ميثم الجنابي"اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي"

(الغزالي) 

لم يعنَ الغزالي بالمثال الشخصي كياناً ما قائماً بحد ذاته وإلا لكان ذلك استبداداً مبطناً ومؤنسناً للنزعة التقليدية ذاتها ولكن في أشد حالاتها وأشكالها ضرراً وتدميرا. فمساره الفكري هو مسار الشخصية الباحثة عن الحقيقة. وبالتالي لا يختلف بهذا الصدد عما هو مميز لرجال الأصالة والإبداع. غير أنه لم يجعل من شخصه مثالاً ولم يحوّله إلى جزء من معترك التقليد الأعمى. لقد بحث عما يمكنه أن يكون تآلفاً بين أصالة الثقافة الإسلامية في مبادئها الكبرى وإبداعها الحر في البحث عن الحقيقة، بوصفه التجسيد الممكن للحقيقة في شخصه. لهذا لم تعن الاستقلالية الشخصية ورفض التقليد في آرائه سوى ضرورة تحكيم العقل من أجل بلوغ الحقيقة. ولا يعني ذلك في الوقت نفسه تجذير مفهوم وسلوك العندية المعرفية الصرف. فهو يدرك حقيقة كون "لا خاصة إلا بعامة"[1]، أي إدراكه للترابط الوثيق بين المثال ومصدره من حيث قيمته الاجتماعية والتاريخية، على الأقل في مجال علاقتهما المتبادلة. رغم أنه نظر إلى هذه العلاقة بمستويات مختلفة ومن زوايا متباينة. ففي الوقت الذي يرفض فيه تقليدية الوعي وبالأخص صيغته عند العوام، فإنه أقرّ به كواقع من الصعب تجاوزه. لهذا رأى ضرورة التعامل مع العوام بالقدر الذي تحتمله عقولهم. وضمن هذا السياق يظهر ما يمكن دعوته بالتأييد الخفي للتقليد. إلا أن هذا التأييد الخفي للتقليد ينبغي فهمه ضم اطار ما ندعوه الآن بالصيغة الأيديولوجية. فقد أدرك الغزالي الطابع الأيديولوجي لموقفه في هذا المجال، كما سنوضحه لاحقاً على مثال موقفه من علم الكلام.

إذ نراه يؤكد، بما في ذلك حالما يتكلم عن ضرورة التقليد، على أهميته بوصفه وسيلة الترابط الضرورية في الوعي والممارسة، إلا أنه ينقلها إلى مستوى المثال. وبالتالي ليس التقليد هنا سوى الاحتذاء بالقدوة. وبهذا المعنى يكف التقليد عن أن يكون محجّراً للوعي والممارسة. فالنبي محمد والصحابة هم مثال لا يفقد أهميته في نظر الغزالي. وبالقدر الذي يصبح من الضروري تتبع هذه القدوة في الممارسة، فإنه يدعو في آن واحد لتأمل ما أسماه بسرّ الكلمات والأفعال القديمة ورفض التقليد الأعمى، استناداً إلى ضرورة إدراك الفارق بين الشخصية والمضمون. فعندما يشير على سبيل المثال، إلى أهمية فضيلة العفة حال تكلمه عن الجماع وضرورته ومعقوليته من أجل ألاّ يتحول إلى سلوك بهيمي صرف، فإنه يرفض تحويل ممارسة النبي محمد إلى مثال يقتدى به من كل ما هبّ ودب! فهو يؤكد على الطابع السلبي الاجتماعي والأخلاقي للتتبع التقليدي لمثال النبي محمد، بسبب التباين الكبير فيما بينه وبين مقلديه. فمن ظنّ "أن ما لا يضرّ صاحب الشرع لا يضرّه، كان كمن ظن أن من لا يغيّر البحر الخضم ماء النجاسات لا يغيّر كوزاً مغترفاً من ماء البحر"[2]. فرفض هذا التقليدي العملي هو رفض يستند إلى استيعاب عميق وضروري لأهمية المضمون العملي الأخلاقي للظاهرة. ولهذا يمكن أن نفهم لماذا اعتبر التقليد دنساً، وطالب المرء بأن يكون "نظيفاً من دنس التقليد"[3].

إن هذا التناقض الجزئي القائم في آرائه هو نتاج ثقافة المرحلة ونمط حياتها العام. وفي الوقت نفسه هو النتاج العرضي الملازم لكل تآلف فكري كبير. إذ لا يمكن فهم طبيعة هذا التناقض في آرائه إلا بالارتباط مع ظاهرة تقاليد العوام والخواص في الفكر الإسلامي، التي هي بدورها حصيلة تداخل معقد للعلاقات الاجتماعية الاقتصادية، والفئوية المهنية، والتعليمية التخصصية، والنفسية المعرفية، وتجزئة التكامل الثقافي، وتناقض التطور المعرفي الاخلاقي والحضاري ككل. وفيما لو توخينا حقائق الأمور، فإن هذا النمط من التفكير والممارسة مازال من حيث الجوهر سائداً في الثقافة المعاصرة. أما إلى أية مرحلة ستستمر وإلى أية كيفية ستؤول فتلك قضية يمكن تركها للمستقبل. إلا أن بعض عناصرها ستظل قائمة بالضرورة. وقد مارس الغزالي ودعا إلى تقاليد ثنائية النخبة والعوام ولكن لا من منطلق الادانة والاستهانة بالعوام، بل من منطلق الرأفة والنظر "بعين الرحمة". ولا معنى هنا للبحث عما إذا كانت هذه الرأفة والرحمة ضروريتين أم لا، مازالا هما لا يعنيان في آرائه الاستهانة بالعوام أو عدم القناعة بمساواة الجميع. فالتاريخ يصنع في مجرى تطوره قيماً وممارسات ليست متشابه من حيث الشكل والمضمون. وإلا فإنه لا جديد ولا قديم ولا حركة ولا جمود. فالتطور الاجتماعي والتاريخي والفكري يرفض في بعض مظاهره ضرورة الوحدة، بينما التناقض هو شكل تجليها الضروري. وليست ضرورة الرأفة والنظر بعين الرحمة سوى التجلي الأكثر عمقاً لتطوير وعي الذات الإنساني في وحدته الأخلاقية من خلال رؤية التناقض الفعلي بين المثال والواقع. وعندما يتخذ هذا التناقض صيغة القناعة الذاتية والعقائدية عند العوام،  فليس أمام المفكر آنذاك سوى صياغة المثال بأسهل أسلوب من أجل جعله مقبولاً، دون أن يعني ذلك مطابقة هذا المثال مع مثال الحقيقة المجردة. فقد كان الغزالي من بين الشخصيات التي سلكت هذا الطريق، أي أنه كان يدرك القيمة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية لأكثر فكاره تجريدا. من هنا يمكن فهم سبب محاربته للتقليد في مستواه الفكري العقلي المجرد، وتأييده إياه في مجال الموقف من العوام. فالعامة لا تستطيع إدراك كافة الحقائق أو أعماق الحقائق. ولم يقصد الغزالي بذلك زرع أو إثارة شعور الاحباط تجاه العامة أو عندها، بقدر ما انه يشير إلى ظاهرة تاريخية واقعية. لهذا السبب يحذر من "إبداء التصريح بتأويل لم تصرّح به الصحابة"[4]. وهي ذات الأفكار التي سيكررها في آخر مؤلفاته المكتوبة للعوام. فهو يبرز هنا من الناحية الظاهرية كمتمسك شديد بتراث التقليد. إذ نراه يردد في كتاب (إلجام العوام عن علم الكلام) من أن أفكار السلف هي الحق بصدد  القضايا "الكلامية" المتعلقة بالتقديس، أي تنزيه الله من الجسمية، والتصديق أو الإيمان بما قاله النبي وعلى الوجه الذي قاله وأراده، والاعتراف بالعجز، اي الإقرار بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقته، والسكوت، أي أن لا يسأل في معناه والسؤال بدعة، والامساك، أي لا تصرّف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والكفّ، أي يكف باطنه عن البحث والتفكر فيه، وأخيراً التسليم لأهل المعرفة، أي أن لا يعتقد أن ذلك خفي عليه لعجزه فقد خفي على رسول الله[5]. ولا يمكن فهم حقيقة هذه الصرامة عنده، والتي تقمع كل تصرف حر للتعامل مع النصوص وبالتالي إعادة صنع آلية الهيبة التقليدية، إلا ضمن سياق فكرته عما أسماه بالنظر بعين الرحمة للعوام، إضافة إلى طابعها المشروط بالوظيفة الاجتماعية والسياسية العملية. فما وضعه في (الجام العوام) لم يكن موجهاً ضد تصورات العوام الحشوية والمشبهة بل لرفع هذه التصورات الى درجة أكثر عقلانية. فالتفسير اللاحق الذي يقدمه لمفاهيم "أفكار السلف" هي تفسيرات مقبولة من جانب عقل العوام. فقضية الاعتراف بالعجز لا تعني رفض أية إمكانية للمعرفة بالنسبة للعوام، بل لإقناعها بأن مفهومها عن فكرة "الكيفية المجهولة" لله لا يعني سوى "أن تفصيل المراد به غير معلوم"[6]. وأن السكوت لا يعني كمّ الأفواه بقدر ما يعني ضرورته المرتبطة بمستوى الناس المعرفي. إذ أن عجز الصبي كما يقول الغزالي، عن الاغتذاء بالخبز واللحم لقصور في فطرته لا أن الخبز واللحم مضران[7]. وترتبط بهذه القضية مسألة أخرى سبق وإن بلورتها تقاليد الصراع العقائدي والأيديولوجي بين الفرق، والتي اعتصرت ذاتها بالشكل الذي أصبح معه ممكناً الحديث عن افتراق وتباين الأمة الإسلامية وإمكانية تمثيلها الحقيقي. ولم يكن بإمكان الغزالي أن يخرج كلياً أو يتجاهل هذه التقاليد. لكنه بالاختلاف عنها يعطي لهذه الفكرة طابعاً عقلانياً بحيث يصبح معه افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق متباينة ضرورة مرتبطة بتباين مستوى الوعي والإدراك، بينما يعطي للممثل الحق (الفرقة الناجية) طابعاً اجتماعيا وأخلاقياً ومعرفياً وميتافيزيقياً. إذ لا يمكن فهم حقيقة أجوبة الغزالي على الفكرة القائلة بانقسام الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة خارج الأثر الفعلي للحديث ووظيفته في الفرق الإسلامية بعد تحوله إلى "بديهة نظرية". فالحديث الذي شاطرته مختلف مناهج علم الملل والنحل الإسلامي، حال انتقاله إلى ميدان الصراع الكلامي العقائدي، كفّ عن أن يكون "منطلقاً نظريا". لقد تحول إلى وسيلة الاتهام والأدلجة، أي أنه لم يمتلك هذه القيمة إلا بالدرجة التي أصبح فيها وسيلة للضغط العقائدي بيد الاتجاهات السنية المتشددة. وهذا ما يفسر غياب هذا الحديث، أو بصورة أدق شحة وروده وقيمته عند المعتزلة والفلاسفة والمتصوفة والشيعة. وإذا كان الحديث قد حصل على صيغة الأمر الواقع في الكتابات الإسلامية، فإن المهمة تقوم في معرفة المضمون الواقعي له في الاتجاهات والمدارس الإسلامية.

فالاتجاهات الإسلامية القائمة آنذاك كل منها على حدة وبأجمعها، اعتبر نفسه الممثل الوحيد للحق والفرقة الناجية. وهي الصيغة التي يصعب توقع خلافها في عالم مشحون بالصراع والسعي نحو السكينة والاطمئنان. وقد سار الغزالي ظاهرياً في هذا الاتجاه بقدر مخاطبته العوام، أي أنه لا يتعدى بما في ذلك في آخر كتاباته للعوام (إلجام العوام) عن أن يكرر فكرة "خير الناس قرني ثم الذين يتلونهم ثم الذين يتلونهم"، أي الفكرة المنسوبة للنبي محمد، تماماً كما هو الحال بالنسبة للحديث المتعلق بافتراق الأمة الإسلامية إلى فرق عديدة. لكنه وضع هذه الفكرة في إطار استثارة الوعي الاجتماعي والأخلاقي، والنظر إلى حقيقة الماضي من أجل تطوير وعي الذات. لقد أدرك الغزالي البون الشاسع بين الجوانب الاجتماعية الأخلاقية والجوانب المعرفية. وإذا كان بإمكان الأول أن يحتوي على بعض تجليات المطلق، فإن جوانب المعرفة لا يمكن أن تكون تقليداً صرفاً، لأن التقليد كما يقول الغزالي جهل بحقيقة "الأفعال الإلهية" غير المتناهية.

ومن هذا المنطلق، تعامل مع حديث افتراق الأمة. ففي (فيصل التفرقة) يورده على سبيل المثال بثلاث صيغ متباينة فيما يتعلق بحكم الحديث "العقائدي". الأول بصيغة "الناجية منها واحدة"، والثانية "الهالكة منها واحدة"، والثالثة "كلها في الجنة إلا الزنادقة"[8]، أي نفس الآراء التي وضعها في كتاب (الإملاء)[9]. فاذا كان الغزالي في (فيصل التفرقة) يحاول تفسير مضمون الفرقة الناجية، ففي (الإملاء) يقف بالضد من تكفير الفرق، أي أنه في كلتا الحالتين يبرز كممثل عنيد لمعارضة التقليد، بغض النظر عن مستوياته. فمعنى الناجية هي التي "لا تعرض على النار ولا تحتاج إلى الشفاعة"، أي تلك التي يمثلها هو. وليست هذه الصياغة في الواقع سوى التعبير الأخلاقي اللاهوتي عن المستوى المعرفي الصوفي. أما الصيغة الأخرى (الاجتماعية والأخلاقية) فهي التي تظهر  بهيئة السلب، أي الفرقة الهالكة، التي لا يمكنها إلا أن تكون واحدة، وهي الخالدة في النار. وإن معنى الهالكة هنا هي عبارة "عمن وقع في اليأس عن صلاحه"[10]. وحالما يطبق الغزالي هذه الفكرة على أمته الإسلامية، تصبح هذه الفرقة الهالكة تلك التي "جوّزت الكذب على رسول الله بالمصلحة"[11].

إننا نقف أمام صيغة راديكالية في موقفها من التكفير والتقليد وحرية الفكر والادلجة العقائدية المذهبية، التي أصبحت الحقيقة رهن مصالحها السياسية والاقتصادية. فليست الهالكة هي التي يمكن أن تخطئ في بحثها عن الحقيقة، بل تلك التي توظّف "الحقيقة" لمصالحها. وسوف يضع الغزالي ويحل هذه القضية في الاطار الأوسع والميدان الأعمق لها، أي في إطار علاقة العلم بالاعتقادات، والحقيقة بالمصلحة. ومن المهم الآن الاشارة إلى فكرته واستنتاجه القائل بضرورة اسقلالية الحقيقة عن الخضوع للمصلحة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العابرة والضيقة، التي تصنع وتعمّق أساليب التبرير وتجعل من التزييف والادلجة معيار الحقيقة. ولا يمكن لهذه الوحدة أن تتم دون التتبع التقليدي الصرف لقدسية الكلمة المذهبية في أشخاص أئمتها. وقد تناول هذه الظاهرة وكشف عن حيثياتها في (المنقذ)، أي الحالة التي وجد نفسه فيها منذ بداية الأمر، عندما وقف أمام ظاهرة التباين الشاسع عند البشر في الأديان، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق[12]. وكذلك في الحالة التي دعاها بالبحر العميق الذي غرق في لججه الكثيرون، بفعل تلك الحالة التي جعلت كل منهم يخضع لقناعة النفس التقليدية، بحيث يصبح كل بما لديهم فرحون. وهي الحالة التي وعد بها النبي كما يقول الغزالي "بحيث كاد ما وعد أن يكون"[13].

وفيما لو طرحنا جانبا "كاد ما وعد أن يكون"، فإن الغزالي يكشف من خلال تتبع اختلاف الفرق الإسلامية، وحدة التطور الفكري في تباينه، بوصفها الخلاصة التي أصبح البحث فيها عن الحقيقة، هو حقيقة التطور ذاته وحقيقة الفرقة الناجية. فليست الأخيرة سوى تلك التي تجسّد في ذاتها وحدة العلم والعمل. وإذا كان هو لا يشير إلى المتصوفة بعينها، فإنه كان يقصدها، باعتبارها التجلي الجديد لما مضى. وذلك لأن الحديث النبوي يؤكد على ما هو عليه الآن. وليس الآن سوى الوجود الدائم. وهي القيمة الفعلية "الخالدة" بالنسبة للصوفي. إنها الحالة التي سيشدد عليها لاحقاً بوصفها مصدر المعرفة والسلوك المتلازمين في سعيهما نحو الكمال الأخلاقي، أي كل ما سيطوره في آرائه عن ضرورة الكمال الأخلاقي المعرفي للانسان والتخلّق بأخلاق الله، أو علاقة الإنسان بالمطلق، والتي تتضمن بحد ذاتها على أغلب عناصر رفض التقليد. وقد قدّم في (المقصد الأسنى) على نموذج "الأسماء الإلهية" الأمثلة المطلقة، التي يمكن وينبغي للإنسان أن يستمد منها ما هو مناسب له من أجل بلوغ المطلق (الأخلاقي). فهي العملية المعرفية الأخلاقية والفلسفية الصوفية، التي تجعل من فكرة التقرّب الصوفية المضمون الاجتماعي الأخلاقي والفلسفي للتقرب من الحق (الله) بالصفة لا بالمكان. فهي الممارسة التي ينبغي أن تحوله إلى أن يكون ربانياً باكتشافه الصيغة الإنسانية للصفات الإلهية، أو وحدة المطلق والنسبي، غير المتناهي والمتناهي في الوجود والوعي الإنساني. وقد صاغ الغزالي هذه الفكرة بعبارة "اتقاد الباطن واشتعال القلب وإنفساح الصدر بنور اليقين والمعرفة والعقل[14]. وهي العملية غير المتناهية للمعرفة التي لا يمكن أن يكون مصدرها ومحركها وغايتها سوى المطلق، وبالتالي فأية حركة إلى الأمام هي نقض مباشر للتقليد. إذ ليس التقليد سوى مثال الماضي بصورة المستقبل. لهذا حالما تكلم عن الاسم الإلهي (الجبار) الذي ينفذ مشيئته على سبيل الاجبار في كل واحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، فإن مثاله وصيغته الانسانيين يقوم في تأسيس وتطوير الشخصية التي "ترتفع عن الاتباع وتنال درجة الاستتباع… بحيث يجرّ الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته"[15]. وليس هنا من دعوة للتقليد "المتسامي"، وذلك لأنه يوجه الدعوة للجميع وفي الوقت نفسه يقدم المثال العملي للإتباع والتقليد وليس الصورة الفكرية، أي مثال القدوة في سعيه الدائم لتجسيد المطلق المجرد بإحدى صيغه العملية الملموسة. ولم ينظر إلى ضرورة اتباع المثال الملموس للمطلق في الممارسة الاجتماعية والأخلاقية نظرته إلى علاقة الحي بالجماد، بل إلى علاقة الحي بالحي. ونعثر على ذلك، على سبيل المثال، في موقفه من الاسم الآلهي (المتكبر). فالمتكبر الإنساني هو الزاهد العارف. وإن معنى زهد هذا العارف هو أن يتنزه عما يشغله عن الحق ويتكبر على كل شيء سوى الحق[16]. وقد تبلورت هذه الأفكار عند الغزالي اساسا على توليف تطور الفكرة العقلانية وأثر التجربة الصوفية وصراعه الفكري السابق، وبالأخص ذاك الذي خاضه ضد الاتجاهات الشيعية الشعبية والتقليدية، كما هو جلي في موقفه من الباطنية وفكرتها عن العصمة.

فالغزالي لا يرفض الامكانيات الكبيرة التي يمكن أن يتمتع بها الإنسان المفكر حالما يبلغ مرتبة النظر إلى الأشياء بالله ولله وفي الله. وحتى في هذه المرتبة فإن الإنسان يعبّر عن مستوى محدد من إدراك الحقائق دون حمل صفة العصمة. إذ لا عصمة لأي إنسان. ومن هنا ليست فكرة الإمام المعصوم سوى تقليد الابوين. وبهذا المعنى لا خلاف بينها وبين فكرة التقليد في إيمان العوام من اليهود بيهوديتهم، والمجوس بمجوسيتهم والنصارى بنصرانيتهم والمسلمين بإسلامهم[17]. بصيغة أخرى إن الغزالي بمحاربته مفهوم العصمة أراد فسح المجال أمام حرية العقل المستند بحد ذاته إلى عدم تناهي المادة المعرفية ومحدودية الذات الإنسانية المعرفية والتاريخية. من هنا رفضه واستهزاؤه بمفهوم الرجوع إلى الإمام المعصوم بصدد القضايا المعروضة للجدل أو الحل، أي ينبغي للمرء أن "يحكّم عقله" في حل هذه القضية أو تلك[18]. فالمعرفة لا  تتحدد بالرجال أياً كانوا، مازال موضوعها هو "الفعل الإلهي" غير المتناهي. إذ لا يمكن للكلمة أن تكون المعيار الحقيقي أو النهائي للمعرفة. وقد حاول الغزالي التعبير عن ذلك بصيغ مبسّطة في (القسطاس المستقيم)، والذي أراد أن يجعل من "ميزانه" وسيلة عقلنة ومنطقة التعامل مع النصوص في تأويلها. فالمنطق بفعل استقلالية أحكامه وتجريديته العامة يصبح رفيقاً للقرآن بالصيغة التي عبّر بها الكتاب في إحدى آياته "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، أي تلك المعرفة التي لا يمكن أن تكتفي بهيبة المرء وإلا فإنها لا تساوي المعرفة بشيء. إنها يمكن أن تعادل من حيث طريقة تأثيرها تأثير السحر والشعوذة، في حين أن معيار المعرفة الحقيقي هو "التجربة والإمتحان"[19].

إن هذه العقلانية الصارمة التي نعثر عليها عنده بما في ذلك في آخر مؤلفاته تعطي لمحاربة التقليد في منظومته أساساً جوهرياً، ولتصوراته عن ضرورة التباين الفكري قيمة الفضيلة. فهو لا يقف عند حدود الإشارة للـظاهرة كما هي رغم أهميتها من حيث ملاحظة المصدر الواقعي لأحكامه. فالملاحظة التاريخية للصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية تبرهن على أنه لم يستطع سد الخلافات لا الأنبياء ولا الأئمة ولا حتى الميزان (القسطاس المستقيم) أو المنطق. ولعل الغزالي أدرك الأسباب الاجتماعية والسياسية والمصالح المادية للخلافات الفكرية، التي يصبح المنطق وسيلتها أيضاً. فهو يشير في معرض ردّه على الباطنية من أن أئمة الشيعة أنفسهم كانوا مصدراً لخلافات ابتداءً من علي بن أبي طالب. وهي "اختلافات لا تنقطع أبد  الدهر"[20]. وبغض النظر عما إذا أدرك الغزالي الوحدة الداخلية للعوامل الاجتماعية والسياسية والعقائدية في استعادة وإعادة إنتاج الفكر التقليدي، فإنه أشار في الاطار العام إلى المصدر الذي لم يحسم ولم يكن بإمكانه أن يحسم الخلافات الفكرية. من هنا يمكن فهم خصوصية التناقض النسبي بين إدانته للتقليد وضرورته النسبية، أي أنه يرفض التقليد من حيث الجوهر، ويمجّد الإبداع الحقيقي فيه. من هنا الصياغة الفلسفية للحكم الدقيق الذي وضعه في (القسطاس) والقائل بأن "اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي"[21].

 بصيغة أخرى إنه يفرّق بين التقليد والمعرفة الحقيقية. فعندما يتكلم عن حقيقة الفكر، فإنه ينظر إلى التقليد بوصفه لا معرفة لأن "معرفة" كهذه تبنى على أساس تقبّل "الحقيقة" المعطاة لها بينما المعرفة الحقيقية غير ممكنة دون التجريد والاستنتاج المبني على أساس الاستنباط والتحليل الذي يأخذ بنظر الاعتبار معطيات الواقع الجديد، أو كما يقول الغزالي إحضار معارف قديمة لاستثمار معارف جديدة[22]. غير أن ذلك لا يعني بأنه يقف على الدوام بالضد من أية فكرة تقليدية. فهو يدرك الأهمية النسبية للتقليد وضرورته من حيث كونه مقدمة ووسيلة نقل المعلومات واستمرارية المعرفة. إذ ليس كل تقليد بحد ذاته خاطئ. فالخطأ بنظره، يقوم عندما يصبح التقليد وسيلة المعرفة الأساسية وأسلوب بلوغها الرئيسي.

لقد وقف الغزالي بالضد من لجم لانهائية المعرفة، التي تعيق استقلال البحث باسم التقليد الأعمى للأفكار أياً كان ممثلها ومحتواها. وبنى فكرته هذه على أساس أطروحته القائله بعدم تناهي "الأفعال الالهية". فتتبع المعرفة لظواهر الوجود لا يمكن أن يؤدي بها إلى التناهي. وعندما يطبق هذه الفكرة على إحدى القضايا الجوهرية لعصره وهي قضية الموقف من الشرع والسنّة، فإنه يربط في كل واحد نسبية القدوة والتجديد، اللاتقليد والتأييد، من خلال إبراز أولوية اللاتقليد والتجديد. فعندما يناقش، على سبيل المثال، مسألة الموقف من تراث الإسلام الأول المتمثل بنشاط النبي محمد والصحابة وضرورة الاقتداء بهم وإتباع السنّة، فإن من الصعب فهم حقيقة آرائه دون نزع الصيغة الظاهرية المباشرة والمتبلورة والمصاغة في تقاليد الظاهر والباطن، والعوام والخواص. رغم كونه لا يضع تعارضاً قاطعاً بين هذه الجوانب. فعندما يؤكد على أن "الإتباع ضروري" من الناحية التاريخية العملية، فإنه في الواقع يتبع تقاليد الصياغة الإسلامية في مستواها الظاهر والمباشر، أي ما نعثر عليه في العبارة القائلة، بأن "السلامة في الإتباع والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال"[23]. فالغزالي لا يطابق هنا بين مفهومي السلامة والحقيقة أو الخطر والخطأ. بمعنى أن ما يضعه هنا هو مجرد صيغة ارشادية للعوام في إحدى وظائفها الاجتماعية والأخلاقية والعقائدية (العادات والعبادات)، دون أن يعني ذلك تحولها إلى شعار عملي للشخصية المفكرة. لقد حاول تقديم صيغة مبسطة لتقييم الماضي من خلال إدراك أهمية وجوهرية ما فيه.

فالغزالي في تصويره لإسلام الدعوة والرسالة وعقود الخلافة الراشدية لم يسع في الواقع إلا لإظهاره كمثال يحتذى. انه سعى لتحويل الطابع الملموس والمشّذب للماضي إلى معيار ومحك للمقارنة المعاصرة. إنه سعى لانتقاد العالم المعاصر له مقارنة بمثال "واقعي" في الوعي الاجتماعي الأخلاقي والسياسي والروحي، باستعادة رسم صورته وصنع نموذجه الجذاب. إلا أنه لم يفتأ مع ذلك عن تكرار تأكيده الدائم بضرورة الفهم الجديد والاستيعاب المعاصر للماضي. ففي إجابته على السؤال المتعلق فيما إذا كان الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يربط في كلّ واحد تاريخية الفكرة السلفية ومضمونها وضرورة استيعابها المجدد. انه يؤكد على أن فكرة السلف الصالح هي الحق، ولكنه يضيف في الوقت نفسه قائلاً "أما الشأن ففي فهمه"[24]. ولا ينبغي فهم هذه الصياغة على أنها هروب أو محاولة للتلفيق المصطنع. فهي تمتلك دون شك، أساسها وقناعاتها الخاصة. إنها تستند إلى ما يمكن دعوته بالتقليدية العقلانية كعنصر من عناصر موقفه من تراث الماضي.

وعموما يمكننا القول، بأن التعارض النسبي بين النزعة التقليدية والعقلانية هو نتاج الصيغة الشكلية في التفكير والتقييم. اما في الوقع، فان التقاليد العقلانية ترتبط على الدوام بخيوط لا تحصى فيما بينها وبين التقليدية الصارمة. أما الغزالي فقد سعى لحل إحدى القضايا الجوهرية في الفكر والثقافة الإسلامية آنذاك. ونعثر على ذلك في رؤيته وفكرته عن الإصلاح والتجديد بوصفها إحدى صيغ "التقليد" الضرورية للماضي، والتي تعادل معنى الابقاء على شعلة الحقيقة في مجرى التطور والتبدل والتغير. فإذا كان الإنسان لا يستطيع التخلص من أثر التقليد بوصفه الأسلوب المستتر لصيرورة كيانه الوجودي وكينونته الروحية، فإن مظاهره في الوعي وانعكاسه في السياسة والحياة الاجتماعية كان يشكل عصب الحوافز المقلقة والمثيرة للروح الإصلاحي. ومساهمة الغزالي بهذا الصدد تقوم في إبداعه أحد النماذج الكبرى والعميقة المؤسسة لوحدة الماضي والحاضر والمستقبل، والأخلاق والحقيقة، للقيم والعقل فيما يتعلق بتأمل الماضي وما فيه.

لقد  أدرك الغزالي مهمة الرجوع الدائم للماضي. لهذا ما كان بإمكان هذه الصيغة الواعية لإدراك جوهرية الصلة بالماضي ألاّ تتضمن الكثير من عناصر العقلانية المجردة. أما في منظومة الغزالي الفكرية، فإنها شكلت أيضاً ميزان ربط الماضي بالمستقبل. إنها لم تفسح المجال أمام الانغماس الكلي في الماضي، ولم تترك المجال سائباً أمام ثورة الروح الوجداني. بمعنى أنه حاول تمثيل المسار الموضوعي الوسطي، أو التوليفة التي اتخذت في تصوراته وأحكامه صيغة المثال المطلق للواقع والمستقبل.

كل ذلك يساعدنا على إزالة الالتباس في "تناقضات" الغزالي، التي تبدو للوهلة الأولى بين دعوته الحارة للرجوع إلى الماضي وبين رفضه نتاج "علماء السوء".  فوحدة الرجوع إلى الماضي ورفض النتاج العصري ما هو في الواقع سوى المقدمة الضرورية للفكرة الجريئة التي يصوغها عن حتمية الإصلاح الدائم ووجوبه. فالاتفاق العام بين وجهات النظر المتضادة بين من أيد الغزالي وعارضه تقوم في تجاهل أو عدم معرفة الطريق الخاص لتطوره الفكري والروحي. فإذا كان من يعارضه يشدد على ناقضاته وتهافت مواقفه وآرائه، فإن من أيده حاول إزالة كل أثر ممكن لتناقضه الفعلية في مجرى مساره الشخصي والفكري، كما لو أن بالإمكان تصور الإبداع الكبير والهائل دون تناقضات لا تحص. إن هذا الموقف الأيديولوجي نتاج الانطباعات النفسية من حالة التناقض وتوظيفها المسطح تجاه تناقضات المفكر الكبير في مجرى تطوره الذاتي. فالانطباع العام السائد عن تناقضات الغزالي واقع لا يمكن تجاهله أو نفيه، بمعنى ان له حيثياته وأسسه التاريخية الثقافية، بل ومنطقه الذاتي الخاص أيضا. فإذا كانت محاولات ابرازها هي الصفة المميزة لصراعات العصر واختلاف الفنون والتخصص، فإن مظاهرها العديدة كما نراها في كتب الفلاسفة فقد كانت مهتمة بكشف محاولاته في ابراز تهافتهم من جهة، وتأثره بهم من جهة أخرى. أما عند الفقهاء فقد اتخذت صيغة ابراز مهاجمته إياهم وبقاءه فقيها. بينما اتخذت عند الباطنية (الإسماعيلية) صيغة نقده إياهم والتأثر بأساليبهم. وبغض النظر عما في هذه الجوانب من أهمية لفهم حقيقة المفكر الكبير، إلا أن أهميتها تكمن أولا وقبل كل شيء في اندماجها العضوي فيما اصطلح عليه بتناقضاته الخاصة. أما في الواقع فان لكل مفكر أصيل تناقضاته الخاصة باعتبارها الحالة الطبيعية الملازمة لحقيقة الإبداع. لكنها تتخذ صيغتها المشوهة حالما تنكر أو لا تعي طابعها الجزئي في منظومة الفكر المتراكمة في الإبداع الذاتي للمفكر الأصيل. فالتشابك الفعلي والمتنوع بين الأبعاد المنطقية والثقافية في مجرى تطور الغزالي هو الذي أدى إلى سوء فهم "تناقضاته". إذ نعثر فيها على حالة تناقضات العصر المنفية والمتشابكة من جهة، وطابعها الملازم لحيوية الإبداع الحر في دهاليز الفرق من جهة أخرى. اذ ليست تناقضات الغزالي في الواقع سوى التعبير الثقافي الإسلامي في أحد نماذجه الرفيعة "للتناقضات الحية"، أي أن كل تعرجات الغزالي هي أسلوبه المعرفي والإصلاحي من اجل ايقاف تيار السقوط الجارف آنذاك. لقد حاول الوقوف في بداية الأمر بكل قواه أمام تدحرج أحجار السيول الجارفة، لكنه أدرك لاحقا بأن الحل الأمثل يقوم في بناء سد المناعة الإخلافية والمعرفية التي نجد بدايتها الكبرى الأولى في (الإحياء).     

ذلك يعني، إن دعوة الغزالي للرجوع إلى المصادر الإسلامية الأولى، بما في ذلك في قضايا الفكر، لم تعن سوى إدراك الحقائق في تاريخيتها، أما رفض نتائج "علماء السوء" فمبني على أساس ضرورة الاستقلال في البحث عن الحقيقة. إذ لم يدع مجالاً للشك في هذا الميدان عندما يؤكد على أن اعتماد "علماء السوء" على الأسماء المشهورة لهم من غير التفات إلى ما عرف في الصدر الأول (الإسلامي) هو "كمن طلب الشرف بالحكمة بإتباع من يسمى حكيماً"[25]. وهو لا يتلاعب هنا بالألفاظ، بمعنى إمكانية إطلاق تسمية الحكيم على الطبيب والشاعر والمنجّم، بل يؤكد ضرورة اتباع وحدة الحقيقة الملموسة والمجردة في العمل الاجتماعي والسياسي والحقوقي التاريخي، أي أن ما هو جوهري بالنسبة له هو إدراك حقيقة ما يجري تقليده. فإذا أراد المرء أن يقلد صاحب الشرع والصحابة، وإذا قلد صاحب الشرع في "تلقي أقواله وأفعاله بالقبول، فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره، بأن المقلد إنما يفعل الفعل لأن صاحب الشرع فعله، وفعله لابد وأن كان لسرّ فيه. فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأقوال والأفعال فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم ولا يكون عالماً"[26]. فالشرط الضروري "للتقليد" إن كان لابد منه يستلزم بنظر الغزالي إدراك روح (سرّ) الممارسة والفكر (الأفعال والأقوال)، دون الخضوع الأعمى لها (أن لا يكون وعاء للعلم، بل عالماً). وذلك لأن ترديد الكلمات (الآيات والأحاديث والآثار وغيرها) اياً كانت لا معنى له بحد ذاته دون تأمل مضمونها المجرد (الحقيقي).  إذ أن وجودها بين أغلفة الكتب أكثر حفظاً لها. والمهمة كما هو جلي من آراء الغزالي، لا تقوم في تحويل المرء إلى وعاء فارغ للمعرفة، بل إلى عالم لها، أي تلك المعرفة الضرورية التي تجعل من الإصلاح الدائم إمكانية حية من خلال الاحتفاظ والحفاظ على ما هو جوهري في الثقافة والتعاليم الإسلامية الكبرى وممارساتها في رموزها وشخصياتها السالفة.

من هنا تشديده على استعادة الإصلاحية الحقيقية لمظهرها الغريب، باعتبارها النموذج الصادق والحق في اغتراب الأمة عن مبادئ وحدتها الأولية (الحقيقية). واستند هنا إلى نفس التقاليد الإسلامية الإصلاحية وتقاليد الورع العميقة التي أبدعت إحدى صيغ تعاملها مع واقع "الإنحراف" و"الاغتراب" القائم في الأمة الإسلامية، بالحديث الموضوع القائل "بدأ الاسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء". ولم يعن هذا الحديث في آرائه سوى الاطروحة التي تثير في الوعي والروح مقدمات وغاية المفارقة الورعة بين الماضي والحاضر، وجوهرية الاستعادة الجديدة للتجربة المحمدية في الظروف المعاصرة له. إذ يعكس هذا الحديث، شأن الكثير من أمثاله، من حيث نزوعه الوجداني نزوع النفس الورعة لإدراك ذاتها بوصفها جزء من كيان غريب بين الغرباء. فهو يحمل من حيث نوازعه عنفوان الوجدان الأخلاقي في مجرى معاناته من رؤية "الإنحراف" عن المثال الأسمى. وليس من الدقيق اعطاء هذا النوع أو النموذج من تحسس العالم المحيط ومختلف مظاهره الاجتماعية والسياسية والأخلاقية طابعا نفسيا فرديا خالصا. وذلك لأنه يحتوي على رؤية عميقة في مساعيها لتمثل "السراط المستقبم" بمعايير الانتماء الثقافي والعقائدي. وبهذا المعنى يصبح جزء من التقاليد الفكرية والسياسية التي تطبع بأناملها الخفية كافة الاتجاهات الفكرية والاجتماعية الكبرى والصغرى، المعتدلة والغالية، والثورية والسلفية. لهذا ليس مصادفة ان يتحول هذا الحديث في التراث الإسلامي إلى أحد مصادر الطريق الصوفي وأساليبه التربوية للمريد كما هو الحال بالنسبة لنموذج الخلوة والاعتزال، وكذلك الى حافز روحي للقناعة الفردية عن المجددين والإصلاحيين من فقهاء ومتكلمين، ساسة وفلاسفة، أي كل ما يمكن رؤيته لحد الآن في موشور الحركات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي والإسلامي المعاصر. ولعل مأثرة الغزالي هنا تقوم بنوعية استيعابه وتأويله إياه بالشكل الذي جعل منه أحد البواعث والحوافز الفكرية والأخلاقية القائمة في الربط الوثيق بين معارضة التقليد ورفع أولوية الإصلاح.      

فإذا كان الإسلام الأول غريباً في الوسط الوثني (الجاهلي)، فإن الإسلام المعاصر له هو غريب أيضاً ولكن في الوسط الإسلامي. وليس في آرائه الفقهية أو الكلامية أو الصوفية ما يمكن معه القول "بإسلامية" الأمة المعاصرة له. لقد كانت "الغربة" في مفهومها الإسلامي بالنسبة له، هي غربة الأمة عن التمسك بمبادئ الإسلام الحق. وإذا كان الغزالي لم يناقش الطابع "الجبري" لرجوع الإسلام غريباً من جديد، فلأنه وجد في هذه الحالة الإمكانية الدائمة "لإرادة" التغيير المميزة للغرباء!

***

 ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص30.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص68.

[3] الغزالي: الاملاء، ص28.

[4] الغزالي: فيصل التفرقة، ص71.

[5] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، القاهرة، المطبعة المنيرية، ط1، 1351 للهجرة، ص5-6.

[6] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام ص11.

[7] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام ص12.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة، ص106-108.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص21، ص27..

[10] الغزالي: فيصل التفرقة، ص107.

[11] الغزالي: فيصل التفرقة، ص108.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص78.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص79.

[14] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

[15] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، الجفان والجابي للطباعة والنشر، ط1، ص1987، ص74.

[16] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص75.

[17] الغزالي: القسطاس المستقيم، القاهرة، مطبعة التقدم، ط2، ص79.

[18] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص80.

[19] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص85.

[20] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص85-86.

[21] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص85.

[22] الغزالي: الاحياء، ج4، ص452.

[23] الغزالي: الاحياء، ج1، ص31.

[24] الغزالي: الاحياء، ج1، ص120.

[25]  الغزالي: الإحياء، ج1، ص38.

[26] الغزالي: الاحياء، ج1، ص78.

 

النبوة: [هي المعرفة اليقينية يوحي بها الله إلى البشر عن شيء ما] - راجع كتابنا رسالة في التوحيد والسياسة ص 73 -، وفي هذا الوصف لمعنى - المعرفة اليقينية - التي (يوحي الله بها إلى البشر)، يدلنا ذلك على طبيعتها وعلى معناها العام الذي يشمل جميع البشر من غير تمييز، وهي التي تحصل للذكور وللإناث على حد سواء، وهذا المعنى هو رد لما ذهب إليه غير واحد من علماء الكلام [في تقييد النبوة بالذكور دون الإناث]، وليس من شك إن ماهب إليه هذا البعض في حقيقته دعوة جاهلية، ذلك أن - المعرفة اليقينية - التي يحصل عليها البشر عن طريق الوحي لم يرد فيها حصر أو تخصيص بالذكور دون الأناث كما توهم هؤلاء .

 ثم إن - الكتاب المجيد - لما عرف لنا النبي قال هو - إصطفاء -، ولم يجعل معنى الإصطفاء خاصاً بالذكور دون الإناث، ومعنى فعل - أصطفى -: يدل على الإختيار والإنتخاب بعناية، المأخوذ من الأصل اللغوي للفظ والدال على الصفاء ضد الكدورة والتلوث من كل شائبة، نقرأ ذلك في:

قوله تعالى: [إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي] - الأعراف 144،

وفي قوله تعالى: [إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ] - آل عمران 33 .

وفي قوله تعالى: [إنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ] - البقرة 247 .

والمعنى في هذه النصوص واحد وهو الإختيار، الذي لا يكون ممكناً ومنطبقاً على معناه في مسألتنا إلاَّ حينما يكون من قبل الله، الذي لديه علم تام بهذا المختار من بين الناس، وفي نفس سياق المعنى وكما قلنا بإن - المعرفة اليقينية - لا تختص بالذكور دون الإناث، فكذلك - الإصطفاء - لايكون منحصراً بالذكور دون الإناث، وإليكم الدليل .

 قال تعالى: [وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ] – آل عمران 42 -، وهذا النص واضح الدلالة في أن - المعرفة اليقينية - التي حصلت عليها مريم العذراء جعلتها من فئة الإنبياء مع قيد وبيان - إن الله أصطفاك -، فيكون - إصطفاء – مريم دليلاً على نبوتها، وقد عزز ذلك المعنى القول التالي من سورة مريم:

قوله تعالى: [إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ] - مريم 45، ففي هذا النص نلتقي مع ذلك الجدل المعرفي الطوعي الذي نجده في صدر البيان، بقوله - إذ قالت الملائكة - وفي لغة العرب حين يكون الخطاب موجهاً لشخص ما بأسمه وصفته فذلك دليل على الأهمية، وجملة - يبشرك - جملة خبرية يُفهم منها المُراد في السياق الذي ورد جاء بعد حالة - الإصطفاء -، وفي هذه الحالة تكون مريم يقيناً من الأنبياء من غير شك، بل ولها درجة فوق درجات كل نساء العالمين اللائي بلغن شاءاً من القرب في مطلق الزمان والمكان .

كذلك نفهم من السياق أن علاقة مريم بالوحي كانت علاقة مباشرة، كتلك التي حصل عليها النبي محمد وغيره من سائر الأنبياء، فالطريق والسبيل إلى ذلك واحد وبه تتحقق نبوة الإنسان، وذلك السبيل أو الطريق سماها الكتاب المجيد - الوحي -: والذي هو الوسيلة السريعة التي تأتي بالمعلومة من الجهة المرسلة كما تقول لغة العرب، وأصله: من وحى أوحى إليه ووحيت إليه، إذا كلمته عمَّا تخفيه عن غيره -، وهو في لغة الكتاب المجيد: يعني تلك الواسطة أو الوسيلة التي من خلالها يمكن إيصال المعلومة من الله لمن أختاره من عباده -، ومعرفياً لا يمكننا تصور الكيفية ولا الطريقية التي يتم فيها إيصال تلك المعلومة، لكننا يمكننا تصور المعنى من خلال طبيعة النصوص الحاكية عنه، [فيمكننا مثلاً - تصور الوحي على إنه إشارة أو إيماء أو سرعة أو صوت -]، وهذا التصور رصدناه في لغة النص وفي لسان الأخبار، فالوحي بناءاً على تلك الطبيعة أما أن يكون:

1 - كلاماً مباشراً كما في قصة موسى النبي .

2 - أو يكون قولاً بلسان الملائكة كما في قصة مريم العذراء .

3 - أو يكون إلهاماً ورؤيةً، كما في قصة إبراهيم مع إسماعيل أو قصة أم موسى .

 وفي المعجم المفهرس وجدنا إن لفظ - الوحي - وكذا إشتقاقاته لا يبتعد عن هذا المعنى المتقدم، بدليل:

قوله تعالى: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً - الأنعام 112، فصيغة (يوحي) وردت بالمعنى السلبي للفظ حين يدل على التحريض والنزاع وتأليب البعض على البعض الأخر، من خلال الدس والتزوير والتشويه والدعاية المضللة، وهذا جهد الشيطان وجنوده .

وقوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل - النساء 163، وفي هذا النص وردت الصيغة بالمعنى الإيجابي، الدال على الإشارة والتنبيه .

 وقوله تعالى: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا - مريم 11، ومعناها هنا دعاهم أو أشار إليهم .

وقوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل - النحل 68، ومعناه هنا أي جعل أو صيَّر لدى النحل إرادة ذاتية تنطلق من فعل ذاتي بايولوجي، وهذه الإرادة لها علاقة بالطبيعة التكوينية لعموم الحيوانات فيما تأكل وفيما تشرب .

وقوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى - القصص 7، والمعنى هنا جعلنا في قلب أم موسى السكينة والإطمئنان، وقد عُرف هذا المعنى بالإلهام الفطري المستند إلى اليقين، وقد عُرف الإلهام بأنه من ألهم الدال على: [وقوع اليقين في القلب مما يؤدي إلى الإطمئنان في العمل] .

وقوله تعالى: [يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها] - الزلزلة 4 و 5، والمُراد من لفظ - أوحى - هنا بمعنى الأمر الذي يكون بعد الإخبار .

وأما قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ - الشورى 51، فهو يبين لنا درجات و مراتب الوحي التي يمكن تصورها للبشر وهي كالآتي:

1 - الوحي المجرد: ومن مصاديقه - الإلهام - الذي يقع في قلب الإنسان عن معرفة ويقين، فيطمئن إليه ويعمل بموجبه كالذي حدث لأم موسى -، ويدخل في بابه الرؤية الصادقة التي حصلت لإبراهيم النبي مع ولده إسماعيل، أو كالذي حصل لزكريا مع قومه حين أمرهم بالتسبيح بكرة وعشيا .

2 - الوحي من وراء حجاب: ومعنى هذا وتجلياته تظهر بالصيغة التي وقعت مع موسى النبي، وفيها كان الوحي من وراء حجاب بعيداً عن الرؤية المباشرة لله، وقد دل على هذا قوله تعالى: ربي أرني أنظر إليك !! .... فكان الجواب: قال لن تراني !!!، ولكن أنظر إلى الجبل فإن أستقر مكانه فسوف ترآني .. - الأعراف 143، والنفي هنا ورد لتقويم المعنى في قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما - النساء 164، فكان الوحي صوت وكلمات يسمعها موسى في المقدَّسين، فوق أحساس الكروبيين، فوق غمائم النور، فوق تابوت الشهادة، في عمود النار، وفي طور سيناء وفي جبل حوريث في الوادي المقدس في البقعة المباركة من جانب الطور الأيمن - مفاتيح الجنان ص 103 - .

3 - وأما الوحي بواسطة الملائكة: فهذا هو المألوف في علاقة الله بأنبياءه، فالملاك أو الملائكة كانوا هم الواسطة التي تنقل الخبر من الله إلى من أصفاه الله لذلك، وهذه الصيغة وردت في سياق القول التالي: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ - الشورى 51

* * *

بعد هذه المقدمة نأتي للتعرف على الطبيعة أو على المهمة التي يقوم بها النبي، وبعبارة أدق:

هل النبي مفسراً للوحي أو مبلغاً له أو مبشراً به، أم له مهمة أخرى ؟،

 يقول الإمام علي عن السر من بعثة الأنبياء، قال: إنما يبعثهم للناس ليثيروا فيهم دفائن العقول - .. فثورة العقل أو إثارة العقل هدف مستقل بذاته يقصده الله حين يبعث أنبياءه، ولهذا ترآه يقول: أفلايتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها - محمد 24، فالتدبر: في لغة النص هو تحريك للعقل كي يلاحظ ويفكر ويستنتج ويجتهد ويحكم، والتدبر (هو إعمال للنظر) سواء أكان ذلك الفعل تجريدي أو توعوي، وإعمال النظر: هو لفظ دال على الإستنهاض والتحفيز للعقول، لكي تفهم وتعي الأشياء بطريقة تتناسب مع ما يُصلح الحياة ويَّعمَرُها .

 ونعود للقول في الجواب عن السؤال: من البدهيات اللازم معرفتها هو (إن عقل النبي عقلاً متطورا بالضرورة قياساً إلى غيره من العقول) -، ومادمنا في صدد الكلام عن عقل النبي فأول ما يتبادر منه إنه المفسر لما يأتيه من وحي، وهذا في - العنوان الأولي - الذي يمكننا فيه وصف النبي ودوره، إذن [فهو مفسرٌ لما يوحي به الله إليه]، وهذا النبي يكون مبلغاً أو مبشراً أو نذيراً لكن في - العنوان الثانوي -، وهو في كليهما لا يكون - آمراً أو ناهياً -، أي لا يصح من النبي أن يقوم بدور (أفعل أو لا تفعل)، وهذا المعنى وجدناه في الكتاب المجيد، إذ ليس فيه لفظ أو معنى يدل على أن النبي كان - آمراً أو ناهياً -، لأن هذا الدور هو من مهمات وإختصاصات الرسول بصفته (حاكماً)، ولا يخالف في هذا إلاَّ الجاهل المُقصر، ذلك الذي يخلط بين النبوة والرسالة، كما يخلط بين النبي والرسول، والخلط أساسه التماهي في الدور في ذهن فئة من الناس تتعمد إغراق الواقع بين حاجات النبي ودور الرسول، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على جهل في معنى - المعرفة اليقينية - التي يحصل عليها النبي بالوحي، والتي يؤمن بها بعد إدراكها ووعيها فتصبح عنده يقيناً مطلقاً

ومعنى كون النبي مفسراً، هذه الجملة أو العبارة هي من لوازم نصوص الكتاب المجيد التي توحي بذلك كما في:

 قوله تعالى: (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلاَّ نبأتكما نتأويله) - يوسف 37 -، فيوسف النبي يقول لمن حوله أنا قادر على أن أشرح لكما وأبين ما تأكلانه، وهذا المعنى من القول هو ما نسميه (بالتفسير)- .

و قوله تعالى: (قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم) - التوبة 94، وهذا القول هو (تفسير للخبر)، ومعناها: إن الله قد أخبرنا أو أطلعنا على أخباركم .

و قوله تعالى: (قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير) - التحريم 3، في هذا النص هناك مفردتين:

 الأولى: وردت في صيغة الإستفهام - أنبأك - ومعناه من أخبرك أو فسر لك .

 والثانية: وردت في صيغة - نبأني - والتي تعني الخبر اليقين الصادق، في كلا الحالين وردتا بمعنى (التفسير) .

و قوله تعالى: (سأنبك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) - الكهف 78، ومعنى - سأنبك - أي سأكشف لك أو أظهر لك، والكشف والإظهار هنا هو بمعنى (سأفسر لك) .

و قوله تعالى: (قل أونبئكم بخير من ذلكم) - آل عمران 15، والصيغة وردت في خطاب الجمع ومعناها - أدلكم أوأهديكم - وهي كذلك بمعنى (التفسير) .

و قوله تعالى: (ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) – لقمان 15، والمعنى هنا هو التذكير أو إعادة المشهد والصورة التي كنتم عليها، وهو أيضاً بمعنى (التفسير) .

وفي جميع هذه النصوص هناك معنا مشتركاً واحداً ألاَّ وهو (التفسير أو التبشير)،

 قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين) – آل عمران 42، و لفظ - مبشرين - وردت في سياق النص لتبين لنا طبيعة التطور والتحول الذي حصل للإنسان، وإنتقاله من حالته البشرية إلى حالته الإنسانية، و الجذر الثلاثي للفعل بشر صحيح يدل على البشارة، والتي هي الخبر المفرح السار، والبشارة والتبشير: من الملازمة اللفظية لحركة النقلة التي حدثت للإنسان، ومعها كانت حاجة هذا الكائن الجديد للتعرف على الأشياء، لذلك قال تعالى في الجواب: وعلم آدم الأسماء كلها ..- البقرة 31، ومفهوم عَلَّمَ بهذه الصيغة تعني - التفسير والشرح -، الذي يتناسب وكل مرحلة من مراحل الإنسان، (فالنبوة) أو (بعثة الأنبياء) كانت هي الوسيلة التي تُبشر في تحرير العقل والإنسان من كل ما يعيق حركتهما، وبهذا المعنى تكون - البشارة - جزءاً من المعنى الفطري للطبيعة الإنسانية، وبما إنها كذلك فهي تعبر عن - المعرفة اليقينية - التي تتطابق وتتناسب معها .

 وهذا المعنى يبحث في الفلسفة بصيغة سؤال يقول: كيف يكون ذلك؟، أي كيف يكون التطابق ممكناً بين المعرفة الفطرية والمعرفة اليقينية ؟

 وفي الجواب نقول: [المعرفة الفطرية هي تلك المعرفة التي يحصل عليها الإنسان، من النور الذاتي و الذي يعتمد في الأساس على نور الله]، وهذه المعرفة عامة من حيث كون جميع الناس يشترك فيها، لأنها تعتمد على مبادئ مشتركة يؤمن بها و يعتنقها أغلب الناس، لكن ليس جميع الناس يعتنون بها، ذلك لأن الكثير من الناس إنما يولعون بالنوادر والعجايب والخوارق والمعجزات، ويحتقرون أو يزدرون كل هبة فطرية، وهكذا يكون موقفهم من النبي حين يتحدث عن المعرفة التي يحصل عليها عن يقين، مع إن الواجب يقول: إن للمعرفة الفطرية الحق الذي يفوق أو يغلب أية معرفة أخرى .

ولتبسيط الفكرة نقول: إن المعرفة الفطرية هي أثراً من آثار الطبيعة الإلهية، والطبيعة الإلهية هي أثراً من آثار الأوامر الإلهية -، ولكن هل تختلف المعرفة الفطرية عن المعرفة الطبيعية ؟، نقول: لا تختلف المعرفة الفطرية عن المعرفة الطبيعية إلاَّ في نقطة واحدة، وهي: إن ما يحصل من المعرفة الفطرية من معارف وعلوم لا يمكن تفسيرها بقوانين الطبيعية بالمطلق - .

 لكن لأصحاب مذهب الإتحاد رأي في هذا فهم يقولون: إن كل موجود في الطبيعة هو عبارة عن إتحاد بين الموجد المفيض والموجود الممكن -، وبعبارة أوضح يكون عندهم: كل موجود في الطبيعة المادية لا يمكنه الوجود أو الإدراك بدون فيض الموجد وإرادته -، ومن طبيعة الموجد المفيض إن له عدداً لا متناه من الأشياء والأحوال الممكنة الوجود، و بناءاً على هذا فكل حيز ذهني لا نهائي يدخل في هذا المعنى، وبناءاً عليه كذلك تكون المعرفة الفطرية من المعرفة الإلهية، ولكن ليس كل معرفة فطرية هي معرفة يقينية، فما يحصل لبعض الناس من معارف وعلوم فطرية لا يصح أن نجعل منه بقوة المعرفة اليقينية التي تحصل عن طريق الوحي، وإذا تبين هذا تسقط دعوى الكثير من الغنوصيين أدعياء المعرفة الفطرية ويسقط من الإعتبار مشاهداتهم وكيفياتهم وحالاتهم الذاتية المُدعاة .

 لكن ما الدليل على أن هذا الإنسان مُدعي النبوة قد حصل بالفعل على الوحي من الله ؟، ولماذا لا يدخل هذا المُدعي في ساحة أؤلئك الذين يحصلون على العلم بالنور الفطري الذاتي ؟، مع تأكيدنا إن ذلك ممكناً وغير ممتنع، أعني بذلك جواز حصول البعض على هذا النور والعلم من غير وحي، وهذا القول: ممكن في ذاته لكن إتصافه بالوحي الخاص وحالاته فهذا ممتنع، أما الإمكان فيكون من وجهين:

الأول: الطبيعة التكوينية، ونعني بها التكوين والجبلة الخاصة كالغرائز، يظهر ذلك في قوله تعالى: [وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً] - النحل 68، فالقدر المتيقن من لفظ - أوحى - هو ليس الوحي بمعنى الملاك أو الغمام، بل بمعنى التكوين والخلقة الطبيعية لهذا الكائن، وهذا الذي نسميه التقدير في عالم السنن الطبيعية، كأكل البقر للعشب والحشائش دون اللحوم، والوحي هنا بمعنى الصنعة والخلق على نحو ما .

الثاني: الحس والخيال والتصور والكلام أحياناً، كما في قوله تعالى: [وأوحينا إلى أم موسى] القصص 7، والوحي هنا لا بمعنى نزول الملائكة بل بمعنى الإلهام والإلقاء في الروع على نحو يفيد اليقين، وتعريف ذلك: هو حس وشعور ذاتي مفيد للإطمئنان واليقين، يكون هو نفسه أي الحس والشعور بمثابة الطاقة التي تجعل من تصل إليه واثقاً ومتيقناً، بأن شيئاً سلبياً لم يحدث، هذا اليقين متعلق بما تحصل عليه الفطرة من معرفة تكون يقينية عندها، وبما إننا عرفنا وجوه الوحي وقلنا: إن واحدة منها هو الوحي، الذي يكون بشكل إلهام، لذلك نقول لا مانع من إعتبار ما حدث لأم موسى من فئة الوحي الذي حدث لكثير من الأنبياء، وهذا المعنى لا ترديد فيه بعدما تبين لنا: إن النبوة هي معرفة يقينية يحصل عليها الشخص من خلال الوحي -، وهذا بالضبط ما حدث مع أم موسى .

والثالث: الرؤية االصادقة، والإبتداء مع قوله تعالى: [يا بني أني أرى في المنام إني أذبحك ..] - الصافات 102، وهذه الرؤية هي التصور أو الخيال الذي كان بالقوة، ولكي يكون واقعاً بالفعل وحقيقة، قال في مقام الرد: [قال أفعل يا أبتي، ستجدني إنشاء الله من الصابرين ..] - الصافات 102، ولو طبقنا النظرية الواقعية سنجد: إن هذه الرؤية مجرد خيال ووهم، لا يمكننا العمل بموجبها، لكن هذا الخيال وهذا الوهم كان هو الحقيقة من وجهة نظر المعرفة الفطرية التي هي معرفة يقينية عند إبراهيم النبي، ولكن مجرد الخيال والتصور كان بالنسبة لهما واقع وحقيقة، ولهذا أمتثلا للفعل مصدقين الرؤية على أنها حقيقة لا وهم، قال تعالى: [أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ..] – الصافات 103، ولكن هل الرؤيا جاءت في سياق نبوة إبراهيم أم كانت سابقة لها ؟، بحسب المعطى التاريخي لم تكن الرؤيا سابقة للنبوة، بل كانت في سياقها أو هي جزءاً من إيحاءاتها .

 ونصل هنا لحقيقة الإختلاف بين الوحي والبعث، وقد مر الكلام عن الوحي وطبيعته وأنواعه، وأما البعث فقد ورد في لسان العرب بمعنيين:

 أحدهما: يعني الإرسال كما في قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم موسى - يونس 75 .

 وثانيهما: بمعنى الإحياء بعد الموت، قال تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم - البقرة 56، فالبعث هو حالة نهوض وإستنهاض، وهي تأتي بعد حالة الوعي والإدراك، وفي مسألتنا تأتي بعد الوحي أو الذي جاء به الوحي، والنبي حين يبعث إنما يقوم بدور المبلغ والشارح لما لديه من حقايق ومعارف، لكن هذا الدور لا يسحب منه طبيعته البشرية لذلك يقول: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي - الكهف 110، وأداة الحصر - إنما - تفيد معنى إن له نفس الصفات المخلوقة كما هي لهم، لكن المميز له عنهم هو بهذا القيد أو قل بهذا التعريف: يوحى إليَّ – وفي هذا القيد أو التعريف ورد ذكر قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى * إنما هو وحي يوحى - النجم 3 .

 وهذا المميز قالت عنه الكلامية بمعنى (العصمة)، والتي هي المنع من الوقوع في الخطأ، والمنع لا بد أن يكون صفة ذاتية، عبر عنها الأصولي: بالملكة التي تمنع صاحبها من إرتكاب الخطأ، وهي بهذا المعنى لا تتعدى بالنسبة للنبي المعنى التشريعي وليس المعنى التكويني، أي إن النبي يكون معصوماً بذاته (تشريعاً) حين يمتنع عن إرتكاب الخطأ، ثم تأتي العناية الإلهية كما يُفهم من قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا - العنكبوت 69، ولا يصح إعتبار قوله - وما ينطق عن الهوى - بمعنى العصمة من الله، بل المُراد: إن ما يأتي به النبي من الله لا يخطأ فيه ولا يتعمد ذلك، بدليل قوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون - الحجر 9، إذن فالنبي معصوم عصمة ذاتية تمنعه من أتيان الخطأ، وهذه متقدمة على الإصطفاء الذي يأتي لا حقاً، يعني لا يكون النبي مصطفا من دون هذه الضابطة الذاتية المانعة من إرتكاب المحرم والخطأ .

والنبي لا يوصف بالنبوة إلاَّ بالوحي، وليس من شرط أن يكون كل نبي مأمور بواجب - الأمر والنهي -، لأن النبوة ليست قوانين لتنظيم حياة البشر، بل هي دعوة لفهم الحياة دعوة مجردة، وحتى تكون تامة لازمها الصدق والمحبة والشمول، لأنها في الواقع قضية ربانية خالصة في شروطها وفي فعلها وفي أدواتها وأهدافها، ولأنها كذلك: نقول: بأن ما يحصل للفلاسفة والعرفاء من علوم ومعارف، لا تؤهلهم ليكونوا أنبياء -، لا في مجال التفسير والشرح والبيان ولا حتى في مجال التدبر وإعمال النظر، فالنبي إنما يكون موظفاً لإثبات الحق الذي ينفع الناس، عن طريق الحوار والجدل بالحسنى (البرهان)، مستفيداً بالقدر اللازم من كل المراحل التي يمر بها من مراحل تجريبية حسية أوفيزيائية مجردة وأحيانا ميتافيزيقية مثالية، وتارةً تكون عبر مكاشفات غير مألوفة أو متصورة، ولكن كل ذلك الفعل ينتهي إلى الوحي الذي هو دليل النبوة الوحيد، وكل من أدعى النبوة أو يدعيها فلا بد أن يكون له وحياً يتلقى من خلاله الكلمات، التي كانت بمثابة القول التالي: وإذ أبتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن .. – البقرة 124، أو بصيغة القول التالي: فتلقى آدم من ربه كلمات فتآب عليه .. – البقرة 37، والكلمات جمع كلمة والتي تكون مرةً على نحو مكاشفة صورية وأخرى على نحو مكاشفة معنوية .

والمكاشفة الصورية: ونعني بها هنا ما يحصل عليه النبي في عالم المثال عن طريق الحواس الخمس .

والمكاشفة المعنوية: ونعني بها ما يطلع عليه النبي من معاني الغيب، وهي التي تجمع بين الصورة والمعنى لذلك تكون أعلى رتبةً وأكثر يقيناً .

وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور – الحج 46، وعبارة - لا تعمي الأبصار – إشارة إلى معنى الكشف الصوري الذي يتم عبر أو من خلال الحواس الخمس، وجملة - تعمي القلوب التي في الصدور - دليل وإشارة رمزية لمعنى الكشف المعنوي، والجملة الخبرية جملة توضيحية تتحدث عن مقام العقل أو ما يغذي العقل، إذ الثابت حسب أخر الدراسات: إن القلب هو من يعمل على تفعيل القلب أو إغلاقه -، ويكون هو المتعين بذاته بحسب هذا النص دليلاً، على أنه مكان وعي وإدراك المعاني و الحقيقة من غير واسطة، قال الملا صدرا في مفاتيح الغيب: أن قوة الوعي والإدراك الأصلية تفيض من القلب من غير واسطة -، والفيض الموجب هو الرؤية والوضوح والكشف دون لبس، وفي غير ذلك يكون العمى والضلال والإنحراف، والكلمات التي ينزل بها الوحي لا بد ان تتناسب سعةً وحجماً مع من تتنزل عليه، وبما إن النص إستعار مفهوم القلوب في الكشف والرؤية الصادقة، فإن ذلك دليلاً على أنه مكان المعرفة الفطرية وساحتها .

 وفي جميع الاحوال يمكننا وصف الوحي على إنه حركة وعي في الارادة والقوة، تجلت لمحمد النبي بصيغة متعددة، وتجلت لموسى النبي بصوت خارجي، وتجلت لعيسى النبي بصيغة إتصال الروح بالروح، وقد عبر عن ذلك بعض العرفاء بالقول: [فعين النطق منه بعد الولادة هو تجلي لذاته الروحية في كمال ذاته القدسية]، وعبر عن ذلك بعض أهل الإتحاد بالقول: [إن قدرة التجلي بين الوجود والحقيقة واحدة في الأثنين]، ومنها يمكننا الإدعاء: بأن علة النبوة علةٌ غالبة، كما إن قدرة الله قدرة غالبة - .

وفي هذا الإدعاء حرص منا على القول: وبما إننا نجهل حدود ذهننا، لذلك فنحن نجهل العلة الغالبة للنبوة -، ذلك إن النبي إنما أدرك النبوة بواسطة الخيال الذاتي، والذي هو الوحي الإلهي، والنبي حين يفسر هذا الخيال لنا فإنه لا يتحرك في حدود ضيقه، بل يتعدى ذلك إلى تفسير فكرة الله ومفهوم الله وحدود الله وطبيعة الله، فهو حينما يبلغنا أن الله: يدآه مبسوطتان – المائدة 64، أو حين يقول لنا إن: الرحمن على العرش أستوى – طه 5، صحيح إنه أستخدم أو أستعار إلفاظاً على نحو مجازي، لكنه كان يستهدف تقريب الذهن العام لما يتصوره، عن اليد وعن العرش وعن الكرسي، وكل ذلك من أجل تقريب الذهن إلى كيفية أستخدام الألفاظ وتطويعها وبما يتناسب ومُراد الوحي، ونعود للقول: بأن الله حين كلم موسى تكليماً، إنما كان صوتاً عبر عن روح الله، الذي لم يكن سراً كما إن النبوة ليست سراً، بل هي كشف عن الحق المغيب الغير معلوم، ولذلك كان من مهامها إثبات حقيقة الملائكة وحقيقة الجان التي هي من الغيب أو من الأسرار، وهذا من أجل أن يتفطن الإنسان لما وراء هذا العالم، كما يفعل العلم الحديث في جانب حين يستطيع الجمع والتركيب للأشياء الغير مرئية فيجعل منها حقيقة عيانية مشاهدة ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

مفهوم القسم في الكتاب المجيد لا يكون حقيقياً وملزماً إلاَّ في تلك الصيغة - أقسم -، ولا يصح القسم في غيرها من الصيغ والتي توهم في الإدعاء بها فقهاء التراث وتوابعهم، وهذا الإستهلال هو بيان وتقديم: لمادة القسم على المقسوم والمقسوم عليه وبكونها ثابتة وصادقة ومعلومة اليقين، والصدق والثبات واليقين هي صفات موضوعية أعتمدناها هنا، وليس ذلك نفياً لمبدأ النسبية في الصفات ولكن لعظمة المقسوم عليه وأهميته، وهذا التعميم جئنا به من أجل التأكيد على نظر كل واحد منا للشيء في ذاته، وفي الكتاب المجيد تكون دلالة لفظ فعل (أقسم) على معناه واضحة، وهي معلومة في السياق والإشارة، وبحسب القراءة الموضوعية لمفهوم اللفظ لا نجد شيئاً أدل منه على التوكيد سواه، ولهذا لا يصح بل لا يجوز القسم بغيره، وهذا ما سنمر عليه في سياق البحث لاحقاً، وفي الكتاب ورد اللفظ مفرداً هكذا - أقسم - وفي نحو سبع مواضع بإضافة الرقم 15، 16 من سورة التكوير ليكون العدد ثمانية، وهي كالتالي:

 قال تعالى: [فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم] - الواقعة 75، 76 . .

 وقال تعالى: [فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس] - التكوير 15، 16 .

وقال تعالى: [فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون] - الحاقة 38، 39 .

وقال تعالى: [فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون] - المعرج 40 .

وقال تعالى: [لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة] - القيامة 1، 2 .

وقال تعالى: [فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا أتسق] - الإنشقاق 16، 17، 18 .

وقال تعالى:: [لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد] - البلد 1، 2 .

وقد ورد لفظ - أقسم - ولكن بصيغة الجمع، وهو في هذه الحالة جاء وصفاً لا تقريراً، في خمس مواضع من الكتاب المجيد، في سورة الأنعام النص 109، وفي سورة المائدة النص 53، وفي سورة النحل النص 38، وفي سورة النور النص 53، وفي سورة فاطر النص 42، وعلى النحو التالي: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)، وهي في الجميع لا تعدو وصف حال في الموجب أو السالب ...

ولفظ - أقسم - في اللسان العربي يأتي مفرداً ويكون جمعاً وأصله رباعي صحيح قال أبن فارس، وأما دلالته فعلى التوكيد والإثبات، أي جعل المقسوم به أو عليه ثابتاً ومؤكداً، وقد أستخدم اللفظ في الكتاب المجيد وصفاً للصدق تارةً وللصواب تارةً أخرى، ‏ وأما - الفاء - فيه فهي للأبتداء وما يأتي بعدها فكلام مستأنف، وقالوا: بل هي حرف عطف‏ ودلالته على الترتيب والإشتراك، وأما لفظ - لا - فقال البصريون هي حرف زائد لا معنى له، وقال الكوفيون بل هي أسم إن سبقها حرف جر، وقيل في معناها أقوال منها: [إنها نافية للجنس، أو ناهية للأمر، أو أنها جواباً لسؤال، أو تكون بمعنى غير، أو أنها لا معنى لها، أو أنها تعمل عمل إن أو ليس]، هذه التنوع الذي قال به المعجمين يجعل من التركيز حول المعنى المراد مشكل في ذاته، لكننا مع القول بأنها نافية للجنس حال دخولها على فعل القسم نفسه هكذا نفهمها، وتأتي مع لفظ - أقسم - للمبالغة في توكيد القسم وإثباته، وتدلنا على إن القسم في هذه الحالة لا يكون إلاَّ على شيء مهم وعظيم، وأما الجمع المركب من - حرف لا وفعل أقسم - فهو جمع بين النفي والإثبات، [فالنفي يكون على المقسم والإثبات يكون على المقسم عليه]، وهذا مذهب المفسرين والنحاة القدامى، ودلالة النفي في اللفظ واضحة قال البغوي، وفي الكتاب المجيد حين أستخدم لفظ - أقسم - أستخدمه في مجال خدمة قضية النبوة وإثباتها وتأكيدها، هذا في الفترة المكية من حياة النبي عليه السلام، ولكنها صارت لا حقاً قيمة تداولية لمجمل أفعال الرسالة فيما يخص العقود والمواثيق والإدارة والمسؤولية وغيرها .

 وكما قلنا في البدء: - إن القسم لا يصح ولا ينعقد مطلقاً بغير صيغة - أقسم بالله -، في كل القضايا القانونية والشرعية (الحياتية والمجتمعية)، وأما ماذهب إليه الفقهاء في إعتماد صيغة - الحلف - للقسم فليست عندنا بشيء، بل ولا تجب عليها أية تبعات وأحكام قانونية وشرعية [إذا أعتمدت كصيغة للقسم]، ومعلوم إن دلالة لفظ - حلف - في اللسان العربي تعني التناصر أوالتعاهد بين أثنين أو جماعة، ومنه جاء معنى الحلف والتحالف والأحلاف، ولا دخل له في معنى القسم البتة .

فإن قيل: وما تقولون في معنى - حلف - الذي ورد في غير موضع من الكتاب كقوله تعالى: (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) المجادلة 14 .

قلنا: إن لا دلالة على أن - يحلفون - هنا بمعنى يقسمون، بل الظاهر من الكلام إن اللفظ هنا دال على التناصر والتعاهد على الكذب، ولا يدل على القسم بالمعنى المشار إليه، ودليلنا على ذلك قوله تعالى: (أتخذوا أيمانهم جنة)، فالتترس بالأيمان الظاهر من أجل الصد عن الحق هو غطاء يتخذه دائماً أهل الدعاوى الباطلة .

وللفقهاء فيما يذهبون قول عن - الحنث بالحلف أو الحنث باليمين -، وقد ورد قولهم ذلك في سياق تدعيم فكرة - الحلف - على أنه القسم !!، وهذا منهم ليس على ما ينبغي، فالحنث بالحلف عندنا لا يتعدى ذلك المعنى الذي ذهبنا إليه عن المخالفة أو نقض العهد والتحالف، ولذلك قلنا بأن مخالفة الحلف أو الخروج على قواعده ونصوصه، فتترتب عليه أحكام وتبعات وعقوبات وجزاءات، أي إن العقوبة تترتب على مخالفة شروط الحلف، وليس بإعتبار الحلف قسم يجب الوفاء به، ذلك أن المتحالف قد آمن بشروط الحلف وأمضاها، [كما يحصل اليوم من أنكلترا مع الإتحاد الأوربي فيما يسمى بقضية البريكست]، فالعقوبة أو ما تسمى بالكفارة إنما تترتب أثراً على نقض الحلف وشروطه بعد توكيده لا من حيث هو قسم، بل من حيث كونه معاهدة يجب الوفاء والإلتزام بشروطها .

 وأما معنى قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم * ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ..ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم * وأحفظوا أيمانكم ..) المائدة 89 .

فنقول: اللغو في لغة العرب هو كل صوت أو كلام يكون من غير قصد أو إرادة، أي إنه من حيث هو هو عبارة عن ثرثرة وكلام لا طائل منه، ولذلك فلا يترتب عليه من الأحكام والعقوبات شيءُ، وقد أكد النص على هذه الحقيقة بقوله - لايؤاخذ كم الله باللغو -، أي إن الله لا يرتب عليكم تبعات وأحكام على كل قول وكلام لم تقصدوه أو تريدوه، وعلى هذا النحو فكل قول أو كلام لم يقصده القائل أو المتكلم ليس عليه عقوبة أو جزاء،، [قال الراغب: اللغو هو الكلام الذي يورد من دون روية ولا تفكير، فيجري مجرى اللغا، والذي هو صوت العصافير ونحوها من الطيور، ومنه اللغو في الأيمان]، وأما العقد: (فهو الجمع بين الأطراف، ومثاله عقد الحبل وعقد البناء وعقد البيع والشراء)، وعليه فكل كلام إن صدر عن شخص ما من غير روية ولا تفكير فلا يترتب على ذلك الشخص أية عقوبة أو حكم، وبحسب مبدأ المقابلة: فإن كل كلام يصدر عن روية وتفكير فعليه عقوبة وحكم، (وقد سما النص هذا القصد من الكلام - عقداً - ومعناه إرادة الفاعل من كلامه وقوله)، فالكلام المقصود والمُراد هو ذلك الذي تترتب عليه الأحكام والعقوبات، وأما إضافة الأيمان للعقد فيكون من باب تأكيد القصد وإرادته لا غير، [فانت حين تشتم أحداً أو تسبه أو تدعي عليه دعوى في كلام ما، فلازم ذلك الكلام توكيد وهذا التوكيد يسمونه عقد أيمان]، وإن حصل ذلك يكون العقاب ويكون الجزاء والذي سُمي بلسان النص - كفارة -، والكفارة لغة بتشديد الفاء بمعنى التغطية أو المحو، وهي إصطلاحاً عقوبة مقدرة، وتكون هنا بسبب نقض العقد الذي كان بفعل الحلف، قال تعالى: - (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) -، فالعقوبة بحسب منطوق النص تترتب وتتقدر أثراً على طبيعة التحالف ونوعيته الذي تعاقدتم عليه بشروط أمضيتموها، والتجاوز على تلك الشروط أو نقضها لا زمه عقوبة مقدرة تكون بحسب الزمان والمكان وهي ما يطلق عليها بالتعزيرات وليست الحدود .

وأما قوله تعالى: [ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ..] - البقرة 224، والعرض هو النشر ومنه جاء المعرض والمعروض، وكل الأشياء التي تُعرض تسمى عرضة أو معروضة، وهو أستخدام يجري تداوله في مجال البيع والشراء، ومن هنا جاء النهي في النص بعدم جعل الله عرضة لهذا النوع من المزايدة والتقليل والحط من قيمته وشأنه، وظاهر النص ومراده التأكيد على الجانب الإخلاقي في التعامل مع الله أو تداول أسمه العظيم، إذ لا يجوز بحال جعل هذا المقام العظيم بضاعة وسلعة يُعرض بها الجاهل في كل حين، كقولهم - والله، أو أي والله، أو لا والله وامثالها -، فهذا القول لا ينعقد به القسم ولا يعتد به شرعاً ولا يترتب عليه أثراً، وإن حصل وهو حاصل بالفعل فلا يتعدى معنى - اللغو - المنهي عنه في الكتاب، وكما قلنا فليس هذا اللفظ تبعات وأحكام، وما قيل في هذا الشأن عند عامة الفقهاء فليس عندنا بشيء .

 * * *

تحدثنا فيما مضى من بيان عن معنى القسم والحلف، وقلنا متى يكون القسم صادقاً وصحيحاً ومتى لا يكون كذلك ؟، كما رددنا فكرة الحلف وقلنا بإنها ليست من باب القسم المشار إليه في الكتاب المجيد، والآن سنناقش بشيء من الإيجاز معنى قوله تعالى: [فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس] من سورة التكوير 15، 16،

 والخنس: لغة من خنس فهو خانس - والخاء والنون والسين - أصل واحد قال أبن فارس في المقاييس، ودلالتها على الإستخفاء والتستر، واللفظ إن جاء مُنكراً فيعنى الذهاب خفيه، وإن جاء جمعاً فيكون أسماً دالاً على النجوم السيارة التي تستر في النهار وتطلع في الليل، و - الخناس - صفة للشيطان الذي يوسوس في الصدور، ..

 والجوار جمع جارية وهي الريح المسرعة، وشُبه فيها كل شيء جار، ومنها - الجوار (المنشآت) في البحر كالأعلام -، ومنها الخيول والجبال والأنهار والبحار والشمس وكل شيء يسبح فهو جاري .

وأما الكُنس فهي صفة مشبهة بالفعل من كنس، وأصله صحيح من الكاف والنون والسين، قال الجرجاني هو الكشف والإظهار، وقال أبي عبيدة هو الإستخفاء، والأقرب ما قاله أبي عبيدة في معنى الإخفاء .

 والجملة الخبرية - فلا أقسم بالخنس* الجوار الكنس* - وردت في مقام التأكيد والإثبات، وفي معناها ذُكرت أقوال منها:

أولاً: ما نُسب إلى الإمام علي إنه قال: - هي النجوم تجري (وفي رواية تكنس) في الليل وتخنس بالنهار -، قال أبن عباس فيما ذكره الطبري وأبن كثير، وعلى هذا أعتمد بعض المفسرين وقالوا: هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية، وتجري في أفلاكها وتختفي - .

وثانياً: ماذهب إليه مناصروا فكرة الإعجاز العلمي للقرآن، وبأن المُراد من هذا النص هو في الإشارة إلى عمل الثقوب السوداء، في عملية تخليص جو السماء من الغبار الفضائي وما يحدث من إنفجارات كونية هائلة، إذ لولا تلك الثقوب لأنعدمت الحياة، وهذا الرأي لا أعتد به بل هو مرجوح عندي، ذلك إن تحميل النصوص القرآنية ما توصلت إليه البحوث العلمية، هي مغامرة لا نؤيدها إلاَّ غذا كانت منسجمة تماماً مع السياق والسباق ..

 

وثالثاً: هو الرأي الغنوصي القائم على فكرة - إن هذه الثقوب السوداء - هي مجمع أو بوابات للعالم الأخر، العالم الخفي الذي تتجمع فيه كل العوالم، وإليه تذهب الروح بعد الموت، وهذا الرأي بعيد عن مضمون النص ومقتضى الحال فيه !! .

ورابعاً: الرأي البيالوجي الذي أعتمده بعض المهووسين والمغامرين، والقائل: هو إشارة لما تقوم به الكريات البيض من تنقية للدم، وتخليصه مما علق به من ترسبات وميكروبات وبكتريا ضارة، على أساس إن عملها يقوم بكنس وتنظيف الدم من الرواسب الضارة عبر الجهاز البولي، وهذا الرأي كسابقيه تحميل للنص ما لا يحتمل من المعاني والدلالات ..

 وأما الرأي الراجح عندي والذي أميل إليه، هو ما نُسب إلى الإمام علي من قول، عن النجوم التي تجري أو تكنس في الليل وتخنس في النهار، والذي يؤكد هذا الرأي، دلالة النص اللاحق في قوله تعالى: [والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس]، وهو بمثابة الشرح والبيان، إذ أن مفهوم عسعس أي دخل أو أقبل الليل بظلامه، ودخول الليل يفسح المجال لرؤية النجوم حيث تنعكس أشعة الشمس من خلالها إلى الأرض، وحين يدخل النهار تخنس النجوم أي تختفي عن المشاهدة العيانية، وفي هذا إشارة للمعنى المُراد من الخنس الجوار الكنس، والعطف بالليل على القسم لمناسبة جريان الكواكب والنجوم في الليل، وتعاقب الليل والنهار هو من أجل مظاهر الحكمة الإلهية قال ابن عاشور في التحرير والتنوير، وهذا مناسب للمقام ومنه يتبين إن الخطاب في النص يخاطب العقل في الزمان والمكان المطلق، وأما أعتماد منتجات العلم الحديث وتعميمها على نصوص الكتاب فمخاطرة لا نقبلها ولا نوجه بالعناية بها، إنما يمكن فسح المجال لها في باب الإستئناس لا غير

 ..

آية الله الشيخ إياد الركابي

12 ربيع الأول سنة 1440 هجرية

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (37)

في المقال السابق، تم التطرق الى كيفية تطور تفصيلات قصة صلب يسوع الناصري، وكيف تم اضافة تعديلات و تفاصيل جديدة للقصة مع مرور الزمن، من خلال تتبع ذكر القصة في الأناجيل القانونية الأربعة بمراعاة  التسلسل الزمني.

في هذا المقال، سنتناول التأثير الاجتماعي والسياسي على الروايات والأخبار التي تناولت قصة صلب يسوع المسيح، وأثره في تطور تفاصيل هذه القصة مع مرور الزمن، عن طريق تتبع سرديات الأناجيل القانونية، حسب تعاقب زمن تدوينها.

من المعلوم ان قصة الشاب المصلح يسوع وأقواله ومعاجزه و صلبه،كانت تتناقل على شكل حكايات و سرديات شفوية بين أتباعه المؤمنين به، وتنتقل مع الزمن الى مجاميع المؤمنين الجدد الذين ينضمون تدريجيا الى الايمان المستحدث، ثم يقوم هؤلاء ايضا بنقل هذه القصص والحكايات الى مجاميع اخرى من الناس، ويستخدمونها في التشويق والترغيب لغرض جلب أكبر عدد من المنضمين الجدد للايمان المسيحي، وبمرور الزمن ومع اتساع رقعة المنضمين، تزداد الحكايات و تتسع تفاصيلها، مع تضخم عناصر التشويق والتضخيم خصوصا حول الشخصية المحورية التي يقوم عليها الإيمان الجديد!

وقد استمر الامر على هذا المنوال في الثلاثين عاما التي تلت صلب المسيح، حتى بدأ تدوين أول الأناجيل القانونية وهو انجيل مرقس، ومن بعده بحوالي عشر سنوات انجيلي متى و لوقا، الى زمن تأليف اخر الاناجيل القانونية وهو إنجيل يوحنا، الذي يعتقد أنه كتب حوالي عام 95 أي بعد صلب المسيح بفترة تقارب ما بين 60 الى 70 عام

يسوع الناصري وخلال فترة دعوته الاصلاحية الدينية، لم يستجب له من اليهود سوى عدد قليل جدا من الاتباع الذين واصلوا و بحماس نشر دعوته، بعد صلبه، بين اقرانهم اليهود، وجلبوا للدعوة الجديدة بعض الأتباع الجدد من اليهود، ورغم المضايقات و التعسف الذين واجهوه، لكنهم نجحوا في تكوين فرقة يهودية جديدة داخل المجتمع، تؤمن بيسوع المسيح، لكنها كانت في نظر رؤساء و كهنة اليهود مجرد فرقة يهودية ضالة.  

استمر الوضع هكذا لعدة سنوات الى ان حدث تغير دراماتيكي في تطور الأحداث، حين انضم الى الايمان الجديد شاول الطرسوسي، ذلك اليهودي القادم من مدينة طرسوس، والذي كان متطرفا في مواجهة الفرقة اليهودية الضالة!

لقد غير ايمان (شاول) والذي أصبح لاحقا يعرف بأسم (بولس) مجرى الأحداث، حيث قام بتوجيه بوصلة الدعوة للإيمان الناشئ الى المجتمعات الوثنية التي كانت تشكل الجزء الأعظم من سكان الامبراطورية الرومانية وقتذاك، واخرجها الى أوروبا وآسيا الوسطى، بعد أن كان تلاميذ يسوع المسيح يحصرونها على المجتمع اليهودي فقط .

نجح (بولس) الذي كان يتمتع بثقافة عالية، ويجيد اللغة اليونانية، من خلال استثمار ذكائه، وحماسته ونشاطه الكبير، في تحويل أعداد كبيرة من الوثنيين وفي مناطق جغرافية عديدة الى الإيمان الجديد والذي تحول مع مرور الزمن وازدياد الاتباع من فرقة يهودية صغيرة،تتبع تعاليم يسوع المسيح، الى ديانة جديدة تقوم كليا حول شخص يسوع المسيح !

الدين الجديد الذي بدأ عدد أتباعه بالازدياد المضطرد، واخذت رقعة انتشاره تتسع في ارجاء الامبراطورية الرومانية، خرج من الدائرة اليهودية الضيقة، الى فضاء اوسع وارحب، وصار الغالبية من أتباعه هم الوثنيين السابقين، ومعظمهم من مدن الامبراطورية الرومانية و حاملي التابعية الرومانية (مواطنين) كما هو الحال مع بولس الذي اصبح رسولا للامم !

ومع تحول الفرقة اليهودية الصغيرة (الضالة) الى دين جديد يقدس الشاب اليهودي يسوع الناصري،ويضفي عليه تدريجيا صفات الهية، كان من الطبيعي ان يحدث الصدام الفكري والعقدي بين اليهود وبين أتباع الدين الناشئ والذي صار يشكل مواطني الامبراطورية الرومانية الغالبية العظمى من اتباعه.

واجهت الشريحة المجتمعية الجديدة التي أصبحت تمثل القاعدة الشعبية للايمان المسيحي، معضلة سوسيو/ سياسية !

فالشخصية التي يتمحور حولها إيمانهم الجديد، قد تم تعذيبه وإهانته ومن ثم قتله على يد سلطة الدولة التي يدينون لها بالولاء، ويفتخرون بالانتماء إليها، فيسوع المسيح (ابن الله) قد تم صلبه وفق القانون الامبراطوري الروماني، وبقرار من حاكم روماني، وعلى أيدي جنود رومان !!... حيث انه قد تم الحكم عليه كخارج على القانون و محرض على التمرد ضد الدولة الرومانية، و داعيا الى إنشاء مملكة مستقلة لليهود،  لذلك،تم صلبه، وتعليق لوحة على جسده مكتوب عليها

(هذا ملك اليهود) ليكون عبرة لغيره، ولكل من يفكر بمثل هذا التفكير!

وطبعا، لا يمكن إغفال الدور الذي كان لليهود ورؤسائهم من خلال التحريض والوشاية ضد يسوع الناصري!

استمرت العداوة الايمانية بين اليهود الذين رفضوا يسوع وكذبوه وبين المجتمعات التي آمنت به و ألهته، و أخذت بالازدياد مع مرور الزمن، حتى تحولت - في قرون لاحقة - الى صدام دموي نتج عنه مجازر وحشية بحق اليهود، وذلك حين أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الرسمية الوحيدة للامبراطورية الرومانية...وبمرسوم امبراطوري !

ومع ازدياد العداء الإيماني والتنافر العقدي، فقد كان من الطبيعي ان تلقي هذه المؤثرات الاجتماعية بظلالها على عملية تدوين الأناجيل وخصوصا ان اغلبها كانت موجهة الى شريحة اتباع الدين الجديد من مواطني الدولة الرومانية، وكانت مكتوبة بلغتهم، وعلى ايدي اشخاص يحملون ثقافة يونانية واسعة .

وعند البحث في قصة صلب يسوع المسيح، يلاحظ القارئ في الأناجيل القانونية الأربعة، ان هناك محاولة متقصدة وواضحة جدا في تحميل اليهود المسؤولية الكاملة لجريمة صلب المسيح، مع تكثيف الجهد من أجل إيجاد مبررات لإعفاء الحاكم الروماني الذي اصدر امره بعقوبة الصلب من المسؤولية، او على الاقل ايجاد العذر له !

وعند تتبع هذه النقطة في الأناجيل، و تتبع تطورها الزمني، بحسب زمن تأليف كل إنجيل من الأناجيل القانونية، يكتشف القارئ، ان الذين كتبوا تلك الأناجيل، كانوا مهتمين جدا باضافة تفاصيل جديدة مع مرور الزمن، تثبت ادانة اليهود، وتخفف من مسؤولية السلطة الرومانية، من اجل تخفيف عقدة الذنب التي قد تنشأ نتيجة الولاء لسلطة قامت بصلب الرب!

في اقدم الاناجيل القانونية (انجيل مرقس) نجد ان الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يكن مقتنعا بتجريم يسوع الناصري، ولكنه رضخ لرغبة اليهود الذين طالبوا بصلبه، لذلك امر بجلد يسوع وصلبه !!! (انجيل مرقس 15)

اما إنجيل (متى) فقد أضاف تفصيلة جديدة، ولكنها مهمة جدا وخطيرة في نفس الوقت !

حيث نجد في الاصحاح  السابع والعشرين، ان الحاكم الروماني (بيلاطس) وبعد ان اخبر اليهود انه لايجد في يسوع الناصري اي ذنب يستحق العقوبة، ومع إصرار اليهود وتحريضهم على صلب يسوع

نجد كاتب الإنجيل يضيف حبكة درامية مهمة جدا، تتمثل في قيام (بيلاطس) بطلب ماء وثم قام وغسل يديه أمام الجموع، ليؤكد لهم أنه بريئ من دم هذا الإنسان البار.. ثم أصدر قراره بجلده وصلبه !!

(فلما راى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا اني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم)  متى 27/24

ولم ينسى كاتب الإنجيل بعد ان قام بتبرئة الحاكم الروماني، بأن يضيف فقرة تؤكد مسؤولية اليهود، بل وحتى ذريتهم!

(فاجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا!!!)  متى 27/25

وعند الذهاب الى انجيل ( لوقا) نجد كاتب الاناجيل ينفرد باضافة تطورات وتفاصيل جديدة للقصة، من اجل ابراز نفس الغرض، وهو إلقاء اللوم والمسؤولية على اليهود، حيث نجد ايضا في الاصحاح الثالث والعشرين،ان (بيلاطس) مقتنع ببراءة يسوع الناصري، وعندما عرف انه من (الجليل) قام بارساله الى حاكم الجليل (هيرودس) الذي تصادف وجوده في أورشليم بذلك الوقت !!

الحاكم الضيف، لم يجد،كذلك، ان يسوع قد اقترف جريمة او ذنب، فاكتفى بضربه واهانته، وارجعه الى بيلاطس !

وهنا، نجد بيلاطس، يحاول جاهدا، ولثلاث مرات،ان يقنع جموع اليهود، بإطلاق سراح يسوع البريء حسب رأيه، ولكن اليهود،كانت ترتفع أصواتهم بالمطالبة بصلب يسوع، فاضطر الحاكم الروماني (المسكين) الى النزول على رغبة اليهود، فقام باطلاق سراح (باراباس) المدان بقضية شغب وأمر بصلب يسوع الذي كان يجده بريئا !!

اما اخر الأناجيل القانونية تدوينا (إنجيل يوحنا) فقد تطرق الى نفس القصة في اصحاحين (18 و 19)

وقام باضافة تفاصيل وبهارات جديدة لزيادة الحبكة!!... ولو ان بعضها كان يشي بالطرافة والغرابة !!

حيث نجد الحاكم (بيلاطس) يقوم بدور يشبه المفاوض، بين يسوع المتواجد داخل دار الولاية، وبين رؤساء اليهود الذين بقوا خارج تلك الدار، لذلك اضطر بيلاطس للذهاب والمجيئ ثلاث مرات بينهما، ومع ذلك، فشل في إقناع اليهود !!

رغم انه وبعد حوار مطول مع يسوع،بقي مقتنعا ببرائته، وأراد إطلاق سراحه، لكن اليهود أصروا على إطلاق (باراباس)

وهنا نجد ان كاتب انجيل(يوحنا) ابتكر لنا فكرة جديدة وقوية !!... وهي تهديد اليهود لبيلاطس والتلميح له بأنهم سيتهمونه بعصيان القيصر، لذلك خاف بيلاطس !!... وقرر النزول عند رغبتهم !!

(من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب ان يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين ان اطلقت هذا فلست محبا لقيصر كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر) يوحنا 12/19

هذا التطور المستمر في تحديث و تغيير تفاصيل قصة الحكم بالصلب على يسوع المسيح، يعكس لنا بشكل واضح الأثر الاجتماعي وكذلك السياسي على مخيلة المؤمنين بالمسيحية في زمنها المبكر، والذي انعكس على سرديات نصوص الأناجيل، التي هي بطبيعة الحال، انعكاس لطريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ونظرتهم الى الأمور، ومحاولتهم لتصوير الحدث التاريخي وفق الطريقة التي تشيطن خصومهم في العقيدة، وبنفس الوقت، تزيل العنت واللوم عن السلطة التي ينتمون لها

وبذلك خرجت لنا نصوص الأناجيل، بقراءة للتاريخ تقوم على الرؤية الايمانية للمسيحيين الاوائل، اكثر مما هي قراءة حقيقية لمجريات الأحداث التاريخية.

وهذا الأمر تؤكده أيضا، صورة الحاكم الروماني (بيلاطس) في المخيال المسيحي في الفترة المبكرة، حيث اننا نجد بعض الأخبار تشير إلى أن هذا الحاكم القاسي القلب والذي كان يحتقر اليهود، ويبطش بهم،قد  تاب من فعلته، بل يوجد هناك كتاب زائف اسمه أعمال بيلاطس (يرجع إلي القرن الرابع أو الخامس الميلادي) يبرر بيلاطس من كل لوم، ويؤكد أنه اعترف أن يسوع هو ابن الله!!.

كما توجد حتى اليوم كتب أخري باسم أعمال بيلاطس تختلف فيما بينها في بعض التفصيلات، إلا أنها جميعها زائفة. وتزعم إحدى الأساطير أن زوجة بيلاطس صارت مسيحية. ويقال أن بعض الكنائس الشرقية تحتفل بيوم 25 يونيو، تذكارأً لبيلاطس باعتباره قديساً وشهيداً!!!

ورغم ان هذا الرأي يفتقر إلي السند التاريخي، و لايمثل الرأي الرسمي للكنيسة، لكنه بنفس الوقت، يعكس لنا نمطية التفكير لدى المسيحيين الاوائل من غير الأصول اليهودية، والذين كانوا يعتقدون ان تبرئة (بيلاطس) وهو رمز للسلطة الذين هم مواطنوها، سيرفع عنهم عقدة الذنب، الذي سيتم رميه برقبة اليهود ورقاب اجيالهم !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

 

 ميثم الجنابي"من شرط المقلد أن لا يعلم انه مقلد. فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو  شعب لا يرأب" (الغزالي)

في معرض انتقاده "للتقليد الفلسفي" أشار الغزالي إلى تباين المناهج في علوم الفلسفة. وهنا تجدر الاشارة إلى أن الغزالي لم ينتقد المنهج الفلسفي المنطقي. على العكس. إنه رفعه إلى مستوى المنهج الحقيقي اليقيني. ووجد هذا الموقف انعكاسه في الكثير من مؤلفاته بما في ذلك في (المنقذ)، عندما أكد على أن الذي يأتي "بمعجزة" أمامه، يمكن أن يثير إعجابه دون أن يقدر على تغيير قناعاته بالحقائق اليقينية (المنطقية). فانتقاد الغزالي للتقليد في الوعي الفلسفي، مبني على أساس رؤيته إمكانية صنع الوهم. فهو يشير إلى أن دقة البراهين الفلسفية قد تصنع وهم ومظهر دقة براهينها في كافة علومها. الامر الذي قد يؤدي إلى إمكانية التقليد الأعمى لهم بأخذ كل آراءهم ومواقفهم  على أنها حق[1]. وضمن هذا السياق يمكن فهم وضعه وتقييمه للفلاسفة المسلمين كمقلدين أيضا. فهو لا يتطرق هنا إلى حقائق الفلسفة، بل إلى أسلوب الفلاسفة المسلمين في التعامل مع نتاجها الاغريقي بالأخص، مقارنة بعلماء الكلام مع نتاج ومادة علم الكلام.

فقد كانت تقليدية علم الكلام من وجهة نظر الغزالي مبنية أساساً على المقدمات التي تسلّموها من خصومهم، أو اضطرهم إلى التسليم بها أما التقليد وأما إجماع الأمة أو مجرد القبول من القرآن والأخبار[2].  وفي هذا الموقف نعثر على تحليل وأحكام الغزالي النقدية تجاه التقليد في علم الكلام عن صيغة عميقة ودقيقة تجاه انماط وعيه وأساليبه الجدلية في البرهان. كما شخّص نفسية وذهنية التقبل والانصياع للفكرة المعارضة سواء كانت فرضية أو نتيجة، بوصفها مقدمة التقليد. الأمر الذي جعل علم الكلام يدور في جدله وبراهينه واستنتاجاته على فرضيات ومقدمات تحتاج هي نفسها أولا وقبل كل شيء الى برهان يثبت طايعها اليقيني. من هنا يمكن فهم سبب اطلاق الغزالي في وقت لاحق على براهين المتكلمين عبارة "براهين أوهام النفس". وبهذا يكون قد كشف عن خواء الجدل الكلامي الذي انحدر اليه، ونضوب امكانياته الداخلية، ومحدودية افاقه في اكتشاف الحقائق والبرهنة عليها. أما الفلاسفة المسلمون فقد كانوا الوجه الآخر لهذا التقليد. وبغض النظر عن تباين أسس هذا التقليد، إلا أنه في الاطار العام، شبيه بالتقليد السماعي كتقليد اليهود والنصارى[3].

وتجدر الاشارة هنا الى النقص الكامن في هذه المقارنة بين ما اسماه الغزالي بتقليد المتكلمين والفلاسفة، مع معرفته المؤكدة بالفرق بينهما. وبالتالي تعكس مقارنته هذه عن أحد مستويات موقفه من الفلسفة في مجرى تطوره الفكري والروحي. فهي تعكس من جهة نزوعه اللاهوتي الأيديولوجي الذي ميّز انتاجه الفكري ما قبل التصوف كما نراه بصورة دقيقة في (الاقتصاد في الاعتقاد) و(ميزان العمل)، ومن جهة أخرى، سيعيد النظر بها في وقت لاحق. فقد كانت شخصية الغزالي الفكرية والوجدانية عنيفة بنزوعها اللاهوتي الأيديولوجي للدرجة التي أراد بها سحق خصومه دون رأفة، على مسنّه الجدلي الذي كان لابد له من ان ينقطع. فقد كانت الرأفة بعيدة عن قلبه وعقله تجاه الخصوم ولاحقا تجاه النفس. إذ دفعه هوس الجدل ضد الفلاسفة للوصول إلى حافة اتهامهم بالتكفير. لكنه حالما وقف في أحد أطوار حياته الحادة الى تأمل ما فيه وهو أمام هاوية الشك الشامل إلى التردد والتراجع لكي يبدأ مهمة اتهام النفس وتكفيرها بالتوبة الصوفية، ومن ثم اعادة "الاعتبار" لهم بصورة خفية ومبطنة سواء بالتقييم أو الفكرة والمنهج.  

ذلك يعني، انه وجد مصدر الانحراف (أو الكفر حسب تعبيره) في تقليد الفلاسفة الأعمى، بفعل سماعهم أسماء غريبة مثل سقراط وبقراط وأفلاطون وارسطوطاليس وأمثالهم، وبفعل حسن أصولهم ودقة علومهم[4]. فالتقليد يبرز هنا بصيغة الاستلاب الفكري أمام أئمة الفلسفة الإغريقية، الذي أدى بهم إلى متابعتهم بالطريقة التقليدية التي صنعت في تصوراتهم وعي وممارسة الترفّع عن "مسايرة الجماهير والدهماء". والغزالي لا يرفض الترفع عن مسايرة الجماهير والدهماء، إلا أن سيطرة نفسية الترفع التقليدية، تشترك في طابعها وحافزها مع كل أشكال التقليد بما في ذلك في أبسط وأدنى درجاتها كما نراه في إيمان العوام والمذاهب لتقليدية. فالغزالي كما هو واضح من تقييم انجازات الفكر الفلسفي يدرك "حسن الأصول ودقة العلوم" فيها، لكنه بالضد ممن يرفض "تقليد الحق بإتباع تقليد الباطل". بمعنى أنه رفض من حيث الجوهر التقليدية الفكرية بحد ذاتها، أو كما يقول في (تهافت الفلاسفة) ليس الانتقال إلى تقليد عن تقليد سوى خرق وخبال[5].  وسوف تتعرض هذه الفكرة الأولية في انتقاد التقليد والتي قدمت لنا مفهوم "تقليد الحق" الى تغيرات جوهرية. فإذا كان مضمونها الأولي كما وضعه في (تهافت الفلاسفة) يسير في تيار الانتقاد والاتهام اللاهوتي ضد الفلاسفة المسلمين، فانه أتخذ لاحقا منحى اخر. بحيث يضمحل ويتلاشى مفهوم "تقليد الحق" بوصفه مفهوما منهجيا ليستعيض عنه بمنهج التصوف في مفاهيم الذوق والكشف، باعتبارهما أسلوب المعرفة اليقينية. حينذاك كّف التقليد أيا كان شكله ونوعه عن أن يكون ذا قيمة ومعنى بالنسبة لإدراك الحقيقة. ولم يبلغ الغزالي هذه الحالة المنهجية لمعرفته بأثر الفكرة الصوفية وتأثيرها عليه، بل وبتاريخ نقده للفلاسفة والباطنية. فقد دفع الغزالي معارضته ونقده الشديد للتقليد عند الفلاسفة الى نهايته المنطقية في موقفه من الباطنية (الإسماعيلية). مما ألزمه لاحقا مهاجمة كل انواع التقليد "الحق" منه و"الباطل". غير أن نقده ونفيه "لتقليد الحق" جرى من خلال أسلوب بلوغ المعرفة على حقيقتها كما هي. فالمعرفة المستندة إلى تقليد المعلم، كما يقول الغزالي، في حال معاناة فهم حقائقها تكف عن أن تكون تقليدا. وذلك لأن بلوغ حقيقة المعرفة هو بحد ذاته نفيا للتقليد. إذ لا تقليد في الحقيقة. وهي الفكرة التي سيطورها لاحقا في آرائه ومواقفه من الحقيقة واليقين، والذوق والكشف. ولهذا السبب أيضا نلاحظ لماذا أخذت تغيب هذه الصيغ النقدية تجاه الفلسفة بشكل عام في أعماله المتأخرة. ففي (ميزان العمل) يضع الفلاسفة "الالهيين الإسلاميين" إلى جانب أهل الدين والصوفية باعتبارهم محقين في فكرتهم حول ربط العلم بالعمل باعتباره طريق بلوغ السعادة[6]. ولم يتناول الفلاسفة في (إحياء علوم الدين) بصورة مباشرة سوى مرتين، أما في (جواهر القرآن) فان الكلام حولهم يضمحلّ في التركيز على علم الكلام، ولم يظهروا بقوة جلية من جديد إلا في (المنقذ من الضلال) ولكن ليسوا كقوة معارضة، بل كرديف في الكثير من استنتاجاتهم لآراء الأنبياء والصوفية[7].

إن الموقف المعارض للتقليدية المستلبة، الذي تطور وتبلور في مجرى صراع الغزالي اللاهوتي المذهبي والعقائدي الفلسفي لم يبق في إطار التأمل والقناعة الذاتية، بل تعداه الى تعميق أحكامه في مواجهة ونقد التقليد بشكل عام. ومأثرة الغزالي هنا تقوم في إفراطه الجدلي واتهامه العقائدي لما دعاه بالتقليد الخالص للفلسفة الإسلامية. بمعنى أنها تحتوي على صواب أفكاره بالمعنى التاريخي بوصفه ممثلاً بارعاً لكسر التقليد الفكري أياً كان مصدره وممثله. فقد بحث الغزالي عن استقلالية الفكر في تتبع منطقه الخاص. فأكثر العلماء، كما يقول في (ميزان العمل) مقلدون في أعيان المذاهب، وأدلة تلك المذاهب على الوجه الذي تلقوه من أرباب المذاهب. بحيث جعله ذلك يقول:"من قلّد فهو أعمى، فلا خير في متابعة العميان"[8]. ولا يمكن فهم وهضم حقيقة هذه الفكرة الجريئة ودورها في تنظيم بنية الوعي المتحرر عند الغزالي ودورها في تعميق توجهه الفكري صوب صنع التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي، دون الأخذ بنظر الاعتبار الشكل التاريخي الملموس لهذا التوجه. فالتحرر الفكري واستقلالية البحث عن الحقيقة وتساميها في حافز الوعي وغاية الإدراك للخلافة الإسلامية وثقافتها اتخذت من محاربة التعصب العقائدي المذهبي ذروتها الفعلية باعتباره أسلوب تعميق وعيها الذاتي الحقيقي. لهذا السبب نستطيع إدراك قيمة الفكرة التي وضعها في (الإحياء) في نصائحه للمريد الصوفي والقائلة بضرورة رفض التعصب العقائدي. بينما يشدد في (فيصل التفرقة) على أن المسارعة بالتكفير هي الصفة المميزة لذوي العقول التقليدية والجهل. فالتعصب العقائدي، كما يقول الغزالي هو من "آفات علماء السوء" إذ هو سبب ترسيخ العقائد في النفوس. فعلماء السوء "يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار فتنبعث منهم الدعوة بالمكافأة والمقابلة والمعاملة وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه"[9]. إذ لو كان بالإمكان إزالة التعصب بحيث يصبح طلب الحقيقة باعث الفكرة المختلف عليها، ويكون اللطف والرحمة أسلوب البحث لنجح الكثير في تذليل الخلاف وإدراك الحقيقة. إلا أنه "لما كان الجاه لا يقوم إلا بالإستتباع ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم، وسمّوه ذبا عن الدين ودفاعاً عن المسلمين، وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس"[10]. وليست هذه الصياغة سوى التعبير البارع عن إدراك الغزالي للبواعث الاجتماعية السياسية والمصالح الاقتصادية لعلماء السوء، أي الفقهاء والمتكلمين وغيرهم من ذوي الارتباطات بالمصالح  الشخصية والسلطان، وكذلك نفسية التعصب الفكري والتقليد. فالأخير لم يعد نتاج محدودية الوعي الاجتماعي بل والممارسة الاجتماعبة والسياسية والحقوقية (الفقهية). وهذا ما يفسر لنا أيضاً انتقاداته اللاذعة لممثلي السلطان (الفقهاء وعلماء السوء). ومن هنا دعوته للناظر الفقيه أن يكون مجتهداً برأيه لا بمذهب الشافعي (والغزالي كان شافعياً في توجهه الفقهي الأولي وظل يكن له احتراماً عميقاً مدى الحياة)، أو أبي حنيفة وغيرهما. ذلك يعني انه ينبغي للفقيه الناظر أن يتبع كما يقول الغزالي رأيه الاجتهادي ويجعله بالتالي أسلوب البحث عن الحلول الحقيقية والسليمة. فإذا وافق الشافعي ترك الحنفي. والعكس هو الصحيح.

وسوف يعطي لآرائه المناهضة للتقليد في كتاباته الصوفية طابعاً أعمق يستند إلى موقفه من حقيقة المعرفة وأسلوب رؤيتها. حيث يبني أحكامه المعارضة للتقليد على مستويات عديدة، لن أتناول منها هنا سوى ما دعاه الغزالي بمفهوم الحجاب، أي النزعة الإرادية والعندية المكبّلة لحرية إعادة النظر في مضمون الحقائق المعترف بها. فعندما يناقش على سبيل المثال ما دعاه بأسباب عدم استيعاب معاني القرآن، فإنه يشير إلى التقليد بوصفه من بين الحجب الأربعة المعيقة لمعرفته الحقة. أنه يقف بالضد من المعرفة القرآنية المبنية على أساس غير أساس البصيرة الداخلية والمشاهدة. فالاستيعاب المبني لا على أساس البصيرة الداخلية والمشاهدة ما هو إلا تقليد مبني على تقييد المعتقد الشخصي، أي أنه لا يمكن أن "يخطر بباله غير معتقده. فصار نظره موقوفاً على مسموعه. ولمثل هذا قالت الصوفية إن العلم حجاب. وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب"[11].

إن رفض الغزالي للتقليد لم يكن مجرد رد فعل مباشر لأجل فسح المجال للاجتهاد وحرية الرأي، بل ونفي لهما على أساس تجديد الحيوي في تقاليد الوعي والممارسة. حيث وجد في الصوفية وطريقتها في إدراك حق اليقين الأسلوب الأمثل بوصفه طريق المشاهدة الباطنية، التي "تجعلها تترقى عن حد التقليد بمجرد السماع"[12].

لقد حاول الكشف عن محدودية الأحكام والبراهين العقلية للمتكلمين وأمثالهم، حيث وجد فيها مجرد "كلمات جدلية". وبالتالي أراد القول بأن الجهد العقلي مهما كان كبيراً فإنه يبقى في إطار التفكير التقليدي مجرد خادم وضيع للتعصب المذهبي. وكشف عن فكرته هذه استنادا إلى معطيات عدد كبير من الأمثلة. فالتقليد بوصفه حجاباً من الحجب المعيقة لرؤية الحقيقة يمكنه أن يتخذ صيغة "الحجاب العلمي" التقليدي العاجز عن كشف الحقيقة كما هي بفعل كونه لا يتوجه إلا صوب "حقيقة" معلومة له. فهو يتكلف عناء التفكير من أجل البرهنة على مقدمات يعتنقها كحقائق أولية، مما يفقد عملية المعرفة طابعها الحقيقي ويعيق بالتالي القلب من رؤية ما هو مخالف لتقليده[13].

 وسوف نرى فيما بعد الدور الذي تلعبه هذه الفكرة في نظريته المعرفية ومنظومته الأخلاقية، وآرائه الكلامية والاجتماعية والسياسية. فالفكرة المبدئية التي بلورها عن ازالة الهوى والتقليد لا تعني في منظومته الفكرية سوى تذليل التعصب العقائدي ونفي مطلق الحقائق الجزئية والنسبية في مجرى المعرفة، بوصفها ميدان اللامتناهي وغير المحدود في تتبع "أفعال الله" في الوجود. وترتب على هذه الفكرة استنتاجات عديدة في مواقف الغزالي من المعرفة كما هو الحال في الموقف من الشك واليقين، والإيمان والإسلام، والنبوة وغيرها من القضايا. في حين ستتخذ من مفهوم التخلق بأخلاق الله أحد امثلتها الملموسة في رؤية وتجسيد صفات المطلق في السعي نحو الكمال. أما في مجال انتقاد التقليد، فانه حاول الكشف عما فيها بوصفها شكلا من أشكال وأدوات الخداع الذاتي.

وانطلق الغزالي من هذه المقدمة لمهاجمة تقليد المذاهب هجوماً عنيفا. فهو يقف إلى جانب أن يكون الإيمان مبنياً على أساس ارتفاع كل معبود سوى الله، أي ارتفاع الهوى والتقليد. ولا بأس للمرء أن يصل إلى حقيقة ما استمعه تقليداً بعد انكشاف حقيقة الأمر في اعتقاده، فإما الإيمان وإما غير الإيمان. وعلى هذا الأساس بنى استنتاجه القائل بأن الممارسة الوحيدة، التي تمتلك أحقيتها المعرفية هي تلك التي تتكشف من "المجاهدة لا من المجادلة"[14]. إذ لا طريق حق في بلوغ الحقيقة سوى طريق المعاناة الفردية المتحررة من قيد التقليد والجدل المتعصب. لكن ذلك لا يعني أن الغزالي يشجع النزعة العندية بقدر ما انه يرفع من قدر الذات الإنسانية في ضرورة إدراكها الحقائق كما هي. فهي الوسيلة الحقة لتجاوز التقليد. فالجدل ليس أسلوب بلوغ الحقيقة، بل المجاهدة الفردية. إلا أن ذلك لا يعني أن الغزالي يقف بالضد من الجدل كأسلوب ممكن لإدراك الحقائق. لقد وضع المجاهدة والجدل على طرفي نقيض لا لشيء إلا لأن أسلوب الجدل السائد آنذاك كان أسلوباً جدلياً عقائدياً متعصباً.

لقد أعطى الغزالي لمفهوم الجدل طابعاً سلبياً. وسوف نرى في وقت لاحق، حال الحديث عن موقفه من علم الكلام، المخاطر التي رآها في الجدل الكلامي (اللاهوتي) وبالأخص تشويهه الحقائق والأخلاق ووحدة العلاقات الاجتماعية السياسية والروحية للأمة. لهذا نراه يضع مفهوم المجاهدة في اولوية بلوغ الحقيقة وكذلك بوصفه أسلوبا في نفي الجدل. وبالتالي ليست المجاهدة من حيث وظيفتها المعرفية سوى جدل معرفي وأخلاقي رفيع المستوى وعميق المحتوى. أنه "الجدل" المنفيّ في السعي الحقيقي للمعرفة ولأجلها، بوصفها مثال تجلي المطلق. وتضمّنت هذه الفكرة في أعماقها على منهجية معرفية عميقة. بمعنى أنها شددت على أن الجدل الكلامي والجدل بشكل عام لا يبدع الحقائق. وأن طريق المعرفة هو طريق اكتشاف الحقيقة كما هي. إذ لا يمكن للمرء، كما يؤكد الغزالي، أن يخلق الحقيقة. إنه يستطيع أن يكتشفها لأنه لا حقيقة إلا في الوجود. وأن الحقيقة هي "سنّة الله في الوجود". وسوف يعطي لهذه الفكرة أبعاداً هائلة عندما يؤكد على أن إبداع الإنسان واكتشافاته أياً كان مستواها وحجمها ما هي في نهاية المطاف سوى نتاج رؤية الصلة الداخلية والممكنة بين الأشياء بوصفها "سنّة الله في الوجود". وبهذا المعنى ليس هناك غير اللامتناه، والذي يدركه الإنسان بصورة مستمرة. وإذا كان ذلك ممكناً كعملية فإنه مستحيل كنهاية مطلقة. مما حدد ذلك لدرجة كبيرة موقفه من المجاهدة بوصفها أسلوب الإدراك الفعلي للحقيقة عوضاً عن الجدل. وبفعل توجهه الأخلاقي الصارم أراد أن يجعل من القلب (أي عالم الروح المعرفي الأخلاقي) مرآة الوجود، الذي ينبغي أن تنعكس فيها كل حقائقه. وفي ظل منظومة كهذه فمن العبث توقع إعارة أهمية فيها للجدل العقائدي والتعصب التقليدي. لهذا أكد على أن من طلب الحق بالتقليد فإن أي استقصاء له، من حيث النظر في آراء مؤيديه ومعارضيه، سيضعه أمام حيرة لا حل فيها ولها، أي أنه سيقف أمام خيار الاضطرار في الحيرة أو الابقاء على معتقداته بفعل ميل النفس التقليدية إلى التشبّث بما تعودت عليه. آنذاك تصبح "الحقيقة التقليدية" من حيث جوهرها ووظيفتها شبيهة بعصا العميان. فالأعمى يتكأ عليها ويستعملها في طريقه دون أن يعي جمادها وعميها وصمّها وبكمها. أما بلوغ الحقيقة في مجال رفض التقليد فلا يمكن بلوغها إلا بالطريقة التي تجعله يقف في آن واحد أمام سلبية وإيجابية التقليد من أجل حلّها على أساس الممارسة المستجدة. فعندما يرفض الغزالي التقليد فإنه يتناول جوانبه الأساسية: أما الرفض القاطع للتقليد من خلال رفض التحجّر الذهني والقناعة الساذجة، أو بإعادة النظر بالفكرة من خلال استيعاب الوحدة الجديدة للفكرة التقليدية بمضمونها التاريخي وطابعها المجرد على أساس التجربة المعاصرة. بمعنى أن يكون اعتماده "في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره"[15]. وحتى في حالة تقليد صاحب الشرع والصحابة فإنه ينبغي أن ينظر إلى سرّ الكلمات والأفعال[16]. بصيغة أخرى، إن الغزالي يحوّل الماضي بكل آرائه وأفعاله وممارساته إلى مستودع رمزي يجري إعادة الاعتبار إليه وتقييم أسراره من منطلق المعاصرة، بالبحث فيه عن الحقائق غير المتناهية. من هنا شعار المثال الذي يستشهد به، والذي استقاه من روح المتنبيالقائل:

ولم أر في عيوب الناس شيئاً    كنـقص القادريـن على التمـام

وهنا تجدر الاشارة إلى أن الرجوع إلى القدماء أو التمسك بتجاربهم بالنسبة للغزالي هو اخذ الجوهري والحيوي في إبداعهم أو الجوانب التي اعتبرها أقرب إلى الحقيقة. فهو لم ينظر إلى تجارب الأسلاف باعتبارها كيانات ميتة. على العكس! انه اعطى لها وطابقها مع فكرة الاستمرار كما هو بوصفه أحد العناصر الضرورية للوعي المعاصر في تعامله مع قضاياه الخاصة. لهذا طالب الفقيه الناظر في قضية ما بضرورة الاجتهاد في تحكيم الفكر في القضية والاتفاق مع الشافعي إن كان حل الشافعي صحيحا بنظره، أو مع أبي حنيفة إن كان الحق إلى جانبه. مع ان القضية بالنسبة للغزالي لا تقوم في ضرورة المطابقة الفعلية مع أي إمام من الأئمة، بقدر ما انه يتناول حقيقة الموقف المجتهد لا الشخصية التي يمكن نسب هذا الحل أو ذاك إليها. وقد اطلق على هذا الأسلوب عبارة "أسلوب القدماء من المسلمين"، أي اولوية الحقيقة والاجتهاد لا التبجح الفارغ بتقليد الأئمة. وبما انه لا شافعي ولا حنفي ولا مالكي في العصر الأول للإسلام، لذلك لا مرجع مطلق يمكنه أن يستعيض عن الاجتهاد الشخصي تجاه القضايا والأمور المتغيرة. لقد سعى الغزالي للبرهنة عل أن النبي محمد نفسه طالب الجميع بإعمال الفكر بالقضايا المستجدة. وبالتالي ليست تجربة القدماء سوى أحد نماذج تجربة التعامل الحر في البحث عن الحقيقة. بل نراه يصل في إحدى درجات التحدي من أجل الاستقلال والدفاع عن حرية التفكير، بعد أن وجّهوا له الانتقادات على مخالفته لمذاهب الأصحاب المتقدمين والمشايخ المتكلمين وعدوله عن مذهب الأشعري إلى الدرجة التي يقول فيها في (فيصل التفرقة) "استحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف" [17].

لقد وضع الغزالي هنا من جديد معياراً لحرية التفكير في اتباع الحقيقة دون الألقاب. فهو يحارب "عماية التقليد" ويدعو "للتعطش إلى الاستبصار"، ويصرّح بأن من يضع حد التكفير على أساس الخلاف الفكري لأي مذهب كان من المذاهب، فليس هو في نهاية المطاف سوى "غرّ بليد قيّده التقليد. فهو أعمى من العميان"[18]. ويكشف انتقاده اللاذع ضد احتكار الحقيقة من أي طرف كان عن جرأته وحرية تفكيره الواسعة. لقد أكد على واقع "مخالفة الباقلاني للأشعري في صفة البقاء لله. وماذا ترتب على ذلك؟ ولماذا يمكن أن يكون أحدهما أولى بالكفر من غيره؟ ولم صار الحق وقفاً على أحدهما دون الآخر؟ فإذا كان الاعتبار للزمن والأقدمية فقد سبقت المعتزلة الاشعري"[19]. لقد حاول الغزالي بذلك الكشف عن ضعف أساس الحكم التقليدي وافتقاده لمعيار الموقف من الحقيقة كما هي، وبالتالي كشف عن تهافت الأحكام والقناعة التقليدية. ولم يقصد بذلك تخطئة الاشعري أو تفضيل الباقلاني، بقدر ما انه يوجه أفكاره للدفاع عن حرية التفكير والحقيقة. فالأخيرة لوحدها هي معيار ذاتها. وهي الوحيدة التي تمتلك حق الوجود وتستلزم الدفاع عنها. لقد حاول الغزالي هنا تذليل أسس الاتهام الفكري المبني على التقليد. فالخلاف حول قضية ما لا يعطي الحق لأحد دون الآخر. وبالتالي لا ينبغي للاختلاف الفكري أن يشكل أساساً للاتهام العقائدي. فالحقيقة كيان قائم بحد ذاته لا يتحدد بالماضي. على العكس! إن الجديد لا يظهر إلا مع الزمن الجديد، ولا معنى لتقييد حرية التفكير باسم الزمن (الماضي). فالزمن ليس من بين عناصر الفكرة – الحقيقة. إنه أساس وجودها ووجود الذات المفكرة. وقد جعلته هذه المقدمة يهاجم، بل و"يكفّر" المكفرين التقليديين أنفسهم. إذ نراه يؤكد على أن من "جعل الحق وقفاً على واحد من النظار فهو إلى الكفر والتناقض أقرب"[20]. لهذا أيضاً يمكن أن نفهم بواعث تلك الصيغة الصارمة التي بدأ بها في كتاب (الإملاء على اشكالات الإحياء) في رده على أولئك الذين نسبوا كتبه (الإحياء خصوصاً) إلى الضلال وحاربوا قراءته واتهموه بالزيغ في الشريعة عندما شدد على تقليديتهم المتحجرة. فهو لم يجد في تلك الهجمة ضده سوى هجمة "شركاء الطغام وأمثال الانعام وإجماع العوام وسفهاء الأحلام وذعار أهل الإسلام"[21]، أولئك الذين حجبوا عن الحقيقة بأربع، الجهل، والإصرار، ومحبة الدنيا، وإظهار الدعوى"[22]. أننا نقف في الواقع أمام نفس الصيغة الجوهرية لمحاربة التقليد والدعوة للاستقلال الفكري. فليست الحجب الأربع هنا سوى حجب التقليد المجزأة. ولم يفتأ الغزالي يدافع عن حرية التفكير ورفض التقليد حتى آخر حياته. ومن الممكن الاستشهاد بتلك الحوادث التي تشير إلى محاولات استفزازه وجرّه للجدل. فعندما اضطر إليه مرة بفعل تذكير المناهضين له بتراثه الفقهي السابق عندما حارب وهاجم النعمان أبو حنيفة ودافع عن الشافعي، بإحراجه المباشر بطريقة الفقهاء الماكرة بالسؤال على مذهب من هو؟ أجاب "أما في المعقولات فعلى مذهب البرهان وما يقتضيه دليل العقل، وأما في الشرعيات فعلى مذهب القرآن. ولا أقلد أحداً من الأئمة. فلا للشافعي عليّ خط ولا لأبي حنيفة عليّ سند"[23]. لقد أراد الكشف عن إتبّاعه الدائم للشعار القائل "معرفة الرجال بالحق لا الحق بالرجال".  وهو ما يمكننا العثور عليه أيضاً في نظريته التربوية عن التعليم، عندما أشار إلى أهمية التدريس ضمن إطار حديثه عن وظائف المعلم. فهو يجعل من مهمة محاربة التقليد والمساهمة في صنع الذهنية المستقلة، من بين أهم وظائفه. ويؤكد في الوقت نفسه على ضرورة عدم ترك أي فن من فنون العلوم، أو نوع من أنواعه إلا ونظر فيه نظراً يطلع به على غايته ومقصده وطريقه. بمعنى ضرورة الاطلاع المتفحص المبني على أساس الممارسة الشخصية المستقلة[24]، والمتميزة باحترام المعلم والعلم كل في اختصاصه، مع التكامل في ميدان العلم المعني. لهذا حذّر قائلاً: "نعوذ بالله من نصف متكلم ونصف طبيب. فذاك يفسد الدين وهذا يفسد الحياة الدنيا"[25]. لقد أدرك الغزالي قيمة المثال الحق ونبذ أنصاف المتعلمين أيا كانت الصورة الشائعة عنهم. بمعنى أنه لا يمكن للقيم الاجتماعية ومثالها الشخصي أن تتبلور وتبرز بصورتها المستقلة، إلا في ميدان التجربة الشخصية والبحث عن الحقيقة كما هي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص100-101.

[2] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[3] الغزالي: تهاف الفلاسفة، ص73.   

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[5] المصدر السابق، ص74.

[6] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص112-113.

[8] الغزالي: ميزان العمل، ص42.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص40.

[10] المصر السابق، ص41.

[11] المصدر السابق، ص284.

[12] المصدر السابق، ص52.

[13] المصدر السابق، ج3، ص14.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص75.

[15] المصدر السابق، ج1، ص78.

[16] المصدر السابق.

[17] الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص32.

[18] المصدر السابق، ص39.

[19] المصدر السابق، ص40-41.

[20] المصدر السابق، ص44.

[21] الغزالي: الإملاء في إشكالات الإحياء، ص13.

[22] المصدر السابق.

[23] الغزالي: فضائل الانام من رسائل حجة الإسلام، ص46.

[24] الغزالي: ميزان العمل، ص113-117.

[25] المصدر السابق، ص127.

 

مجدي ابراهيميحتفل المسلمون بمولد سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، وهو بلا شك ظل وارف من ظلال المحبة، ويحتفون معه بمولد الرسالة الإسلامية، وليت الاحتفال يكون احتفالاً حقيقياً ولا يجئ صورة لا تزيد عن الصور الكثيرة التي تنقلب معها القيم الإيمانية فيتحوّل أعلاها مع غيبة الفهم إلى أسفلها، وأرقاها في سُلم القيم إلى أدناها؛ فيُساء فهم المقصود من كل حفاوة علويّة وكل تكريم ربانيّ.

الفرقُ ولا شك كبير جداً بين العلم والمعرفة والقيمة والدلالة وقصد المفهوم من كل علم ومعرفة وقيمة باقية، وبين أن يتحوّل ذلك كله، مع تدني الممارسات، إلى مبتدعات الحياة الشعبية فيصبح الدين جزءاً من فلكلور شعبي، وتصبح شعائره عرضة للعادة تتجرّد عن العبادة، وتصبح العقائد والاحتفاء بها مجرّد ممارسات فلكوريّة تصادم الفكرة المستنيرة عن الدين كونه معرفة وعلماً ومجموعةً من قيم معقولة باقية، وتجرده من حيوية الاعتقاد، ليتحول كما تحولت العقائد السابقة عليه (كالمجوسية واليهودية والمسيحية) من الدين إلى نقيض الدين.

هذه خشية الغيورين على عقائدهم من الدُّخلاء، او المنتسبين إليها انتساب الجاهل الغافل ينطلق من الحب وهو يُسئ أو يُساء فهمه في كافة الأحوال، ومنها تنبعث أقلامهم للتنبيه على ما يُحاك ضدهم أو ما يفهم على غير المقصد الأسمى من مقاصد الدين أو الاعتقاد.

بالطبع، أنا لا أنكر بالبداهة الاحتفالات بمولد النبي، صلوات الله وسلامه عليه، على الإطلاق، وليس لي من سبيل بالبداهة كذلك إلى نكرانها، كيف وقد أبان مولده عن طيب عنصره كما يقول البوصيري طيّب الله ثراه، ولكنّ أنكر الإنكار هو ما يكون فيها من ممارسات لا تمس حقيقتها ولا تقوّم المحبّة المُجرّدة لشخصه الكريم ولحضرته المباركة تقويماً يُرقيها في قلوب الناس ويُعليها في عقولهم وضمائرهم، بل تتوقف عند الصورة البرانيّة منها ولا تزيد، فهو من ثمّ إنكار أشخاص ومسالك لا إنكار قضايا وعقائد، والفرق من بعدٌ كبير؛ ولقد عرف تاريخ المسلمين جدلاً واقعاً بين أئمتهم وعلمائهم، واختلف جماعة من الأوائل في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف فمنهم من أجازه وهم الجمهور الغالب من العلماء كابن حجر العسقلاني والحافظ السيوطي والسخاوي وغيرهم من علماء الأمة وهم كثيرين، ومنهم من أنكر الاحتفال به أشدّ النكران وقال ببدعته؛ لعلة ظهرت لديهم إذ ذاك في تقويم المسائل الإيمانية وبخاصّة العقائد الكبرى تقويماً يحفظها من الالتباس من أرجاس الناس، ومنهم ابن تيمية وابن الحاج المالكي والشاطبي، فكان ابن تيمية ومن جرى مجراه يخشى عادات النصارى في الاحتفال بالسيد المسيح أن تتلبس بعادات المسلمين فضلاً عن أن هذا الاحتفال أصلاً لم يكن على زمن الصحابة ولا أجراه التابعون ولا قرره أحد في الصدر الأول وإنما هو من عادات المتأخرين.

وعلّل رفضه باشتمال كثير من الكبائر وعظائم الأمور عليها مثل الطرب والغناء الماجن واختلاط الرجال والنساء وتناول المحرمات. وظن ابن تيمية أن ما يحدثه بعض الناس أمّا أن يكون مضاهاة للنصارى في ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وأمّا ان يكون محبة للنبي صلوات الله عليه والمحبة توجب التعظيم، والله يثيبهم على هذه المحبة والإجهاد لا على البدع الخارجة عن صحيح الدين. ولئن كانت البدع إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشرع والتعبّد بغير الطريقة النبوية اقتفاءً للصراط المستقيم فإن الاحتفال بمولده عليه السلام كما ذكر السيوطي إن يكن بدعة فهو حسنة لما يشترط فيه من تعظيم قدر النبى صلوات الله وسلامه عليه، وإظهار الفرح بمولده. والصحيح أن تسمى بدعة حسنة لقوله عليه السلام " من سن في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ".

التنطع في الدين سمة غالبة لكل متشدّد يكاد يخنق أنفاس الناس ويملي عليهم عنوة ما يفهمه وإن جاء ضيق الفهم غارقاً في التحجير، فليس كل مستحدث له أثره من عمل الصحابة أو عمل التابعين وإلا ضيقنا الخناق وحسبنا الأنفاس وظلمنا سنة التطور كما تجري بها عادة الزمن وكل زمان كان، وليس من مانع أن يتم العمل بجنس المأثور مما ورد من المأثور، وإن لم يكن مأثوراً في ذاته، ويجوز إلا يعمل به ولا يجزى من ثمّ عليه ولا يثاب على تركه أو إهماله.

قلت إن الفرق واضح وضوح الشمس في ضحاها بين إنكار أشخاص ومسالك، وإنكار قضايا وعقائد، فالأشخاص ممّا يجوز لك الاختلاف معهم ومع مسالكهم فيما شاءت لك حجة الخلاف أن تمضيها نقداً على الأعمال والافكار وعلى ما يكون وراؤها مما يكشف عنها فيما هو مخبوء تحتها من طوايا ونوايا وتخريجات، وليست العقائد هكذا؛ لأنها ليست سوى النصوص صامتة في ذاتها لا ينطقها إلّا من أراد النطق بها بمقدار ما يفهم وبمقدار ما يلهم منها ومن ذلك الفهم الذي يتوخّاه.

ومع هذا كله تبقى العلة التي ذكرناها فيما تقدم سارية، ويبقى قيامها في عقول المصلحين وهى : تقويم المسائل الإيمانية وبخاصة العقائد الكبرى ومنها عقيدة النبوة، تقويماً يحفظها من الوقوع في شرك الالتباس من أرجاس الناس. فليست حلاوة المولد، ولا احتفالات المواسم والإتّجار بها واستغلالها أسوء استغلال، ولا منح الأجازات في أغلب المؤسسات، ولا راحة الأبدان فيها من مشقة الأعمال يوم المولد، إلّا صورة ليست تحتها حقيقة تجوهر هذا الاحتفال بقيمه العلمية، أتراهم - وهم في أمس الحاجة إلى الرشد والتهذيب فضلاً عن الفقه والمحبّة والتقريب - فقهوا الدلالة أم هل عرفوا الإشارة من مضمون الرسالة؟

لم تكن تلك القيم العلمية المُشار إليها إلا الغرض الإلهي الذي أتاح الدين الجديد للظهور، وإلّا العناية الإلهية التي مهّدت لظهوره يوم كان العالم كله يموج بالتيارات الدينية المتناقضة، يُضاف إليها عبث السياسة بالمذاهب والآراء، وبالمعتقدات والشرائع التي تنظم حركة المجموع فضلاً عن حركة الأفراد في سياقات متصلة بقانون الوجود أو قانون البقاء.

كانت هنالك مقدّمات مهّدت لظهور البعثة المحمدية وسبقت مطلع النور، ثمة بواعث من عناية الله حفّت هذا الكون بسياج الحفظ الذي تمّم الرسالة لتجيء رحمة للعالمين. كانت هنالك حاجة جديدة إلى إصلاح جديد بمقدار ما كانت هنالك حاجة ماسّة إلى دعوة جديدة لدين جديد، ونحن نعمد إلى سفر ممتاز من أسفار الأستاذ عباس العقاد عنونه بهذا العنوان "مطلع النور أو طوالع البعثة المحمديّة"، وهو طيّب الله ثراه أقدر القادرين على استيفاء البحث في أسباب تلك العلل وتخريجها بصواب الرأي والرؤية؛ شارحاً تلك المقدمات التمهيدية التي سبقت الدعوة الإسلامية قبل أن يصدع بها لأول مرة أكرم نبي عند الله، وأحب نبي إلى الله، وحامل لواء الحمد، وأول شافع، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة.

جاء في هذا السفر القيم : أن العالم المعمور شاعت فيه قبيل الدعوة المحمديّة أديان قديمة كبرى وهى على حسب قدمها : المجوسية واليهودية والمسيحية؛ فلم يكن أتباع دين من هذه الأديان على استقرار في عقيدتهم أو ثقة بأحبارهم وأئمتهم، وأولها وأشدّها اضطراباً ديانة الدولة الفارسية او دياناتها المتعددة التي تشكلها الثنوية، أي الإيمان بربّ للنور وربّ الظلام وعالم للخير وعالم للشر في كون واحد.

فقد كانت هذه المجوسيّة تستعصي على الدعاة المصلحين منذ أيام الوثنية الآريّة الأولى التي اشترك فيها الهنود والفارسيون، وقد عمل  "زرادشت" نبي الآريين جهده لتطهيرها من الوثنية وإخلائها من شعائر الهياكل والمحاريب الخفية فلم يتيسر له من ذلك غير القليل، وجاء بعده مصلحون من اتباعه مزجوا الفلك بالتنجيم بالخرافة بالعبادة في نحلة واحدة، ولم يعرف الناس عنهم على البعد إلى عصر الميلاد المسيحي إلا أنهم رصدة للكواكب طلعة للخفايا والغيوب من وراء حجاب الظلام.

أمّا اليهودية فقد كان قيام المسيحية في معقلها الأكبر إيذاناً حيّاً بنفادها وانتهائها إلى الغاية من وراء الجمود والضيق، إذ كانت المسيحية في الواقع حركة إصلاح واسع في جميع العقائد اليهودية التي جمدت على النصوص والمراسم وتحوّلت من الدين إلى نقيض الدين. ولا شئ يناقض الدين كما ناقضته تلك الأنانية القومية التي حسبت الإله المعبود ملكاً لها دون سائر عباده يبيح لها في سائر الأقوام ما لا يباح في شريعة ولا قسطاس مستقيم. وفي عصر الميلاد نفسه ظهر من حكماء اليهود من أحسّ الحاجة إلى إصلاح عقائد قومه وشعائرهم، فاختار "فيلون" الحكيم أسلوب التعبير الرمزي لتفسير مسائل الكتاب التي لا تقبلها الحكمة، ثم سري الإصلاح المسيحي مسراه، فمضي معه من اليهود من صلح له وبقي الجامدون على شرّ ممّا كانوا عليه قبل الدعوة المسيحية، وجنى العناد والإصرار على الباطل جنايته المعهودة فذهبت ريح الكهانة والمراسم الهيكلية وتفرّقت مراجع الديانة مع كل مجمع وكل معبد وكل طائفة ذات مذهب في التوراة أو التلمود أو تقاليد الأحبار والربانيين. وكان من آثار هدم الهيكل سنة سبعين للميلاد أن أشياعه فقدوا وحدة المراسم بعد أن فقدوا وحدة العقيدة والروح فلم يأت عصر البعثة المحمدية حتى استفحل الخطب بينهم من جراء تفسيراتهم الكثيرة فنهضت بينهم طلائع الطائفة التي عرفت بعد ذلك بطائفة القرائين، وأنكرت كل رأي غير النصوص والحروف في الكتب المنسوبة إلى موسى الكليم، فكان خوف التفرقة سبيل النكسة إلى أيام العصبية والأنانية القومية ولم يكن سبيلاً إلى الحرية والتجديد.

كان يهود العالم في عصر البعثة المحمدية بين أشتات يذهب كل منها مذهبه على حسب المجمع أو المعبد الذي ينتمي إليه، وبين شراذم متعنتين في الجمود على الحروف والنصوص يرجعون بهذه النكسة إلى الدواء الذي قامت المسيحية لإصلاحه قبل بضعة قرون. فتلك حاجة جديدة إلى إصلاح جديد (يُراجع : مطلع النور، ص ٣٧ - ٣٩)

وجاء الإسلام، والمسيحية منتشرة في بلاد الدولة الرومانية شرقاً وغرباً يدين بها ملوكها وروساؤها ومعظم رعاياها، وكان هؤلاء الملوك والرؤساء قبل تنصّرهم يضطهدون المسيحيين ويعذبونهم ولا يتورعون عن لون من ألوان العذاب يصبونه عليهم، فكانت محنة عظيمة صبر لها المسيحيون الأولون صبر المؤمنين الصادقين . ولكن هؤلاء الملوك والرؤساء كانت محنتهم للمسيحية بعد تنصّرهم أشدّ عليهم من محنة الاضطهاد والتعذيب لأنهم لم يكفوا عن الظلم وزادوا عليه عبث السياسة بالعقائد والآراء، فدسوا مطامعهم بين المختلفين على تفسير المسيحية الأولى وفرّقوهم شيعاً متباغضة متنافرة يرمي بعضها بعضاً بالكفر والضلالة وينسب بينها الجدل فلا تتفق على قول حتى تفتح أمامها مذاهب الخلاف على أقوال. فلم تبق نحلة من النحل الكثيرة إلا حكمت على مناقضيها بالمروق والهرطقة .

وتعددت هذه النحل بين الأريوسية والنسطورية واليعقوبية والملكية على تباعد الأقوال في الطبيعة الإلهية ومنزلة الأقانيم الثلاثة منها. ويأتي النزاع بين الكنيستين الشرقية والغربية فيقضي على البقية الباقية من الثقة والطمأنينة، ولا يدع ركناً من أركان العقيدة بمبعدة من الجدل والاتهام، فلا جرم يتردد على الألسنة ويدّون في كتب التاريخ يومئذ أن القوم جميعاً قد استحقوا العقاب الإلهي وإن أبناء إسماعيل قد جاؤوا من الصحراء بأمر الله عقاباً للظالمين والمارقين. فلمّا بطل الأمان كما بطل الإيمان جاءت خلاصة هذه الأحوال تتلخص في خلاصة واحدة هى ضياع الثقة بكل منظور ومستور فلا أمان من السياسة ولا من الدين ولا من الأخلاق ولا من الواقع ولا من الغيب .

هكذا كانت أحوال العالم قبل مطلع البعثة المحمدية كما لخصناها من كتاب مطلع النور للأستاذ المفكر الكبير عباس العقاد، فقد كانت مقدمات الدعوة الإسلامية، كما قال رحمة الله عليه، لا تتأتى على وتيرة الداء الذي يتبعه الفناء، ولكنها مقدمات العناية الإلهية التي تدبّر الدواء للداء المستحكم على غير انتظار وبغير حسبان. عالم إذا صحّ أن يقال عنه إنه إن كان ينتظر شيئاً من وراء الغيب، فإنما ينتظر عناية من الله.

مرة أخرى نطرح السؤال كما طرحناه في السابق : أتراهم فقهوا الدلالة أم عرفوا الإشارة من مضمون الرسالة؟

لا يزال التهديد الحقيقي يواجههم، ولا يزال القتل والتدمير وفزع الصغار والكبار، وسفك الدماء وخراب العقول والقلوب أموراً تفعل فيهم الأفاعيل.

ولا يزال الاحتفال بيوم مولده - صلوات الله عليه - يمر عليهم مراسم تخضع في الغالب لحكم "العادة" وتتجرّد عن "العبادة" لكأنها أصنام كما الوثن لا روح فيها ولا حياة.

حطم رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، الأصنام والأوثان ليقول لنا بأبلغ لسان : حرّروا عقولكم وضمائركم وقلوبكم عن عبادة الأصنام، وستكون لكم - معشر المسلمين - في مستقبل الأيام أصناماً وأوثانا تخلقونها على هواكم، وتتصورها أوهامكم، وليست بالضرورة أن تكون حجراً أو قطعة من طين أو عجين، فلربما تكون قيمة ساقطة تخلقها الغفلة، أو تكون لافتة يتصوّرها الوهم، أو شارة ينسجها الخيال العاطل، أو تكون رباً من الأرباب تعبدونه من دون الله، أو تكون منصباً أو جاهاً أو سلطة أو فكرة أو عقيدة تغشي عيون قلوبكم وتظلمها فلا ترون الحق أبداً، وعلى قلوبكم غشاوة وفي أبصاركم غبش، فيتحول الدين معها من الدين إلى نقيض الدين، ومن العبادة إلى نقيض العبادة، ومن المعرفة إلى الجهالة العمياء.

هذا هو الرمز، وتلك هى الرسالة الدائمة التي يجب على عقلاء الإسلام، وعارفي فضله، الاضطلاع بها : تحطيم الأصنام والأرباب والأوثان التي تتراءي لنا صباح مساء، صنم المال، وصنم المجد الزائف، وصنم السلطة البالية، وصنم النفوذ الطاغي، فتصرفنا عن روح الدين وجوهر العقيدة السّمحة تماماً كما تصرفنا عن نهج الرسالة المحمديّة كونها؛ في كفاحها المتصل وجهادها الجميل وصبرها الدائم الموصول على سُبل الكفاح والجهاد، رحمة للعالمين.

فالعنف والإرهاب والدمار والخراب والقتل والسرقة والعدوان وأكل حقوق الناس بالباطل والشر والرزائل على اختلاف ألوانها وأشكالها مدعاة للخروج عن نهج الرسالة، لأنها مدعاة للخروج عن الإنسانية ليست فيها رحمة تفرضها مقومات الرسالة المحمديّة، ومن ثمّ فهى أعمال شيطانية ملوثة بالخبث والدهاء ومكر الطويّة خارجة عن جوهر الدين، وعن نهج الرسالة مادامت الرحمة بالإنسانية هى من الأسس القويّة لبناء الذات المؤمنة في رسالة محمد عليه السلام .

فمن نهج نهج الرسالة كان مرحوماً بذاته، رحيماً بغيره، وأنه مادام مرحوماً بذاته، فلن تكون رحمته في نفسه إلا مشمولة بالعموم على جميع خلق الله تعالى عملاً بقوله (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين).

وليفتش كل مسلم في داخله وليبحث عن الصنم الذي يعبد من دون الله : المال، الجاه، النفوذ، السلطة، الرئاسة، وليتحرر من كل هذا كله؛ ليشهد الله على الحقيقة، وليعلم إنما الدنيا أسباب وراء أسباب، وإنه بهذه الأسباب لمحجوب عن الله بالسبب المعلق بوسائل الدنيا، فليعتق نفسه ليشهد تجلي الفعل الإلهي فيه من خلف حجاب الأسباب.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

 

 

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (36)

في الإيمان المسيحي، تعتبر عقيدة صلب يسوع المسيح وموته متعذبا على خشبة الصلب، من اجل افتداء خطايا البشر، الركن الأساسي في ذلك الإيمان، ولا يمكن اعتبار الشخص مسيحيا ما لم يقبل هذه الحقيقة ويقبل يسوع المسيح على اساس انه المخلص الذي حصل الخلاص بموتهعلى الصليب، فاديا بعذابه ذنوب ومعاصي البشر!

إن هذه العقيدة، بطبيعة الحال،لم تأت من فراغ، وإنما لها ما يسندها من إشارات تاريخية قوية، تشير إلى أن عملية الصلب هي واقعة تاريخية قد حدثت بالفعل، ولم يقتصر ورود هذه الاشارات على الكتب الدينية المقدسة لدى المسيحيين، بل قد ورد ذكر هذه الحادثة في مصادر تاريخية من خارج الدائرة المسيحية، رغم انه ذكر عابر وبشكل مقتضب.

أن ورود قصة صلب يسوع الناصري في مصادر تاريخية قديمة وقريبة من زمن حدوثها، يجعل حادثة الصلب تتمتع بموثوقية تاريخية قوية، وهنا يجب التنبيه على أن الكلام حول وقوع الحادثة،  لا يعني بالضرورة التسليم والوثوق بكل التفاصيل التي وردت حول هذه القصة في النصوص المقدسة المسيحية، وذلك لاسباب عديدة، سنحاول تبيان بعضها .

ونحن نبحث في تفاصيل قصة صلب المسيح، علينا ان نتذكر ان النصوص التي تطرقت الى تلك التفاصيل، هي من نوع النصوص (البعدية) والتي تم تدوينها بعد وقوع الحادثة بزمن طويل، وبعد أن خضعت القصة للمؤثرات العقدية !

فمن المعلوم أن قصص صلب المسيح وقيامته وظهوره للتلاميذ قد ابتدأت بالتداول بين المؤمنين بيسوع المسيح ومن ثم أخذت تتناقل من مجموعة الى اخرى ومن منطقة جغرافية الى منطقة اخرى على شكل حكايات وقصص شفوية، تضمنت الكثير من الاسطرة الدينية و التضخيم الايدلوجي لغرض جلب الانبهار والتقديس لدى المستمعين لهذه القصص التي كانت في بداية مرحلة التبشير المسيحي المبكر، بمثابة المفتاح الرئيسي لجذب مؤمنين جدد للايمان الناشئ.

والدليل على صحة هذه الفرضية، هو التباين الواضح في سرديات تفاصيل القصة، بعد ان تم تدوينها، وبعد ان اخذت حيزا في نصوص اصبحت لاحقا تمثل كتابا مقدسا لدى اتباع الإيمان المسيحي حين اكتمل تدرج تطوره بمراحل تاريخية متعاقبة

عند الحديث عن قصة صلب المسيح، ومن خلال تتبع التدرج التاريخي في سرد تفاصيل تلك القصة، و بطريقة مقارنة النصوص حسب أزمنة تدوينها، نلاحظ بشكل واضح، كيف تمت عملية الاضافة والتعديل و حشر معلومات متناقضة لغرض اعطائها صفة الحقيقة التاريخية من اجل انتاج فكرة عقدية تدعم الإيمان الجديد !

رسائل بولس (شاول الطرسوسي) والتي تعتبر أولى نصوص العهد الجديد من ناحية الترتيب الزمني (20-30 سنة بعد الصلب) لم تتطرق الى تفاصيل احداث قصة الصلب، رغم انها ذكرت صلب المسيح وأهميته، من باب التبشير الإيماني.

وعندما نذهب الى الأناجيل القانونية، ونتابع سردياتها حول تفاصيل القصة، وحسب تسلسل زمن كتابتها، نلاحظ التباين بين الصورة التي أخرجها إنجيل مرقس (كتب بعد عام 65 م) وبين الصورة التي يخرجها لنا إنجيل لوقا (حوالي 80م)

وسنلاحظ ان الصورتين تختلفان عن ما سيسرده وما سيضيفه للقصة مؤلف إنجيل يوحنا الذي كتبه اواخر القرن الاول!

في إنجيل مرقس نقرأ قصة الصلب في الإصحاح الخامس عشر، ونلاحظ ان يسوع المسيح، وأثناء محاكمته من قبل الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يتحدث الا بكلمة واحدة فقط وهي :

انت قلت !

جوابا على سؤال الحاكم، وبعدها بقي صامتا تماما، طوال مجريات المحاكمة وما تلاها من تعذيب و سخرية واهانة

بقي يسوع المسيح صامتا، بعد ان علقوه على الصليب، وكأنه قد استسلم لقدره، ولم ينطق الا بعد ان خارت قواه وبلغت روحه التراقي، حينها صرخ معاتبا إلهه الذي قد تخلى عنه !

(الوي الوي...لما شبقتني!!) …..ثم اسلم الروح !

وعند الانتقال الى انجيل لوقا الذي تمت كتابته في زمن لاحق لزمن كتابة إنجيل مرقس، نجد ان مؤلف الإنجيل يحاول إعطاء صورة مختلفة لوضعية يسوع الناصري في تلك الساعات الأخيرة من حياته،  فيضيف الكاتب تفاصيل جديدة على أجواء المحاكمة، ثم يمضي في الإصحاح الثالث والعشرين ليسرد لنا كيف ان يسوع كان رابط الجأش، غير مكترث لما يجري عليه، وإنما كان مهتما خلال الطريق بالحديث الى النسوة الباكيات، و تحذيرهن من المستقبل المشؤوم المقبل على مدينة اورشليم واهلها، ثم نجد يسوع ايضا وهو معلق على الصليب، يدخل في حوار مع أحد اللصوص المعلقين الى جانبه يبشره فيه بأنه سيكون معه بعد قليل في الفردوس!

وبعد ذلك يظهر لنا كاتب الانجيل كيف ان يسوع استقبل الموت بشجاعة وهو يقول (يا أبتاه لديك استودع روحي!)

انجيل يوحنا والذي هو آخر الأناجيل القانونية في التسلسل الزمني، نجده قد توسع في اضافة تفاصيل جديدة لم تتطرق اليها الاناجيل التي سبقته، رغم أهميتها، وهذا امر مفهوم من ناحية تضخم السرد التاريخي للقصص الذي ينحو باتجاه التأصيل القداسوي في المتخيل الإيماني

لذلك نجد مؤلف انجيل يوحنا، يضيف الى محاكمة يسوع امام الحاكم الروماني تفاصيل جديدة، يظهر فيها يسوع الناصري وكأنه منخرط في حوار وسجال جدلي مع الحاكم، وبعد ذلك يضيف ايضا تفاصيل وكلام على لسان يسوع وهو على  الصليب لغرض غرس مفاهيم ايمانية جديدة من الممكن ان العقيدة الآخذة بالتطور قد احتاجت إليها !

فنجد يسوع المسيح، في الإصحاح التاسع عشر من إنجيل يوحنا، يتكلم الى والدته !!!...التي ظهرت فجأة في مشهد الصلب حسب رواية مؤلف هذا الإنجيل والتي تفرد بها من دون بقية الاناجيل!!

وكذلك نجد يسوع يوصي تلميذه (الحبيب) بوالدته !!!... ثم يواجه يسوع الموت وهو يردد كلمة (قد اكمل!!)

وطبعا هذه الاضافة الجديدة هي لغرض الايحاء الى نتيجة عقائدية، مفادها ان المكتوب قد اكتمل بموت المصلوب!

اللاهوتيون المسيحيون، يواجهون هذه الاختلافات في سرديات تفاصيل قصة الصلب، من خلال انتهاج أسلوب الهروب الى الأمام، وعمل التفاف ذكي، للتخلص من مأزق التباين الواضح، وذلك عن طريق جمع كل التفاصيل الواردة في كل إنجيل، ومن ثم اخراجها على شكل قصة جديدة !!!... جامعة لكل التفاصيل!!... فتصبح لدينا قصة خامسة (مبتكرة) ومتضمنة لكل التفاصيل التي ذكرتها كل قصة من قصص الأناجيل الاربعة على حدة!!!

وهذا الاسلوب هو مراوغة فظيعة، وتلاعب بعقلية القارئ للعهد الجديد، الذي يريد اللاهوتيون خداعه من خلال اخفاء اهمية التسلسل الزمني في كتابة هذه الأناجيل، والتي اصبحت -لاحقا- ضمن كتاب واحد ( العهد الجديد) بقرار كنسي !

ومن المغالطات التاريخية الواردة في سرد تفاصيل قصة الصلب، أننا نجد كتبة الأناجيل، يحاولون الايحاء ان الغرض من عقوبة الصلب التي تم اقرارها بحق يسوع الناصري هو اخضاعه للعذاب والالم وتعليقه لكي يلقى حتفه….فقط !

وهذه المغالطة يكشفها البحث في التاريخ الروماني و تتبع طريقة وأهداف صلب الخارجين عن قانون الدولة الرومانية

حيث نرى ان الرومان تبنوا هذا النوع الوحشي من العقوبات لاغراض عديدة، بالاضافة الى البطش بالمصلوب!

فعقوبة الصلب لدى الرومان تنفذ في مكان عام يشهده اكبر عدد ممكن من الناس ليشاهدوا العقوبة،لكي تكون رادعا مخيفا للآخرين، من خلال تعليق جسده لايام عديدة وربما اسابيع ليكون عبرة لغيره، وكذلك تتضمن هذه العقوبة الإذلال والاحتقار للضحية المسكينة، حيث يبقى جسده معلقا لفترة طويلة،فيكون طعاما للجوارح من الطيور، وبعد ان تتحلل الجثة، يتم انزالها ورميها للكلاب والحيوانات المفترسة !

(فكان المصلوب يظل أحيانًا لمدة أسبوع كامل مُعلَّق على الصليب حتى تنتهي حياته، وفي هذا يُترك لنهش الطيور الجارحة والحيوانات الضارية، ويقول المؤرخ الروماني "Horace": "كانت النسور تسرع من جثث الماشية والكلاب والصلبان حاملة لحم الموتى إلى أعشاشها لكي تطعم صغارها) 1

هذا كان السائد في جميع عمليات تنفيذ عقوبة الصلب في تاريخ الدولة الرومانية، ولا يوجد في السجلات التاريخية الرومانية الا حالة استثناء واحدة، حيث تم انزال جثة شخص تم صلبه في الاسكندرية، والسبب انه تم صلبه في يوم عيد ميلاد إمبراطور روما ...لذلك كان إنزال الجثة اكراما لذكرى ميلاد الامبراطور! 2

ومن هنا يتضح ان الطريقة الرومانية في صلب الخارجين عن القانون كانت تتطلب تعليق الضحية لأيام طويلة لغرض الإمعان في الاذلال والتحقير وكذلك لغرض الردع والتخويف للاخرين، ولا  يتم انزال الجثة الا بعد ان تنهشها الطيور الجارحة وبعد ان تتعفن وتتحلل،ثم بعد ذلك ينزلونها من على الصليب، ووقتها اما ترمى للكلاب او يدفنها الجنود الرومان في مقبرة خاصة باشرافهم مثل مقبرة الجمجمة باورشليم، واذا كان اهل الضحية محظوظين او اغنياء، فربما ينجحون في اخذ ما تبقى من جسد فقيدهم( ليدفنوه بطريقتهم) بعد ان يسترضون الجنود باموال او عطايا !

وقد يعترض البعض، ليقول، ان جسد يسوع قد تم انزاله، بعد ان توسط ( يوسف الرامي) لدى بيلاطس الحاكم الروماني

وهنا، نحتاج الى معرفة، ماهو السبب الذي جعل هذا التلميذ الذي كان يخفي اتباعه ليسوع ويخفي ايمانه بالملكوت، الى المغامرة بحياته، وكشف نفسه امام رؤساء اليهود والكهنة،مما سيعرضه للخطر الذي كان بالأصل يخفي إيمانه ليتجنبه؟!

ولو سلمنا، وقبلنا، ان هذه القصة صحيحة، وان الحاكم الروماني، استجاب لتلميذ يسوع المتكتم على ايمانه، وان بيلاطس قرر ان يعطي استثناء لحالة يسوع، وأمر بانزاله من على الصليب!

لكن في هذه الحالة، سيبرز لنا مشكلة أخرى، وهي، ما الذي يدفع الرومان الى انزال اللصين المصلوبين الى جانب يسوع؟

ولماذا تم شمولهم بهذا الاستثناء النادر والغريب؟!

وهنا قد يلجأ البعض الى نفس طريقة التفذلك، التي انتهجها مؤلف إنجيل يوحنا، وذلك باتباع أسلوب خلط المفاهيم!

حيث نجد هذا الكاتب، يبرر انزال اجساد المصلوبين بسبب الاستعداد ليوم السبت المقدس لدى اليهود !

وهو هنا اراد اللعب من خلال خلط الاوراق، والايحاء الى حرمة ابقاء المصلوب معلقا الى الليل كما ورد في سفر التثنية

(وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ،فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا) تثنية 21

ان النص المتقدم، هو نص خاص باليهود، يلزمهم باتباع تعاليم التوراة في حال تنفيذهم (أي اليهود) لعقوبة الصلب

اما في حالة يسوع الناصري واللصين الذين كانا معه، فان الذي قرر ونفذ عقوبة الصلب هم المحتلون الرومان!

وهؤلاء المحتلون لم يكونوا ابدا يكترثون او يحترمون طقوس او تعاليم أديان الجاليات الاخرى غير الرومانية، بل كانوا فقط حريصون على تنفيذ القانون الامبراطوري الروماني بكل حسم وبشكل كامل وتطبيق العقوبات بحق الخارجين عن القانون، كما هو الحال مع يسوع الناصري واللصين الآخرين.

ان حماسة المؤلف المجهول لإنجيل يوحنا في ابتداع وابتكار اضافات جديدة لقصة الصلب، واندفاعه في هذه المنهجية رغم مناقضتها للثوابت التاريخية، جعلته يقع في مغالطات منطقية فادحة !!... ومن أمثلتها

تفرده بذكر خبر حضور السيدة مريم والدة يسوع المسيح في حادثة الصلب، وانها كانت على مقربة من مكان صلب ابنها بحيث انها كانت تسمع الكلام الذي وجهه له ابنها وهو معلق على الصليب!

وبعد ان فارق يسوع الحياة، وبعد إنزاله عن الصليب، ومن ثم قيام التلميذ يوسف الرامي ومعه (نيقوديموس) بنقل جسد يسوع الى حيث يتم دفنه...بعد كل هذا نجد ان والدة يسوع المسيح قد اختفت تماما من تلك المشاهد !!!

ان المنطق و العقل في مثل هذه الاحوال يستدعي ان تكون الوالدة قريبة من ابنها بعد ان يتم انزاله من صليب العذاب

او انها من المفروض ان تسارع الى حضن ابنها و ربما تقبيله بعد ان أخذ جسده يوسف ونيقوديموس!

وإن اي والدة مكلومة بولدها الشاب المعذب ستحرص على اللحاق بالتلميذ الذي اخذ جسده، لكي تحضر مراسيم دفنه!

كاتب انجيل يوحنا غفل عن هذه اللوازم المنطقية، لانه كان مهتما فقط، بدس معلومة بشكل متطفل على القصة الخالية اصلا من تلك المعلومة (حضور مريم في عملية الصلب) من أجل الخروج بنتيجة ذات ثمرة عقدية، تعطي للتلميذ (يوحنا بن زبدي) مكانة خاصة تميزه عن باقي تلاميذ يسوع المسيح..الأمر الذي يعلي من مكانة هذا التلميذ واتباعه.. والذي يعتقد أن كاتب الإنجيل المنسوب ليوحنا قد كان واحدا منهم ! 

 

د. جعفر الحكيم

.............................

مصادر:

1- كتاب أسئلة حول الصليب، أ. حلمي القمص يعقوب

2-  How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee

    by Bart D. Ehrman

 

ميثم الجنابي"من شرط المقلد أن لا يعلم انه مقلد. فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو  شعب لا يرأب" (الغزالي) 

لقد رد الغزالي في إحدى رسائله الأخيرة على الطلبات المتكررة الداعية إياه بالعودة للتدريس في نظامية بغداد قائلاً: "إن هذا الوقت هو وقت فراق الدنيا لا السفر إلى العراق"[1]. أما الحافز والتأسيس القائم وراء دعوته للتدريس بوصفه من يمكنه جمع الخلق للتوجه إلى الله وأن وجوده في قلب الخلافة (بغداد) هو الأمثل، أجاب:"إن الطريق إلى الله من طوس ومن بغداد ومن كل مكان سواء"، أي أن الطريق إلى الحقيقة والمطلق واحد. وقد أنجز هو ما استطاع إنجازه في غضون سنواته السابقة، وليس له بالتالي سوى انتظار أيامه الأخيرة ليكف الزمان والمكان عن التباين، ولتحلّ الوحدة في موته! فهي اليقظة التي تقطع عليه نوم الوجود، كما سيقول ذلك لاحقا متتبعاً أثر الصوفية.

ولم يصل إلى هذه الذروة إلا بعد شوط طويل من "تنقية" النفس، التي لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد حياته الخاصة فقط. فقد كانت هي في حقيقتها التمّثل الغزالي لثقافة العصر ككل. لقد مّثل هو عصارتها الذهنية. وليس هناك أفضل منه ممن اكتشف أخطاءه كما ترجمها في (المنقذ من الضلال).

وشكلت وحدة رفض التقليد والبحث عن الحقيقة جوهر (المنقذ)، أو ما يمكن دعوته بجوهر الظاهرة الغزالية. إلا أنها شأن كل ظاهرة فكرية لم يكن بإمكانها أن تتشكل خارج محيطها الثقافي. فروايات الكتب التاريخية والسير عن طفولته اليتيمة، ومسعى أبوه المحب للمتصوفة والفقهاء في أن يكون وليده من بينهم، واضطرار مربيه الأول (الصوفي) إلى أن يرسله وأخاه أحمد إلى المدرسة الفقهية لتوفير لقمة العيش لهم، لا يمكنها أن تكشف عن الأسباب الفعلية وراء التحول الذي سينسب له لاحقاً في عبارته القائلة "أردنا العلم للدنيا فأبى إلا أن يكون لله". إذ لم يكن بإمكان هذا التحول الجارف في توجه علمه من الدنيا إلى الله، أو من المصلحة إلى الغاية المتسامية، أو من المهاترات إلى الحقائق، أن يتبلور إلا من خلال نفي المصلحة والمهاترات نفسها. وهو ما تكشفه ليس فقط حياته الاجتماعية السياسية وتطوره الفكري الروحي، بل وصراعهما على خلفية الثقافة السائدة آنذاك.

ففي هذا العالم يمكن للشخصية المفكرة أن تظهر بهيئة استقلال تلقائي لا هدف مسبق لها، مختطّة لنفسها مصيرها الخاص كي تعيه فيما بعد على أنه ما لم يكن بالإمكان تصور غيره واستبداله، أو حسبما صاغته العبارة الإسلامية الوجيزة:"ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، أي عندما تتخذ الدراما الحياتية هيئة التفاؤل المطلق. آنذاك سيغيب الجميع وراء الكلّ. وهي الصيغة التي لابد وأن يواجهها كل وعي ذاتي عميق. إلا أن كلاً منها يضمّنه مضمونه الخاص. وفي هذه الخصوصية تظهر حقيقة الشخصية ما زال الإنسان لا يمكنه تعدي حدود الزمن بوجوده. بينما الأخير هو مطلق النهاية في اللانهاية. وقد أدرك الغزالي حقيقة هذه الحقيقة في ذاته. ومن العسير تتبع جزئياتها فيه، بمعنى أنه لا يمكننا تخطي حدود الشرطية التي تناولها هو عن نفسه. فهو يظهر لنا منذ البداية بوصفه حركة الحقيقة، أي التركيز على الاستقلال الفردي والفكري المبني على "نبوغ مبكر"، كما ستحاول الصيغ التاريخية فيما بعد إبرازه بهيئة تناقض خفي في موقف استاذه" إمام الحرمين" الجويني منه، بمعنى الاعجاب والتباهي الظاهري به والامتعاض والحسد الداخلي منه. وقد لا يخلو ذلك من صدق واقعي لاسيما وأننا لا نعثر على تبجيل أو احترام أو حتى ذكرى عابرة في مؤلفات الغزالي اللاحقة عن استاذه. ومن الصعب الآن الجزم عما إذا كانت الحكايات المروية حول علاقة الجويني بتلميذه الغزالي أو الغزالي باستاذه حقيقة أم خيال، وذلك لما فيها من اختلاق وتناقضات. والشيئ الوحيد المشترك بينها هو تركيزها على هذه العلاقة. ففي بعضها يجري اظهار نبوءة الجويني عن صعود الغزالي وتألق نجمه في العبارة التي تصفه بانه "بحر مغرق". بينما تشير بعض الروايات إلى صورة أخرى تعّبر عن حسده الداخلي وامتعاضه منه في العبارة المنسوبة اليه بعد أن كتب مؤلفه الأول (المنخول):"دفنتني وأنا حي! هلا انتظرت حتى أموت!". ومن الصعب الأخذ بالعبارة الأخيرة كما هي لاعتبارات واقعية تتعلق بحجم وقوة إبداع الجويني وشخصيته. ولكن يمكن القبول بها في حال النظر اليها باعتبارها شكلا من اشكال الاعجاب المتحمس بكتاب تلميذه الغزالي. ولربما كانت هذه الصيغة شكلا ماكرا من أشكال الإدانة المبطنة من خلال تصوير شخصية الجويني الاشعري بالنفاق الأخلاقي. والاحتمال الأكثر رجوحا في تفسير هذه الرواية يقوم في نزعة الغزالي نحو الاستقلال وعدم التقليد لأي كان. إلا أنه لم يبن ذلك على قاعدة التبجح الشخصي والخواء الروحي، بل على أساس وعي إمكانية الإبداع الفكري الجديد، أي الاستناد إلى التراث العقلاني واللاعقلاني بمختلف اشكاله ومظاهره ومستوياته. بمعنى إلى كل المتناقضات القائمة في مرحلته، والتي أسس لها وبلورها تاريخ الخلافة السابق. إذ لا إبداع كبير خارج المتناقضات. فعندما يشير الغزالي في (المنقذ) إلى مساره الفكري، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن انعكاس تلك المعاناة الفكرية التي مر بها، أو ما اسماه باستخلاص الحق من بين اضطراب الفرق. بمعنى سيره في وسطها مترفعاً في الوقت نفسه عن التقليد، أي وعي ضرورة قبول الفكرة والاستنتاجات بعد غربلتها العقلية المستقلة. وهذا ما يعادل معنى عدم الاقتناع بالكلمة أياً كان مصدرها. ولم يكن ذلك بمعزل عن شدة الصراعات الفكرية التي أظهرت في معاركها عدم إمكانية القناعة الموحّدة حتى تجاه أبسط الحقائق، مما جعله يخوض غمار الجدل من أجل أن يكتشف هو الآخر حقيقة اليقين من بينها. إلا أن البحث عن الحقائق الخاصة لم يكن في الواقع سوى حقائق الأسلوب الجدلي والبحث عن الحقائق المتضاربة. بحيث جعله ذلك يجد نفسه كما سيقول في (المنقذ) مرمياً منذ وقت مبكر قبل بلوغه العشرين في "لجة هذا البحر العميق"[2]، أي بحر المعارف والصراعات الفكرية.

وقد خاض هذا الصراع خوض "الجسور لا خوض الجبان الحذور". إذ كان يتوغل في كل مظلمة، ويهاجم كل مشكلة، ويقتحم كل ورطة، ويتفحص عقيدة كل فرقة، ويستكشف أسرار كل طائفة ليميز المحق والمبطل فيها[3]. وقد وضعته هذه الحالة العقلية والاجتماعية أمام مهمتين بمضمون واحد ألا وهما محاربة التقليد، والبحث عن الحقيقة. وبالتالي فإن ما أبدعه قد تأرجح ضمن هذين القطبين المتصارعين. من هنا فإن التصورات والأحكام التي حاولت أن تجعله سنياً متشدداً أو ما شابهها من الأحكام تغفل الجوهري لحساب الثانوي، والجزئي والعابر لحساب الكلي الدائم، والتاريخي لصالح غير التاريخي، والماضي ودقائقه لصالح المصطلح المعاصر.

ففي التاريخ الفكري لا يمكن للمنظومة أن تكون سخفاً لا معنى له حتى في حالة تحول السخف واللامعنى إلى عناصر جوهرية فيها، أو إلى عنصر من عناصر القناعة الذاتية. فحتى في هذه الحالة يمكن رؤية إدراك أهمية غير العقلاني في الوعي، أي العنصر الضروري بالنسبة لإمكانية تثوير الفكر القائم سواء في عناصره ومكوناته المجردة أو في أحكامه. إننا نقف هنا أمام تجربة الوعي التاريخي في متضاداته بوصفها المقدمة الضرورية لتثويرها الممكن. وقد تعامل الغزالي مع مجموع هذه المتضادات في الثقافة المعاصرة له. بمعنى أنه تعامل مع تجربة الوعي الإنساني المتعدد المناهل، والتي اتخذت تشكلت في إطارها العام آنذاك في الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف، أي في كل تلك العناصر الأساسية لثقافة عصره ومكونات فكره الخاص. وأدرك أكثر من غيره آنذاك، بأن معياره في التعامل مع ثقافة عصره النظرية والمجردة وشخصياتها ليس السياسة بل الحقيقة. وبهذا المعنى تصح كلمات السبكي عنه والقائلة، بأن الغزالي كان "ضرغاماً لا كالأسود، وقمراً لا كالأقمار! حمى حوزة الدين دون أن يلطخ حسامه بدم المعرضين"[4]. ففي هذه العبارات نعثر على تصوير أدبي مذهبي لا يتعارض في الوقت نفسه مع الحقيقة، رغم أنه لا يتطابق معها.

فقد مثّل في تطوره وتحوله ديناميكية الوعي الثقافي، بمعنى أنه مثّل أكثر من أي مفكر آخر آنذاك المثال الايجابي الذي عبّر وعكس الرموز المتعددة في البحث والجدية، والشك والعقلانية، والقدوة الفعالة وجوهرية القناعة الذاتية، ووحدة العلم والعمل، وضرورة اليقين، أي التجربة التي كشف في صيرورتها الدائمة، عن أن أي ادعاء مطلق لامتلاك الحقيقة يعادل معنى الهيئة والهيبة الفعلية لنسبية الجهل. وفي هذه الصيرورة سعى لأن يوحّد ما هو جوهري في الاتجاهات المعاصرة له بوصفها النتاج التاريخي لتطور الفكر، أي البحث عن الحلقة الوسطى، تماماً مثلما فعل ارسطو تجاه مكونات الثقافة الاغريقية. بمعنى السعي لصنع تآلف فكري جديد. وقد جرت هذه العملية جريان الأنهار إلى بحارها، بوصفها العملية التاريخية التي جرت عبر صراعه مع أساليب وقيم ومفاهيم مرحلته التاريخية، متمثلاً اياها على أساس ضرورة وعي الحقيقة كما هي.

إذ لا يمكن فهم حقيقة موقفه من الاتجاهات الأساسية، التي مثلت في خطوطها العامة مراحل وتداخل ثقافة العصر التجريدية (الكلام والفلسفة والباطنية والتصوف)كما وضعه في (المنقذ من الضلال) على أساس ما واجهه منها وجهاً لوجه. فقد كان (المنقذ من الضلال) الصيغة المبطّنة والحذرة، التي تعكس ما ينبغي أن يقال لا الحقيقة كلها. إنه أراد الكشف عما أنقذه. فهو لم يوجه كتابه للمؤمنين والوثنيين  كما فعل أوغسطين، بل للباحثين عن الحقيقة وأسلوب بلوغها.

فالموقف من التقليد الذي صاغه في (المنقذ) هو التعبير الخارجي عما تراكم في مجرى تطوره الحقيقي منذ بداياته الأولى. فقد بدأ الغزالي من تلك الملاحظة الدقيقة للتناقض القائم بين وعي الإنسان الاجتماعي التاريخي والعقائدي وبين حقيقة هذا الوعي، بين الإيمان الظاهري المذهبي وحقيقة الإيمان. إلا أن هذه الصياغة الأخيرة ليست إلا الملاحظة الأولية عما هو قائم، والتي ستتطور لاحقاً حول إشكالية الحقيقة كما هي. فقد اصطدم شأن مفكري تلك المرحلة الكبار بظاهرة الإيمان التقليدي السائد، والذي أفلح الوعي الكلامي العقلاني بتأطيره بصيغة الحديث المنسوب للنبي محمد، والقائل بأن الإنسان يولد على الفطرة، وإنما أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه. وإذا كان الإسلام يتطابق بالمفهوم السنّي الخالص مع الفطرة الإنسانية، فإن الغزالي لم يشغل ذهنه بهذه التفريعات التبريرية، وتعامل أولاً وقبل كل شيء مع واقع الحديث كما هو. مما اضطره لاحقاً إلى أن يدخل الأسلمة في إطار التقاليد التي لا تختلف من حيث الجوهر والظاهر عما هو مميز للمعتقدات الدينية ككل. مما اضطره للبحث عما هو جوهري في الإنسان وعما هو قبل كل هذه الاعتقادات فيه. وهذه بدورها ليست سوى "اعتقادات طارئة" على حقيقة الفطرة. ولم تعن  الفطرة بالنسبة له مجموع الصفات الطبيعية التي يولد عليها الإنسان، ولا الصفحة البيضاء للوجود الإنساني الأول، بل والقدرة الطبيعية الأولية، التي تتجلى في ميدان المعرفة "بغريزة العقل"، وفي الوجود الاجتماعي التاريخي بفكرة الاستعداد للتقليد، وفي الوجود الحياتي بالطبع والمزاج. وقد وجّه الغزالي اهتمامه في الموقف من التقليد صوب هذه المظاهر في وحدتها، لأنه وجد في تفاعلها سرّ التقليد، وفي إدراك هذا السر ّعلاجه.

ووضعه تتبع واقع التقليد وأشكاله أمام مهمة انتقاده ليس في ميدان المعتقدات الدينية، بل وميدان القناعة الفكرية. انه حاول البحث عن محك ومعيار للحقيقة خارج الطابع الشرطي للوجود الاجتماعي التاريخي، أي مناقشة حقيقة المعرفة وطرق بلوغها وأشكال تجلياتها.

فالتقليدية العادية المترعرعة في الوسط الاجتماعي التاريخي يمكنها المساهمة في نقلا القناعة الأولية إلى ميدان التبرير والدفاع "العقليين" مما يجعل من العقل، كما يقول الغزالي، وسيلة الخداع الذاتي. لاسيما وأن الواقع الاجتماعي مليء بالظواهر التي تتحول فيها القدرة العقلية إلى أسلوب عقلنة الرذيلة. بمعنى إمكانية استغلال العقل في الصراعات الاجتماعية والسياسية من أجل السلطة والكبر والخداع والإثراء وما شابه ذلك.

لقد وضع الغزالي مهمة الرجوع إلى البداية الأولية وضرورة النظر إلى حقائق الأشياء كما هي عبر استلهامه فكرة الفطرة الإنسانية، أي محاولة انتزاع تكلس الأحكام والتصورات والرموز الاجتماعية التاريخية. لكنه لم يطابق بين عدم التقليد والحقيقة، ولا بين التقليد وغير الحقيقة. إنه ينتقد أسلوب التقليد والعناصر المانعة لرؤية الحقيقة كما هي. إذ لم يصل إلى مرحلة إدراك الحقائق كما هي إلا بعد المرور بكل ما هو تقليدي. فقد كان هذا المرور يعادل ثقل التقاليد وتجربة المدارس وتصارع الفرق والتربية الثقافية ولحد ما نمط الوعي، أو ما يمكن دعوته  "بالموضوعية الثقيلة"، التي لا يستطيع المفكّّر التخلّص منها دون أن يقدم لها تضحية خاصة في ممارساته وتصوراته وأحكامه. فالغزالي الذي هاجم "المبتدعة" بقي لحد الآن في نظر الكثيرين ضحية ما سعى لتثبيته. أما في الواقع، فان هذه الحالة جزء من مفارقات التناقض الدائم بين الوجود الاجتماعي التاريخي والفكري المجرد. فالتطور الفكري وبوادره الأولى الناشئة في صيرورة الدولة والأمة الإسلامية، الذي تصلّب في هياج الصراع الاجتماعي والسياسي والديني والعقائدي، أدى بالقوى المتحاربة إلى إقحام كل مناهض لها تحت خيمة الكفر والالحاد. وبالتالي تقديم الحقيقة ومعيارها في الاحكام بصيغة الخطأ والباطل، أي انعدام الحقيقة والحق فيه. مما حدد بدوره أسلوب الحكم على ما ينبغي من خلال الحكم على ما لا ينبغي، والحكم على الفضيلة من خلال إدانة الرذيلة، والحكم على المؤمن من خلال تكفير وتفسيق مرتكب الكبيرة.

وقد خاض الغزالي غمار هذه "الشروط الأولية" ليكتشف فيها إرادته الخاصة بوصفها جزء من سلسلة "الشروط  غير المتناهية"، أي أنه اكتشف حريته بفعل الضرورة. أما هذا الاكتشاف فهو حصيلة تجربة فكرية معرفية وعملية اخلاقية عميقة أوصلته إلى اكتشاف حقيقة ذاته في هذه الشروط الاولية (الضرورية) للثقافة، بوصفها أوهاماً وعقائد طارئة وزيفاً أخلاقياً. لكن  هذا الاكتشاف، شأن كل ظاهرة عميقة في التجربة الفردية الفكرية، كان الحصيلة المفاجئة لصيرورة المعرفة. وحتى في حال بلوغ ذروتها (كالشك العميق أو التحول الفكري العقائدي)، فإن كل ما ساهم في هذه الصيرورة المفاجئة لا يكفّ عن التأثير، مازال الأخير ذاته هو نتاج التراكم الدائم للعلم والعمل. لهذا لم يفعل في "نزاله الأخير" مع المذاهب ووعيها التقليدي، أي في مجرى انتقاله من "عالم التجزئة" الكلامية والفلسفية (المجردة والتأملية) إلى "عالم الوحدة" الصوفية سوى أن نقل تجربته العلمية والعملية السابقة إلى الميدان الذي طالبه بإعادة النظر تجاه كل ماله وفيه وعليه. فهو أسلوب معرفة النفس ومن ثم حقائق العالم وإعادة اكتشافها كما هي. وقد كمن ذلك في الحافز الدائم لمهاجمة التقليد بفعل الرؤية الدقيقة التي وجدها في مخاطره باعتبارها آفة عمى للبصر والبصيرة، وتشويه العقل، وصدأ الروح الأخلاقي.

إذ يكشف ما وضعه في (المنقذ من الضلال) من حيث الجوهر إعادة تقييم تطوره الفكري. وبالتالي من الصعب المطابقة بين حقائق وعيه الجديد وتجربته الفعلية السابقة. إلا أن قيمة إعادة التقييم الفكرية، تقوم في أنه تتبع على مثاله الشخصي مساعي محاربة التقليد، الذي كان أحد الحوافز الأكثر فعالية في تطوره. ومن الممكن التسليم فيما أورده في (المنقذ) على أنه تصوير صادق مازال "تقلبه" اللاحق و«مزالق عقله في العلوم والأعمال هو المثال الحي على ما أراد قوله بهذا الصدد.

فقد وقف أمام مهمة إعادة النظر بالقيم والمفاهيم التقليدية منذ سن مبكرة. فهو يخبرنا في (المنقذ) كيف أنه بلغ مرحلة كسر التقليد في عمر يناهز العشرين. آنذاك أدرك الصيغة الأولية للحقيقة التي صورها بدقة بالغة والقائلة بأن من "شرط المقلّد ألا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب"[5]. وجعله ذلك يتحمل لنفسه بنفسه وزر مهمة البحث عن "حقيقة الفطرة الإنسانية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليدات الوالدين والاستاذين"[6]. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية سوى ما كان سائداً في العقائد الايمانية والسياسية اللاهوتية (الباطنية خصوصاً) والكلام والفلسفة والتصوف. إذ أدرك خصوصية التقليد في هذه الميادين. وقدّم أمثلة عديدة ملموسة للمقارنة فيما بين تقليدية الوعي في الفقه والكلام والباطنية والفلسفة والتصوف. لكنه أدرك أيضاً التباين الشاسع فيما بينها بسبب تباين موضوع ومادة هذه الاتجاهات وتقاليد كل منها. لهذا فإن انتقاده للتقليدية الواقعية في هذه الاتجاهات، لم ينف الحقائق التي صاغتها في مجرى تطورها. إنه سعى لانتقاد التقليدية القديمة والمعاصرة له، التي أخذت تجثم على رؤوس الأحياء من البسطاء والدهماء، والمفكرين والمتحذلقين.

فقد نظر إلى تقليدية الفكر الفقهي في تحجّره المذهبي، والكلام في أيديولوجيته العقائدية، والباطنية في خضوعها لعصمة الإمام، والفلسفة في استلابها أمام ادعاءاتها المنطقية الصارمة بصدد قضايا الميتافيزيقا وتقليدها لفلسفة الإغريق. فعلم الكلام على سبيل المثال، لم يهتم بالكشف عن الحقائق[7]. إذ ليست مهمته سوى "الدفاع عن عقيدة العوام من تشويش المبتدعة" كما يقول الغزالي. بحيث جعله هذا الموقف النقدي الحاد أن يدرج في الكتب الكلامية "التي لا تبحث عن الحقائق كما هي" الكثير من مؤلفاته الكبرى (كالاقتصاد في الاعتقاد) و(تهافت الفلاسفة) و(المستظهري) وغيرها. ومن الممكن أن تثير هذه الفكرة اعتراضات جدية بصدد حقيقة موقفه من كسر "زجاجته" التقليدية في مراحله الأولى، مازالت مؤلفاته الكبرى لا يمكن إدراجها في مضمار الكتب الباحثة عن الحقيقة كما هي. أما حقيقة هذه القضية فتقوم في الصلة المتعلقة بتطوره الفكري ومضمون ووظيفة مواقفه من الفلسفة والكلام وتمارين الجدل. فقد أدى كل ذلك في حياته الفكرية والروحية الى إدراك خطورة الوعي المذهبي والطابع المدمر للخلاف والاختلافات بالنسبة للروح الأخلاقي. وبالتالي فان لها مسارها وأثرها الخاص على بلورة معارضة التقليد. إذ شقّت هذه المعارضة لنفسها الطريق في جمعية هذه الجوانب. وبالتالي، فإن التناقض الممكن تصوره عن الفكر الكلامي عند الغزالي في بداية امره من جهة، ومعارضة التقليد من جهة أخرى، يمكن  تذليله في حالة إدراكنا حقيقة موقفه من التقليد ومعارضة التقليد السائد عند الخواص والعوام على السواء.

فعندما يتناول الغزالي قضية رفض التقليد، فإنه ينظر إليها من زاوية الكشف عن حقيقة المعرفة، أي البحث عن الحقائق الموضوعية كما هي، على عكس ما يظهر في ميدان الصراع الفكري الاجتماعي السياسي والعقائدي. وأن هذا التناقص بدوره ليس تناقض الفكر، بقدر ما هو النتاج الطبيعي للماضي، الذي لم يقض عليه تطور الممارسة الاجتماعية السياسية والفكرية. بمعنى انه الافراز الملازم لما يمكن دعوته بعدم التطابق الدائم بين الأيديولوجية والحقيقة، بين السياسة والمعرفة الأخلاقية، بين الجزء والكلّ. والغزالي لم يضع أي منهما بالضد من الآخر، بقدر ما أنه أشار إلى مستوى تاريخي ملموس للوعي القائم آنذاك ومقدماته التي تبلور هو نفسه فيها. بمعنى أن رفض التقليد لا يعني التطابق مع الحقيقة، تماماً كما لا تتطابق الحقيقة بالضرورة مع رفض التقليد. فهو لم يسع من وراء اطروحاته إلا إلى أن يصنع الوحدة الممكنة بين الحقيقة ومعارضة التقليد. ولهذا السبب يمكن أن نفهم لماذا وضع مصنفاً كبيراً (كتهافت الفلاسفة) في إطار كتاباته التي لا تبحث عن الحقيقة كما هي، بل للدفاع عن عقيدة العوام، رغم إدراكه للجديد الذي أدخله في علم الكلام والفكر الفلسفي. وهي الفكرة التي بلورها للمرة الأولى  في (الاقتصاد في الاعتقاد)، باعتباره احد مؤلفاته الكلامية المهمة عندما أكد فيه على أن تقليدية أهل الكلام تقوم في كون اعتقاداتهم وتصوراتهم مبنية على النظرات المسبّقة. فالمعتزلي يرفض الآراء الأشعرية بغض النظر عما هو صحيح فيها والعكس هو الصحيح. وهي الظاهرة المميزة لأكثر هؤلاء "الذين رآهم من المتوسمين باسم العلم. فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل. فهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد"[8]. ووجد في هذه التقليدية الصارمة المخيمة على عقول المتكلمين مقدمة وسر ّمأزق علم الكلام. فعلماء الكلام لم يكن بإمكانهم الخروج من هذا المأزق كما سيردد في (المنقذ من الضلال)، بفعل بقائهم في إطار التقليد. إلا أنه كما سبق وأشرت، لم يقف في انتقاده للتقليدية في الفقه وعلم الكلام، بل وأشار إلى إمكانية التقليد في الفلسفة. (يتبع.....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] الغزالي: فضائل الإنام من رسائل الإمام، ص75.

[2][2]  الغزالي: المنقذ من الضلال، ص79.

[3] المصدر السابق، ص79-80.

[4] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص102.

[5] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89-90.

[6] المصدر السابق، ص81.

[7]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، بيروت، دار الافاق الجديدة، 1983، ط5، ص21.

[8] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، مصر، المطبعة الادبية، ط1، ص77.

 

ميثم الجنابي"خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به

في طالع الشمس ما يغنيك عن زحل" 

تميزت المرحلة التي عاش فيها الغزالي باشتداد الصراع بين الفرق والمذاهب. ولم تكن هذه الظاهرة غريبة بالنسبة لواقع وتاريخ الخلافة منذ نشوئها حتى سقوط الدولة العباسية. إلا ان الفارق بين صراعات الخوارج والشيعة والجهمية والكرامية والمعتزلية والاشعرية وغيرها من الفرق والمذاهب في القرون الثلاثة الأولى والمتأخرة تقوم في كون صراعاتها الأولية كانت تجري ضمن مسار وصيرورة المدارس والفرق الفكرية والسياسية، أي ان الغالب عليها صراع الافكار. اما اندماجها اللاحق في صرح السلطة السياسية والحقوقية فقد ادى الى صنع نموذج جديد تداخل فيه الانتماء المذهبي والفكري بحيث ساهم في تأسيس نوع من التشابك المعقد في انعكاساته العملية. وقد أرّخ وصور كل من ابن الجوزي وسبط ابن الجوزي على امثلة ونماذج عديدة بهذا الصدد. اذ يورد لنا ابن الجوزي على سبيل المثال اضطرار محمد بن احمد بن الوليد المعتزلي (ت- 478 للهجرة) الذي درّس الاعتزال والفلسفة والمنطق ان يلازم بيته خمسين عاما لم يتجاسر خلالها على الظهور علنا[1]. كما ينقل لنا الكثير من الحوادث والأمثلة بهذا الصدد. في حين ينقل سبط ابن الجوزي عن الكياهراسي (ت- 504 للهجرة) زميل الغزالي في الدراسة وأستاذ المدرسة النظامية ببغداد، كيف اثارت محاضراته عن الأشعرية ودفاعه عنها ألى رميه بالحجارة واتهامه بالباطنية ومحاولة قتله لهذا السبب[2]. كما ينقل لنا ابن الجوزي صورا عديدة عن حوادث وصراع الحنابلة والأشاعرة على مثال تدريس عتيق البكري(ت- 467 للهجرة) بطلب من نظام الملك في نظامية بغداد، وكيفية مهاجمة الحنابلة له ورميه بالحجارة عندما قال مرة "ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، وما كفر احمد بن حنبل وإنما اصحابه"[3]. كما ينقل ابن الجوزي بعض الحوادث التي تشير إلى طلب بعض الشافعية النجدة من المستنصر بالله الفاطمي، إمام الإسماعيلية في مصر آنذاك، ضد طغيان الحنابلة[4]. وعموما هي الحالة التي وجدت احد انعكاساتها الفلسفية والنقدية العميقة في بعض اشعار الحكيم بن الشبل البغدادي(ت-474 للهجرة) كما صوّرها في إحدى قصائده:

بربـــك أيها الفــــــلك المدار   أقصــد ذا المسير أم اضطرار؟

وعندك ترفع الأرواح، أم هل   مـــع الاجساد يدركها البوار؟

فإن يك آدم أشـــــقى بنيه    بـــــــــذنب ما له منه اعتذار

فيا لك من أكلة مازال منها    علــــــــــــينا نقمة وعليه عار

نعاقب في الظهور وما ولدنا    ويـــــذبح في حشـا الأم الحوار

وننتــظر الرزايــا والبــلايا    وبعـــد فالبوعيد لــــــنا انتظار

فإذا الامتنــــان على وجود   لغـــــــير الموجودين به الخيار؟

وكانت انعما لــــو أن كونا    نخّير قبــــــــــله أو نستشار[5]

تكشف هذه الصورة عن الوسط المتصدع في صراعاته المذهبية والفرقية والعقائدية والفكرية الذي ابدع فيه الغزالي. وبالتالي لم يكن بإمكانه ألا يتأثر بها أو أن لا يستند عليها ويأخذها بنظر الاعتبار في ما كتبه آنذاك. غير أن مأثرته تقوم في سعيه ومحاولاته لانتزاع الفكر من ميدان المذاهب المتحاربة عبر نقله إلى مجال البحث عن الحقيقة في موقفه من الوجود والإنسان. وبهذا المعنى كان المسار الموضوعي لفكره يصب في اتجاه كسر وتهشيم العقائدية الضيقة، ووهم العصمة المذهبية، وتقليدية القناعة العقائدية، وبالتالي فسحه المجال أمام توسيع مدى الروح الحر.

فقد حارب الغزالي المذهبية أياً كان نوعها. وإذا كان بالإمكان الحديث عن مذهبية فهي مذهب البحث عن الحقيقة والاستقلال الفكري. فعندما حلل مفهوم المذهب وصراعات المذاهب، التي شبهها "بتناحر القبائل"[6]، فإنه انطلق من تحليل فكرة المذهب نفسها، ليتوصل في نهاية المطاف إلى أنه لا اتفاق حول حقيقة المذهب. بمعنى تعدد التصورات والأحكام عن المذهب بعدد المذاهب. مما حدد بدوره الانتقاد الخفي والمتجانس في آرائه للمذاهب التقليدية ككل. فالناس تختلف، كما يقول الغزالي، في مفهوم المذهب إلى اتجاهين عامين. ويشمل الاتجاه الأول ثلاث مراتب. المرتبة الأولى، وهي التي يتطابق فيها مفهوم المذهب مع التعصب الفكري والانتماء العقائدي، أو ما يدعوه بمذهب الآباء والأجداد ومذهب العلم وأهل البلد الذي يقطنه المرء. وهذا المذهب يختلف باختلاف الأقطار والبلدان والمعلمين. لهذا نرى أن من ينشأ في منطقة المعتزلة أو الأشعرية أو غيرها فإنه ينغرس في نفسه منذ الصبا التعصب لهذا المذهب. بصيغة أخرى، لا يعني هذا المذهب من حيث حقيقة محتواه إلا التعصب، أما من حيث توجهه أو وظيفته الاجتماعية السياسية والفكرية فهو مجرد وسيلة إخضاع العوام للسلطة. فهو يشير إلى أن "مبدأ هذا التعصب حرص جماعة على طلب الرياسة بإستتباع العوام. ولا ينبعث دواعي العوام إلا بجامع يحمل على التظاهر"[7]. وقد أدرك بحذاقته المعهودة الوظيفة الاجتماعية السياسية لاحتكار وعي العوام في إطار المذاهب (الايديولوجيات). فقد شدد على أن الحافز الأكبر والأكثر فاعلية في تصارع المذاهب واشتداد تعصبها يعود في الأغلب إلى الفئات السائدة ومحبي السلطة. حيث أدى بالبعض كما يقول الغزالي إلى تأجيج الخلافات استناداً حتى إلى صنع الرموز الجديدة من أجل شق المذهب نفسه في حال الضرورة، كما هو واضح في وضع الأمور التي تستدرج بها العوام كالعلم الأسود عند البعض والأحمر عند الآخر، الذي أدى في حالات عديدة إلى إثارة الخلافات المذهبية. وفي حالة نجاح ذلك فإنه يكون قد انتظم كما يقول الغزالي "مقصود الرؤساء في استتباع العوام بذلك القدر من المخالفة، وظن العوام إن ذلك مهم، وعرف الرؤساء الواضعون غرضهم من الوضع"[8].

أما المرتبة الثانية للمذهب من الاتجاه الأول فهي الصيغة المرتبطة بالإرشادات والتعليمات التي يلقيها صاحب المذهب لهذا الشخص أو ذاك. وبالتالي فإن مضمون هذا المذهب يتغير ويختلف بالارتباط مع شخصية ومستوى إدراك الشخص الراغب في الارشاد والتعلم، أي أنه هو الآخر ذو صلة بالايديولوجيا. أما المرتبة الثالثة من الاتجاه الأول فهو ما يعتقده الإنسان في نفسه، مما انكشف له من النظـريات، أو ما يعتقده الرجل "سراً بينه وبين الله" لا يطلع عليه غير الله ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الاطلاع على ما اطلع أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه.

أما الاتجاه الثاني، وهم الأغلبية، فأولئك الذين يقولون بأن المذهب واحد وهو المعتقد، أي الذي تنطبق عليه الصفتين الأولى والثانية، بمعنى ما نطق به الجميع تعليماً وإرشاداً، وهو الذي عادة ما يتعصب له المنتمي، كمذهب الاشعري والمعتزلي والكرامي وغيرهم[9]. مما سبق يتضح، بان الغزالي أراد الكشف عن الهوية الايديولوجية للمذهب (التقليدي) وطابعه المحدود، كما نراه في مواقفه اللاحقة من علم الكلام. إلا أنه يهمل في جدله صيغة المذهب في مرتبته الثالثة، أي ما يعتقده المرء مع نفسه. فقد رفع هذه الفردية إلى مستوى عال دون أن يطابقه مع الحقيقة. بمعنى أنه جعله الأسلوب الأكثر ضرورة لإدراك حقيقة المذهب التقليدي ومحاولة نفيه.

فهو يؤكد على أن الخلافات القائمة بين الاتجاهين العامين لم تعق التقائهما في الاقرار بأن المذهب واحد، وكذلك اشتراكهما في التعصب له. من هنا سؤاله الايجابي القائل "ما هي يا ترى منفعة طلب هذا المذهب أو ذاك مازال كل واحد يخالف الآخر، وليس مع أي منهم معجزة يترجح بها جانبه؟". من هنا مطالبته المرء "مجانبة الالتفات إلى المذاهب، وطلب الحق بطريق النظر لتكون صاحب مذهب"[10]. لقد دعا الغزالي إلى تعددية المذاهب في سعيها نحو الحقيقة، أو بصورة أدق إلى مذهب الحقيقة المستقل. وليس مصادفة ان يشدد على الشك باعتباره الأسلوب الضروري لبلوغ الحقيقة.

من كل ذلك يبدو واضحاً بأن الغزالي سعى لإظهار العقد الداخلي أو  القناعة الذاتية (الشخصية) إلى حيز التنظير المستقل والمستند إلى العمل من أجل طلب الحق. ولا يمكن إغفال ما في هذه الفكرة من قيمة معرفية أخلاقية رفيعة تضع على عاتقها مهمة الدفاع عن وحدة المعتقد والممارسة، والظاهر والباطن، والغاية والوسيلة ليس في مجال العمل فحسب، بل وفي مجال العلم، أي في التفكير ذاته. ذلك يعني فسحه المجال أمام حرية الفكر والتمعّن النظري كما بلوره في المبدأ العام الداعي إلى رفض الالتفات إلى المذاهب وطلب الحق بطريقة النظر (المستقل)، أو ما دعاه بضرورة أن يكون كل إنسان صاحب مذهب. فهو يبدو ههنا كممثل لأكثر النماذج تعبيرا عن حرية الفكر والتفكير، الذي ينظر إلى التقليد باعتباره مجافاة للحقيقة. فالحقيقة بنظر الغزالي، لا تمتلك معنى دون معاناة البحث الفردي المستقل.

من هنا رفضه للتقليد اياً كان، بحيث نراه يشدد في (الإحياء) على أنه "ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين أصلاً"[11]. إذ ليس هناك من يستطيع أن يكون قائداً للناس في معرفة الحقيقة دون أنفسهم. فكل ما يحيط بالإنسان من وجود يمكنه أن يكون مؤشراً أو حافزاً لدعوته إلى إدراك الذات ومعنى الوجود. من هنا استنتاجه القائل بأنه "لا خلاص إلا بالإستقلال"[12]. تلك الفكرة التي عادة ما كان يرددها على شعر المتنبي القائل:

خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به     في طـالع الشمس ما يغنيك عن زحل

وهي ذات المفاهيم التي سيطور جملة من عناصرها في(الإحياء) وبالأخص موقفه من العلم كفرض عين. اذ يبلور هنا موقفه المؤسس لما يمكن دعوته بالأسلوب المتساهل الذي يفسح المجال أمام وحدة المعرفة الحية في نفيها للتقليد المذهبي، أي المستمرة في تراكمها وتدرجها بالشكل الذي يجعلها مقبولة ومعقولة بمعايير الثقافة. ومن ثم تغلغلها في الوعي دون اثارة حفيظته في الوقت نفسه. ذلك يعني سعيه النظري والمعرفي والمنهجي القادر على الحفاظ على الكلّ الاجتماعي الموحّد من جهة، وتوسيع مدى ارتباطه بالمطلق (الله) بوصفه مضمون العالم الوجودي والروحي للإنسان، من جهة أخرى[13].

وقدّم أمثلة كثيرة عن ضرورة التساهل التدريجي باعتباره مقدمة القناعة الدائمة. لهذا لم يضع، خلافاً لبعض الاتجاهات الفقهية، حدا مطلقاً أولياً ينبغي للمسلم أن يلمّ به مرة واحدة وإلى الأبد. ففي مجال التروك كما يقول الغزالي، لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرّم من الكلام، ولا على الأعمى تعلم ما يحرّم من النظر. بعبارة أخرى، انه يجب تعلم ذلك بحسب ما يتجدد من الحال. وحاول أن يطبق ذلك على قضايا الفكر القائمة آنذاك، بما في ذلك الاعتقادات، من أجل تفتيت حدّة المذهبية الضيقة.

ولعل في موقفه المعارض للإجماع كدليل للحقيقة نموذجا لهذا الموقف والأسلوب. فالإجماع لا يمثّل الحقيقة ولا يتطابق بالضرورة معها. والغزالي يسير هنا، على الأقل في بداية الأمر، بالطريق الذي عبّدته المعتزلة خصوصاً النظّام (ت-226 للهجرة) والمستند إلى الأفكار والمواقف المؤيدة لحرية النظر والشك العلمي. فالغزالي من جهة، لا يرى في الإجماع حجة[14]، ومن جهة أخرى يشك بطابعه اليقيني[15]. وسوف نرى في وقت لاحق، إن معارضة الحجة بمفهوم اليقين تستند من حيث الجوهر إلى تثوير العقل من خلال مفهوم الالهام والوحي الصوفيين وطريقة التأويل والتعامل مع ما تدعوه الصوفية باستدراج أرواح المعاني وقيمه الملازمة من خلال مفهوم الآن الدائم. ففي هذه المنظومة المعرفية الأخلاقية لا يمكن للإجماع أن يمتلك قوة اليقين، وبالتالي ليست حرية الفكر سوى حرية التعامل مع موضوعه.

إن استقلال الغزالي الفكري لم يظهر في إطار تطور سعيه الخاص نحو بلوغ اليقين كما اورده في (المنقذ من الضلال). فالأخير لم يكن بإمكانه جمع حروفه دون عناصر التجربة الباحثة عن الحقيقة التي وضعته أمام "الحق الالهي" لرؤية موقع الإنسان والتعامل معه. ولم يكن هذا التعامل الحذر مع الأحكام الجامدة سوى نتاج شخصية الغزالي، وتقاليد الفقه العقلانية التي سارت في الاطار العام بين نفس الاتجاهين العامين السني المتشدد والعقلاني الإسلامي. وقد ظل أميناً للعقلانية الإسلامية وأسلوبها الداعي للاجتهاد الدائم. فالأعمال الفقهية للغزالي، وبالأخص تلك التي جعل المنطق أداتها الجوهرية كما نراه للمرة الأولى في كتاب (معيار للعلم) تبرز بوضوح سعيه النظري والمنهجي لعقلنة الفقه، بما في ذلك تذليل المعنى اللاعقلاني للعبادات من خلال احتوائها العقلاني باعتباره أسلوب الاجتهاد الدائم وحافزه الملازم في رؤية حقائقها (العبادات)، أي أنه يفسح المجال أمام فكرة الاحتمال الظنية وبالتالي إمكانية "التفاوت غير المحدود ولا المحصور، المختلف بالوقائع والأحكام، الأمر الذي ينبغي أن يكون موكولاً إلى المجتهد"[16]. إن هذا الاستنتاج هو حصيلة الفكرة الجوهرية في آرائه والقائلة بأن" الفقهيات كلها نظر من المجتهدين في إصلاح الخلق"[17]، أي تلك العملية النظرية المرتبطة بتطور الواقع الدائم، والذي لا يمكن حدّ حدوده بصورة مطلقة. وبهذا المعنى يصبح التقليد لا معنى له. من هنا الضرورة الدائمة للاجتهاد والاستقلالية في الحكم.

لقد وضع الغزالي أمامه مهمة إنجاز المساومة التاريخية الكبرى، التي توّج نتائجها في تآلفه الفكري. وقد كانت هذه الممارسة في تاريخيتها الصيغة الأكثر شمولا لتجاوز الخلافات المذهبية الضيقة. الأمر الذي جعل منه أحد ممثلي الفكر الحر العظام، والذي لم تعن له حرية الفكر سوى حرية بلوغ الحقيقة وتطوير الذات الأخلاقي. مما جعله شاكراً حتى لأعدائه لأنهم مرآة رؤية مساوئه. فعندما تكلم عن طرق التربية الذاتية (مراقبة النفس) فإنه يصوغ إلى جانب طرق عديدة أخرى فكرة ضرورة الاستفادة في معرفة "عيوب النفس من أَلْسِنة الأعداء، فإن عين السخط تبدي المساويا. فعدو مشاحن أفضل من صديق مداهن. رغم أن الطبع مجبول على تكذيب العدو… لكن البصير لا يخلو من الانتفاع بقول أعدائه فإن مساويه لابد وأن تنتشر على ألسنتهم"[18]، أي أن كل ما هو ثانوي بمعايير حقيقة الوجود والقيمة المطلقة للعالم الإنساني يصبح عابراً، دون أن يفقده ذلك باعث الملاحظة، أي تفتيت عناصر اللامبالاة في وعي الإنسان وممارسته تجاه كل ما هو موجود. وفي هذا الأسلوب يمكن ليس اكتشاف حقائق الأشياء فحسب، بل وإبداع الحقيقة أيضا. وهو مضمون السعادة. فحقيقة السعادة في إدراكها الشامل وفي تأمل نورها وبهائها الذي لا يطفئه شيء بما في ذلك الموت. بحيث يتحول الموت نفسه الى استيقاظ خاص لرؤيتها المتجددة.

ولم تكن حرية الفكر بالنسبة للغزالي معزولة عن رؤيته وإدراكه لمأزق الأحكام المذهبية ومحدودية المعرفة التاريخية كما ظهرت وتجسدت في التاريخ الإسلامي في علوم الكلام والفلسفة. إضافة إلى البواعث الاجتماعية النفسية والأخلاقية. فعندما يقارن فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارها قضية اجتماعية سياسية وأخلاقية بالقضايا الميتافيزيقية واللاهوتية، فإنه يطرحهما على أسس ومستويات متباينة. إلا أنه يكشف في كل منها عن مستوى لحرية التعبير والبحث عن الحقيقة. فقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مستواها الفقهي والكلامي تبرز ضمن إطار فكرة "كل مجتهد مصيب" وذلك لأن معيار الحقيقة هنا هو الظن لا اليقين. أما في القضايا الكلامية الفلسفية فإنها ذات مستوى آخر. فأفكار المعتزلي حول القضايا المتعلقة بعدم إمكانية رؤية الله، وأن الخير من الله والشر من الناس، وإن كلام الله مخلوق، وآراء الحشوى من أن الله جسم وله مستوى ومستقر على العرش، وآراء الفلاسفة عن عدم بعث الأجساد وإنما تبعث النفوس… الخ، ليست اجتهادات فكرية بالمعنى الأول (الفقهي) إذ لا تعدد في الحقائق. بمعنى ان الحقيقة واحدة. ولا يمكن بالتالي لمفهوم الظن أن يؤدي نفس الوظيفة الاجتهادية الاجتماعية السياسية والحقوقية، كما هو الحال في الفقه.

إن الغزالي يرفض تعدد الحقائق. ولا يعني ذلك أو يتطابق مع رفض تباين الأفكار والحلول. فرفض تعدد الحقائق لا يعني اضطهاد الرأي والحقيقة بقدر ما يعكس في شكله الظاهري موقف الغزالي من واحدية الحقيقة. وينطبق هذا أيضا حتى على تلك الصيغ القائلة بضرورة الوقوف ضد البدع بحسم أبوابها وإن اعتقدوا إنها الحق كما هو الحال في التعامل مع اليهود والنصارى بردّ "كذبهم عليهم"، وإن اعتقدوا أنه الحق. إذ ليست هذه الحدية في آرائه جوابا نهائيا إلاّ في مجال الفكر المجرد (الكلامي العقائدي) لا في مجال الموقف من حرية الفكر. وبالتالي، فإن صيغتها النهائية الجازمة ليست في الواقع سوى احد مظاهر الوظيفة الأيديولوجية السياسية، التي لعبت تقاليد التقييم الإسلامية دوراً هائلاً في غرسها في منظومة الغزالي الفكرية، بمعنى السيطرة الموحدة للعقيدة الواحدة، التي أدت منذ البداية صيغة الخلاصة المكثفة والمباشرة للحقيقة المطلقة.

إلا أن التطور الثقافي كان يفرض بالضرورة تقبّل العناصر الجديدة المنبثقة من وعي الوجود التاريخي لتفاعل الحضارات والقيم والأفكار، أي أن الحدّية الصارمة لم تتطابق مع الدعوة المباشرة للتكفير، ولم تعن أيضاً التأييد غير المشروط لإعدام الفكر المناهض. إذ من الصعب العثور على صيغ كهذه حتى في أشد الأشكال "السلفية" وأقرانها، باستثناء مستواها الغوغائي عند العوام والحنابلة. فاتهامات التكفير تتطابق من حيث الجوهر مع اتهام التخطئة المنطقية في الفكر أو "الانحراف" عن المبادئ المهيمنة، أي مع ما حصل في عالم الإسلام على تسمية "البدعة". غير أنه ليس كل بدعة حرام. في حين شكّل معيار الموقف منها مؤشراً لغلو الفكر وطابعه السلفي المتشدد.

فالجديد يلاقي على الدوام مهمة تحمّل "العقوبة" من أجل أن يحيا بسلام، ولكي يعاقب بدوره ما سيبدو له لاحقاً تجاوزاً وتجنياً على إبداعه (جدارته)! وبهذا المعنى لا ينبغي فهم الموقف المعارض للبدعة على أنه موقف معارض لكل جديد. إذ ليس هذا التعارض سوى شكل من أشكال الدفاع عن القناعة الذاتية التقليدية.

والغزالي في صراعه ضد بعض "البدع" لم يتخط حدود العقلانية. على العكس! انه فسح المجال أمام الاعتراف بها، بدفعها لاحقاً إلى درجتها القصوى في مجرى محاولته تذليل قوة الاتهام الداخلية للنفس التقليدية. فقد خاطب المرء قائلاً، بأنه في حال النظر في كلام أحد الناس ممن اشتهر بعلم، فلا تنظره "بازدراء كمن يستغني عنه في الظاهر وله إليه كثير حاجة في الباطن. ولا تقف به من حيث وقف به كلامه. فالمعاني أوسع من العبارات، والصدور أفسح من الكتب المؤلفات. وكثير علم ما لم يعبّر عنه"[19]. ومع ذلك لا تعبر هذه الصيغة في آرائه إلا عن طبيعة الموقف العام، الذي ينبغي أن تذلل فيه مسبقاً "شرعية" الاتهام و"قيمة" القناعة المعارضة. لقد سعى إلى إبراز ما دعاه بالنظر القلبي، الذي لم يعن في الحالة المعنية سوى "أخذ الكلام إلى غاية ما يحتمل" فيه من مضمون ايجابي. غير أن هذا الاستنتاج ليس إلا المقدمة الفكرية الاخلاقية للبحث عن صيغة التسامح باعتباره أسلوب تعميق وعي الذات الأخلاقي والمعرفي. فقد حذّر طلاب المعرفة من أن يكونوا "كالذبابة لا تنزل إلا على أقذر ما تجده".

وشكل هذا الموقف العام المقدمة الضرورية للموقف الأكثر تشدداً في سعيه إلى الحقيقة المتجددة، التي عبر عنها بكلمات "ألا يقطع المرء لأي عالم أو إمام بصحة ولا يحكم عليه بفساد"[20]. إذ لكل عالم، كما يقول الغزالي "عورة وله في بعض ما يأتي به احتجاج"[21]. من هنا نستطيع القول، بأن الغزالي أراد رفع شعار "لا عصمة لمن يفكر ولا حرمة لمن يدعي الحقيقة". لقد وضع في كلّ واحد مهمة رفض التقليد المسبق واللاحق. ورفض الرفض المسبّق واللاحق باعتبارهما أسلوب تعايش نفي التقليد ودعم حرية الفكر.

إن هذه الحصيلة هي نتاج إدراكه لمحدودية المعرفة وتناقضات الفكر، أو بصورة أدق نتاج وعيه استحالة حسم المشكلات العقائدية (الفلسفية) الكبرى، بسبب كونها قناعات فردية وعندية أيضاً، أي أنه أدرك صعوبة رد القناعات أو تحريمها، لاسيما وأن القضايا وحلولها في هذا الميدان، هي تضادات خلف غير قابلة للحسم المطلق ضمن أطر الأشكال الفكرية السائدة آنذاك باستثناء عالم الصوفية الروحي.

فهو يؤكد على أنه مهما اعترض المرء على فكرة القدري من أن الشر ليس من عند الله، فهو سيعترض بدوره على فكرة أن الشر  من الله. وينطبق هذا على القضايا الأخرى للميتافيزيقيا الإلهية. وهذا ما يفسر سعيه اللاحق للبرهنة الأخلاقية على وجود الله. فقد أدرك الغزالي وتحسس المضمون الاجتماعي (والوظيفة السياسية) لتضادات الخلف الفكرية. فهو يؤكد على أن المبتدع محق عند نفسه، والمحق مبتدع عند المبدّع. وكل يدعي أنه محق وينكر كونه مبتدعاً.  بصيغة أخرى، إن الغزالي يدرك نسبية التبديع وأرضيته الهشة، مما أعطى له إمكانية الاقرار النسبي بالبدعة وتبديع الجزمية المطلقة، المبنية على أساس القناعة العقائدية الشخصية. وقد أسبغ هذا على آرائه ملامح الوظيفية الداعية للوحدة الاجتماعية، أي أنه يرّكز على الجانب الاجتماعي السياسي "للبدعة" من خلال الدعوة للموقف الملموس من مستوى فعاليتها وتأثيرها الفكري والسياسي والأخلاقي الآني والآتي. فهو يقف إلى جانب محاربتها في حالة كونها ضيقة التأثير وغريبة "الطبع" في الوسط الاجتماعي المعين. أما في حال تأثيرها المتكافئ سلباً وإيجاباً وفي حالة اثارتها "فتنة القتال" فمن الضروري بنظره الكف عنها وتوليتها للسلطان لحسمها[22]. إن هذا التناقض القائم في هذه العبارة (الفكرة) ما هو إلا انعكاس لتناقض المرحلة وتقاليدها الفكرية، أي أنها تحمل في أعماقها العناصر الجوهرية المميزة لمراحل التطور الاجتماعي الحقوقي والسياسي للحضارة.

إن قيمة آرائه تتجلى هنا أيضاً في إظهارها شرعية "الإبداع" الذي لا يفترض في الوقت نفسه سلوك الانتهاك الفوضوي لحرية الرأي. إنه الأسلوب غير المباشر في التعامل مع "البدع" بإرجاعها إلى الميدان الاجتماعي الحقوقي وأحكامه الجزئية الظنية، على عكس ما هو مميز للحقائق المتسامية.

فالغزالي ظل يربط على الدوام بين المتسامي والواقعي،و الملموس والمجرد، والاجتماعي والسياسي، والمطلق والأخلاقي في السعي نحو إدراك الحقيقة، أي تلك التعقيدات المميزة لمهمة إنجاز التآلف الفكري الشامل، أو السعي لإدراك وإنجاز الوحدة في عالم التجزئة، أو البحث عن مساومة تاريخية فكرية كبرى تستند إلى أسسها الخاصة وتمتلك تجانسها المتميز. لقد أراد الغزالي القول بأنه مع الجميع وبالضد منهم، تماماً كما سبق وأن صوّره السبكي بعبارة شاعرية لاهوتية في رده على اتهامات ابن الصلاح (ت-634 للهجرة) ويوسف الدمشقي قائلاً: "إن حال الغزالي حال فارس دخل في مجموع المسلمين قاتل وخرج سالماً وغسل الدم عنه، ودخل معهم في صلاتهم، فتوهموا أثر الدم عليه فأنكروا عليه"[23]،  أي كل ما رأيناه وسنراه في مواقفه من الاتجاهات الفكرية الرئيسية لعصره من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وباطنية وصوفية.

لقد حاول أن يجعل من "أنا"ته والبحث عن الحقيقة شيئا واحد. فذهنيته لم تكف عن حوافزها النقدية حتى في تلك المراحل التي أخذ يعي نفسه بها باعتباره "قطب" الوجود الروحي، أي عندما أصبح الكل بالنسبة له واحداً والتباين سواء. إلا أن الانتقاد والبحث عن الحقيقة لم يعد في هذه الحالة سوى الكشف الدائم عن الأخلاق المطلقة، التي ستلفّ في ردائها كل بديله النظري والعملي. وسوف يدفع بهذه الفكرة لاحقاً إلى أقصى درجاتها في محاولته التذليل الكلي للاتهام الداخلي للتباين كما هو جلي في الصيغة التي رد بها في (الإملاء) على الدعاوى التي اتهمته بالزيغ والضلال. وبالأخص عندما تكلم عن عدم خفقان أعلام المعرفة عند منتقديه وعدم ستر عوراتهم بلباس الخشية. تلك المعرفة العملية والأخلاقية التي قطع أشواطها في بلوغ "أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب"[24]،  أو ما صاغه في (الإملاء) بنصيحته القائلة: "أيها الطالب للعلوم والناظر في التصانيف والمستشرف على كلام الناس وكتب الحكمة! ليكن نظرك فيما تنظر فيه بالله ولله وفي الله، لأنه إن لم يكن نظرك به وكّلك إلى نفسك أو إلى من جعلت نظرك به أياً كان غيره من فهم أو علم أو إمام أو صحة ميّز أو ما شاكل ذلك. وكذلك إن لم يكن نظرك له فقد صار علمك لغيره ونكصت على عقبيك وخسرت في الدارين صفقتك وعاد كل هول عليك"[25].

لقد رفع الحقيقة إلى مصاف المطلق. وبهذا لم تعد المذاهب والشخصيات باختلافها سوى مظاهر وشخصيات وتجليات للبحث عنها، أي أنها لا تمتلك بحد ذاتها معيار الحقيقة وحاكميتها النهائية. وطبّق هذا الموقف اولا وقبل كل شيء على نفسه. أما إلى أية درجة أفلح فتلك قضية أخرى لها مساس بتطور المعرفة ونسبيتها. لكنه استطاع في مجرى تطوره الفكري الروحي تأسيس التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي، الذي ساهم في استثارة الانقلاب الكبير في الوعي النظري والعملي لعصره.

****

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] ابن الجوزي: المنتظم،ج9، ص20

[2] سبط ابن الجوزي:مرآة الزمان، ج8، ص38.

[3] ابن الجوزي: المنتظم، ج3، ص403

[4] ابن الجوزي: المنتظم، ج8، ص305

[5] ياقوت الحموي: معجم الأدباء. إرشاد الأريب الى معرفة الأديب ج4، ص38-40.

[6] الغزالي: ميزان العمل، ص150.

[7]  المصدر السابق.

[8] المصدر السابق.

[9] المصدر السابق، ص152.

[10] المصدر السابق.

[11] الغزالي: الإحياء، ج3، ص75.

[12]  الغزالي: ميزان العمل، ص152.

[13] الغزالي: الاحياء، ج1، ص15.

[14] الغزالي: فيصل التفرقة، ص88.

[15] المصدر السابق، ص93.

[16] الغزالي: معيار العلم، ص126.

[17] المصدر السابق، ص129.

[18] الغزالي: الإحياء، ج3، ص65.

[19] الغزالي: الإملاء، ص18. وهنا تجر الاشارة الى ان الغزالي كتب (الإملاء على إشكالات الإحياء) أو (الاجوبة المسكتة) ردا على الاتهامات التي جرى توجيهها اليه والاستهانة بعمله (الإحياء) والاستهزاء به في الاوساط الفقهية. وبالتالي هو شرح لما اشكل في بعض جوانبه من كتاب (الإحياء) بالنسبة للقارئ. وليس مصادفة ان يكتب في بداية (الإملاء) ما اسماه بالنصيحة. فقد تجاهل الغزالي وأهمل، كما هو جلي في اغلب كتبه، اسلوب ونمط الوعظ والنصائح. لكنه اضطر اليها هنا فيما يبدو للمرة الاولى بعد (الإحياء). من هنا دعوته للوقوف ضد الاستهزاء والازدراء والاستعلاء والازدواجية في المواقف من كتب الآخرين و"بدعهم"، أي بالضد ممن هاجم (الإحياء). اذ نعثر في (الإملاء) على اشارت تكشف عن كمية ونوعية الاستهزاء الكبير بين الفقهاء من كتابه، رغم حاجتهم الفعلية إليه. لقد أراد القول بأنهم وقفوا بكلامه عند حدود حروفه دون معانيه. دعك عما هو اعمق من ذلك، أي ما يحتوي عليه من روح كاتبه. ان هذه السيرة الشخصية المقلوبة في الفكر المجرد تظهر لنا جانب واحد من جوانب آراءه ومواقفه المستقلة، أي تنظير التجربة الفردية والشخصية ووعيها الذاتي، ومنطق تألفه النظري الذي هو نتاج للبحث عن حقاق المعاني.

[20] الغزالي: الإملاء، ص18.

[21] المصدر السابق.

[22] الغزالي: الإحياء، ج2، ص327.

[23] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص129.

[24] الغزالي: الإملاء، ص13.

[25] المصدر السابق، ص18.

 

ميثم الجنابي"خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به

في طالع الشمس ما يغنيك عن زحل" 

إن تقييم التجربة الذاتية للغزالي في (المنقذ من الضلال) أقرب ما تكون إلى تعميم تجربة استقلال الفكر في بحثه الدائم عن الحقيقة. وقد أشار الغزالي بوضوح إلى أنه سار بين جميع الفرق مترفعاً عن التقليد. غير أن آراءه هذه لا تعني رفضه أو نفيه التام لتراث الأسلاف، رغم تضمنه الجزئي لهذا الموقف. فقد كان الغزالي يعي ضرورة الوحدة المرنة بين الحقيقة والتاريخ. وحتى حالما ستتراءى له في يوم ما، بعد مرضه وأزمته النفسية والأخلاقية والفكرية، بصورة "القذف النوراني الإلهي"، فإن الأخير لا يمكن فهم حقيقته إلا ضمن إطار واقعية التقاليد الاجتماعية والنفسية والصوفية وأزمة الوعي العقلاني، التي خاض غمارها بقوة  بحيث أدت به في إحدى درجاتها إلى هاوية الشك تجاه حقائق المعرفة كما هي. وبالتالي لا يمكن توقع هذه الأزمة خارج إطار مساعيه الفكرية العقلانية، التي أخضع كل ما في الوجود إلى مبضع العقل الباحث في كل يقين عن يقين لكي يبلغ، كما تقول الصوفية، حق اليقين وعين اليقين.

فالغزالي كما يقول في (المنقذ) "لم يبحث عن سر الصوفي بل وعن جرأة الزنديق"[1]. وفي كل هذه العملية لم يدع بلوغ الحقيقة. وذلك لإدراكه القائل، بأن ادعاء امتلاك وناصيتها هو تضييق فعلي لما اسماه بالرحمة الإلهية تجاه الخلق. بينما يستلزم ذلك مساعي البحث الدائم عنها في كل ما هو موجود. من هنا تشديده على أنه ليس في الوجود علاج للمرض المطلق بل لمرض معين[2]. ولم تعن هذه الفكرة في آرائه سوى ضرورة البحث الدائم والحر عن الحقائق، أي بمعزل عن اثر وتأثير التقليد والهيبة المعنوية لأي كان، بل وبالضد منهما. ومن الممكن الاشارة هنا إلى تلك النصيحة التي قدمها في (ايها الولد) لسائله عندما طالبه بالاستفادة من ممارسة الخضر وموسى ونصيحة الأول للثاني، التي نظر إليها بوصفها نصيحة الخضر للنبي محمد على لسان موسى وبالتالي إمكانية تحولها إلى نصيحة لأي كان. بمعنى الدعوة للسير الشخصي من أجل معرفة ما لم يعرف استنادا الى معنى الاية القرآنية: "سيروا في الأرض وانظروا". تلك الممارسة التي جسدت الصوفية أحد تجلياتها الرفيعة بمفهوم بذل الروح. إذ لا معنى ولا قيمة للحقائق دون بذل الروح، تماماً كما قال أحد المتصوفة الكبار "إن قدرت على بذل الروح فتعال، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية".

إن هذا الاستنتاج العام هو حصيلة تطور طويل، شكلت الاستقلالية الفكرية مقدمته وأساس تطوره وأحكامه اللاحقة. فقد حقق الغزالي في ذاته وإبداعه الفكري وحدة التطور الفكري الروحي لمرحلته في سعيه نحو الاستقلال الفكري. وشأن جميع المفكرين العظام لم يكن هو نفسه إلا نتاج مرحلته وظروفها ومقدماتها المتراكمة في كافة الميادين، التي جعلت منه حصيلتها الطبيعية وحامل استمرارها الفعلي. إذ من الصعب، بل من المستحيل فهم وتقدير عمق وقيمة تآلفه الفكري خارج إطار هذه الظروف والمقدمات. ومما هو جدير بالاهتمام هنا هو أن قضية التآلف الفكري ليست حصيلة إدراكنا المعاصر وفهمنا الجديد للغزالي، بقدر ما كانت هي نتاج وعيه الخاص. وإذا كان من الصعب رؤية الطابع الخاص والمستقل لتآلفه الفكري بفعل ثقل الجهاز التقييمي الذي بلورته تقاليد الملل والنحل الإسلامية ووطأة الصراعات الفكرية السابقة[3]، والتي مازالت تخيم على أغلب البحاثة المعاصرين، فإن ذلك لا يعكس إلا محدودية التصورات عنه لا حقيقته كما هو. ونحن لا نسعى من وراء ذلك إلى القول، بأن الغزالي أعلى مما في تقييمات منتقديه وأوطأ من إطراء مداحيه. فقد جمع هو في كل واحد ما بدا غاية في التعقيد. أما إلى أية درجة أفلح فذلك جزء من أحكام الماضي، أما الحاضر فليس أمامه سوى مهمة وعي ذاته في ضوء ما أبدعه الماضي ليرى ما هو جوهري فيه بوصفه عنصر وعيه الدائم. وأن استقلال الغزالي الفكري وسعيه صوب وحدة الحقيقة والإصلاح تمثل تياراً خالد الشعلة.

فالاستقلال الفكري مشروط دوما بواقعه التاريخي. وإذا كان التصنيف الإسلامي السابق والذي أثر على شخصية الغزالي وتحديده وكذلك بلورة مواقفه من التيارات الفكرية وانتمائه الشخصي لبعض منها، فانه قد ساهم أيضاً في إدراجه عنوة في فرقة الأشعرية والشافعية وغيرهما. وهذا بدوره كان احد نتائج المرحلة ونوعية صراع المدارس والمذاهب والفرق وتكلّسها الذاتي، كما هو جلي في محاولة كل منها إضفاء "الصفة الشرعية" على ما فيها من أجل كسب الأتباع الجدد وإبراز قوة المذهب. غير أن هذه التسميات رغم صحة بعض عناصرها، تظل ناقصة في استيعاب الحقيقة التاريخية للشخصيات الكبرى، خصوصاً عندما ترتقي إلى مصاف الاجتهاد الفعلي. آنذاك يكف الانتماء المذهبي عن أن يضغط على ذهنية المفكر ويصبح الانتماء العقائدي مجرد وسيلة الاستقلال الفعلي، أي أنه لا يفعل إلا على تأكيد استقلالية المفكر عن الآخرين. وبهذا المعنى يفسح المجال أمام التطور الذاتي المستقل حتى ضمن إطار المنظومة الفكرية التي اعتنقها وانتمى اليها. ولكن هل ظل الغزالي أسير قناعة ما محددة، أو تيار ما محدد أو مذهب ما معين، أم انه أوسع من أن تحويه أي من التيارات السابقة؟ وقبل الاجابة عن ذلك يجدر القول، بان ذلك لا يعني أن أكثر الشخصيات قيمة هي تلك التي لا تخضع لتحديد صارم. ومن مفارقات هذه الظاهرة، ان تصبح "هلامية" الشخصية بمعايير التقييم التقليدية وصعوبة حدّها وتحديدها ذات قيمة في استثارة السعي نحوها تماماً كما هو حال السراب بالنسبة للعطشان. غير أن الغزالي بالخلاف عن ذلك هو من أولئك الذين يكشفون مع كل تطور تاريخي وازدياد معرفي عن أنهم معلمون ذو شأن كبير.

إن الغزالي أوسع وأعمق من كل تلك الأحكام القديمة المؤيدة له. ولعل المفارقة التاريخية والعلمية تقوم في أن من أدرك أو ما يمكننا أن نستشفه من أحكام دقيقة عن الكثير من جوانب شخصيته واستقلاله وسعيه لإبداع تآلفه الفكري، هم اولئك الذين صبوا جام غضبهم عليه بالنقد والتجريح. فقد أكد ابن تيمية (ت- 728 للهجرة) على سبيل المثال، ما اسماه بشخصية الغزالي المضطربة لأن "عنده من الذكاء والطلب ما يتشوق به إلى طريقة خاصة الخلق"[4]. وهي ذات الفكرة التي سبق للذهبي وأن عبّر عنها بما دعاه بدخول "سيلان ذهنه مضايق الكلام ومزال الأقدام. وليس هذا سوى الطريق الخاصة". كل ما في الأمر، أن أحدهما عبّر عنه بدقة كلامية تحليلية والآخر بروح التشفي العقائدي للخيال المذهبي.

لقد أكد الغزالي على أن من غاية الحمق أن يجمع المرء بين الاقتداء وبين التقدّم، أي لا يمكن الجمع بين متضادين في آن واحد. إذ التقليد والاستقلال نماذج ومناهج متضادة. تماماً كما لا معنى لأن تصلي وراء الإمام وترفع رأسك قبله! وإذا كانت هذه الفكرة البسيطة صحيحة في معيار وإطار العبادات الدينية، فإنها كاملة الانطباق على شخصية الغزالي. بمعنى إذا كان لا يسمح للتقليد والاستقلال أن يجتمعا في أبسط ممارساتها فمن العبث أن يمارسها هو في ميدان الفكر. وإذا كان الغزالي يرفض التقليد فليس ذلك إلا نتاج وعيه الخاص باستقلاليته الفكرية، التي هي بدورها حصيلة تطوره الفردي.

ومن الصعب أن نحصر استقلاليته في مجال ما محدد. وإن أفضل تجل لها هو إبداعه الفكري ككل. وقد أشار هو في (الإحياء) إلى أن ما يحاول أن يؤسس له هو إعادة النظر بالمكونات الاساسية للمنظومات الفكرية السابقة وبالتالي فان ما يميز عمله الجديد أو ما يمكن دعوته بـبديله الشامل هو استخلاصه المنظومي الجديد. ذلك يعني انه كان يدرك مضمون وأهمية ما يطرحه ويميزه عن الآخرين في استيعاب الظواهر الفكرية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية وحلولها في مختلف الميادين وعلى كافة المستويات. فهو يشير في بداية (الإحياء) إلى أن ما يميز كتابه عن المؤلفات الأخرى ذات الصلة بالموضوع هو "حلّ ما عقّدوه وكشف ما أجملوه، ترتيب ما بددوه ونظم ما فرّقوه، إيجاز ما طوّلوه وضبط ما قرروه، حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه وتحقيق أمور غامضة اعتاصت على الافهام لم يتعرض لها في الكتب أصلاً"[5]. إننا نقف هنا أمام محاولة ربط شكل ومحتوى المنظومة الفكرية الجديدة، التي تحوّل فيها التصوف إلى العنصر العملي لمنظومة الاخلاق المطلقة، أو العمود الفقري (الروحي العلمي) للفكرة الأخلاقية؛ والكلام إلى أيديولوجية التعامل مع قضايا العقائد في وعي العوام ومتطلبات ومستلزمات الوجود الاجتماعي الاقتصادي والسياسي، والفلسفة إلى منهج التحليل.

وقد تكلم الغزالي هنا أساساً عن التجربة الصوفية ومستويات التعبير عنها، بوصفه اسلوب ادراك الحقائق بصورة جزئية وذاتية كما وضعها في (الاحياء) بعبارة تقول: "إذ الكل وإن تواردوا على منهج واحد، فلا مستنكر أن يتفرّد كل واحد من السالكين بالتنبه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه"[6]. لقد سعى الغزالي هنا الى أن يدمج في صرحه النظري فردانية الوعي والممارسة الصوفية، ومن ثم تحويلهما إلى جزء جوهري في الثقافة المعرفية الأخلاقية العامة لعصره، بمعنى أنه حاول إزالة "الاغتراب المعرفي" المحترف تجاه تيارات الفكر الكبرى القائمة آنذاك. ولم يتجاهل حتى أبسط تجلياتها وأشكالها، أو تلك التي تبدو حالياً كما لو أنها من "سذاجة العصر". لقد استند في محاولته النظرية هذه إلى إعادة تقييم التجربة التاريخية الفكرية للاتجاهات التي خاض غمارها.

وبغض النظر عن أن بديله الجديد يبدو في ظاهريته استمرارا لما مضى، فإنه في الواقع تهذيب شامل ومضموني للتراث الإسلامي ككل. فهو يقدم على سبيل المثال، لكل فصل من فصول (الإحياء) الآيات والأحاديث والآثار، التي لا ينبغي النظر إليها كما لو انها مجرد تعبير  عادي عن الانتماء الاسلامي والأسلاف، أو كتعبير عن الذهنية التقليدية وما شابه ذلك من أحكام  ظاهرية وعامة. انها تمثل في بالنسبة له تعبيرا عن محاولة استشفاف التجربة التاريخية الواقعية والخطابية السائدة آنذاك. إنها تقدم مواد ومؤشرات استنباط الفكرة الجديدة. فتقييم التجربة بما في ذلك المؤدلجة (والحديث النبوي الذي يستعمله الغزالي هو في الأغلب من الموضوع المؤدلج) لم يكن ذا وظيفة ايديولوجية في منظومته الفكرية. إنه يدمجها في مؤلفاته ويحللها بطريقة تجعلها توابع لفكرته الأساسية. وهذا ما يفسّر سبب الهجوم الشديد اللاحق ضد "شناعته" في استعمال الأحاديث النبوية والآثار.انه يدرج مختلف الافكار في منظومته أيا كان مصدرها، مازالت هي قادرة على التعبير الظاهري عن فكرته الجوهرية. فالجمع والحشر الكبير للأقاويل المتعددة المصادر حول قضية ما من القضايا تؤدي إلى توسيع المخيلة وشحذ دقة المقارنة وإيجاد الصلة المشتركة، التي ميزت فكر الغزالي. فعندما يتكلم عن التجربة التاريخية المتباينة لمختلف الشخصيات الإسلامية وغير الإسلامية، التي عادة ما يبدأها بالتراث النبوي المحمدي مروراً بالصحابة والتابعين والحكماء، فإنه يصنف لنا بصورة واعية تطور الأفكار والأحكام بصدد القضية المطروحة. فعندما يتكلم عن "فضيلة الصمت"، فإن الممارسة العملية لشخصيات الثقافة الإسلامية والسياسية والفكرية (وليست الاسلامية فقط) تقدم مادة "نظرية" هائلة بالنسبة له. فأبو بكر، على سبيل المثال، كان يضع حصاة في فمه يمنع بها نفسه عن الكلام، وابن مسعود كان يقول"ما شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان"، وطاووس كان يردد "لساني سبع إن أرسلته أكلني"، بينما كان الحسن البصري يقول "ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه"، أما الأحنف بن قيس، فأجاب في مجلس معاوية بن أبي سفيان على استفسار الأخير له عن سبب صمته: "أخشى الله إن كذبت وأخشاك إن صدقت"[7]. إن كل هذه المادة تعطي له إمكانية التحليل العقلاني والأخلاقي لفضيلة الصمت، أي أنه يستند إلى التجربة الأخلاقية والسياسية والفكرية ليعمّق حقيقة فضيلتها. وينطبق هذا بدوره على كافة القضايا التي يناقشها. فعندما يتناول آفة الغضب، فإنه يؤكد على أن القرآن نظر إلى الغضب باعتباره من حمية الجاهلية. بينما بلورت "آثار" الثقافة اللاحقة استنتاجات عديدة، تؤكد على أن أقدر وقت لهلاك المرء في حالة  غضبه، وأن الغضب هو مفتاح الشر، وأنه يصيّر المرء إلى ذلّة الاعتذار.  إنها التجربة التي تولّد نقيضها: فضيلة الحلم. فالمرء لا يثبت عقله عند الغضب، تماماً كما لا تثبت روح  الحيّ في التنانير المسجّرة. أما الحلم فهو العلم الأعظم. وبالتالي لا معنى ولا قيمة للعلم بدون تزيينه بالحلم. إذ هو دعامة العقل. ولا يمكن للمرء أن يبلغ مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله. بل ان الحلم أرفع من العقل لأن الله تسمى به. فعندما قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اشهد أنك من الفاسقين! أجابه: لن نقبل شهادتك!

إننا نقف أمام لوحة عريضة يقدمها حول مختلف القضايا والتي تتحول فيها المادة المعروضة إلى جزء من أسلوب التحليل الضروري، بفعل تضمنها عناصر ومكونات الأحكام اللاحقة، أي تضمّنها وحدة الحكم الاخلاقي العقلاني والتجربة التاريخية الثقافية، التي عادة ما يعبّر عنها في بدايات تحليله بعبارة "إن كشف الغطاء عن الحقيقة أولى من نقل الأقاويل المختلفة".

وقد حدد ذلك بدوره أهمية وقيمة الفكرة بحد ذاتها، وبالتالي إمكانية دمجها في منظومته الفكرية. ولا يمكن عزل ذلك عن الاستقلالية الفكرية، التي تنزع بفعل متطلبات عالمها الروحي وإدراكها الفعلي  للنظر الى الأفكار باعتبارها هويات مستقلة. الامر الذي يجعل من النظر الى الحقائق وقبولها بغض النظر عن حاملها وقائلها، تماماً كما لا يغير طبيعة العسل وجوده في إناء الحجّام. آنذاك تصبح كافة الانجازات الحقيقية للوعي والمعرفة الانسانيتين مقبولة بحد ذاتها. مما يؤدي بدوره إلى صياغة المبدأ الدقيق في التعامل الفكري مع الحقائق من خلال تغييب ثقلها التاريخي والعقائدي. وقد تعامل مع هذه الحالة وطبقها بدرجة فائقة من الجرأة والحذر. إذ نراه يرفع من شأن إظهار أهمية الفكرة بحد ذاتها فوق كل العوارض العقائدية والمذهبية، لينقلها بالتالي إلى مستوى المبدأ النظري. وليس مصادفة أن يكرر في أماكن عديدة من مؤلفاته عبارة انه "لا معنى للاشتغال بالأسامي، فإن المصطلحات مختلفة، وأن الضعيف يطلب المعاني من الألفاظ وهو عكس الواجب"[8]. وليست هذه الصيغة في منظومته الفكرية سوى وسيلة وإمكانية الاستعمال المتعمد بما في ذلك للأحاديث المنكرة والموضوعة والأقوال "الشنيعة" للمتصوفة، بل والمناقضة من حيث مظهرها الخارجي للشريعة، وللمنطق والعقل (من حيث لفظه)، إلا أنه يصهرها في منظومته للدرجة التي تتخذ فيها هذه الأقوال والأحاديث طابع العنصر العقلاني المكمّل، أي يحوّلها إلى جزء من الفكرة المنظومة. فالحديث القائل مثلاً، بأن "الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة "يتحول إلى جزء أو مثال لتوضيح فكرة التباين في معرفة الله وإدراكه، أو بصورة أدق إلى جزء من فكرة مستوى ولذة المشاهدة. ولهذا علّق على هذا الحديث قائلاً "لا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر"[9].

فالغزالي يفسره ضمن إطار تصوراته عن المشاهدة والرؤية المرتبطتين بمستوى وعمق المعرفة. إنه يحوّل شخصية أبو بكر إلى صورة ومثال لشرح الفكرة لا مثال مطلق لتجليها. وينطبق هذا بدوره على الصيغ الظاهرية العديدة والأخبار والأحاديث النبوية، التي لا تشكل بحد ذاتها بالنسبة له أهمية جوهرية قائمة بنفسها. والاستثناء الوحيد هنا للآيات القرآنية، التي بدورها تصبح جزء من الفكرة لا مصدرها، ودليلاً "ايجابياً" عليها، ومثالاً للكشف لا وسيلة لليقين. فالغزالي شأن أساتذته القدماء كالباقلاني يدرك أن أهمية القرآن "النظرية" هي أهمية "إسلامية"، بمعنى أنه لا يشكل مادة برهانية بالنسبة لغير معتنقيه، أي أن القرآن لا يشكل بحد ذاته مادة برهانية  بذاتها. ويمثّل في هذا المجال ما سبق للتقاليد الكلامية إن صاغته في موقفها من التفسير والتأويل العقلانيين. غير أنه يدخلها في عالم الصوفية، الذي تصبح  الكلمة فيه وتتحول إلى تعبير ومقياس للحقيقة، بعد أن تمتلئ بمشاهدة التجربة الصوفية وتذوقها الخاص. لهذا السبب يمكن أن نفهم سر تلك الأعداد الهائلة من الأحاديث التي اعتبرتها التحقيقات الإسلامية من أصناف المنكر، والضعيف، والذي لا أصل له، وما شابه ذلك[10]، أي كل ما أعطى لمنتقديه لاحقاً فرصة اتهامه بالكذب والتذبذب. أما في الواقع فلا كذب ولا ذبذبة ولا زندقة ولا إيمان فيما يطرحه. إنها مجرد جزء من الرؤية "الباطنية" أو الذوقية للصوفي، التي تصبح فيها الكلمة رمزاً للمعرفة المتعمّقة لا المعرفة ذاتها. وقد صرّح الغزالي في أكثر من موضع وبالأخص حالما ميّز بين درجات وأتباع المعتقدات إلى أن الدرجة الأعلى لها (أرباب البصائر) هم "أولئك الذين نظروا إلى أنفسهم ثم إلى سائر أنواع المخلوقات فتأملوها فرأوا على كل منها خطاً منطبعاً ليس بعربي ولا سرياني ولا عبراني ولا غير ذلك"[11].  وليس مصادفة أن يورد الغزالي هذه اللغات الثلاث. لقد أراد الكشف بصورة غير مباشرة عن لا أهمية النص بحد ذاته العربي (القرآن)، السرياني (الانجيل) والعبراني (التوراة). فعندما يستشهد الغزالي على سبيل المثال بالحديث المنسوب للنبي محمد عن رأيه بما يقال من أن عيسى مشى على الماء، قائلا "لو ازداد يقيناً لمشى على الهواء[12]. والغزالي يدرك فيما يبدو إلى أية درجة يمكن أن تصفع عبارة من هذا النوع الضمير الإسلامي الورع والوعي الارثوذوكسي النصراني، بل وتناقضها مع مفاهيمه ذاتها عن النبوة التي لا تستلزم زيادة اليقين، إذ أنها ذاتها التجلي الأمثل لليقين المطلق. إلا أنها تصبح ضمن آراء الغزالي مثالا مقبولا لتوضيح فكرة الازدياد في ايضاح اليقين، أي يصوغها بروح التقاليد الصوفية، التي أعجبتها أيّما إعجاب في رمزيتها عبارة عامر بن عبد قيس القائل: "لو كشف لي الغطاء لما ازددت يقيناً". مما جعل الغزالي يشدد على ضرورة فهم ما يقوله باعتباره رموزاً وإشارات[13].

إن الجوهري فيما يقوله الغزالي هنا هو إظهار الفكرة لا الاستعارة والاستشهاد بالأقوال. وليس ذلك في الواقع سوى أسلوب تحطيم الأطر العادية في الوعي والتعامل مع المادة المطروحة بالشكل الذي تعطي فيه للفكر والتفكر حرية التعامل مع مادته وبالتالي إبراز هوية الفكر المستقلة. غير أن هذه الممارسة مرتبطة، كما سنرى لاحقاً، بخصوصية المعرفة الصوفية وموقف الصوفي من موضوع ومادة معرفته. أما أسسها الشخصية بالنسبة للغزالي، فقد سبق وأن تبلورت في مجرى صراعه السابق، أي في مجرى تلك العملية الطويلة من الصيرورة الفكرية التي ثقّفت عنده مرونة التعامل مع المنظومات الأخرى. وليس بالإمكان فهم حقيقة هذه المرونة وتبلورها دون رؤية عناصر التحليل الواقعي والمنطقي عنده، أي النظر إلى الظواهر في ترابطها وحركتها وتعدد جوانبها وتأثيرها المتبادل وطابعها التاريخي الملموس. مما حدد بدوره موقفه من ضرورة التعامل الملموس مع القضايا وأهمية الأحكام والتقييمات النسبية، ومن ثم فسح المجال لرؤية الواقع في ظل احتفاظ الفكرة المجردة المبدئية بأهميتها المستقلة. فالغزالي لم يرفض التحديد الصارم للمفاهيم، بل وقف بالضد من اضفاء الصيغة المطلقة عليها. لقد كان يطبق الفكرة المجردة ويضعها في الوقت نفسه ضمن سياق طابعها الملموس والنسبي. الامر الذي اعطى لآرائه طابعاً راديكالياً في امكانية توظيفها الاجتماعي والسياسي. فعندما يتكلم على سبيل المثال، عن الحب والبغض في الله، فإنه يدرك الوحدة في التناقض، ولكنه يربط أقطاب التناقض في الموقف العملي. فمن أحب بسبب، كما يقول الغزالي، فبالضرورة يبغض لضده. وهو كما يكتب "طرفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر"[14]. والغزالي يدرك في الوقت نفسه صعوبة المقابلة العملية في الموقف من اختلاط المتناقضات، أي في حالة امتلاك الظاهرة اقطاب التناقض وطابع المتناقضات نفسها، مثل اختلاط الطاعات بالمعاصي. لكنه يكشف في مواقفه هذه عن أن التسامح في الأحكام يتطابق مع تعدد جوانب الظاهرة  نفسها. فهو لا يرفض، على سبيل المثال، الشخصية ككل بفعل أقطاب الظاهرة المتناقضة ولا يتقبلها كلياً كما هي. فالمحبة والبغض يمكنهما أن يكونا في آن واحد وتجاه شخصية واحدة، مثل أن نحب ونبغض في الآن ذاته الزوجة الحسناء  والفاجرة، والولد الذكي الخدوم والفاسق… الخ.

وقد حدد تعامله الملموس مع الظواهر في تجلياتها ومستوياتها المتباينة نظرته إلى الوظيفة الواقعية، ولكن بعد تقييمه لصيغتها المجردة. فهو يربط على الدوام بين الصيغة المجردة والواقعية،و الشكل والمضمون، والوظيفة والغاية للظاهرة، وبالتالي تحديد قيمتها النسبية والمطلقة. وعمّق هذا النزوع الواقعي استقلالية الأحكام الغزالية تجاه مختلف القضايا المعروضة للدرس والنقاش، وبالتالي حدد التوجّه العام في منظومته الفكرية المناهض للنظريات والنظرات الأحادية الجانب تجاه مختلف القضايا. فعندما يناقش قضية العزلة والمخالطة، فإنه يتكلم في آن واحد عما يدعوه بفوائد وغوائل العزلة، وفوائد وغوائل المخالطة، أي أنه يرفض الحكم المطلق بصدد أفضلية كل منهما بصورة مجردة. لهذا نراه يحذر من التسرع في الأحكام، إذ أن "كل مفّصل فإطلاق القول فيه بلا أو نعم خلف من القول محض، ولا حق في المفّصل إلا التفصيل"[15]، أي ضرورة الملموس في المطلق، والحقيقة الملموسة، لا الأحكام العامة، الشكلية والوحيدة الجانب أياً كان مضمونها، بل التفصيل الملموس بعد دراسة مختلف جوانب الظاهرة المعنية. لكن ذلك لا يعني رفض التعميم بحد ذاته، بقدر ما انه سعى للتوكيد  على أن كل تعميم ينبغي أن يكون ملموساً، وكل ملموس ينبغي أن يستند إلى فكرة معممة. فهي الصيغة التي يمكنها أن تشكل المعيار الوحيد الحق، الذي يمكن تطبيقه على كافة القضايا والأخلاقية منها بالأخص.

ومع ذلك فإن أحكامه المستقلة، هي ذاتها نتاج لمنهجيته القائمة في تتبع ودراسة الظواهر الواقعية وتأثيرها المتبادل، وطابعها الملموس ووظيفتها الفعلية من حيث ارتباطها بالنشاط الاجتماعي للإنسان وتقييمها الأخلاقي. وقد حدد ذلك بدوره تباين مستويات وتجلي هذه الظواهر ، ومن ثم تباين مستويات ونوعية الأحكام عنها. فعندما يتطرق لقضية العزلة فإنه لا يتطرق إليها من وجهة نظر أهميتها في "المعراج" الصوفي وسلوك السائرين فحسب، بل ويكشف عن مستويات تجليها وأهميتها في ميادين السياسة والأخلاق والمعرفة. وفي كل ذلك ينظر إلى حركتها وطابع هذه الحركة السلبي منه والإيجابي، بمعنى نظريته الى الصيرورة الدائمة التي تعطي للمبادئ العامة مضامينها المتغيرة. مما يجعل من منظومته في استقلالها الفكري، ظاهرة بارعة للوعي التحليلي. لهذا رفع الحذر من إطلاق الأحكام التقييمية قبل أو دون رؤية الأسباب الواقعية للظاهرة وبواعثها وترابطها الى مصاف الضرورة. فهو يؤكد على أنه إذا "عرفنا فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقاً بالتفضيل نفياً وإثباتاً خطأ"[16]، بل ينبغي أن ينظر المرء إلى الشخص وحاله ،وإلى الخليط وحاله، وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته... ويقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبين ويتضح الأفضل"[17]. وفي الوقت نفسه حارب الغزالي امكانية تغلغل السفسطة في هذا النوع من المواقف والتحليل.

فتاريخ الغزالي كله منذ بداياته الأولى، هو تاريخ الصراع ضد السفسطة. مما أعطى لمرونته الفكرية مضموناً اجتماعيا وأخلاقياً يتصف بالتجانس المبدئي في أطروحاته. فعندما يتكلم على سبيل المثال، عن "بدعة" الوقوف للشخصية كتعبير عن الاحترام والإجلال، فهو يقدم من جهة مثال العرب والصحابة، الذين لم يتقيدوا ويعرفوا تقليد القيام للشخص أياً كان بما في ذلك للنبي محمد، إلا أنه يعتبر القيام في البلاد التي جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام مما لا بأس به. وطبّق اسلوبه هذا على مختلف القضايا الفكرية التي أثارت في وقتها جدلاً بين المفكرين والفقهاء والمتصوفة، مثل قضية الغناء والرقص وغيرها من القضايا. ومن الممكن النظر إلى موقفه من علاقة النسبي والمطلق في الظاهرات كأحد التجليات الملموسة لمرونته الفكرية. ومن المناسب ههنا الإشارة إلى موقفه من نسبية الظاهرة ومضمونها الأخلاقي، أي طابعها الشرطي. فإعطاء رغيف لسائل هي طاعة مستحسنة، ولكن إعطاء ملك من الملوك رغيفاً أو رغيفين لسائل منكر عند الناس. وبقدر ما ينطبق هذا على المسائل العادية والتافهة، فإنه يمكن أن يكون مثالاً للقيم الأكثر شأواً فيسموها. من هنا تمسكه وتطويره للفكرة الصوفية الأخلاقية القائلة بأن مباحات العوام سيئات الأبرار، وحسنات الأبرار سيئات المقرّبين، أي النسبي في المطلق، دون أن يفقد الأخير أهميته كمثال شامل.

ذلك كله يذلل الاتهامات والأحكام الضيقة التي وجهت للغزالي عما يسمى بانتقائيته الفكرية. فالغزالي لم يكن أسيراً للانتماء المذهبي أيا كان مشربه. لقد كان هدفه وغايته الحقيقة. فهو يضع على سبيل المثال، جالينوس والحكماء (الفلاسفة) في مصاف أئمة الاسلام[18]، أي أنه لا يأبه بموقع ومكانة وانتماء الشخصية الفكرية في العرف والتقليد العاديين، مقارنة بقرب أو بعد الشخصية المعنية عن الحقيقة. لقد رفض الغزالي المرونة والمساومة اللامبدئية. ومن الممكن القول، بأن آراءه لا تتميز بالانتقائية المبدئية، بل بمبدئية الانتقاء. فعندما يناقش فكرة الحب والبغض في الله فإنه يقدم أولاً كمثال فكرة أبي ذر الغفاري (ت-32 للهجرة) القائلة "إذا انقلب أخوك عما كان عليه، فابغضه من حيث أحببته". ثم يقارنها بما ورد في "الاسرائيليات" من قصة ذهاب أحد الأخوين العابدين، اللذين كانا يسكنان الجبل إلى السوق لشراء اللحم، وكيف عشق إحدى النساء ومن ثم مكوثه في المدينة، بفعل شعوره بالخجل أمام نفسه، مما حدا به إلى البقاء وعدم الرجوع. وقد حدا ذلك بالعابد الآخر إلى تفقده، وبعد العثور عليه، أنكر الأول معرفته به بفعل خجلته مما فعله، مما دفع بالثاني بعد معرفة بواعث الانكار إلى أن يحبّه ويعزّه أكثر مما سبق. وعلّق الغزالي على ذلك قائلاً "هذه طريقة قوم وهي ألطف وأفقه من طريقة أبي ذر"! لكنه وجد في الوقت نفسه في طريقة أبي ذر الأحسن والأسلم[19]. فالطريقة الأولى ألطف لأنها تتضمن الرفقة والاستمالة والتعطّف الذي يصنع إمكانية الرجوع والتوبة، وأفقه من حيث أن الأخوّة عقد نزل منزلة القرابة فإذا انعقدت تأكد الحق ووجب الوفاء[20].

ان الغزالي يذلل هنا الحدود التقليدية (الشكلية) للفقه، الذي شدد على أن الحكم إذا ثبت بعلّة فالقياس أن يزول بزوالها، لينقله إلى ميدان الفقه الأكبر، أي الموقف الأخلاقي من الإنسان باعتباره كياناً قابلاً للإصلاح، ومهمة التعامل معه على أساس السمو الاخلاقي والروحي. فهي العملية التي يمكن أن يجري من خلالها تطويره الروحي الدائم، لأن ممارسة كهذه تصنع الحياء عند دوام الصحبة على عكس المقاطعة فهي لا تصنع سوى الاصرار الأعمى. غير أن طريقة أبي ذر أحسن وأسلم لأنها لا تترك الأمر سائباً، أي أن الغزالي يربط في كل واحد، وعلى أساس أخلاقي نفسي، ما سبق للشافعي (ت- 204 للهجرة) ان قاله بأنه لا ينبغي للمرء أن يكون حماراً أو شيطاناً، إن استغضب فلم يغضب وإن استرضى فلم يرضَ. ويقدّم الغزالي أمثلة كثيرة عن نزعته المبدئية في انتقاء الحقيقة ضمن سياقها الملموس ونسبيتها وقيمتها الاجتماعية الأخلاقية، بعد دراسة معمّقة لحدّها وحقيقتها.

من الممكن القول، بأن الوحدة الداخلية لآرائه وترابطها، ترتقي إلى مصاف الضرورة المنطقية. وهذا ما سأتناوله لاحقاً حالما أتطرق الى مختلف جوانب منظومته التآلفية، وذلك لأن المهمة الحالية تقوم في استعراض وتحليل مواقفه الاجتماعية السياسية والأخلاقية، والطابع المرن لآرائه ومواقفه الفكرية العملية، أي كل ما يساهم في إبراز واستيعاب وتحديد استقلاليته الفكرية، وبالتالي دحض الأسس الوهمية لوصمه بالانتقائية. على العكس! فقد حارب الغزالي  دوما الانتقائية الفكرية من خلال مواقفه البديلة وليس عبر مواجهتها المباشرة. فهي المواقف التي تتسامى على مختلف نماذج التشنج المذهبي. فعندما يتكلم على سبيل المثال، عن المواقف المتباينة تجاه "أهل المعاصي"، فإنه لا يستند إلى فكرة المعصية واللامعصية، رغم أنه يحددهما حالما يتكلم عنهما باعتبارهما مفاهيم مجردة. ، بل ينطلق من تطبيق أفكاره بصورة غير مباشرة، أي أنه لا يحكم على الفكرة بالرجال، بل على الرجال بالفكرة. ولم يضع مفاهيمه ومواقفه هذه ضمن صيغة مجردة وشكلية فارغة، بل من خلال جعلها قضية أخلاقية عملية. ومن هنا ذوبان الحكم المباشر في تتبع المشاهدة التاريخية وتجارب الاسلاف لا بوصفها مثالا مطلق وملزم للجميع، بل بوصفها مظاهر مختلفة لاستيعاب الفكرة المجردة ذاتها. وفي الوقت نفسه شدد على انه لا يمكن لأية فكرة وسلوك ان تكون حكما مطلقا او استنفاذا تاما للفكرة المجردة. فأحمد بن حنبل (ت-241 للهجرة) كان على سبيل المثال، شديد الانكار "لأهل المعاصي" واختار المهاجرة (المقاطعة) في مواقفه من يحيى بن معين لقوله "اني لا أسأل أحداً شيئاً ولو حمل الشيطان إلي شيئاً لأخذته"، ومن الحارث المحاسبي (ت-234 للهجرة) لأنه كان في تصانيفه في الرد على المعتزلة يورد أولاً آرائهم ثم يرد عليها، مما يحمل الناس على التفكّر فيها[21]، ومن أبي ثور (ت- 240 للهجرة) تجاه تأويله الحديث "إن الله خلق آدم على صورته". في حين نظر آخرون البهم بعين الرحمة. والغزالي يأخذ بالاتجاهين. فتجربته الحياتية وتطوره الفكري هو تجل ملموس لذلك. إلا أنه لم يفهم ويمارس المقاطعة (الهجر) في إظهار الجفاء الصامت والحسي والمباشر، بل من خلال الدفاع عن الفكرة والقناعة الشخصية، كما هو جلي في كل كتاباته السابقة (للإحياء)، بما في ذلك هجومه العنيف ضد مخالفيه. وهو لم يتفاد الاقرار "بعين الرحمة" والتمسك بها عملياً، بالقدر الذي يسمح به صراع الأفكار. فقد أكد في آخر كتاباته الكلامية ما قبل (الإحياء) على أن "المجادلة والمعاندة داء محض لا دواء له، فليتحرّز منه جهده وليترك الحقد والضغينة ولينظر إلى كافة خلق الله بعين الرحمة"[22]. وهي ذات الفكرة، التي سيعمّقها لاحقا في (الإحياء) وغيره من المؤلفات. بمعنى محاولة ربط الاتجاهين انطلاقا من الحقيقة وتجلياتها النسبية ووظيفتها العملية وليس من خلال الانتقاء العندي. وقد ظل الغزالي متمسكاً بفكرة النظر بعين الرحمة تجاه الجميع، ولكنه سيدرك أيضاً إمكانية احتواءها على المداهنة. إذ أن أكثر بواعث الاغضاء عن المعاصي، هي "المداهنة ومراعاة القلوب والخوف"[23]. فالمرونة الفكرية لا تعني بالنسبة له سوى النفي الفعلي للمداهنة، مما يؤدي بدوره إلى فسح المجال أمام حرية الفكر والممارسة.

فالتجربة السلفية تكشف عن أن ممارسة البغض والهجر والإعراض لا تدخل في "ظاهر العلم تحت التكليف والإيجاب"، أي أن المواقف الشخصية لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تتطابق مع القانون الرسمي (الشريعة). وإذا كانت هذه النظرة تتضمن بعض "التنازلات" ضمن الاطار العام لمواقفه من وحدة الدين والدنيا، فإنها تبدو مقبولة ضمن إطار تصوراته وأحكامه عن العقل والشرع في صياغتهما ومضمونهما الصوفيين، باعتبارهما العلاقة الأعمق والأشمل، والأكثر تجريداً لعلاقة الدين والدنيا.

فما يسمى "بالرقائق الدينية"، أي المواقف المتباينة في نظر وممارسات الأوائل تجاه "مرتكبي المعاصي" كانت موزّعة بين الرفض والمقاطعة واللامبالاة الظاهرية والنظر بعين الرحمة. وعندما يتقبل الغزالي هذه المواقف جميعاً ضمن سياقها التاريخي،فإن ذلك لا يعني انتقاءه العندي لها، بقدر ما يعبر عن حرية اتخاذ الموقف الذي استند، كما سنرى، إلى المضامين الجديدة في نظراته تجاه الوجود ومعنى الحياة، وموقف الانسان من الحق (المطلق).

وقد تعدت حرية المواقف عند الغزالي مجال الحقوق الفقهية. وإذا كان من الصعب حد حرية القناعة الشخصية (الباطنية) في ميدان الفكر، فإن الغزالي حاول ابرازها من خلال تحطيم حواجز الفقه التي حاولت ان تبني نتائج التجارب السياسية والمصالح الاقتصادية على أسس منطقية. لقد ابقى الغزالي على هذه الابعاد المنطقية لكنه حاول اخضاعها إلى تقييم أخلاقي يناسبها. ومن الممكن رؤية ذلك في مواقفه وتقييمه للمؤسسات الرسمية (الحكومية) ومهماتها الاقتصادية والسياسية. غير أن إبداعه الأكبر هنا يقوم في تعميق ما اسماه بالفقه الأكبر، أي عالم الروح الأخلاقي والمعرفي. ففي الوقت الذي ابقى فيه على فكرة الحقوق ووظيفتها الاجتماعية والسياسية، فانه حاول تذليل قوتها القمعية وضغوطها "الشرعية" على عالم الإنسان الروحي، من خلال ازالة "قدسية" الفقه في التعامل مع عالم الروح والفكر. ولم يتطرق الغزالي الى هذه المسألة بوصفها قضية مجردة، بل حاول شأن المتصوفة الكبار ممارستها بصورة فردية وشخصية. ولعل في موقفه من السلطة احد نماذجها الملموسة، حيث نراه يجد في الابتعاد عنها المقدمة الضرورية لحرية الفكر والتفكير. لكن ذلك لا يعني عنده تطابق أو تشابه مناهضة السلطة مع الخمول والوداعة الشخصية! على العكس! لقد كانت تلك مجرد الصيغة المتسامية للموقف من الوسائط. وسوف ينظر الغزالي في وقت لاحق إلى كل العلاقات الاجتماعية والسياسية ومؤسساتها، بما فيها السلطة، باعتبارها وسائط في وحدة الوجود، أي لا تمتلك بحد ذاتها قيمة مطلقة، وان القيمة المطلقة لا توجد إلا في المنطق، كما  لا يمثل المطلق في الوجود سوى الروح الاخلاقي المعرفي، أي المدرك لذاته كجزء من الكلّ

ذلك يعني، إن آراء الغزالي هذه لم تكن معزولة من حيث صيرورتها عن تجربته الشخصية وقناعاته بقيم التجربة الفردية باعتبارها وسيلة وأسلوب بلوغ الحقيقة. لقد حاول الكشف عن ضرورة الصلة الداخلية القائمة فيما بين الحقيقة الموضوعية ومستوى إدراكها في التجربة الفردية. فلا حقيقة ولا معرفة موضوعية دون استقلال النفس في مداركها. وما عدا ذلك مجرد تقليد إيماني ساذج. غير أن الغزالي لم يسع هنا للقول بمركزية الإنسان في التعامل مع الوجود.  إنه سعى إلى تأسيس التناسق والتجانس الوجودي المعرفي الأخلاقي للإنسان، مما أعطى بدوره للمعرفة العلمية في تجربتها الفردية قيمة هائلة.

ان الغزالي لم يحوّل التجربة الفردية إلى معيار مطلق للحكم على الحقيقة، لكنها يمكن أن تكون وسيلة بلوغ الحكم المطلق. فعندما ينتقد الأفكار المتضادة في مواقفها مما يسمى بتذليل الغضب والشهوة، فإنه يكتب قائلاً "وقد جرّبنا  ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع. فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي. فانشغاله به تضييع زمان بغير فائدة"[24]، أي أنه ينتقد منهج التطرف الفكري بجميع اشكاله المتضادة من طبيعية سائبة وإرادة متطرفة. فالأولى ترفض إمكانية تغيير الأخلاق والثانية تفصل الأخلاق عن أرضها المادية (البيولوجية والاجتماعية). مما يجعل من كلتا الفكرتين في نهاية المطاف، مكملتين إحداهما للأخرى في سلسلة تشويش إدراك الحقيقة. وقد حددت هذه المواقف استنتاجه القائل بواحدية الحقيقة. وليس ذلك من حيث الجوهر سوى الاقرار بالطابع الموضوعي للحقيقة. وبالتالي لا انتقائية ولا تبريرية ولا سلفية ولا لاعقلانية، بل وحدة السعي المستقل في بحثه عن الحقيقة.

وسوف نرى في وقت لاحق، بأن منظومته الفكرية لا تتقبل من حيث الجوهر عناصر التبرير. فتطوره الفكري هو نموذج لمعاداة التبرير. وإذا كان الغزالي قد سبق وإن مارسه في البداية، وبالاخص في بعض مواقفه من قضايا الكلام والسياسة، فإنه يكون قد صنع في الوقت نفسه عناصر تفتيتها الداخلية من خلال تعميق قوة العقل الجدلية والشك المعرفي. وهذا ما نلمسه بوضوح في (تهافت الفلاسفة) و(المستظهري). وبالتالي ساهم التبرير الجزئي، أو بصورة أدق الأدلجة المحترفة في تعميق الأزمة النفسية الأخلاقية التي وجد في ضرورة تذليلها الكلي أسلوب بلوغ الحقيقة. وينطبق هذا بدوره على ما يدعى أحياناً في الدراسات المعاصرة "بأرثوذوكسية" الغزالي. بينما الأرثوذوكسية فكراً وممارسة لا تحتمل إمكانية تطبيقها الشكلي على الاسلام. وفي حالة "أسلمتها"، أي فهمها ضمن إطار الثقافة واللاهوت الإسلاميين، فإن مثالها المناسب للمقارنة هو السلفية الصارمة والحشوية المتطرفة. إضافة لذلك إن للسلفية مظاهرها ومضامينها المتباينة. فإذا كان المقصود بها التقليد الأعمى للسلف فذلك ما يتعارض بصورة كلية مع آراء الغزالي. وإذا كان المقصود بها الأخذ بالتجربة السلفية فذلك مرتبط بطبيعة استيعابها من قبل المفكر. إذ أن مضمون هذا الاستيعاب يحدده كل من ظروف المرحلة والمهمات التي يطرحها المفكر. وقد سار الغزالي في مجرى هذين الاتجاهين الأخيرين، أي عدم إهماله لتجارب الاسلاف من جهة، وتأكيده على أهميها القصوى باعتبارها مصدراً من مصادر وعي الذات وضرورة بعثها على أساس فهم الحقائق المجردة وظروف المرحلة، من جهة أخرى. وقد كان (الإحياء) في جوهره نتاج تأمله وتجربته الفكرية في هذا المجال، أي أن (الإحياء) كان العمل الإحيائي (الاصلاحي)، الذي ربط الفهم الجديد لتقاليد السلف بمهمات الحاضر. ولا تمت هذه الممارسة للسلفية بصلة جوهرية من حيث أسسها الفكرية. فتجربة الغزالي هي تجربة الوعي الثقافي في مختلف اتجاهاته (الكلام والفلسفة والفقه… الخ) والمصهورة في تعاليم الصوفية وطريقتها. ومن هنا لا معنى للسلفية بل وحتى  التسنن بالمعنى التقليدي للكلمة. وذلك لأنه لا سنيّة ولا تسنن في الفكر الصوفي. فالأخير يمتلك مقوماته الخاصة وطريقه الخاص في الوعي والممارسة،والتي تتعارض في جوهرها لكل "أرثوذوكسية" أو سنيّة ممكنة. وإذا كانت الدراسات المعاصرة تطلق عبارة "التصوف السنّي" عليه وعلى غيره، فلأنها استندت في حالات عديدة على مثال شخصيات معينة كعبد القادر الجيلاني (ت-561 للهجرة) وشهاب الدين السهروردي (ت-632 للهجرة) و الحسن الشاذلي (ت- 656 للهجرة) وغيرهم. أما في الواقع، فإن مثال هذه الشخصيات لا يتطابق مع المفهوم السنّي العادي. فما بين "حقائق" الصوفية وطبيعة إدراكها الأمور ومواقفها من العالم وبين السلفية تباين لا يردمه إلا الجهل بحقيقة هذين الاتجاهين. وحتى في حالة عبد القادر الجيلاني، فإن تقييم وفهم طريقته ظل متبايناً في تقاليد الصوفية نفسها. فإذا عظّمه البعض فلأنه أحد نماذج التقاليد الصوفية لا الصوفية النظرية والعملية، كما هو جلي في عبارة أحد تلامذته أبو السعود الشبلي البغدادي، الذي وصفه ابن عربي" بالفتى الظريف الملامتي، الخفيّ البريّ"، الذي قال عن أستاذه "طريق عبد القادر في طريق الأولياء غريب، وطريقنا في طريق عبد القادر غريب".

لقد سعى الغزالي إلى تجاوز الصراعات المذهبية والفرقية الضيقة. وبهذا المعنى فإن الغلاف اللاهوتي لصياغاته الفكرية لم يعق ديناميكية المضامين الفكرية وتجاوز التجزئة المذهبية التي أصبحت من بين أهم عناصر ومميزات الفكر اللاهوتي العقائدي المسيطر آنذاك، أي أن صراعه ضد انعزالية وعصمة المذاهب التي حولت آراءها ومواقفها إلى بديهيات عقائدية وأركان صلدة ويقين غير قابل للجدل، يتضمن عناصر الفكر الحر، رغم أن نفيه لها لم يتخذ صيغة المقاطعة الظاهرية. بصيغة أخرى، إن محاولته رفع وإزالة  فكرة العصمة والحقيقية الابدية المميزة للذهنية المذهبية آنذاك، كانت تعني في تاريخيتها تقديم افتراض سياسي فكري جديد يتسم بجرأة راديكالية هائلة ضمن وسط متصدع بصراعاته المذهبية والفرقية الضيقة.   (يتبع....)

*** 

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 80 -81.

[2] المصدر السابق، ص 126.

[3] ميثم الجنابي: ثقافة التقييم والأحكام في الإسلام (تقاليد علم ملل والنحل)، دمشق، 1993.

[4] ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، القاهرة، 1951، ج1، ص 199؛ نقض المنطق: القاهرة 1951 ص55-56.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 3.

[6] المصدر السابق. ياقوت الحموي: معجم الادباء(ارشاد الاريب الى معرفة الأديب، ج4، ص38-40.

[7] المصدر السابق، ج3، ص111.

[8] الإحياء ج4، ص308.

[9] المصدر السابق، ص 313.

[10] انظر على سبيل المثال لا الحصر ما افرده السبكي عما اسماه "بالأحاديث الغريبة في كتاب الإحياء او الملاحظات والتصنيفات التي كتب عنها العراقي في (المغني عن الاسفار) وتكملة ابن حجر العسقلاني.

[11] الغزالي: الإملاء ص 20.

[12] تورد المصادر الاسلامية هذا الحديث بصيغ متباينة. فابن ابي الدنيا يورده في (كتاب اليقين) عن قول بكر بن عبد الله المزني على مثال قصة مشي عيسى على الماء بعد ان تفقّده الحواريون، أي شبيهة بتلك الصيغة التي يصرها انجيل متي (الاصحاح 14:24-25). اما ظاهرة المشي على الماء وشخصية المسيح فيها كما يوردها ابو منصور الديلمي في (مسند الفردوس) على لسان المسيح نفسه القائل :"لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور ولزلزلت بدعائكم الجبال. في تشبه أو تستند إلى الفكرة الواردة في انجيل متي (الاصحاح 21:21).

[13] الغزالي: الإحياء، ج4، ص97.

[14] المصدر السابق، ج2، ص166.

[15] المصدر السابق، ص 232.

[16] المصدر السابق، ص229.

[17] المصدر السابق، ج3، ص339.

[18] المصدر السابق، ج2، ص184.

[19] المصدر السابق، ج2، ص184

[20] المصدر السابق.

[21] لقد اثارت هذه القضية جدلا واسعا بما في ذلك بين احمد بن حنبل والحارث المحاسبي، الذي ساهم في نقل الفكر المنظم إلى الاوساط الصوفية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغزالي نفسه قد طبق أسلوب المحاسبي كما نراه بصورة جلية في كتبه (مقاصد الفلاسفة) و(المستظهري أو فضايح الباطنية) و(تهافت الفلاسفة). ليس ذلك فحسب، بل وأثّر المحاسبي نفسه في تصوف الغزالي. لكن الغزالي حاول أن يعطي لأسلوبه طابعا منهجيا وعلميا ما زال يمتلك لحد الآن قوة فكرية ومنهجية. وبالأخص تأكيده على أن الجدل العلمي والعميق يستلزم أولا عرض آراء الخصم عرضا منهجيا دقيقا لا لبس فيه ولا تشويش وتشويه من اجل الرد عليه. لهذا وجد في اعتراضات الحنابلة افتراضات سطحية. بل اعتبرها مزاعم لا اساس متين لها، لاسيما وأن أفكار الآخرين موجودة في كتبهم ومنشورة بين الناس. وقد ظل الغزالي امينا لهذا الأسلوب والمنهج رغم تعرّضه لبعض التغيير والتعديل. ففي مرحلته الصوفية لم يعد الجدل ذا قيمة علمية، وليس أسلوبا لبلوغ الحقيقة. من هنا جدله مع الأفكار بوصفها هويات ومبادئ وقيم أفكار مستقلة. وكان هذا بدوره نتاج الفلسفة الأخلاقية الصوفية من جهة، ونفي للأساليب العقيمة والمتشددة المميزة لجدل المرحلة، وعلم الكلام بشكل خاص وأساليبه في التهجم والتكفير وتشويه سمعة الخصوم. لقد أراد الغزالي أن يزيل من الجدل آفة الجدل نفسه، والاستعاضة عنه بالبحث عن الحقيقة كما هي.

[22] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص 7.

[23] الغزالي: الإحياء، ج2، ص168.

[24] المصدر السابق، ج3، ص55.

 

ميثم الجنابي"لو كان بعد النبي نبي لكان الغزالي" 

يفتقد الغزالي شأن المفكرين العظماء إلى حياته الشخصية، بمعنى أنها عادة ما كانت تختبئ في خبايا الأسرار. أما الأخبار التاريخية التي توردها عنه كتابات السير والطبقات[1]، والشروح والاختصارات والردود عليها[2]، فهي لا تتعدى في الأغلب تعبيرها وتصوراتها وأحكامها الخاصة عن الغزالي. بمعنى أنها تجرّد الطابع الاجتماعي والسياسي والتاريخي في شخصيته لترفعه إلى مصاف الحكم المجرّد على موقعه في التاريخ الفكري للخلافة. وقد ساهم هو شخصياً في هذه الصورة الباهتة عنه. ففي مراحله الأولى، كان الحماس المفرط والسعي للشهرة قد أقفلا عليه حتى خاطر الرجوع لتذكّر الماضي. وفي وقت لاحق، عندما واجه حقيقة ذاته وجهاً لوجه، فإنه فّضل رمي كل ماضيه الحياتي وأبقى شعلة الفكر لحالها بوصفها جوهر وجوده، الذي لم يعد يربطه بالحياة والسلطة سوى تغلغل الفكرة المطلقة فيه، والتي جعلته أسيرها الواعي. فما كان يبدو حرية بالنسبة له في بداية الأمر تحول إلى قيد، وما كان قيداً تحول إلى ضرورة روحية خالصة. آنذاك لم يعد الماضي حلقة مفقودة، بل أصبح "الآن الدائم"، بوصفه فعل المطلق في وجوده المندهش بلحظات التأمل الخاطفة. لهذا لم تتخذ سيرته الذاتية حالما اخذ بكتابتها صيغة ومظهر حياته الخاصة، بقدر ما تحولت الى سيرة "المنقذ من الضلال". فالمهم فيها ليست جوانب حياته الشخصية، بل حركة وتطور الروح التي تتبعها، بوصفها حركة التطور الفكري التاريخي للخلافة منذ النبي محمد حتى نهاية القرن الخادس الهجري. لقد تتبع مراحل الاتجاه الفكري المجرّد على مثال شخصيته حتى بلوغه التصوف، والذي فتح له طريق العودة لرؤية حقيقة النبوة على أسس جديدة. إنها العملية التي رأى فيها ضرورة استعادة أو إحياء الحق من جديد، كما بدأه في (الإحياء).

وقد استثارت هذه الظاهرة في الوعي التقييمي اللاحق لشخصية الغزالي ضروباً شتى من الأحكام التي لم تر الصلة الداخلية في تطوره الفكري ومشروعه الروحي البديل. كما لم تر ما فيه من انعكاس لرؤية آفاق الخلافة المسدودة، ومحاولة استعادة واستثارة الإصلاح الاجتماعي السياسي الشامل من خلال المنظومة الفكرية الجديدة وروحها الأخلاقي. الأمر الذي يفسر لنا طبيعة ومصدر التقييمات المتباينة والمتناقضة عنه عند المفكرين والدارسين على السواء.

فالاتجاهات الفكرية اللاحقة نظرت إليه في الاطار العام، نظرة المجزّئ. إنها جزأت الوحدة الداخلية في تطوره، بفعل تلك القواعد والقوالب الجاهزة التي حكمت عليه بها في موشور رؤيتها الذاتية العقائدية. بينما وقف الغزالي من حيث الجوهر خارج إطار المذاهب القائمة، مما جعله هدفاً للتجريح المتعدد الجوانب. ففي مجرى حياته الأولى لم يترك اتجاهاً فكرياً أساسياً ومهما آنذاك إلا وخاض غماره. ونفّذ مفارقة الوجود التي استغربها الحلاج (ت 309هـ) عندما وجد نفسه مرمياً في اليمّ مكتوفاً، لكنه خرج منه دون أن يبتلّ بالماء. واستثار ذلك حفيظة واستغراب الأغلبية. فقد وجد عبد الغافر الفارسي(ت529هـ)،  كما ينقل لنا ابن عساكر (ت571هـ)، في تحول شخصيته من الزعارة والجأش والبأس والنظر بعين الازدراء والاستخفاف بمعارضيه وكبره وخيلاءه وطلب الجاه والعلو في المنزلة إلى مضادها، إفاقة بعد الجنون[3]. أما ابن الجوزي فينقل عن أبي منصور الرزاز قوله، بان ما كان على أبي حامد الغزالي حال دخوله بغداد عام 484 للهجرة من ملابس وركاب بقيمة خمسمائة دينار، فلما تزهّد وسافر وعاد إلى بغداد لم يكن قيمة ما كان عليه أكثر من خمسة عشر قيراطاً. بينما استغرب الوزير أبو شروان في آخر زياراته للغزالي بعزلته كيفية رده عليه قائلاً: "إن المرء أجير في زمانه وهو محسوب عليه، فليوفر ذلك على نفسه عوضاً عن زيارته"، مما حدى بالوزير للقول "لا إله إلا الله! هذا الذي كان له في أول العمر القاب افتخر في حمل بعضها"[4]. بينما وجد الذهبي (ت-748هـ) في حياة الغزالي وانقلاباته الفكرية "سر الله في خلقه"، إذ "أدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ومزال الأقدام ولله سرّ في خلقه".[5]

غير أن هذه التقييمات "التاريخية" لا تعبّر إلا عن رؤية المسار الشخصي للغزالي ومحاولة تصويره دون أن تقدّْم استيعاباً نقدياً له.فتقييمه هو الآخر ظاهرة تاريخية، لم يكن بإمكانها أن تنعزل عن نشاطه الفكري وتعدد ميادين إبداعه من جهة، وتقاليد التقييم الفكرية السائدة آنذاك من جهة أخرى. وبهذا المعنى فهو لا يشكل شذوذاً في هذا المجال، إلا أنه الأكثر تعقيداً. فقد دحض الغزالي الجميع، وتقبّل منهم ما تقبّل لأنه نفسه كان نتاج الثقافة القائمة آنذاك. لهذا فإن الموقف منه قد بني على ذات الأساس، أي دُحِض من قبل الجميع وتقبّله الجميع كلّ بمستواه واستيعابه ومدرسته. فالأحكام الأولية عنه لم تتعد حدود رؤية الصدمة التي أحدثها في الوعي التاريخي التقييمي بصيغة "الإفاقة بعد الجنون"، أو "سرّ الله في خلقه"، رغم أنه قائم كما أشار الذهبي بدقة فيما أسماه "بسيلان الذهن في مضايق الكلام". إلا أن هذا الحكم العمومي، الذي حاول أن يفسّر مسار الغزالي الفكري، هو نتاج مائتي سنة من التقييمات العديدة التي ابتدأت إشاراتها الأولية منذ الأعوام الأخيرة لحياته وبعد موته.

لكن إذا كانت التقييمات النقدية تواجه صعوبة وضرورة البحث عن أسس لها في تحليل شخصية وآراء الغزالي، فإن الأحكام التقيمية العامة لموقعه في ثقافة الخلافة، كانت أسهل من الأولى. إلا أنها استندت دون شك، إلى نفس المقدمة الضرورية لكل حكم تقييمي، أي إلى إدراك مستوى وعمق مأثرة الشخصية في الوعي والوجود التاريخي للأمم والثقافة. وقد أورد تاج الدين السبكي في (طبقاته الكبرى) الكثير من الأحكام التقيمية التي يمكن الاستشهاد ببعض منها كأمثلة نموذجية. فقد قال عنه الإمام محمد بن يحيى بن منصور (ت-548 للهجرة)، أحد أشهر تلامذته وشارح كتابه "البسيط" ما يلي: "الغزالي لا يعرف فضله إلا من بلغ أو كاد يبلغ الكمال في عقله"[6]. بينما اعتبره شيخ الشاذلية أبو الحسن الشاذلي(ت- 656 للهجرة)، استناداً إلى رؤيته الصوفية، "الحبر الذي لا مثيل له في أمم الأديان الأخرى"[7]. بينما اعتبره السبكي "حجة الإسلام وجامع شتات العلوم والمبرّر في المنقول منها والمفهوم"[8]، و"قطب الوجود والبركة العامة لكل موجود والطريق الموصل إلى رضا الرحمن"[9]. وقد جرى رفع قيمته الشخصية في الوعي الثقافي للخلافة إلى الدرجة التي قيل بها عنه "لو كان بعد النبي نبيٌ لكان الغزالي!". وقد استند هذا الحكم ليس إلى شخصيته الفريدة ومثالها الأخلاقي الصوفي، بل وإلى إبداعه الفكري بحيث تحولت بعض كتاباته إلى معجزة، كما قال النووي (ت-676 للهجرة) "لو كان الغزالي نبياً لكان معجزته الوجيز". في حين جرى تصوير (الإحياء) بعبارة "كاد الإحياء أن يكون قرآنا".

إلا أن  ابو حامد محمد بن محمد ما كان بإمكانه أن يكون الغزالي لو لم يواجه في الفكر المناهض له، تقييمات تسلبه موقع الأصالة والقوة. فقد أورد طاش كبرى زادة (ت-962 للهجرة) الفكرة القائلة بأنه على الرغم من كل إنجازاته الكبرى، فإنه لم يخلص من قيل وقال، حتى خوطب بعبارة: إنك ما عملت شيئاً، أخذت الفقه من كلام شيخك امام الحرمين الجويني (ت- 478 للهجرة) في (نهاية المطلب)، و"التسمية لكتابك من الواحدي (ت- 468 للهجرة)[10]. بينما يورد صلاح الدين الصفدي (ت964هـ) ما سبق وإن جرت الاشارة اليه أعلاه، ويضيف لها تعليق البعض من أن (نهاية المطلب) لإمام الحرمين كانت زبر من حديد، فجعلها الغزالي زبر خشب[11]، أي أن مأثرة الغزالي ليست إلا حذلقة تلفيقية يقوم جوهرها في سرقة مضمون كتاب وتسمية آخر والربط بينهما، أو كما قال الصفدي في نقله، ليست مأثرته سوى في تحويله سندان الحديد إلى سندان خشب.

وقد كانت كل هذه التقييمات حصيلة التداخل والتنافر النقدي التحليلي، والاتهام العقائدي، والتعبير المجازي للثقافة العامة ككل، والتي نعثر في الدراسات المعاصرة على بعض صداها.

وإذا كان من الضروري بالنسبة للتحليل التاريخي أن يبتدئ من نقطة زمنية ليرتقي منها إلى تتبع استمرارها في الوعي الاجتماعي اللاحق فإنه من الممكن الابتداء بتلك التقييمات التي أطلقها تلميذه، القاضي أبو بكر بن العربي (ت543هـ) ، الذي حتى في انتقاده للغزالي لم يتجرأ أكثر من أن يردد كلمات "نحن وإن كنا نقطة من بحره فإننا لا نرد عليه إلا بقوله قلت كذا"[12]. إلا أن هذه العبارة لا تعدو كونها صياغة خجولة للفكرة التي سيطرحها ابن العربي نفسه في قوله "إن شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع"، أو تنقل عنه أحياناً بصياغة أخرى:"دخل في بطون الفلاسفة فما استطاع الخروج"، أي حصيلة الإشارات الأولية، التي حاولت أن تكشف في الغزالي إلى جانب الفقيه الشافعي، شخصية الفيلسوف الأكبر (في الصيغة الأولى)) أو المتفلسف (في الصيغة الثانية. وفي كلتا الحالتين فإن الفلسفة أخذت تبرز في الوعي التقييمي له، بوصفها جزء مكوناً أساسياً في منظومته الفكرية، والتي ستطورها حذاقة المعاداة للفلسفة والتهكم منها كما نراه في التعبير الجميل، القائل بأن الغزالي أمرضه الشفاء. إلا أن هذا التقييم الحذر الذي رافقه منذ البداية هجوم عنيف من جانب الفقهاء، إضافة إلى التقييمات العديدة الأخرى التي سنتناولها بالتحليل والنقد، أدى إلا أن يمزج في كل واحد سبيكة التعميم الأحادي الجانب، بإكسابها وإلباسها على الغزالي نفسه، فالطرطوشي محمد بن الوليد يشير في رسالته إلى ابن المظفر، كما ينقل الذهبي، إلى أنه رأى الغزالي وكلّمه شخصياً حيث شاهد فيه رجلاً جليلاً من أهل العلم يجمع العقل والفهم وممارسة علوم زمانه، إلا أنه هجر العلوم وأهلها ودخل التصوف ثم شاب آراءه بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وكاد ينسلخ عن الدين، فلمّا عمل (الإحياء) عمد إلى التكلّم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية وكان غير أنيس بها وغير خبير بمعرفتها، فسقط على أمّ رأسه، وشحن كتبه بالموضوعات من الحديث[13]، أي أننا نقف أمام إضافة جديدة جدية تحاول أن تربط الوعي الفلسفي عند الغزالي بآراء المتصوفة "المتطرفة"، إلا أن هذا التقييم يعاني من عدم تجانس ونزعة عندية(ذاتية). لكنه يشير في الوقت نفسه إلى بعض الجوانب "الباطنية" في آراء الغزالي، بمعنى أن الصياغات الخارجية لآرائه مجرد غلاف. وسوف نلاحظ لاحقا عدم دقة هذه التقييمات عموما في موقفها منه. إلا أن الاستنتاج الأكثر خطورة هو القائل بجهل الغزالي حقيقة التصوف، هذا الحكم الذي سيأخذ به أيضاً بعض المتصوفة المتأخرين، وإن ضّمنوه مضامين أخرى.

أما محمد بن علي المازري (ت- 536هـ) الذي أفرد كتاباً خاصاً كما يقول الذهبي، بعنوان (الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء) حاول البرهنة فيه على أن آراء الغزالي في (الإحياء) تتردد بين مذاهب الموحدين والمتصوفة وأصحاب الاشارات والفلاسفة، وانه استبحر الفلسفة قبل علم الكلام وكان كثير العكوف على رسائل اخوان الصفا، ومصدره في الفلسفة ابن سينا (ت- 428هـ)، وفي التصوف كتب أبي حيان التوحيدي(ت-414 هـ). أننا نقف أمام محاولة  فرز بعض المصادر الجوهرية في رؤية تطوره الفكري وحقيقة آرائه. ومما لاشك فيه أن الغزالي قد تأثّر بمصادر الفلسفة بشخصية ابن سينا، وإخوان الصفا وكتابات التوحيدي. غير أن ما يقدّمه المازري من تردد الغزالي بين المذاهب (الموحدين والمتصوفة والفلاسفة) له أهميته الخاصة، وذلك لأن هذه الأحكام ستوضع لاحقاً في تقييمات الكثير من الاتجاهات الفكرية في موقفها منه.

بصيغة أخرى، رغم اعتراف أغلبية مفكري تلك المرحلة بقوة الغزالي، فإن الكثير من تقيماتهم، ظلت تتسم بالمواقف السلبية منه، مما ساهم بدوره في صنع الأرضية الايديولوجية والنفسية لإحراق كتبه في المغرب بأمر السلطان علي بن يوسف بن تاشفين (ت- 537 للهجرة).

لقد اثر الغزالي في فكر المغرب والأندلس تأثيرا كبيرا. ومن الممكن الاشارة هنا الى بعض من تلامذته مثل القاضي ابو بكر ابن العربي، ومحمد بن تومرت (ت- 525 للهجرة). غير ان هذه الشخصيات لا يمكنها مع ذلك تفسير كل حيثيات أو آلية تأثير الغزالي في الحياة الفكرية والسياسية للمغرب والأندلس. وليس من الصحي الفكرة الشائعة احيانا عن ان تأثره مرتبط اساسا بنشاط تلامذته هناك، اضافة الى اهتمامه الشخصي بالمغرب. ولعل فتواه ليوسف بن تاشفين دليلا على ذلك. اضافة الى كونه وجد في "الفكر الاندلسي صورة حية للفكر الاسلامي الذي يسعى هو لنشره. من هنا يمكن فهم سبب ثناءه على مؤلفات ابن حزم" كما يؤكد الباحث بالينثيا في كتابه بهذا الصدد (ترجمة حسين مؤنس، القاهرة، 1955). انه استنتاج مفتعل، اذ اننا لا نعثر في كل ما كتبه الغزالي سوى اشارة واحدة فقط عن ابن حزم وبصيغة عابرة نسبيا تشير بدورها الى ضعف معرفته بمؤلفاته. لقد اثر الغزالي في فكر المغاربة والأندلسيين بنفس الطريفة التي اثر بها المغاربة وأهل الاندلس بالمشرق. والسبب الفعلي القائم وراء ذلك هو قوة تأثير الفكرة والإبداع الفكري لأعلام الاسلام. فقد كان الموقف من (الإحياء) شبه واحد او متشابه في المشرق والمغرب. وبالتالي، فحتى حرق كتاب الإحياء في المغرب هو دليل على أثره وتأثيره. كما تجدر الاشارة ها الى ان فقه الفقهاء وسلوكهم ومواقفهم لا يشكل بحد ذاته اساسا او معيارا للحكم على طبيعة ونوعي تأثير الغزالي الفكري في المغرب والأندلس. وفي سلوكهم من كتب الغزالي وحرقها نعثر على اتجاه ومستوى ونوعية التأثير الفعلي لكتابات الأعلام الكبار. فقد كان السبب الجوهري وراء مهاجمة الفقهاء في المغرب لكتاب الإحياء ليس بسبب ما في آرائه الكلامية او الفلسفية او الصوفية، بل بسبب ما فيه من نقد لاذع للفقه والفقهاء. حيث اضطر علي بن يوسف بن تاشفين للرضوخ الى مطالبة الفقهاء آنذاك بحرق (كتاب احياء علوم الدين)، دون ان يعني ذلك قبوله بأحكامهم او مناهضته الشخصية للغزالي وفكره. لقد كان اضطراره بأثر الضغط الفعلي للفقهاء بوصفه الدعامة اللاهوتية للسلطة من جهة، وبأثر اهمية الوحدة والاستقرار في الدولة من جهة اخرى. فالمعلومات تشير ايضا الى وجود قوى متعارضة آنذاك بين الفقهاء وعلماء الدين حول هذه القضية. فقد كان ابو القاسم بن حمدين من اشد المناهضين له، وبالمقابل كان ابن النحوي من المؤيدين للغزالي. غير ان التأثير الحقيقي والفعال للغزالي في المغرب والأندلس يظهر من خلال الفلسفة والفلاسفة (ابن باجة، وابن طفيل وابن رشد) والتصوف (ابن عربي ومدرسته). وظل هذا التأثير قاما وفعالا عبر تناقضاته الخاصة. فابن عربي يورد في كتابه (روح القدس في محاسبة النفس) حادثة طريفة عن احد المتصوفة (ابو عبد الله بن زين اليابري) الذي هو حسب وصف ابن عربي "من افضل الناس، كثير الجد والاجتهاد والتقشف وكان يقرأ النحو بجامع العريس باشبيلية لا يؤبه له غامضا في الناس اعتكف على كتب ابي حامد (الغزالي). قرأ ليلة  تأليف ابي القاسم بن احمد في الرد على ابي حامد فعمي. فسجد لله في حينه وتضّرع، وأقسم انه لا يقرأه ابدا فرّد الله عليه بصره"[14]. تعكس هذه النادرة استمرار الصراع وشدته من معارض ومؤيد للغزالي. وفي الوقت نفسه يمكن العثور في هذه النادرة على صورة الغزالي الاسطورية في الوعي العادي. وهذا بدوره لم يكن معزو عن تأثيره الفكري الكبير على شخصيات دول المرابطين والموحدين في المغرب آنذاك. ولعل الطريفة التي يوردها كل من احمد الناصري في كنابه (الاستقصا لأخبار المغرب الاقصى)، واحمد الونشريسي في (المعيار المعرّب من فتاوي افريقيا والأندلس والمغرب) عن لقاء احد الشيوخ الفاسيين بالغزالي في بغداد بعد حرق (الإحياء)[15]، أي في اعوام 502-503 للهجرة، وتأثر الغزالي ودعوته على دولة المرابطين بالزوال ليس إلا احدى الصور الخيالية الشعبية. اذ لم يكن الغزالي آنذاك في بغداد بل في طوس. اضافة الى ان حالته الفكرية والروحية والأخلاقية والعلمية لا مجال فيها لنفسية الانتقام، بل تتعارض تعارضا تاما مع منظومة الاخلاق الجديدة التي بلورها في (الإحياء) وكتبه اللاحقة.

ومع ذلك، فإن لهذه الظاهرة شذوذها الخاص. فالغزالي يكشف هنا أيضاً عن فرادة أصيلة! لقد جرى الاعتراف النسبي "بنبوته" في وطنه وأحرق في الاماكن البعيدة على عكس ما سيحدث لابن رشد وابن عربي أو للكثير من مفكري تلك المرحلة الكبار: يولدون بالمشرق ليموتوا بالمغرب، أو يهربوا من المركز إلى الأطراف، أو بالعكس، أي تلك الديناميكية التي وحّدها الغزالي في ذهنه وشخصيته مما أكسبها أصالة نادرة وأعطى لمصيرها قوة لن تخمد، رغم خموله الأخير في طوس.

إن الادراك الحقيقي لشخصية وتطورها لم تكن عملية بسيطة بالنسبة لمعاصريه، أي لأولئك الذين امتلكوا قدرة التحليل العلمي الدقيق ورؤية موقعه الفعلي في الثقافة الفكرية آنذاك. فالغزالي بدا في أعين الجميع كما لو انه حركة متموجة، رغم استقامتها الداخلية. وإن الاشارات الأولية ظلت تحمل في ذاتها أجنّة الأحكام القيميية، وفي الوقت نفسه أفصحت عن صعوبة إدراك الظاهرة الغزالية. فالتقييمات الأولية لم تر سوى اعوجاج الغزالي، ولم يكن بإمكانها رؤية وكشف "الاستقامة" وراء حركته المتموجة. وبما أن الوعي التقييمي السائد آنذاك كان يبني تصوراته وأحكامه على أمثلة ملموسة ومستقيمة وواضحة للعيان، يبدأ بها المفكر وينتهي عليها، فقد اضطرته في حالات عديدة إما أن يطوّع الغزالي لثقافته التقيمية، أو أن يرميه خارجها، أو يبحث عن رديف ممكن لها في الثقافة السالفة المصورة لسير الرجال والمفكرين.

فالغزالي يخضع، شأن غيره، لإمكانية المقارنة مع بعض ممثلي الفكر الاسلامي الكبار كالأشعري (ت- 324هـ)، غير أن الأخير سار في مجرى علم الكلام متحولاً من إحدى مدارسه إلى أخرى، مما أوحى في ذهن معاصريه إلى مطابقته مع ظاهرة "التقدم" و"البديل" السنيّ، التي صاغ الفكر السابق بعضاً من مقوماتها الأساسية. اما في الواقع فلا يعني انتقال الغزالي في الحالة المعنية الى مدرسة اخرى ضمن اطار الأشعرية نفسها، سوى احد اشكال تمظهر الاشعرية نفسها في تيار مستقل او متميز آخر.  اضافة لذلك، ان هذه العملية ليست من انتاج الاشعري فقط، بل وأتباعه ومعارضيه في الوقت نفسه. فقد كان الاشعري من حيث الاصل "معتزلي مرتد" او "منحرف". وبالتالي، فهو يتشابه بهذا الصدد مع الشخصيات الكبرى للاعتزال، بمعنى تمايزها فيما بينها بصدد مختلف القضايا. لكن ما يميز الاشعري بهذا الصدد هو خروجه التام عن تقاليد الاعتزال من خلال نفي او معارضة اغلب المفاهيم والأساليب الجوهرية للاعتزال. وقد تحسس هذا الخلاف والابتعاد عن الاعتزال بمعايير الرجوع الى "اهل السنة والجماعة". من هنا رسوخ النظرة الي باعتباره احد اهم اكبر ممثلي اهل السنة والجماعة، على الاقل في مجال الكلام وعقائد الاسلام الكبرى (اصول الدين). ولا يستقيم هذا التقييم مع حقائق الأمور وذلك بسبب تشعب وتنوع واختلاف الفكر والتفكير حول هذه القضية بما في ذلك ضمن تيار "اهل السنّة والجماعة".

أما حياة الغزالي و"تحولاته" الفكرية فقد كانت أقرب إلى ظاهرة صعبة التقولب في كيان ما قائم من المدارس والفرق. وهذا مايفسّر لنا غياب دمجه أو تحليله في كتاب الملل والنحل للشهرستاني (ت-548 هـ)، وفي كتابات الملل والنحل الاسلامية اللاحقة. والاستثناء الوحيد قد يكون كتاب المعتزلي الزيدي ابن الرتضى (ت-840 للهجرة). ففي تحليله ودراسته لفرقة الصفاتية في تيارها الأشعري، يتناول الشهرستاني كل من الاشعري والباقلاني (ت-403هـ) والجويني أستاذ الغزالي، في حين يتجاهل الغزالي كليا. إذ لا يشير إليه بتاتا في كل كتابه الضخم، وهو المتوفى بعد موت الغزالي بثلاث وأربعين سنة. فالشهرستاني لم يترك أية شخصية كبرى دون أن يتطرق لها أو يستعرض آراءها. ولايمكن تفسير غياب الغزالي في تحليلاته لاعتبارات عقائدية أو مذهبية. فعمل الشهرستاني هو دراسة موضوعية للمدارس الفكرية القائمة آنذاك، او اننا نستطيع تفسير أو تأويل ذلك بما يتوافق مع اقرار الشهرستاني المستتر بأشعرية الغزالي أو اتجاهه الصفاتي. بمعنى إدراك خصوصية فكره، التي جعلت من الصعب إدراجه في التقسيمات القائمة آنذاك، أي من الصعب إدراج فكره ضمن إطار الجهاز المفهومي التقويمي القائم آنذاك، أو يكون قد ادرجه في الصوفية، لاسيما وأن الشهرستاني من بين مؤلفي علم الملل والنحل الإسلامي الذين لم يدرجوا الصوفية أو يشيروا إليها في كتاباتهم. ومن الصعب الاجابة عما أضمره الشهرستاني، إلا أن غياب الغزالي في منظومته الفكرية والتصنيفية عن الملل والنحل، يشير إما إلى إدراك خصوصيته الفكرية، واما إلى نظرته إليه كصوفي، ولهذا لم يدرجه بفعل عدم حديثه عن المتصوفة. ففي هذا الجانب يختلف الشهرستاني عن غيره من مؤلفي كتب الملل والنحل الاسلامية بهذا الصدد. فالأشعري يشير مرة واحدة وعابرة الى الصوفية ولكن بدون حكم خاص ايا كان شكله ونوعه، باستثناء ما هو شائع من استعمال كلمة "الغلاة". اذ يشير الى ان بعض منهم ممن يقول بالحلول ينتمون الى اصحاب الغلاة[16]. غير انه لا يشير الى اسم معين. وقد يكون قد قصد بذلك الحلاج، لاسيما وانه كان من معاصريه ومتبعي اخباره ومقتله عام 309 للهجرة. اما البغدادي (ت-429 للهجرة) فمشهور في موقفه المعارض والنقدي الحاد من الحلاج[17]. غير انه يفرد عبارات تتعلق بمصوفة "اهل السنّة". ويقصد بهم "اولئك الذين ابصروا فاقصروا، واختبروا فاعتبروا... وعلموا ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك مسؤول عن الخير والشر...، وجرى كلامهم في طريق العبارة والإشارة على سمت هل الحديث"[18]. وعلى الرغم من عدم تعيين هذا الاتجاه بشخصية ما اوسم محدد، بسبب صعوبة بل استحالة وجود هذا النوع بين المتصوفة، لكنه يدرجهم مع ذلك في آخر درجات ا"هل السنّة والجماعة". اذ يضعهم ما قبل الدرجة الاخيرة، اي بعد كل من المتكلمين والفقهاء واهل الحديث واهل الادب والنحو وأهل القراءات والتفسير. وما بعدهم فقط الجيش والعوام! اما ابن حزم الاندلسي(ت- 456 للهجرة) فقد كان اشد غلوا من البغدادي في موقفه من المتصوفة. اذ نراه يضعهم جميعا في سلة الغلاة الى جانب غيرهم ممن "ليس من اهل الاسلام"[19]. بل نراه يشنّع بالحلاج[20]، ويأبي سسعيد بن ابي الخير[21]. وفي موقف اخر يتكلم عما اسماه "بسنع الشيعة والخوارج والمرجئة والمتصوفة والمعتزلة وشنع لقوم لا تعرف فرقهم"[22]. وبالتالي، فان اغفال الشهرستاني ذكر المتصوفة يمن النظر اليه على انه موقف متعمد له دلالته التصنيفية والمعرفية والقيميية. بمعنى محاولة الخروج من مضيق التقاليد السائد انذاك في معاداة التصوف واتهامه بمختلف صنوف الاتهام.   

وقد كانت الحصيلة الأكثر عمقاً وتجانساً في الوقت نفسه، للنماذج العامة المذكورة أعلاه في مواقفها من تحديد ابداعه الفكري هي الاشارة إلى ظاهرة التناقض فيه. وقد كانت هذه الاشارة وتعمّقها اللاحق قد جرت ضمن تقاليد النقد الفلسفي، التي يمكن الاشارة من بينها إلى ابن طفيل (ت-580 هـ) باعتباره أحد ممثليها الأوائل. ونعثر على هذا النقد الفلسفي عنده في موقفه من كتب الغزالي. وكتب بهذا الصدد يقول:"أما كتب الشيخ أبي حامد الغزالي، فهو بحسب مخاطبته للجمهور يربط في موضع، ويحلّ في آخر، يكّفر بأشياء ثم يتحللها"[23]. وقد نظر إلى كتبه (تهافت الفلاسفة) و(ميزان العمل) كنموذج ممكن لهذه المقارنة النقدية. إلا أن ابن طفيل شدد في الوقت نفسه على عظمة الغزالي في كلماته القائلة: "لاشك عندنا في أن الشيخ أبا حامد، ممن سعد السعادة القصوى ووصل تلك المواصل الشريفة القدسية". أما التناقض الذي يشير له ابن طفيل، فهو ليس تناقض الحقيقة في فكر الغزالي، بقدر ما هو تمظهره  الكلامي ــ العقائدي (الايديولوجي). لهذا ربط هذا التناقض بمفهومي الحل والربط، والمخاطبة للجمهور. بصيغة أخرى، إننا نكتشف هنا بعض عناصر الرؤية النقدية للتناقض المترتب على تأثير فكرة وسلوك الخاصة (النخبة) والعامة (الجمهور) في الفكر. وهذا ما وضعه ابن طفيل بالفعل في استعراضه المختصر لتناقض الغزالي، دون أن يعني ذلك تخلّصه هو منه، أي أننا نقف أمام نفس التقييم، في خطوطه العامة، عند ابن رشد (ت-595هـ)، كما نعثر عليه في (تهافت التهافت) و(فصل المقال).

لا يمكن فهم حقيقة تقييم ابن رشد لشخصية الغزالي وإبداعه الفكري بمعزل عن (تهافت التهافت) والأزمة الاجتماعية السياسية والفكرية التي تعرّض لها بعد مهاجمته من جانب الفقهاء والمتكلمين،  والتي عرضته للمطاردة، أما كتبه فللحرق، كما كان الحال بالنسبة "لغريمه". فابن رشد من بين المفكرين الكبار الذين فهموا الغزالي في وحدة الصراع معه. لهذا نراه يسير معه شوطاً ويحاربه في آخر، متتبعاً حقيقة وأثر الغزالي، ومشاركاً جزئياً مصيره الخاص. وبهذا المعنى، فإن كل منهما يكمّل الآخر، وإن باتجاهات متباينة. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يبدأ في (فصل المقال) باستعراض ظاهرة البدعة والموقف منها.

لقد حارب الغزالي في اعماله النظرية الاولى البدعة من الناحية الشكلية، ولكنه أيّدها من حيث الجوهر. لقد استند إلى فكرة الاجتهاد الدائم، وكان ممثلاً صريحاً وعميقاً لها، منطلقاً من أن ما ليس موجوداً لا يحرّم ما سيظهر، أي ذات الفكرة التي سيضعها ابن رشد في مقدمة وجوهر اطروحاته. إذ أن استعراض تطور العلوم الاسلامية بحد ذاته يكشف عن ظهور ما لم يكن في الصدر الأول من تاريخ الاسلام. وإذا كان ذلك واقعاً، فمن العبث أن يعتبر إدخال المقياس العقلي في التحليل والدراسة بدعة على أساس عدم وجوده في السابق. وبهذا المعنى لا يوجد أي خلاف جوهري بين حقيقة آراء الغزالي وبين ابن رشد في هذا المجال.

إن الخلاف يظهر في أسلوب التأسيس للفكرة، والذي ارتبطت به وحددته نسبياً، الأهداف المتباينة لكليهما، والتي أدى إليها موضوعياً استيعاب أهمية ووظيفة هذا التأسيس وتأثيره الممكن في الوعي والوجود الاجتماعي. فعندما ينتقد ابن رشد، على سبيل المثال من يحارب الفلسفة أو بصورة أدق من ينهي عن النظر فيها (وقد مارس والغزالي ذلك ظاهرياً من خلال وضع وصنع أسلوب الامتعاض النفسي تجاه حلولها لقضايا "الميتافيزيقيا الالهية"، فانه استند إلى الفكرة القائلة بأن هذه المحاربة لا معنى لها في حالة اجتماع ذكاء الفطرة والعدالة الشرعية والفضيلة الخلقية في المرء[24]. فالشيء الذي يؤدي إلى إبعاد الخلق عن معرفة الله حق معرفته هو الجهل وليس الشمائل التي جرت الاشارة اليها. من هنا يبدو واضحاً، بأن ابن رشد لم يهاجم الغزالي بحد ذاته أو بصورة مباشرة، بل انتقد التأثير السلبي للغزالي بهذا الصدد، والذي وجد انعكاسه في التأييد المنافق للآراء والمواقف الفقهية المتعصبة ومحدوديتها المعرفية وتحجّره المذهبي.

فقد كان كل من الغزالي وابن رشد يشعران بالقرف من المواقف الفقهية التي تدعي امتلاكها المعيار الوحيد والحاكم للحقيقة. وانعكس موقفهما المشترك في إدراكهما العميق للطابع العابر والجزئي لحقائق الفقه من جهة، وحرية الفكر وعالم الروح غير المتناهي من جهة أخرى. لقد سار ابن رشد هنا أيضاً في خطى الغزالي، إلا أنه يتجاوزه في صريح العبارة ويتباين عنه في نموذج الوعي وتجربة المعرفة. فابن رشد ينظر إلى الضرر المتأتي من دراسة الحكمة لا بسببها كما هي بل كشيء عارض، تماماً كما يؤدي الماء أحياناً وظيفة الموت بالنسبة للعطشان. إلا أن هذا الموت بفعل الماء عارض في حين أن الماء هو المنقذ من حيث جوهره. وعندما يطبّق هذه الفكرة على الفقه والفقهاء فإنه يسير في الواقع في نفس اتجاه الاراء النقدية للغزالي تجاه الفقهاء. إذ كم فقيه، كما يقول ابن رشد، كان الفقه سبباً لقلة ورعه وخوضه في الدنيا، بل ان أكثر الفقهاء يمكن إدراجهم تحت هذا الحكم، رغم أن الفقه يقتضي بجوهره "الفضيلة العملية"[25]. وهذه الصياغة تبدو أقلّ تهاوناً بما لا يقاس مقارنة بما طرحه الغزالي في موقفه من الفقهاء. ولم يكن وصولهما إلى نفس النتيجة مجرد صدفة ظاهرية، أو مجرد انعكاس بسيط لتجربتهما الشخصية، رغم أنهما سببان لا يمكن إغفالهما إذا أخذنا بنظر الاعتبار كونهما كانا فقيهين رفيعي المستوى. إن هذا الحكم حول الفقه والفقهاء، الذي يشير إلى التباين الفعلي شبه المطلق بين "الفضيلة العملية" للفقه وحالة الفقهاء الفعلية، ما هو في الواقع سوى الصيغة الظاهرية للمبدأ الأكثر عمقاً عند كل منهما، بمعنى الاقرار بحرية الفكر وفضيلة المعرفة. وذلك لأن ما يقدمه ابن رشد بهذا الصدد هو مثال من أجل الدفاع عن جوهر الحكمة (الفلسفة)، بوصفها مساع "لمعرفة الله حق معرفته"، أي المعرفة الحقيقية. فقد أدرك ابن رشد حقيقة الغزالي.ولهذا السبب أيضاً جعله علماً من أعلام حرية الفكر. فالغزالي كما يقول ابن رشد "لم يكفّر الفارابي وابن سينا في قضايا قدم العالم ومعرفة الجزئيات وحشر الأجساد. إذ أن الظاهر من قوله في ذلك أنه ليس تكفيرهما إياهما في ذلك قطعاً، إذ قد صرّح في كتاب (التفرقة) ان التكفير بخرق الاجتماع فيه احتمال"[26].

لم يكن هذا الموقف والاستنتاج الذي بلوره ابن رشد محاولة لتدجين الفكر الغزالي من أجل تحييد إرهاب الفقهاء، بقدر ما انه يعبّر عن إدراك عميق لضرورة ردم أساس التحزب المفتعل من جانب الفقهاء لجزيئيات الفكر الغزالي. فقد أزال ابن رشد فكرة التجزئة الذاتية تجاه ابداع الغزالي، وأبرز عوضاً عنها فكرة التحول. ولم يسع هو من وراء ذلك إلى اكتساب شرعية لتفكيره الحر ولا بفعل المعاناة المشتركة التي يمكن أن تؤدي اليها افعال الفقهاء المشترك في إحراق كتبهما، بل استناداً إلى ما هو جوهري في الفكر الغزالي، الذي بنى كامل وجوده على أساس حرية خرق الاجماع مازال هذا الأخير  يحتمل الظن لا اليقين.

لقد وصل كل مهما إلى نفس النتيجة، لكن بطرق متباينة. ولم يكن هذا التباين في الطرق بالنسبة لابن رشد قضية فكرية خالصة ومجردة، بل وكانت تتضمن على ابعاد اجتماعية وسياسية. اذ ادرك ابن رشد طبيعة هذه الابعاد في الخلافات الفكرية والعقائدية، على الاقل في ما يتعلق منها بالمسائل الثلاث التي ادرجها الغزالي في (تهافت الفلاسفة) تحت حكم التكفير. غير ان وقف الغزالي هذا كانت من مواقفه التي لازمت المرحلة الثانية (الكلامية الفلسفية) في تطوره الفكري. وعندما يشدد ابن رشد عل كتاب الغزالي "التفرقة" (التفرقة بين الاسلام والزندقة)، فانه كان يسعى الى ابراز حقيقة الغزالي المتأخر من اجل سحب البساط من تحت ارجل الفقهاء المتحجرين الذين تمسكوا بالغزالي "المجاهد" و"حامي السنّة" لا الغزالي المتسامح و"الهرطقي" "الزنديق"! من هنا يمكن فهم مهاجمة ابن رشد لكتاب (تهافت الفلاسفة) وليس كتاب (الإحياء)، ولماذا وجد في كتاب (فيصل التفرقة) ما يمكن دعوته بحليف المساومة. لقد التقيا في وسط الطريق واختلفا في مساره اللاحق باحثا كل منهما عن الحقيقة بطريقته الخاصة. عموما يمكننا القول، بان ابن رشد قد أدخل الاعتبار الفكري والسياسي في تقييم الغزالي. ولم يعن ذلك توفيقية أو انتقائية الغزالي، كما سيفهم الكثير من دارسيه اللاحقين كلمات ابن رشد عنه "مع الأشعرية أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف"[27]، والتي يستكملها بالبيت الشعري، الذي يوحي هو الآخر عن الطابع الانتقائي والانتهازي للغزالي:

يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمـن      وإن لقيت معدياً فعدنان

اما في الواقع فقد عكس ابن رشد في سلبية المظهر ايجابية المضمون، أي الأسلوب ذاته الذي اتبعه الغزالي والكثير من مفكري تلك المرحلة تحت ثقل سلطة الفقه والفقهاء. لقد أدرك ابن رشد وظيفة وحقيقة البرنامج الإصلاحي للغزالي، رغم تباينهما وتعارضهما بصدد الكثير من القضايا. فقد أشار ابن رشد إلى أن التأويلات العديدة المتباينة التي يقدّمها الغزالي، التي تجعله أشعري مع الاشعرية وصوفي مع الصوفية ما هي إلا محاولة "تكثير أهل العلم بذلك"[28]، التي أدت بنظر ابن رشد إلى نتائج معاكسة. وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة استنتاجه، إلا أن ما هو جوهري هنا هو أن التقييم الرشدي بني على أساس إدراك نتائج التجربة الغزالية في مظهرها المتسم "بالمساومة" لا حقيقة الغزالي نفسه. فالغزالي كما نفهم من آراء ابن رشد، لم يسلك هذا السلوك الظاهري إلا لأجل إيجاد أكبر عدد ممكن من المؤيدين، ومن ثم لأجل محاربة الحشوية والمجسّمة والسنيّة المتشددة وإجبارهم على القبول بإمكانية التأويل، مما فسح المجال أمام خرق الاجماع وبالتالي الاقرار بحرية الرأي. بصيغة أخرى لقد أراد ابن رشد الكشف عما لم يفلح به الغزالي في طرحه وحله لعلاقة الغاية بالوسيلة، والأسلوب بالمضمون. وبهذا المعنى فإن الاراء النقدية في (فصل المقال) ضده هي محاولة صنع بديل آخر لحل هذه العلاقة، استمدت اغلب مقوماتها وعناصرها من إعادة النظر بالفلسفة العالمية، ودراسة نجاحات وإخفاقات الفلسفة الإسلامية في استعراضها النقدي عند الغزالي وتجربته الفكرية ككل. لقد حاول ابن رشد مستندا ً في رؤيته التحليلية والنقدية لما وضعه الغزالي، أن يجد مستوى جديد لاستيعاب الصلة بين الحكمة والشريعة (الفلسفة والدين). وهذا ما يبرز بوضوح في التفسير اللاحق، الذي يقدمه لمفهوم ومضمون (إحياء علوم الدين). فهو لم يكتب هذا الكتاب، كما يقول ابن رشد، إلا بفعل الانحراف المتزايد تجاه "العلم النفساني"، أي علم الزهد وعلوم الآخرة، وبالتالي الابتعاد عن "العلم العملي" أو "العلم البدني"، أي الفقه. مما أدى به إلى وضع (إحياء علوم الدين) من أجل ربط الاثنين في كل واحد[29]، أو ما يمكن دعوته الآن بوضع الأساس الفكري لوحدة الأخلاق والسياسة أو المشروع الاصلاحي الشامل.

ويتميز موقف ابن رشد بهذا الصدد وحكمه الضمني على مستويات عديدة. إذ نرى فيه ادراكه الخاص للطابع الاصلاحي في فكر الغزالي ومنظومته الفكرية العامة من خلال ايجاد الصلة او التوليف الممكن بين التصوف والشريعة، كما عمل هو على ايجاد الصلة الممكنة بين الحكمة والشريعة. لكن مع ذلك، ينبغي الحذر من الانسياق وراء ما يضعه ابن رشد في تقييمه لإبداع الغزالي في (الإحياء). وذلك لأن (الإحياء) اكبر وأوسع من مجرد ايجاد الصلة او الربط بين التصوف والشريعة. كما انه من حيث الجوهر، ليس محاولة للربط بين اتجاهين فكريين (نفسي وبدني= التصوف والفقه). بمعنى انه ليس رد فعل تجاه انحراف ما ايا كان نوعه ومستواه، رغم اهمية هذه الاشياء بالنسبة لبواعث الابداع الفكري، لكنه لا يفسر حقيقة ومضمون (إحياء علوم الدين) بوصفه ظاهرة فكرية تاريخية توليفية كبرى. فكتاب (الإحياء) من حيث حوافزه الداخلية هو نتاج تطور الغزالي الفكري التلقائي. وعلى اساس هذه التلقائية فقط يمكن فهم حقيقة ومضمون جوانبه الاخرى. 

غير ان المفارقة التي نواجهها بهذا الصدد تقوم في أن التصورات والأحكام الدقيقة التي يقدمها ابن رشد قد جرى تجزئتها لاحقاً بأخذ الصيغة المجردة العامة المتعلقة بتحديد وتقييم شخصية وإبداع الغزالي، التي توحي بانتقائيته وتلفيقيته، تماماً كما فعل خصوم الفلسفة في اعلاء (التهافت) وإغفال (الإحياء)، أي أننا نكتشف نفس العملية العادية في الصراعات الفكرية، التي تجزئ حقيقة الوحدة بأخذ ما هو مناسب لها لأنها الوسيلة الوحيدة "للفوز" في هذا النوع من الصراع العقائدي، والتي حالما يجري استغلالها وتغلغلها في نسيج الجدل والبحث، فإنها تتحول إلى أسلوب ومصدر الأحكام اللاحقة.

ومع ذلك تجدر الاشارة إلى أن التقييمات لتي تتسم بطابع الاتهام لشخصية وإبداع الغزالي من جانب الفكر والمفكرين لم تكن معزولة عما مارسه هو ذاته قبل مرحلته الصوفية. فالجدل الفكري والخلافات المذهبية بما في ذلك تلك التي خاضها في بداية نشاطه الفكري لم تكن معزولة عن مصالح السلطة وصراعها السياسي والأيديولوجي. ومن الصعب بقاء الحقيقة متسامية بذاتها في أجواء من هذا القبيل دون أن تتمرّغ تحت أقدام السلطان و"تهذّب" تحت شفرة التقليد المذهبي. فالتوجه العام في هذا النوع من الصراع الفكري عادة ما تلازمه مساعي الاتهام والفضيحة، مما يغيّب في حالات عديدة مهمة البحث عن الحقيقة وإبعادها الى ما وراء تخوم معارضتها العندية والمذهبية. وفي الوقت نفسه يجعل من آراء المناهضين خطأ محضاً وضلالاً. فما عمله الغزالي في بداية نشاطه الفكري تجاه معارضيه كان لابد من دفع ثمنه لاحقاً وإن بعد الموت!

فالتقييم الذي صاغه ابن رشد، خيّم على ذهنية الكثيرين من دارسي الغزالي، ومنكسراً في حالات عديدة على موشور التراث الجدلي والمذهبي للمدارس والاتجاهات المختلفة. فالداعي الاسماعيلي المطلق علي بن الوليد(ت- 612هـ) في ردّه الشديد والعميق في كثير من جوانبه كما وضعه في كتابه (دامغ الباطل وحتف المناضل) على كتاب الغزالي (المستظهري أو فضايح الباطنية)، نراه يفرد باباً خاصاً يتضمن شرح "مروق الغزالي من الدين وتلونه في المذاهب"[30]. وفيما لو وضعنا جانباً الانتقادات المذهبية الايديولوجية المنصبّة في إطار الكشف عن مروقه من الدين و"إلحاده"، فإن الغزالي يظهر في تقييمه كشخصية قلقة مفتقدة للثبات المبدئي. فقد نشأ، كما يقول علي بن الوليد، على ملة الإسلام ثم مرق عنها إلى التفلسف قائلاً بنفي الوسائط (من نبي وإمام… الخ) ومعتمداً على العقل، حيث اضطره إلى الهيام "في أودية الانتحالات والانثناء عما يلتزم به من المقالات. ما شاد مقالة من المقالات إلا انثنى فهدمها، ولا أحكم عقيدة من العقائد إلا تعقبها بالنقض بعدما أبرمها. فهو تارة كما قلنا فلسفي وبرهة معتزلي ومدة أشعري وحيناً شبه حشوي[31].

وهنا تجدر الاشارة الى ان الداعي الاسماعيلي المطلق يبني احكامه فيما يسميه بمروق الغزالي والالحاد والطابع الفلسفي لكتاباته تستند الى كتاب (النكت والعيون) المنسوب للغزالي. مع ان هذا الكتاب من الكتب النحولة، اي ليس من ضمن قائمة كتب الغزالي الصحيحة. وبالتالي، تعكس هذه الظاهرة طبيعة الجدل الفكري وما يلازمه احيانا من الوقوع في اخطاء جسيمة من هذا القبيل. ومفارقة هذه الظاهرة تقوم في ان كتاب (النكت والعيون) الذي يورد الداعي الاسماعيلي بعض فقراته تقترب في بعض جوانبها من الفلسفة الاسماعيلية. اما اتهام الغزالي بالتفلسف باعتباره "خطيئة" فهو امر غريب لحد ما بالنسبة للتقاليد الاسماعيلية التي اكثر من ابدع في هذا المجال. ذلك يعني ان هموم علي بن الوليد هنا خاضعة لاظهار عيوب الغزالي. وهنا تختلف الغاية واسلوبها في نقد الغزالي مقارنة بابن رشد، رغم انهما كلاهما يستندا في الاغلب الى المادة الحية التي لازمت ابداع الغزالي وفكره. وهذه بدورها كانت جزء من تقاليد المرحلة من جهة، وعنصرا ملازما للجدل الفكري المميز للفكر الديني المذهبي من جهة أخرى. إاذ يمكننا رؤية ذلك على مواقف الكثير من الفرق الإسلامية والتيارات المذهبية والعقائدية. واغلب مواقفهاى واحكامها لا يتصف بالطابع العلمي المجرد،ة كما ان الكثير منها ينظر الى بعض جوانب الفكر الغزالي من زاوية الرؤية العقائدية ومبادئها او قواعدها السائدة. ويمكن اتخاذ ما كتبه ابن المرتضى (الزيدي المعتزلي) نموذجا لذلك. فهو من بين الكتاب الموضوعيين والممحصين للفكر والافكار، لكننا نراه يعتبر الغزالي جبريا. وهو حكم حدده في الاغلب اثر الصراع المعتزلي الاشعري اكثر مما حدده الموقف العلمي الدقيق من فكر الغزالي. اذ نراه يدرج الغزالي عنوة فيما اسماه بفرقة المجبرة الاشعرية الى جانب الباقلاني والجويني وابن الخطيب الرازي[32]. 

 إننا نقف هنا أمام تقييم مذهبي فكري يرتقي الى مصاف "الأخذ بالثأر" لما اقترفه بحق الباطنية (الإسماعيلية) في كتبه العديدة وخصوصاً (المستظهري أو فضايح الباطنية). والأغلب أنه لم يكن حصيلة التقييم الذي تركه ابن رشد في هذا الصدد. فتقييم الداعي الاسماعيلي المطلق ذو مضمون ووظيفة أخرى. لقد سعى علي ابن الوليد إلى كشف ما أسماه  بالتقلّب والتغير غير المبدئي في فكر الغزالي وأفعاله، وبالتالي غياب الحقيقة في آرائه. بمعنى أن أحكام وآراء الغزالي ما هي في نهاية المطاف سوى "ادلجة" المصلحة حسب العرض والطلب من جانب السلطة. وقد أصاب الداعي الاسماعيلي جزئياً في انتقاداته وأحكامه تماماً كما أصاب الغزالي جزئياً في انتقاده للباطنية. فكلاهما تشاطرا وتقاسما الخطأ التاريخي لثقافة الاتهام الفكري المذهبي العقائدي. غير أن الدقة الجزئية والنسبية للأحكام القييمية من جانب الداعي الاسماعيلي تنطبق على بعض نتاج الغزالي للمرحلة الأولى في مساره الفكري.

إن تقييم الغزالي كمفكر متقلب متغير قلق وما شابه ذلك، لم ينحصر في إطار الاتجاهات التي سبق وأن حاول هو نفسه دحضها ومهاجمتها فيما سبق، بل وعند بعض الاتجاهات الصوفية التي اعتبر نفسه أحد ممثليها. وهي ظاهرة لها شذوذها النسبي في تقاليد النقد الصوفي. فالفيلسوف الصوفي الكبير ابن سبعين (ت- 669هـ) صوّر الغزالي في كتابه (بد العارف) بالعبارة التالية: "لسان دون بيان وصوت دون كلام، وتخليط يجمع الأضداد، وحيرة تقطع الأكباد. مرة صوفي، وأخرى فيلسوف، وثالثة أشعري، ورابعة فقيه، وخامسة محيّر. وإدراكه في العلوم القديمة أضعف من خيط العنكبوت، وفي التصوف كذلك، لأنه دخل الطريق بالاضطرار الذي دعاه لذلك من عدم الإدراك[33]. بينما نراه في احدى رسائله يشير إلى ما أسماه "باضطراب الغزالي في رسائله"[34]. واستند هذا الحكم الصارم من جهة إلى موقف ابن سبعين المعارض لعناصر "اللاهوت السلبي"، الذي وجد في آراء الغزالي الكلامية تأييداً لها، ومن جهة أخرى إلى استيعاب جديد لآراء ابن رشد وابن عربي (ت- 638هـ) في موقفهما من الغزالي. ولعل الاستثناء الوحيد الذي وجد في هذا التنوع و"التقلب" في آرائه ايجابية كبرى، هو ابن خلدون. فقد أشار إلى ما أسماه بمأثرة الغزالي في تطوير الفقه من خلال استعماله وتطويره الفقه الاستدلالي[35]. أما في علم الكلام، ففيما أدخله في الرد على الفلاسفة وجهازهم المفهومي[36]، وبجمعه (تآلفه) بين التصوف الخالص والسنّة، أو بجمعه بين طريقة القشيري (ت-465 للهجرة) والسهروردي (ت- 632 للهجرة)، أي أنه حوّل التصوف، كما يقول ابن خلدون، من عبادة إلى علم[37].

وفيما بعد ستتحول ظاهرة "الاضطراب" و"التقلب" و"التحول" في شخصية الغزالي وإبداعه الفكري من "رذيلة" الى "فضيلة". آنذاك تحصل ظاهرة التعدد على صفة الايجابية، بوصفها حالة وظاهرة وشخصية موسوعية كبرى. ولم يعد متقلباً بين الفرق ومضطرباً ومتحرياً في وديان الأفكار بل الفقيه الشافعي وحامي السنّة وقامع الفلاسفة والمتصوف السنّي. حيث أخذ الاعتراف بها يسري خفياً بين أغلب الأوساط الفكرية والمذهبية، بما في ذلك الحنبلية والفقهاء المتشددين أمثال القاضي عياض (ت- 544 للهجرة)، الذي وصفه "بذي الأنباء الشنيعة والتصانيف العظيمة"، وابن الجوزي الذي اعتبر أطروحته في "الإحياء" وكتبه الصوفية الاخرى تركاً لقانون الفقه، في حين ردد سبط ابن الجوزي (ت- 654 للهجرة) ما قاله ابن الجوزي، أما القرطبي (ت- 671 للهجرة (فوصفه بشناعة أضاليله وأساطيره المباينة للدين، في حين اقترب ابن تيمية (ت- 728 للهجرة) من  آراء ابن الصلاح، أي ترك كتبه والكفّ عن الحكم عليه وتفويض أمره إلى الله! إلا أن ذلك لم يقف حائلاً دون انتقاده في (نقض المنطق) وغيرها من الكتب.

من كل ما سبق تبدو بوضح الصورة المعقدة والشائكة لشخصية الغزالي وإبداعها الفكري وتطورها الروحي في تقييمات المعاصرين له والتابعين. ومن الممكن النظر إلى كل ما قيل من أحكام عامة وخاصة تجاه مختلف جوانبه الأساسية، باعتبارها شكلاً من أشكال تأثيره في الفكر اللاحق. إذ لولاه لأصبح من غير المتوقع ذلك الاهتمام البالغ به. إلا أن هذا الاهتمام والتقييم المستمرين لا يعكسان موضوعياً، إلا الجانب التقييمي والنقدي وليس طبيعة واستمرار تأثيره اللاحق.

والمهمة الآن لا تقوم في تتبع هذه الظاهرة، إذ أنها تشكل بحد ذاتها مادة مستقلة، قد لا يكون الغزالي على الدوام مسئولا عنها بصورة مباشرة، أي أنها المادة والموضوع والقضايا المرتبطة باستمرار الفكر. فتطور الشخصية الفكرية هو إبداع وجودها الملموس، بينما تأثيرها هو اضمحلال وسريان عناصر منظومتها الفكرية في تاريخ الثقافة. والصورة القاتمة أحياناً والمضيئة أحياناً أخرى عنه هي في الغالب من "وعي روح العصر" ومستوى التطور الثقافي، ومستوى الاستمرار والانقطاع تجاه الارث الثقافي، وبالتالي حدود استيعاب الإبداع الفكري للماضي في حالة عدم الرجوع إليه ضمن محيطه الفعلي وخصوصية المرحلة.(يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] من بين الذين تناولوا حياة الغزالي الشخصية والفكرية وتقييم بعض جوانبها، أو تحليلها الجزئي، او محاولة فهمها كما هي او فهمها العام هم كل من عبد الغافر الفارسي (ت- 529 للهجرة) في كتابه (السياق لتاريخ نيسابور)، والقاضي ابو بكر بن العربي (ت- 543 للهجرة) في كتابه (القواصم والعواصم)، وابن عساكر (ت-571 للهجرة) في كتابه (تاريخ دمشق)، واين الجوزي (ت-597 للهجرة) في كتابه (المنتظم)، وياقوت الحموي (ت-626 للهجرة) في كتابه (عجم البلدان)، وسبط ابن الجوزي(ت-654 للهجرة) في كتابه(مرآة الزمان)، ومحي الدين النووي(ت-676 للهجرة) في كتابه (الطبقات)، وابن خلكان (ت-681 للهجرة) في كتابه (وفيات الاعيان)، والذهبي (ت-748 للهجرة) في كتابه (اعلام النبلاء)، واليافعي (ت-768 للهجرة) في كتابه (مرآة الجنان)، وتاج الدين السبكي(ت-771 للهجرة) في كتابه (طبقات الشافعية الكبرى)، وابن كثير (ت-774 للهجرة) في كتابه (البداية والنهاية)، ومحمد الواسطي(ت- 776 للهجرة) في كتابه (الطبقات العلية في مناقب الشافعية)، وابن الملقن(ت-790 للهجرة) في كتابه (العقد المذهّب في طبقات حماة المذهب)، وابن قاضي شهبة(ت- 851 للهجرة) في كتابه ( طبقات الشافعية)، والعيني (ت-855 للهجرة) في كتابه (عقد الجان)، وجامي (ت-898 للهجرة) في كتابه (نفحات الأنس)، وطاش كبرى زاده (ت-963 للهجرة) في كتابه (مفتاح السعادة ومصباح السيادة)، وصلاح الدين الصفدي (ت-964 للهجرة) في كتابه (الوافي بالوفيات)، والمناوي(ت-1031 للهجرة) في كتابه (الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية)، والعيدروس باعلوي (ت-1038 للهجرة) في كتابه (تعريف الأحياء بفضائل الإحياء)، والزبيدي (ت-1205 للهجرة) في كتابه (اتحاف السادة المتقين في شرح أسرار إحياء علوم الدين). 

[2]  شكلت اغلب مؤلفات الغزالي مادة وموضوعا للشروح والاختصار والعليق وكتابة الحواشي والردود. من هنا اختلاف قيمتها بالنسبة لفهم شخصية الغزالي وحقيقته وابداعه الفكري. ولم يكن ذلك نتاج او حصيلة الاساليب المتنوعة في الموقف من كتاباته. ومن ثم تباين مستوى نوعية وقيمة ما كتب عنه. والمعيار الاساسي هنا لا يقوم فيما اذا كانت هذه الكتب محكومة بالتأييد أو المعارضة، كما لا يمكن تقييم افضلي نوع على اخر، على سبيل المثال اعتبار الاختصار اردأ من الشروح أو بالعكس. وذلك لأنها جميعها تمثل انماط مختلفة لثقافة لعصر والتقاليد الإسلامية من جهة، وكونها تتمثل مراحل او سلسلة المعارف وتوسعها وتعمقها حول القضايا التي تناولها الغزالي، او تلك التي جرى البحث عن جوانبها الغامضة والقابلة للتأويل في مؤلفاته من جهة اخرى. من هنا اختلاف هذه الكتب، بمعنى انها ليست على نسق واحد بسبب اختلاف مراحل الكتابة عنه وتنوع الانتماء المدرسي والعقائدي لمن كتب عنه في وقت لاحق. ومن هنا ايضا تباين محتواها ووظيفتها. فمنها ما لاقيمة علمي له، وبالأخص تلك التي تتعلق باختصار مؤلفاته، لكنها ذات وظيفة معرفية معقولة. بينما كان البعض الاخر منها يسير ضمن تقاليد الجدل الفكري والعقائدي والعلمي والفلسفي، وبالأخص في ميادين الفقه والكلام والفلسفة. بينما اهتم الاخر بقضايا الحديث من صحيح ومنحول. ومع ذلك كانت الحصيلة العامة لما كتب عنه تقوم في تسليطها الضوء على مختلف جوانب حياته وشخصه ومؤلفاته وآراءه وأهميتها جميعا بالنسبة للثقافة الاسلامية ككل.

فقد ساهم في شرح مؤلفاته الفقهية (كالوسيط والوجيز والمستصفى) كل من أسعد العجلي(ت-600 للهجرة)، وابن الصلاح(ت-642 للهجرة)، وعبد الكريم القزويني (ت-623 للهجرة)، وحمزة التنوخي (ت-727 للهجرة) وغيرهم. 

في حين ساهم في اختصارها كل من احمد الاشبيلي(ت-651 للهجرة)، ومحي الدين النوي(ت-676 للهجرة)، وابن الملقن (ت-790 للهجرة)، وابن حجر العسقلاني(ت-852 للهجرة).

بينما رد عليه كل من ابن ابي الدم (ت-624 للهجرة)، ومحمد الكردري(ت-642 للهجرة)، وعبد العزيز الديريني(ت-751 للهجرة)، ونجم الدين الاصفهاني(ت-751 للهجرة)، ومحمد الزركشي(ت-794 للهجرة). وشهاب الدين المكي(ت-972 للهجرة).

اما كتبه الكلامية ذات الصلة بقضايا الإمامة والسياسة وخصوصا كتبه المتعلقة بالرد على الاسماعيلية والتشيع (كالمستظهري او فضائح الباطنية)،فيمكن العثور عليها في عدد كبير من الكتابات الشيعية بشكل عام والإسماعيلية بشكل خاص، كما هو الحال عند حميد المحلي (ت-653 للهجرة)، ومحمد بن الحسن الديلمي(ت-711 للهجرة). اما الردود المعارضة للغزالي فتجدر الاشارة الى كنابات الداعي المطلق علي بن الوليد (ت-612 للهجرة).

وضمن هذا السياق تعرضت مؤلفاته الكلامية والفلسفية كما هو الحال بالنسبة لكتاب (تهافت الفلاسفة) و(الاقتصاد في الاعتقاد). وإذا كان كتاب النهافت الاكثر "حظا" في اثارة الشروح والردود، فلان ذلك مرتبط بخصوصيته الفكرية ومنهجه وموضوعاته المثيرة للجدل. ولعل رد ابن رشد (ت-595 للهجرة) عليه في "تهافت التهافت" من بين اكثرها اثارة وشهرة. ولم تخمد جذوة الردود عليه والتعليق والذب عنه على مدار قرون لاحقة، كما هو الحال في الجدل الذي دار حوله بين مصطفى البرموني(ت-893 للهجرة) وعلاء الدين الطوسي(ت-887 للهجرة). إلا أن الشروح والتعليق والردود الاوسع كانت من نصيب كتابه الاكبر (احياء علوم الدين). فقد اختصره كل من احمد الغزالي (ت-520 للهجرة)، وابن الجوزي(ت-597 للهجرة)، ومحمد العجلوني(ت-820 للهجرة) وكثير غيرهم.بينما شرحه عدد كبير من علماء الاسلام واشهرهم بهذا الصدد الزبيدي (ت-1205 للهجرة). في حين رد عليه بصورة مباشرة وغير مباشرة كل من ابن الجوزي ومحد المازري (ت- 536 للهجرة)، وأحمد السكندري(ت-683 للهجرة). اما الكتابات التي تناولت بالتدقيق والتحقيق والنقد موقف واستعماله للاحاديث النبوية فقد انقسمت فيما بينها بين مؤيد ومعارض. فاولئك الذين شككوا بمعرفته بالحديث كان هدفهم في الاغلب هو اثبات خروجه على اهل السنّة والجماعة او للبرهنة على انه خضع في اواخر حياته لتقليد المتصوفة دون وعي وتمحيص لمواقفهم من الحديث. بل وسعى البعض للكشف عن انحرافه في قضايا الفقه والفقه وقوانينه بشكل عام. وقد كانت نتيجة هذه المواقف احراق كتبه وبالأخص كتاب (الإحياء) في المغرب. اما من دافع عنه فقد رد على كل هذه الاتهامات والشبهات ومن ثم ابراز قيمته وشخصيته باعتباره "حجة الإسلام" و"حامي السنّة" وما شابه ذلك. بل ان بعضهم وجد في اهتمامه البير في اواخر حياته دليلا قاطعا على رجوعه التام لاهل السنة والجماعة. اننا نعثر في هذه المواقف المتعارضة والمتضادة على حالة الصراع الفكري والعقائدي آنذاك، لكنها في الوقت نفسه تشير الى موقعه الهام في الثقافة الإسلامية ككل، كما انها تكشف الكثير من جوانب شخصيته وفكره، أي مدى تأثره واستعماله للحديث والقرآن ونوعية التأثير الخاص للتصوف في مساره الفكري ونمط تفكيره اواخر حياته، وقضايا الظاهر والباطن. ومن بين الشخصيات المهمة التي تناولت هذه الجوانب تجدر الاشارة الى كل من ابن الجوزي، وتاج الدين السبكي(ت-771 للهجرة)، وابن الملّقن، وزين الدين العراقي(ت-806 للهجرة) وابن حجر العسقلاني.

إن الحصيلة العامة لكل ما كتب عنه فيما مضى تقوم في ابراز مأثرته الفكرية ودراسة مختلف جوانب حياته وإبداعه النظري. ففيها نعثر على كمية ونوعية القضايا التي مازالت باقية التأثير والأهمية في الابحاث والدراسات والمؤلفات الكبيرة المعاصرة. الامر الذي يعطي للأبحاث القديمة قيمتها العلمية والثقافية ايضا. وهذا بدوره مؤشر على وجوده الفعال في هموم الفكر النظري المعاصر ايضا. ففي الدراسات القديمة نعثر على نوعية الشعور والحدس الملازم لاحتكاكها المباشر به بوصفه احد اقطابها ومصادرها النظرية والروحية. لكنها تفتقد في الوقت نفسه الى ادوات البحث العلمي الحديث وكمية التراكم المعرفي بتراث الغزالي نفسه. ومع ذلك يمكننا الجزم، بان لكل مرحلة اكتشافاتها الخاصة للحقائق وفهمها الخاص للأحداث والوقائع. ومن ثم تحتوي على نجاح وإخفاق متنوع. لكنها تشكل في نهاية المطاف احدى المقدمات الجوهرية والضرورية لتوسيع وتعمق البحث العلمي النقدي التحليلي، ومن ثم تأسيس وترسيخ عناصر ومبادئ البحث الحقيقي عن الحقيقة.  

 [3] ابن عساكر: تاريخ دمشق

[4] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والامم، ج9، ص169،

[5] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 17، ص535، ج18، ص187، 619، ج19، ص403، ج20، ص32.

[6] تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، القاهرة، 1906، ج4، ص106.

[7] المصدر السابق، ج4، ص131.

[8] المصدر السابق، ج4، ص102.

[9] المصدر السابق، ج4، ص105.

[10] هو علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي النيسابوري. والإشارة تجري هنا الى تفاسيره الثلاثة:(البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز)، التي اخذ الغزالي عناوينها وجعل منها عناوين تصانيفه في الفقه. طاش كبرى زاده: مفتاح السعادة ومصباح السيادة، حيدرآباد، ج2، ص202.

[11] صلاح الدين الصفدي: الوافي بالوفيات، اسطنبول، 1931، نشر ريتر، ج1، ص276.

[12] الذهبي: سيرة أعلام النبلاء.

[13] المصدر السابق.

[14] ابن عربي: روح القدس في محاسبة النفس، ص82.

[15] يورد الشيخ محمد المنتصر الكتاني هذه الحكاية في مداخلته عن الغزالي تحت عنوان (الغزالي والمغرب) في كتاب (ابو حامد الغزالي في اذكري المئوية التاسعة لميلاده، القاهرة، 1962، ص701-715).

[16] الأشعري: كتاب مقالات الاسلاميين، ص13.

[17] عبد القاهر البغدادي: كتاب الفرق بين الفرق، ص197-199.

[18] المصدر السابق، ص242

[19] ابن حزم: كتاب الفصل بين الملل والنحل، ج2، ص112.

[20] المصدر السابق، ج2، ص114.

[21] المصدر السابق، ج4، ص188.

[22]  لمصدر السابق، ج4، ص226-227.

[23] ابن طفيل: حي بن يقظان، مصر، مطبعة واديالنيل، 1299 للهجرة، ص6.

[24] ابن رشد: فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال، الجزائر، (استنادا الى طبعة ليدن بتحقيق، ج. حوراني، 1977،ص11.

[25]  المصدر السابق، ص11-12.

[26] المصدر السابق، ص17.

[27] ابن رشد: فصل المقال، ص27-28.

[28] المصدر السابق، ص27.

[29] المصدر السابق، ص29-30.

[30] علي بن الوليد: دامغ الباطل وحتف المناضل، بيروت، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، تحقيق مصطفى غالب، 1982، ج1، ص33.

[31] المصدر السابق، ج1، ص33-34. 

[32] احمد بن يحيى ابن المرتضى: كتاب القلائد في تصحيح العقائد، بيروت، دار الشروق، 1985، ص59). 

[33] ابن سبعين: بد العارف

[34] ابن سبعين: الرسالة الفقيرية، ضمن (رسائل ابن سبعين)، القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1965، ص14.

[35] ابن خلدون: المقدمة، دار الفكر، ص361.

[36] المصدر السابق، ص370.

[37] المصدر السابق، ص372. وهنا تجدر الإشارة إلى أن كل ما نعثر عليه،وبالأخص في الدراسات الحديثة عن ربط الغزالي للتصوف بالسنّة هو من نتاج التقييم والفكرة التي وضعها ابن خلدون. وعموما هي فكرة ليست دقيقة وتجافي معنى وحقيقة التصوف بما في ذلك تصوف الغزالي.

 

 

 جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (35)

عند البحث عن شخصية يسوع الناصري، يحتاج الباحث الى التمييز بين ثلاث أنماط من الصور التي تشكل ملامح تلك الشخصية المؤثرة بشكل كبير جدا في تاريخ البشرية

الصورة الاولى والاشهر لهذه الشخصية هي الصورة المقدسة والتي غُرست في وجدان المؤمنين بألوهية يسوع المسيح والمؤطرة بكل صفات العظمة والتبجيل والتقديس

وهذا النمط من تصور شخصية يسوع المسيح ليس مدار بحثنا مع اقرارنا بحق كل إنسان او مجموعة بشرية باعتقاد ما تشاء ومع احترامنا لكل فكرة ايمانية او اعتقاد ديني سواء اختلفنا معه ام اتفقنا.

الصورة الثانية ليسوع الناصري هي الصورة التاريخية لهذه الشخصية، والمقصود بها، ما ذكرت عنه المصادر التاريخية من خارج النصوص الدينية المسيحية

ومع اعتراف الباحثين التاريخيين ان المعلومات التي وفرتها المصادر التاريخية المعاصرة لفترة يسوع الناصري او المتأخرة عنها نسبيا، هي معلومة قليلة وسطحية ولا تُغني الباحثين، لذا صار من الضروري جدا الاعتماد على النمط الثالث من صورة يسوع، من اجل التوصل الى رسم معالم أقرب ما تكون لشخصيته الحقيقية. 

والمقصود هنا، هو الصورة التي تقدمها لنا النصوص الدينية المسيحية وخصوصا الأناجيل

فلا يمكن لأي باحث لشخصية يسوع الناصري ان يستغني عن تلك النصوص التي سطّرت السيرة الذاتية والملامح العامة لذلك الشاب اليهودي المصلح

و هنا يواجه الباحث تحدي كبير، حيث يكون لزاما عليه التفكيك والتمييز ما بين القراءة التاريخية البحتة والمتجردة من كل القناعات العقدية المُسبَقة، وبين الأبعاد الثيولوجيةِ التي اطّرت بها النصوص الدينية المسيحية شخصية يسوع الناصري والذي تمت إحاطتها بظلال كثيفة من التقديس والأسطَرَة من خلال نصوص الأناجيل التي تم تدوينها لاحقا وبعد اختفاء يسوع المسيح من مشهد الأحداث، وخلال فترة التدرّج بصناعة الإيمان المسيحي، والذي تحوٌل من جماعة يهودية صغيرة تؤمن بتعاليم نبي يهودي مصلح الى دين جديد يقوم كله ويتمحور حول شخصية ذلك المصلح !

و بالرجوع الى نصوص الأناجيل القانونية الأربعة، نستطيع الاستنتاج ان الشاب اليهودي المصلح يسوع الناصري كان من ضمن سلسلة الأنبياء والمصلحين التبشيريين او المُنذِرين بقرب مجيئ مملكة الرب

حاله حال يوحنا المعمدان وغيره ممن سبقه من أنبياء بني إسرائيل. والذين تركزت نُبوَتهم ودعوتهم على تحذير الشعب اليهودي وانذاره حول قرب مجيئ مملكة الرب والتي ستضع حدا للشرور الموجودة على الأرض وستنتهي بحلولها كل معاناة الشعب اليهودي وآلامه، حيث سينعم المؤمنون بمملكة عاصمتها أورشليم وتكون مسنودة بالنصر من السماء ولا ينتمي لتلك المملكة الا المؤمنين فقط

لذلك كان الانبياء التبشيريين بتلك الرؤية حول مملكة السماء يدعون الشعب اليهودي الى الاسراع بالتوبة والاستغفار ليكونوا من المحظوظين الملتحقين بمملكة الرب !

ومن خلال تتبع نصوص الأناجيل وما تضمنته من أقوال منسوبة ليسوع الناصري، نلاحظ بشكل واضح انه قد أشار بطريقة مباشرة واحيانا غير مباشرة الى أنه هو المسيح القادم ليكون المتوٌج من قِبَل الرب على مملكته، مع ملاحظة ان هذه الفكرة كانت تُشكّل اعتقادا جازما لدى يسوع الناصري ومحورا رئيسيا في دعوته

إن هذا اليقين الراسخ والقناعة الأكيدة لدى يسوع الناصري بكونه هو المسيح الملك القادم ليقود مملكة الرب القاضية على كل الشرور والآلام، نجده يظهر بوضوح في حيثيات محاكمة يسوع أمام مجلس كهنة اليهود في أورشليم، فقد أوردت

نصوص الاناجيل ان يسوع قد اجاب رئيس الكهنة حين سأله اذا كان هو المسيح ؟

(قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ)

انجيل متى 26\64

وهنا نلاحظ ان إجابة يسوع قد احتوت على تحدي ورهان مبني على اعتقاد يقيني جازم جاء على شكل نبؤة تحذيرية للكهنة الذين أصروا على ظلمه والمضي قدما في تصفيته والتخلص منه

ولم يكترثوا للوعيد الذي أطلقه يسوع الناصري بأنهم سينظرون (من الان ) إليه بصفته المسيح (ابن الإنسان) الجالس على يمين القوة (الله) والقادم إليهم راكبا السحاب ليعلن قيام مملكة الرب التي ستقضي على الشر والأشرار !

لم يكترث كهنة اليهود .واستمروا في إجراءاتهم للتخلص من يسوع، ونجحوا فعلا في مسعاهم، ولم ينظروا لا هم ولا غيرهم الى ابن الانسان وهو جالس على يمين القوة! ولم يظهر المخلّص على السحاب منذ ذلك اليوم والى زماننا هذا الذي اصبح فيه الناس يطيرون فوق السحاب !

نجح كبار كهنة اليهود في تآمرهم على يسوع الناصري الذي خذله الجميع وتخلوا عنه، بما في ذلك تلاميذه، بل وخذله حتى يقينه واقتناعه بأنه سوف يكون الملك القادم على السحاب، فخسر بذلك رهانه المصيري! 

ومن الأمور اللافتة في متابعة النصوص الانجيلية التي اشارت الى ذلك الرهان والتحدي الذي تضمنه الحوار بين يسوع وكهنة اليهود

إننا نجد السادة الذين كتبوا انجيل (لوقا) وهو الإنجيل الثالث من حيث الترتيب الزمني .قد عمدوا الى حذف الجملة التي يقول فيها انه سوف يأتي راكبا السحاب واكتفوا فقط بعبارة تشير الى ان ابن الانسان سيكون جالسا على يمين الله !

وسبب حذفهم للجملة مفهوم ..حيث انه لحين وقت كتابة إنجيل لوقا، كان قد مضى عشرات السنين ولم تتحقق بعد نبوة يسوع

اما انجيل يوحنا والذي تمت كتابته اواخر القرن الاول

بعد ان مات معظم تلاميذ يسوع وهم ينتظرونه قادما على السحاب !! ..ولان يسوع لم يأتِ بعد ..فاننا نجد كاتب انجيل يوحنا قد الغى كل الحوار وجُمَله واستبدلها بعبارة جديدة وضعها على لسان يسوع ليقوم بتغيير كامل لمفهوم نبوءة يسوع التي لم تتحقق

حيث نجد ذلك الكاتب المجهول ينسب ليسوع مقولة جديدة لم تذكرها الأناجيل السابقة ! وهي عبارة

(مملكتي ليست من هذا العالم!)

وبذلك تم التخلّص من الحرج الذي سببته النبؤة الخائبة والغير متحققة حتى بعد طول انتظار !

فمن خلال وضع عبارة جديدة منسوبة ليسوع، اصبح مفهوم المملكة القادمة والوعيد والتحدي كله مرتبط بموعد سماوي لا أجل له وتحول الوعيد الدنيوي الى موعد أخروي متلازم مع حلول يوم الدينونة !

ورغم محاولة كتَبَة إنجيل يوحنا الالتفافية، لكن تبقى اشارات النصوص الانجيلية الاخرى واضحة الدلالة على ان يسوع الناصري كان معتقدا بشكل حاسم بقرب مجيء مملكته، حيث نجده قد أطلق لتلاميذه وأتباعه تنبؤات عديدة حولها تؤكد لهم قرب ساعتها وإنّ منهم من سيكون على قيد الحياة حينها

(اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ) متى 16\28

(حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ) لوقا 9\27

(اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ) متى 24\34

وفي إنجيل متى 23 /10 نجد ايضا معنى قريب من هذه الفكرة المبشرة بقرب مجيئ ابن الانسان

وقد انتظر التلاميذ والجيل الذي تلاهم وماتوا جميعا ولم تتحقق تلك التنبؤات الى يوم الناس هذا !

ومن المفارقات التي نلاحظها من خلال تتبع نصوص الأناجيل.اننا نجد يسوع الناصري قد أطلق وعدا اخرا، على شكل نبوءة أيضا، في معرض رده على طلب اليهود منه بأن يعطيهم اية على صدق دعوته

حيث نجده قد أجاب بقوله لهم

(فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ) متى 12\39

وهنا نرى ان استجابة يسوع لمطلبهم قد جاء على شكل نبوءة يتحداهم فيها من خلال وعده لهم بتحققها مستقبلا، حيث سيمكث في القبر نفس المدة التي مكثها النبي يونان في بطن الحوت وهي ثلاث ايام وثلاث ليال

ولكن هذه النبؤة اليسوعية قد خابت ايضا ولم تتحقق

حيث ان يسوع أودع القبر نهاية نهار الجمعة واكتشف فراغ القبر من الجسد بداية نهار الاحد !!

وقد حاول الكثير من اللاهوتيين المسيحيين ايجاد تفسير او تخريجة للتخلّص من مأزق هذه النبؤة الغير صحيحة، فخرجوا لنا بتفسيرات وتأويلات اقل ما يقال عنها انها تصورات كوميدية صادمة !!

وبالإضافة الى تلك التنبؤات التي لم تتحقق .هناك ايضا العديد من التوقعات والوعود والنبؤات التي نسبتها الأناجيل الى يسوع الناصري .ولكن مجريات الاحداث اللاحقة اثبتت عدم صحتها وتحققها. ولعل أشهرها هو تلك المقولة التي جاءت على

شكل وعد قاطع من يسوع لتلاميذه الاثني عشر في متى 28/19

(الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ)

وقد اثبتت الاحداث خطأهذه النبوءة واستحالة تحقق ذلك الوعد بعد ان خانه أحد التلاميذ الاثني العشر الذي وعدهم يسوع بشكل محدد بقوله ( انكم انتم..

وبذلك نقص عدد الكراسي

واضطر الاتباع لاحقا لعمل قُرعَة اختاروا من خلال نتيجتها شخصا جديدا ليشغل الكرسي الفارغ !!

لقد وجد المجتمع اليهودي المعاصر ليسوع الناصري في تنبؤاته العديدة التي لم تتحقق، وجدوا في ذلك دليلا على عدم مصداقية ادعائه للمسيحانية، لان نصوص التوراة اليهودية تجعل احدى علامات الانبياء الكاذبين هي عدم تحقق التنبؤات

التي يطلقونها كما ورد في سفر التثنية 18

وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلاَمًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ)

وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟

فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ

وقد تسببت هذه النظرة اليهودية في تعميق الهُوّة بين أتباع يسوع المسيح، وبين غالبية المجتمع اليهودي والذي انعكس لاحقا على شكل عداوة عقدية تمثّلت في محاولة الذين كتبوا النصوص الانجيلية تحميل اليهود(وحدهم) مسؤولية سفك دم المسيح

 

د. جعفر الحكيم

 

ميثم الجنابيالتاريخ الروسي شأن تاريخ الأمم الأخرى، ميدان للفضيلة والرذيلة، نعثر فيه على كل المظاهر الممكنة للوجود الإنساني. غير أن ما يميز تجارب الأمم هو أصالة إبداعها. وليس المقصود بالأصالة هنا سوى ما يمكنه شحذ الذاكرة والوعي برموز المناعة ضد تكرار الخطيئة والخطأ. وهذا ما صاغه الفكر العربي القديم في مفهوم العبرة. فالعبرة هي تعبير عن إدراك لمعنى، واعتبار لماض، وعبور منه إلى مستقبل يجعل من تجارب الأسلاف حكمة الحاضر لا غنيمة المصالح ونزوات النفس البهيمية. إذ أن الحياة في نهاية المطاف هي بداية ونهاية، والتاريخ صداها الملموس والمجرد في الآثار والمآثر.

فالاعتبار بالماضي ليس تقليد مشاريعه الناجزة أو المجهضة، إذ لكل مشروع "منطقه" التاريخي في الفرادة وانعكاسه الوجداني في المصير. ومصائر الأمم هي تجاربها لا غير، لأن ما يخرج إلى الوجود هو استعداد لما فيها كالجود عند الكريم والشح عند البخيل، كما يقول ابن عربي. والاستعداد ليس فقط "حكم الأزل" بل والقدر التاريخي للإرادة. وعلى قدر إدراك النسبة الممكنة بين الأزل والتاريخ تتكون حصانة الرؤية والأفعال. إن الأزل ليس الغيب اللاهوتي في سواده المجهول، بل المصدر المتسامي للرؤية المتفائلة أيضا في حالة توظيفها العقلاني لشحذ الأمزجة بما يكفل لها إنقاذ العزيمة من جريمة الخور والهزيمة. ويمكن القول بأن التاريخ الروسي هو تاريخنا أيضا. لأن الرؤية العقلانية ينبغي أن تؤسس لذاتها حتى على تجارب الآخرين وليس بتكرار نماذج هذه التجارب أيا كانت نتائجها. فالتجارب البشرية لا تحب التكرار لأنه لا إنسانية فيها غير معاناتها. والمعاناة لا تعقل إلا بمعاييرها. وهي معايير ذاتية. ومن ثم فإن العبرة الوحيدة في التاريخ الروسي بالنسبة للعالم العربي تقوم فيما لا ينبغي تكراره. وهي عبرة لها قيمتها بالنسبة للكيان الذي تربى كثير من أحزابه وقواه الفكرية على تكراره ومحاكاته بالعبارة والمظهر، بحيث جعل من تاريخ هذه الأحزاب والقوى نيازك مجهولة الآثار وعديمة المآثر. لأن المآثر تفترض خوض غمار المجهول لا طرق المطروق، وإلا كانت هدية بين أصابع عجوز هرم!

ما من أمور اعقد على التكرار من الإصلاح واشق منه على العقل والضمير. فالإصلاح يكثف حزمة المعاناة الحقيقية وأضواءها المتوهجة على خشبة المسرح التاريخي للأمم. ففيه يتجلى حكم الأزل والإرادة أو الماضي والمستقبل وعلى قدر إدراك ماهية الإصلاح المفترض وتأسيسه العقلاني تكون مصائر الأمم، أي أن المصير يتوقف على قدر الاستعداد القائم في الأمم وقواها العاقلة. وهو استعداد تتوقف فضائله على وجود الوعي الذاتي بينما تتوقف رذائله على فقدانه. بصيغة أخرى إن عظمة الإصلاح تكون على قدر تأسيسه الذاتي بمعايير المرجعيات الثقافية الخاصة بوصفها الضمانة الوحيدة التي يلقيها إلينا التاريخ العالمي باعتبارها عبرته الحكيمة.

فالتاريخ العالمي بمعناه المتسامي هو تاريخ الصلاح والإصلاح. والإصلاح هو الرؤية الفعلية للواجب، والرؤية التي تتضمن بأقدار متكافئة حجج العقل وإحساس الضمير في محاولاتهما استكناه حقيقة الغاية الكبرى للجوهر الإنساني والخير العام. وهي رؤية تحكمت وما تزال تتحكم بالهواجس والمشاعر والأفكار التي لا تفتأ تعاني في بحثها عن معنى الوجود الإنساني الحق. وإذا كان "الإجماع" التاريخي المجرد قد بلغ ذروته في الإقرار بمبدأ الوسط باعتباره التجلي المعقول للحق، فلأنه إجماع تراكم في مجرى السيل الأخلاقي لتجارب الأمم باعتباره سبيل إدراكها المجرد للواجب. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في أساطير الأمم وحكاياتها وفي إبداعها الوجداني وعقولها النظرية. وليس مصادفة أن يقرن الإسلام الصلاة بالفلاح في دعوته للآذان. فالفلاح هو إصلاح الروح والجسد. وليس لأن الفلاح والصلاح شيء واحد بالمعنى انطلاقا من أن فلاحة الأرض هي استصلاحها والعكس هو الصحيح، بل ولأن الغاية العملية منهما تهدف إلى خدمة الأرض ومن عليها. وهي حقيقة تمحورت عليها وحولها تجارب الأمم من أجل بلوغ السعادة. فالسعادة هي الغاية التي تسحق وتمحق نتوءات الأفراد والجماعات وتستثير فيهم في نفس الوقت كوامن المجهول بهيئة تحد وثورة، وإصلاح وتعمير. وتجبرهم أيضا على الوقوف عند كل منعطف حاد بغية تأمل ما جرى بمعايير الوعي الذاتي، أي تجبرهم على الوقوف أمام الإشكالية الأكثر تعقيدا بالنسبة للعقل والوجدان، اللذين لا يكون أمامهما أحيانا للتعبير عما يجري سوى لغة المفارقة لا عبارة المنطق. مما يجعل من العبارة المفارقة أسلوب تحسس الخيبة والأمل.

فالتاريخ الواقعي للأمم يحتوي بالضرورة على جملة من المفارقات المعقولة واللامعقولة. وبهذا المعنى لا يشكل التاريخ الروسي شذوذا. غير أن له، شأن تواريخ الأمم الكبرى مفارقاته الخاصة. ولعل قضية الإصلاح من بين أكثرها واقعية وحيوية1. وذلك لأن تاريخ الأمم جميعا هو ميدان تجلي الممكنات. ومن ثم فإن الإصلاح أمر طبيعي فيها. ولكل طبيعة نموذجها. فقد تكون الثورة هي الأسلوب الأمثل للإصلاح كما هو الحال بالنسبة للثورات الكبرى، لا الانقلابات الصغيرة المميزة للمغامرين والأنذال. وقد يصبح الإصلاح هو الأسلوب الأمثل. إذ لكل مرحلة وظروف متطلباتها أو ضروراتها التي تجعل من الثورة أو الإصلاح مجرد أسلوب في حل المشكلات الكبرى القائمة أمام الأمم. أما في روسيا فقد أحدثت فيها الثورة البلشفية انقلابا عميقا تاريخي المحتوى، إضافة إلى محتواها العالمي. أما ما سمي في وقت لاحق بعد حل  الاتحاد السوفيتي، "بالثورة الديمقراطية" أو "الثورة الرأسمالية" فهو تلاعب بالألفاظ ونكوص فعلي إلى الوراء سواء بالمعنى الاجتماعي أم الأخلاقي أم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي.

ففي قضية الاصلاح وحولها يكمن أحد الأسباب الجوهرية لإشكال روسيا على الروس أنفسهم. وهو إشكال حيوي له قيمته الشبيهة بالقيمة التي اكتشفها أبو حيان التوحيدي عندما قال بأنه لا شئ أشكل على الإنسان من الإنسان نفسه. إننا لا نريد إجراء مقارنة أو تمرير موازاة بين تاريخ الإنسان وتاريخ روسيا، ولا أن نجعل أيا منهما نموذجا للآخر. فلكل منهما تاريخه الخاص في المعاناة. فمعاناة التوحيدي هي معاناة الثقافة الإسلامية في اكتشافها للأبعاد الخالدة في الوجود الإنساني. أما إشكال روسيا على الروس أنفسهم فقد عبّر عنه الشاعر الكبير تيوتشف (1803- 1873) في إحدى قصائده الشهيرة قائلا أن روسيا لا تدرك بالعقل، ولا يمكن قياسها بمقياس عام، وليس على المرء إلا الإيمان بها. ولم يقصد هو بذلك استحالة معرفة روسيا بالعقل، بقدر ما كان يقصد ضرورة عدم تطبيق التصورات والأحكام التقليدية والجاهزة عليها. وهي رؤية سليمة للغاية من حيث المطالبة بالنظر إلى تاريخ الأمة وتجاربها بمعايير غير عادية. وإذا كان تيوتشف قد نظر إلى هذه المطالب بمعايير "اللاعقلانية" فليس ذلك إلا لأنه أراد رفع إشكالية الواقع الروسي إلى مستوى الحدس الوجداني. لقد تعامل مع الواقع الروسي بوجدان الشعر المتسامي وكشف عن أن روسيا عصية على من لا يؤمن بها. وهو انطباع  متأت من وخز الآلام التي ولّدها كسر التقاليد الروسية وإخضاعها، وبالأخص بعد المرحلة البطرسية، لهوس المحاكاة العمياء للنزعة الأوربية في كل شيء.

 لكن لو تجاوزنا عبارات الذوق الشعري لإشكالية الروح الروسي، فإننا سوف نقف بالضرورة أمام الحيثيات الواقعية ومحاولات الرؤية الإنسانية لتذليل هذه الإشكالية. فالقضية هنا لا تكمن في تعارض العقل والإيمان من حيث محاولاتهما فهم التاريخ الروسي واكتشاف حقائقه الخاصة به، بل في القلق المثير للعقل والوجدان من حيث تعاملهما مع الإشكالية الكبرى لوجود روسيا التاريخي وتجربتها الثقافية. فهي الإشكالية التي جعلت من الصعب أحيانا فهمها حسب قواعد المنطق (العقلي). وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرادة الأمم تتمثل في كيفية حلها للمعضلات الكبرى لوجودها الاجتماعي - السياسي والثقافي. وأن تاريخ روسيا هو تاريخ وجودها السياسي والثقافي، وهو تاريخ معقول سواء بمقاييس العقل أو الإيمان اللذين ينتج تعارضهما الشديد عن تعارض الحس الوجداني والعقل المجرد في رؤيتهما لواقع وآفاق تطورها. أما ارتقاء هذا التعارض إلى مستوى "المرجعية" الثقافية في الوعي الروسي التاريخي والأدبي فهو نتاج تطور الدولة الروسية وانعطافها الحاد عن "المسار الطبيعي" لكيانها الروحي (أو الماوراطبيعي).

  إن تحول تضاد العقل والوجدان إلى "مرجعية روحية" قابعة وراء أحكام ومواقف القوى المختلفة، يعكس أولا وقبل كل شيء تناقضات التكون التاريخي للدولة والأمة الروسيتين. فقد مرت روسيا بمرحلة طويلة قبل بلوغ استقلالها عن السيطرة التترية. وأدى هذا الاستقلال في بداية الأمر إلى تغذية مشاعر القوة، ون ثم استثارة الطاقات الكامنة للتوسع خارج حدود "روسيا الطبيعية" بدءا من إيفان الرهيب، الذي احتل قازان عام 1552. فقد كان احتلال قازان الخطوة الأولى في تبلور الذات الروسية القومية والدولتية. مما أثار بقدر واحد تهور الدولة والأمة في نظرتهما لذاتهما وللآخرين. وهو تهور له منطقه الطبيعي عند الأمم جميعا في حال خروجها من مأزق الخضوع إلى رحاب السيطرة. وهو خروج عادة ما يتخذ مظاهر غاية في التباين تتراوح بين الانزواء والاستكبار. أما الصيغة "النهائية" لهذا الخروج فعادة ما تحددها سيادة الأولويات في السياسة الداخلية والخارجية للدولة. وقد اعتمدت روسيا حينئذ صيغة المركزة الشديد للدولة وصيغة التوسع الخارجي من خلال ضم الأراضي المسلوبة. واستحدث إيفان الرهيب نظام "القوات الخاصة"، باعتبارها القوة الضاربة والحامية في نفس الوقت لشخصه ولإصلاحاته الإدارية في مواجهة القوى التقليدية. وأدى ذلك إلى استفحال قوة القمع المنّظم في تمرير التغيرات دون المساس بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي. ووجد ذلك انعكاسه في صعود فكرة المركز الروسي العام، مثل تحول إيفان الرهيب إلى "قيصر روسيا" عام 1547، وتحول الميتروبوليت الموسكوفي إلى "بطريرك روسيا" عام 1589. وهو  تحول كامن في أجنة الوعي الروسي السياسي والديني، ولاقى تجليه الأيديولوجي الأول في صعود فكرة "الرسالة الروسية" ومكانة موسكو فيها باعتبارها "روما الثالثة". بهذا المعنى يمكن فهم المساعي التوسعية لبطرس الأول ومحاولاته ترسيخ "الروح الإمبراطوري" لروسيا.

إن ظهور فكرة "الرسالة القومية" يرتبط عادة بالتحدي الميز الروح الساعي لتجسيد ما يعتقده خاصا  به.  وهذه الرسالة ليست اكثر من أحلام نابعة من سيادة الوجدان أو فيضه المفرط. والنتيجة المترتبة على ذلك - هي الطيش والتهور، ومشاعر الحب والازدراء، والانتقام والتشفي من كل استثمار جدي لتجارب الأسلاف مع ما يترتب على ذلك من تمهيد لطريق المغامرة. ورسالة كهذه عادة ما تؤدي إلى  بربرية لأنها لا ترى ابعد مما تريد ولا تعترف بما لا يدخل في تصوراتها عن الوجود. أما تصوراتها فهراوة خشنة. إن أقصى ما يمكن بلوغه بالنسبة للامة هو أن تعي رسالتها لنفسها، وأن يتكون وعيها الذاتي ضمن معاييرها وتجاربها الخاصة. ذلك ما يجنبها فرض تصوراتها المحدودة على الآخرين كما لو أنها أحكام شاملة. إذ لا أحكام شاملة في تجارب الأمم، لأنها تجارب فردية سواء بالمعيار العالمي أو التاريخي. فإدراك "الرسالة" يفترض إدراك المبدأ المتسامي والعمل بموجبه. وهو علم  وعمل يجردان الأمم من أثنيتها وقوميتها لأنهما يضعانها على محك المساواة التامة أمام المبادئ العليا. بهذا المعنى نستطيع الكلام عن رسالة إسلامية أو نصرانية أو بوذية أو اشتراكية أو شيوعية وليس عن رسالة قومية لأي كان. فالرسالة القومية لا تتحدد بقيم متسامية بل بقيم قومية. وهي قيم لها فضيلتها في حالة الاعتدال العقلاني الموازي لقيم الأخلاق العقلانية. وحتى في هذه الحالة لا يمكنها أن تقدم تجاربها كنموذج أعلى. والرسالة القومية بحوافزها الإمبراطورية، ليست أكثر من صيغة أيديولوجية للتوسع والهيمنة. من هنا تعارض وخلل "الرسالة الروسية" و"موسكو - روما الثالثة". فالرسالة كما أشرت تفترض سيادة المبادئ المتسامية، بينما الروسية هي قومية لها فضائلها ورذائلها، حسناتها وسيئاتها، خيرها وشرها، انتصاراتها وهزائمها. فالنفس الروسية شأن نفوس الأمم الأخرى تعاني من تناقضات لا تحصى. فهي ليست مثالا لغير ذاتها. أما موازاة موسكو وروما فهو حلم الأشرار مع أن ما أريد به هو الخير. فروما هي مركز الإمبراطورية وقلبها النابض. ولا شيء مقدس في روما. وفي رمزيتها لا تتعدى كونها مثال القوة والبطش لا الحق والسمو. أنها نموذج الإمبراطورية، ولا إمبراطورية بلا خلل في النفس. فالسائد فيها هو النفس الغضبية (قوة الاستحواذ والسيطرة). لذا يمكن القول بان محاولة تغليف النفس الغضبية الروسية بمسحة الرسالة المقدسة ليست إلا الاستعادة الأيديولوجية للإمبراطوريات "المقدسة" القروسطية التي لا قداسة فيها لغير الاستكبار.

أما من الناحية التاريخية فقد تصدى بطرس الأول لروسيا المترامية الأطراف بمشاكلها العديدة وتاريخها العريق بقبضات فولاذية. وتعامل معها بقوة الحديد والنار، كمن أراد إعادة صهرها من جديد في بوتقة تصوراته عن المثال والواجب، اللذين تمثلا له آنذاك في أوربا. وسواء كان ذلك صدفة أم لا، فان تغيير التقويم الزمني لروسيا من 1 – 9 – 7208 من "خلق العالم" إلى 1-1-1700 من ميلاد المسيح يرمز أيضا إلى إدخاله روسيا في الزمن الأوربي ومواجهة الواقع الروسي بمقاييس الزمن الأوربي، أي انه رفع تحدي الذات إلى المستوى الذي يفرضه منطق المواجهة الفعلية مع العالم المحيط. لقد حاول بطرس الأول أن يضع روسيا التاريخية في الزمن الأوربي وأن يجبرها على أن تواجه الآخرين كأنداد لا أن يعزلها في وداعتها التقليدية الثقيلة. وجعل من الإصلاح الشامل أسلوبا لتوحيد زمنها التاريخي وزمنها الثقافي.

وعلى عكس أسلافه جعل من التوسع الأوربي (الغربي) مقدمة سياسته الداخلية والخارجية. وإذا كان من الصعب اعتبار الحرب أسلوبا للإصلاح، فأنها مع ذلك خدمت إصلاحات بطرس الأول من خلال تأمين الوجود المستقل لروسيا واستفحال قوتها الداخلية والخارجية. فقد أدت انتصاراته العسكرية على الجبهة الغربية (مع السويديين) والجنوبية(مع الأتراك العثمانيين وإمارات تركستان) إلى إخراج روسيا من تقوقعها الجغرافي، إذ فتح لها ثغورا بحرية في الشمال (البلطيق) وفي الجنوب (قزوين والبحر الأسود). وبالمعنى الثقافي حولها إلى أحد المراكز السياسية الكبرى في العالم آنذاك. وتضمنت هذه الانتصارات تناقضاتها الداخلية. فالثمار "الطبيعية" لتجمع القوة الروسية في مجرى قرنين من الزمن، بعد التوسع الكبير الذي أنجزه إيفان الرهيب واستكماله في عهد بطرس الأول، ترافقت أيضا مع نبتات "غير طبيعية" بالنسبة للتاريخ الثقافي الروسي. وذلك لأن التاريخ الثقافي يتضمن في ذاته أولا وقبل كل شيء تأمل الحصيلة المجردة للتاريخ السياسي وإعادة إنتاجه في الرؤية الفلسفية للتاريخ القومي والعالمي. وهو تأمل يجد انعكاسه في إبداع نظريات سياسية جمالية وأخلاقية تستمد عناصرها الأساسية من تعميم التجربة الذاتية للأمة. وهذا ما فقدته روسيا منذ أن ظهرت على مسرح التاريخ العالمي في القرن العاشر الميلادي، مما أدى إلى تفتق نزوعها العسكري وطموحها الهائل للسيطرة، كظاهرة تستمد جذورها من ضعف المعاناة الروسية لإبداع مثالها الثقافي المستقل ومن افتقاد نموذجها السياسي الأمثل.

فقد كان تاريخ روسيا السياسي الثقافي في معظمه، وبالأخص منذ البطرسية، هو تاريخ التقليد الأعمى للغرب. بهذا المعنى أتكلم عن افتقاد روسيا للمعاناة الذاتية وبالأخص في مرحلتها الحاضرة. وإلا  فمن المضحك المبكي أن تكون لحد الآن مهمة صنع نظرية أو فكرة قومية هي الشغل الشاغل، على الأقل كلاميا،  لكل من اليمين واليسار والوسط! ويمكن أيضا فهم سبب الفرح الطاغي وراء التقييم اللينيني للمجالس الشعبية (السوفيتات) باعتباره الإبداع الثوري الأكثر أصالة في تاريخ البدائل السياسية لروسيا. وهو تقييم دقيق وموضوعي أدرك قيمة الأصالة في الإبداع الروسي السياسي القومي والعالمي على السواء. فقد كان النموذج السوفيتي لبناء الدولة هو الأول من نوعه تاريخيا بوصفه البديل الديمقراطي (أو حكم الشعب لنفسه). من هنا فان الخطأ التاريخي للستالينية يتمثل في استعاضتها عن المجالس الشعبية بالحزب ومن ثم إفسادهما كليهما بشكل انتقلت عدواه في وقت لاحق إلى مقاهي الإبداع "الثوري" للمغامرين والحثالات الاجتماعية والهامشية السياسية التي ما أن وصلت إلى سدة الحكم حتى جعلت من المجالس الشعبية المصطنعة والمجالس الوطنية واللجان والجمعيات وغيرها آلة أو غطاء لتمرير "السياسة الثورية"، التي ما هي في الواقع سوى استظهار جديد للبواطن الخربة لتقاليد الاستبداد.

 إن المثال السياسي يتكون في مجرى الصراعات الإجتماعية، التي تؤدي بالضرورة إلى ظهور محاولات متنوعة لإدراك الذات (الاجتماعية والقومية). وتجلت نتائج هذه العملية في روسيا بعد المركزة السياسية (السلطوية) الشديدة التي قام بها ايفان الرهيب. وظهرت بوادرها الأولى في صيغة البحث عن نموذج أعلى للوطنية وعن رموزها الجامعة. وليس مصادفة أن تشكل الإصلاحات الدينية للأرثوذكسية الروسية "الشرقية" وكذلك الإصلاحات "الغربية" في عهد القيصر اليكسي ميخائيلوفيتش (والد بطرس الأول) صيغتها النموذجية الأولى.

فقد كانت هذه الإصلاحات بشقيها (الشرقي والغربي) تمثل الحالة الأولى لتحرك العقل والوجدان الروسيين في مساعيهما صوب الإجماع على ما هو ضروري في الرؤية السياسية والثقافية. فالإصلاحات الدينية التي ارتبطت تاريخيا بالشخصية الروحية الروسية الكبيرة (البطريرك نيكون) لم تتعد في مظاهرها توحيد النصوص المتعلقة بالعبادات والطقوس الكنائسية، مثل ترجمة بعض كلمات الأناشيد وعدد قطع  الخبيزات والنبيذ وترديد كلمة "هلوليا" (مرتين أم ثلاث مرات) وكيفية الالتفاف والدوران (حسب عقارب الساعة أو بالضد من الشمس) والتصليب (بإصبع أم بإصبعين) وما شابه ذلك. وإذا كانت هذه "الإصلاحات" سببا في إثارة صراعات دموية حادة،  فلأنها كانت تتضمن موضوعيا إمكانية توحيد الأمة الروسية في حركات لسانها وجسدها اللاهوتيين، أو توحيدها من خلال هذه الحركات. وكشفت في الوقت نفسه عن أثر وفاعلية الكنيسة في الحياة الاجتماعية والسياسية. لقد طرحت هذه الإصلاحات بصورة غير مباشرة إشكالية الديني والدنيوي أمام الكنيسة والدولة والمجتمع. وحاول كل منهما استغلال هذه الإصلاحات بما يتلاءم مع غاياته وأهدافه القريبة والبعيدة. فالكنيسة سعت إلى الحصول على قدر من الاستقلال عن السلطة الدنيوية، والإبقاء على قدر من تأثيرها في شئون الدولة والمجتمع، باعتبارها السلطة الروحية المعبرة عن المصالح العليا لروسيا. إلا أن هذه المحاولة باءت بفشل وجد انعكاسه "العقائدي" في مواقف المجمع الكنسي لعام 1666-1667، الذي اقر، فوقية السلطة الدنيوية على الكنيسة. رغم أن الكنيسة الروسية لم تكن في تاريخها كله معارضة أو متحدية للسلطة الدنيوية. فهي لم تعرف المعارضة ولا التقية السياسية ولا حتى التحدي المبطن (باستثناء بعض الحالات الفردية). وبهذا استغلت السلطة الروسية نجاح الكنيسة وفشلها لتعزيز مركزيتها وإعلانها سلطة تمثل الدين والدنيا، مما أعطاها إمكانية ابتلاع رموز الإصلاح الديني الروسي بالشكل الذي يخدم القوة السياسية لا القوة الثقافية للدولة. الأمر الذي ساهم لاحقا في بروز وترسخ الوهم الأيديولوجي عن "الرسالة الروسية المقدسة" في توحيد العالم النصراني (الارثودوكسي).

أما الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة في التاريخ الروسي فقد لازم المرحلة السوفيتية التي أعلنت الدين أفيونا للشعوب وجاهدت من اجل تقويض أسسه وعقائده من خلال بناء الكيان الحكومي والاجتماعي على أسس خالية من تأثير الماضي وبناه التقليدية. إلا أن هذا الاستثناء ترافق مع قهر لا مبرر له. فالأيديولوجية  الشيوعية اعتبرت (وهو تصور سليم) بأن الإيمان (الديني) قضية شخصية، ومن ثم أعطت للمؤمنين حرية التصرف المقيّد، وذلك لأن المجتمع المدني التام هو مثال الفكرة الشيوعية. في حين تدخلت السلطة السوفيتية في شئون الدين الصغيرة والكبيرة، ومارست مختلف الأفعال المنافية لفكرة الانتماء الثقافي والروحي للأمم. فتاريخ الأمم ليس أحجارا يمكن رميها على قارعة الطريق لأنها قديمة. فالقيمة هنا لا تتحدد بالمنفعة المباشرة أو غير المباشرة، بل بمدى استيعاب تجارب الماضي وقيمه الروحية المتراكمة وذلك بهدف تحرير الإنسان من ثقل الماضي أيضا عبر استيعابه المتجدد وليس رميه في سلة المهملات.

ومع ذلك لم يجر تذليل هذا الوهم الأيديولوجي نظريا، أي التأسيس له فلسفيا وسياسيا. لقد تجزأ هذا الوهم في هواجس الوجدان والتهابات العاطفة السياسية المتقطعة مع كل نصر وهزيمة كما لو انه بقايا جروح على جسد الكيان الروسي. وساهمت هذه الالتهابات المتقطعة في مد الخيال التاريخي الروسي بإرهاصات متنوعة عن النموذج الأعلى "للسلافية" الروسية. حيث بدا هذا النموذج حينذاك كما لو انه الصيغة المثلى للإصلاح الروسي والمبدأ القادر على كبح جماح "العنصرية الأوربية". غير أن هذه التنظيرات اضطرت، بعد المحاولات العملية الأولى لتجسيدها، إلى أن تختار النموذج الأوربي نفسه (الألماني)! 

وبغض النظر عن أن المقارنة بين الأحداث القديمة والمعاصرة تأويل سقيم، لكنها قادرة على شحذ الرؤية النقدية بمعايير عملية بالنسبة لتقييم هذه الفكرة أو تلك ورؤية آفاقها. ومن الممكن أن نقارن الموقف من صربيا والجامعة السلافية في سلوك الدولة القيصرية والدولة الروسية المعاصرة. فالأحداث الحالية ولاسيما التدمير البربري لصربيا من جانب قوات حلف الأطلسي (والأمريكي منه بالأخص) وصعود موجة السلافية على مستوى السلطة التنفيذية والجماهير بمختلف أحزابها وقواها الاجتماعية يعيد نفس الظاهرة ويكررها بسخرية اشد. إن هذه الأحداث تكشف عن أن الوحدة المعقولة بمعايير الاثنية لا قيمة لها ما لم تؤسس بمعايير ثقافية سياسية لها مرجعياتها الحقيقة المتراكمة في مجرى المعاناة الفعلية للتاريخ والحداثة. لهذا استغلت السلطة التنفيذية الروسية آنذاك الزخم الجماهيري والعواطف الصادقة للروس من اجل توظيفها الدعائي. والقضية هنا ليست في ضعف روسيا آنذاك بقدر ما كان في ضعف إرادتها السياسية. فالبديل الواقعي "للرسالة الروسية" هو بناء ذاتها على أسس القومية الثقافية لا الادعاء الأيديولوجي أيا كان مضمونه. أما محاولات روسيا على مدار عقد من الزمن بعد انحلال الاتحاد السوفيت لدخول البيت الأوربي كشفت عن انه لا مكان لها فيه حتى عند عتبته. مع أن روسيا رغم كل ما فيهال من نواقص ليست اقل جمالا ورونقا من أوربا بأجمعها.

فالعناصر الأيديولوجية الأولية للسلافية ظهرت في عصر الإصلاحات الدينية التي أشرت إليها أعلاه. وساهم فيها كل من كريتشانيتش وكوتوشيخن. والمفارقة الأولية لهذه الظاهرة تقوم في أن كريتشانيتش الكرواتي الأصل والكاثوليكي المذهب، وجد في روسيا القوة الرادعة لألمانيا، وحالما اصطدم بالواقع الروسي اضطر إلى أن يعيد صياغة أفكاره بشكل يبرر لروسيا نفسها أن تتعلم من الألمان التحديث والعصرنة (من اجل تصنيعها وتقوية اقتصادها وازدهار علومها وآدابها)، وليس تقليد المظاهر. أما كوتوشيخن فقد كان بسيطا في آرائه، شديدا في انتقاداته لعادات الموسكوفيين وتقاليدهم. وإذا كانت خاتمة كريتشانيتش هي النفي إلى سيبيريا، فإن هجمات كوتوشيخن شيء لا قيمة له مقارنة بالنقد والامتعاض الذي قابل به الروس سلوك القياصرة الروس أنفسهم ابتداء من إيفان الرهيب وانتهاء ببطرس الأول. فقد جرى تصوير ايفان الرهيب في وقت لاحق على انه كان محبا للثقافة الأوربية، وكذلك الحال بالنسبة للقيصر بوريس غودونوف. بينما وجدت الجماهير الروسية في شخصية دميتري الدجال صديقا لللاتينيين (اللوثريين). في حين اعتبروا بطرس الأول تجسيدا كاملا  للنزعة الغربية الأوربية. فهو لم يكتف بإجبار الفئات العليا من الروس على العيش بالطريقة الأوربية (الألمانية والهولندية) في المأكل والملبس والمنام والمشرب والرقص، بل وطالبهم أيضا بإتقان ذلك والمثابرة عليه من المهد إلى اللحد. فبّدل كل ما طالته يداه من جيش وإدارة وصناعة وتجارة، ولكنه أبقى في نفس الوقت على نظام الحكم الفردي المطلق دون مساس. أما التطبيق الإرادي لإصلاحاته بالحديد والنار، فقد جعلها غير معقولة وغير مقبولة للأغلبية الساحقة من الشعب الروسي. إذ كانت في مظهرها خروجا عن التقاليد الوطنية للروس. وليس مصادفة أن يصف الجمهور الروسي بطرس الأول بالكافر واليهودي والزنديق والألماني ومصاص الدماء ومخرب البلاد والعباد وما شابه ذلك. فقد كان بطرس الأول عنيفا إزاء كل احتجاج إجتماعي، ولم يبق للمعارضين سوى الهروب إلى سيبيريا أو الصعلكة والالتحاق بفلول القوزاق.

هناك إجماع على الإقرار بمآثر بطرس الأول ودوره الكبير في تحديث وتطوير روسيا وترسيخ تقاليد المركزية الشديدة للسلطة والدولة فيها، مما أدى إلى صعوبة إخضاع السلطة والدولة نفسها لمنطق الفلسفة السياسية (العقلانية). فتاريخ الإصلاح البطرسي هو تاريخ الإصلاح الإرادي وتاريخ الإرادة الفردية، التي رسخت في الوعي واللاوعي الروسيين فكرة "القيصر – الأب" و"اليد القوية" باعتبارهما النماذج المثلى للحاكم والسلطة. إن إصلاحات بطرس الأول لم تستند إلى رؤية فلسفية تاريخية لها أسسها الخاصة في التراث القومي، أي لم  يستند إلى منظومة خاصة تستقي رؤيتها من حصيلة التجارب التاريخية لروسيا. من هنا سيادة الروح النفعي والعملي المباشر في الإصلاح،  مما أضاع البعد التراثي. ووجد ذلك انعكاسه غير المباشر في الوعي النظري التاريخي والسياسي والأدبي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر من خلال تعمق وترسخ الانشقاق الروحي في الوعي الاجتماعي بشكل عام والوعي السياسي الثقافي بشكل خاص. وهو ما نعثر عليه في استفحال العداء والمواجهة بين التيارات "الوطنية" و"الغربية" و"الآسيوية" و"الأوربية" وغيرها.

إن عدم اكتمال التأسيس النظري للبديل الثقافي السياسي ضمن نظام للرؤية الإصلاحية المستندة إلى مرجعياتها الخاصة أدى إلى تعمق الإشكالية الثقافية والسياسية في الوعي النظري والعملي الروسي في غضون القرون الثلاثة الأخيرة. فالإصلاحات القيصرية، بما فيها البطرسية هي "إصلاحات لا تاريخية". لأنها إصلاحات لم تستوح رؤيتها من وعيها الذاتي. أنها لم تقم على أساس أيديولوجية قومية لها بنيتها النظرية في فلسفة للتاريخ الذاتي. وهو السر القائم وراء الهوس التحديثي الغربي. فان صعود التيار الغربي هو نتاج لعجز القوة الداخلية (النظرية والروحية) عن استقطاب وتثوير الطاقات الروسية من اجل تشييد بناء حضاري مستقل، فتشكل ما يمكن دعوته بالقاع الرخو لوعي الذات الروسي.

فالإصلاحات القيصرية لم تستجب لمتطلبات البدائل المتصيرة في عصر الأمم والقوميات البرجوازية. والإصلاحات المتنوعة للقياصرة المتنوعين صنعت في أفضل الأحوال جسدا برجوازيا بروح عبودي (القنانة)، مما حدد بدوره أيضا صعود وهيجان الروح الثوري المعارض بدءا من الديسمبريين وانتهاء بالبلاشفة. (يتبع...)

****

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1-  أما بالنسبة للعالم العربي، فإن تاريخه المعاصر هو تاريخ النشوء والارتقاء بعد غيبوبة القرون المظلمة للسيطرة التركية. وما "ثوراته" في الواقع سوى فورات النمو، ومن هنا انحرافها السريع عن الأهداف المعلنة بفعل تخلف قواه الاجتماعية والسياسية.  وهو السبب القائم وراء "خطورة" الثورة لا عدم جدوى الثورة بحد ذاتها. ومن ثم فإن الصيغة الأمثل بالنسبة للعالم العربي هي الإصلاح الدائم المستند إلى رؤية فلسفية تاريخية تستمد مقوماتها من  التاريخ العربي الإسلامي.

 

جميل حمداويالمقدمة: تتأسس الأنتروبولوجيا (Anthropologie) والإثنولوجيا (Ethnologie) على البحث الإثنوغرافي (Ethnographique) التوثيقي والمخبري بشكل خاص، على أساس أن هذا البحث العلمي هو دراسة حقلية (fieldwork) عملية تطبيقية بامتياز، تمد الإثنولوجي (Ethnologue) بمادة إثنوغرافية دسمة وعميقة وجادة لبناء نظرياته العلمية، وطرح فروضه وإشكالاته المختلفة والمتنوعة في دراسة الشعوب القديمة من جهة، أو البحث في العادات والأعراف الغريبة لجماعة معينة ومحددة، في زمان ومكان معينين. ومن ثم، فليس من الصائب، في المجال العلمي، القبول بالأبحاث النظرية المكتبية الإنشائية والذاتية المرتبطة بنقل المرويات المأثورة عن الرحالة، والمبشرين، والإداريين، والجغرافيين، والعسكريين، والمستشرقين، والإخباريين، دون النزول إلى الميدان المخبري الواقعي، أو الاحتكاك بالحقل التجريبي لمعاينة الظواهر الإثنولوجية ومراقبتها وتسجيلها وتدوينها وتوصيفها. ومن ثم، يصعب الحديث عن الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا بشكل علمي دقيق ومركز، دون استحضار الإثنوغرافيا باعتبارها علما تخصصيا يستند إلى الأبحاث المونوغرافية الوصفية، والحفرية، والاستكشافية،  والتنقيبية، والاستقصائية، والتجميعية ...

المبحث الأول: تعريف الإثنوغرافيا

الإثنوغرافيا (L’ethnographie) هي دراسة وصفية لأنشطة جماعة إنسانية معينة، سواء أكانت جماعة بدائية تقليدية أم جماعة معاصرة ومتمدنة ، بالتركيز على بنيات القرابة، و التقنيات المادية، و المعتقدات الدينية، والتنظيم المجتمعي، واستعمال آلات العمل، والاستثمار في الأرض...

وتعد أيضا منهجية استكشافية تطبيقية في البحث العلمي في مجالي الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية[1]. وتوظف كذلك في علم الاجتماع[2] كما عند مدرسة شيكاغو[3].

ومن هنا، فالإثنوغرافيا هي دراسة ميدانية وتحليلية للعادات والقيم والتقاليد والأعراف لجماعات سكانية محددة. وقد ارتبطت هذه المنهجية، قديما،  بدراسة الشعوب البدائية. ومن هنا، فالإثنوغرافيا- حسب حسين فهيم- " هي الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد،والعادات والقيم، والأدوات والفنون، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة، أو مجتمع معين، خلال فترة زمنية محددة."[4]

إذاً، تهتم الإثنوغرافيا، أو علم الأجناس البشرية، بدراسة الشعوب البدائية باعتبارها تمثل الطفولة الأولى للمجتمع الحديث المعقد؛ فنظرا لضيق حجم هذه الشعوب من الناحية الكمية والعددية، ونظرا لبعدها عن المؤثرات الخارجية، والبطء الذي يتجلى في تطورها، تقدم للباحثين صورة عن تحكم الضمير الجمعي، وسيطرته المطلقة على ضمائر الأفراد؛حيث نجد شخصية الفرد تذوب في شخصية الجماعة.ولاشك أن المقارنة بينها وبين الشعوب المتحضرة تقدم لعالم الاجتماع مجالا خصبا لمعرفة العوامل التي يخضع لها نشوء الظواهر الاجتماعية وتكونها.

إذاً، فالإثنوغرافيا هي وصف الشعوب القديمة والحديثة والمعاصرة، سواء أكانت بدائية متخلفة أم متحضرة متمدنة. وهي أيضا الجانب الوصفي التطبيقي من علم الإثنولوجيا التي تتخذ بعدا نظريا. ويتخذ هذا الجانب، في كثير من الأحيان، طابعا دراسيا مونوغرافيا يعنى بدراسة جماعة مجتمعية معينة، أو مؤسسة تضم جماعات عدة (تقنيات، وزواج، وعبادة دينية...).

وتعد الإثنوغرافيا، حسب كلود لفي شتروس(Claude -Levi Strauss)، المرحلة الأولى من عمل الإثنولوجي، والتي تتمثل في جمع البيانات والمعطيات والمعلومات حول الظاهرة الإثنولوجية. ويعني هذا " القيام عادة بتحقيق ميداني قوامه المعاينة المباشرة.الأمر الذي يطلق عليه الأنجلو- سكسونيون اسم (فيلد وورك/fieldwork)."[5]

أما الأنتروبولوجي الإنجليزي رادكليف براون، فيعرف الإثنوغرافيا بأنها بمثابة معاينة الظواهر الثقافية ووصفها، خاصة عند الشعوب المتخلفة.[6]"

وعليه، فالإثنوغرافيا هي وصف الظواهر الإثنولوجية، من عادات، وأعراف، وتقاليد، ومراسيم، وطقوس، ومعتقدات ...، وإخضاعها للمعاينة، والتدوين، والحفر الحقلي الميداني، والتحليل، والتفسير.

المبحث الثاني: أهداف الإثنوغرافيا وغاياتها

تتمثل أهداف الإثنوغرافيا في ربط ماهو نظري  بماهو تطبيقي.أي: ربط النظريات الإثنولوجية بالتطبيقات العملية التي تقوم بها الإثنوغرافيا. ومن هنا، تهدف الأبحاث الإثنوغرافية إلى جمع المعلومات والبيانات والمعطيات حول مجموعة من الظواهر الإثنولوجية المختلفة لدى جماعة محددة. ثم، السعي الجاد إلى توصيفها في ضوء المناهج العلمية الكمية أو الكيفية المتاحة. وبعد ذلك، كتابة التقرير العلمي حول مختلف المراحل والعمليات التي أنجزها  الإثنوغرافي في حقله الميداني.ثم، يأتي الإثنوغرافي (Ethnographe,) لاستكمال العمل فهما، وتفسيرا، وتحليلا، وتأويلا. 

http://www.faculte-anthropologie.fr/wp-content/uploads/2016/04/Définition-de-l’anthropologie.jpg" />

ومن هنا، فلإثنوغرافيا مجموعة من الأهداف والغايات التي يمكن حصرها فيما يلي:

u ربط التصورات والفروض الإثنولوجية النظرية بماهو عملي وتطبيقي وتجريبي واقعي، وفق رؤية علمية نزيهة ومحايدة وموضوعية؛

v النزول إلى الحقل الميداني لملاحظة الظواهر الإثنولوجية ومعاينتها وفق مقاربة علمية موضوعية دقيقة ومركزة؛

w جمع المعطيات والبيانات والمعلومات حول الظاهرة الإثنولوجية المدروسة؛

x تدوين المعلومات وتسجيلها بشكل علمي دقيق؛

y تنظيم تلك البيانات والمعلومات بشكل منهجي مركز؛

z توصيف البيانات والمعطيات المرتبطة بجماعة بشرية معينة في زمن ومكان محددين؛

{تحليل المعلومات الحقلية وتفسيرها وفق مقاربة سانكرونية قائمة على مبدأ المحايثة البنيوية من جهة، والمقاربة الدياكرونية القائمة على التاريخ والتطور من جهة أخرى؛

| المقارنة بين المجتمعات الإثنولوجية وفق بناها، ووظائفها، وتطورها؛

}رصد طبيعة الجماعة والمجتمع وفق رؤية عملية حقلية تطبيقية وميدانية؛

~ تطوير الدراسات الأنتروبولوجية والإثنولوجية إن نظرية، وإن تطبيقا، وإن وظيفة.

417 الانثولوجيا

المبحث الثالث: تاريخ الإثنوغرافيا

لم يظهر مصطلح الإثنوغرافيا (Ethnographie) إلا في سنة 1767؛حيث ورد هذا المفهوم في كتاب جوهان فردريك شوبيرلان (Johann Friedrich Schöpperlin (1732-1772))، وكان المصطلح يعني باقة من طبعات الكتب المتنوعة والمختلفة. وبعد ذلك،تأسست بفرنسا جمعية إثنولوجية سنة 1839م تهتم بالإثنولوجيا الطبيعية والثقافية من جهة، والبحث الإثنوغرافي من جهة أخرى. وكانت الإثنوغرافيا في روسيا تعني علم الشعوب. في حين، أطلقت الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية على هذا النوع من الدراسة الحقلية الميدانية في الدول الأنجلوسكسونية.

http://www.faculte-anthropologie.fr/wp-content/uploads/2016/11/Archéologie.jpg" />

ولقد انتشرت الدراسات الإثنوغرافية كثيرا بفعل الاستعمار، وكان الهدف منها دراسة الشعوب المستعمرة، والبحث عن خصوصياتها الإثنية، واللغوية، والعرقية، والاجتماعية، والثقافية، والحضارية، ولقد استعان بها المبشرون في حملاتهم التنصيرية بشكل خاص.

وبعد انتهاء الاستعمار، تخلت الدول الغربية عن دراسة الشعوب الضعيفة والمتخلفة والبدائية لتنكب على مجتمعاتها وجماعاتها الخاصة بها. ومن ثم، فلقد انفتحت الإثنوغرافيا على موضوعات معاصرة كدراسة الطبقات الاجتماعية، ودراسة الإثنيات والأقليات والهويات المجتمعية القليلة العدد، ودراسة الجماعات الغريبة والمختلفة عن الجماعات المتحضرة والمتمدنة، ودراسة جماعات المدرسة...

واليوم، يلاحظ أن تسمية الإثنوغرافيا" لاتستعمل عند الأنجلوسكسونيين بقدر ما تستعمل عند الفرنسيين والألمان الذين ظهرت لديهم أول ماظهرت في أواخر القرن الثامن عشر وفي عناوين المجلات العلمية قبل أن تشيع في فرنسا على يد العالم الفيزيائي أمبير بشكل خاص.إذ جعل منها، عام 1824، فرعا من فروع المعرفة الإثنولوجية، وذلك في كتابه ( مقالة حول فلسفة العلوم).ثم اعتمدت التسمية كذلك عند الفلكلوريين في دراساتهم للتقاليد الشعبية في الأرياف الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.واتخذت كلمة الإثنوغرافيا في فرنسا بصورة استثنائية وفي ما مضى، المعنى نفسه الذي اتخذته كلمة إثنولوجيا .وكان مارسيل غريول هو الذي حدد الإثنولوجيا، في الخمسينيات، عبر محاضراته أولا ثم في كتابه (منهج الإثنوغرافيا)، بأنها الفرع المعرفي الذي يحيط بأنشطة الشعوب المادية والروحية، ويدرس تقنياتها وأديانها وشرائعها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية وفنونها ولغاتها وأعرافها.[7]"

وغالبا، ما تستند الإثنوغرافيا إلى عمليات الملاحظة والمعاينة، والاستعانة بالمعايشة الميدانية الحقلية، وتسجيل المعطيات وتدوينها وتخزينها، وتوصيف الظاهرة، وكتابة البحث عنها من جميع جوانبها، وذلك بعد تحليل الظاهرة الإثنولوجية فهما وتفسيرا وتأويلا في ضوء المقاييس الكمية والكيفية من جهة، وفي ضوء المقاربة السانكرونية المحايثة والمقاربة الدياكرونية التاريخية والتطورية من جهة أخرى. ومن ثم، يرى كلود ليفي شتروس أن الإثنولوجيا والإثنوغرافيا لحظتان مختلفتان؛ إذ تسبق لحظة الإثنوغرافيا لحظة الإثنولوجيا التي تكون بعدية. والسبب في ذلك أن الإثنوغرافيا هي أول خطوة عملية تقوم على جمع المعلومات والبيانات والمعطيات وتوصيفها .بينما تتدخل الإثنولوجيا لتحليلها وتفسيرها وبناء النظريات في ضوء الاكتشافات الحقلية التطبيقية.وبهذا، تكون الإثنولوجيا نظرية.في حين، تكون الإثنوغرافيا تطبيقية وعملية وحقلية.

المبحث الرابع: مواضيع الإثنوغرافيا

من المعلوم أن الإثنوغرافيا فرع من فروع علم الاجتماع كالأنتروبولوجيا والإثنولوجيا. وتدرس ما تدرسه الإثنولوجيا من مواضيع مختلفة؛ حيث تنكب الإثنوغرافيا على دراسة العادات والأعراف والتقاليد والطقوس والمعتقدات الدينية لجماعة محددة، في زمن ومكان معينين، بالتنقيب والاستكشاف ومعاينة الظواهر الإثنولوجية، وتوصيفها بشكل كلي مونوغرافي أو استقصائي شامل.

وتهتم المقاربة الإثنوغرافية أيضا بدراسة طبيعة الشعوب القديمة وثقافاتها، وتعنى بأساليب عيشها، وتنكب على أنماط حياتها في ضوء أعمال حقلية ميدانية مخبرية. علاوة على دراسة الجماعات المحلية والبدوية والقروية، و الاهتمام بالجماعات المنعزلة الغريبة عن المجتمعات الحاضرة، ودراسة القبائل والعشائر المختلفة عن الشعوب المتمدنة والمتحضرة. فضلا عن العناية بمشاكل الجماعات والمجموعات التي يعرفها عالمنا المعاصر.

ويعني هذا أن علماء الأنتروبولوجيا والباحثين الحقليين الإثنوغرافيين" يجدون في الوقت الحاضر أسبابا كثيرة لتطوير طرق البحث التي يعتمدون عليها في جمع مادتهم العلمية، حيث يتجهون إلى دراسة مشكلات جديدة في أنماط مجتمعية غير منعزلة تتمتع بشيء من التغاير الديمغرافي، وتقع داخل دول حديثة، كما هم يسعون إلى تحقيق القضايا الكيفية التي انتهت إليها بحوثهم التي اعتمدت على الملاحظة بالمشاركة والرجوع إلى الإخباريين، مما يمهد للاتجاه إلى التزام ما نطلق عليه المدخل السوسيو-أنتروبولوجي في دراسة المجتمع."[8]

ومن هنا، فالإثنوغرافيا هي الدراسة الوصفية للشعوب والجماعات الإنسانية، وفق رؤية عرقية من جهة، أو وفق رؤية هوياتية وطنية من جهة أخرى. ومن هنا، فالإثنوغرافيا هي دراسة خاصة للشعوب.في حين، إن الإثنولوجيا هي بمثابة دراسة عامة وشاملة للشعوب.ويعني هذا أن الإثنوغرافيا ليست جزءا أو مبحثا من الإثنولوجيا كما هو سائد عند الطلبة والباحثين، بل هي علم مستقل بنفسه، ولكن هو المصدر الميداني المعتمد في الدراسات الإثنولوجية.

ومن ناحية أخرى، تهتم المقاربة الإثنوغرافية بدراسة مواضيع معاصرة جديدة كالتركيز على المدرسة والجماعة على المستوى المحلي، ودراسة المؤسسة والفصل الدراسي في ضوء المجتمع المصغر، مع الاستعانة بالملاحظة والمعايشة وطرائق البحث الميداني، واستعمال الكاميرا والمقابلة بشتى أنواعها، والتركيز على الوحدات الصغرى المكونة للفصل الدراسي، مثل: المتعلم، والمعلم، إلخ...لاستكشاف الجوانب الاجتماعية المخفية[9].

فضلا عن تناول مواضيع بيداغوجية وديدكتيكية مهمة كتعليم الكبار، والتنشئة الاجتماعية، والطفولة المبكرة، والمناخ المدرسي، والتفاعل داخل الفصل الدراسي والمدرسة، وطرائق التدريس، والثقافة المدرسية، والتعليم غير النظامي، وأساليب التحفيز، والثقافات الفرعية والتربية، وغيرها من المجالات والمظاهر التربوية)...

المبحث الخامس: منهجية الإثنوغرافيا

الإثنوغرافيا منهجية حقلية ميدانية تطبيقية وعملية.ومن ثم، فهي دراسة وصفية وتحليلية ميدانية لمختلف القيم والعادات والشعوب المعينة، ولاسيما الشعوب البدائية . ولقد استعملت أيضا في دراسة الظواهر الإثنولوجية والمجتمعية والأنتروبولوجية المعاصرة . ومن هنا، يستند البحث الإثنوغرافي إلى مجموعة من الخطوات العملية والإجرائية على النحو التالي:

u دراسة الظواهر الإثنولوجية لجماعة معينة في زمن ومكان محددين، كدراسة العادات، والأعراف، والتقاليد، والطقوس، والمراسيم، والمعتقدات الدينية؛

v دراسة الظواهر  الإثنولوجية ضمن حقل ميداني حفري معين (Field Work) ومحدد بدقة، أو وفق ما يسمى أيضا بالملاحظة الميدانية؛

w تجميع المعلومات والبيانات والمعطيات حول الظاهرة المدروسة حقليا؛

x تدوين المعلومات وتوثيقها وتسجيلها وتخزينها بشكل دقيق؛

y وصف الظاهرة الإثنولوجية وصفا نسقيا في مختلف بنياتها وعناصرها الجزئية؛

z تصنيف أجزاء الظاهرة وتنميطها وفق الأسس العلمية والمبادئ الموضوعية؛

{ تحليل الظاهرة الإثنولوجية وفق المنظور السانكروني من جهة، أو وفق المنظور الدياكروني من جهة أخرى؛

| استعمال منهج المقارنة بغية البحث عن أوجه الائتلاف والاختلاف بين الجماعات الإنسانية القديمة والمعاصرة؛

} تفسير الظاهرة الإثنولوجية وفق المناهج الكمية أو الكيفية على حد سواء؛

~ الاستعانة بالملاحظة المباشرة ومنهج المعايشة أو المشاركة الحية في بناء الأبحاث الإثنولوجية.

ومن هنا، يتميز البحث الإثنوغرافي عن المناهج البحثية الأخرى، ولاسيما الكمية والإحصائية منها، بمعايشة المجتمع المدروس، والاحتكاك به على جميع النواحي والمستويات والأصعدة، كأن يكون ذلك المجتمع قبيلة، أو عشيرة، أو صفا دراسيا،أو مصنعا، أو مؤسسة، أو مستشفى، أو سجنا، أو دار رعاية، أو زاوية، أو حزبا، أو منظمة، أو سوقا...وتتحقق الخاصية الإثنوغرافية بإجراء أبحاث ميدانية وحقلية لجمع البيانات والمعطيات والمعلومات بغية تدوينها وتسجيلها وتوصيفها، والاعتماد على المشاهدات اليومية، وإجراء مقابلات، وتحليل الوثائق والسير الذاتية...

وعليه، يقدم الباحث الإثنوغرافي مادة إثنوغرافية دسمة ومتنوعة وغنية بالمعطيات والمعلومات، يعتمد عليها الإثنوغرافي والأنتروبولوجي معا لبناء تحليلاتهما وتفسيراتهما النظرية. ويعني هذا أن الإثنوغرافيا عبارة عن مختبر عملي  تطبيقي، أو ورشة ميدانية بحثية تساعد الإثنولوجي على التنظير العلمي، وكتابة البحث الإثنولوجي، وإعداد التقارير الأكاديمية الموضوعية. ومن هنا، تستند المادة الإثنوغرافية إلى توصيف الظواهر الإثنولوجية وفق مقاييس كيفية من جهة، أو وفق مقاييس كمية من جهة أخرى. ومن بين هذه المقاييس الاعتماد على الملاحظة الميدانية، والمعايشة الحية المشاركة، والاهتمام بالسير الذاتية، والاستمارة، والمقابلة، ودراسة الحالة، وتحليل المضمون...

وتتميز الدراسة الإثنوغرافية بمجموعة من الخصائص كدراسة الباحث الإثنوغرافي، على مستوى العينة، لحالة واحدة في مجتمع صغير أو جماعة معينة، ضمن البيئة الطبيعية للسلوك الإنساني بغية فهم هذا السلوك بشكل علمي دقيق، وتقديم مجموعة من التفاصيل الدقيقة والعميقة حول هذا السلوك المرصود. ناهيك عن عدم وجود فرضيات مسبقة ينطلق منها ذلك الباحث. علاوة على تمثل الملاحظة المباشرة في الاستكشاف والتنقيب. ويعني هذا أن دراسة الإثنوغرافي وحفرياته غير موجهة بشكل مسبق، بل يستنتج معلوماته عبر العمل والبحث الحقلي الميداني.

وتسمى منهجية الإثنوغرافي بالدراسة الحقلية) Ethnographic field work (، أو البحث الميداني؛ لأنه من غير الصائب علميا في مجال الإثنولوجيا والإثنوغرافيا أن يظل الباحث حبيس المكتب، يعتمد على أقوال الرحالة والإخباريين والإداريين والمستشرقين والمبشرين والمكتشفين والعسكريين، دون النزول إلى الميدان الحقلي لجمع الحقائق والمعطيات حول الظواهر الإثنولوجية والاجتماعية والثقافية لجماعة معينة، في زمان ومكان محددين. ومن هنا، كان الأمريكي فرانز بواس (F.Boas) والبريطاني مالينوفسكي (Malinovski)  سباقين إلى الاهتمام بالدراسة الحقلية في مجالات الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا. ثم تبعهم في ذلك مجموعة من الباحثين كراد كليف براون، وإيفانز بريتشارد، وكلود ليفي شتروس، ومارغريت ميد، و لويس مورجان، ومايير فورتس، ودافيد مونتكمري هارت، وباحثي جامعة شيكاغو، إلخ...

ومن هنا، " فإن المنهجية التي تقوم عليها الأنتروبولوجيا هي الإثنوغرافيا.إنه العمل الحقلي الشهير الذي يشارك فيه الباحث في الحياة اليومية لثقافة مختلفة بعيدة أو قريبة يراقب، ويسجل، ويحاول أن يعبر عن وجهات نظر الشعوب الأهلية، ثم يكتب.يعتبر كل من بواس ومالينوفسكي المؤسسين لهذه الطريقة، أحدهما عند الهنود على الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، والآخر عند سكان جزر تروبريون (Trobriand)على ساحل غينيا الجديدة.بواس بدءا من العام 1886م ومالينوفسكي عام 1914م، وحدهما قد ذهبا يستقصيان عن الحياة اليومية لثقافة ما على الأرض، بدل التفكير انطلاقا من روايات المكتشفين والرحالة والعسكريين والمبشرين، ما أتاح الدخول في مرحلة جديدة من هذا الاختصاص تقوم على دراسات أحدية وافية وعلى وصف دقيق كامل إلى حد ما، يتناول الحقائق المحلية، لقد أسهما بذلك في خلق صورة رومانسية عن الإثنوغرافي الذي يكرس وقته في وصف العادات الغريبة في مناطق بعيدة.إن كلمة حقل (Terrain) التي تشير في وقت واحد إلى مكان، وإلى موضوع بحث، قد صارت الكلمة المفتاح في الوسط الإتنولوجي:" يقوم بتسوية حقله"، " يعود من الحقل"، لقد تم القيام  ب" حقل أول"، ونقيم" علاقة بالحقل"...إلخ."[10]

ومن هنا، فالدراسة الإثنوغرافية هي دراسة حقلية ميدانية تطبيقية يختص بها الباحث الإثنوغرافي من جهة، أو بالمشاركة مع الباحثين الإتنولوجيين والأنتروبولوجين. ومن ثم، تبتعد البحوث الإثنوغرافية عن المرويات الغيرية، وتعتمد على البحوث الحقلية والميدانية الواقعية.ومن ثم، يقوم الإثنوغرافي بمجموعة من المهام الوظيفية كالسفر والارتحال إلى المكان المختار للدراسة، ولابد أن يكون مكانا أجنبيا غريبا غير مألوف، سواء أكان قريبا أم بعيدا. ثم اختيار موضوع إثنولوجي معين، كأن يكون دراسة العادات والتقاليد والأعراف والطقوس والمعتقدات عند جماعة معينة كالقبائل الإفريقية، مثلا. وبعد ذلك، يلتجئ الباحث إلى الملاحظة الميدانية، برصد الظاهرة المدروسة ومعاينتها بشكل مركز ودقيق، وجمع المعلومات والبيانات والمعطيات حول الظاهرة المدروسة، و تدوين البيانات وتسجيلها، ومراقبة الظاهرة، ووصف العادات والتقاليد عند تلك الجماعة المعينة وصفا دقيقا وشاملا من جميع الجوانب، في إطار دراسة مونوغرافية متكاملة، ثم تحليل تلك الظاهرة وفهمها وتفسيرها وتأويلها، والكتابة عن ذلك كله في شكل تقرير أو بحث علمي أكاديمي موثق.ويعني هذا كله أن الأبحاث السوسيولوجية والأنتروبولوجية والإثنولوجية والإثنوغرافية أبحاث تجريبية وموضوعية وعلمية وميدانية ومخبرية بامتياز.

وعليه،" فلقد كان من التقاليد العريقة في بريطانيا أن تكون الدراسة الإثنوغرافية الحقلية دراسة مركزة، ومن هنا كان تحقيق هذا بصورة جيدة يتطلب فترة ممتدة من الوقت لاتقل عن عام كامل، وقد تمتد لعامين أو أكثر في بعض الحالات. وفضلا عن هذا فإنه من المتوقع من الباحث الأنتروبولوجي أن يعيش بين أعضاء الجماعة المحلية كواحد منهم طالما كان هذا أمرا ممكنا، وهو ما يعني بقول آخر أنه سوف يتعلم أن يستخدم اللغة المحلية، وقد يستعين في هذا بمترجم من الأهالي الذين يعمل ويقيم بينهم، كما يعني أن لابد أن يهيئ نفسه للنفاذ إلى طرق تفكيرهم وأنساق معتقداتهم وقيمهم. ولعل التقليد الذي يتمثل في الدراسة الحقلية المركزة يدين- إلى حد بعيد إلى البحوث الرائدة التي قام مالينوفسكي (B.Malinovski) في ميلانيزيا والتي وضعت معايير جديدة تماما في الدراسات الأنتروبولوجية الحقلية."[11]

وبهذا، يوفر الباحث الإثنوغرافي المادة الإثنوغرافية التي تصف عادات الشعوب القديمة وأعرافها وتقاليدها وثقافاتها وفنونها وطقوسها وآدابها الشعبية. ومن ثم، تسعف الباحث الإثنولوجي على التحليل والتفسير والتأويل وفق ما تجمع لديه من معلومات ومعطيات ومعلومات عن مجموعة من الظواهر التي تتعلق بالمجتمعات والإثنيات القديمة.

ومن شروط البحث الحقلي أن يكون بحثا علميا دقيقا مركزا، يتسم بالموضوعية من جهة، والابتعاد عن الأحكام الذاتية والإسقاطية والتعميمية من جهة أخرى. ومن هنا، "تقوم فعالية الاستقصاء الحقلي دون شك، لا على بحث واع وفاعل، بقدر ما تقوم على التعلم العفوي.لذلك إذا ما اقتضى الأمر الاهتمام بالمنهجية، فإن فن الحقل كما جرت التسمية أحيانا لايمكن تعلمه من الكتب. فحين نكون في وسط ثقافة تختلف عن ثقافتنا، فإن هذه الثقافة الغريبة ستعمل على إعطائنا معلومات وعلى تشكيلنا ثقافيا أكثر مما تقدر ذاكرتنا على أن تعطينا إياه لنتفكر فيه. إنها تحدث فينا صدى أكبر من الصدى الذي نحدثه نحن فيها.هذا ما نطلق عليه اسم المعرفة عن طريق المؤالفة أو بالتشبع.إنها معرفة سيناريو الأحداث التي تدور حولنا. تسمح لنا التجربة بأن نقول ماذا يمكن أن يحصل، وبعدم تجاهل القواعد الكامنة في الثقافة. لأن التآلف البطيء والصبور مع الحقل لايجعل الأنتروبولوجي يتعامل بالكلية مع تنوع الظواهر أو أن ينقاد لها: إنه يحسن التمييز بين المعلومة وبين الضجيج المحيط. إنه اختبار الحقل-أو كما نقول منذ سيغموند فرويد- اختبار الواقع الذي يتيح عدم الاستسلام لإبداعات تحكمية وعدم إسقاط مايريد الباحث إسقاطه على الواقع الاجتماعي، وعدم الركون إلى مصالحه الذاتية أو الاستماع بالكلية لمصدري المعلومات الذين يحبذ العمل معهم.على الأنتروبولوجي في بذله جهده توصلا إلى الموضوعية أن يقاوم ضد نزعتين متباينتين: الأولى، أن يترك لعاداته قوة تنظيمها الحر والاعتيادي من حيث التقليل من أهمية الانطباعات الآتية من الخارج، وذلك بجعلها تنساب من المقولات الجاهزة التي تشكل تجميعا للاختلافات، بحيث يحول هذا التجميع كل معلومة خارجية إلى مجموعة الأصل كما لو كان ذلك إشارة إلى غرائبية  باطنية.أما الخطر الذي يكمن في مثل هذه الحالة، فهو المبالغة في التأويل."[12]

وينبغي على الإثنوغرافي أن يترك مسافة بين ذاته و موضوعه، ويبتعد عن الأحكام الجاهزة التي قد تسيء إلى موضوعه البحثي، وينصت جيدا إلى ما يقوله الحقل الاختباري أو الميداني.

إذاً، ينبغي " على الأنتروبولوجي في حقل عمله أن يجد نفسه باستمرار طارحا جانبا مقولات واهتمامات لاتتوافق مع مقولات ثقافته الأصلية، ولا مع المحصلات المدرسية في مهنته لقلة الاعتداد بها.إن موهبته تقوم على إظهار نفسه متقبلا.ومن جانبه وفي اتخاذه لموقع العارف، فإن صاحب المعلومة يعطي العالم معرفة يجهد في سبيل فهمها.والمعلومات التي يقدمها تندرج عند الأنتروبولوجي في مجموع لايعرفه.فإذا كان هذا الذي يعرف لايقول كل مايعرفه، فإن المعرفة التي يعطيها تبقى إلى حد ما معرفة منقوصة.فانطلاقا من توتر بين المقال وبين المسكوت عنه، وعلى المعارف التي يقوم كل طرف بنسبتها إلى الآخر، يتكون ما نطلق عليه اسم المعطيات الإثنوغرافية.لذلك على الأنتروبولوجي أن يكون على السمع.فعليه أن يخلق مسافة ليترك مجالا للتعبير ليس عن القيم فحسب، بل ليترك مجالا أيضا لتساؤلات وشكوك معطي للمعلومة.في مرحلتها العلموية، لم تعترف الإثنوغرافيا دائما بمعطي المعلومة كمحدث حقيقي. إن لهذا التمايز قيمته، ذلك أن عبارة معطي المعلومة تسحب النزعة الشخصية عن التجربة التذاوتية في الاستقصاء الحقلي."[13]

وعليه، فالإثنوغرافيا منهجية وصفية ميدانية وتطبيقية لما خلفه الإنسان من عادات وتقاليد وأعراف وثقافات ومخترعات وصناعات وتقنيات ومعتقدات وقيم  وفنون وفلكلور عند جماعة معينة، أو مجتمع معين، في زمان ومكان محددين.ومن ثم، تشكل المادة الإثنوغرافية قاعدة أساسية للبحث الإثنولوجي.ومن هنا، تكمل الدراسة الإثنوغرافية عمل الإثنولوجي؛ حيث تعضده وتقويه وتدعمه كما وكيفا.

إذا، فالإثنوغرافيا عبارة عن دراسات تطبيقية لمعرفة كيفية تنظيم المجتمع. أو بتعبير آخر،" تعني الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد، والعادات، والقيم، والأدوات والفنون، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة، أو مجتمع معين، خلال فترة زمنية محددة.[14]"

وعلى العموم، فالإثنوغرافيا بحث تطبيقي ومنهجي وميداني، يهدف إلى دراسة قيم المجتمع، وعاداته، وأعرافه، وتقاليده، وأنشطته الثقافية الخاصة.ومن ثم، يعد الوصف الإثنوغرافي أول مرحلة في العمل البحثي.في حين، تهتم الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا بتفسير العادات والأعراف والمؤسسات.أي: مرحلة التوليف أوالتركيب الذي كثيرا ما يتحقق عن طريق المنهج المقارن." إن هذا المستوى من المسعى البحثي هو الذي يشهد بروز التقنيات أو  المقاربات التي تختلف باختلاف الباحثين، إذ يذهب بعضهم إلى تفسير المراسم والشعائر الدينية مثلا بوظائفها المجتمعية الاستدماجية التوحيدية، بينما يذهب آخرون إلى المقارنة بين مزارعين مستقرين من جهة ورعاة رحل من جهة أخرى ليستخلصوا من أنشطتهم شخصيات ثقافية ونفسيات متباينة.هكذا ينتمي كل نمط من أنماط التفسير إلى مدرسة فكرية معينة."[15]

وعليه، تتجاوب الإثنوغرافيا - حسب كلود ليفي شتروس- " مع المراحل الأولى من البحث: المعاينة والوصف والعمل الميداني.والأدروسة التي تدور حول مجموعة محصورة النطاق بما يكفي لجعل الباحث قادرا على تجميع القسم الأعظم من معلوماته بناء على خبرته الشخصية، إنما تشكل نمط الدراسة الإثنولوجية بالذات. ولاحاجة بنا إلا أن نضيف أن الإثنوغرافيا يشتمل أيضا على المناهج والتقنيات المتصلة بالعمل الميداني من حيث تصفيف الظواهر الثقافية المخصوصة ووصفها وتحليلها (سواء أكانت أسلحة أو أدوات أو معتقدات أو مؤسسات).أما بالنسبة  للأشياء المادية، فإن متابعة هذه العمليات تتم عادة في المتحف الذي يجوز اعتباره من هذه الناحية بمثابة امتداد للحقل أو الميدان."[16]

إذاً، تستند الإثنوغرافيا - حسب كلود ليفي شتروس- إلى الملاحظة الحقلية، والمعاينة العلمية الدقيقة، والوصف التفصيلي، والعمل الميداني.

المبحث السادس: إيجابيات الإثنوغرافيا وسلبياتها

لاشك أن للإثنوغرافيا إيجابيات عديدة لاينكرها إلا جاحد متغطرس.فمن حسنات هذا العلم أن الإثنوغرافيا منهجية بحثية حقلية وميدانية بامتياز. علاوة على كونها منهجية قائمة على ملاحظة الظواهر الإثنولوجية في البيئة الطبيعية، ودراسة السلوك كما يظهر للباحث فهما وتفسيرا وتأويلا. ولا يتأتى ذلك إلا بعد جمع المعلومات والبيانات ووصفها.ومن هنا، فالإثنوغرافيا إجراء كيفي تطبيقي يقوم على الملاحظة الميدانية الموضوعية التي تتجاوز الدراسات الإثنولوجية الذاتية التي كانت تعتمد على أخبار الرحالة، والمبشرين، والعسكريين، والإداريين، والرواة...

بيد أن للإثنوغرافيا كذلك سلبيات وعيوب. ومن بين هذه السلبيات أن الدراسة الحقلية الميدانية ليست هي الطريقة الوحيدة لتطوير البحث الإثنولوجي من جهة، وتنمية الدراسات الأنتروبولوجية من جهة أخرى، فيمكن للباحثين والمفكرين والفلاسفة والعلماء أن يصلوا إلى نتائج مهمة في المجالات الإثنولوجية والأنتروبولوجية دون النزول إلى الميدان، فيكفي أن يجتهد الباحث في استقصاءاته الحدسية، والاستفادة من تجاربه الخاصة، والاعتماد على قدراته الكفائية في إدماج معارفه وموارده ودراساته وتقنياته ومهاراته في بناء البحوث الإثنولوجية بشكل علمي دقيق. ويمكن تعويض هذه المنهجية الكيفية النوعية بالمناهج الكمية المعروفة في مجال البحث العلمي لتحصيل النتائج اليقينية.وفي هذا، يقول مارك أوجيه وجان بول كولاين في كتابهما (الأنتروبولوجيا):" يمكننا، مع بعض المشروعية، أن نعتبر الاستقصاء الحقلي بمثابة الشروط الأولى لعمل أنتروبولوجي، إلا أن ذلك ليس بالترياق أبدا.فكل الباحثين الذين يحاولون الإجابة عن السؤال:" ماهو الإنسان؟" إنما يمارس الأنتروبولوجيا.ثمة لائحة طويلة من المفكرين من إيمانويل كانط إلى تودوروف، في إمكانهم تكوين أفكار عن السؤال دون أن تكون لهم تجربة عمل حقلي، بسبب علمه الغزير وحدوساته اللامعة. مارس مارسيل موس تأثيرا مستمرا في أفكار الأنتروبولوجيا، هذا دون أن يكون رجلا عمل في حقل؛ وإذا ماعلمنا مدى الدقة الواجب بلوغها للوصول إلى ملاحظات مناسبة، فقد كان أيضا أستاذ طرائق استقصاء.من  جهة أخرى، إن التنقل ومصادفة الناس وجها لوجه يمكن أن يثير الاعتقاد بوجود تجريبي لحقل مغلق جدا، إلا أنه ليس في وسع أي أنتروبولوجي أن يثبت إقفال ثقافة أو حقل. إن الاستقصاء لايقتصر على الوصف داخل المكان الذي يجري فيه الاستقصاء؛ ولايمكن أن نحرمه من التحديدات الخارجية التي يدرسها اختصاصيون آخرون، مثل الجغرافيين والديموغرافيين والمؤرخين واللغويين وعلماء النفس ...إلخ."[17]

ومن هنا، يتضح لنا أن الإثنوغرافيا ليست حقلية وميدانية بالضرورة، بل يمكن الوصول إلى حقائق إثنولوجية متميزة اعتمادا على صيغ أخرى من البحث كاستخدام التفكير الفلسفي، والاستعانة بالحدس التأملي العميق، وتوظيف التخييل العلمي الدقيق،وتوظيف الخبرة الكفائية للباحث العلمي، وقراءة الرموز الحفرية والحقلية سيميائيا ونفسانيا واجتماعيا، والاستعانة بالمناهج الكمية والإحصائية...

ناهيك عن كون هذه البحوث الإثنوغرافية تستغرق وقتا طويلا بين سنتين إلى عشر سنوات، وتستلزم الإلمام بلغة الجماعة المدروسة، ويتطلب هذا بدوره وقتا طويلا. ويصعب التعامل مع بعض المجتمعات المحافظة على مستوى اللغة، والعادات، والمعتقدات، والدين، والفصل بين الجنسين. وغالبا، ما يخضع الباحث لخلفيات دينية وفلسفية وسياسية وإيديولوجية وإثنية مسبقة تسقطه في الذاتية والأهواء والمنازع الشخصية.وقد يدفع حضور الباحث في جماعة ما ، في أثناء المعايشة الحية، إلى عدم تصرف الناس بعفوية وتلقائية كما في حياتهم اليومية. وقد يتعاطف الباحث مع المجتمع المدروس، إذا عاش معهم فترة طويلة.وبذلك، يتخلى عن النزاهة والحياد والموضوعية العلمية.

وقد يتعرض الباحث الإثنوغرافي لمجموعة  من الأخطار التي قد تودي بحياته نهائيا، ولاسيما إذا كان الحقل الميداني يقع في أمكنة صعبة وموحشة جدا كدراسة القبائل والعشائر الأفريقية والآسيوية؛ حيث لايوجد الأمن والسلم والاستقرار ؛ مما يؤثر سلبا في استمرار حفرياته التنقيبية، والقيام بالاستكشاف الحقلي.

دون أن ننسى صعوبة التدوين وتسجيل الملاحظات المرصودة بطريقة مباشرة وآنية وسريعة، فعلى الباحث الإثنوغرافي أن ينتظر وقتا طويلا حتى يعود إلى خيمته أو المنزل الذي يؤويه، وهذا سيؤثر في ذاكرته التحصيلية بلا شك.

وينبغي على هذا الباحث أن يمتلك مهارة وكفاءة فائقة في الملاحظة والمعاينة والتسجيل والتوصيف. ومن ثم، يتطلب البحث الميداني التدريب العملي المستمر على آليات الملاحظة والتدوين والمعاينة والتسجيل.

ومن جهة أخرى، يصعب تحليل النتائج التي توصل إليها الباحث الحقلي بسبب كثرة البيانات والمعطيات والمعلومات المحصلة؛ مما يجعل الباحث الإثنوغرافي عاجزا عن الإلمام بالتفاصيل العلمية الدقيقة كلها .

وأكثر من هذا فالبحث الإثنوغرافي مكلف جدا  من النواحي العملية، والمادية، والمالية، والإدارية، والبشرية؛ حيث تعجز بعض الدول الفقيرة أو النامية عن تمويل تلك الدراسات الحقلية مقارنة بالدول الغربية المتقدمة.

ومن عيوب البحث الإثنوغرافي كذلك أنه يعتمد على عينة محدودة ومعينة بدقة كأن يكون فردا واحدا، أو فصلا أو مدرسة واحدة.ومن ثم، تكون النتائج المحصلة مرتبطة بتلك العينة ؛ حيث يصعب تعميمها على باقي العينات الأخرى. 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، إن علاقة الإثنولوجيا بالإثنوغرافيا كعلاقة النحو بالإعراب. ويعني هذا أن الإثنوغرافيا دراسة بحثية ميدانية تطبيقية بامتياز، تقوم على المعاينة الحقلية، والمشاركة الحية، والفحص الحفري، وملاحظة الظواهر الإثنولوجية، وجمع المعطيات والبيانات والمعلومات حول تلك الظواهر التي ستدرسها الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا فهما، وتفسيرا، وتحليلا. وبهذا، فالإثنولوجيا نظرية من جهة، والإثنوغرافيا تطبيقية من جهة أخرى. ومن هنا، يوفر الإثنوغرافي مادة إثنوغرافية دسمة للباحث الإثنولوجي ليبني فرضياته العلمية، ويطرح إشكالاته المشروعة، ويقوي نظرياته وتصوراته البحثية.

ومن جانب آخر، يمكن القول، بأن الإثنوغرافيا هي ملاحظة الظواهر الإثنولوجية ملاحظة حقلية ميدانية، وتجميع المادة العلمية بغية توصيفها.وبعد ذلك، تتدخل الإثنولوجيا لتنظيم تلك البيانات وترتيبها،  وتصنيفها، وتنميطها، ومقارنتها. وفي الأخير، تتولى الأنتروبولوجيا مهام التحليل، والتفسير، والتنظير.

وبهذا، تتجاوز الإثنوغرافيا العلمية والحقلية ما كان يسمى من قبل بالتتبع التاريخي للمجتمعات الإثنولوجية، و تبتعد أيضا عن النظريات التطورية التي كانت ترصد مسار الشعوب القديمة وفق تطورها الطبيعي والبيولوجي، وبدأت تنأى كذلك عن تلك المقارنات التي كان يتكئ فيها الإثنولوجيون على روايات الرحالة، والمكتشفين، والمخبرين، والعسكريين، والمبشرين...، مستبدلة ذلك كله بتجارب حقلية وميدانية وحفرية تطبيقية علمية.

 

 د. جميل حمداوي

.......................

الهوامش:

 [1] -Jean Copans, L’enquête ethnologique de terrain, Paris, Nathan, 1998.

[2] -Coulon A. L’école de Chicago. Paris : PUF, 1992.

[3]- Louis M. Smith., « Ethnography », Encyclopedia of Educational Research, 5th edition, New York, Macmillan, 1982.

[4] - انظر:  حسين فهيم: قصة الأنتروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، عالم المعرفة، الكويت، العدد98، فبراير1986م، ص:14

[5] - جاك لومبار: مدخل إلى الإثنولوجيا، ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب،الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:12.

[6] - جاك لومبار: مدخل إلى الإثنولوجيا، ص:12.

[7] - جاك لومبار: نفسه، ص:13.

[8] - محمد عبده محجوب: الأنتروبولوجيا الاجتماعية، دراسات نظرية وتطبيقية، دار المعرفة الجامعية، مصر، الطبعة الأولى سنة 2009م، ص:13.

[9] - Sirota.R : (Approches ethnographiques en sociologie de l’éducation : l’école et la communauté, l’établissement scolaire, la classe), in : sociologie de l’éducation (dix ans de recherches), L’Harmattan, 1990, pp : 180-181.

[10] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: الأنثروبولوجيا، ترجمة: جورج كتوره، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2008م، ص: 71-72.

[11] - محمد عبده محجوب: الأنتروبولوجيا الاجتماعية: دراسات نظرية وتطبيقية، ص:61.

[12] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: الأنتروبولوجيا، ص: 72-73.

[13] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: نفسه، ص: 71-72.

[14] - عدنان أحمد مسلم: محاضرات في الأنتروبولوجيا (علم الإنسان)، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:55.

[15] - جاك لومبار: نفسه، ص:13-14.

[16] - كلود ليفي شتروس: الأنتروبولوجيا البنيوية،ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1995م، ص: 375-376.

[17] - مارك أوجيه وجان بول كولاين: نفسه، ص: 81.

 

بقلم: شارلس بترورث

لم يعد بإمكاننا أنْ نبقى صامتين، لأنه بدى أصلاً أننا لسنا صامتين تواضعاً بل صامتين خوفاً.

سيبريان، ضد ديمتريانوس

Tacere ultra non oportet; ne jam non verecundiae sed diffidentiae esse incipiat quod tacemus (Cyprian, Against Demetrianus(

يعرف الضالعون في ترجمة نصوص فلسفية معقدة من لغة إلى أُخرى بدرجة من الدقة في الحَرْفية والاسلوبية أنَّ مثل هذا الجهد ليس باليسير. وتصبح المهمة أشد وعورة حين يسعون لتقديم فكر المؤلف بدلاً من تقديم وعرض تصوراتهم (افتراضاتهم) عن ذلك الفكر. ولكي يتحاشوا الحكم على المؤلف مُسبقاً، فَهُمْ يتناولون النصَّ كما يبدو، في أصل صياغته، محاولين فهم ما يقوله المؤلف فعلاً. وفعلهم هذا منطلق من فرضية أنَّ المؤلف محل الدراسة يعرف ما يريد توصيله وهم يضعون هدفهم فهم ما قصد اليه المؤلف.

على أنَّ هناك منهج آخر في التعامل مع هذا الأمر يرى أنَّ الفكر البشري مقيد بزمان وبمكان تشكله، وحتى بالأعراف اللغوية السائدة أثناء تشكله؛ وعليه سيعتمد فهم الفكر على الاعتبارات التاريخية والفيلولوجية (فقه اللغة). ويرى أتباع هذا المنهج أنَّ عملهم البحثي يقوم على تأكيد، اعتمادا على التحقيق التاريخي المزعوم بالنزاهة، على ما قد تمكن مؤلف ما من معرفة موضوعه ومن ثم تفسير المؤلف وفق هذا الحتمية. ويقوم أتباع هذا المنهج، على هدى هذه التأملات، بإعادة بناء نصوص معينة ومن ثم ترجمتها.

ورغم أنَّ كل ترجمات أعمال الفلسفة العربية في القرون الوسطى التي ظهرت في الربع الأخير من القرن الماضي قد تمت وفق أحد هذيّن المنهجيّن، لكن لم يفلح أيٌ من أتباعهما في عرض منهجه بوضوح كافي. واكتفوا بتقديم تمهيد قصير عن الاعتبارات التي اتبعوها في الترجمة، على سبيل توضيح هذه الاعتبارات بدلاً من الدفاع عنها. اضف لهذا، إنَّ قلة من الترجمات المتوفرة كانت مطلوبة بشدة بحيث أنَّ اتباع المنهجيّن حرصوا للحصول على اي نص متغاضين عن هذه الفروقات مجاملةً. على أننا اليوم نتوفر على عدد كبير من النصوص الأساسية وترجمتها بحيث بتنا واعين بهذه الفروقات. وتُسوِّغ هذه الفروقات، بين هذيَّن المنهجيَّن، لكونها أساسية لدراسة الفلسفة العربية القروسطية، الدراسة والتحليل المعمقيَّن.

التاريخية، فقه اللغة والفلسفة

يبدئ الاعتراض،على المنهج الأول الذي ذُكِرَ في الفقرة الأولى من البحث، بإنكار امكانية تناول نص ما بما هو عليه (أي بصياغته الأصلية). وهذا راجع لاعتقاد أنَّ الظروف التاريخية تفرض قيودا على مؤلف ما بحيث لا تمكنه من الكتابة بصورة حرة أو أنْ يكون واعيا تماما بما يريد قوله. وبإشارة خاصة إلى شرح ابن رشد على كتاب فن الشعر لأرسطو، شدد الباحثون على أنَّ ابن رشد ما استطاع احتمالا فهم كتاب أرسطو كما نفهمه نحن اليوم. فكل ما استطاع فهمه من النص ‘‘ كان محصورا ومحددا بصورة موضوعية بالمدى الدلالي والتصوري للترجمة العربية التي بحوزته وأية شروحات كانت متوفرة لديه.‘‘ [1] ولكون الفكر البشري مقيد بهذه الطريقة، فعلى المرء اللجوء ‘‘ للتحليل الفلسفي واللغوي الفيلولوجي [الذي] يهيئ الإطار الذي يعمل ضمنه التقويم والتثمين المعياريَّن للأفكار المنطوية فيه-أي التحليل- ...... ويصف الحدود القصوى التي تصل إليها هذه الأفكار. “

والتفسير الاضافي هو أنَّ بإمكان الباحث، بعد إرساء أُفق رؤية النص، تمعن أساس (مذهبه) الفلسفي والحكم على ميزاته .ولكن بغض النظر عن النتيجة العملية إنْ كان لوحظ أصلاً فائدة فلسفية لمثل هذا التحليل الفلسفي واللغوي، فهناك اعتبار وصله مباشرة أكثر. وبتوضيح بسيط، التفسير المطروح لتسويغ هذا المنهج البديل خاطئ لسببيّن .

اولا، إنَّ اقرار الباحثين بوعي مؤلف ما بما يفكر به ورضاه عن عرض تفكيره بوضوح لا يفترض إطلاقا تطابق آراء المؤلف مع آراء الباحثين. إذ ينظر الباحثون لمهمتهم من جهة صلتها لاكتشاف بماذا يفكر المؤلف حقا وهم يفعلون ذلك، قدر الإمكان، بدون تقييد انفسهم بأية آراء مسبقة . وغاية مثل هذا المهمة هي العلم والوقوف بما قاله المؤلف وفهم دلالته، يعني معناه وأهميته.

بالطبع أنَّ النصَّ الذي كان بحوزة ابن رشد يختلف عن النصَّ الذي بين أيدينا. وبالتأكيد افتقر ابن رشد للمعرفة المفصلة عن اليونان القديمة وتاريخها وسياستها وثقافتها المتوفرة لدينا الآن. غير أنَّ هذه الاعتبارات ليست محل خلاف ولا هي موضوع البحث . على العكس، بعد قبول نصّ ابن رشد باعتباره نقطة البداية الحية الوحيدة، ستكون المهمة في المقام الأول هي تقدير وتحديد ماذا قالَ عن كتاب الشعر لأرسطو. وعندما نلاحظ غموض تفسيراته وقصورها في تبيين المعنى، يتوجب علينا البحث عن سبب ذلك أهو النصّ الذي في حوزته، أم فهمه القاصر عن تاريخ اليونان وثقافتها أم رغبته لإتيان حكم معين. لا يمكن للباحثين الجادين تجاهل استدلاليا تميز ابن رشد،بغض النظر عن التأثيرات الثقافية المحيطة به، بموقع فكر متماسك يستحق التوضيح. فمهمة المُترجِم هي تعريف ذلك الموقع وتجلي مضامينه.

ثانيا، لا اعتراض على ذكر الفروقات الزمانية والمكانية واللغوية والثقافية التي تفصل ابن رشد عن أرسطو، لكن الوعي بهذه الفروقات لا يؤدي لمعرفة─ وبالتأكيد ليست معرفة ‘‘موضوعية‘‘─ ما الذي يُقيِّد فهم ابن رشد لأرسطو. وبرغم التفاصيل الكثيرة التي أوردها وساقها باحثو فقه اللغة تاريخيا حول طرق استخدام الكلمات في أزمان مختلفة وحول حالة النصوص التي كانت موجودة زمن ابن رشد، لكن هذا لا يسمح الحكم مسبقا على ما استطاع ابن رشد أنْ يفهمه من كتاب الشعر. وحقاً، ترفدنا مثل هذه التفاصيل بعوامل تخمينية ظنية فقط تفيدنا عندما نواجه تعقيدات في النصّ. يمكن طرح المسألة بصورة أشد وضوحاً: لا يهم كم نعرف الآن عما أثر على ابن رشد أو عن ماذا عرف ابن رشد عن نصّ أرسطو، لعدم تمكين هذه المعلومات الباحثين من أنْ يُقدروا مسبقاً ما يقوله ابن رشد عن النصّ أو ما كان باستطاعته أنْ يقول عنه.

يُقَدِمْ الكلام المذكور في أعلاه المعرفة التاريخية واللغوية المحدودة التي يمتلكها المرء باعتبارها نوعا من العلم وتُصَوِر الذين يتبنونها ويسلكونها بأنهم من العلماء. وتدل هذه المعرفة ضمنياً على التقدير الدقيق لما استطاع ابن رشد فهمه عن أرسطو . بمعنى آخر، إنها تمكن المرء من فهم ابن رشد ليس كما فهم هو نفسه بل بأحسن مما فهم نفسه. وهذه المعرفة، التي تعلن مساهمتها للتطور في الفكر البشري، وللوعي الجديد الذي تبشر به حول كل الفكر القديم بمحدودية زمانه ومكانه، تعفي نفسها من نفس هذه القيود والتحديدات.

أما المنهج الآخر فيعتبر التعلم (learning) أكثر فائدة للفلسفة. وأصحاب هذا الاتجاه، مثلهم مثل الفلاسفة الذين يدرسونهم، ينطلقون من وعي عسر المشكلة الموجودة في النصّ الذي بين أيديهم وكذلك من حدود معرفتهم انفسهم. ويسعون لفهم أفضل للمشكلة الرئيسية والقضايا الأخرى الصغيرة المرتبطة بها لكي يبحثوا فضائل الحل الذي يقدمه فيلسوف ما. وهكذا، فبخصوص بعض المشاكل، يرون انفسهم في حمة نقاش وجدل جرى بنجاح وبدون أية تحويرات مهمة عبر الأزمنة والأماكن واللغات والثقافات.

ولكيلا يبدو هذا عويصا جدا، سأعرض لأمثلة ثلاث لهذيَّن المنهجيَّن المختلفيَّن نحو التفسير النصِّي ومثله للترجمة. وستوضح هذه الأمثلة الفروقات بجلاء مما يسمح بتقويم عادل لفضائل كل منهما. يركز المثال الأول على كيفية سعيهم لفهم النصوص التي يقرؤونها خصوصا الطريقة التي يفترقون بها في تفسيرهم عن التأثيرات المحتملة على مؤلف ما. أما المثال الثاني فيبحث ما يدعيه الفيلولوجي الحتمي باعتباره الانجاز المهم لتلك المقاربة، الوضوح المتحقق من دراسة التغيرات التي تطرأ على النصّ أثناء انتقاله عبر الزمان وعبر المكان وعبر موروث الاتجاهات اللغوية. وأخيرا- أي المثال الثالث- نعير الاهتمام لما يعتبره ذلك الاتجاه جدير بالاستحسان في الترجمة ولسبب وجوب الحكم على معاييره بصورة غير مُرضِية.

الشعر باعتباره جزء من المنطق

انطلاقا من ذلك البعد الفقهي اللغوي الخاص، تُعتبر ترجمة وتفسير شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر لأرسطو غير مستحسنة لأن مؤلفها ‘‘يلح معاندا أنَّ ابن رشد هو الذي ‘يعتبر فن الشعر جزء من فن المنطق،‘ ويسعى لتفسير سبب ‘ اتخاذ ابن رشد لهذا الموقف ‘.‘‘[2] ورُفضتْ الحجة التالية القائلة – على وجه الخصوص، لأن ابن رشد يسعى في شرحه الوسيط على كتاب الشعر‘‘ لإرساء الأسس ... لفن شعر يهدف أساسا لتشجيع الأفعال المحمودة والحط من الأفعال الرذيلة... يبدو معقولا تماما اعتبار الشعر أنه جزء من المنطق ‘‘[3]– بناء على الأسس التالية:

وهذا الأمر هو قلب الحقائق على رأسها : فليس لأنه أراد أنْ يعطي الشعر وظيفةً وعظيةً قام ابن رشد باعتبار الشعر جزء من المنطق، لكن لأن الموروث (التقليد،التراث) الذي يتبعه ابن رشد أعتبر الشعر جزء من المنطق فتوجب عليه أنْ يُسوغ هذه الحقيقة ويرى وظيفة وعظيه للشعر.

فالإشكالية لا تخص إنْ كانت فكرة جعل الشعر جزء من المنطق قد نشأت مع ابن رشد أم لا، لأنه لم يتم التعرض لسوابق ضم الشعر ضمن المنطق. بل بالأحرى، المشكلة هي طرح هذا التفسير النزق للسؤال المهم جدا عن سبب إتباع ابن رشد التراث الذي يجعل الشعر ضمن المنطق للدرجة التي تفترض أنَّ ابن رشد والفلاسفة الآخرين يتبعون طوعا أو كرها أي تفسير مُحدَثْ يصادفهم ويُطَوِّعون آرائهم ليناسب ويوافق ذلك التفسير.[4] وهذا مما يسمح للمؤلفين بقدر كاف للتحوير ولكن ليس بقدر كاف ليكونوا حذرين وواعين بالتفسير الجديد المُحدَثْ.

بتعبير اخر، تُصبح كل الخلافات الفلسفية الكبرى لا قيمة لها من وجهة نظر هذا البعد الحتمي. ويصر هذا البعد على أنَّ ما يجب أنْ يشغل الباحث المفكر هو ليس محاولة فكر القضية أو الموقف الذي تبناه فيلسوف معين بل البحث عن أصل الموقف المعين. وبدلا من رؤية البحث من خلال فائدته لإلقاء الضوء على المواقف، لتوضيح غير المُفسَر كلية أو غير المعروض بكفاية─ إيجازا، باعتباره مسانداً للبحث الفلسفي─ يعتقد أنصار هذا الاتجاه أنَّه يقوم على وجه الخصوص بتوضيح محددات وقيود كل الفكر السابق عليه. وما إنْ يتمكنوا من تشخيص منشأ وأصل رأي معين، فلن يجدوا داعيا لتقصي قيمته وأهميته. يجب فهم كل الفكر السابق، غير واعين من تجذره في التاريخ، فقط في إطار ما يخبرنا عن المناخ الفكري لذلك العصر.

لتعزيز الاعتقاد بأن ابن رشد قد أُجبر على تحريف تفكيره ليوائم التراث الذي يتبعه، يجدر بنا التوجه لمقدمة اسماعيل دحيات عن شرح ابن سينا لكتاب الشعر لأرسطو. وهناك، جرت محاولة لعرض نفس الادعاء بخصوص طريقة ابن سينا في تفسير كتاب الشعر لأرسطو. فيمضي دحيات ويؤكد أنَّ كل هؤلاء الفلاسفة الذين قبلوا بالتراث القائل ان الشعر جزء من المنطق وجب عليهم تأييد وظائفه الوعظية. ومع أنَّه يعترف ويقر علنا عدة مرات أنَّ الفلاسفة يكرهون الشعر، إلا أنه لم يتوقف مطلقا لمعرفة أسباب هذا الكره. إذْ يكفيه أنْ يلاحظ أنَّ الشعر‘‘ ‘ وُضِعَ في أسفل سلم المنطق،‘‘ وأنَّه ‘‘ أُعتبر ضمنا أقل أهمية، لنقل، من الجدل أو البرهان،‘‘ ويستنتج بأنَّ‘‘ هذا يفسر العناية القليلة التي أولاها الفلاسفة له مثل الفارابي الذي كان جل اهتمامه هو المنطق الصرف والفلسفة‘‘.[5]

ويخفق تفسير دحيات في استيعاب المقام الأساسي للبرهان في المنطق عند الفارابي وعند الذين وافقوه في فهمهم لكتاب أرسطو الارجانون. وبسبب اعتقادهم أنَّ القياس البرهاني هو أرقى صور المنطق، فقد صنفوا كل أشكال المنطق الأخرى وفقا لدرجة بعدها عن البرهان. وسواء كانوا حقا مقتنعين بأنَّ المنطق البرهاني ممكنا في كل الأحوال─ بالأخص في الحالات العملية─ أو لم يكونوا، فإنهم دافعوا بقوة عن ذلك. وفعلوا هذا أساسا لكي يصدوا فتنة الشعراء. كان الصراع بين الفلاسفة، باعتبارهم المشرعين المفترضين للنظام الأفضل، وبين الشعراء أو ما شابههم، الذين ينافسون الفلاسفة أما من خلال دفاعهم عن الوضع القائم أو من خلال تقديمهم رؤية بديلة عن النظام الأفضل، قضية ساخنة عند الفارابي أو ابن رشد مثلما كان عند سقراط في جمهورية افلاطون. وإنَّ عدم ادراك وجود هذا الخلاف، ناهيك عن ذكر مضامينه السياسية العريضة، هو الذي جعل دحيات ومن يشاطره في افتراضاته يخفقون في ادراك وفهم المغزى الكامل لإدخال الفلاسفة للشعر ضمن فنون المنطق.

انتقال نص ابن رشد

يتمثل الافتراض الأساسي لمنهج الفيلولوجي الحتمي بأنَّ الكتابات الموجودة في تراث الفلسفة العربية في القرون الوسطى، اعتمدت بالكامل على ما كان متوفراً من نسخ من نصوص أرسطو. وبخصوص الشرح الأوسط لابن رشد على كتاب الشعر، تم التشديد على أنَّ ‘‘ أصداء النص العربي الأساسي لكتاب الشعر ... كانت بمثابة الحافز للشرح فضلا عن تشكيله أساس الشرح.‘‘[6] وهنا تصبح رواية طريقة وجوب تحوير وتغيير نص أرسطو من خلال ترجمته من الإغريقية للسريانية ومن ثم للعربية، أمراً اساسياً لتوضيح هذا الموقف والدفاع عنه. ولتوضيح كيفية‘‘ تغير المعنى وتحريفه عند كل مرحلة تالية من الانتقال‘‘ يتم عرض ترجمات مختلفة لتعريف أرسطو للتراجيديا وكذلك للشروحات عليها (Poetics 1449b 24-28).

منطلقاً من ترجمته الإنجليزية الخاصة لأفضل النسخ الموجودة من النصّ اليوناني الأصلي، يقوم الناقد بالانتقال إلى النصّ العربي لشرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر ولترجمته الإنجليزية الخاصة به للنصّ العربي، ثم لترجمة ابو بشر متى العربية وترجمتها الإنجليزية .[7] ولاحقا، يعرض ‘‘شكل محور قليلا‘‘ لنصّ أبو بشر متى. وعلى أسس غير مُبينة ولا موضحة أبدا، يؤكد الناقد أنَّه الشكل الذي ‘‘فهمه ابن رشد‘‘ لنصّ أبو بشر متى الأصلي؛ ويصاحبها أيضا لترجمته الانجليزية لها.[8] ويستعرض أيضا النصّ العربي لشرح ابن سينا في الشفاء على التراجيديا مع ترجمتها الانجليزية من قبله أيضا.[9] ووضع كل هذا أمام ما اعتبره ‘‘ الترجمة بالكاد مفهومة، لأنها غير مُفسِرة، للمقطع ذي الصلة‘‘ من شرح ابن رشد الأوسط لشعر أرسطو(يعني ترجمة كاتب المقال).

وتواجه هذه القضية ثلاثة صعوبات. أولا، أنها تفيد في عرض اعادة بناء تاريخية فيلولوجية مفترضة لانتقال كتاب الشعر أكثر مما تعزز ترجمة كتاب ابن رشد. فهنا مثلا يكتب الناقد أكثر من ثلاثة آلاف كلمة لتوضيح ترجمة مائة وعشرة كلمة من نصّ ابن رشد. ولو اتبعت هذه العملية بصورة منهجية فسيواجه القارئ الممكن ─إنْ وجد مثل هذ القارئ─ بحجم قوامه ستمائة ألف كلمة أو ألفان وأربعمائة صفحة. ولو تركنا هذا الجانب العملي جانبا، يبقى السؤال المهم : هل بإمكان إعادة بناء النصّ المساعدة في فهم نصّ ابن رشد بأي طريقة نافعة.

لكنها ترينا أنَّ ابن رشد عجز عن شرح بعض كلمات وردت في ترجمة أبو بشر متى وأنَّه فهم بعض أجزاء منها بطريقة تناقض المعنى الظاهري للنصّ. وكلا الأمرين واضحان لأي شخص يقرأ شرح ابن رشد مقابل ترجمة أبو بشر أو حتى نصّ أرسطو نفسه - باليونانية أو مترجما. ولا تُعين اعادة تركيب النصّ أي شخص على تعليل التغيرات التي أدخلها ابن رشد. على العكس، يحاول الناقد لإرجاع مثل هذ التغيرات لصعوبات واجهها ابن رشد أو من سبقوه في فهم نصّ أرسطو كما وصل اليهم. ولم يفكر الناقد مطلقا او يتأمل احتمالية ان المؤلفين المتأخرين قد استخدموا النصّ لأغراضهم الخاصة وهي أغراض تتوافق مع غاية أرسطو النهائية لكنها تتباين بالتفاصيل بسبب الفروقات والاختلافات بين جمهورهم وبين جمهور أرسطو. ورغم اقرار الناقد وبعضا من الفيلولوجيين، الذي يدعي أنهم [10] يوافقونه الرأي، بوجود رابطة بين الشعر والخطابة، لكنهم ينكرون ويتجاهلون المضامين العملية لمثل هذه الرابطة. ومع ذلك فالفارابي وابن رشد كتبا في الفلسفة السياسية مثلما شرحا أيضا لكتابات أرسطو. وتتميز كتبهما في الفلسفة السياسية بالدقة جدا حول الدور المُوجِه للسياسة ─ وبالأخص الفلسفة السياسية─ في النظام الأمثل.

تتعلق المشكلة الثانية بمسألة إنْ كانت اعادة التركيب أو أي دليل أقامته (اعادة التركيب) تُجيزان الحكم على أنَّ هذه الترجمة لكتاب شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو:

ككل ليست دقيقة ولا تمثل ما عناه ابن رشد، لأنها [الترجمة] تخفق في اظهار التأثير الفاصل الذي كان للترجمة العربية المشوهة لكتاب أرسطو عن الشعر وشروحاته العربية المتقدمة على فهم ابن رشد للنص.[11]

وإحدى الطرق لاختبار دقة وموضوعية هذا الادعاء هو وضع ترجمة الناقد (A) للمقطع المحلل بصورة شاملة واسعة بجانب الترجمة قيد المناقشة (B؛ أي ترجمة كاتب المقال). وتظهر مقارنة النصيَّن أنَّ ترجمة الناقد- التي يزعم أنها استفادت من الوعي بهذه التأثيرات ‘‘الفاصلة‘‘─ هي ترجمة غير دقيقة، مُملة، وغامضة بلا داعي:

A                                                          B

The craft of poetry of praise is that it is a likening and imitation of a voluntary virtuous and complete action that has a universal potential [of application] with regard to virtuous matters not a particular potential [of application] with regard to each one of the virtuous matters [separately]; an imitation whereby souls are moved to temperate state through the mercy and fear which has been generated in them, this [coming about]through the images of purity and cleanliness which are evoked [as existing] in virtuous men.[i]

The art of eulogy… is a comparison and representation of a complete virtuous voluntary deed ̶ one that with respect to virtuous matters is universal in compass not one that is particular in compass and pertains only to one or another virtuous matters. It is a representation that affects souls moderately by engendering compassion and fear in them. It does this by imitating the purity and immaculateness of the virtuous.

يكمن هدف الترجمة في التعبير بلغة ما عما عُبرَ عنه في لغة أُخرى، ويتوجب أنْ يكون النصّ المُترجَم مفهوماً بذاته بقدر ما هو مفهوم في لغته الأصل. وفوق هذا كله، فهو موجه نحو القارئ غير المتمكن من قراءة النصّ بلغة الأصل. ويتوجب بهذا الخصوص استعمال الهوامش لتفسير المصطلحات غير العادية وأي صعوبات نصية أُخرى؛ غير أنه يُستحسن تجنب الإطالة التي تثقل النصّ وتجعله عسر القراءة. وبالقدر الذي يتجنب فيه مؤلف النصّ الأصل استعمال الأقواس، يتوجب على المُترجم أنْ يستوعب فكرة النصّ المُترجَم بلا لجوء لمثل هذه الوسائل المتكلفة. والأكثر أهمية، يتوجب على المُترجِم أن لا يضيف للنصّ المُتَرجَمْ ولا يحذف منه مالم يتم توضيح مثل هذه الاستدلالات واسنادها. وأخيراً، يجب على المُترجِم استخدام مصطلحات متوافقة مع ما يجري الحديث بشأنه؛ مثلا ليس هناك من مسوغ لترجمة الرحمة ب ‘‘ mercy‘‘ بدلا من ‘‘ compassion‘‘ أو ‘‘ pity‘‘.[13]

والمشكلة النهائية التي تناولتها عملية اعادة التركيب المبينة هنا هي إنْ كانت تُسوغ نقد الجملة التالية:

يستنتج أرسطو وابن رُشد الاجزاء المُكَوِنة للشعر من فهمهم لما يتوجب ويفترض أنْ تفعله المأساة أو المديح، يعني، لتصوير فعل فضيلة كامل أو كلي بكلام يكون موزون ومتجانس.[14]

في هذا المقام هل من المعقول أن تربط أرسطو وابن رشد في هذه العبارة وتعزو لهما فكرة أن المأساة ─ في حالة أرسطو ─ أو المديح─ في حالة ابن رشد ─ ‘‘ تصور فعل فضيلة كامل أو كلي.‘‘ وكما هو واضح ليس لأي منهما سند وتأكيد، يؤكد الناقد: ‘‘ لم يَقُل أرسطو شيئا حول فعل الفضيلة في تعريفه للمأساة. ‘‘[15] وللتأكيد، ليس هناك من ذكر لفعل الفضيلة في نقل الناقد لمقطع من أرسطو: ‘‘ المأساة هي محاكاة لفعل جدي كامل وبمقدار معين.‘‘ لكن العبارة قيد المناقشة تسمح بالتأويل، وهي نقطة يقرها الناقد ضمنا عندما يعترف بأنه اتبع في ترجمتها تحليل (D.W.Lucas) للمقطع.

يبين لوكاس أنه من الصعوبة تقدير أفضل ترجمة للمصطلح الاغريقي spoudaias، الذي تُرجِمَ هنا ‘بالرصين،‘. ولكنه يلاحظ الأتي:

إنَّ كون المأساة هي mimēsis قد توضح في الفصل الأول، بأنها تحاكي ال prattontes في الفصل الثاني، والنقطة الرئيسية في ذلك الفصل أنهما spoudaioi.[16]

وبملاحظته أكثر أنه ‘‘ لا توجد مفردة انجليزية واحدة لل spoudaias تصح على كلتي الرجال والفعل ‘‘، يُحيل لوكاس القارئ لملاحظة وردت في تعليقه على كتاب الشعر b61451. وهو يفسر، في ذلك المقطع الأخير، بأن ‘‘spoudaios المستعملة للأشياء لا تعني ما سيفعله أو يقره ال ho spoudaios.‘‘ ثم يُحيل القارئ لأخلاق أرسطو a211219، حيث يستعمل أرسطو الصفة spoudaios مقترنا مع المصطلح arēte لكي يلاحظ أنه ‘‘ إذا وجدت ميزة في حرفة الاسكافية [arēte skutikē] واسكافي جيد [ spoudaios skuteus]، فعملهم هو حذاء جيد [hupodēma spoudaion].‘‘ [17] ولربما لاحظ لوكاس أنَّ أرسطو يجري اقتران مشابه في الاخلاق النيقوماخية حين يدعي ‘‘ يبدو ..... أنَّ الفضيلة [arēte] والانسان الفاضل [أو الإنسان الجيد، ho spoudaios] هما معيار كل الأشياء.‘‘[18]

في ضوء هذا النقاش─ يجب ملاحظة أنَّ المرء ينطلق من نصِّ ذكره الناقد للدفاع عن ترجمته لتعريف أرسطو عن المأساة─ نجد عدم وجود مُسَوِغ للرفض المتعالي للمقطع قيد المناقشة. يقدم البحث الفيلولوجي المتميز بالتجريب والاستكشاف أكثر مما بالقطع والرفض، فكرة واضحة عما يعنيه أرسطو حين يتكلم عن مأساة تحاكي فعلاً هو عظيما spoudaias . وهو يفسر محور اهتمام مثل هذه الأفعال في الفصل الثاني من كتاب الشعر. وإضافة لذلك، فمجرد التأمل بالتراجيديا المشهورة يعيد للذهن أنواع الأفعال التي يقصدها أرسطو: قتلُ أوديب لأبيه غضبا وبالتالي زواجه من أُمه، رفض أنتيجون ليعير انتباهه لبلاغ كريون بألا تدفن أخاها بولينيسز، وازدراء هيبوليتويس المتعجرف لفادريرا. وبالتأكيد هذه هي أفعال جدية (serious) لكنها جدية على وجه التأكيد فقط لأنها تتضمن قضايا أساسية عن الصواب والخطأ، يعني، أفعال ذات ميزة أخلاقية . لم يكن ابن رشد بحاجة لينتظر ابن سينا، ولا أن ابن سينا سيعتمد على ‘‘ نقاشات مبكرة في الإرث الأرسطي‘‘، لرؤية هذا الدفق الأساسي لنصِّ أرسطو. وكل ما توجب عليهم فعله هو قراءة نصّ أرسطو بعمق والتأمل للحظة حول الموضوعات التي تناولها في كتابه الشعر، سواء المأساة أو المديح. وبقدر ما كان كل منهم ─ على وجه الخصوص ابن رشد─ مُصرا على تفسير نصّ أرسطو، فعلى المترجم الواعي أنْ يربط الأثنيّن معا.

ترجمة نصّ ابن رشد

المنهج المتبع في الترجمة، الذي ندافع عنه هنا، الموجود في شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر، يعتمد على فكرة أن الباحثين يترجمون نصوص المفكرين المتقدمين لاعتقادهم (أي المترجمون) بوجود رؤى عند المفكرين المتقدمين عن مشاكل قد تُحير المفكرين المتأخرين. ولا يسعى المنهج للحكم مسبقا على ابن رشد باراءة (اظهار) ماهي التأثيرات التي كانت للترجمات العربية القديمة لكتاب الشعر عليه(أي ابن رشد) أو كيفية تقييد فهمه لأرسطو. يُقدم مُترجِم شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر تفسيرا واضحا عن كيفية انطلاق ابن رشد (في شرحه) ويسعى (أي المُترجِم) لكي يميز بين تفسيره او تأويله وبين ترجمته له. ويُنبه المُترجِمُ القارئ لتعديلاته في النصّ، ولشكوكه حول مقاطع معينة، ومُسوغاته لمثل هذه التعديلات والشكوك. وقبل كل شيء، فهو يعرض الترجمة بوصفها عمل يقوم بذاته. ويتوجب قراءتها (أي الترجمة) بكونها أفضل شيء مقابل للنسخة الأصلية من النصّ. وتقصد الترجمة لخدمة التفسير والتفسير بالطبع يوضح الترجمة؛ ولكن لا يمكن لأي منهما أنْ يحل محل الآخر.[19]

و البعد التاريخي عند الناقد لا يحفل بكل الاهتمامات الاخرى. وهكذا في مراجعة مشوهة أُخرى لترجمة لإحدى شروحات ابن رشد الاخرى، وهي مراجعة يعتبرها مُصَوِّرة تماما لهذا المنهج، يدعي الناقد:

إنَّ شرحاً لنصِّ أرسطو مذكور في ترجمة عربية، شبيه بشرح ابن رشد، هو عبارة عن بناء فكري مركب يجمع عدة عناصر تاريخية وتصورية مختلفة متناقضة ويعمل من خلال الاستعمال الدقيق لمصطلح يكون عمله كالهيكل الذي يحمله ويمنحه تخصصه التاريخي. ويجب أنْ تديم ترجمة لمثل هذا العمل إلى لغة اخرى ضرورياً وبوضوح الفرق ضمن هذه العناصر وتحفظ وبدقة التفاصيل المصطلحية. وبخلافه فلن يتحقق غرض الترجمة، لأن المستفيدين المؤملين، ومؤرخي الفلسفة الذين لا يعرفون العربية، ستفوتهم الفروقات الدقيقة التي تساعدهم على التقويم الصحيح لعمل ابن رشد ومعرفة ديْن سابقيه وتأثيره على اللاحقين.[20]

وهذا بالتأكيد يقلب ترتيب الأشياء. تكمن مهمة التفسير (التأويل)،وهي مهمة تالية للترجمة، في ملاحظة ‘‘الفروق الدقيقة‘‘ في المصطلح. ووحده التفسير القائم على الانتباه الدقيق للحجج وتقدير صحتها سيساعد ‘‘مؤرخي الفلسفة ممن لا يعرفون العربية...... في تقييم بدقة عمل ابن رشد.‘‘

ومع ذلك فالناقد يخطئ وينقد ترجمة المصطلحات الفنية في شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر بكونها ‘‘اعتباطية وغريبة ‘‘ ويورد معالجة مصطلحي التخيل والنظر ليثبت التهمة.[21] وللنقد بخصوص ترجمة المصطلح الأول بال ‘‘ imitation‘‘ثلاثة أبعاد: أولا، إنَّ ‘‘evoking images‘‘(اثارة الصور) ينقل معناه بدقة؛ ثانيا، لم يتكلم بما فيه الكفاية حول أسباب ترجمة التخيّل ب ‘‘imitation ‘‘ ؛ وثالثا، فهذه الترجمة ‘‘ تُشوه فهم ابن رشد لكتاب الشعر وتلغي الغرض الأساس للترجمة.‘‘ تبدو النقطة المهمة هنا هي اخفاق المُترجِم ليسند ويدافع بصورة صحيحة عن قراره لترجمة التخيّل إلى ‘‘imitation ‘‘. ودليل ذلك، أنه تم عرض جملة واحدة مُقتبسة من هامش كبير مُوَسع لتفسير هذا القرار؛ ثم عُوقِبَ المُترجِم لغياب مراجع المصادر الثانوية دفاعا عن قراره. وزُعِمَ أنَّ أفضل ترجمة وهي ال‘‘evoking images‘‘، عبارة عن نقل انجليزي للمفردة الألمانية vorstellungsevokation التي طرحها Wolfhart Heinrichs في عمليَّن يبدو أنهما ‘‘ يضيئان التراث الذي كُتب به شرح ابن رشد وهما لا غنى عنهما لتفسيره.‘‘[22]

إنَّ الهامش المشار اليه، ولم يُقتبس كاملا، يعالج صعوبة استيعاب المصطلحات المختلفة التي يستخدمها ابن رشد للتعبير عن مصطلح أرسطو mimēsis . ولأن هدف المُترجِم المُعلن هو لجعل شرح ابن رشد مفهوم بلغة إنجليزية مقروءة، فقد نبَّه القارئ للصعوبات الكامنة في ترجمة هذه الجملة:

بخصوص القضايا الشعرية، فال imitation والrepresentation تتولدان وتنتجان من ثلاثة أشياء: النغمة المنسجمة، الوزن، والتشبيه نفسه.

يشير الهامش قيد المناقشة، الذي أقتبس الفيلولوجي الحتمي منه الجملة الثالثة، لترجمة التشبيه ب ‘‘comparison ‘‘ ويوضح المشاكل المهمة بالطريقة التالية:

إنَّ مصطلح التشبيه، المستعمل في الفقرة2، في اعلاه بالاقتران مع التخيّل، imitation، كلاهما ينفعان في نقل معنى مصطلح أرسطو mimēsis. لاحظ أنَّ ابن رشد في هذه الجملة يربط الrepresentation (محاكاة) بال imitation ومن ثم يستبدل مصطلح التشبيه بالمحاكاة ومشتقاتها في بقية الفقرة. يستخدم ابن رشد مصطلح التخيّل الذي تُرجم بانتظام بimitation، بمعنى عام ولذلك يستوعب بدقه فكرة ال mimēsis عند أرسطو. ان مصطلحي المحاكاة والتشبيه اللذيَّن اترجمها بانتظام ب representation وcomparison على التوالي، استخدمها ابن رشد كما لو كانا انواعا من التخيل (imitation أو mimēsis) لتصوير التخيل في الكلام، في الميلودي، أو في الشعر. انظر ايضا الفقرة 24 مع الفقرة 22 في ادناه، مثلا كيف يستعمل ابن رشد هذه المصطلحات بصورة متبادلة بدون أن يؤدي لأي اضطراب.[23]

يُعتبر هذا التوضيح رغم قصره وايجازه، ─ عندما يطرح كاملا مثلما طُرح هنا─ توضيحاً مناسباً. هدف المُترجِم هو لتجنب تحميل قارئ الترجمة عبء تفسير النصّ من خلال الهوامش الكثيرة. وحقا، تسعى مقدمة المترجم لتنبيه القارئ لكيفية فهم المُترجِم للنصّ.

مع ذلك، هل يصح الادعاء أنَّ استعمال مصطلح ‘‘imitation‘‘ مقابل التخيل يعمل على ‘‘ تشويه وتحريف فهم ابن رشد لكتاب الشعر ويبطل الغرض الأساسي من ترجمته؟‘‘. بالتأكيد لا. إنَّ قيمة مصطلح مثل ال vorstellungsevokation هو في اشارته لل imitation بوصفه اسقاط لخيال أو إثارة خيال(صورة) في عقل القارئ أو المستمع. لكن غاية المُترجِم في العثور على مصطلح إنجليزي─ سويا مع مشتقاته─ ليناسب السياقات المختلفة التي يقع فيها مصطلح التخيل ومشتقاته، جعلته يتبنى الاختيار الذي دافع عنه في الهامش المذكور في أعلاه. وهو ‘‘لا يحرف فهم ابن رشد لكتاب الشعر‘‘ ولا ‘‘يبطل غرض ترجمته‘‘، لكنه يجعل ما يقوله ابن رشد عن نصِّ أرسطو مفهوما ويساعد القارئ للتأمل بما يعينه ال imitation أو مشتقاته في أي سياق معين. وبعيدا عن استبعاد معنى ‘‘evoking images‘‘، فالمصطلح imitation يحيط به ويشتمل عليه ─ تماما مثلما يشتمل على عدد من معاني اخرى يتكلم فيها ابن رشد عن التخيل.[24] علاوة على هذا، يُبيِّن الانتباه الكافي لكتابات الفارابي التي استعملها Heinrichs ليصل لفهمه عن التخيل بكونه vorstellungsevokation أو‘‘evoking images ‘‘(إثارة الخيال) ومحاكاة بلفظ Nachahmung أو ‘‘imitation ‘‘، أنَّ الفارابي يستعمل المحاكاة بنفس الطريقة التي يستعمل فيها ابن رشد التخيل. يعني، بالرجوع للملاحظة قيد البحث، يتخذ الفارابي المحاكاة بمعنى عام لل ‘‘mimēsis ‘‘ ويستعمل التخيل والتشبيه بانهما أصناف له.[25]

ويُعتبر ما يمكن تعلمه من الدراسات النصِّية الشاملة التي قدمها الفيلولوجيون مثل لوكاس وهاينريشز بكونه أمرٌ مهمٌ وحتى اساسيٌ للترجمة والتفسير النهائي لنصوص مثل شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر . وتزداد أهمية هذه الدراسات بالقدر الذي يقدمها مؤلفوها على أنها غير حاسمة ولا نهائية، وهم باحثون يدركون حدود معرفتهم. وفي أيادي مثل هؤلاء الباحثين، نجد أنَّ المعرفة الفيلولوجية ليست حتمية ولا هي عصا يضربون بها معارضيهم ليذعنوا لهم.

لكن عودة لقضيتنا: يُلام لجوء المُترجِم على حد سواء لمفردة ‘spectacle‘ لنقل استعمال ابن رشد لمصطلح النظر حين يُشير لهذا الفن من المأساة أو المديح، مثلما سيختاره ابن رشد،. ورغم ايراد هامش يُبيِّن وعي المُترجِم بالاستعمال العادي للمصطلح بأنه يعني ‘‘التفكر أو التأمل‘‘، فيُبدي الناقد دهشته بأنَّ المصطلح يمكن مع ذلك ترجمته ب ‘spectacle ‘ ولهذا ‘‘مُقدماً ثانيةً صورة مشوهة عن فهم ابن رشد لكتاب الشعر.‘‘ وثانية، فمن المفيد أنْ نورد الهامش كاملاً:

يستعمل ابن رشد نفس المصطلح الذي يستعمله المترجم العربي القديم، النظر، حيث يتكلم أرسطو عن opsis . ولكن كما سيتوضح لاحقا جدا، وخصوصا في الفقرات 24 و31، فانه يفهم المصطلح بمعناه العادي جدا للتفكر والتأمل.[26]

وفي تلك التتمة التالية المباشرة، يقول ابن رشد:

والذي يُشَّبه في المدح ثلاث أيضا: العادات، والاعتقادات والنظر─ أعني، استدلال صواب اعتقاد ما.

هنا، كذلك حين يرد المصطلح ‘spectacle ‘ ‘النظر‘ في الفقرة 24 و31، يُحال القارئ للملاحظة التي ذكرت للتو. وقد أُستُعمِلَ المصطلح ‘spectacle ‘ وليس مصطلح ‘speculation ‘ أو حتى ‘reflection ‘ في كل الحالات الأربعة ليدل على معرفة ابن رشد بوجود شيء ما قيد الاستعمال أكثر من مجرد كونه ‘speculation ‘ أو ‘reflection ‘، لكنه غير متيقن تماما ما هو ذلك الشيء.

فمثلا، في الفقرة 24 يلاحظ ابن رشد:

إنَّ ‘النظر ‘‘spectacle ‘ هو ما يفسر صواب اعتقاد. وكأنه كان عندهم ضربا ما من الاحتجاج لصواب الاعتقاد الممدوح به. وهذا كله ليس يوجد في اشعار العرب، رغم وجوده في الاقاويل الشرعية المديحية.

ثم يضيف في الفقرة 31 :

الجزء السادس هو النظر─ اعني، الاحتجاج لصواب الاعتقاد أو صواب العمل، لا بقول اقناعي فان ذلك غير ملائم لهذه الصناعة، بل بقول محاكي. فان صناعة الشعر ليست مبنية على الاحتجاج والمناظرة، وبخاصة صناعة المديح ولذلك ليس يستعمل المديح صناعة النفاق والاخذ بالوجوه كما تستعملها الخطابة.

وترجمة النظر ب speculation أو reflection وبالتأكيد ليس ‘‘البحث النظري ‘‘، لن ينفع ولا يضيف شيئاً في أي من هذه الحالات. يُفترض بالترجمة أنْ تستوعب معنى النصّ المُترجَم، تذبذباته فضلا عن يقينياته وأنْ يتم ذلك بطريقة لا تحط من شأن المؤلف ولا تضخمه. وحين يحمل النصّ المُترجَم عبء اضافي لكونه ترجمة لنصّ مشروح عليه، فيتوجب أنْ يسعى أيضا لأن ينقل للقارئ أفضل فهم وحتى أعلى فهم تحصل عليه من النصّ. وتُحقق ترجمة مفردة النظر هنا ب ال spectacle، بوجود تفسير كامل الهامش، هذه الغايات بدقة.

يشير رفض الناقد لترجمة هذا المصطلح إلى قضية أعمق وبالغة الفائدة. ويوضح هذا الاعتراض، شبيه بذلك الذي يتعلق بترجمة جينكواند(Généquand) المذكورة أعلاه، شوق رغبة الناقد لترجمة تُقدم بوضوح وبصرامة─ بوجود الدليل الذي يملكه المُترجِم حول استعمال اللغة في تلك الفترة ─ التقييم العُلمائي المعاصر لما كان بإمكان المؤلف معرفته عن النصّ. ولكن، باستثناء المُحدِدِات الزائفة الواضحة التي يفرضها هذا المنهج على المؤلف (مثلا، ترجمة الرحمة ب mercy لكون ابن رشد مسلم)، فهو يعتمد بصرامة على البيانات التاريخية التي هي إطلاقا واضحة لا لبس فيها. إنَّ مُترجِم شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر، مُقِراً بسعيه ليتعلم من ابن رشد أكثر مما أنْ يحوصله (يحصره) في دائرة محددة مسبقا، قَدَّمَ نصَّا يترك الاحتمالات مفتوحة على التفسير والتأويل المشار اليه الان. اضف على هذا، وكما لاحظ في مقدمة لترجمة أُخرى لابن رشد، فهو يعي تماما سقطة المُترجِم خائن (traduttore, traditore).[27] يبدو الناقد من الناحية الأخرى مطمئنا جدا بأن علمه يحميه من مثل هذا الخطر.

وتقود مثل هذه الثقة للمغالاة بخصوص عمل باحثين آخرين. مثلا، على الأساس الذي ‘‘يقدمه كانتارينو لترجمة عن مقطع مهم‘‘ في كتابه الشعر العربي في عصره الذهبي لشرح ابن رشد، يصر الناقد بأنَّ المُترجِم ‘قد يكون اطلع على عمله – عمل الناقد‘.[28] ويوضح للمتمعن في ترجمة كانتارينو أنَّ ترجمته ليست بذي فائدة لرؤية كيفية ملائمة ترجمة هذيَّن المصطلحيَّن في السياق.

ويقوم الناقد بحذف الفصل الرابع (الفقرات 20-32) من الشرح─ يعني، المقطع الذي يدور فيه الحديث عن مصطلح النظر ─ بدون أي توضيح لذلك.[29] ولا تُقدم ترجمته اي فائدة بخصوص مسألة التخيل. في جزء من كتاب كانترينو الشعر العربي المكرس لمناقشة الشرح(= شرح ابن رشد)، يبذل كانتارينو جَهدا جهيداً حول كيفية ترجمة المشتقات المتعلقة بالتخيل ويقرر في النهاية بأن ‘‘العملية الذهنية هي التي يستطيع بواسطتها الشاعر أنْ يُوَلِد ويُحدِث تصوراته التخيلية لتكون خيالية، فعالة وخلاقة ابداعية.‘‘ وبالتالي، فهو يختار ‘‘الخلق التخيليimaginatively creating [يُخيِّل]‘‘، ثم يختار ‘‘ خطاب خلاق تخيليا imaginatively creative discourse [ مُخيِّل]‘‘ في ترجمته الطويلة (انظر ص 178). لأن كانتارينو يُترجِم الرابطة، التي ناقشناها في اعلاه، التي يقيمها ابن رشد بين التشبيه والتخيّل، بال ‘‘creative and mimetic representation،‘‘ ثم بعد خمسة عشر سطراً يُترجِم التخيَّل بال ‘‘imaginatively creation ‘‘ (ص.179).[30]

علاوة على هذا يغفل كانتارينو، لعدم اهتمامه الكافي بالمصطلح الفلسفي، المسألة الأساسية لاطروحة ابن رشد. مثلاً، عندما يناقش ابن رشد القصائد المتعلقة بالأفعال الارادية، فالمسالة قيد الاهتمام هي الفضيلة والرذيلة وليس ‘‘ الحَسَنْ والقبيح.‘‘[31] يُسئ كانتارينو ترجمة هذه النقطة الأساسية باستمرار، كما توضح المقارنة التالية بين نصِّه (A)، مع النصِّ المُراجَع (B):

A  

Since all comparison and representation deal with what is beautiful and what is ugly it is obvious that all comparison aims at embellishment (tahsin) or defacement (taqbih).

B

Since every comparison and narrative representation is concerned only with the noble and the base it is clear that in every comparison and narrative representation only praise and blame are sought.[ii]

 

نجد أنَّ كانتارينو يُخطئ في قضايا أقل تعقيداً أيضا لأنه يخفق في ترجمة مفردات بطريقة مضطردة. لذلك، فأياً كان قراره اشكاليا لترجمة الصدق والحق بانهما ‘‘subjective truth ‘‘ و‘‘objective truth ‘‘، على التوالي، فهو لا يديم هذا التفريق عندما يترجم لاحقا التصديق بانه ‘‘ objective representation .‘‘[33]

وعلى الجملة، إنَّ حظر الحتمي الفيلولوجي لترجمة المصطلحات الأساسية بكونه ‘‘اعتباطي وشاذ‘‘ يُثبت عند التمعن أنه لا أساس له. ويكشف التمعن الدقيق للمراجع المذكورة دفاعا عن النقود، علاوة على هذا، بأنها لا تُقدم أي تجسيد مادي لأنها أما تمت تسويتها ضمن الترجمة المطروحة─ كما هو الأمر في حالة هاينريشز─ أو أنها توضحت بعدم فائدتها لترجمة صحيحة لنصِّ ابن رشد.[34]

وضع حد للصمت

تُركز الفروقات بين المنهجيّن الموضحيّن هنا على الطريقة التي يحكم بها المرء على القابليات الفكرية للفلاسفة الذين يدرسهم الباحثون. لقد قيل أنَّ ابن رشد بوعي وعن قصد ابتعد عن نصِّ أرسطو، وأنه فعل ذلك لكي يبين أُمور معينة ما كان بإمكانه أنْ يفعلها بصورة مختلفة. بمعنى آخر، لقد أُفترض أنَّ ابن رشد كانت لديه معرفة كافية عما كان يقصده أرسطو لدرجة أنه كان قادرا على ادراك بعض النواقص في النصِّ الذي وصل اليه وأنه استعمل هذه النواقص ليقدم ويستعرض حجته. برغم ذلك، المؤلف قيد النقاش هو نفس ابن رشد المعروف من قبل طلبة أرسطو لتفسيراته المستقلة والجديدة ‘للمعلم الأول‘. ومن اللائق جداً حين التعامل مع كتابة فيلسوف كهذا، وجوب اتخاذ كل محاولة لاحترام وتقديم نصَّه مثلما كتبه هو. وعليه، للدلالة على تلك الحالات التي تظهر فيها الاخطاء في الترجمة المتوفرة لابن رشد أو حيث يبدو أنه مشوش بحق وحتى مخطئ، اشرنا لذلك بملاحظات اضافية دقيقة – وليس اعادة تركيب افتراضي لها.

وكما شاهدنا، يرغب مروجو المنهج الحتمي الفيلولوجي هنا لمعارضة فهمهم الضعيف لابن رشد وقابلياته للحكم على التراث الفلسفي. ورغم شهرة ابن رشد بكونه الشارح لأعمال أرسطو حتى من قبل أولئك المختلفين معه، فلا يساور ناقدنا قلق لرفضه باعتباره مؤلف من درجة ثانية. فهو يؤكد (الناقد) أنه بسبب النصِّ الناقص الذي في متناوله، لم يكن باستطاعة ابن رشد فعل أي شيء غير الذي فعله─ يعني أنه لم يكن عنده معرفة أفضل. هنا ينكر الناقد قطعيا امكانية امتلاك ابن رشد فهم للنصِّ يسمح له أنْ يستعمل أرسطو انتقائيا. وكما توضح الآن، يستطيع الاصرار على تفسيره الضيق فقط من خلال تجاهله عمداً الرهافة التي أرسى بها ابن رشد وزملاءه من الفلاسفة تعليمهم وبالتجاهل المقصود للبعد السياسي الكبير لذلك التعليم.

توضح فيما سبق أنَّ المنهج الآخر لا يؤدي لتبيان أخطاء التفسير المنسوبة له، ودافعنا عن الترجمة محل التساؤل ضد تلك الصيحات. وعلى طول مسار البحث، فقد لفتنا الانتباه للنتائج الخاطئة التي يقود اليها النقد سواء من حيث الطريقة التي يُفهم بها شرح ابن رشد لكتاب الشعر، وللطريقة، المهمة أيضاً، التي يُنقل بها النصّ للإنجليزية. وما يهمنا هو أنْ نتذكر أنَّ أي شخص سيختار المسير في ضوء الطريق الذي أوصى به الناقد سيوافق، بعد عناء شديد والتفافات غير ضرورية، على شرح ابن رشد. في الواقع، من غير المحتمل تماما أنْ تُثمر تلك الجهود بأي شيء سوى إعادة تركيب ظنية للنصّ، نصٌّ يُنقل للإنجليزية بطريقة مخيفة. إنَّ إيمان الناقد بتفوق معرفته التاريخية المزعومة تجعله غير قادر على تعلم أي شيء من ابن رشد وتلهمه أنْ يستبدل التقصي المُتفهم في هذه المسائل الفلسفية الكبيرة بتخمينات ظنية شكية حول ما قد يعنيه نصّ أرسطو لابن رشد.

علاوة على هذا، بسبب أنَّ اتجاهات قراءته تستحق اللوم كما فعلنا هنا، يتوضح عدم ايلاء ثقة للتأكيدات والنتائج التي تقود اليها تلك القراءات. يتوجب القول مع ذلك، أنَّ كل هذه النقود قد وُجهت ضد نوع خاص من الفيلولوجيا وقراءة التاريخ، وبالأخص، النوع الذي لا يفهم حدوده الخاصة ويتظاهر لذلك أنْ يكون فلسفة للتاريخ. وهذه النقود لم تُوجه ضد الفيلويوجيا أو التفسير التاريخي بذاته.

في مقدمة هذه المقالة وضعنا اعلان سانت سيبريان لدميتيريانوس بأنَّ وشاياته لن تهمل بعد الآن. وملاحظاً بأنه ‘‘ لم يعد بإمكاننا أن نبقى صامتين، لأنه بدى أصلاً أننا لسنا صامتين تواضعاَ بل صامتين خوفاً،‘‘ يواصل القديس سيبريان التوضيح ‘‘ وطالما نحتقر دحض الاتهامات الكاذبة، سيبدو أننا نقر اللوم، التهمة.‘‘[35]

 

بقلم: شارلس بترورث

عن مجلة IJMES، مجلد 26، عدد 1،صص:19-35.

 

ترجمة واعداد: زيد العامري الرفاعي

م. علوم/ م. فلسفة

............................

الملاحظات

ملاحظة المؤلف: ربما يتساءل القراء العارفين بالمصادر الثانوية المعاصرة عن السبب وراء عدم ظهور هذه المقالة- التي ركزت على مقالة مراجعة مذكورة في الهامش رقم 1 ادناه- في المجلة التي نشرت مقالة المراجعة الاصلية. يكمن السبب الرئيسي في أنَّ مجلة الجمعية الشرقية الامريكية لا تسمح بالردود، حتى لو أن محرريها سمحوا بمقالة المراجعة أن تطلب ردا عليها. والسبب الآخر هو، رغم حديثي عن القضايا المطروحة هنا، أنني أذهب لما وراء هذه القضايا لمسائل أوسع تهم الباحثين عموما. وأنا مدين بالشكر للمراجعين المحررين لمجلة IJMES لقراءتهم المعمقة لمقالتي ولمساهماتهم المفيدة.

[1] انظر Dimitri Gutas, “On Translating Averroes' Commentaries, “ Journal of the American Oriental Society 110 (1990): 93, column b (henceforth 93b). التشديد في الأصل.

[2] انظر On Translating,” 93b-94a‘‘؛ ثانية، التشديد في الأصل. والإحالة هي لكتاب شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر لأرسطو ترجمة Charles E. Butterworth (مع تمهيد وملاحظات)، مطبعة جامعة برنستون، نيوجرسي 1986، x. في السياق، فالمقطع بعلامات التنصيص المفردة يقرئ كالاتي:

‘في المقدمة، استكشف، بعض المسائل التي تحتاج الحديث عنها لأجل فهم أصح لحجة ابن رشد واضاءة الموضوعات الأساسية لتفسيره. مثلا، فأنا على وعي بأنَّ ابن رشد يعتبر فن الشعر جزء من فن المنطق، أُحاول تفسير سبب تبنيه لمثل هذا الموقف وأبحث عن سند له في كتابات ارسطو نفسه.‘

[3] انظر ‘‘مقدمة‘‘Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics، ص 49، ؛و ص14 والاحالات لنص ابن رشد. الاقتباس الذي يلي هو من ‘‘“On Translating، ص94a.

[4] لدلائل عن كيفية ابتعاد ابن رشد عن أرسطو حين توافق أغراضه، انظر (Averroes' Middle Commentaries on Aristotle's Categories and De Interpretatione) ترجمة Charles E. Butterworth (مع تمهيد وملاحظات) (مطبعة جامعة برنستون، نيوجرسي)، ص 91-92 .إنَّ استعمال مثل هذه التجديدات بصورة واعية من قبل الفلاسفة في التراث العرب القروسطي لأسباب دينية عديدة هو أمر مقبول عند كثير من الباحثين . فمثلا، تُبيِّن Miriam S. Galston في مقالة منشورة حديثا أنَّ الفارابي لم يصور ارسطو بانه يقول بانتساب الخطابة والشعر لفن المنطق في كتابه فلسفة ارسطو حتى لو انه ينسب هذه الفكرة لأرسطو في كتابه احصاء العلوم ؛ انظر

Al-Farabi et la logique aristotélicienne dans la philosophie islamique," in Aristote aujourd'hui, ed. M. A. Sinaceur (Paris: Erès, 1988), 202-6, 208-10.

ومقالة اخرى ذات صلة بهذا الخصوص هي مقالة Thérèse-Anne Druart's "Al-Farabi and Emanationism,، المنشورة في

‘‘دراسات في فلسفة العصور الوسطى‘‘ اعداد وتحرير John F. Wippel

(Washington, D.C.: The Catholic University of America Press, 1987), 42-43.

وانظر أيضا

Deborah L. Black, Logic and Aristotle's Rhetoric and Poetics in Medieval Arabic Philosophy

(Leiden: E. J. Brill, 1990), 1-16, esp. 8-13.

[5] انظر

Ismail M. Dahiyat, Avicenna's Commentary on the Poetics of Aristotle, A Critical Study with an Annotated Translation of the Text (Leiden: E. J. Brill, 1974), 18; see also ibid., 20 and 28.

وتجد في The Middle East Journal 30 (1976): 576-77.، مراجعة للعمل الذي يتناول هذه المسائل بتفصيل اكثر.

[6] انظر On Translating,” ‘‘ a93؛ ولما يلي، انظر نفس المصدر 95a و94b-97b .

[7] النصوص الأصلية موجودة في كتاب ابن رشد تلخيص كتاب الشعر، تحقيق تشارلس بترورث وأحمد هريدي (Cairo: GEBO, 1986)، الفقرة 20؛ وأبو بشر متى ابن يونس القنائي، كتاب ارسطوطاليس في الشعر، في ارسطوطاليس فن الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953)، 96: 24-27 .

[8] يختلف النصُّ الظني عن نصِّ أبو بشر متى فقط في الكلمات الستة الأخيرة. قول أبو بشر ابن متى وتُنَقِي وتُنْظِفً الذين ينفعلون[لذلك، On Translating," 95a ؛ لكنه يتوجب قراءة النصَّ العربي هكذا تُنَظِفُ، لعدم وجود صيغة رباعية للفعل ]، يطرح الناقد أن ابن رشد فَهمَ الجملة هكذا: ويَنقى وينظُفُ الذين يفعلون (96 a). وحيث يترجم النصوص، فهذا المقابل في الانجليزية لنصِّ ابو بشر متى

"and it (sc. the craft of poetry of praise) purifies and cleanses those who suffer"

يُفهم كالآتي ‘‘while those who act are pure and clean ‘‘. سيلاحظ قراء العربية أنَّ على الناقد أنْ يقرأ تُنَظِفُ لكي يتم ترجمتها ب ‘‘cleanses ‘‘ باعتباره فعل متعدي متجاوزاً كل قواعد النحو في ترجمته للنصِّ الذي يقدمه بانه فهم ابن رشد لأبي بشر متى.

وبخصوص الفعل ينفعلون عند أبو بشر، يشير الناقد ايضا ويقترح قراءته بهيئة يفعلون وينقله كالاتي ‘‘“[those who] act. . سيكون النصُّ مفهوما بطريقة صحيحة ولا يحتاج لتعديله لو نقل الفعل ينفعلون بصورة أكثر وضوحا كالآتي ‘‘[those who] are affected، ‘‘ يعني، يتأثرون بمشاعر العطف أو الشفقة والخوف.

إنَّ ‘‘الصيغة المحرفة قليلا ظاهريا‘‘ لنصِّ أبو بشر متى، كما ‘‘ فُهمت من قبل [أبن رشد]،‘‘ طُرحها الناقد هنا ليساعد نفسه تفهم شرح ابن رشد على هذه الفقرة : وذلك بما يُخَيَل في الفاضلين من النقاء والنظافة، التي يترجمها كالآتي

“through the images of purity and cleanliness which are evoked (as existing) in virtuous men“ (94b; الاقواس من صنع الناقد).

وستكون الترجمة المباشرة والمقنعة، ترجمة تُبيِّن معنى قوة الشعر الفريدة لإثارة مَنْ يستمعون اليه بمحاكاة تعاطفيه لما يفعله الآخرون، كالآتي:

“it does this by imitating the purity and immaculateness of the virtuous “

انظر شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر لأرسطو، فقرة 20.

[9] مع أن الناقد يشير لترجمة اسماعيل دحيات هنا، وكذلك الهوامش المصاحبة، إلا أنه يفضل بوضوح ترجمته الخاصة للمقطع؛ أنظر “On Translating, “ 96b, n. 18.

[10] على سبيل المثال، S. A. Bonebakker and J. C. Bürgel; see ibid., 99a.

[11] ibid., 92.

[12] لترجمة الناقد، انظر ibid., 94a. ؛ الاقواس المربعة من صنعه. ونسخة الترجمة الاخرى مأخوذة من الفقرة 20 من شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو.

[13] مع أنَّ استعمال مفردة ‘‘mercy ‘‘ كان القصد منها تبيان كيفية قراءة ابن رشد لأرسطو من منظور المُسلم، لكن لا شيء يؤكد مثل هذا الحكم المسبق. كما أنها لا تساعد على توسيع فهمنا للنصّ.

[14] انظر On Translating 97b‘‘. ينسخ الناقد، لأغراض ملاحظاته التالية، المقطع بالطريقة التالية، مُقرا أنَّ اشارات التأكيد هي من صنعه:

يستدل ارسطو وابن رشد على الأجزاء المكوِّنة للشعر [!] من فهمهم لما يُفترض أنْ تفعله المأساة أو[!] المديح، بالأخص، لمحاكاة فعل فضيلة [!] تام أو كامل في كلاهم هو موزون ومتجانس.

الجملة أعلاه موجودة في صفحة 20 من كتاب شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو.

[15] On Translating 97b؛ التشديد في الأصل. ولما يلي، انظر نفس المصدر،94b وكذلك ملاحظة رقم.7 .

[16]

  1. Lucas, Aristotle, Poetics: Introduction, Commentary, and Appendices (Oxford: Clarendon Press,

1968), 96.

وكما يوحي السياق، يفهم لوكاس ال mimesis باعتباره محاكاة “imitation“ ؛ ويمكن ترجمة ال prattontes بانه ‘‘فاعل الفعل‘‘ ‘‘doers of actions ‘‘.

[17] انظر نفس المصدر .،118 . الترجمة هي من صنعي. ليس هناك من نقاش حول ترجمة aretē بانها فضيلة او امتياز. بالرغم من أنَّ الحرفة البسيطة هي قيد النقاش، لكن الربط بين ال aretē وال ho spoudaios هو ربط مهم. ومن الواضح، فإن ال ho spoudaios تعني الانسان الخيِّر─ انسان ممتاز، فاضل، أو الماهر في الأعمال الشاقة البشرية المهمة. ولذلك فالسؤال يتعلق هل يمكن فهم ال spoudaios باعتبارها صفة تشير إلى مثل هذه الاهتمامات أو انها تعني فقط شيء آخر ثقيل وممل. هنا، على أية حال، من المفرط الادعاء بأن ‘‘ حذاء رصين‘‘ ينتج من ‘‘ ميزة صنع الاحذية‘‘ من قبل ‘‘ اسكافي جيد‘‘.

[18] انظر Nicomachean Ethics 1166a13 ؛ ثانية، الترجمة من صنعي. يشدد السياق على أنَّ الإنسان الخيِّر (ho spoudaios) هو الإنسان الذي يمتلك الحكمة العملية أو الامتياز الفكري للعمل وللفضيلة الأخلاقية. وبدلا من هذا المقطع، استشهد لوكاس Nicomachean Ethics 117713 حيث يستعمل ارسطو ال spoudaios لتصوير الفضيلة(aretē) في العمل:

يُعتقد أنَّ حياة السعادة أنْ تكون وفقا للفضيلة. وتنتج مما هو خير [spoudēs]، وليس مما هو طفولي. نقول أنَّ الاشياء الجيدة [ta spoudaia] أفضل من الأشياء المضحكة والطفولية وأن نشاط جزء أو انسان يكون أفضل كلما كان باتفاق مع الخيرية [spoudaioteran].

من الواضح، يمكن ترجمة كل من ورود ال spoudaios بال‘‘الرصين‘‘ فقط إذا فُهم ‘‘الرصين‘‘ بأنه يعني‘‘ عالي المقام‘‘ أو ‘‘ النبيل‘‘، يعني شيء ما فاضل.

[19] لتفسير اكمل عن هذه الآراء ودلالة كيفية تطبيقها، انظر

Charles E Butterworth, "Review of F. W. Zimmermann, Al-Farabi's Commentary and Short Treatise on Aristotle's 'De Interpretatione,'” The Muslim World 78 (1988): 149-50; "An Account of Recent Scholarship in Medieval Philosophy," Interpretation 16 (1988); 87-97.

وتأمل أيضا الملاحظات التالية من التمهيد لترجمة شرح ابن رشد الاوسط لكتاب الشعر لأرسطو، xii-xiii:

جهدت هنا للحرفية وللبلاغة، باعتباره أمر مناسب فقط لنصِّ عن فن الشعر، لكني ضحيت طوعا بالبلاغة لأجل الحرفية حينما ظهر الاختيار محتوما. وللمدى المرئي، اتبعت نفس اللفظة الانجليزية لنفس اللفظة العربية خلال الترجمة ولاحظت دائما استثناءات مهمة لهذا المبدأ...... وكان هدفي تقديم ترجمة انجليزية مقروءة ومع ذلك امينة لمقالة ابن رشد. وللاستمرار بهذا الهدف، نبهتُ القارئ للمشاكل من خلال الهوامش متجنبا الترجمة التفسيرية التي تخفي المشاكل دون أن تحلها.

[20]

Dimitri Gutas, “Review of Charles Généquand, Ibn Rushd's Metaphysics: A Translation, with Introduction, of Ibn Rushd's Commentary on Aristotle's Metaphysics, Book Lam," Der Islam 64 (1987): 123.

[21] انظر “On Translating," p. 92; also 93a and 98a.

[22] انظر نفس المصدر 99a. . عند الهامش 98a, n. 21، يحيل الناقد ل

Wolfhart Heinrichs, Arabische Dichtung und griechische Poetik: Häzim al-Qartäğanni's Grundlegung der Poetik mit Hilfe aristotelischer Begriffe, Beiruter Texte und Studien, Vol. 8 (Beirut: Imprimerie Catholique, 1969), 149-54,

في تشديده لترجمة تخيّل بالمفردة الالمانية Vorstellungsevokation. ومن المفيد بهذا الخصوص ايضا ملاحظة

Heinrichs's “Die antike Verknüpfung von Phantasia und Dichtung bei den Arabern," Zeitschrift der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft 128 (1978): 252-98.

يتوجب ملاحظة أنَّ السؤال البارز هنا هو ليس استعمال أو عدم استعمال المُترجِم للمصادر الثانوية، بل ماذا يعني التخيّل (وبالتالي mimēsis) وأي مفردة واحدة هي القادرة على نقل المعنى. والاقتباسات من الباحثين الآخرين، لا يهم كثرتها، غير مكافئة للحجة المنطقية.

[23] انظر Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics, 63, n. 18. الاشارة للفقرة الثانية في الجملة الأولى من الهامش، هي خطأ مطبعي، يجب أنْ يكون للفقرة الثالثة.

[24] بهذا الخصوص، نجد أنَّ D. W. Lucas, Aristotle, Poetics, app. I, “Mimesis"، مفيدة على وجه الخصوص. ومقراً بأنَّ ‘‘ الترجمة القياسية لل mimēsis ‘‘ هي ال ‘‘imitation ‘‘ (258)، يستمر لوكاس مع ذلك على التشديد (259) بأنَّ:

للمفردة mimesis معنى واسع بامتياز مما يجعل من الصعوبة تبيان تماما بماذا كان يفكر الإغريق حين استعملوا المفردة لوصف ما الذي يفعله الشاعر والفنان. ولكي نترجمها فنحتاج للمفردات التالية في سياقات مختلفة “imitate," “ represent," "indicate.” “suggest," "express.” . فكل من هذا المفردات يمكن HkX تشير للفكرة المفردة عن عمل أو فعل شيء ما يشابه شيء آخر.

وبعد أنْ تَتَبَعَ الطرق المختلفة التي أُستعملت فيها ال mimēsis في الكتابات الإغريقية في القرن الرابع ونظَرَ للترجمات الاخرى المختلفة الممكنة، يُولي اهتماما ب Hermann Koller's Mimesis in der Antike (Bern: A. Francke, 1954).. يشدد كولر، بعد محاججته بأن المصطلح mimēsis يعود أخيرا للراقص الطقوسي، mimos، أنَّ ‘‘ المعنى الأولي لل‘mimeisthai ‘ ليس'copy' أو 'imitate' بل give expression'” ‘‘(انظر Lucas, Aristotle, Poetics, 270-71) .

رغم أنَّ لوكاس لا يشير لمصادر الصفحة، لكنه يبدو أنه يتحدث عن صفحات 46، 104-6،110 وعلى وجه الخصوص صفحة 39 . إنَّ ادعاء كولر على ترجمة ال mimēsis ب “Nachahmung" ("imitation") هو تأكيد محدود جداً وخاطئ احيانا، خصوصا من حيث علاقته بالرقص؛ انظر نفس المصدر، ص18 و210. هو يؤكد،بدلا من ذلك، بأنَّ ال mimēsis يمكن نقلها كالآتي

“Darstellung" ("expression" or, even better, “representation").

وفي رسم تخطيطي يوضح تطور مصطلحات ال mimēsis وال mimeisthai في صفحة 120، يشدَّد كولر أن لفظة Darstellung افضل ما تستوعب الاستعمال النظري للمصطلح، بينما لفظة Nachahmung أفضل ما تستوعب الطريقة المستعملة في الكلام العادي.

حكم لوكاس النهائي، المعتمد على دراسته للنصوص المختلفة التي ذكرها كولر دفاعا عن حجته، قائم على أنه في معظم الحالات ‘‘ لا يمكن القول أنَّ المعنى المتعارف عليه لل‘imitate ‘ مستحيل.‘‘ وحقا، فهو مستعد فقط للقول ‘‘ يتوجب القبول أنَّ هناك مقاطع يكون فيها استعمال كولر دقيق‘‘.(Lucas, Aristotle, Poetics, 271).. ويعتبر ذلك الحكم، بتطبيقه على الحالة التي نحن بصددها، حكما معقولا: هناك حالات يكون فيها تأدية أخرى للمعنى ─ حتى ‘‘اثارة الخيالات ‘‘─ ‘‘دقيقا‘‘. وعلى الجملة، وهو الكل في المسالة قيد المناقشة، فلفظة imitation تستوعب معنى ابن رشد بصورة واضحة جداً. وتقدم ربطا مهما بكتاب الشعر لأرسطو، النصّ الذي يشرحه ابن رشد. فعلى سبيل المثال، حتى لو كانت موجودة ضمنيا في imitation، فان اثارة الصور evoking images ببساطة لا تنفع عند ترجمة التخيَّل في الفقرة 77 في Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics.

[25] انظر، الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء، في ارسطوطاليس : فن الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي،150:3-9, 15-16, 151:7-8, 15, 155:10. 14, 156:1-3 و158:2-3؛ وانظر أيضا الفارابي: كتاب الشعر، تحقيق محسن مهدي، in Shi'r 12 (1959) 91:4-6, 92:3-4, 12-17, 93:7-10 ff.. هذان هما العملان اللذيَّن اعتمدهما هاينرشز في تحليله الاول عن التخيّل في Arabische Dichtung ومنهما انطلق حين سعى لتحديد كيفية استعمال الفارابي لهذا المصطلح واشباهه بدراسة فعليا كل كتابات ‘‘المعلم الثاني‘‘ في المقالة ‘‘Die antike Verknüpfung. .‘‘

إنَّ سبب الاستعمال المختلف لألفاظ المحاكاة والتخيل عند الفارابي وابن رشد ربما يعود لابي بشر متى في نقله المتكرر لل mimēsis مرة بالمحاكاة ومرة بالتشبيه (انظر Heinrichs, Arabische Dichtung, 121, 146) أو تنشأ من الفهم المختلف لكل من هؤلاء الفلاسفة لنصِّ ارسطو. وأيا كان السبب، فالواضح أنَّه لا يمكن استعمال مصطلح الفارابي لتفسير ابن رشد بدون معرفة أولا كيفية فهم ابن رشد للشعر─ نوعما مثلما سعى المترجم أن يفعل في الهوامش كهذا الذي ذكرناه.

رغم أنَّ الاختلاف بين الفيلسوفيّن هو الحاسم هنا، لكنه يتوجب ايضا ملاحظة عدم قدرة هاينرشز على ادامة مصطلحه الجديد في ترجمة مقاطع من الفارابي ─ خصوصا حين كان عليه توسيع شبكته لتشمل مصطلح التصور (انظر Die antike Verknüpfung," 283-84, 288, 290 and nn. 112 and 114, 294) . ومثلما هو يعترف، ليست كل النصوص تسند هذا التفسير لمصطلح الفارابي (انظر نفس المصدر 285-86, nn. 101-4,، والاخص n. 104 والسطريّن قبل هذه السطور المذكورة).

[26] انظر Averroes' Middle Commentary on Aristotle's Poetics, 76, n. 19؛ وايضا “On Translating," 98aالاحالة هي للنصّ في الفقرة 22 من الطبعة والترجمة.

[27] انظر

Butterworth, trans., Averroes' Middle Commentaries on Aristotle's Categories and De Interpretatione, xx.

ويبدو تقدير باسكال للحالة البشرية، ومضامينه للمعرفة، مناسباً في هذا السياق:

"notre état véritable ... nous rend incapables de savoir certainement et d'ignorer absolument"; ؛ وانظر Pensées (Paris: Garnier Frères, 1958), 90, no. 72.. ولذلك ايضا هل أن تأمل نيتشه في رسالته لاوفربك بتاريخ 23 شباط 1887 : "Zuletzt geht mein Misstrauen jetzt bis zur Frage, ob Geschichte überhaupt möglich ist?"(= وأخيرا، فارتيابي يصل لحد التساؤل إنْ كان التاريخ ممكنا حتى؟)

[28] انظر

“On Translating, “ 98b، and V. Cantarino's Arabic Poetics in the Golden Age: Selection of Texts accompanied by a Preliminary Study, Studies in Arabic Literature, Supplements to the Journal of Arabic Literature, Vol. IV (Leiden: E. J. Brill, 1975).

ورغم أنه لا يستشهد بالعنوان الفرعي لعمل كانتارينو، إلا أن الناقد يؤكد نقطة هامة عند ذكر الصفحات 70-99 ‘‘‘لمناقشة عمل ابن رشد في سياق تطور كتاب الشعر لأرسطو في العربية‘ وصفحات 177-90 لترجمة النصّ.

ورغم الانكار المُطول للمُترجِم لعدم الاستفادة كثيرا من مقالة سابقة لكانتارينو عن ابن رشد والشعر، يغفل الناقد ملاحظة أنَّ النقاش في الصفحات 70-99 من كتاب كانتارينو الشعر العربي في العصر الذهبي هو ببساطة اعادة للمقالة ؛ انظر مقالة

Cantarino, “Averroes on Poetry," in Islam and its Cultural Divergence: Studies in Honor of Gustave E. von Grunebaum, ed. Girdhari L. Tikku (Urbana: University of Illinois Press, 1971), 10-26; also "On Translating," 99a-100 and nn. 22-23.

تفسر الملاحظات التالية عن ترجمة كانتارينو في كتابه الشعر العربي في العصر الذهبي عدم رضى المُترجِم في التمهيد (ix) بأنَّ ‘‘اعادة كتابة كانتارينو التخيلية لعبارة ابن رشد، لكي تتفق وتصوراته المُسبقة، مرت بدون أنْ يتعرض لها احد بالنقد لمدة اكثر من خمسة عشر عاما‘‘.

واتفاقاً، يتوجب ملاحظة أن تقدير هلينريشز لاهمية عمل كانتارينو هو اكثر انسجاما مع تقييم المُترجِم منه مع تقييم الناقد؛ انظر

“Die antike Verknüpfung, “ 263, n. 31; 264, n. 37.

[29] انظر الشعر العربي في العصر الذهبي،ص184 ؛ تنتقل الترجمة فجأة مما يسميه كانتارينو ‘‘ القسم الثاني ‘‘ (شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو، الفصل الثالث، يعين، الفقرات 13-19) إلى ما يسميه ‘‘ القسم الرابع‘‘(نفس المصدر، الفصل الخامس، يعني، الفقرات 33-47).

[30] يستعرض كانتارينو في مقالته ‘‘ ابن رشد عن الشعر‘‘ نفس التردد؛ انظر صفحتيّ 14-18 .

[31] المقطع العربي هو : في الأمور الإرادية ─ أعني الحسنة والقبيحة. أنظر، ابن رشد تلخيص كتاب الشعر وشرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر، الفقرة 3، مع كتاب كانتارينو الشعر العربي،ص177 . ومرة اخرى، تُبيّن مقالة ‘‘ ابن رشد عن الشعر‘‘(14, 18-19) نفس الاضطراب حول هذه المصطلحات. ولم يغفل هاينرشز عن الحكم الأخلاقي الموجود في هذه المصطلحات ؛ انظر Arabische Dichtung, 161, n. 4..

[32] انظر شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر، الفقرة8، سويا مع كتاب كانتارينو الشعر العربي، ص180 .

[33] انظر كتاب كانتارينو الشعر العربي، 83-84،90 سويا مع شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر، فقرة 65 ؛ نفس المصدر، مقالة ‘‘ ابن رشد عن الشعر‘‘، ص20 .

[34] نقيض هذه التأكيدات غير المسنودة، فمن المفيد الأخذ بنظر الاعتبار ملاحظة فيلولوجي قديم وأكثر وعيا ‘‘ يٌقال وبحق أنه في العلم، ليس للاعتقادات حقوق مدنية‘‘. وانظر نيتشه ‘‘ العلم الجذل‘‘،344 . انظر ايضا ‘‘‘ما وراء الخير والشر‘، الامثال 224 و227 ؛ وجينولوجيا الاخلاق، III.23.

[35] العبارة اللاتينية هي :

‘‘et dum criminationes falsas contemnimus refutare, videamur crimen agnoscere”.

[i] لترجمة الناقد، انظر ibid., 94a. ؛ الاقواس المربعة من صنعه. ونسخة الترجمة الاخرى مأخوذة من الفقرة 20 من شرح ابن رشد الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو. 

[ii] انظر شرح ابن رشد الأوسط على كتاب الشعر، الفقرة8، سويا مع كتاب كانتارينو الشعر العربي، ص180 .

 

مهدي الصافياذا اردنا من باب المحاولة النظرية او حتى العملية الدخول الى الحضارة الحديثة (الحضارة الالكترونية.. الكمبيوتر العملاق) بعموم التراث الاسلامي (القران الكريم والسنة النبوية والمذاهب والفرق)، تحت نظرية ايجاد مذهب اسلامي واحد، قادر ان يكمل مسيرة الحضارة دون عقبات او ازمات ونكسات وحروب وفتن، لما استطعنا ان نخرج بشيء، انما سنعود مرغمين الى فكر الشارع، ورغبات العامة، وثقافة الموروث، والذي سيحيل بدوره الامر الى دائرة التشرذم والتفكك والانقسام والتمذهب....

بعد اكثر من اربعة عشر قرنا وفي عصر الالكترون اتضح من الواقع واستمرارية حركة التاريخ ان الاديان السماوية المقدسة تحولت تلقائيا او هي تتحول تدريجيا الى اديان شعبية عامة وخاصة (المذاهب والطوائف والفرق) تستقطب كل المتغيرات والافكار والاراء والثقافات والاضافات الشخصية او المذهبية، ليس على غرار ماذهب اليه بعض المفكرين والباحثين وحتى المستشرقين في ابواب دراسة حقيقة علاقة المقدس باللنبياء والرسل (الكتب السماوية المقدسة)، او تفكيك فكرة او طبيعة علاقة واسطة (ناقل الوحي) نقل ماجاء في الكتب المقدسة بين الاله والانبياء والرسل، عبر طرح مفهوم دراسة التغييرات، التي قد تحصل اثناء عملية ارسال الوحي او اداة الربط الواصلة او النازلة من السماء الى الارض (الملائكة او الالهام)، بل من باب ان المجتمعات او الامم والشعوب كانت ولازالت في حالة حركة متطورة دائمة،

اي عند مراجعة التاريخ وقراءة قصص الانبياء والرسل نجد ان عملية ارسالهم كانت نتيجة طبيعية لصيرورة التغيير الكوني، وبأن الله عزوجل هو المحرك الرئيسي لتلك التغييرات المتصاعدة حضاريا (العالم في حالة تطور لايتراجع علميا او معرفيا بل يتقدم الى الامام دوما)، ولهذا كانت عملية او طريقة ارسال الانبياء والرسل طريقة متدرجة، لكنها في حركة متقدمة معرفيا بأستمرار، اما مايخص بحثنا المختصر هذا، نتطلع الى شرح طبيعية الامم والاقوام المتقلبة دينيا، فما ان تؤمن امة او شعب او ايا من الاقوام المذكور في التاريخ القراني من قبل الخالق عزوجل باحد الانبياء او الرسل حتى نجد انها ترجع بعد فترة من الزمن (قد يكون بعضها طويل نسبيا) الى مرحلة التغيير والانحراف، والطبيعية الشعبية في التعامل مع تعليمات ونصائح الانبياء والرسل التي ارسلت اليهم، هذا مانقصد به التطور والانتقال الطبيعي الذي رافق الاديان السماوية منذ نشوءها او نزولها، وهكذا كانت ترسل اليهم انبياء او رسل اخرين كما ذكر ذلك تفصيلا في القران الكريم (ومعروف ايضا في الاديان السماوية الاخرى)، ثم جاءت مرحلة ختم الاديان على يد النبي محمد ص، وهنا كما يذكر اغلب علماء وفقهاء المسلمين بانها فترة ختم التشريعات والمحرمات، ومن ان الاسلام كان شاملا وواضحا وعميقا في الشرح والتوصيف والتفصيل، بل كان محددا ودقيقا في بعض التفاصيل الخاصة، اذ شمل قضايا الحقوق العامة والخاصة والمساواة، كالارث والديات، والكفارات، والحدود، وحقوق المطلقات، الخ.

لكننا نرى ان الامة او الاقوام التي دخلت في الاسلام عادت الى سيرتها الاولى، اذ ان التاريخ يذكر لنا وبشكل موثق ان الاسلام تغير بسرعة بعد وفاة التبي محمد ص او حتى في ايامه الاخيرة، برجوع الناس الى قاعدة وعقلية التفكير والتصور الشعبي الارضي للدين، بعد ان انقطع التواصل المقدس بينها وبين السماء (عبر المبي محمد ص)، فظهرت مايسمى بسنة الخلفاء والصحابة وسيرة الائمة "وعباد الله الصالحين"

 (جدير بالذكر وهذا رأي شخصي، نعتقد ان اي بحث او طرح فكري لايستند الى مصادر الاخرين، هو بحث ذو نزعة فلسفية اجتماعية شخصية، ولكل انسان فلسفته ونظرته الخاصة به وبالحياة عموما، على ان مقياس ومعايير التفوق والابداع والانجاز الفكري او الفلسفي يعتمد على عقلية ومعرفة وثقافة وتأملات الشخص الفكرية، فالعقول والقدرات الذهنية او درجات الذكاء او العبقرية تختلف وتتميز نسبيا من شخص لاخر، وبين جميع بني البشر)،

ولهذا ظهرت الفرق والمذاهب والجماعات الطائفية الصغيرة، وبرزت عقيدة الخلافة والامامة والاجتهاد، وازدادت الصراعات والمواجهات والفتن والحروب، حيث اصبح الفهم الشعبي للاديان (اي نقصد به ان بأمكان اي شخص من عامة الناس ان يصبح فقيها او مفتيا او رجل دين بعد مراحل دراسية معينة، فالامر مشاع ومتاح لجميع المسلمين، بل بات كارثة حقيقية تواجهها المجتمعات والدول الاسلامية، هي ظاهرة انتشار الفقهاء واصحاب الفتاوى الشباب) راسخا ومتجذرا، بدءا من الخلفاء الراشدين، مرورا بالدولة الاموية والعباسية، وصولا الى الدولة العثمانية ومابقي منها، فقد ظهرت مايسمى المدارس او المراكز والمؤسسات الدينية او الحوزوية، واكثر من جسد تلك الادوار هم حركات الخوارج والفرق المتشعبة عنها، ومن ثم ولدت الحركات والمذاهب والفرق السلفية والوهابية السنية، والطقوسيين الشيعة، فقد كان لهؤلاء جرئة كبيرة في صياغة دين شعبي (مقدس ارضي) مؤثر، عبر توسيع الشرح الشعبي لسلسلة من التأويلات المتوارثة للايات القرانية، ومايعرف ايضا بسنة الخلفاء او السلف الصالح (وسنة الائمة من ال البيت ع عند الشيعة)، هذا الامر يرجع الى اهمية ودور الاديان في بناء المجتمعات البدائية، وكذلك دوره المتذبذب في الهيمنة والتغلغل في ما يعرف حاليا بالدول المتحضرة الحديثة.....

عندما نطرح اسئلة كبيرة طويلة عريضة كما يقال في عصرنا الحالي (كما اطلق عليه دائما عصر الالكترون) حول تلك الظاهرة الكارثية المتوارثة، ليس الغاية والهدف ضرب حقيقة الاديان وعقائد الناس، انما من اجل التركيز المباشر حول ظاهرة التحول التاريخي للاديان السماوية الى اديان اجتماعية او شعبية ارضية، لاترتبط فعليا ولاعمليا بما جاء به الانبياء والرسل، من اجل توعية المجتمعات البدائية المغلقة على الثقافات الطائفية والمذهبية، والخاضعة بقوة لسلطة رجل الدين او المؤسسة الدينية، والتطرق ولو من باب التذكير او الاشارة الى عدة امور مهمة منها مايتعلق بالفرق او البون الشاسع بين الاديان السماوية، وبين الاديان الشعبية (التي هي اشتقاق منها، لكنها تغيرت كثيرا بمرور الزمن)، والمتمثلة بما نراه اليوم من تصاعدة حدة التكفير والالحاد (كرد فعل على شعبية الاديان وعدم استخدامها او اعمالها للعقل والمنطق والمعرفة الاكاديمية في ايصال الفتوى والتأويل الديني السليم للناس) والارهاب الديني، والمتجسدة ايضا بما يتوارثه المسلمون من افكار واراء وتصرفات وتوجهات واطروحات دينية متشددة، اصبحت في عهد الارهاب الديني اقوى بكثير في بشاعتها ووحشيتها مما توعد به الله عزوجل الظالمين والمنافقين والكفرة الجبارين (وفقا لابواب التوبة والمغفرة المفتوحة دوما لجميع بني البشر، هذا مع وجود نظرات وتفسيرات مختلفة حول مفهوم العقاب، وطبيعة نار جهنم يوم القيامة)، من تكفير وتفسيق وقتل وتقطيع للبشر، وكذلك حالات الاغتصاب الجماعي للنساء بأسم الدين والجهاد، وقطع رؤوس الابرياء بما فيهم الاطفال، مع تنامي ظاهرة الارهاب الاجتماعي -ديني المدعوم رسميا احيانا من الانظمة المتسبدة اللادينية (طاعة اولياء امور المسلمين من الحكام حتى وان كانوا ظلمة فاسقين)، ولعلنا نجد الفرق كبيرا بين وضعية الاقوام والامم التي ارسل اليها الانبياء والرسل وحجم المعاناة التي ظهرت لها بعد رحيلهم، على سبيل المثال الاسلام (بعد فتح مكة) في عهد النبي محمد ص لاتوجد فيه معاناة وظلم وتكفير وارهاب واقصاء اجتماعي وديني كما حصل بعد وفاته، كل شيء كان واضحا الايات والسور القرانية، والسنة النبوية، والتأويلات او التفسيرات المتعلقة بهما، بينما ظهرت المواجهات الدموية والصراعات والتشرذم والانقسام بين المسلمين عندما انزل الدين من السماء او المقدس الى الارض، وتم التعامل معه بعقلية الانسان العادي (الخليفة او امير المؤمنين، او رجل الدين)، صار كل شيء يفسر وفقا لعقلية وتفكير وثقافة ونشأة ونفسية الاشخاص، حتى اصبح بمثابة التراث الاسلامي الشامل المقدس البديل، الذي لايمكن للمذاهب او المسلمين عموما ان يتجاوزوه او يعيدوا مناقشته اونقده وتنقيحه او توثيقه، بل ان من يعبر تلك الخطوط الحمراء يتعرض لعدة هجمات وافتراءات وتعليقات ومواجهات خطيرة (تبدأ بتعابير ومصطلحات التكفير والردة والالحاد، وخروج عن الاجماع والملة، وصولا الى ازدراء الاديان، الخ.) .......

من الاسئلة الكثيرة التي يمكن ان يطرحها اي انسان مسلم او من اي ديانة اخرى، هو كيف او اين ومتى يشعر الانسان ان الدين اصبح شعبيا ارضيا منفصلا عن اصل الدين، نقول بكل صراحة عندما تظهر قوة وسلطة المذاهب والفرق على اتباعهم، وكذلك عندما يتحول الدين الى سياسة وتجارة، ومصدر تشريعات الدول والمجتمعات، ولهذا لم تنجح اي تجربة دينية تدخلت بالشؤون السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية عبر تاريخ البشرية الطويل كله،

وذلك يرجع الى ان الله عزوجل ارسل الانبياء والرسل لشرح ولتعريف الانسان بربه وبحكمته في الخلق والتكوين والايمان بهما، اضافة الى بقية القضايا والمسائل والامورالاخلاقية الانسانية والاجتماعية والمعرفية، فالقران الكريم اضافة الى انه كتاب تشريع مفتوح، نجد فيه شرح مفصل للكون والطبيعة والحياة عموما، وفيه ايضا اسس ومبادئ ومفاهيم اخلاقية وانسانية عظيمة، ورد فيه ايضا الكثير من ضرورات الحياة الامنة البعيدة عن شرور الشيطان وجنوده، مؤكدا على اهمية الاعمال الصالحة (الخ.)، والابتعاد عن الفسق والفجور والاسراف والنفاق والظلم والاعتداء، انه كتاب يفتح للانسان طريق الحياة المتحضرة البعيدة عن الجهل والتخلف والبدائية المتوارثة، لاتوجد فيه اية اشارة الى انه يمكن ان يكون دستورا للناس لبناء الدول وتنظيم حياتهم العملية، (حتى قيل ان الرسول محمد ص لم يفسر القران بل تركه يفسر نفسه عبر اهل العلم والمعرفة، ووفقا لطبيعة الحياة وظروفها وتطورها الحضاري)، ولم يعطي الله عزوجل اية وكالات او صكوك للفتوى والغفران والتحكم بالناس، لمن يجعلون من انفسهم وكلاء نيابة عنه على خلقه، يحللون ويحرمون ويفتون بالتكفير بحرية مفرطة، يامرون احيانا بقتل المخالف (المرتد او الملحد او من يقال عنه كافر)، ويعملون على سلب ارادة الاشخاص، وقمع حرياتهم الشخصية، ومراقبة تفكيرهم، ومنع اختيار حياتهم وخصوصياتهم بالطريقة التي يراها الناس مجتمعين او منفردين،

من هنا نجد ان قطار الحضارة الذي تدعمه ضرورات الحياة وسنن التطور والتغيير الطبيعي عبرت المجتمعات المتمسكة بالتراث الديني الشعبي بأشواط كبيرة، حتى باتت عبئا مملا وثقيلا على هذه القرية الكونية، فصارت تلك الدول المتحضرة غاية كل شعوب الارض المنهمكة والغارقة في وحل الصراعات والمواجهات ومتاهات الاديان الشعبية وتفرعاتها الفئوية، فهناك يجد المسلم وغير المسلم السقوف العالية لمايحتاجه الانسان في حياته الحرة الكريمة، التي لاتشجع عليها الاديان عموما، من قوانين وانظمة وتشريعات اخلاقية وانسانية واجتماعية

 (نسبيا) مقبولة، وهي افضل بكثير مما يراه او سمع عنه في بلده، قديما او حديثا، بل وجد اكثر من ذلك دول ومؤسسات ومنظمات انسانية تحميه وتدافع عنه من بطش وظلم وفساد اخيه المسلم، سواء كان حاكما او مسؤلا سياسيا او دينيا او قبليا (كقوانين اللجوءالانساني او السياسي، الخ.)، تصور ان الشر لاحدود له عند هؤلاء المنحرفين، الذين استولى بعضهم حتى على رموز واطروحات وتوجهات ومؤسسات الاديان الشعبية الشبه مستقلة (اي ان الاديان الشعبية لاتخلوا تماما من بعض الضرورويات الدينية الصالحة التي يتعذر المساس بها لوضوحها وصعوبة تغييرها او الافتاء والتلاعب بتأويلاتها، انما هؤلاء يعملون بالمناطق والفضاءات الفارغة التي اصبحت بمرور الزمن هي جلباب وغطاء الدين، فظاهرة اطلاق احكام التكفير والردة لاتبقي شيئا للدين يمكن ان يستعين به الشخص المتهم بهذه الاوصاف، اي بعبارة اخرى لامعنى للدين، عندما تجد رجل الدين او الفقيه قادر ان يطلق تلك الاحكام، التي يترتب عليها تبعات خطرة على حياة الناس، وهذا مايحصل حاليا سرعة الاتهام والافتاء والتتفيذ ايضا، وقد تم تسييس الدين والمذاهب لاغراض حزبية اوسياسية اقليمية او دولية او اجتماعية) ..

استمد المسلمين الرادكاليين او الاصولية الاسلامية (الذين هم بمثابة الورثة الشرعيين لمؤسسي الاديان الشعبية) وحشيتهم وثقافتهم الاجرامية او الارهابية من التاريخ الاسلامي الرسمي (الشعبي)، ومن مايسمى بتراث تنفيذ واقامة الحدود الشرعية، والتي غالبا مايستخدم العنف المفرط فيها، في مجالات التعزير والعقوبات الجسدية الاخرى (كقطع يد السارق، والرجم، والاعدام الخ.)، فهناك عدة دول اسلامية (ظاهريا وليس جذريا او جوهريا، على اعتبار ان الاديان الشعبية هي ابعد مايكون عن الاديان الحقيقية الاصيلة، انما هي اديان المصالح) تعتمد الاساليب الشرعية في العقوبات، اي تنفذ مايسمى بالحدود الشرعية بشكل علني وامام الناس (وفي الحقيقة غالبا ماتكون تلك الاساليب موجهة للمجتمع ككل، فأمتداد واتساع قاعدة ومنظومة الحدود والعقوبات الشرعية، تكاد شمل كل شيء، حتى الثقافة والابداع والفن، وانتقاد سياسة الحاكم او الدولة الخاطئة او الفاسدة، الخ.)، بينما لم يعد هذا الامر مقبولا لا انسانيا ولا اخلاقيا في عصر الحضارة الحديثة، الذي اتجهت فيها العديد من الدول الى الغاء عقوبة الاعدام، اي لم يعد بمقدور الناس تحمل تطبيق تلك الاحكام العقابية الشرعية-الجسدية، لخروجها تماما عن طبيعة المجتمعات الانسانية الحديثة، هذا لايخرج عن طور الايمان بضرورة تنفيذ الاحكام المقدسة (تحت قاعدة ليست قرأنية ولا حتى شاملة انما ذكرت في التراث"حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة، علما ان الرسول محمد ص لم يقم يوما بتشريع المحرمات من تلقاء نفسه، انما الحرام جاء وفقا لمايذكر في القران الكريم، فقد كان النبي على خلق عظيم كان يستحي من رد قساوة وصلافة تعامل الناس معه، كدخولهم بيته دون استئذان، ورفع اصواتهم فوق صوته، فكيف يكون مشرعا للتحريم السماوي، الخ.)، وانما هي جزء من منظومة القيم المتغيرة الحديثة، مع الاختلاف في النهج والاسلوب وطريقة التطبيق، وهي بالطبع ضرورات انسانية واجتماعية متطورة، وصلت اليها البشرية بأرادة الخالق عزوجل، وليس بأراداة البشر انفسهم، هذا الامر يحيلنا الى مفهوم الحاجة الدائمة الى الدين، واين موقعه من الدولة والحضارة،

اي بعبارة اخرى طرح اشكالية او جدلية مفهوم او فكرة علاقة الدين بالدولة، ولان الدين مقدس شعبيا يصبح من الصعب ان لاتقول انه لابد ان يكون احد مصادر او هو المصدر الوحيد احيانا لدستور وتشريعات الدولة، الا ان شعبية الاديان واختلافها جزئيا او كليا عن الاديان السماوية الاصيلة، تجعل من مسالة اعتبار ان الدين الشعبي دين مقدس لايمكن ان تتجاوزه الدولة او المجتمع، والا تحولت الحالة الى مادة وغاية وشعار للمواجهة والصدام مع الدولة، ومع النخب المتحضرة (كالمحرمات الدينية الشعبية التي هاجمت التطور الحضاري التكنولوجي في بداية دخوله بلادنا العربية والاسلامية بدايات القرن الماضي)، هذه الاختلافات الكبيرة بين اصل الاديان، وماتم تحويره والتلاعب به وتحريفه شعبيا، يعطينا الحق بالقول ان الاديان كانت في عهد الانبياء والرسل سماوية مقدسة، اما ماجاء بعدهم مر بمراحل متعددة من التغيير، ابعده عن حالته المقدسة السابقة، بفعل الادوار المختلفة للسلطات الدينية، والتدخلات المتعددة للمؤسسات الدينية الرسمية والشعبية (خلفاء وامراء ورجال دين) في اصوله وثوابته وحتى تأويلاته، مما جعلها اديان نقمة على المجتمعات العربية والاسلامية لارحمة، لاتنفك عن الفتك بأرواح المسلمين، وتدمير دولهم ومجتمعاتهم، واهدار مواردهم وثرواتهم في فراغات غائرة في صحراء المعرفة الدينية الشعبية البائسة...

خلاصة البحث:

هل هذه الاشارة الى شعبية الاديان تعني ان الاديان انتهت في عهد الانبياء والرسل وعلى الناس ان تتخلص منها ام هي دعوة اصلاحية دينية ام علمانية،

في الحقيقة لايمكن التصور بأن تعيش الامم والشعوب بدون الاديان والمعتقدات السماوية او حتى الارضية، لكنها يمكن ان تعيش بعيدا عن الاديان الشعبية، ففي الحضارة الاوربية العلمانية لازالت المعتقدات الدينية حاضرة بقوة الحضارة المدنية الحديثة، الا ان الحاجة اليها اقل بكثير مما عليه الحالة في المجتمعات العربية والاسلامية، على اعتبار ان منظومة القيم الحضارية الاخلاقية الانسانية الحديثة هناك دخلت او توحدت مع المنظومة السياسية الاخلاقية والتشريعية للدولة (حتى بات المسلم يردد عبارته الساذجة تلك ان اوربا تحتاج فقط نطق الشهادتين ليدخل اهلها الجنة)، فالاديان لها ضرورة نفسية وروحية ووجدانية ومعرفية تاريخية، لكنها ليست ضرورة سياسية او اجتماعية او حتى تربوية او علمية، فقد تقدمت ونهضت الامم دون الرجوع الى الاسلام او الاديان، فمن المؤكد ان الله عزوجل لم ينزل الاديان السماوية الى الارض كي تعلم الناس كيف تبني بيتا او مصنعا او معملا او جامعة او مدرسة او مزرعة او برلمان، الخ.

ولهذا نعتقد ان الاديان السماوية يمكنها ان تكتسب التقديس بعد رحيل الانبياء والرسل وفقا لقدرات عباقرة المجتمع واذكياءه سواء كانوا رجال دين او مفكرين او باحثين اكاديميين، او ايا من العلماء ممن نسميهم عباد الله الصالحين، بحيث يمكن لهؤلاء ان يشغلوا تلك الفراغات الاجتماعية المتروكة من قبل الله عزوجل تبعا للضرورات والحاجات الانسانية والاخلاقية والاجتماعية، ليس على غرار اظهار دين اخر مليء بالمحرمات والمكفرات والمنفرات، انما بالحفاظ على نقاء وصفاء وقدسية الاديان السماوية، وابعاد التأثيرات التراثية الشعبية والتدخلات والتحولات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والاخلاقية عنها، حتى يمكن ان يدخل الدين كحالة وسطية معتدلة بين الحضارة والدولة،

فبديل الانبياء والرسل والسلطات البدائية القديمة هي سلطة الدولة المتحضرة الحديثة المطلقة، ولهذا نرى اصرار اصحاب "نظرية علاقة الدين بالدولة"

 على ادخال سلطتهم فيها، كشريك شرعي اصيل في ادارتها، وبما انه دين شعبي متوارث، سوف يصبح حتما عقبة كبيرة امام حركتها وحركة المجتمع معها، سوف يؤخرعملية بناء الدولة المتحضرة، ويعرقل حركة تطور المجتمعات الطبيعية، ويجعلها مجتمعات ارض بائسة تسير عكس حركة التاريخ، وبمواجهة صيرورة التكوين والتطور،

اما ان كانت جزءا من منظومة القيم الاجتماعية العامة للدولة والمجتمع، عندها لايرى الناس فرقا شاسعا بين ما امرت به الاديان-الاسلام وبين نظام الدولة الرسمي، شرط ان لايقدم على انه دين سماوي لايجوز التغيير ولا التطوير او قبول التأويل الانساتي الحديث فيه (كالرأي القائل بضرورة الالتزام بتنفيذ الحدود حرفيا اوعدم المساس بقضايا الارث، وفوائد البنوك الخ.)، انما دين فيه اصل ثابت ليس له علاقة بالدولة والمجتمع، انما بعقيدة وايمان الافراد، وفروع تترك حرية اختيارها والعمل بها تبعا لنظام الدولة الديمقراطية، وحاجات المجتمع...

 

مهدي الصافي

 

قوله تعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها).. التوبة 40:

يكثُر الكلام في كل سنة عن - هجرة النبي - من مكة إلى المدينة، وتُحاك من حولها الكثير من القصص والكثير من الحكايا والطرائف التي ما أنزل الله بها، وتأتينا دائماً بصيغة أهروجه للتقول والتندر والمماحكة، وقد حاول البعض جعلها جزءاً من أدبيات الكتاب المجيد ونصوصه، مستندين في ذلك على النص رقم 40 من سورة التوبة، ومن أجل تصحيح ذلك يلزمنا ضبط حركة النبي والرسول داخل نصوص الكتاب لتكون موافقةً ودالةً على المعنى المقصود، وفي ذلك يجب التنويه إلى إن عامة الأخبار والروايات التاريخية والتراثية في هذا المجال، لا يعتد بها ولا يعتمد عليها كدليل في إثبات ذلك والتدليل عليه، والربط المزعوم بين هجرة النبي والنص رقم 40 من سورة التوبة ربط غريب لا تدل عليه لغة الكتاب ولا معناها، وأصل الغرابة هو في المغايرة التي نقرئها بين هذا النص والحكاية التاريخية في هذا المجال، وبحدود علمنا إن الكتاب المجيد لم يبين لنا على نحو واضح وجلي شكل الهجرة ولا طبيعتها ولا كيفيتها، ولم يكن الكلام فيه إلاَّ على نحو عام في معنى الهجرة والمهاجرين [وهذه غير تلك بكل تأكيد] .

 وفي هذا نقول: - لا دلالة في الكتاب المجيد على ان - هجرة النبي - هي نفسها التي نقرئها في كتب التاريخ والأخبار -، إذ: - [إن - هجرة النبي - بلسان الأخبار والروايات ما هي إلاَّ وهم وخيال صاغه وضاعون أمتهنوا حرفة التلفيق والكذب] -، كما إن النص رقم 40 لم يتعرض إلى الهجرة لا في سياق التعريف بها ولا في سياق الإشارة إليها، بل ولم نجد في الكتاب المجيد نص أخر يتحدث عن كيفية الهجرة وعن طبيعتها، وما بين أيدينا من شروحات في هذا الشأن، إنما جاءت وفقاً للحكاية التاريخية التي جعلوا منها الدليل الدال على هذا النص وشأنية نزوله، ذلك أن: - [نصوص الكتاب لم تنزل بسبب ما أو لسبب ما] -، وشأنية النزول المُدعاة إنما جيء بها للتغطية عن مفاهيم مبتكرة ومصاديق معينة بذاتها .

لكن كيف تم الخلط بين المادة التاريخية والنص الديني؟، وفي الجواب نقول: عادةً ما يتحكم بالنص الديني وفي تطويعه وفي عمله - أهل السياسة - التي بيدهم تُصاغ المادة التاريخية وهي التي تجعل منها نصاً دينياً، ولنتذكر هنا قول الإمام الحسين: - [الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ‏ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ] وهذه حقيقة تثبت تطويع الدين لخدمة مصالح أهل السياسة ومن بيدهم السلطة، وتاريخ الإسلام القديم والجديد حافل بذلك والشواهد أكثر مما تُعد، ولهذا تتم كتابة النصوص الدينية وفقاً لرغبة السلطان ومن بيده الحكم، ثم تكون هذه النصوص هي نفسها المادة التاريخية بعدما يضعون لها الأسانيد المتصلة إلى النبي، وهذا النوع من الخلط يؤدي إلى التحريف والتزييف، مما يفقد الحس الجمعي قدرته على الرد والمناورة، وبالتالي تصبح المادة والفكر الذي يُشاع ويسود هو ذلك الذي يريده السلطان، حسب مقاساته ومسوغاته ومايؤمن به ويرتضيه .

ويعني هذا إن النصوص الدينية قد تعرضت إلى سرقة معرفية، وإلى تدليس سرى أثره في الفكر وفي الثقافة وحتى في المُخيلة العامة وذهنية الإيمان، مما ولد لديناً مُركباً هجيناً لا نعرفه في لغة الكتاب ولا في القواعد العقلية، ومع إن الوهم والخرافة لا يشكلان جُل الحقيقة الدينية لكنهما يتحكمان بها وفقاً لرغبة أهل السياسة وأرادتهم، ولعلكم سمعتم عن - جماعة الوضاعين - الذين يمتهنون وضع الأخبار وتلفيق القصص، وهذه الجماعة نمت وكبرت في ظل نهايات الدولة الأموية والعباسية - ولقد أفرد الشيخ الأميني رحمه الله في كتابه الغدير للوضاعين وأحاديثهم كتاباً بالأسماء والصفات - ، وهؤلاء هم أنفسهم الذين سخروا هذا النص من سورة التوبة لمهمة ومعنى - هجرة النبي -، وجميعنا يعلم إن تلكم الأخبار فاقدة للشرعية من جهة الدلالة والمعنى وجهة السند .

ولكن ما الربط بين النص 40 من سورة التوبة وهجرة النبي ؟، من حيث المبدأ لا ربط بينهما في الأصل، ذلك إن مادة النص شيء والهجرة شيء أخر، ولغة النص ومادته تتحدثان بطريقة الإستدراك والإحالة إلى الماضي وإلى أمر ما قد حدث، ودلالة النص هنا في بيان صحة النبوة وصدقها، وتسلسل النص وتراتبيته، ليس فيه مايدل من جهة اللفظ أو المعنى على ما نُشر في كتب الأخبار والروايات، وبحسب منطوق النص والشرح الأبتدائي عليه، إنما هو تعريف: (بحكاية النصر الإلهي الذي حصل للنبي حين داهمه الكفار وأخرجوه من الغار)، ويُفهم من تحليل النص إن لغته تتضمن معنى التقريع والتوبيخ، هكذا هو خطاب النص المطلق عن الزمان والمكان الذي تحقق بهما النصر .

ولنتأمل ذلك في قوله تعالى: - (إلاَّ تنصروه فقد نصره الله) -، حرف - إلاَّ - على رأي أبن هشام في المُغني وأبن مالك في الألفيه وأبن منظورفي اللسان، إنما: - [هو حرف مركب من جزئين، هما (إن الشرطية) و(لا الناهية) أو (لم النافية)]، ومعناها - إن لم - أو - إن لا - وجملة [إلاَّ تنصروه فقد نصره الله] هي جملة مركبة من الشرط وجوابه، وبيان ذلك في الأين - المكانية -، حين قال: - إذ أخرجه الذين كفروا ثاني أثنين إذ هما في الغار -، وحرف - إذ - المكرر الذي يفيد التوكيد في لغة العرب يأتي بمعنى (لما أو حين)، ومعنى ذلك: - إن الله نصره - لما - أخرجه الذين كفروا من الغار -، وليس كما توهم عامة المفسرين بقولهم: - [إن الله نصره حين فر هارباً من مكة يريد المدينة]، مع إن الكلام في النص واضح ودلالته على المحل الذي نصر الله به نبيه كذلك واضح، قال: - إذ هما في الغار -، وطبعاً لم يكن وجود النبي في الغار بسبب خروجه مهاجراً إلى المدينة كما توهم البعض، إنما الكلام في النص كان عن الكيفية التي نصر الله بها النبي من بطش الكفار حينما أخرجوه عنوة من الغار، [والذي كان فيه مصادفة وليس للعبادة ولا للهجرة]، بدليل وجود هذا - الصاحب - المجهول الهوية والحال .

 وتعريف صاحب من الصحبة وهي الرفقة المجردة، والتي تحصل في السوق وفي العمل وفي وسائل النقل وفي الشارع وفي السجن وفي غيرها من الأماكن، ولا دليل يفيد بإن يتبع الصاحب صاحبه في الفكر وفي الإعتقاد، والنص مورد البحث إنما يتحدث عن هذا بصيغة مطلقة مجردة، وبحسب منطوق النص إنها جاءت مُصادفة وليست عن ترتيب مسبق، وذلك واضح ولم يُشر النص على خلافه، بل تركه مجرداً في معناه الذهني واللغوي، وفي الحالة هذه لا يمكننا تلبيس المعنى أكثر مما يحتمل هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يصح الإدعاء أو القول: (إن الصاحب هنا هو فلان من الناس)، وإلى ذلك دلت إستخدامات لغة العرب في: - إن معنى الصاحب لا يدل على الصديق أو الأخ أو الحميم -، إنما هو ذلك الشخص الذي يكون بمعية أخر في سفر أو في غيره، وجاء لفظ - الصاحب - مفرداً وجمعاً منكراً ومعرفاً في الكتاب المجيد نحو خمساً وعشرين نصاً ذُكر فيها اللفظ، كما في قوله تعالى: [يا صاحبي السجن أَأَرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار] 39 يوسف، ولفظ صاحبي هنا دال على مجرد التواجد في ذلك المكان، جاء وصفاً لحالهم وتواجدهم مع يوسف النبي في السجن، وفي الكتاب المجيد هناك نوعين من المعاني::

[أولهما: ورد بمعنى - المالك - الدال التملك والملكيَّة، كما في قوله - أصحاب النار، واًصحاب الجنة وهكذا -، وأصل الدلالة هنا هو الملازمة [بين اللفظ ومعناه]، وعلى ما يصح معه إطلاق معنى الملكية - .

وثانيهما: ورد بمعنى عام دال على - مطلق العلاقة بين الناس -، كما هو ظاهر في قوله تعالى من سورة يوسف 39 المتقدمة، وهذا النوع من الإستعمال للفظ يأتي في صيغة وصف حال، وفي الكتاب المجيد أمثلة على ذلك متنوعة، تُبين أو تذكر مجرد العلاقة بين طرفين أو أكثر ولا يربطهم رابط ديني أو فكري، ولا ملازمة عقلية في هذا النوع توجب أو تدل على أن يكون الصاحب على فكر صاحبه أو على إيمانه، إنما الشرط في صحة إطلاق اللفظ على معناه المجرد .

 . وأما قولهم: بأن المُراد من معنى - الصاحب - في النص رقم 40 من سورة التوبة هو الخليفة أبي بكر، فهذا قول مردود ولا دليل عليه سوى الظن، وتغليب الفعل السياسي اللاحق على المعنى الديني، ولم يكن الغار المُشار إليه في هذا النص هو نفسه غار حراء في جبل ثور، كما لم يكن معنى الإخراج في النص هنا دليل على هجرة النبي من مكة إلى المدينة، والقول في مجمله قول عام لا يحتمل أكثر من ذلك، كما إن النص ليس في معرض الكلام عن مزايا حسنة لمن صاحب النبي في الغار، ولهذا لا يمكن الأستفادة منه في مجال الأحقية السياسية في الزعامة والخلافة، ذلك إن شأنية الخلافة وإستحقاقاتها شيء أخر مختلف عن معنى الصحبة المجردة، الخلافة كما نفهمها تقوم على أساس الشورى والإختيار العام .

 من أجل هذا ندعوا لإسقاط الجملة التراثية الرائجة والتي تقول - أصحابي كالنجوم بمن أقتديم أهتديم - التي يترنم بها غير واحد من المُتبارين في سوق الأحقيات السياسية المزيفة، كما يجب إسقاط فرضية (عدالة الصحابة) من البين لأنها وظفت في سياقات من التناكف والتنطاح الفرقي السيء، وإعتبارها مجرد أخبار كاذبة توظف من أجل تحقيق أهداف ومصالح سياسية، وهذا فعل ممنوع وباطل شرعاً، بل إنه نوع من أنواع الدجل والتدليس المخالف لنصوص الكتاب ومعناه، والتي قالت وتبنت معنى: - (إنما المؤمنون أخوة)، ولم يصدر عنها القول: - (إنما المؤمنون أصحاب) -، والكتاب حين أستخدم لفظ - الأخوة - أستخدمة في معناه الحقيقي الدال على العلاقة الصالحة والصادقة بين المؤمنين، ولم يتبن الكتاب لفظ الصحابة كدليل على ذلك ..

ونعود لنقول: - أن لا دلالة في النص 40 على كون معنى الإخراج المقصود هو من مكة إلى المدينة ولا من بيته إلى المدينة -، بل ظاهر اللفظ وعمومه يعني الإخراج من الغار: (الذي كانوا فيه هو وصاحبه)، وعملية الإخراج من الغار إنما تمت بواسطة الفرق الجوالة التي داهمت الغار وأخرجت النبي ومن معه، وهذا بحسب منطوق النص - [أي إستخدام العنف والتهديد بالسلاح في ذلك]، من أجل هذا الوضع إنتابت صاحب النبي حالة من الخوف والحزن، وهي حالة مبررة إن نظرنا إليها في سياقها الموضوعي الطبيعي، من رجل عادي وضعه القدر في لحظة بصحبة النبي حين تمت مداهمة الغار .

وهذا البيان يدعونا: - لرد فكرة المُعجزة المادية والحسيَّة المُدعاة في هذا الشأن -، ونفي فكرة المعجزة الحسية على كل نحو مع بعثة النبي محمد - بالقرآن -، والنفي أساسه وجود المانع وفقدان المقتضي، ومعنى ذلك إن بعثة النبي مانعة لحدوث معجزات حسية ومادية، بدليل وجود - القرآن - الذي أعتمد على العقل في التعاطي مع الأشياء في الحياة والكون، ونمت معه ما نطلق عليه - بالمعجزة التجريدية -، والتي تعتمد العقل والعلم والبرهان أساساً لها، أي إنه ومع نزول القرآن أنتفت الحاجة للمعجزات الحسية، وبدأ دور العقل والعلم في تبيان الأشياء وتوضيحها، كما في كل المسائل ذات الصلة بالحياة والكون من حق وباطل أو من خير وشر .

 نعم حين تحدثت نصوص الكتاب المجيد عن الماضي وعن الأنبياء الذين سبقوا نبينا محمد، ذُكرت بعض المعجزات المادية التي حصلت كوسيلة إيضاح في الإيمان وفي المحاججة لغرض ما ولعلة معينة ما كانت في وقتها، ولكن هذا النوع من المعجزات أنتهى أوآنه بعدما أكتمل تطور العقل مع نبوة محمد، ومعها سيكون الدور للعقل والعلم في موضوعة التحليل والشرح والتدبر والإكتشاف والإختراع، وفسح المجال لهما في تفسير الظواهر الكونية والحياتية، والفكرة هذه صحيحة تماماً فجميع الإبداعات والقفزات العلمية تمت حين تجرد العقل من ضواغط الحسابات الميكانيكية .

أقول هذا: ولازال الكثير من مفسري الكتاب المجيد يعتمدون على ماهو مادي وحسي من قبيل فرضية شأن النزول والناسخ والمنسوخ وغيرهما، ولازال البعض غير مبال بما يحدث من طفرات علمية هائلة، ولازال البعض يحاول تعطيل حركة العقل والعلم، متكأين على الوهم والخرافة ووسائل الإيضاح البدائية، ولازالت حمامة أبوجهل وعنكبوت أمية بن صفوان هي التي تشكل وعيهم ومفهومهم عن الهجرة وتداعياتها، مع العلم: إن العقل الطبيعي يقول بإستحالة أن تعيش حمامة في الصحراء، لكن هذه الصيغة من أخبار ساسة قريش وظفت في الفكر والثقافة والروايات والتاريخ وأعتمدها عامة المفسرين كدليل على نصر الله وحمايته للنبي، مع إنها مجرد قصة خيالية وكذبة أتى بها قصاص محترف، وأظنه كان يعلم إنه في ذلك يخالف قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروا)، ومعنى - أنزل - أي جعل السكينة على النبي في مواجهة خطر المداهمين، ولكن كيف كان ذلك ؟ قال إنما السكينة كانت من خلال تلك الجنود التي أيدت النبي ودعمته وساندته، - وأيده بجنود لم تروها -، وهي نفسها التي حققت للنبي النصرة والعون، إذن النصر والعون والدعم من الله كان بهذه الجنود التي لم يرها أحد، وليس بالحمامة أو العنكبوت وهذه الأخبار المزيفة ..

وخلاصة القول: إن هذا النص لا علاقة له بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة، كما إن المُراد بصاحبه في الغار ليس أبي بكر على نحو التعيين واليقين، إنما هو مجرد صاحب كان في لحظة معينة وفي مكان معين، ومعنى أخرجه الذين كفروا ليس من مكة بل من الغار، ولولا تأييد الله بجنوده له لما كان يمكنه الخلاص والنصر الذي تحدث عنه النص، وفي المجمل لم يكن النص إلاَّ تذكير لمن حول النبي وغيرهم بأنه سينتصر حتماً بتأييد الله ولو لم ينصروه، تلك هي سنة الله وثقة النبي وإيمانه ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

مقدمة: هذه أفكار أرَدنا بها المساهمة في تفسير العلاقة المعقدة التي وَصَلت بين التصوف، كظاهرة روحية، وبين الواقع السياسي (وبضمنه الإجتماعي والإقتصادي) وذلك من خلال تتبع ثلاثة مَسارات، أولها المسار التاريخي، وثانيها المسار الفكري، وثالثهما: المسار الصوفي، بوصف هذه المسارات تمثل خطوطاً متوازية هي نتاج التفاعل بين الفكر والواقع، وبكلمة أخرى فإن هدف هذه الورقة هو توجيه نظرة جديدة إلى الفكر الصوفي تضعه بين غيره من العلوم التاريخية وليدة التفاعل بين الفكرة والواقع، وليس فكراً مجرداً تأملياً هائماً.

أولاً: نظرة في تطور الواقع السياسي للدولة الإسلامية

1-  بدأ المجتمع حياته السياسية حراً

كانت المجتمعات الإسلامية في أول نشوء الدولة مجتمعات حرة، تعترف للفرد منه بحقوق كثيرة، أهمها حرية تقرير السياسة ونقدها، والوقوف ضدها، وحرية التعلم، وحرية التفكير عموماً.. الخ، وكانت هذه الحرية من صفات المجتعات القَبَلية السابقة، الذي هو أقرب بطبيعة الحال إلى مجتمع الإنسان البدائي الأول، واعترافه بفرديه، بطابع من الفوضوية القديمة. 

2-  الحرية السياسية تؤدي إلى الثورة الدائمة على الواقع، ولا تعترف بأية قيمة مطلقة له

ولم يكن المجتمع يعترف لذلك بوجود أية سلطة مطلقة، ولا بأية قيمة مطلقة، ولم يكن يستطيع- بحكم حريته شبه التامة- أن يرى في الواقع أمراً مفروضاً، أو حقيقة مطلقة (يُضطر) إلى قبولها، فكان دائم الثورة على السلطة، وهذا ما يفسر الثورات العديدة التي قامت في القرن الأول للهجرة. لقد كانت نظرته إلى الواقع أنه أمر متغير، نِسبي، وأن الواقع لا يمكن أن يكون ثابتاً، ولهذا فإنه لا يمكن أن يطابق الحقيقة، ولا يمكن أن يكون هو نفسه حقيقة، ذلك أن الحقيقة- على نقيضه- مطلقة لا تتغير.

3-  تطور الدولة وتعقدها التدريجي أدى إلى فقدان المجتمع حريته الأولى

أدى تطور الدولة وتنوع مهامها ونموها إلى زيادة إحكام هيمنتها على المجتمع، وذلك بسلبها حريته القديمة تدريجياً، لقاء ما تكفله له من نظام، واستقرار في الملكية، وأمان عام. وبعد أن كان الدين وسيلة للثورة على الدولة في العصر الأموي، اتخذته الدولة، منذ أوائل العصر العباسي، وسيلة لتثبيت سلطانها، وركناً من أركانها، فصار من يخرج على الدولة يُعد خارجاً على الدين، وبعد أن كانت المساجد أماكن للإحتجاج على الدولة، أضحت دور إعلام تابعة لها. وفي القرن الثالث حاولت الدولة (متمثلة في خلافة المأمون) فرض عقائد معينة على المجتمع، وهي التي عرفت بفتنة خلق القرآن. وفي القرن الخامس والسادس ضمت الدولة– وهي ماضية في نموها وتعقدها- العلم إلى جملة وسائلها وأركانها، فأنشأت المدارس، وهيمنت على التدريس، وعلى مناهجه ومصادره (بعد أن كان حراً تماماً)، وهكذا كان المجتمع يفقد حريته السابقة (المتمثلة في نظرته النسبية المتغيرة إلى الواقع، التي تدفعه إلى تغييره) تدريجياً، ليحل محلها الولاء والإيمان بالدولة (المتمثل في نظرته المطلقة للواقع، بوصفه حقاً لا يمكن تغييره).

4-  فقدان المجتمع حريته تدريجياً يقترن بتبريره لواقعه، مهما كان سيئاً، على اساس أنه ضرورة

وهكذا نجد أن الواقع السياسي الإسلامي كان يتغير – بتطور الدولة- من واقع متغير نِسبي، إلى واقع ثابت مطلق، وتغيرت نظرة الناس إلى الحق على أساس أنه أمر يمكن التوصل إليه وتطبيقه في الواقع، طالما تمتع المجتمع بإرادة الاختيار، الحرية، تغيرت إلى أن اعتبار الحق هو الواقع نفسه، وأن المجتمع (مضطر) لقبول ذلك الواقع لأنه حق. ولسوف نرى كيف اعترف الفكر الإسلامي بهذه الضرورة، وكيف أن الفكر الصوفي وقف الموقف نفسه منها، وذلك في مرحلة معينه من مراحل تطورهما.

وعليه فإننا نخلص مما نقدم كله إلى أن تطور الواقع السياسي الإسلامي كان يمثل إنتقالاً تدريجياً من القيم المتغيرة، الحرة، النبية، إلى القيم المثابتة، غير الحرة (الضرورة)، المطلقة.

ثانياً: نظرة في تطور نظرية الحكم، أو الفكر السياسي

1-  بدأ الفكر السياسي- كالواقع السياسي- حراً

كان الفكر السياسي في أول نشوء الدولة الإسلامية فكراً حراً بسيطاً، يرى كل فريق أنه من الممكن الوصول إلى الحقيقة التي ينشدها عن طريق الثورة وتغيير الواقع، وذلك أن الأخير ليس إلاّ واقعاً نسبياً متغيراً بطبيعة زمانه ومكانه، وهذا يفسر كثرة الأحزاب الثائرة، والجماعات السياسية، في أوائل عصر الدولة، حتى ضربت رقماً قياسياً في كثرتها، وتفرعاتها، وانشقاقاتها، وتعدد وجهات نظرها، وهو أمر طبيعي طالما آمن الإنسان بحرية إرادته، وأنه (مُخيَّر) في أن يرضخ للشر، أو أن ينتصر للحق، بمحض إرادته الحرة وحدها.

2-  تطور الدولة الإسلامية اقترن بتطور نظرية عصمة الأمة

لما كان الواقع السياسي الإسلامي – كغيره- دائم الحركة والتغير (للأسباب المذكورة)، وكانت الدولة التي بدأت بالاستقرار والنمو تحتاج إلى واقع ثابت، مستقر، تقوم عليه، وإلى قيم ثابتة مطلقة، تدعم وجودها، ولم يكن في السوابق الإسلامية الأولى ما يمكن أن يكون حقيقة مطلقة (منذ أن نفت الخلافة عن نفسها المعرفة اللاهوتية)، فقد بدأت في التطور تلك الفكرة القديمة القائلة بأن للأمة الحق في تغيير واقعها، إلى نظرية متكاملة مفادها أن الحق يمكن أن يكون دائماً مع الأمة، وطالما كانت الأمة موجودة فعلاً في الواقع، فإن الحق إذن هو الواقع نفسه. وبمعنى آخر، فقد تحولت النظرة المتغيرة، النِسبيّة، للواقع، إلى نظرة إليه بوصفه واقعاً ثابتاً و(حقيقياً)، وهو حق لأنه حدث بإرادة العقل الكلي للأمة (بجميع عقول أفرادها، أي بإجماعها).

وهكذا تكاملت لدينا نظرية (عِصمة إجماع الأمة). ولما كان اجماع الأمة عملياً غير ممكن، فقد كان الإجماع (بمفهومه النظري الواسع) يمثل رضا الأمة عموماً، وهذا الرضا هو من إرادة الله الحتمية، لأنها تمثل حقاً مطلقاً.

بدأت النظرية السياسية الإسلامية تفقد تدريجياً قوة التقرير وتغيير الواقع، إلى أن تصبح مُبرِّرة له ، ومُكرِّسة، ومضى الفقهاء يفسرون كل السوابق السياسية الماضية على أساس أنها تمت بإرادة الأمة وبرضاها، التي هي من إرادة الله المطلقة، وإنما لذلك تمثل (ضرورة حتمية) لا مفر منها، ولا اعتراض عليها إذ (لا اعتراض على حكم الله)، وأمسى ذلك المبنى الجليل من النظم السياسية تسويغاً (بَعدياً)  للوقائع التاريخية السابقة التي أقرها الإجماع.

3-  النظرية السياسية الإسلامية تعترف تدريجياً بالضرورة الحتمية

أمست النظرية السياسية الإسلامية مجرد مبررة لواقع الحكم، واعتراف بضرورته الحتمية، وهذا ما نراه جلياً في فكر الماوَردي السياسي، حين اضطر إلى إكساء كثير من الحوادث السياسية (حتى التي تخالِف الدين) بصبغة دينية مطلقة ثابتة، ولكنه لمّا أعيَته الحِيَل في تبرير إمارة الاستيلاء، وهي تنازل الخلافة عن سلطاتها للأمراء الذين حازوا سلطتهم بالقوة (لأن مخالفتها للخلافة الدينية جليّة) نجده يُقِر صراحة بحكم الضرورة الحتمية إذ يقول (إن الضرورة تُسقِط ما أعوَزَ من شروط المُكنة) منتهياً إلى أن الخوف من الإضرار بالمصالح العامة (السياسية) يُسَوِّغ التخفف من الشروط الدينية، وبمعنى آخر فإنه اعترف بأن للضرورة (من الحق) ما يُسَوِّغ مخالفة القواعد الشرعية.

وهكذا كان تطور الفكر السياسي الإسلامي لأن يكون فكر تبرير (مطلق) لا فكر تقرير، وتغيير (نِسبي)، واعترافه لذلك بالضرورة، وبأحقيتها، بوصفها من إرادة الأمة المستمدَّة من إرادة الله، وبإلغائه التدريجي لإرادة الاختيار الحرة، فكان ذلك كله ما أوقعه في تناقض كبير فيما بعد.

4-  سقوط الحكم الإسلامي يُحدِث فجوة في التفكير السياسي

 

كان للجمود الذي تملك واقع الحكم الإسلامي (وما تضمنه من واقع اجتماعي واقتصادي)، وإيمان الناس بأن واقعهم السيئ ما هو إلاّ حقيقة ثابتة مطلقة، أي أنه إرادة إلهية لا يمكن تغييرها، الدور الأساس في شيخوخة الحكم، وبطء تحركه لمعالجة الأوضاع المادية السيئة، فلما سقط الحكم الإسلامي في المشرق على يد المغول وأعقابهم، وسقط في المغرب على يد القوى الأوربية، وقعت النظرية السياسية في تناقض كبير، فإن الفقهاء الذين كانوا يبررون كل سابقة تاريخية على أساس أنها ضرورة، وهي لذلك من إرادة الله فلا مجال للإعتراض عليها، واجهوا – عند سقوط الحكم الإسلامي على يد غير المسلمين- التناقض الآتي:

كيف يمكن التوفيق بين سقوط حكم الإسلام، وبين أن يكون ذلك السقوط من إرادة الله؟ وكان الجواب أسرع مما يُتَوقع، حيث برّر الفقهاء تخلي الله عن حكم المسلمين بأنه عقاب لهم، وأن مجيء المغول مثلاً لم يكن إلاّ من إرادة الله، وهو لذلك لم يكن إلاّ حقاً، وقد تم برضا الأمة نفسها، التي ترضى بحكم الله (والنصوص التي ترد في أثناء أخبار سقوط بغداد حافلة ومؤيدة لهذى المعنى). وهكذا تطورت النظرية السياسية إلى أن وصلت إلى نقطة فلسفية خطيرة، وهي أن الخير حق والشر (كسقوط الخلافة مثلاً ومآسي الاحتلال) هو أيضاً حق، وكلاهما يمثلان ضرورة أرادها الله، وإذن فلا فرق بين الخير والشر على المستوى السياسي، وإنه مهما يكن في الواقع من شرور وسيئات، فهو حق، لا مجال لتغييره أو تبديله، أو حتى الاعتراض عليه.

لنقف عند هذه النتيجة الخطيرة، وهي تبرير النظرية السياسية الإسلامية للشر بأنه ضرورة حتمية، وأنه حق مطلق، مثله مثل الخير تماماً، لنتتبعها في الفكر الصوفي. 

ثالثاً: نظرة في تطور الفكر الصوفي

يصعب التمييز عند البحث في نشأة التصوف، بينه وبين نشأة الزهد (وقد أدى هذا التشابه في النشأة إلى إرجاع بعض الباحثين، كزكي مبارك، التصوف إلى عهود سابقة)، وإن هذا الاتحاد في البداية يدلنا بوضوح على أن التصوف نشأ كرَدِّ فعل عنيف على الواقع السيئ، ولهذا فقد كان التصوف في المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي يمثل حركة مناوئة للواقع السياسي للمجتمع والدولة، إذ احتقر ذلك الواقع بصراحة، ونادى بأن الحقيقة ليست في ذلك الواقع لأن الحقيقة مطلقة (كل شيئ خلا الله باطل)، بينما ذلك الواقع نسبي، يتغير، ويزول، وأن الدولة لا تمثل الحق، وإنما يستطيع الإنسان الوصول غليه والاتحاد معه بنفسه عن طريق وقوفه ضد الواقع، وتجرده من نوازعه ومغرياته، لذلك فقد كان الفكر الصوفي في عهده الأول- عهد الجُنيد ومعروف والسَقطي والحلاج وغيرهم- يمثل ثورة الإنسان على الواقع الذي يؤمن بحرية إرادته في تغييره، ولذلك وقف النظام السياسي ضد التصوف واضطهد بعض المتصوفة بقسوة بالغة.

وهكذا نجد أن التصوف وقف نفس الموقف الثائر الذي وقفه من قبل الفكر السياسي، في تقريره للواقع، وإيمانه بحرية الإرادة في تغييره.

5- التصوف يسير في نفس مسار الفكر السياسي من قبل فيعترف بالضرورة

وكلما بررت النظرية السياسية الواقع، وعدته ضرورة لا محيص عنها، كان التصوف يأخذ في تطوره نفس المجرى، فمنذ القرن الخامس للهجرة هدأت ثورة الصوفية، وأخذ موقفها من الواقع السيئ يتحول من رد الفعل إلى قبوله وتبريره، فخفتت أصوات من قال بأن الحقيقة المطلقة ليست في الواقع المتغير، وأنه يمكن تغيير الواقع للصول إلى تلك الحقيقة المنشودة، ولم نعد نسمع تلك الأصوات التي دعت إلى نبذ الواقع باعتباره شرا لابد من محاربته بالإرادة الحرة للإنسان، وبدأت تحل محلها أصوات تدعو إلى أن الإنسان مُسَيَّر في إرادة عامة، وهو مضطر لقبولها، وأن ما يحدث في الواقع ليس إلاّ نتيجة لتلك الإرادة، ولذلك فإن الحقيقة تكمن في الواقع ذاته، وفيما أحدثته الأمة عليه من مؤسسات (وبالطبع فإن الدولة أبرزها وأهمها)، وهكذا بدأ الصوفية – هم أيضاً- يضفون الحق على الواقع السياسي ويبررونه بإخلاص مُتناهِ، حتى إذا ما جاءت نهاية القرن السادس للهجرة، كان التصوف قد غدا من أركان حكم الخلفاء، لا سيما الخليفة الناصر لدين الله العباسي، الذي أراد شد مفاصل الدولة به.

إن هذا التكريس الصوفي للواقع هو الذي دفع بصوفية متأخرين إلى إعلان مقاومتهم لمن يريد تغيير النظام السياسي، كما فعل الشعراني مثلاً، بل صار "حفظ النظام ومراعاة المصلحة العامة.. وتحريم الخروج على الإمام" قاعدة من قواعد التصوف المهمة (أحمد زروق: قواعد التصوف).

6- سقوط الحكم الإسلامي يحدث فجوة وتناقض في الفكر الصوفي هو أيضاً

ومثلما أحدث سقوط الحكم الإسلامي فجوة وتناقضاً في بناء النظرية السياسية الإسلامية، أحدث هذا السقوط هزة كبيرة في الفكر الصوفي أيضاً، ذلك أن تبرير الصوفية للواقع باعتباره حقاً، أدى إلى الوقوع في التناقض الآتي: ما دام الواقع السياسي المادي يمثل حقيقة مطلقة، وما دامت هذه الحقيقة هي إرادة الله، فكيف التوفيق بين سقوط هذا الواقع= الحق، وبين أن تكون تلك النهاية من صنع الله؟

ومثلما قدمت النظرية السياسية الجواب السريع على هذا السؤال المحرج، مجتازة ما يثيره من تناقض على ما سبق ذكره، خَطَت النظرية الصوفية الخطوة نفسها، فذهبت إلى أن سقوط الحكم الإسلامي، على ما نتج عنه من شرور، فإنه يمثل إرادة الله، وهو لذلك حق مطلق لا يمكن تغييره والإعتراض عليه. وكما أن الخير ضروري لهذا العالم، فإن الشر ضروري أيضاً، وأن هذه الضرورة حتمية، إذ هي تمثل حقاً مطلقاً، الذي هو الله تعالى، لأنه طالما كان الله نفسه حق، فإن كلاً من الخير والشر يمثل وجهاً من أوجه الله، أي أنهما الله ذاته. وهكذا تبلورت لدينا في هذا الاتجاه نظرية (وحدة الوجود) الذي حمل لواءها ابن عربي، فحين يقول ابن عربي "فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها" يعلم أن من هذه "الأشياء" (في الواقع) ما هو شر، كما أن فيها ما هو خير، وحين يقول "وقد ثبت عند المحققين أنه ما في الوجود إلاّ الله، ونحن وإن كنا موجودين، فإنما كان وجودنا به "يعلم أن من بين هؤلاء"الموجودين" (في الواقع" من هم من الأشرار ومن هم من الأخيار، وهو حينما يتوصل إلى أن "حقيقة الموجودات واحدة"، يعني أنه لا فرق بين الموجودات الخيرة والموجودات الشريرة، فإنها جميعاً تمثل حقيقة مطلقة واحدة، هي الله تعالى.

وبهذا يبرر لنا الصوفي ابن عربي الشر بأنه ضرورة إلهية، وهو لذلك حق مطلق لا سبيل لدفعه، وهو بهذا أيضاً وصل بالنظرية الصوفية إلى المنعطف نفسه الذي وصلت إليها النظرية السياسية الإسلامية.

هذه هي الخطوة الخطيرة التي خطاها ابن عربي في تطوير نظرية (وحدة الوجود) الصوفية، إلاّ أن ابن عربي لم يستطع حل المُعضلة الأخيرة التي تبقَّت نتيجة ذلك التناقض الذي أدى إليه تدهور الواقع السياسي الواضح، وهي: كيفية التوفيق بين نظرية وحدة الوجود التي أنضجتها الظروف التاريخية وصيرتها إلى ما صارت إليه، وبين الفكرة الإلهية القديمة، القائلة بوجود خير قائم بذاته، وشر قائم بذاته، وأن على الإنسان أن يختار بإرادته الحرة (التي سيُحاسَب عليها) بينهما لينال بعدئذ ثوابه إن اختار خيراً، وعقابه إن اختار شراً.

7- التطور الأخير في النظرية الصوفية جاء تبريراً آخر للواقع

كان الانحطاط السريع الذي دَبّ في جسم النظام السياسي الإسلامي في القرنين السابع والثامن للهجرة، يوجِب تبريراً أقوى لأسباب ذلك الانحطاط، وكانت فكرة وجود الجنة والنار، كنتيجة لوجود الخير والشر، وما يوجبان من وجود إرادة اختيار حرة، تشكك دائماً في تبرير الشر على أنه يمثل إرادة إلهية ضرورية مطلقة، لهذا فقد ظهر في الميدان صوفي آخر طوَّر ما تركه ابن عربي من الفكر الصوفي، متوصلاً إلى أنه كما لا يوجد فرق بين الخيروالشر، فإنه لا فرق أيضاً بين نعيم الجنة وعذاب النار، وكان ذلك الصوفي هو الشيخ عبد الكريم الجيلي (المتوفى سنة 832هـ) الذي رفع أكبر مشكلة كانت تعترض القائلين بوحودة الوجود، أعني مشكلة العقاب والثواب، حين ذكر بأن جميع الناس مهتدون، في أحوال الطاعة وفي أحوال العصيان، وقرر بأن الله تعالى يسمى المُضِل كما يسمى الهادي "فالطائع متحقق بصفة الهداية، والعاصي متحقق بصفة الضلال، وكلاهما أمام الحق سواء"، وما إرادتنا المخلوقة – في رأيه- إلاّ "عين إرادة الحق سبحانه وتعالى"، وهي "عين الإرادة القديمة". ويحاول الجيلي جاهداً التوصل إلى أن النار لا تختلف بعذابها عن نعيم الجنة، فمما يقول" إن لأهل النار لذة فيها تشبه لذة المحاربة والمضاربة، وهم عارفون أنهم يتألمون بذلك، ولكن الربوبية الكامنة التي هي النفس تحملهم على خَوض ذلك، ثم أن لهم لذة أخرى تشبه لذة من به جَرَب فيَحُكَّه.. ولهم لذة أخرى تشبه لذة الجاهل المستغني برأيه ولو أخطأ.. الخ" (كتابه: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل).

والواقع أن الجيلي مضطر إلى أن يصل بالنظرية الصوفية إلى هذه النقطة، فهو في تفسيره لعذاب النار على هذا النحو ، فأنه يُوفق بين كون الواقع السياسي (بكل ما فيه من شرور) حقاً مطلقاً، وبين فكرة الثواب والعقاب، ويرفع ما بينهما من تناقض أخير.

خاتمة:

تتضح لنا، مما تقدم، الصلة الوثيقة بين الفكر الصوفي من جهة، وبين الواقع السياسي والفكر السياسي من جهة أخرى، وأنه ليست هناك أية (تجربة روحية) منفصلة عن الواقع، بل أن التصوف كله كان تفاعلاً بين الفكر والواقع السياسي، كل منهما رسم طريق الثاني وحدد اتجاهه، وإن دراسة التصوف كمعرفة تأملية محضة دون دراسة واقعه التاريخي أمر غير مجد.

  

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف

 

 

النص الديني وآفة التقديس: القرآن كنموذج

القرآن كنص: دراسة تفكيكية نقدية للنص القرآني بعيداً عن القدسية

مقدمة: جذور المقدس الديني

علينا توخي أقصى درجات الحذر عندما نلج المنطقة المحرمة في الإسلام والمس بالمقدس الديني الأهم ألا وهو النص القرآني. ولكن لا يمكننا الإفلات من الأساسيات المهمة والضرورية في عملية البحث في النص القرآني والتغاضي عن أسئلة جوهرية من قبيل: كيف نشأ النص القرآني ومن أين جاء وكيف تشكلت قدسيته ومتى ظهر أولاً وكيف كتب أو دون وبأية لغة كان قد كتب وأي شكل أتخذ ومن كان الجمهور الذي تلقاه وكيف انتقل من جيل إلى آخر من نظمه وصنفه وجمعه وبوبه. الإجابة على هذه الأسئلة تعد كمن يخوض في حقل ألغام فلا يوجد إجماع مع وجود صعوبات تتعلق بالنص نفسه وبمادته اللغوية وغموضه، ولا تتوفر للباحثين سوى الرؤية التراثية من وجهة نظر إسلامية بحتة التي يمكن اللجوء إليها في أية مقاربة حتى ولو كانت نقدية حيث يتطلب مثل هذا الجهد الجرأة على التحدي لكشف الرؤية التبسيطية الساذجة المستمدة من معتقدات الإسلام والعقلية الخرافية السائدة فيه . لذلك لا بد من القيام بدراسة نقدية تحليلية جريئة ومحايدة وصريحة لمصادر القرآن لكي نتوصل لنتائج تاريخية صحيحة ومحددة ولن يحصل ذلك إلا بروح علمانية ودنيوية صرفة من قبل باحثين أكفاء غير متأثرين بعلوم الدين الإيمانية. أعمال أغناس غولدزيهر Ignaz Goldziher وهنري كوربان Henri Corbin عن تأثير الزرادشتية على الإسلام وأعمال جيجر Geiger وتوري Torreyو كاتش Katsch عن تأثير اليهودية وعمل ريتشارد بيل Richard Bell الطليعي عن تأثير المسيحية وأعمال ويلهاوسن  Wellhausen ونولدكة Noldeke وهرغرونج Hurgronje وروبرتسون سمث Robertson Smith عن تأثير الصابئية وتأثير المحيط في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وعمل آرثر جفري Arthur Jeffery عن المفردات الأجنبية في القرآن، كلها تجتمع لتجعلنا نتفق مع استنتاج زويمر Zwemer أن الإسلام " ليس اختراعا، ولكنه خلطة، ليس هنالك من جديد فيها ما عدا عبقرية محمد في مزج مواد قديمة ليكون وصفة لعلاج كل الآلام الإنسانية وليفرضها بواسطة السيف". ولقد جمع عصارة ما تفقتق عنه ذهنه وتجاربه واتصالاته في كتاب هو " القرآن" الذي قال عنه أنه من عند الله وبالتالي فهو كلام الله لذلك فهو مقدس، ومجموعة من الأحاديث والأفعال التي دمغت حياته وتناقلتها الأسلن في كتب السيرة والحديث واشهرها " صحيح البخاري" الذي أضفت عليه المؤسسات الدينية المتتالية منذ تدوينه إلى اليوم نوع من القداسة بمعنى أن كل ما جاء فيه صحيح. ولم قيقتصر الأمر على الطائفة السنية ذات الأغلبية الساحقة في الإسلام بل حدث نفس الشيء لدى الطائفة الشيعية الأقلية في الإسلام وورد في أدبياتها ونصوصها المعتمدة كالكافي وبحار الأنوار وغيرها الكثير من الحشو والوضع استناداً، ليس فقط لتراث محمد، بل وكذلك للأئمة من أهل بيته من حفيديه الحسن والحسين وكذلك دون تمحيص أو تدقيق.

والحال، يعيش العالم الإسلامي اليوم، حركة غير مسبوقة في انتقاد التراث الديني، تناولت جميع المرويات المنسوبة لمحمد وأخضعتها للمناقشة والتمحيص، إذ أن تلك المرويات تضمنت الكثير من التناقضات، والخرافات، التي تعارض مقتضيات المنطق السليم والعقل الواعي، سيما وإن الكثير مما جاء فيها معارضاً ومخالفاً لصريح النصوص القرآنية، في الكثير من المضامين، ثم إنتقل النقاش والجدل والنقد من الوسط الفكري، الذي يضم العديد من المثقفين والباحثين، إلى الوسط الديني أيضا داخل بعض الموؤسسات ذات الطابع الديني كالأزهر والمرجعيات الدينية الشيعية، حيث تخرج من هاته الموؤسسات فقهاء ومحدثون بدأوا يناقشون هاته المرويات ويمحصونها، وينتقدونها ويأخذون منها ما يعتبرونه صحيح مثبت ويرفضون مايعتبرونه موضوع ومزور ولايتوافق مع النص القرآني، فتم التعامل مع هاته النصوص على انها نصوص تاريخية، لا قدسية لها، وشرع هؤلاء في تمحيصها بنفس الآليات العلمية والعقلانية التي يتم بها مناقشة وتمحيص النصوص التاريخية. ومما ساعد على هاته الحركة الفكرية بخصوص انتقاد التراث الديني، ما يعيشه العالم اليوم من ثورة علمية غير مسبوقة أيضا، جعلت العقل البشري يتبوأ مكانة السيادة والريادة في جميع المجالات، فاتحا مستقبل البشرية جمعاء، على آفاق ِ واسعة من التقدم المذهل في شتى ميادين الحياة، بل إن تقدم الوسائل والوسائط والتكنولوجيا العلمية مكنت البشرية من التعرف على الماضي في كلياته، وحتى السحيق منه، وكأنها تعيش داخل تلك العصور البائدة، كما ساعدت تلك الوسائل على التحقق من مصداقية الروايات التاريخية، والأعمال المنجزة في هذا الصدد قبل قرون من خلال المنهج التفكيكي. ومن الكتب التراثية التي لقيت انتقادا كبيرا منذ تأليفها كتاب «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه» الشهير بالجامع الصحيح أو صحيح البخاري حيث أنجزت العديد من الدراسات ُ والبحوث والتحقيقات التي تناولته بالانتقاد، لإبراز الأحاديث والآثار الواردة فيه، سيما الأحاديث المناقضة للعقل والعلم والقرآن، والأحاديث المنحولة والمأخوذة من الإسرائيليات، وغيرها من البحوث التي صار معها «صحيح البخاري» من  أكثر الكتب إثارة للجدل على مر التاريخ الإسلامي ورغم الحملة القوية التي واجهها صحيح البخاري من حيث انتقاد مضامين الأحاديث الواردة فيه، ومن حيث انتقاد بعض رجاله الذين روى عنهم مؤلف الكتاب أحاديثه، ومن حيث الانتقادات التي وجهت لمحمد بن اسماعيل البخاري نفسه، إلا أن فئة الشيوخ والفقهاء والمحدثين ظلت في مجملها متمسكة بالجامع الصحيح على أساس أن كل ما فيه صحيح، وأنه أصح الكتب بعد كتاب الله، بل تم حمل سلاح التفسيق والتكفير والزندقة في وجه كل من ينكر أحاديث في هذا الكتاب أو يوجه إليها سهام انتقاداته، حتى لو عارضت متونها كتاب الله الموحى إلى نبيه، فصار لدينا كتاب فوق النقد، وفوق العلم، وفوق العقل، بل فوق القرآن نفسه لدى معظم الشيوخ السنة مع كامل الأسف. لقد تضمن الكتاب المئات من الأحاديث تحبل بكوارث خطيرة، فمنها ما يسيء إلى مقام الألوهية، ومنها ما يسيء إلى مقام النبوة، ومنها ما يسيء إلى مقام الإنسان نفسه والمرأة على وجه الخصوص.

القرآن من الداخل:

"قل الحق ولو على نفسك" ترى من يطبق هذا القول اليوم في العالم الإسلامي؟ نحن أمة لا تزال أسيرة الماضي ومقدساته التي لا تستطيع الفكاك منها، فكل النصوص والأشخاص باتوا مقدسين وخطوطاً حمراء لا يسمح بالمساس بها، ناهيك عن انتقادها أو دحضها أو مناقشتها. فالنبي والصحابة وآل بيته مقدسون، بل وبعضهم معصومون عن الخطأ، والقرآن والحديث مقدسين، لا يحق لأحد أن يتساءل بشأنهما أو يشكك بأصالتهما وصدقيتهما مثل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبالعقاب والثواب ويوم القيامة والحساب والجنة والنار والنعيم والجحيم، وغيرها من المسلمات، ومن يخرج عن ذلك فهو زنديق وكافر ومشرك ومرتد يطبق عليه الحد ألا وهو القتل.

من هنا، فإن من المحرمات التي لا يجب انتهاكها في زمننا الحاضر، والتي فرضتها الأورثوذكسية الإسلامية، كان موضوع قدسية النص القرآني الذي لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ولا من فوقه ولا من تحته فهو كلام الله المنزل الكامل والشامل الخالي من أي نقص أو تناقض. والحال أن تراث الإسلام لا يقول بذلك لا من الناحية الفقهية ولا من الناحية الثيولوجية أو الكلامية أو الفلسفية أو المنطقية، بل ولا حتى من الناحية اللغوية، وهو مليء بالأمثلة التي تثبت عدم قدسية وكمالية النص القرآني خاصة فيما يتعلق بجمعه وتدوينه وتفسيره وتأويله، فبعد موت محمد أصبح أمام المسلمين ثلاث أولويات عاجلة، حسم مسألة الخلافة الدنيونية، وفيما بعد الدينية لو أمكن، وتأسيس القرآن ككتاب مقدس قانونياً ومصدراً وحيداً للتشريع، وجمع الحديث وتدوين السنة النبوية. فكان على المسلمين أن يجمعوا النصوص القرآنية المتفرقة من المصادر الشفهية والمكتوبة، وأن تؤسس هيكيلية نص من الحروف الساكنة وأن يستكمل العمل على مراحل لتثبيت نص مضبوط بعلامات للحركات والتنقيط والتشكيل لكي يكون مقبولاً كمقياس قانوني. ولقد استغرقت هذه المهمات ثلاث قرون تقريباً وفق سيناريو زمني وجغرافي معقد حيث من المفترض أن محمد لم يترك نصاً مكتوباً أو مدوناً كاملاً للقرآن كما تقول المصادر التي تشدد على أنه حفظ بصيغة شفهية في ذاكرة عدد كبير من مستمعيه وحفاظه وقرائه المباشرين من الجيل الأول من الصحابة، ومن ثم من قبل التابعين وتابعي التابعين وهلم جراً .إلى جانب نتف مما كتبه في حياة محمد من سميوا بكتاب الوحي ولقد تمت المهمة بعد موت محمد بعقدين من الزمن في زمن الخليفة الثالث عثمان لذلك صار الكتاب المجموع يعرف بالمصحف العثماني بيد أن النص النهائي للقرآن المضبوط والمشكل والمنقط أنجز في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي بعد طرق متعددة لقراءته وتنويعات طفيفة في الضبط بالشكل حظي بالقبول والتسامح وأصبح مقبولاً كنص قانوني ملزم كما تقول الرؤية الإسلامية التقليدية، في حين إن الباحثين الغربيين في مجال الدراسات والأبحاث القرآنية، ومنهم جون وانسبورغ سنة 1977،وجون بورتو في سنة 1977 أيضاً، توصلا إلى استنتاجين متباينين. الأول حاول أن يثبت أن القرآن لم يجمع على هيئته الحالية حتى بعد مائتين او ثلاثمائة سنة بعد موت محمد، بينما الثاني حاول أن يثبت العكس وهو أن محمد حرص على تثبيت نسخة نهائية للقرآن في حياته مكتوبة بحروف ساكنة، ولكن لم يتم العثور على نص قرآني مرتب وفق التسلسل الزمني الكرونولوجي للنزول .أما المستشرق الألماني لولينغ فقد سعى للبحث عن القرآن الأصلي في كتابه المثير للجدل " تحد للإسلام" الذي نشره سنة 2003. ومن حيث توقف لولينغ بدأ لوكسينبرغ محاولاته لحل شفرة القرآن بمقاربة غريبة وجديدة في آن واحد بشأن التأثيرات السريانية والآرامية في اللغة القرآنية وهي الدراسة التي نشرها سنة 2004 وأحدث ضجة في وسائل الإعلام الشعبية والشعبوية ذات الإثارة الجماهيرية، وهي دراسة ابتعدت عن كامل التراث التفسيري الإسلامي التقليدي للقرآن وتقول بأن كل النسخ الباقية للقرآن، قديمه وحديثها، تتضمن كماً هائلاً من الأخطاء في القراءة، من وجهة نظر القراءة الفيلولوجية ذات النتائج التخمينية وليست اليقينية،لأنه لا يأخذ بالاعتبار الأبحاث المتراكمة على مدى قرنين من الزمن في سياق النقد النصي للقرآن، والنتيجة التي توصل إليها لوكسينبرغ هي أن اللغة التي استخدمها محمد في القرآن الأصلي الذي تلاه على مسامع المسلمين كانت متأثرة تأثراً عميقاً باللغة السريانية والآرامية التي أخفاها محمد بحذاقة منقطعة النظير في إعادة صياغة لغوية نثرية مسجعة خاصة به، والتي يمكن إعادة اكتشافها بتغيير التنقيط على المفردات القرآنية لكي نقترب من أصلها السرياني والآرمي، ويتوسل منهجية الاستبدال الدلالي. فالنص القرآني الذي بين يدينا الآن ما هو سوى نسخة مجزأة عن نص أصيل تقول الأسطورة الدينية أنه موجود في اللوح المحفوظ لا يمكن الوصول إليه ولا حتى من قبل الأنبياء والرسل، كما جاء في سورة البروج للآية 22 وسورة الأنعام الآية 19 وسورة القدر. قال الله في القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقال إنا أنزلناه في ليلة القدر اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال أحدها وهو الأصح الأشهر أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة . وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسول الله بعضه في أثر بعض .وأخرج الحاكم والبيهقي أيضا والنسائي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى السماء الدنيا، ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ثم قرأ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا. وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وفي آخره فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا. أخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما، أي على أجزاء، وعن ابن عباس أنه سأل عطية بن الأسود فقال أوقع في قلبي الشك قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر وهذا نزل في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس إنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام. فذلك هو القرآن الحقيقي والأصيل وليس النص الدنيوي المتداول اليوم والذي هو عرضة لكثير من الغموض والإشكاليات والاجتهادات والتأويلات والتفسيرات المتناقضة والمتباينة والذي وصفه الإمام علي بأنه" حمال أوجه". فالنص الحالي لم يملى على النبي حرفياً بل بواسطة الوحي والإيحاء لذلك نجد فيه المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وبالتالي فهو ليس ذلك المقصود بالآية: إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فالكتاب المتداول اليوم بين الناس ليس هو " الذكر" المشار إليه في الآية، وبالتالي فهو ليس خالد ومطلق وثابت. فهناك قصة وتاريخ للنص المعروف باسم القرآن اليوم وفيه نواقص وإضافات وتحريفات كما تروي لنا الروايات التاريخية المتعلقة بهذا الموضوع، وبالتالي فهو نسبي. وتكفينا الإشارة إلى موضوع الآيات الشيطانية، الواردة في القرآن الدنيوي المتداول حالياً والتي استوحى منها الروائي والكاتب البريطاني من أصل هندي روايته الشهيرة " آيات شيطانية" التي أثارت ضجة في العالم الإسلامي بعد فتوى الخميني باستباحة دم الكاتب ووجوب قتله، والحال أن هذه الحادثة حقيقية حصلت في التاريخ الإسلامي ونقلتها كتب التراث . فلقد أكد الدكتور عفيف عبد الفتاح في كتابه روح الدين الإسلامي أن الرسول كان يفرق بين الملاك والشيطان إلا في حالة واحدة عندما امتدح النبي آلهة قريش ونطق الآية على النحو التالي:" تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" وهو يقصد بالغرانيق هنا الللات والعزى ومناة. ولقد أكد السيوطي في كتابه أسباب النزول ص 184 وابن هشام في سيرته النبوية جزء 2 ص 126 وابن كثير في تاريخه جزء 3 ص 229، بأن الشيطان هو الذي وضع على لسان محمد هذه الصيغة ليمتدح آلهة قريش عندما كان يقرأ على قريش سورة النجم . يقال أن هناك كتبة للوحي لم يكونوا أمناء ومخلصين ومنهم من ارتد عن الإسلام وآخرون مثل معاوية استخف بأصالة النص بل وأنكره إبنه يزيد ابن معاوية، وهو خليفة للمسلمين، حينما ردد مقطعاُ شعرياً يقول:" لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل". فبعد وفاة النبي كان القرآن موزعاً بين الصدور في ذاكرة الحفاظ والقراء، وعلى جلود الماعز وكرب النخيل والعظام والأقمشة وغيرها من الدعائم التي دونت عليها الآيات والسور القرآنية، ولم تنضج فكرة جمع النصوص القرآنية إلا في وقت متأخر في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وحول ذلك الحدث قصص وحوادث كثيرة تطعن بأصالة ومصداقية النص القرآني الحالي، سنتطرق إليها لاحقاً. فأقل ما يقال أن الجمع تم على نحو اعتباطي وعشوائي لأغراض سياسية وأيديولوجية مسبقة ومتعمدة وليس وفق توجيهات النبي أو وفق تسلسل نزول الآيات وحدث خلط مقصود ومتعمد بين الآيات المكية والآيات المدنية ونقل الكثير منها من سورها الأصلية إلى سور أخرى. هناك روايات غير مثبتة تقول أن أول محاولة للجمع حدثت في حياة النبي من قبل علي بن أبي طالب وبعد ذلك بقليل في زمن الخليفة الأول أبو بكر والمحاولة الثالثة تمت في زمن عثمان، وهناك محاولة أخيرة تمت بعد زمن طويل في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي. كانت هناك عدة نسخ للقرآن تبعاً لاختلاف القراءآت، وأشهرها نسخة عبد الله ابن مسعود التي أحرقت في عهد عثمان وبأمر منه. وتم إقرار نسخة زيد بن ثابت بالقوة وإحراق باقي النسخ ما عدا نسخة الإمام علي التي لم يتجرأ أحد على أخذها منه وحرقها، والمعروف أن زيد بن ثابت الأنصاري من قبيلة الخزرج كان كاتب من كتاب الوحي ومترجم للنبي من والى اللغة الفارسية والإغريقية والقبطية والإثيوبية حيث تعلم اللغات في المدينة ومن رحلاته المختلفة الى تلك البلدان، وكان سكرتيرا لأبو بكر وعمر وعثمان، وكان هو الذي يكتب الرسائل للملوك والأمراء في زمن النبي والخلفاء الثلاثة الأوائل . وتقول أسطورة دينية أخرى أن الملاك جبريل كان يلتقي النبي محمد سراً كل عام بهذا الصدد للقيام بمراجعة لما تم إنزاله على النبي خلال العام المنصرم وتدقيقه وتثبيته.

د. جواد بشارة

عدنان عويدأسس التفكير الفاشي: يقول "فلا ديمير جابو تنسكي" حول طبيعة الفاشية ومواقفها من الآخر: (كل إنسان آخر على خطأ وأنت وحدك على صواب، لا تحاول أن تجد عذراً من أجل ذلك، فالأعذار غير ضرورية وغير صحيحة، بوسعك ان تعتقد أي شيء في العالم، إذا اعترفت ولو لمرة واحدة أنه ربما يكون خصومك على صواب، لا توجد في الواقع إلا حقيقة واحدة، وهي بكاملها ملكك أنت، وإذا لم تكن واثقاً فابق في بيتك، وإذا كنت واثقاً لا تتطلع إلى الوراء هي ستأتي في اتجاهك).(1)

مقدمات في العنف والعنف المضاد في الدولة الاسلامية:

لم يأخذ المسلمون بحديث الغدير الذي اختلف انصار علي ومعارضيه على دلالات مفردة الموالاة، (اللهم والي من والاه)، حيث فسرها أنصار علي بـ (الولاية – الخلافة)، بينما فسرها معارضو علي بـ (المحبة والمودة). كما لم يقتنع معارضو علي بالدليل النصي المقدس الذي قال أنصار علي بأن الله قد أمر الرسول آنذاك أن يبلغ المسلمين ممن كانوا معه رسالته بشأن علي، وهي الآية التي على أساسها تمت خطبة أو حديث الغدير : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). (المائدة – 67).

كان الرسول على فراش الموت... والأنصار والمهاجرون في السقيفة يتداولون في أمر الخلافة. بينما علي كان إلى جوار الرسول، وبقربه أبو سفيان يؤلب العصبيات القبليات، محرضاً علي على أخذ الخلافة، وطالباً منه أن يمد يده ليبايعه، فكان رد علي عليه: (إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة)... ودعوة علي لأخذ الخلافة جاءت في الوقت نفسه، وفي المكان نفسه من عمه العباس، فشعر بأن دعوة عمه ستشكل موقفاً قبلياً، فرد على عمه قائلاً: إني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج).

لم يُبَايَعْ علي الخلافة، لا عن طريق الشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ولا حسب وصية الغدير. بل بُويع أبو بكر بعد سجال حاد بين المهاجرين والأنصار:

قال الأنصار: (نحن أحق بها، لأنا من أوائل الذين آمنوا بالرسول ونصره.).

فرد المهاجرون: (نحن أحق بها، لأننا أسبق في الإسلام ومن هجر أهله وماله في سبيله ، ونحن قرابته أيضاً.).

قال الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير).

رد المهاجرون: (منا الأمراء ومنكم الوزراء.).

وهنا وضُع لأول مرة حديث على لسان الرسول من قبل دعاة السلطة ومريديها من القريشين لتثبيت أمرهم وشرعنته: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس إثنان.). عن الصحيحين. (مسلم والبخاري).

لم يبايع "سعد بن عبادة وعشيرته، وتركوا السقيفة ليشكلوا أول معارضة للسلطة في الإسلام، وليكون سعد بن عبادة بعد أن رفض بيعة أبي بكر وعمر، أول قتيل في المعارضة أيضاً، وكانت طريقة قتله أول وسيلة تمارسها السلطة وينطبق عليها المثل الشعبي القائل: (تقتل القتيل وتمشي في جنازته). حيث شُيع بين الناس بأن من قتل سعد بن عبادة هو الشيطان كونه بال واقفاً، أو بال في حفرة.

أما معارضة علي، فقد تصدرت لها "فاطمة" زوجة علي وبنت رسول الله، إذ امتطت ظهر جملها وراحت تطوف في شوارع المدينة وأسواقها تطالب الناس البيعة لعلي، وتطعن ببيعة أبي بكر، فكان رد من صادفها من المهاجرين والأنصار بقولتهم الشهيرة: (لقد بايعنا الرجل). وانتهى الأمر.

من هنا ابتدأت مأساة العنف في الخطاب الإسلامي والدولة الإسلامية معاً، ومن هذا المنطلق الغائم لمفهوم السلطة وآلية الوصول إليها، وبالتالي حتى آلية عملها وغنيمتها، اندفع المتنافسون عليها إلى العنف، وتسخير النص الديني المقدس تفسيراً وتأويلاً ووضعاً أو انتحالاً خدمة لشرعنة هذه السلطة والحفاظ عليها، وبإسم ذلك رفع السيف وانتُهكت الأعراض وحُرقت المقدسات.

استلم أبو بكر الخلافة، فكانت الردّة عن الإسلام من بعض القبائل التي دخلت الإسلام بحد السيف، حيث كانت العصبية القبلية وروح الزعامة في أوجها، ولم يستطع الإسلام حتى التخفيف من غلوائها (ولن يستطع) رغم محاربته لها، فراحت هذه القبائل بزعمائها يحسدون قريش على زعامتها الدينية، هذا اضافة للخلافات بين المهاجرين والأنصار على هذه الخلافة، ثم لموقف اليهود وتحريضهم على الخلافة الإسلامية. هذا مع ظهور عدد ممن ادعى النبوة بعد وفاة الرسول وراحوا يبشرون بدعواتهم مثل: مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي في اليمن، وطليحة بن خويلد في غطفان.

إن الملفت في أمر السلطة هنا، أن أبا بكر قد أرسل كُتباً للقبائل المرتدة يطالبهم بالعودة إلى الإسلام، وإن رفضوا العودة، سيمارس بحقهم كل أساليب (العنف) من قتل وحرق وسبي لنسائهم وذراريهم، وأنه سيجبرهم على دفع ما كانوا يؤدونه للرسول من (ضريبة)، حتى ولو كان ثمن عقال بعير. والمؤسف أن هذا الوعد نفذ، وكان من أبز ضحاياه مقتل (مالك بن نويرة) وأخذ زوجته زوجة لخالد بن الوليد (سيف الله المسلول)، بعد أن أغراه جمالها، فكان هذا الجمال بقعة سوداء في تاريخ حروب الردّة.

انتقل أبو بكر إلى جوار ربه، وتذكر بعض المصادر أنه مات مسموماً، وبموت أو مقتل أبي بكر استلم عمر الخلافة بأمر من الخليفة أبي بكر قبل رحيله، دون قيد أو شرط. كان رجلاً عادلاً أعز الله به الإسلام، وكان أول خليفة يستخدم العقل في فتح النص الديني على كل مقاصده ونظمه وأحكامه، فقرأه قراءة تعمل على مجاراة الواقع ومستجداته، فكان له مواقف عقلانية مشرفة في ذلك، كموقفه من السرقة في عام الرمادة، وكذلك موقفه من المؤلفة قلوبهم، وأراض سواد العراق. ونتيجة مواقفه هذه وخاصة الايجابية منها تجاه الفقراء والمحرومين، وحرمان المؤلفة قلوبهم من الزعماء وشيوخ القبائل من حصتهم في الغنائم التي كانت تعطى لهم لشراء ضمائرهم حتى لا يرتدوا عن الإسلام، ثم لعدم توزيع أراضي سواد العراق المفتوحة على المقاتلين وتجار الحروب، وغيرها من مواقف اتخذها عمر ضد حركة وتنقل أغنياء قريش، ألب عليه المؤلفة قلوبهم وتجار الحروب الذين شكلوا طبقة غنية واسعة الثراء، فكانت النتيجة قتله على يد رجل مستعبد لاحول له. وقبل موته كلف ستة من الصحابة في اختيار الخليفة بعده، وبعد أن رفض تكليف ابنه عندما أشار إليه بعض انتهازي السياسة تكليفه إذ رد عليهم قائلاً: (يكفي آل الخطاب واحد يتحمل وزر هذه الأمة).
استلم عثمان بن عفان الخلافة، فقرب من حاربهم عمر ومنع مغادرتهم المدينة.. ووزع الأطيان والأموال على أهله وأصحابه، وتصرف ببيت مال المسلمين على هواه، حتى وصُف في كتب التاريخ بأنه (وضع أسناناً من ذهب) كناية على ثرائه، (وهو ثري في الأصل)، ولتبذيره وتصرفه بأموال المسلمين، الأمر الذي أغضب الفقراء والمحرومين، ومن وجد في غضبهم من المعارضة مصلحة سياسية... فطلبوا منه التخلي عن الخلافة أو القتل.. فقال رافضاً طلبهم : (هذا قميص ألبسني الله لي فلن أتخلى عنه)، وهو بذلك أول من جعل من السلطة تفويضاً إلهياً ... حُوصر في منزله وراح يقرأ القرآن.. لم تنفعه قراءته له ولم تحميه... قتله الفقراء ومن كان يقودهم من المعارضة.

بُويع علي بن ابي طالب، فوجد في المعارضة بعض المتطرفين ممن حرضوا على عثمان وراح يقول بأحقية علي بها، بل تجاوز الأمر ذلك مع "عبد الله بن سبأ" الذي راح يبشر بمذهب الوصاية، أي أن علي وصي محمد، وأنه خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين، واتهم أبا بكر وعمر وعثمان بالتعدي على حق علي بالخلافة، كما روج بين المسلمين يومها نظرية (الحق الإلهي) التي أخذها عن الفرس، والتي تعني في هذا الموضع أن علياً يستمد حكمه من الله. (2). وهذا ما ألب خصوم علي عليه فوجدوا في هذا القول كفراً وخروجاً عن الدين الذي بشر به محمد، بل هذا الموقف ذاته من السبئي أغضب علي نفسه وأمر بقتله.

ابتدأت المعارضة المسلحة لخلافة علي مع عائشة وحرب الجمل، حيث كان طموح الزبيرين في هذه الخلافة، وتحريض آل الحكم من البيت الأموي وراء قيامها.. انتصر علي وصحبه في هذه الحرب، وإن كان طموح الزبيرين في الخلافة قد هدأ قليلاً بعد صفين، إلا أن طموح البيت الأموي صعد مع معاوية.

كان معاوية والياً على الشام، وقد حركته شهوة البيت السفياني للسلطة التي لم تطفئها عقيدة الإسلام، فالدماء الزقاء لم تزل تتدفق بقوة في عروقه وعروق البيت السفياني.. وقف معاوية ضد خلافة علي ورفض مبايعته، متهماً إياه بدم عثمان الذي تحول قميصه الملطخ بالدماء إلى راية للمعارضة الأموية، هذه المعارضة التي وجدت في قول علي ووعيده بحق من استفاد من خلافة عثمان، تهديداً لها، حيث جاء في تهديده: (ألا أن كل قطعة اقتطها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء وفُرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.). (3). أمام هذا القول لعلي كان الضيق أولاً على معاوية الذي وجد في علي تهديداً مباشراً له ولكل من حاباه عثمان من الأمويين. فكانت صفين ولعبة التحكيم بين أبي موسى الأشعري في سذاجته، أو موالاته لمعاوية غير المعلنة، وبين عمر بن العاص بحنكته ودهائه، وبعورته التي لم تزل تقبح وجه التاريخ... رفعت المصاحف، فكانت الطامة الكبرى على الإسلام والمسلمين معاً، حيث شُرعنة السياسية، وراح يُؤكد من جديدي هنا توظف الدين فيها كما وظفت في السقيفة. فقال علي قولته المشهورة : (القرآن حمال أوجه.).

مع صفين انفصل قسم من المقاتلين عن علي ومعاوية، وكانوا الخوارج، الذين وجدوا في صراع علي وماوية صراع بيوت قبيلة قرشي بين بعضهم على السلطة، وبالتالي هي حرب ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل.

ومع ظهور الخوارج قُتل علي، واستلم معاوية السلطة، وأكدها ثانية بعد عثمان كحق إلهي يمنحه الله لمن يشاء ويمنعه عن من يشاء. وقبل موته وهو على فرش الموت اجتمع حوله الولاة، فوقف أول انتهازي سياسي في الدولة الإسلامي وهو "يزيد بن المقفع" وكان والياً على شرق الأردن ليقول للولاة بحضور معاوية: (أمير المؤمنين هذا،- وأشار إلى معاوية- وإن مات هذا فهذا- وأشار إلى يزيد- وإن مات هذا فهذا، - وأشار إلى السيف.). فُسر معاوية من قوله وقال له: (تعال واجلس إلى جانبي فإنك والله خير المتكلمين). ويكون يزيد بن المقفع بقوله هذا قد أسس ومعاوية معاً للحكم الوراثي، واستخدام العنف بحق كل معارض. وهذا ما كان فعلاً بعد تولي يزيد السلطة حيث سالت الدماء دون حساب في عاشوراء، حيث نكل بالحسين وآل البيت العلوي من بعده، كما سالت الدماء وانتهكت بكارات العذارى في حراء، تلك المعركة التي نال فيها أهل المدينة الذين عارضوا خلافته وخلافة أبيه قبله، مالم تنله معارضة في تاريخ الدولة الإسلامية، حيث تذكر المصادر بأن آلاف النساء العذارى قد فكت بكارتهن، وقتل آلاف الرجال وسلبت أموالهم ودمرت بيوتهم، وقد تجلت في هذه المعركة الروح القبلية الثأرية التي دعا الإسلام إلى تجاوزها، فهذا قائد يزيد بن معاوية "مسلم بن قبة" في حملة (حراء) ينشد بعد انتصاره على أهل المدينة من الأنصار قائلاً:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع السل

ثم جاءت بعد ذلك غزوة مكة في عهد عبد الملك بن مروان، ضد معارضي حكمه وعلى رأسهم "عبد الله بن الزبير" الذي قام بصلبه وحرق الكعبة ذاتها. ثم استوى بعد قتل الزبير على عرش الخلافة وقال: (من يقل لي بعد اليوم اتق الله سأقطع رأسه بهذا السيف.).

من هنا ابتدأ العنف المسلح بين السلطة والمعارضة، ومن هنا راح الطرفان يتخذان من الدين ونصه المقدس (القرآن والحديث) ذريعة أو حجة لشرعنة ما يمارسونه من عنف بحق بعضهم البعض. ومن هنا انشق الإسلام عقيدة وتشريعا بين إسلام جبري وآخر قدري، وعادت القبلية وعصبياتها تظهر على الساحة السياسية بين الأمويين والهاشميين (العلويين والعباسيين) من البيت القرشي بكل عنفها وجبروتها. ومن هناك تَدخل الأعاجم في السلطة وكانت الفرق والطوائف والمذاهب التي تقول كل واحدة منها بأنها وحدها الفرقة الناجية وما عداها كفرة وزنادقة، وراحت تشكل محاكم التفتيش وما يرافقها من عنف لقتل الناس على الهوية السياسية أو المذهبية أو الطائفية.

التأصيل التاريخي للفاشية في الدولة الإسلامية: ظهور الخوارج:

بعد التحكيم في صفين، انشق فريق من المقاتلين الذين وجدوا في الصراع بين علي ومعاوية صراع عشيرة وقبيلة على السلطة، وهم ليسوا أكثر من أدوات فيها، واعتصموا بعد انشقاقهم في منطقة (حروراء) قرب الكوفة ونادوا بأن تكون الخلافة شورى، والبيعة لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسموا منذ ذلك اليوم بالخوارج.(4). وبناءً على هذا الموقف السياسي والعقيدي راح الخوارج بعد أن استفحل أمرهم وتبلور موقفهم السياسي والعقيدي ينظرون إلى غيرهم من المسلمين كفاراً تُستحل دماؤهم وأموالهم معتمدين في موقفهم هذا على الكثير من الآيات المدنيات والأحاديث التي تبرر قتل الكفار. وهم هنا يتطابقون في الحقيقة مع العقلية اليهودية التي رسمتها مبادئ (التلموذ).(5). أما أهم هذه الآيات والأحاديث التي اعتمدوا عليها في موقفهم هذا فهي، كقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). (النساء- 89). وقوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27). (سورة نوح). وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). البقرة – 39).

أما في الحديث فقد اعتمدوا على قول الرسول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .).رواه أبو هريرة. عن الصحيحين – مسلم والبخاري.

وقبل أن نناقش دلالات وأبعاد هذه النصوص المقدسة الداعية للقتال، دعونا نقف عند هؤلاء الخوارج كأول فرقة إسلامية مارست القتل بطريقة فاشية على المختلف معها فكراً وممارسة من خلال اعتمادهم على النص المقدس، ووفقاً لما فسروه أو أولوه لهذا النص. هذا وقد تفرق الخوارج إلى فرق وشيع كان أهمها: الأزارقة، نسبة إلى عبد الله بن الأزرق- والصفوية- نسبة إلى عبد الله بن الصفار السعدي- والإباضية – نسبة إلى عبد الله بن إباض- والبيهسية- نسبة إلى حنظلة بن بهيس- والرسيّة- نسبة إلى عبد الله بن وهب الرسي. وهناك أيضاً النجدية نسبة إلى نجت بن عامر...

أما أهم أهدافهم ومبادئهم بعد أن نصبوا من أنفسهم دعاة حق وعدل، ومدافعين عن الفقراء والمستضعفين، وحرباً على المستبدين الطاغين.

أولاً: اعتبار الخلافة حق لكل عربي حر، ثم تجاوزوا هذا الشرط وقالوا هي حق لكل مسلم ، وإذا جار استحلوا عزله أو قتله عند اقتضاء الضرورة ذلك.

ثانياً: رسموا الدور الذي يحب أن يقوم به الحاكم وهو إقامة العدل بين الناس، وتقسيم الفيء على الرعية حتى لا يستأثر به أحد، والمساواة بين الناس في الأرزاق، وتأمين حاجات العامة، وإفداء الأسير ومجاهدة العدو.

ثالثاً: أما بالنسبة لرؤيتهم في مسأة الايمان، فقد قالوا بأن العمل بأوامر الدين من صلاة وصوم وصدق وعدل تعتبر جزءاً من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد بالله ورسوله ورسالته، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله ثم لم يعمل بما فرضه الدين وارتكب الكبائر فهو كافر.

رابعاً: لقد كانوا قساة مع من يخالفهم رؤيتهم في العقيدة وأمر السياسة، ورحماء مع المشركين. لقد كانوا يأتون أفظع المنكرات وأكبر الكبائر كأنهم لا يدينون بإله ولا يعرفون شفقة. لقد قال صاحب أحد فرقهم وهو نافع: بأنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يجيبوا أحدا من غيرهم إذا دعاهم للصلاة، ولا أن يأكلوا ذبائحهم، ولا يتزوجوا منهم، وهم في نظره مثل كفار العرب وعبدة الأوثان. وقال عن بلادهم هي بلاد حرب ويحل قتالهم وقتل أطفالهم ونسائهم لأنهم كانوا يعتقدون أن أطفال مخالفيهم مشركون، وأنهم مخلدون في النار.

خامساً: كما كان الأزارقة لا يجيزون التقية، وكانوا يستحلون الغدر بمن خالفهم، ويكفرون القعدة عن القتال ممن هم على رأيهم، وأوجبوا امتحان من ينضمون إليهم بتكليفهم بقتل أحد أسراهم، فإن قتله صدقوه، وإن مانع قالوا عنه منافقاً وقتلوه.

سادساً: أسقطوا الرجم عن الزاني المحصن لعدم ورود نص، وكذلك على من قذف الرجل المحصن، ولكنهم أقاموا الحد على المحصنات من النساء. (6).

تعتبر بقية تياراتهم تنوس بين قبول هذه المبادئ أو رفضها أو تعديلها أو الإضافة إليها.

إن مشكلة الخوارج وكل من آمن بهذه الدرجة من العنف سابقاً ولاحقاً، هي اعتمادهم على الآيات القرآنية والأحاديث المتعلقة بجهاد الكفار التي جئنا على بعضها في موقع سابق، حيث اعتمدوا هنا في تفسيرهم أو تأويلهم لهذه الآيات ثم العمل على تطبيقها بناء على القاعدة الفقهية التي تقول بضرورة الأخذ بعموم اللفظ بدل النظر بخصوص السبب. وهذا ما أدخلهم كما أدخل غيرهم ممن آمن بالعنف ضد المختلف/ الكافر، منطلقين من فهمهم الخاص لطبيعة الكافر وماهيته. أي منطلقين من فهمهم هم لمعنى الكفر الذي راحت تهمته تنال كل مخالف لهم أو لمصالحهم تحت ذريعة أنهم يخالفون تعاليم الدين الصحيح، بالرغم من اختلاف الأولين من الصحابة أنفسهم في تفسيره أو تأويله أو حتى الخوض فيه. لا سيما وأن هذا النص المقدس، أي النص القرآني قد جمع بعد أربعة عقود ونيف من وفاة الرسول. وإن الرسول نفسه لم يأمر بجمعه، وكان يقول في تعدد وجوه آيات القرآن : (القرآن ذلول ذو وجوه محتملة، فاحملوه على أحسن وجه).(7). وهذا الحديث يأتي مستنداً إلى الآية القرآنية التي تقول: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.). (آل عمران- 7).

ومن الآيات المتشابهات التي بررت مسألة القتل، نأخذ مثالاً على ذلك الآية التي ذكرناها اعلاه وهي : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا .) النساء- 89. في الوقت الذي نجد فيه آيات تقول عكس ذلك تماماً، كالآية التالية التي تقول دلالاتها إن من يحاسب الكافر هو الله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.). التوبة -129. أو الآية القائلة : (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.). النحل -101.

ربما يعلق البعض ويقول إن هناك آيات نسخت كقولهم في الآية الخامسة من صورة التوبة : (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). التوبة - 5). إذ أن هذه الآية قد نسخت برأيهم خمس مائة آية من الآيات المكيات. وهذا القول أي قول الناسخ والمنسوخ قضية إشكالية لا يحق لأي كان أن ينسخ على هواه ويقول كما يقول أبو حامد الغزالي إن الحديث ينسخ القرآن والقرآن ينسخ الحديث. علماً أن هناك مئات الآلاف من الأحاديث الموضوعة، وأبو حامد نفسه اعتمد على أكثر من ألف حديث ضعيف. إن النسخ يتم من قبل الله وحده وهو القائل: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مقتر بل أكثرهم لا يعلمون.). النحل-111. لذلك نؤكد بأن النسخ من حق الله وحده، والله أكد في القرآن ورود الآيات المتشابهات، وقال إن من في قلوبهم زيغ هم من يفسروها ويؤولوها كما يشتهون خدمة لمصالحهم الأنانية الضيقة. وبالتالي فإن كل الأحاديث اتي تقر بالقتال الواردة على لسان الرسول إن لم ينظر في خصوصية سببها، فهي موضوعة وتناقض قول الرسول ذاته وهو من قال : كما جاء عند مسلم والبخاري والترمذي : (لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير ذلك فاليمحه.). وهو القائل أيضاً : ("كل شيء مردود إلى كتاب الله والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف".). (من كتاب روضة الواعظين).
على العموم نود أن نقف هنا في ختام حديثنا عن هذه المسألة وخاصة فيما يتعلق بالتفسير والتأويل عند آراء بعض المشايخ وهي على درجة عالية من الأهمية.

ذكر القاضي أبو بكر العربي في كتابه (قانون التأويل): (إن علوم القرآن خمسون علماً وأربعمائة وسبعة وسبعين ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة ثم يتابع حديثه: لكل آية ستون ألف فهم وما بقي منها أكثر. فلكل كلمة حد وظاهر وباطن ومطلع.). (9). هذا مع تأكيدنا هنا أن هذا القول سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي نستطيع توظيفه ضد من يحاول أن يفسر النص أو يؤوله على هواه، هو سلاح أيضاً بيد القوى السلفية التي تريد إيقاف باب الاجتهاد، وإيقاف حركة الزمن عند القرون الهجرية الثلاثة الأولى. كما نود أن نذكر هنا قول عبيدة بن قيس الكوفي المتوفى سنة اثنان وسبعون للهجرة من أصحاب ابن مسعود عن سبب نزول بعض آيات القرآن حيث قال :

(عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما نزل القرآن.). (10). وقد روي عن أحمد بن حنبل قوله: (ثلاثة أشياء لا أصل لها، التفسير والملاحم والمغازي.(11). وإذا كان ابن حنبل لا يعتبر للمغازي أصلاً وهي جرت في زمن الرسول، فكيف يقول إن (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي.)؟. أعتقد أن هذه المسألة فيها نظر. وهذا الشعيبي يقول في الاتجاه نفسه: (ثلاثة لا أقول فيهن حتى أموت، القرآن والروح، والرأي.).(12). أما الأصمعي فكان شديد الاحتراز في تفسير القرآن والسنة، وإذا سئل قال: (قالت العرب معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء.). (13.).

وبناءً على كل ذلك، فإن اعتماد حاكمية الخوارج ومن جاء بعدهم من القوى السلفية الجهادية المعاصرة على الآيات والأحاديث الدالة على القتل وتقطيع الأوصال للمختلف تحت ذريعة الفرقة الناجية، ومصادرة حق تفسير وتأويل القرآن كما يريدون، هو أمر يخالف قول نص الآية التي تقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). الأنبياء- 107). ويخالف نص الآية القائلة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.). سبأ 28. وغير ذلك من الآيات التي تقف ضد العنف وإجبار الناس على اتخاذ الدين بالقوة. كما يدخل في هذا الاتجاه قول الرسول نفسه في حديثه المشهور : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فالرحمة والقيم الأخلاقية النبيلة لا تفرض بقوة السيف ولا بتكفير الآخر وقطع الرؤوس.

الحاكمية في الخطاب السلفي الجهادي المعاصر:

تُعتبر السلفية الجهادية المعاصرة فكراً وممارسة، امتداداً طبيعياً لتيار الخوارج، من حيث تفسيرهم للنص المقدس واتخاذهم هذا النص مرجعاً تشريعياً وحيداً في إدارة حياة الفرد والمجتمع والدولة، مع اختلاف ظرفي الزمان والمكان لوجود كل منهما. فالعقلية التي تقوم بتفسير النص المقدس وتأويله بروح وثوقيه جامدة تؤمن بتكفير المختلف ومحاربته، وبالتالي العمل على لي عنق الواقع بحد السيف كي ينسجم مع رؤيتهم الدينية التي ترفض الاجتهاد، والبحث في النص المقدس عن المخزون الدلالي ونظمه ومقاصده وأهدافه الإنسانية الداعية إلى الرحمة والمحبة وتنمية حياة الإنسان، والسعي لتحقيق مقاصد الرسالة الدينة الحقيقية التي أرادها الله وبشر بها الرسول. بل إن هذه السلفية المعاصرة أمام مفاسد الواقع المتنامية ازدادت تمسكاً في وثوقيتها وسكونتيها، الأمر الذي ساهم بدوره في زيادة التحدي لهذا الواقع من قبل هذه القوى السلفية التكفيرية وتمسكها أكثر بالنص المقدس وتفسيره وتأويله كما قدمه لنا السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو بتعبير آخر رفضها الشديد للآخر المختلف وزندقته وتكفيره، واستخدام كل الوسائل العلمية والتكنولوجية الحديثة في محاربته وتدميره أو التنكيل به، كما نرى اليوم على يد فصائل القاعدة مثل داعش والنصرة وغيرهما. واعتبار الواقع المعيش واقعاً كافراً لابد من تدميره وإعادة بنائه من جديد وفقاً لمتطلبات فهمهم وتفسيرهم للنص المقدس وحاكميته.

يعتبر "أبو الأعلى المودودي" المؤسس الرئيس لفكرة الحاكمية بصيغتها المعاصرة التي تمثلها الحركات الإسلامية الأصولية الجهادية، والمؤسس أيضاً للممارسة العنف ضد المختلف أفراداً ومؤسسات، وخاصة بعد أن وجد دعاة هذا التيار الجهادي السلفي في الدول العربية والإسلامية أنظمة شمولية وضعية استبدادية تدعي العلمانية، في الوقت الذي تنافق فيه كثيراً للدين والمتدينين، كما تدعي هذه الأنظمة بأنها هي وحدها من يمثل الدين الصحيح، في الوقت الذي تقوم فيه بممارسة الفساد من القاعدة على القمة، وتعمل على ظلم الرعية الذين لم يصلوا بعد إلى درجة المواطنين في دولهم، تحت شعارات دستورية براقة تقول بدولة المؤسسات والمواطنة ودولة القانون والديمقراطية وحرية الرأي والصحافة وتحرير المرأة وغير ذلك. الأمر الذي وجدت فيه هذه القوى السلفية الجهادية المجال الواسع للتبشير بأفكارها واستقطاب الأعداد الكبيرة من الناس الذين لم يزل الوعي الديني الفقهي الشفهي يهيمن على حيز واسع من تفكرهم، وذلك عبر التبشير من قبل دعاة راحوا يستخدمون كل الوسائل المتاحة من تلفاز وصحافة ومواقع الكترونية وأشرطة تسجيل، بساعدهم في هذا العمل التبشيري القوى والأنظمة السياسية الشمولية، كونها وجدت في هذا العمل التبشيري خير وسيلة لتجهل الناس وإقصاء عقولهم عن مشاكلهم الأساسية ومعاناتهم، بغية إقناعهم بأن كل ما يعيشونه من قهر وظلم واستلاب وجهل وتخلف، لا دخل للأنظمة الحاكمة به، وإنما مرده إلى قدر محتوم لا مناص لهم منه إلا بالعودة إلى الدين والدعاء لله كيف يرفع الغمة عنهم. هذا في الوقت الذي راحت فيه هذه القوى السلفية الجهادية تعمل في التوازي سراً على التبشير أيضاً بدولة الخلافة وحاكميتها التي ستحقق العدل والمساواة بين الرعية.

يقول أبو الأعلى المودودي في معرض تعريفه للجهاد: (الجهاد كلمة تشمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد من أجل تغيير وجهات نظر الناس وتبديل ميولهم ونزعاتهم، وإحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة الكلمة وحد السيف من أجل القضاء على الحياة القائمة .. على نظام الحكم السابق الذي أسس نظام حكمه على غير قواعد الإسلام واستئصال شأفتها، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل، وهذه أصناف الجهاد.). (14). أما فهمه للحاكمية التي بنت عليها كل التيارات السلفية الإسلامية ومنها الجهادية مشروعها فهو: (ليس لفرد أو أسرة أو لطبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فالحاكم الحقيقي هو الله. وليس لأحد من دون الله حق التشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يستطيعون أن يشرعوا قانوناً أو تغيير شيئاً من شرع الله. إن الدولة الإسلامية لا يُؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون الذي جاء به النبي من عند ربه، مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات. لأن الدستور الإلهي سرمدي لا تغيير فيه ولا تبديل، فقد كتب له أن يبقى ثابتاً واضحاً إلى يوم القيامة.).(15). ثم يقول في موقع آخر عن الدولة غير الإسلامية: (كل دولة مؤسسة على فكرة غير فكرة الإسلام، يقاومها الإسلام ويريد القضاء عليها قضاءً مبرماً، ولا يعنيه الإسلام في شيء بهذا الصدد أمر البلاد التي قامت بها الحكومة غير المرضية أو الأمة التي ينتمي إليها القائمون بأمرها.).(16). وهذا الموقف ذاته نجده عند كل القوى الجهادية في عالمنا العربي وخاصة تنظيم (الإخوان المسلمون). ويأتي هذا الموقف المشدد تجاه الفرد والمجتمع والدولة واضحاً لدى سيد قطب في كتابه (معالم على الطريق)، الذي يعتر الكتاب المؤصل للسلفية الجهادية في عالمنا العربي بعد كتابات المودودي، كما نجده عند مؤسس حركة الإخوان حسن البنا الذي يقول : (علينا ان نقف عند هذه الحدود الربانية، حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا به الله. ولا يكون عصرنا بلون لا يتفق معه.). (17).

يستوقفني هنا موقف فكري للحاخام اليهودي المقتول "مئير سهاته"، يشير فيه إلى تلك العقلية الوثوقية اليهودية تجاه مستجدات الحياة المدنية المعاصرة بما تحمله هذه الحياة من مشاريع تدعوا إلى حرية الإنسان وامتلاكه مصير نفسه، وتحديد أسس مشاركته في بناء دولته ومجتمعه على الطريقة التي تؤمن له إنسانيته، وخاصة موقفه من الديمقراطية والعلمانية ودولة المؤسسات: حيث يقول "سهاته": (لا حاجة لوجود دستور لأن التوراة هي الدستور، ولا حاجة لوجود برلمان لأن السلطة العليا هي للحاخامية، ويجب أن يهتم البرلمان بالسجون والجيش. - ثم يتابع – في دولة التوراة لاوجود لحرية الكلام ، ولا حرية للفرد في مخالفة تعاليم (الهالاخاه – الشريعة الدينية المتعلقة بالأحوال الشخصية.). إن الديمقراطية تغذي الكذب والغش وكل ما هو خاطئ ومريض في الطبيعة الإنسانية.).(18).

إن هذا الموقف السلفي الوثوقي المعادي لحرية الإنسان يتمثله أيضاً التيار الإسلامي الجهادي السلفي المعاصر، كما تمثل الخوارج قواعد التلمود. لقد جاء في المنطلقات الفكرية لحزب التحرير الإسلامي السوداني ما يؤكد هذه النظرة التي أدلى بها الحاخام "سهاته): (لا يسمح بمفهوم الديمقراطية في الدولة الإسلامية لأنه غير منبثق عنها.. ولا حمل للبشر في وضع أحكام لتنظيم علاقات الناس أو تخييرهم على اتباع قواعد أو أحكام غير ما تبناه الخليفة أو الإمام، فهو نافذ ويرفع الخلاف.). (19). أما موقف "سيد قطب" من العلمانية فقد جاء فيه:(إن العلمانية تسعى إلى حصر الدين الإسلامي في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في الحياة الواقعية، ومنعه من الهيمنة على كل نشاط واقعي للحياة البشرية كما هي طبيعته، هذه الطبيعة التي تمتاز بخصائص تغضب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية وتدفع كل المعسكرات المتخاصمة للالتقاء على الخوف من البعث الإسلامي الوشيك الذي تحميه طبيعة الإسلام ...إن الجماهير تنظر إلى الإسلام كمخلص لها على قاعدة المنهج الرباني، عن علم بدل الجهل، وكمال بدل النقص، وقدرة بدل الضعف، وحكمة بدل الهوى.).(20). أما الشيخ القرضاوي أحد أعمدة تنظير الفكر السلفي الإخواني حيث يقول عن العلمانية: (إن الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها الالحاد والمروق على الإسلام.).(21).
هكذا إذا يفهم الدين بنصوصه المقدسة عند هذه القوى السلفية الجهادية، على أن "الواقع للدين وليس الدين للواقع" كما يقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. وعلى هذا الفهم يجب أن يتهيكل الواقع دائماً بكل ما فيه من قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وفقاً لمفهوم التيارات الإسلامية الجهادية، أو الفرقة الناجية كما تفهم الدين وتفسره أو تؤوله.

ملاك القول : إن التيارات الجهادية السلفية التكفيرية المعاصرة في موقفها هذا من الدين والدنيا ، ترتكز على جملة من المعطيات الفكرية والمنهجية أهمها:

1- العودة دائما إلى الأصول كما حددها فقهاء السلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، حيث تعتبر هذه الأصول هي النبع الصافي الذي علينا دائماً أن نستقي منه طريقة حياتنا وسبل نجاتنا.

2- النظر إلى البيئة الاجتماعية وفق منظور ديني عقيدي "(مؤمن كافر زنديق .. مع غياب كامل لمفهوم المواطنة.

3- النظرة الريبة دائماً لأصاحب الديانات الأخرى، ولكل الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة معها في الفهم الديني، على أنهم كفار.

4- احتقار المرأة وعملها، واعتبارها ضلعاً قاصراً وكلها عورة، وقد خلقها الله لتربية الأولاد وتامين حاجات الرجل الغريزية والبيتية.

5- رفض كل الفكر الوضعي الذي تتبناه الدولة الحديثة وكل قوانين مؤسساتها الوضعية، واعتبارها مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، وبالتالي فأي دولة لا تتبنى حاكمية الإسلام (تشريعه)، هي دولة كافرة يجب ان تقاتل وتدمر.

6- التمسك بسلوكيات السلف الصالح بكل تفاصيلها، من حيث اللباس للرجل والمرأة، مثل تطويل الدقن وحف الشارب، ولبس الدرع والجلباب للمرأة، وتصل مسألة التمسك بقيم السلف حتى إلى رفض استخدام التكنولوجيا الحديثة كالتلفاز وغيره.

في مواجهة هذه القوى السلفية الجهادية الوثوقية التكفيرية، تقف أنظمة شمولية أصولية بلبوس معاصر، بغض النظر عما تحمل هذه الأنظمة أو أحزابها من أيديولوجيات ليبرالية أو اشتراكية أو قومية تدعي العلمانية والديمقراطية ودولة المواطنة والمؤسسات أو القانون، وهي بعيدة من الناحية العملية عن كل هذه القيم والمبادئ التي تدعيها. وغالباً ما تزايد هذه الأنظمة أيضاً على القوى الإسلامية ذاتها في تبنيها للدين الذي تعتبر نفسها هي الوحيدة التي تمثل وجهه الدين الصحيح من جهة، مثلما تعتبر نفسها وهي وحدها من يمثل العلمانية والديمقراطية من جهة اخرى، في الوقت الذي نجدها فيه تمارس العنف والقمع والعنف تجاه المختلف معها من يمين ويسار ومعتدل، تحت ذريعة الخيانة للوطن والارتباط بالمستعمر والصهيونية والتآمر على سلامة الوطن والمواطن.

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من ديرالزور- سورية

.......................

المراجع:

1- حمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة – قضايا وآفاق- دمشق- دار حطين – 1994- ص153 وما بعد.

2-حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص 294و295. باعتماده على الطبري ج5-ص 70و71و72.

3- الدين في المجتمع العربي – (ندوة) – مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت – 1990- ص 208

4- - حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام- دار الجيل- بيروت- 1991- ج1- ص307.

5 - حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- ص- 309.

6- - للاستزادة في هذا الموضوع يراجع –حسن ابراهيم حسن –المرجع السابق –ص 317 وما بعذ. كذلك يراجع أيضاً- أحمد أمين فجر الإسلام – دار الكتاب العربي- بيروت – 1969 -ص256 وما بعد.

7- النهج – مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي- دمشق- العدد 9- لعام – 1997- ص-177.

8- عن الزركشي- النهج – المرجع السابق- ص-177

9 - النهج – المرجع السابق- ص- 179

10- حسن ابراهيم حسن- المرجع السابق- ص41

11- حسن ابراهيم حسن- المرجع نفسه- 410.

12- ضحى الإسلام- ص144.

13- ضحى الإسلام –ص 144.

14- أحمد سعيد الموعد- الأسلمة المعاصرة قضايا وآفاق- دار حطين- دمشق- 1994- ص174.

15- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص 189.

16- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 193.

17- الأسلمة المعاصرة. ص161.

18- الأسلمة المعاصرة – مرجع سابق. ص – 188.

19- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 189.

20- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه- ص 299.

21- الأسلمة المعاصرة- المرجع نفسه –ص 199.