مجدي ابراهيمكان الحارث بن أسد المحاسبي مفكراً صوفياً رشيداً، تغلغل في أعماق النفس البشرية فحلل آفاتها؛ ليتسنى له، وللقارئين من بعده، الوقوف على العلل والأمراض المستشرية فيها ثم ليهتدي وليهدي غيره ممَّن أذن الله تعالى لهم بالهداية، إلى طريق الحق والصواب. توفى رحمه الله على أرجح الأقوال عام 243هـ . ومن مؤلفاته : الرعاية لحقوق الله، والوصايا أو النصائح الدينية، ورسالة المسترشدين، وآداب النفوس، والعقل وفهم القرآن، وكتاب التّوهُّم. ولقد ذكر عنه صاحب "حلية الأولياء" (جـ 10، ص73) :

إنه كان لألوان الحق مُشاهداً، ولأثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مدوَّنة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة، كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصحاً". تلك كانت أوصاف المحاسبي كما قدَّمها أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء.

وبقليل من التأمل؛ نرى كيف تجتمع في هاته الكلمات البسيطة مناقب المحاسبي في جملتها : إتباع سنة ومشاهدة حق، وعلم راسخ وحال صحيح، ورفض لألوان الزيغ والبدعة، وتربية صادقة ورعاية مخلصة للمريدين والتائبين والمنيبين.

رَوَىَ المحاسبي في كتابه "العقل وفهم القرآن" صفحة رقم (287) عن أبي سعيد الخدريّ أن رجلاً أتاه فقال : يا أبا سعيد، أوصني فقال : سألت رسول الله ص أوصني فقال :"أوصيك بتقوى الله عزَّ وجلَّ، فإنها رأس كل شيء. وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام. وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض. وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان".

هذه وصايا أربع تلقاها أبو سعيد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فتلقاها المحاسبي رواية عن رواية عن رواية، فما أحسبني أزيد شيئاً فيما لو قلتُ إنّ هذه الوصايا الأربع هى كل شيء من مطالب الذات المؤمنة، وهى بالطبع خيرُ ما يؤمّن المسلم ويقوى رياض إيمانه؛ ليكون على بصيرة من الوعي بحقائق الإيمان. فأولى الوصايا تدعو إلى تقوى الله وتصف التقوى بأنها رأس كل شيء. وهذا حق لا شك فيه، بل هو صدق لا يداخله ريب، وهل يداخل الريب كلاماً قاله المصطفىَ عليه السلام؟ فإن أصل الإيمان تقوى الله والعمل بهذه التقوى حتى الرمق الأخير. وإني لأسأل عبداً من عباد الله قد يغيب عنه معنى كلمة التقوى، فأقول : ألا تحب أن تكون في معية الله؟ ألا تريد أن يكون الله معك في الدنيا والآخرة؟

والإجابة بالطبع هى : نعم نحب ذلك ونتمناه، وإذن : فلتتق الله. ومعناه : أن تحترم وجود الله في داخلك، وأن تُقرنَ الاحترام بالعمل على الدوام، تحترم أنفاس الحق فيك قبل أن تتشدق بمعرفة الله مع الآخرين، ويوم أن تحترم وجود الله في داخلك هو اليوم الذي تراعي فيه حقوقه وترعى حدوده فلا تعتديها، ذلك هو اليوم الذي يوفقك الله فيه أن تكون سَيّاراً على تقواه، وما دمتَ على تقوى الله، فالله إذن معك، ومع جميع من يتقيه :"واتّقوا الله واعْلموا أن الله مع المتقين" (البقرة : 194).

وثاني الوصايا تدعو إلى الجهاد؛ فلولاه ما تمَّ إيمان مؤمن ولا صدقت سريرته في احتمال أشراط الإيمان والصبر على فرائضه؛ فمن المطلوب أن يجاهد المؤمن نفسه أولاً، وهو الجهاد الأكبر كما جاء في الخبر، ثم يجاهد نفوس الآخرين أن تقف له عائقاً عن مسيرة الجهاد. ومما لابد منه، في هذه العملية الجهادية أن يترصد نزغات الشيطان، وأن يقف لها بالمرصاد، إذْ يعني هذا الترصد عندنا رعاية الإرادة بحيث لا تحول الرغبات دون التنازل عنها، ولا رعاية على الإطلاق لإرادة مريدة فعّالة وصاحبها لا ينتقل في حياته على الدوام من جهاد إلى جهاد : من أول جهاد النفوس وصولاً إلى جهاد الاستقامة وجهاد الأسرار. فذلك بغير شك مطلبٌ من مطالب الرهبانية لا يستطيعه إلا أفذاذ الأبطال.

وإنك لتلحظ وصف الجهاد هنا بأنه "رهبانية الإسلام"، فالدلالة فيه أظهر من أن تخفى لأنها تشير إلى شدّة التّعبُّد. والرهبانية في اللغة هى الخوف الشديد، وهى كذلك التبتل الذي يصعد بالروح إلى أجواء عليا من الممارسة التطبيقية للمبدأ العَقَدي.

ومن بدائه الملاحظات في النسق القرآني إنك لتجد القرآن يحدثنا في جلاء ووضوح إن الله سبحانه لم يرسل رُسُله للناس لشيء أعز ولا أنفع للإنسانية من العبادة، فمن أقوال الحق كما جاء على لسان نوح عليه السلام :"ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيرُهُ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم". ومن أقوال الحق على لسان هود عليه السلام :"وإلى عادٍ أخَاَهُم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون". وفي رسالة شعيب عليه السلام :"وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم أعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربِّكم". وفي الدعوة الإبراهيمية الرشيدة :"ولقد أتينا إبراهيم رُشْدَهُ من قبلُ وكنَّا به عالمين. قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم. أفِّ لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون". وفي بشارة عيسى ابن مريم :"إنّ الله ربي وربكم فاعبُدُوه، هذا صراط مستقيم".

لكأنما كان تخصيص الدلالة هنا على العبادة إشارة إلهية قريبة المفهوم قريبة الدلالة غير غائبة ولا خافية تقول ببلاغ للناس إنّ الضرورة واجبة في تقويم الجهاد على حَصْر النفس في زاوية التعبّد الشديد الذي وصفه رسول الله (ص) بأنه رهبانية الإسلام.

وثالث الوصايا؛ تدعو إلى ذكر الله وتلاوة القرآن فهما بلسم الروح المستشرفة إلى طوالع الملكوت، ومصدر القوة والشفافية فيها غير منازع ! بهما يجلو العبد الغشاوة من على القلب والنفس والعقل ودخائل البواطن والأعماق، فيصفو صفاءً .. وأي صفاء.

في ذكر الله نعمة إلهية تصل العبد بخالقه .. وأي اتصال. وفي تلاوة القرآن حكمة ربانيّة لا يعلمها إلا الله واهب الحكمة، أعنى إنه لا يعلم فواتح النعمة على من يتلو القرآن بحضور وترقب إلّا الخالق جلَّ وعلا، وفيها مغنمٌ إنسانيٌ وسرٌ من أسرار الفتوح لا يحيط بهما إلّا السعداء، ولا يظفر بهما إلّا من منحه الله جليل فضله وكريم عطاياه.

ورابع الوصايا توصي بالصّمت فهو الحكمة الناطقة، أو قُلْ هو الحكمة "المؤجلة"، لم يحن موعد تصريفها في مرافقها العليا، ولا جاءت لحظة النطق بها لتأدية مهمتها. الصمت هو الحكمة النازلة والمعنى السابح في أفق البيان، فيه قال سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه :" إذا رأيتم الرجل يصمت فاعْلَمُوا أنه يُلَقن الحكمة ". وما تميزت المعرفة بشيء عند قدماء الحكماء إلا بتميزها بالصمت المفكر الذي يدل على مخزون القوة والامتلاء من مطالب المعرفة العلوية في الذات المؤمنة، وظل شعارهم عليها يقول :"إنْ من يعرف لا يتكلم، ومن يتكلم لا يعرف". وقال أبو سليمان الداراني في المعرفة بالله إنها :  "أقربُ إلى الصمت منها إلى الكلام".

غير أن الصمت في بعض الأحيان بل وفي معظمها أيضاً كما يشاهد الآن في ساحات التملق والمداهنة لا يكون في الحق فضيلة، أي نعم ! لا يكون الصمت في كل الأحوال في الحق فضيلة بل الحق يُوجِبُ الكلام ويوجِبُ الثورة الكاسحة لقلب الأوضاع البالية في داخل النفوس وفي خارجها على السواء. ولا يستدعى الحق التهاون والاستكانة قيد أنملة . ومع ذلك؛ فمن الناس من إذا نطق لا يسكته إلا ألم يشكوه أو مرض يلمُّ به حتى ليتعب من يسمعه كل التعب ويملّ من حوله كل الملل ولا يسكته إلا إذا أحد آذاه. ومنه قول القائل : وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل وادٍ تَخْطِبُ.

ومطالب الذات المؤمنة أن تعتدل بغير إفراط في مطالبها، فلا تميل بصاحبها إلى الصمت وهو ضعيف مخذول لكي لا يحجز نفسه وراء الكلام، وهو شاعر أو غير شاعر، بخواء الذات وفقر المضمون.

فهذه الوصايا الأربع إنما هى مطالب ضرورية للذات المؤمنة إنْ لم أقلْ مطالب ضرورية للنفس البشرية إذا أُرِيدَ لها الاستقامة، لتستقيم بها حيويّة المؤمن. وليس ينال المؤمن بالمحافظة عليها سوى تلك التركيبة الأخلاقية التي توظف العمل والسلوك توظيفاً إيجابياً نافعاً وهادفاً، تجمع بين حيويّات متعددة : حيوية الروح، وحيوية النفس، وحيوية العقل، وحيوية الذوق، وحيوية القلب، وحيوية الضمير الديني على الإجمال، ذلك الضمير المنزّه عن الأدران والآفات والأوساخ التي يُبتلى بها سفهاء الآدميين. ثم تجمع بعد ذلك حيويّات أخرى تتداخل فيها وتتشابك حتى ينصقل في الإنسان معنى الإنسانية، وفي الوقت نفسه ينصقل مبناه ويتماسك فحواه؛ ليكون من بعدُ مؤمناً على الحقيقة ينال من مطالب الروح أصدق الخصال وأفضل القيم وكل الفضل كله إذا حرص عليه وتوخَّاه.

* *  *

تقتضي مطالب الذات المؤمنة إدمان القراءة في كتب الصوفية بمنهجية ومعايشة وحضور. وإدمان القراءة في كتب الصوفية يورث الأدب ويقوي ملكة البيان ويضيف إلى النفس أجواءً من عوامل التهذيب، وهى قراءة تنفع وعلم يستفاد منه يوم يحاسب المرء على أعماله وعلومه فيما أودعها مذاهب الحياة. وليس كل مقروء من العلوم والمباحث والأفكار يورث عوامل التهذيب أو ينجم عن ملكات خفية باطنة رابضة في قاع الإنسان.

لكنما هنالك من العلوم ما يظهر قوى الروح حين تكون مظاهر المحسوس غمرتها وأخفتها تحت كثافة المادة وظلمة الأشباح.

فما يظهره الحسّ شبح لا روح فيه. وما تظهره الروح نور لا ظلمة فيه.

ومزيّة التصوف العظمى هى أن تُظهر تلك المواهب الروحيّة المطوية تحت كثافة المادة الحاجبة ثم تجلو مطالب الشعور والوجدان، وتنهض شاهدة على مذاقات قيم الوجود الروحي والأخلاقي في جوف الإنسان. مزيّة التصوف على قلوب العارفين كمزية التجربة الشعورية على فحول الشعراء : قلب كبير ملآن بقوة التجربة فيما يفعل أو يقول. ووجدان حساس ممتلئ برهافة الشعور ونقاء الوجدان. ولا يستطيب قراءة كتب التصوف إلا ذلك الذي صبر وذاق عصارة الأرواح واختبر المعاني الصافية النقية فتطلع إلى جميل الأوصاف وارتفعت نفسه عن أوْهاق المادة وغبن الشهوات.

ونحن؛ وإنْ كنا رأينا جانباً من مثال كان قدّمه المحاسبي في العقل وفهم القرآن؛ فهناك من هذه الكتب التي تشع النور في قلوب قارئيها كتاب "قوت القلوب في معاملة المحبوب" لأبي طالب المكي (386هــ) فهو جوهرة الطالب المؤمن لطريق الحق.

هذا الكتاب الذي قال فيه الإمام أبو الحسن الشاذلي رضوان الله عليه :"كتابُ القوت يورثك النور وكتاب الإحياء يورثك العلم"؛ وهما دعامة التصوف السّني على التحقيق كما أنهما غذاء الذات المؤمنة في أرفع مطالبها من الوجهة العلمية. لكأنما يقالُ لك أقرأ القوت كيما تنوِّر به صدرك، فإذا تنوَّر ما في الصدر وانجلى ما في القلب كانت هى غاية الغايات من التصوف الذي يرى أصحابه وعارفوه الحقيقة كليةً واحدةً لا تقبل التجزؤ والتفتيت؛ فهاهنا تكون وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة التي يبحث عنها الباحثون في غير طائل وفي غير معوان من عمل القلوب. حين يقرأ القوت لا يقرأ كما يقرأ أي كتاب آخر ولا يعالج كما تعالج موضوعات بعض الكتب الأخرى إنما الصفحة الواحدة في القوت تشعُّ في القلوب الأنوار؛ لأنه يورث قارئه نورانية تجعل صاحبها في حالة من البسط الذي ينشرح معه الصدر، فيقبل مع الإخلاص على المعرفة بانشراح.

ومجموع الصفحات بما تتضمنه من فنون الأذواق وتشتمل عليه من مطالب الذات المؤمنة، تهز الوجدان هزاً عالياً يرقى بصدق لا ريب فيه. وليجرب القارئ الصادق حين يقرأ القوت أن يعامل الصفحة ولا يعامل الكم، ولينظر، من بعدُ، ما توحي إليه به الجملة الواحدة في العبارة الواحدة، في الفقرة الواحدة، في الصفحة الواحدة، وهو يعامل الصفحة ولا يعامل الكم.

قوت القلوب قوتٌ للأفئدة تغذيها المعاني العزيزة لا المباني الصخّابة، علومه علوم أذكار لا علوم أقوال. وبلاغة الصوفية كلها على وجه العموم من ذلك الجنس من البيان : بلاغة معاني لا بلاغة مباني، ولكن كلما لطفت المعاني لطفت تباعاً لها المباني؛ إذْ لطف الأواني في الحقيقة تابع للطف المعاني، والمعاني بها تنمو كما كان يقول ابن الفارض رحمه الله.

* *  *

الحقيقة إنه من المهم جداً تحديد المجالات التي يكتب فيها الإنسان؛ فهو إذا كتب في مجال العلم والبحث العلمي لا ينبغي عليه أن يخلط خلطاً عشوائياً بين مجال ومجال، فالمجال العلمي لا يصلح فيه استخدام الإنشاء الأدبي، ولا تجدي الإشارة إلى الذات فيه نفعاً، لأن مجال الإنشاء الأدبي لا يليق أن يكون محكاً لطائفة تنظر إلى ميادين البحث في العلوم : طبيعة أو رياضية، فتستغني عن الرمز والإشارة والمصطلح بكتابة الإنشاء الحُرّ في ميادين النظر والآداب. المعلوم أن البحث العلمي شيءٌ والخلق الأدبي شيءٌ آخر، لهذا مجاله ولذاك مجاله الآخر. بالتالي من المهم كذلك التفرقة بين المجالين، وهى تفرقة واردة بحكم البداهة المعرفية بين الإنشاء الوجداني وخطوات البحث العلمي، فلا يجوز أن نقحم الفاعلية الوجدانية في مجال العلوم والمباحث الطبيعية والرياضية، وكذلك ليس بالجائز أن تقحم تلك الفاعلية في أي ميدان قائم على قوانين مادية أو معادلات رياضية وحسابية اللهم إلا إذا كانت دائرة الوجدان في أول مقام هى بمثابة "الحافز" يُغذي النشاط العلمي ويزكيه.

ومن ها هنا يقوم فينا على هذا الكلام اعتراض نُجْمِله في هذا التساؤل : هل يخلو العلم من الوعي؟ وهل تتعارض مطالب الذات المؤمنة مع النشاط العلمي كنشاط إنساني يرتدُّ إلى الوعي ويتقرّر به جوهر الإنسان؟

بدايةً؛ أنا لا أنكر مثل هذا التقسيم المنهجي السابق، ولا أشجع الخلط بين ميدان وميدان، ولا أتجاهل الفروق الجوهرية بين البحث في مجال العلوم الطبيعية والرياضية، والبحث في مجال العلوم الإنسانية، وأقف على الفوارق بينهما في غير مكابرة؛ ولكني فقط أمسك بنقطة هامة أراني أحققها، وألفت الأنظار إليها من الوجهة الإنسانية، كمطلب روحي ليس يستغني عنه بحال ذلك العالم الإنسان.

ليس من شك عندي أن الإنسان إنسان بعاطفته وبعقله وبضميره. وبغير العاطفة القوية والمحبة الجارفة لا يستطيع باحث، كائناً ما كان أو مَنْ كان، أنْ يمضي في بحثه على يقين ثابت وخطوات واثقة في أي مجال من المجالات؛ فإذا قلنا إنّ ميدان العلوم كائنة ما كانت تلك العلوم، طبيعة أو رياضية، تحتاج إلى تنزُّهٍ تامٍ عن الغرض والهوى والعاطفة، وهذا صحيح من هذا الوجه، لكنه من وجه آخر ليس بصحيح صحة كاملة تامة ولا هو بالفرض المسلم بتحققه في دنيا الواقع إذا نحن رحنا نفتش عن الدوافع الإنسانية والعاطفية من وراء أنابيق المعامل وأنابيب الاختبارات والتجارب.

اختر لنفسك من نشاط الباحثين العلميين في أي مجال كانوا فيه يبحثون، ولك إنْ شئت أن تساءلهم : هل بإمكانهم أن يتجرّدوا مطلقاً عن عواطفهم ودوافعهم أو حوافزهم إلى العمل حين يبحثون ويعملون؟ وهل لهم أن يركنوا مباحثهم في جانب ويفصلوها عن عواطفهم وحوافزهم الشعورية وأحلامهم في أن تحقق هذه الأبحاث للإنسانية كل التقدّم والخير والازدهار؟ هل في استطاعة أحد أن يفصل فصلاً تاماً في تكوين الإنسان بين العاطفة والوجدان من جهة، وبين العقل والنظر العقلي أو البحث العلمي؟

أقول؛ لَكَ أن تسأل من تشاء حين تشاء، ربما لا تجد بعد الإجابة حافزاً واحداً يدفعهم إلى العمل وخدمة البحث العلمي غير "العشق". والعشقُ بكل ضروبه يُنسب في أول مقام إلى العاطفة ولا ينسب إلى العقل، ويتعزز من طاقة الوجدان ولا يتعزز من طاقة البحث العلمي وقوانين العلوم كائنة ما كانت.

ومن هنا، تدخل معنا فكرة الوعي الإنساني في أكمل وأتمّ مراحلها؛ فالإنسان إنسان بمقدار ما فيه من الوعي غير مفصول النسبة إليه في جميع مراحل حياته الواعية. والوعي، كما نعلم، أعمُّ وأكملُ من العقل ومن العلم سواء؛ لأنه قوة روحانية تشمل أجزاء الإنسان كله : ظاهره وباطنه، علمه وعقله ومداركه وعاطفته ووجدانه وما يعيه وما لا يعيه على اجتماع يتكاتف ويتعاون ويتكامل، ولا يتناقض ولا يتهافت، ولا يعلو عليه جانب على حساب جانب آخر. وإنه؛ كلما كانت هنالك فكرة في الذهن واضحة أستطاع الإنسان أن يستخرج منها علمه المعملي أو رؤيته النظرية تماماً كما يستخرج من عاطفته ووجدانه شتى ضروب الخَلْق الأدبي. يوم أن يتجرَّد الفرد منا عن الفكرة الواعية لهو اليوم الذي تكون فيه الأفكار العلمية والوجدانية على السواء خاوية من دلالة المعنى ودلالة التحقق والإفهام إلا أن تكون دلالة لا ترتفع عن المادة ولا تنهض بتقويم الإنسان.

يوم إن يتجرّد العالم عن الوعي فقد تجرّد عن الحوافز الباطنة للعلم وللقيم العلمية؛ لأن التّجرّد عن الوعي فيه إنكار ضمني لحقائق الكون الكبرى. والعالم الذي ينكر حقائق الكون يقول بأبلغ لسان إنه يجهل أخص صفات الإنسانية فيه : صفة "الوجود الروحي" التي تفرز بدورها العلم والوعي، وتفرز العقل، وتفرز العاطفة، وتفرز الضمير والوجدان، وتهيئ العالم أن يترقى في مدارج الكمال من طريق البصيرة. ولا يلزم إنكاره من بعدُ أحد أن يكون ما ينكره غير موجود أو إنه في حكم العدم. تجارب العلماء لا تصدق بغير هذا المنظار الواعي، ولأجل هذا كان الدفاع عن الوعي في أول مقام دفاع عن الوجود الإنساني، بظاهره وباطنه، بآماله وآلامه؛ لأنه دفاع عن كيان الإنسان جميعاً، دفاع عن كنه الحق فيه، عن الوعي الذي يلازمه في حياته، وبعد أن تغادر أنفاسه الحياة.

* *  *

تأكدت لدينا مطالب الذات المؤمنة فيما رأيناه في السابق من مصادر التصوف سواء لدى الحارث بن أسد المحاسبي أو لدى أبي طالب المكي فيما أشرنا إليه من كتابه قوت القلوب. والحقيقة أن الذي يخدم فكرة الوجود الروحي في الإنسان من قريب هو التّصَوف؛ إذْ كان ولا يزال هو القوة الخارقة لحجاب الحواس الظاهرة؛ لأن قوته الحقيقية تخدم جوهر الروح كما تخدم ذلك الوجود الروحي في الإنسان على التعميم. وجوهر الروح هو أصل هذا الكون كله وأصل قوانينه المسيّرة له. فهل كان التصوف بهذا المعنى يعادي العلم؟ وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نلاحظ ملاحظتين : أولهما ملاحظة لا يمكن تخطئتها مطلقاً لأن موضوع التصوف ليس هو موضوع العلم بالنظر إلى المنهج، وإلى روح التصوف وجوهره، فقد أخفقت الدراسات النفسية الحديثة والدراسات الاجتماعية المعاصرة التي حدَّدت نفسها بالمادة، وتقيدت بالظواهر المادية المحسَّة الملموسة أو المرئية أو المسموعة أو المذوقة مذاقاً حسياً أو المشمومة؛ أخفقت هذه الدراسات في التقريب بينها وبين كل ما يتصل بالروح وبالوحي وبالإلهام السماوي وبالدين على وجه العموم.

وبما أن التصوف في جوهره روح وإلهام وإشراق فلا يدخل في مجال هذه الدراسات؛ لأن مجالها كما تقدَّم إنما هو المجال المادي، وأن كل ما خرج عن المجال المادي فليس يدخل في بحثها ولا تحت مرصدها ومخبرها ومسْبرها. ومن هنا كان اكتفاء هذه الدراسات بالمظهر والشكل، ومن هنا أيضاً كان إخفاقها كاملاً وفشلها ذريعاً يفجأ النظر؛ فكل ما قيل بلسان العلم عن التصوف لا يمس منه إلا المظهر والشكل، وليس منه فائدة من حيث الروح والجوهر. ولقد أخذ بهذه الملاحظة المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود، وترددت في كتاباته عن العلاقة بين العلم والتصوف، وهى ملاحظة جديرة بالنظر كما ذكرنا، لا يُقدَح فيها؛ إذْ تتناول هذه العلاقة بين التصوف والعلم من ناحية منهجية. وقد كان يقول :"إنَّ ما نسميه العلم الحديث إنما هو العلم السائد في أوربا وفي أمريكا في العصر الحاضر. وقد ألزم نفسه إلزاماً تاماً ألا يخرج عن دائرة المادة، وحَدَّد مختاراً دائرته تحديداً دقيقاً بأنها المادة (ولا شيء سواها)، وربط نفسه بذلك ربطاً محكماً إلى درجة أن كل من يخرج عن المادة لا يسمونه عالماً، وأن كل بحث في غير دائرة المُلاحظ المُحس لا يسمونه بحثاً علمياً ... الأمر الذي ينفي نفياً باتاً أن يتصل العلم الحديث، من قرب أو من بعد، بجوهر التصوف ومفهومه الحقيقي.

أما الملاحظة الثانية فهى الملاحظة التي نتصوّر فيها نحن، نظراً لاختلاف المجالين، أن التصوف لا يعادي العلم أصلاً لأن كلاهما يكشف عن الروح الكونية من وراء الحُجُب المادية، ومن هنا يخطئ في نظرنا من يظن أن المعرفة العلمية تتعارض مع التصوف، وأن التصوف ضد العلم هذا الرأي لغو فضول وخرافة ظاهرة، فمن مهام التصوف أن يكشف بقوته الروحية حجب الغيب وراء ظواهر الحواس. ومن مهام العلم أن يسعي بطريقته إلى هذه الغاية وإن كان يبدأ بالحواس. المفروض أن هنالك وحدة تتكامل فيها المعارف ولا تتصارع ولا تتناقض، ومن هذه النظرة الواسعة يحق لنا أن نقول إنه لا تعارض في أن كلاهما (العلم والتصوف) يكشف المجهول؛ كان ألبرت أينشتاين يقول :"كل من يجتهد في طلب المعرفة العلمية، فسوف يأتي عليه وقت يُوقن فيه أن هنالك روحاً تعبّر عن وجودها قوانين هذا الكون ... وهى روح تسمو سمواً عظيماً فوق الإنسان ... ونحن بقدراتنا المحدودة نحسُّ في مواجهتها أننا متواضعون إلى أدنى درجة". وتلك كانت بالضبط هى الروح التي توجهت إليها همم العارفين، أفلا يلتقي التصوف في الغاية مع العلم فيما لو أخلص لهما باحثون مخلصون فحرروهما من التضييق والتحجير. وكما يكون هناك تكامل في وحدة المعرفة البشرية يكون هنا تكامل في الملاحظتين السابقين. أحداهما تنظر إلى المنهج والأخرى تتجه إلى الغاية، وكلُّ يصل إليها بطريقته في غير تعارض إلا أن يكون من جهة الشكل الخارجي والمظهر البَّرانيِّ ويبقى الجوهر الباقي لا خلاف عليه.

* *  *

التصوف قوة واقتدار، لكن قوته لا تتأتى لكل إنسان كما لا يتأتّى اقتداره لأي إنسان ما لم يكن في ذاته أهلاً لكسب هذه القوة وذاك الاقتدار. والتصوف ليس ضعفاً؛ لأن الضعيف لا يكتسب الفضائل العالية، ولا يقتدر على الدوام لمشروعية الاكتساب وأهلية الاقتدار وهما بغير ريب تلك الرقابة الباطنة على الضمير والمجاهدة الدائمة لأهواء النفس وملابسة الشهوات، وهما سرُّ الإخلاص في سبيل الغاية.

ما من ضعيف هو ضعيف إذا أراد فعمل بهذه الإرادة كسباَ شرعياً لفضائل الأخلاق، وبما أن التصوف خُلق يحتاج إلى صفاء، صارت أفضل الفضائل للنفس الزكية هى التخلق بأخلاق الله، وأن يكون روح التصوف خلال صحبه أربابه وذويه، وهم أعلى الناس فضلاً واقتدراً، تعكس بالإيجاب فضله وبالقبول قيمته التي هى فيه.

ومن لطائف الله عليهم بالعرفان أن جُعلت لطائفهم فضلاً ممدوداً من الله لا وارداً من عطايا البشر. وعلى الله فيما تتوجه به قلوب المتصوفة قصد السبيل. ومن أجل ذلك؛ كانت الكتابة في التصوف عبادة. والقراءة في كتب الصوفية كذلك عبادة : عبادة من شأنها أن تُعرّف القارئ خطوات الطريق إلى الله تعالى، وأن تمسك شعوره على هذه الخطوات، وكل عبادة لا تكون على نفس هذا المحور من معرفة تعاليم السلوك، تدور عليه ولا تفارقه فهى أولى بالإهمال.

وكتب الصوفية، كما تقدَّم، رقائق، ترقق القلوب وتهذب الضمائر وتفضي إلى معرفة قواعد السلوك قربة من الله من طريق الأنس مع أحوال العارفين؛ أصحاب العلاقات الطيبة مع الله سبحانه، فهى من أجل هذا تجيء قرأتها عبادة من أشرف العبادات، فقد يكتب الله القبول لكل كلمة ينطق بها عارف من عارفيه؛ إذْ العارف بالله ينطق بما يجرى الله على قلبه لا بتكلف ولا بتصنُّع ولا بادعاء، ولا ينطق بما هو موجود عنده من أقوال منقولة من كلام الناس على اختلاف أهل القول فيما ينطقون ويقولون! وكما تكون القراءة في التصوف عبادة، تكون الكتابة كذلك قُرْبَة من الله واتصال به سبحانه؛ فهلا كنا بما نكتب ونقرأ من كلام العارفين قريبين من الله؟ هيهات ثم هيهات؛ فالكتابة والقراءة لا تفي بغرض القربة ولا بغاية التقريب إلا أن تنقلب إلى عمل وتتحوَّل إلى حياة.

وإذا كانت القراءة والكتابة عملاً فيلزمه الصدق ويلزمه الإخلاص. والمخلصون على خطر عظيم. وبما إن أذواق أهل الإشارات مخلوطة بأرواحهم ممزوجة بضمائرهم معجونة بالسريرة الباطنة التي يُعوّلون عليها في مداركهم للأمور الغائرة ولا يعولون على شيء سواها، فقد تبدو بعيدة المدى عن مدارك المحجوبين.

أذواقهم مواجيد وإشارات تعكس طبيعة العلم الذي يتحدثون به وعنه وفيه، حديث المجرب لا حديث العالم؛ فالعالم بالشيء ليس هو المجرّب له، وكل تجربة روحية فريدة هى في طبيعتها عَالَمُ وحده، عالم مليء بالأنفاس الصادقة والمعاناة المخلصة والعلاقة الطيبة مع الله في سبيل الله وعلى قصد الله.

وليس يعرف لهذا العَالَم معلماً واحداً يدل عليه إلّا من يقف فيه من الداخل، لا خارج عنه، ولا دارس له، ولا قارئ لمجرد القراءة أو الدراسة : التجربة مع الله "علاقة" وليست "قراءة". هذه العلاقة تعجز العبارة عن التعبير عنها بوجه من الوجوه؛ فيجيء الرمز فيها أو تجيء الإشارة تؤمي إيماءً إلى حال صاحبها : تصفه وليست هى بواصفة، وتعبر عنه وليست هى بمعبرة، ومن هذه الجهة كثر الإنكار على أهل الإشارات؛ لقلة الفهم لأذواقهم ومواجيدهم، وهم أهل الكمال في هذا الميدان.

من حكماء الإشارة في تراثنا الروحي ذلك الحكيم الذي عنىَ عناية فائقة بتحليل الأذواق المعرفية بمقدار ما عنى بمطالب الذات المؤمنة في أصل عنصرها الرفيع، وأعني به الحكيم الترمذي ( ت320 هـ)، صاحب كتاب "ختم الأولياء " النتاج الأصيل في التراث المعرفي الصوفي، والثمرة الناضجة للذوق الصوفي العميق، والمجهود المبارك لصميم التفكير الذاتي سواء في ذلك النشاط الرائع على مستوى "الصدق" أو في مستوى "المنَّة"؛ أي في مستوى الجهد البشري الخالص، أو في مستوى النعمة الإلهية السامية (ختم الأولياء : ص 93 وما بعدها). فإن أعزَّ مطالب الذات المؤمنة قبول بشرى الأولياء؛ فهو مطلب عزيز ولا شك رهين بأكبر التضحيات. يحدثنا الحكيم الترمذي في هذا المقام الأسمى عن موت نفوس الأولياء وقبول بشراهم بعد أن أعطاهم الله تعالى طهارة القلوب وعلم التوحيد ومعرفة الآلآء؛ فاطلع قلوبهم مُلكاً مُلكاً، وقطع لهم من كل مُلك حظاً، وأوصلهم إلى نجواه ومجالسه القدسية، وأمات نفوسهم عن جميع الشهوات : دنيا وآخرة، فامتلأت قلوبهم بعظمة الوحدانية، فأنىَّ يستفيقون لذكر النفوس؟ (ختم الأولياء : ص390).

لكأنه إذا امتلأ قلب الوليّ بمناجاة الله فلا شأن له، من بعدُ، بدنيا ولا بآخرة؛ فشواغله القدسية تجعله في معزل عن الأغيار لأنها مصروفة إلى الجناب الأعلى، مشغولة على الدوام بعظمة الوحدانية، فإذا أماتهم الله تعالى - هكذا يقول الترمذي - فهم لا يلتفتون إلى طلب فايدة أو علم أو حكمة حتى يكون هو الذي يفيدهم ويدلّهم، ولا يلتمسون رياسة ولا ميل الخلق إلى ما جاءوا به، حتى لا يصير الالتفات حجاباً لهم عن خالقهم. وبعد هذه الأشياء، بُشِّروا بفوز العاقبة.

فلو لم يكن في قلوب الأولياء إلّا حُسن الظن بعطاء الله؛ لكان تحقيق ذلك الخبرُ على قلوبهم، فكيف بالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال، وعجائب مطويّة في قلوبهم؟ فكلها محقق ومصدق هذا الخبر. ثم السكينة تُلقي الخبر في القلب فيقبله القلب؛ فكيف يمكنه (= الولي) ردّه (= خبر البشرى)؟ (ختم الأولياء : ص 390). وواضح أن الحكيم الترمذي يقطع ببشارة الولي قطعاً لا مرْيَة فيه؛ فإذا كان الأولياء قد أوتوا من مواهب الفضل والتوفيق ما هو أعلى من البشارة؛ كالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال وكل العجائب المطوية في أفئدتهم المستنيرة بنور الحق وضياء الموافقة؛ فلا أقلّ من أن يكون خبر البشرى مصدقاً على التحقيق؛ ناهيك عن أن سكينة الولي هى التي يعوّل عليها حين تُلقي خبر البشرى في قلبه، فيقبله القلب ولا يردّه الولي بوجه من الوجوه. وعليه؛ فقبول بشرى الأولياء يجيء من موت نفوسهم عن المطامع الدَّنيّة، وامتلاء قلوبهم بعظمة الوحدانية؛ فبشاراتهم طوالع نور صادرة من حسن الظن بعطاء الله.

وتحدّث الترمذي في معرفة الله، فكان من حديثه أن وجد دين الله عزَّ وجلَّ مبنيّاً على ثلاثة أركان : على الحق، والعدل، الصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول. وجميع هذه المعايير (الحق والعدل والصدق) إنما هى أساس الدين، يلتزمه الإنسان لو شاء أن تكون المعرفة بالله طريقه ومراده. فهو بالحق يضبط الجارحة، وهو بالعدل يزن القلب، وهو بالصدق يفقه حكمة العقل؛ فلو كان على طريق الحق؛ فعليه بخدمة الجوارح؛ فإذا أفتقد الحق من عمل خَلَّفه الباطل. ولو كانت على طريق العدل، فعليه بخدمة القلوب؛ فإذا أفتقد منه العدل خَلَّفه الجور. ولو كان على طريق الصدق، فعليه بخدمة العقول؛ فإذا افتقد منه الصدق خَلَّفه الكذب.

فهذه الثلاثة (الجور والباطل والكذب) أضداد المعرفة؛ لأنها جند الهوى؛ فللهوى جنوده كما أن للمعرفة جنودها من الحق والعدل والصدق. ولا يعرف الله من اتخذ من جنود الهوى سبيلاً في هذه الحياة، فكان بالباطل يبطش وينظر ويتكلم ويرى ويسمع، ويجرح بالجوارح أقدار الحق في عباده. وكان بالجور يظلم ويفتري ويتجبّر ويستطيل فتموت فيه اللطيفة الربانيّة المودعة في دخائله؛ ليحيا كما تحيا البهيمة في غير حياة. وكان بالكذب موصوفاً، وبالباطل منعوتاً، وبالجور مُشاراً إليه، فلا هو من المعرفة قريب، ولا هو من الدين على فهم أو على تجريب. إنما المعرفة بالله لا تكون إلّا على العدل من القلوب، وعلى الحق من الجوارح، وعلى الصدق من العقول. وفي الحق وفي العدل وفي الصدق القيم العلويّة المباركة التي لا يتخلى عنها إنسان يعرف كرامة الإنسانية في جميع الأحوال.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

كنا قد إنتهينا إلى القول: - بأن مبدأ الشورى أساسي و لازم من لوازم الإمامة -، والشورى بمعناها العام هي حكومة الشعب التي تكون بالإنتخاب أو الأختيار، والإمامة هي مؤوسسة مسؤولة عن تحقيق العدالة والنظام والقانون بالفعل بين الناس، هي مؤوسسة إجرائية تنفيذية تنحصر مهامها الرئيسية بالعمل في إدارة البلاد عبر المشاركة الجمعية، كما إن لها وظيفة أخلاقية وثقافية في تعميم قيم الحرية والسلام .

وبمقدورنا القول: - إن هذه الأشياء الحيوية أرادها الكتاب المجيد وقصدها وسعى لها عبر دائرة النصوص الحاثة و المرشدة إلى ذلك، وللتنويه والإعلام فقط نقول: إننا قد أعتمدنا في بحثنا هذا وما سبقه من بحوث، على نصوص الكتاب المجيد بإعتبارها المصدر الوحيد والرئيس في التشريع وفي الإجتهاد، وهذا يعني إننا لم نعتنِ بما ورد في كتب الأخبار من روايات وقصص، لقناعة منا راسخة في عدم إعتبار الأخبار حجة يمكننا الإستفادة منها في البناء والتأسيس، وفي هذا ننطلق من علم وتحقيق أشار لنا بوجود ذلك الخلل الواضح فيها من جهة تأريخها وزمنها وسندها ومضمونها، ومن هنا فالأخبار عندنا لا تصح المحاججة بها ولا في إعتمادها كحجة أو دليلاً في إستنباط الأحكام، وأكثر ما يُستفاد من الأخبار هو بالأستئناس بها بشرط صحتها وموافقتها لنصوص الكتاب، كما يمكن الأخذ بها في أدلة السنن من الأخلاق والشمائل !! .

 والحق إن الأخبار أو ما يسمى (بالسُنة) ماهي إلاَّ ظنون لا يمكن جعلها بمصاف االكتاب أو صنو له في عملية الإٍستنباط، ولهذا فهي لا تصلح البتة في عملية الإجتهاد الفقهي ناهيك عن الإجتهاد العلمي والفلسفي، الذي يتطلب الدقة والوثاقة الموضوعية، ومن باب التذكير نقول: - الأصول المعتمدة عندنا في الإستنباط والإجتهاد، هي كتاب الله المجيد والعقل -، الذي هو الدليل الدال على الكتاب، وأما الإجماع: - فليس عندنا بشيء بشقيه، سواء أكان الإجماع المحصل أو المنقول -، والإجماع المُدعى لا يصلح في عملية البحث والإجتهاد، لأن مستنده معلوم وهو الأخبار والتي عندنا لا تفيد إلاَّ الظن والذي لا يغني من الحق شيئا، وقديماً قالها الإمام الصادق: - أعرضوا اخبارنا على كتاب الله، فإن وافقه فخذو به، وإن خالفه فردوه أو إضربوا به عرض الجدار -، هذا هو المعيار وهذا هو الميزان، بالإضافة إلى إشكالية زمن التدوين وطبيعة الرواة وطبيعة النظام السياسي الذي كان سائداً، والأمر نفسه ولو بنحو أخر وجدناه عند الإمام أبي حنيفة الذي لم يصح عنده من الأخبار سوى سبعة عشر، حين بنى مذهبه وأقامه، مع الإشارة: إلى إن الإمام أبوحنيفة كان قريباً نسبياً إلى زمن الرسول عليه السلام، ومع ذلك أعرض جانباً عنها وقال مقولته تلك .

 نحن إذن أمام إشكالية معرفية تلف مجمل تراث المسلمين، ولا يجب القفز عليها متسلحين بالتقليد الأعمى والإيمان السطحي، الذي لا يقوم على دليل وعلم وبرهان، ثم إن - الآبائية - في الفهم مرفوضة ومنبوذة من عند الله ولهذا قال تعالى: - [.. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ...] - البقرة 170، في صيغة الرفض وعدم الإتكاء عليها في الإيمان والإعتقاد، ذلك لأنها سلوك فض وينم عن جمود وتحجر ولذلك فهي مرفوضة، ولأنها أيضاً ضد التدبر الذي دعا إليه الله في قوله: - [ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها] - محمد 24، فعدم التدبر هو مذهب الآبائية وسلوكها في الفهم والتبني، وهو نفسه الذي يقود إلى التقليد الأعمى المنهي منه، ويمنع عن قصد الإجتهاد والبحث والتحقيق .

نعم إن هناك ثمة فئة من الناس أستسلمت للتقليد وآمنت به، وهي لا تتقدم خطوة من أجل التحرر والإنعتاق من هذا التحجر والضيق في النفس وفي الأفق، وشعارها الدائم هو - البقاء أو الإبقاء ما كان على ماكان - .

 وفي بحثنا هذا وكغيره من البحوث السابقة، إنما نعتمد و نلتمس وندعوا للنظر والتعمق من غير هآلات قدسية مزعومة، كما أن حُسن الظن القدري بالمتقدمين لا يعيننا في فهم ما يريده الله والناس منا، فثمة زمن مختلف وثمة إرادة ومُريد مختلف، وإلى ذلك نسترعي الإنتباه ..

 

ونعود للقول: هل المقصود في كتاب الله هو الإمام أم الإمامة ؟

و بحدود علمي القضية تحتاج إلى شيء من التأمل، والقضية لا تعني التفريق بقدر ما تعني العلاقة الزمنية، ومن أجل بيان أكثر سنأخذ على ذلك مثالاً من الكتاب المجيد، قال تعالى: - [... وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا] - الأنبياء 73، والملاحظ في النص: - إن الفعل والضمير يعود على المتعلق به وهم من يقومون بفعل الهداية -، والوصف بالهداية وصفاً تعريفياً يعود على الأمر الذي ينفع الناس، وكأن الأئمة هنا هم عنوان ثانوي وإنما المُراد هو العنوان الأولي، أي ما يقومون به من وظائف وأعمال، من نشر العدل وردع الظلم وتعميم السعادة وتوفير الأمن والإستقرار للناس والمجتمع، ومنه يتبين: - إن أصل جعلناهم - إنما جيء به لهدف معين وهو تحقيق العدالة، وليس جعلناهم ليكون أئمة بالمعنى الشخصي الخاص -، فهذا لم يكن المقصود ولا المطلوب في الكتاب المجيد، ثم لا يجب التركيز على مفهوم وحدانية الإمام بالمعنى العددي، بل المقصود هو مؤوسسة الإمامة بإعتبارها الضامنة لهذه الحقوق، وأما الإمام بالمعنى الشخصي - فهو إنسان من الناس ويجري عليه ما يجري عليهم، وهو محكوم عليه بالعدم - وهذا ما يناسب طباعه الواقعية من الموت وغيره (و الله لا يريد لمؤوسسة الإمامة أن تموت)، قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] - الأحزاب 21، والرسول (الإمام) لا يكون أسوة إلاَّ في الرسالة (أعني الإمامة)، والرسول يموت ولكن الرسالة لن تموت .

 ويجري في السياق نفسه قوله تعالى: - [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ..] - السجدة 24، والصورة هي ذاتها فجعل الأئمة متعلقة رتبة بهدآية الناس لما أمر الله به، وأمر الله متعلق بالعمل الصالح وإصلاح شؤون العباد والبلاد، والجعل في النص إرشادي لطبيعة الوظيفة التي سيضطلع بها الأئمة، وقد ورد في الأثر التأكيد على ذلك بقوله عليه السلام: - (بُني الإسلام على خمس الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية ..)، ومع إن هذا الخبر فيه ضعف بنيوي ومعنوي، لجهة وقوع الوصف على الإسلام وليس على الإيمان، والصحيح القول: - (بُني الإيمان على خمس، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والولاية ..)، حتى يستقيم المعنى المُراد ..

وأما الولاية: فهي الإمامة أو القيادة أو الحكومة،

ولا يصح جعل - الصلاة والزكاة والحج والصوم ... - من فرائض الإسلام، بل الصحيح إنها من فرائض الإيمان، وبين معنى الإسلام ومعنى الإيمان فارق نجده في الكتاب مسطورا، فالإسلام هو: - (التوحيد، والإيمان باليوم الأخر، والعمل الصالح)، وأما الإيمان فالمُراد به خصوص الإيمان بنبوة محمد عليه السلام ورسالته، مما يعني إن هذا الخبر المروي عن الإمام الباقر ليس صحيحاً من ناحية البناء والتركيب، فالصلاة والصيام وكذا سائر الأعمال والعبادات فرائض إيمانية تتعلق بالرسالة التي جاء بها محمد، وهي ليست من فرائض الإسلام كما يروج لذلك في التاريخ والخبر .

 وجعل الولاية في سلة العبادات والأعمال والوظايف يخرجها من دائرة الإعتقادات، فالولي هو الحاكم والولاية هي الحكومة والتي هي من خصائص الإيمان وليست هي من عقائد الإسلام، فالوالي هو الشخص الذي ينتخبه الناس بعد أن يحصل على غالبية الأصوات، وعندها يكون هو الحاكم والإمام، وأصدق مصاديق ذلك ولاية الإمام علي حين بايعه الناس جميعاً وأختاروه للخلافة والحكم، إذ ليس في التاريخ الإسلامي شبيه لما حدث مع الإمام علي من إنتخاب حر، وقد قال في وصف ذلك: - [فما راعني إلاَّ والناس إليَّ ينثالون عليَّ .. ] - نهج البلاغة الخطبة الشقشقية، وبهذا اللحاظ يكون مقام الولاية من حيث الإعتبار وظيفة إجتهادية وليست نصيه أو وراثية وهي كالصلاة والزكاة والحج والصوم من الأمور الوظيفية التكليفية، بمعنى أنها وظيفة وتكليف عملي كباقي التكاليف التي يجب العمل بها حسب شروطها الموضوعية، وأهم عنصر في هذه الشروط هو إنتخاب الأصلح والأعدل والأكفأ وإن كانت هذه من الصفات النسبية، ولكن المعيار والمناط فيها هو ما يحقق للناس العدل ويجنبهم الشر، ومن يُنتخب بناءاً على ذلك فعليهم طاعته وإتباع أمره حسب الضوابط والحدود، فإقامة الولاية تكليف واجب كالصلاة والزكاه والحج والصوم لمن يكون أهلاً لها ..

وهنا يسأل زرارة بن أعين راوي هذا الخبر فيقول: وأي شئ من ذلك افضل ؟

فيقول الباقر: [أنها الولاية، لأنها مفتاحهن، والولي هو الدليل عليهن]، والباقر يعني: - إن الولاية هي مؤوسسة للحكم يقع على عاتقها، توفير الشروط الموضوعية اللازمة للعيش الكريم بما فيه من إقامة للفرائض والأعمال من غير خوف أو إكراه -، أعني إن الولاية توفر الأرضية المناسبة للإستقرار و الأمن، صحيح إن العبادات هي تكاليف مقصودة في ذاتها، ولذلك فأثرها وتأثيرها يبقى محصوراً في دائرتها، وأما الولاية فتخرج هذه العبادات من حيزها الطقوسي إلى حيز العمل والإستقامة والبناء والتقدم، لذلك جاء الإستدراك بالقول: ـ (أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة لفضله ورحمته)، وكأنه يريد بهذا الإستدراك القول: - إن الولاية الصالحة تجعل من إقامة التكاليف والعمل الصالح جزءاً من منهجها، وعليه فالولاية أو الإمامة هي التي جعلها الله للناس، لكي تقوم بهذا الدور .

وليس شرطاً بل ليس واجباً أن يكون الإمام عالماً أو يعلم الغيب، لأن العلم بالغيب شأناً خاصاً بالله وحده، وقد دل الكتاب المجيد على هذا في جملة نصوص، وليس فيها ما يدل على إنه قد فوض هذا العلم لواحد من أنبيائه، حتى حينما قال: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26، وحتى هذا العلم الذي أُظهره الله لبعض رسله (والمقصود بهم بعض الملائكة) وليس الرسل من البشر، هؤلاء إنما يطلعهم الله على الغيب لغاية محددة، وهي فهم وإدراك ما يؤدون وما يحملون للإنبياء الذين يتواصلون معهم، وهذا الغيب حين يصل للنبي لا يعد غيباً بل يصبح بعد ذلك علماً عادياً، وقد مر الكلام عن ذلك في شرحنا للنبوة فلا نعيد .

 والكلام في هذا وفي معناه هو: - إن ما لا يصح للنبي ولا يكون فمن باب أولى إنه لا يصح للرسول أو الإمام ولا يكون -، -

ولايجب أن يُفهم من معنى الحصر في نسبة الإمامة لخصوص أئمة أهل البيت عليهم السلام، المعنى التعبدي القهري بل إن معناه الحصر النسبي، والذي يعني نفي حاكميت الطواغيت والظلمة، وقد جاء في تفسير نور الثقلين ما يشير إلى هذا بقوله: - (أعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان) - نور الثقلين ج1 ص 507، ودلالة الحصر هنا معناها الحصر النسبي في زمنهم لعدم أهلية من تقدموا للحكم والولاية آنئذاك، ولا يستمر الحصر هذا حتى في زمن الغيبة، لأن ذلك يقتضي تعطيل للحدود والأحكام ونظام الجماعة .

إذن فتصحيح الفهم تجاه معنى قوله تعالى: - (أُولي الأمر) -، يقودنا للقول: إن جملة - أولي الأمر - دلالتها عامة مطلقة وتشمل كل من صح إنتخابه من قبل الشعب والأمة، وقد قيل في معناها أقوال منها:

الأول: إنها تعني جميع الأمراء والحكام .

والثاني: إنها تعني خصوص الأئمة الأثني عشر .

والثالث: إنها تدل على ما يناسب الحكم والموضوع، أي إن كل من له حق في الأمر والحكم هو ولي للأمر [وهذا يتم بالإنتخاب أو الأختيار الشعبي]، ومن ثبت له ذلك وجبت إطاعته والإنقياد له .

ولا يخفى إن: (مفهوم الأمر والحكم لا يتعلق بالعصمة)، بل يثبت معناه لكل من كانت حكومته قائمة على الإختيار والإنتخاب، ومثال ذلك: - حكومة الإمام علي - التي كانت عن طريق الإنتخاب الشعبي، ولهذا تجب طاعتها وطاعة ولاتها، ومعلوم إن الطاعة مشروطة بهذا القيد (أن لا تؤدي الطاعة إلى ظلم وفساد في المجتمع)، وقد ورد في الأثر قوله: - (من يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني) - تفسير الكشاف ج 1 ص 212، وكتاب الإمارة لمسلم ص 15 .

 وأما القول الأول: فلا نصوبه ولا نؤيده ذلك لأن مفهوم العموم فيه مشعر بصحة حكم الظالم، والظالم لا يكون إماماً وحاكماً قط، إذ كيف يجوز للظالم أن يُنصب نفسه للإمامة؟، والإمامة هي مؤوسسة حكم وإدارة هدفها تحقيق العدل ورفع الظلم، والشعب الذي ينتخب ظالماً أو يُنصب الظلم، فكمن أسترعى الذئب على غنمه ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

11 جمادي الثاني 1440 هجرية

 

علي جابر الفتلاويإذا تصفحنا الجزء الأول من تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي، وجدنا مقدمتين، الأولى بعنوان (المقدمة – دفاع عن الميزان) كتبها آية الله جوادي آملي. والثانية بعنوان (المقدمة) كتبها مؤلف التفسير السيد الطباطبائي، وسندرس المقدميتن. نذهب ابتداء لمقدمة الميزان للسيد الطباطبائي، بيّن السيد الطباطبائي بعد أن حمد الله تعالى، وصلّى على النبي محمد (ص) وآله ( ع)، الغاية من مقدمة كتابه (الميزان في تفسير القرآن) قال: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني القرآن، بعدها عرّف التفسير: (هو بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها)، وأكد أن علم التفسير بدأ منذ عصر النزول، ولكن بشكل مختصر،واستدلّ على ذلك بالآية الكريمة: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة).(1)

ومسألة أنّ علم التفسير بدأ منذ العصر الأول لنزول القرآن أمر متفق عليه بين المسلمين، (تفسير القرآن بالمعنى الحقيقي بدأ منذ عصر الرسول (ص)، بل منذ بدء نزول الوحي إلا أّنّه كعلم مدوّن بدأ زمن أمير المؤمنين علي (ع) كما تجمع على ذلك أقوال المؤرخين، والمفسّرين، ورجال هذا العلم يصلون بسلسلة أسانيدهم إلى الإمام علي (ع) .)(2) (ولم يكن يسمى علما في ذلك الوقت).(3) بل تحفّظ البعض أن يعّد التفسير علما؛ يقول ابن عاشور: (وفي عدّ التفسير علما تسامح)(4)

بعد أن ذكر الطباطبائي تأريخ علم التفسير منذ عصر النبوة حتى العصر الحديث   - علما أنّه توفي عام (1981م) - قال: كانت الطبقة الأولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة والمراد بهم غير علي (ع)، نرى أنّه أخرج الإمام علي (ع) من طبقة مفسّري القرآن الأولى، لا لكون الإمام (ع) لم يكن مفسّرا للقرآن، بل لأنّ علم الإمام والأئمة من ولده لهم (نبأ آخر) حسب تعبيره، أي أن علمهم خاص متميّز عن علم الصحابة الآخرين، وأضاف: أنّ من مفسّري الطبقة الأولى، إبن عباس، عبد الله بن عمر، وأبيّ، وغيرهم، يرى أنّ تفسيرهم لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط بالآيات من معانٍ أدبية، وشأن النزول، وقليل من الاستدلال بآية على آية، وقليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي (ص)، والقصص القرآنية، ومعارف المبدأ والمعاد وغيرها. السيد الطباطبائي يرى أنّ هذه هي أهمّ  محاور التفسير عند مفسّري الطبقة الأولى، واستمرّ هذا الاتجاه التفسيري في عهد التابعين، كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبي والسّدي وغيرهم في القرنين الأولين من الهجرة. يرى الطباطبائي أن طبقة التابعين لم يزيدوا شيئا على طريقة الصحابة، سوى أنّهم زادوا من التفسير بالروايات، وفي هذه المرحلة دخلت ضمن روايات التابعين الإسرائيليات، خاصة فيما له علاقة بالخلقة، كخلق السموات والأرض والبحار، وقصص الأنبياء وغيرها لكنّه لا ينفي ورود بعض هذه القصص عن بعض الصحابة.

وفي العهد الأموي والعباسي، انتشر علم الكلام والفلسفة، وظهر التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي على حدّ تعبير السيد الطباطبائي، لكن الاتجاهات الكلامية والفلسفية والصوفية في التفسير لم تكن عامة، بل بقي (جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الأدبية)(5) أي رغم انشغال البعض بالرياضات الروحية والنفسية بعيدا عن الاتجاه العقلي، بقي هذا الاتجاه عند طبقة من المفسّرين، شيوع هذه الاتجاهات التفسيرية أدّى إلى إن يتفرق المفسّرون في طرق البحث عن معاني الآيات.

تكلم الطباطبائي في مقدمة تفسيره أيضا عن المحدّثين، وصفهم أنهم اقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة والتابعين، فساروا حيث يسير بهم المأثور  ووقفوا فيما لم يؤثر فيه شيء، أو عدم ظهور المعنى في الآية،أخذا بقوله تعالى: (والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربّنا)(6)

لا يتوافق السيد الطباطبائي مع مفسّري هذا الإتجاه وقال عنهم: قد اخطأوا في ذلك فإنّ الله لم يبطل حجة العقل في كتابه. كذلك لم يتوافق مع أصحاب الكلام، لأنهم يأخذون من التفسير بما يتوافق مع مذاهبهم، والآية التي تتقاطع يذهبون فيها إلى التأويل، وعنده هذا من التطبيق وليس من التفسير، ويعني بالتطبيق أنهم يحملون آراءهم على الآية ويأولونها بما يتطابق مع ما يذهبون إليه في مذهبهم، في حين يفترض أن يكون القرآن هو المرجع الذي يفصل بين المعنى الصحيح وغير الصحيح. تأويل الآية وفق آراء المذهب هو التطبيق الذي يتعارض والهدف من تفسير القرآن. رفض أيضا الاتجاه الفلسفي في التفسير وقال عنهم: عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في التطبيق، وتأويل الآيات التي في ظاهرها مخالفة للمسلمات الفلسفية، حتى أنهم خالفوا الفرضيات والعلم الطبيعي.

 رفض الاتجاه الصوفي في التفسير،لأنهم اهتموا بالباطن دون الظاهر، طريقتهم اقتصرت على التأويل أيضا، ذهبوا إلى تفسير الآيات بحساب الجمل، والحروف النورانية والظلمانية، يقول: (من الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، ولا المخاطبين به، هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم، بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية.)(7)

لم يترك السيد الطباطبائي التفسير بالباطن لكن ليس باهمال الظاهر، كما لم يترك التأويل على حساب أمر التنزيل؛ يؤيد وجود روايات عن النبي (ص) والأئمة (ع) ذكرت أن للقرآن ظهرا وبطنا، لكن أهل التفسير المقبول والسليم، اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، أي أنهم لم يتركوا ظاهر القرآن كما تركه أهل التصوف، بل اهتموا بالظاهر كاهتمامهم بالباطن، كما اهتموا بالتأويل مثل اهتمامهم بأمر التنزيل. إذن التفسير عنده هو الذي لا يقتصر فقط على الباطن والتأويل، بل يهتم بالظاهر والباطن والتأويل وأمرالتنزيل.

ذهب في مقدمته إلى المفسّرين المعاصرين، أنتقد بعضا منهم، وشكك في قسم منهم كونهم من منتحلي الإسلام، انتقد المعاصرين الذين مالوا إلى مذهب الحسسيين تقليدا لفلاسفة أوربا، يرى هؤلاء الحسّيون أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم، هم لا يؤمنون إلا بما يصدقه الحسّ، لذا ينكرون الغيبيات كالعرش والكرسي واللوح والقلم والمعاد إلى غير ذلك من المغيبات، يأولونها بما يتناسب وطريقتهم المادية، كذلك يؤولون التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة والإمامة، وغير ذلك من الأمور الروحية، يرون أنّ الروح نوع من الصفات المادية، والتشريع نبوغ، ذكروا أن الروايات لوجود الصحيح وغير الصحيح فيها تترك؛ لكنّهم يقبلون الرواية التي تتوافق مع مذهبهم، اهملوا حجية العقل في التفسير، وبنوا تفسيرهم على الحسّ والتجربة، صرحوا أن تفسيرهم هو تفسير القرآن بالقرآن، ولكن وفق الاتجاه المادي التجريبي.

يرى السيد الطباطبائي أنّ هذا النوع من التفسير لا يُعد تفسيرا، إنما هو من نوع التطبيق. إذ يعتبرون أفكارهم المادية صحيحة ويطبقونها على القرآن.

أرى أصحاب هذا التفسير يفسّرون بما وصل إليه العلم في عصرهم، ويغفلون أطروحة التطور العلمي في المستقبل، بل يبنون على ما في أيدهم من نتائج علمية علما أن هذه النتائج قابلة للتغيير بدرجة تطور العلم والاستكشافات المستقبلية.

يرى السيد الطباطبائي أنّ في جميع هذه الاتجاهات مشتركات، فكل فريق يطبق ما يحمل من رؤى فلسفية أو صوفية أو مادية على آيات القرآن، فصار بذلك التفسير تطبيقا، والتطبيق تفسيرا، فصارت حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات، يرى الطباطبائي أنّ آيات القرآن واضحة الفهم، فهو بلسان عربي مبين، ويرى أنّ الإختلاف في المصداق وليس في المفهوم.

بيّن السيد الطباطبائي أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل، وضرب لذلك مثلا بكلمة السراج، أول ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به أجزاء السراج، ثم بدأ بالتطور حتى وصل إلى السراج الكهربائي، الغرض من السراج واحد هو الإضاءة لكن المصداق يختلف حسب الزمان والمكان والتطور العلمي؛ وكذلك الميزان المعمول أولا، والميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة، والسلاح المتخذ سلاحا في ذلك الوقت، والسلاح المعمول اليوم.

يقول السيد الطباطبائي: (فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة والاسم مع ذلك باق، وليس إلّا لأنّ المراد من التسمية، إنما هو من الشيء غايته، لا شكله وصورته فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا، كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا على حاله.)(8)

السيد الطباطبائي يرى أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، والمقصود جمود المعنى في اتجاه واحد، لأن اللفظ باق، يرى الطباطبائي أن الجمود على العادة والأنس يؤدي إلى عدم تغير المصداق وفقا لمتغيرات الغرض والغاية، وممن وقع في هذا الإشكال  حسب تشخيص الطباطبائي المقلّدة من أصحاب الحديث، كالحشوية والمجّسمة، فقد جمدوا على ظواهر الآيات في التفسير، في رأي السيد الطباطبائي إنّ جمود هؤلاء في الحقيقة ليس جمودا على الظواهر، بل هو جمود على العادة والأنس في تشخيص المصاديق، يرى السيد الطباطبائي أنّ من نتائج الاعتماد على الأنس والعادة في فهم معاني الآيات؛ تشويش المقاصد واختلال أمر الفهم.

 أرى أن من يسمون أنفسهم من الوهابيين علماء واقعون اليوم في وهم العادة والأنس، فهم يرفضون الكثير من الحقائق التي اثبت العلم مصداقيتها مثل كروية الأرض، إذ يوجد من الوهابيين من يرفض حقيقة أن الأرض كروية ويقولون أنها مسطحة، فهم يحملون الكثير من أفكارهم البدوية على الآيات القرآنية، فيسمون تطبيقهم تفسيرا. هؤلاء الأعراب يكفّرون المسلم الآخر الذي يؤمن بوجود الله ووحدانيته، ويتحالفون مع اليهود الصهاينة تحت عنوان أنهم أصحاب كتاب، وكأن المسلم الآخر الذي يكفرونه ليس بصاحب كتاب هو القرآن الكريم، أرى سبب ذلك أنهم يفهمون القرآن وفق نمط الأنس والعادة حسب اصطلاح السيد الطباطبائي، لذا احتضن أعداء الإسلام الوهابية ودافعوا عنها، وأصبحت الوهابية من أدواتهم الفكرية التي يطمحون من خلالها تشوية صورة الإسلام وتضعيف المسلمين وبتعاون أمريكا وأدواتهم من الوهابيين، تمّ انتاج الفكر التكفيري الذي من آثاره ولادة جميع حركات الإرهاب، فسُفِكَت دماء المسلمين من جميع الطوائف، وخرّبت المدن وهدمت رموز الحضارة.

لا يجيز السيد الطباطبائي حمل ما ينتج من العقول والفلسفة والعلم على الآية، يرى أن الطريق الأسلم في التفسير هو عدم الحمل والتطبيق من الخارج على القرآن، بل  الصحيح هو تفسير القرآن بالقرآن، فيُستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبر الذي يريده القرآن، وتشخيص المصاديق، ونتعرف عليها بالخواص التي تعطيها الآيات. يقول: وحاشا للقرآن أن يكون تبيانا لكل شيء ولا يكون تبيانا لنفسه. قال تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)(9) أضاف الطباطبائي: أن النبي (ص) الذي هو المعلم الأول للقرآن، ومن بعده خلفاؤه الأئمة الطاهرون (ع) ساروا في منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: (على ما وصل إلي من أخبارهم في التفسير)(10)

في نهاية المقدمة يؤكد الطباطبائي أنه سار في تفسيره وفق منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلمو القرآن وهداته صلوات الله عليهم، وذكر المحاور التي فسّر بها القرآن وفق هذا المنهج. نذكرها باختصار: المعارف المتعلقة باسماء الله سبحانه وصفاته، المعارف المتعلقة بأفعاله تعالى، المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه تعالى وبين الإنسان كالحجب واللوح والقلم والكرسي والبيت المعمور والسماء والأرض والملائكة والشياطين والجن وغير ذلك، المعارف المتعلقة بالانسان قبل الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان في الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان بعد الدنيا، المعارف المتعلقة بالأخلاق الإنسانية، أما آيات الأحكام فلم يفصّل فيها لأنّها من اختصاص علم الفقه، يرى السيد الطباطبائي أنّ منهج تفسير القرآن بالقرآن يخلّص المفسّر من التأويل المخالف لظاهر الآيات، ولا يعني هذا أنه لا يقرّ بالتأويل عموما، بل يقر بالتأويل الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، واضاف: أنه وضع في نهايات البيانات، ويعني أنه يفسّر الآية تحت عنوان (بيان)، بعد تفسيره للآية، يذهب في النهاية، إلى وضع أبحاث روائية منقولة عن النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) من طرق العامة والخاصة، أما الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين فليست عنده حجة. وأضاف أيضا ضمن منهجه التفسيري بحوثا فلسفية وعلمية وتأريخية واجتماعية وأخلاقية مؤكدا أن تناول هذه البحوث في تفسيره، وفقا لحاجة التفسير لها.

 أرى منهجه في طرح هذه البحوث حسب الحاجة هو الأسلم، لأنّ مجال هذه العلوم ليس التفسير، إذن البحث في علوم أخرى في منهجه ليست غاية، بل وسيلة للوصول إلى الغرض لمساعدة المفسّر في إيصال المعنى واضحا مفهوما.

ذكرنا في بداية دراستنا لمقدمة الميزان، أن المقدمة الأولى هي لآية الله جوادي آملي وعنوانها (دفاع عن الميزان)، يوحي العنوان أن هناك انتقادات للميزان، وهو يرد عليها، لكن لم يبين آية الله جوادي آملي مَن هي الجهة التي وجهت هذه الانتقادات أو الشخصية التي وجهتها، ذكر في بداية مقدمته معنى الوحي، والظاهر أن الناقد للميزان يرى أن بحث معنى الوحي هو من باب التفسير بالرأي، لكنّ آية الله جوادي آملي يردّ على ذلك دفاعا عن الميزان، إذ بيّن معنى الوحي حسب رؤيته التي أراد من خلالها تفنيد رأي من يعتبر هذه البحوث من باب التفسير بالرأي، قال: (وعلى ضوء ما ذكرناه، واستنادا لما ذكره العلامة الطباطبائي (رحمه الله) يتضح أن الناقد إنما عرض بالنقد لفكرة، لا لما أورده الأستاذ (قدس). )(11) وذكر آية الله جوادي آملي عدة نقاط عدّها الناقد من السلبيات، لكن آية الله آملي ينفي عن الميزان أنّ العلامة أراد المعنى الذي ذكره الناقد، نوجز طريقة الدفاع عن الميزان وردّ الإشكالات التي أثارها الناقد، حسب ما ذكرها آية الله جوادي آملي: 

لا يفهم من كلام العلامة، أنّ الرسول الأكرم (ص) كان كسائر الناس في علوم القرآن، ولا يفهم من كلام العلامة الطباطبائي أنّ الناس كانوا في غنى عن رسول الله (ص) في تحصيل العلوم القرآنية، وأنّ الرسول (ص) كان معزولا عن المرجعية في العلوم القرآنية، ولا يفهم من كلام العلامة أن علوم القرآن كانت بمتناول الجميع وهذا ما يوجب الاستخفاف بالقرآن، وأخيرا يقول: لا يفهم من كلام العلامة، أن الرسول (ص) علّم أصحابه كلّ ما لديه من علوم القرآن، فكانوا يفسّرونها للناس.

أخيرا يقول آية الله جوادي آملي: أن أي من الأمور المذكورة لا يمكن أن تمس بمقام الميزان، ولا يخفى إبداع صاحب الميزان في شرحه لمعنى التفسير بالرأي، وما حمل من نزعة متجددة في هذا الشأن، وأشاد آية الله آملي في استنباط الطباطبائي العميق في جمعه بين الآية: (لا يمسّه إلّا المطهّرون)(12) والآية (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)(13) إذ يستدل الطباطبائي بالآيتين، أن مسّ باطن القرآن وحقائقه المكنونة هو من نصيب أهل بيت العصمة والطهارة (ع)  وعدم غنى الآخرين عنهم، أخيرا يوجّه آية الله جوادي آملي نصيحة بقوله: وما أجدر المتأخرين والأنسب للمتنعمين أن يجلسوا على مائدة الميزان ومأدبته الغناء للاغتراف من هذه الموسوعة.

 

علي جابر الفتلاوي

.............................

المصادر:

1 – سورة البقرة: 151.

2 – ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، المقدمة، ص2، بيروت، ط 2 2005م. 

3 – موقع mawdoo3 الالكتروني.

4 – محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ص12، تونس، ط1، 1984م. 

5 –  محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، المقدمة، ص6، بيروت، ط1 2010م.

6 – سورة آل عمران: 7. 

7 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص7.

8 – المصدر نفسه، المقدمة، ص9. 

9 – سورة النحل: 89. 

10 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص11.  

11 – المصدر نفسه، المقدمة (دفاع عن الميزان)، آية الله جوادي آملي، ص1- 3.

 12 – سورة الواقعة: 79. 

 13 – سورة الأحزاب: 33. 

 

 

 

مجدي ابراهيميخلط الباحثون كثيراً، وبخاصة في الرسائل العلمية التي يتم مناقشتها بين طلاب الدراسات العليا أو بين الباحثين على التعميم؛ إزاء التوجهات الصوفية والنزعات الشيعية؛ فلا يكادون يميزون الفوارق الدقيقة بينها على مستوى الشعور أو على مستوى العقيدة، ويكتفون بمتابعة ما سبق لهم من بحوث طالعوها مطالعة تقليدية في هذا الميدان الواسع، ليس فيها إعمال عقل ولا إحساس بأذواق أصحابها، ثم لا ينبّهون على ما بينها من ضروب الخلاف سواء في التوجُّه أو في القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك؛ كنزعة أصيلة تواجدت في الإسلام بين الحركة السياسية الطارئة المرتهنة بظرفها التاريخي من ناحية والبعد الديني العميق من ناحية ثانية. وما أبعد الفرق بين تحكيم العقل وتحكيم المتابعة والتقليد.

لا تكفي المتابعة وحدها لإماطة اللثام عن "الفكرة" حين يُرَاد لها التأصيل في أغوار العقيدة أو الدين ما لم يتم كشف النقاب عن أصولها وتوجهاتها، ثم عن توظيفها في سياقاتها المعنية، وظرفها التاريخي الذي نشأت في محيطه، وبيان الأغراض التي أتيحت لصياغة المفاهيم المتباينة إذا تعلق الأمر بنزعات التشيع والتصوف في الإسلام.

وعليه؛ فمتابعة السابقين - من المعاصرين خاصّة - فيما كتبوه لا تضيف جديداً ولا تعطي تصوراً حول ما يمكن إثارته من أفكار قد تكون عرضة للخلاف بمقدار ما تجيء على مستوى النظر الفكري مُساقة في ثوب هو أدعى إلى إثارة الخلاف منها إلى الوفاق والتقريب؛ فلا بد من فارق جوهري يميز تميزاً دقيقاً فاصلاً بين توظيف التوجُّه وتبرير الخلاف، وإعطاء الخاصة الدلالية التي تتضمّن فحوى التوجه ولا تلغيه لمجرد التشابه فقط، لكنما التشابه ليس يلغي عندنا مضمون التوجُّه ولا يقدح في دلالة الغاية وسمو مقصدها.

ولربما كان هذا هو السبب الذي جعلني أكتب تلك الأسطر؛ لتنبيه الأذهان إلى الفروق الفارقة بين النزعتين، خلال طرح نقدي للفكرة لا مجرد إثارة خلاف. ولم تكن كتابة هذه الدراسة مرسلة بدون توثيق من مصادرها، بل جاءت موثقة؛ لقناعة الرأي عندي بما فيها أولاُ، ثم ثانياً لقناعة القارئ بالفكرة التي أردت التركيز عليها، والإحاطة بمضامينها، والوقوف عند دلالة التخريج فيها؛ عساه يبذل الجهد فيفرق بين التوجُّه والنزعة. ولا يزال الفرق شاسعاً بعيد البون بين العواصف السياسية والنزعات الدنيوية وبين إشراقة الضمير وسيطرة الروح على توجُّهَات الإنسان.   

يلاحظ أن الطبقة الأولى من طبقات رجال الغيب: هى طبقة القطبانيِّة، وهى مقام القطب الغوث الفرد الجامع، وللسيوطي كتاب بعنوان:"الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال؛ فيه ردود بالأحاديث الشريفة على مَنْ أنكر وجود القطب كما ورد في "المنار المنيف" لابن القيم، وهو من المنكرين، نظراً لاتجاهه السلفي: أن أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقرب ما فيها (لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر) وهو ضعيف.

نحن إذن أمام نزعتين متعارضتين، نزعة تقول بوجود رجال الغيب، والأخرى تنفيها. وينجم عن ذلك خلافٌ يرتد إلى خلاف في التوجهات الفكرية يستند على انتماءات مذهبية. لكن هذا الخلاف سرعان ما يتلاشى فيما لو عرفنا أن هذه المراتب والدرجات إنْ هى إلا مراتب ودرجات في سلم القيم الروحي. كان يمكن أن يكون كلام ابن القيم الرافض لها، وأضرابه، صحيحاً لو كانت تلك المراتب والدرجات مراتب في الوجود، غير أن الصفة الميتافيزيقية أغلب عليها وأكثر وصفاً لها. ومن أجل ذلك؛ أطلقوا عليها "طبقات رجال الغيب"، لا لشيء إلا لأنها طبقات روحية ميتافيزيقية، وكان أحمد الكمشخانويّ النقشبندي في "جامع أصول الأولياء" ممّن تناول تلك المراتب والدرجات لدي الأولياء، وفسّرها هذا التفسير، إذْ ليس من شأنها أن تلغي توحيد الربوبية والإلوهية، ولكنها مراتب ودرجات غيبية مجعولة، بالتعبير القرآني، للكدح إلى الله؛ لتحديد حركة الإنسان بما هى فعل غائي بفعل مطلق الربوبية.

لخَّص الشيخ حسن العدوى الحمزاوي تلميذ الشعراني وأحد عارفي فضله ومحبيه، كتاب السيوطي "الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال"، فنقل عن "اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر" للشعراني ما يخص طبقة القطبانِّيّة، وهو منقول من كلام ابن عربي:" واسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع، المنعوت بالتحقُّق بمعنى جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى، ومحل المظاهر الإلهية، وصاحب علم سرّ القدر، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء .. ولا تطوى له الأرض ولا يمشى في هواء ولا على ماء، ولا يأكل من غير سبب، ولا يطرأ عليه شيء من خوارق العوائد إلاَّ في النادر؛ لأمرٍ يريده الحق تعالى، فيفعله بإذن الله تعالى من غير أن يكون ذلك مطلوباً له ... إلى كثير من الأوصاف (راجع: النفحات الشاذلية: جـ2، ص 267، 268).

وإذا كان من اللافت للنظر شيوع استخدام الصوفية المتأخرين لاصطلاح (القطب الغوث) وخاصّة لدى الشعراني، فلا نعدم وجود أصول هذه "الفكرة" في التابعين، فليس أدل عليها من شخصية "أويس القرني" الذي وصفه أبو نعيم صاحب "حلية الأولياء" بأنه: "سيد العباد"، وعلم الأصفياء من الزهاد، بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى به أصحابه عمر وعليّ، ويحاول عمر وعليّ لقاءه كما أوصي النبي. وبما أن "أويس القرني" كان شخصية غامضة من شخصيات التابعين؛ فلأنه فيما تقول المصادر كان يعيش متخفياً، أشعث أغبر ذا طمرين، تتحقق فيه صفات من أطلق عليه مـتأخرو الصوفية " قطب الغوث"، وسنعالج هذه الفكرة مع العودة إلى أويس بعد قليل (الحلية، جـ 2؛ ص 79 وما بعدها).

 ولا خلاف في أن ابن عربي هو أكثر الصوفية الذين تكلموا في هذا الموضوع، موضوع القطبانية، وأفردوا له كتابات خاصّة، وهو كذلك أوسعهم بحثاً وإحاطة به، إنْ لم يكن أسبقهم كلاماً، كما تحدّث عنه في أكبر كتبه وأهمها: "الفتوحات" و "فصوص الحِكَم"، ولا يترك مناسبة في العديد من كتبه ورسائله إلاِّ ويشير إلى خصوصية مثل هذه الكتابات التي يُولي فيها العناية بذلك الموضوع، كما جرت عادته في كتاب: "منزل القطب ومقامه وحاله"، لمّا أراد أن يصف القطب وتجلياته، إذْ الحق لهذا القطب متَجلٍ على الدوام .. ويستشهد بقول الصديق، رضى الله عنه،: " ما رأيتُ شيئاً إلاّ رأيت الله قبله ". ولا بد عنده لكل قطب عندما يلي مرتبه القطبية أن يبايعه كل سرِّ وحيوان وجماد ماعدا الإنسان والجان إلاِّ القليل منهم، وله من البلاد مكة، وله سكن حيث ما سكن ...، فإن محلَّه مكة ليس إلاَّ ... ثم قال: وقد صنفنا في هذه البيعة وكيفية انعقادها كتاباً كبيراً سميناه كتاب "مبايعة القطب في حضرة القُرب" (منزل القطب ومقامه وحاله، ضمن رسائل ابن عربي، ص 251).

ولا تفوته الإشارة في " الفتوحات المكيّة " حين يذكر عن كتاب مبايعة القطب: أنه يتضَّمن علماً كبيراً ما سبقه إليه أحد. وإذا كان العارفون من أهل الله شاهدوه وعلموه، فإن الذي شغلهم عن تبينه للناس ما كان المهم عندهم، ولكن إظهاره للناس كان من الأمور المهمّة عند ابن عربي، ورواياته في الفتوحات عن العارفين الذين تحققَّوا بمقام القطبيّة أو الذين شهدوا هذا المقام فوق أن تحصى (الفتوحات المكية، جـ3، ص91 وما يتلوها).

وفي كتابه "مواقع النجوم" يشير ابن عربي بالنثر تارة وبالشعر تارة أخرى، بحيث لا يتذوق من إشاراته أحد إلا من كان على شاكلته في التذوق وفي طبقته من الإدراك سواء بسواء (مواقع النجوم: ص147، 150، 190).

وعن ابن عربي أخذ الشعراني كثيراً من فنون النظر الإلهي، ومنها بالطبع مسألة الإيمان بهذا الأثر الغيبي الباطني الذي هو أيضاً بالطبع، أثرٌ من آثار التصوف لا شك فيه عندهم، ولذلك سموه كما سبقت إليه الإشارة بـ " طبقات رجال الغيب "، كما هو الحال عند السيوطي فيما تقدَّم، بيد أنه، كما يوجد مثل هذا الأثر في التصوف، يوجد كذلك في التشيُّع: فمعارف القطب عند الصوفية تتشابه مع عقائد الشيعة. على أن معارف الصوفية روحيّة خالصة في حين أن السياسة الحزبية كانت أصلاً لعقائد الشيعة، فمن عقائد الشيعة الإثنى عشرية أن الإمام كالنَّبيَّ، يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال الإنساني، كالشجاعة والكرم والعفة والصدق والتدبير والحكمة، وأن يكون مؤيّداً من طريق الإلهام بالقوة القدسية، يتلقىَّ المعارف من طريق النبي أو الإمام الذي قبله، وشرطه أن يكون معصوماً: "مكلفاً بالهداية والعدل، والجماعة مكلفون بالاقتداء به والاستنان بسنته " (الشهرستاني: الملل والنحل، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، سنة 1387 هـ ، 1967 م، جـ 1 ص 169 - 173).

وإذا استجد شيء فلابد أن يعلمه من طريق هذه القوة القدسية؛ فمعرفة الإمام عن هذا الطريق الأخير ليست من قبيل الاستدلال العقلي، وإنما تتجلى المعلومات في نفسه كما تتجلى المرئيات في المرآة الصافية. وهنا يتفق الإثنى عشرية مع بعض فلاسفة الإسلام والصوفية الذين جعلوا وراء العقل واستدلالاته طريقاً حدسياً أو كشفياً للمعرفة (أبو الوفا التفتازاني: علم الكلام وبعض مشكلاته، دار الثقافة، القاهرة، سنة 1979، ص82). ولا ريب عندي أن هذا الاتفاق يأخذ التشابه لمجرد التشابه وكفى، ولا يتخذ مواقفه من مقارنات دقيقة للأفكار.

ومن المؤكد أن الشيعة اعتبروا الإمامة جزءاً من العقيدة، يسوى بينها وبين شهادة التوحيد، وبالتالي أضافوا إلى العقيدة أصلاً لم يرد إطلاقاً من قبل، الأمر الذي آثار ضجة كبرى في العالم الإسلامي ممّا جعل أهل السنة يحاربونها ويجادلونها بعنف بالغ (علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، حـ3، 323).

ومن المؤكد كذلك؛ أن هناك شواهد ظاهرة (لكن ينقصها التوظيف: توظيف الصورة المرسومة) على اقتراب التصوف من التشيع، الأمر الذي لا ينفي وجود مثل هذا الاتصال الفكري في كثير من جوانب المذهبين، منها على سبيل المثال لا الحصر:

(1) تلك المكانة التي يحتلها الإمام عليّ ابن أبي طالب لدى الصوفية، فإليه ينسبون مذهبهم، وتحديداً، في لباس خرقة التصوف، وفي فيوضات العلم الباطني ووراثة المعارف اللّدنيّة، فقد كان عليّ، رضوان الله عليه، أعرف الناس بسرِّ الحقائق ودقائق العلوم، وبرموز الأمور الباطنة، والكشف والعيان، وبمشاهدة عالم الملكوت، وروا أن "النبيَّ أمر بسدّ الأبواب إلا باب علي بن أبي طالب"، وقد خَصَّه ابن عربي في فتوحاته بما يبيِّن منزلته الكبرى عنده، وعلو مكانته في نفوس المتصوفة جميعاً، وذلك حين يصفه بقوله: "عليّ من أصحاب العلم وممّن يعلمون من الله ما لا يعلمه غيره". وإنه؛ ليتحدَّث عن مقام أبي بكر، رضى الله عنه، وعن إيمانه الذي يعدل كل أمة محمد، ثم يعرج إلى عليّ فيقول فيه:"ومع هذا الفضل العظيم لأبي بكر، رضى الله عنه؛ يشرك الحبيب الرسول المقرّب الخليل في مقام الخلّة كما صحّ أن يشرك معه في مقام الأخوة عليّاً، كرم الله وجهه، فقال: عليّ منى بمنزله هارون من موسى  (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، دار النهضة العربية، القاهر سنة 1991 م - 1411 هـ - الفصل الخاص بـ "الإمامة بين التشيع والتصوف"، ص 461، 476)؛ فعَليٌّ رضوان الله عليه: "أكبر العباد"، و" ربَّانيّ الأمة"، وكبير عبادها وزهادها، وكبير علمائها، و"سيد الصحابة"، و"ابن عم الرسول" و"زوج فاطمة الجميلة"، و"باب مدينة العلم" و"حامل الأسرار"، (النشار: نشأة الفكر جـ 3؛ ص 108 و 177).

(2) اتصالُ كثيُر من شيوخ الصوفية بأئمة أهل البيت: فأويس القرني قد أخذ عن علي ابن أبي طالب، وحارب معه في صفين، واستشهد فيها، وقصة استشهاده مع عليّ ترجح صلاته بآل البيت، رغم اختلاف الروايات الواردة في شأن أويس القرني (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، جـ3، ص254). ثم أخذ أبو زيد البسطامي عن الصادق، وشقيق البَلْخى عن الكاظم، وأسلم معروف الكرخى على يد عليِّ الرضا وأصبح مولى له، وكان الرضا يحجبه خشية افتتان الناس به، وسلسلة المتصوفة المتأخرين متصلة بمعروف الكرخى، وأخذ السّري السقطى عن معروف الكرخى، ثم أخذ الحنيد عن خاله السَّرى. والدّين لدى الصوفية والشيعة طاعة لرجل (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، ص465).

(3) اتفاق التصوف مع التشيع في أن مصدر العلم اليقيني إنما هو العلم "الباطن" الذي عبّر عنه الحسن بن علي في حديث مرفوع عن جده (صلى الله عليه وسلم)، أن الله تعالى قال في حديث قدسي يصف العلم الباطن: "هو سرُّ من سرى أجعله في قلب عبدي لا يقف عليه أحدُّ من خلقي ". وظاهر التخريج يقول إن هذا العلم الباطن يأخذ به الصوفيّة كما يأخذ به الشيعة، ولهذا وجب الاتفاق فيما بينهما من حيث التشابه؛ وهو عجيب!

وعلينا أن نتوقف عند النقطة الأولى: تلك المكانة التي احتلها عليّ بصفة خاصّة، لنثير مسألة "رسم الصورة" أو "التوظيف" التي ذُكرت في المقدّمة؛ للتفرقة بين التوجُّه الروحي والنظام الشيعي، فكلاهما وظف (عليّاً) أو رسم صورته من حيث المرجعيّة وفقاً لما يراه مناسباً لمعتقده، فأصبح ربَّاني الأمة عند أئمة التصوف رأس السلاسل الصوفية ورأس السند الصوفي والزهدي؛ فاتّجه إليه أصحاب الروح في الإسلام متأملين متعشقين؛ فقد كان لهذا التوجُّه العلوي أكبر الأثر في تخريج رجال ذكروا (عليَّا) لشدّة قربه من النبي، ولمكانته العظمى في الإسلام. غير أن الصوفيّة أخذوا يحمّلون صورته أحاسيسهم ومشاعرهم؛ فكان في القلب منهم، ولم يفعلوا ذلك صادرين عن "نظام شيعي"، بل عن تأمل روحي عميق في حقيقته المتصلة بالنبي واستمداده لعلمه من روح القرآن. ذلك هو "التوجُّه" الذي قصدناه، وهو يتباين عن النزعة الشيعية كل المُباينة ويفترق عنها في الخصائص والوظائف. ولم تكن الصورة المرسومة لعليّ صورة في غير قصد وفي غير اعتدال، لا إفراط فيها ولا تفريط، وإن كان الإفراط فيها بادياً فممّا أملاه الحب وفرضته لوازم الروح في توجهاتها العليا، فهو إفراط روحي يجيزه منطق الذوق ولا ينفيه، ويسيغه قانون الحب ويوجبه على ذويه.

ولم يكن الصوفية كالشيعة فرقة واحدة، ولكنهم كانوا أهل سنة في جملتهم وتفاصيلهم، وفي مجموع ما يعتقدون فيه، ولم تكن عناية الصوفية منصرفة إلى شيء سوى التأكيد التام على أنهم من أهل السنة وأن عقيدتهم هى عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فكانوا يتبنون في مقدمات كتبهم عقائد السنة، يشرحونها ويفسرون ما أغلق منها، ولم يوالوا من أئمة الإسلام قاطبة إلا من هو حقيقٌ بالموالاة من رجال أهل السنة بما فيهم موالاة الخلفاء الأربعة (أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ) ولم يقدح في هذه العقيدة بعدُ: أن يتميز عليّ بن أبي طالب عن الآخرين بأنه المثال الأكمل للعلم الصوفي وللحياة الصوفية، ولم يقدح في هذه العقيدة أيضاً أنه كان للآخرين من الخلفاء، المشاركة في هذا العلم وفي تلك الحياة. وهكذا؛ عاشت صورة على ابن أبي طالب الزاهدة والعارفة (ربّاني الأمة) في دوائر زهاد أهل السنة والجماعة وصوفيتهم فيما بعد حيّة زاهية تتصل بالروح وتمدها بمدد القربة والموالاة.

ولم يكن وسم علي بن أبي طالب "بربَّاني هذه الأمة" صادراً إلا عن رجل من خيرة رجال أهل السنة والجماعة هو الحسن البصري بل أتهم الحسن البصري بموالاة بني مروان. وبقيت صورة عليّ بن أبي طالب الزاهدة العارفة في قلوب أهل السنة والجماعة حتى الآن حيّة زاهية بلا شك. أما لدى الشيعة؛ فقد كان الأمر على خلاف ذلك: ما أن انتهى القرن الأول، وانتهت صفحات التوابين والبكّائين من المسلمين، حتى انمحت صورة عليّ الزاهد في حياة الشيعة، وحلّ محلها صورة عليّ "الإمام"، صورة عليّ ذي الحق السياسي المقدّس عند المقتصدة من الشيعة، وصورة عليّ الغنوصيّ لدى الغلاة منهم.

كان الشيعة الغلاة يتنسّمون بالزهد، ويتمسّحون بالأسرار والطلاسم، ولكنهم فعلوا هذا عن طريق غنوصيِّ خارجي. وبينما عاش عليّ المحب الزاهد العابد في قلوب صوفية أهل السنة والجماعة، عاش على المغيظ الحاقد في قلوب غلاة الشيعة. وقد أندفع الشيعة إلى جمع المال، فأثروا أشدّ الثراء، فانعكس هذا على المشاهد الشيعية المقدسة، المزينة بالذهب والياقوت والزبرجد وشتى الجواهر، بينما شاعت في مساجد مشيخة الصوفية من أهل السنة، البساطة والخلو من السرف والتأنق (النشار: نشأة الفكر الفلسفي جـ 3؛ ص 120-121).

وقتل علي بن أبي طالب ربَّاني الأمة (عام 40 هـ) وقد أنكر على شيعته قبل وفاته إغراقهم في الترف، رآهم مراراً يأتون إليه، وليس فيهم ما أراده فيهم: حُلماء عُلماء ذبل الشفاء يعرفون بالرهبانيّة من أثر العبادة، أخياراً يفترشون الجباه، مذلين أنفسهم العاتية، يفارقون المُأثري الدنيا من الطغاة. فقال "ومالي لا أرى فيهم سيما الشيعة ... خمص البطون من الطوى، يبس الشفاة من الظما، عمش العيون من البكا".

فلئن كان قد أنكر عليهم مسلكهم غير أن هؤلاء الذين جرَّعوه الغيظ حياً، يحاولون الإغراق في التوبة والندم والبكاء، فينشأ فيهم التوابون والبكاؤون، وتسيطر الروح وسط العواصف السياسية والمنازع الدنيوية، ويشيع في العالم الإسلامي إشراقة ضمير تبقى بعد ذلك نبراساً لصوفية الإسلام حين يتكون التصوف كمذهب وكطائفة لها خصائصها التي تميزها عن غيرها من طوائف الإسلام فقهاء ومتكلمين. أما أن فلاسفة الصوفية، وبخاصة المتأخرين من الفرس، قد اعتبروا عليّاً سر الوجود، وصورة تركيب العالم، وأنه الوجود ولولاه لسرى العدم في العالم الموجود؛ فإن هؤلاء الفلاسفة من الصوفية ولا شك كانوا قد فعلوا هذا متأثرين بكل ما حولهم من غنوصيات. والتصوف الفلسفي الإسلامي غير التصوف الإسلامي السُّني. لقد كان الأول مُلفقاً منسقاً مجمعاً؛ بينما كان الثاني صادراً عن القرآن والسنة، واحتضن عليّا في نطاقيهما، وأخرج لنا علم الأخلاق الإسلامي.

تلك كانت هى الصورة المرسومة لعلي بن أبي طالب بين الشيعة والصوفية، صورة مزدوجة فارقة بالحقيقة في تصور ربَّاني الأمة وعَلَم المهتدين، وفيما علق من تلك الصورة على قلوب المؤمنين. لم تكن صورة موحَّدة خالية من التطرف لدى الشيعة الأولين وكفى، بمقدار ما كانت كذلك مُفرطة في جانب المحبّة بحكم القرابة من معدن النبوة لدي كبار الزهاد من العباد وطلاب الآخرة من ذوي الروح لدى أهل السّنة من الصوفية الأوائل، وليس في إفراطها غلو بل كان إفراط التعالي عن أوْهاق المادة والزهد في جواذب الدنيا، وظلت كذلك هى هى الصورة الباقية لعلي بن أبي طالب في ضمائر العلماء الرَّبَّانين.

وهكذا .. يكون التوظيف مخرجاً للبناء الروحي على قدر المساحة الفاعلة في التوجًّه، وهكذا يصبح عمل المقاصد هو القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك: وظف الشيعة صورة عليّ بن أبي طالب توظيفاً سياسياً لا فكاك منه ولا ندحة عنه بحال. ووظف الصوفية نفس الصورة توظيفاً روحياً وخلقياً يخدم مقاصدهم ويخضع لمآلاتهم الروحية والخلقية ويظل يدور في فلك التوجه بما لا ينحرف عنه إلى غاية أو مقصد غير الغاية السامقة والمقصد العلوي الشريف. وإن يكن افتراق الصورة المرسومة داعياً إلى افتراق المنازع بين المذاهب، فلا أقل من أن يكون شرط التوظيف خادماً لتلك الصورة المرسومة، يفْرقها مع افتراق المنازع بين المذاهب، ويوحد بين الصورة والوظيفة في إطار يخدم التوجهات تماماً كما يخدم المقاصد والغايات.

 هذا، بالإضافة إلى جوانب أخرى كثيرة زكتها أغراض الباحثين ومطالبهم ومقاصدهم من البحث، يتفق فيها المتصوفة؛ وبخاصّة الفلاسفة منهم، مع الشيعة، أو تتشابه فيها العقائد بين هؤلاء وأولئك؛ كمسألة العصمة للإمام والحفظ للولي، ومسألة الإيمان بالمهدي الغائب المنتظر، ومسألة قدم النور المحمدي، وأقوال الصوفية في قضاياهم الكبرى: الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، والمعراج الصوفي، وتأثرهم في ذلك بغلاة الشيعة؛ وبخاصّة الإسماعيلية المتأخرين من الروافض ... إلى كثير من النظريات التي تبدو للباحثين، قديماً وحديثاً، مع مثل هذا التشابه، موضع التقاء، ولكن أهمها جميعاً "نظرية القطب" أو "الغوث" التي هى أقربُ نظريات التصوف إلى إمام الشيعة من حيث إصرار الرأي في القديم والحديث على أن هذه النظرية مأخوذة عن الإسماعيلية.

وقد بني هؤلاء الباحثون آراءهم في الغالب على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلّا. ونحن نعني بالاستعارة: استعارة الأفكار السابقة ومقارنتها بالأفكار اللاحقة؛ على اعتبار أن الأولى أثرت بالضرورة في الثانية، وأن الأفكار اللاحقة لابد أن تكون أخذت حتماً عن الأفكار السابقة. أمّا التشابه بين الأفكار فهو ممّا يوحى للأذهان من الوهلة الأولى بانتساب هذه "الفكرة" أو تلك إلى مصدرها، ما دامت وردت مادتها في الفكر القديم شكلاً ينقصه المضمون.

هذا منهج في البحث هزيل ابتدعه المستشرقون (منهج الأشباه والنظائر) لضرب الأصالة في الفكر الإسلامي على وجه العموم؛ واعتباره عالة على الفكر اليوناني وغير اليوناني من أفكار الأمم المتقدّمة، واتبعه نفرٌ غير قليل من الباحثين المستشرقين والعرب من بعدهم، لتأكيد أن الأفكار السابقة لابد أن تكون أثرت، لمجرّد التشابه ليس إلاّ، في الأفكار اللاحقة، ومن ثمّ فالقول بمسألة التأثير والتأثر عندهم ضرورة بحثية لازمة للبحث العلمي الحديث، وإن جاءت على حساب "المضمون" الذي ينتسب إليه المفكر أو الفيلسوف أو المتصوف، ويشكل من ثمَّ عقيدته التي يدين لها بالولاء.

ولمّا بنى هؤلاء الباحثون في التقديم أو الحديث آراءَهم على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلا، بين عقائد الشيعة والتصوف الفلسفي من حيث التقاء هذا الأخير مع غلاة التشيع، كيما تقام لديهم صلة فكرية، إنْ في العقيدة وإنْ في التسليك؛ كان الأمر عندي لا يعدو أن يكون مجرّد تشابه بين الأفكار؛ كسائر الأفكار التي تبدو متشابهة بين فكرة ونظيرتها حين تتفق البواعث، وإنْ اختلفت معها الغايات.

ولستُ بصدد مناقشة الصِلات الفكرية القائمة بين عقائد الشيعة والتصوف، ولا فيما يبدو ظاهر الاتفاق بين الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، فهناك دراسات متخصصة كُتبت في السابق، في نفس العنوان تقريباً، وأهمها كتابات الدكتور كامل الشيبي، ولكنني فقط أشير في هذه العُجالة إلى مسألة "القطب" باعتبارها لفتت النظر فيما اقتضاه عنوان المقال، لأظهر اختلافها عن إمام الشيعة؛ ففي كتاب: "نفائس العرفان"، يرسم ابن عربي صورتين بيراعه المبدع الخلاّق، فيشير إلى أهم صفات القطب في رأينا، لتجئ صفات غارقة في التخفي والاستتار، ليست ممّا يتصف به إمام الشيعة بحال.

(1) الصورة الأولى: القطب عنده هو: "المعجوزُ عنه بالإدراك البشري ... فكل من تحقق من دوائر أسماء الله الحُسنى، كان قطباً في دوائر العُلى، وما تحقق بدائرة الاسم الجامع المحيط كان هو القطب الفرد الجامع المخصوص بالميزان الإلهي والوارث المهدي، والتجلي الرحماني، والاستواء الربانيّ (نفائس العرفان: منشور مع كتاب الكُنْه فيما لابد للمريد منه؛  والكتابان لابن عربيً، طبعة مكتبة صبيح، الطبعة الأولى (سنة 1387 - 1967؛ ص32).

فهذه الصورةُ التي يرسمها ابن عربي للقطب هى نفس الصورة التي وردت في الحديث النبوي؛ كما رواه أبو نعيم الأصفهاني صاحب "الحلية"، وهو من الحفَّاظ؛ عن شخصية   "أويس القرني"؛ في حديث طويل جاء فيه: " إنّ الله، عز وجل، يجب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء، الشُّعثة رؤوسهم، المُغبَّرة وجوههم، الخمّصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يُفْرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا ... ذلك أويس القرني " ... ولمّا سأله الصحابة: " وما أويس القرني؟". قال: " أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، شديد الأدمة، و ضارب بذقنه إلى صدره، رام يبصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلوا القرآن، يبكى على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، متزر بإزار صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء؛ لو أقسم على الله لأبرّ قسمه، ألا وأن تحت منكبه الأيسر، لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة، قيل للعباد: أدخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع، فيشفعه الله عز وجل في مثل ربيعة ومضر". ثم ينادي الرسول؛ صلى الله عليه وسلم، عُمر وعلياً ويقول لهما: " يا عمر، يا علي، إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما، يغفر الله لكما" (حلية الأولياء جـ 2 ص 80 وما بعدها).

فلئن صحّ الحديث، على رواية صاحب الحلية، لكان لفكرة " قطب الغوث " أصلُ إسلامي؛ فتلك هى صورته التي انتشرت في أوساط الصوفية فيما بعد: الصوفي الخفيّ البرئ، الأشعث، الأغبر، (سيد عبّاد الروح)، يمشي في طَمْرَين، لو أقسم على الله لأبَّره. (النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، جـ3 ، 252، 253).

هذا؛ فضلاً عن أن هذا الحديث يجعل الإمام عليّ بن أبي طالب نفسه يأخذ عن أويس القرني، وليس العكس. لكننا مع ذلك، ونظراً لأهمية هذه الجزئية، نتابع رواية " أبي نعيم الأصفهاني " صاحب "حلية الأولياء"؛ لنقف على الدلالة الروحية لهذه الشخصية العجيبة، وهي دلالة بالقطع تثبت أمامنا وجود قطب الصوفية، وتميزه عن إمام الشيعة؛ لتجعل منه شخصية فارقة ومستقلة كل الاستقلال عن الإمام عند الشيعة، ناهيك عن أن المصادر ذكرت أن الأحاديث الصحيحة قد استفاضت عنه، فهو ليس فكرة خيالية ولا متوهمة كما يظن البعض؛ ولكن نُرجئ وجهة النظر هذه إلى ما بعد المتابعة لرواية صاحب "حلية الأولياء":

مكثا - عمر وعلي - يطلبانه عشر سنتين، عملاً بوصيته، صلى الله عليه وسلم؛ في حجيج أهل اليمن من القرنيين حتى وجداه في حجيج الكوفة: راعي إبل وأجير قوم ... ووقف أمامه الصاحبان الكبيران يرددان: نشهد أنك أويس القرني، فاستغفر لنا يغفر الله لك".

وينظر إليهما راعي الغنم في دهشة المستريب: لقد عُرف أمره وانكشفت حقيقته وبانت عند الناس أسراره؛ ثم يرد عليهما: " ما أخصُّ باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر، في المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات ".

عجباً! إنه ليطلق استغفاراً كونياً، يملأً الدنيا جميعاً وقد رآها قد طويت له. ثم سألهما من أنتما؟ فأجابه: عليّ بن أبي طالب، فاستوى أويس قائماً وقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، وأنت يا ابن أبي طالب؛ فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً، ويطلب منه عمر أن يبقى مكانه حتى يأتيه بنفقته وبعض ملابس وهو يقول له:" إن هذا المكان ميعادُ بيني وبينك ". لكن " أويس " يرد عليه: " يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك".

لا أراك بعد اليوم تعرفني .. ما أصنع بالنفقة، ما أصنع بالكسوة. أما ترى عليّ إزاراً من صوف، ورواءً من صوف، متى تراني أخرقهما. أما ترى نعلىّ مخصوفتان، متى تراني أبليهما. أما تراني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم، متى تراني آكلها؟!

يا أمير المؤمنين: إنّ بيني وبينك عقبة كئوداً لا يجاوزها إلا ضامر مخفف مهزول، فاخف يرحمك الله ..." (حلية الأولياء: جـ 2، ص 82).

فلما سمع عمر كلامه صرخ، ونادي بأعلى صوته: " ألا ليت ابن آم عمر لم تلده، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يخبرها بما فعل لولدها "، ويطلب أويس من عمر: " يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهنا حتى أخذ أنا هاهنا "، فولي عمر وصحبه عليّ ناحية مكة، وساق أويس إبله إلى أصحابه، وسلم القوم إبلهم، ثم اختفى، مقبلاً على العبادة (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، حـ3 ، 253، 254).

ولنا أن نلاحظ، من بعدُ، أن منهج التحقيق العلمي من شخصية "أويس القرني" يفترض إنها، مع مساقها بمثل هذه الرواية؛ شخصية أسطورية، يفعل فيها الخيال فعل الأعاجيب وتحوطها دهشة الغموض والغرابة من جميع جوانبها؛ كما يصورها الخيال الصوفي بتصوراته البعيدة عن واقع لا يُصدقه عقل. قد تبدو القصة في نظر العقل اختلاقاً يكذّبه الواقع، وتوهّماً لا يوجد إلاّ في خيال كاتبها أو راويها، ولكننا مع ذلك من جهة أخرى؛ نقف إزاءها وقفة المطمئن الواثق من الأصل الذي بُنيَت عليه، والأساس الذي اعتمدته، والدلالة الروحيّة التي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها. فليس يكفي القول هنا بأن قصة "أويس القرني" أسطورة من أساطير المتصوفة خلقتها لديهم أنداء الخيال .. لا يكفي هذا القول ترضيه للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي؛ لأن هذه القصة برمتها - مع افتراض الاختلاق - صُوِّرت على مثال قصة قرآنية هى قصة الخضر مع موسى الكليم؛ فهناك النموذج، وهناك المثال، وهناك الأساس، وهناك الدلالة الروحيّة المباشرة من نصوص القرآن الكريم والتي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها ودواعيها في منطق الذوق والتخريج.

إنّ موقف أمير المؤمنين من "راعي الغنم الأجير"، لهو موقف التلميذ من الأستاذ، لا بل هو "الموقف القرآني"، موقف موسى من الخضر، موقف العبد الذي أتاه الله العلم اللّدُنّيِّ، فهو خفيٌ مستتر غير ظاهر معروف؛ ليكون آية من آيات الله في خلقه وطريقاً آخر في معرفة الله غير ما هو معروف للحسّ ومألوف للعيان.

ثم إن هذه القصة، مع إحالتنا إيّاها إلى الأسطورة التي لا تمسّ الواقع في شيء، ومع تقرير هذا الحكم عليها بدايةً، تنفي فكرة "العبد الربّاني" التي فاضت بها الأحاديث الصحيحة، ومن الصعب نفيها أو التعالي عليها ترضية للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي. فلئن كانت القصة صيغت صياغة روائية يحيلها العقل إلى أسطورة ندّت عن خيال المتصوفة، فلا نعدم في الواقع وجود رجال شهد الواقع نفسه بوجودهم، كانوا عبّاداً للروح، ربّانييّن، فتحققوا بمشهدهم النوراني، ورأت عيون الناس آثارهم ومناقبهم، ولم يكونوا في طبقة "أويس" بل أقل وأدنى. ولماذا نذهب بعيداً فنحكّم الواقع، وفينا حُكم الله، يقطع بالحكم فيما ورد من وجود العبد الخاص من عبيد الاختصاص، ذلك الذي علّمه الله من لدنه علماً، الأمر الذي يجعل فكرة العبد الربّاني، أو القطب الغوث، واقعاً يؤمن به المؤمنون الغيب، ويشهده المؤمنون به شهوداً قلبيّاً لا مزيد عليه، والطعن فيه طعن في الإيمان بالأساس، وقدح في المثال وفي النموذج، بالدلالة الروحيّة على وجه الخصوص.

(2) الصورة الثانية: أمّا الصورة الأخرى التي يرسمها ابن عربي للقطب، فهى أنه - كما يقول - اسم بدل من اسم الله، فكما يكون اسم الله هو المهيمن على جميع الأسماء؛ فكذلك القطب اسم مهيمن على أسماء النزول، وكما أن لله تعالى تسعاً وتسعون اسم، كذلك القطب له تسع وتسعون اسم يحتوي على كل اسم من أسماء الله تعالى، فهو عين عينه، وظاهر باطنه، ووجه ذاته، ومجلى تجلى أسمائه وصفاته، فمن عرفه عرف حضرة الله تعالى، ومن ينكر عليه، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم .. (نفائس العرفان: ص30).

فتلك صورة العبد المتحقّق بالوحدة الذاتية مع الحق، صورة الإنسان الكامل، الذي اتصلت به " كاف الكنتيّة "، كما يسميها ابن عربي في شجرة الكون عند الحديث عن (كنت له سمعاً وبصراً ومؤيداً)، وذلك حين قال: " إني نظرت إلى الكون وتكوينه، وإلى المكنون وتدوينه، فرأيت الكون كله شجرة، وأصل نورها من حبة " كُن " (شجرة الكون، طبعة مكتبة صبيح، القاهرة سنة 1386 هـ ، 1967 م ، ص 3).

ومن خلال ما تقّدم عن هاتين الصورتين المرسومتين عن القطب يمكن أن يتجمّع لدينا المعنى الذي يلخّص الفكرة عن قطب الصوفية، ويفرقها فرقاً فاصلاً عن الإمام عند الشيعة: فقطب الصوفية، وليّ، عارفُ، وليس بإمام يتلقى معارفه من طريق الوراثة من الإمام الذي سبقه كما هو الحال عند الشيعة.

الولي (= القطب) عند الصوفية، يتلقى معارفه من الله مباشرة عن طريق النفث في الرّوع، إلقاءً وانقداحاً، كما قال البسطامي:" أخذتم علمكم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"، وليست المعرفة تصل إليه بالوصيّة من الإمام الذي سبقه.

ليس شيخ الصوفية كإمام الشيعة، وليس الدّين هنا طاعة لرجل، ولن يكون. وإنما الرجل هو المُربّي الذي يعرّفَك أن الدين طاعة لله وحده لا شريك له. الرجل هو الذي يربّيك فيرَقِّيك. الرجل هو الذي يقودك على البصيرة إلى الله تعالى حين لم تجد قيادتك أدنى إليك من نفسك. كثيرون هم الذين وصلوا إلى الله بغير شيوخ ترعاهم وترقيهم. ومنهم من قرّر أن الحاجة إلى الشيخ إنما هى للإجلاف الأغبياء. أمّا الأذكياء المرهفون المتصلون بالنور فلا حاجة بهم في طريق الله إلى رجال، وبمواهب الوصول إلى أشياخ !

وإذا كانت المعرفة في كل من المذهبين تنسب الشيخ والإمام إلى العلم اللّدُنىِّ، ففي معرفة الشيخ لهذا العلم يظل الاجتهاد والاحتمال وبذل الطاقة كلها أمور جميعها بمثابة الفصيل الحاكم والعلامة الفارقة. بينما العصمة عند الشيعة هى الأساس لتحصيل الإمام لهذا العلم؛ ولا عصمة مطلقاً لشيوخ التصوف بل حفظ.

على أن الباحثين الذين فرضوا الفروض وطرحوا الأسئلة لالتماس الصلات القريبة بين مشاهد الصوفية وعقائد الشيعة، كالفروض التي صيغت بها فكرة الغوث بما لديه من قوة على التخفي والانتقال على صورة المهدي المختفي الذي يظهر لكل البشر من أتباعه بين الحين والحين؛ وكما الأسئلة التي من جملتها: هل أخذت فكرة المهدي من قصة الخضر القرآني، وصيغت على مثاله، وأخذت الصوفية فكرة الغوث من المصدرين: المصدر القرآني الأصيل في قصة الخضر، والمصدر الشيعي التابع للمصدر القرآني في فكرة المهدي؟!

أقول؛ إن هؤلاء الباحثين لم يحسموا الأمر وأخذوا على أنفسهم يقترحون الاقتراحات التي تتلّون بها آراؤهم، لتكون بين بين، لا هى هذه ولا هى تلك. إن ترك الباب مفتوح بهذه الجهة لا يحل ولا يربط، ولا يقطع في المسألة برأي حاسم، ولا التفات عندنا - ولو فيما نراه نحن - إلى المصدر الثاني إذا عمقنا النظر إلى المصدر الأول، أعني المصدر القرآني الأصيل، ومضينا معه إلى غاية ما يعطيه من أثر ذوقيّ ويحدثه من توجّه روحي، تكفي مساقات هذا المصدر بإطلاق؛ ليكون هو المصدر الأوحد لفكرة القطب الغوث عند الصوفية، وليس هو بالقليل ولا بالهين، ولا بالذي يهمل ليجئ ها هنا مصدر آخر سواه.

على أن هناك فرقاَ جوهريّاً في بنية اللغة نفسها (عبارة - وإشارة) بين الصوفية والشيعة الباطنية، يثبته الشيخ "زرّوق"، بعد أن يذكر أن للناس في أخذ العلم من الكتاب والسنة عدّة مسالك منها: قوم اثبتوا المعاني وحققوا المباني، وأخذوا الإشارة من ظاهر اللفظ وباطن المعنى، وهؤلاء هم الصوفية المحققون والأئمة المدققون. أمّا الباطنية الذين حملوا الكلّ على الإشارة، فهم لم يثبتوا المعنى ولا العبارة " (قواعد التصوف، ص 47، وله أيضاَ: عدّة المريد الصادق، ص118- 119).

ولئن شئنا الدّقة في مسائل اللغة أكثر من هذا، ومنها الرمز بطبيعة الحال؛ فإننا نلاحظ ما كنا لاحظناه فيما سبق من تحقيقنا لكتاب "السر في أنفاس الصوفية " للإمام أبي القاسم الجنيد؛ في المسألة الخاصّة بعلم الإشارة الصوفية فكان مما لاحظناه هنا أن: الرمز في التصوف غير الرمز في التشيع، تماماً كما أن السِّر في التشيع غير السِّر في التصوف؛ وإنْ ظهرت بوادي مشتركة ظاهرة فيما بينهما.

ربما كان أصل الرمز (حسب تعريف إسحاق بن سليمان بن وهب (ت272هـ) صاحب كتاب "البرهان في وجوه القرآن"، وهو كاتب شيعي، ظاهر التشيع، صنف كتباً عدّة في الفقه وعلوم الدين): الصوت الخَفيُّ الذي لا يكاد يفهم، وإنما يُستعمل المتكلم الرمز في كلامه فيما يريد طَيِّه عن كافة الناس. وقد نشأ مذهب الظاهرية في المشرق ليقاوم هذه الدعوة الباطنية، وينكر الحاجة إلى إمام مستتر "يختصه الله بأمانة الإلهام"، يعلم الناس ما ليس في وسعهم أن يتعلموه من ظاهر الآيات القرآنية، فكان داوود بن سليمان الظاهري (201 - 270هـ) هو أول من قام به في المشرق لكنه لم يبلغ من القوة والشيوع مبلغه في المغرب على يد الإمام على ابن أحمد بن سعيد المشهور بابن حزم الظاهري (384-456هـ) وكان ابن حزم أمويّاً شديد التعصب للدولة الأموية. وما كانت علوم الصوفية ولن تكون أبداً مستقاة من إمام معصوم يتلقى من علم الغيب أسراره ومعارفه؛ لأن علومهم، كما قلنا غير مرة، نفثٌ في الرَّوْع يصدرها الحال في لحظة تجرد خالصة، وليست هى بالصادرة عن إمام معصوم.

وهذا هو الفرق الفارق عندي بين باطنية الشيعة من جهة، والحياة الباطنة عند الصوفية من جهة أخرى. قال الغزالي:" لمّا سئل بعض العلماء عن العلم الباطن ما هو؟ أجاب:"هو سرٌ من أسرار الله تعالى يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطْلع عليه بشراً ولا ملكاً" (الإحياء: جـ 3 ص 24). وحديث الغزالي هنا عن "العلم اللَّدُنِّيّ" أو "العلم الباطن" الذي يقصده الصوفية (= الأخذ عن الله بالمباشرة) يجيء بعد صفاء القلب وطهارة النفس وتزكية الباطن وخلوص السريرة لله، وإليه إشارة الجنيد (297هـ):"لو أن العلمَ الذي أتكلم به من عندي لفنىَ، ولكنه من حق بدا وإلى الحق يعود " (حلية الأولياء: جـ 10 ص 263).

فكل ما يأتيه الصوفي الحق من علوم ومعارف وأسرار يطويها تحت غشاوة الرمز ولُمح الإشارة؛ إنما يأتيه من هذا "الحق" وحده، يبديها لقلبه بعد تزكيته من العلائق وتطهيره من الأوْشاب؛ فهى من أجل هذا: علوم ألهام ونفث في الرَّوع، من الحق بدت وإليه تعود. ليست تتلقى أولاً عن إمام معصوم كما هو الحال في التشيع، وليست تتأتى ثانياً بحيل العقل ولا كد الذهن ولا عنت التحصيل في المقروء والمكتوب: علوم إلهام لا علوم أقوال.

إنما الرمز في التصوف يستند على إشارة روحيّة تحمل سراً يدل على حال الصوفي ولا يزيد: حاله مع الله؛ فأقوالهم وإشاراتهم ما هى إلا أسرى أحوالهم وكفى (راجع: دراستنا وتحقيقنا لكتاب السّر في أنفاس الصوفية للجنيد: علم الإشارة الصوفية؛ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1436هـ - 2015م؛ ص 106- 107).        

وإذا كانت إشارة الشيخ "زرّوق" تنصرف إلى الفارق اللغوي بداهة، وكانت إشارتنا تنصرف إلى دلالة الرمز في التصوف من حيث كونه علماً للإشارة الصوفية؛ فإن الأستاذ "ماسينيون"، يحقق فرقاً آخر مهمّاً متصلاً بالعقائد هو: قلة قبول الشيعة الإمامية للتصوف ورفضه لشيوخه مع إشعارهم غلبة نزعته الروحية واستقلاله الذاتي بعيداً عن التوسّل بالأئمة. ونص "ماسينيون" هو " ... جاءت الشيعة الإمامية الزيديّة والإثناء عشرية والغلاة في القرن الثالث الهجري؛ فأنكروا كل نزوع إلى التصوف؛ لأنه سيحدث بين المؤمنين ضرباً من الحياة الشاذة (صوف - خانقاه) تتمثل في طلب الرضا من غير توسل بالأئمة الإثنى عشر، وطلب إمامة تناقض ما جروا عليه من تقيّة (مادة تصوف؛ دائرة المعارف الإسلامية، ص 19).

وبعد؛ فإنِّ الذين يلتمسون الشواهد من هنا وهناك؛ لاقتراب التصوف من التشيع من جهة، ولإظهار "الاتصال الفكري" في كثير من جوانب المذهبين من جهة أخرى؛ أغراهم التشابه بين الأفكار ففارقوا التمييز ! تخونهم في الغالب قدرتهم الروحية، ولا أقول العلمية؛ على تحديد الفواصل الدقيقة الفارقة بين المعاني المتداخلة أو المتشابهة، ويعوزهم - من ثمَّ - في الواقع مفتاح المعايشة في باطن تلك الحياة الروحيّة. وإنهم ليحكمون عليها من خارجها، ويرضيهم ذلك، وعدتهم وعتادهم هو ما يقرأونه وما يسمعونه على التقليد، لا ما يشهدونه من جهة الحال ويتذوقونه من جهة المنهج. والأمر جدُّ بعيدٌ بين من رأى وبين من قرأ أو سمع: شتان بين الشهود العيني لمرأى القلوب، وبين السماع القولي والقراءة في كتاب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم 

 

 

مقدمة: نقول: لقد أخطأ العلامه الحلي في وصفه للإمامة بأنها: - [رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي] - الباب الحادي عشر للحلي، والخطأ نقرئه في أصل التوصيف لأنه أعتمد على كلمات عامة، ولا ربط لها بمفهوم الإمامة ودلالتها، فقوله: إنها رياسة عامة !!، في أمور الدين والدنيا !!، نيابة عن النبي !!، قول غير مفهوم في المُراد من عموم معنى الرئاسة، كذلك الربط بينها وبين النبوة مجازفة غير دقيقة، بل إخلال في موضوعة الإمامة بإعتبارها قضية إجتماعية وحاجة في موضوعها وفي محمولها، فالرئيس لا يكون رئيساً إلاَّ بالإنتخاب أو الإختيار، وهذا يعني نفي كونها نيابة أو أنها هبة أو وصية أو تنصيباً، فكل هذه الأوصاف لا تنسجم وطبيعة الفاعل فيها والذين هم الناس لا غير، فهم أصحاب الشأن في إختيار من يكون رئيسا عليهم فينصبوه .

 ونقول: لا يكون الإمام نائباً عن النبي بأي نحو، ذلك أن موضوعة النبوة قضية إلهية محضة تكون بالإصطفاء من قبل الله، والنبي لا يكون منصوباً أو مختاراً من قبل الناس، فيصح معه ان يكون منصبه قابلا للنيابة، وفي ذلك المعنى تحديداً لا تصح النيابة ولا تصح الوصية ولا يصح التنصيب .

 أذن فحينما نقول: إن الحلي قد أخطأ في التوصيف فنحن نعني ما نقول، وذلك لأن الكلام في شأن الإمامة وطبيعتها مرتبطة بالناس وبشؤوناتهم، هي إذن: (عبارة عن حكومة تنفيذية ترتبط في مهامها بالرسالة)، وفي هذا نكون قد أخرجنا الإمامة من النبوة وطبيعتها وما يتعلق بها، وبهذا يمكننا القول: (هي نيابة عن الرسول في أمور الدين والدنيا) وهذا القول على نحو الإعتبار لا الحقيقة، بإعتبار كونه حاكماً ورئيساً، فالأمر والنهي والقضاء وجميع شؤونات السلطة والحاكمية هي من مهام الرسول، وكذا يكون بالتبعية من مهام الإمام أي (الحاكم أو الرئيس)، فمهام الإمام من مهام الرسول ومهام الإمامة من مهام الرسالة لا النبوة، وهذا الكلام من جهة الوصف وتعيين المصداق، ولكي يكون الوصف صحيحاً يجب ان يكون منسجماً مع معنى الموصوف .

 ولزيادة في الإيضاح نقول: [الإمامة هي سلطة زمنية تستقي فعلها وعناصر قوتها من الرسالة، بلحاظ كونها مؤوسسة من أجل تنفيذ القوانين والتشريعات وإجرائها]، والإمام يكون رسولاً من هذه الحيثية وليس من جهة الشخصية، فالرسول أو الإمام هو عنصر بشري يجري عليه ما يجري على عامة الناس، من جهة تطبيق القانون وإجرائه، ولا يتعلق الأمر بشخص الرسول من حيث هو، لذلك قال: (أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم) - آل عمران 144، وحتى حينما يقول النص: - [وما آتاكم الرسول فخذوه] - الحشر 7، إنما يعني إن ما جاء للرسول من تعليمات فعليكم بالأخذ بها وتنفيذها، وشرط التنفيذ متعلق بما يحكم به الزمان والمكان من حيث الطبيعة والإنسجام والموافقة، ونفس الشيء يُقال في معنى قوله تعالى: - [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ..] - النساء 59، ومفهوم الطاعة هنا هو إطاعة ما جاء به الرسول من تعليمات ومن أوامر ونواهي، وليس إطاعة الرسول من حيث هو هو، فهذا شيء أخر إنما المتعلق في الطاعة هو طاعة الرسالة وما فيها، من قوانين وتشريعات، هذا هو الظاهر وفي المقام الأول، وبما إن الرسول هو المنفذ والمجري لهذا القانون في زمانه فتلزم طاعته من هذا الباب، ويعني هذا إن الأمر بالطاعة متعلقق بالرسالة أي طاعة الرسالة ومن ينفذها في كل زمان وفي كل مكان، والمعيار في ذلك هو المفهوم وليس المصداق لأن المصداق متغير بحسب الزمان والمكان .

 والفصل الذي نقصده بين الرسول والرسالة فصلاً إعتبارياً لا فصلاً حقيقياً، أعني هو فصل في الجانب الإجرائي وما يتعلق بفهم النصوص وشرحها والإجتهاد فيها، وفي مسألة الإمامة كذلك فنحن نشير إلى الإمام لا بصفته الشخصية بل بصفته الإعتبارية الدائمة والمتغيرة بحسب الزمان والمكان، بمعنى إن الشخصية مفهوما زمنيا إعتباريا لا يجوز فيه التعلق بها أو تسوية الأمور حسب مواصفاتها الشخصيه لأن ذلك غير ممكن .

 ومع التطور الإجتماعي والإقتصادي وتنامي دور المعلومات وسيادة النزعة الوطنية تقلص دور الإمام بالمعنى التاريخي، ولم يعد مفهوم الخليفة الإمام أوالسلطان مقبولاً في ظل التطور العلمي لمفهوم الحكم، ومن هنا تجذر المفهوم الجغرافي للوطن الذي لم يعد يتسع لمساحات واسعة، فأصبح لكل وطن وقوم أماماً خاصاً لهم ينتخبونه من بينهم ضمن مواصفات إجتماعية وسياسية معينة ...

نعم إن هناك خللاً مفاهيمياً في الفكر الإسلامي، يلف فكرة الإمامة ككل، ويبدأ من خلال الإعتماد المغلوط على أخبار وروايات غير صحيحة في تأسيس الإمامة والبناء عليها، ومن بين تلك الأخبار قولهم ا: - (الائمة أثنى عشر وكلهم من قريش) -، فالتأسيس لمفهوم الإمامة إسلامياً أنطلق من هذا الوضع، ومنه أبتدأت المغالطة والخرافة ونمت وترعرعت وكبر عودها، وصيغ حولها القصص والحكايا، والتي أنتهت بسيادة الغلو والتطرف وكثرة الأخبار التي روجت لذلك، وهذا ما نجده واضحاً في كتب الروايات والأخبار الإسلامية .

والبحث في سند الخبر أرشدنا إلى جميع رواته من الكذابين الوضاعين الذين لا يعتد بهم، ومع إن البحث في الخبر وسنده لا يعنينا لكن ومن باب الإشارة والتذكير جئنا به، وأما المعمول عندنا فهو كتاب الله المجيد وما يقول به العقل في هذا الشأن، فالخبر حسب قواعد الكتاب ونصوصه (خبر متهافت) ولا يصلح في التأسيس والبناء عليه، كما إنه لا يصح نسبة التهافت لرسول الله أو إنه عليه السلام يتبنى هذه الفكرة وبأن يكون الخلفاء من بعده أثنى عشر وكلهم من قريش .

 فالخلافة بمفهومها العام هي سلطة زمنية وليست وهبية ولا كسبية ولا نصيه، إنما هي سلطة إجتماعية في التأسيس والبناء، كما لا يصح الإعتماد على هذا الخبر، لأنه يجعل من الرسول هو المؤوسس لفكرة القومية والتعصب العنصري، وهذا يناقض ما جاء في وصف وما نفهمه من قوله تعالى: - (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين) - الأنبياء

107، وماورد في المأثور عنه عليه السلام: - (لا فضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى) -، وهذا الكلام يتجاوز البعد الضيق للإنتماء القومي أو القبلي أو المناطقي، والمعيار عنده هو في العمل الصالح .

نعم شكل هذا الخبر دافعاً للبعض للقيام بتمرد مشروع على فكرة الإحتواء القهري الذي يمارس من قبل قوى السلطة، إذ ذاك يعني حذف متعمد لمفهوم السلطة كمؤوسسة إجتماعية تكون وتكبر وتنمو بالإنتخاب (الشورى والديمقراطية)، ناهيك من كون هذا الخبر المسخ يعارض بوضوح نصوص الكتاب المجيد، الداعية إلى التساوي في الحقوق وفي الواجبات من غير تمييز أو تفاوت طبقي أو أثني، كما إن من المفيد الإشارة إلى أخبار تعارض ذلك وتعلن بصراحة رفض فكرة التفاضل حسب النسب والعشيرة، وجعلت من التفاضل المحمود بالعلم والعمل والتقوى وهي مفاهيم مجردة مطروحة للعموم، وليست هي من خواص أو من ممتلكات قريش أو أنصار قريش، ففي المأثور قوله عليه السلام: (والله لعبد حبشي يطيع الله خير من سيد قرشي يعصي الله) .

 ولا يجوز حصر الأفضلية في الطقوس والممارسات والشعائر، بل تكون بالعمل الصالح وبالتقوى وإن كانت الثانية شأن خاص لا يدخل في مجال التنافس والتفاضل بل يجده العبد عند الله، والذي عليه المعول:

 - إن هذا القول عام مطلق ويتناول حركة الإنسان في مطلق الزمان والمكان -، ومن غير تصنيف أو علامات فارقة أفترضتها الذهنية المتخلفة، والكتاب المجيد كذلك يصدح بمقولته الشهيرة: - [إن أكرمكم عند الله أتقآكم] - الحجرات 13، وصفة التفضيل عند الله كذلك هي بالعمل الذي يقي الناس من العنف والشر والجريمة، وفي ذلك لا يكون هناك متسعاً من القول لكي نقول: - إن لقريش فضل على عامة الناس وفي قيادتهم -، وكذا لا يصح كذلك حصر الإمامة بعدد محدد من الخلفاء، طالما إن الأمر يرتبط بالحياة وبالوظائف اليومية للناس وبالزمن الإفتراضي لكل خليفة .

الرسول أو الإمام:

 موضوعة (الرسول أو الإمام) ليست موضوعة ثنائية التشكل والمعنى بل هي أحادية الصفة والمضمون، فالإمام في الكتاب المجيد هو رسول والعكس صحيح (وفي هذا الشأن يجب التركيز على مقولات الكتاب المجيد، وليس على ما تقوله الأخبار والروايات الموضوعة)، وهذا يعني إن للإمام من المهام والواجبات ما للرسول، وله نفس االسلطة والقابلية في إجراء القوانين وتنفيذها والحكم والقضاء بين الناس، إنهما إذن يعبران عن وحدة حال، وإلى هذا أشار النص التالي في قوله تعالى: - [.... إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي ؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين] - البقرة 124، وفي بيان معنى هذا النص، نقول: إن مفهوم جعل أي صار في لغة العرب وهو من الصيرورة، أي الإنتقال من حال إلى حال أخرى، ونفس المعنى نجده في الكلامي وفي الفلسفة أيضاً، هو تطور ذاتي وموضوعي يطرأ على الشيء لغاية ما .

 والفعل ورد هنا في صيغة ما يحدث لا حقاً، كالذي حصل لإبراهيم من تطور (صيرورة) فبعد أن كان نبياً صار إماماً، هو إذن تطور في المهام وليس في المقام، وقد عبر الملا صدرا عن ذلك بحركة النقلة، وهذا ما عناه النص أيضاً في قضية الواجبات والمهام التي سيضطلع بها إبراهيم الإمام (الرسول) وليس إبراهيم النبي .

 وكما قلنا غير مرة (إن الإمامة هي ليست النبوة) تختلف عنها من وجه ولا تفترق عنها من وجه أخر، ففي:

الأول قال: إني - جاعلك .. إماماً - بصيغة المفعول الثاني،

 ولفظ - جاعلك - يقوم بمقام الفعل في نصب المفعول، ولا تصح إليه الإضافة، هذا إذا كان بمعنى الحاضر أو المستقبل، وأما إذا كان بمعنى الماضي فلا يقوم بمقام الفعل .

والثاني قولهم: أن أسم الفاعل حين يكون مضافا يكون ماضياً كدليل على الإقرار، وهذا لا يكون عند الكسائي، فهو إن كان مضافاً يحتمل الحال والإستقبال، وعليه يكون معنى النص: (إن الله قد جعل إبراهيم إماماً أما في الحاضر أو في المستقبل) .

 وكا قلنا إن: - (الإمامة شيء والنبوة شيء أخر) -، وإلى هذا ذهب صاحب الميزان حيث قال: - إن إمامة إبراهيم غير نبوته - الميزان ج1 ص 271، والإمام هو ما يُقتدى به ويُتبع في أفعاله وأقواله، كتدبير أمور الناس وإجراء سياساتهم وتطبيق القوانين والأحكام بينهم، ولا تدل عبارة - إني جاعلك - على معنى (إن يكون الإمام منصوباً من قبل الله)، ولكنها تشير فقط إلى تطور وإنتقال في حياة إبراهيم من كونه نبياً يوحى إليه إلى كونه رسولاً يقود الناس ويطبق القانون، إذن هي ترتبط بقضية الفعل والمهام التي سيقوم بها إبراهيم بإعتباره إماماً .

 وأما التوكيد في القول إنه: - (لا ينال عهدي الظالمين) -،

 أي عهد الإمامة لا يناله الظالمين، ولفظ - الظالمين - بصيغة الجمع مع ال التعريف مشعرة بالتخصيص، والمُراد منها (جماعة خاصة بعينها) من ذرية إبراهيم، ولا يصدق معناها على كل من صدر منه أو عنه ظلم أو شرك أو معصية في حياته، ولو كان في برهة من عمره ثم تاب وأصلح !!، ذلك إن الظلم ليست من الصفات الثابتة التي لا تزول بزوال السبب، ثم إن ترتيب الظلم والحكم عليه بأثر رجعي ممنوع عند الله إذ (لا تزروا وازرة وزر أخرى)، هذا من جهة الطبيعة وما يكون عليه الإنسان بالفعل، وقد ورد في الأثر التأكيد على: - إن الإسلام يجُب ما قبله - أي يمحو ما قبله، وبهذه الحيثية دخل الناس في الإسلام وقُبل منهم .

 أما لماذا لا ينال عهد الإمامة من ذرية إبراهيم ؟، فالقيد كما قلنا يشير إلى البعض منهم، والمتعلق في المنع هو الظلم، الصفة والفاعل إذ لا يستقيم أمره ومهام الإمامة، التي يتطلب فيها العدل كونها أمر ونهي وتنفيذ دقيق للأحكام، والشرط الموضوعي المقترح هذا يُلزم من يتصدى من ذرية إبراهيم لهذا العهد، وبأن لا يكون ظالماً أو من الظالمين في الحال وليس في الماضي .

 والظلم صفة نفسية نسبية تكون ضد العدل في مطلق الزمان والمكان، وفي الكتاب المجيد نرى التقابل بين الظلم والإحسان كما في قوله تعالى: - [.. ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين] - الصافات 113، والإحسان كما الظلم من الصفات النسبية المتغيرة، والمعيار في التعريف بالظلم أو الإحسان هو في الطبيعة والكيفية التي يتم الإعتماد عليها فيما ينفع الناس ويحقق مصالحهم .

والظلم والإحسان والعدل وغيرهما هي من الصفات الغير تخيُليه، ولا يصح التوصيف بها أو الكلام عنها على نحو مطلق من غير دليل، وكذا لا يجوز إعتبار لفظ - عهدي - منه تعالى ذو دلالة مطلقة بحيث يشمل كل عهد، حتى في قوله هذا: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ..) - طه 115، فالعهد ليس مطلقاً ومعناه هنا لا يشمل كل عهد، وهكذا قال في قصة يونس: - [سبحانك إني كنت من الظالمين] - الأنبياء 87، ولا يُقال عن الظلم هنا إنه محمول على ترك الأولى، بل يُقال عنه إنه متعلق بما يقوم به الإنسان تجاه نفسه (ظلم النفس)، كما جاء في قول آدم: - [ربنا ظلمنا أنفسنا] - الأعراف 23، وفعل آدم ويونس في الحقيقة لا يدخل في باب العهد الذي نحن بصدده، ولهذا لا يستوجب المخالفة والعصيان، وإنما جاء التوصيف من باب العتب أو لنقل من باب تعظيم الشأن .

 ....

ولكن هل العصمة واجبة للإمام أم العدالة ؟ وقبل بيان مفهوم العصمة، نقول: إن الله أستعرض في الكتاب المجيد الشروط الموضوعية الواجب تحققها في الإمام أو الحاكم، ولم  يذكر العصمة ولم يركز عليها بقدر تركيزه على المفاهيم الإعتبارية الأخرى من العلم والقوة والكفاءة، كما في قصة الملك طالوت والنبي داوود، فهو حين جعل طالوت ملكاً على داوود لم يقل إنه أو لأنه معصوماً، بل شدد على مقومات القيادة مع الحفاظ على النسبية في الأشياء التي تؤهل الفرد ليكون قائداً، مع العلم إن الله قد جعل طالوت ملكاً وجعل داوود جندياً في جيشه، قال تعالى: - [.... إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ..] - البقرة 247، يعني جعله حاكماً عليهم بوجود النبي داوود، وهذه تحتاج إلى تأمل، لأن الله لا يركز في القائد إلاَّ على الصفات التي تحقق للناس العدالة والتساوي وتطبيق القانون، فالحاكم المطلوب من قبل الله هو الحاكم العادل الذي يلزمه علم وقوة ولا تلزمه العصمة، أي إن اللازم توفره في الحاكم هو القدرة على تنفيذ القانون وإجرائه بشكل عادل، وتوفير الأمن والإستقرار للمجتمع وحمايته من التعديات الخارجية .

وحين نقول هذا فإنما نعني الجانب القيمي وفيما يحقق السعادة للمجتمع، وكذلك نقول: - ولا يشترط في الإمام أن يكون معصوماً -، ولكن ماهي العصمة ؟:

- عُرفت العصمة بأنها الحماية أو الوقاية، وأصلها من الفعل الثلاثي عصم، وبقولنا حماية فهذا يعني بان الفعل ذاتي، وقد تقع أثاره في الخارج، فهي حماية ذاتية تمنع صاحبها من الوقوع في الخطأ، وهذه الفكرة تنقسم بحسب موضوعها إلى نوعين:

1 - عصمة تكوينية: ومعناها إن يكون الفرد معصوماً في النشأة والتكوين، أي إنه لا يرتكب الخطأ ولا يفعله تكويناً، وهذا المعنى يجعل من المعصوم غير مكلفاً وهو أقرب إلى النبات والجماد منه إلى الإنسان .

2 - عصمة تشريعية: ومعناها إن يكون الفرد قد راقب نفسه ومنعها من الوقوع في الخطأ أو إرتكاب الخطأ، وهذه المراقبة هي فعل أو قدرة على المقاومة يكون الإنسان فيها مكلفاً ومختاراً، أي إنه من ينتخب ماهو صالح وصحيح له، ويتجنب كل ماهو ضار وقبيح، وهذا الفعل ينطلق من الفرد قبل التشريع، ويأتي التشريع كتعزيز وتثبيت لذلك عبر الأوامر والنواهي، وإلى ذلك أشار النص بقوله: - (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) - العنكبوت 69، ويُفهم من هذا إن التشريع يُثبت ويعزز ويدفع بهذا التوجه، لدى من يجد في نفسه العزيمة والإصرار والرغبة، وهذه الحالة تكون سابقة للنبوة ومنها وعليها يتم الإصطفاء .

وهذا المعنى مطلوب على نحو الإستحباب في الإمام أو الحاكم، لأن من يكون كذلك تكون العدالة لديه تحصيل حاصل، ولكن هذا الشرط ليس لازماً إنما هو شرط إقتضاء، ففيه تتحقق المصلحة والغاية من الحكم العادل والحكومة العادلة، ولذلك تكون العدالة هي الشرط الموضوعي الأكثر إنسجاماً مع الطبيعة البشرية في الحكم .

و أما القول: بأن العصمة هي ملكة نورية قدسية، كما يذهب إلى ذلك مُدعي العرفان والتصوف، فهو قول مجرد بل محض خيال ووهم، لأن العصمة في هذا المعنى تجرد الشخص المعصوم من إنسانيته وتذهب به إلى جهة الملائكة، وهذا ما لا يقره الحق ولا يسمح به، فالذين: - [..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ..] - التحريم 6، هذا الوصف لا ينسجم ولا ينطبق على الإنسان وماهيته وجوهره، الذي يتميز به من عقل وقوة إدراك وتخيل وإختيار وإنتخاب للفعل والقرار .

ونعول للقول: - إن الإمامة ليست رئاسة عامة -، بمعنى إنها ليست تفويضاً من قبل الله، بل هي تفويضا من الشعب لمن يرتضونه إماماً عليهم، وليست التقوى شرطاً في صحة الإمامة، ذلك لأن التقوى في الغالب شيء أو ملكة ذاتية أو نفسانية يحصل عليها المرء من كثرة العمل بالواجبات والإحتياط عن كل الشبهات، وهي شرط مفاضلة عند الله لا يعلمها إلاَّ هو، ولايصح الوصف بها على نحو موضوعي خارجي، والدخول في جدلية التقوى لا يقودنا إلاَّ إلى الدور الباطل بين التقي والأتقى، كما هو الحال بين المفضول والأفضل، وكلها صفات لا يمكن التحقق منها على وجه الدقة في الخارج .

نعم في الإمامة يجب التركيز على إنسانية الإمام، وما يحقق لنا شرط محاسبته إن أخطأ والنظر والتدقيق فيما يقوم به ويحكم، هذا بلحاظ كون فعل الإمام مرتبطاً بحياة الناس وحاجاتهم، ولا يصح الحكم عليهم من غير تشاور معهم، فالشورى شرط لازم في صحة الإمامة، والشورى: - هي إستنطاق عقول الأخرين فيما ينفعهم وفيما يضرهم -، قال تعالى: - [وشاورهم في الأمر] – آل عمران 159، وقال تعالى:

- [...وأمرهم شورى بينهم] - الشورى 38 ..

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

7 جمادي الثاني 1440

 

 

ميثم الجنابيلقد كفّ التصوف عن أن يكون مجموعة عناصر متناثرة في منظومة الغزالي الفكرية. لقد اندمج اندماجا عضويا في الكلّ الفكري الجديد. وليس الانفصال المّوحد في مفهوم تناغم أو وحدة التصوف والسنّة، سوى الاستمرار الجديد للاهوت الغزالي السالف، أو النفي الصوفي لهذا الاستمرار. فالغزالي يسير بنفس تقاليد المتصوفة في آرائها حول وحدة الحقيقة والشريعة، أي من خلال نفي صيغتها التقليدية على اساس الوعي والممارسة الصوفية. فعندما يناقش على سبيل المثال مفهوم التوكل، فانه يحاول أن يربط في كلّ واحد صياغته الدينية العادية فيما يسمى بضرورة الاعتماد على الله وبين مضمونه الروحي الفكري (الصوفي الفلسفي) في رؤية العلاقات السببية المنفية في إدراك قدرة الله الشاملة والمتجسدة في شروط الوجود نفسها، التي بوجد فيها الإنسان ويفعل. فمن جهة يعتبر ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد،غير أن نفي هذه الأسباب كلياِ هو طعن في الشرع، بينما الاعتماد على الأسباب من دون رؤية الأسباب تغيير في العقل وانغماس في غمرة الجهل[1]. من هنا المهمة المعقدة، التي حاول حلها في ربط ما دعاه "بمقتضى التوحيد"، أي الفكرة الصوفية الفلسفية المجردة للتوحيد و"مقتضى النقل والعقل"[2]. وقد استمر الغزالي في محاولته حل نفس معضلات الفكر الإسلامي بمختلف اتجاهاته التي واجهها في مرحلة ما قبل التصوف. ولم يجد حلولها النهائية (الحقيقية) إلا فيما سيدعوه بوحدة العلم والعمل الجديدة (الصوفية) أو  وحدة علم المعاملة والمكاشفة.

فحالما يتكلم عن تصنيفه الجديد (إحياء علوم الدين)، فإنه يشير إلى أن ما يصوغه في هذا التصنيف يبرز كالضرورة[3]. وليست هذه الضرورة في الواقع سوى نتاج الهيكلية الذهنية الجديدة في تناول القضايا من حيث مادتها التاريخية وتطور الافكار ومن حيث غايتها الاخلاقية. وقد دعا كل هذه الأشياء بوحدة علم المعاملة والمكاشفة. وبما ان علم المكاشفة مما لا يجوز الافصاح عنه، فان وسيلة بلوغ حقائقه ينبغي ان يقدمها علم المعاملة. وبهذا المعنى ضمّن الغزالي تقليدية المفاهيم والتصورات مضموناً جديداً. كما اعطى هذا بدوره لربط الشريعة بالحقيقة مضموناً جديداً. لقد اعاقه ذلك جزئياً دون ان يعيق الإبداع الدائم للكلمة الحرة. فالصياغة التقليدية وسيوف الهلع اللاهوتي، كان لابد وان يعترضا ابداع و"تهور" الكلمة الحرة. إلا أن مضمون هذه الكلمة شق لنفسه الطريق دوماً بغض النظر عن الكدمات والعوائق المتعمدة التي رى وضعها أمامه. وقد كانت هذه بدورها جزء من واقعية التاريخ وحقيقة التطور. إذ ليس هناك من مرحلة تاريخية لم تبدع قيودها الخاصة التي بدونها تصبح حركة التطور وصراعها أمرا مستحيل الوجود. آنذاك سيكون من الممكن اعادة النظر في مفهوم وحدة السنّة والتصوف في آراء الغزالي من وجهة النظر هذه ايضاً. والغزالي نفسه يشير إلى ذلك بصورة غير مباشرة، مما يجعل من الضروري الحذر في التعامل مع مفرداته اللغوية وعباراته عندما اكد على أن الباعث الثاني لكتابة مؤلفه (إحياء علوم الدين) بالصيغة التي هو عليها، مستند الى مبدأ "المتزيّ بزيّ كمحبوب محبوبي". لهذا لم "يبعد ان يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفاً في استدراج القلوب"[4]، أي انه تتبع نفس اسلوب ما اسماه بتطلف من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوصفه على هيئة تقويم النجوم موضوعاً في  الجداول والرقوم، ولا ينبغي فهم صياغته اللغوية كصياغة شكلية خالصة. ففي التصوير الغزالي وحدة  شكلية ضرورية تستمد مقوماتها من تقاليد الشريعة والحقيقة الصوفية، من وحدة المعاملة والمكاشفة بوصفهما درجات في الفكر والممارسة، وباعتبارهما اوجهاً لحقيقة واحدة. إلا أن ما يهمنا الآن هو الاشارة  إلى كونها تبرز كأسلوب الاقناع التاريخي. وبهذا المعنى، فهو يشكل قناعة نسبية ضرورية في وعيه نفسه، أي أنها نفس الاستمرارية القديمة للفكرة الغزالية في الوقف من علم الكلام، الذي يصوغ المواقف التدريجية الجديدة منه في (الرسالة القدسية في قواعد العقائد). إنها إمكانية إدراك الحقائق مع تطور  المعرفة والوعي، تماما كما تتعدد تصورات وجوانب  تعمق وعي الإنسان لكل الكلمات والظواهر التي سمعها وشاهدها في الطفولة. اذ لا اضافة جديدة لكلمة الحق عندما يسمعها الإنسان للمرة الأولى. إلا أنها تحمل مع تطوره عالم غير متناه. والغزالي في سعيه استدراج القلوب سار في طريق استلهام ثقافة الاستدراج التي طورتها حضارة الخلافة في صيغ وتجليات غاية في التباين. وبدورها لم تعن سوى الأساليب التي طورتها حذاقة الوعي التجريدي المتمرس في معمعان الحياة الاجتماعية وقضاياها. فالغزالي نفسه يقدم أمثلة عديدة عن تلك "الحيل" التي استعملها حتى اشد الشخصيات ورعاً من اجل تجنب اضطهاد السلطة. وإذا كان ذلك ممكناً في ميدان الحياة الاجتماعية السياسية، فإنه ممكن ايضاً في ميدان الفكر. رغم خصوصيتها والتي يجري فيها تطوير "الحيلة" بصيغة شحذ الذهن في الكشف عما تدعوه المتصوفة "بخفايا وأسرار العقيدة والشرع".

إن لهذه الظاهرة "قانونيتها" الخاصة في التصوف، والتي لا يمكن توقعها خارج اطار التيارات الفكرية الكبرى من مدارس اللاهوت والفلسفة والادب. فقد شكل التصوف النظري احد نماذج حصيلته المتطورة، الذي صاغ إلى جانب غيره من النماذج آلية قناعته "بأسراره" الخاصة. لكن الغزالي لا يغلق رتاج المعرفة "بالسر الصوفي". انه يكشف عنه باعتباره حقيقة السنّة. وهو لا يؤدي بذلك مهمة الربط الآلي فيما بين الاثنين، بقدر ما انه يكشف عن نسبية تجلي حقائق التصوف الكبرى وتصوراته الكونية عن عالم الملك والملكوت، السفلي والعلوي، الانسان والله في نسيج وحدة الحقيقة والشريعة، الظاهر والباطن، أي محاولة جعل التصوف الممثل الحقيقي للشرع. وقد انجز هذه المهمة لا من منطلق الكلام اللاهوتي ولا من منطلق التصوف الخالص، بل بوحدة تآلف اتجاهات العصر الفكرية التي عادة ما تؤدي في  آرائه إلى نتائج ومواقف اجتماعية عقلانية ذات نزعة أخلاقية شاملة. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، عن أفضلية الجوع الصوفي، فانه ينطلق من أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور هو الوسط. والتطرف في الأدب هو من اجل صنع الاعتدال. وبالتالي فانه ينبغي النظر إلى مدح الشرع للمضاد والمقابل لما يبدو متطرفاً كالبذل مقابل التقتير والكف مقابل الاسراف بوصفه وسيلة بلوغ الاعتدال[5].

بصيغة اخرى، ان "ربط التصوف بالسنّة" هو شكل من أشكال تجلي التآلف الجديد، الذي عكس في آن واحد استمرار الفكر القديم وخصوصية التصوف الجديد. إذ لا يعني انتقال الغزالي إلى مواقع "علماء الآخرة" وانتقاده الشامل لممارسته السابقة (الكلامية الجدلية، والفقهية والاجتماعية السياسية والأخلاقية) تخليه الكامل عن تراثه السابق. على العكس! إانهما لم يعنيا سوى اعادة نظر جوهرية فيه على اساس وأرضية ربط الفكر بالأخلاق. فما "اهمله" في تجربته السابقه هو المظهر الخارجي، أي موقعه ومواقفه في المنظومة الاجتماعية السياسية والفكرية القائمة آنذاك. إذ لا تشكل وحدة علم المعاملة والمكاشفة سوى الاستمرار النوعي الجديد لتراثه الفكري السابق. وذلك لأن غاية المعاملة المكاشفة، وغاية المكاشفة معرفة الله، أي شمول كل مظاهر وتجليات الحياة والوجود.

لقد دمج تصوراته السابقة وأذاب حصيلة فكره في بوتقة الوعي الصوفي الاخلاقي. ويبرز ذلك بوضوح في اتجاه تعميمه لنتاج الفكر الصوفي استناداً إلى الأرضية العقلانية لثقافته السابقة. وأدى ذلك إلى إثارة الكثير من المعضلات حول ما يسمى بحقيقة الغزالي الصوفية وطبيعة تجربته الصوفية، أي ما إذا كان قد مارس وعيه الصوفي على اساس تجربته الفردية الخاصة ألا. ولعل أولى الانتقادات التقييمية الكبرى في تقاليد الفكر الصوفي في هذا المجال هي تلك التي وضعها ابن عربي. فقد تطرق لها من وجهة نظر الموقف من علاقة اللاهوتي والصوفي في شخصية وتجربة الغزالي، ومن حيث استمرار فكره السابق ومستوى ذوبانه في الممارسة الصوفية. ولعل التقييم الذي قدمّه ابن عربي بهذا الصدد يكشف بعمق عن النوعية الجديدة أيضاً التي أدخلها الغزالي في صرح التصوف النظري. فالفرق بين "علماء النظر" كالفقيه والمتكلم كما يقول ابن عربي، "اذا دخلوا طريق الله (وهو يقصد بذلك الغزالي) وبين الأمي"، الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري يقوم في صعوبة إدراك "الحقائق الإلهية" بالنسبة للأول (علماء النظر). وبما انه لا فاعل إلا الله، كما يكتب ابن عربي، فإن هذا الفقيه أو المتكلم حالما يدخل "الحضرة الربوبية" فإنه يأخذ بميزانه (الفقهي أو الكلامي) ليزن على الله وما عرف إن الله ما اعطاه هذه الموازين إلا ليزن لله لا على الله. آنذاك يحرم الأدب ويعاقب بالجهل بالعلم اللدني. إلا أن من كان وافر العقل كما يقول ابن عربي، فإنه يمكن أن يعلم من اين اصيب. وفي هذه الحالة عادة ما يسلك طريق من بين طرق، وأسلوب من بين أساليب. فمنهم من دخل"طريق الله" وترك ميزانه على الباب حتى إذا خرج أخذه ليزن به لله ولكن قلبه متعلق بما تركه، وأحسن من هذا حالا من كسر ميزانه، فإن كان خشباً أحرقه، وإن كان مما يذوب أذابه وبرّده حتى يزول كونه ميزاناً وان بقي عين جوهره. فلا يبالي وهذا عزيز جداً، وما سمعنا إن احداً فعله. فإن فرضنا، وليس بمحال إن الله قوّى بعض عباده حتى فعل مثل هذا، كما ذكر ابو حامد الغزالي عن نفسه، فإن الأمر يختلف مقارنة بالاميّ[6]. والتعليق اللاحق الذي يقدمه ابن عربي، يشير إلى مثال الغزالي في دخول "طريق الله"، أي أنها حالة "من لم يكن على شريعة فأراد أن يعرف ما ثم فسأل فدل على طريق القوم، فدخل ليعرف الحق بتعريف الله"[7].

وفيما لو استعملنا تعبير ابن عربي، فان الغزالي يكون قد كسر ميزان أحكامه الفقهية والكلامية وأذاب حصيلة معرفته في طريقه الجديد. ولكنه مع ذلك، بقي عين جوهره. وبهذا المعنى بقيت حصيلة المعارف المنفية والمجردة بوصفها الحالة التي "ما سمع أحد فعلها" إلا ما ذكره الغزالي عن نفسه. ولاي مكن فهم حقيقة هذه الصياغة الرمزية في تاريخيتها إلا بالصيغة التي توحي بخصوصيته في عالم الصوفية  تقاليدها المبنية على أساس استمرار الفكر وحصيلة التآلف النظري. وليس بما اعطت للبعض باعث وحجة نفي "تجربة الغزالي الصوفية". فهو استنتاج سطحي بفعل عدم رؤيته اضمحلال وانحلال "التجربة الصوفية" في مقارناته التعميمية. فقد دخل الغزالي "طريق الله" أو عالم الصوفية بعد تجربة فكرية نظرية وعملية اخلاقية متعددة المناهل والمستويات. ومهما حاول هو في وقت لاحق تكسير اطرها الأولية، فإن صورها ظلت تعبث في مخيلته كمصدر جوهري في رؤية العالم وظواهره. وهو لم ينكر  ذلك في يوم من الأيام. على العكس. انه وجد في ذلك أحد السبل الضرورية لعالم الصوفية الاكثر تطوراً. فحالما حاول التنظير لمفهوم العلم اللدني، فإن الحصيلة المعرفية المتعددة المناهل تظل ضرورية من اجل قوة هذا العلم. وهو ما نعثر عليه في البدايات الصوفية الأولى المباشرة وغير المباشرة للغزالي، أي في سعيه للتعميم الذي عادة ما كانت ترفضه المتصوفة الأوائل، ليس لرفضها التعميم، بل من منطلق اولوية التجربة الفردية الذاتيه. أما أحكام الغزالي فقد انصّبت في اطار وحدة المضمون الصوفي والتقاليد العقلانية الكلامية والعمق الفلسفي التحليلي. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، حول اصناف التصورات الصوفيه عن الوسواس والذكر فانه يستعرض خمس فرق ليستنتج في نهاية المطاف، بأن كل مذاهبها صحيحة ولكنها كلها في الوقت نفسه قاصرة عن الاحاطة بأصناف الوسواس، بفعل كون كل واحد منهم نظر إلى صنف واحد من الوسواس فاخبر عنه[8]. بصيغة أخرى، انه يقف إلى جانب التجربة الصوفية الفردية في دقة حكمها باعتبارها تجربة المعرفة النسبية، ولكنه يكشف في الوقت نفسه عن افتقادها للتعميم. وقد أدى ذلك به دوماً إلى ابراز فعالية العقل والعقلانية في تجربته الصوفية. وهو بدوره نتاج استمرار التقاليد الفكرية السابقة، التي اتخذت مهمة الربط الدائم بين علوم المعاملة والمكاشفة، أي الارتقاء من ممارستها الصوفية إلى تنظيرها الصوفي. ولم يكن ذلك بمعزل عن الاتجاه الاجتماعي السياسي في آرائه، ومحاولة صنع تآلف فكري عقائدي جديد، والسعي لتوحيد استنتاجات الاتجاهات الفكرية الكبرى، ولوضع حد لبلبلة الصراعات المذهبية آنذاك. فأساليب علم الكلام والفكر المنطقي الفلسفي، هي التي جعلت من الممكن، بل ودفعته لحل الآراء المتعلقة "بالتناقض" بين التصوف والشريعة (السنّة)، أي أن محاولته البحث في ميدان علم المعاملة، كان لابد وأن يضعه أمام مهمة كشف العلاقات الداخلية بين المعاملة والمكاشفة في اطار منظومة فكرية متجانسة. لهذا السبب اكد على ما دعاه بتلازم المعاملة والمكاشفة الشبيه بتلازم "النوع والأصل". فلا يستغني أحدهما عن الآخر، وإن كان أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة التابع. وعلوم المعاملة "إذا لم تكن باعثة على العمل فعدمها خير من وجودها، فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له قامت مؤيدة للحجة على صاحبها"[9]. ولم تكن هذه الفكرة معزولة عن أسلوب التفكير الكلامي والمنطقي الفلسفي نفسه. فهو لم يرفض كلياً انتاج العلم الكلامي وآراء الفلاسفة، ولا حتى أسلوب تأويل الباطنية واستنتاجاتها الفكرية العديدة. إان التآلف الفكري الجديد المستند من حيث عناصره الجوهرية إلى تراث مختلف التيارات الفكرية السابقة والمعاصرة له، والمبني على أساس رفض التقليد، والمتسم بروح الإصلاحية الأخلاقية ومبادئ الإسلام الأولية المهذبة بروح الأخلاق الصوفية، هو تآلف ديناميكي المضمون محافظ الشكل. وبهذا المعنى، فإنه فسح المجال أمام تثوير  التصوف والفلسفة والكلام. إنه وضع وصاغ  الآراء والحلول النظرية للقضايا والمعضلات الفكرية الكبرى في وحدة جديدة. ولهذا فإن تثويره اللاحق كان ممكناً من خلال تثوير المنظومة الغزالية ذاتها أما بطريق "التثوير اللاهوتي"، أو الصوفي أو الفلسفي. وسوف تنجز الكثير من اتجاهات اللاهوت والتصوف والفلسفة هذه المهمة إلا أنها ستقف عند الحدود، التي وقفت عندها ديناميكية العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية.

إن التآلف الغزالي شكّل درجة نوعية في تطور وتطوير ثقافة الخلافة دون أن يكتمل نهائياً من حيث الشكل والأسلوب ولحد ما المنهج. وهو ما يفسرّ استمراره الدائم بصيغة الخميرة الفعالة في التراث الفكري الروحي والاجتماعي السياسي اللاحق والمعاصر. غير انه لم يترك تآلفه هلاميّ الشكل، بل حاول تأطيره منذ (إحياء علوم الدين) كمشروع أولي كبير. حيث ظهر للمرة الأولى بخطوطه الكبرى كمنظومة متكاملة لها تجانسها الخاص، تتطرق إلى وجود الإنسان في منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية، في الكون، وموقفه من النفس والوجود بكافة مستوياته. بصيغة أخرى، لقد وضع وحاول حل "برنامج" وجود ومعنى الإنسان في الكون والحياة. وما تناوله وصاغه كمادة للتفكير في الجزء الاخير من (إحياء علوم الدين)[10] ومادة لسلوك "الطريق" ما هو في الواقع، سوى القضايا التي ناقشها على صفحات كل "موسوعة الوجود الاخلاقي" (إحياء علوم الدين). وبذلك يكون تآلفه قد وضعه أمام مهمة الشمولية "المبرمجة" وأهدفها الاجتماعية الأخلاقية كبديل شامل لنظام الوجود المعاصر له. ذلك يعني انه صاغ البديل الهادف. وبهذا المعنى يكون الغزالي قد زاول ومارس العملية الذهنية التي لم تطرح بصيغتها الجلية إلا في القرن التاسع عشر ـ العشرين [11]. ومع ذلك لم يكن النزوع الهادف لمنظومته الفكرية مستقلة عن تراث الثقافة الإسلامية. وليس اعتباطاً أن يربط آرائه الاجتماعية السياسية بشخصية النبي محمد، بل وإفراده فصلا خاصاً له [12]. بحيث حوله فيها إلى ممثل المبادئ الأخلاقية المطلقة ومجسدها الحياتي. بصيغة أخرى، لقد امتلك هذا الرجوع الدائم للشخصية المحمدية أساسه التاريخي الواقعي والفكري العقائدي والأخلاقي المجرد. فالغزالي سلك نفس العملية الضرورية لبلورة المنظومة الجديدة في اطار التقاليد الفكرية الإسلامية، بوصفه الممثل الحقيقي "لأهل السنّة والجماعة" بالمعنى المحمدي، أي اتباع النبي محمد كما هو. بحيث حوّله إلى كيان فاعل ومطلق في منظومته الفكرية الخاصة. ومن ثم وسيلة وغاية المثال الاجتماعي الأخلاقي. لقد جعل من الشخصية المحمدية القوة المؤنسة لبرنامج الأخلاق المطلقة، التي طور الغزالي اتجاهها العملي من خلال التصوف.

وبغض النظر عن عدم تقبل الفقهاء والاتجاهات السنية العديدة الأخرى له ولأفكاره هذه، إلا انه لم يثر مع ذلك موقفها الفزع من التصوف باعتباره ممثل القيم الأخلاقية التي تتطابق مع التجريد البعيد المدى لمثال الشخصية المحمدية. لهذا استعمل كل تراث البنيان الإسلامي بالكل الذي جعل منه وحدة اجابية فاعلة في ميدان  الصراع الاجتماعي. فالغزالي يرفض السلوك السلبي والخامل. ووقف دوما إلى جانب النشاط الاجتماعي الفعال. ففي ميدان الحقوق يبرز احياناً كممثل لضبط النظام بما في ذلك في أقسى اشكاله حالما يكون ذلك لمصلحة العامة والأغلبية. انه حاول تطبيق فكرة "ولكم في القصاص حياة". ولم تكن هذه الأحكام والآراء في منظومته عرضية الطابع أو ثانوية الأهمية. إن أهميتها التاريخية تظهر بالذات بوصفها الفكرة المؤثرة في بلورة وعي وممارسة العامة والخاصة (الجمهور والنخبة). وبربطه هذين الجانبين يكون قد اختار طريقاً لم يسلكه أحد قبله. ولا ينبغي فهم هذه الصياغة كما لو أنها  ازدواجية للحلول والآراء والمواقف، بقدر ما انها كانت تعبر عن رؤية مستويات متباينة للظاهرة. حيث كانت تتطابق في منظومته الفكرية مع قضية المطلق والعابر، والكلي والجزئي، والحق والضرورة. الأمر الذي جعل من آرائه حتى في اشد حالاتها الصوفية المجردة ذات مضامين اجتماعية سياسية واضحة. إذ أنها وضعت على الدوام مهمة التعامل الملموس مع الفكرة ورؤية المطلق في العابر.

وحدد ذلك بدوره التطبيق الصارم لمبادئ العقلانية الاخلاقية. فقد وقف الغزالي، على سبيل المثال، بقوة ضد فكرة المجاهدة الصوفية المتطرفة، مبرهناً على ضرورة الشهوة والوقاع، مستنداً بذلك الى تحليل الظاهرة البيولوجية الاجتماعية ليثبت على اساسها ويولف فكرة المثال الصوفي الباطني للأخلاق ووجود الإنسان الاجتماعي التاريخي. فالمهمة التي حاول حلها لا تقوم في اخضاع العالم الواقعي لعالم المثال الصوفي، ولا الصوفي للواقعي، بل في استلهام مثل الأخلاق الصوفية كقيم مجردة مثل دوران الحق بالحق للحق. فعندما يناقش، على سبيل المثال، أفكار الحكايات والنوادر الصوفية فأنه يتطرق اليها ليس كمثال يستلزم المحاكاة، بل  لكونها كرامات. ولا يمكن بالتالي بلوغها عن طريق التعلم، لأنها مجرد رمز (سرّ). فمن أراد أن يسخّر كلب بيته كما يقول الغزالي، فمن الاجدى به أن يسخّر كلب أعماقه (الغضب). ومن أراد تسخير الأسود يلزمه اولا تسخير أسده (السيطرة). فإذا لم "يسّخر المرء كلبه الباطن، فلا مطمع له في استسخار الكلب الظاهر"[13].

قد سعى الغزالي من وراء ذلك إلى رفع ايجابية الممارسة الاجتماعية الدينية والأخلاقية. فهي الوسيلة التي ينبغي أن تجعل من أخلاقية الصوفية المثال الإيجابي الفعال. إنه سعي إلى ربط جوهر الأخلاق الصوفية ومثالها المطلق بظاهرية الممارسة الجماهيرية. وبهذا المعنى، فانه رفض الفردية المتطرفة في الفكر الصوفي والطابع السلبي في ممارسته الاجتماعية. فعندما يتكلم عن "اسقاط الجاه" باعتباره احد أساليب الارتقاء الروحي الأخلاقي، فإنه يقدمه على مادة ومثال العلم والحرية، لا مثال الملامتية. رغم أن ممارسة الأخيرة تتضمن مبادئ وقضايا العلم والحرية باعتبارهما عناصر الارتقاء الأخلاقي الصارم. إلا أنهما يولدان شعور الارتداد عند الجمهور، الذي يوهن الموقف الديني الايجابي. انه يكلّف الأخلاق الميتافيزيقية المتسامية إرهاق لا ضرورة فيه[14]. وبالتالي، يفسح الغزالي المجال لشرب عصير التمر في قدح الخمر دون الاعلان عنه. ان هذه "الدعوة الخفية" تظل في اطار السعي نحو إدراك حقيقة السرّ الصوفي الأخلاقي من أجل أن يكون ذلك حافزا للتطور الأخلاقي والرصيد الروحي.

لقد أدرك الغزالي ما في أعماق الأخلاق الصوفية من قوة هائلة على استثارة اليقين الروحي، الذي بدونه لا يمكن للوجود الإنساني امتلاك قيمته الفعلية. فهو لم يتطرق في هذا المجال إلى وعي الضرورة التاريخية. إن آراءه تسير في خطى الصوفية عبر إهمال الزمن الساري والاستعاضة عنه بالزمن الروحي، بوصفه قيمة روحية مطلقة. وبالتالي لا أمس ولا غد بل اليوم، أي اليوم الروحي الذي لا يتجاهل الصوفي معه وفي مجراه فكرة الوجود الدائم. فآراء كهذه تتناقض مع نظرته إلى الكون وعلاقته به بما في ذلك تصوراته عن الله الإسلامي. غير أن الصوفي بفعل انهماكه في عملية النفي الدائم تجعله في اعين معاصريه مثالاً للزندقة، تماماً كما يتعامل هو في اعماقه مع جمهور "الغافلين" من العلماء والسفهاء. إلا انه لا ينظر بعين الازدراء إلا تجاه نفسه. وبهذا المعنى، فانه يظل يدور في دوامة "التسامي الأخلاقي المبرح". والغزالي لا يرفض هذا الجوهر الأخلاقي الروحي، أو هذا التسامي "الشعث". انه يدرك استحالته الطابع الوظيفي في الاطار الاجتماعي التاريخي المعاصر له. مما حدد  بدوره أسلوبه في التعامل مع فكرة الصوفيه الجوهرية في الأخلاق: النفي الشامل لبلوغ الوحدة على أساس ومبدأ الوسط الفلسفي المجرد. انه أدرك تعقيد هذه العملية سواء من حيث فاعليتها التربوية او قدرتها على التغيير، الا ان ممارستها في حدود العقلانية تفسح المجال لتطوير الروح الاجتماعي الأخلاقي وهذا بدوره يعني ضرورة التوجه نحو النظر في العلة المعالجة حسب مبدأ "إن كنت تحب المال فأبذل. وإن أصبحت محب البذل فامسك". وهذه بدورها أيضا ليست إلا ممارسة الوسط العقلاني الذي يمكن بلوغ ذروته في حالة تحول البذل والإمساك إلى فعل واحد ظاهري وعرضي كتعامل المرء مع الماء. أما في الواقع فليس الوسط الحقيقي سوى انعدام الوسط، بمعنى التطابق التام مع الفكرة المثال أولا وقبل كل شيئ وليس ضرورة إدراكها كما هي. فالوعي هو مثير المعضلات ومبدع القضايا، بينما الوسط الحقيقي لا يستلزم رد فعل ظاهري باطني. فهو قائم بذاته. وهي الصيغة التي ابدعت المتصوفة رمزيتها عبر رفعها إلى مصاف المعضلة في ردّ النبي محمد على سؤال في المنام لأحدهم عن سبب قوله "شيبتني هود" بعبارة "فاستقم كما أمرت". فهي الاستقامة التي حاول الغزالي مطابقتها مع الوسط المجرد أو الوسط المنفي في معاملات الأخلاق المطلقة. فهو المثال الذي يستلزم كحد أدنى الاجتهاد بالاقتراب منه في حالة ضعف القدرة على بلوغ حقيقة الاستقامة[15]. أما مشروع الغزالي فقد انصب في تيار الإبداع الساعي لتحويل المتصوف العارف الى قطب الوجود الحق ومثوّر الروح الأخلاقي الدائم.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص243.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4 ص243.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص3.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص4.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج13، ص96.

[6] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص260-261.

[7] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص261.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص44.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص9.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص 423-448.

[11] إن لهذه القضية إشكالاتها الخاصة. ومن العبث البحث عن تطابق كلي فيما بين منظومة الغزالي بوصفها مشروعا فكريا شاملا ومثيلاته في العالم المعاصر. وقد بلور الغزالي إحدى صيغ البديل الذهني للوجود الاجتماعي التاريخي. وأبدع ذلك في آن واحد فعالية الآراء الغزالية ومشروع تنفيذها العملي، وفي الوقت نفسه فسح المجال أمام بعض عناصرها للتحول إلى قيود الوعي الطوباوي. ومع ذلك يبقى لمشروعه الفكري الروحي خصوصيته التي سأتناولها في مجرى دراسة آرائه الاجتماعية والسياسية.    

[12] الغالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص357-387.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص280.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص288.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص64.

 

قال تعالى: - [وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا] - النساء 3 .

نستهل البحث في موضوعة (ملك اليمين) ومشروعيتها، من خلال هذا النص ولكن وقبل الدخول في موضوعة البحث، لا بد من طرد تلك الإشكالية والتي يتوهم بها البعض والقائلة تقول: [إن التعدد في النكاح يرتبط بقضية - القسط في اليتامى -]، ولكن ماذا نعني بالقسط؟، القسط في لغة العرب هو النصيب من الحصص، ومنه جاء معنى الأقساط أي الدفع على التوالي، والقسط ليس بمعنى العدل، فالعدل من الإعتدال قال تعالى: - [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7، إذن القسط شيء والعدل شيء أخر، والدمج بينهما في المعنى ضار بعملية الفهم والتقويم .

 وأما اليتيم في لغة العرب (هو من مات والده وهو صغيرا)، ولا يُقال لمن ماتت والدته يتيماً، ومفهوم اليتم ينتفي موضوعياً عند البلوغ والتمكن، ولكن من أين أتى هذا التوهم في ذهن الكثيرين ؟، ونقول إنه:

1 - القول بأسباب النزول أو سبب النزول وإعتماده، فعند البعض إن آيات الكتاب ونصوصه إنما نزلت بسبب ما، وهذا التوهم والظن الخاطئ أعتمد في الأصل على حكايات وقصص لا أصل لها ولا دليل، كما هي عامة الأخبار التي تعتمد على الجعل والوضع اللاحق، وقد أفرد الواحدي النيسابوري كتاباً له في هذا الشأن .

2 - وربما يكون أصل التوهم هو القول (بالتحريف في بعض آيات الكتاب ونصوصه)، والتحريف في أصله ممكن في الكتاب المجيد، وقد بينا ذلك في بحث منفصل عند الكلام عن (جمع القرآن) الذي حدث في زمن الخليفة عثمان، ومعلوم إن الخليفة قد أمر بجمع وحرق كل المصاحف في الأمصار، وكانت حجته في ذلك ما طرأ عليها من اللحن بسبب كثرة من دخلوا في الإسلام من الأعاجم .

 والقائلين بوجود التحريف يذكرون على سبيل المثال لا الحصر بعض الموضوعات والمفردات، التي يقولون عنها إنها محرفة، سواء في الشكل أو الرسم أو الترتيب من التقديم والتأخير من غير دليل، مستشهدين في قوله تعالى (أقرأ بأسم ربك الذي خلق) فهذا النص هو أول ما نزل من المصحف، ولكننا نرى إن أول ما يبتدأ به من الكتاب المجيد سورة الحمد، وهذا النحو من الترتيب تحريف لأنه مخالفة صريحة لتسلسل النزول [وهنا يُطرح سؤال موضوعي، وكيف بنا التعرف على التسلسل الزمني لنزول الكتاب ؟ هذا الخلل أدى موضوعياً للخلط في الموضوعات وللتداخل]، والتحريف المذكور في كتب الرجال يأتي على نحو أحدى وعشرين نوعاً، ولا بأس من الإشارة إلى التناقض والتكرار، والإضطراب في وحدة الموضوع، والأمر بالشيء والنهي عنه، وهذه كلها لا علاقة لها بموضوعة الناسخ والمنسوخ، والتي قال بها البعض وأدخلها في الكتاب المجيد هرباً من مواجهة الحقيقة أو التصريح بالتحريف .

وعندنا: - إن الكتاب المجيد لا يحتمل النسخ ولا يجوز فيه ذلك ولا ينبغي، وما أعتمده الشافعي في هذا وسار على نحوه من تبعه فباطل بإستحقاق، وهذا الكلام عن أصل هذه الشبهة .

 3 - وهناك وهم الترادف في معاني الكتاب المجيد، الذي كان له كبير أثر في تغيير وتبديل قناعاتنا وفهمنا للنصوص ومعانيها، فأصبحنا لا نميز بين الأسماء والصفات والأفعال، فصار عندنا إن: (جاء بمعنى أتى، وذهب بمعنى مشى، والأسد بمعنى الليث، وهلمجرا) .

 هي إذن مغالطات في البنية التشكيلية للنص وبما التفكير كان ومازال ممنوعاً، وأما المسموح به فهو التقليد والخنوع والإتباع من غير تفكير، لذلك صنعت عندنا التابوات فصارت مقدسات لا يصح ولا يجوز المساس بها .

ونقول زيادة في التأكيد: - إن البعض من المفسرين قد شككوا في أصل هذا النص -، وعليه يكون عندهم الربط بين التعدد في النكاح واليتامى سالبة بإنتفاء الموضوع، ومع إن أصل البحث في قضية التحريف هي مسألة علمية وبحث مدرسي بحت، لكن الحاجة ألزمتنا في بيان النص وتوضيح دلالته، نعم إننا لسنا ملزمين بإلزام أنفسنا بتفسير لا نعتقد بصحته وموضوعيته وقربه من الحقيقة سوى إنه تبرير أستحساني .

 وفي موضوعات الكتاب المجيد نعتقد: إن للعقل دوراً ورأياً حاسماً، فثمة موضوعات يدور حولها نقاش كثير في الكتاب المجيد، يُقال إنها قد وردت أو أضيفت له من قبل الكتبة والنساخ، نرجوا أن يتسع العقل والصدر والمزاج لذلك فهذا مفيد في قضية التحرير والحرية المقصودة .

 وبعد هذا نقول: - أن لا ربط بين القسط في اليتامى، ومعنى أنكحوا ما طاب لكم من النساء -، ذلك إن تشريع النكاح والسماح به لا يتعلق بقضية القسط باليتامى لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون .

ثم إن هناك ثمة مخالفة مفاهيمية سائدة ويجري ممارستها من غير تحقيق ألاَّ وهي: (إنه وبسبب الترادف الممقوت أصبح النكاح أعني الإستمتاع لدى عامة المسلمين هو الزواج، وأسقطت عليه أحكامه وتبعاته)، فالمعلوم: - إن الزواج لاينعقد إلاَّ بميثاق غليظ، ولكن النكاح يتم بعقد -، لكن الغاية من النكاح هي غير الغاية من الزواج وكذلك الشروط فيهما، كذلك الطلاق في الزواج لا يصح إلاَّ إذا وقع خلل في شروط الميثاق وبنوده من أحد الطرفين، ولكن الطلاق في نكاح الإستمتاع فيكون مرتبطا بالأجل والمدة .

 ونعود لنقول: إن إقحام اليتامى في موضوعة النكاح لا معنى لها، ولا ربط سوى ذلك الخلل الذي نشأ بفعل ذلك التفريع، والظن الغالب عندي هو بسبب تلك الفوضى التي تدخل بها النساخ والكتبة في زمن الخليفة عثمان، وإلاَّ لا نجد ما يجعل من موضوعة اليتامى مرتبطة بموضوعة النكاح لا في صيغة الترغيب ولا في صيغة التدارك التي يلهث حولها بعض أهل التبرير والقناعة والرضى بما كان على ماكان .

ونصل إلى ما يريده الكتاب المجيد من معنى (ملك اليمين): تلك العبارة المثيرة للجدل والمثيرة للتحسس لدى البعض، والتي قيل فيها الكثير وظن بها كثير، نتيجة للتوظيف السيء والوضع في المحل والمعنى الذي ليس لها، من قبيل (التسري والإماء والرق والأستعباد) !!!، وقد تفنن البعض من فقهاء التراث في صياغة وإستحداث أحكام وتشريعات حول ذلك، ودائماً حجتهم تكون من الإعتماد على تلك الأخبار والروايات الموضوعة، والمؤسف إننا لم نجد عندهم ذلك التوسع وذلك التحقيق في الكتاب المجيد ولا في البحث فيه عن الدلالة والأهمية، وربما كانت للأحكام السلطانية الدور الحاسم في ترسيخ هذه القناعة المثيرة، والتي تحط من قدر وكرامة المرأة وشأنها .

وأما جملة - ما ملكت أيمانكم - فهي جملة خبرية ولفظ (ملكت) ليس بمعنى الإستملاك، ولا لفظ (ايمانكم) بمعنى اليد، ولا هي بمعنى القوة الدالة على ذلك، إنما هي جملة مركبة من - الملك والايمان -، والايمان هي كناية عن اليمين نرى ذلك في قوله تعالى: - [وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمن] – الواقعة 27، التي وردت من باب التقابل وللتمييز عن أصحاب الشمال، الواردة في صيغة: - [وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال] - الواقعة 41، ولا يعني لفظ اليمين (اليد اليمنى)، ولا لفظ الشمال يعني (اليد اليسرى)، بل هي مصطلحات جيء بها كناية عن جهتين متضادتين بين الإيمان وعدمه، ونفس الفكرة نقرأها في قوله تعالى: - [فأما من أُوتي كتابه بيمنه] - الحاقة 19، الواردة في دور التقابل، كما في القول التالي: - [وأما من أُوتي كتابه بشماله ..] - الحاقة 25، ولايدل هذا المعنى على ترجيح اليد اليمنى على اليد اليسرى، القضية لم تطرح هكذا إنما طرحت ككناية عن جهتين متقابلتين جهة اليمين وجهة الشمال للتعريف فقط، فعرف أهل الإيمان بأهل اليمين أو أصحاب اليمين، وعرف غير المؤمنين بأهل الشمال أو أصحاب الشمال .

 ونفس الشيء قاله في مسألة (ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم) هو كناية أو نسبة لما يملكه أهل الايمان، وفي هذا يكون كل مايقع في هذه الدائرة هو من ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم، والقيد المرموز له إنما جاء على نحو مطلق، وهو يشمل كل الفئة التي تتعرض لظلم يؤدي إلى الفقر والعوز والحاجة (الإقتصادية والإجتماعية)، وفي هذه الحالة قال: - قد تضطر بعض النساء المؤمنات للوقوع في الخطيئة والإستغلال من قبل بعض المغرضين والمجرمين -، مما يؤدي إلى إستغلال وإنتهاك لحرماتهن وكرامتهن، هنا وفي هذه النقطة بالذات ولكي لا يقع ذلك - أباح الكتاب المجيد وعلى نحو مشروط للمؤمنين من إحتضان هذه الفئة من النساء، وحمايتهن من التعدي ورفع هذا الظلم الواقع عليهن -، من خلال توفير لوازم العيش الكريم لهن من مسكن ومعاش، في هذه الحالة إذن جاء قوله تعالى: - [... أو ماملكت أيمانكم ..] - النساء 3، مشترطاً الجواز بتوفير الحماية والحصن للمرأة، كي لا تنزلق وتتوه في ركب الفساد والإنحراف (إذن هذا هو الشرط الموضوعي للإباحة) .

 أعني إن الهدف من الإباحة ليست الموضوعة الجنسية بل موضوعة الحماية والصيانه، وأما العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى فقائمة بالأساس على ثنائية - الرضا والقبول -، وفي قضية ملك اليمين تقع هذه عرضاً أو لنقل في سياق الإباحة وعلتها، ولكنها لم تكن هي الهدف المقصود، فالكتاب المجيد حذر ومنع إستغلال حالة العوز والحاجة للتجاوز على النواميس والكرامة والشريعة.

 ذلك لأن الأصل الأولي للإباحة هو حل المعضل الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي، وأما المتعة الجنسية (النكاح) فتكون عرضاً أو في سياق المعنى العام للحماية والحصانة .

 وحين يكون التركيز على الحماية والحصانة فذلك لأن الكتاب المجيد ركز على هذا، حين قال: - [ولقد كرمنا بني آدم] - الأسراء 70، فالكتاب يستهدف من الحماية كرامة الإنسان هذا الكائن الآدمي، ولا يجيز بحال إنتهاك هذه الكرامة أو السماح بذلك لا في الحروب ولا في غيرها، فالكتاب المجيد يمنع الرق والعبودية والتسري، ويعتبر الحرية شيئاً مقدساً وكرامة الإنسان كذلك محترمة ومُصانة، نعم في الحروب يقع الناس أسرى، ولذلك وضع القوانين والتشريعات والأنظمة الراعية والمحددة، قال تعالى: - [يا أيها النبي، قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم ..] - الأنفال 70، وهنا أستخدم النص لفظ اليد ولم يستخدم لفظ الايمان، وهذا دليل على دقة ألفاظ الكتاب ودقة مُرادها، ولم يطرح النص فكرة الرق أو الإستعباد ولا غيرها من المصطلحات الخبرية، ولا نجد في الكتاب المجيد ولا دليلاً واحداً يدل على إستعباد الناس وسلب كرامتهم أو إرغامهم على فعل ما لا يرغبون به، ولم يدع الكتاب المجيد للمعاملة بالمثل فتلك عنده صفة مذمومة قال تعالى: - [ولا تزر وازرة وزر أخرى] - التحريم 10، ولهذا فما يُقال في التاريخ عن ظاهرة الإماء اللائي يقعن ضمن الغنائم الحربية ويوزعن على المقاتلة، فشيءٌ ممنوع ذلك لأنه يتعارض وصريح الكتاب المانع لهذا النوع من الممارسة، وحتى حينما يتحدث الكتاب المجيد عن مفهوم الرقيق في صيغة (تحرير رقبة)، هو لا يتحدث عنها بصفتها وبوصفها غنائم حربية وقعت بيد المنتصرين، بل بوصفها ظاهرة تاريخية كانت سائدة قبل عصر نبوة محمد، فهو إذن يحث ويشجع على تحرير الإنسان من سلطة الأستعباد، ولهذا ورد في المأثور وبصيغة الإستنكار المفهومي (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) .

وهذا يعني إن هناك مرحلتين من التاريخ ما قبل عصر النبوة وما بعد عصر النبوة المحمدية، فما كان سائداً قبل ذلك العصر ورد التشجيع والحث والدفع عليه في الكتاب المجيد بتحرير تلك الرقاب التي أستعبدت .

وأما ما بعد عصر النبوة فلم يسمح النص ولم يجز بحال سلب كرامة الإنسان أو إجباره على فعل ضد طبيعتة وضد آدميته، وأما ما يُقال في التاريخ والروايات والأخبار عن الإماء وأمهات الأولاد فلا نقره ولا نعتقد بصحته، ومعلوم إن التاريخ والأخبار ليست بالمحل الذي يمكن الركون إليهما في تصويب أو تشريع القوانين والأحكام (مع ملاحظة إن جميع الحروب التي قام بها الخلفاء والسلاطين، كانت عبارة عن غزو منهي عنه) !! .

 ومن هنا نقول: - إن الدخول بالمرأة من غير رضاها لا يجوز شرعاً، ومن يفعله يكون قد أرتكب الأثم، ذلك إن العلاقة بين الذكر والأنثى لا تتم إلاَّ بالتراضي والقبول -، ولا تصح بالإستغلال أو بوضع اليد فهذا ممنوع شرعاً وعقلاً - ..

ونقول كذلك: - إن المسموح به من فعل (ملك اليمين) هو ما يقع مع النساء المؤمنات وليس مع الكافرات أو المشركات -، هذا بحسب ما يقوله الكتاب المجيد، إذ ورد ما يلي نصه قال تعالى: - [- وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ، فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ...] - النساء 25 .

أولاً: المحصنات هو جمع محصنة، وهي من الحصن بكسر الحاء، وهي لفظة دالة على المنع أو الإمتناع بمعنى الحماية والحصانة والصيانة، والمرأة المحصنة هي المرأة الممتنعة حين تقع بضائقة مادية وإقتصادية وإجتماعية لا تستسلم لها، بل تحصن نفسها من إرتكاب الخطيئة أو الإنزلاق فيها رغم المغريات، وهذا الفعل هو قابلية وقدرة على الإمتناع لدى بعض النساء، ولا يدفعهن عسر الحال والعوز والحاجة إلى الإنزلاق أو إرتكاب الخطيئة، ومن أجل هذا جاءت الإباحة لحفظ وصيانة المرأة التي تتعرض لمثل هذا الظلم، من خلال توفير العيش الكريم والحماية والحصانة والصيانة لها، وشرط الحصانة متعلق رتبةً بشرط الإيمان، قال (من فتياتكم المؤمنات)، وهذا يدفع القول الرائج: - بأنهن نساء من الكفار سبايا - .

وثانياً: أشترط النص أن يكون النكاح الذي يقع مع ملك اليمين، أن يتم بأذن أهل هذه المرأة المؤمنة، ويبين هذا إن فعل النكاح هو ليس بوضع اليد أو التملك، وإنما بالتراضي والقبول، والأصل فيه حصانة المرأة من الوقوع في الخطأ أو الخطيئة .

وثالثاً: الحصانة في واقعها الدلالي والمفهومي هو ما يتضمن هذا المعنى وتوابعه المعنوية والمادية، قال تعالى (وآتوهن أجورهن بالمعروف ... محصنات غير مسافحات) .

 ملاحظة:

بعد الحديث عن معنى الزوج في اللغة والكتاب المجيد، يلزمنا بيان في ماذا تعنيه كلمة - بعل -، والبعل في لغة العرب هو المعيل أو الكفيل (وهو هنا معنا عام)، وفي الكتاب المجيد يأتي بمعنى المدير أو من بيده إدارة شؤون الأسرة، وقد ورد التأكيد على ذلك كما جاء في الأثر قوله عليه السلام: - [إن جهاد المرأة حُسن التبعل]، وفي ذلك إشارة لما تقوم به المرأة في حال غياب زوجها عنها وعن البيت، وفي هذه الحالة تكون هي المديرة والراعية لشؤون الأسرة والبيت، فتوفر لهم ما يحتاجون إليه من معاش وأمن وإستقرار .

 ويُفهم من هذا إن البعل لا يكون المقصود منه خصوص ما يقوم به الزوج في فراش الزوجية، بل يعني الرعاية والإشراف والحماية في كل ما يتعلق بشؤون وحاجات الأسرة، وفي هذا المعنى يتساوى الرجل بالمرأة والذكر بالأنثى، طالما كان المُراد من ذلك هو هذا، وإلى ذلك وردت جملة نصوص ومنها:

قوله تعالى: - [أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين] - الصافات 125، والجملة فيها إستفهام إنكاري، لأولئك الذين يتركون أحسن الخالقين ويلتجؤن إلى ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام، في تلبية حاجاتهم المعاشية وسد عوز أسرهم وما تعاني منه .

 وقال تعالى: - [وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ...] - النساء 128، والكلام على من بيده الإدارة في مرحلة وقوع الخلاف بين الذكر والأنثى، قال إن المسؤول عن إعادة العلاقة إلى مجرآها الطبيعي هو البعل بصفته مديراً، فهو القادر على فتح باب الصلح وسد ثغرة الخلاف التي قد يأتي منها الطلاق وغيره .

وقال تعالى: - [.. وهذا بعلي شيخاً ..] - هود 72، والكلام عن زوج إبراهيم عندما بشرتهم الملائكة بالولد، وهنا أستخدمت اللفظ كناية عن الزوج وعن الإمكانية في صناعة الولد، بإعتباره المسؤول أو هو صاحب النطفة التي تتم بها هذه العملية، لذلك أستدركت بالقول وهذا بعلي شيخا، كناية وحكاية عن الضعف وعدم القدرة .

وقال تعالى: - [.. ولا يبدين زينتهن إلاَّ لبعولتهن .. أو آباء بعولتهن .. أو أبناء بعولتهن ..] - النور 31، والنص إنما يتحدث عن الأفراد الذين يُسمح لهم برؤية المرأة في زينتها الداخلية، تلك الزينة الممنوعة على الأخرين، ويجب التنبيه: إن الكتاب المجيد حين يستخدم اللفظ في معنى ما، إنما يأتي به للتعريف ولتقريب الذهن، فحين يقول - زوجاً فهو يقصد معناه المتعارف مع حرصه الضمني ان يقوم هذا الزوج بواجباته من النكاح والإدارة - .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

27 جمادي الأولى 1440 هجرية

 

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

 الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

 قد يبدو من السهل اعتبار "علماء السوء" ممن يتصف بأنصاف المعرفة و"كمال" السوء، إلا أن هذه التقييمات الصارمة سرعان ما تفقد طابعها الجزمي أمام المقارنة الحية بين العلم والعمل، والفضيلة والرذيلة في ثقافات الأمم وتاريخها. وذلك لآن "علماء السوء" شأن كل وحدة متناقضة في تقييمها أو تعميم عام يوّحد في ذاته اعتبارات الفضيلة والرذيلة، كان يستند إلى تراث متعدد الجوانب. وفي حالة الإسلام، فإن فضيلة العلم كانت منذ بداية الأمر وثيقة الارتباط باتجاهه الأخلاقي. إذ ليس العلم الإسلامي الأول سوى علم الدين، أي فقهه. وقد افترض ذلك في أجنته غزل خيوط الوحدة الخفية بين العلم والعمل. حقيقة إن هذه الوحدة لم تكن ملزمة للجميع، أو بصورة أدق إنه ما كان بإمكانها أن تبتدع نفس العناصر الموحدة عند كل من أحترف العلم والعلوم، وذلك بسبب تباين قضاياها وأساليبها ومناهجها. وإن هذا التباين الضروري يتصف بطابعه النسبي الحيوي لاختصاصات العلوم وليس في غاياتها النهائية. وليس هناك تيارا في الثقافة الاسلامية من أدرك هذه الأهمية البالغة لوحدة العلوم في غاياتها النهائية أكثر وأعمق من المتصوقة. وها بدوره نتاج الالتقاء المحتوم في الفكرة الصوفية وطرقها بميدان الحقيقة. فالتصوف من حيث الجوهر هو فلسفة الحق والحقيقة. وتحتوي هذه الحالة على ما هو ملازم للحقيقة نفسها. وذلك لأن حقائق العلوم تكشف في نهاية المطاف عن وحدتها. وإذا كانت هذه الوحدة في عرف التصوف هي الحق، فإن الاتصاف به يعني تمثل حقائقه. وقد كان هذا إنجازاً عميقاً ومميزاً للروح الباحث عن معالم الوحدة الضرورية بين العلم والعمل. لهذا نظر التصوف إلى انحراف العلم عن العمل، أو ابتعاده أو مخالفته أو مجافاة ما يلزم بالعمل بنتائجه على انه رذيلة تامة!

إن هذه المفارقة التي تصنعها الحضارة، باعتبارها أيضاً أسلوب تناقضاتها الدائمة، هي الميدان الأكبر لتعميق فضائل الروح الأخلاقي. من هنا وجودها الدائم ونفيها الدائم. فبالقدر الذي يبذل العلم قواه من أجل تلافي تصدع العقل النظري، فإن الضمير يبذل روحه من أجل تلافي تصدع العقل العملي. وقد واجه الغزالي مكونات هذه المفارقة لا على أنها أجزاء من ثقافة الإسلام وتقاليده الواقعية والمثالية فحسب، بل وعلى أساس تجربته العملية نفسها. إذ لا نعثر عنده على انشغال جاد بهذه القضايا إلا في مراحل انكساره الروحي، أي منذ (ميزان العمل). إذ يظهر هنا للمرة الأولى قلق العقل النظري حول قضايا العقل العملي، واهتمام العقل العملي بإرشادات العقل النظري.

فهو يتناول "علماء السوء" في انتقاداته اللاذعة للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين)، بينما يردد في (الإملاء على مشكل الإحياء) باختصار مكثف ما بثّه في (الإحياء). فالعلماء الذين صورت ثقافة الإسلام وتقاليده الورعة إياهم، باعتبارهم "ورثة الأنبياء" والعلم النبوي و"أدلة الطريق"، أصبحوا جزءاً من نسيج الذاكرة المثالية، أي كما لو أنهم تحولوا إلى كيان بائد لا يمكن العثور إلا على صداه.

إن هذه النظرة القاسية في مظهرها تعبّر عن تجربة الغزالي الشخصية والمصاغة في لهيب التجربة الصوفية. فقد ارتبط نقدها "لعلماء السوء" بمقدمات معرفية وأخلاقية وبأسباب اجتماعية وسياسية. غير أن وقوفها ما وراء طور المصالح المباشرة واحتراب القوى السياسية، بفعل سلوك الطريق وفلسفته الخاصة، جعلها تركز على الجانب المعرفي الأخلاقي. وبهذا تكون قد استوعبت وصهرت في بوتقة تقييمها العملي ما سبق لتقاليد الورع الإسلامي وأن تتبعته على مثال عمل العلماء. لهذا اقتربت تقاليد الورع الإسلامي الأولى في انتقاداتها "لعلماء السوء" مع مثيلتها الصوفية، أو أنهما التقيا في عمق انكماش قلوبهم تجاه رذائل العلم والعلماء في كل من خضوعهم للسلطان (السلطة) واضمحلال الورع مع المعرفة. وليس مصادفة أن تجعل المتصوفة أفعال الحسن البصري وأقواله التعبير الأول عن تحسسها الأخلاقي في زهدها وورعها. فعندما يفرد أبو طالب المكي في (قوت القلوب) فصلاً خاصاً عن التفاضل بين ما أسماه "بعلماء الدنيا وعلماء الآخرة"، فإنه يضع الحسن البصري في مصاف الأستاذ الحق لعلماء الباطن والأحوال. فقد كان الحسن البصري يؤكد، كما يقول ابو طالب المكي (ت386 للهجرة)، على "أن السفهاء همّتهم الرواية، في حين أن العلماء همّتهم الرعاية"[1].  وهي الفكرة التي سيضعها رواد التصوف في صلب زهدهم العملي وأحكامهم الذوقية وتأملاتهم "النظرية. فإذا كان الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة) قد صنّف العلماء إلى عالم دنيا وعالم آخرة، وأن الأول علمه منشور والثاني علمه مستور، فإن تدقيقات عوالم علماء الآخرة الباطنية والظاهرية عند المحاسبي في كتابه (الرعاية لحقوق الله) قد توّجت في وحدتها المتعمقة في أذواق العقل العملي. في حين أجاب الجنيد على سؤال وجّه له:

ــ يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب؟

ــ كثير!

ــ فيكون قلب بلا لسان؟

ــ نعم قد يكون. ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة[2].

بينما سبق لسهل التستري (ت-283 للهجرة) أن قسّم العلماء إلى عالم بالله، وعالم لله، وعالم بحكم الله. فالأول هو العارف الموقن، والثاني هو العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات، والثالث هو العالم بتفصيل الحلال والحرام[3]. وفي موضع آخر قسّم العلماء إلى عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم بالله وبأيام الله وهم الصديقون[4]. والمقصود بأيام الله حسب آراء التستري هو نعمته الباطنة وعقوباته الغامضة. وعندما يعطي لمقارناته بين العلماء صيغتها "النهائية"، فإنه يسلسلها بالشكل التالي: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين، والخائفون منقطعون إلا المحبين، والمحبون أحياء شهداء[5]. وهي الدرجة القصوى في تطور الصوفي، بوصفه تحقيقا لوحدة العلم والعمل. واستند أبو طالب المكي إلى حصيلة الفكر الصوفي في وضع مقارناته البيانية بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة[6].

ذلك يعني بأن لمواقف الغزالي النقدية تقاليدها العريقة في الفكر الصوفي، أي أن انتقاده استند إلى ما جمّعته "ثقافة الإخلاص". غير أنه استمد مادته من حيث مضمونها وغاياتها العملية المباشرة من واقع القرن السادس الهجري ومعالم انهيار الخلافة السياسي والروحي، وطبيعة تجربته المعرفية الشخصية. فعندما واجه "علماء السوء"، فإن انتقاداته اللاذعة إياهم لم تكن نفياً ذاتياً لممارسته بقدر ما أنها كانت من حيث موضوعيتها إعادة نظر أخلاقية بالفكر السالف، وإعادة نظر نقدية بالموقع الأخلاقي للنظم الفكرية، وعلاقة الحقيقة بالسلطة. وعبّر عن موقفه هذا في ما كان يدعوه تهكماً بعبارة "المترسمين بالعلم"، أي أولئك "الذين استحوذ على أكثرهم الشيطان، وأغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفاً. فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين منهم مندرساً. ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف"[7]. وسوف يرتقي بهذه النزعة النقدية بعد صياغة مبادئها العامة إلى مستوى المواجهة، التي وضعته أمام معضلات المعرفة الفاقدة لروح الأخلاق وجهل الروح. ولم يستغرب الغزالي هذه الظاهرة وذلك بفعل رؤيته لواقع انتشار وسيادة من أسماهم بأهل الزور والفسوق، المتشبثين بالدعاوى الكاذبة والمتصفين بالحكايات الموضوعة، المترنمين بصفات منمقة والمتظاهرين بظواهر من العلم فاسدة، والمتعاطين لحجج غير صادقة. كل ذلك طلبا للجاه أو محبة الثناء.

إن مرور الغزالي بدهاليز "العلم السيء" قد أعطى له إمكانية تحديد هوية الوجود الشخصي في حدّه وحقيقته. وفي الوقت نفسه عمّق حساسية الرؤية النقدية. فالأخيرة لم تعد من ردود الفعل الإرادية ولا من انعكاسات التأمل البارد، بل من وهج التقييم الذوقي، الذي يرى كمال العالم في وجوده بما في ذلك نواقصه. ولكن إذا كانت النواقص فنوناً وأصنافاً، فإن كسادها في العلم هو تعجرف علمائه، أي كل ما يعطي لجهلهم قوته الهجومية ولرذيلتهم طعم الانتقام. لهذا رد عليهم في (فيصل التفرقة) بقوة شديدة، عندما تعرض إلى من حاول تكفيره والتشهير به. ومع ذلك لم يجعل من هذه الظاهرة مسألة شخصية ولا أن يحصرها في إطار الرد والانتقام، بل ليظهر من خلالها بديل التكفير وافتقاد معلنيه لأخلاقية القول والعمل به. لهذا شدد على أن "حق القول به يعطى لأولئك الذين انجلت قلوبهم من الدنس وتطهرت عن وسخ أضرار الدنيا، أولئك الذين ارتقوا بفعل الرياضة والذكر والفكر والتمسك بحدود الشرع إلى المراتب التي تفيض عليها فيها أنوار مشكاة النبوة". وإلا فكيف "يتجلى إسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وعبادتهم خدمة أغنيائهم، وذِكرهم وساوسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم. فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من نور الإيمان؟ بإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها؟ أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران؟"[8]. وسوف يدفع هذا الانتقاد إلى إحدى درجاته القصوى عندما شدد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على أنه "لا برّ يجمعهم بل اجتمعوا على الكفر. وأن قلوبهم تصفو على الخديعة والمكر". فهم "الجهال في علمهم، الفقراء في طولهم، البخلاء من الله بأنفسهم. لا يفلحون ولا ينجح تابعهم. لذلك لا تظهر عليهم مواريث الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تخفق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب"[9]. وحالما قسّم العلماء إلى الحجة والحجاج والمحجوج (توالياً)، فإنه جعل من الصنف الأخير نموذجاً لعلماء عصره. فالمحجوج هو العالم الذي يضع نفسه في وسيلة وغاية مقالاته وبراهينه. بمعنى أن باعثه المحرك ليس العلم والحقيقة بل العلو والجاه. فهو يبدو كأحد الخدم في لباس العلماء. إضافة لذلك إنه مفتون بعلمه مغتر بمعرفته مخذول بنصرته. أما فخره فبلقاء أميره وصلة سلطانه وطاعة القاضي والوزير والحاجب"[10]. فهو شبيه بمن أهلك نفسه لأنه لا ينتفع بعلمه. وإذا أعطي رضى بالعطية ومدح، وإن منع منها شتم وذم وعربد[11]. وعندما التفت الغزالي إلى ما هو حوله من علماء عصره، فإنه لم يجد سوى "أهل سخافة ودعوى وحماقة واجتراء وعجب بغير فضيلة ورياء يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"[12]. وربط هذه النتائج المزرية لحالة العلماء المعاصرين له بالجهل بالنفس. فهو المبدأ الروحي الضروري للذات المفكرة الحقيقية. إذ لا يمكن بلوغ حقيقة السعادة والحقيقة، حسب نظره، خارج وعي الذات أو بمعزل عنها. فهي مقدمة إدراك حقيقة الحق. آنذاك فقط سيكون بإمكانه معرفة علة أهل الباطل ودواء أهل الضعف وأهل القوة معاً. وإن غياب هذه المعرفة هو السرّ القائم وراء احتجاب "علماء السوء" بالجهل وسخافاته، والإصرار وتهاونه، ومحبة الدنيا وتطويل الغفلة، وإظهار الدعوى وكبرها ورياءها[13]، أي كل حالة الزيف الديني (الأخلاقي) التي أفرد لها مقاطع واسعة في كتاباته من أجل إماطة اللثام عن واقعيته وفاعليته وصوره في ظاهر علماء السوء وباطنهم، أي كل ما شكل في حصيلته النتاج الملازم لانفصام وحدة العلم والعمل.

إن الصورة الباهتة الفاقعة التي يقدمها الغزالي عن "علماء السوء" تظهر بكامل صورتها المضحكة المبكية على خلفية أولئك الذين إذا ما حدّثوا صدقوا، أي أولئك الذين ظنهم كيقين إن هموا حدسوا! مما دفعه إلى تصوير تجلياتها الممكنة على أنها نتاج لابد منه لإظهار ازدواجية "علماء السوء" وفراغهم الروحي. فعندما يتطرق إلى آفة الرياء، فإنه يفرق بين ما يدعوه بالرياء في الأعمال التي هي ليست من الطاعات، وأعمال الرياء بالطاعات، بحيث يضع الرياء الأول في حالة أهون من الثانية. ولم يقصد الغزالي بذلك سوى الكشف عن واقع الرياء الديني السائد وسط العلماء أولاً وبين البسطاء ثانياً. وتتبع مظاهر الرياء ودقائقه في أوساط "علماء السوء" في مظاهرهم وبواطنهم. ففي مظاهرهم يتصنّع واحدهم "الخمول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة الخوف من الآخرة، وليدل بالخمول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظم الحزن على الدين"[14]. ولا يقف أحدهم عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الظهور متشعث الشعر ليدل به على استغراق الهمّ ويتصنع "خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفّض صوته"[15]. ويجهد أحدهم نفسه في أن "يحلق الشارب ويطرق الرأس في المشية والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً. ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس عن حقائق التصوف في الباطن"[16]. وفي مجال القول، فإن رياءهم يظهر في "الوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلم ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن"[17]. ولا يقف الرياء الديني عند حدود الكيان المادي للإنسان ومظاهره الاجتماعية، بل وفي مظاهر العبادة، مثل الظهور بمظهر من يطيل القيام ويمد الظهر ويطيل السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء وتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة وغيرها[18]. ويقدم الغزالي كثرة من الأمثلة الواقعية، التي تكشف عن تهكمه العميق وانتقاده المرير لمظاهر الرياء الديني السائد، حيث يبرهن فيه على أنه حالما يتحول الرياء الديني إلى أسلوب الممارسة الواقعية والمثالية المزيفة، فإنه لابد وأن يودي إلى تكليس الوجود الأخلاقي وذلك لأنه لا يضع في اعتباراته سوى الأخذ بمظاهر الوجود العابرة. بمعنى أنه يتعامل مع مثل الأخلاق وعالمها الباطني بمفاهيم ومعايير وقيم الظاهر، مما يؤدي بدوره إلى استيطان قيم الظاهر المزينة بحراشف المغامرة  الغبية للمصالح. مما يؤدي في نهايته إلى تهميش المعنى وتهشيم الحقيقة بتحويل كل ما هو ضروري إلى مفتعل، وكل ما هو مفتعل إلى ضروري.

ولم يقف في انتقاداته الشاملة للزيف بشكل عام وزيف "علماء السوء" بشكل خاص، أي أولئك الذين همهم خدمة السلطان (السلطة) والمناصب، بل وتعداه إلى كافة ممثلي النخبة المفكرة، بما في ذلك متصوفة زمانه. غير أن انتقاداته للمتصوفة تستمد مقوماتها من تقاليد التصوف ذاته في علمه وعمله، أي في إرثه الفكري وفي طريقته نفسها على أساس نقد النفس (المحاسبة والمراقبة الذاتية). إذ من الصعب العثور على شيخ صوفي لم تلازم أقواله وأحواله انتقادات لاذعة لمتصوفة عصره. بصيغة أخرى، إن لهذه الظاهرة جذورها المعرفية والعملية، وبالتالي لها مبادئها الأساسية وتراثها التجريبي.

فالمتصوفة هم الذين وضعوا في ثقافة الإسلام مهمة السمو الروحي للإنسان باعتباره غاية وهدف وجوده الذاتي. وهم الذين وضعوا مهمة الحركة المستمرة في عالم الروح نحو المطلق. وليست هذه الحركة سوى المراقبة الداخلية للنفس وتأديبها المستمر بما يتطابق مع الفكرة المثال للمطلق الصوفي، أي الفكرة التي تعمّق في ذاتها وتتعمق بدورها مع سيره في قطع "منازل السائرين ومقامات الموحدين"، أو هو نفسه مساره في الطريق الذي يوصله إلى حالة تحول جدل العالم وصراعاته إلى أجزاء من صوته الداخلي. فهو يسأل ويجيب، وينتقد ويؤنب، أي كل تلك المتناقضات الحياتية الممكنة التي يتطور فيها الصوفي، باعتبارها أسلوب صيرورة كيانه الروحي وواضعة لبنات صرحه وجوده الفردي. فهو لا يقف عند حد لأن هدفه المطلق. وبغض النظر عن إدراكه لمحدودية وجوده المادي، فإنه يتحسسه في الوقت نفسه على أنه شعاع يستحق التنوير، أي أنه يبقي للموت قيمة الوجود الحق باعتباره بداية الملكوت. فالمراقبة الدائمة للنفس تفعل فعلها في تمحور الذات الصوفية حول المطلق و«أوساطه "من خلال تسوية الإرادة في مساعيها الواقعية للاستغراق في عالم الكمال والمثال". وهي الممارسة التي ترمي بكل ما هو ثانوي وعابر في رحى التلاشي على أنها ضرورة. كما أنها الممارسة التي تقوِّم تعرجات الحياة بالإبقاء على الحياة كقيمة أخلاقية من خلال ربطها بالمطلق، تماماً كما فعل النبي محمد مرة عندما رمى بخاتمه الذهبي، الذي ألهاه باقتسام نظراته: "نظرة إليه وأخرى إلى الناس"! وليس ذلك سوى رمز للتوجه نحو وحدانية الحق في  العمل. والصوفي يسعى لتطبيق هذا المبدأ البسيط في مظهره، الشديد التعقيد في باطنه. فهو يحاول سد طريق الانحراف في ذاته تجاه كل ما يخرجه عن عالم الوحدة سواء كان ذلك بالمعاصي أو الطاعات، باللين أو الشدة، بالشك أو اليقين، مما جعل من انتقاده للنفس نمط وجوده الحق وأسلوب نفيه الدائم. وهو في الوقت نفسه أحد العناصر الجوهرية في العلم الصوفي وفعله. ويمكن القول، بأن لغة الصوفية ذاتها هي لغة البحث عن النفي الدائم في مساعيها اكتشاف "خلل" التعبير عن المطلق. وبالتالي العمل من أجل تشذيبه مازالت التجربة الفردية هي وسيلته، أي كل ما ينبغي للصوفي أن يمثله في فردية جهاده الأكبر (جهاد النفس). فهي المقدمة الأساسية للتصوف بسبب كونها مقدمة تنقية النفس وصقل القلب من أجل اكتشاف حقيقة المطلق فيه على أنه مثاله أيضاً.

فالصوفية تدرك تعقيد العملية الواقعية لتنقية النفس. فهي تدرك بأن الإنسان مازال موجوداً، فإنه لا يمكنه تخطي حدوده الواقعية إلا بأساليب واقعية، ولكن من خلال دفعها إلى نهايتها، أو إلى ما يمكن أن يتخذ في تجليه الظاهري هيئة المذهل المعجز والمحيّر المفجع في تناقضاته، أي أنها تدرك قيمة التناقض كأسلوب لوجود الأشياء. وهي على خلاف الأشياء، تنحو منحاها الإرادي لتذليله في ذاتها، ومن ثم تذليل الإرادة في تسويتها من أجل إفقادها وجودها المستقل. وقد عبّر يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) عن هذه الفكرة بصورة نموذجية عندما أكد على أن جهاد النفس يقوم في رياضتها. وهو على أربعة أوجه وهي القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، أي كل ما يؤدي بحصيلته إلى موت الشهوات وصفو الإرادات والسلامة من الآفات وبلوغ الغايات. وهي العملية المترابطة في إخماد الذات النفسية بالخمول الجسدي وقلة الكلام، مما يؤدي إلى إبراز عظمة الحلم وانقطاع النفس عن الظلم والانتقام، أي عندما يكون الوجود بكل تناقضاته مندرجاً في ذاته متحولاً إلى كيان "نظيف ونوري وخفيف وروحاني".  آنذاك ستجول النفس "في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان"[19].

وبغض النظر عن أن الصوفية لا تضع مفهوم الذات ككيان ما مطلق خاضع لمعاملاتها الخاصة، إلا أنها تنطلق من شموليته المطلقة باعتباره التجلي الإنساني للإلهي في حيثياته الوحدانية. وعلى الرغم من تنوع الله الصوفي، إلا أنه هو هو بالدرجة التي تستوعبها عملية وعي الذات الصوفية الفردانية. إذ ليس وعي الذات الصوفي سوى نفي الذات الفردية (الواقعية) بالذات المثالية المطلقة، أي مساعي تحويل فروض العين المطلقة إلى "تقليد" حياتي يومي. مع ما يترتب عليه من مواقف مفارقة موحدة تجاه الطبيعة وما وراءها، والتاريخي والمافوق تاريخي، والوجودي والميتافيزيقي، والواقعي والخيالي. فالنفس الإنسانية تظل فردية في تشخصها رغم بقاء التعامل الصوفي العام معها في المعرفة. وإن هذا الالتقاء بين العام والخاص في الممارسة يظهر بمظهر التهذيب الأخلاقي الدائم للعالم الباطني في مواقفه وأفعاله ونياته وأهدافه. فالتذويت الفرداني لله الصوفي يتجلى بمقدار سريان الله في التذويت أو بمقدار تجلي القيم المطلقة عن فروض الواجب، كما صاغتها تقاليد التصوف. آنذاك تظهر معرفة الذات الصوفية بهيئة عمل أخلاقي خالص، مما يجعل من وسيلة الوجود الحق نفي التناقض.

ويرتبط بهذه الحصيلة خصوصية انتقاد المتصوفة لنفسها في كل من تراثها النظري والعملي. إذ تجد المتصوفة في شيوخها الأوائل مصدر سموها الدائم وعلائم رفعتها المقوِّمة، بفعل ربطها سلسلة وجودهم بالوجود الحق من خلال المسيرة الإنسانية في أوليائها وأنبيائها وملائكتها، أي في كل الوسائط المادية والمعنوية، التي أبدعها خيال الروح وجموح العقل. أما في واقعها التاريخي فإنها وجدت في انتقاداتها اللاذعة للنفس وسيلة تنقيتها الدائمة. رغم أن هذه الممارسة لم تكن على الدوام متشابهة في حدتها وفاعليتها. وإذا كان هذا الانتقاد في الأوساط الصوفية ملازماً لوجودها منذ  البداية، فإن تجليه الحاد عند شيوخها الأوائل لم يظهر بهيئة منظومة عامة إلا بوصفه أسلوب التجديد الحق للحق في تصوفه. فعندما يضع القشيري رسالته الشهيرة في ثلاثينيات القرن الخامس الهجري (437 للهجرة)  من أجل تكوين الصورة الحية الناصعة عن شيوخ التصوف، باعتبارهم المثال الحق، فإنه ينظر إليهم نظرته إلى "صفوة الأولياء الذين تحوي قلوبهم معادن أسرار الوجود والله، والمختصين من بين الأمة بكونهم غياث الخلق الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. الذين تصفّوا من كدورات البشرية ورقوا إلى محال المشاهدات بما يتجلى لهم من حقائق الأحدية، الذين توفقوا إلى القيام بآداب العبودية له وأشهدهم بمجاري أحكام الربوبية"، أولئك الذين لم يبق منهم سوى ذكرهم ومثالهم. فهم الطائفة التي انقرض أكثرها ولم يبق منهم، كما يقول القشيري، إلا أثرهم، كما قيل شعراً:

أما الخيام فإنها كخيامهم     وأرى نساء الحي غير نسائها[20]

لكن إذا كان انتقاد القشيري لظواهر الزيف والرياء "الصوفي" يتضمن صياغة البديل الفكري الواقعي للتصوف المعاصر له على مثال شيوخ الصوفية الكبار، فإن الغزالي لم يقدم تصوراته وأحكامه إلا باعتبارها جزء من معتركه الفكري مع الاتجاهات الأخرى، من أجل صياغة الأطر العامة والعناصر المكونة لتآلفه الفكري البديل. فهو شأن مؤرخي المتصوفة والصوفية أنفسهم، نظر إلى شيوخها على أنهم ممثلو الحق الإسلامي والإرث النبوي المحمدي[21]. وأنه لا ينال السعادة الحقيقية سواهم بفعل إدراكهم حق اليقين بمشاهداتهم الباطنة، التي هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار، وهم لا يموتون لأن الموت لا يأخذ منهم سوى أجسادهم وهم أحرار عنها. ذلك يعني أنه أراد القول بأن المتصوفة هم العلماء الحق بالله، أو إنهم البديل الفعلي "لعلماء السوء". ولم يضع في مفهوم العلماء بالله وورثة الأنبياء ما هو سائد في أوساط الفقهاء والمتكلمين، ولا حتى في ما هو شائع في أوساط المتصوفة العادية. فالغزالي يشدد على تمايز الصوفية عن العلماء الآخرين بما في ذلك عن أشدهم ورعاً وتقوى.  فعندما يقارن على سبيل المثال بين أحمد بن حنبل والمحاسبي، فإنه يشبه الأول بنهر دجلة يغترف منه الجميع، بينما شبّه الثاني ببئر عذبة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد[22]. وإذا كان لهذه المقارنة جذورها في فكرة العوام والخواص الصوفية، فإنها تعكس في موقفه وبديله العام جوهرية الممارسة الشخصية وسموها الروحي في عالم التصوف مقارنة بعوام "علماء السوء"، أي أنه لم يسع لوضع تعارض لا يمكن تذليله، وذلك بفعل تناوله هذا الخلاف الجوهري في ميدان ومقولات ومتطلبات الروح الأخلاقي المعرفي. فهو ليس تعارضاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما أنه تمثيل لدرجات القرب والبعد عن الحق والحقيقة.

بصيغة أخرى، إنه أراد إظهار ما في المتصوفة من قوة بديلة تظهر في جمعيتها العملية والعلمية كنقيض "لعلماء السوء".  فعندما صور كيان المتصوفة باعتبارهم البديل العملي (الأخلاقي) "لعلماء السوء"، فإنه يجعل منهم تجسيداً للخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد[23]. فالغزالي يدرك نقص حصر "مديح" المتصوفة بهذه الصفات، إلا أنها تكفي بحد ذاتها لرفع كفتها مقارنة "بعلماء السوء" إلى أقصى درجاتها، أي أنه أراد كشف كيانها العملي الأخلاقي كمثال لما هو موجود. وهو شأن شيوخ المتصوفة لم يكن بإمكانه تجاهل رؤية "الانحرافات" المتناثرة في الأوساط الصوفية. غير أن انتقاده للمتصوفة ليس انتقاداً منظومياً، بل كان جزءا من انتقاده لمظاهر الرياء باعتباره انعكاساً للانحلال الأخلاقي[24]....(يتبع).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص133.

[2] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص142.

[3] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[6] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص129-162.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص2.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص35-37.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[10] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[11] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[12] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[13] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297-298.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298-299.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص66.

[20] القشيري: الرسالة القشيرية، ص2.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص70.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[24] سوف اتناول هذا الجانب في موضعه حال الحديث عن تصوف الغزالي وخصوصيته.     

 

لقد منع الكتاب المجيد - تعدد الزوجات -، ولكنه في المقابل أباح - التعدد في النكاح -، وبين المسألتين جدُ فارق في الفعل والمضمون، ونحن بدورنا سنوضح ذلك ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا معتمدين على الكتاب ونصوصه ودون الإلتفات إلى ماورد من أخبار وروايات في هذا الشأن .

 ولكن وقبل البدء في شرح وبيان موقف الكتاب المجيد من هذه المسألة، لا بد من التذكير بأن المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تخوض صراعاً مستديماً متعدد الإتجاهات، من أجل تحديد الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي عن نوع الحريات التي تسمح والتي لا تسمح، وعن طبيعة الحقوق وطبيعة النظام الذي يجب أن يسكنون إليه، وأقول: إن التعريفات العتيقة التي تبنتها المدرسة الإسلامية ما عادت تلبي أو تستجيب لكثير من المفاهيم التي أفرزتها حالة وطبيعة التطور المجتمعية في العالم أجمع -، ولم يعد مناسباً في هذا الشأن التركيز فقط على منتجات التراث، مع جُل إحترامنا لذلك التراث، فالتراث مهما بلغ من شاء، فإنه يظل يعبر عن الماضي بما فيه من أفكار ورجال، والماضي لن يستطيع ان يصنع الحاضر بطريقته وبفهمه للأشياء، وإن منتجي التراث رجال لا قدسية لهم ولا معصومية، وما أنتجوه من أفكار يظل في حدوده الخاضعة لبند الصحة والموافقة لكتاب الله والعقل، والتراث في أصله اللغوي جاء من مادة - ورث - الثلاثية الدلالة والأبعاد ومعناه: ما يحصل عليه الوريث من المورث مادياً -، وإلى ذلك أشار النص التالي قال تعالى: [وورث سليمان داوود ..] - النمل 27، والتوريث هنا كل مايتعلق بما هو مادي من متاع وغيره [وليس منه النبوة والحكم، فالأول إصطفاء والثاني إختيار من قبل الناس]، فالنبوة ليست من الأشياء التي تورث لأنها إصطفاء من الله، كذلك الحكم هو إختيار وإنتخاب للحاكم من قبل الناس فلا يصح فيه التوريث أو ولا ية العهد .

والتراث في عمومه مادي يظهر ذلك حتى في قوله تعالى: (وتأكلون التراث أكلاً لما) - الفجر 19، وكل شيء يتعلق الفعل فيه والممارسة من قبل الإنسان فهو مادي ومنه الأفكار، ولهذا يصدق عليها مفهوم - التراث - أيضاً، كالقيم والأخلاق والمبادئ والتي هي في الواقع أشياء مادية يمكن توريثها، وبهذا المعنى يكون كل ما أنتقل أو وصل إلينا من الماضي القريب أو البعيد هو - تراث -، ولعلي أرجح لفظ - وصل إلينا - بدلاً عن أنتقل إلينا، والفرق بينهما واضح: [فأصل الفعل في أنتقل هو من النقل أي الرفع من مكان لمكان أخر، وبالتالي يكون معنى أنتقل إلينا هو ما نُقل إلينا من محل أخر، واما لفظ وصل إلينا أي ما أتصل بنا -، وفي هذه الحالة يكون الوصل أقرب في الدلالة، فما وصل إلينا من الماضي هو ما أتصل بنا منه، شريطة ان يكون له قابلية التأثير والفعل في حياتنا، من حيث التأثير على أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا، وحين نفتقد لشرط القابلية في التأثير والفعل، تكون الدعوة للخروج من حالة التقديس الأعمى لما في التراث ومُنتجيه أمراً لازماً، وبنظرنا المتواضع لم تعد كتب التراث من تفاسير وكتب وأخبار مؤدية للغرض، مع كامل الإحترام والتقدير لتلك الثروة ولذلك الجهد الغير مسبوق في زمانه، وهذا يعني إننا بحاجة إلى حركة نقلة تدرب العقل وتؤهله ليواكب عصره (الزماني والمكاني) .

 وهنا ترآنا نعود للتذكير بمقولة لنا مضت في لزوم ووجوب فتح باب الإجتهاد على نحو مختلف عن ذلك الذي ألفناه، والإجتهاد الذي نلح بالطلب عليه هو في فسح مجال أكبر وأوسع للعقل بعيداً عن سلطة الأخبار وما فيها من القيل والقال والنكاية البعيدة عن مضمون عصرنا وزماننا، مع عدم الإلغاء الكامل أو التجاوز الكامل على كل الماضي وكل التراث، فتلك مخاطرة لا نسمح بها ولا نؤيدها، إنما نريد لبعض الماضي الصحيح والتراث الموثق أن يكون جزءاً مما نستأنس به في موضوعاتنا وبحوثنا .

إن موضوعة - حرية الحقوق - جدلية بإمتياز فهي من حيث هي قضية يتصارع فيها الزمان والمكان، ومن هنا تدفعنا هي ذاتها لتصحيح المسار من خلال رؤية جديدة لمعنى - حرية الحقوق -، والسؤال هل تقع - حرية الحقوق - في دائرة الواجبات أم المباحات ؟،

 وطبعاً هنا في مسألتنا يكون الجواب إنها من المباحات فحق الزواج مثلاً ليس واجباً كذلك حق النكاح وحق التبعل، ومفردة زواح ونكاح وتبعل مفردات أستعملها الكتاب المجيد في سياقها حسب الوضع والطبع، وهي مفردات مختلفة المعنى والدلالة ولا يصح الخلط فيها تبعاً لما كان يفعله أهل التراث والأخبار، والخلط منشأه فكرة الترادف التي شاع وغلب أستعمالها في الشعر والأدب، ومن هناك وظفت في لغة الفقة والشرع عبر الشافعي كوسيط مفترض في هذه الفعلة، فوقع الشطط في المعاني وقد تغلب هذا الفكر على من سوآه من خلال سطوة أهل السياسة والحكم .

ففي قضية - التعدد - هيمن الترادف على ما تؤدي إليه الكلمة من ظنون، جاء ذلك بفعل هيمنة وغلبت الذكورية والقبلية التي كانت سائدة ومازالت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالتعدد موضوعة أرتبطت بالمرأة حين فسر المشرع المرأة كسلعة مما أدى مع الأيام لتجهيل - حق المرأة وحريتها -، والمريب في الأمر إن عامة النساء المسلمات رضين بهذا وأستسلمن له تحت ظل ظروف إقتصادية وإجتماعية ضاغطة، حتى صار التجهيل للحق حكم للشرع والدين بنظر العامة، وعلى ذلك سُنت قوانين الأحوال والحقوق الخاصة بالمرأة،  مع إن هذا التجهيل أساسه رجال دين تراثيين وكهنة وتجار قيم .

وفي هذا المجال تبدو الحاجة ماسة ليس فقط إلى إعادة تقييم ونقد التجربة الدينية لأهل التراث من المرأة، بل إلى إنتاج قواعد فكر وقوانين تحمي المرأة وتنظم حقوق المجتمع، وفي هذا أدعوا الجميع لمراجعة واقعية للكتاب المجيد من غير سطوة وهيمنة أهل التراث وفكره، كما أدعوا إلى إعتماد العقل كأداة منتجة ومستقرئة، وهذه الدعوة لنجعل منها الضابط الذي سيكون حاضراً معنا في كل خطواتنا هنا في هذا البحث، ولا ندعي إننا نريد تجديد الخطاب فهذه ثمة أكذوبة أو هي أفيون جديد للتخدير والإلهاء يميل إليه كهنة السلاطين للخروج من حالة التناقض واللا إتزان السائدة، ما نريده بناء منظومة بحث يمكنها إنتاج معرفة تجعل من الجميع حاضراً فيها غير بعيد عنها، وهذا يكون بالتركيز على بيان المعنى بصيغ قريبة إلى فهم السامع، من غير إطناب أو تضخيم أو تفلسف زائد، كما كان دئب من سبق، وهذا بنظرنا ما نرآه يفيد معنى مفهوم تجديد لغة الحقوق وقواعدها من وحي الكتاب والحياة المعاصرة .

 في قضية - التعدد - وقع الوهم والتدليس فبدلاً من أن يكون - التعدد - في النكاح، أصبح - التعدد - سارياً في الزواج لدى عامة الفقهاء ورجال الدين، وبما إن هذه القضية إشكالية لذلك فسوف نسلط الضوء عليها :

ونتسائل ونقول: هل إن فكرة - التعدد - جائزة أو ممنوعة في الكتاب المجيد ؟، وبما إن هذا السؤال يتموضع بين الجواز والمنع، فإننا نقول: إن قضية - التعدد - أساسها الفهم الخاطئ لما ورد في قوله تعالى: [.. فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ..] - النساء 3، أعني الفهم الذي تبنى الترادف في فهم المعاني، الفهم الذي جعل من لفظ - أنكحوا - بمثابة أو بمعنى لفظ - تزوجوا -، مع إن الأصل والجذر اللغوي للفظين مختلف، فلفظ - أنكحوا - دال على الإستمتاع الجنسي، وأصله من الفعل الثلاثي - نكح -، وفي (النكاح) الإستمتاع أو المتعة أباح الكتاب المجيد التعدد، ولكنه في (الزواج) منع الكتاب المجيد التعدد، والزواج في الكتاب المجيد كفعل أو كمضمون ممنوع من التعدد وذلك:

 1 - لأن الزواج في وضعه ودلالته هو أوسع مفهوماً من الإستمتاع أو التمتع، ولذلك لا يجوز قصر معناه في النكاح .

2 - كما إن فعل تزوجوا أعتبر في الكتاب المجيد ممنوعاً من الصرف، والخلط بينه وبين فعل أنكحوا هو مخاطرة وفعل خاطئ .

 3 - ثم إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما وضع لمعنى محدد معين لا يتعدآه لغيره - .

وحين قلنا: إن إباحة التعدد في (النكاح) إنما بشرط وجود القدرة والإستطاعة، وفي (الزواج) قلنا بالمنع لأن الزواج مرتبط بميثاق قال تعالى: [.. وأخذنا منكم ميثاقاً غليظا] - النساء 21، والميثاق هو إتفاق بين - الذكر والأنثى

- على طريقة الحياة وعن القوامة وعن الإدارة ورعاية الأطفال والضمان، أي إنه إتفاق على تأسيس الأسرة وفي هذا قال الكتاب المجيد بعدم جواز التعدد، قال تعالى: [وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج أخر ..] - النساء 20، بمعنى إن الجمع والتعدد في الأزواج ممنوع وغير ممكن، وهذا مالم يتوفر هدفاً ومضموناً في النكاح، إذ ليس هناك ثمة ميثاق فيه، إنما ينعقد النكاح (المتعة) بإتفاق بين الطرفين (ذكر وأنثى) من غير قيد وفيه يصح التعدد لطبيعته ولما يُراد منه - .

 وكما قلنا: بعدم جواز الترادف في الكتاب المجيد، كذلك نقول لا يجوز التكرار في الكتاب المجيد فعلاً ومضموناً -، ومنه جاء المنع بعدم جواز إسقاط لفظ - الزواج على النكاح -، وعندنا لا يصح الإتفاق مقروناً بهذا اللفظ في حال الزواج، ودليلنا في عدم الجواز ما عليه قواعد اللغة العربية والتي تمنع التكرار والترادف في هذه المسألة، وأما ما ذهب إليه البعض من أقوال في هذا المجال فلا يعتد بها ولا تفيدنا في هذا المقام، لهذا فالواجب يقتضي ضبط معاني الكلمات من خلال الكتاب المجيد ومن دون النظر أو الحاجة إلى هذه الإستعارة التبعية للشعر ومقولاته، بل ولا يجوز جعل ذلك حجة على معاني وألفاظ الكتاب .

 فإن قلتم: ألم ينزل الكتاب المجيد على سبعة أحرف - .

قلنا: إن ذلك ليس صحيحاً وهو وهم وتجني، ذهب إليه من أراد دفع شبهة التحريف في الكتاب المجيد والتي يقول بها البعض - .

ثم إن التعدد في النكاح ورد مضافاً، وليس عدداً صحيحاً بل العدد مضروباً بنفسه، وهو ليس من قبيل العدد الصحيح واحد وأثنين وثلاثة وأربعة، بل هو مثنى وثلاث ورباع، وفي ذلك يكون العدد مضافاً كما ورد في ذكر أجنحة الملائكة، قال تعالى: [..جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع .] - فاطر 1، ولم يقل أثنين وثلاثة وأربعة، لأن العدد هنا دال على الكثرة الممكنة، مع إنه أستخدم العدد الصحيح في قوله تعالى: [سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ..] - الكهف 22، ومنه يتبين إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما يوضع بعناية للدلالة على المعنى المُراد والمقصود، ولكي لا يتم الخلط أو تعمد الخلط .

فحين يستعمل لفظ - تزوجوا - يقتصر الفعل والمضمون على الواحد من غير تعدد، وأما في حال علاقة الإستمتاع جعل التعدد ممكناً بحسب القدرة والإستطاعة، وفي علاقة الإستمتاع جعل الكتاب المجيد حد أدنى وحد أقصى، والأدنى يبتدأ بمثنى أي أربعة وينتهي برباع أي ستة عشر، ثم جعل القيد مرتبطا بمفهوم العدالة من جهة الإستمتاع

 قال - وإن خفتم ألاَّ تعدلوا - قال (فواحدة)، وهذا القيد متعلق بالقدرة والإستطاعة وليس بمحل أخر .

 وبما - المتعة - يُثار حولها بعض اللغط، والذي في غالبه جهل في فهم النصوص وعدم التعاطي مع ذلك بروح الواقع، بل وتغليب بعض الأخبار على نصوص الكتاب المجيد، ومن بين أوضح النصوص الدالة على جواز - المتعة - ماورد في قصة النبي موسى في قوله تعالى: [قال إني أريد أن أنكحك إحدى أبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك ..] - القصص 27، في هذا النص تبدو الدعوة لعلاقة مؤقتة ومشروعة بين ذكر وأنثى في زمن محدد وثمن محدد (نكاح)، هذه العلاقة حسب ظاهر النص جائزة شرعاً، ولم يرد نص في الكتاب بمنع أو إلغاء هذا النوع من النكاح، ولم يجعل هذا النص عقدة النكاح بيد موسى -، مما يدل على أن هذا النوع من الإتفاق والذي يقصد به الإستمتاع المشروط بأجر وزمن يلزم في الحرية الضامنة للطرفين .

يتبع

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

اختلف المسلمون كثيرًا، ولا زالوا يختلفون، في أمر المؤمن العاصي في الدنيا والآخرة، وهل العمل ركن من الإيمان أم لا؟ وافترقوا.

كانت أهم عقائد الخوارج أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدقته الجوارح ‏والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ الإسلام، وهي أن ‏الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ووقعوا في دمائهم، وكان ‏الأزارقة -أتباع نافع بن الأزرق الحنفي- يعتبرون باقي المسلمين مشركين، وديارهم ديار ‏شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب الكبيرة، كما هو الحال عند المعتزلة، وفي ‏هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ويذكر ‏الإمام البخاري في صحيحه، في أول باب (قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم ‏شرار خلق الله، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن ‏عبد البر في "الاستذكار" (ج8، ص90) (رقم 10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا ‏يفعلون، وصدق ابن عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

يذكر علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص233) "وجد الإمام الحسن ‏بن محمد بن الحنفية، أن الذين قاتلوا جده مستندين إلى أصل ظاهره الصدق وباطنه الإفك، هو (الحكم لله ‏لا لعليّ)، ينشرون أصلًا آخر خطير لقتل المسلمين، وهو أن لا عقد بدون عمل، فنفر لمجادلتهم، ‏وأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وكان يكتب الكتب إلى الأمصار ويعلنها للناس، بأن الطاعات ‏وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها"أهـ. ‏

أما المعتزلة، فمن أصولهم الخمسة، المنزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق في الدنيا عندهم، فهو لا يُسمى مؤمنًا ولا يُعد ‏كافرًا، وكان تعليل المعتزلة ‏لتلك المنزلة الوسطى التي أنزلوها مرتكب الكبيرة أن الإيمان لو كان موجودًا لعصم صاحبه ‏من الكبائر. ورغم أن تعليلهم للأمر كان مصدره ما حكم به العقل من عدم فصل الإيمان عن ‏العمل، فقد رأى المعتزلة في الآيات القرآنية التي حثت على العمل الصالح في القرآن وقرنته ‏بالإيمان أنها دليل على ركنية العمل كجزء من الإيمان، وهناك نصوص دينية يتفق ظاهرها مع ‏قولهم. يقول تعالى: ‏﴿‏إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏‏﴾ [العنكبوت:45]. وورد في ‏صحيح البخاري (2475) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق ‏حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو ‏مؤمن". وعن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله، إلا ‏النهبة. قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر: قال أبو عبد الله: تفسيره: أن يُنزع منه، يريد ‏الإيمان. وللحديث أطراف بصحيح البخاري، أرقام (5578- 6772- 6810).

فالمعتزلة ‏يرون في النصوص التي قرنت الإيمان بالعمل الصالح، وتلك التي على العكس قرنت نفي ‏الإيمان بالعمل الطالح، نصًا على عدم الفصل بين الإيمان والعمل، -بينما الأشاعرة ترى تمييز ‏الآيات بينهما دليلًا على انفصالهما، كما سأوضح لاحقًا-. وكان هذا الأصل من أصول عقيدتهم هو سبب انعزال واصل بن عطاء عن مجلس ‏أستاذه الحسن البصري، وقد تفرّد المعتزلة به، فكان مخالفة من المعتزلة لاعتقاد الخوارج بأن ‏الفاسق غير مؤمن، ومرتكب الكبيرة كافر، ‏والذي على أساسه كفّر الخوارج المسلمين وخاضوا ‏في دمائهم، وكذا كان فيه مخالفة من المعتزلة لأهل السنة والجماعة من ‏الأشاعرة والماتريدية ‏الذين لم يكفروا أصحاب ‏الكبائر، ولم يحكموا بتخليدهم ‏في النار، بل اعتبروهم مؤمنين فاسقين، أمرهم إلى الله. كما خالفوا المرجئة الذين قالوا: لا ‏يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وحكموا بنجاة كل من نطق بالشهادتين، ‏وكان واصل بن عطاء قد فسَّق كلا فريقيّ حرب الجمل، وفيهم علي والحسن والحسين وابن ‏عباس وعمار بن ياسر من جهة، وعائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى!!

بينما أهل السُنة والجماعة الأشاعرة على أن العمل ليس ركنًا من الإيمان. وعدّه ركنًا يوقع في معتقد الخوارج أو المعتزلة. والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]. أي أنه تعالى في الآية لا يجعل العمل ركنًا من الإيمان، بل يميز بين الإيمان والعمل، ويجعل كليهما شرطًا للطمع في النجاة الأخروية، مع أنه في آية أخرى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، أي أن من ضيّع إيمانه لا يجب أن يطمح للنجاة، أما من كان صاحب معصية فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فهم يعتقدون أن إيمان المسلمين أمره مرجأ إلى الله، ويكفينا إقرار الناس بالإيمان لعدّهم مسلمين في الدنيا، والتعامل معهم على هذا الأساس؛ فتارك العمل مرتكب الكبائر مؤمن في الدنيا، ليس كافرًا كما قالت الخوارج، ولا فاسقًا كما زعمت المعتزلة، وهو مستحق للعقاب في الآخرة، لكن لا نحكم بتخليده في النار كما حكمت الخوارج والمعتزلة، بل أمره إلى الله في الآخرة، كما قال بذلك أبو حنيفة.

وهناك قصة شهيرة تحكي سبب إرجاء أبي حنيفة لأمر تارك العمل من المسلمين، وهي ‏مأثورة عن أبي حنيفة مع جارٍ له فاسق، والذي يُروى أن أبا حنيفة رفض أن يُصلي عليه عندما ‏مات، ثم جاء الجار في المنام لبعض أهل الصلاح ليُخبرهم أن الله قد غفر له، ولمّا سأل الإمام ‏زوجة الرجل عن حاله، أخبرته أنه كان يُطعم الأيتام ويطلب منهم أن يدعوا له؛ فعلم الإمام أن كل ‏مُوحد أمره مرجأ إلى الله، والله أعلم بما خفي من عمله.‏

فإرجاء الأشاعرة هو إرجاء سُنة. ويختلف عن اعتقاد بقية المرجئة، فهؤلاء الأخيرون يقولون: "إن من شهد شهادة الحق، دخل الجنة، وإن عمل أي عمل. وكما لا ينفع مع الشرك حسنة كذلك لا يضر مع التوحيد معصية. وقالوا: إنه لا يدخل النار أبدًا، وإن ركب العظائم وترك الفرائض وعمل الكبائر للكبائر"! ‏وقول المرجئة هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام اقتراف المناكر، وما جاء الإسلام إلا لمحاربتها.

لكن للعمل مع ذلك وفقًا لاعتقاد أهل السُنة والجماعة قيمة، وإلا فنحن نغامر بآخرتنا، إن شاء عذبنا الله وإن شاء غفر لنا، ثم أن به تتفاوت مراتبنا في الجنة.

يقول إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص399-400) عن اعتقاد الأشاعرة في ‏الإيمان ردًا على من يقول بزيادته ونقصانه: "فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟ قلنا: إذا ‏حملنا الإيمان على التصديق، فلا يفضل تصديق تصديقًا، كما لا يفضل علم علمًا؛ ومن حمله على ‏الطاعة سرًا وعلنًا؛ فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا ‏مما لا نؤثره. فإن قيل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان منهمك في فسقه كإيمان النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: النبي ‏عليه الصلاة والسلام يفضل من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج ‏الريب. والتصديق عرض لا يبقى، وهو متوال للنبي عليه الصلاة والسلام، ثابت لغيره في بعض ‏الأوقات، زائل عنه في أوقات الفترات. فيثبت للنبي عليه الصلاة والسلام أعداد من التصديق لا يثبت ‏لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر، فلو وُصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأُريد بذلك ما ذكرناه ‏لكان مستقيمًا فاعلموه. فإن قيل: قد أُثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سُئل الواحد منهم ‏عن إيمانه، قال: إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك ‏فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة، إيمان الموافاة؛ فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ‏ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز"أهـ.

وعلى قدر إعزازي وتقديري لإمام الحرمين الجويني، فقد زادني جوابه تصديقًا بأن الإيمان يزيد وينقص، وليس ثابتًا بالقدر نفسه للجميع، ولكنه يتفاوت باطنًا وليس ظاهرًا، ولا يلزم من ذلك أن أنزع صفة الإيمان عمن شهد شهادة التوحيد كفعل الخوارج، كما لا يلزم منه أن أفتش في ضمائر الناس لاستكشاف قدر إيمانهم. ثم أخيرًا قرأت للنشار في مقدمة تحقيقه لـ "الشامل في أصول ‏الدين" للجويني (ص38) أن "الشافعي كان يؤمن بأن الإيمان تصديق وعمل، وأن الإيمان يزيد ‏وينقص"، علمًا بأن الشافعي موقفه معروف من الخوارج،‏ فأنا مع الشافعي في اعتقاده.

ولكن يبقى السؤال الأكبر: إن كنا نقطع بأن كل موحد هو مؤمن في الدنيا حتى لو ارتكب ‏الكبائر، ولا نخرجه من عداد المؤمنين لأنه نطق الشهادتين وهما عمود الإيمان، ولا مخرج من ‏الإيمان إلا بإنكارهما، فهل الإيمان يزيد وينقص؟ وإن كان العمل ليس ركنًا للإيمان بل هو متميز ‏عنه، فكيف يزيد الإيمان وينقص؟

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني المالكي:

ورُجِّحَتْ زيادةُ الإيمان *** بما تزيدُ طاعةُ الإنسان

ونقصهُ بنقصها *** وقيلَ لا خُلْفَ كذا قد نُقلا

وذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص94) في شأن العمل "العمل شرط كمال –يعني للإيمان- على المختار عند أهل السُنة، فمن أتى بالعمل فقد حصّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوّت على نفسه الكمال، إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة"أهـ. ويضيف (ص100) في شرح البيت الفائت "وقد ذكر المصنف هنا أنه –أي الإيمان- يزيد بزيادته وينقص بنقصه –أي العمل-، ويعني: رجّح جماعة من العلماء، وهم جمهور الأشاعرة القول بزيادة الإيمان؛ لأنه لا معنى لترجيح زيادة الإيمان إلا ترجيح القول بها، ويكون ذلك بسبب زيادة طاعة الإنسان، فالباء سببية، و "ما" مصدرية، والطاعة فعل المأمور به واجتناب المنهي عنه"أهـ.

وأعتقد أن أفضل تشبيه ممكن للإيمان هو بالشجرة، فكما أن الشجرة جذع وأفرع، فالإيمان إقرار وأعمال، فكأن الجذع هو الإقرار، وكأن كل فرع بمثابة عمل، وحتى لو قُطِعت كل فروع الشجرة، فالشجرة لا تزول إلا بقطع جذعها، وكذا الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله وهو الإقرار بالشهادتين، حتى لو لم يعمل صاحبه أي عمل. كما قد تكون شجرة جذعها قوي وأفرعها قليلة، وشجرة كثيرة الفروع وجذعها ضعيف، وهي شجرة المُرائي غير المخلص؛ لذا رُوي عن ساداتنا العُرفاء بالله قول بعضهم: "إن الله يقبل قليل عمل مع الإخلاص، ولا يقبل كثير عمل من غير إخلاص". ولعل تشبيهي هذا يُفسر أن يقع شخص كان كثير الصلاة والصوم وقراءة القرآن فريسة الإلحاد، بينما لا يتطرق حتى الشك لنفس شخص تارك العمل، لأن جذع إيمان هذا الثاني قوي حتى لو عدم الفروع.

ومن الفوائد في هذا الباب ما رواه السُبكي في طبقات الشافعية (ج4، ص259) "تكلم الأستاذ الإسفرايني في كتاب "الحلي في أصول الدين" على قول الشافعي رضي الله عنه الإيمان لا يشركه الشرك والشرك يشركه الشرك، بما حاصله أن الإيمان لو قارنه اعتقاد قدم العالم أو نحوه من الكفران ارتفع بجملته، والكفر كالتثليث مثلًا لو قارنه اعتقاد خروج الشيطان على الرحمن ومغالبته كما يقول المجوس لم يرتفع شركه بالنصرانية بل ازداد شركًا بالمجوسية، وأطال في ذلك. قلت –أي السُبكي-: فيؤخذ منه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الكفر يزيد وينقص فتأمل ذلك"أهـ.

وهنا يلزمني توضيح فروق هامة بين المنظور السلفي والمنظور الأشعري حول ركنية العمل: المنظور الأشعري قائم على أننا نؤمن به سبحانه، ونطيع ما استطعنا، ونقر بذنوبنا، ونستغفر منها، وهو أرحم الراحمين، فنطمع في رحمته، أما المنظور السلفي فيركز على العمل، فيرون أنهم طالما يُطيعون؛ يصلون ويصومون ويحجون، فهم أهل لنيل رحمته سبحانه. ومن هنا، ولتركيز المنظور السلفي على العمل، فقد يصل الأمر إلى تكفير من لا يقوم به، والإنكار على من يقول أن المؤمن تارك العمل إن شاء الله أدخله في رحمته، لأن نظرتهم إلى المسلم الذي لا يلتزم بأداء العبادات أشبه بالنظرة إلى الربوبي.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

لم يكن بإمكان الغزالي آنذاك بعد أن يقول ما سيقوله الجيلاني عن منازلته لأقدار الحق بالحق للحق، لأنه لم يجتز بعد "طريق الانكسار" حتى نهايته. وإذا كانت تقاليد الصوفية اللاحقة قد أفلحت في إبداع مقارنات عديدة لمنازلات شيوخها، فلأنها وجدت فيها الصدى الروحي لما هو موجود وممكن (الفعل والواجب). بمعنى أنها استطاعت أن توّحد في كلّ واحد تجاربها الفردية العديدة في حقيقة المنازلة. لهذا كان بإمكان الجيلاني أن يقول ما لم يقله الغزالي، وأن تنعكس مع ذلك تجربة الثاني في فكرة الأول. غير أن لهذه المقارنة صداها المعنوي في ثقافة الروح الصوفي، لا واقعية المسار الفعلي للغزالي.

فقد كانت مواجهته للتعليمية الباطنية هي التجسيد الحي لمنازلته الواقعية والممكنة. إذ أدرك في مجراها بأنه ليس الحقيقة هي التي تحدد نظام السياسة، بل السياسة هي التي تدجّن الحقيقة. ومن الممكن أن نعثر على صدى هذا الإدراك الخفي في بعض استنتاجاته في (فضائح الباطنية)، القائلة بأن التعين للإمامة وموافقة الخلق هو لطف من الله في اختيار المرء لخلافته. إذ أن اختيار الخلق في الظاهر هو اختيار الله في الباطن. ولا ينبغي فهم هذه العبارة على أنها تبرير للسلطة في ممارساتها، أو شكل من أشكال إضفاء قدسية التيوقراطية الشاملة عليها. على العكس! إنه عبّر بصورة خفية، أو بصورة غير مباشرة، بما في ذلك في مواقفه وأحكامه الأيديولوجية المناهضة للتعليمية الباطنية عن سعي عقلاني إجماعي إسلامي. وقد حفظته هذه العقلانية من التهشّم وأنقذته من السقوط في مرارة اليأس، بما في ذلك في أشد مراحل انحلاله الروحي وأزمته النفسية الأخلاقية.

لقد كان ارتباط شخصية الغزالي وتطورها الفكري بعالم السياسة جلياً، شأن أغلب رجال الفكر العظام. وترك ذلك بصماته أيضاً في عباراته عن "شكر النعمة" و«إقامة رسم الخدمة للخلفاء والأمراء وغيرها. وبهذا المعنى، فإنه لم يشكل استثناء. وإذا كان بالإمكان الحديث هنا عن استثناء خاص به فهو ذاك الذي استثار الخلافة (السلطة) في طلبها منه تأليف كتاب في الرد على الباطنية حيث وجد في اختياره من بين العالمين لمهمة الذبّ عن الخلافة المستظهرية، استثناء مثيراً للإعجاب والتقدير. فهو يشير في (فضائح الباطنية)، باعتباره الوجه الدفاعي عن (فضائل المستظهرية) إلى هذا الاختيار والتقدير باعتباره وحدة واحدة. وإذا كان الغزالي عادة ما سيذكر (فضايح الباطنية) (بالمستظهري) فليس لكونه أراد التنصّل كلياً مما اقترفه عقله ولسانه ضد معارضيه، بقدر ما أنه وضع الأمور، كما يقال، في نصابها، أي وحّد ما هو موّحد في عباراته: الذب عن المستظهرية من خلال التشهير بفضائح الباطنية التعليمية. فهو يشير في مقدمة كتابه إلى أنه شخصياً كان يرغب في تأليف كتاب في (علوم الدين)  يرد به "شكر النعمة" للخليفة. وإذا كان طلب الخليفة قد استجاب لما في خلجات نفسه، فإن هذا التناغم قد التأم في نسيج التقاليد الكلامية الفِرَقية. بمعنى أنه تضمن في ذاته كل فضائل ورذائل الثقافة الإسلامية الجدلية. فالاستعداد النفسي لتأليف كتاب في "علم الدين" من أجل حظوة الملوك ضد معارضيها، كان في الواقع النتيجة الحتمية لاحتراق الكلمة الجدلية وضمور الروح الأخلاقي، أي كل ما سيهاجمه لاحقاً بقوة نادراً ما نعثر على مثيل لها في الفكر الإسلامي، وبالأخص ما يتعلق منه بالكشف عما أسماه، متتبعاً أثر أبو طالب المكي، بعبارة "علماء السوء". وقد قصد الغزالي بممارسة هؤلاء العلماء أيضاً تجربته الشخصية، أو على الأقل، أنها تتلألأ بين عباراته وانتقاداته اللاذعة في (إحياء علوم الدين) كرنين حاد لأصواته المقموعة في (المستظهري) وغيره من المؤلفات. ومن الممكن العثور على ذلك بجلاء في تلك العبارات العديدة التي ينتقد بها أولئك الذين يسمون سعيهم للجاه والمال في خدمة السلطان، على أنه دفاع عن الدين. حقيقة إنه لم يبتذل ممارسته هذه إلى الدرجة التي يسقط بها إلى حضيض الاحتراف الأيديولوجي الرخيص. لقد كانت خدمته للسلطان هي بمعنى ما أيضاً نتاجاً لعدم حسمه الفكري والشخصي لعلاقة السياسة بالأخلاق، والأخلاق بالحقيقة (العقلية).

فهو يظهر في (المستظهري) كمدّاح للسلطة. حيث ينظر إلى "الأوامر الشريفة النبوية المستظهرية" الموجهة إليه نظرته إلى خادمها. وبهذا يكون تسطيره في الدفاع عن الخلافة هو استجابة لطلب مدفوع الأجر مادياً ومعنوياً. وذلك لأن الطلب الموجّه إليه يحدد له أيضاً مهماته الفكرية ويحجّم بالتالي حدود انتقاداته للتعليمية الباطنية ضمن ما أسماه الطلب بالكشف "عن بدعهم وضلالهم ومكرهم، وإبراز فضايحهم بما ينص إلى هتك أستارهم وكشف أعوارهم"1 ، أي مهمة تنفيذ متطلبات الأيديولوجية السلطوية في أكثر صيغها تحزّباً ودعائية. إلا أن "الفضائح" الباطنية التي ركز الغزالي اهتمامه عليها لم تطمس عقلانيته النقدية. على العكس! إنها، إن أمكن القول، ساهمت في تعميق منظومة التفكير العقلاني. وفي هذا كمن أحد الأسباب الرئيسية في إثارة اصطدام روحه المعرفي والأخلاقي. وليس من المستغرب هنا افتراض فاعلية هذا الاصطدام الداخلي في أعماقه، إذا أخذنا بنظر الاعتبار واقع ابتداء أزمته الروحية، التي أدت به إلى التصوف بعد أشهر قليلة من تأليف هذا الكتاب.

لقد تضمن (فضائح الباطنية) في أعماقه بذور الوعي العقلاني الأيديولوجي والأخلاقي السياسي المتصادم والمعترك، بفعل عدم خضوعه الكلي للحقيقة، وبفعل خضوعه الجزئي للسلطة. فقد شكل هذا التناقض أحد مصادر قلقه الروحي. بل يمكن القول بأن انتقاده للتعليمية الباطنية قد أسدى له خدمة سموه الروحي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن  مصير الافراد هو بمعنى ما الحصيلة الواقعية لانكسارات حياتهم الفعلية. غير أن ما هو جوهري في حياة ومصير أهل العلم الكبار هو أن هذه التلقائية الوجودية لا تفرضها عشوائية الاجتماع و"فوضى" قوانينه بما في ذلك في أكثر أشكالها وأنماطها تطورا. وتصبح هذه الحقيقة أكثر اقناعا للصوفي بسبب ربطه فكرة المصير بالأزل. فالأزل بالنسبة له ليس نقطة البداية وذلك لأن الأول بالنسبة له هو الآخر. والعكس هو الصحيح. فالأزل بالنسبة له ليس زمنا ساريا بحد ذاته بل هو مسار الحال (الصوفي). فالحال هو الكينونة الوحيدة التي تكشف في ثناياها تذوق حقائق الوجود. آنذاك يفقد الصراع طابعه المفترس. الأمر الذي حدد موقف الصوفية من السلطة والقوة، باعتبارهما أوهاما وأشباحا عابرة لا معنى ولا قيمة لها بمعايير السمو الأخلاقي والروحي. إن هذا الإدراك العميق المبني على رؤية العالم ووحدته ضمن منظومة أخلاقية متكاملة، لم يكن معزولا عن تجارب المتصوفة، وبالأخص تجارب أولئك الذين تحسسوا ذلك بكامل وجودهم، كما كان الحال بالنسبة للغزالي. فقد أوحت هذه التجربة في تذوقها الصوفي للفكرة التي لم يعلنها الغزالي والتي يمكن رؤيتها في مجمل مبادئ منظومته الأخلاقية عن أن الحقيقة ينبغي أن تزيح جانبا تخويل نفسها مسئولية تطبيقها العملي، دون أن يعني ذك في الوقت نفسه رفع شعار الخمول العملي في عالم المتناقضات.

فقد جذبته "فضائح" الباطنية كضالة كان ينشدها، وبغية كان يقصدها، وكيف لا يتسارع إليها، كما يقول هو عن نفسه في مقدمة كتابه، وهو يرى الامتثال والطاعة موجبة مازال الأمر من زعيم الأمة وخليفة الله؟ وقد أقنع نفسه آنذاك بأن ما يقوم به هو ذبّ عن الدين والحق المبين. وإذا كان الغزالي هو المختار بين العالمين، فالإذعان في حقه، كما يقول عن فعله، هو من فروض الأعيان. لقد حشر نفسه في مزالق الوهم الأيديولوجي، ولكن دون أن يفقده ذلك عقلانيته النقدية.

فالتوجه الأيديولوجي لم يقض على عقلانيته، بينما الأخيرة فسحت على الدوام مجالاً لتلألؤ الأنوار الخفية للأخلاق. إذ يمكن القول بأن الغزالي ظل عقلانياً حتى في تلك اللحظات التي كان يتنازل فيها جزئياً، بفعل متطلبات الصراع الايديولوجي (المذهبي الكلامي)، عن وحدة العناصر العقلانية المتجانسة. وهذا ما يبرز بوضوح في تنوع الاحتمالات التي تتضمنها عباراته ومقولاته المؤدلجة، بما في ذلك من حيث إمكانية استعمالها ضده. فعندما يرد على آراء وتأويلات الباطنية التعليمية وبالأخص ما يتعلق منه بصيغة الحروفية والعددية، فإنه يؤكد على إمكانية استعمال الأرقام الأولية من الواحد إلى العشرة بالطريقة المخالفة لاستنتاجات التعليمية الباطنية. بمعنى أننا إذا رأينا شيئاً واحداً، فإننا نستطيع أن نستدل به على عمر بن الخطاب واثنين على محمد وأبي بكر، وثلاثة على محمد وأبي بكر وعمر. وإذا وجدنا سبعة نستدل بها على سبعة خلفاء من بني أمية مبالغة في إرغامهم، كما يقول الغزالي، وإجلالاً لبني العباس عن المعارضة بهم. ويمكننا القول بأن عدد السموات السبع والنجوم السيارة وأيام الأسبوع تدل على معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك والوليد وعمر بن عبد العزيز وهشام ثم السفياني المنتظر2 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على كافة آراءه ومواقفه وانتقاداته ذات المنحى الأيديولوجي.

فمن المعروف الدور الذي لعبه تأويل الحروف والأعداد في تاريخ الفلسفة بشكل عام والباطنيات بشكل خاص. فقد ربطت التيارات الباطنية في تأويلاتها الحروف والأعداد. وأرست على هذا التأويل الكثير من مفاهيمها وأحكامها وتصوراتها بل وفلسفتها النظرية والعملية. ولم تخل مساعيها هنا من افتعال كبير احيانا. اذ تمتلك الأرقام أربعة وسبعة، على سبيل المثال، أهمية عقائدية بفعل تطابق الرقم أربعة مع فكرتها عن (السابق والتالي والناطق والأساس) حيث وجدت فيه التعليمة الباطنية التعبير العاكس لشموله المطلق الذي يلف الكون ومظاهر الطبيعة. فالطبائع أربعة (الماء والهواء والتراب والنار) ويقابله في الإنسان (البلغم والدم والصفراء والسوداء) والأمزجة الأربعة (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). كما يتوافق مع الجهات الأربع للعالم (شمال وجنوب وشرق وغرب) وفصوله (ربيع وصيف وخريف وشتاء). أما في مجال تأويل الحروف والعدد فقدموا مثال ذلك على تأويل (لا إله إلا الله) على أنها أربع كلمات تدل على في العالم الروحاني على (السابق والتالي= النفس والطبيعة) و(الناطق والأساس= النبي والإمام) ويقابلها في العالم الجسماني الطبائع الأربع وهي ذاتها أيضا سبع (لا إ له إ لا ا لله) الذي يتوافق مع دورات الائمة السبعة والأفلاك السبعة. ومن الممكن الاستفاضة هنا بأمثلة عديدة تجري كلها ضمن نفس السياق. بمعنى ان ما يتغير فيها هو مجال التطبيق والاستعمال. غير إن ذلك لا ينبغي أو يلزم النظر إلى أن مضمون وحقيقة الفلسفة الإسماعيلية ترجع إلى هذا المستوى والنمط في التفكير والتأسيس. أنها مجرد مظاهر للتمثيل وليس حقيقة ومضمون الفلسفة الباطنية والإسماعيلية بشكل خاص. وقد قدم الغزالي هذه الامثلة واستفاض في نقدها من أجل الكشف عما اسماه بفقدان العقل والغلو المذهبي. (يتبع....) 

 

ميثم الجنابي

......................

1- الغزالي: فضائح الباطنية، ص2.

2- الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الاحقاد" 

إن سوء الفهم السائد تجاه مضمون نقد الغزالي للفلاسفة المسلمين ينبع أساسا من تأثير تقاليد وشحنة الصراع الثقافي العقائدي، التي تولدت في مجرى احتكاك الكلام بالفلسفة، والفلسفة بالكلام. فإذا كانت الفلسفة قد اتخذت في تقاليد الكلام ووعيه الخاص هيئة "العلم الدخيل"، فإن ذلك لم يمنع النظر إليها باعتبارها من "علوم الأوائل". مما فسح المجال أمام قبولها "الثقافي" باعتبارها جزءا من الحكمة. وقد تضمن ذلك في الوقت نفسه إمكانية الصدام والاحتدام بسبب تراكم التقاليد الفكرية للكلام والعقائد بمعايير التجارب الثقافية الخاصة. وهذه بدورها من إبداع الإنسان وأحكامه الوضعية. بينما جرى وعي الإسلام وإدراكه على أنه من "ملكوت الرحمة". وبالتالي إلزامه عالم الإنسان الروحي ومساعيه المادية وأحكامه الفقهية بشكل كان يلوي كل ما في العالم بالطريقة التي ينبغي أن ينسجم فيها مع وحدانية الإسلام. إن هذا الاصطدام الذي مّهد له تاريخ طويل من صراع العناصر الثقافية والعقائدية هو الذي اعطى (لتهافت الفلاسفة) إمكانية تحوله إلى "حجة" الدفاع عن الإسلام في صراعه ضد "الزندقة" الفلسفية. أما في الواقع فإن "حجة" (تهافت الفلاسفة) هي من انتاج العوارض العقائدية وغلوّها التقييمي، الذي عادة ما تثيره شهية التبديع والتكفير. بينما كان مضمون (تهافت الفلاسفة) فلسفيا عقليا وبالأخص ما يتعلق منه بتمارين الجدل وحيوية برهان الخلف، الذي وجد طريقه الخاص إلى خلخلة اليقين الإيماني وفكرة اليقين التقليدية نفسها مع ما لازمها من أثر على أزمته الفكرية والروحية. 

وهذا ما يمكننا العثور عليه أيضاً في غياب الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث والأخبار. وفي حالة استعمالها فإنها لا تتعدى كونها وصفاً بلاغياً لا دليلاً برهانياً ولا حجة كلامية[1]. فهو يستند في انتقاده "السلبي" إلى كل التقاليد الجدلية التي أبدعها تاريخ الكلام وتقاليد النقد الإسلامي من الهجاء والتهكم حتى السفسطة العقلية. ومن الممكن رؤية تأثره بأسلوب الباقلاني. ولهذا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء استعماله في (تهافت الفلاسفة) آراء المعتزلة والكرامية والواقفية رغم معارضته ونفيه الكثير من آرائهم[2]، أي إمكانية استعمال مختلف آراء وأحكام واستفسارات واعتراضات المدارس الفكرية واتجاهاتها دون التزامه بها أو القناعة بمضمونها، بل بوصفها الخميرة الجدلية للشك. فهو يسير هنا في نفس تقاليد الجدل الكلامي وأساليبه النقدية. غير أنه يتجنب الوقوع في اوحالها الأيديولوجية. فهو يؤكد على أن مهمته لا تقوم في تصنيف وتصفيف الآراء المناهضة للفلاسفة في الأوساط الفكرية السائدة من متكلمين وفقهاء وغيرهم، ولا حتى في الاستناد إلى مذهب معين من مذاهب الفرق الكلامية، أي أنه يستغلها جميعها انطلاقاً من شعار "عند الشدائد تذهب الأحقاد". ولا ينبغي فهم هذا الشعار بمعزل عن فهمه لوظيفة الكلام. حقيقة إن هذا الفهم الأولي مازال مندمجاً في مساعيه النقدية وذلك لأن فهمه لوظيفة الكلام باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام هو من نتاج المرحلة الصوفية. إلا أن بذوره الأولى قد تجمعت في مجرى انتقاده للفلسفة. فانتقاده إياها كان يحتوي على إمكانية تثوير الكلام وتقاليده المستتبة من جهة، ووضعها أمام المحك النظري الأصعب للبرهنة على صلاحيته من جهة أخرى. إذ لا يعني استعماله لمختلف آراء الكلام وفرقه مع عدم القناعة الشخصية بها سوى سريان أحد العناصر الجوهرية التي ساهمت في اكتشافه لاحقاً خطأ وخطيئة الجدل الكلامي وضعف حججه. وبالتالي أشارت إلى ما فيه من حوافز "إفحام الخصم" و"مكر النفس" التي سيدينها.

غير أن ما اتخذ في وعي الغزالي الصوفي هيئة المكر والإفحام، اتخذ في المسار التاريخي الفعلي لتطوره الشخصي صيغة الجدل العقائدي العقلي، أي كل ما ساهم في إمكانية تطوره الداخلي وحركة مفاهيمه الفكرية. إذ حتى في تلك المرحلة التي يظهر في منظومته مفهوم وممارسة العوام والخواص، وإدراجه (تهافت الفلاسفة) في صنف علوم العوام، فإن ذلك ينبغي أن يفهم على أساس صيرورة أسلوبه النقدي وخصوصية وعي الذات النقدي الصوفي، لا على أساس حقيقة (تهافت الفلاسفة) في تكونه الفكري والحقائق بحد ذاتها. إذ ليس "العام" هنا سوى الدفاع عن وحدة العقيدة بالصيغة التي لا ينبغي أن تؤدي إلى تعارض ظاهري بينها وبين مقومات الشرع. من هنا، فإن الآراء التي تحاول تصوير مؤلفاته السابقة بما في ذلك (تهافت الفلاسفة) على أنها لا تعكس حقيقة أفكاره أو أفكاره الحقيقية، لا تمتلك أي معنى من وجهة النظر التاريخية والفكرية لتطوره الذاتي. إذ أن ذلك يفترض وجود مرحلة لا وجود حقيقي لها في حياته! والغزالي نفسه سيؤكد في (الإملاء) على أنه لا خاصة بدون عامة. وإذا كانت هذه حقيقة في ميدان العلاقات الاجتماعية، فإنها أكثر صحة ودقة في عالم الفكر. فالأخير هو التجلي "الخالص" لهذه العلاقة. وهو لا يعبّر عن تناقض مستعص على الحل، بقدر ما أنه يعكس مستويات متباينة للحقيقة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لانعدام التناقض بين معطيات الحساب البسيط والرياضيات المعقدة. والغزالي في تطوره حتى مرحلة (تهافت الفلاسفة) لم يخفِ آراءه الخاصة. كما لم يتكلم عن آراء لا يمكن البوح بها. بل حتى العبارات التي سيكررها في وقت لاحق في كل من (الإحياء) و(جواهر القرآن) و(الإملاء) و(مشكاة النبوة) وغيرها لا تعني وجود منظومة من الأفكار السرية الخالصة أو التي لا يمكن صياغتها نظرياً، بقدر ما أنه يقصد بها بعض الأفكار أو بصورة أدق بعض الحلول التي أرهقت الوعي العقلاني الإسلامي آنذاك، وبالأخص ما يتعلق منها بالقضايا والمعضلات "الخالدة". فقد كان الغزالي حتى هذه المرحلة أسير حرية الفكر العقلاني وزهو الإعجاب المفرط بالجدل وإمكاناته. فهو يبدو كلاعب الشطرنج في تعامله مع أحجاره بحرية هو أسير لها. والغزالي لم يخرج عن إطار لعبة القدر الفكرية هذه. وبالتالي، فإن (تهافت الفلاسفة) لم يكن طارئاً أو إبداعاً موهوماً أو عارضاً عن حقيقة آرائه، بقدر ما أنه كان درجة في تطورها. لقد وضعه "تهافت" الفلاسفة أمام تهافت علم الكلام وتراثه العقلاني، أي أنه أخذ يدرك المحدودية المعرفية لعلم الكلام. وسواء أشار إلى هذه المحدودية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن مما لاشك فيه هو انعكاسها في أسلوب ومنهج انتقاده السلبي للفلسفة. أما إيجابية هذا الأسلوب، فإنها ظهرت كقوة مغتربة ومتشيئة في الوظيفة الخارجية لعلم الكلام، باعتباره حارس عقيدة العوام وإيمانهم.  مما أعطى لانتقاد الفلسفة في آرائه قيمة الحافز العقلاني الجديد لإعادة النظر في تراثه الفكري.إذ أفرز ذلك أهمية الآراء والمناهج الفلسفية بالنسبة له، مما سيجعله في وقت لاحق يعيد النظر بكل قضايا العقيدة الإيمانية ومعضلات الفكر الاجتماعي والسياسي والأخلاقي على أسس "الإيجابية"، التي لم يكن بالإمكان تصورها خارج إطار تراثه السلبي،  أي حصيلة وظيفية الكلام ومنهجية الفلسفة.

فالفكرة الحيادية الأولى، أو بصورة أدق التقييم الإيجابي الأولي لعلوم الفلاسفة، الذي صاغه للمرة الأولى في (مقاصد الفلاسفة) ظل كما هو، أو على الأقل ظل محتفظاً بصيغته العامة في كافة مؤلفاته وأعماله اللاحقة. إذ نرى ذلك في تأكيده على أهمية وضرورية الرياضيات والمنطق والطبيعيات، إضافة إلى تقيمه الرفيع للكثير من آراء الفلاسفة في الاجتماع والسياسة والأخلاق، أي في كل ما هو جوهري في الفلسفة السائدة آنذاك. ففي (مقاصد الفلاسفة) أشار إلى ضرورة وأهمية المنطق والرياضيات[3]. وفي (تهافت الفلاسفة) ركّز على أهمية الرياضيات والمنطق معتبراً محاولات إنكار ضرورتهما أو التقليل من أهميتهما عمل لا معنى له، بل ومناف لحقيقة الدين (الإسلام). وذلك لأن المنطق هو "النظر في آلة الفكر في المعقولات"[4]. وفي (معيار العلم) حاول أن يجعل من المنطق الأداة الضرورية للفقه من خلال التركيز على فكرة استحالة بلوغ الحقيقة دون المنطق. وذلك لأن العلوم النظرية، كما يقول الغزالي، لا توجد عند الإنسان بالفطرة والغريزة. وبالتالي فإن طرق الوصول إلى الحقيقة غير مأمونة "إذ لا كل ظان الوصول إلى شاكلة الصواب آمن من الانخداع بلامع السراب"[5]. ومن هنا سعيه للبرهنة على أن لا قوة للفكر دون المنطق. فالأخير يتخذ بنظره هيئة ميزان البحث والابتكار ومصقل الذهن وشحذ قوة العقل والنقل. فهو بالنسبة لأدلة العقول كالعروض بالنسبة للشعر والنحو بالإضافة إلى الإعراب[6]. أما في (الإحياء) فإنه يورد ذكر الفلاسفة ثلاث مرات، اثنتان بصورة عابرة ومرة بعبارات محددة حال كلامه عن علوم الفلسفة كالهندسة والحساب باعتبارهما من العلوم المباحة والضرورية. وكذلك الحال بالنسبة للمنطق، أي البحث عن وجه الدليل وشروطه، والذي أدخله إلى جانب الإلهيات في علم الكلام، أو البحث عن ذات الله وصفاته. فالفلسفة كما يؤكد الغزالي لم تختلف عن علم الكلام بصدد الإلهيات، بمعنى أنه ليس لها علم خاص أو نمط خاص بالإلهيات، بقدر ما أنها انفردت" بمذاهب عديدة بعضها كفر وبعضها بدعة".

فقد تكلم الغزالي عن تشابه الفلسفة والكلام في قضايا الإلهيات للمرة الاولى في (الإحياء). ومع ذلك يمكن العثور على أجنة هذه الفكرة في (معيار العلم في فن المنطق). إلا أن صياغتها في (الإحياء) تعكس تبلورها الدقيق والعميق من خلال مرورها بتجربته الصوفية وتوليفها الفكري الجديد. وسوف يكرر هذه الفكرة بصيغ عديدة في مؤلفاته الأخرى بما في ذلك في (المستصفى من علم الأصول)، باعتباره آخر كتبه وأكبرها حجما وقيمة. إلا أن تقييمه المتعلق بتشابه علم الكلام والفلسفة في الإلهيات كان نتاجا لنقده الكلامي للفلسفة والفلاسفة بصدد قضايا الإلهيات نفسها. بمعنى توصله إلى قناعة خلوهما من المنطق في الإلهيات. لهذا شدد على انه ليس هناك علم خاص بالإلهيات في الفلسفة، بقدر ما انها مذاهب عديدة موزعة بين الكفر والبدعة. وعند هذا الحد يفترق الكلام والفلسفة بفعل الخصائص الجوهرية المميزة لكل منهما. فإذا كان انتقاد الفلسفة قد أوصله أيضا إلى إدراك الوظيفة الأيديولوجية للكلام، فإن انعكاس ذلك في موقفه من الفلسفة قد جرى من خلال إبراز تباين مذاهب الفلسفة في الإلهيات. أما التشديد على هذا الجانب فيعكس إدراكه المبكر لخلوها من وظيفة الدفاع عن عقيدة العوام. بمعنى أن في علومها الأخرى امكانية كشف الحقائق كما هي. وهو أمر جلي في موقفه وتقييمه للطبيعيات. فبعضها، كما يقول الغزالي، مخالف للشرع والدين الحق، والبعض الآخر ما يبحث في صفات الأجسام وخواصها واستحالتها وتغيرها مما لا يتعارض مع الدين الحق[7].

ولم يقصد الغزالي بمخالفة بعض الطبيعيات للدين والشرع على أن هناك خلاف لازم بينهما. فهو لم يقصد بالطبيعيات هنا سوى ما يتطابق في مضمونه مع الجهل، أي كل ما له صلة بترهل المعرفة وشططها كما هو الحال بالنسبة لعلم الفلك وتدخله بقضايا القضاء والقدر، والكيمياء بالسحر والشعوذة أي كل ما يتعامل بهذا القدر أو ذاك مع "طلاسم" الحياة وشعوذتها "الثقافية". وبهذا المعنى كانت آراء الغزالي أكثر تجانسا في علميتها. فهو من بين المفكرين المسلمين الكبار، الذين اعتبروا محاربة العلم "أفضل الوسائل لمحاربة الدين". ووضع لهذه الفكرة أساسها الفلسفي القائل، بأن معطيات العلوم الطبيعية مستقلة عن قضايا العقائد، وأن فائدتها تقوم أولا وقبل كل شيء في خدمة الإنسان وأغراضه الحياتية.  

 ولا يتنافى ما في (المنقذ من الضلال) مع آراءه ومواقفه وأحكامه السابقة باستثناء طابعها التقييمي العام، الذي يعبّر في الكثير من حوافزه ومظاهره عن إدراكه الجديد لتجربته السابقة. فالغزالي الذي قيّم المنطق عالياً حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن عدم تجانس الفلاسفة في استعماله، أي أن انتقاده للفلاسفة لم يكن موجهاً ضد حقائق الفكر الفلسفي، بقدر ما أنه تطرق إلى ما دعاه بتهافتهم، أي عدم تمسكهم المتجانس بما وضعوه في بادئ الأمر كمقدمات أولية. فالآراء الفلسفية من حيث جوهرها مبنية، كما يقول الغزالي، على "الظن والتخمين من غير تحقيق ويقين"[8]. فالإدعاء الذي يقدمه الفلاسفة عن استنادهم إلى المنطق والرياضيات غير صحيح. وإلا فبأي شكل يمكن تفسير اختلافاتهم في الآراء والأحكام والنتائج، كما لم يختلفوا في الأمور الحسابية[9]. ومن هذا المنطلق حاول تطبيق اعتراضاته الجدلية على آراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى.

فقد نظر إلى تباين آراء الفلاسفة وكثرة خلافاتهم على أنه المثال الملموس لغياب التمسك الصارم بالمنطق. وبما أنه كان يدرك الصعوبات العقلية في العلوم النظرية فإنه حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن ضعف قابلية المنطق الشكلي في وضع حلول مقنعة لقضايا الوجود والمعرفة والاجتماع والسياسة والفقه والأخلاق. وقد جعله ذلك يتطرف في بعض أحكامه إلى الدرجة التي اعتبر فيها الآراء الفلسفية وصياغاتها النظرية مجرد "استدراج في الحيل". ولهذا السبب اعتبر ادعاء الفلاسفة عن ضرورة الرياضيات والمنطق للفلسفة على أنه مجرد خداع. فالفلسفة بحاجة إلى الرياضيات احتياج الطب أو النحو لها، أو كاحتياج الحساب للطب. فالإدعاء الفلسفي حول الحاجة الماسة للفلسفة بالعلوم  المذكورة  هو كمن يدّعي بأنه لا يمكن معرفة "كون هذه البصلة حادثة ما لم يعرف عدد طبقاتها، ولا يعرف كون هذه الرمانة حادثة ما لم يعرف عدد حباتها"[10].

فهو لم يسعَ هنا فقط لانتزاع احتكار الفلسفة والفلاسفة للمعارف باعتبارها "أم العلوم"، بل وإثبات تهافتها المنطقي من خلال الكشف عن عدم تمسكها المتجانس بمتطلبات المنطق وقواعده. لهذا انتقد بشدة استعمالات الفلاسفة المنطقية، التي حاولوا من خلالها بناء صروحهم المعرفية والوجودية. بينما لم يجد في هذه البنى سوى فرضيات هي أقرب إلى الخيال والوهم من الحقائق، أي معارضتها للوقائع والحقائق كما هي.

والغزالي محق ومصيب عند الحدود التي حاول أن يكشف فيها عن محدودية المعرفة العقلية. بمعنى إدراكه بأن الأحكام العقلية تظل حتى في أقصى حالاتها ودرجاتها المتجانسة أسيرة منطقها الخاص. وبالتالي، فإن استنتاجاتها النهائية تبقى مجرد فرضيات تضفي تصوراتها الخاصة على الواقع. لكن ذلك لا يعني أن الغزالي قد وضع فكرة "الشيء بذاته"، رغم وجود بعض عناصرها في جدله "السلبي" واستنتاجاته عن محدودية المنطق العقلي الفلسفي وعجزه عن تقديم ما يمكنه تجاوز افتراضاته "الوهمية" عن الوجود وغاياته. وسوف تظهر هذه العناصر في وقت لاحق ولكن في اطارها "الإيجابي" ضمن نظريته الأخلاقية. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية التمادي المتطرف والنقد العقلي للفلسفة في استثارة المساعي الأخلاقية، بوصفه أيضا أسلوب نفي القواعد الشكلية الميتة للمنطق وأحكامه. 

ففي معرض انتقاده ورده على فكرة الفلاسفة عن أبدية العالم والزمان والمكان وبالأخص الفكرة المنسوبة لجالينوس حول أنه لو كانت الشمس مثلاً تقبل الانعدام لظهر منها ذبول في مدة مديدة. وبما أن الارصاد يبرهن على أن مقدارها ظل منذ آلاف السنين كما هو، فإن ذلك يدل على عدم فسادها. بينما حاول الغزالي أن يبرهن استناداً إلى شروط المنطق الشكلي ذاته، عدم دقة  هذا الاستنتاج. فالقضية "الشرطية المتصلة"، أي إن كانت الشمس تفسد فلابد أن يلحقها الذبول، حسب رأي جالينوس، لا تتضمن بنظره برهاناً سليماً، لأنها ذات مقدمة خاطئة. وبالتالي فإن نتيجتها غير لازمة. والقضية (الجملة) يمكن أن تكون أفضل في حالة صياغتها بإضافة شرط آخر وهو "إن كانت تفسد فساداً ذبولياً، فلابد أن تذبل في طول المدة"، أو بصياغة أخرى مثل "لا فساد إلا بطريقة الذبول"، حتى يلزم التالي للمقدم (النتيجة للشرط). وهذا ما لم يوافق عليه الغزالي أيضاً. فالذبول بالنسبة له مجرد أحد وجوه الفساد، وبالتالي فإنه "لا يبعد أن يفسد الشيء وهو على حال كماله"[11]. فهو يصوغ هنا فكرة عميقة تتعدى حدود المنطق الشكلي. ولا يقف عند هذا الحد في جداله الفكري بل ويتقصى مختلف جوانب الظاهرة ومستوياتها، ليس فقط من ناحية المنطق، بل ومن الناحية الواقعية والحسية أيضاً.

 فالإستنتاج القائل بعدم ذبول الشمس وفسادها المبني على معطيات "الحس الساذج" لا يمكن بنظره أن يخدم كبرهان بحد ذاته. فكون الذبول لا يتبين للحس لا يعني انعدامه. إذ لعل الشمس "في الذبول وإلى الآن"[12]. فالحس بنظره "لا يقدر على أن يدرك ذلك لأن تقديره في علم الناظر لا يعرف إلا بالتقريب"[13]. وبالتالي فإن المعرفة الحسية هي معرفة تقريبية قد لا تتطابق مع حقيقة الشيء. وهو يشير إلى أن من الصعب على سبيل المثال رؤية نقصان الذهب أو الياقوتة في غضون مئة سنة ولكنه يحدث. وهذا بدوره يجعله أكثر تدقيقاً في تحديد ضعف الأحكام المنطقية السابقة. بحيث يستنتج بأن من الممكن أن تكون "نسبة ما نقص من الشمس في مدة تاريخ الارصاد كنسبة ما ينقص من الياقوتة في مئة سنة، وذلك لا يظهر للحس"[14].

إن محاولة الغزالي الكشف عن ضعف تجانس الآراء والمواقف والأحكام الفلسفية لم تحشر انتقاداته السلبية في عالم السفسطة، بفعل تلك الحوافز الأولية القائمة وراء حياكة نسيج المنهجية المبنية على معارضة الإشكالات بالإشكالات، أي حوافز الدفاع عن عقائد الإيمان. فانتقاداته لآراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى وبالأخص قضايا حدوث العالم وصفات الصانع (الله) وحشر الأجساد، لم تكن تسعى في محتواها وغاياتها سوى للدفاع عما سيدعوه لاحقاً بعقيدة العوام.

فهو يقف موقف الوسط الذي لا يندفع صوب قناعة الفلاسفة "الظنية" رغم عقلانيتها الظاهرة، ولا صوب القناعة العقائدية (الإيمانية) الساذجة للعوام. فهو لا يهاجم "ما لا يعدم مذهب الفلاسفة فيه أصلاً من أصول الدين". أما الأحكام الدقيقة المتعلقة باكتشافات العلوم فلا تثلب الدين. على العكس! إنها تؤكد صحته! فالأحكام العلمية بصدد الخسوف والكسوف وغيرها بنظره، لا يمكن أن تخص شيئاً من شئون العقيدة. لهذا وجد في مناظرات علماء الدين في محاربة العلم جريمة على الدين وإضعافه[15]. ولهذا السبب أيضاً وقف موقف المعارض الشديد للمحاولات الدينية الساعية لإبطال الحقائق العلمية ومعطياتها الدقيقة (في الحساب والهندسة والطب والفلك وغيرها)، أو محاولة تأويل الآيات والأحاديث بالصيغة التي تفند فيها استنتاجات العلوم الدقيقة والتي "يفرح بها الملاحدة" حسب تعبيره. إذ يسهل عليهم "طريق إبطال الشرع"[16].

لقد أراد من وراء انتقاده لآراء الفلاسفة بصدد مختلف القضايا البرهنة على أن منطقهم لابد وأن يؤدي، في الإلهيات خصوصاً، إلى أخطاء لا تحصى[17]. فالتصورات والأحكام الفلسفية المبنية على الحس لا يمكنها بنظره احتواء حقيقة المطلق. إذ لولا نقصان الآدمي، كما يكتب الغزالي "لما احتاج إلى حواس تحرسه عما يتعرض للتضرر به"[18]. أما المعرفة العقلية فإنها تقف حائرة أمام الله. وليس ذلك بمدهش بحد ذاته من وجهة نظر العقل، كما يقول الغزالي، بل الإعجاب في الأدلة على نفيه. فالعجب "إنما من إعجابهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط والخبال"[19]. فالقضية العقائدية الجوهرية المتعلقة بقدم العالم أو حدوثه شكلت بالنسبة له مقدمة الجدل الإشكالي الواسع، الذي حاول من خلاله إظهار ضعف الأدلة الفلسفية. فهو ينطلق من أنه لا أساس مطلق عند الفلاسفة في رفض الاعتقاد القائل بابتداء العالم من حيث ابتدأ، وأن الوجود قبل ذلك لم يكن مراداً، وأنه في الوقت الذي حدث فيه كان مراداً بفعل الإرادة القديمة (الإلهية). وذلك لأن رفض الفلاسفة إمكانية حدوث العالم بفعل إرادة إلهية قديمة يمكن رده على أساس كثرة القائلين بحدوث العالم، رغم أنه يدرك سذاجة هذا الحكم، انطلاقاً من أن كثرة الأغبياء لا تعني صحة غباواتهم. إلا أن هذا الحكم ينطبق بالقدر ذاته على أصحاب الفكرة المعاكسة. لهذا حاول البحث عن الدليل العقلي الجدلي لمهاجمة فكرة قدم العالم انطلاقاً من أن نفي الفلاسفة حدوث العالم هو مجرد أحكام مبنية على أساس المقارنة النفسية الإنسانية، أي أنهم يماثلون الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية. فهم يماثلون أو يستبعدون ما هو مشابه لإرادتنا أو ما هو مخالف لها. بينما الاستبعاد لا يمكنه أن يشكل بحد ذاته برهانا. ولا يمكن أن نقارن الإرادة الإلهية بالإرادة الإنسانية. إضافة لذلك، إن قدم العالم بالنسبة للغزالي محال أيضاً، لأنه يفترض ويؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ولا حصر لآحادها مع أن لها سدساً وربعاً… فهو يحاول استناداً إلى فكرة محدودية حركة الكواكب أن ينظر إلى الحركة ذاتها بوصفها دورة لا غير. ففلك الشمس يدور في سنة واحدة وفلك زحل في ثلاثين سنة والمشتري في اثنتي عشرة سنة. وبالتالي فإن افتراض حركة لانهائية يعني منافاتها للواقع. فاستبعاد حادث عن قديم هو مجرد افتراض ليس له مقوماته العقلية والوجودية. فالاعتراف بحدوث العالم يفرضه "منطق" النظر إلى الحوادث وارتباطاتها. فاستناد الحوادث إلى غير نهاية بنظر الغزالي محال. وهي لابد بالتالي من أن تنتهي في تسلسلها إلى طرف، فيكون هذا الطرف هو القديم[20]. وكل الاعتراضات التي يمكن صياغتها هنا تبقى في محتواها بنظره مجرد تأويلات عقلية ممكنة لا تغير من جوهر الأمر شيئاً. بمعنى أن السؤال الأساسي يظل قائماً وهو إما أن تكون الأشياء قديمة وإما حادثة. وأن "الحركة الدورية الأبدية" التي يقول بها الفلاسفة التي تخلق في مجرى حركتها الحوادث لا تزيل أو تنفي السؤال نفسه، وهو ما إذا كانت هذه الحركة الدورية حادثة أم قديمة؟ فالحركة الدورية بنظره لا يمكنها أن تكون مبدأ الحوادث، وذلك لأن جميع الحوادث بنظره "مخترعة لله أبدا"[21]. فالقديم الحق هو الله وما عداه حادث، أي أن الله مقدم على العالم والزمان، و"أنه كان ولا عالم، ثم كان ومعه عالم"[22]. فالقدم هو انفراده بالوجود. ولا يعني "كان ولا عالَم" سوى وجود ذات الله وعدم ذات العالم فقط. في حين أنه "كان ومعه عالَم" ولا يعني سوى وجود الذاتين فقط. فوجود العالم من حيث وجد وعلى الوصف الذي وجد وفي المكان الذي وجد محدث بالإرادة الإلهية. وليست الإرادة هنا سوى صفة من شأنها تمييز الشيء عن مثله. وبهذا المعنى فإن وجود العالم على ما هو عليه يقع خارج إطار فكرة الإمكان الفلسفية. بمعنى أنه واجب لا ممكن. وبهذا يكون الواجب مستغنياً عن علة[23]. إذ لم يكن وجود العالم "قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان" وإن ذلك لا يعني الانتقال من العجز إلى القدرة بالنسبة لله، لأن الوجود لم يكن ممكناً، ولهذا لم يكن مقدوراً. ثم إن امتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على العجز. أما الإجابة عن الكيفية التي تحول بها الامتناع إلى ممكن فإن الغزالي يجيب عليه بإشكالية مقابلة وهي "ولِمَ يستحيل أن يكون ممتنعاً في حال ممكناً في حال آخر؟ وذلك لأن تقدير الإمكانيات التي يطرحها الفلاسفة، لا معنى لها. وذلك لأن الله قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً إن أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد، إلا أن يضيف الوهم بتلبسه إليه شيئاً آخر"[24].

إن محاولة الغزالي كشف لا يقينية الأحكام الفلسفية بصدد قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية" تعكس دون شك مأثرته الكبرى أيضاً رغم توظيفها الأيديولوجي. فقد ساهم في انتزاع القضايا العقائدية المتعلقة بالله وصفاته وقضايا ما بعد الموت من صومعة الأحكام العقلية، باعتبارها قضايا لا يمكن الحكم عليها منطقياً بفعل خروجها عن العقل والمنطق، أي كل ما سيدخله لاحقاً في "طور ما وراء العقل". إلا أن هذه الفكرة  امتصت في صيرورة عناصرها الأولى كل اندفاع النفس الإشكالي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة). إضافة لذلك لم تتأطر هذه الفكرة في منظومة متجانسة لرؤية ماهية العقل وإمكاناته في الحكم على قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية". إلا أنها تبلورت في مجرى انتقاده للفلسفة. فالحلول الجازمة للفكر الفلسفي قد استثارت أولاً وقبل كل شيء إشكالية السر القائم وراء القناعة الجازمة، مما أفرز بدوره مشاعر العقلانية في لباسها اللاعقلاني. وليس من الصعب رؤية أثر الكلام وتقاليد العقل والنقل في هذا المضمار. غير أن ذلك يفسر حوافز استمرارية الجدل لا مضمونه. حقيقة إن ذلك لا يعني بأن ما اعترض به على الفلاسفة هنا هو من ابتكاره الخاص. إلا أن تنظيمه للجدل ومنطقة الحجج بروح الإشكالية الفلسفية قد أدى في نهايته إلى نتائج مزدوجة في كل من مساره الفكري العقلي والروحي الأخلاقي.

إذ لا يعني خروج القضايا العقدية الكبرى عن العقل والمنطق لاعقلانيتها، أو عجز العقل عن أن يدلي بآرائه فيها، بما يمكنه أن يشكل الصيغة المناسبة لما أبدعته تقاليد الإسلام عن وحدة المعقول والمنقول. وإن هذه التقاليد يمكنها أن تقتنع بحد "الكفاية" أو ترفعه إلى مصاف "فرض العين"، بينما تبقى كل الإشكاليات "المتهرمنة" في وحدة المعقول والمنقول مثار الجدل غير المتناهي أمام العقل الباحث والشكاك. وعندما تناول آراء الفلاسفة، فإنه كان يدرك دون شك أصولها "الثقافية" غير الإسلامية. ولهذا تعامل معها في الإطار الذي فرضته عليه خلفيته الذهنية والثقافية.  ومكوناتها العقلية والنقلية. لهذا، كان لابد للجدل الإشكالي أن يتخذ تلك الصيغة التي لا يمكن معها الاقتناع بقيم ما جازمة دون أن يضعها أمام فرضيات أخرى مقابلة. غير أن ما أثار الغزالي في (تهافت الفلاسفة) ليس مكونات العقل المجرد وبراهينه، بل نموذج تجليه الفلسفي ومن زاوية الدفاع عن أصول الدين (الإسلامي). لهذا أكد في معرض انتقاده للفلاسفة على أن العقل لا يحيل أفكاراً يحيلها الفلاسفة مثل نهاية المستقبل[25]. وأن استحالة وجود الله أو القول بالمبدأ الأول وأنه عالم مريد قادر يفعل ما يشاء وأمثالها لا تعرف بالضرورة بالعقل ولا نظره[26]. أو ما يقابلها من أفكار الفلاسفة مثل كون السماء شبيهة بالحيوان، بمعنى أنها مما لا ينكر إمكانه ولا يدعي استحالته. غير أن الفلاسفة بنظر الغزالي تعجز عن "معرفة ذلك بدليل العقل"[27]. وهو لم يسعَ من وراء ذلك إلى التقليل أو الانتقاص من شأن العقل، بقدر ما أنه انتقد صيغته التأملية السائدة آنذاك، أو ما دعاه باستنتاجات "التحكم المحض الذي لا مستند له"[28].

إن الصراع الفكري مع الفلاسفة ساهم في بلورة كل تلك العناصر العقلية والشكوك، التي ستشق لنفسها الطريق في أزمته اللاحقة ووعي خروجه منها. فهو لم يرفض ولم يؤيد أسلوب "التحكم المحض" أو الأحكام العقلية بالطريقة التي بلورتها التقاليد الكلامية والفلسفية. فإذا كان علم الكلام قد وقف عند حدود التقليد واجترار حقائقه وأوهامه فإن الفلسفة كانت تفسح المجال الدائم أمام تثليم الإيمان دون أن تعطي بديل اليقين والأمان. والغزالي محق بالقدر الذي مثل فيه نزعة الانتقاد العقلية في بحثها عن الصيغة الأكثر تجانساً في الدليل والبرهان، أي أنه كشف عن عدم تجانس النظريات الفلسفية بغض النظر عن مبادئها الاولية وغاياتها النهائية. وبهذا المعنى فإن انتقاده لها قد جرّد الطريق أمام إمكانية إبداع منظومة أكثر تجانساً في أفكارها وأسسها المكونة حول قضايا العقائد الكبرى والوجود والأخلاق، بحيث تربط في كل واحد ما لم يكن بإمكان الفلاسفة والمتكلمين فعله آنذاك. إلا أن هذا الفعل لم يكن إرادياً أو غائياً، بقدر ما أنه كان النتيجة الملازمة لتجربته الفكرية، بما في ذلك في طبيعة وآثار تعامله مع الفلسفة.

فقد كلفه انتقاد الفلسفة والفلاسفة ثمن الشكوك العقلية التي جعلته يعاني في وقت لاحق من إرهاصات "السفسطة" الحياتية. لكنه صنع في الوقت نفسه مقدمات أسلوب نقد الذات "الفلسفي" (النظري والعملي). فالموقف من الفلسفة وانتقاد قواعدها ومنطلقاتها، أسسها وبراهينها، بداياتها وغاياتها، تضمن في ذاته إرهاصات الرفض الأشد لعلم الكلام نفسه. اما ظهور هذه المعالم في وقت لاحق، فانه يؤكد فرضية صيرورتها المقلقة الأولى وليس نهايتها المحتومة. فعندما أعاد الغزالي النظر بتجربته الفكرية، فإن الفلسفة اتخذت عنده هيئة أخرى تستند في مكوناتها إلى إشكالية (تهافت الفلاسفة) وروحية (الإحياء)، أي كل ما يكشف عن القوة الفاعلة لتقاليد الفكر الفلسفي وأثره على بلورة تهافت العقائدية المرنة بين إشكاليات الشك واليقين ومن ثم انتقاله إلى عالم التصوف.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص148، 178، 289، 290، 307.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص129-130.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص3-4.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص87.

[5] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص26.

[6] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص17.

[7] الغزالي: احياء علوم الدين، ج1، ص22.

[8] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص76.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص77.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص84-85.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126-127.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[14] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[15] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[16] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[17] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[18] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[19] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[20] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص107.

[21] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص109.

[22] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص110.

[23] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[24] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[25] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص124.

[26] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص152.

[27] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص218.

[28] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص221.

 

 

ميثم الجنابي"على الإنسان أن يبني كلامه على ما يعلم لا على ما يجهل"

(الغزالي) 

لم يكن بإمكان الغزالي شأنه شأن كل شخصية فكرية كبرى أن يعي كل حيثيات تجربته الفردية بصفتها تجربة تاريخية متشعبة الوشائج والصلات. وإذا كان بالإمكان إدراك بعض جوانبها ووحدتها بمعأيير الرؤية الواقعية أو الأخلاقية، فإن كل ما فيها يضمحل في مجرى وعي الذات. فالتجربة الفردية عادة ما تتلاشى في مجرى اعادة تقييم التطور الذاتي بحيث يصبح نسيان "الانكسارات" العميقة فيها الحافز غير المرئي للارتقاء والنمو.  وفيما لو كان بالامكان تصوير تطور الوعي الفردي على اشعة روتنجن لظهرت لنا صورة "مشوهة" في انكساراتها بحيث لا يطيق التمتع بها سوى مفكر جرئ أو فنان مرهف الذوق.

فما يقدمه لنا الغزالي في (المنقذ) هو الصورة المنطقية، الصارمة، المستقيمة لتطور سيرته المعرفية دون أن يغفل في الوقت نفسه رسم تعرجاتها وخفأياها الداخلية. فهو يعكس لنا في الاطار العام اتجاه البحث عن الحقيقة ودورها في تطوره الروحي، أي انه عبّر عما هو جوهري في مساره الفكري والأخلاقي. لقد صوّر تطوره الذاتي على انه عملية معقدة لم ترتبط بظاهرة عابرة أو ثانوية، كما هو مميز لمحاولات تفسير انتقالاته الفكرية وتحوله إلى عالم الصوفية عند الكثيرين من دارسيه وناقديه.

وفيما لو حاولنا تعميم التفاسير التي تناولت انتقاله إلى التصوف، أي تطوره الفكري ككل وخصوصية منظومته النظرية فمن الممكن حصر نماذجها المشهورة في الاطار العام فيما يلي: هناك من اشار إلى واقع انتقاله إلى التصوف دون ان يقدم تفسيراً له، بمعنى انهم تتبعوا مراحل تطوره كما وصفها في (المنقذ من الضلال)[1]. بينما وجد آخرون في انتقاله إلى التصوف نتيجة لتأثير موعظة أخيه الصوفي[2]. في حين بحث آخرون عن سّر ذلك في التربية الصوفية للغزالي في طفولته والتي ستظهر ثمارها في أواخر حياته[3].  بينما وجد آخرون سبب ذلك في "مرضه النفسي" الذي دعاه البعض بمرض الكنظ الذي يميز ذوي الاتجاه الديني المتطرف[4]. في حين وجد القسم الآخر سبب ذلك فيما اسماه بالجبن السياسي خوفا من إرهاب الباطنية الذين اغتالوا رجال الدولة والفكر المناهضين لهم[5]. بينما جمع آخرون بين هذه الاسباب الثلاثة الاخيرة (التربوي والنفسي والسياسي) وراء انتقاله إلى التصوف[6].  في حين حاول البعض الآخر  البحث عن سبب ذلك في تعطش الغزالي لتلبية متطلباته الروحية[7]. بينما وجد قسم آخر سبب ذلك في سعيه المعرفي للبحث عن ملكة أخرى غير العقل وهي كل من الذوق والكشف الصوفيين[8]،  أو للتوفيق بين الدين والعقائد[9].  في حين لم ير البعض في انتقاله للتصوف سوى "تحول من المنهج العقلي إلى المنهج النفسي التجريبي"[10].  بينما وجد البعض الآخر في انتقاله للتصوف تعبيرا شاملا في الرد على ما يمكن دعوته بمتطلبات روح العصر وذلك لأن زمن الغزالي كان تواقا لريّ ظمأ الاطمئنان والسكينة[11].

وبغض النظر عما في هذه التفسيرات من أسس وجوانب جزئية من تطور الغزالي الروحي وإبداعه الفكري إلا أنها تشترك في طابعها الاحادي الجانب في النظر الى مقدمات وأسباب ونتائج انتقاله إلى التصوف. بمعنى أنها تبرز أو تضخم هذا الجانب أو ذاك دون البحث عن وحدة هذه الاسباب (باستثناء فرضية المرض النفسي) وانعكاسها في سيرته. ولعل الضعف المميز لها يقوم في اهمالها الديناميكية الداخلية للفكر الغزالي في تطوره بوصفه سعيا نحو الحقيقة، والذي ارتبط  بمجمل مكونات ومصادر الثقافة المعاصرة له. وعبّر بهذا المعنى، شأن كل تآلف فكري كبير عن أزمة حضارية كبرى ومحاولة حلها في الوقت نفسه.

فالنموذج الذي اشار إلى ظاهرة الانتقال دون تفسيرها لم يقدم اكثر مما اشار له هو في (المنقذ). بينما لا تفسر فرضية تأثره بموعظة اخيه طبيعة الانتقال ومحتواه ولا تكشف عن الخلفية الفكرية الروحية التي يصبح من الممكن معها توقع الفاعلية السحرية لكلمات تقلب مسار المفكر وانتقاله من عالم إلى آخر. اما تأثير تربية الطفولة فذلك مما لا يمكن نكرانه بحق أي مفكر. إلا انها لا تستطيع تفسير آلية انتقاله ولا نموذج بحثه عن الحقيقة ولا تطور عناصر منظومته الفكرية. اضافة لذلك انها تسبغ صفة الجبرية على تطور الشخصية الفكرية وتتعامل مع الذات الإنسانية تعاملها مع حبات القمح. وإذا كان من الممكن التعامل بصورة جدية مع مختلف التفسيرات فإن فرضية المرض العضال تبدو من بين اكثرها ضعفا وابتذالا. والقضية ليست فقط في الفهم الخاطئ لبعض عبارات (المنقذ) بل ولسذاجة التأويل "الطبي" للعبارات التي لم يقصد بها في (المنقذ) سوى التعبير عن حالته وأزمته الفكرية الأخلاقية لا النفسية الفسلجية. اضافة إلى ذلك أن مرضاً عضالاً كهذا لا يمكنه إبداع منظومة فكرية متجانسة، كما لا يمكنه ان يخدم كأساس منطقي وعلمي لتحليل ظاهرة التطور الفكري الروحي. فتطور الغزالي حسب هذه الفرضية يبدو كما لو انه سلسلة أو نتاج لأمراض نفسية مما يجعل من هذا التفسير جزء من ولع الدراسات السيكولوجية لا البحث التاريخي الفلسفي. اما محاولة تفسير ظاهرة انتقاله إلى التصوف استنادا إلى خوفه أو جبنه من ارهاب الباطنية فإنها تعاني من نواقص جدية وتجابه باعتراضات وجيهة من الصعب تذليلها. فالتأثير السياسي من العوامل التي لا يمكن اغفالها أو انكارها في بلورة الشخصية الفكرية وتبدل توجهاتها وأسلوب برهنتها ومواقفها من مختلف القضايا. إلا ان بين تأثير السياسة والجبن السياسي فرق كبير. فالجبن السياسي هو جزء من عناصر انحلال وسقوط الشخصية. ومن الصعب النظر إلى انتقال الغزالي للتصوف على انه انحطاط في الفكر والممارسة. ومن غير الممكن العثور على علاقة عضوية فعلية بين الجبن السياسي والإبداع الفكري الحي. فالجبن السياسي لا يبدع منظومة تآلفية كبرى. وهو في أفضل الأحوال لا يمكنه تجاوز قدرة تلفيق عناصر التبريرية السطحية. ثم ان الجبن السياسي لا يبدع حقائق لأن آليته لا تتضمن حوافز البحث عن الحقيقة.

إن ضعف الأحكام المبنية على ما يسمى بجبنه السياسي باعتباره السبب الفاعل والمؤثر في انتقاله إلى التصوف يقوم في افتقادها للرؤية الموضوعية والتاريخية. فمن الناحية التاريخية (الزمنية) كان مقتل نظام الملك عام 485 للهجرة، أي في الوقت الذي كان الغزالي منهمكا في التدريس في نظامية بغداد. ولم يمنعه ذلك من تأليف كتبه المناهضة للإسماعيلية، وبالاخص كتابه الشهير (فضائح الباطنية). اضافة لذلك ان مهاجمته إياهم ظلت مستمرة حتى في مجرى وما بعد انتقاله للتصوف. كما تجدر الاشارة هنا إلى أن ما بين انتقال الغزالي إلى التصوف ومقتل نظام الملك بضع سنوات، بينما الجبن السياسي، بوصفه "قوة فاعلة"، لا يحتمل هذه الفترة لكي يؤتي ثماره! وإذا كان بالإمكان الحديث عن تهديد من جانب الإسماعيلية للغزالي فقد جرى ذلك من خلال "تهديد" مواقفه وذهنيته الأيديولوجية، الذي لعب أحد الأدوار المهمة في مساره الفكري والروحي والأخلاقي والمعرفي.

 أما التفسيرات التي ربطت انتقاله إلى التصوف بفعل خوضه ارهاصات عالم المعرفة فهو تأكيد سليم الا ان محدوديته تقوم في انه لا يفسر الكيفية التي جرى بها تطور الغزالي في عالم المعرفة، ولا الكيفية التي أدت إلى انتقاله من مملكة العقل إلى مملكة الذوق والمكاشفة، ولا حقيقة العلاقة بين العقل والكشف ولا مضمونها، ولا كيفية انعكاسها وتأثيرها في آرائه اللاحقة، ولا كيفية تأثير الصوفية في تطوره الفكري. فتحقيق الذات و"البحث عن متطلباته الذهنية والروحية" تبقى في مواقف من تطرق اليها خارج اطار ثقافة المرحلة. وهي لا تكشف طبيعة التطور المعرفي وتأثيره في بلورة هذه المتطلبات. والأكثر من ذلك أنها لا توضح طبيعة العلاقة بين هذه المتطلبات ومنطق التطور الموضوعي المعرفي في آرائه. في حين لا تكشف فكرة انتقاله من منهج إلى آخر عن كيفية التعامل اللاحق مع قضايا الفكر وبالتالي تهمل الجوهري في استمرار المكونات العقلية والنفسية الأخلاقية وتآلفهما الجديد. أما تفسير انتقاله بمقولات "روح العصر ومتطلباته" فإنها لا تكشف عن الصلة الداخلية الضرورية في تطور شخصية الغزالي الروحية وإبداعه الفكري، وإلا لكان بإمكان جميع مفكري المرحلة الكبار انذاك ان يصبحوا كالغزالي أو أن تؤدي بهم بالضرورة إلى ابداع ما ابدعه من منظومة.

كل ذلك يضع أمامنا من جديد مهمة التحليل الموضوعي لمجمل العوامل المعقدة لظاهرة انتقاله إلى التصوف والتي لا يمكن ادراك حقيقتها دون تحليل واستيعاب ما يمكن دعوته بتجربته المعرفية - النظرية والعملية- الأخلاقية.

فالغزالي في (منقذه) لا يكشف لنا بصورة مباشرة عن أسباب انتقاله إلى التصوف. إلا انه يلقي الكثير من الأضواء على سيرته التي تعطي لنا امكانية الحكم على ان تحوله هذا كان نتاجا "طبيعيا" لتطوره الفكري - الروحي. أي كل ما قاده لضرورة اعادة النظر الشاملة تجاه كل ما هو قائم من منطلق، وفي ضوء مبادئ الأخلاقية المطلقة.

ففي مجرى تحليل شخصية الغزالى واستقلاله الفكري وسعيه لإدراك الحقائق كما جرى عرضه فيما سبق، يبدو واضحاً أن صيرورة التآلف الصوفي لم تكن عملية عرضية أو إرادية. ومع ذلك فإن هذا لا ينفي ما لشخصيته وقدراته الفردية من دور هائل بهذا الصدد. ولا يمكن ان نكرر ما سبق وان اقتنع هو به من أن ما كان في علم الأزل لا يمكن للمقادير ان تخالفه. وذلك لأن هذه القناعة هي من وحي أو الثقافة اللاهوتية الفلسفية لا حصيلتها التاريخية. والمهمة المطروحة الآن لا تقوم في تتبع جريانه في "سيلان المكر الإلهي"، بل بانتزاعه من حركة افلاك القدر وذرات الوجود الالهي من اجل وضعه في تاريخ الفكر ومنطق تطوره الواقعي.

فتجربته بمقوماتها الكلية هي تجربة وعي الذات النقدية التي ستواجه يوما تأمل نفسها ومصيرها أمام "بحر الصوفية"، أي كل ما بإمكانه ان يتطابق في خيالنا ووعينا المعاصر مع سحرية التنبؤ الرمزي لدعوة استاذه الجويني إياه بالبحر المغرق. إلا أن الاخير تجّسد أولا وقبل كل شيء في ذاته، وثانيا في كيانه التاريخيـ الثقافي. وليس هنا من تناقض. إذ ليست حصيلة الوعي المقارن والخيال المبدع في أيجاد الصلة بين الكلمة العابرة التقيمية - الشاعرية مع المصير الشخصي سوى نتيجة اعادة تقييم ما مضى من وجهة نظر وحدة الحاضر والماضي. فعوضا عن ان يكون مغرقا للآخرين غرق هو في ذاته لكي يصبح بدوره بحرا تضاربت في لججه تقييمات الثقافة اللاحقة.

ولم يكن هذا الواقع معزولا عن تجربة الثقافة اللاحقة في محاولتها استيعاب ظاهرة الغزالى الفريدة، أي ظاهرة التحول والانتقال من مدرسة وميدان إلى آخر والتي عادة ما جرى تحسسها وفهمها بمعايير ومقولات التصورات العادية والنظرية عن ميوعة المواقف وفقدان الثبات الداخلي للشخصية. غير أن هذا الاستنتاج نفسه يحتاج إلى كشف حوافز وأسس هذا التغيير وعدم الثبات. ولا يكفي هنا تتبع حيثيات الفطرة والغريزة التي وضعها الله في جبلته، كما يقول عن نفسه، دون ان يفقد عالمه النفسي لمميزاته الخاصة. وذلك لأن هذه المقدمة في حالة استغلالها الموضوعي لا يمكنها ان تكشف إلا عن الجانب العندي في المعضلة لا المعضلة ذاتها، وعن بعض جوانبها لا جوهرها الحقيقي. فالتغيير الدائم عنده هو اسلوب تطور البحث عن اليقين. وبهذا المعنى ليس التحول والتقلب سوى عوارض ضرورية شكلت بدورها العناصر الجوهرية في صيرورة تآلفه الفكري.

وارتبطت هذه الظاهرة بمجمل الصيرورة الفكرية لذهنية الغزالى ومواقفه من المعرفة في اسلوبها العقلي والمتشكك. وسواء وعى منذ بداية الامر الوحدة الخفية ما بين هذين الاسلوبين ام لا، فإن مما لا شك فيه تمثله لعناصرهما الايجابية في التيارات المتصارعة وخصوصا الاشعرية والمعتزلية. وقد ظل الغزإلى امينا لأسلوب الشك الموصل للحقيقة. وحتى في تلك الحالة التي رفض الشك السلبي في ممارسته الفكرية فان استبداله بمفهوم اليقين لم يكن في مضمونه الجديد سوى الاستمرار المعرفي للشك. إذ لا يقين بلا شك. وهو ما نعثر عليه أيضا في تلك المقدمة المشهورة للبحث عن اليقين كما صاغ نموذجها الأول في (ميزان العمل) عندما قال بإن "الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لا يشك لا ينظر. ومن لا ينظر لا يبصر. ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال"[12]. ان هذا الاستنتاج هو عصارة تجربته النقدية العقلية. ‘لا انه حتى هنا لم يحول الشك إلى اسلوب المعرفة بقدر ما نظر اليه باعتباره أحد وسائله الضرورية، أي انه وحّد في كل واحد تجارب الاتجاهات الفكرية في البحث عن الحقيقة مع تجربته الخاصة.

فكون الشك احد وسائل وأساليب المعرفة لم يكن اعترافا غريبا أو انجازا ما خارقا بالنسبة لعلم الكلام والفلسفة، بل ومختلف ميادين المعرفة النظرية التأملية الاخرى. ومن الممكن الاشارة هنا على سبيل المثال إلى الاتجاه المعتزلي وموقفه من الفكرة المنهجية للشك القائلة بضرورة تطهير العقل في اعتراضاته وقناعاته المسبقة وإخضاعه ذاته وأحكامه إلى مبضع التشريح العقلي. فقد اكد ابراهيم النظام (ت- 221 للهجرة) على انه لا يقين قط حتى صار فيه شك. ولم ينتقل احد من اعتقاد إلى آخر حتى يكون بينهما حالة شك. بينما وضع الجاحظ (ت-255 للهحرة) مهمة تعلم "الشك في المشكوك فيه"، واظهر التمايز بين ذهنية الشك العلمي (للخواص) والتقليدية (للعوام). أما ابو هاشم الجبائي (ت- 321 للهجرة) فقد اعتبر الشك ضرورة لكل معرفة، وبداية لكل معرفة حقيقية. فليس النظر أيا كان بدون شك، كما يقول الجبائي، سوى تحصيل حاصل. وتقترب آراء الغزالي بهذا الصدد اقترابا كبيرا من اراء المعتزلة، أو انه ينهل منها باعتبارها احد المصادر الأساسية للثقافة الإسلامية، والتي سيعمقها الفكر اللاحق بما في ذلك جدل الكلام الاشعري- المعتزلي عند الباقلاني والجويني وغيرهما.

ففي استعادته تأمل تجربته الفكرية السابقة برَّز الغزالى أولا وقبل كل شيء إعادة النظر النقدية بها،  أو ما عبر عنه بعبارة "ما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق". إن خوضه معاناة البحث عن الحقيقة بين اضطراب الفرق وتبايناتها وصراعاتها العديدة هي العملية الفكرية لسيرته الحياتية التي أدت به إلى رفض التقليد وبالتالي دخوله معترك الثقافة ومعضلاتها الكبرى. فهي العملية التي أدت به في نهاية المطاف إلى الانخراط في "سلوك الطريق" وما آلت اليه من اكتشاف "لباب الحق"، أي كل ما شكل عناصر ديمومة التطور الفكري والسمو الروحي في مجرى صراعه السابق في مدارس الكلام والباطنية والفلسفة. وكذلك في تقييمه لمجرى تجربته الفكرية . فهو لا يدين اتجاه ما دون آخر بقدر ما انه يشير إلى التباين  القائم بين الفرق في وسائل وطرق سعيها لبلوغ الحقيقة، أو ما اطلق عليه عبارة "البحر الذي غرق فيه الأكثرون". ولم تعن هذه العبارة الوصفية في آرائه أيضا سوى الغرق في وهم القناعة العندية، أو الزعم القائل بأنها الفرقة الناجية تماما كما صورها القرآن بعبارة (كل بما لديهم فرحون).

فقد استمد الغزالى مصادر معرفته النظرية من كل ما هو موجود انذاك. ولهذا لم تكن تجربته الفكرية الحياتية كما يقول في (المنقذ) تجربة الجبان الجذور بل المفكر الجسور المتوغل في كل ظلمة والمقتحم لكل مشكلة والمتفحص لكل عقيدة والمستكشف لأسرار مذهب كل طائفة لا لشيء إلا لتمييز المحق عن المبطل والمتسنّن عن المبدع[13]. فهو لا يقف أمام باطني إلا ويجب ان يطلع على باطنيته ولا ظاهري إلا وأراد معرفة حاصل ظاهريته، ولا فيلسوف إلا وقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلم إلا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفي إلا وحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبد إلا ويرغب في معرفة ما تؤدي اليه عبادته وحاصلها، ولا زنديق ومعطل إلا ويتتبعه لمعرفة أسباب الجرأة القائمة في آرائه وأعماله. إن كل ما وضعه في (المنقذ) في عباراته الوجيزة عن تعطشه إلى إدراك حقائق الأمور وسر التباين والخلاف القائم بين الاتجاهات والمدارس هي التي اخضعت تطوره الفكري الروحي إلى تأثير ضغطها الدائم بحيث تركت بصماتها القوية في كل قسمات روحه المعرفي والأخلاقي. فتقريره  عما اسماه بانحلال رابطة التقليد منذ الصبا، أي نبوغ استقلاله النظري لا تكشف عن بساطة هذه العملية واستجلاء آفاقها اللاحقة بقدر ما انها تشير إلى بداية الظاهرة ومجراها العام، أي انها تضعنا أمام الإشكالات الحية للمعرفة في سعيها إلى ادراك حقائق الامور. فإذا كان ديدنه كما يقول عن نفسه هو التعطش لإدراك حقائق الأمور فإن هذا الإدراك لا يمكنه ألا يكون ثمرة التطور الفكري التاريخي. وذلك لأن إدراكه لحقائق الامور لم يكن معزولا عن أساليب ومستوى وصيغ إدراك هذه الحقائق في الاتجاهات والمدارس التي حاول جهده نزع تأثيرها التقليدي عنه.

فهو لم يصل إلى هذه النتيجة بمحض الصدفة وذلك لأن مساره الشخصي مثَّل اتجاه البحث عن الحقيقة. وبما أن هذه الأخيرة كانت هدف وغاية مختلف الطالبين فإنها انتزعت من جهودهم خلاصة تصوراتهم، ومن مداركهم عوالم تأملها، ومن منطقهم اساليب ادراكها. ومأثرة الغزالى تقوم في إدراكه هذا التشعب والتجزئة الكبيرة في إدراك حقائق مختلف الاتجاهات والمدارس. لكنه لم يكن يبحث عن أنصاف الحقائق أو صيغها العندية. لقد وضع أمامه مهمة أيجاد المعيار المطلق للحقيقة. وبغضّ النظر عن إشكالية هذا المعيار والغاية من مسعاه إلا انه شأن المفكرين الكبار وقع ضحية المعرفة وحقائقها النسبية. ومع ذلك فإن بحثه عن الحقيقة المطلقة قد وضع أمامه مهمة البحث عن معيارها المناسب أو ما دعاه بحقيقة العلم، الذي طابقه مع مفهوم العلم اليقيني، أي ذاك الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ،ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك. بل الأمان من الخطأ ينبغي ان يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا وإنكاراً. فإني إذا علمت ان العشرة أكثر من ثلاثة وقال لي قائل "لا بل الثلاثة أكثر من العشرة بدليل اني اقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها وشاهدت ذلك منه لم اشك بسببه في معرفتي ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فأما الشك فيما علمته فلا"[14]. وفي الواقع ليس هناك من صورة اكثر دقة في تحديد طبيعة العلم الحقيقي (المعرفة اليقينية) مما يتطابق مع مضمون المنطق والمادة، أي كل ما يتطابق في حقيقته مع بديهيات المعرفة المنطقية، أو المعرفة التي يكف بها العالم الخارجي ومظاهره الطارئة عن ان تكون مهددة لماهية المعرفة وحقيقتها. فالمعرفة الحقة بهذا المعنى هي تلك التي تستند إلى ذاتها، المجردة عن ثقل وفاعلية التقليد أيا كان شكله ومضمونه ومستواه وأداته بما في ذلك الذي يبدو خارقا في مظهره للوجود الطبيعي للأشياء (المعجزات). وفي هذا تكمن النتيجة المعرفية التي تنفي في نهاية المطاف أسلوب  الشك بوصفه أداة بلوغها.

إن التطور الفكري للغزالى هو بحد ذاته نموذج للنفي الدائم للشك. فهي العملية التي شكلت حافز وغاية تطوره المعرفي. فالمعرفة اليقينية الضرورية للأمان الروحي لا يمكنها حسب نظره ان توجد بمعزل عن الوجود الإنساني في تجاربه القديمة والمعاصرة. ولهذا انطلق من المادة الاقرب والأكثر التصاقا بالحس، والتي تتضمن في أشكالها ومظاهرها المباشرة الصيغة المقنعة للجميع، أي الحسيات والضروريات. انه يحاول الكشف عما إذا كانت الحسيات والضروريات تمتلك بحد ذاتها من حيث علاقتها بالبحث عن حقائق الأشياء كما هي، طابع اليقين المميز للقناعة التقليدية، وما اذا كانت تمثل مستوى آخر من المعرفة لا يتطابق مع حقيقة العلم. فالتجربة الحسية كما يقول الغزالى هي واسطة وضرورة للمعرفة الأولية. غير أن الشكوك فيها قد أوصلته إلى الاحساس بضعف الأمان في المحسوسات. وذلك لأن المعطيات الحسية عادة ما تتناقض مع معطيات التجربة والمشاهدة. فالناظر يرى الظل واقفاً في حين تكشف معطيات التجربة والمشاهدة عن حركته الدائمة. والحس يرى الكواكب صغيرة بينما الأدلة الهندسية تكشف عن ان بعضها اكبر من الارض.  فالحسيات التي تبدو يقينية الطابع سرعان ما تتحول إلى سراب خادع أمام مبضع العقل. مما يفقد القناعة طابع اليقين الضروري. في حين يظهر العقل مقارنة بها اكثر يقينا وأدق حكما. فالحس يكذبه حاكم العقل إلى الحد الذي لا يمكن معه الدفاع عن يقينية المعطيات التي تقدمها الحواس. وإذا كان الامر كذلك فليس هناك من أمل في اليقين إلا بمعطيات العقل. غير ان العقل بدوره يثير السؤال الخفي حول معيار اليقين فيه، وكذلك مبررات اليقين في الأحكام العقلية.

فيقين العقل في المثال السابق يبدو جليا مقارنة  بمعطيات الحس. من هنا فإن الوقوف عندهما لا يعني في الواقع سوى ردع ما هو عير متناه. وبالتالي، فإن افتراض طور ما وراء العقل لا يرفضه العقل. فالإحساس ذاته من خلال تجريده العقلي يثير الشك باستنتاجات العقل وظاهرية احكامه اليقينية. فما هو يا ترى معيار الثقة بالعقل بحد ذاته ما زالت قناعته مبنية على موقفه المدقق لمعطيات الحس وتفنيدها بعد ان كانت في بادئ امرها تبدو يقينية خالصة؟ فالعقل كذَّب الحواس، ولولا العقل لكانت معطيات الحس معترف بها ويقينية. من هنا استنتاج الغزالى القائل بإمكانية وجود ما وراء العقل تماما كما تقر بإمكانية وجود ما وراء الحس (العقل) باعتباره درجة ارقى. إذ ان عدم تجلي هذا الادراك (طور ما وراء العقل) لا يدل على استحالته[15]. ومما يؤيد ذلك حالة النفس الإنسانية في اليقظة والمنام. فالنفس تؤيد افتراض وجود ما وراء العقل. فالنائم على سبيل المثال يرى أشياء سرعان ما تتحول إلى أخرى زمن اليقظة. والنائم لا يشك في يقينية ما يرى في نومه. وفي حالة اليقظة يعلم بأن  كل ما رآه مجرد تخيلات لا طائل تحتها. وإذا كان الامر كذلك فلم يا ترى يجري رفض افتراض وجود الحالة التي تصبح فيها معطيات العقل وأحكامه مقارنة بما وراء العقل شبيهة بحالة معطيات النوم مقارنة باليقظة؟ فهي الحالة التي تتجاوز طور العقل لتكشف عن محدوديته وضعفه، مثل مستوى العقل مقارنة بالحواس، أو ما تدعوه المتصوفة بحالة الموت. غير انه لا ينبغي فهم هذه الصياغة بعباراتها الظاهرية. وسوف نرى لاحقا بأنه لم يسعَ من وراء ذلك إلى اضعاف اهمية العقل أو التقليل من شأنه كما توهم الكثير ممن بحث في فكر الغزالي، بقدر ما انه اراد ان يبرز ذلك التطور الفعلي العقلي الذي مارسه في سعيه لبلوغ اليقين الحق.

فالغزالى لا يتطرق هنا إلى العقل ومعطياته بالمعنى العلمي التجريبي. لقد تناول في اطروحاته اساسا القضايا العقائدية والفلسفية التي أوصلته إلى فكرة محدودية العقل في قدرته على حلها الجازم واليقيني. وبهذا يكون قد "خلَّص" العقل من بعض محاولاته غير المجدية، دون ان يقع في مستنقع التبرير غير العقلاني. فهو يشير إلى ذلك مرات عديدة بطرق غير مباشرة في (المنقذ) وغيره من الكتابات. فعندما يتناول على سبيل المثال الالهام الصوفي مقارنة بالعقل فإنه لم يقصد بذلك معارضة أحدهما بالآخر، أو وضع الالهام بالضد من العقل كما هو، بقدر ما انه تناولها ضمن اطار دحض الاستنتاجات العقلية اللاهوتية والفلسفية التي أضفت تصوراتها وأحكامها الخاصة عن الله وقضايا الإلهيات الكبرى، أي ان معطيات طور ما وراء العقل أو الالهام الصوفي لا تتعارض مع العقل إلا في صيغته وهويته الجدلية أو المعرفة العقلية النفسية عن الله التي دعتها المتصوفة بالحجب. ولم يقصد  المتصوفة بالمعرفة كحجب أو حجاب المعرفة والعلم سوى حجاب التصورات والأحكام التقليدية والقناعة القبلية (المسبقة). إذ ليس ما وراء العقل سوى الحصيلة الوجدانية المعرفية للتجربة الصوفية التي ترمي في مساعيها صوب حقيقة التوحيد والمطلق كل لباس الماضي التقليدي لتستعيد هوية تمثلها الذاتي كما هي عليه.

غير ان هذه الحصيلة النهائية للصيغة المجردة التي لازمت تطوره المعرفي الروحي لا تمتلك قيمتها الفعلية الواقعية في تآلفه الفكري إلا في الاطار العلمي المنطقي. ودون ان يعني ذلك أيضا تجاهله أو اغفاله عما في ما وراء العقل من خصوصية المنطق الصوفي. إلا ان لهذا المنطق اسراره الخاصة التي تشكل  في كلها عناصر علم المكاشفة. وفي هذا تكمن خصوصية تجربة الغزالى النقدية في التعامل مع سيرته المعرفية ونماذج البحث عن الحقيقة في ثقافة الخلافة والأمم السابقة. وقبل أن يصل الغزالي إلى هذه المحصلة العامة كان لابد له فيما يبدو ان يمر بنفس الطريق الشائك للثقافة الإسلامية في سعيها إلى بلوغ اليقين بعد ان ابتدأت به. وقد حصلت هذه العملية على انكسارها الدرامي في موشور وعيه العقلاني والأخلاقي قبل ان تنصهر لاحقاً في بوتقة الطريق الصوفي. فإذا كانت تجربة البحث عن اليقين العلمي في بداية أمرها هي الصيغة الطبيعية للعقلانية النقدية، فإن اتخاذها من الشك وسيلة لتذليله ذاته كان لا بد وان تضعه كما يقول عن نفسه، على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، أي كل ما واجهه في غضون شهرين بعد جداله النفسي العقلي الشاك في معقولية العقليات وحسية الحسيات وضرورة الضروريات وإشكالية اليقين. لقد دفعه كل ذلك كما يصف لنا حاله في (المنقذ) إلى المأزق المغلق في المعرفة من خلال التمسك بالمنطق الضروري لبلوغ العلم اليقيني، أي دفع الشك باليقين من خلال الدليل ولا دليل!

لكن هذا الانغلاق الإشكالي في المعرفة سرعان ما إنحلَّ في ذهنية الغزالى من خلال استعادة الوثوق والقبول بالضروريات العقلية، أي العناصر الجوهرية التي ستلازم تطوره الفكري في بحثه عن الحقيقة. ولكن إذا كان هذا الرجوع الأولي للضرورات العقلية قد جرى من خلال الاحتكام غير المباشر لقيم العالم الصوفي، فإن اسلوب تجلياته المباشرة كان من خلال ما دعاه الغزالى "بالقذف النوراني"، أي من خلال القناعة غير المنطقية بمنطقية الضرورات العقلية، أو ما عبر عنه الغزالى بكلمات "بلا نظم دليل وترتيب كلام"، والذي سيجعله لاحقا "مفتاح اكثر المعارف".  اما في الواقع فإن هذه الصياغة ما هي إلا الصيغة الاكثر تجريدية للمعطيات العقلية بمستواها الحدسي. اضافة إلى ذلك ان ما تضمنه (المنقذ) من اعادة استدراج للذاكرة النقدية تجاه تجربته النظرية كان لا بد لها من ان تخترق مسامات كيانه الصوفي. فهو لم يسع من وراء استعراض "سيرته" سوى إلى كشف الطريق الضروري لبلوغ الحقيقة لا غير، لكي يكون مثاله مجرد حافز، كما يقول "لكمال الجد في الطلب حتى ينتهي المرء إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة والحاضر اذا طلب فُقِدَ واختفى. ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب"[16]. فالبديهيات العقلية أولية بمعنى انها موجودة وفي حال طلب البرهنة عليها ستكف عن ان تخضع لمنطق البديهيات. ومع ذلك فإنه حاول تجاوز الحدود العقلية (والتقليدية) للبديهيات وغير البديهيات للتأكد من يقينها المجرد.

فتجربته الذهنية هي تجربة البحث عن الحقيقة وخوض الصراع الفكري والتطور الروحي الذي تجسد في صيغ تطوره المدرسي في اصناف الطالبين للحق. لقد خاض هو غمار البحث عن اليقين الذي كان في حصيلته النهائية النتاج المعقد لوحدة التجربة النظرية (العقلية) والعملية (الأخلاقية). وإذا كانت هذه الوحدة هي الخيط الذي يربط في كل واحد مجرى ومضمون انتقاله إلى التصوف في نظريته عن المكاشفة والمعاملة، فإنها حصلت على انعكاسها الشخصي في (المنقذ من الضلال). فالاخير لا يكشف اساسا إلا عن الصيغة الشخصية التي تعامل بها في مجرى بحثه عن الحقيقة في مدارس واتجاهات وأصناف الطالبين. وإذا كان ميدان هؤلاء الطالبين في ثقافة الخلافة المعاصرة له تتمركز في علوم الكلام ومدارس الباطنية واتجاهات الفلسفة وطرق الصوفية، فان سيرته تعكس نموذج وعيه الثقافي الأصيل في بلوغ حقائق المرحلة، أي انه عبر عن الصيغة النقدية المثلى للبحث عن الحقيقة في مجمل ثقافة العصر وتوليف ابداعها النظري من خلال معاناته الطويلة باعتباره جزء من العملية التلقائية "للسير في طريق الحق". واذا كانت هذه الحصيلة قد تجسدت في نهاية المطاف بأسلوب الانكسار الفردي للإرادة في طريق الحرية فمن الصعب توقع حصولها في مثال الغزالى دون صيرورة تلك العناصر القائمة في ديناميكية تجربته العقلية التي تكونت في مجرى سباحته في "بحر المعرفة".

ان حصره لميدان طالبي الحقيقة في الكلام والباطنية والفلسفة والتصوف كان بمعنى ما موقفا ثقافيا عاما في التعامل مع حصيلة الاصناف أو الاتجاهات الفكرية الكبرى لعصره. إلا ان هذا الموقف يعكس في مساره أيضا نزع التقليدية المميز لتطوره الذي رافق انتقاله في رحاب الثقافة، بوصفه أسلوب الرؤية النقدية الخلاقة لوحدة الأمة في مساعي مدارسها للبحث عن الحقيقة. لقد تعامل مع اتجاهات العصر الكبرى على اساس كونها اصنافا لطالبي الحق والحقيقة. وبالتالي اعطى له ذلك إمكانية خوض غمارها الذي اسهم  مساهمة جوهرية في صيرورة ابداعه التوليفي، أي انه مثّل في هذه العملية الخطوة الجريئة في عصر الانحلال لتجاوز وتذليل عبث السفسطة وفوضى الاباحية (العدمية) وكسر التقليد من اجل اعادة شعلة الوحدة والنظام للوجود الاجتماعي والكينونة الإنسانية على مثال وحدانية الحق.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] Foster F.H. al-Ghazali’s inner secret.Moslem World, vol.23 w/4,p.378.  

والشيئ نفسه يمكن العثور عليه عند مونتغوميري واط وماكدونالد

[2] Trimingham J.S. The Sufi order in Islam, Oxford 1971, p.33.  

[3] الشيخ محمد صادق عرجون: مقتاح شخصية الغزالي. هل شك حجة الاسلام؟ ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده، القاهرة، 1962، ص838.

[4] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، القاهرة، 1971، ص63؛ عمر فروخ: رجوع الغزالي الى اليقين، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده) 311-330.

[5] هذا ما يقول به الباحث الكبير فريد جبر

[6] عبد الامير الاعسم: الفيلسوف الغزالي، بيروت، 1981، ص38، 49، 63، 150-151.

[7] جورج قنواتي: الفلسفة، علم الكلام، التصوف، ضمن كتاب (تراث الاسلام، القسم الثاني)، الكويت، 1978، ص344.

[8] عبد الرحمن بدوي: الغزالي ومصادره اليونانية، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص222.

[9] يوسف الشاروني: موازنة بين اراء الغزالي والقديس اوغسطين، صمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص689.

[10] ابو العلا عفيفي: أثر الغزالي في توجيه الحياة العقلية والروحية في الاسلام، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص739.

[11] Грюнбаум Фон. Классический ислам. М.1988, с.147.

[12] الغزالي: ميزان العمل، ص153.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص78-80.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص82.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص85.

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص88.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (37)

في المقال السابق، تم التطرق الى كيفية تطور تفصيلات قصة صلب يسوع الناصري، وكيف تم اضافة تعديلات و تفاصيل جديدة للقصة مع مرور الزمن، من خلال تتبع ذكر القصة في الأناجيل القانونية الأربعة بمراعاة  التسلسل الزمني.

في هذا المقال، سنتناول التأثير الاجتماعي والسياسي على الروايات والأخبار التي تناولت قصة صلب يسوع المسيح، وأثره في تطور تفاصيل هذه القصة مع مرور الزمن، عن طريق تتبع سرديات الأناجيل القانونية، حسب تعاقب زمن تدوينها.

من المعلوم ان قصة الشاب المصلح يسوع وأقواله ومعاجزه و صلبه،كانت تتناقل على شكل حكايات و سرديات شفوية بين أتباعه المؤمنين به، وتنتقل مع الزمن الى مجاميع المؤمنين الجدد الذين ينضمون تدريجيا الى الايمان المستحدث، ثم يقوم هؤلاء ايضا بنقل هذه القصص والحكايات الى مجاميع اخرى من الناس، ويستخدمونها في التشويق والترغيب لغرض جلب أكبر عدد من المنضمين الجدد للايمان المسيحي، وبمرور الزمن ومع اتساع رقعة المنضمين، تزداد الحكايات و تتسع تفاصيلها، مع تضخم عناصر التشويق والتضخيم خصوصا حول الشخصية المحورية التي يقوم عليها الإيمان الجديد!

وقد استمر الامر على هذا المنوال في الثلاثين عاما التي تلت صلب المسيح، حتى بدأ تدوين أول الأناجيل القانونية وهو انجيل مرقس، ومن بعده بحوالي عشر سنوات انجيلي متى و لوقا، الى زمن تأليف اخر الاناجيل القانونية وهو إنجيل يوحنا، الذي يعتقد أنه كتب حوالي عام 95 أي بعد صلب المسيح بفترة تقارب ما بين 60 الى 70 عام

يسوع الناصري وخلال فترة دعوته الاصلاحية الدينية، لم يستجب له من اليهود سوى عدد قليل جدا من الاتباع الذين واصلوا و بحماس نشر دعوته، بعد صلبه، بين اقرانهم اليهود، وجلبوا للدعوة الجديدة بعض الأتباع الجدد من اليهود، ورغم المضايقات و التعسف الذين واجهوه، لكنهم نجحوا في تكوين فرقة يهودية جديدة داخل المجتمع، تؤمن بيسوع المسيح، لكنها كانت في نظر رؤساء و كهنة اليهود مجرد فرقة يهودية ضالة.  

استمر الوضع هكذا لعدة سنوات الى ان حدث تغير دراماتيكي في تطور الأحداث، حين انضم الى الايمان الجديد شاول الطرسوسي، ذلك اليهودي القادم من مدينة طرسوس، والذي كان متطرفا في مواجهة الفرقة اليهودية الضالة!

لقد غير ايمان (شاول) والذي أصبح لاحقا يعرف بأسم (بولس) مجرى الأحداث، حيث قام بتوجيه بوصلة الدعوة للإيمان الناشئ الى المجتمعات الوثنية التي كانت تشكل الجزء الأعظم من سكان الامبراطورية الرومانية وقتذاك، واخرجها الى أوروبا وآسيا الوسطى، بعد أن كان تلاميذ يسوع المسيح يحصرونها على المجتمع اليهودي فقط .

نجح (بولس) الذي كان يتمتع بثقافة عالية، ويجيد اللغة اليونانية، من خلال استثمار ذكائه، وحماسته ونشاطه الكبير، في تحويل أعداد كبيرة من الوثنيين وفي مناطق جغرافية عديدة الى الإيمان الجديد والذي تحول مع مرور الزمن وازدياد الاتباع من فرقة يهودية صغيرة،تتبع تعاليم يسوع المسيح، الى ديانة جديدة تقوم كليا حول شخص يسوع المسيح !

الدين الجديد الذي بدأ عدد أتباعه بالازدياد المضطرد، واخذت رقعة انتشاره تتسع في ارجاء الامبراطورية الرومانية، خرج من الدائرة اليهودية الضيقة، الى فضاء اوسع وارحب، وصار الغالبية من أتباعه هم الوثنيين السابقين، ومعظمهم من مدن الامبراطورية الرومانية و حاملي التابعية الرومانية (مواطنين) كما هو الحال مع بولس الذي اصبح رسولا للامم !

ومع تحول الفرقة اليهودية الصغيرة (الضالة) الى دين جديد يقدس الشاب اليهودي يسوع الناصري،ويضفي عليه تدريجيا صفات الهية، كان من الطبيعي ان يحدث الصدام الفكري والعقدي بين اليهود وبين أتباع الدين الناشئ والذي صار يشكل مواطني الامبراطورية الرومانية الغالبية العظمى من اتباعه.

واجهت الشريحة المجتمعية الجديدة التي أصبحت تمثل القاعدة الشعبية للايمان المسيحي، معضلة سوسيو/ سياسية !

فالشخصية التي يتمحور حولها إيمانهم الجديد، قد تم تعذيبه وإهانته ومن ثم قتله على يد سلطة الدولة التي يدينون لها بالولاء، ويفتخرون بالانتماء إليها، فيسوع المسيح (ابن الله) قد تم صلبه وفق القانون الامبراطوري الروماني، وبقرار من حاكم روماني، وعلى أيدي جنود رومان !!... حيث انه قد تم الحكم عليه كخارج على القانون و محرض على التمرد ضد الدولة الرومانية، و داعيا الى إنشاء مملكة مستقلة لليهود،  لذلك،تم صلبه، وتعليق لوحة على جسده مكتوب عليها

(هذا ملك اليهود) ليكون عبرة لغيره، ولكل من يفكر بمثل هذا التفكير!

وطبعا، لا يمكن إغفال الدور الذي كان لليهود ورؤسائهم من خلال التحريض والوشاية ضد يسوع الناصري!

استمرت العداوة الايمانية بين اليهود الذين رفضوا يسوع وكذبوه وبين المجتمعات التي آمنت به و ألهته، و أخذت بالازدياد مع مرور الزمن، حتى تحولت - في قرون لاحقة - الى صدام دموي نتج عنه مجازر وحشية بحق اليهود، وذلك حين أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الرسمية الوحيدة للامبراطورية الرومانية...وبمرسوم امبراطوري !

ومع ازدياد العداء الإيماني والتنافر العقدي، فقد كان من الطبيعي ان تلقي هذه المؤثرات الاجتماعية بظلالها على عملية تدوين الأناجيل وخصوصا ان اغلبها كانت موجهة الى شريحة اتباع الدين الجديد من مواطني الدولة الرومانية، وكانت مكتوبة بلغتهم، وعلى ايدي اشخاص يحملون ثقافة يونانية واسعة .

وعند البحث في قصة صلب يسوع المسيح، يلاحظ القارئ في الأناجيل القانونية الأربعة، ان هناك محاولة متقصدة وواضحة جدا في تحميل اليهود المسؤولية الكاملة لجريمة صلب المسيح، مع تكثيف الجهد من أجل إيجاد مبررات لإعفاء الحاكم الروماني الذي اصدر امره بعقوبة الصلب من المسؤولية، او على الاقل ايجاد العذر له !

وعند تتبع هذه النقطة في الأناجيل، و تتبع تطورها الزمني، بحسب زمن تأليف كل إنجيل من الأناجيل القانونية، يكتشف القارئ، ان الذين كتبوا تلك الأناجيل، كانوا مهتمين جدا باضافة تفاصيل جديدة مع مرور الزمن، تثبت ادانة اليهود، وتخفف من مسؤولية السلطة الرومانية، من اجل تخفيف عقدة الذنب التي قد تنشأ نتيجة الولاء لسلطة قامت بصلب الرب!

في اقدم الاناجيل القانونية (انجيل مرقس) نجد ان الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يكن مقتنعا بتجريم يسوع الناصري، ولكنه رضخ لرغبة اليهود الذين طالبوا بصلبه، لذلك امر بجلد يسوع وصلبه !!! (انجيل مرقس 15)

اما إنجيل (متى) فقد أضاف تفصيلة جديدة، ولكنها مهمة جدا وخطيرة في نفس الوقت !

حيث نجد في الاصحاح  السابع والعشرين، ان الحاكم الروماني (بيلاطس) وبعد ان اخبر اليهود انه لايجد في يسوع الناصري اي ذنب يستحق العقوبة، ومع إصرار اليهود وتحريضهم على صلب يسوع

نجد كاتب الإنجيل يضيف حبكة درامية مهمة جدا، تتمثل في قيام (بيلاطس) بطلب ماء وثم قام وغسل يديه أمام الجموع، ليؤكد لهم أنه بريئ من دم هذا الإنسان البار.. ثم أصدر قراره بجلده وصلبه !!

(فلما راى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا اني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم)  متى 27/24

ولم ينسى كاتب الإنجيل بعد ان قام بتبرئة الحاكم الروماني، بأن يضيف فقرة تؤكد مسؤولية اليهود، بل وحتى ذريتهم!

(فاجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا!!!)  متى 27/25

وعند الذهاب الى انجيل ( لوقا) نجد كاتب الاناجيل ينفرد باضافة تطورات وتفاصيل جديدة للقصة، من اجل ابراز نفس الغرض، وهو إلقاء اللوم والمسؤولية على اليهود، حيث نجد ايضا في الاصحاح الثالث والعشرين،ان (بيلاطس) مقتنع ببراءة يسوع الناصري، وعندما عرف انه من (الجليل) قام بارساله الى حاكم الجليل (هيرودس) الذي تصادف وجوده في أورشليم بذلك الوقت !!

الحاكم الضيف، لم يجد،كذلك، ان يسوع قد اقترف جريمة او ذنب، فاكتفى بضربه واهانته، وارجعه الى بيلاطس !

وهنا، نجد بيلاطس، يحاول جاهدا، ولثلاث مرات،ان يقنع جموع اليهود، بإطلاق سراح يسوع البريء حسب رأيه، ولكن اليهود،كانت ترتفع أصواتهم بالمطالبة بصلب يسوع، فاضطر الحاكم الروماني (المسكين) الى النزول على رغبة اليهود، فقام باطلاق سراح (باراباس) المدان بقضية شغب وأمر بصلب يسوع الذي كان يجده بريئا !!

اما اخر الأناجيل القانونية تدوينا (إنجيل يوحنا) فقد تطرق الى نفس القصة في اصحاحين (18 و 19)

وقام باضافة تفاصيل وبهارات جديدة لزيادة الحبكة!!... ولو ان بعضها كان يشي بالطرافة والغرابة !!

حيث نجد الحاكم (بيلاطس) يقوم بدور يشبه المفاوض، بين يسوع المتواجد داخل دار الولاية، وبين رؤساء اليهود الذين بقوا خارج تلك الدار، لذلك اضطر بيلاطس للذهاب والمجيئ ثلاث مرات بينهما، ومع ذلك، فشل في إقناع اليهود !!

رغم انه وبعد حوار مطول مع يسوع،بقي مقتنعا ببرائته، وأراد إطلاق سراحه، لكن اليهود أصروا على إطلاق (باراباس)

وهنا نجد ان كاتب انجيل(يوحنا) ابتكر لنا فكرة جديدة وقوية !!... وهي تهديد اليهود لبيلاطس والتلميح له بأنهم سيتهمونه بعصيان القيصر، لذلك خاف بيلاطس !!... وقرر النزول عند رغبتهم !!

(من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب ان يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين ان اطلقت هذا فلست محبا لقيصر كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر) يوحنا 12/19

هذا التطور المستمر في تحديث و تغيير تفاصيل قصة الحكم بالصلب على يسوع المسيح، يعكس لنا بشكل واضح الأثر الاجتماعي وكذلك السياسي على مخيلة المؤمنين بالمسيحية في زمنها المبكر، والذي انعكس على سرديات نصوص الأناجيل، التي هي بطبيعة الحال، انعكاس لطريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ونظرتهم الى الأمور، ومحاولتهم لتصوير الحدث التاريخي وفق الطريقة التي تشيطن خصومهم في العقيدة، وبنفس الوقت، تزيل العنت واللوم عن السلطة التي ينتمون لها

وبذلك خرجت لنا نصوص الأناجيل، بقراءة للتاريخ تقوم على الرؤية الايمانية للمسيحيين الاوائل، اكثر مما هي قراءة حقيقية لمجريات الأحداث التاريخية.

وهذا الأمر تؤكده أيضا، صورة الحاكم الروماني (بيلاطس) في المخيال المسيحي في الفترة المبكرة، حيث اننا نجد بعض الأخبار تشير إلى أن هذا الحاكم القاسي القلب والذي كان يحتقر اليهود، ويبطش بهم،قد  تاب من فعلته، بل يوجد هناك كتاب زائف اسمه أعمال بيلاطس (يرجع إلي القرن الرابع أو الخامس الميلادي) يبرر بيلاطس من كل لوم، ويؤكد أنه اعترف أن يسوع هو ابن الله!!.

كما توجد حتى اليوم كتب أخري باسم أعمال بيلاطس تختلف فيما بينها في بعض التفصيلات، إلا أنها جميعها زائفة. وتزعم إحدى الأساطير أن زوجة بيلاطس صارت مسيحية. ويقال أن بعض الكنائس الشرقية تحتفل بيوم 25 يونيو، تذكارأً لبيلاطس باعتباره قديساً وشهيداً!!!

ورغم ان هذا الرأي يفتقر إلي السند التاريخي، و لايمثل الرأي الرسمي للكنيسة، لكنه بنفس الوقت، يعكس لنا نمطية التفكير لدى المسيحيين الاوائل من غير الأصول اليهودية، والذين كانوا يعتقدون ان تبرئة (بيلاطس) وهو رمز للسلطة الذين هم مواطنوها، سيرفع عنهم عقدة الذنب، الذي سيتم رميه برقبة اليهود ورقاب اجيالهم !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

 

الظاهرة الدينيّة اقدم ظاهرة عرفها الانسان، لانها تعبير عن حاجة اصيلة في اعماق الانسان؛ فهناك حاجة اصيلة في اعماق الكائن الانساني بوجود اعلى، اطلق عليها الشهيد الصدر (رضوان الله عليه)، الحاجة الى الارتباط بالمطلق، وهي حاجة فطرية اصيلة كما جاء في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: الاية: 30، وعبّر عنها العقاد بالجوع الى الاعتقاد كجوع المعدةالى الطعام، يقول العقاد: (في الطبع الانساني جوع الى الاعتقاد كجوع المعدة الى الطعام) "عباس محمود العقاد، الله، ص 14 "، وسمّاها عبدالجبار الرفاعي بالظمأ الانطولوجي .

ونشاة الظاهرة الدينية - كما قلنا - قديمة قدم الانسان، هذه الظاهرة واكبتها تساؤلات الانسان عن المبدا والمصير، وفلسفة وجود الانسان على هذا الكوكب. هذه التساؤلات شكلت بذور ماعرف اليوم بفلسفة الدين. فهذا الفرع من المعرفة الانسانيّة ليس حديثا وانما وجد مواكبا لوجود الدين محاولا ايجاد تسويغات للتدين، واثارة اسئلة حول متبنيات الدين ومقولاته، والاجابة عن الاسئلة المصيرية الكبرى التي واجهت الانسان. وفلسفة الدين ليست هي اللاهوت في المصطلح الكنسي، ولاهي علم الكلام عند متكلمي المسلمين؛ لان علم اللاهوت اوعلم الكلام، وجد ليدافع عن العقائد الدينية، وايجاد تبريرات ومسوغات للايمان بها . بينما فلسفة الدين تثير الاسئلة حول الدين وعقائدة، وتفحص كافة مقولاته .

واثارات ابراهيم حول عبادة قومه للكواكب تدخل في فلسفة الدين؛ لانها من قبيل الاسئلة حول جدوائية هذه العبادة ومبرراتها . يقول الله تعالى حاكيا عن خليله:

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) الانعام: الاية: 76، وكذلك في قول ابراهيم لعبدة الاصنام بعد تحطيمها، حطمها كبير الاصنام:

(قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) الانبياء: الايات: 62-63، هذه الاسئلة تقرر عدم جدوائية عبادة اصنام لاتدافع عن نفسها ولاتنطق، ولاتدفع عن نفسها ضرا، ولاتجلب اليها نفعا؛ فهي تدخل في فلسفة الدين .

هناك من يخلط بين الدين والتدين، فالدين واحد، ولكن التدينات مختلفة؛ لان التدينات ناشئة من فهم الناس للدين وممارستهم له، وكذلك الاسلام واحد؛ ولكن التاسلمات متعددة، وهذا مصطلح استخدمه واعني به فهم الناس للاسلام وممارستهم له، يقول الله تعالى:

(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ال عمران: الاية: 19 .

وهذا الفهم تفطن اليه الفيلسوف الالماني كانط، حيث يقول:

(ليس ثمة سوى دين حقيقي واحد، ولكن من الممكن ان تكون هناك اشكال متعددة من العقائد الدينيّة . وتبعا لذلك فقد يكون الادنى الى الصواب ان نقول عن فرد من الناس انه ينتمي الى العقيدة اليهودية او المسيحيّة اوالاسلاميّة بدلا من ان نقول انه ينتمي الى هذا الدين او ذاك) . نقلا عن كتاب (مدخل الى فلسفة الدين، د . مصطفى النشّار، ص 19) .

نظريات تفسير الدين

هناك نظريات عديدة قدمت تفسيرات مختلفة لنشأة الظاهرة الدينيّة، فعالم الاجتماع دوركايم فسر نشوء الدين بالبعد الاجتماعي، وكارل ماركس فسّر ظهور الدين على اساس العامل الاقتصادي، وماكس فايبر عكس القضيّة واعتبر الدين اصلا في ظهور الاقتصاد؛ فهو يرى ان البروتستانتيّة كانت عاملا رئيسيا في ظهور الراسماليّة .

وول ديورانت ذكر بواعث عديدة لنشأة التدين لخّصّها في خمسة وهي: (الخوف والدهشة والاحلام والنفس والروحانيّة) قصة الحضارة، المجلد الاول، ص 99-102) .

واذا كان الدين اصيلا، ويمتلك اسسا فطرية؛ فلايمكن ان يكون مرحلة في حياة البشرية، بل هو جاجة لاتستغني عنها الانسانية في كل مراحل وجودها؛ وعلى هذا الاساس لايمكن قبول قول هيغل بان: (الروح المطلق مؤلف من ثلاث مراحل، هي: مرحلة الفن، ومرحلة الدين، ومرحلة الفلسفة) ابراهيم، زكريا، هيغل والمثاليّة المطلقة، ص 408 . وكذلك لايمكن قبول تقسيمات اوغست كونت للمراحل التي مرّت بها البشريّة، الخرافة، الدين، العلم)، وكذلك لايمكن قبول التفسير الماركسي بان الاديان كلها مثّلت مرحلة من مراحل تطور الفكر الانساني؛ فالدين حاجة اصيلة، لامرحلة يمكن ان تتجاوزها الانسانيّة وتعبرها .

افكار غير مقبولة

يرى نيتشه، ان الخوف كان عاملا مهما في نشاة الطاهرة الدينيّة فيقول: (ان الدين يولد من الخوف، ومن الحاجة، وقد انسل الى داخل الوجود من خلال سبل العقل التائه) نيتشه: انساني مفرط في انسانيته، ص 75 .

القران الكريم طرح فكرة الخوف:

(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . (يونس: الاية:12)

وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) يونس: الاية: 22

وقوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) . العنكبوت: الاية: 65

ولكنّ الخوف الذي اشارت اليه هذه الايات الكريمات، ليس هو سببا للايمان والتدين كما يرى نيتشه، ولكن الايات تتحدث عن نزعة دينيّة موجودة في اعماق الانسان، ويأتي الخوف ليرسخها، لاليوجدها .

والفكرة الاخرى غير المقبولة التي يطرحها نيتشه، هو اعتباره التوحيد وفكرة الاله الواحد، خطرا على الانسانيّة . (نيتشه: ماوراء الخير والشر، ص 88)، ويعتبر نيتشه الشرك وتعدد الالهة، صورة لحرية التفكير، وتعدديّة افكار الانسان . (نيتشه: العالم الجذل، ص 126) . ويصف نيتشه المسيحيّة بانها: اللطخة الابديّة فوق البشريّة . (نيتشه: عدو المسيح، ص 186) .

ونيتشه يرى ان تاليه الله هو: (تأليه للعدم، وتقديس لارادة العدم) نيتشه: عدو المسيح، ص 50 . وفكرة (موت الاله) عند نيتشه، هي فكرة احلاليّة لاحلال الانسان محل الله؛ لان نيتشه بعد ان قال: (ان الاله قد مات) نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ص 30، قال ايضا: (الا يجدر بنا ان نصير نحن انفسنا الهة) نيتشه: العلم الجذل، ص 118 .

واذ انتقلنا الى عالم النفس فرويد، صاحب مدرسة التحليل النفسي، في تفسيره لنشوء الظاهرة الدينيّة، هو يعتبرها ظاهرة عصابيّة مرضيّة . (موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، ص 78-79، وتارة خرى يعتبرها نتاج عقدة ادويب جماعيّة.

وهذا التفسير المرضي العصابي للدين ليس ابتكارا فرويديا، بل هي مقولة كل الامم المشركة في مواجهة انبيائها، يقول الله تعالى:

(إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ). هود: الاية: 54، وقد اتهم قوم نوح نوحا عليه السلام بالجنون، يقول الله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) القمر: الاية: 9

واتهم فرعون موسى (ع) بالجنون: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) الشعراء: الاية: 27، واتهم المشركون رسولالله (ص) بالجنون، يقول الله تعالى:(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) الحجر: الاية: 6، وقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) الصافات: الاية: 36

وقوله تعالى: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) القلم: الاية: 51، وقد ردّ الله التهمة هن نبيه بقوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) التكوير: الاية: 22، وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الاعراف: الاية: 184 .

وفي الختام، اذكر القاريء العزيز، ان ليس كل فكرة تطرح هي جديرة بالقبول، بل يجب التفتيش عن جذور الفكرة في البنيّة النفسية لصاحبها، وللاسف ان اكثر الدراسات للافكار هي دراسات بمقاربات اجتماعيّة واقتصادية وثقافية، وانا لااقلل من اهمية هذه المقاربات، ولكنني ارى ان المقاربة السيكولوجيّة تشكل البنيّة التحتيّة للافكار.

 

زعيم الخيرالله

 

 

ميثم الجنابيلقد توج الغزالي بإبداعه صرح المنظومة الفكرية الجديدة، مرحلة كبرى في تطور ثقافة الخلافة، حيث تضمّن في أساسه نفي تقاليد واستمرارية علومها النظرية والعملية الأساسية. مما فسح المجال لاحقا أمام تطور منظومات الفكر الإسلامي بصيغ غاية في التباين. بحيث صيّره التاريخ مستودعا عميق المحتوى وممداً لرجالات الفكر ومحترفيه من متكلمين وفقهاء وصوفية وفلاسفة. لهذا كان بإمكان السهروردي المقتول وابن رشد وابن عربي وغيرهم ان يستمدوا منه دون أن ينضب.

ولم يكن بإمكان هذا التآلف الفكري أن يستكمل عناصره ويفرز تأثيراته خارج اطار الاتجاهات العامة للثقافة القائمة آنذاك. والمهمة الآن لا تقوم في الكشف عما إذا كانت عملية التآلف الفكري التي انجزها في بوتقة الصوفيه وتقاليدها هي حصيلة الرغبة الذاتية الخالصة، أو الاضطرار الذي لا مفرّ منه، أو النتاج المنطقي للبحث عن حقائق الأشياء، أي كل ما نعثر عليه فيما يرويه لنا في بحثه عن منقذه من ضلال الخطأ والخطيئة. وهو استنتاج لا يمكن نفيه، على الأقل في الصيغة "التقليدية" لتوليف الوعي الصوفي وقدرته على إحالة التصورات الظاهرة إلى منشئها الأول من اجل إعادة اكتشافها من جديد في ضوء الموقف الأخلاقي. بمعنى النظر إليها من زاوية نفي التقاليد العادية وإعادة لحمها في تسوية الإرادة ووجد الانتظار.

فالمادة "الوثائقية" المبثوثة في مؤلفاته تكشف وتشير إلى بوادر أولية في وعي البحث عن الحقيقة وحقائق الأشياء كما هي، أو محاولة إبداع البديل الفكري الإيجابي، حالما اصطدم به في ميدان الصراع الفكري الجدلي لا الفقهي النظري العملي. آنذاك نكتشف للمرة الأولى التخطيط المسبق لعناصر الوعي اللاحق. ولعل مثال (تهافت الفلاسفة) الصيغة الأكثر جدية ووضوحاً في الكشف عن هذه الظاهرة العفوية الضرورية، أي التعبير المجرد عن استمرارية الفكر وضرورة البديل الفكري. ففي انتقاده لاتجاهات الفلسفة القائمة آنذاك، كان يدرك افتقاد منهجه للايجابية الحقة. وبهذا المعنى قد اكتشف لنفسه الخواء الجزئي للتقاليد الكلامية الاشعرية التي تربى بها. فالجدل العنيف في  أغلب الحالات، لا يقنع المفكر بضرورة البديل الفكري الشامل. انه يظهر بمظهر وآلية القوة العسكرية، التي تفقد فيها كلمة البناء معناها الحقيقي، لتتحول إلى وسيلة التدمير الأقوى للمعارضة. وعلى الرغم من سمو الفكر ونبله، إلا انه ليس أقل جرأة وتخريبا، خصوصاً عندما يتخذ صيغة "مقابلة الإشكالات بالإشكالات" دون حلها. وهو الأسلوب الذي اتبعه في صراعه ضد الفلسفة وجزئياً ضد الاتجاهات الباطنية. وقد وجد منذ البداية ضيق ومحدودية هذا "المنهج" والممارسة الفكرية، التي سيدعوها لاحقاً "بعلم الدفاع عن عقيدة العوام" لا البحث عن الحقائق كما هي. مما جعله منذ البداية يخطط  "لقواعد العقائد"، أي للرد الإيجابي الذي يتضمن الفكرة الشاملة والقادرة على الاقناع من حيث الشكل والمضمون. وبغض النظر عن التسمية اللاحقة التي سيعطيها  "لقواعد العقائد" والتي تتطابق مع (إحياء علوم الدين) لا (الرسالة القدسية)، فإن ما هو جوهري بالنسبة لنا الآن هنا هو بروز الاستمرارية الواعية لضرورة البديل الفكري، دون ان يعني ذلك تحدد ملامحه منذ الوهلة الأولى في وعي الغزالي. فالتطور اللاحق فقط، في فكره وشخصيته، الذي حللناه سابقاً، إضافة إلى أزمته هما اللذان سيؤديان به إلى الاصطدام بعالم الصوفية، وفيما بعد النظر اليها بوصفها ممثلة الحق والحقيقة. والتجربة الغزالية، أو استمرارية الفكر الغزالي في استيعاب التجربة الصوفية، لم تكن إلا حصيلة تشذيب وتطوير آرائه السابقة في ميدان البحث عن "البديل الإيجابي"، أو ما سيدعوه هو "باليقين العلمي والعملي"، أي وحدة الحقيقة والأخلاق. فهي الوحدة، التي حاول البحث عنها في قضايا اللاهوت والفلسفة والتصوف والوجود الاجتماعي السياسي والحقوقي، أي في قضايا العقل والشرع، والإيمان والمعرفة، والإسلام والإيمان، والحقيقة والشريعة، والتأويل والتفسير، والوحي والإلهام، والنبوة والولاية، والصبر والشكر، والفقر والزهد، والتوحيد والتوكل، والمحبة والشوق، والأنس والرضا، والنية والإخلاص، والظاهر والباطن، والدين والدنيا، والله والإنسان، والخير والشر، والحياة والموت، والجميل والقبيح، والعوام والخواص وغيرها.

وقد ضمّن وأدخل في كافة القضايا الفكرية الكبرى لثقافة العصر آنذاك، حصيلة المعرفة المتباينة للاتجاهات اللاهوتية والفلسفية التي وضعها في صيغ الصوفية ومفاهيمها الأخلاقية والنظرية العملية. وسوف نرى في وقت لاحق تلك الاستمرارية الفعلية في آرائه المتحورة والمتغيرة والمنفية، التي كانت تبحث عن وحدة حقيقية فيما أدعوه بالتآلف الفكري الصوفي. وهذا بدوره ليس  إلا حصيلة تجربته النظرية والأخلاقية التي أدت به إلى إدراك "البصيرة الحولاء" في الفكر القائم آنذاك و"الأخلاق العرجاء" في الممارسة. مما دفعه إلى صياغة فكرة ضرورة اليقين والأخلاق المطلقة. وبهذا المعنى ليس التآلف الصوفي سوى طريق بلوغ وحدة الحقيقة والأخلاق المطلقتين. والتعرج المميز لحياة الغزالي الذهنية والفكرية، الذي أثار وما يزال جدلا وافتراضات عديدة، ما هو في الواقع سوى طريق البحث عن وحدة الحقيقة والأخلاق.

غير أن الغزالي لم يدرك ضرورة هذه الوحدة بين ليلة وضحاها. لقد انتجها تطوره الدائم. ففي أولى مراحل اقترابه الفكري من الصوفية، كما نراه في (ميزان العمل)، اشار إلى أن ما يورده من آراء (بصدد الفقهيات) ليس "الا حكاية عن هذا المذهب الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه، وهو مذهب التصوف"[1]، والذي دفعه إليه البحث عن وحدة معيار للعلم والعمل. ولم يسلك هو هنا إلا الصيغة النظرية الظاهرية، التي أخذت تدخل وتتضمن في أعماقها أفكار الصوفية، أو المزج الفكري النظري الاخلاقي للفلسفة بمختلف اتجاهاتها مقالات اللاهوت العقلاني وممارسة التصوف. فهو يؤكد على أن تصورات أهل الدين والفلاسفة والمتصوفة صحيحة في مواقفها العامة من قضية وحدة العلم والعمل باعتباره طريق بلوغ السعادة[2].

وعندما يضرب مثال كيفية بلوغ الحقيقة (العلم) في طريق (عمل) الصوفية واختلافها عن الاتجاهات الأخرى، أى اختلاف الطريقة الباطنية عن الظاهرية، أو ما يدعوه "بتحصيل عين النقش وأسلوب الاستعداد لقبول النقش من خارج"[3]، فإنه رغم قناعته آنذاك بأفضلية الأسلوب الثاني اعتبر الحكم بأفضلية أو أولوية أي منهما، أو الحكم بالنفي أو الاثبات في هذا على الاطلاق هو خطأ انطلاقاً من انه "يختلف بالإضافة إلى الاشخاص والأحوال"[4]. وقد ظل يؤكد على هذه الأفكار حتى في آخر مراحل تطوره الفكري، رغم تعرض بعض جوانبها إلى تغيرات ملموسة. إلا أنها ظلت تحوي في اعماقها استمرار أشكال وصيغ أساليب المعرفة المتباينة، التي ظلت تشكل في منظومته الفكرية مجموعة اللبنات الضرورية التي صاغها تطور ثقافة الخلافة وتعدد اتجاهاتها ومدارسها.

إن الصيغة الأكثر وضوحاً لإدراك ووعي استمرارية الفكر في التآلف الجديد تبرز في ظاهرة الإحالات الدائمة لمؤلفاته القديمة بما فيها تلك التي كتبها في أوائل مراحل تطوره وإبداعه. ويعكس ذلك إمكانية رؤية استمرارية الحجج والبراهين الجدلية ولحد ما أسلوب تفكير الماضي. إذ انه عادة ما يحيل إلى مؤلفاته للاستعاضة عن الاستفاضة بصدد هذه القضية أو تلك. كما نعثر في هذا النمط على مواقفه بصدد ما دعاه "بجانب الدفاع عن عقيدة العوام". فهو يشير إلى هذه المؤلفات باعتبارها كتابات ضرورية في مجال الدفاع عن عقيدة العوام، ولكنها غير ضرورية في مجال البحث عن الحقائق كما هي. غير ان في هذين الجانبين المتعارضين نسبيا، تتعايش وحدة الوعي الغزالي في استمرارية تطوره وارتباطه "بإرثه" السابق. وهذا ما يبرز بوضوح في كل من (جواهر القرآن) و(المنقذ من الضلال). إذ أدرج في (جواهر القرآن) أغلب مؤلفاته الكلامية والفلسفية والفقهية مثل (الرسالة القدسية)، و(الاقتصاد في الاعتقاد)، و(تهافت الفلاسفة)، و(المستظهري أو فائح الباطنية)، و(محك النظر)، و(معيار العلم)، و(البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز) في الفقه وغيرها في اطار ما دعاه "بالطبقة السفلى من علوم اللباب"[5]. وإذا كان قد وجد في "الطبقة السفلى" من مؤلفاته الكلامية مثل (الرسالة القدسية في قواعد العقائد) ما مهمته "رد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات"[6]. فإن مهمة الطبقة الأرفع منها (كالاقتصاد في الاعتقاد) تقوم في "حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة، ولا يكون هذا العلم ملياً بكشف الحقائق"[7]. بينما علّق على "انهماكه الفقهي" السالف بعبارة "وقد ضيعنا شطراً صالحاً من العمر في تصنيف الخلاف فيه"[8]. في حين وضع (إحياء علوم الدين) في صنف "الطبقة العليا من علوم اللباب"، وليس بعده اإلا "التصانيف التي لم يظهرها" وذلك لأن "أكثر الافهام يكّل عنه ويستضر به الضعفاء وهم أكثر المترسمين بالعلم"[9]، إي ما سيحصل لاحقاً على تسمية الكتب "المضنون بها". وسوف يردد فكرته التقيمية هذه في مواضيع عديدة بما في ذلك في (المنقذ من الضلال). إلا انه يتناولها هنا على أساس إعادة تقيم التجربة الفكرية لتطوره، التي تتطابق في الواقع مع ما دعاه في (جواهر القرآن) "بدرجات العلوم الدينية وقربها من الحقيقة"[10]. وحتى في تلك اللحظات التي يردد فيها ما سبق وإن أورده في مواقفه ومنهجيته النقدية الأيديولوجية من الفلاسفة في (تهافت الفلاسفة) من إن "الجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء"، فإن هذه الانتقادات اخذت تنصّب في انتقاد  النفس وترتفع إلى مصاف "اتهام النفس". وهو ما أشار له في (جواهر القرآن) بعبارة "إن كثيراً من مدعي العلم والمعرفة"أاو ما اسماه بالمتكاتبين الذين "لم يدركوا الموازنة بين عالم الشهادة وعالم الملكوت. فلما لم يدركوا ذلك وتناقضت عندهم ظواهر الاسئلة ضلوا وأضلوا. فلا هم أدركوا شيئاً من عالم الأرواح بالذوق إدراك الخواص، ولا هم آمنوا بالغيب إيمان العوام فأهلكتهم كياستهم، والجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء وكياسة ناقصة ولسنا نستبعد ذلك. فقد تعثرنا في اذيال هذه الضلالات مدة لشؤم أقران السوء حتى أبعدنا الله عن هفواتها ووقانا من ورطتها"[11].  غير أن ما يقوله هنا لا يخص على العموم إلا الجانب العملي الأخلاقي. وبالتالي انعكاساته الممكنه على أساليب البحث والمعرفة وطبيعة القناعة. وما يشير إليه بتعثره وضلالاته السابقة يمكن إدراجها في اطار موقفه النقدي من تجربته الفكرية والعملية السابقة، الذي يشكل بحد ذاته النموذج الأرقى لاستمرار الفكر. إنها تقاليد الاستمرار النقدي الباحثة عن طمأنينتها القلقة التي ماثلها في إحدى عباراته الرمزية القائلة، بأن "احتراق الاشرار يثير رائحة الفردوس"، بينما العارفون:المطلق. لكنه لم يسع من وراء ذلك وضع الفرد بالضد من المجتمع ولا وضع أحدهما فوق الآخر، ولا مساواتهما بقدر ما انه أراد الكشف والتعبير عن انه دون مثال شخصي متسام وصارم على الدوام لا وجود لمثال اجتماعي وبديل فعلي أمثل. ولم تكن هذه القضية بالنسبة له قضية فردية او  شخصية بقدر ما أنها كانت قضية اجتماعية تاريخية. وفي هذه العملية الواعية من تمازج الفردية والتاريخية نشأ تآلفه الصوفي، باعتباره أحد نتائج وإحدى الإكانات النموذجية، وأحد الافتراضات الواقعية للعملية التاريخية الهائلة من تطور أساليب الوعي والممارسة المحتّدة في سعيها لبلوغ الأمثل والأعلى والأفضل والأجمل في كل ما هو موجود وما ينبغي.

فقد وضعت الصوفية في مجرى تطورها وصاغت بأساليب معراجها الخاصة هيكلية نموذجية صارمة، كان بإمكانها قبول الأراء الغزالية. وبهذا المعنى تكف التقييمات الظاهرية السطحية كالتلفيقية والانتقائية وما شابه ذلك عن أن تمتلك قيمة دقيقة وعلمية تجاهها. وينطبق هذا  أيضا على ما يسمى بسعيه للربط فيما بين السنةّ والتصوف. انه سعى إلى تأسيس تآلف فكري شامل. وإثناء هذه العملية ظهرت بالضرورة أمامه وحدة النتاج الفكري للثقافة الإسلامية في تاريخيتها ومهمة إعادة صهرها من جديد. وقد اتخذ التآلف في الكثير من آرائه مظهر الصياغات السنّية. وبغض النظر عن عضوية هذه المظهرية في منظومته الفكرية فإنها مع ذلك كانت الأسلوب الأكثر "طبيعية" للآراء الجديدة. وبهذا المعنى فإنه يكون قد تتبع أسلوب المتصوفة، الذي بلور شيوخه الكبار تقاليده الأولية. إلا انه طوره بفعل أسلوبه العقلاني ليشمل جميع القضايا الكبرى للوجود الاجتماعي التاريخي. إلا أن الغزالي يبقى مع ذلك خارج إطار ما يمكن دعوته بالصوفية التقليدية. بمعنى أنه اقترب أكثر فأكثر مقارنة "بالصوفية الخالصة". وبهذا يكون قد تعدى وتجاوز "استقلالية" و"انعزالية" الصوفية من احتياجات الناس ووجودهم الاجتما عي التاريخي. فهو يضع المثال الصوفي كهدف للمتصوفة ومريديها، وفي الوقت نفسه يستخلص من مثالهم القيم الأخلاقية وأهميتها الملموسة بالنسبة للأمة. فهو يدرك استحالة تقبلّها من قبل الجميع. وهو هنا يكون قد عمّق مبدأ وممارسة الخاص والعوام. وفي هذا تنعكس إحدى الخصائص المميزة لصوفيته. فهو يرفض، على سبيل المثال، الدعوة للعزلة الشاملة التي قال بها الكثير من الزهاد والمتصوفة. ودحض الأسس الفكرية للبرهنة على إمكانية هذا النوع من العزلة، متوصلا إلى استحالتها العملية ولا جدواها الفكري والأخلاقي. لهذا السبب وقف بالضد من محاولة الاستناد إلى القرآن والسنةّ في اظهار افضلية العزلة المطلقة، تماما كما وقف بالضد من التهور المقابل. انه حاول ان يعطي للتصوف الطابع العملي الواقعي وإمكانية التأثير والفعالية في وسط الخاصة والعامة (النخبة والجمهور). وقد حدد ذلك طبيعة الكثير من المبادئ الجديدة التي ادخلها في صرح التصوف النظري والعملي. مما أعطى للكثير من  آرائه مظهر التعارض مع ما يمكن دعوته بالتعميم الصوفي الفردي، أي معارضة رفع معطيات التجربة الفردية إلى مصاف المطلق، أو ما يمكن دعوته بالمبدأ غير الملزم.

فالفكر الصوفي لا يعترف بحقيقة مطلقة ثابتة، باستثناء الحق. واليقين في اعلى درجاته (حق اليقين) أو ما كان "بنعت العيان" كما دعاه القشيري[12]، أو ما بلغ بالذوق والمشاهدة في الشريعة (الحقيقة) كما دعاه الجرجاني[13]، ما هو في الواقع سوى الحركة المستمرة للحقيقة الذاتية المطلقة والنسبية الملموسة. فالحصيلة المعرفية تبدو كما لو أنها تجمع هائل للحقائق لا ترتبط فيما بينها إلا بإخلاص التجربة الفردية في سعيها نحو السمو الصوفي. وقد ادرك الغزالي هذا الطابع المميز للأحكام الصوفية، على الأقل في ميدان الأخلاق. فقيمة الأخلاق الجوهرية تتخذ صوراً غاية في التباين ترتبط فيما بينها بمراحل تطور الصوفي لا بنظرية الحقيقة المجردة. فقد حدد الواسطي (ت-320 للهجرة) الأخلاق في أن "لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله"، بينما حددها القشيري بكلمات "أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له" أو "لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وفيما بينه وبين الناس". في حين عبّر الحسين بن منصور الحلاج  عنها بعبارة "أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق". أما ابو سعيد الخراز (ت -277 للهجرة) فصاغها بكلمات "أن لا يكون لك همّ غير الله". في حين تعبّر كلمات "أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريباً"  ن مثال آخر للفكرة. وجميع هذه الأفكار والأحكام التجريبية المنزع والذاتية المصدر تتفاعل مع ما دعاه الغزالي "بثمرات حسن الخلق"، أي إنها تعبّر عن الفكرة المجردة وتحولها في الوقت نفسه إلى مثال. فالتصوف الغزالي يبحث إذن عن مثال مطلق في كل ميدان يبحثه، ولكن ليس عن مطلق التجربة الفردية، بل عن مطلق الفكرة المجردة. آنذاك ستنفتح أمام الفكر والممارسة طريق اللانهاية الحقيقية.

لقد بحث عن صيغة موّحدة للتصوف على أساس نفي التطرف الفردي فيه ومن خلال صياغة الفكرة المجردة بهيئة منظومة. إنه بحث عن تعميمات الفكر الصوفي تجاه قضاياه ومعضلاته من جهة، وتجاه تطبيقها على معضلات وقضايا الوجود الاجتماعي والروحي من جهة أخرى. وبهذا المعنى، فهو لم ينساق في تقاليد الصوفية السابقة في أسلوبها الخاص الفردي الذاتي، بل سار في اتجاه البحث عن أسلوب وحدة الصوفية في البديل الفكري الشامل. وهذا ما يظهر بوضوح في تلك الانتقادات الدائمة، التي وجهها إلى محدودية التعبيرات الصوفية. فقد أشار إلى أن "كلام المتصوفة أبدا يكون قاصراً. فإن عادة كل واحد منهم أن يخبرنا عن حال نفسه فقط ولا يهمه حال غيره. فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال. وهذا نقصان بالإضافة إلى الهمة والإرادة والجد حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال نفسه لا يهمه حال غيره، إذ طريقه إلى الله نفسه ومنازله وأحواله. وقد يكون طريق العبد إلى الله العلم. فالطرق إلى الله كثيرة وإن كانت مختلفة في القرب والبعد"[14]. لهذا حاول جمع هذه الطرق على أسس فكرية موحدة باستلهام تراث الصوفية وعقلانية الفكر الكلامي الفلسفي وثقافة العصر الروحية.إاذ سعى على الدوام لإبراز أهمية وجوهرية الفكرة كما هي، خارج اطار الممارسة التقليدية "لوسطها الطبيعي" أيا كانت هذه الممارسة. فالتوكل الصوفي، على سبيل المثال، ينبغي أن يرتبط بنظره لا بالموقف من تقليدية الممارسة وبالأخص من أسلوب نصائح السلوك تجاه الادخار أو عدم الادخار والمدة الزمنية وما شابه ذلك، بقدر ما  ينبغي أن ترتبط بالموقف من الأسباب ومسبب الأسباب. فالزمن ليس إلا غير المتناهي في المتناهي. وفي ما بينهما كما يقول الغزالي، درجات غير متناهية. من هنا فالمقصود ليس إلا إصلاح القلب لا الممارسة التقليدية (الزمنية) بحد ذاتها.

لقد استند  الغزالي بهذا المعنى إلى تراث الصوفية مدخلا إياه في عمق منظومته الفكرية. لكنه ظل على الدوام  منهمكا في البحث عن الصيغة الأكثر شمولية لكافة عناصرها الجوهرية في الفكر والممارسة. الأمر الذي جعلها نوعا من العقلنة الرمزية الصوفية، التي تؤدي بالضرورة إلى نوع جديد من التحديث والتطبيق لمبادئها. فالصيغة التعميمية الجديدة، على سبيل المثال، لمفهوم الشكر الصوفيكانت تهدف الى الكشف عن محدوديتها في الممارسة الفردية. وسعى إلى تحقيق ذلك عبر صياغة خاصة لوحدة العلم والحال والعمل، بنظريته إلى حقيقة الشكر باعتباره وحدة التقديس والتوحيد. وهذه بدورها ليست إلا الصياغة الجديدة لفكرة القشيري القائلة بأن الشكر هو "الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة". وبغض النظر عن التمايز اللاحق بين  آراءهما، فإن  أفكار الغزالي ظلت يشكل الاستمرار الفعلي للتراث الصوفي استناداً إلى تجربته الفكرية (النظرية) والعملية (الأخلاقية). وبهذا المعنى لا تمتلك اساسا متيناً الفكرة الشائعة الانتشار حول ما يسمى بربطه للسنة بالتصوف بالطريقة التي تجعل من التصوف مقبولا للعالم السني والسنة مقبولة للتصوف[15]، أي محاولة وضع حد لحروب المائتي سنة (من مصرع الحلاج حتى نهاية القرن الخامس الهجري). فهي فكرة ليس لها أساساً لها في مفاهيم الغزالي ولا في موقع وتاريخية منظومته الفكرية ولا في تطورها اللاحق. وليست المأثرة المنسوبة له حول ما يسمى بربطه التصوف بالسنّة، سوى من اختراعات "الوعي التوفيقي" اللاحقة والحديثة. وهي محاولات تصنع إشكالات عدية اكثر من إمكانية حلها "بالصيغة المثلى" حتى  من جانب اشد الممثلين "سنيّة" للتصوف الإسلامي. والسبب يقوم في طبيعة المعضلات الخاصة المميزة لتقاليد الوعي والممارسة الصوفية، التي تجعل من مطابقتها مع نموذج ما معين من "الوعي السنّي" قضية يصعب استساغتها. بل وحتى فيما لو حاولنا ان نطبق ذلك على شخصيتين بارزتين في هذا الاطار وهما عبد القادر الجيلاني (ت-561 للهجرة) وشهاب الدين السهروردي (ت-632 للهجرة) فإننا سوف نقف أمام تباين واختلاف كبير بين آراء الجيلاني في (كتاب الغنية) و(الطوالع)، وكذلك بينها وبين (عوارف المعارف) للسهروردي. ففي كل منهما يوجد ما يمكنه ان يكون معارضا مع ما هو معترف به في هذا الميدان او ذاك من ميادين "الوعي السني". لاسيما وأن ما يسمى "بالوعي السني" لا يخضع لتحديد "حديدي". كما أنه غاية في التشعب والاختلاف والتباين. وفيما لو تركنا هذه القضية جانباً وتناولنا في الاطار العام، طابع العلاقة التاريخي بين التصوف والمدارس السنيّة، فإنها لم تكن على الدوام ذات نسق أو طبيعة واحدة. فالمدارس "السنيّة" متباينة ومختلفة ومتعارضة ومتضادة في مواقفها من العداء السافر في المظاهر حتى الاشمئزاز الخفي، ومن التساهل والتسامح حتى التعاون والتأييد القوي للتصوف وشيوخها. وفي الوقت نفسه تعرضت هذه المواقف إلى تغير وتبدل ارتبطا  بكل من المواقف الفكرية العقائدية والصراعات السياسية للقوى الاجتماعية. فالحسن البصري الذي لا علاقة جوهرية له بالتصوف نراه يتحول إلى رمز وعنصر جوهري في الوعي والممارسة الصوفية اللاحقة. واحمد بن حنبل الذي قاطع المحاسبي وواجهه بالعداء النسبي لم يعق لاحقاً من ان يتحول المحاسبي نفسه إلى أحد ممثلي الورع الإسلامي وأحد ممثلي "التصوف السنّي" عند الحنابلة انفسهم كما هو الحال عند الجيلاني وأتباعه. بل أن المحاسبي نفسه الذي لا نعثر عنده على ذكر كبير للمتصوفة نراه يتحول الى الكتب الصوفية اللاحقة الى شيخ القلوب والأحوال. أما في الواقع،فإن الجدل المرهف والحساس بين الاتجاهات السنية والمدارس الصوفية بدأ مع "محنة الحلاج" التي أدت بدورها الى بلورة نموذج جديد في  تطور الوعي الصوفي وممارساته. وقد استفّز هذا الصراع عالم الصوفية دون أن يغيّره جوهرياً. فالمتصوفة ظلت على الدوام تعي موقعها ومواقفها  باعتبارها ممثلة الحقيقة والشريعة، التي لم تشمّ منها المدارس والاتجاهات السنيّة  بشكل عام والمتشددة منها بشكل خاص، سوى روائح الكفر والزندقة. غير أن الصوفية كانت بحاجة إلى شيوخ كبار من اجل وقف "سوء الفهم السنيّ" الذي سيتصدى له "شيخ الطائفة" الجنيد في بداية الأمر، من خلال شق الطريق في وعي وتقاليد المدارس الصوفية التي تبلورت حتى زمن الغزالي. فالصوفية لم تبحث عما سيدعى فيما بعد بوحدة السنّة والتصوف، بقدر ما انها عمقّت وحدة مفاهيم الحقيقة والشريعة وأمثالها  في بداية الأمر كما نعثر عليها عند كل من ابي طالب المكي والقشيري، باعتبارهما أحد المصادر الصوفية المهمة في فكر الغزالي. اذ نجد نموذجها عند المكي في كشفه لمنظومة التصوف العامة، وعند القشيري على مثال وممارسة شخصياتها وعناصرها الفكرية المتنوعة. لقد حاولا كلاهما، من خلال الرجوع الى المصادر الأولية، البرهنة على أن المتصوفة هم "الصفوة النبوية"، وأنهم المخصصون "بطوالع أنوار الله" و"الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق"، كما أنهم النتاج الحقيقي للإسلام، باعتبارهم ممثلو وحدة الحقيقة والشريعة و"الخالون من البدع والدائنون في افكارهم لما وجدوا عليه السلف أهل السنّة في التوحيد"، كما يقول القشيري[16]. وبهذا المعنى لا تختلف الصوفية اختلافاً كبيراً عما هو مميز للوعي الثقافي الروحي السائد آنذاك بضرورة استمداد الوحدة من المصدر الإسلامي الأول والتطابق معه. لكنه استمداد استند من حيث تطوره التاريخي إلى التجربة الصوفية العلمية والعملية، والذي وج تعبيره في فكرة ومنظومة الحقيقة والطريقة. وقد وقف الغزالي ي مجرى تطوره وانتقاله الفكري أمام شكل رفيع من درجات تطورها. وبالتالي، فإن ما قام به وما انجزه لم يكن وحدة أو توحيدا للسنّة والتصوف، بل تقييما جديدا وشاملا للفكر الاجتماعي السياسي واللاهوتي والفلسفي والصوفي....(يتبع)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: ميزان العمل، ص118-119.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[3] الغزالي: ميزان العمل، ص40-41. وقدم الغزالي المثال التالي:"حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فأستقر رأي الملك ان يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهم حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفعوا الحجاب ونظر إلى الجانبين وعرف رجحان من رحج من الفريقين. ففعل ذلك. فجمع أهل الروم من الاصباغ الغريبة ما لا ينحصر. ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ وهم يجلون جانبهم. والناس يتعجبون من توانيهم في طلب الصبغ. فلما فرغ أهل الروم أدعى أهل الصين أننا أيضا قد فرغنا. فقيل لهم :"كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟". فقالوا:"ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح الدعوى". فرفعوا الحجاب وإذا جانبهم وقد تلألأ فيه جميع الاصباغ الروية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء، فازداد جانبهم بمزيد من الصفاء وظهر فيه ما سعى من تحصيله غيرهم".   

[4] الغزالي: ميزان العمل، ص41.

[5] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21-22.

[6] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[7] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[8] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص22.

[9] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص25..

[10] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص18-25.

[11] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص36-37.

[12] القشيري: الرسالة القشيرية، ص44.

[13] الجرجاني: كتاب التعريفات، ص40.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص42.

[15] تتردد هذه الفكرة عند اغلب إن لم يكن عند جميع من بحث في فكر الغزالي أو تطرق إلى هذا الجانب. وهي فكرة ليست دقيقة بل وخاطئة. وعدم دقتها وخطئها يقوم في انعدام رؤية التطور والتغير الهائل في شخصية الغزالي وفكره. بمعنى أنها لم تر طبيعة ونوعية التغير الذي حدث في مجرى تطوره وإبداعه الفكري النظري. اضافة الى ضعف واحيانا انعدام رؤية خصوصية التآلفات الفكرية الكبرى بمعايير ظهورها التاريخي وتأسيسها الخاص. من هنا أثر الغزالي اللاحق على مختلف مدارس التصوف. وهي حالة طبيعية بالنسبة لهذا النمط من المنظومات الفكرية. ولا معنى للحديث عما يسمى بتوفيق الفكرة السنية والصوفية. فهو خلاف لم يكن الغزالي بصدده ولم يكن بالإمكان حله، وذلك لأنهما تياران يختلفان اختلافا جوهريا من حيث التأسيس والمنهج والغاية وأساليبها العملية. 

[16] القشيري: الرسالة القشيرية، ص3.

 

ميثم الجنابيكان التصوف بالنسبة للغزالي قبل انتقاله إلى عالم الصوفية مجرد أحد الاتجاهات الكبرى لثقافة الخلافة الممثلة لأحد أساليب بلوغ الحقيقة. وبالتالي فإن محاولاته الأولى لدخول "الطريق الصوفي" هي محاولات البحث العقلي النظري، الذي صاغه في عبارة " كان العلم ايسر عليّ من العمل"[1]. وقد درس  اغلب كتب المتصوفة ونوادرهم مثل كتابات المحاسبي (ت-243 للهجرة)  والجنيد (ت-297 للهجرة) والمكي (ت-388 للهجرة) والسلمي (ت-412 للهجرة) والقشيري (ت-465 للهجرة) وأبي نعيم الأصفهاني (ت-430 للهجرة)، وشعراء الصوفية كالشبلي (ت-334 للهجرة) والحلاج (قتل عام 309 للهجرة)  وغيرها من الأعمال.

فقد أشار في (المنقذ من الضلال) إلى انه طالع كتب أبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي ومأثورات الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي (ت-234 للهجرة) وغيرهم من المشايخ[2]. وفي (إحياء علوم الدين) يشير إلى كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم الاصفهاني[3]، بينما لا نعثر في مؤلفاته الأخرى، باستثناء (الرسالة اللدنية) ما يشير إلى مؤلفات السلّمي والقشيري حيث يشير إلى تفسير القشيري الكبير[4]. وتفسير السلّمي الذي اعتبره الغزالي التفسير الجامع لكلمات المحققين شبه التحقيق، والتي لا مثيل لها في سائر التفاسير الأخرى[5]. في حين لم يشر إلى سراج الدين الطوسي (ت-378 للهجرة) سوى مرة واحدة عندما تحدث عن أهمية وضرورة اللحن والشعر في الممارسة الصوفيه دون التقليل من أهمية القرآن. وأن ضرورة ذلك ترجع كما يقول الغزالي إلى "دوام البشرية في الإنسان"، التي لا تطيق القرآن على الدوام بوصفه كلام الله وصفة من صفاته[6].

ان علاقته بشيوخ المتصوفة لم تكن مجرد نتاج المطالعة "العلمية" أو التأثير الخارجي. لقد تعداه إلى محاولة بناء منظومة فكرية أخلاقية على أسس فلسفية، شكلت تقاليد الوعي والممارسة الصوفية مادتها الأساسية وأسلوب تعبيرها. وفيما لو القينا نظرة سريعة إلى ما بين (إحياء علوم الين) و(قوت القلوب) للمكي، فإننا سنلاحظ الشبه الكبير في الفصول والصياغة. فما يتناوله الغزالي، على سبيل المثال، بصدد العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء، أضافة إلى أرائه حول تطور العلوم الإسلامية بعد موت النبي محمد، يبدو مشابهاً لما يورده المكي في (قوت القلوب)[7]. بل إن (إحياء علوم الدين) يشبه في الكثير من ترتيبه وتصنيفه للموضوعات مما ورد في (قوت القلوب)[8]. إلا أن ذلك لا يعني سوى التأثر الجزئي دون التطابق فيما بينهما حتى بصدد تلك القضايا المشار اليها أعلاه. ففي آرائه يظهر الترتيب المدرسي العقلاني والبحث الفلسفي والشمولية الواسعة التي لا نعثر عليها في (قوت القلوب). إن هذا التباين الكبير يعكس بدوره تبايناً في نوعية المنظومات الفكرية ومستوياتها وطرقها الخاصة في التصوف[9]. فالغزالي والمكي يلتقيان حال الحديث عن ظهور وتطور "العلوم الإسلامية"  في فكرة "اندثار علم اليقين" المرافقة لبداية التأليف (الكتابة). فالغزالي لا ينظر إلى هذه الظاهرة من "منهجية" البدعة. فهو لا يدين ظاهرة الاندثار وإلا لوضع نفسه في نفس موضع الاتهام، أي لأبطل مضمون وغاية (إحياء علوم الدين). لقد أدان في هذه الظاهرة انفصال الكلمة عن العمل وتمخّض ظاهرة التأليف المحترف، الذي دفع ثمنه الباهظ في أحدى المظاهر المدمرة للشر الاجتماعي التاريخي، ألا وهو تجزؤ أو انفصام "الشخصية المؤمنة" وظهور شخصية المحترف المأجور. فالأوائل لم يكن همهم التدريس والتصنيف والمناظرات والقضاء والولاية وتولي الاوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة، بل كان الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة النفس والظاهر والباطن هو المميز لهم[10]. فهو يحاول أن يبرز ظاهرة اندثار الأخلاق الحقيقية ومبادئها. بينما انتقد في أماكن أخرى من الإحياء آراء أبي طالب المكي نفسه. ففي معرض حديثه عن الإسلام والإيمان يشير إلى أن ما اورده المكي في هذا الصدد، هو "كلام شديد الاضطراب كثير التطويل"[11]. بينما يرفض آراء المكي القائلة، بأن "العمل بالجوارح من الإيمان ولا يتم الايمان دونه، وأدعى الاجماع فيه، وأستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه"[12]. وفي موقع آخر يشير إلى أن المكي ينكر على المعتزلة قولهم في التخليد في النار بسبب الكبائر بينما القائل بهذا كما يعلق الغزالي "قائل بنفس مذهب المعتزلة"[13]. أما تأثره بكتابات المحاسبي، فانه يبرز احياناً بقوة للدرجة التي يعتبر ادراجها كما هي أدق بسبب كمالها في الشكل والمضمون، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا علم المعاملة. فالمحاسبي، حسب كلمات الغزالي، كان "حبر الأمة في هذا العلم وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الاعمال"[14]. غير أن تأثره بكتابات المحاسبي تعدت ميدان علم المعاملة، بحيث يمكننا العثور عليها في بعض نماذج الصياغة الفنية والتعبيرية[15] والأفكار الكلامية[16].  وفيما لو تتبعنا تأثير الفكر الصوفي في فكره، فإن المثير للانتباه هو خلو (المنقذ من الضلال) وكتبه الأخرى من اشارات مباشرة أو واضحة للكلاباذي (ت-380 للهجرة) والهجويري والسلمي والقشيري. وفيما لو استثنينا الجميع ما عدا القشيري في (الرسالة القشيرية)، التي يمكن اعتبارها من حيث مادتها وصياغتها وترتيبها من بين النماذج الأكثر روعة ودقة وجمالية لهذا الصنف من الكتابات الصوفية حتى النصف الاول من القرن الخامس الهجري، فإننا نعثر ونلاحظ دخول اغلب مادة (الرسالة القشيرية) في (إحياء علوم الدين). فهو يورد في مادة السماع كل ما اورده القشيري في هذا الباب[17]. كما يورد نفس الحكايات والنوادر التي يوردها القشيري في رسالته، رغم إننا نستطيع العثور عليها ايضاً في (حلية الأولياء) للأصفهاني. فهناك الكثير من أبواب وفصول (إحياء علوم الدين) ما يتطابق من حيث ترتيب مادته بصورة شبه كلية مع ما في (الرسالة القشيرية) مثل (كتاب الرجاء) وما يورده القشيري في (باب الرجاء)[18]. وينطبق هذا ايضا على قضايا  الصبر والشكر، والفقر والزهد، وما يورده القشيري في رسالته في الأبواب المشابهة. بل أن ما يورده فيما يدعوه "بمنامات المشايخ" يطابق بحذافيره ما في (الرسالة القشيرية) في "باب رؤيا القوم في النوم"[19]. وكذلك "أقاويل المتصوفة عند الموت" في (إحياء علوم الدين) الغزالي وما وضعه القشيري في (باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا"[20]. كل ذلك، إضافة إلى غيره من  المقارنات تعكس تأثره بكتابات القشيري.  بل يمكن القول، بأن الكثير من الآراء الصوفية التي يوردها ما هي إلا اعادة صياغة معقلنة وتنظيم أكثر دقة لما كتبه القشيري. ويمس هذا التأثير آراء الغزالي الصوفية ذاتها، التي استندت في ترتيب موضوعاتها وبعض جوانبها إلى ما أورده القشيري باختصار شديد في رسالته. ذلك يعني بأنه قد درس بعمق وإمعان الرسالة القشيرية. ومما يدل على ذلك هو إيراده لنفس التعليقات والشروح التي علقّ عليها القشيري وشرحها في رسالته[21].

إن الحصيلة العامة لهذا التأثير شأن كل عملية فكرية إبداعية، لا يمكن استيعاب حقيقتها ظاهرياً. أما فعاليتها في تطور المنظومة الفكرية للمفكر فأنها تتخذ في حوافزها ومجراها الفعلي صيغة البحث عن الحقيقة. وبهذا المعنى نستطيع القول، بأن دخوله طريق الصوفية كان محاولة جديدة حددها مجرى تطوره الفكري الأخلاقي. لكنها شكلت في بداية الأمر مرحلة تجريبية جديدة. وهو ما يبرز بوضوح في محاولته الأولى اكتشاف طريق و"حقائق" الصوفية عن طريق "دراسة علومهم" لأنها كان، كما يقول "أيسر عليه". وهي الفكرة التي ظل يدافع عنها بصيغ متباينة فيما دعاه "بضرورة العلم النظري الأول" للمتصوفة. أي ذات الفكرة التي حاول الدفاع عنها في مقدمة (إحياء علوم الدين) والقائلة بأن "من حصّل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه"[22]. انه الاستنتاج الذي وجد مثاله وتأييده الصوفي في محاورة وكلمات السري السقطي للجنيد عندما سأل الأول الثاني

إذا قمت من عندي فمن تجالس؟

المحاسبي

نعم خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه الكلام وردوده على المتكلمين.

ولما خرج الجنيد، سمع السري السقطي يقول مخاطباً اياه "جعلك الله صاحب حديث صوفي ولا جعلك صوفياً صاحب حديث". وسوف يكشف الغزالي عن هذه الفكره بوضوح بالغ في (المنقذ من الضلال) عندما أشار إلى أنه بعد عشر سنوات من العزلة علم يقيناً من إن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وإن سيرتهم من أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق[23]. ومن الممكن أن نعثر على الصيغة الأكثر شمولا وتجريداً لموقفه من "مرحلته الصوفية" في موقفه من مفهوم التجربة ذاتها. فالتجربة مثلا هي "السبيل إلى خلق الأدوية، إلا أن العقل يقصر عن إدراك منافع الأدوية"[24]. بصيغة أخرى، انه يدرك واقعية وضرورية وأهمية ودقة الأحكام العقلية والتجريبية، بإعتبارها وسيلة وسبل إدراك الحقائق دون أن تقدم بدورها وعي الترابط غير المتناهي بالمطلق. فهو لم يرد أن يكشف عن محدوديته بقدر ما أنه اراد أن يعبّر عن ضرورة الاعتراف بعد تناه المعرفة الذي يتضمن في ذاته بالضرورة نفي المحدودية الواقعية، أي التجربة الشخصية للقلق الروحي الدائم بفعل غياب حكم اليقين المطلق.

فالغزالي، الذي تمكن من العلوم النظرية لعصره وأتقن أدواتها المعرفية، قد صنع وبلور في اعماقه أسس تقبل الصوفية و"ورحيتها العملية". وإقد جرى التطرق إلى هذه القضية فيما سبق من ابحاث، لهذا سوف يجري تركيز الاهتمام حول انعكاس هذه التجربة التاريخية النظرية في وعي الغزالي ومشاعره، التي حاول الكشف عنها في وقت لاحق، بوصفها مقدمة مرحلته الصوفية واعتبارها البديل الحق لما مضى.

وقدمّ مثال تجربته الشخصية كمادة للتأمل، دون ان يفرضها على الآخرين. فهو يسلك نفس سلوك المتصوفة الكبار، الذين يلازم كل منهم احترام شيخه إلى "أبد الآباد" دون أن يعرقل ذلك سيرته الخاصة واستقلالية وعيه لحقائق الشيخ والطريق. فالخلافات الفقهية والجدل، الذي شغل طويلاً حياة الغزالي ستتخذ في نصيحته للمريد وغيره فكرة عدم التمسك بردود الفقهاء القائلة بأن الناس اعداء ما جهلوا. فقد وجد في هذه العبارة مجرد تشويه فظ لحقيقتها. إذ أنها كما يقول في (إحياء علوم الدين) "على الخبير سقطت. فإقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زماناً، وزاد فيه على الأولين تصنيفاً وتحقيقاً وجدلاً وبياناً، فألهمه الله رشده وأطلعه على عيبه فهجره وأشتغل بنفسه"[25]. وفي موقع آخر يقدم نصيحته "المجانية" عندما يؤكد على تجربته الخاصة في التخلص من وطأة ثقل الممارسة الفقهية وبالتالي بلوغه "حقائق الطريق الصوفي" (إصلاح القلب وعلم المكاشفة) قائلاً "اقبل النصيحة مجاناً ممن قام عليه ذلك غالباً ولم يصل إليه إلا بعد جهد جهيد وجرأة تامة على مباينة الخلق العامة والخاصة في النزوع من تقليدهم بمجرد الشهوة"[26].

أما في ميدان علم الكلام، فأنه يصل إلى إدراك حقيقته باعتباره " علم الدفاع عن عقيدة العوام"، الذي لا يؤدي إلى كشف الحقائق كما هي عليه. انه طريق المعرفة المسدودة. وقد عبرّ عن هذه التجربة الشخصية بالعبارة التالية "اسمع هذا الكلام ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام، وتحقق إن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود"[27]. ولا يعني كل ذلك من الناحية التاريخية والفكرية  سوى ممارسته الشخصية لما دعاه بتجربة الطريق المسدود. ولا ينبغي فهم هذه العبارة الأخيرة على أساس تجربة أزمته البغدادية القديمة. إذ لم تكن "تجربة الطريق المسدود" تجربة فردية وشخصية بحت رغم صيغها المتناثرة في مؤلفاته (كالمنقذ من الضلال) بحيث تبدو كما لو انها معاناة ذاتيه خالصة. فمن حيث مضمونها التاريخي هي تجربة الطريق الحضاري الآيل إلى الانسداد، والذي أخذت تتضح ملامح سقوطه الاجتماعي السياسي والروحي الاخلاقي. وبهذا المعنى، فإن تجربته الفكرية هي تجربة الوعي الذاتي النقدي لقرون الخلافة الخمسة السابقة.

مرت ذهنية الغزالي في مسارها بمراحل متخطية في تطورها الصيرورة الذهنية للحضارة الإسلامية من فقه اللغة حتى التصوف. فقد ابتدأ فقيهاً وصار متكلماً وجاهد فيلسوفاً وانتهى صوفياً. إنها المراحل التي تعكس الاتجاه العام لثقافة القرون الخمسة الذهنية. إلا اننا لا نسع من وراء ذلك إلى مماثلة الوعي الفردي اياً كان مع التجربة التاريخية في تنوعها الهائل ومستوياتها المتباينة. إان الخطوط العامة في ميادين الفكر الأساسية (الفقه والكلام والفلسفة والتصوف) هي التي اظهرت شخصيته، وهي التي وضعته على الدوام أمام مفترق الطرق إلى أن وقف في نهاية المطاف أمام "بحر الصوفية". وكان ينبغي له خوض اغواره بتجربته الدائمة مازالت الأنبياء تقف على سواحله، كما تقول المتصوفة بتعبيرها المفارق. لقد وقف أمام ذلك الجمود القاهر، الذي أدان الكثير من ظواهره الاجتماعية السياسية والروحية والفكرية والحقوقية، بحيث أصبح النفاذ إليه ممكناً من وسط آخر اكثر سيولة وانسيابية وسكوناً في مظهره الخارجي. وهو ما دعته المتصوفة ببحرها الخاص، أي طريق وعي الذات الخالص. وبهذا المعنى شكّل انتقال الغزالي إلى عالم الصوفية انقلاباً "سقراطياً" في اللاهوت الإسلامي.

غير ان "للسقراطية الإسلامية" تقاليدها الخاصة. ولم يكن هناك بالنسبة للغزالي ادقّ وأكثر يقينية في ترسيخ القناعة التي لا يمكن ان يزحزحها "قانون" الحياة أيا كان شكله السياسي والظاهري من أرضية العناصر التي جمعها وعي الذات الحقيقي (الاخلاقي ــ النقدي) في تراث الخلافة حتى عصره. فقد بلور ذلك في أعماقه وفي مراحل انكساراته الكبرى ضرورة الرجوع الدائم إلى المبادئ الأولى. أو ما دعاه المتصوفة الكبار بضرورة استعادة علم الآخرة. ولكن ماذا كان يعني ذلك في آرائه ومنظومته الفكرية ان لم يكن طريق بلوغ الكمال الاخلاقي؟[28]. بعبارة أخرى، انه استمرار الرجوع إلى المبادئ الأولى التي نظر إليها باعتبارها مهمته الكبرى في بداية القرن السادس الهجري،أي  مهمة التجديد والإصلاح. وفي مفارقات التاريخ ما عمّق هذه الوحدة الضرورية بين استمرار العودة للماضي و"نداء الأزل" في وعي القناعة الذاتية المستندة إلى التقاليد الحية الواقعية والخيالية.

فقد انتقل إلى عالم الصوفية في عمر يناهز الأربعين تماماً كما بدأ النبي محمد دعوته الإسلامية. وعلى الرغم من رفض الغزالي الدائم لسحرية الأرقام والتأويلات الرقمية والحروفية المفتعلة، بما في ذلك نظرته إلى الرقم الأربعين[29]، إلا انه ظل يداعب خياله فيما يبدو، باعتباره "الغاية العليا في حب العلوم" كما قال هو في غير ما موضع. وفي ردوده على معارضيه أواخر حياته عادة ما اخذ يرد بالصيغة التي يظهر بها كما ل انه تجل معاصر للنبي محمد في أخلاقه العملية.  فقد رد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على معارضيه تماماً كما رد النبي محمد في وقته على الوثنيين "ستكتب شهادتهم ويسألون. وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون. بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه"[30]. وليس في ذلك ما يتطابق ودعوة النبوة الجديدة التي افلح الوعي التقييمي اللاحق في وضع صياغتها "الخجولة" في عبارة "لو كان بعد النبي نبي لكان الغزالي". أما في الواقع فإن ما صاغه هو نتاج تطور الوعي والممارسة الصوفية، اللذين عادة ما يحفران قنوات "الهرطقة" الروحية،بوصفها التجلي الأكثر دقة في شموله والأكثر أخلاقا في طابعه العملي والأكثر اخلاصاً في عمق مشاعره للتوحيد. وبغض النظر عن البراهين المؤيدة والمناهضة (ضمن اطار الوعي الديني) لهذه الظاهرة فإنه افلح في أن يحتل، على الأقل لثلاثة أيام، مرتبة القطبية الصوفية[31].

وفيما لو تركنا كل احتمالات التأويل، فإن تجربة الغزالي النظرية والأخلاقية قد أدت به إلى إدراك ما دعاه في يوم ما بالبصيرة الحولاء في الفكر القائم و"الأخلاق العرجاء" في السلوك. الأمر الذي جعله يدفع إلى الأمام ضرورة اليقين والأخلاق المتسامية. وبهذا المعنى، ليس التصوف الغزالي سوى طريق بلوغ وحدة الحقيقة والأخلاق.

***

 ميثم الجنابي

 ........................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص130.

[2] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص131-132

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص416.

[4] الغزالي يقصد فيما يبدو (كتاب اللطائف) للقشيري.

[5] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص19. والمقصود هنا فيما يبدو التفسير الذي جمعه عبد الرحمن السلمي من مختلف آراء المتصوفة وبالاخص منها تأويلات سهل التستري (ت-283 للهجرة) والذي يمكن اعتباره مؤلف هذا التفسير المنسوب للسلمي.

[6] الغزالي: إحياء لوم الدين، ج2، ص300-301.

[7] انظر إحياء علوم الدين للغزالي ج1، ص58-82، وقوت القلوب للمكي ج1، 129-136، ص140-145.

[8] ومن الممكن مقارنة ما يتناوله الغزالي في الربع الأول (العبادات) بما عند المكي في الجزء الأول من (قوت القلوب) وبالأخص ما يتعلق منه بقضايا الصوم والصلاة والزكاة والحج. في حين يورد الغزالي الأدعية التي جمعها وصنفها المكي. انظر (قوت القلوب) ج1، ص7-14، و(إحياء علوم الدين) ج1، ص313-321.  

[9] لقد اورد الشيخ احمد البرنسي (ت-899 للهجرة) في كتابه (قواعد التصوف) مقارنات عديدة عميقة وشيقة بين (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين). وعلى الرغم من أن مقارناته وتقييمه تصب أساسا في سياق الوعي الصوفي النظري والعملي إلا انها ذات أهمية بالغة بالنسبة لرؤية ما (لقوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) من مكانة في التصوف. وما هو مهم بالنسبة لنا هنا هو رؤية الصلة فيما بينهما والتي جرى التعبير عنها واكتشافها منذ زمن طويل في الفكر الصوفي نفسه. فقد اشار البرنسي إلى إنهما كلاهما يتضمنان الحديث عن العابد والزاهد والورع والعارف. وإنهما كلاهما انطلقا من ضرورة "نقل الفضائل جملة وتفصيلا بأي وجه ممكن ما لم يتعارض مع سنة أو تنقض قاعدة... حتى قالا بكثير من الموضوعات والأحاديث الباطل إسنادها"(قواعد التصوف، ص39). وأشار في موقع آخر إلى أن من يريد مطالعة المتسعات (الكتابات الكبيرة) في التصوف فليرجع إلى (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) و"هما مسليان بتعزية النفوس ومشاكل أشكالها.... وإن لم يكن للمريد ولا للعالم طريق مفيد في التحقق والتحقيق"(قواعد التصوف، ص42). وأن "التحقق في القوت أكثر منه في الإحياء" بينما "التحقيق في الإحياء أكثر منه في القوت". واختتم هذا التقييم بالفكرة التي قال بها أبو الحسن الشاذلي (ت- 656 للهجرة) من أن "كتاب قوت القلوب يورثك النور، وكتاب إحياء علوم الدين يورثك العلم" (قواعد التصوف، ص42). وبغض النظر عن مدى دقة هذه المقارنات، إلا انها سليمة وعميقة من حيث اكتشافها للوحدة والتباين فيما بينهما.  

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص79.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص116.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص118.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص118.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص 308-309، ص315-316.

[15] يتعدى هذا التأثير الصياغة والتعبير الفني إلى ما يمكن دعوته "بالفن الإبداعي" الذي يمثله (المنقذ من الضلال) وكتاب (الوصايا) للمحاسبي. فقد تأثر الغزالي بهذا الكتاب للدرجة التي يمكننا اعتبار (المنقذ من الضلال) نسخة (الوصايا) للقرن الخامس الهجري. ولهذه المقارنة صلة داخلية وبون شاسع في الوقت نفسه. ولا مجال للتوسع الآن بهذا الصدد، إلا أن هذا التشابه يعكس "قانون" تطور الفكر النظري وانتقاله إلى الفكر العملي الأخلاقي. ومن الناحية التاريخية الثقافية فإن هذا التأثير يمكنه أن يزيل افتراض تأثر الغزالي بكتاب (اعترافات) اوغسطين. 

[16] من الممكن اعتبار رأي الغزالي في العقل استمرا لما وضعه المحاسبي في كتابه عن العقل (كتاب العقل).

[17] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين) ج2، ص292 و(الرسالة القشيرية) ص151-158.

[18] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)ج4، ص152-154، و(الرسالة القشيرية) ص62-65.

[19] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)4، ص507-511، و(الرسالة القشيرية)، ص175-180.

[20] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)، ج4 ص481-485، و(الرسالة القشيرية) ص137-140.

[21] انظر على سبيل المثال ما يورده في فكرته حول أقسام الشكر وفكرة الشكر الجامع أو شكر القلب بوصفه "الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة"(إحياء علوم الدين، ج4، ص85).، وما يورده القشيري في باب الشكر(الرسالة القشيرية، ص80-82.)

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 22.

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص139.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص31.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص41.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص55.

[27]الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97.

[28] سوف اتناول هذه القضية في الأبحاث المتعلقة بفلسفته الأخلاقية.

[29] لقد رفض الغزالي التأويل المفتعل للأرقام وطابعه الأسطوري في الفكر والممارسة على السواء. وقد كان موقفه النقدي من تقاليد الباطنية واضحا بهذا الصدد. لكنه انتقد أيضا بعض نماذجه في الفكر الصوفي، وبالأخص عند البعض منهم ممن حاول تطبيق ذلك في الموقف من تقاليد الادخار في سلوك التوكل. وينطبق هذا على موقفه من بعض الأساطير الدينية. 

[30] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[31] وسوف تحصل هذه الفكرة على اعتراف بها في كتابات الصوفية المتأخرة. ولم يكن ذلك مجرد اعتراف بفضل الغزالي في التصوف أو تعظيم شخصه. إنها كانت نتاج الآلية الداخلية لتطور الفكر الصوفي وبالأخص ما يتعلق منه بمفاهيم الشيخ الروحي، والسلسلة الصوفية، ونظرية القطب الصوفي.

 

 

ميثم الجنابيلأنوار نور النور في الخلق أنوار

وللسرّ في سرّ المسرّين أسرار

(الحلاج)

إن اتخاذ الغزالي قرار الخلوة والاعتزال لم يكن بالنسبة له مجرد سلوة الشيخوخة وراحة للنفس المتأملة، بل هو رمز الانقلاب الذي غيرّ مجرى حياته. وساهم بالتالي مساهمة جوهرية في إبداع منظومته الفكرية الخاصة.

إذ يعكس انتقاله إلى التصوف، في الاطار العام، الصيغة المميزة لتقاليد "السير في طريق الله"، أي حالة "الانكسار" التي تدفع مهمة التوبة إلى الأمام باعتبارها عتبة الطريق الروحي. وقد صورته المتصوفة بعبارة "انتباه القلب من رقدة الغفلة"، بوصفها مقدمة سلوك الطريق. وبما أن السلوك الصوفي في جوهره هو سلوك الاختيار الفردي الطوعي، فإن "الانكسار" هنا لا يعني رديفاً للهزيمة. فاللغة الصوفية لا تعرف الهزيمة. إذ لا معنى لها في منازلها وأحوالها ومسالكها ومقاماتها. وذلك لأن ملامح القوة والضعف في الوجود التاريخي الفردي والعام ما هو في نهاية المطاف بالنسبة لها سوى انعكاس لسيطرة مقولات ونفسية الغطرسة وليس الروح الاخلاقي والمعرفي الحق. وبالتالي ليس الانخراط في "طريق الله"، الذي تتطابق صفاته الخارجية في الوعي العادي مع حالة ومفهوم الانكسار، سوى نتاج الوهم الاجتماعي النفسي المصطنع وليس حقيقة الطوعية الواعية في مسار الزهد والفقر (الصوفي). وبهذا لا يعني "الانكسار" هنا سوى انكسار القيم، إى إعادة التقييم الشاملة لنمط الحياة والتفكير. وإن هذه الظاهرة نفسها لا تمتلك نمطيتها الخاصة إلا في التجارب الفردية المتباينة، التي اتخذت في الوعي الصوفي وتقاليده صيغة ومفهوم "السرّ" غير المتناهي. وبهذا يكف التحول في وعيها عن أن يكون مجرد مصادفة عابرة أو مصير محتوم. انه يصبح حركة لا متناهية في فعاليتها وتأثيرها لا يمكن فهم حيثياتها ما لم يجر تذوّق ما لم يذاق بعد، وما لم يصبح المطلق (الأخلاقي والمعرفي) الغاية المرجوة. لهذا اكتفى الفكر الصوفي في معرض اشارته لعملية انتقال "ذوي الإرادة" إلى التصوف بإبراز رمزية الظاهرة وطابعها التعليمي النصائحي لا أسبابها الفعلية. فالأسباب في عالم الروح أسرار. وإذا اخذنا ما اورده الغزالي في (المنقذ من الضلال) من عبارات الاطباء عن مرضه كما هي، فانه يكون قد تحسس معاملتهم بصيغة أوحت اليه، بعد مرور عشر سنوات، أن يضع عباراتهم المعبّرة عن أسباب مرضه ووسائل علاجه بضرورة "أن يترّوح السرّ عن الهمّ الملم" الذي اخذ بخناقه. ولم تسع المتصوفة من وراء ذلك مطابقة السبب مع السرّ، ولا العكس. ولا جعلهما مختلفين، ولا رفض الخلاف، ولا تجعلهما متوازيين ولا أن تقاطعهما. بل نظرت إلى هذه العلاقة كما لو أنها تجلّ للباطن والظاهر في حركتهما الدائمة. لهذا لم تجد ضرورة في أن تضع أسساً "منطقية" صارمة للتحليل، ولا أن تختزل عمليات الروح المعرفي والأخلاقي بقواعد المنطق الشكلي، ولا أن تجد ضرورة في اخضاع كل ذلك إلى تحليل الأدوات المعرفية القائمة باعتبارها الحصيلة النسبية للحقيقة، والجزئية للكلّ المعرفي. إنها حاولت بالقدر الذي يمكن للغة صياغته في رموزها وأدواتها أن توحي بأن قوانين الروح لا يمكن إدراكها إلا بروح القوانين. وهي لم تبحث في كل ذلك عن ولع المفارقات اللغوية كما لو أنها عروة وثقى، بقدر ما سعت إلى كشف الحقيقة القائلة، بأنه لا يمكن معاينة ومشاهدة وإدراك روح القوانين خارج رمزية الصياغة. فالرمز هو الوحيد القادر على تحويل الدائم إلى لحظة عابرة، والعابر إلى كيان دائم. لهذا أصبح من الممكن، في العرف الصوفي، أن يجري النظر إلى انتقال الغزالي إلى التصوف باعتباره فعلاً تناغم مع الموسيقية السريّة لآلية ووقع الانكسار في حيثيات الوجود كما عبّر عنها البيت الشعري:

أيا حجر الشحر إلى متى     تسنّ الحديد ولــم تُقْــطَعِ

ولكن إذا كان التعبير الصوفي قد وجد ضالته في إحدى الحالات والعبارات بتصويرها الرمزي لسبب الانتقال، فإن هذا السبب استظهر في أسلوب الوعي الفردي لتجربة الانتقال باطنها الموسيقى ليس في تناغم الفعل والحركة، بل في ذوبان الوعي في الإرادة. وهي العملية الجديدة لانصهار و«انكسار تجارب الوعي النظري والعملي (الاخلاقي) التي كشفت في الابحاث السابقة عن اتجاهاتها العامة.

وقد ابدع الخيال الصوفي لهذه العملية نادرتها الخاصة، التي تقول على لسان احد العلماء:"رأيت الغزالي في البرية وعليه مرقعة وبيده عكاز وركوة، فقلت له:

يا إمام! أليس التدريس ببغداد أفضل من هذا؟ فنظر اليّ شزراً وقال:

لما بزغ بدر السعادة في فلك الإرادة وظهرت شموس الوصل

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل     وعــدت إلى مصـحوب أول مـــنزل

ونادتني الأشواق مهلا فــهــــذه      مـنازل مـن تهوى رويـدك فانـزل!

وبغض النظر عما إذا كانت هذه النادرة حقيقة أم لا، فإنها تسجّل بصيغة الحكايات الصوفية الجميلة واقع تطور الغزالي الفكري والذي صاغ ملامحه العامة في (المنقذ من الضلال)[1]. انه خط المسار من غمار العلاقات الدنيوية إلى ما دعته المتصوفة بصاحب الكل. ومهما يكن من مستوى الدقة في هذه العبارة بأثر التناقض والضعف القائم والمحتمل في اللغة وقدرتها عن التعبير احيانا، إلا انها تمثّل التباين الفعلي بين الفكرة المجردة والواقع، والذي يتلوع اثناءه الروح الباحث عن سكونه القلق، أو ما دعته المتصوفة بالحيرة. انه بزوغ البدر الذي لا يدرك سعادته ويتحسسها سوى اولئك السابحون في دوران فلكه. وهو أيضا الفناء والبقاء، والغياب والتجلي، بفعل حركته مقابل "الشمس الإلهية". إنها العتمة الحياتية (الدنيوية) التي لفت الغزالي بأذيالها طوال حياته المنصرمة إلى أن واجهت إرادته "إرادة الميتافيزيقيا" السحرية، التي شلّت حركته لتجعله يرقص طرباً في البحث عن موته الحياتي من اجل ان ينهض مستيقظاً.

فالإحياء نيام فإن ماتوا انتبهوا، كما تحبذ المتصوفة القول. والغزالي شأن المتصوفة الكبار حاول ان يبدأ ويتلمس ويتحسس ويمارس ويدرك ويذلل هذه العملية في الحياة. بمعنى إماتة الموت الحياتي (الدنيوي) ببعث الروح الخالد. وليس هذا بدوره سوى التعبير الرمزي الدقيق والمجرد والمتصوف عن التجربة الحياتية التي عادة ما ترافق وتميز انتقال الشخصية المفكرة إلى عالم الصوفية.

فتاريخ التصوف الإسلامي يقدم صوراً غاية في التباين عن نماذج "التوبة" الفردية والانخراط في طريق الصوفية. فالتوبة التي تشكل في طريق الصوفية "أول منازل السالكين وأول مقامات الطالبين" تستلزم كممارسة أولية الندم على ما عمل من المخالفات، وترك الزلة في الحال، والعزم على أن لا يعود إلى مثل ما عمل من المعاصي. فهي الممارسة المدعوة لاستثارة ما اسمته المتصوفة "بانتباه القلب عن رقدة الغفلة ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة"، أي استثارة تلك العملية التي تصنع وتعمق في النفس "واعظ الله"، بوصفها الاستثارة الدائمة لإرادة التوبة. كما أنها في الوقت نفسه العملية التي بنت حولها المتصوفة أفكارها وأحكامها العديدة، التي لا تشكل بحد ذاتها شروطاً لها بقدر ما أنها عمقت هذه الممارسة الفعلية القائمة بتحويلها إلى نمط خاص. وما هو مهم بالنسبة لنا الآن هو الاشارة إلى أن "قانون التوبة الصوفية" رغم خطوطه العامة ظل على الدوام فرداني التطبيق والتحقيق. إذ لا يعرف تاريخ التصوف الإسلامي حالات متشابهة في "دخول الطريق". فإبراهيم بن أدهم (ت- 161 للهجرة) أحد ابناء الأمراء خرج يوماً متصيداً فأثار ثعلباً أو ارنباً وهو في طلبه فهتف به هاتف "يا ابراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به أيضاً من قربوس سرجه "والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت". فنزل عن دابته وصادف راعياً لأبيه فأخذ جبة الراعي من الصوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه ثم دخل البادية[2]. في حين مثّل الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة)  صيغة أخرى للتوبة. لقد كان شطارا يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس. وكان سبب توبته انه عشق جارية فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تال يتلو "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"، فقال "يارب قد آن". فرجع ثم آواه الليل ثم هجر مجاوراً الحرم (مكة)[3]. بينما انتقل معروف الكرخي (ت-200 للهجرة) النصراني الأبوين، بعد هروب طويل من البيت الأبوي بسبب تعرضه للضرب في طفولته، حيث كانوا يلقونه عبارة "قل ثالث ثلاثة"، فيقول "بل هو واحد"[4]. في حين انتقل السري السقطي (ت-257 للهجرة) إلى التصوف بفعل تأثير كلمات معروف الكرخي، الذي اتاه يوما بيتيم ليكسيه السريّ السقطي وعندما اعطاه ما اراد قال الكرخي له "بغّض الله اليك الدنيا وأراحك مما انت فيه". آنذاك ترك السقطي الحانوت ولم يكن له شيئ أبغض منه، بل لم ير مضطجعاً في عمر جاوز الثمان والتسعين سنة إلا في موته[5]. في حين أبو سليمان الداراني (ت-215 للهجرة) بعد تردده الكثير على مجلس القصاص. لكنه كان على الدوام ينسى ما يسمعه من الكلام، مما اضطره لاحقاً الى ان يدخل "طريق الذكر الدائم"،بحيث جعل يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) يعلق على ذلك قائلاً "عصفور اصطاد كركياً". كل ذلك يعكس تعددية وتنوع نماذج دخول الطريق الصوفي. ولم يشذّ الغزالي عن هذه القاعدة، بمعنى فردانية الدخول وطريقه الخاص.

فالمتصوفة لا تضع قيوداً على تنوع دخول الطريق. على العكس! انها تجد في هذا التنوع عدم تناهي طرق وأساليب بلوغ حقائقها، أو حقائق الوجود من خلال مبادئها الفكرية وقيمها الأخلاقية. وتوبة الغزالي في خصوصيتها هي توبة فكرية أخلاقية، رغم تجانسها مع مسار التوبة الصوفية. لكنها كانت نتاج ازمة الوعي العقلي والأخلاق، التي كشفنا عن اتجاهيتها العامة في موقفه من الاتجاهات الفكرية الكبرى في كل من العلم والعمل (النظرية والممارسة)، التي طورت شخصيته المعرفية ووضعته في الوقت نفسه أمام مفترق الطرق. إذ نعثر على كل ذلك فيما صاغه هو نفسه في العبارات الوجيزة البليغة المعبرة عن ازمته الروحية التي اغلقت عليه في حينها إمكانية النطق والعيش.

غير أن تطوره "المختصر" كما وضعه في (المنقذ من الضلال) والذي حاول من خلاله الكشف عن مستوى تطور العقل بمروره من الاحساس إلى العقل  ومن إلى ما وراء العقل (طور الولاية) حتى اللحظة التي أصبح من الممكن أن يردد "فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد"[6]. غير ان هذه الصيغة لا تعني خروجه عن اطر العقل والعقلانية أو محاربتهما. إذ ليست تلك الأحكام التي توحي بظاهرها محاربة العقل والعقلانية سوى التعبير الذاتي عن تجربة الغزالي في اكتشاف ضيق ومأزق التفكير العقلي اللاهوتي المعاصر له، الذي بسبب ضيق أسلوبه ظل عاجزاً عن رؤية وتحليل العلاقة القائمه بين الظواهر. فهو لم يرفض من حيث الجوهر سوى العقل اللاهوتي، الذي رتبت براهينه على أساس الحصيلة المعرفية واللغوية. مما وضعه على الدوام أمام إمكانية المأزق. بينما لم يجد الغزالي في العقل بحد ذاته مأزقاً، رغم انه يصنع هذا المأزق في حالة الاعتماد على ادواته الخاصة فقط في تتبع ما يمكنه أن يؤدي به في نهاية المطاف إلى الحيرة والقلق. مما يؤدي به الى الرجوع الى البداية او النقيض.

فالمسار غير المتناهي الكامن في الإمكانية المحددة للعقل لا يعني في الواقع سوى الاستمرار غير المتناهي للجهل. إذ ليس توسع المعرفة سوى اكتشاف الجهل غير المتناهي. غير إن العقل يمكنه أن يكون وسيلة فعالة عندما يدرك ذاته بوصفه جزء من الكشف الذوقي المستند الى وحدة الكل باعتباره تجليَ لله. حينذاك تصبح اللانهاية نهاية بين يدي الله. وهذا بدوره ليس إلا أسلوب بلوغ اليقين الذاتي، الذي يجعل للحقيقة معنى ملموساً وذوقاً خاصاً. من هنا دعوة الغزالي للمريد قائلا:"إن كنت راغباً في استقحام الطريق إلى المقصد، فألق سمعك وأنت شهيد".

إلا أن "استقحام الطريق" بالنسبة له لم تكن عملية بسيطة. وهو ما حاول البرهنة عليه دوما. وبغض النظر عن العبارات العديدة والتسميات المتباينة التي يطلقها على بداية "التوبة الصوفية" مثل "القذف النوراني" أو "الجود الإلهي" أو "نور الرحمة"، فإن ذلك ليس إلا تعبيراً عن الوعي الذاتي لتجربة انتقاله الشخصية إلى عالم الصوفية. وهذه بدورها لم تكن فعلاً معطى  مرة واحدة وإلى الأبد. ويكمن سبب ذلك في مبادئ الممارسة الصوفية ذاتها، التي لا تقرّ بالنهائي في الوجود والمعرفة، مع اقرارها بضرورة اليقين وإمكانية وضوحه المتزايد لا تزايده بحد ذاته كما هو الحال في العبارة القائلة "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً". غير أن هذه الصيغة هي حصيلة المعراج المعرفي الصوفي وإحدى درجاته. بينما ظل دخول الغزالي طريق الصوفية في أعمق أعماقه وهواجسه وبواعثه هو دخول الباحث عن الحقيقة، التي لم يحصل على صيغتها اليقينية في اتجاهات الكلام والفلسفة والباطنية. بينما أكتشفها في عالم الصوفية بعد تجربة طويلة. فهو لم ينظر إلى الصوفية في بداية الأمر، كما هو واضح في (المنقذ من الضلال) إلا باعتبارها إحدى الفرق التي في حالة "شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع"[7]. (يتبع)

  

 ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] لقد وردت هذه الحكاية بصيغ عديدة. وقد اوردها علاء الدين الصيرفي في كتابه (زاد السالكين لطريق الله) عن ان القاضي ابو بكر ابن العربي هو القائل "رأيت الإمام الغزالي في البرية وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة وكنت قد رأيته ببغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون منه العلم". ثم قال فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له "يا إمام! أليس تدريس العلم ببغداد خير لك من هذا؟". حينها نظر إليّ شزرا وقال :"لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة وجنحت شموس الوصال في مغارب الأصول

تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل    وعدت الى صاحب اول منزل

ونادت بي الاشواق: مهلا فهذه      مـــــــنازل من تهوي فإنزل

تصطدم هذه الحكاية باعتراضاتى جدية. منها إن القاضي ابو بكر ابن العربي لم يتصل بالغزالي إلا في بغداد وليس في البرية. ولم يجر الحديث فيما بينهما بما يمكنه أن يوحي بشماتة ابن العربي المبطنة ورد لغزالي المتشنج! إضافة لكل ذلك أن صياغتها اللغوية وأسلوب تعبيرها ملفوف بالأسطورية والخيال الرمزي الصوفي.  

[2] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص8.

[3] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص9.

[4] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص9.

[5] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص10.

[6] القرآن: سورق (ق) الاية 22.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89.

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

إن انتقاد الغزالي للمتصوفة وافتقاد هذا النقد لطابعه المنظومي لا يعني افتقاده لمنظومته الصوفية الخاصة. وبالتالي، فإن انتقاده للمتصوفة هو استمرار لتقاليد النقد التي كانت تميز بهذا القدر أو ذاك جميع شيوخ التصوف الكبار من اجل تهذيب وتشذيب سلوك المريد من كل ما يعرقل مساره السليم من الشوائب و"الترهات" الفعلية والمحتملة في الطريق. لهذا نراه، على سبيل المثال، يشير حال حديثه عن قواعد المخالطة إلى فائدة التأديب والتأدب، أي الارتباط في كسر شهوة النفس من خلال مخالطة الناس. فالمخالطة تظهر من جهة كوسيلة للتربية بفعل احتكاكها بالعالم "الخارجي"، ولكنها يمكن أن تفسّخ في الوقت نفسه هذا المبدأ وقواعده في حالة افتقاده لقيمته التربوية. فقد شاهد هو نتائج هذا المبدأ في حالة عدم الالتزام بكامل قواعده، في الممارسة المعاصرة له. حيث تحولت أعماله إلى مجرد أعمال "خالطتها الأغراض الفاسدة، ومال ذلك عن القانون كما مالت سائر شعائر الدين"[1]. وسوف يردد هنا شأن سابقيه ولاحقيه البيت الشعري القائل بأن الخيام كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائهم، أي كل ما اتخذ في الخيال المتأمل مقارنة المثال بالواقع. أما في منظومته، فإنه سوف يسعى لانتقاد الزيف العملي في جميع مظاهره، بما في ذلك عند متصوفة زمانه. لهذا كان انتقاده لهم هو الآخر قاسياً، وبالأخص عندما شدد على أن أكثر متصوفة زمانه "لما خلت بواطنهم من لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس بالله وبذكرهم في خلوتهم، كانوا بطالين. فقد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل، واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد، واستسخروا الخدم المنتقين للقيام بخدمة القوم، واستخفوا عقلوهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللاً بكثرة الأتباع. فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ولا تأديب للمريدين نافع ولا حجر عليهم قاهر. فلبسوا المرقعات واتخذوا من الخانقاهات منتزهات. وربما تلفظوا ألفاظاً مزخرفة من أهل الطامات"[2].

إن انتقاده اللاذع لزيف المتصوفة أو "للصوفية المزيفة"، هو في جوهره انتقاد للتشبه الظاهري بهم، باعتباره شكلاً من أشكال الرياء. ومن هنا لم يرَ على سبيل المثال في سياحات المتصوفة الكاذبة شيئاً ما مختلفاً عن سياحات البهائم والحيوانات في البراري. وعندما حكم على أنها مباحة أيضا، فلأنه لم يجد فيها شيئاً مضراً أو نافعاً. إلا أن ذلك لا يعفيها من انتقاده الأخلاقي. وذلك لأنها تشّوه باسم التصوف، التصوف نفسه، أو أنها بردائها الوسخ تضفي على جسد التصوف وبال التقزز. ذلك يعني بأن تصويره الرياء بشكل عام ورياء المتصوفة بشكل خاص يسعى في آن واحد للكشف عن الحالة الدينية السائدة، التي أخذت تتوسع وتتعمق فيها مظاهر التقنع بلباس الصوفية، ولهذا تتبع هذه المظاهرة في كل من الزعقة وغيرها من الظواهر. مثل أن أحدهم يجهد نفسه للسقوط والغيبوبة حال سماعه الذكر، وربما أنه يستحي أن يقال له "إنه سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة، فإنه يضطر إلى أن يزعق ويتواجد فيتكلف"[3]. وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق سريعاً فتجزع نفسه أن يقال إنها حالة غير ثابتة، وإنما هي كبرق خاطف، فيضطره ذلك إلى أن يستديم الزعقة والرقص ليرى دوام حاله وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعاً فيجزع أن يقال له لم تكن غشيته صحيحة ولو كان لدام ضعفه مما يضطره إلى الاستدامة المصطنعة لإظهار الضعف والأنين والاتكاء على الغير من أجل أن يرى ضعفه عن القيام، ويتمايل في المشي أو يقرّب الخطى وما شابه ذلك[4]. ولم يقف الغزالي عند حدود المظاهر السلبية لمتصوفة عصره، بل وحاول استظهار عناصرها القائمة في بعض اتجاهات التصوف، التي تفسح المجال أمام افتعال أفعال كهذه. وخصوصاً تلك التي تؤدي في بعض مبادئها الطرائقية إلى ما دعاه بالتحلل ورفض العمل[5]، أي كل ما سيعيد انتقاده في (كمياء السعادة). وقد اتخذ من أسلوب الملامتية الشكلي موضوع ومادة انتقاده المباشر[6]. ولم يكن ذلك بمعزل عن خصوصية التصوف الغزالي، الذي رفض أسلوب إسقاط الجاه "العبثي"، أي ذلك الأسلوب الذي يعطي للمرء إمكانية القيام "بالفواحش" من أجل استثارة ازدرائهم. فهو يعتبره غير جائز ولا يقتدى به، بفعل عدم قدرته على صنع القيم الأخلاقية المؤثرة في فاعلية الموحدة الاجتماعية[7]. وجعله ذلك يتكلم عما أسماه بانمحاق التصوف بالكلية وبطلانه[8]. ولم يقصد بذلك حقيقة التصوف، بل كيفية ونوعية تغلغله في أتباعه المعاصرين له.

وقد أثار هذا بدوره واستثار المعضلة الفكرية والأخلاقية الكبيرة، التي حاول حلها على أساس رؤية التناقض والواقعية في تمايزات وخلافات العلم والأخلاق في سلوك وأفعال المذاهب والمشارب الإسلامية. فهو يدرك أن العلم لا يندرس، وأن عالم السوء لا يفسد حقائق العلم، بل يفسد سريرته. بمعنى بقائه عالماً دون عمل. وعلى عكس التصوف، الذي يستلزم بالضرورة وحدة العلم والعمل، لأنه المخاض النهائي الذي انتهت إليه وأدت به تجاربه العملية.

وقد أثار ذلك أمام الغزالي، وبوحي تجربته العقلية والعملية، قضية غاية في التعقيد، ألا وهي الكيفية التي يجري بها استمرار العلم (الديني) في أفعاله ووظائفه الاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من التعقيدات الملازمة للإجابة الجازمة بفعل الإمكانيات العديدة لتضارب الأجوبة التي يفرضها منطق العقل والتاريخ في مصالح قواه المتنازعة، فإن الغزالي لم يكف عن أن "يلوي" تفريعات المظاهر والظاهر في اتجاه الباطن الأخلاقي. لهذا أكد على أن العلوم جميعاً، باستثناء التصوف لا تنمحق ولا تغيب في حالة اضمحلال جذوتها الأخلاقية، أي موقف الإنسان الأخلاقي منها. ولا يعني ذلك غياب تأثيرهما المتبادل. فعندما يتكلم الغزالي، على سبيل المثال، عن العلوم الطبيعية، فإنه يشير إلى أنها لا تؤدي في الأغلب بأصحابها إلى الغرور، وذلك بفعل عدم سعيهم إلى الحصول على "مغفرة إلهية"، أي أنها لا تتعامل مع الأخلاق بصورتها المباشرة، على عكس العلوم النظرية والشرعية منها خصوصاً[9].

إنه أراد الكشف عن أن الوحدة الداخلية بين آراء ومبادئ الذات المفكرة وبين ممارساتها العملية هي معيار الحقيقة الأخلاقية، التي لا يمكن تجسيدها الحق إلا في التصوف. غير أن ذلك لا يعني انتفاءها أو غيابها في الميادين العملية والعلمية الأخرى. ومن هنا فإن انتقاده لسلوك "علماء السوء" في مختلف الميادين والمستويات مرتبط بنظراته عن طبيعة العلاقة القائمة والواجبة بين العالم والعلم في تأثيرهما الفردي والاجتماعي، والعلمي والأخلاقي. فالعالِم إما مالك وإما هالك. ومن هنا فإنه لا يمكن تذليل التناقض الفعلي بين الواقع والمثال، والعلم والعمل، وأخلاقية العلم ومساعي العالِم، إلا من خلال تثوير عالم الروح الأخلاقي وتنويره. فالغزالي يدرك إمكانية استعمال العلم كوسيلة للعلو الاجتماعي والسياسي في نظر العوام بما في ذلك من جانب العلماء الصالحين. بينما يتحول العلم في هذه الحالة إلى ما يمكن مقارنته بالخبث الخفي المبطن. وعندما يطالب العلماء بضرورة العزلة وطلب الخمول ودفع الفتاوى فإنه لم يقصد بذلك سوى جبرهم على "امتحان النفس" من أجل امتلاك عنانها. فالحقيقة في نهاية المطاف هي الحق. والحق هو الحقيقة. ومن هنا فإن استغناء عالم الشرع عن الفتاوى هي المهمة الأولى من أجل استكمال صلاح القلب.

بعبارة أخرى، إن الغزالي حالما يضع مهمة رفض الفتاوى استناداً إلى واقع أن الإسلام قائم قبله وبعده ومعه وبدونه، فإنه لم يرم بذلك سوى إلى إعلاء أولوية الممارسة الشخصية التي تجعل من الاستغناء الظاهري وسيلة الغناء الباطني. ولهذا السبب رفض المقالات التبريرية التي سمى رجالاتها "بشياطين الإنس"، أي تلك القائلة بأن ممارسة العزلة تؤدي إلى اندراس العلوم واضمحلالها، باعتبارها لا تدرك ضرورة استمرار العلوم القائمة في متطلبات الاجتماع نفسه وكينونة الإنسان الوجودية. وقد رد على "شياطين الإنس" بالصيغة التي حاول فيها كشف ضعف هذه القناعة "الساذجة" القائلة بإمكانية اندراس العلم. حيث وجد فيها مجرد "خيال يدل على غاية الجهل"[10]. فالناس كما يقول الغزالي "لو حبسوا في السجن وقيدوا بالقيود وتوعدوا بالنار على طلب العلم لكان حب الرياسة والعلم يحملهم على كسر القيود وهدم حيطان الحصون والخروج منها والاشتغال بطلب العلم"[11]. وبهذا المعنى، يمكن فهم مضمون الحديث النبوي القائل بأن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. بينما حذّر في الوقت نفسه من الاغترار بهذا الحديث. ففي "وضعه" يعكس موضوعية الظاهرة دون أن يجعلها مثالاً يحتذى به. لهذا تناول مهمة العزلة ووظائفها وفوائدها بالصيغة التي تجعل من الحديث النبوي المذكور أعلاه أساساً لها. بمعنى أنه يشير إلى ضرورة عدم مشاركة "علماء السوء" بممارستهم، لا العزلة المطلقة. فهو يدعو للعزلة التي تتحول إلى شعاع المعرفة الحقيقية. فالعزلة هي أحد أسس الإرادة الصوفية، وأحد مصادر تنقية القلب. لهذا اتخذت في منظومته صيغة عزلة الحقيقة عن المصالح العابرة لا المصلحة الحقة.

وقد أعطى ذلك له إمكانية التعامل الشامل مع "نواقص" العلوم في مظاهرها الأخلاقية. فانتقاده "لعلماء السوء" هو انتقاد مظاهرهم المنافية للفضائل الأخلاقية الحقة. أما مظاهر هذه المنافاة فتتجسد بصيغ ومستويات غاية في التنوع بفعل تباين ميادين العلوم. وهو يتناول هنا أيضاً تجربته الشخصية من خلال تجربة الثقافة العامة للخلافة ككل، أي ما سبق وأن تناولته في معرض تحليلي لتجاربه العقلية. فعندما يتطرق لدرجات وتجليات المعارف العلمية المختلفة في صيغها الواقعية الأخلاقية، فإنه يسعى لإظهار انتقاده الأخلاقي لها من خلال إبراز مواقفه الشخصية منها، باعتبارها حكماً ومعياراً لهذه المعارف. ذلك يعني أن انتقاده هو انتقاد المعرفة الإيجابية في مجرى صيرورة البديل التآلفي، الذي يتمركز في منظومته حول ضرورة وحدة العلم والعمل. وهو ما افتقدته علوم عصره، وما عجزت عن تطبيقه النموذجي.

لهذا تكلم في معرض وصفه فِرق من يدعوهم بأهل العلم عن أولئك الذين أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها إلا أنهم أهملوا تفقد الجوارح وحفظها من المعاصي. فهم المغترون بالعلم، أي أنهم لم يربطوا العلم بالعمل واقتنعوا بأفضلية العلم فقط، أو ما يمكن دعوته بأهل العلم للعلم. وهناك من أحكم العلم والعمل وواظب على الطاعات الظاهرة وترك المعاصي، إلا أنه لم يتفقد قلبه ليمحو الصفات المذمومة من الكبر والحسد وطلب الرياسة. فهم أولئك الذين زينوا الظاهر وأهملوا الباطن. في حين هناك من علم أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة من جهة الشرع، إلا أنهم لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها، وينظرون إلى كِبرهم على أنه طلب عز الدين وإظهار شرف العلم. وهناك من أحكموا العلم وطهّروا الجوارح وزينوها بالطاعات واجتنبوا المعاصي وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرياء والحسد والحقد والكِبر ولكن بقيت في زوايا القلب من خفايا مكايد الشيطان وخبايا خداع النفس ما دقّ وغمض. إنهم أولئك الذين يرون في أنفسهم الكمال، إلا أن أعماقهم تشرئب لسماع مدح الخلق وحسن الظن بهم.

أما فرقة أهل الكلام، فإنها تقول بأنه لا عمل إلا بإيمان، ولا إيمان صحيح إلا بالعلم (الجدل)، وأن الإيمان هو عقائدهم. فقسم منهم يرى الشبهة دليلاً، وقسم يظن الجدل أهم الأمور. وهناك من يشتغل بالوعظ والتذكير، وأعلاهم من يتكلم بأخلاق النفس وصفات القلب، إلا أنهم يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها، فقد صاروا موصوفين بها. ومن النادر، كما يقول الغزالي، العثور على من يتصف منهم بهذه الصفات.

بينما وجد في المعاصرين له من الوعاظ والمذكّرين أناساً لا همّ لهم سوى الاشتغال بالطامات والشطح وتلفيق الكلام المزخرف طلباً للأغراب.

في حين اهتم آخرون بالنكت والسجع والشعر والوجد، بينما اقتنع القسم الآخر بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم بذم الدنيا. واستغرق آخرون أوقاتهم في علم الحديث. في حين أن السماع الحق هو الفهم الحق لا الرواية. أما من اشتغل بعلم النحو واللغة والشعر، فقد أصبح ضحية الكلمة باحثاً فيها عن الحقيقة والقيم غير مدرك بأن لغة القرآن (العربية) تساوي اللغات الأخرى لا فرق بينها سوى لورود الشرع فيها. وبالتالي فإن إضاعة الوقت في البحث عن الغريب فيها هو مجرد غرور لا غير.

أما الفقهاء، فإن عظم غرورهم في فن الفقه لظنون أن "حكم العبد بينه وبين الله يتبع حكمه في مجلس الفقهاء، فوضعوا الحيل في دفع الحقوق وأساءوا تأويل الألفاظ المبهمة"[12].

أما الفِرق الداخلة فيمن يدعوهم بأرباب العبادة فمنها تلك التي أهملت الفرائض واشتغلت بالنوافل، وهناك من غلب عليه الوسوسة، أي الذي يصرف وقته في عقد النية. وهناك من تغلب عليه الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة بحيث لا يهتم بصلاته، وفي صلاته إلا في التشديد والتفريق بين الضاد والظاء.

وهناك من اغتروا بقراءة القرآن، بينما لسانه في القرآن وقلبه في أودية الأماني، في حين اغتر آخرون بالصوم، وربما صام الدهر ولا يحفظ لسانه عن الغيبة. في حين اغتر آخرون بالحج من غير خروج عن المظالم،

بينما أخذت فرقة أخرى بطريق الحسبة، أي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونسي نفسه. وهناك من جاور بمكة واغتر بها، وهناك من زهد بالمال وقنع بالبسيط من اللباس والمسكن، إلا أن حب الرياسة والجاه مسيطر عليه. وهناك من حرص على النوافل لا غير[13].

أما الفرق الداخلة تحت تسمية المتصوفة، فباستثناء القلة الحقيقية منها، فإن هناك من اغتر منهم بالزي والهيئة والمنطق، بينما فرقة أخرى يشق عليها الإقتداء بالمتصوفة ولهذا تركوا الحرير ولبسوا المرقعات النفيسة، في حين ادعى آخرون علم المعرفة (الصوفية) ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال الملازمة في عين الشهود وهم لا يعرفون هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ. بينما وقع آخرون في الإباحة. وهناك فرقة اجتنبت الأعمال وأطلقت الحلال واشتغلت بتفقد القلب، وصار أحدهم يدعي المقامات من الزهد والتوكل والرضا والحب من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها. في حين ضيقت فرقة أخرى على نفسها أمر القوت حتى طلبت منه الحلال الخالص وأهملوا تفقد الجوارح والقلب من غير هذه الخصلة الواحدة. في حين هناك من ادعى حسن الخلق والتواضع والسماحة وتصدى لخدمة الصوفية لا لشيء إلا للرياسة وجمع المال، مثلهم مثل من يبني مسجد ويطينها بالعذرة. وهناك فرقة اشتغلت بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها وصاروا يتعمقون فيها فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علماً وحرفة. بينما هناك من ابتدأ السلوك وحالما انفتح له باب من أبواب المعرفة وتشمم من مبادئها رائحة تعجب منها وفرح فتقيد قلبه بالالتفات إليها والتفكر فيها. وهناك من لم يلتفتوا إلى الأنوار وما يفيض عليهم في الطريق ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة، أولئك الذين وصلوا حد القربة إلى الله فظنوا أنهم قد وصلوا إلى الله[14].

لقد حاول من وراء نقده الواقعي والمتسامي لغرور هذه الفرق (الثلاثين) الأساسية من فرق الإسلام النموذجية في مختلف ميادينها ومستوياتها الدينية والفكرية أن يكشف عن ضعفها في بلوغ "درجة الحقيقة"، أي أنه أظهر عجزها الذاتي عن الكمال، بفعل انتاج كل منها وهمه الخاص وتناقضاته السيئة. غير أن هذه الفِرق شكلت جميعها، إن أمكن القول، رصيده الشخصي في تجاربه العقلية والعملية ومقدمة إدراكه حقيقة الصلة المقطوعة بين العلم والعمل في تجلياتها المثلى، أي كل ما سيجده في منظومة الصوفية وطرق تصوفها، باعتبارها طرق بلوغ وحدة العلم والعمل. وقد كانت هذه الخلاصة نتيجة تجربته الفكرية (العقلية) وانكساراتها العملية.

فهو لم ينظر إلى علاقة العلم بالعمل نظرته إلى معضلة للمرة الأولى إلا في (ميزان العمل). ولم يناقش هذه القضية من قبل ولا نعثر عليها في أي من مؤلفاته السابقة له. أما الأفكار التي يوردها في (ميزان العمل) فهي استمرار الصياغة الأخلاقية لعقلانية (ميزان العلم) و(معيار العلم). وأن هذا بدوره يبرهن على أن العقلانية في حالة دفعها إلى نهايتها المنطقية، فإنها لابد وأن تواجه "مصيرها الأخلاقي". أما في حالة الغزالي، فإنها وضعته أمام تنويره الأخلاقي.

فهو لم ينتقل إلى التصوف إلا بعد (ميزان العمل)، أي أنه عبّر عن مرحلة الانتقال. ونعثر على ملامحه ومعالمه في تضمنه عقلانية الفلسفة وأخلاقية التصوف. فهو يشير إلى أن (معيار العلم) هو القسم الأول والضروري لمعيار العمل (ميزان العمل)، أي أن السعادة لا تنال إلا بالعلم والعمل ولهذا استلزم ذلك معياراً لكل منهما. وبهذا المعنى فإن (ميزان العمل) هو استكمال ومكمل (لمعيار العلم). أما عقلانيته فهي لا تظهر في تأكيده على الربط الكلي بينهما فحسب، بل وفي محاولته الأولية إبراز التباين النسبي بين "سلوك" العلم والعمل، أو المنطق والأخلاق في ظل وحدتهما. لهذا شدد على أنه لو استقصى حقيقة الأخلاق في (ميزان العمل) لارتقى إلى حد البرهان على الشروط التي ذكرها في (معيار العلم)[15]. إذ لا يمكن بلوغ السعادة، حسب نظره، دون وحدة العلم والعمل. وهو يدرك بأن هذه الفكرة هي ليست من اختصاص التصوف بقدر ما أنها حصيلة الاتجاهات الفكرية الكبرى للثقافة الإسلامية ومعضلتها الجوهرية في الوقت نفسه. فهو يؤكد على أن المنظومات الفكرية الكبرى جميعاً لعلم الكلام والفلسفة والتصوف محقة في نظراتها العامة عن أن وحدة العلم والعمل هي الطريق الوحيد لبلوغ السعادة[16].

إن إدراك هذه الوحدة لا يشكل ضمانة كافية لبلوغ حقيقتها. بمعنى أنه لا يمكن بلوغ حقيقة الوحدة دون إدراك حقيقة الطريق إليها. فهو ليس أسلوباً إضافياً أو عابراً، بل يتحكم به ذاته في جوهرية الصياغة العملية والعلمية أيضاً في بلوغ السعادة. مما أدى بالضرورة إلى تباين قيمته في نظر أهل العلم من مختلف الاتجاهات والمدارس. ولم يسع الغزالي من وراء ذلك للقول بأنه لا يوجد تشابه بين طرق السماء والأرض، بقدر ما أنه أراد أن يحدد التناسق في ما بينهما باعتبارهما نسخة للمطلق. مثلما سيعبّر عن ذلك لاحقاً بفكرته القائلة، بأن عالم الملك والشهادة هو النسخة المادية (الطبيعية) لعالم الملكوت، تماماً كما أنه لاشيء في الفكر ما لم يكن له وجود في العالم. وأن لهذا الاستنتاج المعرفي سلبية إيجابية في مجال الممارسة العملية، صاغها الغزالي في (أيها الولد) بوضوح عندما قال بأن العلم المجرد والمفلس من الأعمال والخالي من الأحوال لا يؤدي إلى السعادة. وقد أورد مثالاً عن ذلك في سؤاله البسيط القائل، لو كان على رجل في البرية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعاً فحمل عليه أسد مهيب فما ظنك، هل تدفع الأسلحة شرّه بلا استعمالها؟ وقد كان الجواب بالنفي. وبالقدر ذاته لا يمكن للمعرفة مهما كان حجمها ووزنها وغزارتها أن تسعف الإنسان دون استعمالها. وحدد ذلك موقفه المتضمن في النصيحة القائلة "عش ما  شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجازى"[17]. فهي المقدمة التي يمكن تتويجها بالعلم العملي الذي يصوغه الغزالي استناداً إلى فكرة الشبلي (ت-334 للهجرة)، الذي وجد في كل علوم الأولين والآخرين ما يمكن بلورته بعبارة "اعمل لدنياك بقدر مقامك فيه، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واعمل للنار بقدر صبرك عليها"[18].

وتستند هذه الأفكار إلى ما هو مميز للصوفية بشكل عام من تقديم العمل على العلم. بمعنى أنهم لم يحرصوا، كما يقول الغزالي، على تحصيل العلوم ودراستها وتصنيف ما يمكن تصنيفه، بل قالوا إن الطريق هو تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة[19]. وهو يشير هنا للمرة الأولى إلى تجربته الشخصية التي نعثر على بعض جوانبها أيضاً في كتابه (إحياء علوم الدين) ومؤلفاته الأخرى. وبالأخص ما يتعلق منها بمحاولاته دخول الطريق الصوفي. فقد أورد في (ميزان العمل) قوله، بأنه عندما أراد دخول الطريق، شاور متبوعاً مقدماً من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن، غير أن الصوفي طالبه قائلاً "السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية"[20]. فهو السبيل الوحيد الذي يجري فيه قطع الاختيار وبقاء الانتظار. غير أن ذلك لا يعكس في الواقع، سوى المظهر الأول لمحاولاته النظرية (العقلية) في ميدان التصوف، لا ممارسته العملية. فهو يشير في (ميزان العمل) وفي أعماله الأخرى اللاحقة، إلى "الكثير من الحقائق المنزّلة على المتصوفة هي من وحي الخيالات. وسببها في الأغلب غياب الرياضة بالعلوم البرهانية الحقيقية"[21]. إذ كم من صوفي، كما يقول الغزالي نفسه، بقي في خيال واحد عشر سنين إلى أن تخلص منه. ولو كان قد أتقن العلوم أولاً لتخلص منها على البديهة[22]. ومن هنا تأسيسه لضرورة معرفة علوم ما حصله الأوائل والأواخر.

وسوف يغير مواقفه هذه تغييراً جوهرياً، بحيث ينفي هذه المقدمة وشرطيتها الملزمة، وإبقاءها باعتبارها درجة ضرورية في بقاء الأسس العلمية (المعرفية) المتينة للتصوف. بصيغة أخرى، إن تغيير مواقفه اللاحقة عن مبدأ المعرفة الأولية والضرورية للدلائل والبراهين لا يعني نفي قيمتها. على العكس! إنه ظل جوهرياً في منظومته الصوفية أيضاً، بفعل مساره الشخصي، الذي مثّل أيضاً أحد تجليات الطريق. وكذلك الحال بالنسبة (لميزان العمل). فقد كان هو التمرين الأول الذي أثار في وعيه النظري الأخلاقي أفضلية الصوفية كما هي. ويمكن العثور عليه أيضاً في الاستثارة الداخلية لصراعه الذاتي، التي يحكي بعض حذافيرها المرهفة الإحساس في (المنقذ من الضلال). وبالأخص ما يتعلق بصراع الوعي النظري الأخلاقي ووضعها إياه كفرد وذات مفكرة أمام محك العمل، باعتباره خياره "الأبدي". وقد قدم لنا في كلماته صياغة غاية في الدقة لخلجات ضميره المضطرب. ولم يغيّر من حساسيتها شيئاً، كونها قيلت بعد سنين طويلة من فعل "الاختيار" الحازم لوضع حد لانتهاك العقل مستلزمات خلاصه الروحي. لهذا أخذ يفكر في حينها، كما يقول في (المنقذ من الضلال) وهو على مقام الاختيار، بتصميم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة الأحوال التي يعيشها يوماً ويحلّ العزم عنها يوماً. ويقدم فيه رجلاً ويؤخر أخرى. لا تصدق له الرغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جنّ الشهوة حملة فيغيرها عشية[23]. فما يدعوه لقطع علاقته بالدنيا يثير في نفسه شك الاعتراض على أن ما يواجهه هو مجرد حالة عابرة سريعة الزوال.

فهي الحالة التي تثير في النفس صراعات الضمير المستتر بالشكل الذي لا يخضع لرقيب غير رقيب العقل والمصلحة. وفي ما بينها ينبغي للروح أن يقطع شكوكه. وقد شغلت هذه الحالة قلب الغزالي وعقله في غضون الأشهر الستة التي مهدت حالة "تجاوزه حد الاختيار إلى الاضطرار"، أي كل ما سبق وأن كوّن حاله الذي أدى به إلى الانغلاق الذاتي، أو الحالة التي تحول فيها عالمه الروحي إلى ميدان الاختيار النهائي لحقائق الإرادة الباحثة عن معنى خارج ارتكانها المباشر لمهمات وغايات "الوجود الطبيعي"، أو هي ذاتها حالة "السرّ الأعظم" لمسيره الشخصي المتقلب بين فضائل العالِم ورذائله في علومه وأعماله. وليس هناك أكثر منه من كشف عنها في عباراته القائلة "كنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إليّ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة. حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب. فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة. وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروّح السرّ عن الهمّ الملِّم"[24]. وهذا بدوره ليس إلا حصيلة الفكرة القائلة، بأن رجل العلم والمعرفة الحقيقي، أي الذي يرتقي إلى مصاف الروح، هو الذي يخلص في الأقوال والأعمال بمعايير الحق والحقيقة. وهو أمر نادر جدا. أما الإدعاء والألقاب فهي أشياء لا يعتد بها لأنها في أدنى حالاتها صورة بلا معنى، وفي أعلاها "بلاغة البلادة".

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص238.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص250.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص331.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص331.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص329-230.

[6] سوف اتناول ظاهرة الملامتية الحقيقية والملامتية المفتعلة في بحث خاص. والغزالي يدرك الفرق أو البون الشاسع بينهما. وبالتالي، من الضروري فهم نقده الشديد لظاهرة الملامتية ضمن حدود فهمه الواقعي لمهمة الإصلاح والالتزام العلني بقواعد السلوك التي تذلل البون المفتعل بين الظاهر والباطن في السلوك الفردي وأبعاده الاجتماعية والأخلاقية العملية. كما ان لهذا النقد محدداته في رؤيته الخاصة لوحدة الشريعة والطريقة والحقيقة التي بلورتها ثقافته الفقهية والكلامية، كما نراها في أسس وغاية بديله النظري والعلمي. وضمن هذا السياق يمكن اعتبار نقده اللاذع للملامتية على انه شكل من أشكال تذليل وتخطي تجربة العوام الصوفية. إذ للمتصوفة أيضا خواصها وعوامها في الأتباع كما هو الحال بالنسبة لكل منظومة فكرية كبيرة قابلة للتغلغل في أوساط العامة.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص288.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص250.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص399.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص433.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص432. إن الفكرة التي يشدد عليها الغزالي باستحالة اندراس العلم لها أساسها المنطقي في المعرفة. أما عمقها الثقافي هنا فيقوم باحتوائها الضمني على الصيغة الإصلاحية البديلة التي بلورها في فكرة بقاء العلوم بفعل الحوافز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية واستمرارها في "طلب الرياسة والجاه". لقد ابقى على هذه القوى المادية والمعنوية، بوصفها قوى واقعية فاعلة في إنتاج وإعادة إنتاج العلوم ومؤسساتها. إلا انه بحث في واقعية هذه القوى عما يمكن نفيه بقوى الاخلاق الحية من اجل صنع لفيف الوحدة الحقيق والفعلية بين العلم والأخلاق. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الملموسة لوحدة العلم والعمل. ولا يمكن فهم مضمون وحقيقة هذه المحاولة وأهميتها النظرية والعلمية بمعزل عن تجربته العملية ومساعيها النظرية في نقض وتهشيم مقومات ومكونات السوء في العلم وعلماء السوء. أما احكامه عن عدم اندراس طلب العلم فإنها تعكس من حيث مقدماتها الجازمة واقع الثقافة آنذاك واندفاع من محترفيها من علماء الدين وأمثالهم صوب روافد العلم وتفريعاته بوصفها جزء من حب السيادة والجاه.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص388-399.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص400-404.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص404-407.

[15] الغزالي: ميزان العمل، ص11.

[16] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[17] الغزالي: أيها الولد، ص94.

[18] الغزالي: أيها الولد، ص95.

[19] الغزالي: ميزان العمل، ص38.

[20] الغزالي: ميزان العمل، ص39.

[21] الغزالي: ميزان العمل، ص40.

[22] الغزالي: ميزان العمل، ص40.

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص135.

[24] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص136.

 

في الحلقة الماضية كنا قد تحدثنا عن مفهوم تعدد الزوجات وموقف الكتاب المجيد منه، وقد دل الدليل على إن هذا المفهوم قد أُسيء أستخدامه وفهمه، وخلط وأستُبدل في معناه بينه وبين غيره، فالتعدد في الزواج كما قلنا هو مستحيل بل غير ممكن -، وإن ما يفعله عامة الناس في هذا المجال ليس صحيحاً لأنه يعتمد في الأساس على أخبار و فتاوى مخالفة لما ورد في الكتاب المجيد .

 ومعلوم أن فقهاء التراث وبعملية لا نفهمها خلطوا بين مفهومي ومصطلحي - النكاح والزواج - وجعلوا منهما معنا واحدا، لكن الكتاب المجيد لما أباح التعدد جعله مقيدا ومحصوراً في النكاح والذي هو المتعة أو التمتع، وذلك لغاية معلومة منه تُلبي الحاجة والغريزة، وبما إن هذه الحاجة وهذه الغريزة متغيرة بحسب الوضع، لذلك ربط الكتاب مفهوم التعدد بذلك مع آلية الزمن المحدد والمعين، و ذلك لتعلق الأمر ليس فقط بالقدرة بل والرغبة أيضاً وإمكانية التعايش .

 لذلك قال: [أنكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورُباع ..]، وفي هذا النص نرى الدور واضحاً كذلك الملازمة بين فعل

 - أنكحوا - وفعل - طاب - مع الأسم الموصول، يدل على الشيء الطيب أو ذلك الشيء الحسن الذي تركنون إليه أو تودون معاشرته، ولعل أن مفهوم - ما تودون معاشرته - هو أقرب المصاديق للمُراد بلحاظ وجود فعل - أنكحوا -، وقد ركز الكتاب المجيد على ذلك من باب الموافقة التحصيلية، ولا نظن إن من منعوا أو أبطلوا (نكاح المتعة) أستندوا في حجتهم إلى دليل من الكتاب واضح ورزين، إنما هو الهوى ولنقل هو المنع السلطاني المرتبط بالحاجة والضرورة بحسب ظرفي الزمان والمكان، ولا يمكننا إعتبار هذا المنع بمثابة الحكم الشرعي المستند على دليل من الكتاب، إنما هو وبحسب الظن الغالب كان المنع مرتبطاً برؤية الحاكم للمصلحة من ذلك وحسب مقاسات الزمان والمكان المعينين، وليس هو حكماً شرعياً يجري ويدوم في كل زمان ومكان، وهذا ما نفهمه من حكم الخليفة عمر بن الخطاب، إذ لا يجوز بحال إعتبار المنع منه بمثابة الحرمة الشرعية المؤبدة والملزمة للجميع في كل زمان ومكان، كما يروج لذلك بعض الأتباع والمريدين .

 وإذا كان ذلك كذلك، فيمكننا إستصحاب القاعدة الأصولية والقائلة: (إن الأحكام تتغير تبعاً لتغير الزمان والمكان) -، مع التنبيه والإشارة إلى إن هذه القاعدة ليست حكماً شرعياً بقدر ما تكون حلاً عقلائياً، خاصة ً في ظل الإضطراب والتفاوت المفهومي والدلالي، أضف إلى هذا إن ما أفتى به - حكم عمر بن الخطاب - لا يتعدى من كونه - منعاً مقيداً بالزمان والمكان - هذا إن إعتبرنا صحة ماروي عنه في ذلك .

 وفي هذا نقول إنه: ليس من حق أحدا ما كائنا من يكون في أن يُحلل أو يُحرم -، ذلك إن التحليل والتحريم هي من شؤونات الله خاصة، أي هي من إختصاصه وحده سبحانه، وليست هي من صلاحيات الحاكم الزمني، ولو تنزلنا وقبلنا عمر بن الخطاب في هذا الشأن، إذن لا بد من القول: إن ذلك منه ليس سوى إجتهاد سلطاني زمني محكوم بظروفه وطبيعته والأسس التي أرتكز عليها -، و مع إن ذلك منه ليس مهماً لنا، إذ إننا لا نتعبد بحكم الرجال، ولكن المهم في الأمر هو تلك التبعات التي أعقبت هذه الفتيا، مما أدى بالبعض من القوم إعتبار إجتهاد عمر بن الخطاب حكماً شرعياً ملزماً للجميع، وهذه مغالطة بل مفارقة وهي واحدة من الأشياء التي أعاقة فهم نصوص الكتاب المجيد والإستفادة منها .

ولها نقول: إن نكاح المتعة جائز شرعاً وعقلاً - وضمن شروطه الموضوعية الضامنة لصحته، وإن توفرت هذه الشروط على نحوها الصحيح فلا بأس بذذلك مع وجود (الحاجة والمصلحة والقدرة والإستطاعة)، ثم إن الملاك والمناط في الجواز هو صحة العلاقة الجنسية المنصوص عليها والمُرادة في ذاتها لذاتها [وكما هي الغرائز والشهوات تدخل في باب الحريات الشخصية]، والكلام هنا في أصل الجواز وليس في التفاصيل التي قد يُناكف بها البعض لعدم الضبط والإلزام .

 وأما ما يترتب على أصل نكاح المتعة من أحكام وتبعات من أطفال وذرية، فيخضع القول فيه وفي أحكامه لنفس أحكام ونواميس الزواج تماماً، من شرط النسب والضمان والحماية والتوريث وكل ما يتعلق بالأولاد الصلبيين، وهذا في الأصل التشريعي لصحة هذه العلاقة ومشروعيتها، ومثالنا الدائم في هذا ما فعله نبي الله موسى، ولم يُذكر إن موسى النبي قد تخلى عن ذريته وأبنائه، وفي ذلك يكون فعله الدليل على صحة النسب والتوريث والحماية والضمان ويجري هذا كذلك بالنسبة لعامة الناس، من غير تفاوت أو إختلاف .

نعم إن كتب الفقه التراثي مليئة بكثير من الشطط والوهن، وإن الكثير مما كتبه الفقهاء ودونوه لا يصلح في المقام ولا يصح تداوله اليوم، خاصةً تلك الفتاوى الفجة والتي تخالف النصوص المجيدة ولا تلتزم بالقواعد تلك، والكثير منها كُتب من غير تحقيق أو تدقيق إنما نُسخت نسخاً عن الغير، وكلامنا هذا نقصد به بعض القوم ممن له شخصية إعتبارية ومع ذلك فهو يفتي بجواز التمتع بالزانية وذات العلم !!!، مع علمهم إن تلك مخالفة صريحة لكتاب الله المجيد الذي قال:  [الزاني لا ينكح إلاَّ زانية .. والزانية لا ينكحها إلاَّ زان .. أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين] - النور 3، وشرط الصحة في النكاح المسموح به، هو تلك القاعدة الشرعية التي عليها التقرير .

 ونسأل هنا: من أين أتت الجرئه لدى بعض الفقهاء لكي يفتي ويجيز التمتع بالزانية ؟؟؟ !!! .

والجواب: لا يخلو الأمر من قلة وعي أو محاولة تبرير وإيجاد سبيل يحد من الظواهر السيئة، كما إن ما أعتمده الفقهاء من أخبار في هذا الشأن ليست على ما ينبغي، ولذلك نقول: إن أقوالهم في هذا الشأن متهافته وباطلة ولا يعتد بها -، ونضيف: بأن المدة التي لا يحصل من وراءها براءة الأرحام وطهارتها لا يتم بها عقد نكاح المتعة ولا يصح -، ولذلك فالعقود ذات الأجل القصير لا يصح بها عقد المتعة ولا يجوز، لأن الأصل هو براءة الأرحام و لما يستتبع ذلك من لواحق معلومة ..

وزيادةً في الإيضاح نقول: إن مشروعية (نكاح المتعة) شيء وممارسته شيء أخر -، والكلام هنا وفي مجمل البحث عن المشروعية المحكي عنها والمستمرة، وذلك ما نرآه واضحاً في القول التالي: [.. وإمرأة مؤمنة أن وهبت نفسها للنبي إن أراد أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ..] – الأحزاب 50، ثم إن ضبط وتطبيق تلك المشروعية على المفردات يلزمه ضبط وتطبيق الشروط الموضوعية الضرورية واللازمة في ذلك، ولا يذهبن بكم الخيال لتجريد النصوص من سياقاتها ومعانيها الموضوعية، - فالهبة - مثلاً هنا جاءت مقيدة بفعل النكاح ومفهومه الدال على الإستمتاع، ولا يجوز النظر إليها من خارج دائرة وحرية العلاقات الجنسية المسموح بها والمقررة في الكتاب المجيد، وأما التقيد الوارد في النص فلا يتعلق بمشروعية نكاح التمتع بل بخاصية قوله - (خالصة لك) -، أعني إن المتعلق بالخصوص ليس - النكاح بذاته - بل صيانة ساحة النبوة من العبث والقيل والقال وترصد الأعداء، وفي هذا المعنى صلة شبه أكيدة في المُراد من قوله تعالى: [يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ..] - الأحزاب 32، لذلك حرص الكتاب المجيد للعناية بها وصونها وحمايتها من الغير، وهذا منه متعلق بأصل النبوة و شخص النبي، ولذلك وتدعيماً لهذه الفكرة ورد في السياق نفسه قوله تعالى: [.. وأزواجه أمهاتهم ..] - الأحزاب 6، أي جعل عامة ما يقع مصداقاً في هذا المجال من النساء بمثابة الأمهات من حيث الحرمة والقدسية، ومنه نفهم قوله تعالى - خالصة لك - من دون المؤمنين .

وفي بحثنا عن النبوة قلنا: إن فعل النبي ليس صالحاً للتأسي والإقتداء -، (وفعل النبي هو غير فعل الرسول)، ففعل الرسول له القابلية على ذلك لأنه يرتبط بالنظام والقانون والحاكمية والأمامة، وهذه أشياء تكون مثلاً وحجة على الغير عكس فعل النبي الذي لا يكون كذلك، قال تعالى: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..] – الأحزاب 21، وعبارة (كان لكم) أي - إن لكم - على النصب في سياق التبعية الولائية للرسول، ولم يقل: (لقد كان لكم في نبي الله أسوة حسنة) -، وكذلك قال تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا .] – الحشر 7، ولم يقل: (وما آتاكم النبي فخذوه) - ومعنى ذلك: إن دور النبي يختلف عن دور الرسول، ووضع النبي يختلف كذلك عن وضع الرسول وطبيعة النبي صفة وموضوعاً مختلفة عن طبيعة الرسول صفة وموضوعاً -، ومن هنا فأحكام النبوة هي غير أحكام الرسالة، وذلك واضح وجلي، ففي قضية القتال التي هي قضية فطرية ربطها الكتاب المجيد بالنبي ولم يربطها بالرسول في مجال التحشيد وشد الأزر، قال تعالى: [يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ..] – الأنفال 65، ولم يقل – (يا أيها الرسول حرض المؤمنين على القتال)-، ذلك لأن القتال المشروع في اصله هو دفاع فطري، وفي الدفاع لا نحتاج إلى تشريع بل نحتاج إلى تذكير وبلاغ وحماسة وتحشيد وشد أزر، ومعلوم إن القتال المسموح هو ذلك القتال الذي يكون في رد الظلم والدفاع عن المظلوم، قال تعالى: [أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا ..] - الحج 39، فالقتال المسموح والمأذون به شرعاً هو ذلك القتال من أجل دفع الظلم (وحين يقول الكتاب - حرض المؤمنين -، فالكلام فيه لا يتعدى هذا المعنى الذي ذهبنا إليه، إذ ليس مسموحاً القتال الأبتدائي)، والذي من مصاديقه القتال من أجل الدعوة إلى الإسلام ونشره أبتداءاً وهذا باطل لا يجوز، وهو ما توهم به الشافعي وتبعه في ذلك عامة فقهاء التراث مع الأسف، وكما قلنا إن القتال المأذون به هو ما يرتبط بالفطرة .

وبما إن الزواج والنكاح كذلك يرتبطان بالفطرة، لذلك جعلهما الكتاب من لوازم النبوة كالقتال، والكلام هنا عن المشروعية وليس عما يترتب لا حقاً عليهما من أحكام، فذلك محله الرسالة بإعتبارها قوانين تحكم سير العملية التنظيمية للحياة .

ولكن هل يصح للنبي ما لا يصح لغيره من الأفعال؟ .

 والجواب: نعم يصح للنبي ما لا يصح لغيره، ويكون ذلك كذلك لخاصية النبوة، فعلى سبيل المثال ثبت إنه قد: صح للنبي الزواج بأكثر من إمرأة -، ولكن هذا الشيء لا يصح لعامة الناس، أما لماذا يصح له ذلك ولا يصح لغيره؟، فالظن الغالب عندي في ذلك يعود في الأصل لحاجة النبي والنبوة لمريدين ومصدقين وأعوان، وفي هذا يكون الفعل في التعدد له صلة بمفهوم - تقريب القلوب إلى الدعوة وإلى النبوة -، وهذا الفعل ليس تبريراً بل هو تكيتكاً مسموحاً به، مع وجود الحاجة والمصلحة، وقد ثبت بالدليل صحة: مفهوم المؤلفة قلوبهم إنما أنطلق ذلك من حاجة ومصلحة، مما يكون له أثراً ومنفعة مطلوبة في ذاتها لذاتها، وسنزيد في القول: إن الغرض من ذلك دفع الذرائع، والتخفيف من حدة التناقض والبغضاء، وفي المقابل جر الناس إلى ساحة النبوة والتعاطي معها من غير تفريط أو حساسية زائدة، ولهذا نفهم المُراد من قوله تعالى: [ولو كنت فضاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك ..] - آل عمران 159 .

يتبع

آية الله الشيخ إياد الركابي

23 جمادي الأولى 1440