بدر الدين شيخ رشيدإن إشكالية ولاية الفقيه المطلقة من الجهة النظرية ظهرت في عصر الشيخ النراقي(ت::1245 ﮪ)، عندما طرح ولاية الفقيه المطلقة، وأنها بمنزلة ولاية الرسول والأئمة، إلا ما استثناه الدليل، لكن عندما طرحها الشيخ النراقي، ظهرت ردود حول الأدلة من جهة الاستدلال،ومدى إفادتها بالإطلاق الذي تبناه الشيخ النراقي، فالشيخ الأنصاري(ت: 1281ﮪ)، وهو من معاصريه، لم يسلم تلك الاستدلالات ومدى إفادته بالإطلاق[1]، وقد استفحل هذا الجدل، بعد ما طبق الإمام الخميني  ولاية الفقيه المطلقة في أرض الواقع، هذا، وتعتمد ولاية الفقيه المطلقة على مباني عقلية ونقلية، وسنناقش من خلال تلك المباني رؤية الإمام الخمينيّ.

الأدلة العقلية في أثبات ولاية الفقيه عند الخميني:

استدل الإمام الخميني لثبوت ولاية الفقيه على أدلة عقلية مفادها ضرورة الحكومة في عصر الغيبة، وضرورة وجود الحكومة في عصر الغيبة، وهو أمر منطقيّ يقتضيه العقل، ويفنّد نظرية التقية والانتظار التي تربط الحكومة بظهور إمام الزمان، بناء على هذا، فإن اثبات ولاية الفقيه من حيث الأصل هو العنصر الأول في بحث إشكالية ولاية الفقيه المطلقة، فاثباتها يتركز حسب رؤية آية الله كاظم  الحائري على طريقين:

الطريق الأول: الأخذ بالقدر المتيقن من الخلاف، وهو كون الولاية العامة مترددة بين الفقيه وبين المتخصصين من الأمة في مجالات الدولة، فعند الشك في تحديد من له الولاية، يجب الاقتصار على القدر المتيقن في الخلاف، وهو كون الولاية العامة للفقيه، وذلك  لما يتصف بصفات المعرفة؛ كأحكام الإسلام والعدالة والكفاءة.

الطريق الثاني: التمسك بالروايات الواردة في هذا المجال، وسنعرض هذا الجانب عند مناقشتنا  للأدلة  النقلية في اثبات ولاية الفقيه، من خلال الروايات[2].

فالشيخ كاظم الحائرى ضعّف الاستدلال الأول؛ لأن قاعدة الأخذ بالقدر المتيقن إنما تتصور عندما يتردد الأمر بين دائرتين إحدهما ضيقة  تقع ضمن دائرة  أوسع منها، فموردنا في هذا الأمر لا ينطبق على هذه القاعدة؛ لأن دائرة المتخصصين في هذا الأمر لا تدخل ضمن دائرة الفقيه، بل الأمر في هذه المسألة يتردد بين فروض متباينة مختلفة، فكما يمكن أن  تكون الولاية العامة بيد الفقيه في كثير من المجالات كذلك، يمكن أن تكون الولاية العامة بيد الأكثرية مع اشتراط إشراف الفقيه على الجوانب الفقهية للقوانين لضمان انسجامها مع الشريعة الإسلامية.

كذلك، يلاحظ وجود مجالات عديدة لها خبراؤها المتخصصون، فكما يمكن أن تكون الولاية العامة للفقهاء مع اعتمادهم على أهل الخبرة في ملء فراغ هذه المجالات، أيضا يمكن أن تكون الولاية بيد الخبراء، على أن يرجعوا إلى الفقهاء بقدر ما يتصل بالفقيه من المسائل الشرعية[3].

وقد ردّ الشيخ عبد المنعم المهنا استدلال الشخ كاظم الحائري المتقدم من خمسة أوجه، وهي:

الأول: أنها مبنية على الاعتقاد بأن الفقيه مجرد مبدئ لرأي الفقه الإسلامي، ولكن هذه الفكرة خاطئة، لما أن الفقيه له مشاركة في تشخيص مصلحة الأمة.

الثاني: أن الأكثرية مدانة عقلا في كثير من الحالات، فما أكثر إتفاقها على باطل، كما أنها مدانة دينا في كثير من آيات القرآن والأحاديث الشريفة؛ إذن فلا ربط بين الأكثرية وبين إصابة الواقع، ليكون مجالا لاعتبار قولها دون قول الفقيه الخبير.

الثالث: أن اللجوء إلى الأكثرية يشل الحياة عن الحركة، فكيف يستقيم الحال إذا أُخِذَ رأي الأكثرية في كل  أمور الأمة.

الرابع: أن تشكيل مجلس يمثل الأكثرية يفقد الدليل الديني والعقلي على مشروعيته، ما دام الهدف منه الوقوف في وجه الفقيه، أو يكون بديلا عنها، فالعقل يرفض مجلسا كهذا، بحيث يكون عبثا بتكاليفه الباهضة وبأشخاصه المتفاوتين في الادراك والميول، والذين قد يضيّعون الكثير من مصالح الأمة نتيجة مناقشاتهم التي لا تنهي، بينما الفقيه المتدين الخبير بشؤون الحياة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، يكون كالبلسم الشافي في شؤون الأمة، وعلى هذا الأساس، فالفرد في نظر العقل أرجح من مجلس الشورى وأكثريته.

الخامس: أن الأكثرية برجوعها إلى الفقيه كما هو المفروض، تقر بولاية الفقيه من دون أن تشعر؛ لأن عليها تنفيذ رأيه بعد أن أعطى الحكم الشرعي على موضوعه الذي عاشه الفقيه بعمق[4].

إلا أنه يظهر ضعف ردّ الشيخ عبد المنعم مهنّا على استدلال العقليّ المتقدم للشيح كاظم الحائري، فصحيح كما قال الشيخ عبد المنعم المهنّا أن الفقيه ليس مجرد مبدئ لرأي الفقه الإسلامي، بل يشارك في تشخيص فعاليات المجتمع، إلا أنه ليس بمسلّم أن الأكثرية مدانة عقلا ونقلا في كثير من الحالات،كما أن اللجوء إلى الأكثرية لا تشلّ حركة الحياة، بل هي عمدة النهضة، علاوة على ذلك، ليس هدف تشكيل مجلس يمثل الأكثرية الوقوف في وجه ولاية الفقيه، كما أن الأكثرية لا ترجع إلى الفقيه في جميع شؤون الأمة، بل ترجع إليه فقط، فيما يتصل بالمسائل الشرعيّة في شؤونها.

وعلى هذا الأساس، فرؤية الإمام الخميني على ضرورة الحكومة من حيث المبدأ أمر مسلم، إلا أنها لا تتوقف على الفقيه وحده؛ إذ الإنسان مدني الطبع  مفطور بالاجتماع والتعاون، وهي أمور عقلية بديهية؛ إذ«لم تخل حياة الإنسان في جميع مراحلها وأدوارها حتى في العصور الحجري وفي الغابات من حكومة ودُوَيْلةٌ....»[5]

ولهذا، أكد الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن الحكومة ضرورة عقلانية، تشترك فيها الرؤية السياسية الإسلامية مع أكثر الرؤى الإنسانية في مجال بحث فلسفة الحكم وضرورة وجود الحكومة لحفظ النظام، فهي افراز طبيعي ضروري للبشر، ويظهر ذلك جلياً في الجدل الذي شهده الفكر السياسي الحديث مع الفلاسفة الغربيين ومنظري الفلسفة السياسية الأوروبية، أمثال جون لوك، وتوماس هوبز، وجان جاك روس، ومونتيسكيو وكانط وهيغل. فإننا نلاحظ افتراقاً من حيث تعليل منشأ هذه الضرورة، فيما لو كانت ناتجة عن الطبيعة التوترية التي تفرضها علاقات الاجتماع كما نحا جان جاك روسو، أو ناتجة عن الطبيعة العدوانية الفطرية في الإنسان كشخص عدواني بالطبع، كما ينحو هوبز، أو أنها ضرورة للارتقاء بالشخص إلى أعلى مرتبة تربوية كما ينزع هيغل، وبناء على هذا، فعناية الإسلام بمسألة الحكم ليست بدعاً من الأمر، وإنما هي استجابة للضرورة التي يقتضيها الاجتماع البشري بحد ذاته، وبقطع النظر عن وجود شريعة ونظام للحياة ينتظم حياة الإنسان من جميع وجوهها ومجالاتها كما هو الشأن في الإسلام[6].

وقد تكون نظرية الخميني منطقيّة، فيما إذا كان بحْثُ ضرورة الحكومة نتيجة لرد نظرية التقية والانتظار التي يؤمن بها الاخباريون الذين لا يرون بحث الحكومة في عصر الغيبة، بل يقولون:بوجوب  التقية والانتظار في عصر الغيبة إلى ظهور المهدي، وهذه النظرية، أي نظرية التقية والانتظار ساقطة الاعتبار؛ لأنها تشجع الاستبداد والتخلف والرجعية؛ إذن، فضرورة بحث الحكومة مطلب إنسانيّ، إلا أنها لا تتوقف كما قلنا بالفقيه بل هي مسؤولية تقع على عاتق الأمة كلها.

الأدلة النقلية في إثبات ولاية الفقيه عند الخميني:

استدل الإمام الخميني بعموميات روايات كثيرة وردت في شأن الفقهاء ومكانتهم في الإسلام على ولاية الفقيه المطلقة، إلا أن دلالتها محتملة، فيبطل الاستدلال بها، بناء على القاعدة المقررة لدي علماء الأصول:الدليل إذا تطرق  إليه بالاحتمال بطل استدلاله[7]، ولهذا، فالأدلة التي استدل بها الخميني غير تامة في الدلالة على المعنى الذي توخى إليه، وإليك عرض تلك الروايات التي استدل بها الخميني لولاية الفقيه، ومناقشتها:

أولا: الروايات التي استدل بها الخميني لولاية الفقيه:

استدل الخميني مثلا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:( اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات)، قيل: يارسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: ( الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي فيعلمونها الناس بعدي)[8].

ويتوقف استدلال الخميني بها على جهتين: الأولى: المراد بالخلفاء، والثانية: دلالتها بولاية الفقيه، فالأولي، يرى الخميني أن المراد بالخلفاء هم الفقهاء  العدول لا رواة الحديث، أما الثانية، وهي دلالتها بولاية الفقيه، فيرى أن المراد بالخلافة هي الخلافة في جميع شؤون النبوة، وهي بمثابة جملة (علي خليفتي)[9].

غير أن دلالتها على الإطلاق غير تامة، كما حقق الشيخ كاظم الحائري؛ لأن الإطلاق الموجب للسريان والشمول لا يجري في المحمول، فمثلا، لو قيل: زيد عالم،لم يدل ذلك بالإطلاق علي كونه عالما بكل ما يحتمل به، ولو قيل: إن الطعام الفلاني نافع، لم يدل على كل المنافع المحتملة فيه، فليس حال المحمول حال الموضوع الذي يجرى فيه الإطلاق الموجب للسريان؛ فحينما يقال: النار حارة يكون مقتضى الإطلاق ثبوت الحرارة لكل أقسام النيران[10]، وعلى هذا الأساس، فالخلافة في الرواية تدخل في دائرة المحمول، فلا تثبت إلا الخلافة اجمالا، والقدر المتيقن منها هو الخلافة في التعليم والإرشاد[11].

وهناك عدد من مراجع علماء الشيعة الكبار ردّوا دلالتها على الإطلاق، كالشيخ الجواهري،  والسيد محسن حكيم، والسيد الخوئي، وغيرهم، فالشيخ الجواهري من علماء الشيعة المتأخرين، قال بعد إيراد هذا الحديث:«لادلالة فيه على النصب كما هو واضح»[12]، وقال السيد محسن حكيم: الظاهر في الاستخلاف هي رواية الحديث والسنة[13]، وقال السيد الخوئي في دلالته: الظاهر من ذلك خليفتهم في نقل الرواية والحديث، كما وردت في رواية أخرى بلفظ: ويروون حديثي وسنتي، لا أن المراد من الخلافة  التصرف في أموال الناس وأنفسهم، فهي خارجة عن الاستدلال في المقام[14].

وقد استدل الإمام الخميني أيضا على ولاية الفقيه بحديث:(الفقهاء حصون الإسلام كحصن المدينة)[15]، فالحديث من حيث السند، فيه علي بن أبي حمزة البطائني، وهو ضعيف كما نقله الخميني نفسه، بل أشار إلى أنه لم تثبت وثاقته مع تضعيف علماء الرجال وغيرهم إياه، إلا أنه  عمل بروايته اعتمادا على قول شيخ الطائفة الطوسي، وشهادته على عمل الشيعة بروايته، ولهذا، قال الخميني:لامنافاة بين ضعفه والعمل برواياته[16]، لكن يستشكل مع ضعف علي بن ابي حمزة البطائني، دلالة الرواية بولاية الفقيه؛ إذ لا تتم دلالتها بسبب نكتة عدم جريان الإطلاق  بالمحمول[17].

(العلماء ورثة الأنياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)[18]، فهذه الرواية لا تتم دلالتها على الإطلاق، بسبب  نكتة عدم جريان الإطلاق  بالمحمول [19].

(الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا)، قيل يارسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك، فاحذروهم على دينكم)[20]، فهذه الرواية أيضا لا تتم دلالتها على الإطلاق، بسبب  نكتة عدم جريان الإطلاق  بالمحمول[21].

(مجارى الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه)[22].

فسياق الرواية دال، كما ذكر الشيخ الأصفهاني على أنها في خصوص الأئمة الاثنى عشر عليهم السلام[23]، بالإضافة إلى ضعف سندها، كما حقق الشيخ كاظم لحائري[24].

(العلماء حكام على الناس)[25].

فالرواية غير تامة من ناحية الدلالة، فضلا عن ضعف سندها،كما صرح بذلك الشيخ كاظم الحائري[26].

قوله عليه السلام في مقبوله ابن حنظلة (فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما)[27]، إلا أنه يستشكل بالدلالة على الإطلاق بما مضى من عدم جريان الإطلاق في المحمول، والقدر المتيقن في مورد الحديث في الدلالة هو فصل الخصومة والقضاء[28].

كما يخدش أيضا استدلال الخميني في الراوية بما ورد في صدرها بقوله: (ينظران إلى من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما)، فالرواية تفيد كما قال الشيخ محمد مهدي شمس الدين:أن هذا الجعل يختص بمن نظر واختار ورضي بالفقيه، دون من لم ينظر ولم يختر ولم يرض[29].

وكذلك استدل الخميني برواية: (وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتى عليكم وأنا حجة الله عليهم)[30]،حيث فسّرها بالحوادث الاجتماعية المستجدة والمشاكل التي تواجه المسلمين[31]، ويتوقف استدلاله بالرواية على أنها تفيد بالرجوع إلى رواة أهل الحديث في كل مجال يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام للاسترشاد أو تحديد الموقف العلمي؛ لأنهم حجة الإمام على الناس، وهل هذا، إلا ولاية الفقيه[32].

لكن، هذا الاستدلال من جهة ثبوت الولاية الفعلية للفقيه غير مسلم، كما سبق بيانها في الروايات السابقة .

ثانيا: رد المنتظري لتلك الروايات:

هذا، وقد ردّ الأستاذ المنتظري دلالة الروايات على الولاية الفعليّة من خمسة أوجه:

الأول: ظاهر الرواية تفيد جعل الولاية الفعلية لجميع الفقهاء في عصر واحد وهو قابل للخدش من حيث الاستدلال[33]، إلا أن هذا الوجه ضعيف؛ لأن من يرى نصب ولاية الفقيه من خلال تلك الروايات لا يقول بالولاية الفعليه، بل غاية ما تفيد الروايات التنصيب الوصفي، وهي  تفيد معنى الترشيح للرئاسة في اصطلاح العصر.

الثاني:لعل المراد بالرجوع إلى التوقيع إشارة إلى حوادث خاصة وقعت في السؤال ولا يعلم ماهي، فيُشْكِلُ حملها  على الاستغراق.

الثالث: القدر المتيقن من الجواب هو الأحكام الشرعية للحوادث، فالأخذ بالإطلاق مع وجود القدر المتيقن وما يصلح للقرينة مشكل[34].

الرابع: الظاهر من الحجية هو المأمور ببيان أحكام الله والفقهاء نواب عنه في ذلك.

الخامس: يحتمل المراد بالحوادث على ثلاثة أشياء: الأحكام الكلية للحوادث الواقعة، أو فصل الخصومات والأمور الحسبية، أو الحوادث الأساسية المرتبطة بالدول كالجهاد وعلاقات الأمم وتدبير أمور البلاد، فعلى الأولين لا يرتبط الحديث بأمر الولاية الكبرى، وعلى الثالث يحتاج في حل الحوادث إلى إقامة دولة، فيصير مفاد الحديث وجوب الرجوع إلى الفقهاء وتقويتهم حتى يتمكوا من حل الحوادث، وإلا كان الرجوع إليهم لغوا، وتحصل لهم الولاية بالانتخاب لا بالنصب[35].

ثالثا: رد الخوانساري على روايات الخميني:

وهناك احتمالات أخرى ذكر الخوانساري، تُصْرِف دلالة هذه الروايات عن الأمور العامة وتقصر في المسائل الشرعية وأمور الحسبة.

الأول: أن السؤال غير معلوم، فلعل المراد من الحوادث هي الحوادث المعهودة بين الإمام والسائل، وعلى فرض عموميتها، فالمتيقن منها هي الفروع المتجددة، والأمر الراجع إلى الافتاء لا الأعم.

الثاني: أن أدنى المناسبة بين نفس الحوادث وحكمها كاف، للسؤال عن حكمها، فيكون الفقيه هو المرجع في الأحكام لا في نفس الحوادث.

الثالث:  أن الحجة تناسب الإبلاغ في الأحكام والرسالة على الأنام، كما في قوله تعالى:﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[36]، وقوله تعالى:﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾[37]، وما ورد في بعض الروايات: (إن الأرض لا تخلو من حجة)[38]؛لأن به يتم الحجة ويهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولذا وصفهم: برواة الأحاديث الذين شأنهم التبليغ.

الرابع: أن راوي التوقيع هو محمد بن إسحاق، وهو ممن يروي عن الإمام المهدي المنتظر بواسطة محمد بن عثمان العمري أحد النواب الأربعة الخاصة في عصر الغيبة الصغرى، فسؤاله لا يكون ظاهرا في تكليف المسلمين في الغيبة الكبرى، حتى يكون الجواب ظاهرا في عموم الوقائع، بل يسأل عن المرجع في الفروع المتجددة في عصر الغيبة[39].

علاوة على ذلك، فإن اختصاص روايتى أبي خديجة بالقضاء واضح، ويضاف إلى ذلك ضعفهما أى الروايتين؛ لأن أبي خديجة له حالة اعوجاج عن طريق الحق، وهي زمن متابعة  الخطابية، وحالتا الاستقامة، وهما قبل الاعوجاج وبعده، ولم يعلم أنه رواهما في أي الحالات، وكيف كان الأمر، فالروايتان لا تدلان إلا على نفوذ قضاء المجتهد المطلق أو المتجزئ دون مطلق الأمور[40].

رابعا: استدلالات أخرى للخميني وما رد منها:

الأول: كذلك استدل الخميني بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:(اتقوا الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي)[41]، إلا أن دلالتها غير تامة كما حقق بذلك الشيخ المنتظري، وذلك أن لفظ الحكومة يتردد بين معنى القضاء وبين مطلق الولاية التي من شؤون القضاء،  وبالتالي، رجح الشيخ المتنظري دلالتها بالقضاء[42].

الثاني: كذلك، استدل الخمينيّ بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:لشريح:( ياشريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي)[43]، ووجه الدلالة إلى أن دائرة مفهوم وصي النبي فيها توسعة وتشمل الفقهاء[44]، لكن فيه نظر؛ لأن الفقيه لا يدخل في دائرة الوصيّ إلا من باب الأحكام الشرعية وإبلاغ الدعوة.

الثالث: كما استدل الخميني بهذه الروايات:(هم حجتى عليكم وأنا حجة الله)[45]، و(منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل)[46]، و(العلماء حكام على  الناس)[47].

بيد أن الشيخ كاظم الحائري، بيّن أن تلك الروايات من حيث السند والدلالة غير كافية في اثبات ولاية الفقيه[48].

كذلك، قال الشخ الخوئي بعد مناقشة الروايات: إن الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة، ومورد ولاية الفقيه  في تلك الروايات مختصر بالفتوى والقضاء[49].

كما قال الشيخ الأنصاري بعد عرض الروايات:«لكن الانصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة... فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام عليه السلام- إلا ما أخرجه الدليل - دونه خرط القتاد»[50].

وبنفس هذا المنحى مال إليه آية الله الشيخ محمد جواد مغنية، حيث بيّن أن ولاية الفقهاء العدول تحصر بالفتوى والقضاء والأمور الحسبية، معللا ذلك«أن التفاوت في المنزلة يستدعي التفاوت في الآثار لا محالة، ومن هنا، كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذلك، إلا؛ لأن نسبة المجتهد إلى المعصوم تماماً، كنسبة القاصر إلى المجتهد العادل، ولهذا، اعتبر الشيخ محمد جواد مغنية أن مقياس إسلامية أي دولة هو إسلامية القوانين والنظام وليس هيمنة الفقهاء«[51].

عموما، الذي يلاحظ من كلمات المراجع الدينية للشيعة، إتتفاقها على أن الروايات التي استدل بها الخميني، لا تفيد بالمعنى الذي توخي إليه الخميني، وهي دلالتها بالولاية المطلقة، بل  غاية ما تقتصر دلالتها هي ولاية القضاء والافتاء.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم

.............................

[1] -  الأنصاري، كتاب المكاسب، تحقيق، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم،  الناشر،  المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى بالمؤية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم، إيران، ط2/1420ھ، ج3/ص552.

[2] -  كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص50-51.

[3] - المصدر السابق،ص51.

[4] - الشيخ عبد المنعم المهنا، الدولة الإسلامية بحث في ولاية الفقيه، (PDF)، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص9-10.

[5] - حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة، المركز العالمي، للدراسات الإسلامية، قم، إيران،  ط1/1408ھ، ج1/ص3.

[6] - هاني إدريس، الأمة والدولة في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين،( العدد 30، السنة الثامنة، تاريخ النشر، 21-6-  2001م)، أنظر الرابط:

http://www.kalema.net/v1/?rpt=266&art

[7] - القاضي عبد الرب النبي  نكرى،  دستور العلماء .. جامع العلوم في إصطلاحات الفنون، دار الكتب العلمية،

بيروت ، لبنان، ط1/2000م،ص178.

[8] -  محمد باقر  المجلسي، بحار الأنوار،  تحقيق، محمد مهدي الموسوي،[ وآخرون]، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، ط2/1983م، ج2/ص144.

[9] - آية الله  الخميني، الحكومة الإسلامية، ص48.

[10] - كاظم الحائري،  أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية،  قم، إيران، ط1/ 1979م، ص51.

[11] - المصدر السابق، ص50-51.

[12] - محمد حسن  النجفي،  جواهر الكلام، تحقيق، الشيخ عباس القوجاني، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران،  ط3/1362ش، ج11/ص190.

[13] - السيد محسن الحكيم، نهج الفقاهة انتشارات 22 بهمن، قم، إيران،(بدون تاريخ الطبع)، ص299.

[14] - ابن علي أكبر بن هاشم  الخوئي،  مصباح الفقاهة، تحقيق، جواد القيومي الأصفهاني، مكتبة الداوري، قم، إيران،(بدون تاريخ الطبع)، ط1/ص291.

[15] - محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح علي أكبر الففاري، دار الكتب الإسلامية طهران، إيران،  ط5/1363ش،(الشمسية)، ج1/ص38.

[16] - الخميني، كتاب البيع تحقيق، ونشر، مؤسسة تنظيم ونشر أثار الإمام الخميني، طهران، إيران، ط1/1421ھ، ج2/ص361.

[17] -  كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص52

[18] - أبو داود  سليمان بن الأشعث السجستاني،  سنن أبي داود، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ الطبع)،  ج3/ص354.

[19] -  كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية قم، إيران، ط1/ 1979م، ص52.

[20] - علاء الدين علي بن حسام فوري،  كنز العمال تحقيق، بكري حياني، [وآخرون]، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط5/1981، ج10/ص187.

[21] -  كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية قم، إيران، ط1/ 1979م، ص52.

[22] - محمد باقر  المجلسي، بحار الأنوار،  تحقيق، محمد مهدي الموسوي،[ وآخرون]، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، ط2/1983م، ج2/ص80.

[23] - الشيخ محمد حسين  الأصفهاني، حاشية المكاسب، تحقيق،الشيخ عباس محمد آل سباع القطيفي، الناشر، أنوار الهدي، ط1/ 1418ھ، ص388.

[24] - كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية قم، إيران، ط1/ 1979م، ص52.

[25] - السيد حسين البروجردي، جامع أحاديث الشيعة،  المهر، قم، إيران، 1415ھ، ج25/ص18.

[26] - كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص52.

[27] - محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح علي أكبر الففاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط5/1363ش، ج1/ص412.

[28] - كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص53.

[29] - محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، لبنان، ط2/1991م، ص132.

[30] - علي بن الحسين  الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة،  تحقيق، علي أكبر الففاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، إيران، 1405ھ، ص484.

[31] - الخميني، الحكومة الأسلامية،ص63.

[32] - كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية،  قم، إيران، ط1/1979م،ص53.

[33] -- المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة، المركز العالمي، للدراسات الإسلامية ، قم، إيران،  ط1/1408ھ، ج1/ص480.

[34] - المصدر السابق، ج1/ص481.

[35] - المصدر السابق، ج1/ص481.

[36] - سورة الأنعام، آية:149.

[37] - سورة الأنعام، آية: 83.

[38] -  محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح علي أكبر الففاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط5/1363ش، ج1/ص178.

[39] - موسى بن محمد الخوانساري، منبة الطالب: تقرير بحث النائيني، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلاميّ، قم، إيران، ط1/1418 ھ، ج2/ ص334 .

[40] - المصدر السابق، ج2/ص335.

[41] - محمد بن الحسن  الطوسي،  تهذيب الأحكام، تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان،  دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط4/1365، ج6/ص217.

[42] -  المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة، المركز العالمي، للدراسات الإسلامية، قم، إيران، ط1/1408ھ ، ج1/ص138.

[43] - محمد بن أحمد بن إدريس الحلي، السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، إيران، ط3/1410ھ، ج3/ص540.

[44] - الخميني،  الحكومة الإسلامية،ص60.

[45] -  الأنصاري، كتاب المكاسب، تحقيق، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم ،الناشر، المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى بالمؤية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم، إيران،  ط2/1420ھ، ج3/ص553.

[46] -  علي بن بابويه القمي، فقه الرضا، تحقيق، مؤسسة آل البيت  لإحياء التراث، قم، الناشر، المؤتمر العالمي للإمام  الرضا، مشهد، إيران، ط1/1406ھ، 338.

[47] - المصدر السابق، ص338.

[48] - كاظم الحائري،  أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية ، قم، إيران، ط1/1979م، ص54.-

[49] -  ابن علي أكبر بن هاشم الخوئي، كتاب الاجتهاد والتقليد، دار الأنصار للطباعة والنشر، قم، إيران، ط3/ 1410ھ، ص419.

[50] -  الأنصاري،  كتاب المكاسب، تحقيق، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم ،الناشر، المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى بالمؤية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم، إيران، ط2/1420ھ، ج3/ص553.

[51] - الشيخ شفيق شقير،  نظرية ولاية الفقيه وتداعياتها في الفكر السياسي الإيراني المعاصر،(تاريخ النشر،3-10-2004م)،  أنظر الرابط:

http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/b89d2831-2b46-462f-9b5c-776d1b0edd80

 

بدر الدين شيخ رشيداعتبار السلطة السياسية من أصول الدين:

ربط سيد قطب السلطة السياسية بمبدأ ألوهية الله في العالم، فالسلطة والتوحيد كلاهما توأمان متلاحمان لا ينفصل أحدها عن الآخر، فبعثة الأنبياء من منظور سيد قطب كانت تنطلق من مبدأ «نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده كله إلي الله»، إلا أن علاقة السلطة السياسية، بمبدأ الألوهية عند سيد قطب لا تعدو أن تكون في معنى التحرر الإنسانيّ من جميع أنواع القيود البشرية؛ لأن التوحيد معناه الحقيقيّ هو التحرر المطلق من كل عبودية الأوهام، والنظم والأوضاع، فهو إعلان لميلاد التحرر البشري الكامل الشامل .

ويؤكد سيد قطب أن أهم مبادئ الحاكميّة هي تحرير الإنسان من ربقة عبودية غيره من جنس البشر، وهذا يفيد بأن الحاكميّة ليست معناها إلغاء دور الإنسان في ممارسة السلطة بل هو تمهيد لإصلاح الأرضية التي تمكّن للإنسان أن يمارس فيها السلطة السياسية، وهذا التحرر عند سيد قطب يبدأ من تحرير الضمير البشري من عناء التخبط في شتى الأوهام والأساطير إلى جمال العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة حقيقتها الكبيرة التي تمثلها العقيدة الإسلامية .

كما يؤكد سيد قطب أن تحرير الإنسان يتم عند ما يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، وحينئذ يتم ميلاده  الحقيقي؛ لأن الناس يتساوون جميعاً أمام رب الناس .

وفي هذا المبدأ -أي تحرر الإنسان- يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره؛ وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحمّله تبعة عمله وحساب نفسه، وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني، التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب متعسفة ونظم مذلة، لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله، أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها، غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها، فإما أن يعتنق مذهب الدولة، وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب؛ لأن حرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف إنسان، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء، ومع حرية الاعتقاد يأتي حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة، وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة، والإسلام هو الذي ينادي بأن لا اكراه في الدين، وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين .

ومن هنا، يقرر سيد قطب أن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان، تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله، تحريره من شرع البشر، ومن هوى البشر، ومن تقاليد البشر، ومن حكم البشر ؛ لأن الإسلام حين يجعل الشريعة لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان، بل يعلن  ميلاد الإنسان، فالإنسان لا يولد، ولا يوجد، إلا حيث تتحرر رقبته من حكم إنسان مثله، وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعاً أمام رب الناس .

إشكالية  التشريع  بين السلطة و الأمة:

إن التشريع للأمة في كل ما يتصل بحياة الإنسان من الأمور السياسة والاجتماعية والاقتصادية، فالسلطة السياسة فرع عن الأمة في تنفيد، أو في مماسة السلطة السياسية، حسب الصلاحيات المخولة من الدستور الذي تم تقريره أو استفتاؤه من الأمة، وبهذا، تكون الأمة المصدر الأساسي للتشريع في كل ما يتصل بشؤون حياة الأمة.

الفرق بين الشريعة والتشريع:

كثير من الباحثين يخلطون بين الشريعة والتشريع بحيث يحصرون كليهما في ذات الله، وبالتالي يحكمون من يتناول التشريع في القضايا المستجدة، بأنه تدخّل في حق الله، ومن ثم  يسمون عليه بالكفر أو بالفسق، وهؤلاء لم يفرقوا بين الشريعة والتشريع، فالشريعة كما يقول سيد قطب هي من صنع الله ومصدرها القرآن والسنة ، أما التشريع، فهو تفعيل بمعنى التقنين، وهو يأخذ مفهوم الاجتهاد في المسائل المستجدة، يقول سيد قطب:«إن التشريع الإسلامي موضوع ليواجه حياة البشر الواقعية، ويسيرها، ويطهرها ويطلقها تنمو وترتفع معاً».

ولهذا، فالشريعة هي الأصول المستمدة من القانون، أما التشريع  فهو الفروع المتعلقة باجتهاد الأمة لتعالج قضاياها، وعلى هذا الأساس،  فالشريعة من وحي إلهي، أما التشريع فهو اجتهاد بشري.

فالتشريع في الغالب يطلق على ما يتصل باجتهاد الحاكم أو السلطة التشريعية، أو ما يتصل باجتهاد الفقهاء في الفقه الإسلاميّ، ولا فرق بينهما، إلا من حيث تعلقهما، فالفقه هو مجرد استنباط، أما التشريع فهو اجتهاد مع التطبيق، كما في عصر الخلفاء الراشدين، فاجتهاداتهم لم تكن مجرد فقه، بل إضافة إلى ذلك كانت تشريعا ملزما في زمنه، بخلاف ما بعد الخلفاء  الراشدين، بينما الفقه قد اقتصر على الاجتهاد النظري من غير تطبيق وذلك، للفصل  بين السلطة والفقه، ولذا، أصبح الفقه الإسلامي مجرد نظرية  مدونة في بطون الكتب.

إذن، فالتشريع الإسلامي هو من وظائف الأمة من خلال استقاء مصادره الأصليّة من كتاب وسنة، وباليالي فهو حركة ممتدة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا الأساس، فجعل سيد قطب التشريع من خصائص الألوهية لا دليل فيه، بل التشريع أيضا من حق الأمة، فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك للأمة الكتاب والسنة، وفتح لهم باب الاجتهاد، ففي حديث  معاذ بن جبل  رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بم تقضي) ؟ قال: بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد في كتاب الله )؟ قال: (بسنة رسول الله) .قال:( فإن لم تجد في سنة رسول الله) ؟ قال: أجتهد رأيي، فقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله) .

وربما نحمل التشريع الذي جعل سيد قطب من خصائص الألوهية التشريع الابتدائي، فهو الذي لا يشاركه أحد من الخلق، وهو يأخذ معنى الشريعة بمفهومها الوحيّ؛ لأنها  نزلت منه سبحانه وتعالى، أما التشريع الذي بمعنى التقنين، فهو من حق الأمة عن طريق الاجتهاد والاستنباط من الشريعة من خلال القواعد المقررة في الأصول.

ويدل ما قررنا  على أن عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يقال  له عصر الرسالة، كما يطلق عليه أيضا عصر التشريع، لكن الأخير لم ينقطع بخلاف الأول؛ لأنه متعلق بالوحي وبالتالي انقطع، أما التشريع فهو لم ينقطع، وذلك لتعلقه بالحوادث، وهو موكول إلى الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقول بالأمة بدل المجتهدين من علماء الدين؛ لأن الأمة تشمل بالمجتهدين من جهة، ومن جهة أخرى، فالتشريع لا يقتصر على الأحكام الشرعية المتعلقة المجتهد، بل يَعٌمُّ على جميع ما يتعلق بالحياة، والانسان، والكون، إذن، فالتشريع هو شىء يتعلق بالتطور فلا ينقطع إلى أبد الدهرر.

ومن هنا، يقرر الشيخ رشيد رضا تشريع الأمة من خلال الاستنباط والاجتهاد، وهذا التشريع يختلف باختلاف الزمان والمكان وأحوال الناس الدينية والمدنية، حيث يرى أنه لا يقوم أمر حكومة مدنية بدون تشريع، ولا ترتقي أمة في معارج العمران بدون حكومة يكفل نظامها تشريع عادل، يناسب حالتها التي وضعها فيها تاريخها الماضي، كما لايصلح لأمة من الأمم شرع أمة أخرى مخالفة لها في مقوماتها ومشخصاتها وتاريخها.

كما يرد الشيخ رشيد رضا على من يرى أن التشريع من أبجديات الإفرنج، وأن الإسلام لا تشريع فيه للبشر؛ معلّلين في ذلك؛ بأن شريعته مستمدة من القرآن والسنة، وأن الأحكام المدنية والسياسية فيه قليلة محدودة، والزيادة فيها على ما في القرآن قليلة، ومناسبة لحال المسلمين في أول الإسلام دون سائر الأزمنة ولا سيما زماننا هذا، وأن الاجماع والاجتهاد على استنادهما إلى الكتاب والسنة، قد انقطعا وأقفلت أبوابهما باعتراف جماهير علماء السنة في جميع الأقطار الإسلامية،  وأن هذا هو السبب في تقهقر الحكومات الإسلامية المتمسكة بالشريعة الدينية ، واضطرار الحكومتين المدنيتين الوحيدتين التركية والمصرية إلى استبدال بعض القوانين الإفرنجية بالشريعة الإسلامية تقليدا ثم تشريعا.

علاوة على ذلك، يرى الشيخ رشيد رضا، أن ذلك جهل عن أصول الشريعة الإسلامية وأساس التشريع فيها، بحيث أن التشريع يتعلق بنظام الإدارة، والقضاء، والسياسة، والجباية، وتدبير الحرب مما لا دخل للتعبد والزلفى إلى الله ، ولهذا، ثبت أن «للإسلام تشريعا مأذونا به من الله تعالى، وأنه مفوض إلى الأمة يقره أهل العلم، والرأي، والزعامة فيها بالشورى بينهم« . ، ويعلل الشيخ محمد الغزالي بذلك أنّ«دائرة النص محدودة الأبعاد، ومن ثم قام القياس والاستنباط والاستحسان، وقام النظر الحر فى شئوون الدنيا، واستطاع المسلمون بالارشاد الإلهى أن يشرعوا لأنفسهم على امتداد الزمان والمكان» .

نماذج من التشريع في عهد الخلفاء الراشدين:

الأول: في عهد أبي بكر رضي الله عنه:

قد  حدث نماذج من التشريع في عهد  أبي بكر الصديق رضي الله عنه أهمها: قضية  اسقاط سهم مؤلفة القلوب، فعمر هو الذي اجتهد في إيقافها في عهد أبي بكر رضي الله عنه، و ذلك، لما رأى أن علة  تشريعها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  قد انتهت، وهي تقوية ضعف المؤمنين،  والجبر عليهم، فلما تقوت شوكة المسلمين رأى أنه لا حاجة إذن، في إعطاء سهم مؤلفة القلوب لرؤساء العشائر .

والمستفاد من فعل عمر هو التشريع فيما تقتضيه المصلحة مع وجود النص، وهذا التشريع ليس له عصمة بل يمكن أن ينقض باجتهاد آخر يأتي بعده؛ «لأنه مجرد رأي بشري في شريعة الله ليس جزءا من الشريعة الثابتة الصادرة من الله» ، وعلى هذا الأساس، ذهب جماعة من العلماء  إلى أن سهمهم باق، وعللوا ذلك بأن الإمام ربما احتاج  إلى أن يتألف  قلوب الناس  في الإسلام، وإنما قطعهم عمر بن الخطاب لما رأى من اعزاز الدين، قال يونس بن يزيد:سألت  محمد بن مسلم الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخ ذلك ، كذلك، يقول الإمام الرازي: والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ، وأن للإمام أن يتألف قوماً على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة؛ لأنه لا دليل على نسخه البتة .

الثاني: في عهد عمر رضي الله عنه:

ومن  أهم ما وقع في عهد عمر بن الخطاب من التشريع هو إيقاع الطلاق الثلاث، وهو بخلاف ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه ، كما أنه أوقف تقسيم الأراضي المفتوحة، بل تركها لأصحابها لئلا يتحول الفاتحون إلى إقطاعيين، وبالتالي، ضرب على أصحابها الخراج لكى تكون مادة للمسلمين .

الثالث: في عهد عثمان رضي الله عنه:

وهناك نماذج كثيرة من التشريع اجتهد فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه منها: زيادة الآذان الأول من يوم الجمعة، وذلك لما توسعت المدينة وكثر الناس زاد عثمان الآذان الأول، كما أنه أكمل الصلوات الرباعية للحجاج في منى، ولما سأله عبد الرحمن بن عوف: ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر ركعتين وصليتها أنت ركعتين؟.. قال عثمان: هذا رأي رأيته .

الرابع: في عهد علي رضي الله عنه:

ومن أهم ما اجتهد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عهده، هو التسوية في العطاء بين الناس السابقين واللاحقين، الغني والفقير، العبد والشريف، نقضا على اجتهاد عمر بن  الخطاب، القائم على المفاضلة في العطاء بين الناس، واحياء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في العطاء ، وقد طبقها أيضا أبو بكر رضي الله عنه في عهد خلافته التسوية في العطاء بين الصحاية وغيرهم من المسلمين.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 

سامح عسكر بالنسبة لما يسمى (علم تفسير القرآن) هذا محكوم برؤية المفسر نفسه.أي وجهة نظره المحدودة بحواجز الجغرافيا واللغة والزمن والمصالح والخطأ والهوى.. إلخ.. بالتالي لا يصح القول أن أي كتاب تفسير هو حجة على الدين لسبب واحد هو أن المُفسّر تحكمه مصالح مادية واجتماعية ونفسية تؤثر على رؤيته للقرآن غالبا، كمن يسقط آيات الجهاد من السلفيين على خصومه الشيعة والمسيحيين والصوفية وأحيانا سلفيين مثله لكن مخالفين لوجهة نظره..

باختصار: تفسير الشعراوي.. هذا رأي الشعراوي ، تفسير السيوطي.. هذا رأي السيوطي، والقول أن هذه التفاسير من ثوابت الدين شئ بشع جدا يرقى لتأليه الناس ورفعهم لمقام الأنبياء والآلهة، وقدسية الشعراوي خرجت من قدسية تلك التفاسير بالأساس، أي لو وصل الشعب والعامة لفكرة أن تلك التفاسير مجرد وجهات نظر عُرضة للخطأ فلن يُقدَّس شيخا سيُقدّس وبالخصوص مفسري القرآن.

لقد جعلوا تلك التفاسير من ثوابت الدين بناء على أصول فقه اخترعوها كأصل فقهي يسموه (دليل الأصول) ويعني ما يمكن إثباته بمطلوب خبري والمعني به الأخبار فقط كي تكون حاكمة ومهيمنة على الفقه، وبالتالي لا مكان للعقل في التفسير مما جعل نصوص القرآن - التي فسروها -غير منطقية ومتعارضة مع العلم وكل شئ ألفه الناس في عصر التكنولوجيا، ويمكن ملاحظة ذلك في انتفاضة الشيوخ عند نقد أي حديث في البخاري والكتب الستة، هذا ليس دفاعا عن مجرد كتاب وشيخ.. بل دفاعا عن مطلوب خبري تحول لدين موروث بالنقل عن أجدادهم منذ مئات السنين.

كذلك فاللتفسير مذاهب، منها (حديثية وعقلية ولغوية وروحية وعلمية) وهي الاتجاهات الخمسة التي صاغت نفوس البشر في رؤية النصوص ومنها خرجت بعض الفلسفات المعاصرة لإعادة قراءة تلك النصوص بمناهج مختلفة كالبنيوية والتفكيكية، أما السائد في تلك التفاسير القرآنية بنسبة 90% فهي محكومة بتفسير الحديث ، وبالتالي فسائر أنواع التفاسير الأخرى هي منبوذة في الأزهر والمملكة باعتبارها (طُرق ضالة) ، فعندما تسمع إذن شيخا يتهم آخر بقوله "انت بتعارض كلام ربنا" على الفور تعلم فورا أنه يقصد تفسير شيوخه هو بالروايات لا القرآن نفسه كون الإتنين لديه واحد..

أما الشائع بين المسلمين هي .. "تفاسير المحدثين".. فقط كالطبري وابن كثير والسيوطي والبغوي والشعراوي بسبب إنفاق السعودية والأزهر على طبعهم ونشرهم، وهذا مبعث اتهام البعض لهؤلاء بالتربح في الدين خصوصا ورثة الشعراوي لأنهم حتى الآن يستفيدون ماليا من أعماله التي قد تصل للملايين.. وبالتالي نحن نتكلم عن ظاهرة ليست فقط دينية بل رأسمالية دفعت ورثة الشيخ لاتهام ناقديه بالحرب على الإسلام كونهم متضررين من انهيار سمعة الشيخ ماديا واجتماعيا، ناهيك عن ربح الأزهر نفسه من بيع تلك الأعمال كمؤسسة وكباحثين قدموا أنفسهم للجمهور بصورة الشارحين والمُقرّظين للشيخ علما بأن الشعراوي لم يكن متفرغا للكتابة بل للتفسير فقام محققين كثر بجمع علومه في مصنفات..

وأما بقية شيوخ الأزهر بالذات فهم منتفضين لكون الشعراوي ممثل واضح لمذهب الأزاهرة منذ قرون تحديدا منذ أول شيخ للأزهر"محمد الخرشي" في العصر العثماني، وانهيار سمعة الشيخ عند العوام يهدم تلقائيا نفوذهم الديني والسياسي عند الجمهور، لقد وصفوه (بإمام الدعاة) أي لا إمام بعده أفضل لهم كسُمعة وصورة يقدموها للناس، وبالتالي الشعراوي تحول من مجرد إمام مفسر لأب روحي لكل شيوخ الأزهر تقريبا، مما يشرح كيف أن الشيوخ تعمدوا وضع الشعراوي في تلك القدسية رغم علمهم بمخالفتها لأصول وثوابت الإسلام، إنهم إذا حدثتهم بأن الشعراوي يخطئ ويصيب سيقولون نعم، لكن عندما تنتقد الشيخ وتتهم فتاويه بالتطرف يتهموك بالحرب على الإسلام.. شيزوفرينيا وانفصام تام بين القول والعمل يعاني منه الشيخ وطبيعي أن ينتقل للعوام من أثر تلك المعضلة..

أما التفاسير الأخرى فهي قد تكون أفضل من ناحية التوثيق العلمي والاستدلال المنطقي، لذلك ترى أكثر أعمال المفسرين طائشة وخرافية جدا بسبب اعتمادهم فقط على الحديث، وهذا سر استغراب الناس من بعض فتاوى الشعراوي الشاذة والصادمة كفتواه بتحريم نقل الأعضاء بقوله (سيبوه يموت) وقوله بضرورة قتل تارك الصلاه وأخرى كثيرة تقول بالتحرش وضرب الزوجات وكراهية غير المسلم.. .وغيرها، فالرجل باختصار شديد (مقلد) لمن سبقه وعمل على إحياء ثقافتهم الرجعية منذ العصرين المملوكي والعثماني.

أما موقف المفسرين من العلم والعقل سيظل هو المشكلة لديهم كونهم حتى الآن غير قادرين على الاعتماد على طريقة تفسير أخرى (غير روائية) بمعنى أنه لا توجد ثقة لديهم في أي منهج مختلف.. وبالتالي لا أمل منهم مطلقا في تجديد الدين المكلفين به من الدولة وأذكر جيدا كيف كانت تلك الجزئية أحد اعتراضاتي الكبرى على الرئيس السيسي في دعوته للأزهر بالتجديد، كونه يدعو ميتا لإبصار الخطر من بعيد فلم نصل بعد لنتيجة حاسمة تقول أن الأزهر ميت ولا ييقوم بأي جهد لكي يحيى مرة ثانية.. سيظلوا يبحثون عن تأويلات وتبريرات هربا من تكليفهم بالتجديد والثورة على موروثهم الروائي.. لكن في النهاية لن يستطيعوا موافقة العصر ، بينما يراهم المثقفين مجموعات من الجهلة والمتخلفين ما لم يدركوا أنهم يعيشون عصر العلم والإنترنت وما كان يليق في زمن المماليك لم يعد مقبولا الآن..

في السابق أتذكر جيدا كيف أن أحد القراء اختلف معي على الشيخ الشعراوي بقوله : أنت لا تفهم (فلسفة) الشيخ أصلا كي تختلف معه، هذا أفحم العقلانيين ورد على الإرهابيين في التسعينات..

قلت: الاختلاف مع الشعراوي ليس جريمة.. فهو بشر ليس إلها.. وللإنصاف أذكر له فعلا أنه رد على بعض الأفكار الإرهابية في التسعينات وهذا شئ جيد، لكن في المحصلة لم يُلزِم نفسه بما قاله، كان يُنكر على الإرهابي (انتقائيته) وإيمانه بنصوص دون أخرى سواء في القرآن أو في السنة، وهذا صحيح.. فالإرهابي انتقائي، لكن ما أعيبه على الشعراوي أنه كان انتقائيا أيضا، فهو يقر حرية الدين من ناحية ثم يقول (بقتل تارك الصلاة) من ناحية أخرى، يقول نحتاج لشيخ يفهم في الاقتصاد ثم يدعو للريان والسعد في شركات توظيف الأموال وهو لا يفهم في المال، إذا كنت تؤمن بجهلك الاقتصادي فكيف تدعم على قاعدة تجهلها؟

لكي تفهم عقلية الشعراوي فهي (عقلية سمع وطاعة) استمدها من طريقته في التصوف، يقولون في الصوفية ما دمت قد آمنت بشيخ الطريقة يجب عليك الالتزام بكل تعاليمه حتى لو كانت خطأ.. .وهو كذلك في الإسلام، يقول ما دمت أصبحت مسلما يجب أن تلتزم بكل تعاليمه ونصوصه دون تفكير، وقالها لفظيا (الإيمان بالآمر هو وجوب الإيمان بالأمر) أي ما دمت آمنت أن محمدا رسول فكل أوامره في السنة لك فريضة، وهذا المنهج (سلفي بحت) لكونه يرى ويسمع أحاديث البخاري التي تأمره بالقتل والاغتيال صحيحة تعبر أمر نبوي له صفة إلهية ، هكذا بدون بحث في سند الحديث أو متنه أو عقلنته أو اتفاقه مع روح الشريعة والإنسانية.

المشكلة أن ما قاله الشعراوي هنا ينفذه الإرهابي بالحرف فالإرهابي آمن أن الله هو (الآمر) وبالتالي الإيمان بالنص الظاهري يوجب عليه الإيمان (بالأمر) وتطبيقه فورا دون (تفكير) أو لحظة مراجعة للنفس، وهذا الأسلوب تمت صياغته في قاعدة سلفية شهيرة في التراث (من شك في كفره فهو كافر) فعندما يقول النبي في الحديث .. "لقد جئتكم يامعشر قريش بالذبح".. فهو أمر نبوي إلهي بذبح المشركين، ومن شك في ذلك فهو كافر..

هنا تفسير الشعراوي للعقل وكيف يشرحه على طريقته الصوفية ..

http://bit.ly/2xJZ0pf

http://bit.ly/2huVhG1

ومشكلة هذا التفسير في أن الإيمان بالأصل لا يلزم الإيمان بالتفاصيل، هو يقول (مُلزِم) وهذا غير صحيح.. فالموظف لو قبل تعيينه في شركة ثم تبين له أنها لا تعامله على الوجه الصحيح أو تبخس حقه أو أنها تصنع منتج غير قانوني أو نظامها غير أخلاقي.. من حقه أن يستقيل.. وهذا يعني أن الشعراوي بتقريره هذا المبدأ يمنع الاستقالة وتظل مظلوم مضطهد طوال عمرك، وبالقياس يمنع الخروج من الدين أيضا ويجعل له عقوبة.. فكلامه إذن عن حرية الدين ليس له معنى.. فهو يقر حد الردة وقتل الناس على الرأي قولا واحدا، ومن تلك المرجعية أفتى الشيخ بقتل تارك الصلاه باعتبار أن المسلم مأمور بالصلاه ومخالفة الآمر هنا ستكون خروجا ليس فقط عن الأمر بل عن الرسالة كلها.. وهذا تطرف واضح يكتشفه ذوي البصائر وغفل عنه ضعاف العقل والنظر..

طريقة الشعراوي هذه فسرها الشيخ حسين يعقوب بمثل مضحك وهو (الحمار والعمدة) ملخصه أن عقلك هو حمارك الذي سيوصلك إلى الله، لكن بعد وصولك لا تستعمل عقلك أبدا، وعليك بربط الحمار/ العقل بعيدا عن العمدة/ الدين ، وهذا منهج جماعة أهل الحديث عموما تقديم النقل على العقل، والسمع والطاعة للشيوخ وللحكام، وهذا قول غير صحيح بالمُجمَل، العقل هو الأداة والحجة التي تستدل بها على الأشياء، فإذا انعدم الدليل فلا حجة لك ، العقل هو وسيلة التواصل السلمية الوحيدة بين البشر فإذا انعدم العقل حضر الذل والاضطهاد بمختلف أشكاله، والشعراوي ويعقوب هنا يقران أن استخدام العقل بعد الإيمان جريمة تستوجب العقوبة.. وهذه ضريبة فورية يدفعها المسلمون الآن بفتن طائفية واستبداد وتخلف حضاري شامل أًصبحنا بسببه مسخرة الأمم..

هذا يعني أن الشعراوي يخطئ عادي فعلى ما قداسته؟

هو شيخ مثل كل الشيوخ..  له وعليه، يتصف بكل ما يوصف به رجال الدين من قلة المعرفة وضيق الصدر والإطلاع، فالمعرفة لا تعني العلم بالقصص أو باللغة العربية فقط، ولا حتى تعني تفسير القرآن بوجهة نظر معينة، يوجد مئات التفاسير وبعشرات الطرق والمناهج كما قلنا، الشعراوي التزم طريقة واحدة وتفسير واحد من هؤلاء ، لكن ما جعل له القبول هو تفسيره باللغة المصرية، وأمثلة أخطاء الشعراوي كثيرة في التفسير منها قوله أن يوم السبت هو من .. "السبات".. أي القعود والاستكانة، وهذا غير صحيح، هذا تفسير لغوي عربي يتجاهل نشأة اللفظ وتاريخه ومدلوله بين الأمم ..  كذلك الخطأ في ذلك المعنى كونه يصحح عقائد اليهود أن السبت فعلا كان لراحة الإله بعد الخلق من التعب.

يعني الرجل بتفسيره للسبت صحح عقائد مخالفيه من اليهود.

هناك وجهتي نظر على أصل يوم السبت:

أولا: أصل الكلمة (يوناني) وتعني.. "يوم العبادة".. وتنطق .. "سافوتو".. كان اليونان يعبدون الإله زحل ابن الإله زيوس، وكانوا يخصصون يوم السبت لعبادته، فانتقل هذا الطقس للرومان ومنه إلى اليهود والعهد القديم، وقد انتقلت الكلمة للغة الإنجليزية فتم تسمية يوم السبت .. "بيوم زحل".. لاحظ زحل بالإنجليزية.. "Saturn".. ويوم السبت بالإنجليزية.. "Saturday".. أما اليوم فيحتفل الأٌقباط بسبت النور وهو سابع يوم في أسبوع الآلام الذي ينتهي بأحد الشعانين والاحتفال بعيد قيامة السيد المسيح، وإلى وقت قريب كان المصريون يحتفلون بسبت النور هذا بمن فيهم المسلمين، كدليل على أن الطقوس المصرية القديمة موجودة، وقد شهدت بنفسي الاحتفال بسبت النور هذا، كنا نشعل نار ونحن صغار ثم نقفز من عليها.

ثانيا: أصل الكلمة (بابلي) وتعني.. "الحرام".. وتنطق.. "شيفتو".. وهذا الرأي نقله وول ديورانت في قصة الحضارة، وأيا كان أصل الكلمة يوناني أو بابلي فمعناها مقدس، وهذا منشأ تقديس هذا اليوم إلى الآن، ليس بمعنى الاستكانة أو القعود، بل العبادة والحرام .. بمعنى أن أي عمل سوى العبادة هو حرام، والخطأ في تفسير الشعراوي أن القعود والاستكانة قد تكون للعبادة أيضا.. يعني ممكن تنام طول اليوم لا تمارس أي نشاط.

معلومة: تكاد تتفق معظم المصادر التاريخية أن أيام الأسبوع على الأرجح سميت على أسماء الكواكب والأبراج والأجرام السماوية ، الأحد للشمس.. "sun".. والإثنين للقمر.. "mon".. وهكذا، حتى لو اختلفت في الإنجليزية ستجد لها أصل يوناني أو بابلي قديم، ومشهور أن اللاتينية-أم الإنجليزية- تأثرت باللغات القديمة السائدة في حضارتي اليونان وبلاد الرافدين.

باختصار: لو كان الشعراوي مهتم لمعرفة تلك المعلومات ما أفتى بأن معنى السبت من السبات، والدارس في التاريخ ومقارنة الأديان سهل جدا يمسك خطأ على الشيخ من استسهاله الفتوى والتجرأ عليها دون علم، ربما يوافق تفسيره ذلك هوى العامة فهو يتحدث منهم وإليهم، لكن ليس بالضرورة أن يتفق مع العلم.

خطأ آخر له في التفسير ناقشته قبل ذلك في أبحاثي عن رخصة الفدية وكشفت تلاعبهم اللغوي في عدة مقالات منها "رخصة الفدية في أحكام الصيام" " وعلى الذين يطيقونه فدية.. هل حدث تلاعب؟"، هنا الشعراوي أخطأ بنفي تلك الرخصة

في هذا الفيديو..  https://bit.ly/2oPfIoe

 

نزولا لمذهب الأشاعرة في تقليد السلف دون إعمال العقل في النصوص والشافعية بالعموم بتقليد المذهب الذي يقدم الحديث الصحيح كمصدر تشريع غالبا فوق القرآن باعتباره ينسخه رغم فتوى الشافعي المشهورة خلاف ذلك، ومن تلك الأخطاء التي وقع فيها الشيخ..

أولا: تفسيره أياما معدودات على أنها في غير رمضان.. بينما القرآن أثبت أن هذه اﻷيام شهر رمضان من وجهين:

1- قوله تعالى.. "فعدة من أيام أخر".. يعني استعمال لفظ العد في الصيام المكتوب دون مغايرة.. فلو كان رمضان غير اﻷيام المعدودة لقال.. "عدة شهر رمصان".. وعدم ذكرها يعني أن قوله شهر رمضان مكمل أو توضيح للأيام المعدودة.

2- قوله تعالى.. "لتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم".. إثبات للوجه اﻷول أن العد جاء من أول رمضان.. ثم جاء القضاء ضمن سياق العد ثم اﻹكمال .. .يعني أن الصيام المفروض كان واحد وليس اثنين..

ثانيا: أن تفسيره ذلك يقول بصومين اثنين.. بينما القرآن تكلم عن الصيام في عشرات اﻵيات على أنه صوم واحد ولا أعلم من أين أتى الشعراوي بالصيام في غير رمضان القرآن، فلو قال بأنها من السنة لعلمنا أن هذا تشريعا يوافق قولهم صيام الستة البيض وعاشوراء وغيرها من الأمور المستحبة عند السنة.. ..

ثالثا: قوله بالناسخ والمنسوخ وهي مصيبة في حق القرآن ابتلي بها المشايخ وتعني تبديل وتغيير آيات الله وفق هوى المفسرين والكلام فيها يطول، وأحيل القارئ لكتاب "لانسخ في القرآن" للمفسر والكاتب "أحمد حجازي السقا" وكتاب آخر للباحث "إيهاب عبده" بعنوان "استحالة وجود النسخ بالقرآن"

رابعا: سورة البقرة مدنية واﻷيتان محل اﻹشكال نزلا في محل واحد وفي زمن واحد وفي ظرف واحد.. وهما اﻷيتان (184و185) والنسخ-على حد قوله- يتطلب فارقا زمنيا بين اﻵيات أو على اﻷقل السور، مما يعني أن الشعراوي يتهم الرب بتشريع رخصة الفدية ثم تنازله عنها بعدها في خمس دقائق وهو قول بالبداء يتهمون به الطائفة الشيعية..

الحسنة الوحيدة لتفسير الشعراوي أنه أثبت ظاهر اﻵية وأنها بالفعل تخير بين الصيام والفدية.. وأن معنى اﻹطاقة هو القدرة.. وبالتالي أبطل ثلاثة أرباع تفسير من سبقوه الذين أضافوا حرف النفي (لا) لمعنى اﻷية وهو ما ناشقت تلاعبهم اللغوي ذلك في مقالي الثاني أعلاه.. ..

جانب آخر وهي معلومات يجب توفرها عن الشيخ كي نستطيع بناء موقف علمي وموضوعي مما يطرحه، خصوصا وأن هذه المعلومات هي موثقة بالصوت والصورة على موقع يوتيوب..

أولا: الشعراوي يُكفّر تارك الصلاة ويعطيه مهلة للتوبة إن لم يصلي يُقتل فورا، وهذا إن تم سيقتل كل الشعوب المسلمة تقريبا دون رحمة، وتعميم الشيخ في الفيديو المشهور لا ينبئ عن بصيرة وحكمة.. فحتى شيوخ السلفية لم يتجرأوا على الإفتاء بهذا العموم ومنهم من خلق أعذارا وتأويلا لكي يفلت من القتل، وعمومية الشيخ هنا وعدم استدراكه للخطأ يمثل لغزا

ثانيا: يدعو للخلافة الإسلامية كأي فقيه للجماعات، ويعتبر تلك الخلافة سنة إلهية لتحقيق العدل والسيادة للإسلام حسب رأيه، ولست بصدد عرض ذلك الفيديو الذي يدعو فيه لذلك.. فهو متوفر على يوتيوب بعنوان تفسير الآيات 133 سورة البقرة وما بعدها، وكثيرا من آرائه في تفسير آيات سورة التوبة تنحو به نحو الفقه الجهادي بالحرف، لكن نظرا لسمعته ووظيفته السابقة "وزير أوقاف" كثيرا ما كان يتحرى ذلك الموقف الجهادي بتأويلات شائعة له في لقاءات تلفزيونة غير مخصصة للتفسير، وهو ما أوجد لبسا في تصور مذهب الشيخ على حقيقته ووقع أنصاره وخصومه في بحر غموض الرجل الذي يزداد كلما تصدى لقضية مهمة وخطيرة..

ثالثا: كان من أنصار طاعة الحاكم وإن ضرب ظهرك، يعني سلفي، وتفسيره للقضاء والقدر كان لخدمة حسني مبارك حين وضع سلطانه قضاءا وقدرا، وبالتالي من يعارض مبارك هو يعارض قدر الله، والفيديو الشهير له عندما عاد مبارك من رحلة أثيوبيا في التسعينات وفشل محاولة اغتياله قال كلاما بلا معنى ظاهري ولا يُفهم منه سوى دعاءً للرئيس بقوله "إذا كنت قدرنا فالله معنا وإذا كنا قدرك فليعينك الله على أن تتحمل" هنا لم يحرر جواب الشرط وتركه عرضة لتفسيرات نالت من سمعة الشيخ ووصمته بالنفاق البائن، فمعنى أن يكون الشعب قدر مبارك أن الشعب هو الذي فُرِضَ على الرئيس وليس العكس، جملة لا محل لها من الإعراب ولا يمكن أن يُخرج منها بنتيجة..

تفسير الشعراوي للقدر كان مصيبة أحيا به الاستبداد الأموي وساهم في ترسيخ الظلم في المجتمع، وتفاسيره المشهورة على يوتيوب في تعريف الفقر والفقراء وأنصبة الزكاه المعلومة وسلطة ولي الأمر تقول بوضوح أن الرجل كان (دجّالا) أوهم العوام أنهم مسئولين عن فقرهم، والمظلومين عن ظُلمهم.. ربما يلتمس البعض للرجل عذرا لكونه مسئولا سابقا وشيخا شهيرا ممثلا للأزهر والدولة فلا يمكنه الإفتاء ضد الحكام.. وهنا المعضلة، أنه ما دمت قبلت على نفسك الإفتاء فلتفتي بالحق وإلا ترفض وتجلس في بيتك أكرم

رابعا: كان الشعراوي يوظف القرآن لخدمة الحاكم،معروف أن مشاركة مصر في حرب الكويت كانت لتسديد ديون مصر، لكن الشعراوي جعلها (جهادا مقدسا) فشارك في مؤتمر الجهاد في السعودية وقت الحرب وأفتى بجواز الاستعانة بالكافر ضد المسلم، وعام 1977 حدثت ثورة الخبز للمصريين ضد نظام السادات، أو ما عرفت بثورة الجياع ، كان وقتها الشيخ الشعراوي وزيرا للأوقاف، فأفتى الشعراوي ضد المتظاهرين أنهم (صناع فتنة) وشيوعيين ملاحدة، ويجب تطبيق حد الحرابة والقتل عليهم لخروجهم عن ولي الأمر.. المصدر: كتاب "حكايات من زمن فات" لكمال خليل.

خامسا: ساهم في إعداد مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية في السبعينات وقتل المرتدين.. الذي بسببه اعتكف البابا شنودة في وادي النطرون وهدد بصوم جماعي للأقباط، ففي عام 1978 تقدم الأزهر بمشروع تطبيق الشريعة الإسلامية، والدافع أن رؤية الأزهر وقتها كانت موافقة لرغبة الجماعات الدينية، بل تحالفت معاها ضد المسيحيين، وقد كان المشروع نتاجا لهذا التحالف الآثم الذي رأيناه بعد ثورة يناير واستقبال أحمد الطيب لقيادات الإخوان المسلمين..

هذه مسودة المشروع الإسلامي للأزهر..

  http://bit.ly/2qSpFg1

لاحظ مصطلحاتهم وقتها (اقتصاد إسلامي-مجتمع إسلامي-أمة إسلامية) وهي نفسها كانت مصطلحات الجماعات التي أسست بعد ذلك لشركات توظيف الأموال ومطالبة المسيحيين بدفع الجزية، وقد كان الشعراوي مشاركا في وضع ذلك المشروع هو وكبار شيوخ الأزهر، لاحظ أيضا المادة 14 التي تقول بمنع التبرج، كانت نسخة من الثورة الإيرانية بفرض الحجاب في مصر يقوم عليها الشيخ وأعوانه في مقدمتهم شيخ الأزهر وقتها عبدالحليم محمود، ولاحظ أيضا المادة 6 الخاصة بالمحتسب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يعني فرض نفس الوضع في السعودية ونقله إلى مصر بحذافيره، كذلك المادة 44 الخاصة بالإمام ووجوب طاعته والمادة 47 بمنع ترشح غير المسلمين لرئاسة الجمهورية..

سادسا: كان الشعراوي منتمي (فكريا) للإخوان المسلمين، وعارضهم فقط متأخرا عام 1987 بدعوى وحيدة هي (أن الإخوان بدأوا العنف قبل استيلائهم على السلطة) أي لو نجح الإخوان في حكم مصر كان الشعراوي سيصبح من أئمتهم.. والفيديو الشهير له بمدح الجماعة على يوتيوب موجود وخصوصا وصفه لحسن البنا بقوله "رضي الله عن شهيد استنبتها وغفر الله لمن تعجل ثمرتها" فالإخوان لديه شجرة "ما أروع ظلالها" وحسن البنا شهيد غرسها، أما الذين تعجلوا السلطة بقطف ثمارها قبل أوانها فهم الذين خالفهم الشيخ، مما يدل أن خلاف الشعراوي كان مع التنظيم ومنهجيته في السعي للسلطة لا في الأفكار والمذهب بشكل عام وهي دائرة أوسع من السياسة.

سابعا: الشيخ لم يقرأ كتاب واحد في حياته غير القرآن باعترافه هو، أي كان جاهلا بأبجديات كل العلوم الأخرى التي أفتى فيها دون علم كالاقتصاد والطب والسياسة، لذلك تورط فيها كلها، بل توجد اتهامات له بأن تفسيره مسروق من الفخر الرازي إمام مفسري الأشاعرة في القرن السادس الهجري دون إحالة للمصدر، واتهام آخر بنقل فتاويه من كتاب "العبودية" لابن تيمية، وقد وقفت على تشابه كبير بين تفسيره للعبادة وبين تفسير ابن تيميه لها بدءا من الصفحة رقم 20 وتعريف الشهادة من صـ 137 أما كتاب العبودية لابن تيمية فهو رسالة عقائدية للرجل تناول فيها موقفه من بعض المصطلحات القرآنية ومنها فصله للتوحيد إلى "توحيد ألوهية وربوبية"

وقد نقل الشعراوي كلام ابن تيمية بالحرف هنا..

  https://bit.ly/32fIewE

وفي كلامه تطابق مع نظرية سيد قطب في تكفير المجتمع القائمة في أساسها على فصل التوحيد لشطرين، وهو منهج مخالف لعموم الصوفية بالمناسبة، وربما هذا الرأي من أثر السلفية الوهابية على الشيخ إبان مكوثه في السعودية والجزائر، وقضية فصل التوحيد لشطرين "ألوهية وربوبية" هي مفصيلة عند الجماعات في تبرير تكفيرهم للمجتمع مما يعني أن كلام الشعراوي هنا أساس عند التكفيريين تبرأ من تبعاته بعد ذلك مثلما تبرأ الشيخ عبدالعزيز بن باز من جيهمات العتيبي في هجومه على الحرم المكي برغم أن جهيمان كان تلميذا لابن باز واستقى أفكاره الجهادية والمهدوية منه.

ثامنا: أفتى الرجل بحرمة أموال البنوك - أثناء ما كان وزيرا للأوقاف- وسنّ قانونا لإنشاء بنك فيصل الإسلامي ساعدت بعد ذلك في دعايته لشركات توظيف الأموال ومشاركته في تأسيس بنك الهدى الإسلامي في لندن، هذا كان له أثر سئ على الاقتصاد المصري وقتها القائم على بنوك القطاع العام..  ولا زلنا نعاني من تلك الآثار السيئة حتى الآن بهروب رأس المال إما للغسيل أو للحُرمة الشرعية، وقد فصّلت في محاضرتي على يوتيوب عن الاقتصاد الإسلامي كيف أن فكرة الشيوخ عن البنوك عامة (بلهاء) وغير علمية ملتزمة فقط بتصور القدماء عن سياسات المال، عِوضا عن قفز الشعراوي على موقف الأحناف الأوائل من زيادات المال وتعريفهم للربا بأنه ربا الفضل والنسيئة لا غير..

تاسعا : أفتى الشعراوي بجواز ضرب الزوجات وذلك بحجة سخيفة جدا هي: أنه لا يحق للزوجة الاعتراض على ضربها من زوجها طالما (كشفت عورتها) له، والرد على ذلك أن جسد المرأة ملكها وكرامتها ملكها، لا يحق انتزاعهم منها إلا بإذن، فإذا رضيت بكشف عورتها لزوجها فهذا عن عقد نكاح أما ضربها فلا عقد يوجب ذلك، وما قاله الشيخ (خلط وتدليس) لتبرير ضرب الزوجات الشائع عند فلاحين وفقراء مصر بالخصوص، ولو ما قاله صحيحيا فمن حقها أيضا ضربه أو صفعه طالما كشف الزوج عورته لها، ثم منذ متى كان كشف العورات موجِبا للضرب؟!!.. أما تشريع الضرب نفسه فقد رددت عليه في مقال "حكم ضرب الزوجة في الإسلام" خلصنا فيه بأن الأمر "اضربوهن" ليس على الوجوب أو الندب أو الجواز لكنه منع ضمني تدريجي لفعل الضرب الشائع وقتها في قريش بتقديم العظة والهُجران كوسيلة إصلاحية لفعل الضرب مما يدل على كراهيته.

عاشرا: كان الشعراوي ماهرا جدا بلغة جسده وتقريب ما يقوله بأساليب لغوية شعبية وخطابية أقرب لرجل الشارع، وقد سبق تعرضي لمطالب "أحمد لطفي السيد" بتمصير لغة القرآن على النموذج الأوروبي الذي تفككت به اللاتينية لعشرات اللغات المحلية مما خلق فرصا أكبر لفهم الكتاب المقدس ونقده بعيدا عن سلطة القساوسة، التي يبدو أن جزء كبير من احتكار رجل الدين للحقيقة الدينية يعود فيها للجانب اللغوي، أما الشعراوي فأسلوبه قرّب كثيرا من معاني القرآن للعامة وهذه حسنة تُحسب له، لكن خطابته ولغة جسده وأسلوبه التفاعلي أوجد قداسة عند أتباعه فور مماته الذين يتذكرون الشعراوي ليس فقط كفقيه، ولكن كونستالجيا يعودون فيها للزمن الجميل، مما يدل أن أسباب تعلق جماهير مصر بالشعراوي جزء منها نفسي بالحنين إلى الماضي وطقوس يوم الجمعة ولمّة الأقارب وخلافه، أما العلم فلا أحد يهتم كثيرا لفراغ الساحة تقريبا من المثقفين القادرين على ملء الفراغ.

ومثلما كان صعود الشعراوي سياسيا فالفراغ الذي أحدثه وتسبب في تقديسه لن يمتلئ إلا بقرار سياسي مماثل أعتقده إما بتصعيد وتلميع شخصية ما أو فتح باب الحريات لصعود عشرات البدائل، وفي ظني أن ذلك بعيدا جدا الآن لأسباب سقتها كثيرا بتكاسل مصر عن الإصلاح الديني ورفضها لاحتواء الرأي الآخر في مؤسسات الدولة بالمجمل ليس فقط الرأي التنويري المطلوب للنقد.

أما من يقدسون الرجل الآن لم يقرأوا –أو يسمعوا- له فتاوى وأحكام.. بل تفسير وقصص فلم يتعرفوا على مذهبه الحقيقي بعد، وأجزم أن لو ظهر الشعراوي بفتاواه وأحكامه وقتها لتغيرت النظرة ، صحيح الرجل له شعبية في مصر لكن هذا من فرط الجهل.. وتذكروا أن شعبية .. "محمد حسان".. كانت تفوقه منذ 10 سنوات، الآن أنظروا لشعبية حسان لقد هبطت بفعل الزمن والأحداث وتبدل الأحوال، وما تلك الحملات دفاعا وهجوما على الشيخ إلا خلخلة وهزّا لأعمدة القداسة التي غرستها السلطة المصرية للرجل منذ السادات حتى وفاته، وشيئا فشيئا ومع توالي السنوات سيكتب التاريخ أمرا مختلفا عن الشعراوي لن يخرج عن صورة الكاهن المتطرف والدجال المنافق الذي خدم الأغنياء والحكومة أكثر من الفقراء والكادحين، والجاهل الذي عادى العلم والعلماء ونشر الغباء والتشدد بين فلاحين مصر وفقرائها..

هذه ليست شيطنة ، الشعراوي فيه خير كثير يكفي أنه كان وطنيا داعيا للتقريب بين المسلمين خصوصا السنة والشيعة، وتفسيره للقرآن به أشياء جيدة، وأعماله التنموية نفعت بعض الفقراء، لكن بالنظر للنصف الآخر من الكوب نرى أنه تسبب في خسارة المصريين لأموالهم في شركات توظيف الأموال مثلا، كان وقتها أحد الدعاة لهؤلاء النصابين في التلفزيون، كذلك كان من دعاة الكراهية الطائفية وتفسيره (المؤدلج) للقرآن وضع المسيحيين في خانة العدو للمسلمين، ورفض وقتها مقولة .. "الدين لله والوطن للجميع".. في الفيديو الشهير له مع البابا شنودة، برغم أنها كلمة صحيحة ضمنيا وتتفق مع مبادئ الإسلام العليا في إقرار الحريات الدينية ، لكن الشعراوي حرّفها إلى.. "الدين لله والوطن لله".. يقصد أن يكون المسيحيين أذلاء وخاضعين لحكم المسلمين تبعا لتفسير معنى الله عنده هو كمسلم..

ويبقى نموذج الشعراوي أزمة لرجال الدين المصريين عامة، فلطالما وُصِف بإمام الدعاة وقُدّس في الإعلام لهذا الحد الذي تضطر فيه إحدى المذيعات التي وصفته بالتطرف للاعتذار.. سيظل دائما وأبدا هو ورقة التوت التي تستر عورات المشايخ أمام الجهلة، فمع وقوف العامة على أخطائه أحيانا وإقرار بعضهم بالمخالفة – ولو نفسيا – إلا أن حبهم لهذا الشيخ يمنعهم من التجرؤ على الاعتراض، وهو تفسير سقته كثيرا بأن خلافات الناس في معظمها نفسية تستوجب خلافا لاحقا في العقل والمصالح

الشعراوي الذي يفتي بالمذهب الجبري وتبرير أفعال الحكام ومقولته الشهيرة "لا تسأل عما تفعل" يقف ضد مصالح الفقراء ويعمل لصالح الأغنياء، مع ذلك فالفقراء هم أكثر من يدافعون عنه دون البحث في أصول وأسباب سطوة ذلك الشيخ على عقولهم.. قد تكون الأسباب ما بين الجهل والفراغ وعقدة استكهولم، لكنها في تقديري مجرد تعبير عن علاقة الشعراوي بالسلطة فقط لا غير، الرجل يختلف فقط مع الإخوان أنهم سعوا للسلطة وله مقولة جبرية شهيرة "لن يحكم أحد إلا بمشيئة الله فيجب ألا يسعى أحد إلى السلطة " وقالها بلفظ آخر "لن يحكم أحد في ملك الله إلا بمراد الله" و" لا تقلق من تدابير البشر فأقصى ما يستطيعون هو تنفيذ إرادة الله"..  وهذا عين المذهب الجبري الذي سفك به الحجاج والأمويين دماء الأبرياء .

وله رأي شائع أيضا في نفي وتحقير الأسباب يطول ذكره وكثيرا ما كان يردده على المنبر ك "حين تتخلى الأسباب فهناك رب الأسباب" و"الذين يغترون بوجود الأسباب نقول لهم اعبدوا واخشعوا لواهب الأسباب" و "الإنسان الذي يستعلي بالأسباب سيأتي وقت لا تعطيه الأسباب".. هنا مذهب صوفي واضح كان يؤمن به الشيخ أبو حامد الغزالي اشتهر بعد ذلك ب (نفي السببية) وما نتج عنه من نشر الخرافات والتواكل وتحقير قيمة العمل والعلم، مما أدى بالتبعية لانحطاط المسلمين وتعلقهم بالأوهام وعزلتهم عن قوانين الكون التي اكتشفوا حقيقتها مع بدء غزوات الاستعمار في بداية القرن 19

أما ملخص رأي الشعراي في الجبر أنه ما دام قد سبقت مشيئة الله في الحكم فالاعتراض على تلك المشيئة سيكون كُفرا، هنا أصبح الاعتراض على الحاكم كفر في حد ذاته لأنه سيكون معارضة آلية للدين والرب، توظيفا مغرضا للدين وتفسيرا مضللا سبقه آلاف الشيوخ به، لكن أن يفتي به شيخا أزهريا ووزيرا للأوقاف في عصر الذرة والصورة والعلم لسرعان ما ينكشف خداعه بسرعة، لذا قلت أن المستقبل لن يكون لصالح رجال الدين عامة والشعراوي بالذات سينال سخطا بوصفه المعبود الأول لشيوخ مصر والصنم الواجب تعزيزه لمصالح نافذين معروفين استفادوا منه في حياته.. ويستفيدون الآن بعد مماته ب 21 عام..  

 

 للكاتب سامح عسكر

 

بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب (4)

مفهوم ولاية الفقيه عند الخميني: ناقش الإمام الخميني مسألة ولاية الفقيه في عدة كتب من مؤلفاته مثل:« كشف الأسرار» الذي ألفه عام( 1941م)، وكتاب: « البيع»، و«ثلاث رسائل» تكلم فيها ولاية الفقيه، وكتاب: «الحكومة الإسلامية» الذي ألفه عام( 1970م)، في النجف أثناء منفاه في العراق، فذكر أن حكومة النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، هي حكومة إلهية، يتولى تشكيلها الله سبحانه وتعالى ولا يَكِلُها إلى أحد،«بل بحكم العقل، الله هو الذي يشكل الحكومة للناس ويشرع الأحكام»[1]، أما في زمن الغيبة، فذكر الإمام الخميني أنها حكومة المجتهد، وهي تندرج تحت المسائل الفرعية الفقهية، حيث كان البحث فيها يدور بين المجتهدين على  نقطتين: في ثبوتها، وفي حدودها سعة وضيقا[2].

هذا، وقسّم الإمام الخميني الولاية إلى قسمين: ولاية تكوينية وولاية اعتبارية، فذكر أن ولاية الفقيه هي من ضمن الولاية الاعتبارية، لا التكوينية، والفرق بينهما أن الولاية التكونية تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، أما الولاية الاعتبارية، فليس لها واقع سوى جعل القيّم على الصغار، وعلى هذا الأساس، فالقيّم على الأمة لا يختلف عن القيّم على الصغار من ناحية الوظيفة والدور[3].

إذن، فولاية الفقيه بالمفهوم الاعتباري عند الخميني تعنى بها الحكومة وإدارة البلاد وتنفيذ أحكام الشرع، وهي ليست إلا وظيفة الحكومة حيث يقوم بها الفقيه لإجراء أحكام الإسلام[4].

يلاحظ من كلام الخميني أن حكومة ولاية الفقيه حكومة بشرية مبنية على الاجتهاد، وليست حكومة إلهية، ويستفاد من كونها حكومة بشرية من خلال كلامه حول الحكومة من ثلاث نواحي:

الأول: كون الإمام الخميني قصر الحكومة الإلهية بحكومة النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة، وذلك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى تشكيل الحكومة بنفسه لا غيره، ومفهومه أن ما بعد حكومة الأئمة، فالأمة هي صاحبة الولاية بنفسها في تشكيل الحكومة، والفقهاء ليس لهم اختصاص خاص بشأن الحكومة في زمن الغيبة، بل هم من جملة الأمة،  وذلك لفقدان العصمة في حقهم، بخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة، وعلى هذا الأساس، فحكومة الفقهاء في عصر الغيبة هي حكومة بشرية تخضع لإرادة الأمة.

الثاني: اعتبار الإمام الخميني حكومة ولاية الفقيه في زمن الغيبة حكومة المجتهد، كما اعتبر أدلة ولاية الفقيه من ضمن المسائل الفرعية الفقهية، فالقيد الأول: يفيد بأن الحكومة عند الخميني في عصر الغيبة هى حكومة بشرية لا تتسم بأي صفة دينية، وذلك؛ لأن المجتهد  يصيب ويخطئ، ولما كان اجتهاده معرضا للخطأ والصواب استلزم  تقييد سلطته بسلطة الأمة؛ لأنها معصومة عن الخطأ بجملتها من جهة، ومن جهة أخرى هي صاحبة السلطة في عصر الغيبة، وهو أمر يتفق عليه أهل السنة، والشيعة القائلون بولاية الأمة في عصر الغيبة، أما القيد الثاني: فيفيد أن أدلة ولاية الفقيه هي أدلة ظنية وليست قطعية، فهي كالمسائل الاجتهادية الفرعية، وهي تختلف حسب وجهات النظر بين الفقهاء، ولذا، رأى بعضهم من خلال النصوص الواردة في حق ولاية الفقيه، أنها تنهض  إلى نصب الفقيه للولاية، بينما نفى آخرون ذلك وقيدوا سلطته بالأمة[5].

الثالث: جَعَلَ الإمام الخميني ولاية الفقيه من الأمور الاعتبارية العقلية، وهي أمور ذهنية  نسبية لا وجود لها في الخارج، فهي تختلف حسب تعلقها بالخارج من اجتهادات الفقهاء، وهذا بالتأكيد يفيد أن حكومة الفقيه هي حكومة بشرية فرعية قابلة للأخذ والرد، تتغير من شكل إلى شكل بحسب الزمان والمكان والاجتهاد، ويدل على ذلك، تعدد وجهات النظر حول نظرية ولاية الفقيه حتى وصلت إلى تسع نظريات،كما ذكرها محسن كديفر، وهي: نظرية الفقهاء التعيينية الخاصة، وولاية الفقهاء التعينيية العامة، وشورى المراجع، قال بها  السيد محمد الشيرازي، ونظرية ولاية الفقيه التعيينية المطلقة، ذهب بها الخميني، والحكومة المشروطة، قال بها محمد حسين النائيني، وخلافة الأمة وإشراف المرجعية، ذهب بها محمد باقر الصدر، وولاية الفقيه الإنتخابية المقيدة، ذهب بها الشيخ حسين علي المنتظري، وولاية الأمة على نفسها، ذهب بها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ونظرية العقد والوكالة، قالها الشيخ مهدي الحائري[6].

مفهوم الحاكميّة عند سيد قطب:

إن مفهوم الحاكميّة عند قطب هو سيادة الشريعة، ويفيد معنى تحرر الإنسان من قيود الاستبداد البشريّ يقول سيد قطب: «إنه حين تكون الحاكمية العليا لله وحده في مجتمع - متمثلة في سيادة شريعته الربانية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً حقيقياً كاملاً من العبودية للهوى البشري ومن العبودية للعبيد، وتكون هذه هي الصورة الوحيدة للإسلام، أو للحضارة ،كما هي في ميزان الله»[7].

وعلى هذا الأساس، فمفهوم الحاكمية عند سيد قطب يفيد معنى الحرية الناتجة عن توحيد الله؛ إذ جعل الإسلام الحرية مبدأ أصيلا يضرب بجذوره في أصل العقيدة، وذلك عبر التوحيد وهي الفكرة المركزية العميقة التي تتمحور حولها جميع  المبادئ والقيم والتصورات الإسلامية؛ فالتوحيد في جوهره هو عمق التحرر من كل سلطان في هذا الوجود، سواء أكان سلطانا خارجيا، كسطوة الحكام ورجال الدين والعادات والتقاليد، أو سلطانا داخليا، كالأهواء والشهوات والأوهام والخرافات، لقد اكتسبت الحرية في التصور الإسلامي قوة المبدئية مالم تكتسبه في التصورات والفلسفات البشرية الأخرى؛ لأنها تنطلق من صميم الاعتقاد المسلم، فشهادة التوحيد التي بها ينعقد الإسلام تقوم على ركنين أساسيين: النفي لا إله، والإثبات إلا الله، فالنفي هو حقيقة التحرر، والإثبات هو حقيقة التوحيد والنفي قبل الإثبات، ومن ثم، فلا يمكن أن يحقق كمال التوحيد مالم يتحرر الإنسان من كل طاغوت في هذا الوجود[8].

أما الحاكميّة السياسية، فالأمة هي صاحبة السيادة، وقد أقر سيد قطب بها للأمة،حيث بيّن أن الشرع خول مزاولة السلطة والحكم إليهم، فهي التي تختار في النظام الإسلامي الحاكم،  فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله[9].

والخلاصة: أن الحاكمية لها  دلالتان:دلالة بمعنى التحرر العقدي، وهو مفهوم عام يستفاد من  كلمة التوحيد، ولاعلاقة له بالسلطة السياسية، ودلالة سلطوية سياسية تمارس بها الأمة،بحكم كونها المستخلفة في الأرض.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................

[1]- آية الله الخميني، كشف الأسرار، ( PDF)، الترجمة الصحيحة  غير المحرفة) بدون تاريخ الطبع  والناشر). ص179.

[2] - المصدر السابق،ص179.

[3] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF)، بدون تاريخ  الطبع والناشر) ، ص38.

[4] - المصدر السابق، ص38.

[5] - المصدر السابق،ص 59-60.

[6] - محسن كديفر، تسع نظريات لولاية الفقيه ترصد مسيرة الفكر السياسي الشيعي، عرض، ميرزا الخويلدي،(تاريخ النشر 21-9-2013م)، أنظر الرابط:

http://www.rasid.com/?act=artc&id=20851

[7] - سيد  قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة،  مصر، ط2/1997م، ج2/ ص178.

[8] - عبد الله المالكي، سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، ط1/2012م، ص122-123.

[9] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج4/ص1990.

 

بدر الدين شيخ رشيد

مقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب (2)

وظّف كل من الخميني وسيد قطب مفهوم الإمامة كوسيلة لتغيير المجتمع، وذلك باعتبارها النموذج الأمثل الذي تحقق من ناحية السياسة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فالخميني اعتبر الإيمان بالولاية، جزءا من مشروع اصلاح الأمة من خلال وجود حكومة إسلامية تنفذ الأحكام، هذا، كما يرى أن قيام الحكومة لا يمكن إلا الاعتقاد بولاية عليّ أى تعيين النبي صلى الله عليه وسلم عليا لأجل الحكومة[1]، بينما سيد قطب- انطلاقا من رؤية أهل السنة في الخلافة- نفى أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم، قد عيّن أحدا بعده، ومفاده نفي الدولة الدينية، غير أنه تبنى مفهوم الحاكمية، الذي هو من مصاديق الخلافة من حيث السلطة، باعتبارها النموذج الأمثل الذي تحقق في الأرض على مر التاريخ الإسلامي.

فالولاية عند الخميني هي وحدة متماسكة، تنطلق من مبدأ ولاية الله، وتأخذ ثلاثة مستويات:ولاية الرسول صلى اله عليه سلم، وولاية الائمة المعصومين عند الشيعة، وولاية الفقهاء. فولاية الأئمة عنده، فرع عن ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما ولاية الفقهاء فرع عن ولاية الائمة، وعلى هذا، فالولاية لها مقامان: مقام تكويني معنوي، ومقام اعتباري حكومي، والجانب الأخير يتعلق بوظيفة الحكومة؛ لأنه لولا الحكومة لتعطلت الأحكام، وعلى هذا، فمن الضروري الاعتقاد بولاية عليّ لأجل إقامة الحكومة الإسلامية، وذلك لاستلزام تنفيذ الأحكام على تأسيس الحكومة، كما تتطلب تبيان حقيقة الأحكام الإسلامية[2].

استلزام تنفيذ الأحكام بتأسيس الحكومة عند الخميني:

الإمام الخميني يرى أن وجود القوانين المدونة وحدها لا تكفي لإصلاح المجتمع، فلابد من سلطة تنفذ الأحكام[3]، بينما سيد قطب يرى أن المجتمع الإسلامي، يعيش في جاهلية مثل الجاهلية الأولى في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو أشد، ولهذا، لا ينبغي الاشتغال بالتشريع قبل إيجاد مجتمع «مسلم ناشئ من الدينونة لله وحده ، مصمم على تنفيذ شريعته وحدها، ثم بعد ذلك-لا قبله- ينشأ فقه إسلامي مفصل»[4]، ذلك؛ لأن الفقه الإسلامي، حسب رؤية سيد قطب هو وليد الحركة الإسلامية، فهي التي تنشىء المجتمع الذي يقرر أن تكون الدينونة فيه لله وحده، ومن ثم ينشئ الفقه الإسلامي ويتحقق نموه من خلال حركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية[5]، ولهذا، يرى سيد قطب أنه«لم يكن قط فقه مستنبط من الأوراق الباردة ، بعيداً عن حرارة الحياة الواقعة»[6].

لكن، قد يخضع الاختلاف بينهما، كما سبق أن أشرنا، بسبب اختلاف تركيب المجتمع السني والشيعي من حيث الفكر السياسيّ؛ لأن رؤية الخميني في السلطة التي تنفذ الأحكام واضحة عنده، وهي سلطة الفقيه، بخلاف رؤية سيد قطب، فالسلطة التي تنفذ الأحكام تنبثق من الأمة، إلا أنها غرقى في الجاهليّة[7]، ومن ثم، تحتاج إلى جهود مضنية في بناء الأمة الإسلامية، مرة أخرى بعد ما خرب الاستعمار عامرها وجفف غامرها[8].

هذا، ويستدل الإمام الخميني بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته على لزوم تشكيل الحكومة، من جانبين:

الأول: أنه صلى الله عليه وسلم قام بتشكيل حكومة، وقام بتطبيق القوانين وتثبيت أنظمة الإسلام، وإدارة المجتمع فأرسل الولاة إلى رؤساء القبائل، والملوك، وعقد المعاهدات والاتفاقات، وقاد الحروب، والتاريخ يشهد على ذلك.

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم عيّن حاكما بعده، فهذا يعنى لزوم استمرار الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وسلم[9].

حقيقة الأحكام الإسلامية:

قلنا في الفقرة السابقة، أن سيد قطب، لم ير ضرورة طلب الحكومة،  ولا تقنين القوانين قبل قيام المجتمع المسلم، وهو ينطلق من أن المجتمع الإسلامي اليوم يعيش في جاهلية، وعلى هذا، فتطبيق الأحكام قبل بناء المجتمع، توقع في فراغ؛لأن«الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية...فقد وجد الدين أولاً، ثم وجد الفقه،  وليس العكس هو الصحيح»[10]، بينما تجد فكرة الخميني على العكس من ذلك، حيث يرى أن تنفيد الأحكام من خلال الحكومة «يبني نظاما اجتماعيا شاملا، ويوفر هذا النظام الحقوق لكل ما يحتاجه البشر» [11].

وأهم تلك الأحكام التي هي ركائز قوام المجتمع الإسلامي عند الإمام الخميني ثلاثة، وهي: الأحكام المالية، أحكام الدفاع الوطني، أحكام الحقوق الجزائية.

أولا: الأحكام المالية:

استدل الإمام الخميني على قيام الحكومة على أحكام المال في الإسلام، وذلك؛ لأن الضرائب الخمس التي فرضها الإسلام تدل على لزوم تشكيل الحكومة، وتأمين المصارف الضرورية لدولة كبيرة، وليس لمجرد سد رمق الفقراء من السادة الهاشميين، وغيرهم، والخمس معمول به في الفقه الإمامي الشيعي، ويتناول الزراعة والتجارة والمصادر المخزونة في جوف الأرض أو الموجودة فوقها[12]، إضافة إلى ذلك، ذكر الإمام الخميني مواردا أخرى مثل: الجزية والخراج،  وهكذا، يتكون رصيد ضخم مالي، يمثل الزكاة، والصدقات، والتبرعات، والخمس، والجزية، والخراج[13].

أما سيد قطب، فتناول سياسة المال في الإسلام في كتابه:«العدالة الإجتماعية»، وأطال النفس فيها من جانب الملكية الفردية، وما يتعلق بالمجتمع، كالزكاة، والحقوق المتعلقة بالمال غير الزكاة المفروضة، فهو شرح الزكاة كقاعدة للتكافل الاجتماعي، الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب الحياة، فذكر أن الزكاة حق مفروض تحصله الدولة المسلمة لتكفل كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة[14].

وهناك مصادر أخرى غير الزكاة عند سيد قطب تخضع لمبدأ: المصالح المرسلة، ومبدأ سد الذرائع« عند تطبيقها في محيط أو سع يمنحان للإمام الذي ينفذ شريعة الله سلطة واسعة لتدارك كل المضار الاجتماعية بما في ذلك التوظيف في الأموال، رعاية للمصالح العام للأمة وتحقيق العدالة الاجتماعية»[15].

وليس الإشكال عند الخميني وسيد قطب في المال العام من جهة المصدر والمصرف، فهذا، من وظيفة الفقه، لكن الإشكال، كيفية توظيف المال العام الذي هو حق للمجتمع في الوقت الراهن، وفعلا، كلاهما قرّر أن المال العام هو من وظيفة الدولة، لكن الدولة غير موجودة حاليا، وهذا قدر يتفقّ عليه كلاهما فيه، إلا أن الإشكال من جهة الإمام الخميني يرتبط بين المال والحكومة «فإن الأحكام المالية للإسلام تدل على لزوم تشكيل الحكومة، ولايمكن تطبيقها إلا عن طريق إقامة النظام الإسلامي»[16].

لكن سيد قطب من جانبه، رسم سياسة المال من جهة التشريع والتوجيه، كمفهوم نظريّ فقط، فأشار إلى أن التشريع هدفه تكوين مجتمع صالح للرقي والنماء، حيث جعل الإسلام حق المال الزكاة، وهو قدر معلوم، كما جعل للإمام الحق في أن يأخذ بعد الزكاة ما يمنع به الضرر، وهو حق كحق الزكاة عند الحاجة إليه، موكول إلى مصلحة الأمة وعدالة الإمام، وقواعد النظام الإسلامي، أما من جهة التوجيه، فقد حبب إلى الناس أن ينسلخوا من كل مالهم وينفقوه كله في سبيل الله[17].

ثانيا: أحكام الدفاع الوطني:

الدفاع عن أراضي المسلمين هو مطلب إسلامي واجب، وله أحكام مقررة في في الفقه، فالإمام الخميني يرى أن الأحكام التي تتعلق بحفظ نظام الإسلام والدفاع عن جميع أراضي الأمة الإسلامية واستقلالها تدل على لزوم تشكيل الحكومة[18]، فالخميني وسيد قطب كلاهما يشتركان من حيث الرؤية على أن ما قام في العالم الإسلامي من أنظمة لا تمثل وجه الحقيقة للإسلام، فالخميني يلقي القصور على حكام المسلمين من حيث الإهمال وعدم الاستعداد وحشد ما أمكن من القوى المسلحة بشكل عام [19]،  وبالتالي عدم الاستفادة من نداء الله سبحانه وتعالى في قوله:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾[20].

كذلك، شيّد سيد قطب أحكام الدفاع، لكن بصورة أوسع من رؤية الخميني، حيث تتجاوز حدود الدفاع عن الوطن، بل هي دفاع عن حرية الدعوة وإبلاغها لكل زاوية في الأرض بلا عقبة، وتأمين الفرد في كل زاوية من زوايا الأرض الذي يريد أن يختار الإسلام عقيدة، وسيادة لنظام فاضل وقانون فاضل، يأمن الناس كلهم في ظله، وبالتالي، فمن اختار عقيدته ومن لم يخترها سواء[21].

ثالثا: أحكام الحقوق الجنائية:

الأحكام الجنائية أحكام تتعلق بالدولة، وهي قدر متفق عليه بين الخميني وسيد قطب، غير أن الفرق بينهما هو تقييم حالة المجتمع الراهن وإجراء الحقوق الجنائية، فالخميني يرى ضرورة وجود سلطة الحكومة لاجراء أحكام الجنايات[22]، أما سيد قطب فالمسألة تختلف عن منظور الخميني، فهو يركز على اعداد المجتمع قبل كل شىء يقول: «إن الجهد الأصيل، والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولاً إلى إقامة المجتمع الخير، وهو الذي يقوم على منهج الله قبل أن ينصرف الجهد والبذل والتضحية إلى إصلاحات جزئية، شخصية وفردية، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[23].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد - الصومال

.........................

[1] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF) ،  )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص13.

[2] - المصدر السابق، ص13.

[3] - المصدر السابق، ص17.

[4] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج4/ص110.

[5] - المصدر السابق، ج4/ص318.

[6] - المصدر السابق، ج4/ص109.

[7] - المصدر السابق، ج3/ص189.

[8] - محمد الغزالي، كفاح دين ، دار النهضة،  القاهرة،  مصر، ط1/(بدون تاريخ الطبع)، ص119.

[9] - آية الله الخميني ، الحكومة الإسلامية، (PDF) ،  )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص16-17.

[10] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج4/ص109.

[11] - آية الله الخميني ، الحكومة الإسلامية، (PDF) ،  )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص20.

[12] - المصدر السابق، ص21.

[13] - المصدر السابق، ص22.

[14] - سيد قطب، العدالة الإجتماعية في الإسلام، دار الشروق ، القاهرة ، مصر، ط13/1993م، ص117-118.

[15] - المصدر السابق، 123.

[16] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية(PDF)) بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص23

[17] - سيد قطب، العدالة الإجتماعية في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط13/1993م، ص87.

[18] - آية الله الخميني الحكومة الإسلامية، (PDF)) بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص23

[19] - المصدر السابق، ص23.

[20] - سورة الأنفال، آية:60.

[21] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج2/ص734.

[22] - آية الله الخميني ، الحكومة الإسلامية، (PDF) ، )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص24.

[23] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م، ج2/ص949

 

محمود محمد عليذكر ابن طملوس الأندلسي في كتابه "المدخل لصناعة المنطق" بأن كتب أبو حامد الغزالي وجدت قبولا عظيما لدي أهل الأندلس بسبب تبني أبو بكر بن العربي (صاحب العواصم القواصم) وتبني محمد بن تومرت لفكره أثناء تواجدهما خلال رحلة العلم إلي المشرق، فنقلو كتب الغزالي كما يذكر ابن طملوس " واختفي ما كان عساه أن يشكل شقاً لمعارضته بشدة، كما حدث بالمشرق؛ بل قد راجت كتبه، وأخذ الناس في قراءتها وأعجبوا بها وبما رأوا فيها من جودة النظام والترتيب الذي لم يروا مثله قط في تأليف، ولم يبق في هذه الجهات من لم يغلب عليه حب كتب أبي حامد الغزالي ".

ومن بين تلك الكتب كتبه في المنطق، ويظهر أن كتب المنطق قبلها لم تصل بلاد المغرب إلا نادراً، كما يفهم من كلام ابن طملوس؛ حيث يقول:" فلما أردت مطالعتها (أي كتب المنطق) لم يكن يبدي قبلها كتاب أنظر فيه، غير أني عندما تصفحت كتب أبي حامد رأيت من تلويحاته وإشاراته، التي تكاد أن تكون تصريحاً أن له فيها تأليف، فأطلعت علي هذه الكتب المذكورة من كتب أبي حامد

بعد هذه التهيئة النفسية والذهنية لتقبل المنطق وإدخاله في الدراسات الفقهية والنحوية التي استغرقت ما يقارب القرن، أصبح المنطق أحد العلوم التي تؤخذ من المشرق، حينما يرتحل أهل المغرب إليه لأجل الدراسة، وأصبح النحاة يدرسونه كسائر العلوم التي يدرسونها، وربما تكون البادرة الأولي البارزة في ذلك ما تمثل لابن السيد البطليوسي الذي تميز بثقافة فلسفية إلي جانب ثقافته اللغوية النحوية، وقد ألف في هذا الباب كتابه " الحدائق في المطالب العالية الفلسفية " وذكرت له المصادر أيضاً كتاب " شرح الخمسة المقالات الفلسفية "، وكذلك " إصلاح الخلل الواقع في الجمل" وفي هذا الكتاب الأخير تناول ابن السيد مسائل نحوية كثيرة واستخدم فيها معرفته المنطقية وتصدي بهذا النهج لكثير من علماء النحو والمنطق؛ حيث أورد تعريفات أبي القاسم الزجاجي وغيره إضافة إلي تعريفات بعض المناطقة للاسم والفعل والحرف وغيرها، واعتبر كثيراً من التعريفات قاصرة عن تحقيق الغاية لأنها لا ترقي إلي درجة التعريف بالحد وعدها من ثم تعريفات بالرسم "، ومثال هذا أن الزجاجي قد عرف الاسم بأنه ما جاز أن يكون فاعلاً أو مفعولاً أو دخل عليه حرف من حروف الجر، ويعلق ابن السيد علي هذا التعريف وغيره بأن القوم قد: "حدوا الاسم بحدود لا تستغرق أقسامه " .

كذلك تناول ابن السيد تعريفات المناطقة الاسم، فاستعرضها ورأي أنها قاصرة أيضاً عن الإحاطة بأقسام الاسم، ومثل ذلك تعريف " أبي يعقوب الكندي (185هـ-256هـ)" وجماعة من المنطقيين الذين ذهبوا إلي أن الاسم:" صوت موضوع بإتقان لا يدل علي زمان معين، وإن فرقت أجزاؤه لم تدل علي شئ من معناه ". ويقول ابن السيد:" إن هذا التعريف غير صحيح لأنه ينطبق أيضاً علي الحرف .

أما ابن المقفع فقد حد الاسم في كتابه الموضوع في المنطق بأنه " الصوت المخبر الموضوع غير المؤقت الذي لا يبين الجزء منه عن شئ من المسمي "، ويري ابن السيد أن هذا غير واضح . فإذا ما وصلنا إلي الفارابي وجدنا ابن السيد يوافق علي التعريف ويقول:" لم نر فيه لأحد من المنطقيين حداً أحسن ولا أثقف من تحديد أبي نصر الفارابي فإنه قال: الاسم لفظ دال علي معني يمكن أن يفهم بنفسه وحده من غير أن يدل ببنيته لا بالعرض علي الزمان المحصل الذي فيه ذلك المعني " . ومن هنا يقدم ابن السيد تعريفه الخاص للاسم فيقول:" الاسم كلمة تدل علي معني في نفسها غير مقترن بزمان محصل يمكن أن يفهم بنفسه ".

وننتقل إلي الفعل حيث يعترض ابن السيد علي تفسير الزجاجي للفعل، وذلك حين قسم الأفعال إلي قسمين: ماضي ومستقبل، ورأي ابن السيد في هذا مغالطة وإنكار للفعل الحاضر وتشبهاً بدعوي السوفسطائية الذين شككوا في الحقائق، ومن جملة ما شككوا فيه " الزمن " حين رفضوا وجود الحاضر، ويقول ابن السيد:" أن يقال لقائل هذا: هل أنت موجود الآن أو غير موجود فإن قال إنه موجود ولا يمكنه أن يقول غير ذلك. قيل له: أفي زمان ماضي أنت الآن، أم في زمان مستقبل ؟ فإن قال إنه في احدهما قيل له: فأنت إذن معدوم موجود في حال واحدة . ويجب أن يقال له إذا كنت موجوداً كلمناك في هذه المسألة لأنك الآن معدوم، وإن قال: ليت في ماض، ولا مستقبل أثبت واسطة بينهما، وناقض .

ويري ابن السيد أن الفرق بين الماضي والمستقبل دقيق للغابة، فالفعل الحاضر يتمتع بالديمومة، ومن ثم لا يلبث أن ينقلب إلي المستقبل ليصبح جزءاً منه ماضياً . فالزمن عنصر سيال لا يثبت علي حال ولا يجمد عند طرف .

ويقسم ابن السيد الزمان إلي قسمين: (أ) زمان نحوي: وهو القسمة المعروفة: ماضي وحاضر، ومستقبل . (ب) زمان فلسفي تكون فيه الحدود غير دقيقة إذ يتمتع بالديمومة وعدم الثبات بحيث يصير الزمان بعناصره الثلاث كانه كتلة واحدة متلاحمة الأجزاء، يصعب الفصل بينهما فيلتبس علينا وجود الحاضر، إذ يصعب استخراجه من تيار الزمن العام .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن ابن السيد يري أن المنطق وثيق الصلة بالنحو، ذلك أن "بين الصناعتين مناسبة من بعض الجهات "، ولا ينبغي أن تقودنا هذه الصلة إلي اعتبارهما متماثلين، فلكل صناعة قوانينها الخاصة، ويقص علينا ابن السيد في هذا الصدد حادثتين، الأولي: عن مسألة تنازع فيها مع الفيلسوف " ابن باجة " (المتوفي سنة 522هـ أو 523هـ ) الذي كان معاصراً حيث أخبره ابن باجة بأن قوماً من نحويي سرقسطة اختلفوا في قول "كثير":

وأنت الذي حببت كل قصير          إلي وما تدري بذلك القصائر

عنيت قصيرات الحجال ولم أرد       فصار الخطأ شر النساء البحاتر

فقال بعضهم " البحاتر" مبتدأ و" شر " خبره، وقال بعضهم يجوز أن يكون " شر النساء" هو المبتدأ و" البحاتر " خبره. وأنكرت هذا القول وقلت لا يجوز إلا أن يكون " البحاتر" هو المبتدأ و" شر النساء" هو الخبر (ضمير القول عائد لابن باجة)، فقلت له الذي قلت هو الوجه المختار، وما قاله النحوي الذي حكيت عنه جائز غير ممتنع فقال: وكيف يصح ما قال وهل غرض الشاعر إلا أن يخبر أن " البحاتر شرالنساء" وجعل يُكثر من ذكر الموضوع والمحمول ويورد الألفاظ المنطقية التي يستعملها أصحاب أهل البرهان، وكان رد ابن السيد عليه أنه لا يجوز إدخال صناعة في صناعة أخري، وفي صناعة النحو " مجازات ومسامحات لا يستعملها أهل المنطق، وهناك خصوصيات نحوية لا مكان لها في المنطق .

وصناعة النحو قد تكون فيها الألفاظ مطابقة للمعاني وقد تكون مخالفة لها إذ ا فهم السامع المراد فيقع الإسناد في اللفظ إلي شئ وهو في المعني مسند إلي شئ آخر " فجيز النحويون في صناعتهم " أعطي درهم زيداً، ويرون أن فائدته كفائدة قولهم: أعطي زيداً درهماً " فيسندون الإعطاء إلي الدرهم في اللفظ وهو مسند في المعني إلي " زيد" فهذه الألفاظ غير مطابقة للمعاني، لأن الإسناد فيها إلي شئ، وهو في المعني إلي شئ آخر . أما في القضايا المنطقية فالأمر مختلف عن هذا، فهناك قضايا تنعكس فيصير موضوعها محمولاً ومحمولها موضوعاً، والفائدة في الحالين واحدة، وصدقها وكيفها محفوظان عليها فإذا انعكست القضية ولم يحفظ الصدق والكيفية سمي ذلك انقلاب القضية لا انعكاسها مثال المنعكس من القضايا قولنا:" لا إنسان واحد بحجر "، وعكسها " لا حجر واحد إنسان" . وهذه القضية قد انعكست موضوعها محمولاً، ومحمولها موضوعاً والفائدة في الأمرين واحدة . ومن القضايا التي لا تنعكس قولنا:" كل إنسان حيوان "، فهذه القضية صادقة إذا صيرنا المحمول موضوعاً أصبحت: "كل حيوان إنسان" فعادت قضية كاذبة .

وهنا يري ابن السيد أن علم النحو تظهر فيه اختلافات ومسامحات واجتهادات ليست موجودة في علم المنطق الذي ينبني علي قواعد ثابتة مؤتلفة لا مجال لتجاوزها، وهي المشكلة التي أثارها مع ابن باجة، فبينما يريد ابن باجة أن يوحد بين قواعد النحو والمنطق، دلل ابن السيد علي أنه لا يمكن الأخذ بذلك لأنه لا يجوز إدخال قوانين صناعة في صناعة أخري، ولأن لعلم النحو خصوصية وتميز ليست لعلم المنطق، فقواعد النحو خاصة مرنة، بينما قواعد المنطق ثابتة عامة، وهذا هو نفس ما أكد عليه من قبل "أبو سليمان السجستاني (ت:380هـ) ".

وهذه الثقافة المنطقية الواسعة التي تميز بها ابن السيد قد ألقت بظلالها علي الكثير من نحاة الأندلس، ومن هؤلاء "ابن سيده"، وهو يعد أكبر عقلية أندلسية عملا في فن المعاجم، كان ممن عني بعلوم المنطق عناية طويلة؛ حيث أثرت الفلسفة والمنطق في نشاطهم العلمي.قال القاضي صاعد:"وألف فيها تأليفاً كبيراً مبسوطاً ذهب فيه إلي مذهب متي بن يونس، وهو بعد هذا أعلم أهل الأندلس قاطبة بالنحو واللغة والأشعار وأحفظهم لذلك حتي إنه يستظهر كثيراً من المصنفات فيها، كغريب المصنف، وإصلاح المنطق " .

ويتحدث ابن سيدة في معرض الفخر بما يحسنه من العلوم فيقول:" وذلك إني أجد علم اللغة أقل بضائعي وأيسر صنائعي إذا أضفته ما أنا به من علم حقيق النحو وحواشي العروض وخفي القافية وتصوير الأشكال المنطقية والنظر في سائر العلوم الجدلية التي يمنعني من الأخبار بها نبو طباع أهل الوقت، وما هم عليه من رداءة الأوضاع والمقت .

وكان أبو الوليد الوقشي الطليطلي " من المقننين في العلوم المتوسعين في ضروب المعارف من أهل الفكر الصحيح والنظر الناقد والتحقق بصناعة الهندسة والمنطق  وكانت لسعيد بن الأصفر أحد علماء اللغة مشاركة في المنطق . ولا ننسي أبا الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني فإنه كان عالماً في اللغة مشتغلاً بعلوم الأوائل وبخاصة المنطق، وكانت تجري بينه وبين ابن حزم مناظرات في بعض الموضوعات الفلسفية وعليه أطلق ابن حزم صفة الملحد.

ولا تحدثنا المصادر بشئ عن ثقافة ابن الأفليلي المنطقية الفلسفية، ولكنها تقول أن ابن الأفليلي لحقته تهمة في دينه مع آخرين من الأطباء فأخذ وسجن . ويدل نص ابن بسام حين يقول:" ولحقته تهمة في دينه "، علي أن الأمر كان متصلاً بشئ من دراسة الفلسفة والمنطق . وهؤلاء الذين يسميهم ابن بسام الأطباء لا يمكن أن نفهم سبب تتبعهم إلا أن فهمنا أن اللفظة تعني الفلاسفة أو المشتغلين بعلوم الأوائل، إذ لم يحدث أبداً أم كان الأطباء محط تهمة أو هدفاً لاضطهاد الحكام . ولا بد أن تكون هذه التهمة كذلك، أعني ذات صلة بالدراسات الفلسفية، وإلا لما استطعنا أن نوفق بين معني التهمة في الدين وبين قول فقيه محدث مثل ابن بشكوال في الثناء علي ابن بشكوال في الثناء علي ابن الافليلي:" وكان صادق اللهجة حسن الغيب صافي الضمير حسن المحاضرة مكرماً لجليسه".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

بدر الدين شيخ رشيد

مقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب (1)

جدليّة الأولويّة بالبدء في اصلاح الأمة: يتقاطع منهج اصلاح الأمة عند كل من الإمام الخميني وسيد قطب من نقطة البدء، ويلاحظ هذا التقاطع من خلال أدبيات كل منهما، حيث أن الخميني ركّز على وجود الحكومة رغم أنه لم  يهمل دور التربية وبناء العقيدة في المجتمع، فيما نلاحظ من سيد قطب أنه فضّل التربية وبناء العقيدة عن الحكومة، ولعل الفرق بينهما من حيث الأولوية في البدء، لا التغاضي عن أهمية الجانب الآخر للتكامل بينهما، فوجود الحكومة لايستغني عن التربية، كما أن إيجاد التربية لا يستغي عن الحكومة.

ورؤية سيد قطب في منهج اصلاح المجتمع مرّت باجتهادات مختلفة، فالرأي المتقدم، يعتبر اجتهادا جديدا، حرره في  كتاباته الأخيرة، مثل: «الظلال»، و«معالم في الطريق»، وهناك رأي آخر يبدو أنه كتبه في أوائل فكره قبل أن يتبنى الأيدلوجية الأصوليّة، يوافق فيه رأي الإمام الخميني في أهمية الحكومة في إصلاح المجتمع، فقد نقل عنه الإمام الخامئنى مرشد الثورة الإسلامية حاليا. يقول سيد قطب:« كان من الأفضل والأجدر للمسلمين، بدلاً من أن يكتبوا كل هذه الكتب، وبدلاً من أن يبثوا كل هذه الخطابات الإعلامية، وبدلاً من أن يعملوا على إدارة كل هذه المساجد، كان من الأفضل لهم بدلاً من ذلك كله، لو أنهم كانوا قد فعلوا ما من شأنه أن يساهم في نشر الإسلام وفي تعميم الثقافة الإسلامية، فلو أنهم كانوا قد عملوا في هذا الإتجاه لكان هذا خيراً لهم من كل ما يفعلونه»[1].

ويعلق الإمام علي الخامنئي على كلام سيد قطب، فيقول:«لقد اختبرنا نحن هذه الحقيقة وجربناها وعاينا آثارها عن كَثَبَ، فإنه حينما تأسس النظام الإسلامي، وحينما سمعنا هتافات الإسلام تصدر من حنجرة ذلك الرجل العظيم، أعني به: إمامنا الجليل روح الله الموسوي الخميني، شاهدنا إقبالاً عجيباً وتوجهاً باهراً لقلوب كل المسلمين في هذا العالم نحو الإسلام»[2].

ولعل الاختلاف في بنية المجتمع الشيعي عن السني من جهة التكوين السياسي منذ وفاة الرسول صلى الله عليه، هو الذي أدى إلى اختلاف نقطة البدء في تغيير المجتمع عند كل من  الخميني وسيد قطب، فمنهج الشيعة متأصّل على ضرورة وجود الحكومة، وهذه الضرورة تستلزم تشكيل الحكومة بيد الرسول صلى الله عليه وسلم، عكس رؤية أهل السنة القائمة على وجود الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بيد الأمة.

إن تركيز سيد قطب على الأمة ناتج عن الفصام المبكر بين العلم والسياسة في صدر الإسلام، إضافة إلى ضباب دور علماء السنة في السياسة، عكس علماء الشيعة الذين كانوا دائما في معترك الحراك السياسي مع الحكام الجائرين تأسّيا بثورة الإمام الحسين ضد حكم يزيد بن معاوية.

كما ينبغي أن نشير إلى أن الأولوية بين الأمة والحكومة عند كل من الخميني وسيد قطب، هي أولويّة مكانة، كما أنها أولويّة زمان ومراحل، فمكانة الأمة مقدمة عن مكانة الحكومة؛ لأن الأخيرة ما هي إلا إفراز طبيعي من الأمة، وبالتالي فمنظومة الشيعة بدأت أهمية الأمة ودورها منذ أن تغير الحكم إلى حكم وراثي استبدادي، ولهذا تجد أن أئمة الشيعة ركزوا جهودهم على تفعيل التربية وبناء العقيدة في المجتمع  الشيعي، وذلك بعد فشل ثورة الحسين بن علي رضي الله عنه، فيما نجد  من جهة علماء السنة  أن بعضهم اقتصر جهده ودوره على نصيحة الحاكم الجائر، ومنهم من ابتعد عنهم حفاظا على دينه وعقيدته.

ولعل هذا ما نلاحظه  عند الشيعة بدءا من الإمام الرابع علي بن الحسين( زين العابدين)، إلى آخرهم المهدي، إذا استثنينا الإمام الثامن الذي رُشِّحَ إلى وليّ العهد لخليفة المأمون، إلا أنه  توفي في أثناء حياة المأمون.

وعلى هذا الأساس، فكل أئمة الشيعة بعد ثورة الحسين بن علي بذلوا الجهد لإصلاح الأمة وتربيتها وبناء العقيدة، ويتجلى هذا الأمر جليّا في عهد الإمام السادس جعفر الصادق، عند ما عرض أبو مسلم الخراساني  عليه الدولة ، وذلك بعد سقوط الدولة الأموية إلا أنه رفض وقال: ليس الزمان زماني ولا أنت من رجالي[3]،  وهذه تدل على تفضيل أئمة الشيعة بناء الأمة عن الحكومة؛ لأنه لو كانت الحكومة المحور الأساسي لتغيير المجتمع، لقبل الإمام جعفر الصادق هذا العرض من مسلم الخراساني.

إن رؤية سيد قطب الأنظمة التي كانت في عصره انعكاس بموقف الإمام جعفر الصادق في عصره، حيث اعتبر الحكم الأمويّ حكما طاغوتا، وأفتى للشيعة عدم التحاكم إليهم، وهذا ما نجده  فعلا، يتجسد في أفكار سيد قطب نحو الأنظمة السياسية في عصره وخاصة في ثورة 23 يوليو، حيث اعتبرها حكما طاغوتا مثل موقف جعفر الصادق من الحكم الأموي[4].

وهكذا، ركّز سيد قطب على إعداد الطليعة المؤمنة، أعني، جيلا قرآنيا يستقي تربيته من القرآن الكريم، فهذه الطليعة تدعو إلى جيل  قرآني فريد يمارس القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهديه العملي وسيرته الكريمة كمنهج وطريق إلى دعوة الله؛ لأن القرآن هو الأصل الذي تربى عليه جيل محمد صلى لله عليه وسلم، وهو الذي سيكفل استمرار الدعوة في الأجيال اللاحقة بعده إلى يوم الدين بغض النظر عن وجود شخصيته صلى الله عليه وسلم؛لأنه« لوكان وجود شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم حتميّا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمارها ما جعلها الله دعوته للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض إلى آخر الزمان»[5].

هذا، وأشار سيد قطب إلى أهمية القرآن لكونه المنبع الصافي الذي استقى منه الرعيل الأول الذي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث فسّر أن سر ظاهرة استمرارية هذا الدين وهذه الدعوة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو استقاء هذا الجيل من هذا المنبع الصافي، حيث لم يكن مربوطا بوجود شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فهناك عنصران مهمّان لنشأة الجيل القرآني الفريد في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، عند سيد قطب:

الأول: اكتفاء الجيل الأول بهدي القرآن وحده حيث اعتبروه منهجا وسلوكا.

الثاني: كون الرسول صلى الله عليه وسلم، مصدر التلقي في بيان هدي القرآن.

فسيد قطب ذكر أنه لم يعد يخرج مثل طراز جيل النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، يرى أنه وُجِدَ أفراد من ذلك الطراز في التاريخ الإسلامي لكنه لم يحدث أن تجمع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة[6]،  فهو يرجع إلى  عدم تكرار مثل الرعيل الأول إلى ثلاثة عوامل:

الأول- اختلاط النبع الذي استقت منه الأجيال التالية بفلسفة الإغريق ومنطقهم وأساطير الفرس وتصوراتهم وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات، حيث اختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام،كما اختلط بالفقه والأصول وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل.

الثاني: تغير منهج التلقي الذي كان عليه في ذلك الجيل الفريد، فهم لم يكونوا يقرءون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع ولا بقصد التذوق والمتعة، بل كان قصدهم العمل فيما تلقوا فيه من أوامر.

الثالث: الجيل الأول كان الرجل منهم عند ما يدخل في الإسلام يخلع جميع الرواسب الجاهلية وكان يبدأ عهدا جديدا منفصلا عن حياته التي عاشها في الجاهلية[7].

فالظاهر أن العامل الرئيسي هو عدم وجود مرجعية دينية تقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وهذه العوامل التي ذكرها سيد قطب كلها منبثقة من هذا العامل الرئيسي، فمثلا، اختلاط المنبع الصافي بفلسفات الأمم الأخرى كان سببا لغياب تلك المرجعية، والتي لها المقدرة على الفهم والاستنباط من القرآن، وتمييز غيرها من المذاهب المنحرفة، فبعد اتساع رقعة الإسلام ودخول الأمم الأخرى كالروم، والفرس، واليهود، في الإسلام، بدأ هذا الاختلاط، وخاصة في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما، فهناك ستة عوامل رئيسية أدت إلى ظهور الفرق بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم.

غير أننا نكتفي بإيراد العامل الرابع لما له من علاقة  تخص بحثنا هذا من حيث اختلاط النبع الصافي بفلسفات الأمم الأخرى، وهذا العامل هو إفساح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما.

وكان هذا التحدث من الأحبار والرهبان نتيجة لمنْعِ تدوين السنة في عهد مبكر، وقد فسح هذا التحدث عن التوراة والإنجيل انتشار الفوضى في العقائد، والأعمال، والأخلاق، والآداب، وصميم الدين ، ولباب الأُصول؛ لأنّ الفراغ الذي خلفه منْعُ تدوين الحديث أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية، وسخافات مسيحية، وأساطير مجوسية، خاصة من ناحية كهنة اليهود، ورهبان النصارى، الذين افتعلوا أحاديث كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما افتعلوا على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم الأساطير[8].

ومن هنا أشار ابن خلدون إلى سبب هذا الاختلاط، وهو أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك[9].

نقد الذات وكشف مكر الأعداء:

انتقد كل من الإمام الخميني وسيد قطب  أوضاع العالم الإسلامي، ويتركز نقد الخميني على رجال الدين أو ما يعرف برجال الحوزة، كما انتقد أيضا دور الاستعمار، بينما تركّز نقد سيد قطب على المجتمع ككل، فيما يطلق عليه بالجاهليّة، بالإضافة إلى نقده لدور الاستعمار في تخلف العالم الإسلاميّ.

فالخميني اعتبر رجال الدين في الحوزات العلميّة عاملا أساسيا ساهم في تخلف العالم الإسلامي، وذلك يتنافى  مع ما عرف من الإسلام أنه«دين المجاهدين الساعين للحق والعدالة، دين أولئك الذين ينشدون الحرية والاستقلال، إنه عقيدة المناضلين والمعادين للاستعمار»[10].

كما أن عملاء الأجانب، أخذوا يبثون أن الإسلام ليس فيه شيء، وأنه مجموعة من أحكام الحيض والنفاس وأن على رجال الدين الاقتصار على تدريس الحيض والنفاس، فأثرت تلك الدعاية  على الطبقة المثقفة، سواء من الجامعيين أو الكثير من رجال الدين الذين لم يفهموا الإسلام جيدا، فأصبح الإسلام يعيش بين شعوب الدنيا بغربة، حتى وصل الأمر إلى أنه «لو أراد الإنسان أن يعرض الإسلام كما هو، فلن يصدقه الناس بسرعة، بل تواجهه أصوات الاستعمار في الحوزات بالضجيج والغوغاء»[11].

فالإمام الخميني يشرح الأسباب التاريخية التي ساعدت على تدهور العالم الإسلامي عموما، والحوزات العلمية خصوصا، حتى وصل الأمر إلى ما هي عليه من الأوضاع الراهنة، ومن أهم تلك الأسباب دسائس اليهود التي مارسوها ضد النهضة الإسلامية منذ بدايتها، ثم ما تلى ذلك من طوائف أخرى أخذت باسم الحروب الصليبية منذ ثلاثة قرون، ولم يكن هدفهم أساسا، إبعاد الناس عن الإسلام لتقوية النصرانية، بل كان تمهيدا لمطامعهم الاستعمارية، وعلى هذا الأساس، فعند ما شعروا طوال فترة الحروب الصليبية أن الذي يقف أمام مصالهم المادية، هو الإسلام وأحكامه وإيمان الناس به، قاموا بالدعاية ضد الإسلام بمختلف الوسائل، وقد تعاونوا في ذلك مع رجال الدين الذين أوجدوهم في الحوزات العلمية، بالإضافة إلى العملاء الذين يعملون في الجامعات والمؤسسات الإعلامية الحكومية، والمستشرقين[12].

بالإضافة إلى ذلك، يشيد الخميني بمقاومة الاستعمار والأنظمة الفاسدة المتعاونة معهم من خلال فضح خططهم ومؤآمراتهم ومقاطعتهم الاقتصادية، وبالتالي القيام بالثورة ضد حكّام  الجور[13].

أما نقد سيد قطب، فيتركز على الجاهلية، وهي حاكمية البشر للبشر وهي شذوذ عن الوجود الكوني وتتصادم مع الجانب الفطري، وهي ليست نظرية مجردة، بل إنما تتمثل دائما في تجمع حركي، متمثلة في مجتمع خاضع لقيادة هذا المجتمع [14].

فالمجتمعات عند سيد قطب هي: إما مجتمعات إسلامية أو جاهلية. فالمجتمعات الإسلامية  هي التي يطبق فيها الإسلام: عقيدة، وعبادة، وشريعة ونظاما وخلقا وسلوكا، أما المجتمعات الجاهلية فهي التي لا يطبق فيها الإسلام ولا تحكم عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه[15].

وتدخل المجتمعات الجاهلية عند سيد قطب في كل من المجتمعات الشيوعية، واليهودية والنصرانية، والمجتمعات المسلمة، ويعلل سيد قطب كون المجتمعات المسلمة تدخل ضمن إطار المجتمعات الجاهلية؛ لكونها لا تدين  بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله، لكنها تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله فتدين بحاكمية غير الله، وبناء على هذا، فهي تتلقى من هذه الحاكميّة نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها وعاداتها وتقاليدها وكل مقومات حياتها[16].

هذا، وأكد  سيد قطب- كالخميني- أن أعداء هذا الدين وأعداء الجماعة المسلمة من اليهود والنصارى والوثنيين على مدار التاريخ،  قد ناصبوا الإسلام العداء وحاربوه حربا لا هوادة فيها، منذ أن اصطدم الإسلام بالدولة الرومانية على عهد أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى كانت الحروب الصليبية، ثم كانت المسألة الشرقية التي تكتلت فيها الدول الصليبية في أرجاء الأرض للإجهاز على الخلافة،  وبالتالي كان الاستعمار الذي يخفي الصليبية بين أضلاعه،  قد بدت في فلتات لسانه، إلى أن أصبح التبشير الذي مهد للاستعمار وسانده، ولاتزال حملاته المشبوهة، والتي يشترك فيها اليهود والنصارى والكفار والوثنيون، على كل طلائع البعث الإسلامي في أي مكان في الأرض، [17].

من جهة أخرى، انتقد الخميني وسيد قطب الحكم الوراثي الذي ابتدعه معاوية بن أبي سفيان في الإسلام، حيث اعتبر الخميني أنه ليس من نمط الحكم في الإسلام؛ لأنه أبطل في صدر الإسلام، وذلك ضمن الرسائل التي بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى كل من إيران، وبلاد الروم الشرقية، ومصر، واليمن، والتي دعا إليها كلا:من إمبراطور الروم الشرقية هراكليوس، وملك إيران خسرو الثاني، التخلي عن نمط الحكومة الملكية، كما استشهده أيضا بثورة سيد الشهداء الحسين بن علي ضد يزيد بن معاوية  على نفي الحكم الوراثي  وأنه ليس من الإسلام[18].

وهكذا، اعتبر سيد قطب أن الحكم الوراثي ليس من النظام الإسلاميّ، بل هو من وحي الجاهلية الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامية، فهو من النظام الوراثي الذي ابتدع في الإسلام[19].

ومن هنا، أكد سيد قطب مبدأ الاختيار، حتى وإن أختير المفضول، فهو يقرر انطلاقا من مبدأ الاختيار، تقديم عثمان بن عفان، على علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، رغم أنه يرى أن عليا قد غُبِنَ في تقديم عثمان عليه، يقول سيد قطب:«وقد يكون علي قد غبن في تأخيره وخاصة بعد عمر، ولكن هذا التأخير كان له فضله في التقرير العملي لنظرية الإسلام في الحكم، حتى لا تقوم عليها شبهة من حق الوراثة، الذي هو أبعد شيء عن روح الإسلام ومبائه»[20].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد  إبراهيم

........................

[1] - علي محسن، مفهوم الحكومة الدينية في رأي الإمام الخميني، ( تاريخ النشر، 15-2-2001م)، أنظر الرابط:

http://www.islamtimes.org/vdcawonm.49ny61kzk4.txt

[2] - المصدر السابق، أنظر الرابط:

http://www.islamtimes.org/vdcawonm.49ny61kzk4.txt

[3] - محمد بن عبد الكريم الشهرستاني،  الملل  والنحل، تحقيق، محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط1404، ج1/ص149.

[4] - أبو الصلاح الحلبي، الكافي للحلبي، تحقيق، رضا أستادي، مكتبة الإمام أمير المؤمين علي بن أبي طالب، أصفهان، إيران،(بدون تاريخ النشر)، ص424.

[5] - سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة ، مصر، ط1/1981م، ص15.

[6] - المصدر السابق،ص14.

[7] - المصدر السابق، ص17-20.

[8] - جعفر  السبحاني،  بحوث في الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامي، قم،  إيران، ، ط4/1417ھ، ج1/ص78.

[9] - عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون،  المقدمة، دار احياء التراث العربي بيروت، لبنان،  ط3/1993م، ص252

[10] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF)،  )بدون تاريخ  الطبع والناشر)،ص2.

[11] - المصدر السابق، ص3-4.

[12] - المصدر السابق،ص1-2.

[13] - توفيق محمد الشاوي،  فقه الحكومة بين السنة والشيعة،  بمراجعة أ. محمود نفسي حمدي، منشورات العصر الحديث، كوبون هيك، ديناميك، ط1/ 1995م، ص137-143.

[14] - سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط1/1881م،ص54.

[15] - المصدر السابق،ص116.

[16] - المصدر السابق،ص98-101.

[17] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر،  ط2/1997م،  ج2/ص292.

[18] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية،(PDF) ) بدون تاريخ  الطبع والناشر)، ص5-6.

[19] - سيد قطب، العدالة الإجتماعية في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط13/1993م، ص154-155.

[20] - المصدر السابق،ص154.

 

محمود محمد عليما زلت علي يقين بأن الجهد الذي قام به الغزالي في سبيل مزج المنطق بالفقه، وبقطع النظر عن قيمته الموضوعية، وبقطع النظر عن مدي تناسق دعوته هذه مع موقفه العام من الفلسفة اليونانية الذي رفض فيه إلهياتها، وجانب من طبيعياتها . في حين أن المنطق مقدمة لهما فهو مشترك معهما في الروح العامة التي تناقض في عمومها الروح الإسلامية في انبنائها علي الإلحاد وميلها إلي التجديد، وبقطع النظر عن ذلك كله، فقد كان له من النجاح في إدخال المنطق إلي حظيرة العلوم الإسلامية ما جعل تاريخ هذا العلم في الثقافة الإسلامية ينقسم إلي عهدين: عهد الرفض الذي بدأ به واستمر بعده، فمنذ أواخر القرن الخامس الهجري اتجه الكثير من مفكري الإسلام علي اختلاف تخصصاتهم إلي دراسة المنطق اليوناني، وخلطوه بأصولهم وتكلموا فيه بما يطول ذكره .

غير أن هذه الغزالية إلي المنطق، وإن حظيت بالقبول الذي يكاد يكون تاماً عند بعض الفئات من المفكرين، المتكلمين، فإنها عند فئات أخري كانت أقل حظا كما يتجلي في موقف الفقهاء .

وسوف أعرض هنا لموقف كل ابن الصلاح وابن تيمية، ليتضح لنا مدي توافق أو اختلاف هذين، وأيها كان مؤيداً، وأيهما كان معارضاً لتوجه الغزالي .

ففي المشرق العربي، نجد دعوة الغزالي قد أحدثت شقاقاً في مواقف الفقهاء بخصوص المنطق، ففريق بقي علي موقف الرفض للمنطق، ولكنه رفض أكثر حدة وأشد شوكه وأصوي تركيزاً من الرفض الذي وقفه الإمام الشافعي من قبل، وكأنما هو رد فعل جاء في قوة الفعل الذي قام به الغزالي .

وقد ابتدأ بجملة نقدية شديدة ضد الغزالي نفسه في مجموع تفكيره، وعلي الأخص من جهة المنطق والتصوف، ثم انجلي فيما يخص المنطق علي مظهرين أثنين:

المظهر الأول:  اتجه فيه الرفض إلي نقد خارجي ظهر في شكل فتاوي بتحريم المنطق والاشتغال به وإدخال في أي علم من العلوم الإسلامية، وذلك باعتبار أنه يناقض الشريعة وأصولها، ويؤدي إلي الخطأ فيها، وقد بلغ هذا التجاه ذروته عند " تقي لدين عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشهرزوري (677هـ - 643هـ)، حينما أصدر فتواه الشهيرة بتحريم المنطق والاشتغال به وبالفلسفة تعلماً وتعليماً.

فتساءل: هل أباحه واستباحه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون؟ وهل يجوز استخدام الاصطلاحات المنطقية أم لا في إثبات الأحكام الشرعية، وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلي ذلك في إثباتها أم لا ؟..

وما الواجب علي من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهراً به ؟ وما الذي يجب علي سلطان الوقت في أمره ؟ وإذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروف بتعلمها وأقرانها والتصنيف فيها – فهل يجب علي سلطان البلد عزله وكفاية الناس شره؟ .

وقد اجاب ابن الصلاح علي هذا بأن:" المنطق مدخل الفلسفة – والفلسفة شر ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشرع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدون والسلف الصالح وسائر ما يقتدي به .

ثم يجيب ابن الصلاح عن النقطة الثانية من السؤال، وهي استخدام الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الفقهية فيقول:" إنها من المنكرات المستشعه والرقاعات المستحدثة، وليس بالأحكام الشرعية افتقار إلي المنطق أصلاً وما يزعمه المنطقي بالمنطق من أمر الحد والبرهان ففقائع قد أغني عنها الله كل صحيح الذهن، ولا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية . ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والرقائق علماؤها، حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه المنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشطان.

وكان من نتيجة هذه الفتوي تحريم النظر في كتب أصول الفقه التي مزجت فيها الأصول بالمنطق مثل:" البرهان " للجويني، و" المستصفي" للغزالي، وغيرهما من الكتب الأصولية الهامة .

وهناك فتوي لابن الصلاح تثبت هذا تمام الإثبات، فقد سئل عن كتاب من كتب الأصول ليس فيه شئ من علم الكلام ولا من المنطق، ولا ما يتعلق بغير أصول الفقه: هل يحرم الاشتغال به أو يكره ؟ وفي الواقع أن المقصود بهذا السؤال هو الجانب السلبي من المسألة، أي عدم إباحة دراسة كتب الأصول الممزوجة بالمنطق . أجاب ابن الصلاح بأن كتب الأصول إذا خلت من منطق أو فلسفة فمن المعلوم دراستها .

ويستطرد ابن الصلاح فيضن فتواه بأن علي ولي الأمر أن يخرج معلمي المنطق الأرسطي من المدارس، وأن يعرضهم علي السيف حتي يستتبوا.

تلك هي عناصر فتوي ابن الصلاح، كان لها من الأثر البالغ في العالم الإسلامي ؛ حيث يأخذ بها كل من خاصموا المنطق والفلسفة بعد ذلك . ومن هؤلاء مثلاً " طاش كبري زاده" ( ت: 962هـ) الذي يقول:" وإياك أن تظن من كلامنا هذا أو تعتقد أن كل ما أطلق عليه اسم العلم، حتي الحكمة المموهة التي اخترعها الفارابي وابن سينا ونقحها نصير الدين الطوسي ممدوحاً، هيهات هيهات .. إن ما خالف الشرع فهو مذموم، ولا سيما طائفة سموا أنفسهم حكماء الإسلام، عكفوا علي دراسة ترهات أهل الضلال وسموها الحكمة، وربما استهجنوا من عدي عنها وهم أعداء الله وأعداء أنبيائه ورسله والمحرفون كلام الشريعة عن مواضيعه .

ومن آثار فتوي ابن الصلاح ما أصاب أحد كبار الأشاعرة وهو " الإمام سيف الدين الآمدي" من جزاء اتهامه بالفلسفة والمنطق، فقد كان واسع الاطلاع في العلوم الدينية والعلوم القديمة علي السواء، وقد نزل في القاهرة وتولي تدريس العلوم الشرعية فيها، ولكن شهرته بالاشتغال بالفلسفة والمنطق قد آذته كثيراً رغم أنه كان لا يدخل شيئاً من العلوم الفلسفية في دراسته، حين اتهم بأنه فاسد العقيدة يقول بالتعطيل، ويذهب مذهب الفلاسفة، وقد كتب بهذا محضر وقع عليه الكثيرون وأعلنوا استباحه دمه، ولكنه فر إلي الشام وقام بالتدريس في مدرسته بدمشق فأتهم به في القاهرة، وعزل من منصبه.

ولقد حرم المنطق علي المسلمين بعد فتوي ابن الصلاح، ولكن اشتغال الغزالي به خفف من أحكام خصومه علي المشتغلين به، فمن ذلك " عبد الوهاب السبكي" (ت: 771هـ)، الذي لم يحل المنطق كلية، بل أتي برأي بين التحليل والتحريم ؛ حيث يقول:" والذي نقوله نحن أنه حرام علي أنه لم ترسخ قواعد الشريعة في قلبه ويمتلئ جوفه من عظمه هذا النبي الكريم وشريعته ويحفظ الكتاب العزير، وشيئا كثيراً جداً من حديث النبي صلي الله عليه وسلم علي طريقة المحدثين، ويعرف من فروع الفقه ما فيه يسمي فقيها مفتياً مشاراً إليه من أهل مذهبه إذا وقعت حادثة فقهية، أن ينظر في الفلسفة، وأما من وصل إلي هذا المقام، فله النظر فيها للرد علي أهلها ولكن بشرطين: أحدهما: أن يثق من نفسه بأنه وصل إلي درجة لا تزعزعها رياح الأباطيل وشبه الأضاليل وأهواء الملاحدة . والثاني: أن لا يمزج كلامهم بكلام علماء الإسلام، فلقد حصل ضرر عظيم علي المسلمين بمزج كلام الحكماء بكلام المتكلمين وأدي الحال إلي طعن المشبهة وغيرهم من رعاع الخلق في أصحابنا وما كان ذلك في زماننا وقبله بيسير منذ نشأ "نصير الدين الطوسي" ومن تبعه لأحياهم الله . فإن قلت: فقد خاض حجة الإسلام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي في علوم الفلسفة ودونوهما وخلطوها بكلام المتكلمين فهل لا تنكر عليهما ؟ قلت إن هذين إمامان جليلان ولم يخض واحد منهما ف هذه العلوم، حتي صار قدوة في الدين وضربت الأمثال باسمهما في معرفة علم الكلام علي طريقة أهل السنة والجماعة .. فمن وصل إلي مقامهما لا يلام عليه النظر في الكتب الفلسفية، بل هو مثاب مأجور .

وقد تواصل هذا الاتجاه النقدي حتي وصل إلي " جلال الدين السيوطي" فألف كتابه " صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام" . ويقول في مقدمته:" وقد رأيت أن أصنف كتاباً مبسوطاً في تحريم المنطق علي طريقة الاجتهاد والاستدلال جامعاً مانعاً وبالحق صادعاً" .

ومما يكن من سداد هذه النظرة أو عدم سدادها فيظهر أن سببها كان نفسياً إلي حد كبير، فإن هؤلاء قد تكون لهم حس مرهف بمنهج الفكر الإسلامي القائم علي النظر إلي الواقع والانطلاق منه وذلك بما لهم من كثرة الممارسة للعلوم الشرعية، فلما رأوا هذا المنطق ميالاً إلي التجريد تناقض مع ذلك الحس عندهم ولما رأوه علي شئ من العلاقة بميتافيزيقيا اليونان قام ذلك لديهم مقام الدلالة علي مخالفته للشرع، فأصدروا تلك الفتاوي بتحريمه .

المظهر الثاني: فقد اتجه فيه الرفض إلي نقد داخلي تناول المنطق ذاته، وحلل مسائله وأوضح ما تنطوي عليه من الخطأ والقصور والمغالطات .

وقد بلغ هذا الاتجاه مداه عند الإمام " تقي الدين ابن تيمية " الذي درس المنطق دراسة مستفيضة، وتفطن إلي مواطن الضعف فيه، فألف كتاباً في نقده سماه " نصيحة أهل الإيمان في الرد علي منطق اليونان"  أو " الرد علي المنطقيين " وكتاباً آخر سماه " نقض المنطق "، وفي هذين الكتابين يبين ابن تيمية نقده للمنطق الأرسطي بقوله:" اعلم أنهم بنوا المنطق علي الكلام في الحد ونوعه، وقالوا لأن العلم: إما تصور وإما تصديق . فالطريق الذي ينال به التصور هو الحد، والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس، فنقول الكلام في هذا يقع في أربع مقامات: مقامان سالبين، ومقامان موجبين . فالأولان في قولهم: أن التصور لا ينال إلا بالحد . والثاني: أن التصديق لا ينال إلا بالقياس والآخران في أ، الحد يفيد العلم بالتصورات، وان القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات .

فالمقامان السالبان ينفيان الطرق التي يسلكها غير المناطقة في التوصل إلي التصور والتصديق . ويري ابن تيمية أن: كل هذه الدعاوي كذب في النفي والإثبات فلا ما نفوه من طرق غيرهم كلها باطل ولا ما أثبتوه من طرفهم كلها حق علي الوجه الذي أدعوا فيه .

ثم يبدأ ابن تيمية بنقد كل مقام من هذه المقامات الأربع، ولكن ابن تيمية لا يلتزم ترتيباً معينا في نقد كل من المقام السالب والمقام الموجب للحد والقياس – فمثلاً في نقده للمقام السالب للحد لا يورد شيئا من آرائه الخاصة عن الحد كما يفهمه المسلمون، بل يجعل هذا المقام نقداً حرفياً للحد الأرسطي . وفي المقام الموجب للحد يورد ابن تيمية آرائه عن الحد . ولكنه في المقام السالب للقياس يورد أغلب آرائه عن صور الاستدلال القرآني – ويفرد معظم المقام الموجب في نقد القياس وغيره من صور الاستدلال الأرسطي .

وإلي جانب هذا الفريق الرافض للمنطق وجد فريق آخر من الفقهاء، كان أكثر موضوعية وتعمقاً ؛ حيث رأوا في دعوة الغزالي وجاهة، وميزوا في المنطق بين وجهه المنهجي الصرف، وبين وجهه الميتافيزيقي ؛ فاعتبروه من الوجه الأول ليس فيه ما يخالف الشرع، فاتجهوا إليه بالدراسة، وأفردوه بالتأليف، وأدخلوا في بحوثهم الأصولية والفقهية، وجعلوا مقدمات لكتبهم فيها .

ففي الشام وبخاصة " دمشق "، ظهر الإمام " سراج الدين الأرموي "، الفقيه الشافعي، فألف في أصول الفقه  " التحصيل من المحصول "، وألف في الفقه " شرح الوجيز للغزالي "، وألف في المنطق " بيان الحق " و " مطالع الأنوار " و" المنهاج".

وفي مصر ظهر القاضي الشافعي " أفضل الدين محمد بن ناماورا الخونجي (570هـ - 646هـ)، فألف في المنطق " كشف الأسرار عن غوامض الأفكار" و" الموجز" و" الجمل"، كما ظهر بمصر أيضاً " أبوعمرو جمال الدين عثمان ابن عمرو ابن الحاجب (570هـ - 649هـ) الفقيه المالكي، فألف في الفقه " جامع الأمهات " وفي أصول الفقه " منتهي السول في علمي الأصول والجدل "، وقد قدم لهذا الأخير بمقدمة في المنطق بسط فيها مسائل كلا من قسمي التصور والتصديق .

وظهر بعد ذلك بمصر أيضاً " أبو عبد الله محمد ابن سليمان الكافيجي " (788هـ - 879هـ) الذي انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، فعمل علي تخريج مسائل الفقه علي قواعد المنطق مما كان سبباً في نزاعات مع أصحاب النزعة الرافضة للمنطق، كما يروي ذلك تلميذه " جلال الدين السيوطي"، إذ يقول:" وقد علم الناس ما كان يقع بين شيخنا المذكور في الخطبة ( يعني الكافيجي)، وبين فقهاء الحنفية من كثرة التنازع والاختلاف في الفتاوي والفقهية – ونسبتهم إياه إلي أنها غير جارية علي قوانين الفقه، وما ذلك إلا لكونه، كان يخرجها علي قواعد الاستدلال المنطقي" .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

إذا نظرنا إلى مسألة الإمامة عند الأشاعرة، فإننا نجد أنها كانت مسألة أصوليّة في صدرها الأول، أى عصر خلفاء الراشدين. ثم أخذت تتكيف مع تداعيات الظروف السياسية التى غيّرت مجرى الحكم من نظام إختياريّ إلى نظام ملكيّ إستبداديّ عضوض عند المسلمين.

فإذا أخذنا مثلا رؤية (Hamilton A.R. Gibb)، حول نظرية أهل السنة في الخلافة، نجد أنه يشير  إلى أن مفهوم نظرية الإمامة عند أهل السنة يرجع إلى تصور القاضى الماوردي[ت:450ھ/1058م]، حيث تعتبر نظريته المرجعيّة الحقيقية لعقيدة أهل السنة في الإمامة. فمن وجهة نظريّة الأشاعرة المبنيّة بأصولية الإمامة، تنطلق من مفهوم «الأمة» وأن الأمة هي المسؤؤلة عن حفظ الشريعة وصيانتها. ويحدد مفهوم «الأمة» أهل الإجماع(consensus’s people)  وهم الفقهاء(jurists). ومن عملهم صياغة المؤسسات التشريعيّة السياسية لكل جيل. وعلي هذا فالخلافة التى تتم عن طريق أهل الإجماع تعتبر رمزا وحفظا للشريعة[1].

وبهذا الإعتبار قرر الفقهاء أن الخلافة الشرعية إنتهت منذ وقت الخلافة الراشدة. وأن الحكم الأموي والعباسي لم يكونا يتمتعان بشرعية صحيحة. وهذه الفكرة وجدت قبولا نسبيا لدى المعتزلة والماتريدية القائلين، بأن على المجتمع السنىّ  إيجاد حاكم يمثّل الشريعة، وذلك بسبب الإنفصال الحاصل بين الحكم والشريعة.

إلا أن صعوبة إيحاد خلافة شرعية  ثمثل الشريعة والحكم معا، أضطرّ عند بعض الأشاعرة القبول بالحكم المؤقت(temporal power) كما ذهب إليها  بدر الدين ابن جماعة [ت:733ھ/1332م]. ويبدو أن أصل هذه الفكرة قد أقتيس من الإمام الإيجى[ت:756ھ/1355م]، والذى صرح بإنتهاء الحكم  الشرعي الإسلامي منذ الخلفاء الراشدين.

غير أن معضلة فكرة الحكم المؤقت عند الأشاعرة أصبح واقعا ملموسا، إلى أن أقترح بفكرة (philosophical and semi-shiites circles))، المتأثرة على النظرية الميثالية الأفلاطونية، والتى تعنى  فيلسوف الحاكم (philosopher’s-King) أى حاكم المسلم. وذلك للتدبير في شؤون الأمة تحت إرشاد  حكمة الفيلسوف(philosopher’s Wisdom). وهذه الفكرة لم تجد قبولا مرضيا عند المتكلمين(theologians).

وقد أُعْتُبِرت تلك الفكرة تواصلا نسبيا في التطور النظري بين الأدب العربي والفارسي كما أشار إليه الأستاذ ثوماس أرنولط (Thomas Arnold). هذا وقد أنجز هذا التواصل بعد تجريده من مفهوم التصوف ودمجه في الفكر السنىّ المحافظ (Orthodox Polotico- Sunnism).

فطور بعض فقهاء الأشاعرة تلك الفكرة، وذلك لمارسة قواعد مفيدة في السياسة الدينية،(Polotic-religious)، من خلاق المفهوم العقليّ الذى أصبح مألوفا عند الشرق في بلاد المسلمين، وخاصة بعد ظهور الإمام ابن خلدون المالكيّ[ت:808ھ/1405م] في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، حيث صرح أن:«الحكومة الملكيّة ليست إلا خلافة الله في الأض لتنفيد أمره بين الناس»[2].

ثم جاء بعده بقرن، القاضي جلال الدين محمد بن أسعد الصديقي الدواني الشافعي[ت:908ھ/1502م]، فأصبحت نظريّته مقبولا لدى الشرق من خلال كتاباته، وخاصة إعتناؤه في شرح العقائد العضدية للقاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجى المتوفى سنة:[756ھ/1355م]

وينبغي أن نفهم بدقة أنّ هناك فرقا واسعا بين النظام الملكي العلمانيّ  والخلافة، عند كل من ابن خلدون والقاضي جلال الدين الداواني، بحيث يستحق أن يطلق  إسم الخليفة  أو الإمام فقط على الإمام العادل الذى يطبّق الشريعة. وبناء على ذلك، فالتعارض الموجود فى مفهوم بِنْية الإمامة عند الأشاعرة، يمكن أن يفسر: أن الخلافة الحقيقية أصبحت رمزا يتصل بسيادة الشريعة (Supremacy of sharī‛ah) حسب رؤية الفقهاء[3]، وعلى ذلك،  فالخلافة الشرعيّة إنقرضت بإنتهاء الخلافة الراشدة منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. أما الحكم الذى جاء بعده  فقد لقب باسم الخلافة من باب التجوز لا الحقيقة  الشرعيّة[4].

إلا أنه لا يزال إشكالٌ يكتنف حول سيادة الشريعة في مفهوم الأشاعرة؛ وذلك هل المقصود بسيادة الشريعة هو مجرد التطبيق في الشريعة كائن من كان؟ أم المقصود بها أن الإمام والشريعة في شكل الحامل والمحمول، من حيث المعرفة والتطبيق معا؟.

إذا إعتبرنا من وجهة أصوليّة الإمامة عند الأشاعرة على سيادة الشريعة، فإن الشريعة لا تقوم بذاتها، بل لا بد أن  تتحد في ذات لا تنفصل عنها، من حيث المعرفة والفهم والإستنباط. وقد سمى الله هولاء الرسخين في العلم، وأولي الأمر، وأولي العلم، وأهل الإستنباط وأهل الذكر. كما أخبر الله سبحانه وتعالى في عدة من آيات:

1- قال تعالى: ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ قيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وأبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، يقولون أمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾[آل عمرن:7].

2- وقال تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾[النساء:83].

3- وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾[النساء:59].

4- وقال تعالى: ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾[النحل:43]

5- وقال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدر الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون﴾[العنكبوت:49].

فهذه الآيات المتقدمة تشير  إلى أن المعرفة هي معانى قائمة في صدور أهل العلم، من حيث الحفظ والفهم  والمعرفة في التأويل والإستنباط على الوجه الصحيح. وذلك لما كانت الشريعة من تلك المعاني المستنبطة من الكتاب والسنة، فحفظها وفهمها يرجع إلى أهل «العلم» لكونهم أهل الإجماع المتصفين  بالعصمة عند الأشاعرة. قال الإمام السمعاني أبو المظفر في بيان عصمة أهل الإجماع«إن أهل الإجماع معصومون من الخطأ، والعصمة واجبة لهم، كما تجب النبي صلى الله عليه وسلم»[5].

من جهة أخرى فإذا نظرنا إلى حالة الإختيار للإمام عند الأشاعرة  نجد  أصولية الإمامة، وذلك  لِمَاْ أن الشريعة متجسدة في أهل العلم وخاصة الفقهاء((jurists وأن الإمام  يُخْتَار من بينهم، وعلى هذا فالإمام يكون حاملا للشريعة من جهة إتصافه بالإجتهاد، كما يكون حاملا للشريعة أيضا من جهة كونه جزءا من مرجعية أهل الإجماع من ناحية العلم ومن جهة الإختيار. وعلى هذا لا يتم الإنفصال بين الشريعة والإمامة، أو بين الحكم والعلم في شخصيّة الإمام عند الأشاعرة .

وعلى هذا فإن مفهوم أصوليّة الإمامة عند الأشاعرة،  تنطبق على النمط الإختياريّ الممثل بإنعقاد الإمامة عن طريق أهل الإجماع. ومن هذا المنظور، إعتبرت الأشاعرة الخلافة الراشدة الخلافة الشرعية، بخلاف النظام الوارثيّ الملكيّ.

ويدل أصولية الإمامة عند الأشاعرة أن الإمام أبا منصور البغدادي[ت:429ھ/1037م] إعتبر الإمامة ضمن الأصول الإعتقادية عند أهل السنة والجماعة، والتي تجب على كل عاقل بالغ معرفتها، فقال:« قد إتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أصول  من أركان الدين، كل ركن منها يجب على  كل عاقل بالغ معرفة حقيقته. كل ركن منها شعب، وفي شعبها مسائل إتفق أهل السنة فيها على قول واحد، وضللوا من خالفهم فيها»[6].

وقد عدّ البغداديُّ [ت:429ھ/1037م] الإمامة أصلا من أصول الدين، يجب على  العبد  معرفة حقيقتها والإعتقاد بها حيث ألّف كتابه «الفَرْق بين الفِرَق» لبيان الأصول المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة. ويعد  هذا الكتاب سندا وثيقا في معرفة الفرق الإسلاميّة بعد كتاب،«مقالات الإسلاميين وإختلاف المصلين» للشيخ أبى الحسن الأشعرى[ت324ھ/935م][7].

وبناء على فكرة الإمام البغداديّ، يمكن إعتبار الإمامة من الأصول  في المذهب الأشعري، بخلاف من جاء بعده، والذين إعتبروا الإمامة من الفروع، حيث صاغوها حسب تداعيات الظروف السياسية التي عاشوا فيها، وخاصة بعد ضعف الخلافة العباسية، وتحول أمر الخلافة إلى الشوكة والعصبية، حيث إن الأمراء أصبحوا يتصرفون في الأمر دون الخليفة.

ثم إذا نظرت إلي عبارات من قال بفرعيّة الإمامة من الأشاعرة، لا تجد- من حيث الدليل- ما يعوّل عليه، بل تلمح- ضمنيا- أصوليّتها أكثر من فرعيتها. وذلك من ناحيتين:

(الأول): من الناحية التعليل حول فرعية الإمامة ونفي أصوليتها . فإذا نظرت إلى هذه الناحية تجد التماسك الوثيق بين العقيدة والإمامة عند متكلمي الأشاعرة، وإن لم يبلغ إلى حد القطع واليقين، حيث إن مسألة الإمامة كانت مسايرة فى جميع مراحلها بمسائل أصول الدين، رغم  أن بعض متأخري الأشاعرة لم يذكروها في مصنفاتهم«إذ تسكت المصنفات المتأخرة تماما عن أى ذكر للإمامة.. مثل جوهرة التوحيد للقاني، وعقيدة العوام للسيد أحمد المالكي، وكفاية العوام للفضالي، وصغرى الصغرى للسنوسيّ، وتحفة المريد للباجوري، وحتى رسالة التوحيد للإمام محمد عبده»[8].

فأنظر مثلا إلى تعليل الغزالى[ت:505ھ/1111م]، في شأن الإمامة حيث يقول:« ولكن إذْ جرّ الرسم باختتام المعتقدات بها، أردنا أن نسلك منهج المعتاد، فإن فطام  القلوب عن المنهج المخالف للمألوف شديد النفار»[9].

كذلك الإمام الأمدى[ت:631ھ/1233م] يقول:« لكن لما جرت العادة بذكرها فى أواخر كتب المتكلمين، والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنفات الأصوليين، لم نر من الصواب خرق العادة  بترك ذكرها في هذا الكتاب»[10].

وأنظر إلى كلام الإمام الإيجى[756ھ/1355م] إذ يقول في شأن الإمامة « وهي عندنا من الفروع، وإنما ذكرناها فى علم الكلام تأسيا بمن قبلنا»[11].

والعلامة التفازاني الأشعريّ يقول: «لا نزاع في أن مباحث الإمامة، بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة، من فروض الكفايات، وهي أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، فيقصد الشارع تحصيله في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كل أحد. ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الإعتقادية»[12].

إلا أنه يمكن الإستدراك على نظرية الإمام التفتازاني حول فرعيّة الإمامة من جانبين:

إذا كانت المصالح الدينية والدنيوية لا تنتظم إلا بحصول الإمام فما المانع بإعتبار الإمامة من الأصول بحيث يجب على كافة الأمة البحث فيها والقيام على نصب الإمام، وهي عين ما تقول بها الإمامية من جهة لزوم معرفة الإمام، إذا إستثنينا من جهة المرجعيّة التي تنصب الإمام.

إن إعتبار الإمامة من أمور العملية دون العقيدة، لا شك أنها تولد إنفصال بين العمل وبين الإيمان. ولعل أصل هذا الإنفصال بين الإيمان والعمل يرجع إلى نظرية الإمام الأشعري حول علاقة الإيمان بالعمل، حيث إعتبر الإيمان مجرد المعرفة في القلب، كما سبق تقريره في مبحث علاقة الإيمان بالعمل عند الإمامية والأشاعرة.

(الثاني): من الناحية التاريخية في مسار الإمامة، فإذا نظرت إلى هذه الناحية تجد أصوليّها، وذلك لقرائن تحف حول إثبات وجوبيّة الإمامة، وخاصة عند مناقشتهم في اشترط النسب القرشيّ للإمام، ومن هذا القرائن:

1- إشتراطيّة صفة القرشيّة، حيث إنها تشير إلى أن الإمامة من الدين؛ لأن هذا الشرط هو الذى إحتجت به قريش على الأنصار في الإمامة، إذ كان إحتجاجهم  يدور في فلك:

نحن أول من عبد الله في الأرض.

نحن أولياء الرسول وعشيرته وأحق الناس بالأمر من بعده، و لا ينازعنا إلا ظالم.

ج -  نحن الأمراء، وأنتم -أيها الأنصار- الوزراء.

د- تأبى العرب أن تؤمر الأنصار ونبيها من غيرهم،

ھ-  لكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم.

و - من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته[13].

فإذا نظرنا إلى إحتجاج قريش في أمر الخلافة بعد الرسول نجد أن الخلافة صنو النبوة، وأن مُلْكَ محمد صلى الله عليه وسلم، المشار إليه هو الإمامة؛ لأنه لو لم تكن الإمامة من أمور الإعتقاد لما تنازلت الأنصار عن الحكم، ولطالبت به يوما من الأيام.

2- أيضا مما يشير أصوليّة الإمامة عند الأشاعرة، ترتيب أفضلية الخلفاء الراشدين حسب ولاية حكمهم، حتى أصبحت هذه الأفضلية جزءا من الإعتقاد عند أهل السنة [14].

غير أن تقرير تلك الأفضلية في رؤية الإمام الباقلانى تعتبر ظنّية لا قطعيّة، بخلاف رؤية الإمام  أبى الحسن الأشعري، فإنه إعتبر أفضلية أبي بكر مَنْ بعده أمرا قطعيّاّ. وقال الإمام أحمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعيّ [ت:973ھ/1565م]، صاحب كتاب «الصواعق المحرقة»، بعد نقل كلام الجمهور، من أن المفاضلة بين  الخلفاء الراشدين هي حسب ترتيب الخلاف، وأن هذا الرأي هو المشهور عن الإمام مالك، وبه جزم الكوفيون، ومنهم سفيان الثورى قال:« وخالف في ذلك القاضي أبى بكر الباقلاني، فقال: أنه ظني واختاره إمام الحرمين في الإرشاد، وبه جزم المحدث عبد الغافر[ت:529-530ھ/ 4 113م-1135م]، صاحب كتاب المفهم في شرح مسلم.

ويؤيد ظنية هذا الترتيب ما نقل إبن عبد البر في كتابه الإستيعاب عن عبد الرزاق عن معمر أنه قال: لو أن رجلا قال:عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته. وكذلك لو قال: عليّ عندي أفضل من أبي بكر وعمر لم أعنفه، إذا ذكر فضْلَ الشيخين، وأحَبَهُماْ وأثنى عليهما بما هما أهله، فذكرتُ ذلك لوكيع فأعجبه»[15].

3- إذا نظرنا إلى إشكالية الإمامة عند الصحابة وخاصة الفتنة الكبرى، نجد أن مسألة الخلافة  كانت ثمثل قاعدة أصولية دينية. حيث أُعْتُبِرَ أنها أعظم خلاف حصل بين الأمة«إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة فى كل زمان»[16].

4- ولأنه إذا قيل إنها مسألة فرعيّة «المخالفة فيها لا تستلزم تكفير المخالف أو تفسيقه إذا كان للمخالف حجة شرعية، كمخالفة المجتهد للمجتهد»[17]، فضلا عن القتال فيها.

5- إضافة إلى ذلك« فأنّ كل خلاف وقع بين المسلمين، سواء في الفقه، أو في التفسير للقرآن، أو في فهم السنة النبوية الشريفة،فمنشؤه وسببه الخلافة»[18].

فمن هذا المنظور يمكن أن نتصور أصوليّة الإمامة عند الأشاعرة.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد  ابراهيم

.....................

[1]- Gibb, Hamiyon.A.R. STUDIES on the CIVILIZATION 0f  ISALAM.Prencton, University Press, 41William Street Prenceton, New Jersey, 08540,1982,P141-149. .

[2] - Gibb, Hamiyon.A.R1982, Studies on the civilization of the islam " .Prencton, University Press, 41William,      p.141-149                                                                   .

[3] - Ibish, Yusuf 1966. The Political Doctrine of Al-Baqillānī, Beirut Lebanon, p.85

[4] - Gibb, Hamiyon.A.R1982, Studies on the civilization of the islam " .Prencton, University Press, 41William,      p.141-149                                                                   .

[5] - السمعاني، منصور عبد الجبار قواطع الأدلة في الأصول، تحقيق، محمد حسن  إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية،بيروت  ط1/1418ھ /  1997م، ج2/ص6.

[6] - البغدادى،  الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم، تحقيق،  لجنة إحياء التراث العربى، دار الجيل، بيروت، لبنان، 14-7ھ/ 1987م،ص309.

- فالأركان التى إعتبرها البغداى أصول الدين هي: إثبات الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم. العلم بحدوث العالم في أقسامه وأعراضه وأجسامه. في معرفة صانع العالم ونعوته في ذاته.في  معرفة صفاته القائمة  بذاته في معرفة أسمائه وأوصافه.  في معرفة عدله وحكمته. في معرفة رسله وأنبيائه. في معرفة معجزات الأنبياء وكرامات أوليائه. في معرفة أركان شريعة الإسلام.  في معرفة أحكام التكليف في الأمر والنهى. في معرفة أحكام العباد في المعاد.  في بيان أصول الإيمان. في بيان أحكام الخلافة والإمامة وشروط الزعامة.في معرفة أحكام العلماء والإئمة. معرفة أحكام الأعداء من الكفرة وأهل الأهواء. أنظر: البغدادى، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم، تحقيق،  لجنة إحياء التراث العربى، دار الجيل، بيروت، لبنان، 14-7ھ/ 1987م ص309-310.

[7] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل مؤسسة النشر الإسلامى، قم إيران، ط7/1420ھ، ج2/ص، 314-315.

[8] - مبروك، على، عن الإمامة والسياسة والخطاب التاريخى فى علم العقائد، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، مصر  ط 2002م ص90.

- [9] الغزالي، الإقتصاد فى الإعتقاد، تحقيق، الشيخ علاء الدين الحموي،  دار أفنان، دمشق سورية، ط1/1419ھ/1999م، ص185.

[10] - الأمدى، غاية المرام فى علم الكلام، تحقيق، حسن محمود عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة مصر،(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص363.

[11] - الإيجى، المواقف فى علم الكلام، عالم الكتب، بيروت‘ لبنان ص395.

[12] - التفتازانى، شرح المقاصد في علم الكلام، دار المعارف النعمانية، باكستان، ط1/، 1401هـ / 1981م  ج2/ص271.

[13] -  المحامى،  أحمد حسين يعقوب، النظام السياسى فى الإسلام.  الصدر، قم إيران، ط2/1411ھ ص126 -127.

[14] - السبحانى،الإلهيات على هدى الكتاب والسنة،بقلم محمد مكى العاملى، مؤسسة الإمام الصادق، إعتماد قم،  ط4/1417 ج4/ص11.

[15] - ابن حجر الهيثمي، أبو العباس أحمد بن محمد بن علي،  الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، تحقيق، عبد الرحمن بن عبد الله التركي، و كامل محمد الخراط،مؤسسة الرسالة بيروت،لبنان ط1/1417ھ/1997م.،ج1/ ص171.

[16] - الشهرستانى،  فى الملل  والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان  (بدون تاريخ)، ج1/ص24.

[17] - السبحانى، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة،بقلم محمد مكى العاملى، مؤسسة الإمام الصادق إعماد، قم،  ط4/1417 ج4/ص10.

[18]  السماوي، د/ محمد التيجاني السّماوي التونسيّ،  لأكون مع الصديقين، المؤسسة الجامعية للدرايات الإسلامية،(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص60.

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السادس ونكمل حديثا عن دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند أبي المعالي الجويني، وفي هذا نقول: وإذا كان ذلك كذلك، فإننا نود أن نتساءل: إذا كان الجويني يمثل نقطة الوسط بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين، فهل يمكن أن نتلمس لديه بعض الآثار المنطقية في منهجه الفقهي؟

الحق أن هناك رأيين متعارضين، أحدهما يقول أصحابه بتأثر الجويني في كتابه "البرهان في علم اصول الفقه" بالمنطق الأرسطي. أما الرأي الثاني، فيقول أصحابه بعدم التأثر بهذا المنطق.

وسوف نعرض لكل من هذين الرأيين، ثم نذكر رأينا في هذه المسألة.

الرأي الأول: ويقر أصحابه بالأصل اليوناني للمنهج الأصولي عند الجويني:

ويمثل هذا الرأي بعض الباحثين المعاصرين، الذين ذهبوا إلي أن الجويني د تاثر في منهجه الأصولي والفقهي بالمنطق الأرسطي، ومن هؤلاء أستاذنا الدكتور "علي سامي النشار"؛ حيث قال بأن "الجويني أول أصولي أدخل منطق أرسطو في ميدان الفقه . وقد بني رأيه هذا علي نص لأبن خلدون يتضمن هذا الحكم وبنص العبارة . هذا من ناحية، ومن ناحية أخري أن كتاب "البرهان" يحوي بعض الأفكار المنطقية المتعلقة بالأقيسة الشرطية، والتي استخدمها الجويني استخداما غامضاً كفكرة "السبر والتقسيم"، والتي هي عبارة عن القياس الشرطي المنفصل " .

وممن قالوا بتأثر الجويني بالمنطق الأرسطي باحث مغربي هو الدكتور " سالم يفوت"، حيث يقول: "أن علم اصول الفقه مع الإمام الجويني لم يخل من أي تأثر بالمنطق الأرسطي إلي حد يمكن القول أنه كان بداية البداية التي ستتوج مع "مستصفي الغزالي" . فرغم أنه في قوله بالعلة والشبه واعتماده مسالك السبر والتقسيم والطر والعكس،لم يخرج عن المنهج الموروث من العلوم الإسلامية، فإنه مع ذلك حاول مزج الأصول بالمنطق الأرسطي إلي حد ما، ففتح الباب علي مصراعيه لتلميذه الغزالي .

وممن ذهبوا إلي هذا المذهب أيضاً الدكتور " عبد العظيم الديب" محقق كتاب " البرهان علم اصول الفقه" للجويني. فقد ذهب إلي أنه من المؤكد أن الجويني درس الفلسفة وعلومها المختلفة وتأثر بها . ويشهد لذلك ما نراه في كتابه البرهان من عبارات ومصطلحات فلسفية، بل ومن منهج وطريقة . ويمكن تلمس ملامح هذا المنهج وسماته علي النحو التالي :

أ- تحديد الهدف والمطلوب،وبعبارة أخري تحرير المقصود وتخليصه مما يختلط معه . ومن هنا جاء وضوح التقسيم والترتيب والتبويب.

ب- تحديد معاني الألفاظ والمصطلحات التي تستخدم في المناقشة والجدال .

ج- عرض آراء المخالفين وأدلتهم ومناقشتها واختيار الأحق منها .

د- التحرر من كل فكرة سابقة قبل البحث،وعدم التعصب لمذهب أو رأي .

هـ- نفي العنصر الشخصي تماماً والموضوعية الكاملة في مناقشة الخصوم، والبعد عن الإساءة.

و- رعاية الأصول والقواعد العامة المقننة، وعدم الانخداع بالجزئيات .

ز- التنبه واليقظة لأسباب الزلل في الأبحاث .

م- إعطاء القرائن كل الاعتبار في مناقشة المسائل وتأصيل الأصول .

وممن ذهبوا بتأثر الجويني بالفلسفة والمنطق أستاذنا الدكتور " احمد محمود صيحي" ؛ حيث يقول :".... إلي جانب شيوخ الأشاعرة والشافعية فقد أفاد الجويني من فلسفة اليونان التي اكسبته كما أكسبت غيره من الأشاعرة منذ القرن الرابع الهجري مقدرة علي الجدل وقوة في الاستدلال . حقيقة أنه لم يشتغل بالفلسفة، كما فعل فلاسفة الإسلام، ولكنه أفاد منها منهجاً . إذ نجد لديه التحديد الدقيق للمصطلحات الكلامية والفلسفية والتقديم للنظريات الكلامية بأبحاث في المعرفة والدراسة النقدية لأنواع الاستدلالات، وكذلك انعكست الثقافة الفلسفية علي نسقه الكلامي، صياغة للموضوعات (، وهذا هو رأي القائلين بالأثر اليوناني في المنهج الأصولي عند الجويني.

أما الرأي الثاني فيقر أصحابه بالأصل الإسلامي للمنهج الأصولي عند الجويني؛ وهؤلاء يرفضون الرأي الأول، حيث ردوا المنهج الأصولي عند الجويني إلي أصل إسلامي خالص، فقد ذهب بعضهم إلأي أ، الحكم البات في فكرة تأثر الجويني بالمنطق هو من الصعوبة بمكان ؛ حيث أن الجويني لم يضع أي مؤلف في المنطق، حتي كتابه " الكافية في الجدل "، والذي ذهب بعض الباحثين إلي أ،ه توجد به آثار منطقية، إذ لا نجد فيه أي آثار منطقية أو رواقية، بل بالعكس هاجم الجويني المنطق الأرسطي، بخاصة نظرية التعريف القائمة علي الجنس والفصل، ثم ذكر أن التعريف الصحي هو ما يراد بع التمييز بين المحدود وغيره، وأنه يحصل بالخواص اللازمة التي لا تحتاج إلي ذكر الصفات المشتركة بينه وبين غيره . وعلي هذا فإن الجويني لم يتأثر بالمنطق الأرسطي، وإنما كان فكره إسلامياً خالصاً.

اما الدكتور " حسن عبد الحميد"، في كتابه "فلسفة العلوم  ومناهج البحث العلمي" فيرفض فكرة أن الجويني يعد أول أصولي أدخل منطق أرسطو في ميدان الفقه الإسلامي . ويتساءل أي منطق هذا الذي يزعم الباحثون أنه أدخله في أصول الفقه . إذا كان هؤلاء الباحثون يقصدون أن أن الجويني قد أخل في علم أصول الفقه بعض أجزاء من الاورجانون، والتي تتعلق ببعض الأقيسة أو الحجج، التي عرضها أرسطو في كتابه الطوبيقا . نقول إذا كان هؤلاء الباحثون يقصدون هذا فلا بأس . أما إذا كانوا يقصدون بمنطق أرسطو (الأقيسة الحملية) فإننا نقول لهم إن شيئاً من هذا القبيل لا يوجد في كتاب البرهان للجويني، ويجب بالتالي أن لا يكونوا قطعيين في آرائهم .

وأعتقد أن هذا الرأي الذي ذهب إليه الدكتور حسن عبد الحميد هو الصواب، فالحقيقة هي أن الجويني لا يعد أول أصولي أدخل المنطق في ميدان الفقه الإسلامي، وإنما الأصولي الحقيقي الأول في هذا المجال هو ابن حزم الأندلسي كما بينا في الفصل الأول .

والسؤال الآن : لماذا اعتبر الباحثون والمؤرخون الجويني أول من أدخل منطق أرسطو في ميدان الفقه الإسلامي، مع العلم بأن الجويني هو الأصولي الحقيقي الذي أدخل منطق أرسطو في هذا الميدان ؟

اعتقد أن هناك عوامل جعلت الباحثين والمؤرخين ,لا يعتبرون ابن حزم صاحب فكرة مزج الفقه بالمنطق، وأهم هذه العوامل هي :

العامل الأول :  ويتمثل في تمسك ابن حزم بالمذهب الظاهري، حيث أن الفكرة الشائعة عند بعض الباحثين والمؤرخين عن هذا المذهب، أنه يرفض الاستدلال، وجميع ضروب القياس الفقهي، ويوقعه في ضيق الأفق النظري، ممثلاً في إبطال القياس والرأي والاستحسان والتعليل.

ومن هنا حكم هؤلاء الباحثون والمؤرخون علي المذهب الظاهري، بأنه ردة ونكوص إلي النص، وعودة إلي الجمود والتقليد . لأن الاعتماد علي الأثر وحده، والتمسك بالدلالة الحرفية للألفاظ يتضمنان، وبكيفية آلية وحتمية رفض كل عمل للعقل، وتدخل للفكر، وعدم الانثناء نحو الرأي . فالالتزام بالنص قرآناً وسنة ثابتة في حدود المعني الظاهر بحكم دلالة اللغة الواضحة، من شأنه أن يطرد العقل، وينزع عنه كل قدرة علي إقرار شئ ما من الأشياء، أو استنباط حكم ما من الأحكام، فكل ذلك موكل إلي الشرع . كما أنه في رأيهم واعتقادهم مذهب ينسحب فيه الفكر أو التفكير فاسحاً المجال أمام النص، وتاركاً الأمر للتقليد الأعمي، والجمود والتزمت . ومن هنا أتهمت الظاهرية بالرجعية .

وليس أدل علي صدق هذا القول مما ذهب إليه الجويني في كتابه " البرهان" من نقد للمذهب الظاهري، حيث يقول عن رفض الظاهريين للقياس الفقهي، وقد استجرأ علي جحد هذه الأقيسة أقوام يعرفون بأصحاب الظاهر، ثم أنهم تحزبوا أحزاباً، وتفرقوا فرقاً : فعلا بعضهم وتناهي في الانحصار علي الألفاظ، وانتهي الكلام إلي أن قال : فمن بال في إناء وصبه في ماء، لم يدخل تحت نهي الرسول عليه السلام، إذ قال " لا يبلون أحدكم في الماء الداكن، وهذا عند ذوي التحقيق جحد الضرورات ويستحق منتحله المناظرة، كالعناد في بدائة العقول .

ومما يحكي في هذا الباب جري لابن سريج مع أبي بكر ابن داود، قال له ابن سريج : أنت تلتزم الظاهر،وقد قال الله تعالي :" فمن يعمل مثال ذروة خير يره"، فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين، فقال مجيباً : الذرتان ذرة وذرة . فقال ابن سريج، فلو عمل مثقال ذرة ونصف، فتبلد، وظهر خزيه، وبالجملة لا ينكر هذا إلا أخرق ومعاند .

العامل الثاني : ويتمثل في جرأة ابن حزم وقسوته علي معارضيه من الأشاعرة، لقد كان ابن حزم صارما في جدله، مفحما في حجته، لا يأخذ خصومه الأشاعرة في هواده، ولا يخاطبهم في لين، وليس أدل علي ذلك من نقده لمسألة السببية، حيث يقول :" ذهبت الأشعرية إلي إنكار الطبائع جملة، وقالوا ليس في النار حر ولا في الثلج برد ولا في العالم طبيعة أصلاً ، وقالو إنما حدث حر النار جملة وبرد الثلج عند الملامسة، وقالوا ولا في الخمر طبيع إسكار . قال ابن حزم ما نعلم لهم حجة شغبوا بها في هذا الهوس أصلاً . وهذا المذهب الفاسد حداهم علي أن يسموا ما تأتي به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الآيات المعجزات خرق العادة . لأنهم جعلوا امتناع شق القمر وشق البحر وامتناع إحياء الموتي، إنما هي عادات فقط، قال ابن حزم معاذ الله من هذا، ولو كان ذلك عادته لما كان فيها إعجازا أصلا . ثم يضيف :" وكل هذه الطبائع والعادات مخلوقة خلقها الله عز وجل، فرتب الطبيعة علي أ،ها لا تستحيل أبداً، ولا يمكن تبديلها عند كل ذي عقل، لأ، من الصفات المحمولة في الموصوف ما هو ذاتي له لا يتوهم زواله إلا بفساد حامله وسقوط الاسم عنه كصفات الخمر، التي إن زالت عنها صار خلا وبطل اسم الخمر عنها . وهذا كل شئ له صفة ذاتية فهذه هي الطبيعة .

العامل الثالث : ويتمثل في أن كتاب " التقريب لحد المنطق " لأبن حزم، قد نظر إليه معظم الباحثين والمؤرخين من زاوية ما إذا كان محتوي الكاب يفيد أن ابن حزم مع أو ضد المنطق اليوناني، وذلك دون اهتمام بنوعية القراءة التي قام بها مؤلفه لمنطق أرسطو، والتي هي قراءة تعكس عنف المواجهة والاصطدام بين فكر ابن حزم الفقيه وفكر أرسطو الفيلسوف .

ومما يدل علي ذلك ما ذكره صاعد الأندلسي (ت: 462هـ)، حيث قال : ... وممن اعتني بصناعة المنطق، خاصة من سائر الفلسفة أو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، فعني بعلم المنطق، وألف فيه كتاباً سماه " التقريب لحد المنطق "، بسط فيه القول علي تبيين طرق المعارف، واستعمل فيه أمثلة فقهية، وجوامع شرعية، وخالف أرسطوطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله من لم يفهم غرضه، ولا أرتاض في كتابه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط، بين السقط، وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة، حتي نال منها ما لم ينله أحد قط بالأندلس قبله .

العامل الرابع : ويتمثل في أن الفترة التي عاش فيها ابن حزم، كانت فترة لا يزال ينظر فيها إلي مؤلفاته بعين السخط والاستهجان والإغفال والترك، زيادة في الحرق والتمزيق، وفي هذا يقول ياقوت الحموي ( ت: 626هـ) نقلاً عن أبي مروان بن حيان :" كان ابن حزم حامل فنون وفقه وجدل ونسب ما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة . . ولا سيما المنطق فإنهم زعموا أنه زل هنالك، وضل في شكوك المسالك  وخالف أرسطو طاليس واضعه مخالفه من لم يفهم غرضه ولا أرتاض، ومال أولاً النظر به في الفقه إلي رأي الإمام الشافعي رحمه الله وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب سواه حتي وسم به ونسب إليه فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ . ثم عدل في الأخر إلي قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، وكان يحمل عمله هذا ويجادل من خالفه فيه علي استرسال في طباعه، وبذل بأسراره . فلم يك يلطف صدعه (أي قوله وجهره)، بما عنده بتعريض، ولا يرقه يتدرج، هبل يصك به معارضه صك الجندل ( أي الحجر) وينشقه ومتلقعه ( المتلقع : الذي يرمي الكلام رمياً) انشقاق الخردل، فنفر عنه القلوب، وتوقع به الندوب، حتي استهدف إلي فقهاء وقته فمالوا علي بغضه ورد أقواله، فأجمعوا علي تضليله، وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنه، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، والعمل علي حرق كتبه، فأحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانية .

من هذا النص يتضح لنا كيف قوبل الفكر الحزمي بعين السخط والاستهجان والإغفال، زيادة علي الحرق والتمزيق، مما يفوت علي الباحثين والمفكرين المنصفين فرصة الحصول علي نسخ من مؤلفاته . ومن ثم لم تحظ كتب ابن حزم المنطقية والفقهية بالأهمية التي كان ينبغي أن تحظي بها . ولذلك نلاحظ أن ابن خلدون لا يذكر كتاب " التقريب لحد المنطق " في الفصل الذي خصصه في " المقدمة" وبالذات في الفصل الذي عقده عن " علم المنطق" . كما لا يذكر كتاب "الإحكام في أصول الأحكام " في الفصل الذي خصصه في " المقدمة " لعلم أصول الفقه وأركانه هي الكتب الأربعة التي ألفها كل من " الجويني" و" الغزالي" و" القاضي عبد الجبار" و" أبي الحسين البصري "، وهي علي التوالي " البرهان"، " المستصفي"، " العمد"، " المعتمد" .

العامل الخامس :   إن بعض الفقهاء المتعاطفين مع ابن حزم والذين ينظرون إليه بعيون سلفية، من أمثال ابن تيمية، ينكرون عليه أنه صاحب فكرة مزج الفقه بالمنطق وينسبون الفضل في ذلك للأشاعرة وبخاصة الغزالي . يقول ابن تيمية :" لم يكن أحد من نظار السلمين يلتفت إلي طريق المنطقيين، بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشبعة وسائر الطوائف، كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها، وأول من خلط المنطق بأصول المسلمين ( يعني علم أصول الفقه ) أبو حامد الغزالي، فتكلم فيها علماء المسلمين مما يطول ذكره .

تلك هي في نظره أهم العوامل التي أدت إلي عدم اعتبار الباحثين والمؤرخين ابن حزم صاحب مشروع مزج الفقه بالمنطق، مع العلم بأنه الأصولي الحقيقي السابق إلي مزج الفقه بالمنطق في الفكر الإسلامي، وليس الجويني كما يزعم البعض، خاصة وأن الجويني لا يطرح أفكار منطقية في كتابه " البرهان" بالدرجة التي رأيناها في كتاب " التقريب لحد المنطق" لأبن حزم، وذلك لأن غالب طريقته ترجع إلي طريقة المتقدمين . ولكن هذا لا يمنعنا من القول بوجود آثار منطقية في كتابه " البرهان" وهذه الأثار التي أعتقد أن الجويني قد أخذها من الاورجانون الأرسطي........ وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليعرضا في المقال السابق التمييز بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين وتوصلنا إلي أن طريقة المتقدمين إلي أن المنطق فيها كان منطقا عربياً خالصا وتقوم علي فكرة الأخذ بقياس الغائب عن الشاهد، في حين كانت طريقة المتأخرين وتقوم علي الأخذ بالقياس الأرسطي المنطقي القائم علي الصلة الضرورية بين المقدمات والنتائج .

أما في هذ المقال الرابع فنتاول الطرق التي عالج بها كبار المتكلمين الأشعريين موضوعا المنطق اليوناني، وفي هذا نقول :  إذا كان الإسلام بعد فتحه العظيم للبلدان، قد واجه نحلا ومذاهب كثيرة، فإن تلك النحل والمذاهب كانت قد فلسفت مبادئها عشرات اللاهوتيين والفلاسفة، ولم تكن مجابهتها ومناقشتها أمراً سهلاً، إن مجرد حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتفسيرهما علي ظاهرهما المتلو، لم يكن كافيا لمواجهة المسارب العقلية الصحيحة والملتوية، وإثارتها لمئات من الأسئلة والقضايا الفكرية وكانت الحاجة ماسة إلي عقلية واعية ومنطق جديد يفهم كتاب الله وسنة رسوله، ويغوص في معانيهما ومقاصدهما ومراميهما، ويستخلص منهما ما أثاره أعداء الإسلام من البلبلة الفكرية والشكوك المطروحة والشبهات الكثيرة، ولا سيما أنها تجد أعوانا وعقولا ومسارب في حياة المسلمين .

كانت هذه هي الحاجة الفعلية التي دفعت معظم متكلمي وفقهاء الأشاعرة من أمثال " ابي الحسن الأشعري" و" الباقلاني" و" الجويني" و" الغزالي" و" الرازي" و"المدي" وغيرهم من أعلام المتكلمين، كي يواجهوا هذا الخطر الداهم بعد الجهد الذي بذله رجال المعتزلة الأوائل .

لذلك كله، استطاع الأشاعرة، وخاصة المتأخرون منهم، أن يرتبوا عقائدهم الدينية علي أصول عقلية، وأن يوجدوا لأنفسهم كلاما منطقيا مدققا، وأن يتقنوا المجادلة والمناظرة، حيث وجدوا أنهم لن يتمكنوا من مجاراة مخالفيهم من المسلمين وغير المسلمين، ولن تتهيأ لهم الغلبة عليهم إلا أن يهدموا مثلهم إلي دراسة الفلسفة والمنطق، ويستعينوا بها في دعم حججهم وتوقية آرائهم، فالأدلة النقلية بظاهر نصوصها الدينية وحدها، قد تكون أحيانا غير كافية لإفحام الخصوم وإلزامهم الحجة، وما لم تضع هذه الأدلة صياغة عقلية، فإنها تظل تفتقر إلي البراهين العقلية التي تسندها وتظهر صحة القضايا التي وضعت البراهين لإثباتها 

وهكذا أقبل الأشاعرة علي دراسة الفلسفة والمنطق، كيما يتأتى لهم أن يحاربوا خصوم الدين الإسلامي بنفس سلاحهم، ويخاطبوهم باللغة التي اعتادوا عليها وألفوها.

ولعل هذه الحاجة الماسة إلي المنطق، هي التي دفعت الغزالي إلي ربط المنطق بالدراسات الكلامية، ومن مظاهر ربطه المنطق بالدراسات الكلامية كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد"، والفكرة الرئيسية التي يدور حولها هذا الكتاب، هي وجوب استخدامنا لعقولنا عند فهمنا لنصوص الشرع، وذلك بأن نلتمس بين الطرفين ( أعني المنطق والفقه) طريقا تصان فيه أحكام الدين وأحكام العقل معاً، فلا يصح، من جهة أمن نجمد النصوص جمودا يجعلنا في تناقض مع منطق العقل .

كما لا يصح من جهة أخري أن نذهب مع منطق العقل إلي حد خروجنا علي النصوص الدينية، ولقد ختم الغزالي كتابه بفقرة تلخص موقفه هذا إذ قال في تلك الفقرة الخاتمة لكتابه :" ولنختم الكتاب بهذا، فقد أظهرنا الاقتصاد في الاعتقاد، وحذفنا الحشو والفضول المستغني عنه، الخارج عن أمهات العقائد وقواعدها وقواعدها، واقتصرنا من أدلة ما أوردناه، علي الجلي الواضح الذي لا تقتصر أكثر الأفهام عند دركه .

وكان من أهم العبارات دلالة ومن أقواها توضيحا لموقفه، هي كذلك من أهداها لنا نحن في عصرنا هذا، الذي أخذنا نتخبط فيه بين غلو المتطرفين وإسرافهم في تضييق الخناق علي أنفسهم وعلي الناس جميعا، هذه العبارات :" فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن، مثاله مثل المتعرض لنور الشمس، مغمضا للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان، فالعقل مع الشرع نور علي نور " .

وهكذا أخذ الغزالي في كتابه هذا، يعاود القو مرة بعد مرة في وجوب التوفيق بين نصوص الشرع من جهة، وبين مقتضيات العقل أو المنطق من جهة أخري، وإذا كان الغزالي قد ربط المنطق بالدراسات الكلامية، فإن هذا المنطق لم يكن إلا المنطق الصوري القائم علي القياس لا المنطق المادي القائم علي الاستقراء ؛ فقد تحدث الغزالي عن نقاط الضعف في الاستقراء مبينا عدم صلاحيته في المباحث العقلية، فبدأ بتعريفه بأنه " تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها علي أمر يشتمل تلك الجزئيات "، ثم  نسبته لجزئيات أخري لم تكن في نطاق البحث مما يجعل نتيجته ظنية  ؛ وذلك لأنه لا يصلح في المباحث الإلهية، نظراً لاختلاف طبيعة كل من الغائب والشاهد، وقد عبر عن هذا المعني بوضوح تلميذ الغزالي وهو الآمدي، إذ يقول :" فلا يخفي أن ما حكم به علي أحد المختلفين غير لازم أن يحكم به علي الآخر، لجواز أن يكون من خصائص ما حكم به عليه، دون الأخذ وذلك كما إذا كمنا علي الإنسان بأنه ضاحك مثلا أخذ من استقراء جزئيات نوع الإنسان، فإنه لا يلزم مثله في الفرس لمخالف له في حقيقته" .

غير أن مثل هذا الاستقراء غير ممكن في مجال الإلهيات، إذ كيف يتناول البحث والنظر هذا (الغائب) المتعالي علي وسائل الإدراك العادية ؟ وحين يقدر لنا إدراك حقيقته فما أغنانا عندئذ عن تتبع أي جزئيات أخري في الواقع (الشاهد)؛ أي أن الآمدي يريد أن يقول أن هذا المنهج فيما يتصل بالمباحث الإلهية غير ممكن وغير مفد أيضاً، وحتي ولو كان ممكنا ( ولو قدر أن ذلك غير محال، فالاستقراء إما أن يتناول الغائب أو ليس، فإن تناوله فهو محل النزاع ولا حاجة إلي استقراء غيره وإن لم يتناوله، بل وقع لغيره من الجزئيات فهو لا محالة – استقراء ناقص، وليس بصادق كما بيناه، وهذا لا محيص عنه " .

وقد كرر الآمدي هذه الوجوه من النقد في مواضع عديدة من كتابه " غاية المرام في علم الكلام ".

وبعد هذا النقد الدقيق للاستقراء، يتوجه الغزالي إلي المنطق الصوري القائم علي التصورات والتصديقات، أعني المنطق الذي يكون مستقلا عن كل مضمون للمتكلم والفقيه والمحدث والمناظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات، لأن مهمته الوقوف علي كافة الحقائق وتمييزها من الأباطيل .

ومن أجل ذلك اتجه معظم مكلمي وفقها الأشاعرة، بعد الغزالي إلي إدخال بعض التعديلات علي موضوع المنطق، وحذف بعض كتب " الاورجانون العربي"، حتي يصلوا إلي المعني الصوري الخالص، حيث تكون عنايته متجهة نحو دراسة صور الفكر.

وقد عبر ابن خلدون عن هذا الأمر بوضوح في الذي عقده عن المنطق في مقدمته، حيث قال :" .. ثم جاء المتأخرون، فغيروا اصطلاح المنطق وألحقوا النظر في الكليات الخمس ثمرته، وهي الكلام في الحدود والرسوم نقلوها من كتاب البرهان، وحذفوا كتاب العبارة الكلام في العكس، لأنه من توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه، ثم  تكلموا في القياس، من حيث إنتاج المطالب علي العموم لا بحسب مادته، وحذفوا النظر فيه بحسب مادته، وهي الكتب الخمسة : البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة، وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما، وأغفلوها كأن لم تكن، وهي المهم المعتمد في الفن، ثم تكلموا فيما وصفوه من ذلك كلاما مستبصرا ونظروا فيه، من حيث أنه فن برأسه، لا من حيث أنه آله للعلوم فطال الكلام فيه واتسع، وأول من فعل ذلك الإمام فخر الدين بن الخطيب (الرازي)، ومن بعده أفضل الدين الخونجي وعلي كتابه معتمد المشارقة لهذا العهد، وله في هذه الصناعة كتاب " كشف الأسرار "، وهو طويل، واختصر فيه مختصر " الموجز"، وهو حسن في التعليم، ثم مختصر " الجمل " في قدر أربعة أوراق، وأخذ بمجامع الفن وأصوله، فتداوله المتكلمون لهذا العهد، فانتفعوا به، وهجرت كتب المتقدمين، كأن لم تكن، وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته " .

من هذا النص نستطيع أن نتبين موقف المتأخرين، فبينما أخذ الفلاسفة المشاؤون المسلمون (أعني الفارابي وابن سينا) المنطق علي أنه صوري ومادي معاً، نقول بينما كان موقف الفلاسفة المشائيين " المتقدمين " هو هذا، وهو أمر يمكن استنباطه من هذا النص، كان موقف المتأخرين مناقضاً لذلك، فقدوا أخذوا يدخلون بعض التعديلات علي موضوع المنطق، ويحذفون بعض محتويات الاورجانون، حتي يصلوا بالمنطق إلي المعني الصوري الخالص ؛ حيث تكون عنايته متجهة نحو دراسة صور الفكر.

ولهذا السبب غير المتأخرون اصطلاح، عما كان عليه عند المتقدمين وحذفوا الكتب التي كانت تتحدث عن المنطق بحسب مادته ولم يبقوا إلا علي تلك الكتب التي تؤدي إلي إنتاج المطالب علي العموم .

وهكذا اصطبغت الدراسات المنطقية بالصبغة الصورية الخالصة علي يد المتأخرون، وهو أمر كان له أثره علي طبيعة الدراسات المنطقية في الإسلام، إذ بدأ واضحاً لدي المتأخرين تحرير الدراسات المنطقية من الفلسفة، فالمنطق ليس جزء من الفلسفة، بل آلة للبحث العقلي بوجه عام، وهو آداه تعليمية ضرورية لجميع النظم المعقولة .

ونجد في مقدمة ابن خلدون وصفا لعملية الاستئناس الديني للمنطق ذكره نيقولا ريشر في كتابه "تطور المنطق العربي "؛ حيث قال :" إن علماء الكلام الحاليين منذ الغزالي، قد اعتبروا أفكار المناطقة عن التوافق العقلي أفكارا صحيحة، ولذلك قرروا أن المنطق لا يتعارض مع العقائد الإيمانية، حتي رغم أنه يتعارض مع بعض الحجج القائمة عليها، والواقع أنهم قد وصلوا إلي أن مقدمات علماء الكلام التأمليين كانت خاطئة لأن حجج علماء الكلام الـمليين علي القواعد الإيمانية استعاضت عما ثبت صحته من الحجج الأخرى بالتأمل، أو بالتفكير التمثيلي ( أي القياس)، وأقروا بأن هذا لا يتعارض مع أي وجه مع القواعد الإيمانية السلفية، وهذا ما قال به فخر الدين الرازي ومن قبله الغزالي، ومن تابعهم من معارضتهم .

ولقد قيل أن الفلسفة ليست وحدها التي هي بحاجة إلي المنطق، بل تحتاجه الرياضيات ويحتاجه الطب، بل يحتاجه حتي القانون وعلم الكلام ذاته، وكان هذا الأمر واحدا من الموضوعات لكتاب "ابن رشد (ت: 595هـ)"، وهو "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، ولقد أصح الرأي القائل بأن المنطق هو أداة يمكن تطبيقها بصورة شاملة لتمييز طرق التفكير الصحيحة من الطرق المغالطة، رأيا شائعا علي نطاق واسع، ومعترفا به من ثقاة الكتاب والباحثين والمؤرخين، من أمثال " ابن خلدون"، ولكن مما لا نزاع فيه أن أهم عامل منفرد أدي إلي الاعتراف بأهمية المنطق، وقبوله من الناحية الدينية، كان تدعيم الغزالي لهذا الرأي، فقد أكد أن المنطق هو آلة الفكرة، فهو لا ينطوي علي أي محتوي مذهبي من أي نوع، وبالأولي فليس فيه خطر علي الدين، فهو في الواقع الأداة التي يمكن وضعها لخدمة الأغراض الدينية، فلا وسيلة هناك للوصول لعلم إلا بالمنطق، فالمنطق ليس مقبولا من الناحية الدينية فحسب، بل هو في الواقع أمر جوهري .

إن فصل المنطق عن الفلسفة جعل منه علما آليا ؛ بمعني أنه ليس من علم القاصد، بل من علوم الوسائل التي لا ينبغي التوسع في دراستها علي حد تعبير ابن خلدون .

فقد ميز ابن خلدون بين صنفين من العلوم " علوم مقاصد "، وهي مقصورة بالذات كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام، وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وعلوم آلية وكون وسيلة لعلوم المقاصد، كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة، وربما كان آلة لعلم الكلام، ولأصول الفقه علي " طريقة المتأخرين".

ويري ابن خلدون :" بأنه لا حرج من التوسع والتفريع في علوم المقاصد، أما العلوم الآلية، فلا ينبغي أن ينظر فيها، إلا من حيث هس آلة، لأن المتكلمين اهتمامهم بعلوم المقاصد أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل، فمتي يظفرون بالمقاصد ".

والان، قد نستطيع بنظرة شاملة في طريقة الأشاعرة في المنطق أن نقول بأنه مما لاشك فيه أن متأخري الأشاعرة، وبخاصة الغزالي، قد اهتم اهتماما كبيرا بالدراسات المنطقية، ولكن يبدوا أنه منذ نهايات القرن السادس الهجري، بدأ الحماس للتأليف والشروح يفتر شيئاً فشيئاً، وبدأ الاهتمام بالدراسات المنطقية الجادة، يفقد الكثير من الأنصار والمدافعين، ويبدو أن الذين كان عليهم الاهتمام بالمنطق في ذلك الوقت، وكانوا كثيرين، قد وجدوا أمامهم تراثا ضخما، من الترجمات والشروح تكفل به الأجداد، فما كان منهم , إلا أن راحوا يلخصونه، ويكتبون مادته المنطقية بغية حفظها، وبذلك افتقدنا الدراسات الجادة التي كنا نراها عند الغزالي .

ولا ينبغي إغفال الدور الهام الذي قام به الفخر الرازي في القرن السادس الهجري، حيث حاول أن يعيد إلي الأذهان أمجاد مدرسة الغزالي المنطقية، إلا أن الحال لم يستمر بعده، ولم تجد الدراسات من يواصل هذا الاتجاه في شكل متطور... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ميثم الجنابي "أكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها،

 وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها"

(الغزالي)

 لقد بلور الشرع الإسلامي قضاياه الخاصة بأثر موقع القرآن فيه، باعتباره مصدره الفكري اللغوي. وبهذا يكون قد أدخل في فلك الذهنية الإسلامية الكثير من مواقفه ومفاهيمه وعباراته الرمزية وأحكامه الواقعية وخيالاته وأوهامه، التي دار حولها جدل العقل المجرد مثل قضايا الحسن والقبح، والصلاح والأصلح، والقضايا السمعية (الإيمانية) كالسراط والميزان ومنكر ونكير وعذاب القبر وغيرها. ولم يكن بإمكان الوعي النظري اللاهوتي (الكلامي) والفلسفي والأدبي أن يتجاهل قضاياه الميتافيزيقية والعملية بوصفها قضاياه الخاصة. إذ اتخذت هذه القضايا هيئة ومظهر المعضلات الملموسة للوعي الثقافي. لهذا كانت مدارسه واتجاهاته العديدة ملزمة بالانطلاق منها، باعتبارها قضاياه الخاصة. وبغض النظر عن الاختلاف بين الفرق الإسلامية ومنظومات حلولها الفكرية لهذه القضايا، فإنها جميعا شكلت المقدمة الروحية التاريخية، التي لم يكن بإمكان أي من هذه الفرق تجاوزها في الآراء والمواقف. فالتعامل الفكري مع النصوص اللغوية "المقدسة" هو الميدان الأول لنشاط الفكر التاريخي الملموس، أي ميدان التفسير والتأويل، وفي التأويل ميدان العقل، وفي العقل ميدان التجربة، وفي التجربة روح العصر. فقد دعا إخوان الصفا، على سبيل المثال، العقل "بالساحر الأعظم"، ومرتِّب الوجود ونحّاته كما ترتّب العبقرية الشعرية لغة الفكر وموسيقى الكلمة. فهو العالم غير المتناهي في مادته المحدودة. وبهذا تكفّ النهاية واللانهاية عن الانفصال.

أقلقت مشكلة العقل والشرع الوعي اللاهوتي للدرجة التي تحولت فيه إلى إحدى المعضلات الكبيرة للثقافة اللاهوتية. والتجربة التاريخية لثقافة الخلافة عمّقت مختلف جوانب المعضلة دون أن تزيلها. ومع كل تطور أو تغير أو تحوّل عاصف، أصبح الرجوع إليها من بين قضاياها المركزية. فإذا كان من الممكن أن تتخذ من موت النبي محمد إحدى بداياتها السهلة والسياسية، التي وضعت حدا لصراع القوى حول ما إذا تموت الأنبياء أم لا، وحول ما إذا كانت الأنبياء عرضة للموت أم لا، فإن الجدل لم يعد حول قضية موت النبي محمد، بل عن النصوص القرآنية ذاتها. أما فقهها وتفسيرها فقد جرى من خلال حسمها الواقعي عبر تحقيق النص بما يتطابق ومواضيعه الظاهرة. ولعل تأكيد ابو بكر على أن الأنبياء تموت، وأن محمدا ميت لا محالة، واستشهاده بالآية "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" سوى مثالها النموذجي الأول. بينما عاد الفكر اللاحق في مجرى البحث في مشكلاته الملموسة للرجوع إلى هذه المقدمة التاريخية محوّلا إياها إلى مصدر أو درجة أو صيغة لفهم العلاقة الممكنة بين العقل والشرع (النص).

وعندما حاول الغزالي حل هذه المعضلة، فإنه لم يكن بإمكانه تجاهل طابعها التاريخي. بل يمكن القول، بأن مأثرته بهذا الصدد تقوم أيضا في إدراكه هذا الجانب بصورة أوسع وأدق من أغلب فلاسفة عصره. بمعنى إدراك مضمونها الاجتماعي السياسي والروحي. إلا أن هذا الإدراك لم يظهر دفعة واحدة،  بقدر ما كان نتاجا للصراع الفكرى ولتجربته السياسية والروحية. فقد انطلق من تراث الكلام اللاهوتي وحلوله لهذه القضية مستندا بالأخص إلى رصيد الكلام  كما بلوره الأشعرى والباقلاني والجويني. ونعثر على ذلك بوضوح في أسلوبه الجدالي في (تهافت الفلاسفة). غير أن الغزالي يتجاوزهم في الكثير من آرائه ومواقفه. فما يثير اهتمامه في الجدل الفكري ضد الفلاسفة المسلمين ومصادرهم النظرية هو  كل ما له صلة أو  مساس "بأصل من أصول الدين" (الشرع). فالانجازات والنتائج العلمية للعلوم الطبيعية بنظره لا تدخل في حصيلة أو احتكار أي اتجاه فكري ومذهبي، بسبب كونها نتاج العلوم المستقلة. فالاستنتاجات الدقيقة للعلوم الطبيعية، كما يقول الغزالي، لا تعارض بحد ذاتها الشرع ولا تؤيده. لهذا السبب وقف بقوة ضد آولئك الذين "وجدوا في محاربة العلم دفاعا عن الدين".  بل نراه يجد في هذا الأسلوب الطريقة المثلى والأسهل لإبطال الشرع[1]. فاستقلالية الاستنتاجات العلمية الدقيقة تجعلها خارج حيّز الانتماء المذهبي والعقائدي والديني والفكري. وبالتالي لا تمتلك قوة برهانية مطلقة تجاه إشكاليات الوجود الكبرى ومعضلاته الخالدة. لهذا كتب بأن استنتاج ما إذا كانت الأرض كروية أو مبسوطة، وما إذا كانت السموات طبقات معدودة أقل أو أكثر، فنسبة النظر فيها إلى البحث الإلهي كنسبة النظر في طبقات البصلة وعددها وعدد حبّ الرمان[2].ذلك يعني، أن الغزالي حاول في أول أعماله الكلامية الفلسفية الكبرى إبراز الطابع العقائدي لقضايا الفلسفة الأساسية ومبادئ الوجود الكبرى. مما أعطى له ذلك إمكانية صياغة عناصر الجدل "السلبي" (النقدي) تجاه التيارات الفلسفية، وبالتالي إظهار ما اسماه "بتهافتهم" المنطقي فيها بما في ذلك تجاه قضية الموقف من الشرع. لهذا ليس دقيقا اعتبار انتقاداته للعقل هنا رفضا للعقلانية أو دليل على اعتبار الشرع الحاكم الأعلى. فعندما ناقش الغزالي الفكرة القائلة، بأن السماء شبيهة بالحيوان، أي أن لها  نفسا تتحرك بإرادتها الداخلية وأن غرضها من حركتها الدورية هو عبادة رب العالمين، نراه يعتبرها مما لا ينكر إمكانه. لكنه أكد على انه لا دليل للعقل فيها. وانه إذا كان بالإمكان الإقرار بذلك، فإن معرفته لا يمكن الاطلاع عليه إلا للأنبياء بإلهام من الله أو بوحي، أما قياس العقل فليس يدل عليه[3]. والغزالي مصيب فيما لو جرى النظر إلى الظاهرة بالصيغة اللاهوتية، بمعنى إدخال عالم الآلهة في حركة المادة وتشبيهها على مثال سلوك العبادات. والغزالي يدرك دقة هذه الصياغة. أما الطابع الظاهري في معارضة العقل في هذه الصياغة وأمثالها، فتحتوي في الواقع على عناصر التقييم العقلاني الشكوكي حول قدرة وموقع العقل في المعرفة، وبالتالي تساهم في رفع شأنه الفعلي.

وقف الغزالي ضد إدخال العقل عنوة في عالم التأويل المفتعل. وانطلق في موقفه هذا من أن التحكّم بالعقل بهذا الشكل هو مجرد تحكم محض، وبالتالي لا قيمة عقلية فيه. ذلك يعني أنه يقف هنا إلى جانب تحديد وتمييز مجالات العقل والشرع. لكن ذلك لا يعني بأنه صاغ نظرية الحقيقتين (الشرعية والعقلية) رغم تضمّن آرائه الأولية لبعض عناصرها. فهو يشير في أكثر من موضع إلى أن الشرع لا يلزمه أن يخالف الاستنتاجات العقلية للفلاسفة والمفكرين بصدد قضايا العلم وأحكامه الدقيقة. وبالتالي، فإن الخلاف الذي يبدو في ظاهره موجها ضد العقل في (تهافت الفلاسفة) ما هو في الواقع سوى الصيغة الكلامية الفلسفية والعقلانية الشكوكية تجاه "الخلافات الأربعة الأساسية"، والتي أفرد لها الكثير من أوراق (تهافت الفلاسفة) ألا وهي كل من السببية، والنفس، وخلود النفس، وقضية الحشر والنشر.

إن موقفه المعارض لعقل الفلاسفة يقوم أولا وقبل كل شيئ في رفض دعوى حاكمية العقل المطلقة. من هنا دعوته لمهمة النظر إلى الشرع باعتباره الممثل الآخر للعقل أو مكمله. وكتب بهذا الصدد قائلاً "إننا لسنا نعترض على دعواهم، بل ربما نبين من تفصيل الحشر والنشر، إن الشرع مصدّق له. ولكننا ننكر دعواهم دلالة مجرد العقل عليه والاستغناء عن الشرع فيه"[4]. وحاول الدفاع عن هذه الفكرة بصيغ ومستويات عديدة في (تهافت الفلاسفة)[5]. إلا أن آراءه هنا تعبّر عما يمكن دعوته بمستواها الأدنى أو مستواها العقائدى. لكنه في مجرى هذا الصراع تجمّعت عناصر الفكر الإيجابي كما نراها في مساعيه لإبداع الصيغة المنظمة لعلاقة العقل بالشرع. ونرى ذلك بوضوح للمرة الأولى في (الاقتصاد في الاعتقاد). فانتقاده في مقدمة الكتاب لآراء الحشوية والفلاسفة و"غلاة المعتزلة" كان موجها ضد الافراط والتفريط اللذين أديا إلى أن يصرف العقل في صدام مع الشريعة، كما يقول الغزالي. من هنا أعتبر المهمة الأساسية التي ينبغي الدفاع عنها تقوم في إيجاد الحل الوسط أو "الوسط الذهبي" أو "الاعتماد على السراط المستقيم"[6].

فحتى في الحالة التي يفضل فيها الشرع مقارنة بالعقل، نراه لا يتطرق إلى الأفضلية والضعف بصورتهما المطلقة، بقدر ما يربطهما بمستويات وميادين معينة من المعرفة. فأفضلية الشرع مقارنة بالعقل هي للعوام وليس للخواص. وحتى في حالة النظر إلى أفضلية الشرع بالنسبة للعوام، فإنه يتناول هذه القضية ضمن إطار ما دعاه بالتدرّج الإيماني المعرفي. لهذا وقف بالضد مما اسماه "بتعلّم العلوم الدقيقة قبل الجليلة والخفي  قبل الجلي". وبالتالي لا معنى لدراسة وبحث الأسرار الإلهية بالنسبة للعوام. إذ ليست هذه الأسرار سوى القضايا التي "تحيرت بها عقول الفلاسفة والمتكلمين". من هنا دعوته إلى الكفّ عن البحث فيها، والتمسّك بما يقوله الشرع[7]. وبالتالي، ليس المقصود بإخضاع العقل للشرع هنا سوى إخضاع عقل العوام للشرع. لهذا طالب العوام بالكفّ عن الحكم بمعقولها على الشرع، إذ في ذلك "مصدر هلاكها"[8].

ولم يقف الغزالي عند هذا الحد، بل تعداه إلى القضية الفكرية النظرية لعلاقة العقل بالشرع من زاوية كشف محدودية العقل مقارنة بالشرع. غير أن هذه الفكرة مرتبطة بمحاولته تحليل وإبراز ما دعاه "بذمّ العلم المذموم"، أي في محاولته الكشف عن الأضرار التي يمكن أن تؤدي إليها بعض العلوم. ولم يقصد بذلك سوى من يتدخل في ما لا يعنيه، أو ما يمكن دعوته بالتطّفل الفكري وحذلقته وانعدام الاحتراف. وحتى في هذه الحالة،  فإنه لم يقصد بذلك سوى ما يمسّ فكرة النجاة الحقيقية. وقدّم بهذا الصدد مثلا بسيطا من خلال مقارنته بين من يعالج نفسه دون معرفة بالطب وبين من يعالجه طبيب ماهر. إنه حاول أن يعطي للظاهرة قيمة اجتماعية سياسية وأخلاقية وليس قيمة معرفية. ومن ثم ربطهما في الوقت نفسه بروابط دائمة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص218.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص256.

[5] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص379.

[6] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص2.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص30.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص31.

 

 

محمود محمد علينعود مرة أخري في مقالنا الثاني للحديث عن دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند الأشاعرة وفي هذا يمكن القول: بأن "القاضي أبو بكر الباقلاني" قد طور بعد أستاذه أبا الحسن الأشعري، حيث أضاف إلي هذا المنهج ما يمكن اعتباره بوادر لتطور أعظم لدي من جاء بعده في منهج الجدل الأشعري، ذلك أن المنهج الجدلي عند "الباقلاني" يقوم علي عدة أصول هي:-

أ- أن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول:

ويعد الباقلاني، أول من استخدم هذه القاعدة، حيث يقول ابن خلدون ": إن أبا بكر الباقلاني وضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار ومنها أن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول ".

وهذه القاعدة التي سلكها الباقلاني تتكون من مرحلتين:

الأولي: أن تتلمس أدلة المثبتين للشئ وتثبت كذبها وضعفها، بحيث لا نجد دليلاً آخر علي ثبوت الشئ سواها .

الثانية: أن يقوم بعملية حصر وجوه الأدلة، ثم نقوم باستقراء دقيق لها ينتهي إلي نفي هذه الوجوه كلها، بحيث لا نجد وجوها أخري، هي الأولي بعينها، إذ أنها تنتهي إلي عدم وجود أية أدلة غير الأدلة المنفية، إلا أنها تمتاز عنها بفكرة الحصر.

ب- قياس الغائب علي الشاهد:

وهو المعروف في علم أصول الفقه بالقياس الأصولي، وقد استخدم الباقلاني هذا القياس في آرائه الكلامية، ليرد علي المعتزلة الذين أخذوا بهذا القياس .

ج- الدليل اللغوي التوفيقي:

وهو يمثل أحد عناصر المنهج الجدلي عند الباقلاني، فقد استخدمه في ثير من المسائل التي تتعلق بالمصطلحات الكلامية، كبيان لمعني العرض ومعني القديم والمحدث وشرحه لحقيقة الإيمان وغير ذلك من المسائل .

د- الدليل الشرعي:

ومثلما اهتم الباقلاني في منهجه الجدلي بالأدلة العقلية، فقد اهتم بالأدلة السمعية الشرعية المستمدة من القرآن والسنة والإجماع والقياس .

هـ- الإلزامات:

وإذا كان الباقلاني قد استخدم في منهجه كلا من الأدلة العقلية والنقلية، فإنه قد سلك في نقده لخصومه طريقة الإلزام علي الخصم، وهذه الطريقة تمثل أحد جانبي القياس الأصولي، وهو " قياس الطرد"، وهذا القياس يعني طرد حكم الأصل في الفرع سواء كان الحكم ثبوتا، فيكون الطرد في الإثبات، أو عدميا فيكون الطرد في النفي ".

و- رد الإشكال بإشكال مثله:

ومن الطرق التي سلكها الباقلاني أيضا، طريقة رد الإشكال بإشكال مثله . وهذه الطريقة تقوم علي أساس أن يثير المناظر أشكالا علي دعوي مناظرة فيقوم هذا برد الإشكال بإشكال مثله علي دعوي الأول، بحيث يجعله بين أمرين: إما أن يتخلي عن أشكاله الذي أثاره ويسلم بالدعوي أو يتمسك بإشكاله، فيؤدي إلي تسليمه بدعوي الخصم ويسلم الخصم بدوي خصمه الأول، فيصير الرأيان صحيحين مسلمين . وهي طريقة لا تفيد يقينا وإثباتا قاطعا لأي من وجهتي النظر اللتين قام الإشكالان ضدهما، وإن كانت تفيد حسم المناظرة أو الجدال القائم بين المتناظرين .

هذه هي سمات المنهج الجدلي عند الباقلاني، ولقد طور كبار الأشاعرة الذين جاءوا بعد الباقلاني المنهج الجدلي الأشعري .

فقد ساير أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي وفخر الدين الرازي، أستاذهم الأشعري، حينما استثني من خصومته المنطق، لأن قوانينه فيما يقول هي قوانين العقل الذي اتفق عليها جميع بني البشر .

وباختصار، فإن علماء الكلام، اعتبروا المنطق جزء من الدراسات الكلامية أو مقدمة ضرورية لها، وأطلقوا علي هذا الجانب من كتاباتهم المتعلقة بالمنطق اسم " كتاب النظر " تارة، و " كتاب الجدل " تارة أو " مدارك العقول " تارة أخري، وفي هذا يقول الغزالي:" نعم قولهم أن المنطقيات لا بد من احكامها هو صحيح، ولكن المنطق ليس مخصوصا بهم، وإنما هو الأصل الذي نسميه " مدارك العقول "، فإذا سمع المتكايس المستضعف ام المنطق، ظن أنه فن غريب لا يعرفه التكلمون، ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة، ونحن لدفع هذا الخيال واستئصال هذه الحيلة في الإضلال، نري أن نفرد القول في " مدارك العقول " في هذا الكتاب، ونهجر فيه ألفاظ المتكلمين والأصوليين، بل نوردها بعبارات المنطقيين، ونصبها في قوالبهم، ونقنقي آثارهم لفظا لفظا، ونناظرهم في هذا الكتاب بلغتهم – أعني بعباراتهم في المنطق، ونوضح أن ما شرطوه في صحة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق، وما شرطوه في صورته في كتاب القياس وما وضعوه من الأوضاع في " إيساغوجي" و" قاطيغورياس " التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته، ولم يتمكنوا من الوفاء بشئ منه في علومهم الإلهية.

وقد كان أمام الغزالي للتخلص من هذا الإحراج أحد أمرين:

1- إما أن يطور هجومه ليشمل المنطق فيرفضه، كما رفض الفلسفة، ويظهر تهافت المناطقة، كما أظهر تهافت الفلاسفة .

2- وإما أن ينظر له علي أنه علم قائم بذاته، ويمكن الإفادة منه في علوم أخري، وليس مجرد آلة للفلسفة أو مدخلا لها، ولما كان من غير المعقول، أن يتبني الغزالي الموقف الأول لم يكن أمامه سوي أن يأخذ بالموقف الثاني، ويعتبر المنطق علما قائما بذاته، وليس جزء للفلسفة أو مجرد مدخل لها، وبهذا الموقف يهاجم الفلاسفة في دعواهم الاستئثار بهذا العلم " المنطق " واضعا له أسماء أخري يشاركه فيها المتكلمون والأصوليون ويحاول أن يلتمس له أصلا غير فلسفي، فهو فن " الكلام" الذي يسميه " كتاب النظر "، وقد وجه لهذا الاسم الأصلي بعض التغيير من قبل الفلاسفة لمجرد التهويل، فسموه باسم " المنطق" .

ومعني هذا أن الغزالي، يعتبر أن الخلاف بين المنطقين وغيرهم من نظار المسلمين، يكاد يكون خلافا لفظيا، ويري أنه لكي يتخلص المسلمون من الخطأ في الاستدلال في شتي علومهم يجب عليهم أن يستخدموا المنطق، فيقول:" وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه، يعترف به كلهم فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان، لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن، وقد ذكرنا تلك الموازين الخمسة في كتابنا " القسطاس المستقيم"، وهي الهي يتصور الخلاف منها  بعد فهمها أصلا، بل يعترف كل من فهمها، بأنها " مدارك العقول " قطعا، والمحصلون لها يسهل عليهم عقد الإنصاف والانتصاف وكشف الغطاء، ورفع الاختلاف، ولكن لا يستحيل فهم الاختلاف أيضا، إما لقصور بعضهم عن إدراك تمام شروطه، وإما في رجوعهم في النظر إلي القريحة والطبع دون الوزن بالميزان كالذي يرجع بعد تمام تعلم علم العروض في الشعر إلي الوقوف للاشتقاق عرض كل شعر علي العروض، فلا يبعد أن يغلط .

فهو يري أن نظار المسلمين لا بد وأن يتفقوا علي معيار أو قانون أو ميزان من الموازين الخمسة التي يفردها كتابه " القسطاس المستقيم " في برهانهم، وأن يعتبروا هذه الموازين الخمسة الاحتكام إليها في البرهان بالذي يتعلم الشعر، فعليه أولا تعلم علم العروض .

وتتمثل الموازين الخمسة التي ذكرها الغزالي في الأصل إلي ثلاثة أقسام: " أولها: ميزان التعادل، وثانيها، ميزان التلازم، وثالثها، ميزان التعاند، ولكن ميزان التعادل ينقسم إلي ثلاثة أقسام، إلي الكبر، والأوسط، والأصغر، فيصير الجميع خمسة " .

ثم خطا الغزالي خطوة واسعة في سبيل ربط المنطق بعلم الكلام، إذ بدأ واضحا لديه، أن المتكلم ينبغي أن يكون في مقدوره تقدير وزن الآراء المتعارضة، ووزن الحجج هو مادة موضع المنطق، فهو الذي يميز الحجة " الصحيحة" من الحجة " الخاطئة "، كما يميز الحجج " الاقناعية " و" المغالطية " و "الشعرية" عن الحجج البرهانية، وهكذا أصبح المنطق بشكل متزايد أداة أساسية للدراسات الكلامية، كما هو كذلك بالنسبة للفروع الأخرى من المعرفة .

وقد دافع الغزالي عن المنطق دفاعا كبيرا، وكان له مع أستاذه الأشعري الفضل في إبقاء الدراسات المنطقية في المشرق الإسلامي بصورة نهائية .

وهنا نتساءل متي تم للأشاعرة إدخال المنطق في دراساتهم الكلامية ؟

يري بعض الباحثين أن الأشاعرة بدأوا يستخدمون المنطق الأرسطي منذ القرن الخامس في علومهم الدينية، بحيث يعتبر أواسط القرن الخامس من تاريخ الفكر الإسلامي فاصلاً بين عهدين دقيقين: " عهد لم يلجأ (الأشاعرة) فيه إلي مزج علومهم بالمنطق والفلسفة اليونانية، وعهد بدأوا فيه (الأشاعرة) عملية المزج هذه، وخاصة في نطاق المنطق .

ويذكر ابن خلدون أن هذه الحركة الأخيرة قام بها الغزالي، حيث يقول:"إن أول من كتب علي منحي المتأخرين، هو الغزالي، وقد عاد إليه من جاء بعده" .

وطريقة المتأخرين هنا كما يسميها ابن خلدون، هي الطريقة التي تم فيها تطعيم الأساليب الكلامية بالمنطق الأرسطي، لذا " غلب علي طريقتهم الأسلوب القياسي" .

علي أن هناك طريقة أخري، يسميها ابن خلدون بـ " طريقة المتكلمين "، ويمثلها من وجهة نظره "الباقلاني"، وهي طريقة قائمة علي المذهب الذري أولا ثم علي العلاقة المثبتة بين الأصول الفلسفية والعقيدة، وعلي القول بأن " بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول".

ولكن ما هو القطب الذي يدور حوله منهج المتقدمين ؟ أهو عدم اهتمام بالمسائل الفلسفية والمنطقية ؟ كلا ما دام الأشعري قد تأثر بمنطق أرسطو، لكن الغريب حقا، أن الباقلاني لا يستعمل اصطلاحات أهل المنطق في دراسته الكلامية، إذ لا نعثر علي مؤلف من مؤلفاته، ما يدل علي خوضه في علوم الفلسفة والمنطق، بل بالعكس هاجم الفلسفة والمنطق هجوما عنيفا، حيث يذكر ابن " تيمية" (ت: 728هـ)، أن للباقلاني كتباً في نقد المنطق الأرسطي، ومن أشهر كتبه " القائق " الذي رد فيه علي الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب علي منطق اليونان ".

وهنا يتضح لنا أن الباقلاني كان أول أشعري يرفض منطق أرسطو، باعتباره منهجا أدي بصاحبه إلي آراء وأفكار تخالف العقيدة الإسلامية في كثير من أصولها .

ويمكن أن نفهم المقصود بطريقة المتقدمين التي أشار إليها ابن خلدون، وهي تمثل كل من لم يأخذ بالمنطق الأرسطي في العلوم الإسلامية، ولذلك فالباقلاني يمثل القطب الأساسي لطريقة المتقدمين، وهذه الطريقة تمثل قاعدة منهجية تعد أصلا من أصول المنهج عند الباقلاني، وهي أن " بطلان الدليل يؤذن ببطلان الملول"، ولم يكتف الباقلاني بهذا، بل راح يستخدم الأدلة العقلية والأقيسة الأصولية وقياس الخلف والإلزامات، إلي جانب الأدلة النقلية والشرعية من القرآن والسنة والإجماع، فضلا عن الأدلة التوفيقية من كلام العرب ولغتهم، إلي جانب الاستشهاد بأخبار وآثار الأئمة والعلماء من السابقين عليه، والمعاصرين له بهدف ابطال دعاوي الخصوم، والكشف عما في آرائهم ومذاهبهم من ضعف وتهافت عن طريق إبطال أدلتهم وحججهم عليها .

ولعل هذه هي الأسباب التي جعلت الباقلاني ممتلكا لناصية الجدل الذي تأثر فيه بالمعتزلة، فقد كان متمكنا من الأساليب اللازمة للحجاج من الدليل الحاضر – حصر موقف الخصم في قضيتين لا ثالث لهما لإبطالهما معاً إلي مقابلة الإشكال بالإشكال أو معارضته نظرية الخصم من نتائج فاسدة، فضلا عما وهبه الله من قوة ذاكرة وحضور بديهة .

إن أهم أثر خلفه الباقلاني في تطور المذهب الأشعري، هو هذا النسق المنهجي لموضوعات علم الكلام، وقد تأثر به معظم من جاءوا بعده من متكلمي الأشاعرة .

وهذا يدل علي أن الباقلاني، لم يكن في آرائه مجرد تابع لأستاذه الأشعري مؤسس المذهب، ولا مجرد مواصل لحمل تراث الأشاعرة السابقين عليه، بل لقد تم علي يديه توضيح بعض النقاط، وتحديد كثير من لمفاهيم والمصطلحات وتقديم بعض الآراء والأفكار الجديدة في بعض المسائل التي يشملها المذهب، وهو ما أدي إلي تطوير المذهب من بعض الوجوه، وإلي تقريبه من رأي المعتزلة، وهذا ما لم يفعله بعض العلماء المتقدمين .

إذن الباقلاني يمثل في حد ذاته مرحلة في تطوير الأشعرية، فهو المؤصل الحقيقي للمذهب الأشعري، فلقد نظر المنهج الذي وضعه الأشعري، فبدأت الملامح الأساسية للأشعرية تبرز وتتضح علي يديه . وقد عبر عن هذا المعني ابن خلدون حينما قال:" واخ ذ عنهم ( أي تلاميذ الأشعري) القاضي أبو بكر الباقلاني، فتصدر للإمامة في في طريقتهم، فهذبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار، وجملت هذه الطريقة، وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية" .

وكان الباقلاني مالكي المذهب، حتي أن بعض المؤرخين يقولون عنه بأنه " انتهت إليه رئاسة المالكيين في وقته " .

ومن هنا يمكن لنا أن نفسر سر نقده للمنطق الصوري الأرسطي بتمسكه بالفقه المالكي، حيث أن الفقه عموما والفقه المالكي خصوصا، ليبدو منافيا منافاة جذرية للمنهج الاستدلالي في المنطق اليوناني، فهذا الأخير يتقوم بالصورة الذهنية ويقيس الحقيقة بما تكون العلاقة بين الصورة والأخري في الذهن بقطع النظر عن الواقع . أما الفقه فهو أكثر العلوم ارتباطا بالواقع، إذ هو يعالج قضايا واقعية تخص أمور الناس المتجددة، وهذه الأمور كما يقول الشاطبي (ت: 790هـ) لا تضبط بحصر ولا يمكن استيفاء القول في احداها، فلا يمكن أن يستغني عنها بالتقليد ، فمنهج استدلاله يقوم علي الاستقراء وتتبع الجزئيات .

والفقه المالكي يحمل هذا المعني بأكثر مما يحمله أي فقه من المذاهب الأخري، ويظهر هذا باستعراض أصول المالكية التي منها يستخرجون الحكام الفرعية، والتي هي التسعة التالية: الكتاب – السنة – والإجماع – والقياس- والاستحسان- والعرف – وعمل أهل المدينة – والمصالح المرسلة – وسد الذرائع .

وهي إلي جانب كثرتها أو تنوعها، إذ أنها تزيد علي أصول الشافعية بالخمسة الأخيرة، وعلي أصول الحنفية بالثلاثة الأخيرة، إلي جانب ذلك فإنها تصطبغ بالصبغة العملية التي تتمثل في مراعاة مصالح الناس وما تقتضيه تلك المصالح بدراسة واقع المجتمعات دراسة ميدانية .

ولذلك فإن الفقه المالكي يمتاز من بين أنواع الفقه المختلفة، بأنه يغلب عليه مراعاة المصالح، حيث أنه يجري في أصوله علي منطقها، وإن كان فقهاء المذهب المالكي يأخذون بالقياس، ولكنهم يخصونه في علله لمنطقهم الفقهي، وهو " جلب المصلحة ودفع المضرة "  . ولقد عبر الإمام الشاطبي عن هذا المعني إذ يقول متحدثا عن الاستحسان:" ...مقتضاه الرجوع إلي تقديم الاستدلال المرسل علي القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلي مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما يرجع إلي ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي تقتضي القياس فيها أمرا، إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلي فوات المصلحة من جهة أخري، أو جلب مفسدة كذلك .

وإذا ما كان الفقه المالكي علي هذا النحو من الواقعية التي تشده إلي ما هو جارِ في حياة الناس الزاخرة المتغيرة لمراعاة مصالحهم، وتطبعه لذلك بالطابع التتبعي الاستقرائي الذي تكون فيه الحقيقة في إصدار الأحكام علي أشد الصلة بالواقع، وإذا ما كان المنطق اليوناني علي ذلك النحو من التجريد الذي لا ترتبط فيه الأحكام إلا بما هو جار في الذهن من الصور، فإنه من الطبيعي أن لا يتأثر الفقه المالكي في صلب منهجه بالمنطق اليوناني لما بينهما من المنافاة في الطبيعة .

إن الفقه المالكي يعالج " سير الحياة المتشابك المعقد (وهذا) لا يمكن أن يخضع لقواعد مقررة جامدة تستنبط استنباطياً منطقياً من أفكار عامة معينة، ولو نظرنا إلي سير الحياة بمنظار المنطق الصوري الأرسطي لبدأ أليا بحتا ليس له في ذاته أصل يبعث فيه الحياة والحركة .

وهنا يتضح لنا أن الفقه المالكي كان له دور بارز في إعراض الباقلاني عن منطق أرسطو .

وثمة إشارة لـ " ابن خلدون" جديرة بالاعتبار، حيث  يقول:" ثم انتشرت من بعد الجويني علوم المنطق، وقرأه الناس، وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، بأنه قانون ومعيار للأدلة يسبر به الأدلة ليميزها عمن سواها، ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين، فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدت إلي ذلك، وربما أن كثير منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات، فلما سبروها بمعيار المنطق ردوها إلي ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله، كما صار  القاضي (الباقلاني)، فصارت هذه الطريقة من مصطلحهم مباينة للطريقة الأولي ".

ويشير ابن خلدون إلي ذلك بقوله:" إن الأولين يتقيدون بمبدأ الباقلاني في أ، بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول، علي حين أن المتأخرين، وبخاصة الغزالي يرفضون بعد ذلك دخول المنطق الأرسطي "..... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ميثم الجنابي"أكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها،

وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها"

(الغزالي)

إن التنسيق الدائم بين المعقول والمنقول في مناهج التفكير الإسلامي كان الأساس الذي حدد  خصوصية علاقة العقل بالشرع في عالم الإسلام. بمعنى انبثاقها من المسار العام، الذي تفرضه مكونات الثقافة الواحدية واحتكاك "كلمتها الأزلية" بعقلها التاريخي. الأمر الذي جعل منها إحدى أهم قضايا الفكر الفلسفي اللاهوتي والفقهي الإسلامي. كما أنها كانت أيضا الشكل النموذجي لعلاقة الإبداع الحر بالتقليد، والماضي بالحاضر، واليقين بالظن، والأمان بالمغامرة. من هنا تعرضها شأن كل الظواهر المشابهة إلى عملية تبدّل وتغير دائمة من حيث الشكل والمضمون.

فقد كانت هذه العملية النتاج الثقافي للتجزئة العقلية والسياسية والروحية في عالم الخلاقة (الدولة والثقافة)، التي أفرزت بدورها تضاد العقل والنص، ومن ثم تصادم أساليب خزن الثقافة وتعاملها الفكرى مع تجاربها المستجدة. لهذا كانت هذه العملية أيضا محاولة لتقييد وعي الذات الدائم وطابعه الاجتماعي الرزين. ومن ثم عرض عوارضه الطارئة على محك قيمها الكبرى. ومن هنا حيوية الانتماء المتماسك للثقافة في  تقييدها الذاتي. فليس كل تقييد انتهاك لحرمة العقل، مازال هو من إبداع العقل نفسه. فهي العملية المختمرة في تحديدها للذات العقلية نفسها، ورفع الحادث إلى مصاف القديم (الأزلي). فإذا كانت القضايا الفكرية هي النتاج المباشر وغير المباشر لتأملات الوعي ومعضلات الوجود الاجتماعي، فإن تضادهما الضروري والموَّحد هو النتيجة التي تعطي لميادينهما قيمتها الخاصة ومعناها. فهي الوحدة المتصارعة بين العقل والنص، وفي كل  منهما على إنفراد وفي وحدتهما. إذ أن الطابع الثوري للعقل ليس معزولا عن قدرته على التبرير، كما أن محدودية الشرع لا تخلو من عناصر الضبط والتوثيق. وليس العقل معزولا عن ضوابط الثقافة التاريخية في تقييد عالمه الداخلي ومواقفه، كما أن ضوابط الشرع ليست ضيقة للدرجة التي لا تتسع لمهمة تثويرها الداخلي. إذ ليس الشرع من الناحية التاريخية سوى العقل المتحوّر في هيئة "النص المقدس". وبالتالي ليس "النص المقدس" سوى نتاج الممارسة الاجتماعية التاريخية والذهنية، التي ابدعت بدورها قيمة الرمز في الكلمة. بل أن الوعي الفلسفي والتاريخي لا يمكنه تخطي حدود الرمزية في استيعاب الحقائق، وبالتالي جعله من "العقل النصي" قوة معرفية منظمة، وضرورية وعابرة من خلال تجوهره أما في أسلوب التحليل والتثوير الدائم أو في أسلوب التضييق والتحجير الدائم.

من هنا، ليست علاقة العقل بالشرع سوى الصيغة التاريخية الإسلامية، التي أفرزها تطور الصراع السياسي والثقافي للخلافة. فهي لم تظهر دفعة واحدة. ومن ثم لها، بهذا المعنى، مقارناتها وموازاتها مع معضلات الوعي الفلسفي المسيحي وشخصياته. حقيقة انه لا يوجد في الثقافة الاسلامية ترتوليان، لكنها تحتوي على أحمد بن حنبل، ولا يوجد اوغسطين، ولكن يوجد الاشعري. وفي الوقت نفسه، يمكن القول، بأن الثقافة القروسطية المسيحية لم تصنع شخصية كالغزالي، ولكنها صنعت الاكويني.

فالمقارنة لا تقوم بين أنداد لا تعرف الخلاف، لاسيما وأن مصدر المقارنة ليس من نتاج الثقافة العالمية المتنوع والمختلف فحسب، بل ويجري أيضا ضمن إطار معضلات الثقافة نفسها وشخصياتها. غير أن هذه المعضلات وليدة أرضيتها التاريخية. وبالتالي لكل منها هويته الثقافية الخاصة. إنها تنشأ شأن كل ما هو قادر على الحياة من أبسط مظاهره إلى أكثرها تعقيدا دون أن تتفاضل في الوعي التاريخي. فليست طفولة الفكر أقل تعقيدا من شيخوخته. والفرق بينهما يكمن في نسيان "العجائز" معاناتهم الأولية. ولعلاقة العقل بالشرع طفولتها السياسية والفكرية، التي ارهقت أجيالها الأولى. لقد نمت وعانت في الصراع الاجتماعي  الذي جعل من تأويل الكلمة "المقدسة" أسلوب الإضفاء الأيديولوجي والسياسي على قناعته العقائدية. وهذا بدوره ليس إلا العقل المتسيس تجاه علاقته بالشرع، والشرع المؤدلج في ميدان الصراع السياسي الديني. وكان ينبغي لهذا الكلّ الهلامي أن يتحطم من أجل أن تبرز ملامح التباين في ميادين الممارسة العملية والوعي. وكما كان ينبغي للعقل هنا أن يتعامل مع موضوعاته الاجتماعية السياسية والأخلاقية الروحية، وفي الوقت نفسه أن يستمد من القرآن مصادره الرمزية. وقد أنتج هذا الواقع مشكلة الحادث والقديم. واصطدم الوعي الإسلامي الأولي بهذه القضية باعتبارها معضلته الفكرية الكبرى، عير اتخاذها صيغة الجدل اللاهوتي العنيف حول قضية خَلق القرآن أو قِِدَمِِه، والتي شكلت في واقع الخلافة  آنذاك أساس وجنين قضية العقل والشرع اللاحقة.

فالجدل حول القرآن (كلام الله) وما إذا كان قديما أم حادثا (مخلوقا) لم يكن في الواقع سوى حصيلة الجدال اللاهوتي المتنوع حول الصفات الإلهية، التي مهّد لها تعمّق عناصر الوعي اللاهوتي السياسي. فالعبارة الشهيرة التي قالت بها الخوارج عن انه "لا حكم إلا لله"، قد انتجت الوحدة اللاهوتية السياسية بهيئة رد فعل ضد سياسة تفتيت لاهوتية السلطة الحكومية (إمامة الخلافة). ومن ثم الوقوف ضد تحكيم الرجال في أمر جرى البتّ فيه، والذي أصبح بهذا المعنى إلهياً. ولا معنى الآن للجدل حول مدى تناقض هذه الفكرة من الناحية المجردة. فهي الوحدة المفارقة للسياسة واللاهوت، التي صنعت بدورها مفارقة العبارة القائلة:"كلمة حق أريد بها باطل!".

فقد مثّلت حركات الخوارج الصيغة العملية والسياسية الأولية لقضية العقل والشرع، ولكن من خلال دفعها صوب ميدان الصراع السياسي اللاهوتي الأخلاقي. لقد امتلكت الكلمة أهمية كبرى دون أن تمتلك بنفسها قيمة معينة. ولم يكن ذلك معزولا عن تقاليد الكلمة الجاهلية. فالتراث الجاهلي لم يعرف تجزئة القول والعمل. لقد سجد في وثنيته أمام محراب الوفاء للكلمة. وعمّقت حركة الخوارج هذا الاتجاه بصيغته الدينية الإسلامية. ومن الممكن الاستشهاد بمثال عروة بن جدير (عروة بن ادية)، الذي ينسب إليه كونه أول من سلّ سيف من سيوف الخوارج. فعروة الذي رفض التحكيم واستغرب واستهجن أن يكون شرط الحكمين أوثق من شرط الله، لم يرفض في كلماته هذه العقل بقدر ما انه كان يمثل طفولة العقل الأخلاقي المباشر، التي سيعود إليها الوعي الأخلاقي النظري اللاحق، ولكن على مستوى أرفع. انه قال خيرا في أبي بكر وعمر عندما سأله زياد بن ابيه عنهما. بينما أعتبر حكم السنوات الست الأولى من خلافة عثمان بن  عفان حق وما بعدها ظلم، ووافق عليا حتى التحكيم. انه بلور في ردوده ما أتخذ لاحقا صيغة المبدأ الجوهري في الوعي التاريخي السياسي للخوارج. وحالما سأله زياد بن ابيه رأيه بخليفته (معاوية بن ابي سفيان)، فإنه أخذ يسبه سبا قاذعا. وحالما سأله عن نفسه (زياد) اجابه:أولك لزنية وآخرك لدعوة، وأنت فيما بينهما عبد عاص ربك! آنذاك لم يبق أمام زياد بن ابيه سوى أن يأمر بقتله. وحالما استفسر زياد مولاه (مولى عروة) أن يصف له أمر سيده ويصدق في وصفه أجابه قائلا، بأنه ما أتاه بطعام في نهار قط، ولا فرش له فراشا بليل قط! ثم أضاف "هذه معاملته واجتهاده وذاك خبثه واعتقاده". تحتوي هذه الرواية التي توردها أغلب كتب التاريخ والسياسة والملل والنحل على إشارة ضمنية عن وحدة العقل والشرع الضامرة كليا  في الممارسة، أو ما عبّر عنه القائل بكلمات "معاملته واجتهاده وخبثه واعتقاده". فهي الوحدة الكلية الشاملة للعمل والاجتهاد، والفعل والاعتقاد.

إلا أن الفعل والكلمة يظلان رغم وحدتهما الممكنة في حالة تباين نسبي دائم. وحالما يظهران في نشاط الجماعات السياسية، فإنهما يصنعان مبادئ العوالم، بوصفها الحالة الطبيعية لضرورة الوحدة ونفيها الدائم. وحركة الخوارج التي استثارت هذه الوحدة، لم تكن تسعى في الواقع إلا لاستعادة وحدة الأمة الاجتماعية السياسية والروحية المفقودة. إذ لم يعن الحكم لله رفض العقل وإعلان أولوية الشريعة والنص "المقدس" بقدر ما  كان محاولة صهرهما العملي الأخلاقي. وبهذا المعنى، تكون قد صنعت مقدمات تفتيتها الأولية، مازال العقل لم يستقل بصفته كيانا قائما بحد ذاته له منظوماته الخاصة. من هنا يمكن فهم السبب القائم وراء تحول مبدأ مرتكب الكبيرة إلى شعارها الأساسي. فهو ليس عالم الظاهر السياسي المناهض لعالم الباطن الإيماني، ولا عالم السياسة العملية المناهض لعالم الاعتقاد المرجئي، رغم انهما مثّلا لحد ما هذا الاتجاه، بل هو  التعبير الحي عن درجات وأساليب وأشكال انتظام عناصر الوعي العملي لعلاقة العقل بالشرع. فالنجدات العاذرية، على سبيل المثال، رفعت قضية الاعتذار السياسي إلى مصاف القضية الاجتهادية (العقلية)، وبالتالي ضمّنتها بالضرورة مهمة التعامل مع الشرع. فقد اقرّ نجدة بن عامر الحنفي (ت-69 للهجرة) بعذر الجاهلين بالشرع بالارتباط مع صراعه السياسي. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام نوع من التعامل العقلي (العملي) مع الشرع (النص). تلك القضية التي ستتخذ في منظومة الخوارج النجدية صيغة الفكرة اللاهوتية في موقفها من الدين، باعتباره أمرين أحدهما معرفة الله والرسل والإقرار بما جاءت به معتبرين ذلك واجبا، والجهل فيه لا يعذر، وما عدا ذلك فمعذورون فيه إلى أن تقوم الحجة في الحلال والحرام. بل ونراهم يعتبرون من جوّز العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل قيام الحجة عليه، كافرا.

إننا نقف هنا أمام أحد أشكال التفاضل الأولي البسيط في عالم السياسة بين وحدة العقل الأخلاقي والشريعة العملية، وإمكانية الاجتهاد العقلي المستقل، الذي لا يخضع بدوره لأداة تحريم مازالت الحجة العملية لم تقم بعد. لقد سيطرت الروح العملية الأخلاقية في وعي الخوارج للدرجة التي جعلت بعض فرقها (كالعجاردة) تعتبر سورة يوسف ليست من القرآن، لا لشيء إلا لأنه لا يجوز بنظرهم أن تكون قصة العشق من القرآن. وبغض النظر عن الحوافز المختلفة وراء هذا الرفض المتطرف وتأويلاتها المتباينة في آراء أصحابها، إلا أن هذه المواقف تشكلت في مجرى تجمّع القيم العقلية والوجدانية وأحكام التعامل الذهني مع النصوص "المقدسة". بحيث أتخذ في أحد نماذجه الورعة (كما هو الحال عند العجاردة) صيغة الزندقة المعارضة "للسنّة". وهذه بدورها ليست إلا أخلاقية العقل النقدي ولكن باسم الدفاع عن حقيقة الشرع. فهي لم تصغ مبدأ التعامل بين العقل والشرع، ولكنها وضعت مبدأ الشرع الأخلاقي من وجهة النظر النقدية العقلية البدائية (العملية). الأمر الذي يفسر بدوره تلك المحاولات الأولية الجريئة لوضع قضية العلاقة بين العقل والشرع بصورة مباشرة عند بعض فرق الخوارج كما كان الحال عند الأطرافية. فقد أعذر هؤلاء "أصحاب الأطراف من ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل"1 . بينما أجاز قسم من الاباضية أن يخلق الله رسولا بلا دليل ولا يجب عليه إظهار المعجزة. ولا يمكن توقع بلورة هذه الأفكار دون افتراض إمكانية الإقرار بإدراك العقل لهذا الشيء.

لقد صاغ الخوارج مفهوم العقل والشرع والموقف العملي منهما، دون أن يرفعوا هذه القضية إلى  مصاف التجريد النظرى. وينطبق هذا في الخطوط العامة على الحركات الشيعية الأولية. فهي الأخرى سارت في خطى "المعاناة اللاهوتية" (الكلامية)، أي في نفس المخاض السياسي للخوارج من خلال جعلها قضية الإمامة القضية المركزية. فقد احتلت هذه القضية مركز تفكير التيارات الشيعية، بحيث جعلوا منها محور العقل والشرع. وأعطوا لهذه القضية طابع التطويع السياسي المباشر وغير المباشر، العقلاني واللاعقلاني في منظوماتهم المختلفة. بينما شكّل التأويل الباطني، خصوصا في منظومات الغلاة، أسلوب تصوير وحل معضلة العقل والشرع. وأبدعت الشيعة في تقاليدها هذه إمكانات من الصعب حصرها، لكنها مع ذلك لم تصنع نموذجا عاما وصارما وشاملا في نظرية العقل والشرع. فما زالت إمكانية التأويل العقلي (الباطني) للنص غير متناهية (في المدرسة الإسماعيلية مثلا)، ومازال العقل ملزماً في تنفيذ مهمته التأويلية في سلسلة "الفيض" الروحانية باعتبارها الصيغة المجردة والملموسة لقدرة الإمام المعرفية والروحية، ومازال للإمام موقعه الكوني والوجودي والروحي السياسي، فقد كان من الصعب تصلّب هذا المبدأ وتحجره عندها في صيغة نظرية تقليدية صارمة. فإذا كانت مهمة الشريعة تقوم في تحريك النفس والأشخاص من أجل بلوغ الكمال، بينما الكمال يقوم في بلوغ العقل (الكوني) والاتحاد به باعتباره واسطة الخلق أو مبدأ ومرجع الوجود (الروحاني والجسماني)، فإن العلاقة بينهما لا يمكنها بالتالي أن تكون علاقة آلية أو حتى تاريخية (زمنية)، بل علاقة التبدّل الدائم، التي يحدد مضمونها لا التبعية أو التجانس بل السعي نحو الوحدة، والتي يشكل الإمام أرقى تجلياتها. من هنا فإن العلاقة بين الشرع والعقل تندرج في اطار ما يمكن دعوته بالتشبيه الكوني أو المثال المطلق لما ينبغي أن تكون عليه علاقات العالم (المادية والروحية). اذ ليست الشرائع، بنظر الفكر الإسماعيلي، سوى "عوالم روحانية أمرية"، وليست العوالم سوى "شرائع جسمانية خلقية". وتمتلك هذه الصيغة المجردة والروحانية العرفانية لعلاقة العقل بالشرع مقدماتها الواقعية في التراث الشيعي والثقافة الإسلامية ككل.بمعنى أن لها نفس الأساس التاريخي القائم في عالم السياسة والاجتماع. إذ ليست القضايا الجوهرية "لعالم العقل والشرع" الإسلامي آنذاك سوى نتاج عملية الاجتهاد الفكرية، التي فرضها واقع التطور السياسي والروحي. فقد أفرز وصيّر ظواهر ومشكلات الكتاب والسنّة، والإجماع والقياس أو ما سيدعى في الفكر الإسلامي بقواعد أو أصول الاجتهاد. بل أن الاختلافات اللاحقة حول ما إذا كانت هذه الأصول جميعا معترفا بها من قبل الجميع، لاسيما وأن هناك الكثير من المفكرين الكبار  من مختلف الاتجاهات والمدارس والمذاهب ممن رفض أن يكون الإجماع إلزاما كما هو الحال عند النّظام المعتزلي والغزالي نفسه ولاحقا عند ابن رشد وغيرهم. وفي كلتا الحالتين تشكلت مواقف متباينة من الصيغة التي يمكن أن تبنى على أساسها علاقة العقل بالشرع. والحديث النبوي المستلهم في ثقافة الفقه والفكر الإسلامية، والقائل بأن "اختلاف أمتي رحمة" و"لا تجتمع أمتي على ضلالة"، ليس إلا الصيغة الأكثر عمومية في الدفاع عن حرية الفكر واختلافات النظر وشرعية الاستقلال العقلي المرتبطة مع ذلك بصورة مستترة بروابط الشريعة الإسلامية نفسها. غير أن لهذه الظاهرة معضلاتها الخاصة، التي سأتناولها في وقت لاحق. أما المشكلة العامة والأساسية التي تبرز هنا فتقوم في أن ما سيظهر لاحقا بهيئة حلول نظرية لعلاقة العقل بالشرع، كانت بحد ذاتها نتاج هذه الظاهرة الاجتماعية الفكرية المرتبطة بسيادة الإسلام وصيرورة الخلافة .(يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1- الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص130.

 

محمود محمد عليمما تختص به تعاليم الدين الإسلامي صفة الشمول والاستقصاء، سواء فيما تدلي به من الحقائق عن الكون نشأة مصيرا وتدبيرا، أو فيما تتناول فيه حياة الإنسان اعتقادا وسلوكا.

وقد كان لهذه الصفة أثرها العلمي العميق علي الفكر الإسلامي عامة؛ والفكر الكلامي خاصة، حيث قد تطبع بوحي من التعاليم الشاملة علي سعة في مناحي النظر وشمول في مواضيعه الطبيعية والميتافيزيقية، فأصبح له هذا الشمول خاصية ثقافية مميزة، صارت معها كل موضوعات الفكر مادة له، كما تشهد بذلك مؤلفات أبي الحسن الأشعري (ت:324هـ - 935م)، وأبي بكر الباقلاني (ت: 403هـ - 1013م)، والإمام أبي المعالي الجويني (ت: 478هـ) والإمام أبو حامد الغزالي (ت: 505هـ)، و" فخر الدين الرازي (ت: 606هـ)، و" سيف الدين الآمدي (ت: 631هـ) و، والبيضاوي (ت: 685هـ) وعضد الدين الأيجي (ت: 756هـ) وغيرهم من أعلام الأشاعرة.

إلا أنه محافظة علي صفاء الحقائق الدينية، كما جاءت بها تعاليم الوحي خدمة للغرض الديني الآسمي الذي هو صلاح العباد بتلك الحقائق، فقد تطبع الفكر الأشعري إلي جانب ذلك الشمول في التوجه علي صفة من الاحتراز والنقد لإسقاط ما عسي أن يسيئ إلي حقائق الدين مما أنتجه العقل .

فجاء التراث الإسلامي تسير فيه جنبا إلي جنب النزعة النقدية المتأنية بالاحتراز والنزعة التقريرية الواسعة المتأنية بالمشول . بهذه العقلية الشاملة الناقدة اتجه الأشاعرة منذ مطلع القرن الرابع الهجري إلي علوم الأوائل متخذين منها ما يساعد علي تحقيق الغرض الديني ويرد منها ما يؤدي إلي الحيلولة دونه .

ولما كان فلاسفة المسلمين في ذلك العهد، تغلب عليهم الثقافة اليونانية، فقد امتد الفكر الأشعري إلي هذا العلم بالدراسة بعد ترجمته إلي اللسان العربي في حركة الترجمة الشهيرة في العهد الأول من الحكم العباسي هذا من ناحية، وإلي مؤلفات ابن سينا المنطقية من ناحية أخري.

ولئن كانت جولة النقد والتقدير بعد الاطلاع والدراسة، قد شملت جميع أجزاء هذا العلم من منطق وطبيعيات وإلهيات، فإنها لم تبلغ من الأهمية، ولم يقع فيها من اللجاجة في أي جزء منها منه كما كان في الجزء المنطقي .

ولعل السبب في ذلك هو أن المنطق كان ينظر إليه من جانب البعض باعتباره منهجا في التفكير أدي إلي القول بآراء تعارض الدين وتتناقض مع بعض أصوله.

لذلك فقد أسفر التوجه الفكري الناقد للمتكلمين إلي هذا العلم عن تردد في موقفهم العام بين قبوله ورده، مقالا في مؤلفات خاصة، حالا في سائر مؤلفاتهم، فنشأت من ذلك حركة شارك فيها معظم متكلمي وفقهاء الأشاعرة وتقابل فيها التهجين والنقد مع القبول والتأكيد علي نحو ما نري في كتب أبي حامد الغزالي، وخاصة في " معيار العلم" و " محك النظر" و" القسطاس المستقيم"، وكتب " جلال الدين السيوطي " (ت: 911هـ)، وخاصة " صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام" .

وربما كان اختلاف علماء الكلام في موقفهم من هذا العلم راجعاً إلي التطور الذي طرا علي المذهب الأشعري، وكان هذا التطور قد اتخذ مساراً من شأنه أن يقرب بين وجهات النظر المنطقية التي أخذ بها فلاسفة المسلمين؛ وبخاصة ابن سينا، وبين وجهات النظر الدينية والعقائدية التي كانت تمثل أساساً للمذهب الأشعري .

وعلي أية حال فإن معظم علماء الكلام أصبحوا ينظرون إلي المنطق نظرة مخالفة عن سابقيهم من أصحابهم، ومن ثم أولوا اهتماما للمنطق، حقق لديهم اقتناعا بصلاحيته وقدرته علي التبليغ إلي الحق وتأثروا به فيما أنتجوه من آراء كلامية وفقهية، إذ أن المنطق كما يقول الغزالي " القانون الذي يميز صحيح الحدود والقياس، عن فاسدهما، فيميز العلم اليقيني كما ليس كذلك، وكأنه الميزان والمعيار للعلوم كلها ".

ولذلك قد لا نجانب الصواب إذا قلنا بأن المدرسة الأشعرية تعتبر من أهم وأشهر المدارس والفرق الكلامية في الإسلام . ويمثل رصيدها العلمي والثقافي الذي خلفه مفكروها وعلماؤها، وأودعوه بطون مؤلفاتهم منذ نشأتها وخلال مراحل تطورها علي مر العصور، قدراً من التراث الفكري الإسلامي بوجه عام، ومن الجانبين الديني والفلسفي لهذا التراث علي وجه الخصوص، ولا تنحصر عظمة هذا القدر في كمه فقط، بل تتجاوزه إلي حيث الكيف والمحتوي . ذلك أن المذهب الأشعري بمضامينه الفكري كان يحظي في كل عصر من عصور التاريخ الإسلامي بدرجة أو بدرجات من النمو والتطور والازدهار بفضل ما توافر له من ظروف وعوامل عديدة ومتنوعة ضمنت لهذا المذهب استمراريته حتي عصورنا هذا رغم أفول كثير من المذاهب استمراريته حتي عصورنا، هذا رغم أفول كثير من المذاهب والفرق الإسلامية التي ظهرت قبل الأشاعرة كالخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم .

ويمكن القول، بأن ظهور المذهب الأشعري، كان في وقت انتشر فيه المذهب الإعتزالي، ذلك المذهب الذي انبثق من حلقة " الحسن البصري (ت:110هـ)" السلفية مؤكدا منذ البداية دور العقل في مقابلة النص، من حيث المنهج، ومؤثرا التنزيه الإلهي والوحدانية، ولو علي حساب صفات الكمال الأخرى من الجانب الإلهي ومتشبثاً بفكرة الحرية والاستقلال بالنسبة للجانب الإنساني، تطبيقاً للعدل الإلهي، وقد طغي لديه الاتجاه العقلي المسرف نحو التنزيه والتجريد، بالنسبة للمعتزلة، هو وقوعهم في شئ من التغالي في الاعتداد بالعقل (وذلك في نظر الأشاعرة)، والزهادة في النص الديني؛ وعلي الأخص الحديث النبوي الذي سلطوا عليه مقياسا نقديا يناسب الآراء التي ذهبوا إليها .

وفي القرن الثالث الهجري بدأ نجم المعتزلة الأوائل في الأفول، فقد كان أهل السنة ينظرون إليهم بعين الكراهية، ولقد حملوهم مسئولية الفتن والاختلاف، فضلا عن أن المجتمع الإسلامي قد ضاق ذرعا بتصورهم العقلي الجاف للموضوعات الإلهية، ولم يكن في نظريات المعتزلة ما يشبع العاطفة الدينية للرجل العادي، ولم يكونوا يأبهون بأن يجيبوا العامة في آرائهم، فقد عاشوا كأي فرقة تستند إلي العقل كأنهم فئة فكرية أو أقلية مثقفة يسودها الاستعلاء الفكري علي تصورات العامة ووجدانهم، بل إن في آراء المعتزلة ما يصدم عواطف الجماهير، ولم يترددوا في إعلان هذه الآراء في المواقف التي تقتضي العاطفة والمشاركة الوجدانية ، من حيث الآراء إنكار الشفاعة في الكبائر أو عدم نفع الدعاء أو الاستغفار للميت.

هذا وقد كانت تسود العصر حاجة فكرية ملحة إلي الحلول الوسطي والآراء المعتدلة، وليس أدل علي ذلك من ظهور الإمام " أبي الحسن الأشعري (ت: 324هـ)"، وكان ظهوره علي مسرح الدراسات الكلامية تطوراً هائلاً في المنهج الذي كانت تستخدمه المعتزلة، وهو منهج الذي اعتمد في جانب كبير منه علي النظر العقلي، من حيث أنهم استخدموا بعض الأقيسة والإلزامات وعمدوا كثيراً إلي ضرب الأمثال واستخلاص الأحكام من المعاني المتضمنة في النصوص.

ونجد أن الأشعري قد جعل هذا المنهج أكثر إحكاما ودقة بتأثره الشعوري أو اللاشعوري بمنهج المعتزلة؛ وخاصة وأنه كان تلميذا نابهاً من تلاميذ " أبي علي الجبائي المعتزلي (ت: 303هـ)"، وأكثر من ذلك محاولة الأشعري الاستفادة مما ورد في أورجانون أرسطو؛ وخاصة في " التحليلات الأولي" و " الطوبيقا" و" السوفسطيقا"، وتطبيقه علي الكثير من المشكلات الكلامية.

ويشهد كتاب " الإبانة عن أصول الديانة " بمقدار تأثر الأشعري بالمنطق الأرسطي، فقد أصبح القياس الأرسطي، هو الشكل المقبول للتفكير، كما أن جزءً كبيرا من القواعد المنطقية المختلفة التي تضمنها كتاب " الطوبيقا"، قد طبق علي بعض المشكلات الكلامية .

فلقد تميز الأشعري بموهبة جدلية فائقة، مثل المعتزلة الأوائل، ثم أضاف إليها " طريقة فنية"، لم يعرفها هؤلاء . وقد تلقي فن الحوار والجدل من الفلاسفة المعاصرين له، ومما قرأه في الكتابات الأرسطية؛ وبخاصة " الاورجانون الأرسطي "، الذي كان قد ترجم بالفعل إلي اللغة العربية، هذا من جانب تأثره بأستاذه " أبي علي الجبائي" من قبل .

والواقع أن المنهج الأرسطي، يبدوا أنه قد أثر تأثيرا بالغاً في الأشعري الذي أصبح " القياس" لديه، هو الصيغة المألوفة في البرهنة.

والمتأمل لكتاب " الإبانة عن أصول الديانة" يجد أن الأشعري يناقش في هذا الكتاب آراء خصومه من المعتزلة بالكثير من النظام والوضوح، وهو يعرضها أولاً باختصار، ثم يعرج بعد ذلك إلي دحضها، ويستعرض كل وجوه المسألة الواحدة، مقدما حول كل نقطة البراهين المضادة، وينتهي بالاختيار بين الإيجاب والنفي، إما حسب النص أو تبعاً لتفرقة جديدة .

كما يحاول الأشعري عن طريق التقسيم والتصنيف أن يقيم شكلا من القياس، وقد أتاحت له الصيغة التالية: "فإن قال – قلت " أن يستقصي كل الفروض الممكنة حول المشكلة التي يتناولها . هذا إلي جانب براعته في تليل اللفظ مسايرا المنهج الذي طبقه أرسطو في دراساته عن المترادفات والجناس .... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد ابن حزم واحدا من فقهاء الأندلس الذين اعتنقوا المذهب الظاهري، الذى أنشأه "داود بن سليمان" (ت: 270هـ)،  ثم وقف من المنطق الأرسطي موقفا مؤيدا خالف فيه الشافعي، حيث كان من أهم أغراض المشروع الثقافي لأبن حزم تأسيس الشرع على القطع، وضبط القواعد المتبعة فى العلوم الدينية، وهو مقصد لا يتأتى إلا بالاستعانة بعلوم الأوائل ومن بينها وأهمها المنطق من حيث هو أداة ضابطة للتفكير، تضفى عليه الصرامة والدافة الضروريتين للحفاظ على هوية الشرع وعلى كما له وحمايته من خطر الإضافات والزيادات، لا على المستوى الشرعي فحسب، بل حتى على المستوى العقائدي . حيث خطر التأويلات وتهد يدها ممثلا فى الملل والنحل التي جنحت عن الإسلام دينا وسلوكا فى نظرا بن حزم مما يتطلب دعم العقيدة الإسلامية مجسما فى علوم الأوائل  وبخاصة المنطق، وذلك من أجل بناء الشرع على القطع ودعم المنقول بالمعقول .

ومن أجل ذلك ألف ابن حزم كتابه "التقريب لحد المنطق والمدخل إلية بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية" وفى مقدمة هذا الكتاب قسم ابن حزم الناظرين فى كتب المنطق إلى أربع طوائف:

أولها: طائفة حكمت على كتب المنطق بأنها محتوية على الكفر وناصره للإلحاد دون أن يقفوا على معانيها، ويحكم ابن حزم على هذه الطائفة بأنها مخالفة لروح الشرع .

والثانية: طائفة ترفض هذه الكتب لأنها بدعة وعبث من القول، ويصف ابن حزم أصحاب هذا الرأى بالجهل، ويتساءل معهم قائلا:  "فإن قال جاهل: فهل تكلم أحد من السلف الصالح فى هذا، قيل له: أن هذا العلم فى نفس كل ذى لب، فالذهن الذكى واصل إليه بما مكنه الله تعالى من سعة الفهم إلى فوائد هذا العلم. والجاهل متسكع كالأعمى حتي ينبه عليه، وهذا شأن سائر العلوم، فما تكلم أحد من السلف رضوان الله عليهم في مسائل النحو، ولكن لما فشا الجهل بين الناس باختلاف الحركات التي باختلافها اختلفت المعاني في اللغة، وضع العلماء كتب النحو فرفعوا إشكالا عظيما، وكان ذلك معينا علي الفهم لكلام الله وكلام نبيه . وكان من جهل ذلك ناقص الفهم عن ربه . فكان هذا من فعل العلماء حسنا وموجبا لهم أجراً " .ثم يتابع ابن حزم فكرته في تبرير دراساته للمنطق فيقول:" وكذلك هذا العلم (المنطق) فإن من جهله خفي عليه بناء كلام الله عز وجل مع كلام نبيه .. وجاز عليه من الشغب جوازا لا يفرق بينه وبين الحق، ولم يعلم دينه إلا تقليدا والتقليد مذموم ".

والثالثة: طائفة قرأوا هذه الكتب بعقول مدخولة وأهواء مريضة غير سليمة فضلوا في فهمها ورفضوها بسبب الفهم السقيم لها .

والرابعة: طائفة نظرت في هذه الكتب بأذهان صافية، وأفكار نقية من الميل وعقول سليمة فاستندوا بها ووقفوا علي أغراضها، فاهتدوا بمنارها . وثبت التوحيد عندهم ببراهين ضرورية لا محيد عنها، ووجدوا هذه الكتب كالرفيق الصالح ".

ويصل ابن حزم من ذلك إلي القول بفائدة المنطق لكل علم، وأنه آلة نافعة لكل مستدل " .

ومن هذا المنطق يبطل ابن حزم القول بأن تعاطي المنطق بدعة، فكما النحو وغيره من علوم اللغة استحدثت، ولم يخض السلف الصالح فيها، نظرا لظهور الحاجة إليها بعد ما تفشي اللحن، أي ظهور الحاجة لقواعد تقنن استعمال اللغة، كذلك المنطق، ظهرت الحاجة إليه أيضاً كمعين علي فهم النص استعمال اللغة، كذلك المنطق ظهرت الحاجة إليه كمعين علي فهم النص والاستدلال علي صحة مضامينه " فإن من جهله (أي المنطق) خفي عليه بناء الله عز وجل مع كلام نبيه صلي الله عليه وسلم . والسلف الصالح في حاجة إلي كل ذلك، لأنهم عاصروا النبوة وعاشوا في فترة لم يوجد فيها مشاغبون يخلطون الحق بالباطل .

ويبدو من حديث ابن حزم، أن هناك ثلاثة دوافع تظهر معها الحاجة إلي صناعة المنطق في مجال العلوم الدينية، وهي:

1- فهم بناء كلام الله ورسوله، وفهم أحكامه وطرق استنباطها .

2- الرد علي المشغبة، وهو أمر يقتضي التسلح بالأفانين التي يلجأون إليها لإثبات دعاواهم الباطلة.

3- التمييز بين الحق والباطل، وه أمر يتم بطبيعة الحال لا بصورة مجردة، بل اعتمادا علي انص الديني .

ونلاحظ أن الدافع الأول دافع أصولي فقهي، فمعرفة القضايا وأقسامها ومعرفة الكلي والجزئي، والسلب والإيجاب، ليس له فائدة سوي فهم الأحكام الإلهية والعلاقات بينها، وطبيعة الجهات الشرعية.

وهذا مدلول امتزاج المنطق بالفقه، ومعني امتزاجها، أي فهم الفقه لا يقوم إلا بالمنطق لأن من طبيعة الفقه أن يؤدي بنا إلي كيفية وقوع الأسماء علي مسمياتها، ووجوه ارتباط القضايا والأحكام ببعضها البعض.

ومما يؤيد ما ذهبنا إليه بخصوص موقف ابن حزم الأصولي من المنطق الأرسطي نذكر رأي " روبير برونشفيك " , حيث يذهب في إحدى دراساته إلي أن ابن حزم نموذج من الفلاسفة المسلمين الذين قالوا بإمكان تطبيق واقتباس المنطق الأرسطي جزئيا في الأحكام الشرعية، وخلافا للغزالي الذي قال بالإمكان الكلي ولابن تيمية الذي قال بالاستحالة المطلقة .

ولا شك في أن المسألة في الإشكالية الحزمية لم تطرح علي هذا النحو، أي لم يكن أمام ابن حزم اختبار موقف من الموقفين امكان اقتباس أو عدم إمكانه، بل كان أمام محاولة إثبات كيف أن فهم النص الديني، وفهم أحكامه يحتاج ويستدعي اللجوء إلي المنطق، أي معرفة كيفية وقوع الأسماء علي مسمياتها، وأن معالجة مسألة ما من المسائل الفقهية والأصولية، تتطلب معرفة بطرق الاستنباط . وتلك الطرق بالضرورة، هي ما قال به أرسطو، يقول ابن جزم " إن الكتب التي جمعها أرسطاطاليس في حدود الكلام ( يقصد قواعد المنطق) كلها كتب سالمة، مفيدة، دالة علي توحيد الله عز وجل،وقدرته عظيمة المنفعة في انتقاد جميع العلوم . وعظم منفعة الكتب التي ذكرنا في الحدود ( أي القواعد المنطقية) في مسائل الأحكام، بها يتعرف كيف يتوصل إلي الاستنباط (الصحيح)، وكيفية تقديم المقدمات، وإنتاج النتائج، وما يصح من ذلك صحة ضرورية أبدا، وما يصح مرة، وما كان خارجا عن أصله، ودليل الاستقراء، وغير ذلك مما لا غناء بالفقيه المجتهد لنفسه لأهل ملته عنه " .

إذن ابن حزم يؤمن بفائدة المنطق لأي علم ومنها علم الفقه وأصوله، وأنه آلة نافعة لكل مستدل .

ويربط ابن حزم بين دراسة المنطق وفوائده للفقيه، فيجعل فائدة المنطق عامة، كما صرح بذلك الفارابي وابن سينا من قبل، وفوائده في فهم كتاب الله وحديث نبيه صلي الله عليه وسلم، وفي الفتيا في الحلال والحرام، والواجب والمباح أعظم وأعم .

كما يجعل ابن حزم معرفة المنطق أساسا في الإفتاء، وذلك لوجوه:

أولها: اعتقاده أن دراسة المنطق تساعد علي فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام وفهمها .

وثانيها: العلم بمسائل المنطق وأصول البرهان، تساعد المفتي والفقيه علي التمييز بين الآراء، لنعرف الصحيح من السقيم، بحيث يتحقق له الإفتاء علي الوجه الصحيح الصائب .

وثالثها: اعتقاده أن المنطق قد يساعد علي بناء اليقين، والدفاع عن العقيدة، لأن إيمان المقلد عنده غير صحيح مشكوك فيه .

ورابعها: هو أن اشغاله بالفقه والكلام، دفعه إلي الاشتغال بالمنطق لحاجة المتكلم إلي معرفة أساليب الجدل، وحاجة الفقيه إلي إقامة البرهان .

وانطلاقا من هذا، حاول ابن حزم تطويع منطق أرسطو، كي يغدو آلة ضابطة للتفكير عامة، وللتفكير الفقهي علي الخصوص، فقد تجاوز نقائض المنهج القياسي القائم علي العلة والتعليل، وذلك أن فهم الأحكام الشرعية وفهم كيفية أخذ الألفاظ علي مقتضاها وفهم العام والخاص والمجمل والمفسر وبناء الألفاظ بعضها علي بعض، وتقديم المقدمات، وإنتاج النتائج، والصحيح من القياس والفاسد منه، يتطلب معرفة بالمنطق وتسحا به، وهو علم لا غناء عنه بالنسبة للمتكلم والفقيه والمحدث والناظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات لأن مهمته الوقوف علي كافة الحقائق وتميزها من الأباطيل .

ومما يكشف عن نية ابن حزم في تأسيس الفقه علي المنطق الأرسطي، أنه أسقط تماما لفظ " القياس " من حيثه عن أشكال الاستدلال مكتفيا بكلمة " البرهان"،وهو أمر نابع من اقتناعه بنقائض القياس الفقهي وعدم يقينية نتائجه، مما يجعله دعوة بلا برهان، أو يجعل نتائجه علي الأكثر قائمة علي الظن والترجيح ويسوق ابن حزم الأدلة لإبطال القياس الفقهي، ونلخصها فيما يلي:

أول هذه الأدلة: أن الله سبحانه وتعالي أنزل الشرائع فما أمر به فهو واجب وما نهي عنه فهو حرام، وما لم يأمر به ولم ينه عنه فهو مباح مطلق حلال والنصوص جاءت بكل ما محرم، وجاءت بكل ما هو مأمور به، والباقي علي أصل الإباحة، فمن أوجب من بعد ذلك شيئا بقياس أو بغيره، فقد أوتي بما لم يأذن به الله تعالي، ومن حرم من غير النص، فقد أتي بما لم يأذن به الله تعال .

الدليل الثاني: أنه لا قياس في موضع النص عند القياسين، وإنما القياس في غير موضع النص، ومن قال أنه لم يشمل النص كل شئ، فهو يناقض قوله تعالي " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " وقوله تعالي:" لتبين للناس ما نزل إليهم  . وقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع:" اللهم هل بلغت ؟ قالوا نعم .قال: اللهم أشهد " فإن هذه النصوص كلها تدل علي أن النصوص قد اشتملت علي كل شئ فلا حاجة إلي قياس بعدها .

الدليل الثالث: أن القياس في غير موضع النص، مبني علي الاشتراك في الوصف الذي اعتبر علة الحكم بين الأصل المنصوص علي حكمه، والفرع غير المنصوص علي حكمه، وإن هذا الوصف لا بد من دليل عليه، فإن كان هذا الدليل هو النص، فإن الحكم في الفرع أخذ من ذلك النص، وليس هذا قياسا،وإن لم يؤخذ من نص ولا إجماع، فمن أي شئ عرف؟، وإن ترك ذلك من غير بيان إشكال وتلبيس، وتعالي الله عن ذلك علوا كبيرا، ولا يحل لأحد أن ينسب هذا إلي شئ من دين الله تعالي، الذي قد بينه سبحانه غاية البيان علي لسان رسوله صلي الله عليه وسلم .

والدليل الرابع: أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر المؤمنين بأن يتروا ما تركه الرسول، وما تركه رب العالمين من غير نص علي أصل ما كان عليه، فقد قال عليه الصلاة والسلام " دعوني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم علي نبيهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وغذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه ". وبهذا يتبين أن ما لم ينص عليه فليس للعبد أن يحرمه بقياس، ولا أن يأمر فيه بقياس، وألا يكن ممن يزيد علي شرع الله ولم يكن أخذا بذلك الحديث الصحيح .

والدليل الخامس: يتمثل في نصوص كثيرة صريحة في إبطال القياس، من مثل قوله تعالي " يأيها الذين أمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله "، وقوله تعالي:" ولا تقف ما ليس لك به علم "(، وقوله تعالي:" ما فرطنا في الكتاب من شئ ، وقوله تعالي:" كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون" .

هذه هي الأدلة التي يسوقها ابن حزم لإنكار القياس الفقهي، علي أن هذا لا يعني أن ابن حزم يطعن في أساس هذا القياس، بل يري أن هذا الأساس قائم علي الاستقراء ؛ فقياس الفقهاء كما يراه ابن حزم هو استقراء، وفي هذا يقول:"... فمن ذلك شئ سماه أهل ملتنا القياس، أن معني هذا اللفظ، هو أن تتبع بفكرك أشياء لموجودات يجمعها نوع واحد ويحكم فيها بحكم واحد، فنجد في كل شخص من أشخاص ذلك النوع، أو في كل نوع من أنواع ذلك الجنس صفة قد لازمت كل شخص من أشخاص ذلك أو في كل نوع تحت الجنس أو في كل واحد من المحكوم فيهم، إلا أنه ليس وجود تلك الثقة مما يقتضي وجودها في كل ما وجدت فيه، ولا تقتضيه طبيعة ذلك الموضوع فيكون حكمه واقتضته طبيعته أن تكون تلك الصفة فيه ولا بد . بل قد يتوهم وجود شئ من ذلك النوع خاليا من تلك الصفة .

ومن جهة أخري هاجم ابن حزم القاس الفقهي، لكونه يقوم علي قياس الغائب علي الشاهد في أمور لا يصلح فيها هذا القياس، وفي هذا يضرب ابن حزم مثالا فيقول: " ما دمنا في حياتنا العادية لا نري فاعلا، وهذا غير جائز لأن الغائب هنا هو ما فوق الطبيعة والعقل . أما إذا كان الغائب ما غاب عن العقل، بل هو شاهد فيه كمشهود ما أدرك بالحواس، ولا فارق، وهذا ما يضمن إمكانية التعميم وصحة الانتقال من الجزئي إلي الكلي، وإذا أيقن المرء أن الحواس موصلات إلي النفس، وأن النفس إنما يصح حكمها بالمحسوسات، وإذا صح عقلها من الآفات، لم يجد المرء حينئذ لما يشاهده بحواسه، فضلا علي ما شاهده بعقله دون حواسه، فلا غائب من المعلومات أصلا وإذا غاب عن العقل لم يجز أن يعلم البتة " .

ويذكر ابن حزم أن لجوء الفقهاء إلي إطلاق لفظ " القياس"، والذي هو في الحقيقة مجرد عطية استدلالية منطقية، تتركب من مقدمتين ونتيجة تلزم عنهما ضروريا ليس إلا حيلة ضعيفة سوفسطائية لتسمية استقرائهم " قياسا" .

ما سبق يتضح لنا أن ابن حزم، يريد باختصار تأسيس الفقه والأصول علي المنطق، وذلك من أجل إضفاء اليقين .

أما الدافع الثاني إلي صناعة المنطق في نظر ابن حزم، فهو دافع جدلي، والجدل هنا يؤخذ بمعني النقاش الذي نسعي فيه ومنه إلي دحض آراء الغير قصد إبراز تهافتها، وما تتضمنه من باطل، هو مناصرة الباطل ومنهجه التلبيس، والتلبيس يكون بإيجاب ما لا يجب، وإما بإسقاط قسم من الأقسام أو أكثر أو زيادة قسم فاسد .

والملاحظ بهذا الصدد، أن ابن حزم لا يعتبر السفسطة في كتابه " التقريب " كتابا بذاته، مثلما هو الشأن مع أرسطو، ولذا لا يفرد لها كتابا بها، بل هي في نظره ما ليس برهانا، ولا ما يؤخذ من مقدمات حسية .

غير أن الحق في نظر ابن حزم لا يدرك بالعقل فقط، بل واعتمادا علي نص ديني، وارتباطا باللغة ولا سيما وأن هذه الأخيرة في نظر ابن حزم كلمات مستفزة في النفس لدي جميع ناطقيها بنفس الكيفية، فمعانيها واحدة وظاهرة، إلا لمن أراد التشغيب، وفي هذه الحالة الحاجة إلي إتقان أساليب الجدل وصناعة المنطق، لا لأنها توصل إلي الحقيقة، ولكن لأنها تساعد علي إبطال حيل الخصم وإبراز تهافت حججه، وهذا بالفعل ما قام به في كتاب " لفصل " حيث تصدي لإبطال مضامين الحلل والملل الأخرى التي لم يكن يتفق معها، كما قام بشبيه ذلك في كتاب " الفروع والأصول" .

وأما الدافع الثالث، فهو دافع أخلاقي ديني، وبما هو ديني فإنه يتضمن بالطبع الجانب الآخر الملازم له، وهو الدنيوي المتمثل في تدبير المنزل والرعية " يعطي للفلسفة أبعادا وحدودا، وتجعلها شيئا مناظرا للشريعة نفسها . فمقاصدها هي مقاصده، وغذا كان المنطق مدخلا للفلسفة، فلا مانع من أن يكون غلما مساعدا في فهم النص الديني، وفهم حدود الكلام وبناء القضاء وترتيب المقدمات والنتائج وشروط الاستنتاج وبنية البرهان والتمييز بين القضايا الكاذبة والقضايا الصادقة والتمييز بين الحق والباطل، فإذا كان الفكر اليوناني اعتبر الأخلاق ثمرة الفلسفة، واعتبر التمييز بين الحقيقة والخطأ، مؤسسين علي النظر، فإن المنطق آلة ذلك النظر.

وهنا نلاحظ أن ابن حزم يجعل الأخلاق ثمرة الدين، والتمييز بين الحق والباطل مصدره هذا الأخير، والمنطق آلة النظر في الدين، وفي نصوصه قصد فهم أحكامه، لأن هذا الأخير لا يمكن أن تفهم حق الفهم، إلا تفكيرا لا يبقي في مستويات العموميات المجردة، بل ينصب علي لغة مركبة من ألفاظ وضعت ليعبر بها عن معاني علقت هذه الألفاظ عليها . والباطل يحدث كلما أحيلت الألفاظ عن معانيها، وحرفت الكلمات عن مواضعها .

هذا هو باختصار موقف ابن حزم من المنطق الأرسطي، وقد بدأ فيه ابن حزم مولعا به، الأمر الذي جعله يصرح بأن هذا المنطق آداه جيدة ومثمرة في الدراسات الفقهية .

وهذا الموقف الذي وقفه ابن حزم من منطق أرسطو سيكون له أثر فعال عند الأشاعرة ؛ وبخاصة الغزالي الذي سيدعم فكرة مزج المنطق بالفقه علي المذهب الشافعي الذي يؤمن بالقياس الفقهي ويتغاضى عن بعض الأفكار الفقهية التي قام بها المذهب الظاهري عند ابن حزم.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمود محمد عليكان الإمام الشافعي، هو أول من دون أصول الفقه، ورتب أبوابه وجمع فصوله، وقد قال في حقه ابن خلدون (ت: 808هـ) :" وكان أول من كتب فيه (أصول الفقه) الشافعي رضي الله عنه، وأملي فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ، وحكم العلة المنصوصة في القياس .

فإذا كان الإمام الشافعي، يعد أول من دون أصول الفقه علي الطريقة العلمية بشهادة بعض المؤرخين، وذلك في كتابه " الرسالة" الذي يعتبر أول كتاب في أصول الفقه، فذلك لأن الفقهاء كانوا قبله يجتهدون من غير أن يكون بين أيديهم حدود مرسومة للاستنباط، إلا ما ورد بالقرآن والسنة من نماذج ودلائل وإشارات، وكانوا يعتمون علي فهمهم لمعان الشريعة، ومرامي أحكامها وغاياتها، وما تومئ إليه نصوصها، وما تشير إليه مقاصدها ومصادرها ومواردها، ومثلم كمثل من يزن البراهين بالسليقة، من غير أن يكون له إلمام بعلم المنطق، فإن تمرس هؤلاء الفقهاء بدراسة الشريعة وتعرف أغراضها ومقاصدها جعل موازين الاستنباط فيها كالملكات في نفوسهم، يجتهدون فيوفقون من غير أن نكون بين أيديهم حدود مدونة مرسومة، فجاء الشافعي رضي الله عنه،واختلط بالعلماء وناظر الفقهاء، وناظروه، وكانت مناهجهم في الاستنباط تبدو علي ألسنتهم في الجدل والمناظرات، ولذلك وضع الحدود والرسوم وضبط القواعد والموازين.

ولقد أشاد فخر الدين الرازي بفضل الشافعي في هذا المقام فقال :" اعلم أن نسبة الشافعي إلي علم الأصول، كنسبة أرسطو إلي علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلي علم العروض، وذلك لأن الناس كانوا قبل أرسطو يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة، ولكن ما كان عندهم قانون في كيفية ترتيب الحدود والبراهين، فلا جرم كانت كلماتهم مشوشة ومضطربة، فإن مجرد الطبع إذا لم يستعن بالقانون الكلي ما أفلح، فلما رأي أرسطو ذلك اعتزل الناس مدة  مديدة، فاستخرج علم المنطق ووضع للخلق بسببه قانونا كليا، ويرجع إليه في معرفة ترتيب الحدود والبراهين، وكذلك الشعراء كانوا قبل الخليل بن أحمد ينظمون أشعارا، وكان اعتمادهم علي مجرد الطبع فاستخرج الخليل علم العروض، فكان ذلك قانونا كليا في معرفة مصالح الشعر ومفاسده، فكذلك هاهنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي رضي الله عنه يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة في كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي رحمه الله تعالي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة مراتب أجلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلي علم الشريعة كنسبة أرسطو إلي علم العقل ( المنطق)، فلما اتفق الخلق علي استخراج علم المنطق درجة عالية لم يتف أحد مشاركة أرسطو فيها، فكذا هاهنا وجب أن يعترفوا للشافعي رضي الله عنه بسبب وضع هذا العلم الشريف بالرفعة والتمييز علي سائر المجتهدين بسبب هذه الدرجة .

ثم يستطرد الرازي قائلا :" والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه، إلا أنهم عيال علي الشافعي فيه، لأنه هو الذي فتح هذا الباب والسبق لمن سبق "  .

وإذا كان الشافعي، قد وضع علم أصول الفقه، فهل تأثر في هذا العلم بالفلسفة والمنطق؟ .

يذكر الشيخ مصطفي عبد الرازق ( 1885- 1947م) في كتابه "التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية":" إن  أصول الفقه لم يخل من أثر الفلسفة ـ فالشافعي حين كتب رسالته في أصول الفقه لم تخل الرسالة من صبغة فلسفية، حيث أن هذه الرسالة تسلك في سرد مباحثها وترتيب أبوابها نسقا مقررا في ذهن مؤلفها، قد يختل اطراده أحيانا ويختفي وجه التتابع فيه، ويعرض له الاستطراد ويلحقه التكرار والغموض، ولكنه علي ذلك كله بداية قوية للتأليف العلمي المنظم في فن يجمع الشافعي لأول مرة عناصره الأولي .

ويستطرد الشيخ مصطفي عبد الرازق فيقول :" وإذا كنا نلمح في " الرسالة " نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام من ناحية العناية بضبط الفروع والجزئيات بقواعد كلية، وإن لم نغفل جانب الفقه – أي استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فإنا نلمح للتفكير الفلسفي في الرسالة مظاهر أخري منها – هذا الاتجاه المنطقي إلي وضع الحدود والتعاريف أولا، ثم الأخذ في التقسيم مع التمثيل والاستشهاد لكل قسم . وقد يتعرض الشافعي لسرد التعاريف المختلفة ليقارن بينها، وينتهي به التمحيص إلي تحيز ما يرتضيه منها، ومنها أسلوبه في الحوار الجدلي المسبع ولطف الفهم وحسن التصرف في الاستدلال والنقض ومراعاة النظام الفلسفي – حوارا فلسفيا علي رغم اعتماده علي النقل أولا وبالذات واتصاله بأمور شرعية خالصة .

وينتهي الشيخ مصطفي عبد الرازق إلي ضرورة اعتبار علم أصول الفقه فرعا من فروع الفلسفة الإسلامية، علي أساس ما يتميز به من طابع فلسفي واضح، حيث يقول :" وعندي أنه إذا كان لعلم الكلام ولعلم التصوف من الصلة بالفلسفة ما يسوغ جعل هذا اللفظ شاملا لهما، فإن علم أصول الفقه المسمي " علم أصول الأحكام" ليس ضعيف الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد الذي هو الكلام، بل إنك لتري في كتب أصول الفقه أبحاثا يسمونها " مبادئ كلامية" هي من مباحث علم الكلام . وأظن أن التوسع في دراسة الفلسفة الإسلامية سينتهي إلي ضم هذا العلم إلي شعبها " .

وإذا كان بعض الباحثين، قد أكد مظاهر التفكير الفلسفي والمنطقي في علم أصول الفقه، فهل يعني هذا أن مؤسس هذا العلم وهو الشافعي قد تأثر بالمنطق والرواقي أو بهما معا، أم أنه صدر في ذلك كله عن عقلية إسلامية متحررة من كل أثر أجنبي .

هناك رأيان متعارضان، أحدهما يقول أصحابه بتأثر الشافعي في رسالته بالمنطق الأرسطي . أما الرأي الثاني، فيقول أصحابه بعدم التأثر بهذا المنطق، بل يؤكدون علي عداء الشافعي للمنطق الأرسطي.

وسبيلنا الآن هو عرض آراء هذين الفريقين بشئ من التفصيل، ثم نذكر رأينا، وذلك علي النحو التالي:

الرأي الأول : الأصل اليوناني والروماني للمنهج عند الشافعي :

ذهب بعض الباحثين المعاصرين، إلي أن الشافعي، قد تأثر في منهجه الأصولي بالمنطق الأرسطي، وممن ذهب هذا المذهب أستاذنا الدكتور " إبراهيم بيومي مدكور "، حيث قال بأن الشافعي، قد طبق فكرة المنهج الموجود في المنطق الأرسطي في كتابه الرسالة، ويستدل علي ذلك بقوله :" بدأ الإمام الشافعي أعماله الفقهية في بداية القرن التاسع الميلادي ( أي الثاني للهجرة)، حيث كانت الترجمات العربية متطورة، وبصفة خاصة الاورجانون الذي كان قد ترجم منه علي الأقل جزء كبير، ويقدم لنا المؤلف المنهجي نموذجا جيدا للعلوم الناشئة في الإسلام، فعندما رأي تعقد الدراسات الفقهية والاختلافات التي غلبت عليها، أراد أن يضع لها قواعد مجردة ومنهجا خاصا، وهكذا وضع علم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يعتبر بالنسبة للفقه مثل المنطق بالنسبة إلي الفلسفة، وإذا كان أرسطو هو منشئ منهج البحث المشترك بين كل الأبحاث النظرية، فإن الشافعي هو منشئ منهج البحث الفقهي في الإسلام، وهكذا انتقلت فكرة المنهج المشار إليها والمطبقة عند الفيلسوف اليوناني إلي الفقيه العربي ".

وممن ذهبوا أيضا إلي القول بتأثر الشافعي بمنطق أرسطو الدكتور حسن عبد الحميد، حيث يقول " أن نظرية قياس السبه التي أرسي قواعدها الإمام الشافعي، قد تأثر فيها بأرسطو وخاصة في كتابه الطوبيقا ".

وقد أشار الدكتور علي سامي النشار، إلي أن الذين قالوا بتأثر الشافعي بالمنطق الأرسطي، قد استندوا إلي ثلاث حجج :

- الحجة للأولي : أن الشافعي مفسر جيد يدرس القران والحديث من وجهة نظر دلالتهما، ولذلك يقتصر علي مسألة الألفاظ العامة والخاصة، وهذه المسألة تحمل طابعا منطقيا .

- الحجة الثانية : معرفة الشافعي للغة اليونانية علي ما يذكر أبو عبد الله الحاكم في كتابه " مناقب الشافعي " – الباب الرابع والعشرون، من أن الشافعي كان يقول حين سأله هارون الرشيد عن علمه بالطب " أعرف ما قالت الروم مثل أرسطوطاليس ومهرازيس وفورفوريوس وجالينوس وبقراط وأنباذوقليس بلغاتهم.

- الحجة الثالثة : أن بعض المستشرقين ذهب إلي أن النصوص التي احتوتها " الرسالة" للشافعي، تبين لنا أن صاحبها (الشافعي) يعتبر القياس الأصولي، هو التمثيل عند أرسطو ".

وهذه النقطة يثيرها المستشرق " مارجليوث" حيث يقول بأن الشافعي في نظريته الخاصة بقياس الشبه، قد تأثر فيها بالمنطق الأرسطي، علاوة علي أنه اطلع علي الترجمات العربية التي أخذت في الظهور في القرنين الثامن والتاسع الميلادي، ويستدل " مارجليوث" أيضاً علي تأثر الشافعي بمنطق أرسطو، بأن رسالة الشافعي تثبت أنه كان علي درجة كبيرة من الوضوح، حينما يتحدث عن الأجناس والأنواع، وأن قياس الشبه مبني عنده علي اساس منطقي سليم، المر الذي يفترض معه مارجليوث، أن الشافعي كان علي درجة معينة من الأفة مع منطق أرسطو " .

غير أن بعض المستشرقين يرون بأن نظرية قياس الشبه، لم تتأثر بمنطق أرسطو مباشرة، وإنما هي قد تأثرت بالمنهج الذي استخدمه فقهاء الرومان، ومعني هذا أن الصوليين الأوائل، قد أخذوا نظرية القياس الأصولي عن طريق القانون الروماني ومناهجه المختلفة .

ويوضح هذا الرأي المستشرق "جوزيف شاخت"، مبينا أن تكون الفقه الإسلامي بعد القرن الأول الهجري لم يحدث في المدينة، وإنما تم ذلك في العراق . وليس معني هذا أن شاخت ينكر دور فقهاء المدينة في تكوين الفقه الإسلامي، وإنما الدور الأساسي عنده، قد قام به فقهاء العراق، حيث كانت توجد مراكز لتعليم الفلسفة اليونانية، وبانفتاح المسلمين علي غير العرب الذين اعتنقوا الإسلام، والذين كانوا علي علم ودراية بمنطق اليونان وبمبادئ التشريع اليهودية والقانون الخاص بالكنائس الشرقية والتشريع الفارسي الخاص بعصر الساسانيين وكذلك القانون الروماني، فإن المسلمين قد أدخلوا بالذات طرائق تفكير فقهاء الرومان في علومهم الدينية الشرعية، فقد اخذوا علي وجه التحديد نظرية القياس عن طريق هؤلاء الذين دخلوا الإسلام من أصحاب الثقافات الأخرى ولم يأخذوا هذه النظرية مباشرة عن طريق القانون الروماني بتشريعاته ومؤسساته المختلفة" .وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

منى زيتونلم تدر الصراعات الطائفية في تاريخ الإسلام فقط بين أصحاب العقائد المختلفة، بل كانت هناك احترابات وصراعات داخلية، وقد عرضت في مقال "لعبة الدين والسياسة" لأمثلة من تحارب فرق الشيعة فيما بينهم سياسيًا، وكذا كان هناك تطرف بين مذاهب أهل السُنة (الحنفية- الشافعية- المالكية)؛ بسبب قضايا اعتقادية فرعية بين الأشاعرة والماتريدية -على عظم التقارب بين العقيدتين حتى اُعتبرتا أقرب أن تكونا عقيدة واحدة- كمسألة الاستثناء في الإيمان، وبعض الأحكام الفقهية المختلف فيها بين الأئمة، كالبسملة ورفع اليدين في الصلاة عند الركوع عند الشافعية، والنبيذ غير المسكر عند الأحناف، وأحكام الكلاب عند المالكية.

في مقال سابق أيضًا رأينا كيف أفنى الشافعية الحنفية في الريّ، سنة 617هـ، على ما روى ياقوت الحموي في معجمه. وكانت هناك حساسيات بين أهل المذهبين في بلاد فارس بوجه عام؛ كونهما أكثر مذاهب أهل السُنة انتشارًا بها، ووصف ابن الأثير في "الكامل" (ج7، ص400) القاضي أبي علي المحسن التنوخي أنه "كان حنفي المذهب شديد التعصب على الشافعي، يطلق لسانه فيه. قاتله الله". وفي غير بلاد فارس، وخاصة الشام، كان التعصب ماثلًا أيضًا بين المذهبين. يروي الذهبي في "ميزان الاعتدال" (ج4، ص52) عن قاضي دمشق محمد بن موسى البلاساغوني الحنفي، المتوفي سنة 506هـ، قوله: "لو كان لي أمر لأخذت الجزية من الشافعية"!! وربما كان مما أسهم في تقليل التعصب ظاهريًا بين المذهبين أن ملوك السلاجقة كانوا سُنة أحناف، بينما كان وزراؤهم شافعية، وكان الزنكيون عمال السلاجقة في الشام أيضًا سُنة أحناف، وتابعوهم من البيت الأيوبي شافعية؛ فامتنع المتعصبون من كلا الفريقين عن إظهار تعصبهم حرصًا على رءوسهم، ثم عندما ساد الأيوبيون ومن بعدهم المماليك انتشرت الشافعية، وبعد دخول مصر والشام تحت سلطان العثمانيين سادت الحنفية مع عقيدة السُنة –وليس المعتزلة-.

وكانت مسألة الاستثناء في الإيمان من أكثر المسائل التي تثير الفتن بين أهل المذاهب السُنية، خاصة الحنفية والشافعية، مع كون الخلاف فيها يكاد يكون لفظيًا! ولم يتكلم فيه ويعظمه إلا ضعيفيّ الفهم والعلم. يقول الجويني في "الإرشاد" (ص400) "الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك ‏فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة، إيمان الموافاة؛ فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ‏ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز"أهـ. فالشافعية الأشاعرة يجوزون أن يقول المسلم "أنا مؤمن إن شاء الله". وكان بعض الأحناف الماتريدية خاصة يكثرون من التشنيع على الشافعية لأجل تلك المسألة، ويصفونهم بالشكوكيين. يقول السيد سابق في "فقه السُنة" (ج1، ص9): ‏"اختلفت الأمة شيعًا وأحزابًا، حتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي –خطأ واضح، والصحيح الحنفي بالشافعية-، فقال بعضهم: لا يصح؛ لأنها تشك في إيمانها، وقال آخرون: يصح قياسًا على الذمية"أهـ.

كما كان الصراع بين الحنفية والمالكية على أشده في بعض الفترات في المغرب العربي، ولعله بدأ منذ محنة خلق القرآن لأن كثيرًا من الأحناف بالمغرب معتزلة أو مائلين للاعتزال، وليسوا ماتريدية، ووصل الصراع إلى حد أن بيت القضاء المالكي الذي كان الإمام سحنون قد بناه، هدمه قضاة الأحناف، وكان قضاة المالكية يعيدون بناءه عندما يلون القضاء. بل وكان الصراع أحيانًا ينشب داخل المذهب الواحد؛ مثلما حدث بين فرقتيّ المالكية بالقيروان، أتباع سحنون وأتباع ابن عبدوس، منتصف القرن الثالث، بسبب الاعتقاد بالاستثناء في الإيمان وربط الإيمان بالمشيئة، أو نفي ذلك، وكان عامي من أتباع سحنون قد تجرأ وبصق في وجه ابن عبدوس لأنه قال إنه "مؤمن، لكنه لا يقطع بذلك عند الله". وقد روى الذهبي القصة في "السير" في ترجمة ابن عبدوس.

وكذا كثيرًا ما حدث تطرف بين بعض المالكية والحنفية من جهة والشافعية من جهة أخرى؛ بسبب مسألة فقهية فرعية، وهي رفع اليدين عند الركوع في الصلاة، وعند الرفع منه، وهو من سنن الصلاة عند الشافعية. ومن أشهر ما يُروى في هذا ما نقله الذهبي في "السير" (ج13، ص202) في ترجمة الفقيه المالكي أصبغ بن خليل القرطبي، أنه وضع حديثًا على رسول الله في عدم رفع اليدين! أضاف الذهبي "وقد اتُّهم في النقل، ووضع في عدم رفع اليدين –فيما قيل-". وقد فصّل الذهبي في الاتهام في ترجمة أصبغ في "ميزان الاعتدال" (ج1، ص269-270)، فذكر الحديث الموضوع بالإسناد المزعوم الذي لا يستقيم، بسبب ما عُرِف عن أحوال الرواة، وكذا بسبب متن الحديث المليء بالأخطاء التاريخية، ثم قرر الذهبي "فهذا من وضع أصبغ". ويبدو أنه كان شديد التعصب، يقول الذهبي في ترجمته في "السير": "قال قاسم بن أصبغ: هو منعني السماع من بقيّ –بقيّ بن مخلّد-. وسمعته يقول: أحب أن يكون في تابوتي خنزير، ولا يكون فيه مصنف ابن أبي شيبة"أهـ.

ولقد بلغ التعصب ليس فقط درجة وضع أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تعداه إلى واقعة ذُكِر فيها محاولة لتحريف القرآن كي ينتصر صاحبها الفاسق لنفسه، رواها الإمام ابن حزم في "الإحكام" "قال نا محمد بن لبانة قال: أدركت محمد بن يوسف بن مطروح الأعرج يتولى صلاة الجمعة في جامع قرطبة، وكان عديم الورع بعيدًا عن الصلاح. قال: فخطبنا يوم الجمعة، فتلا في خطبته ‏﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾‏‏ [التوبة: 128]، فقرأها بنونين (عننتم). قال: فلما انصرف أتيناه، وكنا نأخذ عنه رأي مالك، فذكرنا له قراءته للآية وأنكرناها، فقال: نعم، هكذا أقرأناها وهكذا هي، فلجّ، فحاكمناه إلى المصحف، فقام ليخرج المصحف، ففتحه في بيته وتأمله، فلمّا وجد الآية بخلاف ما قرأها عليه، أنِف الفاسق من رجوعه إلى الحق، فأخذ القلم وألحق ضرسًا زائدًا –أي أضاف نونًا للكلمة-. قال محمد بن عمر: فوالله لقد خرج إلينا، والنون لم يتم بعد جفوف مدادها"أهـ.

هدانا الله جميعًا سواء السبيل.

 

د. منى زيتون

 

عبد الجبار العبيديان تحديد هوية الاسلام الغائبة اليوم، ومعرفة الحقيقة التي حملها للناس صافية كما جاءت في رسالات السماء ..لأظهار ما أخفاه التاريخ عنا، وعلاقته بالديانات الاخرى التي سبقته، وخاصة اليهودية والمسيحية، مسألة شائكة لازالت في المجهول . ومع الاسف ونقولها بمرارة ان الاسلام لم يحقق ما أُريد له التحقيق، نتيجة استغلاله من قبل سلطة السياسة والدين، حتى اصبحت معضلة الدين ومؤسساته مشكلة تواجهها الشعوب الاسلامية اليوم، (ويقف العراق في المقدمة)، حين أصبحنا في مؤخرة الركب الحضاري العالمي بعد ان احدثت المذاهب الدينية المخترعة من قبل الفقهاء وفق نظريات الخطأ، الفُرقة القاتلة بينها .فهل من تغيير جذري، لكي تنهض الشعوب الاسلامية، وتتجدد قيمها، وتستمر مجتمعاتها الجديدة مثل الأمم الاخرى، وليس سوى حقيقة الدين.

نحن اليوم بحاجة الى أكتشاف (محتوى القرآن الحقيقي لا الفقهي) ان أردنا البقاء كأمة بين الأمم الحضارية، لنتفهم بنية نصوصه، اما اذا بقينا على ما جاء به الفقهاء في التفسيرات المترادفة في اللغة وأتخاذه وسيلة للتجويد والطرب لسماع المجودين، ووسيلة السلطة للسيطرة على مقادير الجماهير، ستبقىى السلفية متمثلة (بالقاعدة وداعش والمرجعيات المتخلفة) التي تدعو الى اهمال الزمان والمكان، واسقاط العقل، واغتيال التاريخ، ليبقى المجتمع يعيش في ظل السذاجة والهروب المقنع من مواجهة التحديات للقرن الواحد والعشرين .وبالتالي سيفقد الاسلام قاعدته وهدايته (للتي هي أقوم ) وسنظل من القاصرين عن ادراك اهدافه الانسانية التي جاء من اجلها في تغيير المجتمع وابراز حقوق الانسان، وبالتدريج سيفقد مرجعيته ومعاييره وهدايته الذاتية ان أستمر على هذا الحال، فسيصبح (مُلاما لامُقوماً)، وهذا هو واقعه اليوم فعلاً .

ولمعرفة الحقيقة لابد من دراسة بحثية تقابلية منهجية معمقة بين الديانات الثلاث، لنعطي للتاريخ دوره في التحقيق، حتى نعرف باليقين هل كان القرآن الذي بين آيدينا اليوم يحوي نفس ما جاء به المصحف الأساس ؟ والا لماذا أحرقت الأصول ؟ وهل يتحدى معطيات الواقع التاريخي، وخاصة ما جاء فيه عن المودة والاحسان، والحرب والقتل، والمؤمن والمشرك، والكافر والظالم، وضياع المعايير في التقييم.ان المتعصبين للحقائق المنزلة يصعب عليهم البحث في حقيقة التاريخ وأختراق المقدس، وكأن الاسلام ما جاء الا لأحلال نظرية الجبر، ولأداء الفروض التقليدية والأنتقام من غير المسلمين، وعبادة الأضرحة والمناسبات الدينية التي فاقت كل تصور، واللحى السوداء وحجاب المرأة ومحاربتها؟ كما في داعش والقاعدة والسلفيين وكل المتعصبين.

لربما بهذه الدراسة المقارنة سنجد قضايا مهمة سواءً اتفقت أوأختلفت بين ما جاء في المصحفين، الحالي ومصحف عثمان، وهل فيه ضيرُ في ايجاد الوفاق بين الديانات اذا كانت كلها منزلة من الله لنتعرف على الحقيقة كل الحقيقة التي جاءت غامضة في النص الجديد.

فنقول:

هل من حق المسلم ان يجبر الأخرين على الاعتقاد بدينة بقوة السيف (الفتوحات الاسلامية الاولى مثالاً)، وكما عند السلفية المتشددة اليوم (القاعدة وداعش وولاية الفقيه)، والقرآن يقف بالضد من هذه الأدعاءات حين يقول الحق:(لكم دينكم ولي دين) والتي وضعتها مرجعيات الدين في خانة البراءة والشرك .للمفاضلة بين المسلمين وغيرهم من اهل الاديان الاخرى. حتى تجاوزا على النص فقالوا ان الآية منسوخة ..وهم يعلمون ان لا نسخ في القرآن..

 لربما هذه الموضوعات الفلسفية التي تطرقنا اليها اليوم والتي سنتطرق لها في المستقبل كفيلة بمعرفة الحقيقة النسبية لتلافي الشك والريبة في كل الديانات مادامت هي من مصدر واحد هو الله، وكيف جاء النسخ في القرآن، وهو الذي يقول: "...لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم"، يونس 64

وحين التحري في الكتاب الذي ألفه الكاتب الهندي البريطاني الجنسية سلمان رشدي لم نجده قد استمده من بنات افكاره، بل مما كتبه المؤرخون العرب والمسلمين القدامى، حين لم يفكروا ان يوما ما سيأتي من احدٍ على ما يكتبون، ولا من يقرؤون ويفلسفون الكلمة ومنه يصنعون القصص والاباطيل ضد النص المقدس، وما نحن فيه مختلفون وكان سلما ن رشدي واحدا منهم.

لقد كتب الطبري في تاريخه الرسل والملوك ج2 ص337 وما بعدهاعن سورة النجم يقول بعد ان ذكر كلمة الحق: (والنجم اذا هوى ماضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)، فلما انتهى الى قوله تعالى (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى - النجم 1-20) القى الشيطان على لسانه -اي على لسان النبي(ص) - ما كان يُحدث به نفسه، ويتمنى ان يأتي به قومه مكملاً ليفرحهم ويدخل السرور في قلوبهم ولتكن له مكانة كبيرة بينهم، فقال النبي لقريش المجتمعة به في المسجد للتعرف على الدين الجديد:(تلك الغرانيق العُلا، وان شفاعتهن لترتجى به).

فلما سمعت قريش ما قاله النبي فرحت وسُرت واعُجبت بما قاله رسول الله (ص)، حين ذكر آلهتهم بخير، لدرجة ان بعض المسلمين صدقوا ما سمعوا فلم يبقَ في المسجد من مسلم ولا معارض الا وسجد للاسلام، الا الوليد بن المغيرة الذي كان كهلا لا يقوى على الوقوف والسجود .بعدها تفرق الناس من المسجد وقد خرجت قريش وسرَها ما سمعت لمدح محمد (ص) آلهتهم وذكرها بخير وقيل في وقتها اسلمت قريش، ويسترسل الطبري فيقول:

 لكن جبريل (ع) لم يُمهل الرسول(ص) طويلا حين هبط عليه فجأة وقال له: "يا محمد ما صنعت؟

لقد تلوت على الناس مالم آآتك َبه عن الله عزوجل، وقلت مالم يَقل الله، فحزن الرسول حزنا شديد اوخاف من الله خوفا كبيراً، فنزلت الاية الكريمة التي تقول:(وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا اذا تمنى القى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله اياته والله عليم حكيم، الحج 52).

وهنا ذهب الحزن عن رسول الله (ص) وعمه الفرح والسرور. لكن المشكلة وكل ما فيها ان ما قاله الرسول (ص) على لسانهِ كان تصور وليس حقيقةً، وهذا ما لم يدركه الفقهاء، فبنوا الفقهاء على هذه الاية الكريمة، مسألة الناسخ والمنسوخ واتخذوا منه ذريعة لقلب احداث كثيرة واستبدالها بغيرها بحجة النسخ لبعض الايات القرآنية الشريفة. فاخذ سلمان رشدي وغيره من ضعاف النفوس والحاقدين على الاسلام، هذه الذريعة ليبنوا عليها قصورا من الرمل بخرافاتهم واكاذيبهم وليهاجموا الرسول والقرآن، فكتبوا الكتب وجيشوا الجيوش، واقاموا الدنيا واقعدوها على الوهم والضلال، علماً بأن لا آية نزلت ولا رسول قال، لكن الملفت للنظر، هل كان ما قاله الرسول (ص) وهماً تردد على لسانه لا غير، وهل كان للشيطان سلطان في حياة النبي؟ ونحن ليس لدينا من قول اليوم، الا الأستعاذة من الشيطان الرجيم .

اجابات لا ترقى للعقل السليم .

لذا فأن الله لم ينسخ هذه الآية لانها لم تكن قد نزلت اصلاً بدلالة ان جبريل (ع) قد قال للرسول (ص):( اني لم آاتك بها، وقلت مالم يقل الله به، انظر السيرةلابن هشام) في النزول والتنزيل . وكل هذه الأحداث رويت شفاهاً وليست بتثبيت ...لذا فهي بحاجة الى سند ودليل ...؟.

فعلينا ان نحقق من جديد لازالة الشك والاتهام عن كل نص مقدس جاء في القرآن الكريم، كنصوص المرأة في الحقوق في الوصية والأرث، والزواج المتعدد والطلاق، والزنا والعفة، وامتهان المرأة عند ناقلي الأحاديث كما يقولون في صحاحهم: (لا يبطل الصلاة الا ثلاثة، المرأة والكلب والحمار، فأي دين هذا الذي يساوي المرأة بالحمار؟، وما ملكت أيمانهم، والحور العين، وكأن الاسلام جاء للجنس المباح بلا معايير؟، اما قضية الاسراء والمعراج وكيفية تفسيرهما، والكثير من الاحاديث التي نقلتها لنا كتب الصحاح دون تثبيت، بحاجة الى اعادة نظر وتحقيق علمي رصين؟

وهل التحقيق في النص يتعارض مع حقيقة القرآن الكريم؟ والقرآن يؤكد على الحجة بالدليل، سورة النورآية 4 .لكن الذي حدث ان هذه القضية وغيرها من القضايا الاخرى التي وقفت من الاسلام موقف التعارض لم تعالج من قبل كتابنا وعلمائنا معالجة عقلية فكرية هادئه حين وقفت سلطة الدين موقف المعارض من كل تحديث كما هي اليوم في بلادنا العراق المنكوب بهم. لذا فأن معالجة الامور معالجة عاطفية اثارت رجال الغرب واعداء الاسلام تطرفا لا يقبله الفكر الحر، كما في معارضة سماحة المرحوم السيد الخميني لسلمان رشدي حين اصدر فتواه بقتل سلمان رشدي اينما وجد، وقامت الدنيا من قبل القاعدة والمتطرفين الباكستانيين ليخلقوا من الكاتب مثالا للفكر والحرية في اوربا والعالم الاخر، بعد ان كان هذا التصور جائزا في الغرب بحكم نظريات حرية الفكر المطلق عندهم..أما كان الاجدر بنا ان نحاورهم..؟ انظر سورة المجادلة..

وحتى نقف ويقف القارىء الكريم على حقيقة ما جرى لا بد لنا من ان نعرج على موضوع الناسخ والمنسوخ وحقيقته في القرأن ومعالجة مناهج الدراسة كي لا تستمر مهازل عقليات رجال الدين تفرض علينا وتدمر اجيانا دون تحقيق. فنقول:

الناسخ والمنسوخ، حكاية وهم لا حقيقة....

النسخ لغةً: يعني أكتتاب الشيء عن معارضة، والاصل كتابة كتاب عن كتاب أخر حرفاً بحرف، والمكتوب عنه قام مقامة.

أما الاستنساخ: فهو كتابة كتاب من كتاب أخر، وفي التنزيل الحكيم:"هذا كتابُنا ينطقُ بالحقِ انا كنا نستنسخُ ما كنتم تعملون "، الجاثية آية 29. اي نأمر بنسخة وا ثباته، أنظر لسان العرب كلمة نسخ .

والمنسوخ من الآيات أزالة ما في حكمها. والتناسخ في النبوة تحويل بعضها الى بعض أخر. ويقصد به تناسخ الأزمنة عبر الرسالات السماوية، وليس في الآيات القصار. والقرآن يقول:

"لن تجد لسُنة الله تبديلا" الاحزاب 62.

بانتصار مدرسة الترادف اللغوي الخاطئة التي ابتدعها الفقهاء منذ القرن الثالث للهجرة، ونتيجة تفسيرهم للقرآن الكريم معتمدين على التفسير اللغوي لا التأويل العلمي له، ظهر الناسخ والمنسوخ والذي هو ليس من علوم القرآن، أنما هو علم تاريخي دخيل، فالناسخ والمنسوخ يأتيان على محور الزمن المستغرق للتحول من نوح الى محمد (ص)، يقول الحق:"أنا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده....النساء 163". ثم تلتها حالة التحول من حالة الى حالة والتي يمثلها علم الجدل والتناقض، ثم اخضعوا النسخ لعلم الكينونة بموجب الاية الكريمة "ما ننسخُ من آية اونُنسها نأتِ بخيرٍمنها اومثلها " فالآية الاولى ناسخة، والثانية منسوخة....البقرة 106".

ان مثل هذا النسخ لا يأتي في آيات التنزيل بل يأتي في الرسالات لانه يقع في سلم التطور الزمني التاريخي للمجتمعات الانسانية، فرسالة عيسى نسخت رسالة موسى ورسالة محمد نسخت الرسالتين، لكن لا يعني ألغائهما، فالقرآن يستمد الكثير من آياته من التوراة والأنجيل، يقول الحق: "نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والأنجيل من قبل هدىً للناس وأنزل الفرقان، آل عمران 3-4".وأيات اخرى كثيرة.، لان تراكم المعلومات والرقي الحضاري يؤدي الى تطور التشريع. وهذا الذي غفل عنه فقهاء التفسير.

لذا فان الناسخ والمنسوخ بحاجة الى مراجعة ودراسة علمية متأنية لكونه جاء مشوها عند الفقهاء، وحتى الفقهاء لم يستوعبوا أن الزمن يعلب دورا في عملية التغيير التاريخي، فحسبوا ان تفسيرهم للقران لامرد له ولا معارض لان عصرهم عصر ديني بحت وعقليتهم مقولبة بقالب التفسير الديني الثابت الذي لا يخضع للتغير او الاجتهاد. وهنا آماتوا نظرية القرآن وجعلونا مكبلين بسجن حديدي لا فكاك منه بعد ان ادخلوا التفسير القاصر في مناهج الدراسة لتصبح حقيقة لا تغير فيها ابدا، وما دروا ان القرآن يقول: "لن تجد لسنة الله تبديلا "، الاحزاب 62. هنا لم نجد ما يقنعنا بهذا التبديل او من عدمه الا بدليل قاطع لا يقبل التأويل ؟ فاذا كان هذا التردد موجودا فيه، لماذا لايسمح بمحاورة القرآن في بعض نصوصه، مادام الناسخ لم يبدل المعنى والهدف من التغيير؟؟

 ومع الأسف ان ما يزرع في عقول الطلبة يصبح نزعه من افكارهم شبه مستحيل، وهذا ما تعمل عليه مرجعيات الدين اليوم لتدمير الفكر العربي ليخلوا لهم الجو دون معارضين، علما ان مرجعيات الدين لا تؤمن بأفكار الأخرين كونها تعتقد انها نهاية المعرفة واسرارها مقدسة (قدس سرهُ) ولا علمُ يسبقها بيقين..والتقديس وكتمان الاسرارمحرم في القرآن الكريم..انظر الآية 174 من سورة البقرة..

هنا توقف التاريخ ودخل المجتمع في دائرة مغلقة لا امل فيها في التحديث والتطويرالا بأزاحة المعتدين.

ويبدو ان المؤرخين ايضاً اساؤا الينا بدون قصد، لان المنهجية في الكتابة لم تكن واضحة بعد في اذهانهم، وما كانوا يتصورون انه سياتي يوما يظهر فيه اعداء لدودون للاسلام والمسلمين ليضعوا من التصوروالوهم حكاية وهمية اشبه بالحقيقة.

واذا كان الله جلت قدرته قد وقف من الرسول(ص) الذي سمح للاعراب بالاختيار بين الالتحاق بجيش المسلمين من عدمه لدرء خطر الروم شمال جزيرة العرب في معركة مؤتة (9 للهجرة) موقف التعنيف والرد القاسي، بآيتين صريحتين في سورة التوبة أية 120، 43، فكيف يسوغ لنفسه جلت قدرته، ان ينزل على رسوله الكريم مثل هذه الايات وهو الذي يجب ان يكون بعيدا من اي خطأ يرتكب. هنا تداخل التفسير والتأويل الواحد بالاخرعند الفقهاء فولد لنا من الاخطاء الكثير والتي بنيت عليها مواقف شوهت من الاسلام والمسلمين، هذا النص الذي كان يجب ان يكون مدرسة للاجيال دون تحريف..بينما الاسلام اليوم وعقيدته يتعرض للنقد الشديد.

لذا علينا توقي الدقة المتناهية في ايات النسخ في النجم والجهاد ومواقف اخرى فسرت تفسيراً متناقضا في القراءة والتفسيرمن اجل مصالح الفرق الاسلامية لاغير.حتى وقعنا في خطأ التقدير، لذا علينا ان نرفع من رؤوسنا (بأن المقدس لا يناقش) (أو قدس سره)، ولا ندري من اين جاؤنا بهذا التقديس والقرآن يقف موقف المعارض منه، "البقرة "174.فبعض آيات القرآن الكريم بحاجة الى مراجعة اليوم كآيات ملك اليمين، ومعرفة الجنين في بطن امه، وتعدد الزوجات والوصية والأرث، وما ملكت أيمانهم وبعض الأحاديث المخترعة من فقهاء الامويين والعباسيين .

ان كان هذا مذهب الاقدمين والقرآن يقر بعملية التطور العلمي( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ..)، واليوم قد تطور الفكر وزادت العلوم، ومن يستطيع ان يثبت وجوده الفكري هو الذي يناقش ويجادل بلغة العلم لا بلغة العاطفة والتقديس ليصل الى معرفة الحقيقة.ويقول حكيم عربي: "العقل هو الحجة" .

فهل سيفيق فقهاء الأسلام من خطأ التفسير، ويعودوا لتأويل القرآن لا تفسيره (الآية 7من آل عمران) ويعيدوا النظر في كل تفاصيل الاسلام الصحيح، وخاصة في العراق الذي مزقته مليشيات الدين المتخلفة، ليضعونا مع الشعوب المتقدمة والتطور التاريخي الحديث ؟فالعلوم تتطور كل يوم والنص ثابت، فأذا لم نخضعه لنظرية (ثبوت النص وتحرك المحتوى) سنبقى مكاننا دون تغيير، فالوحي لا يناقض العقل، ولا يناقض الحقيقة، فلماذا نحمل النص فوق طاقته لفظاً ومعنىً، حتى وصلنا الى ما نحن عليه من الضعف وأستهانة الأخرين....؟.

واخيرا نقول:

علينا ان نعود لقراءة القرآن قراءة جوهرية، وبها قد تتبدل معنا مفاهيم كثيرة شهد لها المتدينون شهادة زور باطلة، الف واربعمائة سنة سبقت ونحن على هذا الحال المزري، وشهد الباحثون بامور الاسلام شهادة خطأ نالت من حقيقة التاريخ .

ان سبب مصيبتنا اليوم أربعة أمور:جهلنا بنص القرآن القديم، وأعتمادنا على مصحف عثمان بعد حرق الأصول، ومحاولاتنا الفاشلة على ايجاد القطيعة وعدم الوفاق مع الديانات السماوية الاخرى، وايماننا بأن الوحي لا يناقش لكونه من عندالله.علماً أن الوحي لا يناقض العقل، ولا يناقض الحقيقة.

نعم.. نحن بحاجة الى منهج دراسي علمي جديد في امة الاسلام والعراق بشكل خاص المحتل من قبل جماعات الشعوذة الدينية وسراق الوطن والدين الذين خانوا القيم وأكلوا اموال الناس بالباطل...لنخرج من السياج الحديدي الذي فرض علينا من المجاورين الذين لا دين لهم ولا ضمير، والذين يعملون على تدمير الوطن ومستقبله ليسودوا هم دون المواطنين..لكنهم لن يفلحوا.. لأنهم ليسوا أصلح هذه الأمة في قيادة الناس والعراقيين...؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

منى زيتونوصلني استفسار تعجبت له من إحدى قريباتي التي تعيش في دولة أجنبية، تسألني فيه عن صحة اعتبار أول هلال في برج الميزان هلال رمضان الحقيقي، ومن ثم بدء صيام شهر رمضان فيه! وعلمت منها أن هناك قوائم سنوية يعدها بعض الناس لموعد الصيام الصحيح على قولهم، ويعقدون الندوات لشرح وجهة نظرهم ولإقناع غيرهم بالصيام وفق منهجهم.

وأنا وإن كنت قد تعجبت عندما علمت بأن هناك من يصومون وفقًا لحساب النسيء، فالنسيء ذاته أمر ليس بأمر غائب عن علمي، وإن كنت أوقن أن كثيرًا مما يتعلق بالزمن وحساب الأيام والسنين لا يعلمه أغلب البشر في عصرنا رغم بساطته، وسبق أن تطرقت إلى بعض تلك الموضوعات في مقال سابق لي بعنوان "أيام وليالٍ".

وفي هذا المقال سأحاول شرح معنى النسيء، وكيف ولماذا كان العرب وبعض الأمم التي تعتمد السنة فيها على دورة القمر يضيفونه، ومنذ متى تم استبعاده من حساب السنوات القمرية عند العرب، وغيرها من الأمور التي لم أحسب أبدًا أن لها قيمة لتُحكى، رغم أني لم أقرأ لأحد تحدث عن النسيء ووجدته يفهم الكيفية التي كان العرب يضيفونه بها، لكن طالما الأمر صار إلى أن هناك من يتبع تقويم النسيء فقد أصبح الحديث واجبًا ومتطلبًا.

بدايةً، فكلنا نعلم أن الفصول الأربعة ترتبط بدوران الأرض الحقيقي حول الشمس، وحركة الشمس الظاهرية في البروج الاثنا عشر، وتكون عدد أيام السنة الشمسية الإجمالية 365 يومًا في السنة البسيطة أو 366 يومًا في السنة الكبيسة التي يتم فيها جمع الكسور المتبقية من حساب السنوات البسيطة.

بينما القمر يتم دورته الحقيقية حول الأرض في 27 يومًا وثلث اليوم، ولكن نظرًا لأن الأرض ليست ثابتة، وتغير موضعها باستمرار بدورانها حول نفسها وحول الشمس، فإن القمر يلزمه يومين إضافيين وسويعات ليتم الحركة الظاهرية حول الأرض، ليبدو للراصد من نفس المكان على سطح الأرض أن القمر أكمل دورة كاملة، فيستغرق إجمالي ذلك 29 يومًا ونصف يوم، ثم يُولد هلال جديد، ووفقًا لموعد ميلاد الهلال كل شهر وموعد غروبه في يوم مولده يتحدد ما إن كان الشهر السابق عليه سيُحتسب 29 يومًا أم 30 يومًا.

وينشأ من دوران القمر حول الأرض الأشهر القمرية، وكل اثني عشر شهرًا قمريًا يعادل سنة قمرية واحدة، عدد أيامها 354 يومًا، وبذا فهي تقل عن السنة الشمسية حوالي 11 يومًا، لكن عدة كل منهما 12 شهرًا بعدد البروج. وقد يبدو ظاهريًا أن السنة القمرية لا علاقة لها بالبروج، ولكن الحقيقة أن الهلال الجديد يولد بعد اقتران الشمس مع القمر في البرج الذي تكون فيه الشمس.

والآن نأتي إلى النسيء، تقول العرب: نسأ الشيء ينسؤه نسأً ومنسأةً ونسيئًا إذا أخّره تأخيرًا، والمقصود بالنسيء تأخير شهر المحرم فلا يبدأ مباشرة بعد نهاية شهر ذي الحجة، فلا تكون هناك ثلاثة أشهر حُرم متتابعة –من بين الأشهر الحُرم الأربعة- يحرم على العرب الإغارة والعدوان فيها، على عكس ما أراد الله عز وجل، ومن ثم فهو كفر بالله تعالى.

اختلف المؤرخون في شرح الكيفية التي كان يتم احتساب النسيء بها، والصحيح أن العرب قبل الإسلام كانوا يضيفون شهرًا واحدًا يُسمى النسيء مرة كل ثلاث سنوات قمرية، كما لو كانت كل سنة من الثلاث سنوات أُضيفت لها عشرة أيام، بحيث تكاد تساوي الثلاث سنوات القمرية إضافة لشهر النسيء (37 شهرًا قمريًا) ثلاث سنوات شمسية، وكان من المفترض أن يحافظ هذا النظام على توافق الشهور القمرية مع الفصول الأربعة.

وسبب إضافة شهر النسيء مرة كل ثلاث سنوات، وليس 10 أيام كل سنة، أن الشهور العربية ترتبط بظهور الهلال، فلا يُعقل أن تضاف 10 أيام متفرقة في كل سنة! فهل سيبدأ الشهر العربي يوم 11 بعد النسيء؟! قطعًا لا يصح.

وكان المفترض أن تتم هذه الإضافة للنسيء بين الأشهر الحُرم، وتحديدًا بين شهري ذي الحجة والمحرم، أي بين نهاية إحدى السنوات الثلاث وبداية السنة التالية لها، فمن ثم يتأخر شهر المحرم لتوسط النسيء بينه وبين ذي الحجة، فبعد ذي القعدة وذي الحجة من نهاية السنة يأتي شهر نسيء، ثم يتبعه المحرم بداية السنة التالية! ولكن صار يتم التلاعب في الجاهلية ويكاد يضاف النسيء عامًا ويُترك عامًا! بدلًا من أن يُضاف عامًا ويُترك عامين! رغم أن الإضافة عام والترك عام تكون استثناءً لتصحيح كسور الأيام المتجمعة من فرق عدد من السنوات، ولكنها صارت القاعدة عندهم وليس الاستثناء.

والسبب في هذا التلاعب أن العرب كانوا يحللون النسيء، فيحاربون ويغيرون ويعتدون فيه، على عكس الواجب اتباعه في الأشهر الحرم التي يتوسطها.

وفي أواخر السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة، نزلت آيتان كريمتان متتابعتان في سورة التوبة، إحداهما تحدد أن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا، وتؤكد على حُرمة الأشهر الحرم -فالحديث عن السنة القمرية لا الشمسية-، رغم تأكيد الآية أيضًا على ضرورة قتال المشركين في غيرها ﴿إِنّ عِدّةَ الشهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشرَ شهْراً فى كتَبِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض مِنهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِك الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظلِمُوا فِيهِنّ أَنفُسكمْ وَقَتِلُوا الْمُشرِكينَ كافّةً كمَا يُقَتِلُونَكُمْ كافّةً وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ﴾ [التوبة: 36]، والآية الأخرى التالية لها تتحدث عن النسيء وتلفت نظر المؤمنين للضرر المترتب على إضافة العرب النسيء وما يفعلونه من استحلال الأشهر الحرم ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة:37].

والحقيقة أن الآيتين تقبلان أي من التفسيرين؛ فإما أن يُفهم منهما أن هناك ذمًا عامًا لإضافة النسيء، ومن ثم النهي عن إضافته بوجه عام، وإما أن الزجر الذي وجهه الله سبحانه وتعالى كان مخصوصًا بسبب التلاعب فيه، وإضافته وحذفه وفقًا لأمزجة العرب بغرض استحلال الأشهر الحرم.

الرأي الثاني يتبناه من يدّعون أن الآيتين رغم نزولهما في السنة الثامنة للهجرة إلا أن النسيء بقي يُحتسب حتى سنة 17هـ، ويستدلون على ذلك بمواقيت المعارك التي حدثت مع الروم وفقًا للتقويم اليولياني كمعركة العسرة ومعركة اليرموك، ويقولون إنه لو كان المراد بالآيتين تحريمه لحرّمه الرسول صلى الله عليه وسلم ومنع إضافته، ولكن تم الإبقاء عليه واستمرار إضافته ما بين عامي 8هـ و 17هـ، ما أبقى الارتباط بين شهور السنة القمرية والفصول الأربعة.

وفي السنة السابعة عشرة من الهجرة، وكانت في خلافة سيدنا عمر، تم وضع التقويم الهجري، احتسابًا من عام هجرة الرسول، وظلت السنة الهجرية القمرية تبدأ بالمحرم، رغم أن هجرة الرسول كانت في ربيع الأول بالاتفاق، واعتبر المحرم من العام الأول لهجرة الرسول بداية التقويم، كما اتفق رأيا سيدنا عمر وسيدنا علي على أن استمرار إضافة النسيء مرة كل ثلاث سنوات سيخرب التقويم، وربما عاد العرب للتلاعب في إضافته في أعوام لا يلزم إضافته فيها لأجل استحلال الأشهر الحرم، فتم استبعاده، وصار الوضع على ما هو عليه إلى يومنا هذا، فكل سنة هجرية قمرية تتكون من 12 شهرًا قمريًا فقط، وصارت الشهور القمرية تتقلب وليست ثابتة مع فصول السنة الأربعة.

ومن هنا فإن موضع الخلاف في تحديد الزمن الذي تم فيه إلغاء النسيء، وإن كان قد تم بدءًا من عام 17هـ وليس من عام 8هـ، وهذا أمر ليس مؤكدًا رغم محاولات الاستدلال عليه.

أما عن سبب طرح القضية من وجهة نظر أصحاب العودة للنسيء وعلاقتها بصيام شهر رمضان المعظم، فهم يقولون إنه بسبب إضافة النسيء –بشكل صحيح، مرة واحدة كل ثلاث سنوات- قديمًا في التقويمات القمرية فقد كان موعد رمضان يكاد يكون ثابتًا مقترنًا بهلال برج الميزان، ولكن رمضان بعد حذف النسيء صار يلف على فصول وشهور العام كلها، وتطول وتقصر ساعات الصوم، بينما ارتباط الصوم بالاعتدال الخريفي يجعل ساعات الصوم تكاد تكون ثابتة وتختلف اختلافًا طفيفًا بين البلدان.

ولكن هناك أمران يجهلهما هؤلاء أولهما: أن العرب –ووفقًا لنص الآية الكريمة- كانوا يتلاعبون في إضافة النسيء، ولم يكن الوضع مثاليًا كما يتصورون. وثانيهما: أن هناك ما يُستدل به في المقابل على أن الأدق والأصح أن يكون المحرم هو المتفق مع أول هلال في الخريف، وليس رمضان، وإنما دار الزمان في الجاهلية بسبب تلاعب العرب في إضافة النسيء، وسبق أن تطرقنا على عجالة إلى هذا الأمر في مقالي عن عاشوراء.

ووفقًا للمتبع حاليًا، فإنه مع عدم إضافة النسيء فإن كل 32 سنة شمسية وستة أيام تعادل 33 سنة هجرية، بمعنى أن الدورة الفلكية ستتم في كل حال. وعلى سبيل المثال فإنه في عام 1973 كان رمضان في الميزان (6 أكتوبر= 10 رمضان).

وأنا عن نفسي أتفق مع اجتهاد سيدنا عمر وسيدنا علي في حذف النسيء تمامًا، وليس فقط ضبطه وعدم التلاعب فيه، وأعتقد أنه الرأي الأفضل، ولولا ذلك لكان النسيء من مساخر العرب عبر التاريخ، ولنتخيل ماذا كان سيكون الوضع لو أراد العباسيون إضافته في عام ليعلن الفاطميون مخالفتهم فيه، وربما رأى الأميون في الأندلس رأيًا آخر لمزيد من تعزيز الخلاف، وحتى في العصر الحديث ما كان العرب والمسلمون ليتفقوا أبدًا، وكنا سنرى أهل بلد يصومون في شهر باعتباره رمضان بينما أهل بلد آخر مفطرون باعتبار أنهم في شعبان لأنهم احتسبوا النسيء قبل المحرم في بداية العام!

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع حذف النسيء تمامًا من السنة الهجرية، وهل تم ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أواخر السنة الثامنة للهجرة بعد نزول آيتي التوبة أم عند وضع التقويم الهجري بعدها بسنوات، فاتباع الجماعة في الصوم هو الصحيح، وقد استقر المسلمون على هذا التقويم منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، وفكرة انتظار أول هلال في الميزان ليصوم فيه بعض المقتنعين بنظرية النسيء باعتباره هلال رمضان الحقيقي لو كان النسيء موجودًا أمر لا أراه صحيحًا.

وأختم بمعلومة سبق وأن ذكرت مقتطف عنها في مقالي عن عاشوراء، بأن التقويم اليهودي يتم فيه إضافة النسيء إلى يومنا هذا، فيبدأ في تشريه، مع السنة المصرية القبطية تقريبًا، وتحديدًا بعدها مع أول هلال في الخريف (في الفترة من منتصف سبتمبر وحتى أوائل أكتوبر)، وتتم إضافة 7 أشهر نسيء بين كل 19 عامًا، ولكن يُضاف النسيء في منتصف الأعوام السبعة الكبيسة من بين 19 عامًا، في الربيع (بين مارس وأبريل)؛ ما يعني أن هناك سنينًا عند اليهود تكون عدتها 12 شهرًا يظهر فيها 12 هلالًا، وسنينًا أخرى كبيسة يظهر فيها 13 هلالًا.

والله تعالى أعلى وأعلم

 

د. منى زيتون

الجمعة 27 سبتمبر 2019