على رأسهم دوركهايم وتلميذه ليفي بروهل[2] .

فالأخلاق عند هؤلاء تعتبر تتويجا لعلم الاجتماع، وهذا يستند إلى مفهوم مفاده أن"ما هو أخلاقي معطى أوليا سبق وجوده كل مناقشة نظرية ...ويكتمل هذا المفهوم بالفكرة النسبية القائلة بأن هذا المعطى يتفق مع عصر ومجتمع معينين[3].

إن هذه الاتجاهات الحديثة التي تبني أخلاقها على معطيات اجتماعية لا تقدم لنا حلا واضحا للمشكلة الخلقية، إذ اعتبار الشيء فضيلة أو رذيلة ليس رهينا بالوقائع والأحداث، وإنما هو تصور أولي قد يكون حدسيا ودون وسائط ومقدمات منطقية أو تجارب عملية على مستوى اجتماعي.

فلولا استشعار الإنسان ابتداء للقوانين الأخلاقية لما تم له الاتصال بأخيه ومعاشرته والتودد إليه وبناء هذا المجتمع، الذي أصبح حقلا تجريبيا لتلك المبادئ الأخلاقية الدقيقة في أعماقه النفسية.

فالأخلاق أصلها عطاء من الله تعالى، وهي شيء ضروري لاستمرار الحياة الاجتماعية، وليس أن هذه الأخيرة مصدر الأخلاق من حيث الابتداء، وإن كانت تساهم في تطويرها شكلا وعادات وتقاليد.

إذ لولا وجود خلق معين عند الإنسان الأول يربطه بأخيه ويصله به لما تم له تعاون معه أبدا، وإن أردنا القول فالأخلاق فرع من اللغة الإنسانية العامة التي يتم بواسطتها التعايش والتعامل الإنساني البناء وهو ما يراه ابن حزم مبدئيا كما سنراه بالتفصيل[4].

ثم؛إذا كان للفلسفة من هدف في دراستها فليس ذلك إلا محاولة موافقة الشرائع التي أرسل الله بها الأنبياء ولتعليم الناس الفضائل وتحذيرهم من الرذائل.

فالفلسفة تبع للشريعة "والغرض المقصود نحوه بعلمها ليس هو شيء غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد وحسن السياسة للمنزل والرعية وهذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة..."[5].

من هذه المفاهيم يتضح أن المرمى الذي يقصده في قياسه للأخلاق بالأوضاع الاجتماعية يختلف جوهريا عن المفاهيم الحديثة، التي تريد أن تبني الأخلاق على علم الاجتماع .

إذ أنه يرى أن الأخلاق موجودة قبل وجود الأنماط الاجتماعية المختلفة الاتجاهات، فهي تعليم من الله سبحانه وتعالى منذ الابتداء كجنس واستعداد كلي، وهي مواهب وليست مكاسب ذاتية حينما تكتمل في شخص ما.

إذ ليس كل من يلاحظ مسارا اجتماعيا معينا يتولد لديه شعور أخلاقي ونمط سلوكي معين كما يقول:

"وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه لكنه قليل جدا، ورأيت من طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ووصايا الحكماء وهو لا يتقدمه في خبث السريرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، فعلمت أنها مواهب وحرمان من الله تعالى"[6] .

باختصار؛ فإن نظرته الأخلاقية وعلاقتها بالاجتماع البشري هي من باب التفاعل الحاصل بين الوازع الداخلي والمجابهة الخارجية وحدوث انعكاسات هذه الأخيرة على المسار السليم للأولى.

من هنا فسينتقل الإنسان من ميدان الفضيلة إلى مستنقع الرذيلة، وليس أن أصل الأخلاق هو المظاهر الخارجية للمجتمعات التي تشكلها حسب اتجاهاتها ونشاطاتها العملية على غرار ما ذهب إليه علماء الاجتماع المحدثين -كما رأينا-لأن الأخلاق عند ابن حزم وعند المسلمين شيء ثابت قد يمكن البرهنة عليه من عدة وجوه.

بهذا فإن كتاب "الأخلاق والسير" يكون قد ضم ملخص اتجاهاته الاجتماعية وارتبط عضويا بسائر مؤلفاته الأخرى، سواء النفسية أو التاريخية الاجتماعية وأيضا ما يتعلق بالفقه والسيرة النبوية بالدرجة الأولى، فجاءت دراسته في صورة أخلاقية متميزة ومتخصصة وهادفة كما رأينا بعض جوانبها.فهل لنا من وقفة عامة لمراجعة القوانين والفتاوى والقرارات الإدارية على أسس أخلاقية عادلة ومطالب اجتماعية ضرورية وموضوعية حتى نفتخر بما حققناه وما قد نحققه؟...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

[1]ابن حزم: المحلى، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ج10ص1008

[2] عبد الرحمن بدوي: الأخلاق النظرية، وكالة المطبوعات، الكويت ط1ص39

[3]فرانسوا غريغورا: المذاهب الأخلاقية الكبرى ص109

[4] ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام، مطبعة السعادة مصر ط1-1345ص31

[5]ا بن حزم: الفصل...ج1ص94

[6] ابن حزم: الأخلاق والسير ص 25

 

ميثم الجنابي"ليس يحسن عصى موسى وسحرة فرعون إلا دون ما تحسنه القيان" (الجاحظ)

توطئة: يعادل معنى القيان والغواني معنى الممثلة والراقصة والمغنية في ظروفنا وحياتنا المعاصرة. وقد كانت هذه الشخصية الثقافية وإبداعها الفني الطريق الذي دخلت فيه المرأة آنذاك في منافسة الرجل والتفوق عليه أحيانا. ففي مجرى تطور الثقافة عادة ما تضعف قيم الماضي للبطولة والخطابة والمواقف العملية، لكنها تستعيد ذلك من خلال الفن بمختلف أصنافه. كما نعثر في هذه الظاهرة أيضا، من الناحية الثقافية، على احد أنماط الفن والإبداع الفني. فكلما يتوسع مدى الثقافة في الآفاق والأنفس، كلما تلاقى وتتمازج متطلبات الروح والجسد، وتجعله أكثر تناسقا وجمالا أحيانا، وأشد قبحا ورذيلة أحيانا أخرى. فالفن كالحياة. من ثم يحتوي على كافة المتناقضات، بوصفه طريق وأسلوب الإبداع وتصنيع الجمال. وكلما تنحط الثقافة وتعود إلى قاع الحس البدائي، فإنها تترسب بهيئة قوالب أفضلها أرذلها! ومن الممكن الاتيان هنا بإحدى النكت الواقعية، عندما جاءت جوقة فنية من المغنيين والراقصين (غواني وقيان الماضي) إلى العراق. وحالما جرى تسجيل معلومات الدخول، أجابت احدى المشاركات على السؤال المتعلق بالمهنة بكلمة "راقصة". فاستغرب الرجل هذه المهنة ولم يعرف كيف يضعها ضمن سياق الاستمارات الشكلية. عندها استفسر من الضابط عن معناها وكيفية كتابتها، فأجابه الضابط: اكتب قحبة! أي عاهرة. مع إن كلمة القحبة (أو بصورة أدق القحباء) بالعربية لا تحتوي على هذه المعاني، بل تشير إلى نوع من النساء المتميزات بالعراك والمشاجرة والأصوات العالية، التي يطلق عليها بالعراقية الدارجة كلمة "امرأة بعارية". وهي حالة ثقافية مازال لها قوتها، رغم صعود نجومهن، ولكن في الأساس ضمن عالم القيان والغواني أيضا. بينما ما زالت المهن العلمية بعيدة المنال نسبيا. لكنها ظاهرة تاريخية يتوقف اضمحلالها أو توسعها على مدى ونوعية التطور الاجتماعي والثقافي بشكل عام والحرية الفردية والاجتماعية بشكل خاص.

وقد كان من الأولى أن اضع لهذا المقال عنوان (الجاحظ وعوالم النسوان والوجدان). لكن بما انني بدأت قبل سنوات بكتابة كتاب تحت نفس هذا العنوان (نسوان ووجدان)، ثم توقفت عنه، وبقي مجرد فصول لم تكتمل. وقد لا تكتمل بسبب الذوق العربي المعاصر الذي لا يتقبل ما فيه، لأنه يضع كل ما فيه على مبضع المواجهة الحقيقة مع النفس. ومن ثم تحرجه بأقسى أنواع التعرية الذاتية وتضعه أمام أدق وأحرج معايير الإخلاص والبوح بالنفس وما فيها بوصفها تجارب حية، مهمتها توسيع وترسيخ الحرية، باعتبارها القيمة العليا وجوهر الوجود الإنساني. فالحرية السائدة في الوعي العربي الحديث والمعاصر تبقى مجرد غلاف وألفاظ، بينما الحرية الحقيقة تفترض إلقاء كل ما في الإنسان وعليه والوقوف أمام المطلق وهوته غير المتناهية في النفس. فالبصيص الوحيد للحرية في الكينونة العربية المعاصرة وأفرادها عادة ما يبرز بخجل ووجل من وراء خبايا الجسد. في حين أن الحرية تفترض "تعرية" كل ما في الوجود ووضعه على لهيب الابتلاء الفردي والاجتماعي والقومي، فبدونه لا حرية متكاملة بمعايير تجاربها الذاتية. لأن الحرية هي بلاء وابتلاء، اي الصيغة الأجمل والأعمق للإبداع الإنساني. وحالما يجري تذوقها بمعاييرها عندها تتساقط حراشف الوجود الخشنة وقيمه الغبية أمام نار المصير بوصفه نورا متوهجة، وشعلة خفية تكمن وراء كل إبداع أصيل.

***

وقد كانت هذه الحرية العميقة للجاحظ، التي أرست المعتزلة أسسها العقلية، منذ أن رفعت مبدأ حرية الإرادة إلى مصاف المبدأ الجوهري في منظومتها الفكرية والعملية. فإبداع الجاحظ، شأن عيونه، ناتئة في ملامح إبداعه. وليس مصادفة أن تتخذ الفكرة عنده هيئة الوحدة الجذابة للبيان والوجدان والعقل الثقافي. فبيان الجاحظ هو على الدوام بلاغة الحرية وروحها الثقافي.

وأسس الجاحظ ودعم فكرة الحرية الفعلية للمرأة من خلال ربطها بفكرة الجميل والجمال. فهي القوة التي تضفى على كل ما في الوجود رونقه الخاص. ومن ثم يكون قد اسس لفكرة النافية عن المرأة بوصفها مادة للهو واللذة والبيع والشراء تحت اي مسمى كان. ووضع لهذه الفكرة اسسها المنهجية العقلية. بمعنى انه لم يتنظر اليبها بمعايير الخطابة والبيان، بل بمعايير العقل الثقافي. ومن ثم اسس للعلاقة العضوية بين الطبيعة والثقافة في كينونة المرأة التاريخية وقيمتها الروحية والجسدية والجمالية. وانطلق في منهجه هذا بالتوكيد على انه "ليس كل صامت عن حجته مبطلا في اعتقاده، ولا كل ناطق بها لا برهان له، محقا في انتحاله. والحاكم العدل من لم يعجل بفصل القضاء دون استقصاء حجج جميع الخصماء. ودون أن يجول القول فيمن حضر من الخصماء والاستماع منه، وأن تبلغ الحجة مداها في البيان. ويشرك القاضي الخصمين في فهم ما اختصما به"[1]. بمعنى، إن الحكم الجازم الصارم بصدد إشكالية المرأة الثقافية (الدينية والدنيوية، الأخلاقية والجسدية وغيرها) أيا كان صداه ومداه لا يعني شيئا بالنسبة للحقيقة، لكنه يعني الكثير بالنسبة لتربية الفهم الخاطئ والإفهام الخربة والمفاهيم المشوهة. مع ما يترتب عليها من أحكام اقل ما يقال فيها أنها مجافية للحقيقة ومعارضة للحق. من هنا أهمية البحث في المتضادات عن الوحدة الدفينة الكامنة التي تقف ما وراء أصوات الرجال الخشنة وولعهم بإتقان العبارة الرنانة عن الخشية والورع والحياء، بينما أعماقهم هي مزبلة الرذيلة. إذ لا حق هنا يتعدى أو يمكنه أن يكون فيصلا ما لم "تبلغ الحجة مداها في البيان"، أي أن تكون جلية للروح والعقل والجسد. فالحق مكين بظهوره، كما يقول الجاحظ. ومن ثم فهو "مبين عن نفسه، مستغن عن أن يستدل عليه بغيره". فالحق الجلي بمعايير الحقيقة كاف بذاته. ولا يحتاج إلى غيره. وهي فكرة كانت تحتوي في أعماقها على ضرورة الرجوع، كما هو شأنه في كل المواقف والأحكام، إلى العقل ووضع نتائجه على محك التاريخ الواقعي. ومن ثم عرض كل ذلك بمعايير البيان والبلاغة والجمال. من هنا استنتاجه القائل، بأنه يمكن الاستدلال بالظاهر على الباطن والجوهر بالعرض، غير انه لا معنى للاستدلال بباطن على ظاهر[2].

لقد أراد الجاحظ القول، بأنه لا معنى بالاستدلال بما هو ثانوي وجزئي على ما هو جوهري وكلي. والقضية هنا ليست في أن هذا النوع من الاستدلال يتعارض مع ابسط قواعد المنطق، بل ويتعارض مع طبيعة الأشياء نفسها. وهي الحصيلة التي وضعها في قاعدة منهجية عميقة تقول، بأن، "الفروع لا محالة راجعة إلى أصولها. وأمور العالم ممزوجة بالمشاكلة، ومتفرّدة بالمضادة، وبعضها علة لبعض... وكل ما في الوجود خول ومتاع إلى حين. إلا أن أقرب ما سّخر له من روحه وألطفه عند نفسه الأنثى[3]". بعبارة اخرى، إن الوحدة القائمة في وجود الأشياء كلها، هي الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه بغض النظر عما يعترضها وفيها من مشاكلة وتفرّد. وذلك لأنها كلها علة لغيرها. إذ كل ما في الوجود هو خول، أي تخويل للإنسان ومتاع، أي غذاء وجوده المادي ومتعته الروحية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة العامة والمجردة لوحدة المادي والروحي فيه. وبالنسبة للرجل ليس هذا الأصل والمتاع والمتعة سوى المرأة. فهي الكيان الذي يحتوي على متضادات الوجود كالحياة نفسها.

وقد كانت هذه الفكرة في رؤية الجاحظ تمثل ما يمكن دعوته بمحاولته الكشف عن وحدة الطبيعة والثقافة في المرأة وصيرورتها التاريخية. ومن ثم إخراجها عن اطار وقيود العادات والتقاليد "المقدسة". من هنا قوله، على سبيل المثال، بأنه لولا المحنة والبلوى في تحريم ما حرّم وتحليل ما احّل، لم يكن أحد أحق بواحدة منهن من الآخر....كما ليس بعض السوام (الماشية والإبل الراعية) احق برعي مواقع السحاب من بعض، ولكان الأمر كما قالت المجوس إن للرجل الأقرب فالأقرب إليه رحما وسببا منهن"[4]. لكن الجاحظ لم يسع من وراء ذلك إلى إرجاع العلاقة بالمرأة إلى مستوى الطبيعة البدائية أو الغريزية البحت، بل سعى لوضعها ضمن سياق الرؤية العقلانية العاملة بمعايير القواعد والقيم المتسامية، أي ما اطلقت عليه عبارة البحث عن تناسق الطبيعة والثقافة في الرؤية والمواقف من المرأة. من هنا فكرته عن أن الحلال هو كل ما لم يحرّمه القرآن و"ليس عل استقباح الناس واستحسانهم"[5]. ولم يسع الجاحظ من وراء ذلك إلى الاباحية والعدمية والتسيب والفوضى، بقدر ما أراد إنقاذ الفكرة الجوهرية من العوارض المختلفة والعندية في الأحكام عبر إرجاعها إلى صيغة أوسع وأعمق وأكثر رحابة للحرية. ومن ثم الوقوف ضد كل ما تراكم من أحكام وتصورات لا علاقة لها بما لم يجر تحريمه. والتحريم بالنسبة له الصيغة المتسامية لتوليف الرؤية الأخلاقية والحقوقية. من هنا قوله "لولا وقوع التحريم لزالت الغيرة"[6]. وبالتالي، فإن الغيرة بالنسبة له هي ليست ردود فعل الغريزة والجسد المنهك بالقيم الميتة والأعراف القاتلة، بل هي القوة المنّسقة لمتطلبات الروح والجسد. من هنا وضعه احدى الأفكار الإنسانية العميقة القائلة بوجوب إرساء أسس العلاقة بالنساء على وحدة المودة والرحمة والاحترام فيها.

وقد توصل الجاحظ إلى هذه الفكرة المتسامية بمعايير الروح الإنساني وفكرة الحرية من خلال تحليل وربط مكونات الطبيعة والتاريخ والإبداع الثقافي في كل واحد. فعندما تناول، على سبيل المثال، قضية الحجاب، فإنه بدأ من تاريخ العرب قبل الإسلام، حيث لم يكن بين الرجال والنساء حجاب. بل إن العرب كانت تحب المحاورة والغزل. لهذا قالوا عن الرجل انه زير نساء وذلك لكثرة الزيارة مع الأهل. كما نعثر على احد ونماذج هذه العلاقة المتسامية والجميلة على مثال جميل بثينة. فعلى الرغم من أنها زوجة رجل آخر، لكنه كان يعشقها، دون أن يرغب بالنوم معها، وهي كذلك مع علم زوجها. بينما لم تظهر فكرة الحجاب إلا زمن الإسلام. لكنها علاقة مخصوصة وليست عامة. فقد ضرب الحجاب على نساء النبي. بينما كانت الشرائف من النساء يقعدن للرجال للحديث. ولم يكن نظر بعضهم إلى بعض عارا في الجاهلية ولا حراما في الإسلام، كما يقول الجاحظ[7].

بل إن حرية العلاقة بين الرجال والنساء قبل الإسلام كانت تسم بقدر كبير من التوسع المبني على أساس تقييم المرأة ومحبتها. وقد اورد الجاحظ القصة المتعلقة بضباعة زوجة عبد الله بن جدعان. فقد كان زوجها كبير السن. وعندما طلب منها هشام بن المغيرة أن تطلّقه ليتزوجها، اشترط عليه زوجها نحر مائة من الإبل وأن تطوف في الكعبة عريانة. ووافق هشام على شروطه. فنحر الإبل وسمح لها بالطواف عارية. وكانت من جميلات العرب. كما ينقل لنا الجاحظ صورا عن حياة الخلفاء الأوائل أمثال عمر بن الخطاب وكذلك شخصيات أسلامية كبرى ومشهورة للبرهنة على صحة فكرته المتعلقة بالدفاع عن المرأة وحريتها. انه حاول البرهنة على بطلان "ما روت الحشوية من أن النظر الأول حلال والثاني حرام"، انطلاقا من أنه لا يكون محادثة إلا ومعها ما لا يحصى عدده من النظر.[8]. أما معاوية بن ابي سفيان فقد كان يتعامل مع احدى الجواري بالطريقة التالية: يعريها في المجلس بحضرة جلسائه، ويضع القضيب على ركبتها ثم يقول انه متاع لو وجد متاعا. ثم يقول لأحدهم "خذها لبعض ولدك، فإنها لا تحلّ ليزيد، بعد أن فعلت بها ما فعلت"[9]. بل أن تقاليد العرب المسلمين كانت إلى جانب تنّقل المرأة بين الرجال في حال رغبة الرجال بها ويريدونها. ولا يمنعها من ذلك سوى موتها[10]. بمعنى، إن للمرأة حرية الزواج والطلاق والعيش مع مختلف الرجال كيف وكم تريد. ولا يقطعها عن ذلك سوى الموت. وما عدا ذلك من مواقف تجاهها فهي نتاج غيرة مفرطة. من هنا حكمه القائل، بأنه "إذا جاوزت الغيرة ما حرّم الله فهو باطل". وانه لا حرمة في بروز المرأة للرجال. وذلك لأن فكرة الحرام هي "امر افرط فيه المتعدون حد الغيرة إلى سوء الخلق وضيق الطعن، فصار عندهم كالحق الواجب"[11].

وقد كانت هذه الحصيلة المقدمة النظرية لإبراز قيمة وأهمية الغواني والقيان، بوصفهن نساء الروح الجميل. فقد اعتبر الجاحظ الجميل كل ما هو تام ومعتدل. بمعنى انه جعل من التمام والاعتدال معيار الجميل الجمال. ومن ثم اعتبر "كل ما خرج عن الحد في خَلْقٍ او خُلْقٍ حتى في الدين والحكمة فهو قبيح مذموم"[12]. والسماع والاستماع والتلذذ بالجميل والجمال امر لا غبار عليه. بل على العكس. انه ضرورة للروح والجسد والتناسق والعقل والوجدان. من هنا تأييده للفكرة القائلة بضرورة وحلاوة سماع القيان ولمسهن. بينما اعتبر ما هو شائع من الأحاديث "النبوية" مثل "فرقوا بين أنفاس الرجال والنساء" والدعوة "لعدم الخلو فيما بينهما"، مجرد أحكام مبنية على ظاهر الأمور. فالله، كما يقول الجاحظ، لم يكلف الإنسان الحكم على الباطن والعمل على النيات، بل اكتفى بالظاهر. لهذا يقضى للرجل بالإسلام بما يظهر منه ولعله ملحد فيه. بل انه دفع هذه الفكرة صوب مداها الأقصى، عندما اعتبر شراء القيان ودفع اثمانهن هو شكل من أشكال التعويض المادي عن الحب والعشق (المفقود). الأمر الذي يعطي للقيان بعدا روحيا جماليا بما في ذلك حال سقوطه في أوحال البيع الشراء، تماما كما تنقذ الأزهار الطافحة على سطوح المستنقعات روائحه الكريهة بسبب اثارتها اهتمام النظر بألوانها ورونقها. فالقيان تنقذ عفونة الرجال ومستنقعات الجهل والغيرة البدائية عبر تصويب ما فيهما صوب ألوان وأنغام العشق والغرام. وهو الشيء الذي يثير الفرح ويجعله طاغيا بالشكل الذي يؤدي، كما يقول الجاحظ، إلى اندحار الشيطان[13]. وهو استنتاج يرتقي إلى مصاف الفكرة الدقيقة والعميقة. والقضية هنا ليست فقط في وقوفها ضد ما هو راكد في قاع الوعي التقليدي وقيمه ومعاييره وأذواقه، بل وفي نفي الرذيلة المغلّفة بغباء المواقف وحشو الرؤية العقائدية. فالشيطان هنا هو ليس فقط وسواس بل وسلوك الرذيلة. وكل ما هو علني وبالضد منه فهو تذليل لماهية الشيطان.

إن نقل عوالم الحس والذوق الباطنية صوب الظاهر والمظاهر هو الأسلوب الذي يطهرهما من رجس الشيطان! فهو الانتقال الذي يجعل من العشق والحب والغرام أسلوب الوصول إلى تذوق الجمال الحقيقي. فالعشق، حسب تحديد الجاحظ هو داء يصيب الروح. وانه يتركب من الحب والهوى والمشاكلة والألفة. له ابتداء ووقوف على غاية وهبوط. بمعنى انه متحول متغير. بينما الحب هو ابتداء العشق ثم يتبعه الهوى. وقد يلتقيا أو يفترقا. و"هذه سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر الأمور"، كما يقول الجاحظ[14]. وبالتالي، فإن العشق أعلى من الحب. ولا يحدث إلا بمناسبة بينهما (بالطبيعة والمشاكلة) كالمتثائب مع المتثائب والنائم مع المنعسات.

وضع الجاحظ هذه المقدمة في اساس موقفه من القيان والدفاع عنهن بمعايير العقل والروح والجسد والثقافة والفكرة الجمالية. إذ وقف من حيث الجوهر بالضد من الفكرة القائلة، بأن "من الآفة عشق القيان". كما وقف بالضد من الأحكام النمطية عما يسمى بنصبها الشراك للمؤمنين وأمور أُخرى وأَخرى، مثل الفكرة القائلة، بأن القيان تلهي عن ذكر الله. بينما اعتبر الجاحظ، انه يمكن أن يكون كل ما في الوجود مله كالأكل والشرب والجماع[15]. ذلك يعني، أن مساعي الجاحظ في تتبع مظاهر وباطن القيان هو الأسلوب الذي يمكن من خلال رؤية ما بين سطور كتابه وغايته عما يمكن دعوته بقوة القيان الروحية[16].  واستمد هذه الحصيلة من تحليل حقيقة القيان نفسها. وتوصل إلى أنهن "يتصفن بكثرة الفضائل وسكون النفوس اليهن، لأنهن يجمعن كل ملذات الوجود"[17]. والسبب يقوم في أن القيان تؤدي في وحدتها كل ما في الحواس، بحيث يتسابق السمع والبصر واللمس في نقل مواردهم للقلب. بل نرى الجاحظ يرفع هذه القضية إلى مصاف القضايا الفكرية الفلسفية عندما شدد على أن ما يبدو في مظاهر القيان من أمور فاحشة، هي في الواقع على خلاف ذلك. والسبب يكمن في وحدة كيانها الذاتي وكينونتها في العلم والعمل. فهي في عملها لا تستطيع الغفلة حتى في حال رغبتها بذلك، شأن كل مبدع كبير. وذلك لأنها "مضطرة إلى ذلك في صناعتها"، كما يقول الجاحظ. فحتى لو أرادت الهوى، فإنها لا تستطيع اليه. بل لو رغبت بالغفلة لم تقدر عليها، وذلك لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها مشغول بما هي فيه وعلى حسب ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها[18].

من هنا مفارقة الفكرة التي يبلورها الجاحظ بهذا الصدد والقائلة، بأنه "لو لم يكن لإبليس شرك يقتل به، ولا علم يدعو إليه، ولا فتنة يستهوي بها إلا القيان لكفاه. وليس هذا بذم لهن، ولكن من فرط المدح". إذ جاء في الأثر "خير نسائكم السواحر الخلابات". واختتمها بفكرة تجمع في ذاتها كل ما أراد قوله بهذا الصدد، والقائلة، بأن كل ما بلورته الأديان عن نماذج تثير القلق والولع والإعجاب والانبهار في ازدهار الرؤية والخيال تبدو قليلة مقارنة بما عند القيان. فقد نظر الجاحظ إلى عصى موسى وسحرة فرعون، أي نماذج السحر الباهر على أنها أشياء زهيدة بما عند القيان، أو حسب عبارته، إن كل هذه الأشياء "دون ما تحسنه القيان"[19]. وبالتالي، فإن ما يسمى اغرائها عن الدين فهو بفعل المنشأ والعمل والوظيفة. وفي الحصيلة نستطيع استشفاف الفكرة والمواقف الكامنة في فلسفة الجاحظ بصدد حرية المرأة وأثرها ودورها في ابداع الجميل، والتي تعلو على كل ما في الأساطير والحكايات المقدسة والمدنسة، تماما كما يتلاشى غبار الهذيان الديني والدنيوي تحت أقدام القيان!

***

ميثم الجنابي

..................................

[1]  الجاحظ: رسالة القيان، ضمن كتاب (ثلاث رسائل للجاحظ،، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344 للهجرة، تحقيق ونشر يوشع فنكل)، ص53-54.

[2]  الجاحظ: رسالة القيان، ص54.

[3]  الجاحظ: رسالة القيان، ص55.

[4]  الجاحظ: رسالة القيان، ص55.

[5]  الجاحظ: رسالة القيان، ص56.

[6]  الجاحظ: رسالة القيان، ص56.

[7]  الجاحظ: رسالة القيان، ص56-57.

[8]  الجاحظ: رسالة القيان، ص59.

[9]  الجاحظ: رسالة القيان، ص60.

[10]  الجاحظ: رسالة القيان، ص61.

[11]  الجاحظ: رسالة القيان، ص61.

[12]  الجاحظ: رسالة القيان، ص64.

[13]  الجاحظ: رسالة القيان، ص66.

[14] الجاحظ: رسالة القيان،ص67.

[15]  الجاحظ: رسالة القيان، ص63.

[16]  الجاحظ: رسالة القيان، ص69-70.

[17]  الجاحظ: رسالة القيان، ص69.

[18]  الجاحظ: رسالة القيان، ص73.

[19]  الجاحظ: رسالة القيان، ص72.

 

ميثم الجنابيإن نقد الدين والأديان في الاطار العام، وعلى امتداد التاريخ الثقافي للأمم، هو جزء من صيرورة الروح العقلي والنزعة الإنسانية ووهج الحرية الفعلية. فنقد الدين يبحث في الأغلب عن صيغة عقلية لفهم النفس والواقع، بينما نقد الأديان هو الصيغة التاريخية الثقافية لنزوع الفكر الحر في تأمل إشكاليات الوجود كما هي، إضافة إلى خوض المعارك الفكرية في مواجهة الخلل الواقعي أو المحتمل أو المختلق، بوصفها أجزاء من تاريخ الثقافة.

فارتقاء الدين إلى مصاف المقدس هو النتاج الذي يلازم انتصاره وتحوله إلى عقيدة شاملة للروح والجسد، وأيديولوجية "متسامية" للدولة. وما عدا ذلك أو قبله هو مجرد أساطير وحكايات وخرافات وأحكام واقعية وقيم أخلاقية تناسب تاريخها الذاتي. وبالتالي، فإن لنقد الدين منطقه الذاتي في الفكرة المنطقية العلمية نفسها، بينما يتمثل نقد الأديان الحالة التاريخية الثقافية. بمعنى، إن لكل مرحلة تاريخية ثقافية خصوصيتها في نقد الدين والأديان. لكنها بمجموعها تمثل وتتمثل مسار العقل النقدي بشكل عام والنظري منه بشكل خاص. وهو امر جلي حالما نتأمل هذه الظاهرة على مثال تاريخ الثقافات والإمبراطوريات والحضارات الكبرى، سواء ما يتعلق منها بالمرحلة الثقافية – الدينية أو المرحلة الدينية - السياسية في المسار التاريخي للأمم.

واكتفي هنا بتناول هذه الظاهرة ضمن مسار المرحلة الدينية - السياسية، أي تلك التي تتبلور فيها العقائد الدينية بهيئة مرجعيات ثقافية كبرى وفعالة في كل مسام الوجود الفردي والاجتماعي، وكذلك في تراكم التجارب الثقافية للأمة والدولة. الأمر الذي حدد بالضرورة طبيعة وأبعاد وأساليب وأدوات وصيغ النقد الفكري للدين والأديان. إذ عادة ما يتحول نقد الدين في هذه المرحلة (التي عاش فيها الجاحظ وأبدع نتاجه الفكري) إلى جزء من المعترك الأيديولوجي والعقائدي للفِرَق. بمعنى انه يتخذ في الأغلب صيغة الاتهام العقائدي والسياسي. من هنا هيمنة مفاهيم الكافر والملحد والمشرك والمعطل والمنافق والفاسق وكثير غيرها.

لهذا اتخذ نقد الدين بالمعنى الدقيق للكلمة منظوماته وأساليبه ومفاهيمه وقيمه ومواقفه الخاصة في عالم الإسلام[1]. بمعنى إن له تقاليده الخاصة. لقد سار ضمن سياق نقد الدين المزيف بمختلف أشكاله ومستوياته، بما في ذلك في تلك الحالات التي يجري اتهام الخصوم بالإلحاد وما شابه ذلك. فهي اتهامات عقائدية أكثر مما هي نقد لنقد الدين الواقعي. وهي الصفة التي ميزت في عالم الإسلام ثقافة وعقائد ومواقف ما يسمى بتيار "اهل السنّة الجماعة"، أي ذلك التيار الذي تشبع منذ البداية بتأييد الخروج الفعلي على الإسلام المحمدي كما وجد تعبير الأولي شبه التام في التيار الأموي (القرشي- المرواني). فهو صاحب ومنتج الفكرة الجبرية والحشوية بمعناهما العقائدي الديني والسياسي. بل ووجد ذلك تعبيره حتى في مناهج الموسوعات الدينية والفلسفية (علم المِلَل والنِّحل)[2]. فإذا كانت مهمة هذا الفن العلمي تقوم في استعراض وتحليل وتنظيم الأفكار والمبادئ الكبرى العامة والخاصة للفِرق الدينية والمدارس الفلسفية، فإن التيار "السنّي" ظل "أمينا" للتحجر الفكري والعقائدي ضمن تقاليد الاتهام والتجريم والتحريم، كما نراها على سبيل المثال عند عبد القاهر البغدادي بشكل تام وجزئيا عند ابن حزم الأندلسي. مع إن الخلاف بينهما يبقى كبيرا. بفعل عقائدية الأول وفلسفية الثاني.

وعموما يمكننا الحديث في الاطار العام عن ثلاثة مواقف من الدين والنقد الديني، كما تبلورت في الثقافة الإسلامية. الأول وهو المبني على أساس التقييم الديني واللاهوتي العقائدي، والثاني المبني على أساس الفكر الحر، والثالث هو ذاك الذي بنى مواقفه وتقييمه على اساس التجارب الروحية المتسامية (التصوف). وكانت التيارات السلفية والعقائدية الجازمة هي من يمثل النمط الاول. بينما كان المعتزلة الممثل الأكبر والأعمق والأكثر تجانسا للموقف الثاني. وليس مصادفة أن يتعرضوا على امتداد التاريخ الإسلامي، باستثناء مرحلة الازدهار الأكبر للحضارة الإسلامية بتأييد السلطة واحتضانهما المتبادل زمن المأمون وخلفاءه القلة. الأمر الذي يفسر أسباب تعرضهم الدائم لاتهامات السلفيات المتنوعة ووضعهم ضمن قائمة الكفر!

بينما كان جوهر هذه القضية في الواقع، ومن حيث مقدماتها ونتائجها وسريانها في الثقافة الإسلامية نتاج الموقف من إشكالية العقل والإيمان، أو العقل والنقل، أو الفلسفة والدين (الشريعة). وإذا كان نمط العلاقة بين الفلسفة والشريعة أو الفلسفة والدين أكثر تلازما مع الفكر الفلسفي الإسلامي الكلاسيكي، فإن جميع مظاهر هذه الإشكالية كانت تلازم أيضا الفكرة المعتزلية. وهو امر لم يكن معزولا عن دورهم الأولي والتاريخي السبّاق لمن غيرهم في دمج الفكر الفلسفي وتقاليده المنطقية والعلمية في مبدأ العقل وأهميته الكبرى بالنسبة لإدراك الوجود والعمل ضمن سياقه. والسبب يقوم في أن كل ذلك كان جزءا من تقاليد علم الكلام والعلوم الإسلامية ككل. من هنا الدور التاريخي الفعال للمعتزلة في بلورة المعنى العقلي والنزوع العقلاني للثقافة الإسلامية. ومن ثم تحولها إلى ممثلة الفكر الحر وحاملة الفكرة العقلية الحرة.

أما الاتهام العام من جانب التيارات غير العقلانية والسلفية المتحجرة والمختبئة في قاع التقليد، فإنها عادة ما تنظر إلى اغلب ما كتبه الجاحظ على انه "خروجا" على الإسلام وانتهاكا لحرمته ونفيا لما فيه. وهو كلام سليم حالما يجرى وضعه ضمن سياقه السليم. بمعنى انه يخرج على ما هو مألوف من محرمات الرؤية المتحجرة بقواعد العقائد السلفية. لكننا حالما ننظر إلى ما في مؤلفاته من مفاهيم وقيم بمعايير الرؤية الثقافية وتطورها الدرامي أيضا، فإنها تتجلى بوصفها شكلا من أشكال حرية الفكر والفكر الحر والعقلانية الباحثة عن يقين ما وراء ومن خلال الشكوك والنقد المتفحص لكل ما هو مزيف. من هنا يمكن فهم مضمون الانتقاد والهجوم العلني والمستتر الذي اشار إليه ابن قتيبة في (مختلف الحديث) عن أن الجاحظ عادة ما يقصد بكتبه "للمضاحيك والعبث". وهي الصيغة التي تكشف عن انه لا يفهم ولا يتذوق معنى النقد الساخر.

فالجاحظ هو الشخصية الأدبية الأولى الكبرى في تاريخ الثقافة الإسلامية التي أرست أسس النقد العلني والمستتر والساخر تجاه كل معالم العيب العقلي والجهل المعرفي وخزعبلات التدين المزيف والتقليد والحشوية. وينطبق هذا على ما يسمى باستهزائه بالأحاديث النبوية ما "لا تخفي على اهل العلم" مثل تفسيره سبب كون حجر الكعبة أسودا، انطلاقا من انه كان في بادئ الأمر أبيضا فسوّده المشركون، وكان يجب أن يبيّضه المسلمون حين أسلموا. بل واعتبروه "من أكذب الأمة" و"أوضعهم للحديث" و"أنصرهم للباطل". بينما في حقيقته هو من اكثر الشخصيات الفكرية الإسلامية الكبرى ائتمانا وصدقا للحق والحقيقة، وأكثرهم اهتماما بإشكاليات العقل وليس كل ما كان يحيط بالحديث من سفاهة وخرافة. وغير معروف عن أي باطل يجري الحديث؟ وعموما إن كل هذه الانتقادات ليست إلا اتهامات لأنها ليست مبنية على وقائع لا تقبل الشك، ولا على حقائق مبرهن عليها.

ومع ذلك فإن للجاحظ موقعه ورؤيته الخاصة في نقد الدين والأديان. وقد حقق في مواقفه بهذا الصدد مضمون الفكرة المعتزلية وجوهرية العقل في التعامل مع كل إشكاليات الفكر والوجود. وفقد كان مضمون وأسلوب فكرته بهذا الصدد يقوم في توليفه الأدبي للرؤية والمواقف المنطقية والنقدية واستكماله بتحقيق مهمات التنوير العقلي للفرد والجماعة والأمة. من هنا حصره لنقد الدين والاديان ضمن قضايا نقد مظاهر وأشكال الغلو الديني، والانغلاق العقائدي، والتحجر المعرفي، والارتزاق السياسي. بمعنى انه لم يواجه بالنقد مضمون الدين كما هو او كما فهمه هو، بل وجّه نقد صوب الاديان ومظاهرها الواقعية في العقائد والمعارف والسلوك والقيم.

فقد وضع موقفه النقدي من النصارى والنصرانية، واليهود واليهودية ضمن سياق الموقف الأيديولوجي والوجداني والأخلاقي والمعرفي. ومن ثم حرره من قيود وترهات المواقف الدينية الصرف واللاهوتية. لهذا نراه يستهلّ موقفه في الرد على آراء وأحكام النصارى من الإسلام والمسلمين من تحليل مقدمات، ومن ثم خصوصية العلاقة بين النصارى والمسلمين. انه يبدأ بتحليل العلاقة بينهما. ويعتبرها علاقة حميمة، اضافة الى ما فيها من حب المسلمين للنصارى على خلاف موقفهم من اليهود. وأن لهذا الحب مقدماته التاريخية والاجتماعية. ومن شأن الناس حب من اصطنع لها خيرا، كما يقول الجاحظ. ويقصد هو بذلك العلاقة التاريخية للعرب المسلمين الأوائل (المهاجرين) بنصارى الحبشة[3]. اضافة لذلك، جاء الإسلام وملوك العرب نصارى من غساسنة ومناذرة وكذلك في نجران. كما كان العرب قبل الإسلام يتعاملون في تجارتهم مع الشام والجنوب، وكلاهما نصارى وليس مع كسرى، كما يقول الجاحظ. كما أن النصرانية كانت منتشرة بين العرب وعليها غالبة، باستثناء مضر. فلم تغلب عليها لا اليهودية ولا المجوسية ولا النصرانية، باستثناء من كان يقال لهم العبّاد، أي أولئك الذين نزلوا الحيرة، كما يقول الجاحظ. الأمر الذي حدد طبيعة العلاقة الطيبة بالنصارى. وهذه بدورها نتاج وأثر القرابة أيضا. وأخير، انه كان بين النصارى العرب الكثير من المتكلمين والأطباء والحكماء والعقلاء، أو كما يقول الجاحظ. وبغض النظر عن انكماش النصارى إلا أن التزاوج مع المسلمين كان كبيرا، على عكس اليهود"، الذي أدى بهم الانغلاق على النفس، إلى ضعف عقولهم وأرواحهم. وهي "حالة نلاحظها في الخيل والإبل والحيوان ككل"، كما يقول الجاحظ[4]. إضافة لذلك، إن النصارى مع مرور الزمن اصبحوا كالمسلمين من حيث الملبس ونمط الحياة بل والأسماء والألقاب. إذ اخذت تنتشر بينهم اسماء الحسن والحسين والعباس، باستثناء محمد.

وطبق الموقف نفسه تجاه اليهود واليهودية. إذ لم تستطع اليهودية، على عكس او خلاف النصرانية، من الانتشار إلا في اليمن بين حمير ويثرب. إضافة لذلك انطلق الجاحظ هنا من الفكرة العامة بأن اليهود كانت تعيش مع العرب في الجزيرة. وعداوة الجيران اشبه بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد. وإنما يعادي الانسان من يعرف... وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد. من هنا بغض اليهود للعرب بعد ملاحظة قوتهم الجديدة بفضل الإسلام، كما يستنج الجاحظ.، على خلاف ما كان عليه الحال بالنسبة للنصارى.

لقد شكلت هذه الرؤية الاجتماعية التاريخية الثقافية عن الدين (النصرانية واليهودية) والأديان (النصارى واليهود) المقدمة النظرية لموقف من القضايا الفكرية والإيمانية الدينية التي شغلت حيزا من الجدل الفكري العارم آنذاك في مختلف ميادين الثقافة الإسلامية.

وقد انصب نقد الجاحظ للنصارى حول ما اسماه عدم فهمهم لمضمون الآيات القرآنية بمعايير الرؤية الاسلامية، وليس بمعايير ما هو متفق عليه أو سائد في الاعتقادات الدينية للنصارى. من هنا موقفه مما اسماه بالرؤية الوحيدة الجانب للنصارى في فهم مضمون الآيات القرآنية (المتعلقة بالنصارى والنصرانية، ولاحقا باليهود واليهودية)، وكيف "انهم بتبعون التناقض في احاديثنا، والضعيف بالإسناد من رواياتنا، ثم يخلون بالضعفاء"[5]. فالآية القرآنية القائلة:"لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا، ولتجد أقربهم مودة للذين آمنوا، الذين قالوا إنا نصارى". لا تقد ما يفهم النصارى اليوم. إذ لم يقصد القرآن،كما يقول الجاحظ، بذلك هؤلاء النصارى ولا اشباههم من الملكانية واليعقوبية، وإنما كان يعني بهم نماذج الرهبان الخلص[6]. والشيئ نفسه ينطبق على موقفهم من الآية القائلة "قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟". بينما النصارى تقول، بأنهم لم يدينوا قط بأن مريم إله في سرّهم، ولا ادعوا ذلك قط في علانيتهم. والقرآن يتحدث عن تكلم عيسى بالمهد. بينما تقول النصارى، بأنهم جميعا ومختلف فرقهم لم يقل احد بذلك وينطبق هذا على ما ورد في القرآن من قوله بقول اليهود، بأن عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، والله فقير وهم الاغنياء.

لقد وجد في اعتراضات النصارى اليهود على الآيات المتعلقة ببعض جوانب العقائد والمفاهيم اشياء لا علاقة صميمية لها بمضمون الآيات القرآنية. انطلاقا من أن القرآن يتناول هذه القضايا ضمن وحيه الذاتي وليس ضمن ما استتب في عرف الأديان الأخرى، بما في ذلك عن نفسها. وذلك لاختلاف النصارى واليهود إلى فِرق وشيع عديدة لكل منها "كتابها المقدس" وامتلاءها بالاختلافات الجلية والمستترة.

كل ذلك يوصلنا الى استنتاج يقوم في مساعي الجاحظ  للخروح من "مأزق" الصراع الفكري الديني استنادا إلى فكرة تأويل اللغة العربية. انه وضع القضية بالشكل التالي: انكم تسألوننا عن ديننا ونحن نجيب بما نحن أولى وأعرف به منكم. فالمقصود، على سبيل المثال، بالنفخ والروح هو ليس ما يقصده النصارى. فالروح والقدس يقصد فيه ايضا جبريل. الى جانب عيسى وآدم. كما سمي القرآن روحا (كذلك اوحينا اليك روحا من أمرنا) و(نزل الملائكة والروح فيها). فالنفخ من وجوه والروح من وجوه. منها ما اضافه إلى نفسه ومنها ما لم يضفه إلى نفسه. إنما يكون ذلك على قدر ما عظم من الأمور"[7].

وبالمقابل واجه الجاحظ بعض المفاهيم بالاستفسار والاستهجان، انطلاقا من مخالفتها للعقل والطبيعة والفطرة. بمعنى انه يضع اسئلته ويبلورها ضمن سياق الفكرة النقدية العقلية وليس الدينية. ومن بين الاسئلة التي وجها بهذا الصدد هو هل إن المسيح انسان بلا الوهية فيه؟ او انه إلها بلا انسان؟ او أن يكون إلها وإنسانا؟ فإن قالوا كان إلها بلا انسان قلنا لهم، ولكن اليس هو من كان صغيرا فشّب والتحى واخذ يأكل ويشرب وينجو ويبول وقتل بزعمكم؟ وإلا فما هو الانسان يا ترى غير مما جرت الاشارة اليه؟ ثم كيف يمكن أن يكون إلها بلا انسان وهو الموصوف بجميع صفات الإنسان؟ واستكمل ذلك بسؤال منطقي يقول، بأنه في حال زعم النصارى، بأنه لم ينقلب عن الإنسانية ولم يتحول عن جوهر البشرية، ولكن لمّا كان اللاهوت فيه لهذا صار قوة خالقة. من هنا اطلاق لفظة الإله عليه. عندها يظهر السؤال التالي المتعلق بماهية هذا اللاهوت. أكان فيه وفي غيره أم كان فيه دون غيره؟ فإن كان فيه وفي غيره فليس هو أولى بأن يكون خالقا ويسمى إلها من غيره. وإن كان فيه دون غيره فقد صار اللاهوت جسما. كل ذلك يشير إلى إننا نقف أمام استفسارات منطقية وعقلية خالصة لا علاقة بالرؤية العقائدية. بمعنى انه يبعدها عن أن تكون موضوعا للتأمل العقلي. اضافة لذلك، إن المعتقدات النصرانية عن المسيح هي ذاتها محل الخلاف بينهم من جهة، وعدم الاقرار بها من جانب الآخرين جميعا، من جهة أخرى. بمعنى انها لا تحتوي على ابسط مقادير المعقول في الموقف منها. فاليهود لا تعترف بمعجزات المسيح وتعتبرها غشا وخداعا. والمجوس لا تقر لعيسى بشيئ. والزرادشتيين أيضا، والهنود لا تقر لأي نبي بالعجزة. وفي الأناجيل اربعة تتعارض بينها وتختلف. واليهود المتنصرين هم القادة الروحيين للنصارى. وبالتالي فما هي الغرابة الممكنة لوضع كل ما يمكن وضعه وتحريفه[8]. والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة أو عقيدة الأب والابن. وقد أسس هنا الجاحظ موقفه الذي سيكرره لاحقا الفكر الإسلامي النقدي، أو على الأقل انه تغلغل في نسيج وعيه النقدي. وكتب الجاحظ بهذا الصدد يقول، بأنه لو صار عيسى ابنا لله لأنه خلقه من غير ذكر، فآدم وحواء أولى. وإذا كان المقصود رباه، فمن رباه هو حماد ابن موسى وداوود. ورباه بمعنى غذاه ورزقه واطعمه. وهو الشيئ الذي نلحظه عند جميع الناس[9].

غير أن الجاحظ يشير أيضا إلى أن بعض المتكلمين فسح المجال امام قبول هذه الصيغة المعنوية، انطلاقا من أن "ليس في القياس فرق بين اتخاذ الولد على التبني والتربية وبين اتخاذ الخليل على الولاية، أي لا على جهة الولادة واتخاذ المصاحبة. من هنا تجويز قول إن الله يقول "اسرائيل بكري"، و"اسرائيل بكري وبنوه أولادي". وإن الله قال لداوود سيولد لك غلام يسمى لي ابنا وأسمى له أبا. وفي الإنجيل نعثر على صيغة مماثلة: "أني أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم"[10]. وهو تخريج لا يعارض الجاحظ بمعايير اللغة والتأويل الغوي. من هنا فسحه المجال النسبي لهذا التفسير والتأويل اللغوي، رغم اشارته إلى ما اسماه "بسوء العبارة"، اضافة إلى سوء تأويل اصحاب الكتب وجهلهم مجازات الكلام. لكن هذا التجويز والتخريج يبقى في نهاية المطاف نتاجا للتقليد الأعمى[11]. كما لا يمكن تفسير ذلك على اساس المصلحة و"طبائع الأمم". لقد وجد الجاحظ في هذا التجويز و"الاجتهاد" اللغوي الفارغ مجرد جهل عظيم. لأنه لو جاز أن يكون ابا ليعقوب لجاز أن يكون جدا ليوسف. رغم إن ذلك لا يحطّ من قدر الإنسان وارتباطه النسبي بالله. إلا انه يؤدي في حق الله إلى فضائع وحماقات لا تحصى، كما يقول الجاحظ[12]. إن هذه الأشياء ممكنة بحق من لا يعرف قدر الله وقدر الإنسان. إذ ليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسئ إلى نفسك. ولا يعرف حقيقة الله وهيبته من يجوّز عليه صفات البشر[13].

تكشف هذه الحصيلة عن أن الجاحظ يتناول نقد الدين هنا ضمن سياق تحقيق الفكرة المعتزلية النافية للتشبيه، والحشو، والفهم الحرفي للنصوص، وغياب العقل، وهيمنة التقليد. وهذه جميعا مرتبطة بالعقيدة المعتزلية عن الذات والصفات، وفكرة التنزيه وضرورة التأويل بما يتوافق مع المنطق العقلي. بل وتوسع الجاحظ في رؤيته النقدية بالشكل الذي دفعها صوب تأسيس النقد المبني على اسس اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وحياتية عادية، أي ليست عقائدية إيمانية. من هنا ادراجه حتى الملاحظات الحياتية العادية مثل الموقف من الخصا. وبالأخص بين الروم وأهل الحبشة. إذ يفعلون ذلك بأطفال لا ذنب لهم. ولو طبقت ممارستهم هذه على الجميع لأنقطع النسل وذهب الدين وفني الناس، كما يقول الجاحظ. كما أن النصراني وإن كان انظف ثوبا وأحسن صناعة، فإن باطنه اقذر، لأنه اغلف ولا يغتسل من الجنابة[14].

لكن المضمون الأعمق للفكرة النقدية تجاه الدين والأديان (النصرانية واليهودية) يقوم في ابراز الطابع غير العقلي ومنهج التقليد الأعمى المميز لكليهما. ففيما يخص النصرانية، فإن آرائهم متضاربة في المسيح. وأفضع ما فيها قولهم في الوهية المسيح. لهذا اعتبر من الصعب عقل حقيقة النصرانية، بمعنى قبولها بمعايير العقل والمنطق. كما أن اتباعهم يتميزون بالتقليد والتبعية للأسلاف بصورة حرفية. وأخيرا، إنهم يقولون بالتشبيه والتجسيم كاليهود والرافضة من المشبهة والحشوية النابتة. والاستثناء النسبي هنا هو لبعض من ينتمي للمعارضة من بين علماء الدين واللاهوت والفلسفة.

ووسع هذه الفكرة النقدية عندما شدد على أن العوام منهم فيما لو علموا حقيقتهم لأدركوا بأنه ليس عندهم حكمة ولا بيان ولا بعد روية غير حكمة الكف والنجم والتصوير وحياكة اليزبون (السندس). بمعنى خلوهم الفعلي من حدود الأدباء وديوان الفلاسفة والحكماء، كما يقول الجاحظ. وكل ما عندهم من كتب المنطق والكون والفساد وغيرها فهي لارسطو، وهو غير رومي ولا نصراني. وكذلك الحال بالنسبة لكتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب الطب لجالينوس، وكتب ديمقراط وبقراط وافلاطون. فجميع هؤلاء يونانيون وليس على دين النصارى. وأدبهم غير أدبهم، اليونان علماء والرومان صناع. اما قول النصارى آنذاك، بأن فلاسفة الإسلام هم اتباع في الفلسفة للروم، وأنهم احتذوا على مثالهم، فهو حكم لا نصيب له من الصحة. فقد اخذ الروم بفعل القرب والجوار انجازات الفكر اليوناني، مع تشويهه. وينطبق هذا على زعمهم ، بأن اليونان قبيلة من الروم. ليس ذلك فحسب، بل واعتبر نصارى زمنه ضعيفي العقول، من هنا وقوع الكثير منهم في الزنذقة. وهذا شأن كل من "نظر في الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة"[15]. وهو حكم نقدي اجتماعي ثقافي تاريخي خاص. وبالأخص حالما نراه يشدد على أن اكثر من قتل بسبب اتهامه بالزندقة في الإسلام هم "مسلمون من أمهات أو آباء نصارى". وهذه ملاحظة دقيقة للغاية وضعها الجاحظ بهذا الصدد. بمعنى، إن صفة الخروج على منطق الاعتدال هو نتاج "العقول الضعيفة" وبقاء نفسية وذهنية الأقلية. وقد لاحظ الجاحظ هذه الظاهرة على مثال تحول اليهود إلى نصارى، الأمر الذي اشبعها بالإسرائيليات والغلو. تمام كما أن الثقافة الإسلامية قد عانت جزئيا من ثقل الإسرائيليات بسبب اعتناق بعض اليهود الأوائل للإسلام وتحولهم إلى صحابة وتابعين. لكن هذه الظاهرة لم يكن بإمكانها أن تعلب دورا مهما بالنسبة للرؤية الإسلامية ومعتقداتها ومبادئها.

أما موقفه النقدي تجاه اليهود واليهودية فقد حصره بإشكالية العقل والمعرفة. بمعنى، أن موقفه النقدي من اليهود واليهودية كان مبنيا على أسس معرفية، حصرها في ما اسماه بشدة التقليد وضيق الأفق المميز للرؤية اليهودية. فقد اعتبر معارضة العلم والمعرفة من خاصية اليهود والديانة اليهودية.  وذلك لأنهم، كما يقول الجاحظ، يرون النظر في الفلسفة كفرا، والكلام في الدين بدعة. وانه لا علم إلا ما كان موجودا في التوراة وكتب النبياء. من هنا نقده المبطن أو غير المباشر لما هو منتشر وسائد بين العوام عن اليهود واليهودية. فإذا كان الكثير من النصارى كتابا للسلاطين، والملوك، وأطباء اشراف وعطارين، فإنك لا تجد اليهودي إلا صباغا أو دباغا أو حجاما أو قصابا. فلما رأت العوام اليهود كذلك "توهمت إن دين اليهود في الأديان كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم اقذر الكفر إذ كانوا هم اقذر الأمم". بعبارة اخرى، لقد اخرج الجاحظ الفكرة النقدية تجاه الاديان من الانطباعات الساذجة، ايا كان مصدرها وشكلها ومستواها، عبر ارجاعها إلى ما هو حقيقي وفعلي. ووجد ذلك فيم اسماه بضيق الأفق المعرفي الثقافي لليهود واليهودية.

وابتدأ، شان موقفه من النصرانية، بتحليل ونقد تصوراتهم عن القرآن وآياته المتعلقة باليهود واليهودية. وتوصل في نهاية المطاف الى استنتاج مفاده، أن اليهود أوتوا من قلة المعرفة بوجوه الكلام ومن سوء الترجمة، مع الحكم بما سبق الى القلوب، بحيث ادى بهم اما الى تشويه الفكرة او عدم فهم مقصودها. فقد ترجموا بعض آيات القرآن مثل (على العرش استوى) و(ناضرة الى ربها ناظرة) بالشكل الذي اخرجها من معانيهما الحقيقية. ولا يعتد بقول وآراء بعض المتكلمين المسلمين من المشبهة والحشوية، التي كانت تسند المواقف اليهودية بهذا الصدد. وهنا يجد الجاحظ فرصة لمهاجمة المشبهة والدفاع عن التأويل العقلاني المعتزلي[16]. بل نراه ينتقد آراء ابراهيم النظّام رغم إقرار الكثير من المعتزلة بتأويله، وبالأخص ما له علاقة بفكرة الخلّة والخليل، التي شهدت قبل ذلك معارك فكرية وجسدية هائلة اهدرت فيها دماء كبيرة زمن الاموية من اجل كبح الرؤية الداعية لتفسيرها بما يتوافق مع العقل والمنطق. فقد نظر إبراهيم النظّام إلى الخليل بمعنى الحبيب (خليل الرحمن مثل حبيبه). لهذا اجاز أن يسمى عبدا له وولدا. فالانسان، كما كان يقول النظّام، لو ربى جروا لا يقال له ولدا. ولكن يسمي نفسه أبا لو ربى ولدا. فإذا كانت نسبة الإنسان أبعد من الله من شبه الجرو بالإنسان، كان الله احق بأن يجعله ولده وينسبه إلى نفسه. بينما رد الجاحظ على ذلك قائلا، بأن الكلب يمكنه أن يكون إلى كلابه خليلا ويدافع عنه. والعبد الصالح أبعد شبها من الله بذلك الكلب الوفي. فالعبد الصالح لا يشبه الله في أي وجه من الوجوه، والكلب قد يشبه كلابه لوجوه كثيرة[17].  ووضع هذه الفكرة في اساس موقفه من مفهوم الخلة. وبالتالي، فإن إبراهيم (النبي) لم يكن خليلا بخلة كانت بينه وبين الله. فكل هذه الأوصاف منفية عن الله. لكنه يجوز أن يكون ابراهيم خليلا بالخلة التي ادخلها الله عليه على نفسه وماله. وذلك لأن إبراهيم اختل في الله اختلالا لم يختله احد قبله، بقذفهم إياه في النار وذبحه ابنه. فالخلة والاختلال بالعربية من جذر واحد.

فقد قال زهير بن ابي سلمى

وأن اتاه خليل يوم مسألة  يقول لا عاجز مالي ولا حرم

لقد كانت هذه المقدمة ضرورية بالنسبة للجاحظ من اجل تذليل تقاليد التقديس العادية. وذلك لأنها مجرد صيغ للتعظيم لا غير مثل قولنا عن الكعبة "بيت الله"، و"أهل الله" والقرآن "كتاب الله" وكذلك قولنا عن البعض "اسد الله" و"سيف الله". وبالتالي، فكليم الله لصفة خاصة (موسى) و(روح الله) لعيسى لصفة خاصة أيضا، أي أن الله خَلق في مريم روح وجسد على غير مجرى العادة. بمعنى إمكانية وجود خصلة أرفع لكل نبي عن آخر. وكذلك جميع الناس. فهناك من يحسن لأمه وأبيه بالبر والإحسان رغم انه احوج وفقير. وهناك من يحسن لأمه وأبيه بالمال والخُلق ولكن بالجهاد[18].

لقد أسس الجاحظ لنمط خاص في نقد الدين والأديان، بناه على قواعد عقلية ومعرفية وثقافية. بمعنى انه خرج من اطار التدليل والبرهنة على أفضلية دين على آخر، والانهماك في جدل البراهين اللاهوتية. فهي بالنسبة له مجرد تقليد أعمى للنصوص وهيبة الأسلاف. بينما يفترض العقل، بوصفه خاصة الانسان الجوهرية، أن يكون بداية ونهاية المواقف النظرية والعملية تجاه كل شيء، بما في ذلك الدين والأديان.

***

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1]  لقد تناولت هذه الجوانب في كتابي (الحضارة الإسلامية: روح الاعتدال اليقين).

[2]  لقد تناولت هذه الجوانب في كتابي (علم المِلَل والنِّحَل. فلسفة المقالات والأحكام في الثقافة الإسلامية)، المركز الأكاديمي للأبحاث (العراق-كندا)، بيروت، 2019.

[3] الجاحظ: الرد على النصارى، ضمن مجموعة ثلاث رسائل للجاحظ،، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344 للهجرة، تحقيق ونشر يوشع فنكل، ص13-14.

[4]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص18.

[5]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص19.

[6]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص14.

[7]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص37.

[8]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص25.

[9]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص33.

[10]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص25.

[11]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص25.

[12]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص26.

[13]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص26.

[14]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص20.

[15]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص17.

[16]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص29.

[17]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص29.

[18] الجاحظ: الرد على النصارى،ص32.

 

 

عامر عبدزيد الوائليالديانة اليهودية تنسب إلى اليهود، ولابد من تحديد دلالة الاسم الذي اختلفت فيه الآراء فهي تبدأ من مكان محدد برأي "احمد سوسه" اذ يرتبط الاسم بمملكة يهوذا المنقرضة، اذ كان اليهود هم سكانها (الذين سباهم نبو خذ نصر إلى بابل في القرن السادس ق.م)(1) أي هم سكان يهوذا يوم كان اليهود عبارة عن دولتين هما: يهوذا وإسرائيل وهذا ما ذهب إليه (قاموس الكتاب المقدس) حول تسمية اليهود أطلقت أولا على سبط او مملكة يهوذا، تمييزا لهم عن الأسباط العشرة، الذين سموا بني إسرائيل، إلى أن تشتت الأسباط، واخذ يهودا إلى السبي، ثم توسع معناها، فصارت تشمل جميع من رجعوا من الأسر من الجنس العبراني، ثم صارت تطلق على جميع اليهود المشتتين في العالم، ولفظة يهودي اعم من عبرانيين ؛ لأنها تشمل العبرانيين والدخلاء)(2)

إن هذا الاسم يحيلنا إلى تاريخ محدد هو السبي البابلي الذي ظهر به الاسم ليعبر عن هذه المجموعة من البشر حيث إن احمد سوسه يعتبر هذا الواقع التاريخي (ففي بابل مارس اليهود شعائرهم الدينية، وواصل كهنتهم إعمالهم الدينية بتحرير فصول التوراة والتمهيد لتدوين التعاليم اليهودية المعروفة باسم التلمود البابلي، حتى ليقال:أن السبي البابلي كان عامل مهم في تطور الديانة اليهودية)(3) وهذا النص يشكل أهمية كبيرة في تطور الهوية اليهودية بوصفها هوية دينية وقومية عرقية معا، وانه يشير إلى ولادة المؤسسة الدينية التي شكلت البديل عن السلطة السياسية فهذه السلطة ارتبطت بالواقع البابلي وما أنتجه من تحدي جودي وديني لليهود ومن ثم سياسي. إن هذه المؤسسة هي التي أعادت إنتاج الرأسمال الرمزي من خلال إعادة قراءة التراث اليهودي والعراقي والكنعاني والمصري ...الخ

 ومن ناحية ثانية العمل على إحياء الطابع الاقتصادي والمعنوي الذي كان سائد ًا في مرحلة الأجداد فتلك الأزمنة المستعادة في السرد التوراتي تكشف عن أمرين:

1- أن تعرض الكتاب المقدس اليهودي هو كنز الهيكل الحقيقي الذي لم يحترق ولم يتلف أثناء الهجمات التي تعرض لها "الهيكل" في القدس، ومن انه يجسد الها محمولا في كل مكان يجد فيه العزاء من فقده ومن فقد "الهيكل"، ويمثل بالتالي، هيكلا (وطنيا) يحمله "المختارون" المطاردون إلى حيث يستقر بهم المقام)(4)

2- نلاحظ أن اليهود العبرانيين بسبب الفاعلية الكبرى للتجارة الداخلية والتجارة الخارجية أولا ووجود احتمالات مفتوحة في معظم الأحيان لاندلاع حروب طاحنة مدمرة ثانيا، ونشوء توقعات كبيرة لتغير البنية السكانية تطيح بالاستقرار لفترة مديدة على الأرض المستهدفة .

3- وجودوا أنفسهم أمام ضرورة توسيع الاقتصاد النقدي الربوي القابل للحمل والنقل، والذي يجعلهم قادرين على أن يكونوا في أي مكان، دون أن يترتب على ذلك فقدانه او فقدان الكثير منه)(5) وهذا جعل اليهود قادرين على مواجهة الأخطار فاستطاعوا التنقل من مكان إلى آخر حيث يكونوا يكون دينهم ومالهم معا وهذا ما حدث بعد السبي البابلي حيث تحقق لليهود ما كانوا يوعدون به من ارض وحضارة متقدمة أتاحت لهم العمل والإبداع فاندمجوا في هذه الحياة .وهذا ما يمكن رصده في النقاط الاتية:

3-1- التزاوج المختلط الذي انتشر على نطاق واسع من قبل الطرفين وتحت حماية السلطة البابلية بين اليهود والبابليين .

3-2- الحركة التجارية المنتظمة فتحت لليهود أبوابا جديدة على عوالم الاخرين، وان لم تكن هذه الحركة واسعة .

3-3- كانت اللغة اليهودية العبرية القديمة تجد نفسها شيا فشيا مضطرة للانحسار أو للتقوقع أمام اللغة الآرامية، حيث أسهم ذلك في مزيد من تعميق الاندماج والانصهار، ومن الخروج عن دائرة الكهنوت اليهودي وعليها (6)

والأمر نفسه حدث مع الأجداد في زمن موسى او بعده كما يشير لهذا "جان بوتيرو"بقوله عندما استقر بنوا إسرائيل بين الكنعانيين، يتعلمون منهم أسباب أسلوب حياتهم، يقلدونهم ويحاولون الحلول محلهم، يشاهدون على الدوام الإلهة أخرى معبودة في مختلف إرجاء البلاد ذلك أن المؤمنين بهذه الآلهة، ممتنين منها، على مر العصور كما يبدو، ويعترفون لها بالسيادة على الأرض التي كانوا يعيشون عليها وأيضا بالإسرار الفعالة التي تسمح باستثمار هذه الأرض.

كيف يمكن تجاهل الفرصة والتعرض لخسارة الموسم جراء عدم القيام بواجب التكريم والإجلال كما يفعل الكنعانيون لإلهتهم منذ القدم –آلهتهم:

داغون، سيد الحبوب والحرث، خالق القمح والمحراث .

هدد، موزع الإمطار النافعة .

عشتار، سيدة الحب، وبالتالي سيدة الخصب والرخاء ؟ في الحقيقة، كان الإغراء قويا .(7)

 ويبدو أن الإغراء كان يقوم على كسب البعد البراغماتي الذي جاء حين خرج الشعب من حياة البداوة والترحل ودخل إلى الحياة الزراعية؛ الا انه يحاول الاندماج والخروج على المخيال العقائدي القائم على:العلاقات التجارية الربوية والروح الحربية والمال والشعور بالتميّز والاصطفاء هي العناصر الثابتة التي صاغها الكهنة المصطفين بين المصطفين فبهذا الفعل الاندماجي يكون ارتكب خروجًا على السلطة الدينية و على الإرادة الإلهية التي تحتم العقاب عليه بالموت بارتداده عن دين التوحيد إلى الوثنية والخروج على إرادة المعبد"الهيكل" قديما وفي السبي على إرادة الكنيس .التي اسماه "أرنولد توينبي"(مؤسسة فريدة) والذي استنبطه زعماء اليهود في بابل .لقد تمثلت هذه المؤسسة ب"الكنيس" واذا ما صدق جيمس باركس، فان الكنيس البابلي كان الأول من نوعه في التاريخ اليهودي العبري، إن استحداث الكنيس جسّد رد الفعل الواعي والقلق والمخطط، الذي انطلق من أوساط أولئك الزعماء تجاه عملية الاندماج اليهودي العبري في المجتمع البابلي .وهذا من شأنه أن يكون قد عنى أن إنشاء المؤسسة الدينية المذكورة اريد له أن يكون رأبًا للصدع الكبير الذي عصف بالبنية عمقا وسطحا، تلك البنية التي تمحور حولها النفوذ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والديني للكهنوت، والتي استمد منها هذا الأخير شخصيته الشرعية المهيمنة على هذه الأصعدة (8)

 ومن هنا نلمس أهم مقومات ذلك المخيال العقائدي لليهود الذي أصبح الناطق باسم المؤسسة الصانعة له والتي تقوم بترميمه عبر التفسير او التأويل الرمزي لتحوله إلى رابط لا يمكن الخروج عليه بل تحوله إلى رابط بين الله والشعب يتغلغل في اللا شعور الجمعي المبني على جملة عامة من المقولات القابلة للاستهلاك والقابلة للفهم من العوام والخاضعة بشكل دائم للتأويل او التحايل الفقهي بيما يتفق مع مستجدات الزمان وحاجات النخب المهيمنة التي تمثل السلطة المؤسسية الدينية، واهم مقولات هذه الدوغمائية التي تغدو في أحيان كثيرة يوتوبيا تقوم على نصوص فلكلورية حسب توصيف "جان بوتيرو" وهذه المقولات قائمة على مركزية نص مؤسس يتناول قضايا ذات طابعا كونيا من خلال السرد المقدس الذي يتمركز على تاريخ ناس معينين ينسج حولهم محور السرد من خلال قصص الخلق والطوفان او غيرها من قصص التوراة بحسبانها مفردات صادقة مسلم بها وطلب من المؤمنين الرجوع إليها في التوراة وهي قائمة على وفق النقاط الآتية:

4-1- تاريخ مقدس يبدأ (بالخلق) وينتهي الى مرحلة الكمال في المستقبل ويبين موقف الله من الإنسان.

4-2- وجود طائفة صغيرة من الجنس البشري حباه الله، بحبه دون سواها وهذه الطائفة عند اليهود هي (الشعب المختار). (9)

 إن هذه الديانة ومدونتها التوراتية تبدأ رسميا بوصفها مدونةَ وحي الهي تلقاه النبي موسى على الجبل بوصفه الزعيم الذي يمارس الرعاية والاهتمام بالرعية وبوصفه الراعي الذي يسهر على استقامتها ومن ثم حمايتها والسهر عليها فهو المنتخب للرعاية والهداية فقد(تكلم الرب فقال , أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية , لا يكون لك الهه سواي , لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً و لا صورة شيء مما في السماء من فوق , و لا مما في الأرض من تحت ,ولا مما في المياه من تحت الأرض,لا تجسدها ولا تعبدها لأني أنا الرب إلهك) (10)

 فهذا النص يبين منذ البداية الانفصال التام عن الخطاب الثقافي الديني والسياسي المصري والانفصال التام داخل مجتمع يرعاه الإله والنبي الساهر على الجماعة وإليه تنسب الخمسة التي تتناول الأزمنة البدئية للجماعة الجديدة الموسوية التي تمتد إلى تراث قديم من الزعماء والآباء؛ لهذا تجذر الجماعة إلى نفسها (وحسب التوراة وأسفار العهد القديم، تعود إلى إبراهيم الذي ورد ذكره في الخمسة الأولى) (11) أي إن الديانة بحسب المدونة التوراتية تبدأ مع الموسويين حيث بداية النبوة إلا انها تعود إلى الأسلاف حيث بداية العهد عبر الختام مع إبراهيم (العبريين) وما جاء بعد الوعد بالأرض ثم انتقال الوعد الى الحفيد يعقوب (الإسرائيليين) ليكون مع ابنائة، ومن هنا جاءت دلالات تاريخية لتلك الأسماء وثمة أسماء تذكرها المدونة التوراتية حول الأصل المفترض لليهود ان المدونة التي تنسب الى موسى هي ذاتها تتناول سرد أحداث البدايات الكونية وهي بهذا تكون قد تكونت من نصَّين الأول المرويات الشفهية الطويلة التي بعضها ينتمي إلى الأسلاف او مستعار من الثقافات التي مر بها هؤلاء الأسلاف ثم تحولت إلى نصوص مكتوية وهي الأخرى متنوعة بحسب الأزمنة الثقافية التي مرت بها في رحلتها من الراوي الأصل الذي عاش ودوَّن المروي الشفهي للجماعة بوصفها وحيا وبين الراوي النظري الذي يسميه "هيجل" بالتاريخ العملي أو البرجماتي الذي يهتم أساسا باستخلاص العبر والموعظة، والمبادئ والقيم والدروس الأخلاقية من أحداث الماضي (12) فهذا المروي التاريخيّ يقوم على الجمع والترميم بين النصوص من خلال جعلها تنتمي الى نص واحد وهذا ما حدث مع التوراة التي تنتمي الى نصوص متفرقة في الأسلوب والأسماء والأماكن؛ إلا أن الكاتب أو المؤرخ التوراتي عمل على دمجها من أجل هدف عملي ديني وهذا ما أشار إليه "جان بوتيرو" وهو يمارس دور المؤرخ النظري لكن النقدي بعرف "هيجل "الذي من صفاته (هو التاريخ الذي لا يعرض وقائع التاريخ نفسه وإنما يعرض الروايات التاريخية المختلفة لكي يقوم بفحصها ودراستها ونقدها، وبيان مدى حقيقتها، ومعقوليتها، كما هي الحال حين يقوم مفكر معاصر بنقد روايات تاريخية مختلفة، والمقارنة بين المؤرخين كتبوا خلال فترة واحدة فيكشف عن مدى المبالغات في روايات فلان، وعدم الدقة ؛ او الخلو من المعقولية في رواية مؤرخ آخر ...)(13) وهذا ما فعله "جان بوتيرو" عندما يقول: إن أسفار التوراة تحمل جميعا، بنسب مختلفة، عند سرد الأحداث، الطابع النفعي لمؤلفيها او جامعيها، والاكتشاف التمهيدي الأكثر تخريبا، بالنسبة لمؤرخي التوراة كان تقصي هذه المدخلات التي هي عبارة عن حشو يؤذي بصر ذلك الذي يبحث عن حقيقة الماضي، وتقليص هذا الركام الكثيف إلى عناصره الوثائقية الأولى، بغية استعمالها مباشرة لرواية التاريخ بشكل سليم) (14) لهذا عندما يمارس دور المؤرخ الناقد للإسفار المنسوبة إلى موسى والمسماة "الهكزاتيك: الست الأولى من التكوين وحتى يشيع (مؤلفو الهكزاتيك، قاموا بتقطيع الاحداث والعمل على تشابكها تماما مثل ضفائر الحبال، بغية سرد رواية تبدو لاول وهلة منسجمة ومتجانسة، محاولين على الرغم من ذلك الحفاظ على كل ما جاءت به هذه الروايات المستقلة من تفاصيل تماما وهذه الروايات هي: "اليهودي" تبدا مع الخلق و تعود إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد ويفترض انها كتبت في اورشليم القدس او حولها، والرواية الثانية هي باسم "ايلوهيم" تبدا مع ابراهيم .اما الرواية الثالثة هي اكثر ارتباطا بالتشريع الديني منها بالتاريخ فنجدها في تثنية الاشتراع (تعاليم موسى الاخيرة ووفاته قبل الغزو) التي كتبت هي الاخرى ايضا في اورشليم القدس في القرن السابع قبل الميلاد تقريبا .اما الرواية الرابعة فهي في القانون الكهنوتي وسميت كذلك نظرا للطابع الكهنوتي الذي يميزها فهي دقيقة، جافة تعير اهتماما كبيرا للأرقام والخطوط الكبرى تبدأ مع التكوين ويبدو أنها كتبت في المنفى، بعد تثنية الاشتراع بقرنين تقريبا .(15) ومن هذا يظهر أن النص الذي ينسب إلى موسى دوِّنه كتاب او جامعون مختلفون وتعرض إلى إعادة التدوين ليغدو نصًا موحدًا يستجيب للحاجات الدينية .

5-1- التراث المقدس الكتابي ينقسم المدون وشفاهي:

 ولعل الرواية تدور في الأساس حول شخصية محورية هي موسى فهي تشكل المدوَّنه المقدسة، وتنسب الى موسى - قد جمعت اثناء فترة السبي وما بعدها - التي تنقسم الى تراث مدون هي التوراة وتراث شفهي ينسب هو الآخر الى موسى وهو التلمود، أما التوراة بوصفها نصًا ينقسم الى روايات متنوعة النص العبري والنص السامري والنص المعروف بالتوراة ومرد هذا التاثير الذي اثمر نص التوراة مع التجربة الوجودية لليهود التي تركت ظلها عبر تلك الصياغة التي صيغت فيها التوراة فهذه الخمس كتبت بعد السبى البابلى فى القرن السادس (ق .م) فى أثناء حديث شاحاك عن مراحل تاريخ اليهودية ويعترف كأمر بديهى ان معظم كتبت فى القرن السادس قبل الميلاد بعد السبى البابلى " مرحلة مملكتى اسرائيل و يهوذا القديمتين حتى دمار الهيكل الاول (587 ق م) والمنفى البابلى (يعنى معظم العهد القديم في هذه االمدة , على الرغم من ان معظم الرئيسة , بما فيها الخمس, كما نعرفها , جرى تدوينها فعليا بعد ذلك التاريخ (16)، ويتفق جميع الباحثين ودارسي التوراة، تاريخاً وكتابة وترجمة، على أن النسخة الأصيلة للتوراة قد ضاعت من أيدي عسكر نبوخذ نصّر.. فقام رهط من أحبار اليهود بنقلها وجمعها.. وحين ظهرت هذه النقول المجموعة على يد "عزرا" ضاعت مرة أخرى في حادث حرق أورشليم، التي قام بها الملك "أنتيوكس" بعد احتلاله القدس، فحرق جميع نسخات العهد القديم وأمر بقتل كل من يوجد عنده نسخة من هذه الكتب.. وليست هذه الحادثة هي آخر ما وقع لهذا الكتاب من أحداث وواقعات كانت قبل مئة عام من ميلاد السيد المسيح، فقد تكررت هذه الوقائع بعد الميلاد..

ومن نافلة القول أن كل منقول مشكوك بصحته وهذا ما يمكن استبيانه من المدونات التاريخية والكشوف الأثرية التي أماطت اللثام عن التوراة ومغالطاتها سواء من حيث التسلسل الزمني للتواريخ والوقائع المثبتة تاريخياً أم من حيث الأسماء والأماكن والسلالات والهجرات.. ناهيك عن الحذف والزيادة التي حصلت بما يتفق ومزاج أو أهداف كتبة التوراة.. إذ إنهم دوَّنوا كل ما ارتأوه جديراً بأن يحتويه تاريخ، اما من ناحية التصنيف فيمكن تصنيف التوراة على وفق الآتي:

5-1-1- التوراة التي أطلق عليها في بعض المراحل "كتب موسى ":

كما جاءت في بعض الكتابات اليونانية تحت اسم pentatichus او (بنتاتيك) التي تعني الكتاب ذا الخمسة (17) الا ان هذا النص تعرض الى الكثير من التطورات فقد تبدل وجرت عليه تغييرات بما يتطابق وعصر الأحبار أنفسهم. ولذا فهو أنواع هي:

5-2-1-1- التوراة اليونانية (أو السبعينية) وقد كتبها سبعون كاهناً يهودياً، جمعوها باليونانية في جزيرة (فاروس) عند مدخل الإسكندرية سنة (285)قبل ميلاد. وقد جمعت تلبية لرغبة بطليموس فيلادلفوس (280-247ق.م) ثم ترجمت إلى اللاتينية بعد 100م؛(18) وأخذ ديمتريوس هؤلاء الإثنين والسبعين حبراً إلى جزيرة فرعون ووضعهم في بناء في شمال الجزيرة قُبالة البحر وأنهوا الترجمة في اثنين وسبعين يوماً . وتم إرسال جميع اليهود إلى الجزيرة لتُقرأ عليهم الترجمة ثم أقيمت الصلوات وخُتِمت باللعنة على من يُضيف او يحذف شيئاً من هذه الترجمة . تم أخذها وقُرئت على الملك. ولكنَّ هذا الكلام يعاني من غياب الموضوعية بفعل انحياز الديني الى معتقد ما يؤدي الى التعامل معه خارج ما تعرف به الموضوعية التاريخية فهناك جملة من الملاحظات تؤخذ عليه منها: أنَّ الطابع الاسطوري يظهر واضحا في السرد بعيد عن التوثيق القائم على النقد الموضوعي، ومنها فقدان عشرة من الاسباط الذين ضاعوا ولم يبقَ الا اثنان اذ كيف تحقق لهم الحضور هنا ؟ وهذا دليل على ان الموضوعية غائبة .ثم إنَّ هذا الترادف بين عدد الذين قاموا بالكتابة وبين الزمن الذي تمت فيه الكتابة فعددهم اثنان وسبعون والوقت الذي شغلوه كان اثنان وسبعون ترابط يسقط الاسطورية على الاحداث ويجعلها غيبية خارج الحدود الموضوعية .وقد احيط النص المنتج بهالةٍ من القداسة حتى يتم اسباغ الشرعية عليه وقد تفرد فيلو اليهودي اليوناني الاسكندري بخلق إلهامية مُصطنعة ليهود الإسكندرية لما بين أيديهم من كتابات في مجابهة يهود العبرانية. ثم قام الآباء بتصديق قصة إلهاميتها والإيمان بقدسيتها بل يزيدون من خرافات القصة , وكأنهم صمّموا على جعلها ميثولوجيا صِرْفة .. فأغدقوا عليها بالخيالات المُبتذلة من دون أي مصدر أو سند لما يقولون .... ولا يقِف الأمر عند هذا الحد ... بل إنهم يُناقضون بعضهم البعض حين التحدث عن خرافات إلهاميتها ..كما سنرى بعد قليل.

5-1-1-2-: التوراة السامريَّة (نسبة إلى السامرة):

 التي جمعت بعد انقسام دولة الغزو بعد سليمان وعرفت بالآرامية بسبب كتابتها أثناء السبي البابلي. وهي تختلف في مضمونها عن التوراة المنسوبة إلى موسى، كما سميت (بالتوراة الكهنية) أيضاً. والتوراة السامرية مصطلح يطلق على النص التوراتي الذي يؤمن به السامريون، وهو النص المعتمد لديهم. وهذا المصطلح يقابل مصطلح التوراة العبرانية أو العبرية التي يؤمن بها ويعتمدها اليهود.و الخمس المنسوبة لموسى لها ثلاث نسخ: عبرية وسامرية وسبعينية (مع ترجمات أخرى.وفي التوراة السامرية تكرير للبشارة الموجودة في التثنية 18 بعد الوصايا العشر، وتضيف أمرا إلى الوصايا العشر باتخاذ معبد في جبل جزريم قرب نابلس.وقدجهل الغرب خلال العصور الوسطى عن هذه التوراة حتى عام 1645 عندما اشترى أحد المسافرين مخطوطة من سامريي دمشق. وعند السامريين (كتعريب لكلمة شومريم) فالكتاب المقدس هو الخمس الأولى فقط، أما مالم ينسب لموسى فلا يؤمنون به. وتختلف التوراة السامرية عن اليهودية في آلاف المواضع، وفي بعض تلك المواضع تتفق مع النسخة اليونانية سبعينية ضد النسخة اليهودية ماسورتية التي أخذت شكلها النهائي في القرن العاشر للميلاد.وقد ترجمها أحد علمائهم إلى اللغة العربية، ويلاحظ تجنبها لعبارات غير لائقة عبر إضافة كلمة (ملاك) أمام كلمة (الله) أحياناً.والتوراة مكتوبة بأحرف أقدم من تلك الموجودة في النسخة اليهودية..(20)

5-1-2- الخفية:

وهي محظورة التداول لدى اليهود في الكيان الصهيوني وخارجه نظراً لما تتضمن من بدع وخرافات، ويسمونها (كتوبيم أخرونيم) أو الكتابات المتأخرة أو الأخيرة. أو (الأبوكريفا) والخفية، وهي جملة تلفيقات تختلف عما سبقها من كتب.

5-2- النص الشفاهي (التلمود المقدس) او(أو التلمود الحجازي): وهو التراث الشفاهي الذي تم تدوينة من الأحبار في بابل اثناء السبي . ويقسم إلى قسمين: مشنا وجمارا ـ المشنا تعني المتن وجمارا وتعني الشرح أو التفسير. وهو كسابقيه يختلف في الأحداث والأزمان، وكتب بما يتفق وعصر تدوينه ومؤلفيه أيضاً (من كهنة وإيلوهي) وفيها أساطير تم اقتباسها الكاتب اليهودي ـ الكهني.. حيث وجد فقهاء اليهود أيام السبي البابلي أن للبابليين والكنعانيين ثقافة وأساطير أرادوا أن يجاروها، فقاموا بتبيئتها بما يجعلها متفقة والتراث اليهودي التوحيدي، لأنهم كانوا على تماس مع تلك الشعوب المجاورة الي كانت بينهم تاثيرات متبادلة كثيرة فقد كانت هناك الكثير من التناصات مع الموروثات الروحية لدى البابليين والكنعانيين.مما يعني ان الخطاب التوحيدي كان متاثر بالفكر السابق او معايش لهم ولعل أشهر المدارس البحثية في التوراة، وهي مدرسة "فلهاوزن WILLHAWSEN"، التي أكدت أن تصانيف التوراة قد بدأ جمعها بعد عهد موسى بقرون، وأن الجُّماع والمصنفين كانوا مختلفين مزاجاً ومَشْرباً، ودلّلت على ذلك بأدلة هامة، لعل أخطرها ولا يقبل جدلاً، أن اسم الإله وطبيعته وعلاقته باليهود، يختلف ما بين سفر وآخر، إضافة إلى تكرار القصص في، مما يشير إلى أن المصنفين لم يلتقوا معاً، ليصفوا ما بينهم من خلافات حادة في التفاصيل، هذا مع فروق واضحة وعميقة إلى حد التنافر التام في اللغة والأسلوب بين هذه (21).

أما النسخة العربية، فتؤكد على غلافها أنه "قد ترجم عن اللغات الأصيلة، وهي العبرانية (أصلا الكنعانية)، واللغة الكلدانية (وما تحمله من تراث رافدي طويل)، واللغة اليونانية (وما حملته من علوم جامعة الإسكندرية وتراثها المصري العريق)". (22).

ولكنَّنا نلمس أن النص يتمركز حول زعيم ومن هنا تظهر امامنا ثلاث زعامات تكونه منها المروية التوراتية هي الطبقات التي ترويها انطلاقا من موسى بوصفها وحيا الذي يعتمد (العبرانيين) و(الاسرائيليين) و(الموسويين) و(الساميين) هنا نحاول البحث الجينالوجي في الدلالة لتلك الأسماء .

6- تكوين الاسلاف من اليهود: حيث ان المدونة التوراتية تتحدث عن ثلاثة اسلاف المكون الاول جاء مع ابراهيم (العبرانيين) ثم مع الحفيد (الاسرائليين) ثم جاء الخروج مع موسى (الموسويين) .

 6-1- مدّة الإسلاف (العبريون):

 الاسم الأول الذي يشير إلى فترة الإسلاف(23) إبراهيم والولادة هو(العبريون):"ابراهيم " الجد الأعلى الذي حاز الميثاق وهو نقطة الالتقاء في الاديان الثلاثة ومنه يتفرع سرديتان هما: الاسرائليون والاسماعيليون، وهذا ما يشير له " رينهارد لاوت":فيما يخص قصة ابراهيم، والذي يلفت فيها النظر أنها أول سيرة ذاتية نجدها في الكتاب المقدس، وهي بهذه الصفة حياة مشكلة عضويا بشكل كامل ونضيف إلى ذلك أنها كتبت بيد كاتب مدفوع دينيا إلى فعل ذلك (24)

وقد بدت تلك المرويات الدينية لدى جمهرة من الباحثين مجرد روايات شفاهية غير محددة وغير دقيقة ولعل هذا ما يخبرنا به غارودي بقوله (يعرض لنا رواة التوراة تاريخ إسرائل بوصفه سلسلة من العصور المحددة تحديدا دقيقا .فهم يدرجون كل الذكريات والقصص والخرافات والحكايات والأشعار التي انتقلت إليهم عبر التراث الشفهي، ضمن إطار المحدثين على أن هذه الصورة التاريخية لا تعدو ان تكون صورة وهمية إلى حد كبير)(25) وهذه المرويات التي مرت بالجمع من عهد سليمان النبي الى السبي البابلي وما جاء بعد ذلك هي مرويات لاتخلو من الاساطير والتناصات مع التراثات المحلية الى جانب التوظيف السياسي .مماجعل بعض المؤرخين من بينهم اليهودامثال "البيرت آلت و"مارتن نوت " يعتبرون تقسيم التاريخ إلى عصور متعاقبة "الاباء – السحرة في مصر – غزو كنعان"هو تقسيم مصطنع . بل هي في نظر فرانسواز سميث مجرد قصصا خيالية فالروايات التاريخية التوراتية لا تعرض لنا معلومات عما تقصه بل عمن يروونها .بل ان " البيرت بودي " يكشف المسكوت عنه في تلك الروايات انه التوظيف السياسي بقوله:(لقد تناول السواد الأعظم من المفسرين هذا الوعد الأبوي بمعناه التقليدي، لاضفاء الشرعية في فترة لاحقة على الغزو الاسرائلي عما كانت عليه في عهد الملك داود، بعبارة اخرى، فإن هذا الوعد قد أدرج في نصوص الأباء، بغرض جعل هذه "الملجمة السلفية" بمثابة مقدمة وإعلان لمقدمة العصر الذهبي لداود وسليمان)(26) ونحن نجد ان تلك النقود موضوعية في تحليل تلك النصوص الشفاهية التي تعرضه الى الكثير من الحذف والتوظيف السياسي، ومن اجل تحليل تلك النصوص التي تحدث عن ثلاث مرويات تم جمعها في الخمس وهي كما ياتي:

هنا كان العهد الأول مع إبراهيم (العبري) فن الحفر عن الاسم يبدو أن المدونات الرسمية التي كانت قائمه في تواريخ الدول المهيمنة في مسرح الإحداث لم تظهر اثر بين لمدون الدرامية للتوراة المتأخرة اذ كانت هناك تحركات طبيعية هي حركة البدو حول الحواضر، ويمكن قبول الادرامه التوراتية ضمن تحركات البدو الدائمة، وربما كانت نهاية المطاف والاستقرار بالنسبة لهذه المجموعة في فلسطين التي كانت تشهد حقبة انتعاش على يد الكنعانيين؛ إلا أنها لم تعطِ مكانًا مبرزًا في سردها مثلما أعطته التوراة إلى إبراهيم وعائلته في رحلة وصولهم إلى فلسطين قادمين من حران ولكنَّ الترحل الإبراهيمي المذكور في العهد القديم وضمن تلك الفرضية القائمة على حركة البدو غازية او باحثة عن الخصب في الحواضر وهي مفردات طاردة يشكل خطر الذي يسببه هؤلاء لحواضرها . ونستطيع الحفر في دلالة الاسم في لغات الحواضر القديمة عن المعنى ودلالته اذ وجد في الاكدية صيغة ibbiar ابيار، وتعني الهارب أو الذي هرب، وهي تقابل المعنى السومري SA.GAS والاكدي habiru خبرو وتعني غزاة، رجال غزو ويستعمل تعبير "سا – غز" للدلالة على رجال من هذا النوع ويقابله بالاكدي habbatu أي القتلة (27)

فهذا الحفر لا يشخص بقدر ما يعمم لغة الصراع بين المدن والصحراء ؛ إلا أن القراءات القصدية سواء كانت دينية قديما او سياسة معاصرة تحاول التأويل والبحث عن معنى يضفي على مخيالها السياسي الشرعية في استمرار الغزو والاستيطان من هنا تسعى هذه القراءات الى البحث عن الشواهد التاريخية والاثارية، فقد حاول بعض المختصين بالدراسات المسمارية من اليهود وبعضهم يدرس في جامعات الكيان الصهيوني أن يربط بين كلمة خابيرو أو عابيرو وكلمة (عبريم) التوراتية التي تعني عبراني، بالجذر (ع ب ر) أو بالمصدر المشترك والذي يعني مر وعبر وكان الهدف من ذلك كما هو واضح محاولة لاختراع اصول في فلسطين لجماعات العبرانيين الذين استولوا على ارض كنعان حسب رواية سفر يشوع(28). والواضح أن التعليل ليس علميًا لأنه ينطلق من محاولة إثبات ما هو قائم في المخيلة الدينية وإعادة استثمارها في الهيمنة على الأرض وهذا الأمر كان له ما يعارضه من حيث التأصيل المكاني، إلا انه أيضا يعتمد ذات الأسلوب القائم على الحفر اللغوي كما فعل كمال الصليبي، الذي اختلف في تحديد مكان للسرد المتخيل للتوراة فقط ولكنَّه يؤكد ارتباط الاسم السرد التوراتية التي تتخذ من إبراهيم مركزًا لمحور الرغبة في سردها اذ يرى (ان تسمية العبريين هي نسبة إلى إبراهيم نفسه، حيث وصف إبراهيم بـ (العبري)(29)، وهي دلاله أيضا أشار لها الكثير من الباحثين عبر حفرهم في دلاله اللغة من خلال الفعل الثلاثي "عبر" بمعنى عبر النهر في إشارة إلى عبور إبراهيم ومن معه لنهر الفرات بعد أن هاجر كما تروي إسفار العهد القديم، من مدينة اور. أو إلى عبورهم لنهر الأردن إلى الضفة الشرقية، ثم أنهم أضافوا ياء النسبة على (عبر) فأصبح "عبريا" وهذا الرأي هو الأرجح لدى جمهرة الباحثين ويقولون إن الكنعانيين هم الذين اطلقوا عليهم هذا الاسم(30) .

ولكنَّنا نستطيع القول انطلاقا مما انطلقنا منه حول علاقة الحواضر بالبداوة كان (الكنعانيون والفلسطينيون يسمون بني اسرائيل بالعبريين لعلاقتهم بالصحراء وليميزوهم عن أهل العمران، ولما استوطنوا ارض كنعان وعرفوا المدينة والاستقرار صاروا ينفرون من كلمة عبري التي كانت تذكرهم بحياتهم الاولى حياة البداوة والخشونة(31).وعن حياة البدو قال جان بوتيرو (هؤلاء البدو في الشمال، الذين يعيشون في السهوب لا يعرفون الحبوب والمساكن والمدن، يأكلون اللحوم بدون طهي، ولا يمكن تثقيفهم أو تنظيمهم . واذا ماتوا فانهم لا يدفنون وفق الطقوس)(32)

 ولعلَّ هذه الثنائية بين الراعي "البدوي" والمزارع ثنائية لها وجود عميق في البنية الذهنية الشرقية القديمة كما جاء في النصوص السومرية والبابلية، وكما عكستها التوراة في ثنائية الراعي والمزارع هابيل وقابيل بشكل يعبر عن الخطاب الرعوي لليهود؟

 إننا نلمس مرةً أخرى أن النص التوراتي يعيد بناء ذاكرة الجماعة و بناء هوية تخيلية افتراضية تعيد تأميم الرأسمال الرمزي للمنطقة وجعله رأسمال خاص بالجماعة اليهودية فهذه دلالة الجد الأعلى لليهود الذي يمثل العهد الأول مع الرب نستطيع ان نلمسه في جذور مشتركة تنتمي للمنطقة أي رأسمال جمعي قبل ان يتم تأميمه من السارد التوراتي وبتحري المكتشفات التاريخية نجد: أن إله إبراهيم هو "إيل" خالق السموات والأرض وهو مشتق من الخل وإيل أي صديق الله أو حبيب الله(33). وهذه عادة عربية قديمة موروثة في التسمية، وهنا يظهر بوضوح ما هو سائد في أغلب النصوص الأسطورية وهي تعتمد التناصات مع غيرها بشكل مقصود او غير مقصود ؛ ونجد أن النص التوراتي يمارس قراءة النصوص السابقة او المعايشة لها ؛لهذا نراها قد ربطت سلالات اليهود سواء كانوا موسويين او غيرهم بإبراهيم النبي الكلداني ليكون لليهود الحق بامتلاك أرض فلسطين، الذين مارسوا التأويل والتفسير والتدخل النحوي في تغيير المعنى حتى يتناسب مع حاجاتهم لهذا اختاروا "إبراهيم" لكونه أول أنبياء المنطقة العظماء وقد ذكر احمد سوسة (ان أهم ما كان يهدف كتبة هذه الديانة هو إرجاع نسبهم المجهول إلى إبراهيم الخليل الذي يمثل أقدس وأقدم شخصيات العصر القديم، ثم تثبيت عقيدة الأرض الموعودة وعزوها إلى إبراهيم وموسى وهؤلاء بريؤون منها)(34)

ويقول غارودي عن الوعد هذا:" من الملاحظ ان الوعد الابوي، الذي يحدثنا عنه سفر التكوين، لم يقطعه يهوه وهو الاله الذي دخل فلسطين مع جماعة الخروج، بل قطعه الاله الكنعاني إيل في إحدى تجليات المحلية، لان الاله المحلي الذي يملكك الارض هو وحدة الذي يملك ان يسمح للبدو الرحل بالاستقرار في ارضه" .(35) بالإضافة الى ارتباط الامر بطقس تضحوي كان موجود في كنعان في ذلك الزمن إلا ان التوراة جعلت منه وكأنه فداء وطاعة يقابله الوعد بالأرض، وهنا التركيز الأساسي لدى التوراة على العهد والفداء الاختيار والعهد تذكرة التوراة بالقول:

(وقال الرب لابرام انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت

أبيك الى الأرض التي اريك .وانأ أجعلك امة كبيرة

وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة .

وأبارك مباركيك

وشاتمك ألعنه

وتتبارك بك جميع عشائر الأرض

فانطلق أبرام كما قال له الرب ومضى معه لوط .وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة حين خرج من حاران فأخذ أبرام ساراي امراته ولوطا ابن أخيه وجمع أموالهما التي اقتنياها والنفوس التي امتلكاها في حران وخرجوا ليمضوا الى أرض كنعان وأتوا أرض كنعان)(36)

الطاعة الفداء تذكرة التوراة بالقول: ("يا إبراهيم" أجاب "لبيك "فقال له: "خذ ابنك وحيدك، إسحاق الذي تحبه، واذهب الى منطقة المرايا، وقدمه ضحية على أحدى الجبال الذي أقول لك عنه "فقام إبراهيم في الصباح الباكر وأسرج حماره، وأخذا ثنين من خدامه وابنه إسحاق .وبعد ما قطع حطبا لإحراق الضحية، ذهب الى المكان الذي قاله له الله عنه. 4وفي اليوم الثالث، تطلع ابراهيم فراى المكان من بعيد.5 فقال لخادميه:"انتظرا هنا مع الحمار، بينما اذهب إنا والولد إلى هناك لنعبد الله ثم ترجع إليكما ."6وأخذ إبراهيم الحطب للضحية ووضعه على كتف ابنه إسحاق، أما هو فحل النار والسكين.وبينما هما ذاهبان معا، 7 تكلم إسحاق وقال لأبيه إبراهيم يا أبي فأجابه إبراهيم:"نعم يأبني " قال إسحاق:"معنا النار والحطب، ولكن أين الحمل للضحية؟"8 أجابه إبراهيم:"الله يدبر لنفسه الحمل للتضحية يا ابني ."وتابع ....ومد ابراهيم يده واخذ السكين ليذبح ابنه .فناداه ملاك من السماء وقال:"إبراهيم إبراهيم " فأجاب:"لبيك "12 فقال:"لا تمد يدك الى الولد، ولا تفعل به شيئا ألان علمت انك تتقي الله، فلم تمنع ابنك وحيدك عني "13 وانظر إبراهيم فرأى كبشا اشتبك بقرنيه في شجرة الغابة . (37)

 فهذا النص المركزي الذي يمارس من خلاله تأويل العهد ونقله من إبراهيم إلى إسحاق دون إسماعيل على الرغم من ان القربان يذكرنا بفعل طقسي كنعاني (38) يقوم على التضحية الحيوانية او البشرية، ولكنَّ النص هنا يشكل محاولة تطويب العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم وتجلى من خلال الختم الذي يميز أهل العهد عن غيرهم من الغلف (يشير الله في ظهوره لابراهيم الذي كلمه فيه بهذه الكلام، أولا الى العهد الذي أبرمه معه، ثم يكرره وعده .لكنه يحول بعد ذلك علاقة الوجود أمامه الى واقع مرئي دائم: انه يامره بالختان "فيكون علامة عهد بيني وبينكم")(39).

 وهنا يتشكل أول ملامح الراعي الذي سوف يشكل الأخيار او الأصل الذي يعبر عن الانتماء الأصلي للديانة التوحيدية سواء كانت إسماعيلية اواسحاقية ثم ابنه اسرائيل وهنا يتشكل المخيال الجماعي المشترك الذي تحول الى مكتوب مع التوراة الإسرائيلية؛ الا انه بقى شفاهيًا عند التيار الإسماعيلي(40) والمكتوب هنا (يشكل الوسيط الرمزي الذي يربطنا بالمخيال التاريخي . ولا غرو أن يأتينا كما هو في بداهته وتلقائيته، مادمنا لا نتقبله مباشرة بل بالواسطة ولكن هذه المرة وسيلتنا الوحيدة التي لا نملك غيرها ...فالسطح هنا هو المكتوب الموثق، والحفر فيه ممكن، وقد يوصلنا الى المخيال الاجتماعي، ولكننا لا نستبصره محسوسا ماديا، بل من جنس المجردات)(41) فالفرد ذاته وهو ينقل الخبر ذاته في سياقين مختلفين من شأنه أن يؤثر في الخبر على طبيعة الخبر في بثه وتقبله الا الرواية والتقبل هما الان يصنعا الخبر وهذا ما حصل في الحديث عن شخصية يعقوب، وبهذا تصدق المقولة التي اتخذناها عتبة والتي مفادها "أن الربانيين والحاخاميين فسروا التوراة حسب أهوائهم وبالشكل الذي يلبي غرائزهم ونزوعهم للتفوق على بقية أجناس البشر"..(42)

 إنّ التحيّز الى شعب معين يبدأ من العهود التي تؤكد عليها التوراة بين الانبياء والرب والوعد بالأرض ومن اجل الوصول الى هذا تعتمد التوراة تناصات اسطورية مستعارة من الشرق وهذا ما يرصد في التوراة خصوصا في الكتاب الخامس (الذي يستخدم الاسطورة القديمة لتصور اللاهوت المرعب في الاختيار الالهي الذي لعب دوراً حاسما في تاريخ المعتقدات الثلاثة) (43)ولعل هذا ما يمارسه بعضهم أثناء الحروب الأخيرة فهذا احدهم اثناء تواجده في العراق المعاصر محتلا وهو يزور آثار عراقية ويرصد فيها معابدها القديمة وآثارها يطرح سؤ الًا عن حياة ابراهيم هنا (هذا المعبد أثار انتباهه بحجمه الهائل وموقعه المشرف على ما يصفه بأنه "قرية أور ببيوتها ألمنخفضة التي لا يتعدى ارتفاعها طابقاً واحداً وطابقين في أفضل الحالات". هذه "القرية" هي أحد أكبر مواقع المدن الأثرية في العالم وأهمها، ولكن أكرسون يتساءل "مندهشاً" كيف خرج إبراهيم من هذا المكان الذي يطل عليه "المعبد الوثني" المهيب؟ وفجأة يجد الجواب، وهو أن إبراهيم استطاع أن يشق طريقه عبر هذا الظلام الوثني مهتدياً بنور التوحيد، ليصل إلى حران، ثم إلى ما يسميه بـ "أرض إسرائيل"، وهو الاسم الذي أعيد إحياؤه بعد أربعة آلاف سنة من الفترة التي يفترض أن إبراهيم عاش فيها..) (44)

 وعلى الرغم مما اصاب هذه الرحلة وتلك الشخصية من قراءات متنوعة بين النفي (45)والاثبات الا انها تبدو رحلة ابراهيم الفار بدينة من العنف الذي تفرضه السلطات الشمولية نحو وطن اخر تستثمره التوراة من اجل بناء وطن بديل .

 6-2- من يعقوب الذي "أصبح إسرائيل"

 (الإسرائيليون أو بنو إسرائيل)

  وهم جزء من الإسلاف لليهود أيضا إلا أنهم مهمين هنا إذ كان العهد الثاني () اعتقد ان هذا العهد هو الأساس في انتقال الرأسمال الرمزي والاقتصادي القائم على الاستيلاء على الأرض لهذا تحاول التوراة ان تقدم توظيفًا أسطوريًّا في خلق علاقة بين الجد والإله من اجل الحصول على البركة وان كانت تتعارض مع ابسط القواعد الأخلاقية واللاهوتية من خلال تشخيصها الرب ودخوله في صراع مع إسرائيل فهي لا تعامل الأسلاف بذات السمات التي تعامل بها الأنبياء بعد موسى وكأننا هنا أمام زمن الإبطال المؤسسين كما هو الحال في الأدب العراقي القديم مثل: اوتونابشتم وجلجامش وآدابا والأدب اليوناني كما هو أحوال أبطال هوميروس ....الخ

 ولكنَّ النصوص الدينية هنا تعامل مع الوقائع على أنها تاريخ قدسي وتعمل على تقبل كونه تاريخ متعالي إذ يظهر يعقوب حسب السرد التوراتي يمثل محور الرغبة اليهودية ألقائمة على الفوز بالعهد الإلهي من دون أبناء إبراهيم الآخرين مثل إسماعيل فهو الأكبر وأول من تم تقديمهم بوصفهم قربانًا للرب على الطريقة الكنعانية .

فمحور الرغبة يظهر البطل يعقوب يدخل في صراع او محاولة إقناع الرب وخلف يعقوب كل اليهود وارثوا العهد وبالمقابل الخصوم هم: أخوه إسماعيل وأبناؤه .......اذ تروي التوراة لنا نصّين:

النص الأول:إسرائيل هو لقب للنبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وقد اختلفت الروايات في أصله، فهناك من يرى انه مؤلف من كلمتين قديمتين هما (إسرا) بمعنى غلب أو عبد أو صفوة و(إيل) وهو الله فيكون معنى الكلمة غلب الله أو عبد الله أو صفوة الله(46). وهناك من يرى انها كلمة كنعانية الاصل تعني (ليؤا – زر – أيل) وأيل اسم اله(47)

 ويبدو ان هناك حادثة ترويها التوراة؛ لأنّ الامر يأخذ بعدا اسطوريا عندما يتجسد الاله هنا شبيهًا تجسده في العبادات الوثنية اليونانية خصوصا في الالياذة وهذا يبدو حيث كان المقدس لم يكن متمايزا جوهريا من الطبيعة أو الصفات الإنسانية بحسب ما صورته التوراة (عاد يعقوب بعد سنوات من "حران" مع زوجاته وعائلته داخلين مرة أخرى إلى أرض كنعان، فتلاقوا في "عيد الظهور " في معبر "جابوك" في الضفة الغربية، بينما كان هناك كائنا غريبا يبدو –روحيا- يصارعه طول الليل للفوز عليه . وعند الشروق مثل أكثر الكائنات الروحية كان لابد ان يغادر الارض، لكن يعقوب تمسك به فلم يتركه يذهب الا إذا كشف له عن اسمه في العالم القديم الذي يعرف كشخص يمثل قوة عليا .لكن القوة الروحية العليا امتنعت فلم تبح ليعقوب بذلك كي لا يبوح له بتلك المعلومة)(48)

 فالامر هنا يتعلق باسم الاله السري كما يعرف بعلم السيمياء البابلية والقبالة اليهودية، وهناك جزء اخر يتعلق بالبركة والعهد بالأرض فيعقوب بعد ان عاد من مصر اراد ان يقابل اخا له فجلس (يعقوب) في خيمة وبينما هو كذلك دخل عليه رجل:"فبقى يعقوب وحده وصارعه انسان حتى طلع الفجر، ولما رأى انه لا يقدر عليه حق فخده فانخلع حق فخد يعقوب في مصارعته معه . وقال اطلقني لانه قد طلع الفجر . فقال له لا اطلقت ان لم تباركني . فقال له ما اسمك فقال يعقوب . فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل اسرائيل لانك جاهدت مع الله والناس وقدرت . وسأل يعقوب وقال اخبرني باسمك فقال لماذا تسأل عن اسمي وباركه هناك . فدعا يعقوب اسم المكان فنوئيل قائلا لاني نظرت إلى الله وجهاً لوجه وبخيت نفسي . واشرقت له الشمس اذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخده(49)، وكأننا هنا أمام الصراع بين جلجامش وعشتار وكيف تمكن جلجامش وانكيدو من التغلب على الثور السماوي .

النص الثاني: يضع هذه الحادثة بعد إقامة يعقوب لمذبح الرب في بيت إيل، وذلك بعد الصراع في يبوق بزمن لا بأس به: "فأتى يعقوب إلى لوز التي في ارض كنعان هو وجميع القوم، الذين معه وبنى هناك مذبحاً ودعا المكان ايل بيت ايل .. وظهر الله ليعقوب ايضا حين جاء من فدان ارام وباركه، وقال له الله: اسمك يعقوب، لا يدعى اسمك يعقوب فيما بعد بل يكون اسمك اسرائيل(50).

يمكن ان نورد نقدًا للعهد الذي منح الى اليهود بأرض كنعان بوصفه تطويبًا للأرض، فقد قدم غارودي مجموعة من النقود لهذا العهد وهي:

1- وعد بالأرض، بمعنى الوعد بالاستقرار، وقد وجه في بادئ الامر إلى جماعات من البدو الرحل الذين يتطلعون الى الاستقرار في أي من المناطق الاهلة الصالحة للسكن ثم اصبح هذا الوعد جزءا من التراث الديني والقصصي لدى قبائل شتى متباينة .

2- لم يكن هذا الوعد الموجه إلى البدو هو غزو منطقة ما سياسيا او عسكريا بقدر ما كان يهدف الى استقرارهم بالسكن في منطقة محدودة.

3- في حقبة لاحقة اكتسبت الوعود القديمة بعدا جديدا وذلك عندما تجمعت عدة قبائل من البدو الذين توطنوا لتشكيل معا " شعب إسرائيل " إذ كان الاستقرار قد تحقق ومن ثم بدا الوعد يكتسب طابعا سياسيا وعسكريا وقوميا، وبإعادة تفسير الوعد على هذا النحو أصبح ينظر اليه بوصفه انموذجا للغزو النهائي لفلسطين وإعلان قيام مملكة داود ولإضفاء الشرعية عليها .(51)

6-3- موسى (الموسويون)

اولا - قصة الولادة والنبوة:

 إنَّ الزعيم الذي كان له اثر كبير هو "موسى: ومنه جاءت التسمية الثالثة لليهود هي (الموسويون) وقد تم تداول هذه التسمية بعد مرور الدور الذي تم فيه تداول تسمية اسرائيل بزهاء ستمائة عام .عاش بنو إسرائيل في مصر في بحبوحة من العيش تحت رعاية أخيهم يوسف فقد أقطع لهم أراض زراعية خصبة، وتكاثروا وكان سكنهم في أرض جاسان شرقي الدلتا، لكن جاء ملك في مصر إلى الحكم فمارس معهم اعمال السخرة من اجل تشييد المباني .

 وفي هذا الواقع ولد موسى إشارة الى الجماعة التي خرجت من مصر بقيادة نبي الله موسى (52)، لقد أثارت شخصية النبي موسى وأسمه كثير من الجدل بين علماء التاريخ والدين، وهذه المشكلة دفعت الباحث اليهودي والطبيب النفسيّ سيجموند فرويد(53) إلى القول إن موسى كان مصرياً ويستند في ترجيح هذا الافتراض على ما يأتي:

1- لم يرد في أسماء العرب القدماء اسم نطقه كأسم موسى فهو أول شخص يحمل هذا الاسم.

2- أن كلمة موسى بأشتقاقها الذي ذكر في العهد القديم (خروج 8: 10) قد أعتبره اسما يهوديا وأنه سمي بهذا الاسم لأنه أنتشل من الماء، حيث جاء العهد القديم:" ودعت أسمه موسى وقالت لأني أنتشلته من الماء " والكلام هنا على لسان أبنة فرعون(54) والفعل أنتشل في النص اليهودي فعل نادر الأستعمال جدا بهذا المعنى هو الفعل (مشى) الذي أشتق منه أسم موسى (موشى) .

3- نجد في اللغة المصرية كلمة قربية جدا من نطق موسى هي لفظة (موسى) التي تعني مو = ماء، سا = ابن فيكون معنى الاسم ابن الماء(55) ويكتبونها احيانا بالعربية (مُس) بدون واو، وهي التي توجد في أسماء الفراعنة نحو تمس (أي أبن الآله نحوت)، ورعمسيس (أي أبن الآله رع) (56). 

 ويبدو ان هناك ذهنية قديمة باضفاء هالة من الاعجاز على ولادة الشخصيات المحورية في تاريخ الشعوب هكذا عامل الاكديون الامبراطور المؤسس في وسط العراق اذ هنا نص أسطوري قصة ميلاد سرجون الاكدي (2340 – 2284 ق.م) والنص الروماني أسطورة أولاد الذئبة(57) . ويبدو انها طريقة قديمة تعكس مكانة القائد واثره في تلك الحضارة ومن هنا كانت هناك تناصات اذ أشار عدد من الباحثين الى الشبه الكبير بين ما ورد في قصة سرجون الأكدي وبين ما ورد في قصة موسى (58) .

 وتبدأ بعد ذلك هذه القصة المؤسسة في حياة الجماعة الموسوية مع اكتمل عقل موسى وعلمه وبلغ الاربعين شاهد مصريا يتقاتل مع عبرانيا فانتصر موسى للعبراني فقتل المصري وهرب إلى أرض مديان، وهناك التقى موسى بيثرون (شعيب)كاهن مديان وتزوج ابنته ورعى غنمه، ثم ظهر الله لموسى في عليقة في حوريب، أخبره الرب أنه سمع صراخ بني إسرائيل وانه سيرسله ليخلصهم من الظلم.

ذهب موسى - بحسب الرواية التوراتية للتاريخ – الى فرعون وطلب منه تحرير بني اسرائيل، لكن فرعون رفض فصنع الرب عشر آيات ومعجزات لضرب مصر وإحراج فرعونها:

1- تحويل النيل إلى دم .

2- ضربة الضفادع.

3- ضربة البعوض والذباب .

4- ضربة المواشي بالوباء .

5- ضربة البرد (الحالوب) والجراد والظلام .

6- الضربة التي تم على اثرها الطرد وهي موت الباكرات من النساء .(59)

ثانيا - قصة الخروج:

على أية حال كانت غالبية الذين خرجوا مع موسى من الهكسوس والمصريين وقلة من بقايا بني اسرائيل أولئك الذين بقوا في مصر من نسل يعقوب، حين قدم يعقوب وزوجاته وأسباطه عند يوسف في أعوام القحط(60) . والملاحظة الجديرة بالانتباه أن سفر الخروج يصمت صمتا تاما عن الفترة التي قضاها بنو اسرائيل في مصر بين وفاة يوسف وولادة موسى، ولا نعلم سوى أن هؤلاء قد وقعوا تحت نير العبودية . فاقامة بني اسرائيل في مصر وفق سفر الخروج (12: 40) هي أربع مئة وثلاثين سنة أما سفر التكوين (15: 13و16) فهي أربعمئة سنة فقط وفي نهاية قصة يوسف، لدينا إشارة واضحة الآن إلى أن فترة الإقامة في مصر لم تتجاوز حياة جيل واحد فقط من أحفاد يوسف (تكوين 50: 23) والمدة الفاصلة بين موت يوسف ودخول كنعان بما فيها فترة الإقامة في مصر وفترة الخروج لم تتجاوزمئة سنة على أبعد تقدير، وأن الذين ولدوا في حياة يوسف هم الذين أستعبدوا من المصريين وهم الذين خرجوا أيضا مع موسى ودخلوا مع يشوع(61) .

عند "سفر التكوين"، هو "سفر الخروج"، ذلك هو اسم موسى، كيف كتب بالخط العبري؟: كتب (م ش ه) وفسر على لسان بنت فرعون التي زعم هناك أنها مسميته كما يلي "كي من هميم مشيتهو" ومعناها "لأنني من الماء مشيته" والمقصود أنها أخرجته من الماء.

أولا: نلاحظ أن الاسم "م ش ه" من لغة بنت فرعون لا من لغة العبرانيين. وأن "مشيتهو" من لغتها.

ثانيا: نلاحظ أن "م ش ه" من صيغة المبني للمجهول القربية، وأن الهاء هناك للسكت، والمقصود ان بنت فرعون سمته "مشي" أي أخرج.

ثالثا: يلاحظ أن "مشى" في لغة بنت فرعون تعني "مشى" في عربيتنا، وأنها استخرجت من ذلك فعلا مبنيا للمجهول على الطريقة العربية هو (م ش) وأضيفت الهاء للسكت.رابعا: يلاحظ أن هذه المعاني لا تستقيم إلا بالعربية، أعني أن كاتب النص كان يتحدث عن ناطقة بالعربية، وكان يكتب لقارئين بالعربية، فلذلك فسر الاسم بمقتضى العربية كما فهم.هذا كله ليس إلا اجتهادا في تفسير العلاقة بين (م ش ه|) والفعل المذكور في عبارة بنت فرعون، لكنه ليس موافقة على تلك العلاقة التي ليست إلا تفسيرا للاسم يأتي به كاتب النص المدعو "سفر الخروج". إن اسم (م ش ه) ليس كما ذكر كاتب سفر الخروج اشتقاقا من المشي على لهجته العربية التي كتب بها في الأصل "سفر الخروج"، إن هو إلا تحريف لكلمة "موسى" التي تعني السكين. كل ما كان من ناقل النص إلى العبرانية أنه نقل هناك نصا عربيا يفسر الأصل الاشتقاقي لاسم (م ش ه). وعلى ذلك يكون كاتب النص العربي الأصلي قد قرأ في خط لا يثبت الحركات والنقط وحروف اللين، ويكون قرأ (م ش ه) في نص فيه (م. س)، وأضاف هاء السكت كما أضاف الحركات من بعد وحروف اللين.ومعنى ذلك، أن كاتب النص العربي الأول الذي ترجم عنه النص العبراني أخطأ في القراءة. لماذا؟ لأن القراءة الصحيحة (م. س) هي "موسى" وتعني السكين، بل إننا نضيف إلى ذلك أن المترجم إلى العبرانية اضطر إلى إدخال فعل "مشى" محرفا إلى العبرانية، وذلك ليفسر اسم (م ش ه) به، وكأن الأصل الذي نقل عنه كان كما يلي: "لأنني من الماء مشيته"، وكأن القراءة التي جعلت للاسم في الأصل العربي هي "مشي" بصيغة البناء للمجهول العربية، فاضطر المترجم العبراني إلى الحفاظ على الأصول العربية مع تحريفها لتناسب النطق العبراني، وذلك ليتم له في النص العبراني بيان العلاقة بين الاسم وسبب التسمية. (62)

 7- بنية المجتمع اليهودي وطبقاته الاجتماعية

  القارىء الفقيه للمجتمع اليهودي يجد الطبقات الآتية في الشعب اليهودي:

 7-1- الصدقيـــــون:

7-1-1- انتمائهم:وهم طائفة كهنوتية ارستقراطية، وقد اشتق اسمهم من اسم صادوق سليل فنحاس الذي مارس الكهنوت حين انتهى نسل أولاد هارون .

7-1-2- موقفهم السياسي:كانت متحالفة دائما مع السلطة السياسية الحاكمة حتى حين كانت هذه كانت السلطة معادية لليهود، كان هدفهم أن تظل الاوضاع مستقرة ليحتفظوا بسلطانهم وثروتهم . ومن ثم كانوا يتغاضون عن وجود المستعمر بل كانوا يشجعون ذلك ويسعون الى بقائه، لهذا لم يكن يحبهم الشعب .

7-1-3- فهمهم للشريعة:وقد اكتفى الصدوقيون بالطاعة الاعتيادية للشريعة المكتوبة فقط، و رفضوا الأحاديث الشفوية التي يقول بها الفريسيون، الذين كانوا يعتقدون ان تقاليد الاباء وتعليقاتهم على الشريعة هي فوق الشريعة، ومن هنا فقد

7-1-4- على مستوى المنهج: في فهم الشريعة فقد أخذ الصدوقيون بالاتجاه الحرفي المحافظ في تعاملهم مع النص المقدس اليهودي، وعلى هذا فقد فهموا الامر القائل:"العين بالعين والسن بالسن " بمعناه الحرفي الدقيق، بينما فسره غالب "الفريسيين " بما يفيد دفع التعويض المالي .لقد أدت هذه الحرفية غير المرنة، بالإضافة لأهمية الهيكل بوصفه المكان لتقديم الاضاحيات، الى ضعف موقف الصدوقيين الذي كانوا –في الأساس –كهنة – ولم يستعيدوا مكانهم بعد نكسة سنة 70 (للميلاد)

7-1-5- عاشت ولم يكونوا يهتمون بالدين بل كما يصفهم مؤرخو الأفكار على أنهم كانوا ماديين دنيويين لا يؤمنون بالبعث، ولا بالدار الآخرة ولا بالملائكة ويعيشون في الدنيا عيش التنعم والرفاهية من خلال ما تقدم من الضحايا والهبات التي كانوا يمنعون حرقها ويأخذوها لهم .

 ويبدو ان هذه الطبقة من رجال الكهنوت بوصفهم المشرفين على المعبد يجعلون من المعبد مصدر للمال نظير ما يقدمونه من خدمات للمعبد . وهم بهذا كانوا حريصين على النصوص المدونة يأخذوها كما هي بظاهر النص دون تأويله تأويل باطني ودون معاني شفهية تسقط على النص وهم بما يتعلق بالعالم الأخر كانوا يعكسون المعارف التوراتية التي كانت اقرب ما تكون إلى الفكر العراقي القديم حيث لم تتشكل بعد تصورات عن العالم الاخر . (63)

7-2- الفريسيون:

7-2-1- التسمية:كانوا من اكبر الفرق اليهودية في القرن الأول (للميلاد) كانت هذه الجماعة تلزم اتباعها بقواعد صارمة للطهارة فيما يتعلق بإجراءات العشر Tithing procedures .كانت هذه المجموعة تسمى بيروشم Perushim بالعبرية بوصفها حركة محددة مميزة –أحيانا – في بداية الحقبة "المكابية" بعد حوالي سنة 160 قبل الحقبة المسيحية قبل الميلاد .

7-2-2- وقد كان يطلق على الفريسين "الفاصلين Seperators او الانفصاليون ـ كما نعتهم (الصدوقيون) ـ أي انهم فصلوا انفسهم وقد تدنسوا بإهمال ما تفرضه عليهم طقوس التطهر.من خلال انشقاقهم على المجلس الديني السنهدرينSanhedrin الذي يسيطر عليه الصدوقيون، ورفضوا المشاركة في مشارواته.

7-2-3- كان الفريسيون يعتبرون انفسهم الورثة الحقيقيين لليهودية كما تجلت في الكتاب المقدس اليهودي .............

7-2-4- فقد الكهنة نفوذهم بعد تحطيم الهيكل (70م) واصبح الفرسيون عن طريق احبارهم المعلمين والرعاة لذلك الشعب، ومن ابرزهم (هلل) ولد في بابل (75 ق . م) وضع ثلاث قواعد ليهتدي بها الناس في حياتهم ؛ حب الناس وحب السلم، وحب الشريعة ومعرفتها.

7-3- والاسينية:

 وهم الفرقة الثالثة ويعني اسمهم ـ المستحم وان اعضاءها اخذوا عقائدهم وعباداتهم من نظريات الزهاد ونظمهم التي كانت منتشرة في العالم في القرن الاول قبل الميلاد وكانوا متمسكين اشد التمسك بالشريعة المكتوبة وغير المكتوبة، ويعيشون عزاباً زهاداً في واحة (انجارس ـ Engads) وسط الصحراء الواقعة غربي البحر الميت يعيشون على شكل جماعة واليها ينتسبون وينتخبون زعماءهم بالاقتراع العام .. وكانوا ينتظرون خروج المسيح ليبنى على الارض مملكة شيوعية سماوية وقد عذبوا ولم يتراجعوا عن معتقدهم(65).اذ كانوا جميعاً متفقين على ان المسيح سيخضع الكفار اخر الامر.

 وهنا نلاحظ التداخل الذي حصل بين المذاهب الأسطورية وكيف تداخلت في التوراة والفلسفة في أحداث لها اثر عميق في ظهور المسيحية فيما بعد.

 

د.عامر عبدزيد الوائلي

جامعة الكوفة - فلسفة

............................

(1) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ دار الحرية الطباعة، بغداد، 1972، المقدمة، ص"ن"

(2) قاموس الكتاب المقدس، ص1084.بواسطة رشيد الخيون، الاديان والمذاهب بالعراق ص115.

(3) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ، صص158.

(4)طيب تيزيني، من يهوى إلى الله، القسم الأول، ج3، دار دمشق، ط1، دمشق 1985، ص121.

(5) المصدر نفسه، ص121.

(6) نفس المصدر، ص130.

(7) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ، ت: جهاد الهواش و عبد الهادي عباس، دار الحص اد، ط1، دمشق، 1999، ص59.

(8)طيب تيزيني، من يهوى إلى الله، ص134.

(9) انظر رسل حكمة الغرب ج1 ص وانظر محمود القمي الاسطورة والتراث ص179 وانظر على شوك، الاساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة، دار اللام لندن، 1987، ص78ـ86. وانظر فراس السواح مغامرة العقل الاول. دار الكلمة بيروت، ص211 وروجيه غارودي، الاساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ت محمد هاشم دار الشرق ج2، 1998، ص54.

((10))- سفر الخروج: 20 (1 - 5) .

(11) نزار يوسف، الحكمة بين الاله والسلطان، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، دمشق، د-ت، ص241.

(12) هيجل العقل في التاريخ، ت: وتقديم وتعليق د.امام عبد الفتاح امام، المجلد الاول من محاضرات في فلسفة التاريخ، دار تنوير، ط3، بيروت، 2007، من المقدمة المترجم، ص38.

(13) المصدر نفسه، ص39.

(14) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ، ص27.

(15) المصدر نفسه، ص29.

(16) -

(17) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ، دار العربي للنشر والطباعة، ، ط4 دمشق د.ت، ص

(18) - هناك نص هو عبارة عن رسالة مخطوطة مُكتشفة لرجل يُسمى أريستياس كتبها لأخيه فيلوقراط نستطيع أن نعلم أن سبب ظهور هذه الترجمة للوجود هي أن بطليموس الثاني (بطليموس فيلادلفيوس) أراد أن يُكمل مكتبته ويُوفر فيها ما أراده ويزيد من عدد كتبه من 250 ألف إلى 500 ألف كتاب , فسأل عامل مكتبته الفيلسوف الاثيني ديمتريوس عن ما تحتاجه المكتبة من كتب فأشار عليه بترجمة الكتب المقدسة التي بأيدي يهود الإسكندرية ووضعها بالمكتبة. فأمر الملك بترجمتها إلى اليونانية .وكتب الملك رسالة إلى الحبر الاعظم في أورشاليم أن يُرسل له 6 أحبار من كل قبيلة من قبائل اليهود الإثنى عشر ومقابل ذلك أن يُحرر الملك أكثر من مئة الف عبد يهودي بمصر . وأرسل طاولة توضع في قدس الأقداس من الذهب الخالص ومرصعة بالفضة والأحجار الكريمة. فأرسل الحبر الأعظم أليعازر 72 حبراً إلى الإسكندرية ومعهم مدارج كُتب فيها الكتاب بأحرف من ذهب ,ستة من كل قبيلة.مهرة في الكتاب وعلماء باللغة اليونانية.

(20) - كتاب التوراة السامرية: ترجمة إسحاق الصوري وتحقيق أحمد حجازي السقا.

(21) سبينو موسكاني: من عرض لااراء فلهاوزن بكتابة: الحضارات السامية القديمة، ت: يعقوب بكري، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1957، ص157.

(22) ايفار لسنر، الماضي الحي، مصدر سابق، ص142.

(23) الاسلاف كما يشير إلى هذا سيد محمود القمي ...

(24) رينهارد لاوت، ابراهيم وابناء عهده مع الله، ت: غانم هنا، خطوات للنشر والتوزيع، ط1، دمشق، 2006، ص12.

(25) - غارودي، اساطير المؤسسة، ص43.

(26) - المرجع السابق، ص44.

(27) CAD: H, Vol. 6, p. 84; Bottero, J., Real Lexicon d’ Assyriology, Paris – 1972- 75, Vol .4, p.22; Na’aman, N., “Habiru and Hebrews: The Transfer of Social Term to the Literacy Sphere”, JNES, Vol. 45, No. 4, 1986, p. 275-278; Johnson: opcit, p. 37-38.

(28) السواح، فراس: ارام، دمشق، اسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي، ط5، دمشق - 1999، ص83 .

(29) كمال الصليبي، خفايا التوراة واسرار الشعب إسرائيل، ط4، بيروت – 1998، ص 96-97 .

(30) رشاد عبد الله الشامي، اشكالية الهوية في اسرائيل، الكويت - 1997، ص 57 ؛ ظاظا، حسن: الساميون ولغتهم، دمشق– 1971، ص 72 .

(31) محمد سيد الطنطاوي، بني اسرائيل في القرآن والسنة، ط2، ليبيا - 1973، 1/3-6 ؛ ولفنسون، أ.: تاريخ اللغات السامية، القاهرة – 1929، ص77-78 .

(32) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ، ص32.

(33) وجاء في القرآن الكريم:) واتخذ الله إبراهيم خليلاً (خل ـ إيل ـ خليل الله الرحمن).

(34) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ، ص"ن"

(35) - غارودي المرجع السابق، ص46.يبدو ان الحادثة لها حضورها في الميراث الديني للمنطقة سواء في كنعان او بلاد الرافدين حيث يروي سهيل قاشا:(في التوراة بعض عادات تظهر لنا نابية شاذة، ولكن في مخلفات التاريخ والآثار ما يثبت وجودها عند الأقدمين ويلقي عليها بعض نور . من ذلك ذبيحة اسحق التي تدل على تقريب ضحايا بشرية .فإنها تبدو أقل غرابة إذا ما علمنا ان في قبور الكلدانيين وفي متفعات فلسطين بقايا أجساد أطفال وعبيد تبدو فيها آثار الذبيحة) انظر سهيل قاشا، التوراة البابلية، دار الفرات، ط1، بيروت، 2003، ص16.وانظر: دانيال روبس، ماهو الكتاب المقدس، تعريب ميخائيل الرجي، دار المكشوف، ط1، بيروت، 1959.

(36) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ ص34. ونظر بواسطته التكوين ف 12:1-5

(37) التكوين:22:1، 2-13.

(38) نفس هذا الطقس عند الكنعانين عده "رينهارد لاوت " دليل على كون الكنعانيين شعب شرير بقوله:كانت الأرض الكنعانيين، وكان هؤلاء شعبا شريرا وفاسدا بشكل خاص .انتهى به فساده الى عادة، أن يقدم الابن البكر ذبيحة للأصنام التي يعبدها .ونتيجة لذلك لم يكن باستطاعة ابراهيم ان يشتري ارضا او ان يستولي عليها .انظر: رينهارد لاوت، إبراهيم وأبناء عهده مع الله ص152.

(39) المصدر نفسه، ص116.وانظر التكوين 17/11. رغم أن هذه العادة كانت سائدة في مصر القديمة ...الخ ؟

(40) يقد تاويل غريب "رينهارد لاوت " لا ادري من أين جاء به؛ الا انه يقول:(تلمح الرواية أحيانا كثيرة إلى أن إبراهيم كان يحب اسماعيل بشكل خاص، ألم يكن بالنسبة اليه الابن الذي طال انتظاره ؟ كان إبراهيم يتقدم أكثر فأكثر في السن ولم يكن يستطيع –من منظور طبيعي-أن يتوقع غيره) انظر: نفس المصدر السابق، ص113.وقد اشار الباحث ايضا الى اعتبار (اسماعيل هو ابن ابراهيم ابنه البكر، عبري حقيقي . هو اول من ختن، وبهذا لايمكن ازالة انتمائه الى العهد الابراهيمي مع الله، لان العلاقة الله بمن يدعوه تبقى بالدعوة غير قابلة للإلغاء، نفس المصدر ص163. وهي إشارة إلى شرعية أبناء إسماعيل ومنهم نبي الإسلام محمد (ص) بالانتماء إلى العهد الإبراهيمي مع الله

(41) - محمد الجويلي، الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي بين المقدس والمدنس، دار سراس للنشر، ط1، تونس، 2002، ص31.

(42) - وول ديورانت ـ قصة الحضارة..

(43) - إدوارد لين، فلسفة الرب، ترجمة، مارلين فارس، هفن للترجمة والنشر و البرمجيات، ط1، القاهرة، 2008، ص42.

(44) رسالة أكرسون الثانية من الكويت، أنظر (Frum.org).بواسطة: خالد الناشف، الاختراق الصهيوني للعراق.ص23.وانظر ايضا الى: إدوارد لين، فلسفة الرب، ص 41-43.

(45) - لقد كانت هذه الشخصية قد جذبه اهتمام المؤرخين فهناك من اثبتها واكد على وجود قرائن على حدوثها مثلورود الفلسطينين وهم قوم اريون من الغزاة الذين جاءوا الى فلسطين وقد ورد ذكرهم مثلما ورد ذكر الشعب الحيثي من خلال اسم "ملك حثي" كما يذكر دانيال روبس في، ماهو الكتاب المقدس، بالمقابل هناك من ينكر وجود هذه الشخصية ويعتبره اسطورية كما يرى سيد القمني، النبي ابراهيم والتاريخ المجهول .

(46) طنطاوي، محمد سيد: بني اسرائيل في القرآن والسنة، المصدر السابق، ج1، ص6،

 Odijk, p., the Israelites, New Jersey, 1990, p.9; Albright: opcit, p.14 .

(47) ابراهيم، جابر خليل:"الاخطار الخارجية: اليهود والفرس" في كتاب العراق قديمه وحديثه-1998، ص158 .

(48) - إدوارد لين، فلسفة الرب، ص39.

(49) تكوين 32: 24-32 ؛ السواح: ارام، دمشق، اسرائيل، المصدر السابق، ص40 .س

(50) تكوين 345: 6-10، وينظر ايضا، السواح، : ارام، دمشق، اسرائيل، ص40 ؛ طعيمة، صابر عبد الرحمن: تاريخ اليهود العام، ط1، بيروت – 1975، ج1، ص439-445 ؛ العقاد، عباس محمود: ابراهيم أبو الأنبياء، بيروت – 1967، ص49 محمد، قاسم محمد: التناقض في تواريخ واحداث التوراة من آدم حتى سبيء بابل، قطر - 1992، ص78.

(51) - غارودي المرجع السابق، ص46-48.

(52) تاكسيل، ليو: التوراة كتاب مقدس ام جمع من الاساطير، ترجمة حسان ميخائيل اسحاق، ط1، بيروت - 1994، ص 164 .

(53) جدير بالذكر أن الطبيب الفرنسي موريس بوكاي نشر مؤخرا كتابا يحمل عنوان " العبريون في مصر" The Hebrew In Egypt,1994.، من قبل NTT Mediascope Inc بطوكيو كثمرة مشروع مشترك مع مؤسسة اسلامية باليابان حيث قارن بين تعاليم العهد القديم وأحداث التاريخ السياسي لمصر القديمة ثم رجع بعد ذلك إلى آيات القرآن الكريم لأستنتاج الحقائق الأكيدة ينظر: منظمة المؤتمر الأسلامي مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الأسلامية، أستنبول، ع36، 1995، ص27.

(54) - السواح: الحدث التوراتي والشرق الادنى القديم، ط4، دمشق – 1999، ص57-58 ؛ مني: جغرافية التوراة المصدر السابق، ص36-37 ؛ تاكسيل: المصدر السابق، ص167-168 ؛

Albright, W.F., “From Patriarchs to Moses: Moses out of Egypt”, B.A, Vol. 36, No. 2, 1973, p. 55-56.

(55)- قبيسي، محمد بهجت: ملامح في فقه اللهجات العربيات من الاكادية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية، دمشق – 1999، ص 336 .

(56)- فرويد: سيجموند، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، ط2، بيروت-1977، ص 59 ؛ ابراهيم، جابر خليل: المصدر السابق، ص155 ؛ ظاظا: الفكر الديني الاسرائيلي، المصدر السابق، ص17-18 ؛ موسى، محمد العزب: المصدر السابق، ص17-20 ؛ جودي، فاروق محمد: الصهيونية واللغة، القاهرة – 1977، ص 69 -70 .

(57)- الشويلي، داود سلمان: "رسالة الولادة المرفوضة دراسة تناصية بين ميلاد موسى ... وسرجون الأكدي"، الموقف الثقافي، ع 19، بغداد - 1999، ص86-87، وعن النص الأسطوري لميلاد سرجون ينظر مني: جغرافية التوراة المصدر السابق، ص37 ..

(58)- باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ط3، بغداد - 1973، ج1، ص36 ؛

Biema: opcit, p. 42; Hollo, W., “Compare and Contrast: The Contextual Approach to Biblical Literature”, In: The Bible in the Light of Cuneiform Literature, ed. Hollo, W., Jones, B.W., Mattingly, G.L., U.S.A – 1990, Vol. 8, p. 6-7.

(59) - رشيد باني الضالمي، الميثولوجيا، المصدر السابق، ص104-106.

(60) باقر، طه: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ط1، بغداد – 1955، ج2، ص 284 ؛ الصليبي: خفايا التوراة المصدر السابق، ص 153 – وما بعدها.

(61) السواح: آرام، دمشق، اسرائيل المصدر السابق، ص65-66 .

 (62) نايف الزهراني، الأصول العربية للتوراة العبرية

03/05/1430 - 27/04/2009,_ http://vb.tafsir.net/tafsir15838/#.VYMRTfmqqko

(63) الان انترمان، اليهود عقائدهم الدينية وعباداتهم، ت: عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط، القاهرة، 2004، ص116.64)

(65) ديورانت قصة الحجضارة، ص174، وانظر طيب تيزيني من يهوه الى الله ج3، المجلد1، دمشق، 1980، ص87، وانظر زياد منى، بنو اسرائل جغرافية الجذور، دار ا؟لأهالي، ط1، دمشق، 1995، ص212ـ ص213ـ ص215. وانظر محمود الشريف، الاديان في القرآن، دار المعارف بمصر، 1970، ص107ـص127.