بليغ حمدي اسماعيلمقدمة: وجب علي قبل الخوض في تحليل أبرز الوقائع في السيرة النبوية لصاحبها رسول الله(ص) أن أشير اختصاراً إلى هبة الله (سبحانه وتعالى) للأمة العربية وللمسلمين الأوائل ألا وهي الذاكرة الحافظة، والتي لولاها لما وصل إلينا خبر واحد من سيرة المصطفى (ص)، فهذه الذاكرة التي تمتع بها الصالحون من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن لحقهم هي التي مكنتنا من معرفة الأحداث والوقائع التي جرت لرسول الله (ص)، لذا كان من الأحرى أن نقدم للقارئ المسلم نبذة علمية مختصرة عن الذاكرة والعمليات الذهنية التي تنظمها، إعلاء لجهود الأوائل وحمداً لنعم الله على أمة الإسلام .

طاقة اسمها الذاكرة:

الذاكرة، هي مركز العمليات المعرفية ومحورها التي تؤثر على كل ما هو معرفي، وعلى كافة الأنشطة العقلية، وعلى كافة مكونات نظام تجهيز ومعالجة المعلومات. ولقد بحث كثير من علماء النفس في عملية الاسترجاع، التي ترادف أحياناً التذكر، وانتهى الكثير منهم إلى القول بإن هذه العملية لا يمكن أن تتم إلا إذا افترضنا أن التجارب والخبرات التي مر بها الفرد تترك أثراً ما في جهازه العصبي، أو بعبارة أخرى تترك نوعاً من الصور الذهنية التي تطبع على المخ بطريقة معينة.

وهناك أربعة نماذج للذاكرة يحاول كل منها أن يفسر كيف تعمل الذاكرة من حيث المكونات والوظائف . النموذج الأول ينسب لكل من أتكنسون وشفرن (1968م)، ويركزان على التمييز بين الذاكرة قصيرة المدى، والذاكرة طويلة المدى، ودور كل منهما في تجهيز ومعالجة المعلومات، ويقوم على افتراض أن الذاكرة تتكون من ثلاثة أنماط هي:

ـ الذاكرة الحسية أو المخزون الحسي.

ـ الذاكرة قصيرة المدى.

ـ الذاكرة طويلة المدى.

كما يشتمل على عمليات الضبط والتحكم، مثل تكرار أو ترديد المعلومات للاحتفاظ بها في الذاكرة، والتي يستخدمها الناس كاستراتيجيات لتجهيز ومعالجة المعلومات.

أما النموذج الثاني، فهو نموذج تولفنج (1984م)، ويقوم على افتراض وجود مخازن لذاكرة الأحداث لتخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث والوقائع، ومخازن لذاكرة المعاني لتخزين المعرفة المنظمة المتعلقة بالعالم من حولنا، والذاكرة الإجرائية التي تتعلق بكيفية إجراء أو عمل معالجة للأشياء.

بينما يسمى النمط الثالث من أنماط الذاكرة مدخل مستويات التجهيز والمعالجة، ويقترح هذا المدخل أن الطريقة أو الأسلوب الذي من خلاله تجهز أو تعالج المادة موضوع التعلم يؤثر على الاسترجاع اللاحق لها. والنموذج الرابع والأخير هو مدخل التجهيز الموزع الموازي، ويفترض أن ينظر إليها باعتبارها شبكة من الترابطات والوصلات عبر النيرونات العصبية التي تشكل وحدة عمل الذاكرة.

وتبدو قيمة هذه النماذج السابقة التي عرضناها في أنها تحاول تبسيط وتبسيط وتنظيم نمذجة ذلك المفهوم المحير البالغ الأهمية المسمى بالذاكرة، وأن هذه الأطر التي تقدمها تلك النماذج النظرية تكون موجهة للبحوث والدراسات التي يمكن إجراؤها في هذا المجال.

وللذاكرة ثلاثة أنواع، النوع الأول منها يسمى الذاكرة الحاسبة، ومهمتها استقبال المعلومات وتحملها في صيغة خام، أو غير معالجة نسبياً أي دون إخضاعها للتجهيز أو المعالجة، وتشمل الذاكرة الحسية البصرية، كما تسمى الذاكرة التصويرية، وتحمل المادة أو المثير أو المعلومة بعد اختفاء المثير لجزء من الثانية أو للزمن الذي يسمح بتجهيز ومعالجة تلك المعلومة بعد اختفاء المثير الخاص بها.

أما الذاكرة الحسية السمعية، وتسمى الذاكرة السمعية، وتحمل المادة أو المثير أو المعلومة لمدة 2 على 3 من الثانية بعد اختفائها، ولذا فهي تمثل أهمية خاصة عندما تقوم بتجهيز المعلومة المنطوقة والمسموعة. وتعرف الذاكرة الحسية أيضاً بالمسجل الحسي.

و من أنواع الذاكرة القصيرة، والتي سبق أن أشرنا إليها، وهي ذاكرة تفقد المعلومات وتخفو ويحدث لها نسيان سريع ربما بعد ثوان قليلة من استقبالها، ما لم يتم تسميعها أو تسجيلها أو معالجتها، وحجمها وفقاً لرؤية علماء النفس المعرفي تتحدد سعتها بـ 7 + 2 من وحدات المعلومات. ويرى بعض علماء النفس أن هذا الحجم يرتبط تماماً بزمن النطق وطول الكلمات، وطبيعة المادة التعليمية، ومدى قابليتها للتذكر، بالإضافة إلى أنها تتأثر بعدة عوامل منها مستوى قلق الفرد ومستوى ذكائه. وبالنسبة للذاكرة طويلة المدى، فإنها تعد أهم مصادر المعرفة المشتقة، وأنماط التعلم والتفكير المعاد صياغته وتجهيزه ومعالجته، وهي تقف خلف كافة عمليات الحفظ والتذكر والتفكير، والاستراتيجيات المعرفية وحل المشكلات.

وأهم ما يعنينا ونحن بصدد الحديث عن كتابة السيرة النبوية ومحاولات المتقدمين في تسجيلها وتدوينها سواء من السماع أو الرواية أو النقل ـ أن الذاكرة طويلة المدى تمثل ذات الإنسان وماضيه وسيرته الذاتية، وتؤثر في حاضره ومستقبله، وإدراكه واستقباله للعالم من حوله. ولو فطن كتاب السيرة وحفظتها أن دور الذاكرة طويلة المدى مهم جداً في استيعاب المعلومات وتخزينها بالسرعة والدقة لتغير الكثير مما جاءنا في ثنايا كتبهم وأوراقهم.

وقد يجد القارئ نوعاً من الملل وهو يطالع السطور السابقة التي تتحدث عن الذاكرة وأنماطها وأنواعها، ولعله فطن قليلاً أننا نتحدث في صلب دراستنا عن السيرة النبوية وقصة تدوينها، وهي الإشادة والإشارة إلى ملكة الحفظ وقوة الذاكرة التي تمتعت بعا العقلية العربية الصافية الخالية من كل شوائب المادية،، لا سيما أن الخطوب والأحداث التي عصفت بدولة الإسلام منذ أيام الخليفة عثمان بن عفان لم تكن تسمح بالتدوين والجلوس في استقرار وسكينة لكتابة جميع التفاصيل المتعلقة بالسيرة النبوية العطرة لصاحبها (ص)، ورغم تلك الخطوب استطاع الثقات أن يقوموا بعمل عظيم وهو حفظ وتسجيل أحداث السيرة النبوة المطهرة لتصير بين أيدينا سائغة سهلة يسيرة.

ولكن لم تلتفت هذه النظريات الغربية التي عصفت بالعقول إلى الهبة والمنحة الإلهية التي وهبها الله (سبحانه وتعالى) والتي استطاعت أن تحتفظ بكل صغيرة وكبيرة مما سمعت أو رأت من أحداث ووقائع وربما كانت الذاكرة الشفاهية أكثر ثقة وثبتاً وثباتاً عند آبائنا العرب الذين بفضل ذاكرتهم الحافظة البعيدة عن شوائب المادية استطعنا أن نتعرف على الكثير والكثير من أيام العرب ووقائعهم السابقة .

استراتيجيات تحسين الذاكرة:

1 ـ استراتيجية التصور العقلي: وتشير إلى التمثيلات العقلية للأشياء، والأحداث والمواقف التي ليس لها وجود فيزيقي، وهي استراتيجية قوية لرفع كفاءة الذاكرة، وزيادة فعاليتها.

2 ـ استراتيجية مفاتيح الكلمات: وتشير إلى الربط بين الكلمات غير المألوفة المراد تعلمها، وتفيد الدراسات إلى أن الطلاب الذين استخدموا هذه الاستراتيجية في تعلم اللغات استرجعوا مفردات اللغة بمعدلات تفوق أقرانهم الذين استخدموا استراتيجية التسميع أو التكرار عدة مرات.

3 ـ استراتيجية إحلال الأماكن: وتقوم على محاولة ربط الفقرات المراد تعلمها بسلسلة من الأماكن و المواقع الطبيعية، وهي تجمع بين التصور العقلي والمعينات والمنشطات الأخرى، وهي من أقدم الاستراتيجيات لتنشيط الذاكرة.وتقوم هذه الاستراتيجية على القواعد الأساسية التالية:

* تصور سلسلة من الأماكن الطبيعية التي تتعاقب مكانياً.

* اشتقاق صورة بصرية أو تخيلية تمثل كل فقرة من الفقرات المراد حفظها وتذكرها.

* ربط الفقرات بالأماكن المختلفة بها في الذاكرة.

4 ـ استراتيجية التنظيم: وهي محاولة إيجاد أو اشتقاق تنظيم أو ترتيب للمادة المتعلمة، وهي تقوم على تنظيم وحدات المادة أو الوحدات المعرفية الأقل عمومية (النوعية) داخل مفاهيم أو أطر مفاهيمية أكثر عمومية أو ذات رتب أعلى.

5 ـ استراتيجية التوليف القصصي: وتقوم على محاولة توليف قصة تربط بين مجموعة من الكلمات أو المفاهيم المراد حفظها، وتذكرها بحيث تؤلف هذه الكلمات معه بعضها البعض قصة ذات معنى.

وقد أنعم الله على الإنسان بذاكرة قوية وقدرة خارقة على الحفظ، ووهبه عقلاً لم يتمكن العلماء حتى الآن من معرفة أسراره . للعقل سعه محدد لا تتسع ومع تزاحم المعلومات وتكدس الاحداث بداخله وعند اضافة معلومة جديدة للعقل يبدء تلقائياً بمحو اول معلومةولكن أولئك الحفظة الكرام منَّ الله عليهم بذاكرة قوية استطاعت أن تلتقط كل التفاصيل التي سمعوها أو قرأوها بفضل ترك المعاصي أولاً، كما أن حفظ القرآن الكريم مكنهم من قوة الحفظ والإدراك وسعة البصيرة.

وقدكشفت دراسة علمية حديثة عن أن حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة يقوي الذاكرة وينمي مدارك الأطفال واستيعابهم لحفظ وإمكانية استرجاع المعلومات بصورة أكثر من غيرهم ممن لا يحفظون القرآن، بالإضافة إلى تمتعهم بقدر كبير من الاتزان النفسي والاجتماعي وقدرة كبيرة على تنظيم الوقت والاستفادة منه.

وأشارت الدراسة التي أجرتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الى أهمية دفع الأطفال والشباب في سن مبكرة الى حلقات ومدارس تحفيظ القرآن الكريم نظراً لسهولة الحفظ في هذه السن والقدرة على الاستيعاب السريع والاسترجاع.

وأكدت الدراسة على أهمية دور الأسرة في تحفيز أبنائها وبناتها على حفظ القرآن الكريم وتشجيع التنافس بين الأبناء والبنات داخل الأسرة الواحدة في حفظ أكبر قدر من آيات وسور وأجزاء القرآن الكريم، حيث أثبتت الدراسة أن أكثر من ثمانين في المائة من حفظة القرآن الكريم من البنين والبنات عرفوا طريقهم إلى حلقات التحفيظ والمدارس القرآنية بتشجيع من الآباء والأمهات وأن أكثر من خمسين في المائة منهم لهم أشقاء وشقيقات يحفظون القرآن الكريم أو أجزاء منه.

والآن أيها المسلم، أنا معك قلباً وقالباً في شعورك النفسي بكثرة وطول ما أورته من معلومات قد تراها لأول وهلة بعيدة الصلة عن موضوعات السيرة السهلة اليسيرة والممتعة أيضاً، فمالك أنت وهذه الاستراتيجيات المعرفية الضيقة التي تضفي نوعاً من التوتر والضيق والسأم، وربما الضجر على النفس الساكنة، وما استطعت أن أتوصل إليه هو هدف محاولة إعادة تجهيز الذهنية التاريخية للعقل العربي تلك التي اعتادت ألا ترهق نفسها بالتأويلات والتنظيرات، وكيف كتب هذا، ولماذا دون ذلك، إلى آخره.

ولكن رأينا أنه من الواجب العلمي أن نضع هذه الصورة العلمية لعمل وأداء الذاكرة، وأنواعها، وأنماطها المسلكية، لتتعرف كيف كتبت السيرة النبوية، ومنهجيتها، فهل يمكنك الآن وقد قرأت الكثير عن سيرة الرسول (ص) أن تدرك عظمة العقل والذاكرة التي وهبها الله تعالى لعقول صافية ولقلوب مطمئنة استطاعت أن تعي ثم تحفظ ما وصل إلى آذانها شفاهة من قصص نبوية وأحداث تاريخية عن حوادث شتى، ورغم ذلك استطاعت تلك العقول الصالحة أن تنقل لنا ما روي وشوهد مع ضبطه ضبطاً دقيقاً دونما لغط أو تشويه .

ولكن كان علينا أن نخاطب الغرب وأنصاره من العلمانيين وأتباعهم بلغتهم التي يعرفونها وهي لغة النظريات المجردة ولنشير إليهم بأن الله (تبارك وتعالى) منح كل قوم نعمة اختص بها، ومن نعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى على العرب الذاكرة الحافظة واللغة الفصيحة المبينة .

دوافع الاهتمام بسيرة الرسول (ص):

بين الخصومة والكراهية والحقد الدفين ومشاعر أخرى سوداء، وبين محبة وشوق وحنين وإخلاص وشعور بالعظمة وإحساس بعبقرية الشخصية استقرت دوافع الاهتمام عن سيرة الرسول الأكرم(ص) حسبما أننا من المشتاقين إليه محبة وشوقاً وغراماً وشفاعة.

ولا أدري ما فائدة عمل خصوم الإسلام عموماً، والرسول الأكرم (ص) واتهاماتهم الزائفة القذرة إلى رسول رب العالمين. ولقد طالعت ما كتبه محررو دائرة المعارف الفرنسية لاروس La(ص)ousse عن أشرف الخلق أجمعين بقولهم المغلوط: "بقي محمد مع ذلك ساحراً ممعناً في فساد الخلق لص نياق، كردينالاً، لم ينجح في الوصول إلى كرسي البابوية فاخترع دينا جديداً لينتقم من زملائه".

وسأترك للقارئ سهولة تأويل ما قرأه، وكأن محمداً (ص) طالب في مدرسة يغار من زملائه فأراد الانتقام منهم، منتهى السفه، ويكفينا شرف ومنعة أننا وإخواننا من الباحثين الجادين لا ولن نهتم بالرد على مثل هذه الأمور التي يريد الغرب وأعداء الإسلام والحاقدون عليه أن يجرونا إلى هاوية الجدل والعبث الفكري واللغط التاريخي بالرد والمناظرة واستخدام آليات حوار فاشلة سلفاً، لقد اخترتنا لأنفسنا دوراً نراه عظيماً وحسبنا، وهو أننا لا نكتب إلا للقارئ العربي، وعن سيرة المعصوم محمد (ص) ومن أراد أن يعرف سيرته فعليه بمعرفة لغتنا وقبول منطقنا، ومن هنا نبدأ.

فلقد قدمنا الكثير من التنازلات الفكرية والتاريخية للغرب بدعوى حوار الحضارات، وحوار الثقافات، ودعوى الحريات ومزاعم تعرف الغرب،ومالنا وهذا، من يرد أن يعرفنا فليقبل هويتنا الفكرية وآلياتها، والمناحي المميزة لمنطلقاتنا الفكرية.ولقد أشرت إلى هذا في مقالي بجريدة اليوم السابع القاهرية في أغسطس 2009 م "ما لا يعرفه أوباما عن الإسلام". ومن الدوافع التي تدفع كثير من الباحثين إلى كتابة السيرة النبوية أن هذه السيرة وهذه الحياة مثالية في كل جوانبها على الإطلاق، ففيها القدوة الحسنة، والمثل الأعلى، يقول الله تعالى:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) ((سورة الأحزاب / 21) .

كما أنه الأعظم والأبلغ تأثيراً في حياة التاريخ البشري،فلقد تحقق له النجاح الكامل على المستويين الديني والدنيوي، وليس موضوعنا الآن أن نذكر كتابات المستشرقين وعلماء ما بعد البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهادي أمثال وليام ماكنيل وجون ماسرمان، ومايكل هارت، وغيرهم ممن اسردوا ضرورة الحديث عن سيرة الرسول(ص) الذي أثر في الدنيا والتاريخ والأخلاق والبشرية جميعها.

كتاب السيرة النبوية:

يجمع المؤرخون على أهمية الذاكرة الحافظة التي امتاز بها العرب، دون السند والدليل والمنهج العلمي الدقيق الذي يعتمد على الأدوات والمعايير، إلا أننا لا نستطيع أن نختلف في فترة صدر الإسلام وعهود الخلفاء الراشدين، فلا شك أن رجال هذه الفترة هم شهود وحفاظ السيرة، وأعتقد أنه لم تكن هناك حاجة ضرورية تدعوهم لتدوين أحداث ووقائع سيرة الرسول (ص) لاستغنائهم بالمشاهدة والحفظ، وانشغالهم بالغزوات و الفتوحات الإسلامية.

وقد بدأت حركة التدوين والتسجيل للسيرة النبوية بدأت مبكراً على يد "أبان بن عثمان" وهو نفسه ابن الخليفة الراشد "عثمان بن عفان" وهو من أعلام السيرة النبوية ورواية الحديث الشريف، وقد تتلمذ على يديه كثيرون من كبار المحدثين والفقهاء من أمثال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري،وكذلك محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، ولكن للأسف قد ضاعت مؤلفاته كما ضاع تراث الإسلام من قبل.

ومن رجال التأليف أيضاً " عروة بن الزبير " وهو من رجال الطبقة الأولى من كتاب المغازي والسير، وأبوه هو "الزبير بن العوام بن خويلد"، ولقد شهد عروة الفتنة الكبرى التي عصفت بالمسلمين، وهي فتنة خلافة عثمان بن عفان وما بعدها. واشتهر أيضاً بأنه أحد فقهاء المدينة السبعة الكبار، وكان قد شغلته السياسة كثيراً عن طلب العلم أيضاً، وهو كسابقه لم تصلنا مؤلفاته أيضاً.

ومنهم أيضاً " شرحبيل بن سعد" وهو من كتاب المغازي. ووهب بن منبه وهو من مواليد اليمن وليس المدينة، لذلك فهو مختلف عن الثلاثة السابقين، وكان ثقة واسع العلم، ويعتبر من العلماء الموسوعيين الذين تناولوا موضوعات شتى. ويوجد مجلد في مجموعة البرديات الموجودة بمدينة " هيدلبرج " الألمانية، ويقول عنه المستشرق الألماني " بيكر ": إنه يرجع أنه يحتوي على قطعة من كتاب المغازي لوهب بن منبه.

ومن رجال التأليف في المغازي والسير الأوائل " محمد بن مسلم بن شهاب الزهري"، وهو من كبار التابعين وأعلامهم، ويعتبره المؤرخون من أعظم مؤرخي المغازي والسير وإليه يرجع الفضل في تأسيس مدرسة المدينة التاريخية، وقد امتاز محمد بن شهاب الزهري عن معاصريه بكثرة الكتابة والتدوين واقتناء الكتب، ولقد ضاع ما كتبه ودونه الزهري بنفسه، وإلى ابن إسحاق يرجع الفضل الأكبر في حفظ علم أستاذه الزهري.

وينبغي علينا أن نشير إلى أن الزهري قام ببحث واسع لجمع تراث الرسول (ص) من أفواه شهوده، ومن هنا تأتي أهمية الزهري من أنه أول من دون الحديث، فهو إذن يمثل مرحلة فارقة حاسمة، وهي مرحلة الانتقال من التراث الشفوي إلى التراث المكتوب بالنسبة للتاريخ الإسلامي. ولكن الذي ينبغي ملاحظته أن هذا الانتقال قد تم داخل ارتباط السياسة والسلطان، فالزهري كان ذا علاقة وثيقة بخليفتين أمويين هما عبد الملك وابنه هشام قد قاموا برعاية عمل الزهري .

محمد بن إسحاق المطلبي:

ومن الضروري أن نعرف سيرة ابن إسحاق لأنها المصدر الرئيس للسيرة النبوية بصورتها التأريخية، وكل من كتب في السيرة في السيرة النبوية نقل عنه، لكننا سنعرضه من زاويتين اثنتين؛ الزاوية الأولى هي سيرة الرجل وما كتبه عنه أفاضل شيوخنا السابقين من مآثره ومناقبه. والزاوية الثانية هي تناوله من ناحية المنهج العلمي وفنياته وأدواته التنظيرية والتطبيقية.

فمن الزاوية الأولى نجد من يطالعنا بأن محمد بن إسحاق هو إمام الأئمة والعمدة في ميدانه، وأكبر علماء السير والمغازي على إطلاقهم . وأقوال العلماء فيه ـ حقاً ـ مستفيضة، فهو ـ كما يذكرون ـ أحد أوعية العلم، وحبر في معرفة المغازي والسير.

ومحمد بن إسحاق ـ كما يسرد الدكتور عبد الشافي محمد ـ هو محمد بن إسحاق ابن يسار بن خيار، وقيل يسار بن كوتان المطلبي بالولاء، المديني، نسبة إلى مدينة رسول الله(ص)، وكان جده يسار من أهل قرية عين التمر بالعراق، وقد وقع في أسر المسلمين عندما قام خالد بن الوليد بفتح عين التمر، وأرسل يسار بن خيار مع غيره من الأسرى إلى المدينة المنورة.

الأمر المهم الذي نريد أن ندركه هو معرفة أن ابن إسحاق أدرك بعض الصحابة ممن طالت أعمارهم، فالكتب تقول أنه " رأى " أنس بن مالك خادم رسول الله (ص)، وكذلك تتلمذ على يد كبار التابعين وعلماء المدينة المنورة، ومنهم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبان بن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أكرم الله وجهه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ونافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري، وغيرهم.

ورحلة ابن إسحاق العلمية معروفة ومنظورة للرائي، فقد رحل إلى مصر والعراق، وما إن سقطت دولة بني أمية سنة 132هجرية، وقامت دولة بني العباس، حتى رأينا ابن إسحاق يرحل مغادراً مدينة رسول الله (ص) إلى العراق حتى استقر في مدينة بغداد، أو كما قيل عنها المدينة المدورة أو مدينة السلام، أو مدينة المنصور. تلك المدينة التي خلبت الألباب وخطفت من العلماء الأبصار، فهي حاضرة الإسلام ومقر العلماء والشعراء وأهل الأدب.

والمشهود لنا أن ابن إسحاق اتصل برأس السلطة ببغداد، ومؤسسها أبي جعفر المنصور، حتى عرف أن كتاب المغازي أو ما شاع ذكره بـ "سيرة ابن إسحاق " قد وضعه استجابة لرغبة المنصور وطلبه لابنه محمد الذي عرف بعد ذلك بالخليفة المهدي.

هذا من حيث الجانب الأول من حياة ابن إسحاق، أما الجانب الثاني فمجمله اتهامات وربما افتراءات كاذبة، وشكول صراعات مضطرمة،ولأننا نستهدف الحق معرفة ويقيناً كان علينا أن نسرد بشكل مقتصد عن هذي الشكول المتسارعة حوله. فهو يؤكد عند كل نازلة وفاصلة فساد العهد الأموي برمته، ونحن ندحض قوله باستحالة وجوب العيوب والنقائص وحدها في حياة الأمم والعهود دونما إيجابيات وإصلاحات لعل أبرزها سعة الفتوحات الإسلامية، حيث إن الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي أبقى الفتوحات، وإذا قبلنا الرأي بفساد كل خلفاء بني أمية كما زعم ابن إسحاق ومن ورائه ابن هشام، فهذا استخفاف بعقولنا واحتقار وإهانة لأنفسنا.

كما أن محنة التاريخ الشفاهي فكرة سيطرت على ابن إسحاق، فقصد في مجمل سيرته إلى البنى الحكائية للقص النبوي دون بعض التكليف بمعرفة تفاصيلها وأخبار أصحابها ومناسبة القول بخلاف الواقدي الذي سيأتي ذكره بعد قليل. بالإضافة إلى ما عاب السيرة من عدم توثيق الأشعار بها.

الواقدي:

كان علينا واجب الإشارة إلى أحد أعلام السيرة النبوية، والذي لم يلق نصيباً من الشهرة التي لقيها محمد بن إسحاق، وهو محمد بن عمر بن واقد، الملقب بالواقدي، وهو مولى من الموالي.         ويعتبر الواقدي من أبرز رجال السير والمغازي، ولقد ولد الواقدي بالمدينة المنورة سنة 130 هـ، وتوفى ببغداد سنة 207 هـ، ودفن ـ كما يروي تلميذه محمد بن سعد ـ في مقابر الخيزران، ومن أشهر من لقيه الواقدي في رحلته طلباً للعلم مالك بن أنس، وسفيان الثوري.

واتصل الواقدي بالخلفاء العباسيين، بداية من الخليفة هارون الرشيد وتذكر القصة سبب تعارف كل منهما على الآخر، والتي أوردها الدكتور عبد الشافي محمد في كتابه الماتع " أوائل المؤلفين في السيرة النبوية " أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حج في أو عام من خلافته سنة 170 هـ، قال ليحيى بن خالد البرمكي: ارتد لي رجلاً عارفاً بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل (عليه السلام) على النبي (ص)، ومن أي وجه كان يأتيه، وقبور الشهداء، فطفق حيى يسأل عن الرجل الذي تتوفر فيه تلك الصفات التي طلبها وحددها هارون الرشيد، فدله الناس على الواقدي.

والواقدي ـ نفسه ـ يروي ذلك الحدث، فقال: " كلهم دله علي، فبعث إلي فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال لي: يا شيخ، إن أمير المؤمنين ـ أعزه الله ـ يريد أن تصلي العشاء في المسجد، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد، فتوقفنا عليها ففعلت، ولم أدع موضعاً من المواضع، ولا مشهداً من المشاهد إلا مررت بهما عليه". ورغم صلة الواقدي القوية بالبرامكة إلا أن مكانته في بلاط خلفاء بني العباس ظلت كما هي، ولم ينله ضرر بسبب تلك الصلة بعد نكبتهم، بل ازدادت مكانته وثقة الخلفاء فيه إلى الحد الذي جعل المأمون يوليه القضاء في عسكر الهدى، وكان المأمون كثير الإكرام له، ويداوم على رعايته.

وكان الواقدي غزير الإنتاج، كثير التأليف، فله أكثر من أربعين كتاباً في المغازي والسير والتاريخ، وهو الأمر الذي يزيدنا غموضاً في عدم ذيوع شهرته كسابقه ابن إسحاق. وربما اتصاله بالبرامكة هو الذي جعل شهرته ومكانته في العصور التي تليه تقل وتخفت، لكننا نرى أن الواقدي أكثر دقة من الناحية المنهجية والعلمية في تناول الأحداث التاريخية عن ابن إسحاق، وابن هشام، فهو يحاول أن يتحرى الدقة في المعلومات التي يوردها في نصه، عن طريق أقارب وأصحاب وأتباع وتلاميذ الشخصيات الواردة بكل حادثة يذكرها.

وهو ـ نفسه ـ يحدث ذلك قائلاً: " ما أدركت رجلاً من أبناء الصحابة، وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته، هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن مشهده، وأين قتل ؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع فأعاينه". وكانت كتب الواقدي مصدراً أصيلاً لكل المؤرخين الذين جاءوا بعده، فما من مؤرخ إلا واقتبس من كتبه، ولكن لسوء الحظ ضاعت معظم هذه المؤلفات العلمية العظيمة التي خلفها، ولم يبق من كتبه سوى كتابي فتوح الشام، والمغازي. ومع الواقدي أصبح الاعتماد أساساً على المكتوب، وهذا ما يؤكده مترجموه من أنه كان يمتلك مكتبة بها ألاف الكتب وغلامين يكتبان الليل والنهار.

ولعلنا أكثر تحمساً للواقدي عن ابن إسحاق رغم شهرة الأخير بين العامة والعموم والسواد، لأنه أكثر إخباراً عن سيرة الرسول (ص) في المدينة، وهو أميل في إخباره إلى الفقه والحديث من ابن إسحاق، وهو ـ أحياناً ـ يرجع إلى مادة علمية مكتوبة في صحف رآها واعتمد عليها، كما أنه يمتاز عن سابقيه بالدقة في تعيين تاريخ الحوادث . ويكفي الواقدي فخراً وشرفاً أن الإمام مالك بن أنس كان يثق في رواياته، بينما كان لا يثق في روايات ابن إسحاق، وقد لقبه الفقيه محمد بن الحسين الشيباني (من فقهاء الحنفية) بأمير المؤمنين في الحديث.

السيرة النبوية والخطاب التاريخي:

لابد من التمييز بين نوعين من الخطاب؛ خطاب يحمل أمراً شرعياً مقدساً أو خبراً من السماء، وكما يقول ابن خلدون هذا واجب تصديقه. وخطاب يحمل واقعات من عالم الطبيعة، ولكل من الخطابين مقياس للصدق. وابن خلدون في مقدمته يحيل الصدق إلى العالم الذي يتبع كل خطاب، فالعالم القدسي حق، وهو منهج مشروع واضح مثبت بصحته من داخله، فهو من عند رب العالمين، إذن فهو خطاب مقدس أمين لا يتغير يظل كما هو، فهو خطاب فوق الزمان، وهو في طبيعته حدث في الزمان.

والخطاب المقدس تحمله لغة، وهو ما ينطوي في حد ذاته على استلاب بالنسبة لحال الصفاء، وحين يقول مسلم إن القرآن لا يحاكى، فهو يعني أن علاماته تأتلف ائتلافاً خاصاً يرتفع فيها الدال ليتحد بالمدلول المقدس.

وبقي لنا أن نشير إلى دور القصص الشعبي في صياغة بعض كتب السيرة النبوية، ولاشك في أن الخيال الشعبي الذي صاحب الكثير من المذاهب والفرق الإسلامية صاغ العديد من القصص التي لم نرها في الكتب الصحيحة للسيرة النبوية والتي أراد بها أعداء الإسلام النيل منه ومن نبينا الكريم (ص) ولكن هيهات.

والدور الشعبي الذي لعبه هؤلاء المؤلفون هو تأييد لوجهة نظربعض الفرق الدينية والفكرية، وهو مشهد متصل للصراع الفكري والديني بين هذه الفرق، وأكاد أجزم بأن ما جاء إلينا من أخبار غريبة غير متواترة وأخبار صراعية هي لا شك من رحم الصراع المأساوي بين بعض الفرق والتيارات وكذلك المحاولات المشبوهة التي قام بها المستشرقون.

وكما يؤكد المؤرخ سيد خميس في أن الخليفة معاوية أدرك مبكراً السحر الإعلامي للقص الديني، وقوة تأثيره في نفوس العامة، فبعث في طلب القصاص وجمعهم إليه، وبالطبع أجرى عليهم الرواتب من بيت المال، ثم أوعز إليهم بالدعاء إليه على المنابر وأداء بعض القصص والروايات التي تعضد ملكه وسلطانه.

وفي العصر العباسي كانت الفتنة أشد وأعظم خطراً، لاسيما مع ظهور الصراع العربي الفارسي، فقد أضاف الرواة الفارسيون القصص العجيبة التي لا وجود لها في كتابنا هذا، وكان من البدهي أن يستجيب العامة لهذه القصص الخيالية وان يشغلوا بها انشغالاً عظيماً. ويضرب الدكتور محمد النجار مثلاً على ما جاء به القصاص في ذلك العصر في موضوعين كانا أثيرين عندهم، هما قصة الإسراء والمعراج، ومرويات الشيعة عن آل البيت، وخاصة فيما يتصل بمقتل الإمام الحسين، فقد لعب بالعاطفة دوراً عظيماً وخطيراً في التأليف القصصي على حساب الوقائع التاريخية.

وإذا دققنا النظر لاستقرأنا الخلط بين الحقائق التاريخية والقصص الخيالي والخرافات، وتسرب الخيال الشعبي الطائفي إلى كثير من أحداث ووقائع السيرة النبوية فمالت هذه الوقائع إلى الأساطير والمبالغات اللامعقولة. ومن هنا أصبح من الصعب إيجاد وسيلة منهجية دقيقة ترجح ما هو تاريخي على ما هو خرافي إلا ما رحم ربي . وعلى هذا نجد الكثير من القصص التي تحتاج إلى ضبط تاريخي بالمعنى العلمي في بعض الكتب التي تناولت سيرة رسول الله (ص)، ولقد اجتهدنا جهد مشقة وضعف في نقل الأحداث التاريخية من مصادرها الصحيحة مع تحقيق تواترها وإثبات صحة ناقلها أيضاً.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م ) .

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

بليغ حمدي اسماعيلالتَّصَوُّفُ الإسْلامِيُّ فِي سُلْطَةِ مَجَازِهِ: يعد القرنان الرابع والخامس الهجريان عصر المصنفات الصوفية الكبرى والتي استطاعت أن ترسم طريق التصوف الإسلامي لعصور قادمة، وربما هذا العصر الذي يمكن توصيفه بالعصر الذهبي للتصوف في الإسلام قد واكب التفكك السياسي للدولة العباسية حتى أقر المؤرخون بأن سلطة الخليفة العباسي لم تتجاوز حكم وولاية بغداد، وهذا التفكك السياسي هو الذي أفقدها القدرة على السيطرة والتحكم في البلاد مما استحال الأمر عقب ذلك إلى تحول تلك البلدان إلى إمارات سياسية مستقلة عنها وبعيدة تمام البعد عن سيطرتها السياسية والعسكرية . ورغم هذا التفكك السلطوي للخلافة العباسية وانهيار الأنظمة السيادية آنذاك بفعل عوامل مختلفة منها ضعف الخلفاء العباسيين، وبزوغ الدولة الفاطمية، والهجمات الخارجية التي تعرضت لها الخلافة العباسية مثل الحملات الصليبية المتواترة، ومن بعدها الغارات المغولية لم تفقد الثقافة الإسلامية تماسكها المعرفي أو بريقها الاستثنائي، واستطاعت فتوحات الدولة العباسية رغم انهيارها بعد ذلك أن تفتح آفاقا جديدة للحراك الثقافي والشراك المعرفية مع ثقافات أخرى غير متماثلة، وفي ظل هذه الثورة الثقافية استطاع التصوف الإسلامي أن ينتقل من مرحلة الشيخ الصوفي الذي يهتم المريدون والمعارضون بأخباره وحكاياه وبعض قطوفه اللغوية القصيرة ومواقفه الشخصية مع العامة والأمراء على السواء، إلى مرحلة جديدة وفارقة في تاريخ التصوف وهي مرحلة تصنيف المؤلفات الكبيرة ذات التخصص، مما أمكن المتخصصون أن يطلقوا على هذين القرنين علم التصوف لكثرة التصنيفات والمؤلفات، ورأينا المصنفات الصوفية التي تجري في موضوع واحد وتقتصر على قضية واحدة بعينها بخلاف ما سبق من تصنيفات كانت تتناول موضوعات وقضايا شتى .

ويمكن توصيف هذه الحقبة الزمنية بأنها ثمة انتقال التصوف من مرحلة إبداع الكلمة والجملة والعبارة إلى مرحلة الخبرة الصوفية الواسعة والشاملة، وربما اتساع دائرة العلوم الإسلامية آنذاك وظهور عواصم عديدة للثقافة الإسلامية وانتشار العلوم الإسلامية وشيوع المدارس الدينية وفتح أبواب الاجتهاد الفقهي مع دعوات تجديد الفكر الديني هو الذي ساعد على ظهور علم التصوف في سلطة مجازه اللغوي . ومن أبرز هذه المصنفات التي راجت في عصر التصوف الذهبي معتمدة على سلطة المجاز كتاب (اللمع في التصوف) لأبي نصر السراج الطوسي، وكتاب (قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد) لأبي طالب المكي، وكتاب (الرسالة في علم التصوف) لأبي القاسم عبد الكريم القشيري، وكتاب (ختم الأولياء) للحكيم الترمزي، وأخيرا كتاب (المواقف والمخاطبات) لعبد الجبار النفري .

اِنْفِرَادُ المَشْهَدِ:

مِنْ جَمَالِيَّاتِ المواقف والمخاطبات لمحمد بن عبد الجبار النفري انتفاء سيرة ذاتية لشخصه وحياته وقلة الاهتمام التاريخي بتكوينه الصوفي وانعدام وجود ترجمة ذاتية تسطر حكايته وحكاياه، مما جعل كتابه المواقف والمخاطبات إرثا شرعيا لقارئه، ووطنا مشاعا للراغبين في النهل والاستئناس، وهذا ما جعل كتاب النفري سفرا استثنائيا مدهشا بخلاف كافة مصنفات المتصوفة، لأنه بلا سيرة ذاتية تقتنص فيمكن للقارئ والمريد والكاره أيضا أن يستقرئ المواقف والمخاطبات في ضوء هذه الإشارات المتضمنة بسيرته وحياته، وكم من مؤرخ وناقد ومتتبع لسير أقطاب التصوف في الإسلام استعان بسيرهم من أجل تفسير مضمون العاقبة لمصنفاتهم وسطورهم التي لا تزال خالدة الذكر والتداول .

ولحظات الاقتناص تلك تضطر القارئ دوما إلى التماس فرضيات القراءة، ومعالجة النص التراثي بآليات ومناهج نقدية معاصرة غير تاريخية، وعدم الاعتماد على أطر منهجية معتادة من أجل تحقيق الوصول إلى المنطق الداخلي الذي يحكم هذه النصوص الصوفية التي تكترث كثيرا بالترميز اللغوي والإشارات صعبة المراس والتأويل النقدي المباشر لها، وهذا يجعلنا نشير إلى السؤال المكرور حول النصوص التراثية الدينية وهو هل من منهج واحد لقراءة النص التراثي الديني؟ الإجابة بالقطعية تفي وتشي بأن المنهج التاريخي النقدي هو الأقرب لتناول جملة كبيرة وعريضة من نصوص التراث، لكن في حالة المشهد الصوفي يبدو الأمر مغايرا، لجملة من الأسباب أيضا أبرزها طبيعة النص الصوفي الذي يتسم بالعمق الذي يبعده كثيرا عن التناول التاريخي القريب لشخصية الشيخ الصوفي وللعصر الذي يمثله أيضا، علاوة على أن النص الصوفي الواحد متعدد الشكل متنوع المضمون وهذا التنوع يجعله محصنا وبمنأى عن التناول النقدي المعتاد، بل يمكننا أن نرصد حالة نقدية صوب النصوص الصوفية، وهي أنه بقدر ما يحاول المؤرج أو الناقد لتحليل وتأويل النص الصوفي ساعيا في ذلك إلى خلق مساحات أوسع من الفهم والتلقي، بقدر ما يزيد هذا التناول غموضا عليه، فهو يضئ مساحات ويترك مساحات أخرى معتمة .

الملمح الآخر الذي يمكن رصده ونحن بصدد اقتناص المشهد الصوفي هو تحولات المعرفة داخل النص وتطورها، فبرغم أن النص الصوفي يبدو تراثيا بحكم موقعه الزمني، إلا أن المعاصرة والجدة والحداثة من أبرز سماته مما يجعل تداخلا بين موقفي الاتصال التراثي والمعاصر وهذا التداخل يشكل صعوبة لدى الناقد وهو يتناول نصا صوفيا بالغ الترميز . ولعل سمة التداخل هذه امتزجت فيها البلاغة التخييلية بالغاية التواصلية التداولية وهو الملمح الأكثر بروزا في المواقف والمخاطبات لاسيما المواقف التي تمثل مشهدا افتراضيا، يقول النفري: " يا عبد، اخرج من همك تخرج من حدك "، ويقول أيضا: " يا عبد، الوجد بما دوني سترة عن الوجد بي، وبحسب السترة عن الوجد عن الوجد بي تأخذ منك البدايات، كنت من أهلها أم لم تكن من أهلها " .

البَحْثُ عَنْ لَحْظَةِ اقْتِنَاصٍ:

أما إمامنا وشيخنا القطب عبد الجبار النفري يمثل صندوقا أسود لا يمكن العثور على حقيقة تاريخية بشأنه إنما بشأن سفره العظيم المواقف والمخاطبات، وكم من مستشرق أجنبي أرهق لهثا وبحثا وتنقيبا عن مَعْلَمٍ يمكن من خلاله العبور إلى وقفات النفري ومخاطباته، وجلَّ ما استطاعوا تسطيره عنه مثل ما أورده جوزيبي سكاتولين في كتابه (التجليات الروحية في الإسلام) أنه من مدينة (نَفَّر) وهي مدينة بابلية قديمة بالقرب من الكوفة، اسمها الأصلي (نيبور)، وكان فيها معبد (آكور) الذي عُبِدَ به الرب إنليل المعروف بسيد الهواء، واستحالت المدينة بعد ذلك مركزاً للديانة المانوية، ثم المسيحية في القرن السابع الميلادي. وكل ما وصل إلينا من حكايته شيئان فحسب، ما رواه الصوفي الكبير عفيف الدين التلمساني في شرحه للمواقف والمخطابات بأنه كان كثير السفر كثير الترحال في البراري، لا يسكن إلى إنسان، ولا يستوطن بمكان،مستوحشا المكان وربما الزمان أيضا، وهو شخصية تعتاد التخفي عن قصد، والابتعاد عن الأنظار متعمدا ذلك، ويروي عفيف الدين التلمساني أنه توفي بمصر المحروسة . أما الشئ الثاني الذي وصل إلينا واضحا جليا هو كتابه المواقف والمخطبات وهو رؤية للكون والأشياء من زوايا استثنائية تفوق كل المعارف الصوفية وكل البيان البلاغي البشري، والنفري هو صاحب المقولة الأشهر في تاريخ التصوف والتي رددها بعده مئات مئات المتصوفة وهي مقولة " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " .

واجتهد المؤرخون العرب والمستشرقون على السواء في تحديد جملة من الأسباب التي أدت إلى غموض شخصية النفري، وغموض توقيت تصنيفه لكتاب المواقف والمخاطبات والذي اكتشفه المستشرق آرثر جون آربري في عام 1934 ميلادية، ومن هذه الأسباب أن عبد الجبار النفري عاصر محنة الحسين بن منصور الحلاج، تلك المحنة التي انتهت بقتله حتى صارت شخصيته بعد ذلك مصدرا أصيلا للإبداع الشعري والمسرحي واستحال هو نفسه أيقونة لحرية التعبير والإبداع، ويشير كثير من نقاد الأدب إلى أن نصوص الحلاج الصوفية هي المصدر الأصيل لما يعرف بقصيدة النثر المعاصرة، ولعل محنة الحلاج أجبرت كثيرين على الجنوح بعيدا عن المشهد الاجتماعي وحراكه خوفه من سوء الفهم وغضب الحكام ورجال الشريعة والخوف من تكفير الفقهاء . لاسيما وأن بعضا من مواقف النفري تجعله ينال نفس مصير الحلاج إذ يقول في مواقفه: " وقال لي في خلافية التعرف، فوقفت فرأيته جهلا، ثم عرفت فرأيت الجهل في معرفته ولم أر المعرفة في الجهل به "، ويقول أيضا: " من علامات اليقين الثبات، ومن علامات الثبات الأمن في الروع " .

والسبب الثاني الذي دفع النفري إلى الاحتجاب وانعدام الظهور المجتمعي هو ما ذكره بعض المؤرخين عنه بأنه شيعي المذهب؛ وهو ما يبدو من خلال نصِّه الأخير في المواقف والمخاطبات الذي يشير فيه إلى الإمام المنتظر الذي يظهر وأصحابَه في آخر الزمان، بحسب الرواية الشيعية، والاعتقاد الشيعي بخصوص الإمام المنتظر متطابق مع مفردات النص النفَّري. لكنني حينما عدت إلى الموقف الأخير من مواقفه وجدته يتحدث عن (الكنف) وفيه تناول موضوعات سريعة كالقوة والوسائط، العلم والعمل، ولا توجد أية إشارة للتشيع حسبما وصف بذلك، أما في المخاطبة الأخيرة وهي بعنوان (مخاطبة وبشارة وإيذان الوقت) وفيها يقول : " أوقفني وقال لي قل لليل ألا أصبح لن تعود من بعد لأنني أطلع الشمس من لدن غابت عن الأرض وأحبسها أن تسير وتحرق ماكان يستظل بك وينبت نباتا ماء فيه وأبدو من كل ناحية فأرعى البهائم نبتك ويطول نبتي ويحس وتتفتح عيونه ويروني واحتج فيكتبون حجتي بإيمانهم ويفرق الجبل الشاهق من قعره بعد أن كانت المياه في أعلاه وهو لايشرب وأخفض قعر الماء وامد الهاجرة ولا أعقبها بالزوال هنالك يجتمعون وأكفئ الأواني كلها وتري الطائر يسرح في وكره وترى المستريح يشتري السهر بالنوم ويفتدي الحرب بالدعة " . والحقيقة أن التشيع بغير ملمح واضح في كتاب المواقف والمخاطبات سوى أنها غارقة في العرفانية والذهنية المحضة . 

المَوَاقِفُ والمُخَاطَبَاتُ:

كما ذكرنا من قبل أن مصنف عبد الجبار النفري (المواقف والمخطابات) يستمد قوته ومكانته المعرفية والصوفية كون صاحبة بغير سيرة ذاتية كافية وشافية للمريد والمهموم بتاريخ التصوف في الإسلام، مما يجعل الكتاب نفسه هو الملمح الأهم والأبرز في حياة صاحبه، و هو ـ أي الكتاب ـ يعتبر بمثابة دليل ثقافي للتصوف ونموذج معرفي شديد الخصوصية الذهنية إذ يتطلب قدرا عاليا من التأويل ومن قبله رصد المشاهد المعرفية المتضمنة في المواقف، وربما أشار كثير من مؤرخي حركة التصوف إلى أن المواقف والمخاطبات مشروع جديد في التصوف الإسلامي قائم على المنحى الذهني المعرفي، وحاول كثيرون أن يربوا بين كتاب عبد الجبار النفري وبين كتاب الاعترافات لأوجستين واضع أول سيرة ذاتية في التاريخ .

وتبلغ ذروة بلاغة كتاب النفري في اختزال المشاهد والمواقف الإنسانية في أقوال وحكم، وهي بالقطعية تشاكل الضوء المضغوط المكثف الذي يستدعي نوعا خاصا من المراقبة دون غمض العين عنه . ومن أجمل التوصيف لمشاهدات النفري ومخاطباته الذهنية ما ذكره سكاتولين بأنه " كان صوفيا عميقا، بل عبقريا، مما يجعلنا نعتبره من أعمق المفكرين في الإسلام "، ولاشك أن القارئ للمواقف والمخاطبات يقف على ثمة حقائق بعينها يمكن رصدها الآن في ملامح، مثل المصالحة الرائعة مع ذاكرتي القلب والعقل معًا، ومحاولته البديعة في كسر الصمت الصوفي الطويل الذي لازم كثيرا من الصوفية، وربما استطاع النفري أن يرهقنا ذهنيا بمواقفه من خلال طرحنا نحن لأنفسنا عدة أمثلة لا تزال راهنة إلى يومنا الآني من مثل: هل امتلك النفري المعرفة وكنهها ؟، وهل كتاب المواقف واقع يقر بألا نخاف من انفتاح القلب صوب العقل ؟، وهل ما طرحه النفري في كتابه مجرد تساؤلات استنفارية للعقل البشري أم هو تقرير لحالة البوح الصوفي؟ .

وفي كتاب المواقف والمخاطبات نجد النفري قسم مصنفه إلى موضوعات هي أشبه بالمحاورة وإن كانت أقرب إلى وضع تصور معرفي لبعض القضايا الإنسانية وقضايا أخرى تتعلق بغيب لا يقتنص، ومواضعات المواقف نفسها تشير بقوة إلى حضور الجانب المعرفي والمنحى العرفاني مثل مواقف " أنت معنى الكون "، " معرفة المعارف"، " الدلالة "، "البصيرة"، " وراء المواقف"، ونسرد موقف (أنت معنى الكون) الذي يقول فيه:

" أوقفني وقال لي أنت ثابت ومثبت فلا تنظر إلى ثبتك فمن نظرك إليك أتيت وقال لي أنظر إلى مثبتي ومثبتك تسلم لأنك تراني وتراك وإذا كنت في شيء غلبت.

وقال لي متى رأيت نفسك ثبتاً أو ثابتاً ولم ترني في الرؤية مثبتاً حجبت وجهي وأسفر لك وجهك فانظر إلى ماذا بدا لك وماذا توارى عنك.

وقال لي لا تنظر إلى الإبداء ولا إلى البادي فتضحك وتبكي وإذا ضحكت وبكيت فأنت منك لا مني.

وقال لي إن لم تجعل كل ما أبديت وأبديه وراء ظهرك لم تفلح فإن لم تفلح لم تجتمع علي.

وقال لي كن بيني وبين ما بدا ويبدو ولا تجعل بيني وبينك بدواً ولا إبداء.

وقال لي الأخبار التي أنت في عموم.

وقال لي أنت معنى الكون كله " .

إشْرَاقَاتُ النَّفَّرِيِّ:

إن اهتمام النفري في المواقف والمخاطبات بالماورائية تعد إراقات تمهيدية للمريد بحثا عن طبيعة التصوف الإسلامي وصولا إلى غايته، لذلك لم يلجأ النفري في كتابه إلى انزياحات معرفية سابقة أو مبررات لتعبيراته بخلاف ما قام به محي الدين بن عربي في بعض مصنفاته التي قام بعمل شروح قصيرة لها خوفا من قصر الفهم وسوئه . لكن الكتاب في مجمله والذي يمتاز بلغة رمزية شديدة الترميز والتلميح بغير تصريح أو استطراد في الشرح يحتاج إلى قارئ مثالي يجيد آليات التأويل ويعتبر نفسه أمام نص أجنبي وليس عربيا فيستحيل بذلك مترجما فنيا وليس حرفيا له، مع محاولة اجتيار اللغة النصية المباشرة اجتيازا إلى لغة أخرى غير بائنة بسبب ثراء اللغة الرمزية المتوافرة بكتاب المواقف للنفري .

ولم تكن الكتابة عند النفري مسألة اختيار، هذا ما يدفعنا إلى تبني حقيقة مفادها أن اعتماد عبد الجبار النفري على التكثيف اللغوي والرمزية الاستثنائية والتراكيب اللغوية البيانية الأقرب للومضات الكاشفة لأسرار النفس هو توجه عن غير قصد للكتابة تأكيدا لمقولته البارزة " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " .

وتنتمي مواقف النفري إلى فكرة الحجاب الموجودة لدى الصوفيين وهي في اصطلاح الصوفية كما أشار الجرجاني في كتابه (التعريفات) بأنها تعني كل ما يستر المطلوب، وهو عندهم انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق . أما الغزالي في كتابه (روضة الطالبين وعمدة السالكين) فيرى أن كل ما سوى الحق تعالى إنما هو حجاب عنه، ويقول نصاً: " ولولا ظلمة الكون لظهر نور الغيب، ولولا فتنة النفس لارتفعت الحجب، ولولا العوائق لانكشفت الحقائق، ولولا العلل ابرزت القدرة، ولولا الطمع لرسخت المحبة، ولولا حظ باق لأحرق الأرواح الاشتياق " . ومن هذه الزاوية، زاوية الحجاب والاحتجاب يمكن فهم مواقف النفري ومخاطباته كلها، وهو في استخدامه لفكرة الحجاب لا يخرج عن مسالك محددة تشير إلى معانٍ متعددة للحجاب مثل الشيخ المريد، والسالك الصادق، وبمعنى الحجب، وبمعنى الستر، يقول النفري في مواقفه:

وقال لي: لا يكون المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء .

وقال لي: نَمْ لتراني، فإنك تراني؛ واستيقظ لتراك، فإنك لا تراني .

وقال لي: كل واقف عارف، وليس كل عارف واقف .

وقال لي: فإن العارف كالمَلِك يبني قصوره من المعرفة فلا يريد أن يتخلَّى عنها.

وقال لي: المعرفة نارٌ تأكل المحبة .

وقال لي: من علوم الرؤيا أن تشهد صمت الكل، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل .

أما ما يتعلق بمشاهد الغيب يقول النفري في مواقفه عن النعيم والجحيم:

" قال لي ما الجنة، قلت وصف من أوصاف التنعيم، قال ما التنعيم، قلت وصف من أوصاف اللطف، قال ما اللطف، قلت وصف من أوصاف الرحمة، قال ما الرحمة، قلت وصف من أوصاف الكرم.

 قال ما الكرم، قلت وصف من أوصاف العطف، قال ما العطف، قلت وصف من أوصاف الود، قال ما الود، قال وصف من أوصاف الحب، قال ما الحب، قلت وصف من أوصاف الرضا.

 قال ما الرضا، قلت وصف من أوصاف الاصطفاء، قال ما الاصطفاء، قلت وصف من أوصاف النظر، قال ما النظر، قلت وصف من أوصاف الذات، قال ما الذات، قلت أنت الله، قال قلت الحق، قلت أنت قولتني، قال لترى نعمتي.

مَشَاهِدٌ مِنْ مُخَاطَبَاتِ النَّفَّرِيِّ:

تمثل المخاطبات التي أوردها عبد الجبار النفري في كتابه ذروة بيانه الصوفي وإن تعمد الرمزية وترميز نصه بإشارات لا يمكن فهم كننها إلا بدراسة عميقة لواقع التداول اللغوي آنذاك، كذلك بدراسة المشهد الاجتماعي المشتمل على الفكر الديني والفقهي والملامح السياسية وحراك المجتمع الذي بالظنية قد يلقي بظلال على تلك الطروحات الصوفية التي سرها النفري في مخاطباته الروحية . ومن مخاطبات النفري:

" يا عبد اجعلنى صاحب سرك أكن صاحب علانيتك "

" ياعبد اجعلنى صاحب وحدتك أكن صاحب جمعك "

" يا عبد اجعلنى صاحب خلوتك أكن صاحب ملائك "

" يا عبد لا تيأس منى فتبرئ منك ذمتى"

" يا عبد كيف تيأس منى وفى قلبك متحدثى "

" يا عبد أنا كهف التائبين وإلى ملجأ الخاطئين "

" يا عبد أنا السند الذى لا يسلم و أنا السيد الذى لا يظلم "

" يا عبد اصبر لى يوما أكفك غلبة الأيام"

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م) .

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

منتهى البدرانلقد حظيت ظاهرة  التضمين في اللغة وفي القرآن باهتمام القدماء من اللغويين، والمفسرين، وعلماء علوم القرآن، وكذلك نالت اهتمام المحدثين، وقد ذهب الباحثون فيها إلى مذهبين منهم من أيّد الظاهرة وأثبتها، وآخر رفضها، وكلٌ قدّم أدلته لإثبات رأيه وهي مدونة في أمّات الكتب لمن أراد التزود بالمزيد . وللتعرف على معنى التضمين فهو في اللغة يدل على معنيين:

الأول: الكفالة، ضمّن الشيء ضمنا، وضمانا فهو ضامن، وضمين: كَفَلَه(1).

الثاني: الإيداع، فقد ضمّن الشيء أودعه إياه، كما تودع الوعاء المتاع، وكل شيء جعلته في وعاء، وضمنته إياه(2).

أما في الاصطلاح فهنا تختلف الآراء بين القدماء والمحدثين حيث رأى ابن جني (ت392هـ) أنّ التضمين ظاهرة واسعة وكثيرة جدا في اللغة، ويمكن تأليف كتاب لو جمع أكثرها . ويوصي القارئ بالأنس بها إذا مرّت به، معلّلا أنّها من الفصول اللطيفة في العربية(3). في حين أنّ ابن هشام (ت761هـ) يراها قليلة ؛ لأنّه عرّفها: " قد يُشربون لفظا معنى لفظ فيعطونه حكما"(4). ولا يخفى أنّ (قد) تفيد التقليل إذا دخلت على المضارع، بيد أنّ ابن جني وسّع دائرة الإستشهاد، حيث استشهد بالقرآن، والشعر، أمّا ابن هشام فقد اقتصر استشهاده على القرآن الكريم.

أمّا عند المفسرين والمشتغلين في علوم القرآن، فنجد الطبري (ت310هـ) قد وجّه عددا من الآيات الشريفة في تفسيره (جامع البيان) استنادا إلى أسلوب التضمين. وقال الزمخشري (ت538هـ) بالتضمين في بعض من مواضع تفسيره الكشاف، لكنّه أعرض عنه في مواضع أخرى حين أنعم النظر في دقة المعنى. وأثنى على التضمين ابن عطية الأندلسي (ت546هـ) في تفسيره (المحرر الوجيز) . وعرّفه الزركشي (ت794هـ) بأنّه: " إعطاء الشيء معنى الشيء، وتارة يكون في الأسماء، وفي الأفعال، وفي الحروف"(5)، وهو بذلك عرّفه بمعناه الشامل لكل الأنواع . ويرى السيوطي (ت911هـ) أنّ التضمين يطلق على أشياء عدة أحدها " إيقاع لفظ موقع غيره ؛ لتضمنه معناه"(6). أما الآلوسي (ت1270هـ) في روح المعاني، والطاهر بن عاشور (ت1394هـ) في التحرير والتنوير فقد اعتمدا على التضمين في كثير من المواضع.

أما المحدثون فقد كانوا بين مؤيد، ومعارض للتضمين . فقد أقرّ مجمع اللغة العربية في القاهرة ظاهرة التضمين عام (1934م) متمثلا في أعضائه الذين كانوا بين مؤيد، ومعارض لها، حيث عقد المجمع جلسة خصصت لهذه الظاهرة فقد تلا رئيس الجلسة الأستاذ محمد الخضر حسين بحثه في التضمين، إذ رأى أنّ للتضمين غرضا وقرينة وشرطا، فالغرض هو الإيجاز، والقرينة هي تعدية الفعل بالحرف وهو فعل يتعدى بنفسه، أو تعديته بنفسه وهو يتعدى بالحرف، أما الشرط  فهو وجود مناسبة بين الفعلين(7)، ورأى أنّ للتضمين " صلة بقواعد الإعراب من جهة تعدي الفعل بنفسه أو تعدّيه بالحرف، وصلة بعلم البيان من جهة التصريف في معنى الفعل، وعدم الوقوف به عند حدّ ما وضع له، ومن هذه الناحية لم يكن كبقية قواعد علم النحو وقد يستوي في العمل بها خاصة الناس وعامتهم"(8). فهو هنا قد بيّنَ صلة التضمين بعلمي النحو والبلاغة.

وفي نهاية جلسة المجمع  صدرت التوصيات الآتية:

يعرّف التضمين بأنْ يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدّى فعل آخر أو ما في معناه، فيعطى حكمه في التعدية واللزوم.

يكون قياسيا لا سماعيا بشروط ثلاثة:

الأول: تحقق المناسبة بين الفعلين.

الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.

الثالث: ملاءمة التضمين للذوق العربي.

ألّا يُلجَأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي(9).

ويرى عباس حسن أنّ التضمين ركن من أركان البيان، وأنّه " مبحث ذو شأن في اللغة العربية . وللعلماء في تخريجه طريقة مختلفة فقال بعضهم: إنّه جمع بين الحقيقة والمجاز على طريقة الأصوليين، لأنّ العلاقة عندهم لا يشترط فيها أنْ تمنع من إرادة المعنى الأصلي"(10)، ويرجِّح قياسيته، ويرى أنّ من الأفضل أنْ يبقى بابه مفتوحا للعارفين بدقائق العربية وأسرارها، وأنْ توضع له قيودا تضبط استعماله(11).

أما الدكتور فاضل السامرائي فإنّه يرى أنّ للتضمين غرضا بلاغيا لطيفا، وهو الجمع بين معنيين بأخصر أسلوب، كما أنّه يقرُّ بقياسيته(12). ويراه محمود أحمد الصغير أنّه " مخرج لغوي لطيف، يقوم أساسا على مخالفة أصول التعدية المعهودة في الأفعال، ويسعى إلى إجراء المصالحة بين الفعل ومفعوله أو الحرف الذي يصله بالمفعول . وذلك من طريق تنازل الفعل عن معناه المتبادر، كيما تعود الأمور إلى نصابها"(13).

وقال الدكتور هادي أحمد الشجيري: " وردت في اللغة أساليب في التعبير عن معنى بألفاظ متقاربة، يحسبها الغافل عنها أنّها أدت المعنى ذاته، وأنّ بعض الإختلاف في التركيب قد لا يغيّر في المعنى شيئا"(14). وكان الدكتور محمد الأمين الخضري من الرافضين للتضمين، معللا ذلك  بقوله: " إنّ التضمين يصرف الاهتمام عن تدبر أسرار الحروف، وهو عاجز عن الوفاء بأغراض النظم ودواعيه، وليس فيه أكثر من محاولة تصحيح التعدي بحرف ليس من شأن الفعل أو الإسم التعدي به"(15).

وأشار الدكتور تمام حسان إلى أنّ التضمين غالبا " ما يكون وسيلة يستعملها النحوي لحلّ إشكال الأصل . كأنْ يكون في الجملة فعل لازم انتصب بعده المفعول فيضمّن معنى التعدية أو متعد لم يصل إلى المفعول إلا بواسطة فيضمن معنى اللازم أو حرف استعمل في مكان حرف آخر فيقول النحوي بتضمينه معناه وهكذا . ثم يرى النحوي في كل ذلك ردا إلى أصلٍ عدل عنه ويقدر هذا الأصل"(16).  في ضوء كلام الدكتور تمام حسان يبدو أنّ علماء اللغة، والمفسرين الذين قالوا بالتضمين قد تأثروا تأثرا واضحا في البحث عن ظاهرة التضمين ووضع القواعد لها، وربما يكون الغرض من ذلك هو محاولة إخضاع التراكيب اللغوية التي تتعارض مع قواعد النحويين بردّها إلى قاعدة عامة. ولا يفوتني أن أذكر أن للتضمين صورا متعددة فالقائلين به يرونه يقع في الفعل، والإسم، والحرف.

إنّ بلاغة القرآن قائمة على أساس دقة استعمال المفردات في معانيها، فــــ " لكل نوع من المعنى نوع من اللفظ وهو به أخصُّ وأولى"(17)، وإنّ كل لفظ وضع في مكانه المناسب ولا يستطيع لفظ آخر أنْ يحلّ محله أو يؤدي معناه، حتى وإنْ كانت مادة اللفظ واحدة(18). وإنّ فتح باب التضمين على مصراعيه سيهدم هذه البلاغة، ويبعد الأسلوب القرآني عن معيار الدقة التي اتّسمَ به.

بعد هذا العرض الموجز لآراء القدماء والمحدثين وحين بحثت في أثر المعاني الحرفية في التراكيب التي قيل بتضمين الحروف والأفعال فيها بوصفها ظاهرة لها صداها عند اللغويين، والمفسرين، لم يثبت لي وجود هذه الظاهرة في النص القرآني بفرعيها تضمين الحروف وتضمين الأفعال.

وكما يقال (في المثال يتضح المقال)  ولضيق المقام وتوخيا للاختصار سأكتفي ببضع أمثلة من الشواهد القرآنية لبيان ذلك.

قال تعالى: ) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (19). فقد ذهب الزمخشري (ت538هـ)، وأبو حيان (ت745هـ) إلى أنّ (أفيضوا) بمعنى (ألقوا)، فيكون (أفيضوا علينا) بمعنى (ألقوا علينا)(20). وذهب جمع من المفسرين إلى أنّ الفعل (أفيضوا) بمعنى (صبّوا) فيكون المعنى (صبّوا علينا)(21).

ولو أنعمنا النظر، وأطلنا الوقوف عند دقة استعمال المفردة القرآنية لالتمعت لنا دلالات كامنة في استعمال الفعل (أفاض) التماع النجوم في الدُّجى، ولو تأملنا حكمة مجيء الفعل (أفاض) مع (علينا)، و(من الماء) لانكشفت لنا أسرار من شأنها نفي القول بالتضمين. فمن الدلالات التي كمنت وراء الشكل التركيبي (أفيضوا علينا من الماء) ما يأتي:

دلالة الكثرة: وقد بثّها مجيء فعل الإفاضة مع المركب الحرفي (من الماء) وسيتضح ذلك على النحو الآتي:

إنّ أصل مادة الفعل (فاض) هو جريان الماء بسهولة ويقال: أفاض إناءه إذا ملأه حتى فاض(22).  و " الفيض الماء الكثير، يقال إنّه أعطاه غيظا من فيض أي قليلا من كثير "(23) و " فاض الماء أي كثر حتى سال على ضفة الوادي"(24). والفيض خلاف الغيض؛ لأنّ الأول يدل على كثرة الشيء، والثاني يدل على نقصان الشيء(25). فالفعل (أفيضوا) يفيد كثرة الماء ووفرته لدى أهل الجنة ؛ لأنّ الأصل في مادته هو " سيلان في امتلاء، أي من كثرة وامتلاء"(26). فضلا عن أنّ صيغة الفعل (أفاض) المتعدي بالهمزة وهي (أفعل) تعطي دلالة التكثير(27). ومجيء الفعل مع (من الماء) دلّ على الكثرة كذلك، فهو دلّ على شعور أهل النار بكثرة الماء ووفرته لدى أهل الجنة ؛ لذا طلبوا بعضا من هذا الكثير.

دلالة الإستعلاء: وقد بثّها حرف الإستعلاء (على) وهو استعلاء حقيقي حيثُ كشف لنا عن هيئة من هيئات الموجودات الغيبية من العالم الآخر، وهي موقع الجنة من النار، فهذا التركيب كشف لنا أنّ موقع الجنة أعلى من موقع النار.

دلالة التبعيض: وقد بثّها الحرف (من) ؛ فأصحاب النار لم يطلبوا بقول (أفيضوا علينا الماء) ؛ لأنّهم لم يتجرأوا على طلب ماء كثير، وإنّما طلبوا نزرا يسيرا ليطفئوا به حرَّ جهنّم، وسعيرها.

دلالة الإستعطاف، والتحقير: إنّ طلب أصحاب النار إفاضة بعض من الماء عليهم يدلّ على ما هم فيه من ذل، وهوان جعلهم يستعطفون من هم فوقهم . أما دلالة التحقير فتُسْتَشَفُّ من طلبهم بعض الماء وعدم جرأتهم بطلب الكثير منه ؛ لإدراكهم عدم استحقاقهم الرحمة لما اقترفوه من الإثم والظلم في الحياة الدنيا ؛ لذا طلبوا القليل وهو في تصورهم كثير عليهم . وربما توجد دلالات أخرى غابت عن الباحثة ولم يغنم بها يراعها.

بعد التعرف على فائدة مجيء الفعل (أفاض) مع المركبين الحرفيين (علينا)، و(من) يجدر الوقوف عند الأفعال التي قالوا بأنّها حلّت محلّ الفعل الموجود في التركيب:

ألقى: عند الرجوع إلى المادة المعجمية لهذا الفعل نجد أنّ أصلها هو الدلالة على طرح الشيء(28)، ومن المسلَّم به أنّ طرح الشيء يكون للأجسام وليس للسوائل، فنقول: طرحتُ زيدا أرضا، وألقيتُ الثوبَ على الأرض.

صبّ: صببتُ الماء أي سكبته(29)، وأصل المادة هو إراقة الشيء(30). والإنصباب: إنحدار

من فوق بلا قيد، ماديا كان أو معنويا، فالصبّ هو مطلق الإنحدار(31). وهذا يتعارض مع المعنى المراد ؛ لأنّه لو أراد مطلق انحدار الماء من فوق لقال (أفيضوا علينا الماء) ولم يأتِ بـ (من) التي قيّدت كمية الماء المراد إنزاله. وبهذا تكون حروف الجر أدت دور توجيه الدلالة، وتقييد الفعل، فضلا عن أنّ معانيها الحرفية نفت مقولة تضمين الفعل.

قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (32). هذه آية أخرى من آيات الأحكام - كما صنّفها الفقهاء(33) -  تُساقُ في هذا البحث لاكتشاف دلالات توالي حروف الجر، وأثره في إثراء النص دلاليا.

عند الوقوف على المعاني المعجمية للفعل (ضرب)، والمعاني الوظيفية لحروف الجر التي جاءت معه يمكن استنتاج الآتي:

يقع الضرب على جميع الأعمال(34) . ومادة (ضرب) " أصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه من ذلك ضربت ضربا إذا وقعت بغيرك ضربا"(35). و" الضرب إيقاع شيء على شيء "(36)، ويرى الشريف الرضي أنْ (ليضربن) استعارة، المراد بها إسبال المقانع على الصدور، وأنّ أصل الضرب من قولهم: ضربت الفسطاط إذا أقمته بإقامة أعماده، فاستعير لفظ الضرب هنا للكناية عن التناهي في إسبال الخمر(37).، وقيّده بعضهم بأنّه إيقاع بشدة(38) ؛ لذا عدّي بالحرف (على) دلالة على الإستعلاء الحقيقي. إذ يطلق " الضرب ويراد به نوع من التثبيت من قبيل قولنا: ضربت الخيمة"(39)، ويبدو أنّه " أطلِق الضرب وهو الملزوم وأريد به التثبيت وهو الأمر اللازم"(40)  بمعنى أنّه حين أراد أنْ يلزم النساء غطاء الصدور غطاء محكما عدل عن ذكر الإلزام إلى ذكر الضرب، فلم يقل (وليلزمن).

تتضح مما تقدم دلالات عدة للفعل (ليضربن) هي:

دلالة الإلزام والوجوب، فالفعل (يضرب) من أفعال الإلزام كما يبيّنه سياقه في الآية، وتعلق حرفي (الباء) و(على) به جاء مناسبا للمقام ؛ لأنّ المعاني الوظيفية لهذين الحرفين تتلاءم مع المعنى المساق وهو (الإلزام والوجوب)، فالوجوب يركّز على الفعل والشخص الذي يُلزم به، أي إنّه يركّز هنا على فعل الضرب، وعلى النساء اللواتي ألزمن به.

دلالة الإحكام: إنّ ضرب الخُمُر يراد به إحكام وضع الخمار على الصدر والنحر، فضلا عن أنّ الخمار غطاء للرأس؛ مما يوحي بضرورة ستر المرأة مواضع الفتنة في جسدها لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، فيتعرض لكرامتها التي حفظها لها الدين الإسلامي بفضل هذه الأحكام التي نزلت لحمايتها.

بعد التعرف على الدلالات التي بثّها فعل الضرب، هل يصح تضمينه معنى فعل آخر كالفعل (ألقى) ؟  فلو فرضنا أنّه متضمن معنى (ألقى) فإن البحث في أصل مادة هذا الفعل لن يعطي غير دلالة طرح الشيء دون التأكيد على ضرورة إحكامه.

2) إنّ مساوقة الفعل مع (الباء) أعطى دلالة الإلصاق ؛ لأنّ (الباء) هنا أدت معناها الحقيقي(41)، وكذلك قامت ببيان وسيلة الإستتار أي أدّت معنى الإستعانة الحقيقية كقولنا (كتبت بالقلم).

3) أدّى الحرف (على) دلالة الإستعلاء الحقيقي وهو وضع الخمار على الصدر.

4) إنّ الدور الذي قام به حرف الجر في التركيب هو نقل دلالة فعل الضرب من دلالته المعروفة في ضرب الشيء إلى دلالات أخر أبرزها الشد والإحكام . وبذلك يكون المراد بالتركيب (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) دلالة وجوب الإستتار، وإحكامه، وبيان وسيلته وهي (الخُمُر).

إنّ التركيب (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يوحي بوجوب ستر الصدر، وفي الآية جانب تربوي وإرشادي للمرأة المسلمة وتوجيهها " إلى كيفية إخفاء مواضع الزينة بعد النهي عن إبدائها وقد كانت النساء على عادة الجاهلية يسدلن خُمُرهن من خلفهن فتبدو نحورهن وقلائدهن من جيوبهن لوسعها فأمرن بإرسال خمرهن إلى جيوبهن سترا لما يبدو منها"(42). وقد ضمّن أغلب المفسرين الفعل (ليضربن) معنى الفعل (ليلقين) لكي يتلاءم مع تعديته بالحرف (على)، فهم يرون أنّ الضرب هنا بمعنى الإلقاء(43).

وقد ذهب الرازي (ت606هــ) والسيد الحائري (ت1353هــ) إلى وجود المبالغة في فعل الضرب أيضا(44)، ويرى الرازي أنّه إلزام للنساء أنْ يضربن مقانعهن على الجيوب بإحكام لستر العنق والنحر(45).

بعد إنتهاء هذا المبحث في التراكيب التي قيل بتضمين الحروف والأفعال فيها بوصفها ظاهرة لها صداها عند اللغويين، والمفسرين، لم يثبت لي وجود هذه الظاهرة في النص القرآني بفرعيها تضمين الحروف وتضمين الأفعال.

 

منتهى البدران

العراق /البصرة

.......................

(1)  ينظر: الصحاح: 6/ 2155، ومقاييس اللغة: 3/ 372، وأساس البلاغة، 568، ولسان العرب: 13/ 257، ومجمع البحرين 6/ 275، مادة (ضمن) .

(2)  ينظر: الصحاح: 6/2155، ومقاييس اللغة: 3/ 372، ولسان العرب: 275، وتاج العروس: 18/ 348، مادة (ضمن) .

(3)  ينظر: الخصائص: 2/312.

(4)  مغني اللبيب: 2/ 493.

(5)  البرهان في علوم القرآن: 3/ 434.

(6)  معترك الأقران في إعجاز القرآن، أبو الفضل جلال الدين السيوطي، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1988م: 1/302.

(7)  ينظر: النحو الوافي: 2/542.

(8)  المصدر نفسه: 2/ 543.

(9)  ينظر: المصدر نفسه: 2/552.

(10)  النحو الوافي: 2/548.

(11)  ينظر: المصدر نفسه: الصفحة نفسها.

(12)  ينظر:  معاني النحو: 3/ 12 – 13.

(13)  الأدوات النحوية في كتب التفسير، 714.

(14)  التضمين النحوي وأثره في المعنى، د. هادي أحمد فرحان الشجيري، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، العدد الثلاثون، دبي، 2005، 298.

(15)  من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم، د. محمد الأمين الخضري، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1989م، 52.

(16) الأصول دراسة إبستميولوجية للفكر اللغوي عند العرب النحو- فقه اللغة- البلاغة، د. تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، 2000م، 145.

(17) أسرار البلاغة في علم البيان، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمد الإسكندراني، ود.م مسعود، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1998م، 2.

(18) ينظر: التركيب اللغوي في الحوار القرآني، د. عبد المحسن لفتة فارس الفيّاض، دار الجواهري، بغداد، 2015م، د.ط، 93.

(19)  سورة الأَعراف: 50.

(20)  ينظر: الكشاف: 2/84، والبحر المحيط: 4/ 307.

(21)  ينظر: إرشاد العقل السليم: 3/231، وزبدة التفاسير: 2/ 528، وكنز الدقائق: 5/ 98، ومقتنيات الدرر: 4/335.

(22)  ينظر: مقاييس اللغة: 4/465، مادة (فيض) .

(23)  المفردات،404.

(24)  لسان العرب: 7/210، مادة (فيض) .

(25)  ينظر: التحقيق في كلمات القرآن الكريم: 7/ 297.

(26)  المصدر نفسه: 9/ 169.

(27)  ينظر: الصرف الوافي، هادي نهر، دار دروب، عمان، 2011م، د.ط، 298.

(28)  ينظر: مقاييس اللغة: 5/60، مادة (لقى).

(29)  ينظر: الصحاح: 160، مادة (صبّ)

(30)  ينظر: مقاييس اللغة: 3/280، مادة (صبّ).

(31)  ينظر: التحقيق في كلمات القرآن الكريم: 6/ 177، و 178.

(32)  سورة النور: 31.

(33)  ينظر: فقه القرآن، قطب الدين الراوندي، مطبعة الولاية، ط2، قم، 1405هـ:1/8، وينظر: دروس تمهيدية في آيات الأحكام، باقر الإيرواني، دار الفقه، ط2، إيران، 1425هـ: 1/93.

(34)  ينظر: العين:7/30، ولسان العرب:1/544.

(35)  مقاييس اللغة: 3/298.

(36)  المفردات، 305.

(37)  ينظر:  تلخيص البيان في مجازات القرآن،  الشريف الرضي، حققه وقدم له وصنع فهارسه: محمد عبد الغني حسن، دار إحياء الكتب العربية  - عيسى البابي الحلبي وشركاه – القاهرة، ط1، 1955م، د.م، 245.

(38)  ينظر: تاج العروس:2/169.

(39)  الميزان: 11/315.

(40) المصدر نفسه: الصفحة نفسها.

(41) ) ينظر: مفاتيح الغيب: 23/206، ومقتنيات الدرر: 7/337.

(42)  إرشاد العقل السليم: 6/170.

(43)  ينظر: جامع البيان: 18/159، وزاد المسير: 5/356، وإرشاد العقل السليم: 6/170، وزبدة التفاسير: 4/497، و التفسير الكاشف: 5/356.

(44)  ينظر: مفاتيح الغيب: 23/ 206، ومقتنيات الدرر: 7/337.

(45)  ينظر: مفاتيح الغيب: 23/ 206.

 

 

بليغ حمدي اسماعيل(1) سُنَّةُ الابتلاء وحكمته: إن لله حكمة في الابتلاء، وهي أن يقع الابتلاء على خاصته المؤمنين، يقول الله تعالى:) الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) (سورة العنكبوت: 1 ـ 3) . وإذا طالعنا السيرة النبوية في سياقها التاريخي استطعنا أن نستنبط الحكمة من ابتلاء الله لعباده المؤمنين بدءاً برسول الله (ص) وانتهاء بأصغر الصحابة سناً .

فالحكمة الأولى من الابتلاء هي تزكية الفرد، فهناك اختلاف واضح وحاسم في جيل تربى على تقديم نفسه فداءً للإسلام، وجيل كجيلنا هذا، في ظل نداءات العولمة وطغيان المادية، وشيوع تيارات التغريب، والموجات الصليبية الشرسة الموجهة لشباب المسلمين عامة.

فهذا أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) سيد قومه وعشيرته، لقيه سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه تراباً، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة،وابن هشام يذكر أنه العاص بن وائل، فقال أبو بكر: " ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت هذا بنفسك . قال: وهو يقول: أي ربِّ، ما أحلمك !، قالها ثلاثاً " .

والحكمة الثانية من سنة الله في ابتلاء خاصته الدعاية والإعلان للدعوة، فإن صبر المؤمنين والصحابة (رضوان الله عليهم) على الابتلاء بعد دعوة صامتة لهذا الدين، لأن يدخل الناس فيه، ولو وهن هؤلاء أو ضعفوا لما استجاب أحد لهذا الدين .

وهذا يذكرنا بالضرورة قصة إسلام أبي ذر الغفاري، التي قصها ابن عباس، فقال: " حتى دخل على النبي (ص)، فسمع من قومه وأسلم مكانه، فقال له رسول الله (ص): " ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري " . فقال: " والذي بعثك بالحق، لأصرخن بها بين ظهرانيهم "، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله " . ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه، فقال: " ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟، وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ "، فأنقذه منهم . ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا عليه، وأكب العباس عليه كالسابقة .

ومن حكمة الابتلاء تربية الجماعة المسلمة، حيث إن الابتلاء هو الطريق الذي لا طريق غيره لإنشاء الجماعة المسلمة الصالحة التي تحمل هذه الدعوة وتنهض بتكاليفها، طريق التربية لهذه الجماعة وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال، وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة، ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً، فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن بالصبر عليها، فهم عليها مؤتمنون .

ومن خلال الابتلاء يعلم الله حقيقة القلوب قبله، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب ما يعلمه الله سبحانه وتعالى من أمرهم، وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحداً إلا بما استعلن من أمره وبما حققه فعله، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه.

وما أكثر قراءتنا وترديدنا لسورة المدثر، نحفظها، ونسعى لأن يحفظها أولادنا وأهلنا وتلاميذنا، وهذا بالضرورة أمر طيب وجميل ومحبب لأنفسها، لكن الأجمل والأطيب والأمتع حقاً أن نعي ما جاء في أول السورة، يقول تعالى:) يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) (سورة المدثر / 1 ـ 7) .

فالأوامر التي جاءت في صدر السورة الكريمة تتسم بالمباشرة، والوضوح، فالأوامر الإلهية تمثلت في القيام بالإنذار، وطهارة الثياب، والتكبير لله، وغاية عدم الاستكثار بالمنة.ونأتي للآية الأخيرة البليغة الجامعة المانعة المنبئة بالمستقبل، وهي ما سيلقاه رسول الله (ص)  من المشركين، وما سيجده على حد وصف المؤرخين للسيرة النبوية من أذى المعاندين من المخالفة والاستهزاء والسخرية إلى الجد والاجتهاد في قتله، وقتل أصحابه، وإبادة كل من التف حوله من المؤمنين.

ولك أن تتصور بأن رب العزة يأمر نبيه وصفيه محمداً (ص)  أن يصبر، وهو سبحانه وتعالى الكافي والقادر لرفع الأذى عنه، ولك أن تتخيل قدر الحمل الثقيل الذي أدركه رسول الله (ص) منذ البداية أنه سيقدم على مهمة ثقيلة حقاً، وجهاد طويل شاق لإعلاء كلمة التوحيد إلى يوم الدين.

ولما صعد رسول الله (ص) على جبل الصفا، أخذ ينادي: " يا بني عدي، يا بني فهر، فقال حينما اجتمعوا: " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " . قالوا نعم:، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ " . وأضاف رسول الله (ص) القول، فقال: " يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلالها " (رواه مسلم 303) .

وما أن بلغ الرسول (ص) بما أمر به من السماء حتى انفجرت مكة بالغضب، غضب في كل مكان وبقعة، واختلفوا وتمايزوا في ابتداع أساليب وألوان شتى لمواجهة دعوة محمد وإلحاق الأذى به وبأهله.ولعل هذا التباين والاختلاف في صناعة العداء نتيجة الدهشة والاستغراب حينما تلقوا الإنذار، ولم يستطيعوا أن يختاروا أي درب يسيرون فيه .

وأول هذه الأساليب هو السخرية والاستهزاء، والغرض منها توهين قوى المسلمين المعنوية، وخذل رسول الله (ص) في أصحابه، وليستحضرني حديث رسول الله (ص) حين سأله سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في في دينه رقة ابتلي حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " .

والجانب المعنوي في هذا الأمر هو أشد وأعنف من جانبه المادي ؛ وما بالكم بهؤلاء السفهاء الذين تضاحكوا وسخروا وطعنوا في أكرم مخلوق على الأرض، وما أقوى رسول الله (ص) في الصبر على هذا الإيذاء المعنوي . ولنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة في الصبر على الضراء، وفي البأساء، وحين البأس، ومن حكمة الله (تبارك وتعالى) أن جاء الحديث في القرآن عن الصبر على الحق والاستشهاد في سبيل الله بعد ذكر جانب الأسوة الحسنة، يقول الله تعالى في محكم التنزيل:) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22) مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً  (سورة الأحزاب: 21 ـ 23) .

وكان السفهاء من قريش يسخرون من النبي (ص) باتهامه بأنه رجل مسحور، وبأنه شاعر، وبأنه مجنون، وبأنه كاهن يأتيه الشيطان، وأنه ساحر كذاب، ومفترٍ متقول، هذا بالإضافة إلى نظرة النقمة والازدراء التي كانوا ينظرون بها إليه، كما قال الله تعالى:) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) (سورة القلم / 51) .

ويصف الله تعالى في كتابه العزيز كل افتراءات مشركي مكة لرسول الله (ص)، يقول تعالى:) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) (سورة ص: 4) .، وقوله تعالى:)وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) (سورة الحجر: 6) . ولقد قص الله علينا في كتابه هؤلاء السفهاء الذين سخروا من سيد الخلق (ص)، يقول تعالى:)إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) (سورة المطففين:29 ـ 33) .

ويقول رب العزة (تبارك وتعالى) واصفاً هؤلاء المستهزئين حينما بثوا دعاياتهم وافتراءاتهم الكاذبة عن رسول الله (ص)، وحول ذاته وشخصه:) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) (سورة الفرقان:4 ـ 5) .

ولأن طبيعة العهد المكي اتسمت بالجدلية المطلقة في أحداثها، ولأن الرسالة المحمدية جاءت لتحرك الراكد والثابت الأسن، فإن أهل مكة ـ أنفسهم ـ احتاروا وهم يحاولون تشويه صورة رسول الله (ص) وإيذاءه بالقول، فنجد مثلاً الوليد بن المغيرة وهو من زعماء قريش يقول عن رسول الله (ص) قولا نذكر منه: " والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه، لجنى، فما أنتم بقائلين شيئاً من هذا إلا عرف أنه باطل " .

والذي لا يدع مجالاً للشك، أن سخرية قريش والطعن في النبي (ص) قد أثرت في النبي كما قال الله تعالى)وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) (سورة الحجر:97)، لكن الله تعالى لم يتركه، بل قدم له الحل والعلاج القرآني الرباني السريع، يقول تعالى:)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) (سورة الحجر:98 ـ99) .

ولعل أبرز الأساليب التي واجه بها مشركو مكة رسول الله (ص) ومن اتبعه التعذيب والتنكيل، والناظر لهذا الأسلوب يدرك أن من يستخدم القوة في مواجهة الكلمة والدعوة لهو من أضعف الناس عللا الإطلاق، ودليل دامغ على ضعف الحجة، وقلة الإدراك.

وكلنا يعلم كيف عُذب بلال بن رباح (رضي الله عنه) في سبيل الإسلام، وكيف كان أمية بن خلف يجعل في عنقه حبلاً ويدفعه إلى الصغار يلعبون ويلهون به، ثم يأمر بالصخرة الكبيرة فتوضع على صدره، ثم يقول: " لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول: أحدٌ أحدٌ" . حتى عثمان بن عفان (رضي الله عنه) لم يسلم من التعذيب والإيذاء، فكان عمه يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته .

ولم تهدأ قريش بعد قريش في ابتداع أساليب لمواجهة دعوة محمد (ص) ولعل بعض كتب السيرة النبوية في سياقيها التاريخي تفغل ذكر سلاح المرأة الذي استخدمه مشركو مكة في حربهم ضد الرسول (ص)، ولعل تغافل بعض كتاب السيرة لذكر هذا أعطى المستشرقين وأنصارهم فرصة القنص والطعن من رسول الله (ص) أكرم الخلق وسيد المرسلين، فها هي قريش تعرض على رسول الله (ص) نساءها، يختار عشراً منهن ؛ أجملهن وأحسنهن يكن زوجات له.

وما أصلب رسول الله (ص) الذي أدعى وافترى عليه المستشرقون ومن والاهم بأن أكرم الخلق راغب في النساء ودليلهم الباطل كثرة أزواجه، بالرغم من أن زيجاته جميعهن لعللٍ وأسباب، فرفض رسول الله (ص) عرض قريش المُغري يوم قال له عمه أبو طالب: " يا بن أخي، إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فابق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق " . فظن رسول الله (ص) أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه .

فقال له رسول الله (ص): " يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته" .

ويعد الصبر من أعظم الفرائض إشارة إلى قول الله تعالى في سورة النحل: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)، والصبر إذعان لله وحكمه وقضائه وحكته في تصريف وتدبير المقادير، يقول المولى تبارك وتعالى: (واصبر لحكم ربك) فقلد أمرنا الله ـ عز وجل ـ بالصبر لحكمه . والصبر لا جزاء له سوى الفلاح ونيل المقاصد التي ارتضاها الله لعبده باعتبار أن الصبر شرط رئيس من شرائط الإيمان التي يرفع الله بها درجات العبد في الجنة، يقول تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وعلم العبد ويقينه بأن صبره على البلاء والابتلاء وتصاريف القدر هو برزخ يعبره المرء تحقيقاً لغاية كبيرة هي الفوز برضا الله عنه.

والصبر أنواع وصنوف منها الصبر لله في مقام حق اليقين لقول الله تبارك وتعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)وفي هذه الآية الكريمة وجوب للصب لحكم الله تعالى، ومنها أيضاً الصبر بالله على تحمل أعباء الرسالة والمهمة كقوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله)، ومن أبرز وأحكم أنواع الصبر،  الصبر في الله، فمن صبر في الله ومعه كان معه وفي معيته ورعايته التي لا تنقضي، يقول تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)، ويقول تعالى أحكم الحاكمين: (إن الله مع الصابرين) . ويرى أبو الحسن الماوردي أن الصبر على امتثال ما أمر الله به تعالى والانتهاء عما نهى عنه من أرفع درجات ومقامات الصبر ؛ لأن به تخص الطاعة، وبخلوص الطاعة يصح الدين وتؤدى الفروض ويُستحق الثواب .

ومن صبر لله ثبته وقوى عزيمته وسدد خطاه وتفكيره إلى الصواب بغير لغط أو جنوح، ومن الصبر السلبي صبر عن الله وهو صبر أهل الجهل الذين باعدهم الله عن السعادة في الدنيا والآخرة، وهذا الصنف من الصبر هو ابتعاد عن الله ورحمته وغفلة واضحة بحقيقة التوحيد والربوبية، وغفلة عن العبر والدروس التي ينبغي للمرء أن يعيها من أموره وأحواله . ويمثل الصبر عن الله عجلة وتسرعاً من المرء عن حكمة الله وفرجه القريب . والصبر أدب للنفس وترويض لها، ومن حسن التوفيق وأمارات السعدة الصبر على الملمات والمصائب وكوادر النفس والقلب معاً، وفي آثار السلف " من خير خلالك الصبر على اختلالك" .

وهناك صبر يلجأ إليه العبد فيما يخشى حدوثه،من رهبة يخشاها العبد، أو يحذر حلولها من نكبة يخشاها، وعلى العبد ألا يتعجل هماً ما لم يأت بعد، فإن أكثر الهموم كاذبة، وأن الأغلب من الخوف مدفوع. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " بالصبر يتوقع الفرج، ومن يدمن قرع باب يلج" . وقال الحسن البصري: " لا تحملن على يومك هم غدك فحسب كل يوم همه " .

والصبر الذي نرجوه هو في حقيقته ثبات وعزيمة وقوة حيث يجاهد المرء نفسه ورغباته وشهواته، وهو قرب من طاعة الله تبارك وتعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وتدريب حقيقي شاهد على تحمل القضاء لحكم الله مصاحب بالرضا والقنوع واليقين برحمة الله .وما أجمل أن يجعل الله عز وجل الصابرين أئمة للمتقين الصالحين القانتين، حيث يقول الله تبارك وتعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) . والجزاء عظيم لمن صبر وارتضى بالقضاء الإلهي، يقول تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) .

ويشير الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) إلى شمائل الصبر بقوله: " بني الإسلام على أربع دعائم: على اليقين والصبر والجهاد والعدل)، وقال رضي الله عنه: " الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له، ولا إيمان لمن لا رأس له " . وقال أيضاً: " الصبر مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو" .   والفاروق عمر (رضي الله عنه) يشدد على التمسك بفضيلة الصبر حيث يقول: " نعم العدلان، ونعمت العلاوة للصابرين "، ويعني بالعدلين الصبر والرحمة، وبالعلاوة الهدى . وقال: " لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما ركبت" . ورسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) جعل الصابرين خواص الصادقين، ففي حديث عطاء عن ابن عباس (رضي الله عنه) لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الأنصار فقال: " مؤمنون أنتم؟ فسكتوا، فقال عمر (رضي الله عنه): نعم، قال: وما علامة إيمانكم؟ قال: نشكر في الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء، فقال (صلى الله عليه وسلم): مؤمنون ورب الكعبة" .

والصبر عند أهل التصوف مقامات وأحوال، فصاحب الحياء يلتزم بخصال الإحسان وهو صابر، فيصبر عن معصية الخالق حياء من ربه، والصابر عن المعصية حياءً أكمل من الصابر عنها خوفاً، لأن صاحب الحياء في مراقبة دائمة، أما صاحب الخوف فهو في مقام مجاهدة .

(2) رحلة الإسراء والمعراج:

يذكر رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه " سيرة الرسول وتأسيس الدولة الإسلامية " أنه لما بلغ رسول الله (ص) إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، قبل الهجرة بسنة، أسري به من حجر مكة المعظم ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تنعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، فقد روى أبو هريرة (رضي الله عنه)، عن النبي (ص) قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى " .

ثم عرج به من المسجد الأقصى، إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكما يوضح الدكتور محمد عمارة معنى العبارة صريف الأقلام أي صريرها وصوتها .

ولم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أن الرسول (ص) عُرج به إلى العرش تلك الليلة، بل لم يرد في حديث أن النبي (ص) جاوز سدرة المنتهى، بل انتهى إليها ـ والله أعلم ـ، وقد سئل الشيخ رضي الدين القزويني (رحمه الله) عن وطء النبي (ص) العرش بنعله، وقول الرب (جل جلاله):لقد شرف العرش بنعلك يا محمد، هل ثبت ذلك أم لا؟ فأجاب بما نصه: " أما حديث وطء النبي (ص) العرش فليس بصحيح، وليس بثابت، بل وصول النبي (ص) ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح ولا حسن ولا ثابت أصلاً، وإنما صح في الإخبار انتهاؤه إلبى سدرة المنتهى فحسب، وأما إلى ما ورائها فلم يصح، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعيفة أو منكرة " .

ورحلة الإسراء والمعراج معروفة ومعلومة، رواها النبي (ص) بنفسه كما رواها البخاري ومسلم، فقال  (ص): " بينما أنا في الحطيم مضطجع، إذ أتاني آت، فسمعته، يقول: " فشق ما بين هذه إلى هذه "، يعني من ثغرة نحره إلى عانته، " فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً، فغسل قلبي، ثم حشى "، والحديث فيه اختصار، والأصل: فاستخرج قلبه، ثم شق، واستخرج منه علقة، وقيل هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل بماء زمزم . وقد اختلف في تفسير الحكمة فقيل: هي العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نقاء البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك .  وحديث الإسراء حديث يطول في بعض كتب السيرة، ولكن الذي يعنينا ونحن بصدد هذه الحادثة الفريدة أن كل هذه الأمور يجب الإيمان بها وتصديقها .

ولقد اختلف في صلاته (ص) ليلة الإسراء بالأنبياء ؛ قيل قبل عروجه، وقيل بعده، والأول استظهره ابن حجر، وصح الثاني ابن كثير، واختلف في هل كانت بالفاتحة أو بغيرها؟، كما اختلف في طبيعتها، فقيل إنها الصلاة اللغوية أي الدعاء والذكر، وقيل الصلاة المعهودة، وهذا أصح، لأنه كما يذكر رفاعة رافع الطهطاوي من أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية، وإنما يحمل على اللغوية إذا تعذر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا، فوجب الحمل على على الصلاة الشرعية .

ومن الأمور التي منَّ الله بها على نبيه وعلينا أجمعين فرض الصلاة، وفرض الله عليه وعلى أمة الإسلام تلك الليلة كل يوم وليلة خمسين صلاة في أول الأمر، فما زال يراجع حتى صارت خمساً في الفعل، وخمسين في الأجر وتلك رحمة من الله وفضل كبير .

والحكمة من تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أن الرسول (ص) لما عرج به إلى السماء رأى تلك الليلة تعبد الملائكة، منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى ولأمته تلك العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، وفي اختصاص فرضها في السماء، دون سائر الشرائع فإنها فرضت في الأرض، التنبيه على مزيتها على غيرها من الفرائض .

وكما يذكر السهيلي في التنبيه على فضلها، حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدسة المطهرة، ولذلك كانت الطهارة من شأنها ومن شرائطها، والتنبيه على أنها مناجاة بين العبد وربه عز وجل .

جدل حول رحلة الإسراء والمعراج:

من الوقائع التي أخذت حظاً عظيماً من الجدل من بين وقائع السيرة النبوية، حادثة الإسراء والمعراج، وما إن تلتقط كتاباً واحداً من كتب السيرة النبوية إلا وتجده يفرد صفحات لهذا الجدل، والذي يمكننا أن نختصره في أمرين فقط ؛ أما الأول فهو إخبار النبي (ص) لقريش ما رأى، فلما أصبح النبي (ص)قص على قريش ما حدث له وما رآه، فقال له المطعم بن عدي: " كل أمرك قبل اليوم كان أمما، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس، مصعداَ شهراً، ومنحدراً شهراً تزعم أنت أنك أتيته في ليلة ! واللات والعزى لا أصدقك ! فقال أبو بكر (رضي الله عنه): يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته، وكذبته، وأنا أشهد أنه صادق " . فقالوا له: " صف لنا يا محمد بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيأته؟؟ وكيف قربه من الجبل  "، وفي القوم من سافر إليه، فذهب ينعت لهم: " بناؤه كذا، وهيأته كذا، وقربه من الجبل كذا، وسألوه أمارة، فأخبرهم بالعير، وأنهم يقدمون الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب .

فدعا الله فحبس الشمس، وقيل وقوفها عن السير، وقيل بطء حركتها، وكان كما وصف رسول الله (ص) فما زال ينعت لهم حتى التبس عليه النعت، فكرب كرباً ما كرب مثله، فجئ بالمسجد الأقصى وهو ينظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا له: كم للمسجد من باب؟، ولم يكن عدها، فجعل ينظر إليها ويعدها باباً باباً، وأبو بكر (رضي الله عنه) يقول: " صدقت، صدقت، أشهد أنك رسول الله "، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب ! " . ثم قالوا لأبي بكر: أتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: " نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة "، فلذلك سمي أبو بكر الصديق .

الحكمة من الإسراء إلى المسجد الأقصى:

يذكر رفاعة رافع الطهطاوي أن الحكمة من تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصى أن قريشاً تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أن رسول الله (ص) لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع .

وإذا كان جدل قريش مع النبي وصاحبه قد انتهى، فسرعان ما بدأ جدل آخر في كتابات المؤرخين أنفسهم حول كيفية الإسراء، ولقد اختلف المؤرخون وكتاب السيرة في كيفيته، وأغلب المفسرين والمؤرخين أجمعوا على أن الإسراء كان بالجسد، والأقلية هي التي قالت إنما كان بالروح فقط . وهناك رأي ثالث مفاده أن الإسراء كان بالجسد إلى بيت المقدس، وبالروح من بيت المقدس إلى السماوات السبع، والصحيح عند الجمهور أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا رؤيا، والرؤيا هي ما أفاد به كل من حذيفة وعائشة ومعاوية (رضي الله عنهم) .

الأحاديث النبوية الواردة في الإسراء والمعراج:

روى البخاري ومسلم بسندهما عن أنس بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللّهِ (ص) قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَىٰ طَرْفِهِ) قَالَ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ. ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجْتُ. فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ. فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ" (صحيح مسلم، باب الإسراء برسول الله السموات وفرض الصلوات، (2/ 170)، برقم 356) .

وروى البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن حبان بسندهم عن مالك بن صعصعة "أنَّ نبيَّ اللّهِ(ص)  حدَّثه عن ليلةِ أُسري به قال: بينما أن في الحَطيم ـ وربما قال في الحِجر ـ مضطجعاً، إِذ أتاني آتٍ فقَدَّ ـ قال: وسمعته يقول: فشقَّ ـ ما بين هذه إلى هذه، فقلتُ للجارودِ وهوَ إلى جَنبي: ما يَعني به؟ قال: من ثُغرةِ نحرهٍ إلى شِعرَته ـ وسمعتهُ يقول من قَصَّهِ إلى شِعرته ـ فاستخرج قلبي، ثمَّ أُتيتُ بطَسْتٍ من ذَهبٍ مملوءةٍ إيماناً، فغُسِل قلبي، ثم حُشي، ثمَّ أُعِيدَ، ثمَّ أتيتُ بدابَّة دُونَ البَغلِ وفوقَ الحمار أبيضَ. ـ فقال له الجارودُ: هوَ البُراقُ يا أبا حمزةَ؟ قال أنسٌ: نعم ـ يَضَعُ خَطوَةُ عندَ أقصى طرْفهِ، فحُملتُ عليه، فانطلَقَ بي جِبريلُ حتى أتى السماءَ الدُّنيا فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل. قيلَ: ومَن معك؟ قال: محمد. قيلَ: وقد أرسِلَ إِليه؟ قال: نعم. قيل: مَرحباً به، فنِعمَ المجيءُ جاء. ففَتَح. فلما خَلَصتُ فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدمُ، فسلمْ عليه. فسلمتُ عليه، فرَدَّ السلامَ ثم قال: مَرحَباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الثانيةَ فاستفتحَ. قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيء جاء. ففَتَح. فلما خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلمْ عليهما، فسلمتُ، فردّا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثمَّ صعد بي إلى السماءِ الثالثة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسلَ إليهِ؟ قال: نعم. قيل: مرَحباً به فنعمَ المجيء جاء. ففُتح، فلما خَلصتُ إذا يوسُف، قال: هذا يوسُف فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثمَّ قال: مَرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح، ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الرابعة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقد أرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعمَ المجيء جاء. ففتح. فلما خلصتُ فإذا إدريس، قال: هذا إدريسُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مَرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الخامسة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أُرسلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعمَ المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا هارونُ. قال: هذا هارونُ فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء السادسة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثمَّ قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. فلما تجاوَزتُ بكى. قيلَ له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنَّ غُلاماً بُعثَ بعدي يدخُلُ الجنةِ من أمَّتهِ أكثرُ ممن يدخُلها من أمَّتي. ثم صَعِدَ بي إلى السماء السابعة، فاستَفتحَ جبريل، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعثَ إليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به، ونعمَ المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلمْ عليه. قال فسلمتُ عليه، فردَّ السلام، ثمَّ قال: مرحباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم رُفعَت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا وَرقُها مثلُ آذانِ الفِيَلة. قال: هذه سِدرة المنتهى، وإذا أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان ونهرانِ ظاهران. فقلتُ: ما هذانِ يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهرانِ في الجنة، وأما الظاهرانِ فالنيلُ والفُرات. ثم رُفعَ لي البيتُ المعمور. ثمَّ أُتيتُ بإناءٍ من خَمر وإناءٍ من لَبَن وإناءٍ من عِسل، فأخذتُ اللبَن، فقال: هيَ الفِطرةُ التي أنت عليها وأمَّتُك. ثمَّ فُرِضت عليَّ الصلاةُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، فرجَعْتُ فمرَرْتُ على موسى، فقال: بما أمِرت؟ قال: أمِرتُ بخمسينَ صلاةً كل يوم، قال: إن أمتكَ لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كل يوم، وإني واللّه قد جربتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّك فاسأَلْهُ التخفيفَ لأمتك، فرجَعت، فوضعَ عني عَشراً، فرجَعتُ إلى موسى فقال مثله. فرجعتُ فوَضع عني عَشراً، فرجعتُ إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوَضَعَ عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعتُ فأمِرتُ بعَشرِ صلوات كلَّ يوم، فرجعتُ فقال مثله. فرجعتُ فأمِرتُ بخمس صلواتٍ كل يوم، فرجعتُ إلى موسى فقال: بما أمِرتَ؟ قلت: أمِرتُ بخمسِ صلوات كل يوم. قال: إن أمتكَ لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كل يوم، وإني قد جَريتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيلَ أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّكَ فاسألهُ التخفيف لأمتك. قال: سألتُ رَبي حتى استحيَيتُ، ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوَزت نادَى مُنادٍ: أمضَيتُ فريضتي، وخَفَّفت عن عبادي».(صحيح البخاري، باب المعراج، (7/600)، برقم 3800).

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م).

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

بليغ حمدي اسماعيلوالناس في غفلة من أمرهم نظراً لحالة الهوس المرضي الفضولي إزاء خوف الإصابة بفيروس كورونا الهائج، تلك الحالة الاستثنائية التي يعانون من جذبتها، يتسنى للمرء أن يهرع دوماً نحو كتاب الله الحكيم، القرآن الكريم بوصفه دستوراً أبدياً لا لغط فيه ولا خلل، ولا يمكن للمرء أن يقدر على الحكي عن روعة وجمال ودقة القرآن الكريم مهما بلغ من علم ومعرفة ودراية، لأنه كتاب سماوي جامع ومانع، به أسرار النفس، وحكايا الروح، وما للإنسان من طاقة حتى يقدر على التوصيف أو حتى الرصد، ورغم ذلك من الأهمية في الأيام الآنية أن نلجأ بغير ملل إلى استذكار قول الله تبارك وتعالى، من أجل أمور عدة لا شك فيها، منها أن تدارس القرآن الكريم واجب وفرض عين وأمر إلزامي على كل مسلم مؤمن موحد بالله تعالى، ومنها أن القرآن الكريم هو قول الله رب العزة والإجلال وبه تطمئن القلوب في أوقات كالتي نعيشها مضطربة متسارعة الخطى ومحتدمة بالصراعات والرؤى والتحزبات المتباينة .

ومن الآيات التي يقف عندها المسلم بكثير من التأمل طلباً للفهم والإحاطة، الآية الثالثة عشرة من سورة الشورى، يقول الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) . وجملة التفاسير التي نقدرها ونحترم أصحابها تشير في البداية إلى أن الآية الكريمة ذكرت أول أنبياء الله بعد آدم وهو نوح (عليه السلام) وآخر أنبياء الله ورسلهم خاتمهم جميها نبي الرحمة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وما بينهما من أولي العزم من الرسل إبراهيم (عليه السلام)، وموسى (عليه السلام) وعيسى بن مريم (عليه السلام)، ثم تفسير الدلالة اللفظية للآية الكريمة، إلا أن مسألة اشتراع الدين من المسائل الدينية بالغة الأهمية في سياقها القرآني . ومعلوم أن الذي أوصى الله به جميع الأنبياء وصية واحدة وهي إقامة الدين الحق وعدم الافتراق والفرقة والتنازع . وجدير بالذكر أن الذي وصي به نوح هو تحليل الحلال وتحريم الحرام .

فالمفسرون حينما يتحدثون عن الدين في مجمله العام فهم بذلك يقصدون أموراً منها الإيمان المطلق بالله عز وجل بغير شرك أو شراكة ضمنية، فهو واحد أحد، ويقصدون به توافق المصالح والمطامح والاشتراك النفعي بين البشر والذي يعود عليهم بالنفع والخير، وهو ما أطلق عليه فقهاؤنا الأماجد بالضرورات الخمس وهي: حفظ النفس، والدين، والعقل، والعِرض، والمال، ويعد الدين في ذلك الجمع صوناً مشتركاً لهذه الضرورات .

أما اشتراع الدين الذي يتكرر في أكثر من آية في القرآن الكريم بصور وصيغ مختلفة لكنها متقاربة في المعنى والدلالة هو أمر إلهي مقصود، ويقصد بها كما يشير عبد الرحمن السالمي الوصول إلى نتيجتين أساسيتين هما: الرؤية الإيمانية الصحيحة إلى أصل الكون والوجود، والنتيجة الأخرى هي ما يترتب على ذلك من تناغم وانتظام بين الفردي والجماعي . والاشتراع أمر إلهي يأتي بعد التزام العبد وإيمانه المطلق بالله عز وجل، ثم يأمر الله تعالى بالاتحاد والتعاون والمشاركة النافعة المثمرة وعدم التفرق بقوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، والواو هنا بمثابة حرف الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب والله أعلى وأعلم، وهي نتيجة تعقب مقدمة منطقية .

والدين يعني أموراً عدة منها السلطان والورع والقهر والطاعة والعادة والقضاء والجزاء ، وحرص الله عز وجل بأمره في عدم التفرق دليل قاطع على أن في الفرقة هلكة كما أشار المفسرون، والخير في الجماعة والائتلاف والاتحاد لدوام النفع وشيوعه والثقة في رأيها على الدوام، وربما تعد الإشارة إلى ضرورة إقامة الدين وعدم التفرقة رسالة أو توجيهاً سماوياً للتفرقة بين النبوة والرسالة، حيث إن النبي ملتزم بصفة فردية، أما الرسول فهو بإزاء التزامات عامة واجتماعية، وحرص الرسول على توحيد الكلمة والمعتقد يسهل له مهمته في الدعوة ونشر رسالته السماوية لاسيما وأن رسالات الله جميعها تتعلق بالقيم والعادات المشتركة والجمعية العامة وليست الفردية التي تخص فرداً دون آخر . ورغم التأكيد الإلهي على وحدة الدين إلا أن الديانات نفسها تعددت، إلا أن في تعددها اتحاداً ومشاركة وليس اختلافاً في الرؤى والطبيعة، وليس تعدد الديانات منطلقاً للتفرقة والتنازع بل للالتقاء . فالقدر المشترك بين الأديان السماوية جميعها هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت الشرائع والمناهج .

ويرى ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية الكريمة  أي لا تتفرقوا في إقامته بأن ينشط بعضهم لإقامته ويتخاذل البعض، إذ بدون الاتفاق على إقامة الدّين يضطرب أمره . ووجه ذلك أن تأثير النفوس إذا اتفقت يَتوارد على قصد واحد فيقوَى ذلك التأثير ويسرع في حصول الأثر إذ يصير كل فرد من الأمة مُعِيناً للآخر فيسهل مقصدهم من إقامة دينهم . أما إذا حصل التفرق والاختلاف فذلك مُفضضٍ إلى ضياع أمور الدّين في خلال ذلك الاختلاف، ثم هو لا يلبث أن يُلقِيَ بالأمة إلى العداوة بينها وقد يجرّهم إلى أن يتربص بعضهم ببعض الدوائرَ، ولذلك قال الله تعالى: (ولا تَنَازَعُوا فتفْشَلُوا وتَذهَبَ ريحُكم  (، وأما الاختلاف في فروعه بحسب استنباط أهل العلم بالدّين فذلك من التفقّه الوارد فيه قول النبي (صلى الله عليه وسلم):  « من يُرِدِ الله به خيراً يفقِهْه في الدّين " .

والدين كما يعرفه عبد الله دراز له عدة معان ودلائل منها السلطان، والجزاء، والقضاء والسياسة، والحساب، والطاعة والعادة . والدين في حقيقته علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له، والتهانوي عرف الدين بقوله: " وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل .

ومن عظمة الدين الإسلامي وتفرده الاستثنائي على بقية الأديان السماوية أنه ليست مجموعة من الطقوس والشعائر الدينية التي تنظم العلاقة بين الخالق وعباده فحسب، بل إن الإسلام ضمن خير وصلاح الإنسانية بجملة من القواعد والضوابط التي تنظم علاقة العبد بغيره من العباد . وجملة القيم والمبادئ الدينية التي شرعها الله لنا هي أساس لضبط العلاقات الاجتماعية بين الناس كافة . ونرى في آيات الذكر الحكيم عدداً كبيراً من الإشارات والتنبيهات التي تحض المسلم المؤمن على اكتساب واستخدام القيم والمبادئ الإنسانية التي تضمن له صلاح وخير أحواله في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، منها تطبيق العدل، والالتزام بما شرعه الله من أوامر ونواهي، والاعتدال، وتوازن المعاملات، والصبر، والتواضع، وإيثار الخيرات للآخرين، والرحمة .

ويقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) أن المشركين كبر عليهم ما يدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله وحده وإفراده بالألوهية والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد التي لا تفيد ولا تنفع . ولقد أنكر المشركون حقاً وكبر عليهم أن يشهدوا بأن لا إله إلا الله لذا فحق العذاب عليهم واستمرارهم في الغي والضلال . ولذلك نرى الله عز من قال في نهاية الآية الكريمة يقول: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي أن الله يصطفي من يشاء من عباده وخلقه ويختار لنفسه وولايته من أحب .

ونحن بصدد اختيار الولاية من الله، تجدر الإشارة إلى مفردة قرآنية فريدة، وقد يبدو الموضوع قديماً نسبياً، أن نشير إلى معنى كلمة الصمد التي جاء ذكرها في كتاب الله الحكيم في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) ، بسورة الإخلاص التي يحفظها كل مسلم ومسلمة، لكن التذكرة جاءت عن طريق طفل صغير يحفظ القرآن استوقفني ليسألني عن معنى الكلمة، فأجبته باختصار واختزال شديدين، وعند عودتي للمنزل ظل سؤال الصبي الصغير يحاصرني بأسئلة مفادها هل ما قلته قد أصاب عين اليقين، لكنه القرآن سيبقى كعادته إلى أن تقوم الساعة، يدفع المرء طوعاً إلى استقراء معانيه ودلالاته، وسبر أغواره التي لا تنضب بجمال التعبير وقوة المعنى، وسحر التأثير .

ورغم أننا نعلم جميعاً فضل سورة الإخلاص التي جاء ذكر الصمد فيها، إلا أنه من باب فرض العين أن نشير على عجل إلى فضلها من خلال حديثين شريفين للنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم) كما جاءفي صحيح مسلم للحافظ زكي الدين المنذري، فعن أبي الدرداء (رضي الله عنه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن ؟ "، قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن ؟!، قال: " (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن " . (أخرجه مسلم ـ 811، ص 789) .

وعن عائشة (رضي الله عنها وعن أبيها الصديق)، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: " سلوه، لأي شئ يصنع ذلك ؟ " . فسألوه . فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها . فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أخبروه أن الله يحبه " . (أخرجه البخاري: 7375، ومسلم: 813) .

والصمد في اللغة يعني القصد، نقول: صَمَدَه يصمِده صمداً، وصمد إليه أي قصده . وقد قال معاذ بن عمرو بن الجموح يوم قتل أبا جهل: " فصمدت له حتى أمكنتني منه غرة "، أي قصدت إليه وله تهيأت وانتظرت غفلته . والصمد أيضاً كلمة تعني السيد المطاع الذي لا ينقضي أمر دونه، والذي يقصد إليه في الحوائج والنوائب والشدائد والحوادث الجلل . والصمد في معاجم العرب تعني أيضاً الذي لا يطعم، ومن دلالاته الدائم، ولقد قال علماؤنا وشيوخنا في التفسير أن الصمد في قوله تعالى بسورة الإخلاص الذي يصمد إليه في الحاجات، وقال آخرون أنه يعني الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال . أما الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وأرضاه وأكرم الله وجهه) فقال إن الصمد هو السيد الذي انتهى إليه كل أنواع الشرف والسؤدد . أما مقاتل فأشار إلى معنى لفظة الصمد بقوله: إنه الكامل الذي لا عيب فيه .

ولم يرد هذا الاسم إلا في سورة الإخلاص فقط، وقال ابن كثير في تفسيره أنها نزلت لما قال اليهود: نحن نعبد عزير ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله (صلى الله عليه وسلم) هذه الآيات المحكمات. ودلالة الاسم تعني أن الله هو المقصود دوماً بالعبادة، والصمد وجه الحق، ومن نعم الله تعالى أنه جعل ذاته مقصد الناس جميعا في الحوائج، وعن الاسم قال أنشد أحد الصالحين شعراً:

ألجأت ظهري إلى ركني ومسندي،

إلى المهيمن رب الناس والصمد ..

وقلت يا منتهى الآمال أجمعها،

لك التحكم في الأدنى وفي البعد ..

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

كَثُر الحديث في الحِقْبَةِ الأخيرة على ألسنة الكثيرين - سواء أكانوا من دعاة الاتجاه المحافظ أو التوفيقي أم من أنصار الاتجاه العلماني أو التغريبي- حول ضرورة "تجديد الخطاب الديني" ولا سيما فيما يتعلق بالتأكيد على حاجتنا الماسة -من وجهة نظرهم- لاستخدام الشك المنهجي كوسيلة أساسية للتفكير خاصة في المسائل الدينية -الإسلامية فحسب- إذ لا تقدم ولا نهوض للأمة الإسلامية إلا باتباعها لهذا المنهج.

لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض المفكرين والمثقفين التنويريين ذهبوا إلى القول إن نبي الله إبراهيم قد استخدم الشك المنهجي من أجل الوصول إلى الله ومعرفته، أو من أجل التأكد من صحة عبادة الكواكب والنجوم من عدمها، بل وصفه بعضهم بأنه عليه السلام اتخذ كوكبًا إلهًا له، ثم تركه وعبد القمر، ثم تركه وعبد الشمس، ثم تركهم جميعًا!

ليس هذا فحسب بل عندما عرف إبراهيم عليه السلام ربه بعقله طلب منه أن يُريه كيف يُحييِّ الموتى حتى يتثبَّت من صحة إيمانه وقدرة إلهه بشكل يقيني تجريبي!

كان من هؤلاء المفكرين الأستاذ الدكتور/ محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة الذي أكد في كتابه "نحو تأسيس عصر ديني جديد" أن نبي الله إبراهيم عليه السلام شك في الآلهة التي كانت تُعبد من دون الله في عصره فقال:

"«الشك المنهجى» هو سنة أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ولولاه ما وصل إلى الحقيقة، عندما شك فى عقائد قومه فى الأوثان والكواكب والنجوم، وفق مراحل فى «الاستدلال العقلى» ذكرتها سورة الأنعام: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّى هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِى لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 76-79)... فالمشكلة التى واجهها أبو الأنبياء فى عصره كانت مشكلة التقليد والاتباع الأعمى للآباء وكبار القوم؛ هنا رفض إبراهيم عليه السلام إسكات عقله،... لقد استخدم أبو الأنبياء عقله، فمر بمرحلة شك ضرورية امتدحها القرآن الكريم، ومنها وصل إلى رفض القديم، فالشك المنهجى ضرورى للإيمان المنضبط، والشك المنهجى ضرورى للعلم، والشك المنهجى ضرورى لتجديد الخطاب الدينى فى كل العصور.

المهم أن إبراهيم عليه السلام شك فى عقائد قومه، وتوصل إلى عقيدة التوحيد الإلهى... وبعد أن وصل إلى حقيقة «وجود» الله عن طريق ديالكتيك التفكير المنهجى، والهداية الإلهية، والشك فى عقائد قومه ورؤيتهم للعالم، ونظره فى الوقائع الخارجية التجريبية، بقيت عنده مسألة قدرة هذا الإله سبحانه، يقص القرآن ذلك بوضوح:«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (البقرة: ٢٦٠). انظر كيف يريد إبراهيم عليه السلام أن يؤسس إيمانه على يقين تجريبى"(1).

علاوة على ذلك فقد سمعت أحد الأساتذة الجامعيين يقول: إن إبراهيم عليه السلام عَبَدَ الكوكب والقمر والشمس فلما أفلوا وغابوا تركهم وعبد الله وحده لا شريك له، ولم يكتفِ بذلك بل طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى حتى يتأكد من صحة إيمانه"

وكأنه لو لم يريه الله هذه الكيفية لم يؤمن به! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا!

أن يصدر مثل هذا الكلام من فئة الناس العاديين الأميين الذين لم يتعلموا اللغة العربية وقواعدها آخذين في ذلك بظاهر النص فهذا أمر طبيعي لما لهم من عذر في ذلك، أما وإن الأمر قد بلغ ذروته حتى خرج من أفواه فئة النخبة المثقفة فالمصيبة بحق عظيمة ومُنذرة بخطر شديد على ديننا وأجيالنا سواء أقالوا ذلك بجهل منهم أو بقصد ففي كلتا الحالتين لا أرى ما يشفع لهم فيما زعموا إلا أن يتوبوا إلي الله ويستغفروه سبحانه وتعالى.

إن اتهام نبي الله إبراهيم عليه السلام بالشك في آلهة عصره، أو اتهامه بأنه توصَّل إلى معرفة الله تعالى عن طريق منهجه الشكلي أو العقلي ينم عن سوء فهم من يزعم ذلك ومجانبته للصواب..... لماذا؟

الإجابة تتمحور في قضيتين أسايتين:

القضية الأولى: قضية إبراهيم عليه السلام وقومه عبدة النجوم والكواكب:

هنا يمكنني القول: إن نبي الله إبراهيم عليه السلام لم يشك في آلهة قومه البتَّة... كيف ذلك؟

للإجابة عن هذا التساؤل حري بنا أن نستوضح المقصود بالشك بداية:

الشك: التردد بين المتناقضين بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الأخر، وهو حالة نفسية يتردد معها الذهن بين الاثبات والنفي ويتوقف عن الحكم(2).

الشك المنهجي: مضمونه المنهجي عدم التسليم بصحة حل معين للمشكلة إلا بعد التحقق من كونه صحيح، وهو من خصائص التفكير العقلاني(3).

فهل يُعقل أن يكون نبي الله إبراهيم عليه السلام مترددًا في إيمانه بين وجود هذه الآلهة من عدمه بحيث لا يمكنه القطع إن كانت على حق أو لا؟!

إن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يشك في هذه الآلهة؛ لأنه لم يساوره أدنى شك قط في أنها ليست بآلهة من الأساس، إنه على يقين تام وقطعي وجازم أن لا إله لهذا الكون إلا الله سبحانه وتعالى، وما هذه الكواكب والنجوم والشمس والقمر إلا مخلوقات من مخلوقات الله تعالى.

بالرجوع إلى الآيات الكريمة التي استدل بها من ذكرتهم آنفًا قوله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ...)

هنا يهللون لقد قال إبراهيم عليه السلام (هذا ربي) قاصدًا الكوكب والقمر والشمس، وهم لا يفهمون صحة المراد بهذه المناظرة في الأساس!

والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه(4). وهذا إسلوب إبراهيم عليه السلام في دعوة قومه وإبطال ما هم يعبدونه باستخدامه الحجة والمنطق والبرهان ففي قصة تحطيمه للأصنام "قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ"، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم: فلمَ تعبدونهم؟ فتقوم الحجة عليهم منهم. ولهذا يجوز عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، كما قال لقومه: (هَـذَا رَبِّي)، على معنى الحجة عليهم، حتى إذا أفل منهم تبين حدوثه، واستحالة كونه إلهًا(5).

وقيل: إنما قال هذا ربي لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم; فلما أفل النجم قرر الحجة وقال: ما تغير لا يجوز أن يكون ربًا(6).

فإبراهيم عليه السلام عندما قال "هذا ربي" أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرِّفَهم خطأهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه مُعظِّم ما عظَّموه ومُلتمس الهدى من حيث ما التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدعون(7). وقالوا: وإنما قال ذلك لهم، معارضة، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضًا له في قول باطل قال به بباطل من القول، على وجه مطالبته إياه بالفرقان بين القولين الفاسدين عنده، اللذين يصحح خصمه أحدهما ويدعي فساد الآخر(8).

فلم يقل إبراهيم عليه السلام هذا القول على سبيل الاعتقاد كما يتوهمون وأما كونه جازمًا موقنًا بعدم ربوبية غير الله، فقد دل عليه ترتيب قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي، إلى آخره،" بالفاء " على قوله: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ" (الأنعام: 7) أي وليكون بسبب تلك الآراء من الموقنين ثم قال بعده (فلما جن عليه الليل) والفاء تقتضى الترتيب، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه فدلَّ على أنه قال ذلك موقنًا مناظرًا ومحاجًا لهم(9).

إن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السماوات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى، ومن كان منصبه في الدين كذلك، وعلمه بالله كذلك، كيف يليق به أن يعتقد بإلوهية الكواكب؟

إن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بإجماع على الأنبياء. وكيف يليق بأقل العقلاء نصيبًا من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلًا عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء؟

على صعيد آخر فقد دل عليه عدم اعتقاده بربوبية غير الله قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ)، وقوله:(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ) (الأنعام: 83) إذ إن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) ولم يقل على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الايمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه(10).

إن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بدليل أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الأنعام: 74).

إنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) (مريم: 42) وحكى في هذا الموضع أنه دعاء أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش. ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليط إلا بعد المدة المديدة واليأس التام. فدل هذا على أن هذا الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مرارًا وأطوارًا، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة(11).

فالخلاصة هي أن قول إبراهيم عليه السلام لما رأى "هذا ربي" هو مناظرة لقومه واستدراج لهم، وأنه كان موقنًا بنفي إلهيتها، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحي إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتج بها على قومه.

وبرهان قولنا هذا: أن الله تعالى لم يعاتبه على شيء مما ذكر، ولا عنَّفه على ذلك، بل صدَّقه تعالى بقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)(12).

أما قوله (لا أحب الآفلين) فقد جاء ردًا علي قومه وتنبيهًا لهم على فساد قولهم.

القضية الثانية: قضية إيمان إبراهيم عليه السلام واستدلاله العقلي على وجود الله تعالى:

لا أقول إن من ذكرتهم آنفًا قالوا: إن إبراهيم عليه السلام شك في وجود الله؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان على الفطرة السمحة التي فطر الناس عليها وعلى ملة التوحيد التي ارتضاها رب العالمين لعباده المؤمنين.

وإن كان في قول أحدهم "وبعد أن وصل إلى حقيقة «وجود» الله عن طريق ديالكتيك التفكير المنهجى" يمكنني أتساءل: كيف لنبي الله إبراهيم عليه السلام يصل إلى حقيقة وجود الله من خلال جدل التفكير المنهجي؟

وأؤكد أن هذا الكلام باطل من عدة أوجه:

أولًا، لقد عَرَف إبراهيم عليه السلام ربه بفطرته الحنيفية السمحة أو ما يسمى دليل الفطرة على وجود الله تعالى.

ثانيًا، إن نبي الله إبراهيم ليس بحاجة لجدل التفكير المنهجي ولا غيره من أنواع الجدل ليصل إلى معرفة ربه.

ألم يقل الله تعالى في صفة إبراهيم عليه السلام (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات: 84)؟ وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليمًا عن الكفر، وأيضًا مدحه فقال (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (الأنبياء:51) أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة. وقوله (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام:124)(13).

ثالثًا، لم يشك نبي الله إبراهيم في وجود الله قط –وكذلك الأنبياء جميعهم- حتى يكون بحاجة لإثبات وجوده بالعقل.

هل يُعقل أن يقال مثل هذا في حق من عرف ربه بربه سبحانه وتعالى؟!

 

 دكتور/ جميل أبو العباس الريان

مدرس الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة المنيا

.............................

(1) محمد عثمان الخشت: نحو تأسيس عصر ديني جديد، القاهرة، نيو بوك للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 2017، ص13: 29.

(2) معجم المعاني.

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%83/

(3) صبري محمد خليل: مفهوم الشك بين العلم والفلسفة والدين، بتاريخ: 28 فبراير 2015. شبكة سودانايل.

http://www.sudanile.com/78389

(4) تفسير ابن كثير.

(5) أحكام القرآن لابن العربي.

(6) تفسير القرطبي.

(7) تفسير الطبري.

(8) تفسير أضواء البيان.

(9) تفسير البغوي.

(10) تفسير الفخر الرازي.

(11) تفسير الفخر الرازي، ج 13، ص 48.

(12) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4 / 17).

(13) تفسير الفخر الرازي، ج 13، ص 48.

 

عبد الجبار العبيدييقول بهاء الله نبيهم الجديد: وهو الأحدث في سلسلة الرسل، نحن نؤمن بأستمرارية الأنبياء والرسل لا بأنقطاعها... نؤمن بوحدة البشرية لا بتفرقها، وبطبيعة الحياة والهدف، وبالحرية المطلقة، والحق المطلق بين الناس.. والسلام بلا حروب، ودين بلا مذاهب، ولا طوائف، ولا تقديس، هدفنا الأنسان ولا غير..

فماذا لو تحققت الاهداف وانتشرت اليوم في العالمين..؟ ألم تكن احسن الف مرة مما يطبقه المسلمون اليوم ظلما على الأخرين..

ما هي البهائية؟ هي ديانة توحيدية جديدة قائمة بذاتها ظهرت سنة 1844 للميلاد في شيراز الأيرانية، زعيمها بهاء الله، جاء ليرث نظرية المهدي المنتظر على غير طريقة الشيعة الأمامية، فلسفة اخلاقية مجردة من التوجهات الدينية المعقدة، وبلا رجال دين يتحكمون بالناس، مبدأها الاساسي الوحدة الروحية للجنس البشري؟ يعتقد البعض أنهم ينتمون الى الاسلام، والبعض الاخر لا يعتقدون بهذا التوجه.

اصحابها الخلص يدعون ان مبادؤهم تدعوالى الآلفة الاجتماعية والمحبة ووحدة اللغة والسلام ونبذ الحروب ومساواة المرأة بالرجل. وهم ممن يعتقدون بالمهدي المنتظرعلى غير طريقة الشيعة الأمامية، لكنهم لايؤمنون بقيامة او عودته، بل بالمبادىء الحقة التي نادى بها...الغوا الصلاة المعتادة وحولوها الى ترانيم مجهولة..والحج عندهم وَهم لا يأخذون به، ولا يعتقدون بوجود مكة في هذا المكان ويبرهنون، ولا يؤمنون بالاسراء والمعراج يعتقدون انه حلم كحلم ابراهيم عندما رآى في المنام ان يذبح ابنه اسماعيل.. والزكاة عندهم غير واضحة المعالم. لها جامعة علمية ومنهج مُحكم..؟

وفي حقوق المرأة، ساوت البهائية بين الرجل والمرأة في الحقوق والميراث والوصية، لكنها منعتها من تولي (الولاية وبيت العدل) اي ان لا تكون قاضية وهذا برأي تقصير..منحتها الحرية المطلقة في التمتع بحياة الانسان الطبيعية ولا احد يستطيع ردها، فهي والرجل سواء بسواء.

يقول البهائيون ان في حرية المرأة وانفتاح الحركة على المساواة لا تطاول على حقوق الله والوطن ما دامت هي وأنت من المخلصين للواجبات الانسانية ومن خِلقةٍ واحدة.. لا يسرقون ولا يعتدون على حقوق الامة والناس، وهما جوهر العقيدة البهائية. ويعتقدون ان من خالف الاوامر الآلهية فيما يخص الحقوق حسب ما جاء في الآية الكريمة:" أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، القصص آية 56 " يجب ان يطبق بحرية الرأي لا بقوة السيف..؟

هم ينكرون النظريات الوهمية، كنظرية المهدي المنتظر وولاية الفقية، ويعتبرونا نظريات لأخمادة الهمة وتشجيع الأتكالية الشخصية – وهم محقون -  أما التطلع للمستقبل فيجب ان يكون بالعلم والعمل والأيمان بهما. ويعتقد اعداؤهم كل الذين نادوا بهما من امثال علي الشيرازي وغيره، هم من مختلي العقول ومن السفسطائيين الذين لا يؤمنون بالدين الاسلامي والنظريات العلمية لكنهم يؤمنون بالرب الواحد على سبيل العضة والأعتبار، ولا اعتقد هم يقصدون ذلك من النص: "لا اله الا انت الرب الأبهى، أنظر الدليل والأرشاد كتابهم الأساس ص16".

ويعتقدون ان كل المهوسين بالجهاد على الفاضي والمليان ونظرية المهدي لا يفرقون بين الحقيقة والوهم. ومن يريد ان يفهم البهائية على حقيقتها عليه ان يقرأ (كتاب الدليل والارشاد) في لقاء رب العباد. لتتعرف على المبادىء الانسانية البحتة التي ينادون بها. ليس من حق دولة ان تلغي رأيهم باعتبار ان العقيدة الدينية مباحة لكل الناس دون اجبار (لكم دينكم ولي دين).. لكن المسلمين كعادتهم لا يؤمنون بالرأي الاخر..

والبهائية من الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر، ولكنهم لا يؤمنون بالاجبار في العقيدة بل بالحق المطلق الذي جاء في القرآن وتخلى عنه المسلمون كما يعتقدون.. يقولون ما لا يفعلون؟ ولا زالت كلمة الاعلى والبهاء هي من معتقداتهم ولا يخالفون الأخر. وهم يعتقدون بالبهاء (هو الله) وهو صاحب الاسماء الحسنى، كقوة نافذة في الصدور لتعميق الاعتقاد بالحق المطلق. ومشاركة الناس في الحقوق دون تفريق.

يعتقد البعض ان البهائية تخفي عقيدتها لانها مشركة بالله واليوم الاخروهذا وَهم، لكنهم يخفون عقيدتهم خوفا من الأذى الذي سيلحق بهم من جراء ذلك وخاصة في ايران المتطرفة دينياً عليهم والمُحرمة بالتعامل معهم بأعتبار حركتهم زندقة ..لذا فأن البهائيين لم يتطرقوا الى صلب العقيدة سوى المسائل الجانبية والمباحث الفرعية.

البهائيون يعتقدون ان التقدم هو الحرية المطلقة والحق المطلق بين الناس تطبيقا لا قولاً.. كما في نصوصهم:" وهذا ما أمرتنا به في كتابك الذي أنزلته على من أصطفيته بأمرك، (الارشاد ص31) .ليس بغريب هذا الخفاء ، فالاباضية يحصرون عقيدتهم بهم دون الاخرين ..لكنهم في حقيقة التطبيق ان سلطنة عُمان الحالية يُعتبرون من احسن دول المسلمين في تأدية الحقوق للناس والوطن .، حين يؤمنون بأن:" على السلطان ان لا ينام ليلته وفي بلده معوز واحد. نظرية مطبقة عندهم اليوم...بينما الحاكم المسلم في غالبيته ظالم لايؤمن بالحقوق..؟

ودولة عمان الحالية مثالا رائعاً لما نقول .

على المسلمين جميعاً: ان يتخلصوا من رجال الدين وتوابعهم الذين لا يعترف القرآن بهم ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، ولا يميزهم بلباس معين ولا يمنحهم لقب التقديس كما في جاء في سورة البقرة آية 174... انما يأمر الله بتحقيق حقوق الناس بغض النظر عن المذهب او الدين. الفصل الاساس هو العدالة والقانون . وهم يعترفون بنبوة موسى وعيسى ومحمد الارشاد ص54). ويعتقدون بقدرة الله بلا حدود(كن فيكون).

وخلاصة القول: هم يؤكدون على العلم المطلق ببرهان، والحق المطلق بميزان، والمساواة بين البشر على القدر والاستطاعة بأحكام، ولكل انسان الحق بأن يرتقي الى اعلى المناصب بالعلم والحق وبالأيمان والمقدرة والكفاءة دون حصرها بيد طبقة المتنفذين كما عندنا اليوم. .. ومن خلال النصوص المنشورة التي قرأتها ان البهاء زعيمهم لا يؤمن بالآلوهية الربانية، بل موجه لأصحابه مُطاع.

للمزيد يجب عقد مقارنة بين التـأويل القرآني والتفسير عند المسلمين، والتأويل عندهم لمعرفة حقيقة النص المقدس في القرآن بعد ان ضيع فقهاء المسلمين المعنى الأكيد نتيجة المذهبية المخترعة دون اصل أو توكيد، وهي أبتكارات أجتهادية اصبحت تاريخ .

وهم لا يؤمنون بانتهاء الرسالة الربانية، كما يومن كل المسلمين (اليوم أكملت لكم دينكم) بل باستمرارها لتكون هادية للبشرية في كل العصور، وان الله هو سلطان البهاء والأقتدار.

أفكار جديدة وجادة، لا ندري مدى تطبيقها عندهم لو استلموا حكم الدولة .

 

د.عبد الجبار العبيدي

.....................

أنظر كتاب:البهائية الفكر والعقيدة: دار الثقافة الاسلامية...؟

 

 

عبد الجبار العبيديلا يمكن للباحث ان يرسم خطاً فاصلا بين الناحية الدينية وغيرها من النواحي السياسية والاجتماعية، في المجتمعات التي نشأت وفق القاعدة الدينية. حيث تخضع كل هذه الجوانب للجانب الديني، وتجتمع كل السلطات في يد الخليفة، لذافأن أي تغيير يحصل في مجال السياسة ولا يتلائم والمنطق الديني السائد يُعد خروجا عليه، وبالتالي يعتبر صاحب السلطة السياسية منحرفاً عن الدين. فهو بنظر الاخرين المتمسكين بتلك العقيدة الدينية يستحق الوقوف بوجهه وعزله عن السلطة، أو الثورة عليه وأزاحته من ساحة الحكم بالعنف والقوة ألزامية النص ألتزمت بهذا الاتجاه والمتمشية مع الظروف الزمانية للدولة. ولوان رياح التغيير بدأت تهب على الخلافة منذ وفاة الرسول(ص) ووقوع االردة والفتنة لاستغلال الولاة سلطة الخليفة لصالحهم ولظلمهم الرعية في ولاياتهم (اليعقوبي، تاريخ ج2 ص165).

وبأنتهاء عصر الراشدين ومجيء الامويين للسلطة تغيرت الصورة تماماً. وخاصة بعد ان جعل الامويين الآمر ملكاً، وأهملوا التمسك بسنة السلف. لذا فنحن لا نستطيع الحكم على السياسة الدينية للدولة الاموية الا من خلال سياسة الدولة العامة، حيث أقتضى النظام الجديد ان يكون الخليفة رجلا ذا مرونة لا يتقيد بالتقاليد السابقة تقيداً تاما. بل يأخذ منها ما يناسب عصره ويترك ما عداها. وهي فلسفة مبتكرة وجديدة أهلت الخليفة لحكم الدولة الجديدة. ومكنته من نقل الدولة من نظام الخلافة الذي يعتمد على الشورى والانتخاب ويستند الى الدين، الى نظام الملك الذي يقوم على أساس التوريث ويستند الى الرأي والدين معاً. وبذلك أصبحت الخلافة الاموية أقرب الى السياسة منها الى الدين..

 أنها نظرية مبتكرة تتلائم والمنطق التطوري لفلسفة الحكم حين أصبح النص الديني ثابتا في نصه متحركا في محتواه، اذ ليس بالامكان ابقاء الدولة على مقاييس دينية سياسية دون تغيير عبر الزمن، لان الزمن يلعب دورا في عملية التغيير، شرط الالتزام بمعايير الشريعة دون تحويرفي اساسياتها، فالقرآن ليس في كل اياته أحكام، فمنها الاحكام كما في الحقوق والواجبات، ومنها التعليمات ومنها النصح والارشاد، لكن الذي يجب ان يكون ثابتاً فيه دون مساس هي المقومات الاساسية للعقيدة وتتمثل في الايمان بالله وملائكته ورسله واليوم الاخر وحقوق الناس.. في العدل الأجتماعي..

نحن هنا نعالج اشكالية دينية سياسية وليس كتابة مقال تاريخي لذا فأن فلسفة التاريخ يجب ان تكون حاضرة في راس الكاتب لينقلها للناس لنبين مامعنى كلمة لماذا؟.

من يتحرى الدقة ويتابع الحدث عنده يعجب للذي حدث ؟ لم أقرا في تاريخ آيِن من الدولتين الاموية والعباسية محاولات جادة للعثور على قواعد تحكم سير الحوادث ونظام الحكم المنقول اليهما من عصر الرسول (ص) بلا تقنين، اومعرفةاسباب قيام الدول، و لم نلمس حركة علمية جادة بتحقيق استقرار الدولة وقوننة القوانين واحترام البشر، سوى محاولات ضعيفة ارادوا من ورائها ان يبنوا مجتمع انساني اكثر امنا واستقرارا لتوفير اسباب الرخاء او ما يسمى بالسعادة للبشر لضمان استمرارهم في حكم الدولة لا غير.. لكن الفشل لازمهما منذ البداية في التطبيق العملي للنظرية، لبعدها عن عقيدة التغييرالتي جاء بها الاسلام وطالبنا بتنفيذها لنخلق المجتمع المغاير لما كنا عليه في عصر ما قبل الاسلام.

ان الدولتين الاموية والعباسية لم يظهر فيهما من الرجال المصلحين السياسيين الذين دخلوا في صراعات مع النظرية السياسية المطروحة في المجتمع والقائمة على سياسة السيف والنطع والمال في مجتمعهم لاصلاح الخلل فيها تجاه المجتمع، بأستثناء عهد الخليفة الاموي عمر بن العزيز (99-101 للهجرة) والخليفة العباسي ابن المعتز الذي لم يدُم حكمه سوى أيام، واذا وجدوا وهم قلة صغيرة كانوا يرون الخلل بانفسهم دون ان يراه غيرهم، لقربهم من صاحب السلطة دون حق الاعتراض منهم، كعبد الحميد الكاتب عند الامويين وعبدالله بن المقفع عند العباسيين لا بل أستخدموا هؤلاء كمطايا لتنفيذ ما يوجه اليهم دون ان يكون لهم فيه حق من رأي.

. لذا بقيت الحركة الاصلاحية بعيدة عن الاصلاح فلا دستور يبين سلطة الحاكم وشكل الدولة، ولا قانون يحاسب المقصرين.، بل حكم مستبد صرف حين هيأ الفقهاء الاذهان دينيا لقبول الخطأ بفبركة اللسان لا بمنطق الانسان، فظل القديم على قدمه، وبقي الحاكم يتغير، لا القانون ولا الانسان، والفرق بينهما كبير. وحين طرحوا التأسيس القرأني للمجتمع، لم يبحثوا في ظاهرة ميلاد مجتمع بالقانون الذي يحكم الظاهرة، متمسكين بالعودة للسلف - والعودة عبر الزمن مستحيلة – على حد قول الكاتب الفذ ابراهيم الغويل، رغم ان التطبيق الرسولي سيبقى المثل والاسوة، وهدى الانبياء قدوة.

ان من حقنا ان نسئل هل كان أهل الطموح والجرأة والنظر البعيد والقدرة على تصور مستقبل افضل في حكم الناس يحتلون مكانا عندهم ولهم رأي مسموع ؟ مثلما كانوا في عهد الراشدين كأبي ذر الغفاري وحبيب بن عدي الاوسي وسالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب وغيرهم الذين واجهوا نظرية الاستبداد عند الولاة بقوة المعارضة الشديدة لها بالحجة والمنطق، ونادوا بضرورة الابتعاد عن نظرية أصول الضعف وشعرة معاوية ودس السم بالعسل والغاية تبرر الوسيلة، ومبدأ الغالب بالشر مغلوب، والجواب نعم، كانوا موجودين، لكن سياسة السيف الصارم اخفتهم من الظهور، فمن كان مع الدولة ظهر وعمل وتبوأ مركزاً، ومن كان مخالفاً هرب وأنزوى وسفيان الثوري مثالا، أما من لان وخضع فقد نام في بيته وسكت. ان التاريخ يعود بنا اليوم الى الوراء ليسجل لنا ما يحدث اليوم في بلداننا بالذي حدث، وفي الحالتين دروس وعِبَر.

فالتغيير يحدث سلبا عندما يختفي اصحاب الهمم الغيورين على الوطن لظروف القهر والمطاردة والقتل والتشريد كما عمل معاوية بحجر بن عدي في الكوفة والمنصور بالنفس الزكية العلوي في بغداد والمآمون في احمد بن حنبل بسجنه الرهيب في بغداد والحاكم بأمر الله االفاطمي في مصر. فقد ابيدت المعارضة واسكتت الاصوات الا من قال نعم.. وهذاما نراه في بلداننا الخائبة اليوم.

أو ان واقعا اخر يحدث، اثر هزة قومية كبرى نتيجة نصر عظيم مفاجىء، كما في الفتوحات المنتصرة عندهم كما يظنون باطلا في عهد الامويين، فأستعاضوا عن القانون بالنصر المبين، فامتصوا رغبة الاصلاح، فأسكتوا أصوات المعارضين والمطالبين بالاصلاح، فظلت الدولة تمشي مثلما يريدون فلا حقوق ولا قوانين. وبمرور الزمن تعقدت الامور حتى لم يعد بمقدور الدولة حماية نفسها والحدود حين ظهرت المعارضة العباسية اقوى من قوة الدولة الموجود، فأجتاحوها واسقطوها دون ان يبقى لها من آثر في الوجود. انه جزاء الخطأ والعناد المقصود.

وحين جاء العباسيون كرت السبحة من جديد فلا حكم الا لهم فهم الحاكم والدولة والقانون، وكأن كل الذي حدث من قبلهم للاموين وما وعدوا به الناس صار هباءً بلا وجود-كما نراه اليوم في حكام بغداد خونة التاريخ والقانون - ولم يدرك العباسيون الاثر والمصير الاسود الا حينما حلت بهم الهزيمة الكاسرة، حين اسقطهم المغول فأصبحوا وكأنهم لم يكونوا الا آثراً بعد عين في قاموس الوجود، انها نقمة القدرالذي حذرهم منه القرأن في التجاوز على الحدود، لكن لم يكن منهم اي مردود، حين ظلوا في غيهم سادرون بلا حدود.

او وصول الاحوال الى درجة من السوء تصبح معها مواصلة السير مستحيلة، كما في احتلال العثمانيين للوطن العربي حين سخروه لهم ارضا وانسانا وكل مافي الوجود، كارثة تحاكي في صمتها الرهيب كل أخطاء الماض السحيق.، فعادوا بأسلافهم دون حدود. وكل الذي عمله العثمانيون بنا من قتل للحرية واغتصاب للمال والارض والانسان، نقرأ اليوم من يطالب بعودة خلافتهم الينا مجددا، أفكار ميتة لايقبلها العقل ولا ترتضيها الحياة, وكأن الدين ما جاء للصلاح والفلاح، بل جاء للعادة والتقليد والاستعباد، عقول نخرة افسدت الدين والانسان والاصلاح.

هنا يكون المخاض من وجهة نظر فلسفة التاريخ، ثورة عارمة تقلع البناء الهش من الجذور ليبدأ في حياة الامة عصر جديد، وفعلا هذا الذي حدث بازاحة العثمانيين ومجيء المحررين على حد قول الجنرال مود- وان لم يصدق- الذي دخل العراق عام 1918 حين قال للعراقيين (نحن جئناكم محررين لا فاتحين). فلسفة التاريخ علمتنا ان في كل الاحوال بقاء الحال من المحال حتى لو وصلت احوال الجماعة الى ما سمي بالحضارة الموقوفة، فالتحرك التاريخي لابد ان يصحبه تحرك حضاري والا فلا فلسفة ولا تاريخ.

هنا ورغم انطباق الحالة على عالم الاسلام بشكل خاص لم نلحظ ولادة الدولة العصرية الحديثة التي بها يسمى المواطن مواطنأ في الحقوق والواجبات، لابل ظلت الدولة تتعكز على رجلٍ واحدة، ,ومن يقل ان الانكليزفي العراق هم السبب عليه ان يثبت الصحيح؟العيب فينا وليس في الاخرين، الم يخبرنا التاريخ كيف ان اصحاب محمد (ص) خذلوه في احد، من أجل غنائم الحرب واموال المنهزمين، فكادوا يسقطوا محمد والمسلمين؟ الم يخذلوه في مؤته (109 للهجرة) ألم نسلم بغداد بعدان اخذوا عهدَ هولاكوا والمحتلين، وهم يعرفونهم مثل الذئاب المفترسة ؟ الم نسلم بغداد الغالية الجميلة لبريمرالامريكي لنحتفظ بأمتيازاتنا الشخصية الكريهة بعد التغييرعام 2003 دون رقيب او حسيب فكانت كارثة على العراق والعراقيين. التاريخ لا يعيد نفسه لكن احداثه تتشابه رغم فرق السنين.

حالة التغيير التاريخي كان يجب ان تطبق على الامة العربية لتزيح من على صدرها هذا الثقل الكبير، والا ستموت الامة والحكام وتنتهي الشعوب مثلما انتهت اقوام اخرى قبلها، وفي القرآن شواهد كثيرة ما دام همها المال والجاه والمنصب دونما رادع من دين او ضمير. وحينما فسدت الناس هيأ الله لها صرصرا عاتية فقلبت عاليها سافلها ليريح الناس من ظلم الاخرين.. فأصبحت كعادٍ وثمودا فما أبقى.

لكن الذي حدث عندنا له تاريخ حين جاءتهم الدعوة الاسلامية ولم يفهموا فلسفتها، فظلوا بينن المتشكك المتردد وبين المقتنع الراضي الذي لا حراك فيه. ولاشك ان أزمة الفقه والفقهاء كانت هي الاساس منذ البداية، كيف؟ ولماذا؟.

ثلاثة آمور لابد من ان نذكرها بألم:

الاول- انهم لم يفهموا عالمية الرسالة بالمفهوم الحضاري فحولوه الى فتوحات بقوة السيف دون الفكر. والقرأن يرفض القوة ويطرح الاقناع والحوار، فالقرأن يحذرهم من التجاوز على النص حين يقول الحق: (لكم دينكم ولي دين) اي انشروا دين الله بالحق والفكروالمنطق و يحذرهم بصيغة الآمر، يقول الحق:) أدعُ الى سبيل ربك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهم بالتي هي احسنُ...) هنا يرفض الاسلام سياسة السيف بالمطلق، واذا ما اعترض احد على غزوات الرسول فليراجع الواقدي قي المغازي ليرى ان الرسول كان بموقف الدفاع عن الدعوة المكلف بها دوما لا الهجوم، داخل شبه جزيرة العرب وفي كل غزواته لن يخرج عنها رغم انها بحاجة الى دراسة معمقة.. والدليل عندما فتح مكة، قال (من دخل دار ابو سفيان فهو آمن، أذهبوا انتم الطلقاء) نظرية جديدة لم تعرفها الشعوب من قبل، واذا اردنا ان نفلسف الحالة الجديدة، هو ان الرسول بعد الفتح اصبحت القوة بيده فلماذا جاء بهذا النص لحماية وتكريم اعدائه؟

والجواب لان النظرية الاسلامية في التطبيق لا تبيح له السيف الا دفاعاً وتدعو للمسامحة والاخاء والامن والكفاية والعدل بين الناس، اذا ما آمنوا ورضوا وهو اسلوب ناجح في الترغيب لا الترهيب كما حصل من بعد فتح مكة. وفي كل مواقفه وحوارته كان يقول (ص) خلوا بيني وبين الناس ودعوهم يسألون؟ أنظر السيرة. نظرة فاحصة متأنية في واقع التحريك التاريخي لفلسفة الحكم في الاسلام، لا كما ارادوها لنا السيف والنطع وحرمان الحقوق على هوى الحاكم اوالسجن الرهيب. من قال لك ان المسلمين طبقوا نظرية الاسلام ففشلوا، أنهم هم الفاشلون.

والثاني – الذين لم يفهموا ان الرسالة كانت خاتمة الرسالات فصوروا لنا ان الاسلام جاء ليحيا بالناس وما دروا ان الاسلام جاء ليحيا الناس به، والا ما الفائدة من وجوده على الارض. فاماتوا دفعه الحضاري. فتحولت العقيدة الى تقاليد، صوم وصلاة وحج وزكاة لغفران الذنوب كما يدعون باطلاً دون معرفة باصولة واهدافه وقوانينه، فأدخلوا الخطأ في المنهج الدراسي فقتلوا الفكر والحضارة معاً ليبقى السلطان رافعاً رايتة (أطيعوالله والرسول وآلوا الامر منكم) اطيعوا طاعة عمياء مبررة من فقهاء السلطةلاغير. حتى جعلوا الاسلام وقوانينة الحتمية يعيش في لغة الناس لا في واقعهم الحياتي فتحولت العقيدة الى تقليد لتبرئة الذمة وكأن الاسلام اصبح جسرا لعبور المشاة دون تمييز. وما دروا ان الرسالة الخاتمة المؤكدة والمصدَقة اصبحت القاسم المشترك التي تعطي جُماعاً لما تفرق في الرسالات الاخرى، فكانت مهيمنة عليها، والقرآن الكريم مصدقُ لما قبله ومهيمن عليه.

ثالثاً- من هنا كانت ازمة الفقه الاسلامي وازمة الحضارة الاسلامية حين اصبح الفقه الموروث والمفسر يشكل عبئا ثقيلا علينا حتى اصبح يتعارض تماما وفلسفة التشريع، فالخطأ هنا ينطلق من المنهج لا من ضعف في اللغة او قلة في التقوى. موضوع فلسفي شائك بحاجة الى تحليل واجابة واضحة تماما لنضع الاصبع على الجرح ونقطع نزيف الدم.. الذي يتمسك به المستبدون اليوم.

اما من يقل لك من الفقهاء القدامى والمحدثين ان التشريع دخلت فيه الاختلافات حين ظهرت الفِرَق والسنة والقياس والاجماع فهذا آمر مردود عليهم. فكل شيء في القرأن جاء واضحا تماما، لكنهم لم يميزوا بين الايات الحدية والحدودية وايات التعليمات والنصح والاشاد فعدوها كلها ملزمة دون مناقشة في رأي. واعتبرت اقوال الرسول الشرعية المُلزمة وتصرفاته اليومية والشخصية على حدٍ سواء في التفسير، فوقعوا في خطأ التقدير مرة اخرى من حيث لا يعلمون.

منهج خاطىء فرض علينا وقرروه في اذهاننا خطئأ، فكيف العودة للصحيح؟ لا عودة الا بأرادة التغيير.

وحتى نخرج من الازمة المستعصيةعلينا، ان نتبع الصحيح ونترك ما عداه لهم دون أكتراث:

- علينا واجبا دينيا وأخلاقياً هو ألغاء الترادف اللغوي من القرآن الكريم والتخلى عن التفسير اللغوي لنتحول الى التأويل العلمي الصحيح من قبل جماعة علماء التخصص كما أمُرنا في الاية (7) من سورة آل عمران، وعلينا وبقوة الفكر والنقاش المستمر ان نفهم الحاكم في اي دولة عربية يتوفر فيها الحاكم الناضج فكريا ان يتجاوز المذهب الفقهي التاريخي مهما كان نوعه، ولتكن هي بداية الاصلاح والتغييرفي المجتمع الاسلامي الذي لازال تحت رحمة الاخرين.. فالمذاهب المتعارضة اليوم هي وسيلة التدمير.. ولا مذهبية في الاسلام.. 

- وتوفير جو الحرية المطلق للحوار مكفولا بالقانون وبالتالي نصل الى ألغاءالمبدأين القائلين:) بسد الذرائع وباب درء المفاسد أهم من جلب المنافع). حين أوصلونا بهما الى الانغلاقية الفكرية المميتة.

- والمبدأ الاخر هو ألغاء التقية في السياسة وقول الحق، لان التقية تراجع عن قول الحق والحقيقة ودرس في التخاذل، تعلمناه وفرض علينا من الكتلة الساكتة في الاسلام في الحد والحدود.

فهل نحن مستعدون لخوض المعركة كما خاضها أبو ذر الغفاري وسفيان الثوري، ام سنبقى نحن هاهنا قاعدون. لقد قتلتنا الردة ويئسنا من الاصلاح الا بشق الكفن والخروج من القبر رافعين رايات الحق والنصر المبين، فهل من يدعي الاصلاح والتغيير والقانون في وطننا العراق الجريح من نصير، اخرج على المعهود يا من أمنت بالاصلاح وفزت برضى الشعب.. ان كنت تؤمن بالذي تقول؟ وسترى الجموع كلها ترفع راية الحق والهدف الرصين. وليبرهن العراق ان شعبه لن يموت كما خطط له الطامعون به من أعدائه من خلف الحدود.. بعد ان استولت عليه زمر الفاسدين.

وهذا يصور لنا باختصار الاسباب الاساسية في تدهور الدولة وسقوطها، لان كل دولة من الدول لها طبيعة خاصة بها، أذ هي تخلت عنها، خرج زمام أمرها من ايديها، وتغير كل شيء في طبيعتها لذلك لم يعد بمقدور الحاكم حمايتها.

هذا ما حصل للامويين والعباسيين ومن جاء بعدهم من المسلمين، ولكل الدول الاسلامية التي اتبعت طريقتهم في حكم شعوبها كما نلاحظ في الفرق المتشددة التي لا تعرف من الاسلام ونظمه الا التقليد وفرض الرأي بقوة السلاح. وسيقى القانون وحقوق الناس هي المعايير التي تتصف بها دول الحضارة والتقدم ويرضاها الله ونحن عنها بعيدون. فهل ستتحق عندنا ايها الواعدون؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

بليغ حمدي اسماعيلفي التعبير القرآني تفردت طائفة من الألفاظ بقرينة السياق بدلالة خاصة، جاوزت حدود معناها المعجمي إلى معانٍ جديدة ذات إيحاءات خاصة، والقرآن الكريم كنص لغوي معجز وفريد اتسم بالدلائل اللغوية الشاهدة على إعجازه، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: 42)، فكلمة (اصطفاك) الأولى بمعنى اختارك، والثانية بمعنى فضلك، وهذا النوع من التكرير للكلمات والأصوات يثير في النفس إحساساً بجمال التعبير، من خلال تجاوب الأصوات وتناغم الأصوات.

ومن أسباب جمال الجناس في التعبير القرآني، تلاؤم الحروف وتناسب الألفاظ، فيحدث التجاوب الموسيقي الصادر من تماثل الكلمات تماثلاً كاملاً أو ناقصاً، ويلخص الفيروز أبادي هذه الفائدة بقوله: " وأما تلاؤم الكلمات والحروف ففيه جمال المقال، وكمال الكلام"، نحو قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (البقرة: 24).

وفي هذه السطور نورد عدداً من الأمثلة بغير إخلال أو تفريط إن استطعنا ذلك التي توضح وتشير إلى اختلاف دلالة اللفظ الواحد باختلاف وروده وذكره في سياق لغوي معين .

1 ـ البَغْتَةُ والفَجْأةُ:

اكتسبت لفظة البغتة من السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، فهي في أصل اللغة: مشتقة من باغَتَه مباغتةً: أي فاجأه بَغْتَةً . والبغت: مُفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب. إذن (البغتة) في اللغة تعني (المفاجأة)،فهما لدى غير المدقق في المعنى اللغوي بمعنى واحد. أما في الاستعمال القرآني فهما متباينان؛ إذ احتملت (البغتة) عنصراً دلالياً إضافياً على الفجأة؛ لأن هذه اللفظة لم يستعملها السياق القرآني نهائياً، ولو تتبعنا سياق البغتة في القرآن كله، بورودها ثلاث عشرة مرة، لوجدنا فيها عنصراً دلالياً إضافياً، وهو (التخويف بالعذاب) .

واستقراء الآيات يؤدينا إلى أنها لا تستعمل إلا في سياقين لا ثالث لهما، أحدهما: الوعيد بوقوع القيامة . والآخر: الوعيد بوقوع عذاب في الدنيا وشيك، كما في قوله تعالى يؤكد فيه وقوع العذاب على الكافرين، بموعد ثابت قادم هو يوم القيامة، إذ قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (العنكبوت: 53)، وفي قوله تعالى يبين فيها طريقة مجيء العذاب للكافرين يوم القيامة، حين يأتي مفاجئاً: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) (الأنعام: 31) .

وقد اكتسبت البغتة في السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، هو العذاب، فضلاً عن المعنى اللغوي الذي تحمله وهو (الفجأة)، وعند مجيء الساعة والعذاب للكافرين دون توقع لوقته مع الايذاء لمن لم يُعدّ لتلك الساعة العدّة، من الهداية والإيمان. ولا يعلم أحد متى مجيء هذه الساعة.

وقد تنبه بعض المحدثين إلى أن السر في استعمال السياق القرآني لفظة (البغتة) فقط دون لفظة (الفجأة)، مع أن لهما المعنى اللغوي نفسه، وهو أن في البغتة عنصراً دلالياً إضافياً غير موجود في الفجأة، بل هو زائد عليها، وهو (التلبس بالعقاب) دنيوياً كان أو آخروياً ؛ وبذلك فإن لفظة (الفجأة) لا تمنح السياق الإيحاء الكامل المعبّر عن الحدث القرآني بشكل دقيق وكامل كما تمنحه لفظة (البغتة)؛ لأن الثانية اكتسبت من السياق القرآني معنىً إضافياً، هو الإشعار بالأذى والعقوبة.

2 ـ القَدَرُ:

من الألفاظ التي تباينت دلالتها أيضاً في القرآن الكريم باختلاف ورودها داخل سياق النص القرآني المطهر لفظة (القدر) ومشتقات حروفها الأصلية الثلاثة وهي: ق د ر، فغالباً ما نجد معنى القضاء مرادفاً مماثلاً لكلمة القدر كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (الأحزاب: 38) أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.، وأيضاً قوله تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (الواقعة:60) أي صرفناه بينكم، وقال الضحاك:ساوى فيه بين أهل السماء وأهل الأرض.

ولكن تعددت دلالات كلمة (القدر) في القرآن الكريم في أكثر من موضع، فمن تلك الدلالات ورودها بمعنى (التمكن) كما في قوله تعالى: (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم:18) أي فلم يقدروا على شئ من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24) وفي هذه الآية الكريمة ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة وزينتها، وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام، ومعنى قادرون عليها أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذا جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى (التدبير) في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في سورة طه: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) (طه:40) يقول الله تعالى مخاطباً لموسى (عليه السلام): إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملأه يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل،ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، أي على موعد وهذا رأي مجاهد، وقال قتادة: على قدر الرسالة والنبوة. وقوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ )(المدثر:18ـ20) أي إنما أرهقناه صعوداً لبعده عن الإيمان لأنه فكَّر، و(قَدَّرَ) أي تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى التوقير والتعظيم مثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام:91) أي وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل نزلت في طائفة من اليهود، وقيل في فنحاص وهو رجل منهم، وقيل في مالك بن الصيف، والأول أصح؛ لأن الأية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنه من البشر، ومثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67).

وأتت مُشتقات كلمة (القَدَر) في القرآن الكريم بدَلالاتٍ مختلفةٍ، فمنها ما أشارت إلى معنى (التحديد) كقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون:18)، وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي بحسب الحاجة لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر، ويقال لها الأرض الجرزيسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليهم الرمال .

وقوله تعالى في سورة الزخرف: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)(سورة الزخرف:11) .أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.

وجاءت لفظة القدر بمعنى (التضييق والابتلاء) مثل قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)(سورة الرعد:26)، يذكر الله تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر على من يشاء، لما في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً .

وقوله تعالى: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ)(سورة القصص:82) أي ليس المال دليلاً على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب"، وقوله تعالى في سورة القلم: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ)(سورة القلم:25)، أي قوة وشدة، وقال مجاهد: على جد، وقال عكرمة: على غيظ، و(قَادِرِينَ) أي عليها فيما يزعمون ويرومون.

3 ـ السَّغب والجُوعُ:

جاءت لفظتا (السغب) و(الجوع) بإيحاء خاصٍ بهما في التعبير القرآني . فالسغب لغة: مشتق من سَغَبَ يَسْغب سُغُوباً ومسغبةً . والساغِب: الجائع، والسَغبُ: الجوع من التعب . وقد قيل هو في العطش مع التعب . وهي مرادفة للجوع . و(السغب) و(الجوع) لفظتان، أكسبهما التعبير القرآني، إيحاء خاصاً بهما، فضلاً عن معناهما الأساس (المعجمي) . فإذا ذكر الجوع في النص القرآني، فلا يكون إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، بقرينة السياق .

وقد وردت لفظة (الجوع) في التعبير القرآني خمس مرات، كانت في ثلاثة مواضع منها مقترنة بلفظة (الخوف)، فيكون السياق بهذه القرينة، سياق ابتلاء وامتحان، أو عقوبة لأصحاب النار، كما في قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة 155) ، أخبرنا الله عز وجل أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ، فقد ذكر الجوع في موضعين منفرداً، ولكن قرينة السياق كانت واضحة في أنه عقاب وبلاء، وذلك في قوله تعالى يخاطب فيها نبي الله آدم  بأنه محفوظ في الجنة من بلاء الجوع والعُري،وذلك قبل نزوله إلى الأرض:(إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى) (طه: 118) . فيكون عدم الجوع فيها نعمة من نعم الله تعالى عليه وعلى زوجه.

أما لفظة (السغب) فتذكر مع الرحمة و(في حالة القدرة والسلامة)، نحو قوله تعالى يحث المؤمنين على إطعام الناس في يوم الجوع: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)(البلد: 14)، بقرينة السياق المتأخرة في قوله تعالى: (يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: 15-16) . فبذلك تكون لفظة (الجوع)، قد اكتسبت من التعبير القرآني هنا معنى العقوبة والبلاء من السياق القرآني، أما لفظة (السغب)، فقد اكتسبت معنى الرحمة، والضعف .

4 ـ المَطَرُ والغَيْثُ:

تُعد لفظة المطر من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني أيضاً، فالمطر لغةً يعني: الماء المنسكب من السحاب ، أما في التعبير القرآني،فقد اكتسبت لفظته إلى جانب معناها المعجمي معنىً آخر، هو العقاب، بقرينة السياق اللفظي. فالمطر لم يرد في التعبير القرآني كما يقول الجاحظ في كتابه " البيان والتبين ": " إلا في موضع الانتقام، والعامة واكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث " .

وقد وهِمَ الراغب الأصفهاني حين عدّ لفظ (المطر) من ألفاظ الخير، وأن هناك صيغة مشتقة منها هي التي وردت للتعبير عن العذاب، وهي (أمطر)،فقد ذكر أن مطر: " يُقال في الخير، و(أمطر) في العذاب "، وإذا رجعنا إلى النص القرآني نجده يعبّر بهذه اللفظة عن الشر والعقاب، بكل اشتقاقاتها، وبقرينة السياق، ومنه قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطرُ الْمُنْذَرِينَ) (الشعراء: 173) أي أنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود .

والمطر يوحي بالتدفق القوي والغزارة، أكثر من أية لفظة أخرى تعبّر عن نزول الماء من السماء . والذي ساعد على هذا الايحاء، صوت (الطاء) المطبق كما أشار الدكتور كمال بشر في كتابه " علم اللغة العام"، الذي يصور نزول العذاب من السماء فنشعر بإطباقه عليهم . فبذلك تكون هذه اللفظة قد ناسبت غضب الله  وشدة انتقامه بنزول ذلك العقاب الشديد عليهم من حجارة وغيرها . كالذي في قوله تعالى يتحدث عن قوم لوط (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف: 84) . فنلحظ أن لفظتي (مطر) و(أمطرنا) في النص القرآني قد دلّتا معاً على نزول العذاب الشديد، لا نزول الغيث الذي هو نعمة ورحمة للعباد .

ويشمل نزول المطر في التعبير القرآني، فضلاً عن الماء، الحجارة، نحو قوله تعالى، في إمطار الحجارة: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود: 82)، أي أنه مطر يوحي بالعقم والخراب . والسجيل في اللغة: حجارة كالمدر، وهو حجر وطين مختلط، ويفسر أنه فارسي مُعرب دخيل . ويقال: هذا الشيء مسجل للعامة، أي مرسل من شاء أخذه أو أخذ منه.

أما الغيث فهو الماء النافع النازل من السماء، المنبت للكلأ ، نحو قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، وهذا يعني أنه الماء المثمر الذي يحمل الخير معه، وذلك بقرينة السياق اللفظي المتأخر . والذي قوى هذا الإيحاء هو صوتا (الغين والثاء) فرخاوتهما كما يذكر الدكتور بسام بركة في كتابه " أصوات اللغة العربية "، قد ناسبت نزول الماء الخفيف الذي أنعش ما نزل عليه، فأنبت به .

5 ـ الفتح:

أيضاً من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني لفظة الفتح، من الفعل الثلاثي فَتَحَ) ومشتقاته، فلقد اختلفت دلالة الكلمة باختلاف السياق الي وردت فيه، ودلت على عدة معاني منها الصد، والضد، والعطاء، والنصر، والقضاء، والحكم .

فمن معنى الصد والضد قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام:44)، أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ففتح الله عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم .

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف:40)، وقيل في تفسير هذه الآية الكريمة أن المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء وقال بهذا مجاهد وسعيد بن جبير، وقيل لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ورى ذلك الضحاك عن ابن عباس وبه قال السدي . ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: " خرجنا مع رسول الله r في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله r،وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: " استعيذوا بالله من عذاب القبر ـ مرتين أو ثلاثاً ـ ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ـ قال: فتخرج تسيل كما يسيل القطر في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، هذا بخلاف العبد الكافر.

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (القضاء) أو (الحكم) كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89)، أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم وأنت يا الله خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبداً. وقوله تعالى: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:118).

ومن أمثلة ورود كلمة (الفتح) بمعنى أعطى قوله تعالى: (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76)، أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به.

وأيضاً ما أفادت الكلمة معنى أعطى قول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(الأعراف:96)، ويخبر الله تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) آي آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، وقوله تعالى: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) أي قطر السماء ونبات الأرض .

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (النصر) كما في قوله تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:52)، يعني فتح مكة، وقيل: يعني القضاء والفصل، وقوله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال:19)، يقول الله للكفار إن تستفحوا أي تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال أبو جهل، حين التقى القوم: اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح، وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ) يقول: لقد نصرت ما قلتم وهو محمد.

6 ـ الهوى:

تعني لفظة (الهوى)، لغةً: الموت، والحب، أما في التعبير القرآني فقد اكتسبت هذه اللفظة دلالة أخرى، وهي كما عرفها الراغب في المفردات: " ميل النفس إلى الشهوةِ… لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاوية " ، أي اتباع ما لا يحمد من الرغبات،ولا يحسن فعله من ذوي المكرمات، أي الرغبات النفسية الضعيفة ، نحو قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات: 40) .أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل.

ففي الآية الكريمة ورد النَّهي عَن (الهوى)، الذي هو اتباعِ الشَّهوات، والمَحَارم التي تشتهيها النفس وتهواها . فهو شيء مكروه، غير مرغوب فيه في الاسلام، بقرينة السياق المتأخر، في قوله تعالى: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:41)؛ لأن من ينهى نفسه عن الهوى ينال الجنة التي تكون مأواه، فبذلك يكون (الهوى) غير مرغوب فيه .

7 ـ أثر:

وردت كلمة " أثر " مرّتان فـي القـرآن الكريم، ووردت مشتقاتها 19 مرة، ومنها " يؤثر، آثر، تؤثرون، أثرى، آثار، يؤثرون، أثارة "،، وكلمة " أثر " ومشتقاتها جاءت علـى ستة أوجـه في المعنى، فجاءت بمعنى الاختيار والتفضيل كما في قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (يوسف:91)، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخَلْق والخُلُق والسعة والملك وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه.

وقد تأتي لفظة (أثر) بمعنى الدليل كما في قوله تعالى: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:50)، والأثر هنا المقصود به المطر قال بذلك ابن كثير في تفسيره للقرآن الكريم.

8 ـ سَلامٌ و السَّلام:

وردت كلمة سلام والسلام في القرآن الكريم بدلالتين فالأولى جاءت لفظة (سلام) على يحيى (عليه السلام) والثانية جاءت لفظة (السلام)على عيسى (عليه السلام)، قال تعالى في سورة مريم (: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا(14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) .

أما عيسى (عليه السلام) يقول تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32) وَالسَّلَامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33)َ).

وحِكمة مجيء (سلام) نكرة في سياق قصة سيدنا يحيى (عليه السلام) أن ذلك جاء في سياق تعداد نعم الله تعالى على سيدنا عيسى وإخبار من الله جل جلاله بأنه قد منح سيدنا يحيى (سلاما) كريما في مواطن ثلاثة: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة .

أما (السلام) في قصة عيسى (عليه السلام) جاء معرفة: لأن لفظ (السلام) هو كلام من سيدنا عيسى حيث دعا ربه أن يمنحه السلام في ثلاثة مواطن: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة.

فبِما أنَّ سَيدنا عِيسى هو الذّي دَعا، فمن المؤكد أنه سيُلح في الدعاء كما هي السُنة فيطلب المعالي. فلذلك عرّف (السلام) دلالة على أنه يريد السلام الكثير العام الشامل. الغزير. وهنا إشارة إلى أن السلام الذي حصل عليه سيدنا عيسى كان أخص من (السلام) الذي حصل عليه سيدنا يحيى، وأن سيدنا عيسى أفضل درجة في النبوة من سيدنا يحيى فهو من أولي العزم.

9 ـ ضَعْفٌ و قُوَّةٌ:

جاءت كلمة ضعف نكرة مكررة ثلاث مرات في آية واحدة في سورة الروم وجاءت كلمة قوة نكرة مكررة مرتين أيضاً بنفس الآية، يقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (سورة الروم:54) .

وهنا يجب التذكير بالقاعدةِ البيانيّة التي تفيد بأن النكرة إذا تكررت فإنها في كل مرة تفيد معنى جديداً. ولفظة (ضعف) نكرة تكرارها في نفس الموضع يفيد أن الضعف الأول غير الثاني وغير الثالث. فالمراد بالضعف الأول هو النطفة (ضعيفة فهي ماء مهين)، والمقصود بالضعف الثاني الطفولة؛ لأنه بحاجة إلى رعاية أمه في مرحلة الرِّضَاع وعناية خَاصة حتى يجتاز مرحلة المُراهقة ويصل البُلوغ، أما الضَّعف الثالث فيراد به الشيخوخة؛ لأنه يعود في مرحلة الشيخوخة ضعيفا عاجزا؛ يعاني المرء فيها ضَعف الفِكر، و ضَعيف الحرَكةِ وقلة وقُصُور السَّعي والنشاط .

أما كلمة (قوة) وردت نكرة وكررت مرتين، والكَلمَة جَاءت مَرتين بدلالتين أيضاً؛ القوة الأولى: قوة فترة الصبا (الصبي قوي مندفع كثير الحركة أما القوة الثانية: قوة الشباب، قوة الجسم والمشاعر والأحاسيس والهمة والعزيمة والانطلاق في الفكر والأحلام والطموح.

10 ـ الكافر والزارع:

من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم لفظة الكفار في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (سورة الروم:54) . ولكن خرجت اللفظة عن دلالتها المعتادة وهي الخروج من الملة والعقيدة . فالمراد بالكفار هنا الزراع، وهذا ما أشار إليه ابن قتيبه في كتابه " تأويل مشكل القرآن " حيث قال: " إنما يريد بالكفار هنا: الزراع، واحدهم كافر . وإنما سمي كافراً لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي غطاه، وكل شئ غطيته فقد كفرته، ومنه قيل: تكفّر فلان في السلاح إذا تغطى،ومنه قيل الليل: كافر؛ لأنه يستر بظلمته كل شئ، وهذا مثل قوله تعالى: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ) (سورة الفتح:29) .

11 ـ الظن واليقين:

من الألفاظ التي ترد قي القرآن بمعنيين لفظة الظن التي تفيد نعناها الحقيقي والتداولي ألا وهو الشك والتشكيك، ومعنى آخر وهو ضده أي اليقين، وهذا مثل الصبح الذي يقال له: صريم، ولليل أيضا صريم، يقول تعالى: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (سورة القلم:20)، أي سوداء كالليل، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل.

ومن هذا يقال لليقين ظن وللشك ظن؛ لأن في الظن طرفاً من اليقين، يقول تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (سورة البقرة:249)، أي يستيقنون، وكذلك قوله: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) (سورة الحاقة:20)، وقوله تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً) (سورة الكهف:53) . وكل هذا يقع في باب اليقين لا الشك.

12 ـ الأبصار:

من الألفاظ القرآنية التي جاءت في كتاب الله بمعنيين مختلفين لفظة (الأبصار) في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ) (سورة النور:43 ـ 44) إذ الأبصار الأولى جاءت بمعنى النظر، بينما الثانية جاءت بمعنى العقول .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عامر عبدزيد الوائليالمطلب الاول: في مجال تحليلنا التكويني للديانة المسيحيّة نجد أنّ هذه الديانة ارتبطت بشخص المسيح من خلال مدونة أولها بولص وبتوجيه من أستاذه (حنانيا) (1) وهي رواية من كان يعد العدو الأصوليّة للمسيحيّة، الا إنّه تحوّلَ من هنا جاء التأويل الرسمي للمسيحيّة، ومن خلال هذا التأويل تم تشكيل محور سرد للإحداث يكون بطله المسيح الرب،بالاعتقاد القائل: " أن يسوغ لم يكن يسعى لتأسيس ملك أرضي، بل جاء لهذا العالم بصورة مخالفة لأي صورة بشريّة؛ لأنه ليس من البشر ويحمل رسالة خاصة وفريدة، تتمثل بالموت على الصليب؛ ليفدي ذنوب البشر .فهو مسيح لم يأت ليخلص الإسرائيليين من حكم الرومان؛ ولكن ليخلص كل الناس من ذنوبهم، ويضمن لهم مملكة سماويّة دائمة في الحياة الأخرى). (2)وهكذا ولد بعد المسيح دين اسمه (المسيحيّة) له أسس يقوم عليها منها: أولاً، الإيمان بأن هناك ثلاثة آلهة هم: (الأب ويسوع الابن وروح القدس)، كما جاء في كتاب متى: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس "(28:19)، وثانياً أن يسوع، الابن الوحيد للأب، قد قتل على الصليب؛ لكي يفتدي ذنوب البشر بدمه، كما جاء في كتاب يوحنا " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد؛ لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة .لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم؛ ليدين العالم بل ليخلِص به العالم "(3:16-17)، وإذا ما آمن بهاتين العقيدتين فهو مسيحي، كما يقول يوحنا:"الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد أدين؛ لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد "(3:18)، فضلاً عن معتقدات أخرى ومناسبات وأعياد وثنيّة الأصل، مثل: (صلاة الأحد، وعيد الكريسماس وشجرة الميلاد وسانتاكلوس، والأيسر) وغيرها .(3)؛ فهذه الأفكار جزء من الثقافة الهلنستيّة، التي وجدت دعم السياسة الحاكمة الرومانيّة وخلقت وجود لها بين الاوساط اليهوديّة المستنيرة، وقد تجلّت في تأويلات بولص للثورة التي قادها المسيح، وقد جاءت استجابة للعقائد اليهوديّة التي تنتظر المخلص، لكن هذا التأويل يتقاطع مع قوى الثورة ضد الاحتلال التي كانت قائمة في وقتها من قبل اليهود وانتظارهم للمسيح المنتظر الذي سوف يقود الثورة ويغير الحال،وقد أظهرت بعض الدراسات الحديثة أنّ يسوع كان يمثل المسيح المنتظر بنظر نفسه وبنظر (الإسرائيليين في زمانه، من غير اليهود، من كان لا يزال ينتظر ظهور "مسيح" من بيت داود يعيد الملك إلى الشعب الإسرائيلي في شتاته، فاعترف بيسوع على كونه ذلك المسيح، وهبّ لنصرته . لكن مطالبة يسوع بعرش إسرائيل – وهي التي حدئت في "اليهوديّة" بفلسطين في زمن الرومان – اصطدمت بمقاومة شديدة من المؤسسة الكهنوتيّة اليهوديّة، وهي المؤسسة نفسها التي سبق لها أن تصدّت لمسعى جد يسوع زربابل إلى الملك على إسرائيل قبل خمسة قرون تقريباً؛ فأفشلته بطريقة أو بأخرى ."(4) ولعل قصة ولادة المسيح كما يذكرها متى، وهي تشير إلى توقعات المجوس لولادته، على أنه ملك اليهود المنتظر وليس ابن الله الذي سيقتل من أجل خطايا الناس .(انظر: متى: 1:1-2)

 كان للدولة الرومانيّة دور كبير في اختلاقها وتشكيلها ونقل الوحي من رحم اليهوديّة الى الغرب اللاتيني لغة وثقافة عبر بولص الذي كان يشكل خطاباً متكاملاً في أود حركة المخلِص (المسيح) من أجل إزاحة ثورة المسيح وتشويه حركة أنصاره من بعده،وهو بتأويله حول حركة المسيح من بعدها اليهودي كمخلِص وملك من نسل داود،إذ بعث الى اليهود (لم أرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة).(متى: 15-24)، إلى يوتوبيا دينيّة (لكنّه جاء؛ ليخلِص الناس من ذنوبهم ويؤسس لهم مملكة في السماء وليس في الأرض .و هذا يعني أن يستكين الناس ومنهم الإسرائيليون، أتباع يسوع، لحكم الرومان ولا يقوموا بثورات ضدهم كما حاول يسوع) (5) وكل هذا جاء بفعل اليهودي حنانيا، إذ جاء يسوع في الحلم وأخبره بأن يلتقي بشاؤول ...(6) على أساس هذه الروايّة اعتمدت سلطة الكنيسة التي أسسها بولص . وقد تكوّنت الأصوليّة من يومها ومارست نفي أيّ مخالف لهذه الرواية وعدّت تأويلها هو الاساس واعتبار كل مختلف معها بمجرد هرطقة .أو بدعة Secte؛ فإن البدعة:هي بالمعنى الواسع مجموعة من الأشخاص الذين يعتنقون المذهب نفسه . ويتم أحياناً تطبيق المصطلح على المدارس الفلسفيّة في الزمن القديم بدعة الرواقيين والمشائين ...إن البدعة الدينيّة مطبوعة بواقع أنّ أتباعها يلتحقون برأي تعدّه خاطئاً سلطة كهنوتيّة أو غالبيّة أعضاء كنيسة معينة .،فالأمر ليس رأياً وبحسب، بل هو انحراف . وهذا الانحراف يتناول إما العقائد، أو الطقوس أو النظام ويشكل في هذه الحالة الأولى هرطقة .

فالهرطقة يقابلها وجود أصوليّة؛ فلكي تكون هناك هرطقة، يجب أن تكون هناك مبادئ إيمانيّة أساسيّة، حقائق موحى بها، وأن تكون ثبتت هذه المبادئ وقننتها كنيسة شرعيّة، تمتلك سلطة مطلقة على صعيد الإيمان .... وبتعبير آخر يجب أن يكون هناك عقيدة رسميّة وإلزاميّة ولِنضِف أن العقيدة تضمّ بالنسبة للاهوتيين الكاثوليك، فضلاً عن المبادئ المحددة من التعاليم المعدة للتبشير العادي، بموافقة أكيدة من سلطة الكنيسة العقيديّة؛ فالمبدأ الإيماني يفترض، بالفعل، تدخلاً صريحاً من جانب الكنيسة، التي تحدد موقفها بخصوص نقطة من عقيدتها وتترجم بلغة دقيقة إحدى معطيات الوحي الإلهي ، أو تعاليم الكتاب المقدّسة أو التراث المسيحي البدائي . (7)

يبدو أنّ الديانة المسيحيّة هي التي سوف يقيض لها أن توضح مفهوم المبدأ الإيماني (الدوغما –الأصوليّة) والهرطقة، علماً بأن هذه الأخيرة سوف تتبدل بشكل محسوس على وفق المكان والزمان .

إن التعريف الكاثوليكي، أو خطأ إرادي ومتشبث به، متعارض مع مبدأ إيماني موحى به،وتعلمه الكنيسة هذه . ومن وجهة النظر التاريخيّة، ينبغي التوسع بالتعريف؛ لأنّ مفهوم الهرطقة موجودة، وإن كان بطريقة أكثر غموضاً، في كنائس أخرى غير الكاثوليكيّة .الرومانيّة .هكذا يعد الروم الأرثوذكس "اللاتينيين" هراطقة؛ لأنهم تبنّوا المبادئ الإيمانيّة التي لم تكن قد تحدثت عنها المجاميع المسكونيّة السبعة الأولى (كمبدأ وجود المطهِر). أما الكنيسة البروتستانتيّة؛ فكان لديها هراطقتها، على الأقل في البدايات. فلقد أدان ميشال سيرفيه، بهذه الصفة، وفعل لوثر الأمر نفسه مع القائلين بتجديد العماد . (8)

الفرق بين الهرطقة والبدعة:لا يصبح الفرد منتسباً إلى بدعٍ دينيّة إلا حين يستمر في أخطائه وينفصل بشكل مكشوف عن الكنيسة مع عدد من الأشخاص الذين يفكِرون مثله على صعيد الإيمان .؛ فالمرء لا يشكل بدعة لوحده، ولكن يمكن شخصياً، لوحده، أن يؤمن بهرطقة من دون أن يكون عضواً في جماعة هرطقيّة أو زعيماً لها . (9)

على وفق هذه الرواية تشكّلت نظرة الكنيسة الى الآخر، وقد جاءت اللحظة التي تشكّلت بها الأصوليّة الكنسيّة عندما فرضت رؤيتها للإيمان بكل أصولها التي جاء بها " بولص" وتمّ فرضها على الآخرين وبهذا تم اتِهام المختلفين معها كونهم مبتدعة كمجموعات أو هرطقة كأفراد ونفذ بهم، وكانت أول حالة تمت مواجهتها هي في طبيعة العلاقة مع اليهوديّة، إذ كان هناك موقفان منها: الاول "يعتبر أن الإنجيل لم يلغ الناموس، وينبغي الحفاظ على سبيل المثال، على طقس الختام؛ والثاني، الأكثر اعتدالا، فكان يقبل، بخصوص الوثنيين المهتدين إلى المسيحيّة، بإمكانيّة عدم الالتزام بالأنظمة القانونيّة الخاصة بشريعة موسى؛ لكنّ الالتزام بالرأي الاول، كان ذلك يقضي بجعل المسيحيّة بدعة دينيّة يهوديّة؛ أما في الحالة المعاكِسة؛ فكان ذلك يعني خلق فئتين من المسيحيين، فئة " التامين " وفئة "المتهودين" (10)

هذا الصراع قائم منذ ظهور "بولص" وتأويله للمسيح تأويل مختلف كل الاختلاف،فالذين واصلوا الالتزام بالعقيدة الأصليّة للمسيح اتُهموا بكوهم متهودين وإنهم الابيونيين وهم يذهبون إلى الاختلاف مع تأويل بولص؛ فيقولون إن المسيح ليس مولودا من الله الأب، بل مخلوقاً، وهو أحد رؤساء الملائكة، المالك على الملائكة وعلى كل أعمال القدير (11)، ويقولون إن المسيح نزل على يسوع يوم عماده في الاردن، وفارقه قبل استشهاده (12)؛ وهذه الهرطقة المتكونة من التوفيقيّة اليهو- مسيحيّة سريعة العطب جداً إذ لن تصمد أمّا الاندفاع للديانة الكوسموبوليتيّة الجديدة،صحيح أنها بقيت موجودة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ولكن سرعان ما اختفت بعدئذ؛ لعجزها عن حل مأزق الانتماء: الى اليهوديّة أو الى المسيحيّة .(13)

ولعل التلمود قام بالمهمة نفسها عندما وجّهَ نقداً عنيفاً للمسيحيّة،وهو يتناول شخصيّة المسيح وعائلته وتأويلاته للأحداث تظهر الزاوية نفسها التي قامت بها المسيحيّة على خصومها يوم اتّهمتهم بالهرطقة كأفراد وبالبدعة كجماعات؛ فهي بنظر التلمود البابلي الذي كان بعيداً عن سلطان الكنيسة الرومانيّة إذ يعيش في أجواء حريات دينيّة في ظل الحكم الفارسي (حيث يقدم التلمود البابلي ..بكلمات قليلة وأسلوب استطرادي مميز للنص البابلي –قصة مناقضة مدمرة وطموحة للغاية ضد قصة الرضيع في العهد الجديد)(14).إذ تمّ معاقبة يسوع كمهرطق وعدو لليهوديّة فـ (تخبرنا كيف يتشارك يسوع مكانه في العالم الآخر مع طيطس وبلعام، العدوين الأسوأ سمعةً للشعب اليهودي . وفي حين يعاقب طيطس على تدميره للهيكل بإحراقه حتى يصير رماداً، ومن ثم تجمع أعضاؤه ويحرق من جديد، وفي حين يعاقب بلعام برميه في سائل منوي حار، فإن مصير يسوع يتجلى بوضعه إلى الأبد ضمن براز يغلي)(15)

هنا يظهر كما هي متجذرة الأصوليّة في اليهوديّة في التلمود والتي أثارت ردود فعل عنيفة أشد أصوليّة من المسيحيّة؛ فالحرب الأصوليّة المسيحيّة كانت تأخذ بعدين الاول: في الداخل مع الهرطقة المسيحيين، والثانيّة مع الخارج ضد اليهود والمسلمين .

المطلب الثاني: موقف الاصولية المسيحية من الخارج معاداة الاسلام

متنوع وبخاصةً في العصر الوسيط،وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي،فهناك كثير من الصور النفسيّة أسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الاسلامي هي مجرّدة من الحقيقة بل مختلقة اذ يرتبط بها اختراع الآخر؛ لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف؛ (فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك إن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر)(16)؛ فإن تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها تبدو مضمرة؛ لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة، وارتباطها بالهويّة والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسيّة في كشف صورة الآخر، وهذا ما يمكن ملاحظته في (اختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والآخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربيّة، وفي مجال الآخريّة، فإن كان مجال الآخريّة في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخريّة في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك)(17)؛ فإن التصور عن الآخر كما قلنا هو فعاليّة نفسيّة مثلما هي سياسيّة تحاول أن تمنح الآخر توصيفاً او تنميطاً؛ وهو قد يكون سلبياً او ايجابياً، وعلى الرغم من أنه قد يكون سلبياً؛ وقد ظهرت كثير من الدراسات كشفت عن علاقة الغرب المستعمر بالآخر، وهي دراسات تدخل في نطاق يهتم بدراسة الاستعمار الكولونيالي، وما يحمله من تنميطات هومي بابل (Homi K.BahBah)؛ فهو يرى أن المستعمر يميل إلى تنميط المستعمر، من خلال وصفه بصفات ثابتة ومبالغ فيها، ويحرص على تكرارها، مثل وصف المستعمر بالوحشي والانحراف الجنسي .(18) من هنا نستطيع الاستدلال على طبيعة العلاقة " الغرب والإسلام "، لها كثير من المضامين الايديولوجيّة والنفسيّة والوجدانيّة؛ بل تركت أثرها في كثير من الصور النمطيّة في تصوير الطرفين كليهما أحدهما للآخر،وهذا جزء من علاقة الصراع الطويلة بين الطرفين في أثناء العصر الوسيط وحقبة الاستعمار ، شكّلت حضوراً وراسباً عميقاً في الخطاب الجمعي بكل حمولاته المعنويّة .اذ نستطيع من أن نعرض الى تحولات في تلك العلاقة وتحولاتها، التي صاحَبت الصراعات في العصر الوسيط (الحروب الصليبيّة)، ويمكن اجمال تلك الصراعات مع الاسلام بالآتي:

العلاقة التاريخيّة بين الاسلام والغرب:

دخل الإسلام إلى أوروبا فاتحاً في العصر الوسيط؛ لكنّه جاء ثانية بعد الاحتلال الاستعماري الغربي الى ديار الاسلام جاء الاسلام مع المهاجرين كعمال في الغرب .وقد تكون تلك العلاقة القائمة على النزاع قد تركت آثاراً نفسيّة وثقافيّة مازالت حاضرةً في النفوس وتظهر بأشكال متنوعة،وقد تحوّل إلى نزاع او إلى صدام عنيف قد يصل إلى درجة الصراع الدموي. يظهر بأشكال متنوعة من الممارسات السلوكيّة أوالإعلاميّة اتجاه الآخر؛ لهذا نجد أن العنفُ بين الطرفين سواء أكان اعتداءاً ضد المسلمين أم العكس يعد سلوكاً عنفياً يُعرَّف بأنه: أيّ عمل أو لفظ أو اتجاه سلوكي أو بنيّة أو نظام يُلحق ضرراً جسدياً أو نفسياً أو اجتماعياً أو محيطياً بالأشخاص أو يعيقهم عن تحقيق كامل إمكانياتهم البشريّة.من هنا تاتي ضرورة التأصيل من أجل تبيان الأحداث وأشكالها المتنوِعة بين التواصل والعنف .

 كان الغرب يحضر بقوة في الشرق وإفريقيا من خلال الوجود الروماني لكن بعد حضور الاسلام انزوى الوجود الروماني وتحوّل الغرب من مهاجم إلى مدافع اذ حضر الاسلام فاتحاً إلى أجزاء من الجزر والسواحل الأوروبيّة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع عن طريق الفتوحات الإسلاميّة. اذ دخل الإسلام إلى أوروبا منذ سنة 670 بعد الميلاد.؛ لكن لم يكن هناك انتشار واسع جدا له، تأسست في شبه الجزيرة الايبيريّة دول إسلاميّة في الأندلس وهي تسميّة عادةً ما يُقصد بها فقط الإشارة إلى الأراضي الأيبيريّة التي فتحها المُسلمون وبقيت تحت ظل الخِلافة الإسلاميّة والدُويلات والإمارات الكثيرة التي قامت في رُبوعها وانفصلت عن السُلطة المركزيّة في دمشق ومن ثُمَّ بغداد، مُنذ سنة 711م حتَّى سنة 1492م حينما سقطت الأندلس خلال حروب الإسترداد بيد اللاتين الإفرنج وأُخرج منها المُسلمون، علمًا أنَّه طيلة هذه الحقبة كانت حُدودها تتغيَّر، فتتقلَّص ثُمَّ تتوسَّع، ثُمَّ تعود فتتقلَّص، وهكذا، تغير إلى هجوم ، استنادًا على نتائج الحرب بين المُسلمين والإفرنج.وقد ارتكبت الفظائع بحق المسلمين من محاكم فتيش،والتحول الى المسيحيّة في ظل ضغط الكنيسة وقسوتها وعنفها الرمزي والجسدي يطارد العرب الموريسكيّة كان عنف رمزي يقوم على محو الهويّة الاسلاميّة وقد تجلّى بأشكال متنوعة من منع اللغة العربيّة وكتابتها في وقت كانت بمثابة ميراث معنوي (الحديث بالعربيّة كان يعني المخاطرة بجذب انتباه محاكم التفتيش).(19) وكان الختان ممنوع كعلامة تميز للهويّة لهذا (كانت عقوبة الختان هي النفي الدائم وخسران جميع الممتلكات، وبذلت جهود لتعقب اولئك الذين كانوا يقومون بعمليات الختان) (20) كانت تلك الاوضاع قد عكست موقفا غربيا عنيفا وعصابي اتجاه الاخر .

 لكن سرعان ما عاد الاسلام؛ ليشكل تحديا من جديد اذ خلال التوسع العثماني إنتشر الإسلام في دول البلقان ودول جنوب شرق أوروبا فأخذ الإسلام في هذه المناطق طابعا أوروبيا ذا صبغة تركيّة خصوصاً بين المسلمين الألبان والبوشناق والأتراك والغوراني. اذ خلال التوسع العثماني إنتشر الإسلام في دول البلقان ودول جنوب شرق أوروبا؛ فأخذ الإسلام في هذه المناطق طابعاً أوروبياً ذا صبغة تركيّة وبخاصة بين المسلمين الألبان والبوشناق والأتراك والغوراني. وتواجدت جاليات تاريخيّة مسلمة من التتار ومن الشيشان في كل من روسيا وشبه جزيرة القرم.

 

دكتور عامر عبد زيد لوائلي

رئيس مركز الفكر النقدي

..........................

(1) هنا نحن نعتمد على تأويل ابن قرناس، في كتابه مسيحية بولص وقسطنطين، دار الجمل، ط1، بيروت،2009م، ص9.هامش 1.

(2) نفس المرجع، ص 9-10.

(3) نفس المصدر، ص10-11.

(4) نفس المرجع السابق، ص 19 وانظر: كمال صليبي، يسوع قراءة جديدة في الإنجيل، دار الشروق، بيروت، (د.ت).

(5) نفس المرجع، ص132 -133.

(6) نفس المرجع، ص134-134.

(7) .ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، دار التنوير، ط2، بيروت، 2010م، ص15-16.

(8) المرجع نفسه، ص16-17.

(9) .ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، ص 18.

(10) نفس المرجع، ص 49.

(11)ابو موسى الحريري، قس ونبي، دار لأجل المعرفة، بيروت، 1985م، ص 128 وانظر: Epiphane,Panarion ,30/4.6.

(12) نفس المرجع، 129.

(13) ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، ص 49-50.

(14): بيتير شيفر، يسوع في التلمود المسيحية المبكرة في التفكير اليهودي الحاخامي، ترجمة، نبيل فياض، المركز الأكاديمي للأبحاث ط1، بيروت،2016م، ص37.

(15) نفس المرجع، ص34-35.

(16) الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 1999م، ص 21.

(17) نادر كاظم، تمثلات الآخر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2004م، ص 15.

(18) فاطمة حمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام، هيأة أبو ظبي للثقافة والتراث، ط1، ابوظبي، 2007م، ص 49.

(19) اندرو هوتيكروفت، الكفار، تاريخ الصراع المسيحية والإسلام، ترجمة، قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، ط1، القاهرة 2006م، ص 256.

(20) نفس المرجع، ص262-263.

 

عامر عبدزيد الوائليتأصيل المفاهيم: لكل مفهوم ظروف وحاجات موضوعيّة كانت وراء انبعاثه وتركت أثراً عميقا في ملامحه وتشكله الثقافي من زاويّة أيديولوجيّة ومعرفيّة، وانطلاقا من هذه المظاهر نجد أن الحفر الإركولوجي في دلالة المفهوم يعدُ أمراً ضرورياً من أجل تحديد ملامح المفهوم واشتغالاته التي من الممكن أن تكون ضروريّة من أجل نقله وتبيئتهِ في الثقافة العربيّة فإن مفهوم "الأصوليّة - Fundamentalism" من المفاهيم الإشكاليّة التي تثير كثيراً من المشاكل المفهوميّة والفلسفيّة معا؛ فهي وليدة اطار ثقافي غربي له مواضعاته الثقافيّة تكاد تكون مختلفة بين الغرب، والعالم العربي الاسلامي .

اولا: الفهم الأصولي في اللغة العربيّة والتراث:

اذ نجد أن للمفهوم معنىً في العربيّة وعلومها مختلف عنه في اللغة الانكليزيّة، ففي اللغة العربيّة: "الأصول" المتعلقة بعلوم الدين، ويطلق لفظ "الأصول" على مصطلحات مختلفة من أشهرها ما يدل على ثلاثة من العلوم الإسلاميّة هي: (أصول الدين وأصول الحديث وأصول الفقه)، ويسمى علم أصول الفقه، غالباً، بـعلم الأصول، ويعرَّف بأنه العلم بقواعد الفقه الإسلامي، وبإلادلّة التي تؤدي إلى تقرير الأحكام الشرعيّة(1) ففي الإسلام يرجعون في أحكامهم ومسائلهم إلاجتهاديّة إلى الأصول. (2) ويعرّف علم الأصول بأنّه "العلم بالعناصر المشتركة في عمليّة استنباط الحكم الشرعي "(3)، فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث (4) ويختلف منهج الفقه عن منهج علم الكلام فهناك منهجان لتشخيص الأصول و استنباطها: (منهج الأحناف، ومنهج المتكلمين)؛ ولكل منهما وجهة نظر ألِّفت على أساسها جملة من الكتب، أما منهج الأحناف فقد ركز على أساس اعتبار الفروع الفقهيّة لإمام المذهب هي المنطلق إلى التماس الضوابط الأصوليّة العامة ....أما منهج المتكلمين فيختلف عن ذلك المنهج اختلافاً كبيراً إذ يقوم "على تجريد قواعد الفقه والميل إلى الاستدلال العقلي ما أمكن فما أيّدته العقول والحجج أثبتوه ...")(5) ؛لكن هذا الاختلاف في الجوانب الجزئيّة أما بنيّة الخطاب فهي محكومة ببناء ونسق وهو المتمثل بالرؤيّة والمنهج البياني، في الأصل كفعل معرفي (هو الظهور والإظهار والفهم والإفهام)(6). فالالتزام بمنطق العلم جعله واعياً لدور اللغة بوصفها (منظومة لغويّة تؤثر في طريقة رؤيّة أهلها للعالم وفي كيفيّة مفصلتهم له وبالتالي في طريقة تفكيرهم) (7).

فإذا ما استعرضتا الخطوط العامة لهذه الإشكاليّة (اللفظ والمعنى) نجد أنها ضمّت مشكلة العرب، أي وضع العلامات المحددة للمعنى في علم النحو ومشكلة الأوزان الصرفيّة ومضمونها المنطقي في علم الصرف، ومشكلة الدلالة في ارتباطها بظاهرة الاتِّساع في كلام العرب في الفقه ومشكلة الحكم والتشابه وحدود التأويل ومسالة الإعجاز، وأصل اللغة في علم الكلام ومشكلة (سر البلاغة) في النظم، ثم علاقة ذلك بنظام الخطاب .

المستوى الأول العمودي "أي تفسير الخطاب": وهو يمثل المحور العمودي في مشاكل الإعراب في النحو والدلالة في الفقه وقصد المتكلم في علم الكلام وهو ما عرضه عابد الجابري في منطق اللغة ومشكلة الدلالة. ففي النحو كانت النظرة البيانيّة تنظر " إلى اللفظ والمعنى ككيانين منفصلين " ، ومركز العقل العربي على الإنتاج النظري(أصول الفقه) وهو ما لانجد له مثيلا في الثقافات السابقة(8)وهذا ما نلمسه في رسالة الشافعي فبعد إن تم تقنين البيان العربي على مستوى (المعنى) النحو وعلى مستوى المعنى معاجم اللغة جاء دور الشافعي وقد كان معاصراً للخليل وتلميذه سيبويه (المتوفّى 180 هـ) ومعاً نلمس أثر المنهج اللغوي في كتابه" الرسالة شكلا ومضمونا" وهذا يظهر التكامل بين النحو والفقه والكلام على مستوى المنهج بل على مستوى التشريع للعقل (9)، وقد رفض (الاستحسان)(10) لأبي حنيفة ورفض (المصالح المرسلة)(11) لمالك وأرجع كل شيء إلى لكتاب والسنة بوساطة القياس (12)

ثانياً: في اللغة الانكليزيّة وفي الفكر الغربي:

الأصوليّة (Fundamentalism) هي اصطلاحٌ سياسي فكري مستحدَث يحاول توصيف سلوكيات متنوعة بوصفها:" تمتلك نظرة متكاملة للحياة بكافّة جوانبها: (السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة)، وهي ناجمة عن قناعة متأصِّلة نابعة عن إيمانٍ بفكرةٍ أو منظومة قناعات، تكون في الغالب تصوراً دينياً أو عقيدةٍ دينيّة." ويمكن متابعة هذا المصطلح على النحو الآتي:

1- ظهر في الثقافة الغربيّة في توصيف ظواهر دينيّة مسيحيّة ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الامريكيّة في مطلع القرن العشرين بعد أن تمكّن مجموعة من البروتستانت من طبع اثني عشر مجلداً في الحقبة ما بين (1910-1915 م)بعنوان (أصول – شهادة – على الحقيقة)انتشرت في وقت وجيز بين المسيحيين الأمريكيين.ويؤيد هذا التأويل للحدث توصيف هربر بركمجيان - استاذ العلوم السياسيّة في جامعة نيويورك -:"فيرجع أصل الأصوليّة إلى فرقة من البروتستانت التي تؤمن بالعصمة الحرفيّة لكل كلمة في الكتاب المقدّسة ويدعي أفرادها التلقي المباشر عن الله، فضلاً عن معاداتهم للتفكير العلمي وميولهم إلى استعمال العنف و القوّة ؛لغرض فرض معتقداتهم "(13)وبهذا ارتبط المفهوم بضبط تلك المظاهر للسلوكيّة ثقافياً ودينياً من ضمن حدود المجتمع الأمريكي .

2- وهناك من يؤكد أنّ مصطلح الأصوليّة كمفهوم لم يبرز في المعاجم و الموسوعات الغربيّة إلا حديثاً، فهو لم يظهر في معجم روبير الكبيرعام 1966م، ولم يظهر في الموسوعة العالميّة في عام 1968م، سوى ما ورد في قاموس لاروس الصغير سنة 1966 م، وبكيفيّة عامة إذ يقول:"إن الأصوليّة هي موقف أولئك الذين يرفضون تكيف العقيدة مع الظروف الجديدة " وهذا ما أرَّخه الفيلسوف الفرنسي "رجاء جارودي" لهذا المصطلح وتاريخ ظهوره في المعاجم اللغويّة في فرنسا، وبيَّن أنَّ أول ما ظهر هذا المصطلح كان في معجم "لاروس الصغير" 1966م، وكان معناه عامّاً غير محدد ولا دقيق، وكان يُرمز به إلى: "مواقفَ عامةٍ لمجموعة الكاثوليك الذين دأبوا على التَّمَسُّك بالماضي، ورفْضِ كل جديد، وعدم القدرة على تكييف عقيدتهم مع ظروف الحياة وتطوراتها الجديدة في فرنسا"، وبعد ذلك بثلاث سنوات ظهرت الكلمةُ في معجم "لاروس الجيب" سنة 1969م، يقصد بها الكاثوليك وحدهم، وبخاصة الذين كانوا يتميزون بالاستعداد الفكري ؛لرفض التكيف مع ظروف الحياة الحديثة.

لعل هذا الانتقال بين الثقافتين الامريكيّة والفرنسيّة تشير إلى أنّه مفهوم حديث اعتمد من أجل توصيف مظاهر الثقافيّة ودينيّة تتسم بإعراض وسلوكيات متقاربة مما جعلت المفهوم ينمو في الثقافة الغربيّة ففي سنة 1984م ظهر "المعجم الكبير" في اثني عشر جزءًا "لاروس"، وقد أخذ المصطلح يتحدد معناه بشيء من الدقة والضبط والوضوح، فهو يعني داخل الحركة الدينيّة: "موقف الجمود والتصلب، والمعارضة والرفض لكل جديد ولكل تطور"، وكل الأمثلة التي ذكرها "لاروس" في معجمه توضيحًا لمفهوم مصطلح الأصوليّة، كانت مأخوذة من مواقف الكاثوليك في فرنسا، والتي جسّدت حركة الكفاح في ظل يبوس العاشر بفرنسا، من سنة.(1903-1914م)، وفي عصر الحداثة شهد المصطلح تطوراً كبيراً، وبخاصة بعد مؤتمر الفاتيكان الثاني، ثم انتقل المصطلح من مجال الدراسات الدينيّة الكاثوليكيّة، إلى مجال السياسة والاجتماع، إذا أريد به "المذهب المحافظ والمتصلب في موضوع المعتقد السياسي". وكان جاك ديبور يطلقه على "جماعة الكاثوليك الذين يرفضون كلَّ تطور وجديد، ويعلنون تمسكهم بالتراث".

3- إن المفهوم يبقى محاولة من قبل الباحثين في توصيف ظاهرة غربيّة دينيّة أو رادكاليّة تتسم بالشموليّة كانت في البدايّة تجتهد في توصيف الحركات الدينيّة المسيحيّة في الغرب سواء كانت من الكاثوليك أم البروتستانت.والعلامة الدالة على إنهما ينطبق عليهما مفهوم الأصوليّة هي لوازم الأصوليّة، رفضُ التطور، ومحاربة العلم، وعدم التكيُّف مع ظروف الحياة المعاصرة، طبعاً الحياة المعاصرة كما تراها المنظومة العلمانيّة التي تتخذ من الحداثة الصلبة معياراً لها في توصيف خصومها الذين تراهم لا يتوافقون من موجهاته في الرؤيّة والمنهج ولعل هذا ما وصفه ونقده هابرماس بمجتمع مابعد العلمانيّة ؛ لكن هذا الوصف العلمانوي يرى أن تلك المظاهر الدينيّة المسيحيّة تتسم بكونها تلتزم التشبث بالماضي التراثي، والمطالبة بالعودة إليه كمرجع أساس في مواجهة الحداثة المعاصرة.وهذا يعاكس مفهوم القطيعة والنسبيّة التي ترفضه الحداثة . وتصفه بأنه يحمل خطاب اقصائي يرفض الآخر ولا يقر بذهنيّة التسامح والحوار ويستعمل بدلهما القوة والعنف الرمزي .وهناك قراءاتٌ أخرى تنتمي الى المرجعيّة الحديثة نفسها، وقد حاولت أن تتوسع في تطبيق الأٌنموذج الغربي للأصوليّة فنجد غارودي مثلا يوسع المفهوم فيأخذ ابعاداً جديدة في توصيف ونقد أشكال من الأصوليات بقوله:"في الغرب ظهرت أمُّ الأصوليّات، وهي الأصوليّة الصِّهْيَوْنِيّة، وتحت عباءتها ظهرت الأصوليّة الماركسيّة والأصوليّة الرأسماليّة، ومن باطن هاتين الشرارة الأولى لنشاط هذه الأصوليّات هي إسقاط الخلافة العثمانيّة، بتدبير الأب الروحي للأصوليّة، وهو تيودور هرتزل ".(14)

4- توسع المصطلح الى خارج الخطاب الديني اذ حاول" غارودي " أن يوسع دلالة المفهوم في الربط بين نشاطات سياسة تتسم بكونها تحتكر الحقيقة وتمارس العنف الثوري من أجل الوصول الى غاياتها على الرغم من كونها متعارضة دينيا بين البروتستانت واليهود الصهاينة على الرغم من كون خطابهم علماني ؛ إلا إنهم مارسوا تأويل ديني و بين الماركسيّة والرأسماليّة على الرغم من كونهما خطابان شموليان بيد أنهما لاتعدان فرقاً دينيّة .(15) بعد أن كان مفهوم الأصوليّة يطلق (على وجه الخصوص لدى المسيحيّة (البروتستانتيّة) الأصوليّة تعني التركيز على المعنى الحرفي في تفسير الكتاب المقدّسة الذي يقابل التفسير الرمزي الكاثوليكي .واليوم هناك حركات دينيّة أصوليّة بروتستانتيّة تلتزم بحرفيّة النصوص وتحاول العيش على أسس تعاليم الكتاب المقدّسة. كمقابل للفكر العلماني في الغرب .(16)

الأصوليّة تعتمد على معايير تصنيف للآخر بوصفه مختلفاً عنها ولهذا تنتهج معه سلوك اقصائي، فإن هذا السلوك قد ألحق تشوهات من خلال أنواع البتر التي ألحقها هذا التراث إلارثوذكسي بنفسه من جراء حذفه وتصفيته لكل المدارس والمؤلّفات والشخصيّات الفكريّة ...التي عدّت "زندقة " أو منحرِفة (17)

أمّا عن تلك القواسم المشتركة التي صنّفت الأصوليّة الدينيّة فهناك ثلاثة ملامح تُكَوِن الأصوليّة المتطرفة منها:

- "هيمنة النزعة المحافِظة "وعلى هذا الأساس نجدها تعارض النزعة التحرريّة أو إلاجتماعيّة أو التنويريّة والحداثة. هكذا ؛فهي تعني الحفاظ على تقليد "الأصول" من دون تجديد ومن دون تطبيق معاصر، فالأصولي المتشدد يمارس حياته اليوميّة وفقًا لنظرة تاريخيّة قديمة مرتبطة بالماضي، إلا إنه يستعمل بعض وسائل الحداثة، مثل الوسائل الحديثة في النقل والعلاج والبناء"، بيد أنه عندما تتحدث معه عن الأسس الحديثة لنظريات الحياة السياسيّة وإلاقتصاديّة وإلاجتماعيّة والنفسيّة فإنه يرفضها بشدّة؛ لأنّها تتعارض مع فهمه للحياة من خلال موروث سلفي لا يصلح للانسان المخلوق بحسب صورة الله ومثاله، تاج الخليقة.

- طغيان الخطاب الديني: فالتدين يكون بمثابة العنصر المثبِّت للنزعة المحافظة التقليديّة، والمادة المتماسكة، والقويّة لأصول التقليد في الدين التي تُخضع كل ما هو علماني (الدولة، المجتمع، إلاقتصاد)، لكل ما هو ديني، وتُخضع الخاص (الحياة الشخصيّة للفرد) إلى العام (القيَّم إلاخلاقيّة الدينيّة "الشرع المقدّسة"). هكذا الأصوليّة الدينيّة المتطرفة تتخذ مواقف متشددة وغير متفهمة للسلوك البشري، وترفض المرونة إلاجتماعيّة في التعامل مع هذا السلوك، فهي دائماً تتصلب في فهمها لكل مجالات الحياة؛ فالفنون والموسيقى تُعد بالنسبة للأصوليّة مفسِدات، إلا إذا كانت تساعد على نشر رسالة الجماعة الأصوليّة وكما يغلب عليها التشدد وعدم ترجيح العقل المعاصِر في أحكامها.

- بروز الخطاب العنيف بحق المختلف: فهذا السلوك العنيف مقارنةً مع الملامح المشتركة السابقة يُعد العنصر الأكثر إثارة للأصوليّة المتطرِّفه، إن استعمال العنف باسم النزعة المحافظة في خدمة كل ما هو مقدّس، هو ما يلخص الحركة الأصوليّة، استعمال السلاح وسفك الدماء، والقتل الجماعي، وبتر إلاعضاء كعقاب و طرد وعزل الأقليات التميّزات القبليّة، التطهير العرقي وإلارهاب، كل هذا يندرج في بنود الأجندة اليوميّة للأصوليين في كل العالم وفي كل عصر.وهي مظاهر أُصوليّة متنوعة الأديأن اذ (على طوال عقد الثمانينيّات، قلما شهد العالم أزمة سياسيّة ذات شأن في أحد أرجاء العالم لا تقف وراءها يد الدين غير المتواريّة تماما .ففي الشرق إلاوسط، تصادمت كل الأديان و الحركات الأصوليّة في هذه المنطقة – يهوديّة كانت أم مسيحيّة أو مسلمة – على خلفيّة صراعات قديمة حول السلطة في إطار حروب أهليّة وغير أهليّة)(18)

 - الانسحاب والانفصال عن الثقافة المعاصِرة والعلاقات إلاجتماعيّة، والترويج لإيديولوجيا على إنها واحدة وساميّة تفسير شامل يمكن من خلاله تفسير جميع الظواهر ومعالجتها. عدم الاقتصار في النظام الجديد على السعي نحو تحويل النظام السياسي وإلاجتماعي فبحسب، بل صميم فكر الفرد أيضاً ، ورفع الحقوق الجماعيّة على حساب الحقوق الفرديّة، وتصنيف الحقوق بحسب الولاء للنظام إلاعتقادي، و خفض الحقوق الكونيّة، وقمع التنوّع، ومعارضة الديمقراطيّة والتعدديّة والفكر المتحرِّر بشدّة، والدعوة لإقامة دولة شموليّة توسعيّة

- تصنيف الأصوليّة الدينيّة:فضلاً عن تلك العناصر هناك من الباحثين من يضع تصنيفاّ للأصوليّة الدينيّة بذكره ثلاثة عناصر مشتركة تطبع الأصوليّة وهي: (الشموليّة، والنصوصيّة، وإلأنحياز المطلق).أمّا " الشموليّة " فهي مفهوم مأخوذ عن الكاثوليكيّة- تعني: أن جميع الأسئلة التي تفرضها الحياة الخاصة والعامة تجيب عنها تعاليم الدين أو الأيديولوجيّة.أمّا "النصوصيّة " فتعني: أن النصوص المقدّسةة تؤخذ حرفياَ من دون الدخول في تأويل أو تفسير بما يعنيه من استكشاف ملابسات أو طرح تساؤلات وغير ذلك.أمّا السمة الثالثة فهي "الأنحياز" يعني: الرفض المطلق ؛ لأي مساءلة لتلك المبادئ التي يعتقدها الأصولي، ورفض كل ما عداها.

- وقد اخذ المصطلح يصف مظاهر متنوعه عالميّة او مايعرف بوصفها " الأصوليّة الدينيّة" بجميع طوائفها (الهندوسيّة والإسلاميّة واليهوديّة والمسيحيّة والبوذيّة). ويبشر الأصوليون وكل مَنْ يلتزم بتعاليمهم، بالنجاة، ولا مجال في عالمهم لإثارة تساؤلات تنم عن حالة من الحيرة والقلق، أما مَنْ لا يتبع التعاليم، فيستحق العذاب).(19)

- وفي الحقبة الاخيرة يحاول الغرب تطبيق مفهوم الأصوليّة على الخطاب الاسلامي المعاصر بوصفه خطاباً اصولياً ينطبق عليه ما ينطبق على غيره من ضمن سياسة الحرب على الارهاب .

المعاجم العربيّة المعاصرة:

 التي يبدو أنها تخلط بين المعنى التراثي والمعنى الغربي المعاصرة، تعريف ومعنى أصوليّة في المعجم الوسيط، للغة العربيّة المعاصر. قاموس عربي عربي " أصوليّة " تدل الكلمة عادة على أنماط معيّنة من المحافظة الدينيّة سواء أكانت إسلاميّة أم مسيحيّة . وتتبع الأصوليّة الإنجيل أو القرآن حرفياً وتدعو إلى اتباع تعاليمهما وقيمهما في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة بما في ذلك الحياة الشخصيّة . فيدعو الأصوليّون المسيحيّون على سبيل المثال إلى تعليم ما يسمونه علم الخلق في المدارس وهو خلق الكون كما ورد في الإنجيل وبالضبط في سفر التكوين كونه حقيقة علميّة وتاريخيّة لا جدال فيها . ويُتّهم النقاد الأصوليين بعدم التسامح وتحريم كل شيء فيرد الأصوليون بأنّ لا مسعى لهم سوى العودة ببلدانهم إلى أصول الحضارة المسيحيّة وقيمِها الأخلاقيّة .

وأيضا نجد في "المعجم: عربي عامة " أُصوليّة، أُصوليّة، اسم مؤنَّث منسوب إلى أُصول، على غير قياس، جماعة أصوليّة . مصدر صناعيّ من أُصول، الأصوليّة، التمسُّك بكلّ اتِّجاه فكريّ أو دينيّ قديم . موقف فريق من المؤمنين يتشبّثون بالأصول والتقليد: " أصوليّة مسيحيّة، أصوليّة إسلاميّة "

 

ا. د.عامر عبد زيد الوائلي

............................

(1) الجرجاني، مجمع التعريفات، ص27.

(2) عبد المنعم الحفني، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ص76،

(3) محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول الحلقة الاولى، مؤسسة النشر الاسلامي، ط1، قم، ص 43.

(4) ن، م، ص50.

(5) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، دار الاندلس، ط1، بيروت، 1963م، ص 83-84.

(6) . محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ط2، بيروت، 1987م، ص556 .

(7) . محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص77 .

8 محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص 41 .

(9) . المرجع نفسه ، ص103. انظر تبعا للجابري ابا البركات عبد الرحمن بن محمد بن الانباري المتوفى سنة 577هـ في لمع الأدلة في أصول النحو ص80.

(10) . الاستحسان، قال به الحنفية خصوصا. وقد رفضه الشافعي معتبرا اياه عملا بمطلق الراي، أي بدون الاستناد إلى دليل شرعي. بينما يؤكد كبار الحنفية إن الاستحسان عندهم ليس هو العمل بالراي مطلقا بل هو ترجيح قياس خفي على قياس جلي. وبعبارة أخرى ايثار دليل على دليل يعارضه لمربع يعتمد به شرعا.

(11) . المصالح المرسلة أصل أخذ به الإمام مالك أول الأمر ثم تبناه اصحاب المذاهب الأخرى وسماه الغزالي (الاستصلاح) والمقصود به ثبات الحكم في واقعة لا نص فيها ولا إجماع على مراعاة مصلحة مطلقة وهي التي يرد في الشرع ما يشير ألا الاخذ بها أو تركها. انظر محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي ، جـ 2، ص112.

(12) المرجع نفسه ص110.

(13) ريتشارد هرير، الأصولية في العالم العربي، ترجمة عبد الوارث سعيد، دار الرقاء، ص 34.

(14) روجيه غارودي، الأصوليات المعاصرة، أسبابها ومظاهرها، تعريب خليل أحمد خليل (دار عام ألفين، باريس 1992م)، ص 13

(15) غارودي، الأصوليّة، المرجع السابق .

(16) انظر: مايكل أنجلو ياكوبوتشي، أعداء الحوار أسباب اللاتسامح ومظاهره، ترجمة عبد الفتاح حسن، الهيأة المصرية العامة للكتاب، ط1، القاهرة، 2010م، ص123-157-177.

(17) نفس المصدر، ص43-44.

(18) خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2005م، ص13.

(19) - جورج عوض إبراهيم، الأصولية الدينية المتطرفة، http://george3awad.blogspot.com/2012/11/blog-post_7.html

 

 

عامر عبدزيد الوائليإن البحث عن الأصول الارذوذكسيّة في المدوّنة اليهوديّة سواء كانت توراة أم تلمود، سوف يجعلنا نقف عند سلطة النص بكل حمولتها التيولوجييّة وتوظيف مؤسسة الكنيسة منذ بابل إذ تمّ تشكيل جهد الكتاب في سعيهم الى المحافظة على الهويّة اليهوديّة في ظل مجتمع بابلي متقدِم حضاري على الأصول الرعويّة لليهود إذ سعى كتّاب التوراة والتلمود فيما بعد إلى الموروث الشفوي، فأخذ هؤلاء بجمع الموروث القديم من (بابلي أو مصري أو كنعاني) وتوظيفه من لغاياتهم الشخصيّة؛ من أجل بلورة الهويّة اليهوديّة عبر الخطاب التوراتي التي تعود بالأصل إلى (أصول الحضارات الجزريّة وليست إرثاً لليهود، وإنما ارثٌ قديم الذي استظلت به الوجوه الملوّثة بالدم والحقد والكراهيّة) (1) ؛ فهذه النصوص تحمل أقنعةً واستعارات تعبِّر عن أهداف ومرامٍ عدوانيّة تنفي الآخر وتحلل ازاحته وقتله وسلب مقتنياته وأرضه . كما تتجسد في القراءات الاحيائيّة الأصوليّة في الصهيونيّة والأصوليّات الدينيّة الأخرى، فهي تحاول أنْ تجعل من الذات اليهوديّة أن تؤسس الاختلاف عن أعدائها، وتجعلهم خارج مورد الحق، وفي النهاية قتلهم واستباحة دمائهم.

لكن تبقى العوالم التي شكلتها النصوص المقدّسة ومنها التوراة والتلمود بمثابة عوالم تخيليّة تحوي كثيراً من الأقنعة والاستعارات فإن (التخيّل يمكن أن يقدم عالم الهجاء المنحط، أو عالم الأنشودة العاطفيّة البطولي، أو عالم الحكايّة المحاكي؛ لكنّ العالم الحقيقي محايد أخلاقياً، أمّا العوالم التخيليّة فإنها محملة بالقيّم، وهي تقدم لنا وجهة نظر عن وضعنا ذاته بطريقة تجعلنا – ونحن نحاول تبين موضعها – نلتزم في وضعنا الخاص) (2) في التأويل والقراءة اليهوديّة للنصوص نحاول دائماً أن نتخذ منها نماذج في العمل اليومي وبخاصة في تقليد النماذج المتخيّلة في التلمود والتوراة وتحولها إلى نماذج للفرد اليهودي يحاول تقليدها في علاقته بأخيه اليهودي أو بالآخر، متخذين من تلك النصوص فوق إرث الانسانيّة؛ بحجة كونها نصوص مقدّسة تعود الى الله، فإن الوصايا الإلهيّة للشعب اليهودي تسمو على الأفكار الإنسانيّة وبالآتي (يفترض ويفرض الانكفاء على الذات؛ والاقتناع بحيازة الحقيقة الإلهيّة؛ والخوف من التأثيرات الخارجيّة؛ والرجوع باستمرار للنصوص المقدّسة؛ والاشمئزاز من أي نصوص قد تؤثر في العقيدة . ويقدّم الإيمان دائماً على القواعد الدينيّة، فالإيمان بإله كلي القدرة هو وحده المبرر لكل الأوامر والنواهي الموجهة للإنسانيّة) (3)

1- عقيدة الصفاء العرقي والديني:

من الممكن أن نرصد بعض تلك النصوص في توصيفها للعلاقة بين اليهود والآخر، كما جاءت في التلمود مثلاً، (يجب ترك غير اليهودي اذا وقع في البئر) ويشرح الراباي جوزيف هذا القول: (فيما يخص عبدة الأصنام ورعاة الأغنام ليس هناك إجبار على اخراجهم من الحفرة التي يقعون فيها وإنما لا يجب إلقائهم في الحفرة) (4) فإنّ هذا التشريع يخفي رغبه قويّة في إزالة الآخر وإقصاءه بوصفه مختلف سواء كان يعبد الأوثان ام راعي يختلف عنهم بالمدنيّة؛ فهو أقل ولا يستحق أن يكون نداً، ولعل هذا ما تظهر التشريعات التاليّة: "اذا أقدمَ غير اليهودي على ضرب يهودي؛ فإن غير اليهودي يستحق القتل، لكن لايقتل اليهودي اذا قتل غير اليهودي، واذا قتل شخص يهودي شخص غير يهودي فإن اليهودي لايعاقب بالقتل، مايسرقه من غير اليهودي يمكنه الاحتفاظ به" (5) ؛ فهذه النظرة إلى الآخر تقوم على الإقصاء؛ لأنّه مختلف وأقل من اليهودي؛ فإنهم بهذا يفسرون المختلف للإنسياق معهم وقهره لصالح الأنا المتضخمة للمتجبر في حيز المتاح لها في التعبير عن نزعتها الإقصائيّة لإلغاء التنوع بقصد إرضاء جبروتها المدمِّر لكل أشكال التنوع. مشكلتنا إذاً تكمن في التخلص من سطوة آيديولوجيا المتجبِّر وتطرفه الفكري .وهذا ما يظهر بنظرتهم إلى الآخر بأنّ (أبناء غير اليهود حيوانات وإنّ بنات غير اليهودي قذرات منذ مولدهن) (6) ،ويظهر بنظرتهم إلى المسيح وأتباعه (المسيح وتلاميذه كانوا يمارسون السحر الأسود وكانوا حلفاء لغير اليهود؛ لكي يبدِّلوا الدين اليهودي) (7) وبالآتي فإنّ (الذين يقرأون العهد الجديد لا نصيب لهم في الآخرة) (8) وانطلاقاَ من هذا يرى التلمود أنّ على اليهود (تدمير كتاب العهد الجديد) (9) ؛ فهم يصفون غير اليهودي بـ(عابد الاوثان) أو اجنبي ومعناها يشمل المسيحي فهم يسمون الأمم الاخرى (أكيم) ؛ لانه قيل (إذا صلى يهودي وتقابل في طريقه مع (أكيم) يحمل صليباً وكان اليهودي وصل للنقطة الواجب الانحناء فيها؛ فعليه ولو كان قصده وموجها لله، الذي يحمل صليب لا شك أنه المسيحي) .(10) طبعاً هذه النصوص المقدّسة عند اليهود تجد ترجمتها في حياة اليهود إذ يقول اسرائيل شاحاك: "إذ شهدت بأم عيني يهودياً متطرفاً دينياً يرفض أن يستخدم هاتفه يوم السبت لاستدعاء سيارة إسعاف لشخص غير يهودي صادف أن وقع مريضاً في حارته في القدس "(11)

فهذه التفسيرات التلموديّة مهمّة في تفسير التوراة وبالآتي فإن الحكيم (التلمودي) له أهميّة، " تفوق أهميّة النبي؛ لأنه هو الذي يفسر رسالة الوحي وهو الذي يدمجها في حياة البشر، ومن دون التأثير الراسخ للفهم التقليدي للكتاب المقدّسة (أي التوراة) ، تصبح تعاليمه –أي تعاليم الكتاب المقدّسة – عرضة لتفسيرات قد تؤدي إلى تحطيم وحدة الثقافة اليهوديّة ".(12)

2- العودة إلى الأصول:

فكرة العودة إلى الأصول فكرة عميقة الحضور في الفكر الاسطوري فهناك دائما حياء دوري للأصول الاولى في السنة البابليّة وغيرها، يبدو أن الفكرة انتقلت الى اليهوديّة مع جملة تأميمها للأساطير القديمه، وأصبحت فكرة راسخة في الدين اليهودي اذ هناك أصل نقي لابد من احياءه وتمثله والصراع عن من يمثله تمثيلاً كاملاً (فالأصوليّة تعني تبني فكرة العودة إلى العقيدة القديمة الخاليّة من شوائب اندماج اليهود بغيرهم من الشعوب وأتباع الديانات الأخرى) . (13) فالاندماج وإن كان يجعل المواطن اليهودي يتخلص من أسر رجال الدين؛ إلا أنهم يبقون يطاردون بالتكفير وذوبانه في (أكيم) عبدة الأوثان قديماً وحديثاً، وبالآتي فهو السبب في ضياع دولة اسرائيل التاريخيّة بسبب الذنوب وعبادة آلهة الوثنيين جعلت الرب يسلِط الأقوام الجبابرة على اسرائيل وهذا حاضر بعمق في التوراة والتلمود وهذه المطاردة التي يقوم بها رجال الدين من اجل استعباد اليهودي؛ بحجة التكفير والطرد من الجنة،أو لكونه السبب في سقوط اسرائيل،أو السبب بعدم ظهور المخلص وهذا ما جاء في التلمود (سمعت صوتاً مقدساً ينوح كالحمامة يقول: "تباً للأبناء الذين بسبب خطاياهم دمّرتُ بيتي وأحرقتُ معبدي وشرّدتهم بين أمم ألأرض) .(14) فهذا النص الذي يرويه هذا الرابي يعبّر عن تفسير تلمودي للتوراة ويمارس ضغط على الضمير اليهودي ويحمِّله أسباب دمار دولة اسرائيل المتخيّلة، ويجعله مسؤول عن ما حدث عبر خروجه على العهد وباندماجه مع الأمين من غير شعب اسرائيل او قصوره في الطقوس والحقوق الشرعيّة التي يدفعها للمعبد .وقد واصل الكنيس اليهودي والحاخامات المحافظة على نقاء الشعب من الاندماج مع الأغيار،وجاءت الأصوليّة الصهيونيّة وقدّمت تأويلاً عنصرياً أيديولوجياً يستثمر الميراث التلمودي والحاخامات؛ من أجل توظيفه في بناء دولة اسرائيل المعاصرة .

3- عقيدة الخلاص (الماشيح المنتظر اليهودي):

هذا المفهوم ظهر في السبي عندما كان الشعب يرزح كان هناك من يؤسس لفهم جديد متأثراً فالفكر الفارسي (ربما أثارت الزرادشتيّة قبل ذلك ظهور فكرة المخلص في البوذيّة في صورة "متريابوذا" كما قامت إيران بدور هام بصفة خاصّة في حدوث تطور الإيمان المسيحي - اليهودي) .(15) وما قدّمه من عقيدة عن الخلاص وجدت تأثيرها في الفكر اليهودي خصوصا بعد ان قام قورش بإرجاع اليهود الى فلسطين؛ فإنّ عقيدة الانتظار تصبِّر اليهود وتجعلهم ينتظرون ظهور المخلِّص الذي سوف يدمِّر الأعداء ويعيدهم من الشتات الى دولة صهيون، اذ يعد المشايح عندهم يمثل نهايّة التاريخ اليهودي وقد تم تصوير هذا التاريخ على أساس الثنائيّة المانويّة بين الخير الذي يمثله اليهود والشر يمثِّله الأغيار؛ ( فهم يرون في ظهوره هو الخلاص الدنيوي، وأنه مرتبط بهزيمة قوى الشر وهم كل الأقوام من غير اليهود؛ لذلك فان المسيانيّة تحظى باهتمام كبير في اللاهوت اليهودي) .(16)

لقد جاءت كثير من النصوص التي وعد بها اله اسرائيل على جمعهم من كل شتاتهم إلى القدس، وإلى أرض إسرائيل، إذ سيحكمون بالعدل والسلام ويباركون بمحبة الله، ويتحقق هذا من خلال الشخص الموعود الذي يحكم في آخر الزمن بالعدل هو من نسل داود حصراً؛ لكنّ يهودا وحده هو الذي سيحقق النصر والخلاص،علماً بأنه لم يرد في العهد القديم ما يشير إلى أن شخصاً بطلاً منقذاً سيقوم بمعجزة؛ لتحقيق هذا الخلاص .(17) وهذا الخلاص يتحقق من خلال "فكرة الحرب" فالتاريخ لا يتغير الا بالحرب لهذا تجد فكرة الحرب، والصراع الدموي حاضرة في كتب اليهود المقدّسة -عندهم – ثابتة ومستمرة ومتصلة، تكاد تشمل من أوله إلى آخره؛ لهذا فإن العنصريّة اليهوديّة تحققت بفعل نفس اليهود المسبوكة بنيران الحروب .(18) وتبقي مقاومتهم لكل أشكال الاندماج هي التي تقودهم الى تغيير دينهم تلاقي مقاومة عنيفة منهم وفي هذا يقول بن ميمون: القول إنه على اليهودي الهجرة إذا ما أُجبر على انتهاك الشرع الإلهي: "عليه أن لا يبقى في دنيا ذلك الملك؛ وان يجلس في بيته حتى يهاجر". ويقول مرة أخرى، بإلحاح أشد: "عليه أن لا يبقى في منطقة التحول القسري بأي شكل؛ وكل من يبقى في مكان كهذا إنما يجدّف على اسم الله وهو شرير كالآثم عن قصد؛ أما بالنسبة لأولئك الذين يضللون أنفسهم بالقول: إنهم سيبقون حتى يأتي المشيح (المسيح المنتظر) ويقودهم في حرب إلى القدس؛ فلا أعرف كيف سيطهِرهم (المشيح) من وصمة عار تبديل الدين". (19) 

4- التأصيل العرقي للدين اليهودي (شعب الله المختار):

وهذا قد عبرت التوراة عنه مثل سفر التثنيّة بشأن الوعد (لأنّ أعينكم هي التي أبصرت كل صنائع الرب العظيمة التي عملها،فاحفظوا كل الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم؛ لتتشددوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي عابرون إليها لتمتلكوها ولتطيلوا الأيام على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرض تفيض لبنا وعسلاً .) تبدو هذه الأصوليّة على الرغم من طابعها الدنيوي وصراعاتها على الأرض كأي صراع بدوي إلا إنها تحاول أن تمارس دمجاً دنيوياً بآخرغيبي مقدّس من أجل جعل الصراع مقدس؛ فالمؤمن هنا يمنح كل ما هو نسبي ودنيوي طابعاً كونياً مقدساً على حساب الانسان وكرامته من أجل خرافات أو أضغاث أحلام، فـ(إن بني إسرائيل سيكونون طرفاً في علاقة تعاهديّة مع يهوذا فهو الإله الذي تصوِره التوراة بصورة الملك وهم الشعب الذي تصوِره التوراة بأنه شعب خاص بذلك الإله، ويلاحظ أن هذه النصوص تثير في النفوس شعوراً بالتفوق والعلو والتمييز على الأمم الأخرى) .(20)

يبدو أنّ غاية اليهود حرمان العالم من الأمن والاستقرار وأساس تلك الغاية الرؤية التلموديّة التي تقول "يجب على كل يهودي أن يسعى لأن تظل السلطة على الأرض لليهود من دون سواهم وقبل أن يحكم اليهود باقي الأمم يجب ان تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم، وسيأتي المسيح الحقيقي، ونحقق النصر القريب، وحينئذ تصبح الأمة اليهوديّة غايّة في الثراء؛ لانها تكون قد ملكت أموال العالم جميعاً ويحقق أمل الأمة اليهوديّة بمجيء إسرائيل، وتكون هي الأمّة المتسلِطة على الأمم الأخرى عند مجيء المسيح ".(21) ؛ فهذا النص مثلما يسوِغ تقبل الصعوبات بالأسر أو الشتات؛ فهو ايضا يواصل الضغط على الفرد وجعله مذنب بحق المقدّسة؛ لكونه لم يمارس الطقوس وطاعة رجال الدين؛ فهذا يجلب الذنب،ويقود الى انتقام الإله من ذنب الانسان، فالكتب المقدّسة اليهودية تطارد الانسان وتحاول تطويعه من أجل غاياتها الماديّة؛ ؛ لهذا فهي ترسم له أصل متخيل متعالي على الاجناس الأخرى عرقيا ودينيا؛ من أجل المحافظة على وحدة الجماعة اليهوديّة في مواجهة التأثيرات السلبيّة للأغيار، فالجيتوعلى الرغم من كونه سلب اليهود في (الحقوق والعدالة وحق الدفاع عن النفس) ، إلا إن هذا الوضع أرحم في نظر السلطة الدينيّة من الذوبان في الواقع الاجتماعي للأغيار؛ لأنه في هذه الحالة يخرج من هيمنة رجال الدين والمؤسسة الدينيّة .واليوم في المجتمع الاسرائيلي هناك صورة متشددة لتعريف اليهودي فإنّ أتباع المذهبين (المحافظين والأرثوذكسي) لا يجيزون الزواج من هؤلاء المتهودين أو من يمثلهم بل يعدون النسل عن مثل هذا الزواج أبناء زنى (22) ، اكيد يمكن القول لا توجد ديانة معصومة عن التعصب، ولكننا وجدنا ان هذه الترسانة من النصوص التي تحض على نفي الاخر وتجوز قتله وتصوره بصور نمطيّة،فهذه المؤسسة غير المتسامحة بل الأصوليّة غير المنفتحة وغير متحاورة، ولا تقبل مراجعة نفسها، وتعتقد انها تمتلك الحقيقةوتريد اخضاع الاخرين لها اكيد هي سبب كل المحن التي خلقتها لليهود على اختلاف اجناسهموأوطانهم ومذاهبهم، واليوم نجد هذه الأصوليّة تجد ترجمتها في دولة اسرائيل .

 

الدكتور عامر عبد زيد الوائلي

..............................

(1) ناجح المعموري،أقنعة التوراة، دار الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، غمان، 2002م، ص9.

(2) عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء –المغرب، ص56-57.

(3) إيمانويل هيمان، الأصولية اليهودية، ترجمة، سعد الطويل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2012م، ص24.

(4) عاطف عثمان حلبية، غرائب التلمود،ج1، القاهرة، ص 25.

(5) غرائب التلمود المصدر السابق، ص27-28.

(6) المرجع السابق، ص28.

(7) المرجع السابق، ص30.وانظر: بيتيرشيفر، يسوع في اللمود المسيحية المبكرة في التفكير اليهودي الحاخامي، ترجمة، نبيل فياض، المركز الأكاديمي للأبحاث، ط1، بيروت،2016م.

(8) المرجع السابق، ص32.

(9) المرجع السابق نفس الصفحة .وانظر في هذا الصدد ايضا: روهلبخ، الكنز المرصود في قواعد التلمود، ص51-55. وانظر ايضا منير العكش، تلمود العم سام، رياض الريس، ط1، القاهرة، 2004.م وفي هذا الكتاب لقاء الاصولية اليهودية والاصولية المسيحية وهو ما سوف نقف عندها في هذا البحث .

(10) روهلبخ، الكنز المرصود في قواعد التلمود المرجع السابق .

(11) اسرائيل شاحاك، تاريخ اليهود وديانتهم عبء ثلاثو آلاف عام، ترجمة، ناصرة السعدون، دار كنعان، طبعه خاصة،2012،ص 29.

(12) ألان أنترمان، اليهود عقائدهم الدينية وعباداتهم، ترجمة، عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، القاهرة، 2004، ص107.

(13) عبد الأمير زاهد وفكري جواد، الأسس الدينية للأصولية في الأديان الإبراهيمية، ص19.

(14) غرائب التلمود، المصدر السابق، ص127.

(15) جفري بارندر، المعتقدات لدى الشعوب، الكويت، 1993م، ص 104بواسطة: رشيد باني الظالمي، ألميثولوجيا في النص التاريخي والديني، ص131.

(16) فكري جواد، الأسس الدينية للأصولية في الأديان الإبراهيمية، ص21.

(17) رشيد باني الظالمي، ألميثولوجيا في النص التاريخي والديني، مصدر سابق،ص128.

(18) انظر: حسن ظاظا واخرون، شريعة الحرب عند اليهود دار الاتحاد العربي للطباعة،ط1، الاسكندرية، 1976م، ص 16.

(19) من مقدمة المترجم، ابن ميمون، رسالة اليمن، ترجمة وتقديم نبيل فياض،ص6،موقع:

http: //www.nabilfayad.com/%D9%83%D8%AA%D8%A8.html

(20) فكري جواد، الأسس الدينية للأصولية في الأديان الإبراهيمية، ص27.

(21) صفوان الشوادفي، اليهود نشأة وتاريخاً، دار التقوى للتوزيع والنشر،(د.ت) ، ص67.

(22) - أنظر: عرفات عبد الحميد فتاح، اليهودية عرض تاريخي، دار عمان، ط1، عمان، 1997 م، ص128.

 

مجدي ابراهيمليس من الحكمة في شيء أن يسلك الإنسان سلوكاً في الحياة يجيءُ على النقيض ممّا يعتقد. وليس من الحكمة في شيء أن يعتقد الرجل بلسانه ثم يفعل الفعل فيخالف فعله اعتقاده؛ فهذا مع كونه تدليساً يؤدي بالضرورة إلى النكوص الأخلاقي فهو أيضاً من جانب آخر يعدُّ سفاهة عارمة بالفوضى السلوكية والتخبط المعرفي وعدم الانضباط الخلقي والبعد عن الدين. إنّما الحكمة تقتضي أن يكون الإنسان على الدوام عالماً بما يعتقد سالكاً لهذا الاعتقاد. وعليه؛ فالعلم وحده لا يكفي، والمعرفة المُرَادفة للعلم وحدها لا تنهض دليلاً على إنسانية الإنسان؛ فلا يكفي مثلاً أن أعلم نظراً عن الشيء أنه كذلك، بغير أن يكون لديَّ الخبرة الكافية التي تؤهلني لإدراكه ذوقاً فضلاً عن العلم به؛ لكأنما الخبرة والتجربة شيءُ، والعلم بالشيء كما هو عليه شيءٌ آخر. أعني أن التجربة المُعاشة هى الفيصل في جميع الخبرات التي يُراد لنا معرفتها؛ فنحن لا نكون جديرين بالمعرفة ما لم نكن في أنفسنا أهلاً لهذه الخبرة التي من شأنها أن تجيء كما لو كانت متلبّسَة بها.

إدراك الشيء بالعلم وحده لا يكفي، ودرجة العلم مع أهميتها الضرورية في الحياة ضعيفة جداً. وعلمك عن الشيء كما هو ليس هو حقيقته؛ فَهَبْ أن أمامك الآن كوباً من الماء، وكوباً من شراب آخر لا يختلف عن لون الماء، وكوباً ثالثاً لا يغاير ما هو ممتلئُ به من حيث اللون الكوبين الأولين؛ فمن أين لك بمعرفة ما في تلك الأكواب الثلاثة لو أنك قصرت النظر فقط على إدراك الحاسّة البصريّة الظاهرة؟ تبقى بعد ذلك الخبرة التي تطلعك ذوقاً بمقدار ما في الأكواب الثلاثة من "حقائق"، ومن ثمّ نستطيع التمييز بينها. والخبرة التي نعنيها هنا هى "التذوق"، بالذوق تُفَرِّق طعم الماء من طعم الزيت من طعم الخمر مثلاً، لو نقلت العلم إلى ميدان التذوق.

وكما أن ها هنا تذوقاً حسياً، فهنالك أيضاً تذوق معنوي روحي؛ فالخبرة إنما هى التذوق. بينما العلم هو علمك بالشيء قبل أن تجري عليه اختبار التذوق، أي قبل أن تختبر طعم الماء وتميزه عن غيره من طعوم ومشروبات.

وعلى هذا؛ تصبح تجربة التذوق غير تجربة العلم، وكذلك ذوق طعم العسل مثلاً غير العلم به وصفاً عن طريق الغير؛ فلو أن أحداً قال لك إن هذا كوباً ملئ نصفه عسل وأن طعمه حلو المذاق، فلا يفيدك وصفه علماً بطبيعة العسل إلا حين تتذوّقه، فالعلم الذي أخذته عن الغير شيء، وذوق طعم العسل شيء آخر. في مثل هذا الذوق تحوَّل العلم إلى إدراك. وكذلك تجربة الإحراق بالنار؛ فإنّ ذوقها غير العلم بها عن طريق الغير. فهذه وتلك أمثلة هى من الفوارق الضروريّة التي تطلعنا على مدى الصحة التي يتوخَّاها العارفون في التفرقة بين "الذوق" و"العلم".

فالذين يندرجون تحت ما يسمى بأرباب الأحوال وأصحاب المواجيد والأذواق هم يخبرون الأشياء بخبرات روحيّة ويتعاملون معها، وهم في الحق يتعاملون مع حقائق علويّة يدركونها إدراكاً ذوقياً يحتاج بداهة إلى ممارسة واختبار؛ فلا يغني العلم بها فتيلاً ما لم تخضعه للمعايشة والسلوك والحياة لحكم الحال.

ثم يصفون هذه الخبرات وصفاً صادقاً من طريق "الذوق" أيضاً لا من طريق "العلم"؛ فإذا هذه التجارب الناتجة عن الممارسة تتميز بذاتها عن العلم. فالفرقُ هاهنا واضح بين من يعلم عن الشيء طبائعه من خارج، وبين من ينفذ إلى أسراره وحقائقه حين يخوض عباب التجربة، فيدرك ذوقاً حقيقة ما رأى وحقيقة ما شاهد، أي يدرك حقيقة هذا الشيء من العمق والفحوى والمضمون. وليس نصيبنا نحن من الفهم ما نعلم أننا نفهمه بل نحن نفهم أشياء شتى بالبديهة والخيال ولا نعلم بها، وهى تعمل عملها في الإحساس والتفكير.

من هذه الفوارق البسيطة تتميز حكمة العارفين الذوقيّة عن حكمة النُّظار من الفلاسفة والعلماء والمتكلمين : الأولى لا شك تخضع لسلطان الحال، وتجرى في الحياة الروحيّة مجرى التذوق والمعايشة والحياة عن طريق الفعل والعمل والتطبيق : تطبيق الفكرة على الواقع العملي، والاعتقاد على السلوك الفعلي.

والثانية : تدور حول العلم لا حول الإدراك، ولا تعترف بشيء غير ما يعطيها النّظر المجرّد عن لواحق العمل والتنفيذ، ولو كانت في ذاتها ضد التذوق في الأصل والمصدر. حكمة العارفين هى التي قال فيها سيد الخلق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه :"إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهداً في الدنيا، وقلة منطق (أي صمت) فاقتربوا منه؛ فإنه يُلَقَّن الحكمة".

فليس من الحكمة في شيء مثل هذا التكالب المسعور على زخرف الدنيا في غير مرضاة الله. وليس منها كذلك في شيء مثل هاته الثرثرة الفارغة من الوعي والعقل ودلالة العمل الكريم. وقد قيل إن آفة العلم والعلماء هى الخوض في الباطل، في الثرثرة : الثرثرة في الونسات وفي الصحف وفي الفضائيات، وفي اللقاءات، وفي المؤتمرات وفي الندوات، وفي الجرائد والمجلات؛ وفي سيرة الناس، والخوض في أعراض خلق الله بالباطل، وتشويه سمعتهم ونعتهم بما ليس فيهم.

هذه ضروب من الثرثرة وأدناها الثرثرة في الحديث بالعلم.

وأكثر الناس إشارة إلى الله أبعدهم عنه، "وما دُمْتَ تُشيرَ فلَسْتَ بموحِّد"، وما دُمْتَ تثرثر بالحديث عن العلم المعزول عن دنيا العمل الفعلي؛ فأنت أبعدُ ما تكون عن الأخلاق، وعن العلم، وعن الدين؛ لأن العالم الحق لا يحدّث الناس كثيراً بالثرثرة التي لا فائدة منها. العالم الحق يدرك أنه مُقَاربٌ من الحضرة الإلهيّة، وحضرة المعرفة كما صَوَّرها العارفون بالله إنّما هى حضرة بُهْت وسكون لا حضرة ثرثرة وصياح.

*    *     *

الله في عون العبد ما دام العبد في عون نفسه على طريق الله. ومن عون نفس العبد على طريق الله أن يفهم كلامه، وأن يتقرب إليه به، وأن يراقب نفسه من خلاله، وأن يكون بالقرآن خلوصاً في القصد والتبعة، وأن يعقل من حكمة هذا الكلام بمقدار ما يفهم، ولا عقل له ولا فهم وهو بعيد من حيث يظن القرب؛ لأنه بعيدٌ عن فهم القرآن، وقد تَرَادَفَ فهم القرآن مع الحكمة فقيل في حقه إنّه الحكمة بعينها، وما الحكمة إلا فهم لطائف القرآن ووجوهه ومعانيه كما حكى عن الإمام على بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال :"لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب؛ لفعلت".

بالقرآن تتوارد على قلوب العارفين نفائس الحكمة ولطائف العرفان. وبالقرآن ينظرون ويفكرون ويتأملون ويعيشون أخلد الحيوات. ومن أجل ذلك؛ فهم يخرّجونَ من القرآن على منهج الذوق لطائف ومعان قلَّ أن تجد لها مثيلاً في تخريجات المفسرين وتفسيرات العلماء والحكماء والمؤولين. من ذلك أنهم قالوا : ما من آية من في القرآن إلّا ولها سبع معان : ظاهر، وباطن، وإشارات، وإمارات، ولطائف، ودقائق، وحقائق. هذه سبعة ألفاظ لسبع معان، لسبع طوائف يفهمون القرآن على نحو لا يفهمه به سواهم؛ فالظاهر للعوام، والباطن للخواص، والإشارات لخواص الخواص، والإمارات للأولياء، واللطائف للصديقين، والدقائق للمحبين، والحقائق للنبيين. ثم قالوا : تحت كل كلمة، بل تحت كل حرف بحرُ حِكَم عجاج ذو قعر مواج؛ فإذا قرأه الشاهد من العارفين والصادق من الخائفين أعطى بكل حرف ذهن، ولكل ذهن ألف فهم، ولكل فهم ألف فطنة، ولكل فطنة ألف عبرة، والعبرة لا تقوم بها السموات والأرض؛ فذلك قوله تعالى :"ومن يؤتَ الحكمة فقد أُوتىَ خيراً كثيراً"، يعني فهم القرآن ومعانيه" (أ. هـ).

ولربما قُوبِلتْ هذه العبارات بالسخرية والتهكم والمناكرة من أناس لا ترتفع عقولهم ولا أرواحهم فوق النعال التي يدوسون بها قُرَاب الأرض؛ فينكرون أن يكون لهذه الحقائق وجودٌ على الحقيقة في الواقع ملموس. وإنما هى فيما يرون مجرد تخيّلات أو أشبه بالتخيّلات لا وجود لها إلا في أوهام قائليها! فهم معذورون؛ لأن أرواحهم في عزلة عن هذه المعاني؛ ولأن عقولهم المحدودة بحدود ما تفكر فيه لا تدرك غير ما تدركه السائمة، إنْ صح للسوائم أن تدرك ما يدركه إنسان! على أن إدراك السوائم والحشرات قد يكون فيه النفع لجنسه أكثر من إدراك الآدمي الذي حمل تبعة الأمانة وهو ظالم لنفسه جهول.

هم معذورون؛ لأنهم يلهون ويقودهم اللهو إلى السّهو بعيداً عن حظيرة الإيمان. ولا شرط لفقه القرآن إلا شرط البقاء دوماً على الإيمان، وعلى معدنه الأصيل الذوقي في طوايا الكرماء الأصلاء من بني الإنسان. قال الفضيل بن عياض :"حاملُ القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، ولا يكون له إلى مخلوق حاجة، حتى الخلفاء فمن دونهم ينبغي أن يكونوا محتاجين إليه". وعن ابن عباس رضوان الله عليه إنه قال :"من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممّن أُوُتىَ الحكمة صبياً". وعن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال :"من أُوتِىَ القرآن فقد أدرجتْ النُّبُوّة في جنبيه إلا إنّه لم يوح إليه". وقال عليه السلام :"الماهرُ بالقرآن مع السَّفرة الكرام". وأقلُ ما يُقال فيمن يطالع هذا الكلام أن يدعو الله بصدق ليقول : اللّهم اجعلنا ممّن أطلعتهم بفضلك على حكمة القرآن.

وأقلُ ما يُقال كذلك أن ينظر الناظر إلى الآية الكريمة في سورة الفرقان (آية 63) حين تصف عباد الرحمن :"وَعِبَادُ الرَّحْمَن الذّينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرض هَوْنَاً وإذا خَاطَبَهُم الجَاهِلُونَ قَالوا سَلَامَاً "؛ ليطالع أدب القرآن مع المنكرين والمستخفين من جهة، ويطالع من جهة أخرى أدب القرآن فيمن يتحلىَ بأدبه ويعيش حياته على هداه.

فالقارئ مرجوُّ أن يلاحظ معي ظاهر المعنى في كلمة "هوناً" أي : مشياً هيناً ليّناً ذا سكينة ووقار. والقارئ مرجوُّ كذلك أن يقلِّب في ذهنه معنى كلمة "هوناً" ليحدّدها كما أحددها أنا تحديداً يخرجها أو يكاد عن مرادها القاموسي إلى حيث الاستهانة.

وهو مرجوُّ مرة ثالثة أن يقرأ الآية مراراً ليرى فيها مثل هذه الاستهانة بعد التحديد على ضربين :

(1) استهانة اتصال.

(2) استهانة انفصال.

فأمّا استهانة الاتصال؛ فلأن عباد الرحمن الموصوفين في الآية الكريمة، نظراً لاتصال قلوبهم بالحق، لم يشهدوا غيره ولم يبصروا سواه، هانت عليهم خِلاق العبيد لا لشيء إلا لأنهم عباد على الحقيقة، قد نظروا إلى الحق باعتبار كونهم عباداً لا عبيداً؛ فاكتملت رؤيتهم للحق في القلوب والسرائر؛ فلم يشهدوا غيره أصلاً؛ فإذا خاطبهم الجاهلون خطاب الغفلة والسَّفَه والطيش والفجور الذي هم به محجوبون، كان شهودهم للحق يدعوهم إلى البقاء في معيّته لا في معيّة الخلق؛ فهم على الدوام في معيّة الرحمن، وهم بتلك المعيّة محجوبون عن رؤية الخطاب أو سماعه من أولئك الذين تسفّهوا عليهم بطيش الخطاب.

هذه هى استهانة اتصال يكون فيها عباد الرحمن على صلة قوية بالله يستهينون فيها بسواه، ولو كانوا فجّاراً جبابرة. أمّا استهانة الانفصال؛ فلأنهم عباد الله على الحقيقة، ما كان يمكن لهم أن يعترضوا على الجاهلين في سفه الخطاب، وهم يرون أفضال الله تعالى مسبوغة على خلقه، ومن بينهم أولئك الذين يعصونه ولا يطيعونه. وفي الحق ما عصوا إلا أنفسهم، وما أضافوا إليها إلا الصّغار والموات والعدم والفناء.

ففي الطاعة لا شك حياة، وفي العصيان دمار وموات؛ ولأنهم عباد الرحمن على الحقيقة؛ فقد عرفوا من هذه العبودية أن الله تعالى ما كان عطاؤه مقصوراً على عباده وكفى، ولكنه أيضاً عطاء مشمول لعبيده؛ فاحترموا قضاء الله المبرم على عبيده حتى إذا ما صَدَرَ عن العبيد خطاب فيه من الطيش والفجور ومن السّفه والضلالة ما من شأنه أن يؤذي عباده على الحقيقة، كان استقبال العباد لهذا الخطاب، عينه أو مثله، ضرباً من ضروب العبودية؛ لأنه ضرب من التسليم المطلق بقضاء الله على عبيده والرضا به من خلف حجاب السبب، ولو كانوا من الجاهلين.

تلك كانت ولا ريب استهانة انفصال : انفصال السّر عن رؤية شرور العبيد، واتصال من جهة أخرى برؤية أقدار الله فيهم. ولكونه منفصلاً من تلك الجهة لا جَرَمَ كان السّر متصلاً بالجهة العلويّة؛ فهؤلاء العباد الموصوفون في الآية الكريمة بأنهم "عباد الرحمن"، متصلون من جهة، منفصلون من جهة أخرى. متصلون بجهة الحق فهم يستهينون بأفعال الخلق الذين هم من طائفة العبيد. ومنفصلون عن جهة الخلق فهم يستهينون بأفعال الخلق لا من أجل الخلق في ذواتهم بل من أجل مراعاة أقدار الله في خلقه وفي عبيده.

ومن أجل أنهم يفهمون دلالة هذه الأقدار فيراعونها مع الاحترام مراعاة اللطف والشفقة بالعبيد فهماً عن الله، فهم إنما يمشون على الأرض هوناً محفوفاً بالسكينة والوقار، وهو في الوقت نفسه محفوف بالاستهانة بأفعال العبيد وبأخلاق العبيد؛ لا لشيء إلا لأنهم (العبيد) يجهلون أقدار الله فيهم، في حين يعلم العباد من هذه الأقدار ما من شأنه أن يجعلهم قادرين على تحملها، وتحمل ما يصدر عنهم من أعبائها ولسان حالهم يقول : سلامُ سلام، لكنه سلام مُتَاركة وتجنُّب لا سلام تحية واتصال. وهو، من بعدُ، سلام انفصال مع احترام قدر الله المشهود فيهم من خلف حجاب الأسباب والأفعال، وهو شهود لا من أجل العبيد، ولكن من أجل الله وكفى. والله، الله، على ألطاف الله بعباده في كل حال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمد بنيعيشأولا: البنية النفسية وجدلية الحقيقة عند الغزالي 

ليس الموضوع مجرد نبش في التراث وسرد ما فات وكأننا لا نعيش ونعاني مما ما نحن فيه من الآفات،ولكن الأمر يتعلق هنا بوصل الفكر الإسلامي بالإنساني العالمي بعضه ببعض على مستوى المشترك النفسي والمنهجي المؤدي إلى فهم الواقع والتفاعل معه،وذلك من أجل ضمان الاستمرارية والمواكبة،وإلا فسنبقى بدون هذا الربط وبهذه القطيعة معلقين بين الماضي والحاضر ولا مستقبل لنا ولا مرجعية ولا قدرة على المنافسة.

وأبو حامد الغزالي كما لا يخفى على الباحثين يعد من بين جهابذة الفكر العالمي الإنساني والإسلامي خصوصا. وهو خريج مدرسة نظامية وليست عشوائية ومذهبية تراثية ضيقة، أي أنه كان أكاديميا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. كما أنه قد كان من رواد الدراسات المستقبلية والتوقعات الفكرية والذهنية المبنية على الواقع وامتداداته وتولداته.

ومن بين أقواله الرائعة في هذا الباب ما عبر عنه في كتابه جواهر القرآن: " بل أقول ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها وعلوم كانت قد خرجت إلى الوجود واندرست الآن فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها،وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها ويحظى بها بعض الملائكة المقربين فإن الإمكان في حق الآدمي محدود والإمكان في حق الملك محدود إلى غاية في الكمال بالإضافة كما أنه في حق البهيمة محدود إلى غاية في النقصان وإنما الله سبحانه هو الذي لا يتناهى العلم في حقه، ويفارق علمنا علم الحق تبارك وتعالى في شيئين: أحدهما انتفاء النهاية عنه والآخر أن العلوم ليست في حقه بالقوة والإمكان الذي ينتظر خروجه بالوجود، بل هو بالوجود والحضور،فكل ممكن في حقه من الكمال فهو حاضر موجود.."

 يقول عبد الغافر - وهو أحد معاصريه- يصفه: "لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا". ويقول السبكي: "وكان رضي الله عنه شديد الذكاء سديد النظر عجيب الفطرة مفرط الإدراك قوي الحافظة بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة "[1].

 فيكاد هذا الوصف أن يقع عليه اتفاق كافة المؤرخين للتكوين النفسي عنده،كما قد صدر عن محبيه وعن المعتدلين في الموقف منه،بل حتى من المتشددين نوعا ما في الحكم عليه،وأذكر منهم ابن تيمية كمعارض له في بعض أفكاره، حيث يقر له بصفة الذكاء والشغف العلمي كما يقول في بعض نصوصه:

". . . وسبب ذلك أنه -أي الغزالي- كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريقة المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب ء وآتاه الله إيمانا مجملا كما أخبر به نفسه . . . ".

 ويقول أيضا مفيضا في وصفه بالذكاء والفطنة ما: " وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلم والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف . . . "[2].

 ولقد وصلت قوة الذكاء عند الغزالي لدرجة أن اعتبرت طريقته في الاستنباطات من باب الحدسيات نظرا لموافقتها الصواب حتى إن الجويني كان يقول عن تلامذته إذا تناظروا: "التحقيق للحوافي والحدسيات للغزالي، والبيان للكيا"[3].

 إن صاحب هذا الذكاء المفرط،قد انتابته نوبة الشك فيما لديه من علوم كان قد ورثها عن أهله وأساتذة بلده،يحكيها لنا بصدق في كتابه المنقذ من الضلال: ". . . فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات،فقلت في نفسي: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي![4].

هذا الشك الذي وصف حالته لم يكن شكا عارضا ولا اختلالا في أسلوب التفكير أو المزاج،ولم يكن شكا حقيقيا مطلقا كما هو الشأن لدى الهلنستيين؛ كبيرون مثلا[5]، كما أنه لم يكن شكا سوفسطائيا كالذي تصدى لنقضه أرسطو[6]،وإن كان قد صرح بأنه قد مر بمرحلة سوفسطائية إلا أنها كانت حالا وليست مقالا.

 كذلك لم يكن شكه أيضا ما يعرف بالشك المنهجي[7] الذي يفرضه صاحبه على نفسه بإرادته رغبة منه في امتحان معلوماته واختبارها دون التأثر بأية أفكار مسبقة،أو بالمعنى الأوضح: الشك المنهجي الذي يجعل الباحث ينطلق من الصفر بغية معرفة الحقيقة،وإن كان هناك نوع تشابه بين هذا الأخير والشك الذي أعلن عنه الغزالي إلا أن القضية لديه تختلف اختلافا جوهريا من حيث المنطلق .

 بحيث إنه كان مؤمنا بالإسلام ابتداء[8]،لكنه غير مطمئن إلى المذاهب المختلفة التي نشأت عنه ؟ فأراد استجلاء الحق عند كل منها حتى يطمئن إلى مذهب معين يكون مرتكزه في حياته العقدية واتجاهه الفكري و مسلكه السليم إلى الآخرة.

وبهذا فقد يختلف منهجه في الشك عن الشك المنهجي المعروف عند الفلاسفة في نظرية المعرفة،لأن شكه قد انطلق من قاعدة للبحث في الفروع،بينما الشك المنهجي لا قاعدة له في الانطلاق.

ثانيا: النفسية الغزالية بين إشكالية الشك والتطلع المعرفي

 ولقد كثر اللغط كما كثر الغلط حول مسألة شكه هل كان قصة مخترعة والحقيقة أنه لم يشك أبدا؟ أم كان شكا في الدين دون الحواس والعقل؟ أم أنه شك في كل شيء؟ أم أن شكه كان في العقل من أجل الدين؟.

 فهذه كلها آراء متضاربة يلطم بعضها بعضا وتتميز بإسقاطات سافرة[9] لا يسمح المجال بالخوض في مناقشتها وإنما أضرب عنها صفحا، لأن مقصودي من إثارة مسألة الشك عنده ليس فقط إلا إبراز حالة من أحواله النفسية التي قد أجعل منها ممهدا للخوض في دراسة ما خلفه من أفكار وما ساهمت به في تكوينه النفسي .

 هذا الشك الذي ألقى بكلكله وثقله على صاحبنا قد اعتبره مرضا وليس مرحلة عادية،وكان تعليله بأنه ابتداء قد أصاب أدوات المعرفة وهي: الحواس والعقل، وقد دام كما يحكيه عن نفسه:

 " قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال،ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين،ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام،بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف.

 فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة"[10].

 على هذا فإني أنفي أن يكون شكه في البداية شكا منهجيا حتى ولم يكن قد صرح بأن ما انتابه مرض، لكن منهجيته في الشك تجلت بعد الخروج من الاضطراب الذي عانى منه وذلك حين حصر أصناف الطالبين للحق حيث يقول:

"ولما شفاني الله تعالى من هذا المرض بفضله وسعة جوده انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق:

1- المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.

2-الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم .

3- الفلاسفة وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان .

4- الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة .

 فقلت في نفسي: الحق لا يعدو عن هذه الأصناف الأربعة،فهم السالكون سبل الحق فإن شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته . . . "[11].

 يمكن إذن القول بعد استعراض هذه النصوص المكثفة حول شك الغزالي أنه ينقسم إلى قسمين: أصطلح عليهما كالتالي:

أ- شك وهمي: مرضي لا إرادة له فيه وهو شك بالذات في الذات .

ب-شك عقلي،صحي: يمتاز بوعي كامل بالمسئولية والأبعاد التي يهدف من ورائها،وهو شك مقعد وليس بطليق ؛وينصب على الوسيلة وليس على الغاية .

 بهذا التقسيم يتسنى لي القول بأنه لولا الشك الوهمي المرضى والمزعج لاستقراره النفسي لما كانت له منهجية في بحثه و بعد فكري كالذي وصل إليه، كما أن رجة المرض واضطراباته كانت من بين العوامل في توسعة أفق فكره.

 ولكي تتحقق هذه النتيجة تلزم حلقة وصل بين الشكين: الوهمي والعقلي،ألا وهي الاستشفاء من الوهمي واسترجاع أطيافه في مرحلة الشك العقلي.

 إذ بدون حلقة الشفاء فلن تكون للشك الوهمي أية أبعاد سليمة أبدا، لأن استمرارية المرض و زمانته لن تؤدي إلا إلى الهلاك، سواء على صعيد الصحة النفسية أو الصحة الجسدية،وهذا كلام تؤيده الدراسات الحديثة المتخصصة في علم النفس أو الطب النفسي الحديث بل حتى العصبي.

 فمن بين الشروط التي تشترط لنجاح الطبيب في مهنته العلاجية بخصوص الأمراض النفسية أن يكون قد مر بأنواع منها وعانى مرارتها، مما سيولد له فهما سريعا ودقيقا للأحوال النفسية للمريض وخفاياها وإيماءاتها[12].

فهذا ما لوحظ على الغزالي في تدقيقاته العلمية وتفهمه للأحوال النفسية وتعرضه لها بغزارة تأليف، كما صرح بنظريته المعرفية في هذا المجال حيث قال: "وكم فرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا وشبعان ".

 مما تنبغي الإشارة إليه هو أن بحثه في أصناف الطالبين لم يكن من أجل الاستيقان من الحق ولكن سعيا من أجل التحقق من الاستيقان أي تعميق الرؤية والاستيعاب وتفادي الأحكام الجاهزة والإسقاطية،ودليله على ذلك أنه أعلن في النهاية ثقته بالضروريات العقلية وأنها قد عادت إلى وضعها السليم، وأنه توصل إلى ذلك بنور قذفه الله في صدره وانشرح لذلك، وهذا يعني أن مسألة الشك لم يعد لها أثر عنده وإنما هو الآن منصب على أي المنهج الأسلم للعروج على سلم المعرفة وتحقيق المصالح العليا للأمة .

 فلقد انتهى به المطاف كما هو معلوم إلى تبني المنهج الصوفي الذي رأى فيه الباب الوحيد والمفتوح للزيادة من المعارف وتوظيف الحدسيات على مصراعيها، وخاصة فيما يتعلق بالمعارف النفسية والروحية كما صرح به قائلا:

 "والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق"[13].

 بهذا فيكون قد سلك طريق التصوف عن وعي واستقرار نفسي و ليس عن هروب من حيرة الشك والرمي بنفسه في أحضانه كالمنهوك[14]مثلما يحلو للبعض أن يرشقوا بالألفاظ حيث اتفق !.

كما أن اعتماد العنصر الروحي في التنوير الفكري قد يعد الأكثر نتاجا والأدق رؤية في تحليل ما يجري حولنا من أمور وتحولات سياسية ودولية لا نستطيع فهمها ولا تحليلها بمجرد التحليل العادي والاستنباطي الناقص. فلربما قد يمد القلب الصادق والمصقول العقلَ السليم والذكيَ بما يلزم حتى لا يأثم. . .

فما أحوج الأمة في عصرنا الحالي إلى هذا النوع من الذكاء التنويري الحاد الذي يقرأ الخطاب والنوايا والخلفيات بشفافية وعمق،كما ما أحوجها إلى عقول مشككة منهجيا في المعلومة والخبر حتى تتبين الصدق من الكذب والقصد السليم من الاستدراج،وما أكثر ما دمرت دول وأسقطت حكومات وحضارات بسبب الجزم النفسي بالعلم والاندفاع الغوغائي التقليدي، وبمجرد الإشاعة، فكانت العواقب وخيمة ترى بالعين المجردة الرمداء وتمرض بها القلوب،والأعراب على الباب كما يقول المثل !!!. . .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

[1] السبكي: طبقات ج4ص107

[2] ابن تيمية: مجموع فتاوى ج4 كتاب مفصل الاعتقاد ص64

[3] السبكي: طبقات ج4ص106

[4] الغزالي: المنقذ من الضلال ص76

[5] توفيق الطويل: أسس الفلسفة ط6-1976ص304

[6] نفس ص318

[7] نفس ص313

[8] الغزالي: المنقذ من الضلال ص45

[9] حسام الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي،المؤسسة العربية للدراسات والنشرط1-1400هـ1980مص271-274

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال ص11

[11] نفس ص12-13

[12] الدكتور أمين رويحة: التداوي بالإيحاء الروحي،دار الأندلس بيروت ط1-1969ص20

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال ص44

[14] الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ص275

 

 

ميثم الجنابيتبرهن تجارب الثقافات عموما على حقيقة جلية تقول، بأن تقييم النفس والآخرين هو جزء من صراعها الذاتي. وأن كيفية تبلوره في المقدمات المرجعية الفكرية عادة ما يؤدي إلى تنوع الاختلاف وتشعبه، خصوصا حالما لا يقر "بإجماع" مقبول من جانب الوعي النظري العام على تقييم التاريخ المنصرم.

وقد كانت تلك وما تزال إحدى النواقص الديناميكية في التاريخ الإسلامي، والتي لم يستطع التحرر منها الوعي الثقافي العربي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. وهذا بدوره ليس إلا النتيجة المرافقة لعدم انتقال الكينونة العربية إلى مصاف المرحلة الأعلى التي تذلل بقايا المرحلة الدينية ووعيها اللاهوتي.

وقد ارتبطت هذه الحالة الحرجة والفاعلة في الوقت نفسه بالنسبة لتنشيط الوعي الباحث والناقد في تاريخ الإسلام بما يسمى بالفتنة الكبرى ولواحقها. فقد كانت هذه الفتنة الفعل والنتيجة التي جزأت الصراع وطورته في اتجاه ظهور الفرق السياسية الدينية الكبرى في تاريخ الخلافة ووعيها التقييمي. آنذاك بدأت عفوية الأحكام الأولية تفسح المجال أمام العقائدية المؤدلجة، التي كانت تتضمن في أعماقها استمرار تقاليد الهجاء والذم (الجاهلية). غير أنها شكلت المقدمة الضرورية لتطوير محتوى الاتهام برفعه إلى مصاف الضرورة المقدرة. وقد ظل الوعي التقييمي اللاحق أسير هذه الازدواجية المرهقة للفكر ورجاله. لكنهما في الأغلب تقبلاها إما بفعل تقليدية الوعي أو بفعل تقليدية التسمية. وفي كلتا الحالتين وضعتا قواعد تشذيب الأحكام أو ابتذالها حسب "عالم تقييمها الروحي" للظواهر. إذ لم تبرز المعارك الأولية المرتبطة بقضية التحكيم، سوى تسمية المحكمة، التي كانت تتضمن رفض التحكيم. ذلك يعني أن تقييم الاتجاهات، ظل إلى جانب تسميات الخوارج يحتوي على تقيم ما معين. بينما سيعطى لمعنى الخوارج مضمون المعارضة الباطلة في وقت لاحق. في حين ظل الخوارج يجدون فيه تعبيرا إيجابيا عنهم. ومن الطريف هنا الإشارة إلى التحديد الذي قدمه ابن قتيبة للجديد في الشعر، في مقدمة كتابه (الشعر والشعراء) عندما كتب يقول، بأن "كل شريف خارجيا في أوله"[1]. والشيء نفسه يمكن ملاحظته لاحقا في ظاهرة تطور التقييم الذاتي للاتجاهات والمدارس الفكرية والسياسية. وينطبق هذا أيضا على كافة الاتجاهات الأخرى.

فتسمية الروافض التي ألصقت بالفرق الشيعية الأولى كانت تتضمن تقيما سياسيا وعقائديا لها، كما كانت تحتوي على أبعاد سياسية وعقائدية في مواقفها تجاه مختلف القضايا. ولم يكن ذلك وليد الصدفة. فقد احتوى هذا التقييم على عناصر إدراك عميق للفكرة الشيعية بشكل عام وأولوية العنصر السياسي فيها. والشيء نفسه يمكن قوله عن المعتزلة وغيرها من فرق الإسلام الكبرى. فهي تسميات تضمنت على الفعل الخارجي ومظاهره. ولكن حالما تصبح هذه العناصر "الخارجية" و"الظاهرية" الناشئة في الأغلب من تأثير الأفعال العفوية والمصادفة أسلوبا للتقييم العام، فإنها تصبح مع مجرى تطور الوعي التجريدي والصراع الفكري والسياسي، أما جزءا من عناصر الممارسة العلمية والعملية، أو يافطة خارجية مثقوبة لا نرى فيها غير فضاء الخلفية الأكثر بروزا وجاذبية. وفي كلتا الحالتين أدى ذلك إلى اغتناء التقييم الفكري في مجرى احتكاكه بالاتجاهات المعارضة. لذا لم تعد الخوارج خوارجا وحرورية ومحكمة، بل ومارقة وشراة. كما لم تعد هذه الأسماء ألقابا ظاهرية، بل أصبحت مكونات أساسية لعناصر التقييم الفكري نفسه.

كما لم يجد وعي "أهل السنّة والجماعة" حرجا من أن يبتدع لنفسه "البدع"، التي اتهم بها المخالفين له والمعارضين، من خلال وضع الأحاديث الكاذبة على لسان النبي محمد ومختلف "الآثار" من أقوال السلف الصالح وأفعالهم. حيث يظهر الحديث المنسوب للنبي محمد "سيخرج من ضئضئي هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وكذلك الحديث الموضوع، الذي حاول إبراز "الزيف" في ورع الخوارج وانعدام الإيمان الخالص عندهم بكلمات "تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم وصوم أحدكم في جنب صومهم ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم". بل ونرى "الإجماع" عليها في مختلف كتب التاريخ والأدب والسير والمِلَل والنِّحل. فنرى ذو الخويصرة، الأب الروحي "للمروق" الديني يظهر مرة بوصفه رجلا أسودا شديد بياض الثياب، وفي حالة أخرى يظهر بهيئة رجل مضطرب الخلق، غائر العينين ناتئ الجبين. ومن هنا "تناسب" كلماته مع مظهره. ففي الحديث الأول يطلق عليه النبي كلمات "سيكون له ولأصحابه نبأ" وفي الثاني كلمات "سيخرج من ضئضئي هذا الرجل". بينما نعثر في صيغة ثالثة لشخصية ذي الخويصرة على صورة رجل مدافع عن قسمة الحق، متهم النبي محمد بعدم العدل، بحيث يصدر النبي بحقه حكم الموت، الذي لم ينفذه الصحابة الكبار مثل أبو بكر وعمر، لما شاهداه من ركوعه وسجوده. وعلى خلفية هذه الصورة تظهر الإضافة الجدية للحديث الموضوع نفسه بكلمات "لو قتل هذا ما اختلف اثنان في دين الله".

وتظهر هذه "الحادثة التاريخية" المفتعلة قضايا غاية في التشعب من حيث إشارتها إلى مراحل وأساليب وأشكال إدراك ومعاملة الاختلاف الفكري والاجتماعي والسياسي. وبالتالي المواقف العملية والتقييم الفكري والعقائدي. حيث نعثر فيها على تعايش المواقف الإيجابية والسلبية، كما هو الحال على سبيل المثال، في الموقف من أغلب الحركات. إذ نرى في الخوارج أيضا قوة جريئة وحازمة تدعو للعدل، وفي نفس الوقت هي مصدر الخطر اللاحق في تأجيج الخلاف والفتنة. وهي تقييمات تكشف عن وجهها العقائدي والأيديولوجي. من هنا عدم اهتمامها بالسبب، أو على الأقل إنها لا تعير اهتماما له، لأن الفاعلية فيها ولها تعود للغة الإدانة والاتهام. وأدى هذا بدوره إلى إثارة رد الفعل المضاد لها بهيئة الدفاع عن النفس وإعادة تقييمها استنادا إلى وعيها الذاتي والى حقيقة ما تسعى إليه وتريده. ولعل تقييم الخوارج لأنفسهم بالشراة من بين أشدها وضوحا وقوة. فهو تقييم يعكس فاعلية ما أشرت إليه قبل قليل. إذ لم يستند الخوارج إلى ممارسة أساليب الوضع والاختلاق "للحديث" و"الآثار"، بل استندوا إلى الواقع والمثال، على الأقل بالصيغة التي استوعبوها هم، التي تطابقت مع أفعالهم واستجابت لها. حيث حاولوا البرهنة على إنهم الشراة الذين أشار لهم القرآن بقوله "ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله"[2]. وهو برهان استمد قوته من قدرة الخيال الهائلة على التأويل، التي تحول المثال إلى نموذج مستعد على التجسد الفعلي بمعايير لا تتحكم به مقولات الزمان والمكان. وأدى ذلك إلى أن يتداعى النص القرآني ليتحول من "كلام الله القديم" إلى نص قابل للتأويل السياسي المعاصر. وجعل ذلك الخوارج قادرين على أن يطلقوا على أنفسهم ما يشاءوا من أسماء وصفات "قديمة" مازالت أفعالهم تستجيب لحقائقها وتسعى لتمثلها أخلاقيا. ولعل مواقفهم من تعظيم ابن ملجم، قاتل علي بن أبي طالب، نموذجا لذلك. إذ جعلوا من الآية التي تتكلم عمن اشتروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، التي تشير مصادر التفسير وكتب التاريخ الإسلامي إلى أنها "نزلت" حول صهيب، "نزولا" على ابن ملجم أيضا.

وهي ظاهرة مرتبطة بواقع كون الوعي التقييمي عادة ما يتجاهل ويتناسى ويتغافل حيثيات التاريخ الملموسة في مجرى صراعه التاريخي الملموس. من هنا سعيه لنقل المتسامي والمقدس إلى ميدان الجميل والقبيح. وهو وعي يعاني من مفارقة الوعي نفسه، لأنه وعي مهموم بالصراع والمواجهة ومنهمك أيضا في تمثيل المادة التاريخية بكل حيثياتها الممكنة، دون أن يعي ملموس أفعاله الخاصة. وهي عملية عادة ما يتداخل فيها الماضي والمستقبل في الحاضر، والمطلق والنسبي في الوعي، والمثال والواقع في العمل. وهي حالة تشبه حال من لا يدرك قيمة الحركة في يديه عندما يكون منهمكا في استرقاق السمع لضرباتها.

وتبرز هذه الصفة المميزة لحركات الخوارج أيضا في استعدادها السريع للمعركة وبحثها الدائم عنها، بحث سعوا لحرق كل انسيابية الأهداف الدافئة في مراجلها. وهو أمر يفسر لنا سر الإنسانية "الهمجية" للخوارج، كما نعثر عليه في أسماء الشراة والمارقة. وهي أسماء تحتوي على تقييم مزدوج، ظلت فعاليته مؤثرة على امتداد زمن طويل. وقد حصلت الشيعة (الروافض) والخوارج على قسطهما الأكبر منه، مما يشير بدوره إلى الأبعاد الاجتماعية والسياسية والعقائدية في مواقفهم وتقييم الآخرين لهم.

وقد ميز هذا التقييم الحاد والشامل مراحل وجودهما الأول. بينما ساهم استمرار صراعهما مع السلطة والهزائم، التي تعرضوا لها إلى توليد أسلوب التعامل غير المباشر مع قضاياهم المباشرة، مما أدى إلى نشوء وتكون عناصر في تركيبتهما الداخلية فسحت المجال لاحقا أمام انعطاف الوعي الذاتي والتقييم أيضا. فقد كسرت ممارسة التقية سورة التحدي وحولته إلى قناة التأمل الذاتي. ذلك يعني أن الممارسة السياسية، التي صنعت في البداية وهذبت إفرازات الواقع وبالأخص وحدة وصراع العناصر الاجتماعية والسياسية والعقائدية، أخذت بإخماد العاطفة المتآكلة بسبب الهزائم "الجسدية" لممثليها. وترتب على ذلك سريان الهدوء التاريخي للعناصر السياسية في السياسة، مما أدى إلى ظهور الإقرار بالاختلاف في فهم العقيدة واستيعابها. ولا يعني ذلك سوى أن عالم السياسة مازال مستمرا ولكن في عالم الفكر. أما النتيجة الطبيعة لذلك فهو ظهور بوادر التقييم العقائدي والفكري.

ولم تكن هذه البوادر معزولة عن الصراع. غير أن الصورة الجديدة، التي لم تخمد فيها بعد حماسة الماضي أخذت تتأطر بملامح الدفاع عن المبادئ ومحاولات فهمها النظري. وشكلت هذه العملية المزدوجة من تيارات التبرير والتنظير المقدمة الضرورية للتصنيف العلمي اللاحق. لكن العملية المزدوجة هذه لم تظهر بصورة خاطفة. إذ تورد المؤلفات والمصادر التاريخية جملة من الروايات والأحداث والمفاهيم والممارسات والتقييمات والمواقف عن مختلف أطراف الصراع الاجتماعي والسياسي والعقائدي. وإذا كان ذلك جليا في ميدان السياسة، فلأنها الميدان التي تتضح فيه الأقوال والأفعال بسرعة بالغة. لأن النتائج تحكي ما كان مضمرا. وهو واقع صوره الأشعري بدقة عندما كتب عن سلوك عمرو بن العاص في رفعه المصاحف على الرماح، قائلا "كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق"[3]. بمعنى تبين المغزى الفعلي لبلوغ مأربه السياسي عبر استعمال الدهاء والمخادعة. أما في عوالم المثال الأخلاقي، فإن الفعل السياسي كثيرا ما يؤدي إلى نتائج معاكسة. وذلك لأن استشراف المستقبل يجري على الدوام من خلال يقين الماضي والتمسك به. وهي عملية صراع عادة ما تذوب في الحاضر، وبالتالي يصعب عليها رؤية حقيقة ما يجري فيه، بفعل استحواذ فكرة المستقبل، التي تطابق بين الحقيقة والسلطة والمثال، التي تغيب الماضي والمستقبل في لحظة الحاضر، بوصفها ترديد جديد لما في الأزل!! ومن هذا المنطلق يمكن فهم البروز المتصاعد لقضايا القضاء والقدر والإيمان في مراحل الخمود الأولي للصراع السياسي. حيث نرى القائد الخارجي شبيب بن يزيد الشيباني (ت - 77) يردد في اللحظات الأخيرة قبيل موته وهو على جسر الدجيل بعد أن قطعت حباله كلمات "ذلك تقدير العزيز العليم"[4].

كل ذلك يشير إلى أن تقييم النفس هو تقييم شخصي، لأنه يجري في صراع، غير أن ذلك لا يعني خلوه من الصدق والاقتراب من تصوير الوقائع التاريخية كما هي. من هنا أثره اللاحق في إثراء الفكر عند الأتباع والأعداء. فقد أبدع سلوك الخوارج المستند إلى مبدأ وحدة الإيمان والعمل في تقييم النفس والآخرين موقف التكفير، الذي أصبح بدوره عنصرا جوهريا في التقييم. غير أن التكفير لم يتحول إلى مبدأ شامل لجميع فرق الخوارج، كما هو الحال عند النجدية. والشيء نفسه يمكن قوله على الفرق الكبرى الأخرى، التي كان التكفير فيها ضعيفا كما هو الحال عند المعتزلة أو مستحيلا كما هو الحال عند المتصوفة والفلاسفة. ومع ذلك سرت عدواه، وإن بمستويات متباينة، إلى أغلب الاتجاهات السياسية والفكرية، وخصوصا الشيعة الرافضة وأهل السّنة والجماعة، بينما ضعف عند الاتجاهات الأخرى كالمرجئة والمعتزلة وتلاشى عند المتصوفة والفلاسفة.

فإذا كان التكفير عند الخوارج مبني على مبدأ علمي - عملي، فإنه مبني عند الشيعة الرافضة على فكرة "النص الإلهي". مما يعني هيمنة العقائدية الجارفة في تقييم النفس والآخرين. لكنها شأن كل عقائدية "رعناء" في العلم والعمل عرضة للخضوع المفاجئ أمام الحركة الدائمة. وهو واقع يمكن ملاحظته في التثليم البطيء والمتناقض لحدة الاتهام العقائدي، كما هو الحال عند الفرقة السليمانية ـ الجريرية، التي ثلمت شوكة التكفير الأولية، دون أن تكسرها كليا. إذ أبقت عليه في موقفها من الماضي وشخصياته، كما هو الحال في مواقفها من عثمان بن عفان. وسوف تدفع الزيدية الصالحية، اتباع الحسن بن صالح بن حي (ت – 168) والابترية، اتباع الابتر وكثير النوى (ت- حوالي عام 169) هذه الممارسة إلى نهايتها المنطقية وذلك بالتوقف عن ذم ومدح الأعداء[5].

لم تكن هذه المواقف معزولة عن حدة الصراع الاجتماعي وأسلوب القهر الجسدي والروحي والسياسي والفكري الذي مارسته السلطة الأموية ضد معارضيها. فقد أدى هذا القهر إلى إفراز ممارسة التقية الاجتماعية والسياسية والروحية كما هو الحال عند الشيعة وجزئيا عند الخوارج (الفرقة النجدية)، كما افرز مبدأ الإرجاء، الذي احتوى في أعماقه على حرية الفكر والجبن السياسي، دون أن يعطي لأي منهما أولوية مطلقة. أما التأويل المعاصر لها، الذي حاول أن يجعل من الإرجاء تمثيلا لحرية الفكر، ومن المرجئة ممثلين للفكر الحر الحقيقي، فإنه لا يعدو كونه صيغة مقلوبة لرفع الجبن السياسي إلى مصاف التسامح الحقيقي. إذ من الصعب الحديث هنا عن تسامح حقيقي في وقت لم تتبلور فيه بعد "المذاهب الرسمية" وصراعاتها المتشنجة. حينذاك فقط تصبح فكرة الإيمان الباطني والدعوة إليها تجسيدا للتسامح الشامل. وهي فكرة لم يجسدها حينذاك بصورة متجانسة سوى الفلاسفة والمتصوفة. وذلك لأن قضية التسامح لم تتعلق بوعي المرجئة أنفسهم ولا ببواعث أفكارهم ومقالاتهم، بقدر ما تعلقت بالواقع التاريخي وصراع قواه السياسية وكيفية استيعاب المرجئة له. إذ لا تعطي لنا المعلومات المتوفرة في كتب التاريخ والمِلَل والنِّحل إمكانية الحديث عن حرية فكر حقيقية عند المرجئة، بقدر ما أنها تشير إلى ما يمكن دعوته بالمساومة الحرة في سلوكها. فالمساومة يمكنها أن تكون خيرا وشرا، أما الحرية فإنها إبداع اللامتناه في الكينونة التاريخية للأمم والثقافة. وقد كانت المرجئة حصيلة هذا التناقض ومحصورة فيه أيضا. وجعلها ذلك تقر بالظلم في حين وتنتفض ضده في حين آخر. فحرية الإرادة ليست قادرة على أن تكون عند بعض من يدعي تمثليها سلاح المعركة الدائم، كما أن القضاء والقدر (الجبر) لا يعيقا على الدوام إمكانية إدارة الصراع.

وبغض النظر عن التأويلات الممكنة هنا، فإن المهمة لا تقوم في دراسة المرجئة بشكل عام وخصوصية آرائها وتأثيرها اللاحق على جدل الفرق وصراعها الفكري والسياسي، بل الإشارة إلى مساومة المرجئة الحرة. إذ استطاعت إبداع أسلوب جديد في تقييم الاتباع والأعداء، عبر نقله إلى ميدان الروح. بهذا تكون قد ثلمت جزئيا أحرف التكفير الناتئ في خاتم القهر الفكري والاتهام العقائدي. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، ص4.  

[2] القرآن: سورة البقرة، الآية (207).

[3] الإشعري: مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، ص4.

[4] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص77، الشهرستاني: الملل والنحل، ج1، ص128.

[5] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص23.

 

 

مقدمة: لا ريب أن ضروب الظلم التي حاقت بالمرأة كانت كثيرة ومتعددة وبعضها كان من أفظع أنواع الظلم وأقدمها في التاريخ الإنساني، وهو ما يحتم على العقلاء وطلاب العدالة في المبادرة بمعالجة هذا الموضوع بالوساذل العلمية المنطقية، دون مراعاة إلا للحقيقة، ولتحقيق العدالة.

لأن معالجة هذا الموضوع له تبعات جديرة بالاهتمام، وغاية في الأهمية خاصة أنها تتعلق بإنصاف المرأة وأعادتها إلى أحضان دورها المتوازن، بعد أن جرها الظلم الذي وقع عليها للارتماء في أحضان كل صيحة ترفع شعار حقوقها وتحريرها، دون أدنى نظر منها في حقيقة تلك الشعارات ومنشأها وحاضنتها، ومآلاتها على شخصيتها وكينونتها وأسرتها ومجتمعها ووظيفتها ككل. فليس كل من يطالب بإنصاف المرأة هو من دعاة الأنثوية، وليس كل من ينتقد الأنثوية هو من مناوئي حقوق المرأة، بل القضية قضية معرفة وبحث عن واقع الأمر وعن الحقيقة التي تحقق العدالة والإنصاف للجميع.

فحقيقة الإنسان تكمن في أصالة الروح وفرعية البدن، إذ لو كان لهذا الجسد أو للجنس مدخلية في إنسانية الإنسان، لكان يدفعنا ذلك إلى الحديث عن المذكر والمؤنث، ولكنا سلطنا الضوء على أن هل المذكر والمؤنث متساويان أم متفاوتان؟ ولكن الحقيقة هي أصالة الروح في إنسانية الإنسان وأداتية الجسد للتعبير عن هذه الأصالة في واقع الحياة والدنيا، حيث يصبح الجسد الأداة التي من الممكن أن تكون أنثى أو ذكرا.

"إن القرآن الكريم اعتبر أن حقيقة كل إنسان روحه، والبدن أداتها، وهذا لا يتنافى مع أن يكون للإنسان بدن في النشأة الدنيا والبرزخ والقيامة، وكما أن لديه بدنا في الدنيا، والبدن هو فرع – وليس أصلا أو جزءا من الأصل – كذلك أيضا في البرزخ والقيامة. حيث أن الله تعالى ينسب البدن الذي هو فرع إلى الطبيعة والتراب والطين ويسند الروح التي هي الأصل إليه إذ يقول في سورة الإسراء آية 85 (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)"[1]

وحينما تكون أصالة الروح هي الأساس في إنسانية الإنسان وليس الجسد، إذا تكون الخلافة الإلهية متعلقة بمقام الإنسانية وليست متعلقة بشخص أو جنس. ولكن ما هو معنى الخلافة الإلهية؟

معنى أن يخلف الله سبحانه وتعالى أحدٌ في أرضه.. يعني تنفيذ المقاصد الإلهيّة وتطبيق أوامره سبحانه وتعالى في الأرض. وليس معنى الخلافة الإلهيّة على الأرض مجرد وجود إنسان عاقل مريد ومختار يريد ويفعل، فمجرد وجود الإرادة والاختيار لا يعني جعله خليفة، بل انطباق إرادته واختياره مع إرادة الخالق في تنفيذ أوامره ونواهيه. وبالتأكيد هذا الانطباق هو الميزة هي التي جعلت من الإنسان خليفة لله سبحانه وتعالى.

فالميزة التي جعلت من الإنسان خليفة لله سبحانه وتعالى إضافة إلى كونه إنساناً مختاراً يريد فيفعل، هو أنه يريد ما يريده الله سبحانه وتعالى، وهي ذات الميزة التي أهّلت آدم وجعلته خليفة لله على الأرض.

ونخلص إلى أن متعلق الخلافة هو الإنسانية التي تطبق إرادة المستخلف عنه وتقيم أوامره وتنهى عن نواهيه في ساحة الاستخلاف. وبما أن القرآن جعل الميزان في التمايز التقوى حيث قال عز شأنه:"وجعلناكم شعوبا قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" إذا المسألة تتعلق بالإنسانية وليس بالجنس الإنساني والتمايز قائم على أساس تقوى الإنسان بما هو إنسان وليس بما هو جسد وبدن، فلا وجود إذا للجنس ذكرا أو أنثى في مسألة الخلافة على الأرض فكليهما كإنسان معنيان بالخلافة وإقامة حدود الله تعالى كما أرادها المستخلف، ومن لم يطبق ذلك من ذكر أو أنثى خرج من سنة الاستخلاف واستبدل بغيره.

فلسفة التنوع (الجنس وتنوع الوظائف):

حينما جعل الإنسان هو محور الخلافة الإلهية بماهيته لا بجنسه فإن ذلك لدليل على أصالة الإنسانية في المسيرة التكاملية نحو الله تعالى. إلا أن ممارسة هذه الوظيفة والهدف العظيم في الدنيا انتقل بهذا الإنسان ليتلبس لباس الجسد فيعطى صفة الذكر وصفة الأنثى لا على أساس التناقض والمقابلة وإنما على أساس تكامل الأدوار ووحدة الهدف. وقد انقسمت الآراء حول طبيعة الأدوار وتوزيعها بين كل من المرأة والرجل، فبعضهم ذهب إلى أن الأدوار وظائف وزعت وفق مقتضيات الطبيعة البيولوجية كل من المرأة والرجل، وبعض رفض هذه النظرية القائلة بتلاؤم الوظائف مع النظام الطبيعي للخلقة. حيث اعتمد أصحاب الرأي الأول على أن الأٍسرة هي الاساس في المنظومة الاجتماعية والتي توزع فيها الأدوار وفي النظام الطبيعي أو نظام الخلقة، واعتبروا أن الرجل هو صانع الحضارات ومدير المجتمع وتقع على عاتقه تقدم وتطور الحضارة والفكر الإنسانيين، أما المرأة فوظيفتها القيام بالأعمال التي تقع في دائرة تحصين المقومات التي تساعد الرجل في القيام بهذه المهمات العظيمة الملقاة على عاتقه. فأنصار النظام الطبيعي تبنوا نظرية ثبات الأنواع التي تتبنى ثبات الاختلافات الجسدية والنفسية بين المرأة والرجل في كل زمان ومكان، ما أصحاب النظرة الثانية أو أنصار القراءة التاريخية للاختلافات النفسية والجسدية بين المرأة والرجل فقد تبنوا نظرية التكامل التاريخي التي لا ترى ثبات لهذه الاختلافات الجسدية والنفسية وأنه يمكن للموجودات أن يكون لها ألف نوع وشكل. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل المراة التي كانت موجودة منذ آلاف السنين هي نفسها جسديا ونفسيا في عصرنا هذا؟ وهل الوظائف التي كانت تؤديها المرأة في السابق هي نفسها الوظائف التي تؤديها الآن؟ وهل بقيت المرأة في أدوارها محصورة ضمن حدود وأطر الأسرة فقط؟ وهل الظروف الاقتصادية التي كانت تعيش فيها المرأة هي ذاتها الأن؟

موضوعة المرأة من الموضوعات القلقة التي لم تخل أي ساحة تاريخية من طرح إشكالياتها، خاصة في القرون الأخيرة التي اختلطت فيها كثير من العادات والتقاليد مع الأديان، ولعل أصل الموضوع ليس في اختلاف الجنس بين المرأة والرجل، بقدر ما هو الكشف عن منظومة الحقوق والواجبات، ومحاولة استرجاع الحقوق المسلوبة، أو سلب حقوق ليست ذات صلة بالجهة المطالبة، ولكن هناك تجاهل أو تغافل عن أمر ذا أهمية قصوى، وهو عدم التطرق للمنظومة القيمية الفردية والاجتماعية وعلاقتها بمنظومة الحقوق والواجبات، وأيهما يقدم في حال التزاحم؟

وطالما كان موضوعنا عن الأنثوية، فأجد من الضرورة عمل إطلالة سريعة إلى الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الحركة، والتي في واقع الأمر نشأت كرد فعل إما على ظلم المرأة وسلبها حقوق واقعية لها، أو نتيجة الانحلال التدريجي لمنظومة القيم الفردية والاجتماعية، وقيام بنية فلسفية مغايرة اتخذت فيما بعد كقاعدة معرفية، لازمها كبناء فوقي كثير من اللوازم المعرفية والأفكار التي رسمت معالم العلاقات الفردية والاجتماعية ومنظومة القيم والحقوق والواجيات على ضوء تلك القاعدة الفلسفية.

وقفة مع المفهوم " الاستلاب":

اكتسب مفهوم الاستلاب حق الوجود الفكري الراسخ منذ أواخر القرن الثامن عشر.. ورغم أن المفهوم يرجع في بداياته المعروفة الأولى ؤلى اللاهوت البروتستانتي، أي بدايات القرن السادس عشر، فإن اساتخداماته تشعبت وتنوعت على مدى قرنين من تطور الفكر الفلسفي والاجتماعي الأوروبي، ابتداء من توماس هوبز وجون لوك، مرورا بجان جاك روسو، ويوهان غوتليب فيخته وفريدريك شيلنع، وصولا إلي هيجل الذي يحتل الاستلاب موقعا مركزيا في فلسفته.[2]

الاستلاب عند هيجل هو لحظة ديناميكية، نتيجة وسبب، فهو نتيجة للانسلاب أي النشاط الخالق الذي تقوم به الروح إذ تجسد فكرتها خارج نفسها في موضوع (تشيؤ في موضوع، في آخر)، وتصير بذلك غريبة أو في حالة استلاب/ اغتراب عن نفسها، مما يستفز أو يحث على رفع الاستلاب/ الاغتراب، نقضه، إلغائه، تجاوزه، نفيه.

يعبر هيجل، بلغة تجريدية، عن حالة الاستلاب/الاغتراب بتحليل:

تشيؤ النشاط الروحي (تجسده في شيء، أي موضوع).

تحول الموضوع إلى آخر.

فقدان الطابع الكلي.

إذا هو التشيؤ في الموضوع، والتحول إلي موضوع آخر، التخارج، فقدان الطابع الكلي.[3]

وهنا نحن بصدد الحديث عن استلاب هوية المرأة، وتشيء وجودها، لتتحول إلي وجود آخر، وشخصية أخرى، ترسم معالمها الأنثوية خاصة الراديكالية منها، وتسلبها روحها ووجودها الحقيقي، حيث تفصل بين التكوين الطبيعي البيولويجي، وتكوينها الروحي الإنساني، في حالة من الفردانية التي هيمنت على الفهم الغربي العام، وركزت على أصالة الفرد في قبال أصالة المجتمع التي تبناها الفكر الاشتراكي.

وهنا يدفعنا مفهوم الفردانية لعمل إطلالة سريعة، لدور مفهوم أصالة الفرد في تسييل الأنثوية كمفوم مقبول في المجتمعات الغربية، بعد أن فككت علاقات الفرد بمحيطه وفككت بعده الاجتماعي بالتالي بعده ودوره الأسري.

الفرادة والفردانية :

اليوم كثير من العناوين التي تطرحها ما يسمى بدورات التنمية البشرية، والتي تركز على الأنا والذات الأنانية وتكرسها كأصيل وأولوية مطلقة قد تكون في عرض الأسرة والمجتمع، هي عناوين خرجت من رحم مفهوم أصالة الفرد، وهي دعوة صريحة للفردانية.

يقول الدكتور علي وطفة في محاولته لتعريف الفردانية:

ترمز الفردانية إلى واقع اجتماعي وثقافي يستطيع فيه الناس، بوصفهم أفرادا، اختيار طريقة حياتهم وسلوكهم وممارسة عقائدهم، كما ترمز إلى مجتمع يضمن فيه النظام الاجتماعي والقضائي حماية حقوق الناس بوصفهم أفرادا غير مكرهين علي التضحية أو التنازل عن شيء يعتقدون به.

هناك فرق بين الفردانية والفرادة يتجلى في أن الأولى تدعو لأصالة الفرد في قبال المجتمع والدولة والجماعة يكون فيها الفرد هو محور الكون بطريقة تهدم فيها العلاقات المحيطة به، فلا يجد أن لأحد عليه حق، ولا عليه واجب اتجاه أحد غير ما يفرضه القانون عليه، بينما الثانية (الفرادة) تعتني بالفرد في بعده الحقوقي، ولكنها في ذات الوقت لا تنفي علاقاته وما يترتب على هذه العلاقات من واجبات وحقوق، كعلاقته بالمجتمع وعلاقته بالدولة وعلاقته بالأسرة والمجتمع، لكنها تحترم وجوده وشخصيته الذاتية، ويكون له الحق في التشخيص المستقل عن الجامعة والمجتمع، والتحليل واتخاذ المواقف التي تتوافق وشخصيته بحيث لا تؤثر علي مجتمعه ولا تضر بالمصالح العامة.

والفردانية هي موقف أخلاقي وفلسفة سياسية، ونظرة اجتماعية تؤكد على القيمة المعنوية للفرد. وتدعو إلى ممارسة أهداف الفرد ورغباته لتكون قيمه مستقلة ومعتمدا على نفسه، وتعتبر الفردانية أن الدفاع عن مصالح الفرد مسألة جذرية يجب أن تتحقق فوق اعتبارات الدولة والجماعات، في حين يعارضون أي تدخل خارجي على مصلحة الفرد من قبل المجتمع أو المؤسسات مثل الحكومة. وغالبا ما تتناقض الفردانية والديكتاتورية أو الجماعية. .

مثلا دعوات تقديم النفس على كل شيء، والاعتناء بها فوق كل شيء، والتركيز على سعادتها قبل أي شيء، ككوني أنت، وأنا الأول وغيرها من العناوين التي تدور في فلك الأنا والذات وتقدم مفاهيم مادية تشخص حاجات هذه الأنا، هي من ذات ذلك الأصل " أصالة الفرد"..

هذا فضلا عن التركيز على حقوق الفرد دون التأسيس لمنظومة حقوق وواجبات تأخذ بالحسبان شبكة العلاقات الوظيفية والتفاعلية المتعلقة في الفرد، سواء نلك الطبيعية الفطرية أو الاعتبارية النظمية.

ومثال ذلك الحرية كحق أصيل للفرد، وهي فضلا عن كونها حق طبيعي فطري تكويني، إلا أننا لا نستطيع فصلها كحق فردي عن دائرة المجتمع، وعن دائرة النظم والقانون.

فالفرد يولد وله بعدين حقيقي وحقوقي، فالأول متعلق به كذات وكشخصية حقيقية لها مجموعة حقوق وعليها مجموعة واجبات، كون لا يخلو حق من واجب متلازم معه، والثاني عبارة عن مجموعة العلاقات والارتباطات التي يرتبط فيها بعد ولادته بشكل حقيقي أو كفرد من أفراد المجتمع بشكل اعتباري، ويترتب عليها مجموعة حقوق له ومجموعة واجبات عليه.

هذا التوازن بين الحق والواجب وبين الحقوق الفردية والاجتماعية لا يلغي الفرد لكنه يرسم له شبكة علاقاته وحدودها الحقوقية والقانونية التي تعتبر حاجة ضرورية للنظم والتطوير، بل حاجة لازمة لخلق جو تفاعلي يرتكز على التنافس التصاعدي المتوازي لا التنافس التصادمي المتقاطع، فالأول يفجر طاقات الفرد والمجتمع، والثاني يدخلها في صراعات قاتلة وهدامة.

فالتوازن هو بين بناء الذات والاهتمام بها من حيث النوع والكم والمعنى والمادة، مع ضرورة إهمال الأنا الفرعونية بل محاربتها، وبين الاندماج بالمجتمع والتفاعل والانفعال معه في التغيير والتطوير وخدمة الإنسانية.

فهو توازن بين ضرورة بناء الذات في كافة أبعادها، وبناء المجتمع في كافة احتياجاته.

لكن هل ذلك يتنافى مع الفرادة؟ وهل الفرادة تعني انقلاب على الذات وعلى الأصيل الثابت؟

وما الفرق بين الفرادة والفردانية؟

رفض الأنا كأصيل فرعوني، لا يعني رفض الفرادة، كون الفرادة تكمن في التميز والابداع الذي يفترض أن يطور من المجتمع ويدفع باتجاه تحضّره، . كون تمييز التميز والابداع لا يكون إلا من خلال التفاعل الاجتماعي ضمن المجتمع، فلا فرادة يمكن وصفها بذلك إلا من خلال مقارنة عمل مع آخر، وإبداع مع آخر. وهذا لا يكون إلا بإعطاء الفرد حقه في العلم وتنمية الذات والتعبير عن مهاراته وخصوصيته وإبداعاته ومن ثم ترجمتها في واقعه المعاش، وهذا يشترط أن تكون منظومة المعايير والقيم قائمة على أساس أصالة الفرد والمجتمع، بحيث لا تتعدى حقوق الفرد على المجتمع ولا العكس.

والفرادة لا تعني الانقلاب على الأصل، بل تعني تطويره وتبييئه، أي مواكبة هذا الأصل للواقع الزماني والمكاني، الفرادة تعني امتلاك قدرة على التميز في تطوير الواقع وتنضيجه، في سوق قابليات الناس لتقبل الحقيقة، في امتلاك المهارة لذلك والقدرة على إصلاح الواقع بفكر حضاري غير متصادم، الفرادة ليس كما تطرحها الحداثة في تحقيق إنجازات كمية ونجاحات متراكمة لا تصب إلا في صالح الأنا، الفرادة تكمن في تحقيق نجاح نوعي ينعكس على الواقع الاجتماعي وينهض به، حتى لو لم يقدم للشخص أي قيمة مادية، وحتى لو لم يحقق هذا الشخص الشهرة، فالأصل في الفرادة هو النوع لا الكم، ولكن لو انضم النوع إلى الكم فهو نور على نور.

و تتحقق الفرادة وتشتد قوة حينما تترجم في واقع اجتماعي وتحدث تغيير نوعي يدفع بالمجتمع للدول المتحضرة نوعيا وكميا. وهذا لا يتم إلا بالنقد البناء، ورفض التنميط بكافة أشكاله، ومحاولة القراءة الابتكارية للواقع، وامتلاك قدرة للخروج من الصناديق كافة مذهبية أو اجتماعية أو عصبوية، والتفكير الحر الذي لا يخضع لحسابات البيدر والميدان، كالحزبية والقبلية، أو الارتباط بمصالح مالية أو سياسية أو سلطوية. هي تحرر في الفكرة خارج المألوف والإجماع.

هي حالة نقد مستديم إيجابي للواقع، ومحاولة النهوض به حتى لو كان فهم في عكس التيارات كافة.

الفرادة في خصومة مع التقليد النمطي، وفي اندماج مع النظر والتأمل والخيال، الفرادة لا تتحقق مع المسلمات الكثيرة النمطية القائمة على التقليد، ولا مع اليقينيات المطلقة دون بحث وتنقيب ودليل.

تتحقق الفرادة لا بعنوان التقليد ولا الإخضاع والإذلال، وإنما بفعل التفكير والنظر والإقناع والتأثير، الفرادة لا تعني الأنا ولا فقط الذات، بل تعني النهوض بهذه الذات في سياق نهضة المجتمع والأمة.

أن تحقق الفرادة هي أن تقدم شيئا جديدا عجز أقرانك عن تقديمه، شيئا يحدث التغيير خاصة في واقعك الاجتماعي، وخاصة على مستوى الإدراك والقابليات ومنظومة القيم والمعايير.

نعم لنهتم بذواتنا في تطويرها وتنميتها ماديا ومعنويا، لكن لا ننسى أنتا كأفراد لنا حقوق وعلينا واجبات، فالفرد له أبعاد ولكل بعد ارتباط بالحق والواجب.

فبعد حقيقي هو ذاته التي لها عليه حق في العلم والاخلاق والمعرفة، وبعد حقوقي مرتبط بمنظومته العلائقية. كعلاقته بالله والوالدين والأخوة والأسرة المتكونة من الزوج والزوجة والأبناء والمجتمع والأصدقاء وإلخ.

فله عليها حقوق، وعليه اتجاهها واجبات، فلا يمكن أن ينفصل عنها ولا تنفصل عنه خاصة العلاقات الحقيقية التي لا تنفك.

والالتفات لعملية التفكيك البطيء لمنظومتنا المعرفية بعد العولمة، يحتاج إلى وعي وإدراك لكل بنية الحداثة الغربية وبنية الإسلام، لمعرفة الفروقات الجوهرية في البنى الفلسفية لكلا الحضارتين ومن ثم التمييز بينهما تمييزا مجهريا دقيقا، لنتمكن من الاستفادة من كل التجارب البشرية بطريقة تلاقحية لا تبدل الأصيل الثابت، لكن تطور سياقاتنا المعرفية وأدواتها، وتنهض بفهمنا وإدراكنا بما ينعكس بشكل إيجابي على سعينا نحو التطوير والنهضة في مساراتهما المعرفية السليمة، بعيدا عن التمييع والتركيب المصطنع.

يرى دوركهايم أنّ تبني مقاربة فردانية للمعرفة، أي الاعتقاد أنّ المعرفة تنطلق من التجربة الفردية، يثير بالضرورة مشكلات يستحيل حلها. ذلك أنّ الأشياء التي يجربها الأفراد تتغير من يوم لآخر ومن لحظة لأخرى. فلا شيء يعيد إنتاج نفسه بصورة متطابقة، كما أنّ مجرى التجربة في حالة ما إذا كان الأفراد لم يكتسبوا بعد مقولات الفكر العامة (يخضع لعملية تطور دائم وتمايز مستمر ) بما أنه في تدفق لا يتوقف فضلاً عن ذلك، فحتى وإن كان من الممكن الاعتراف بأنّ التجارب الفردية الخاصة صادقة تجريبياً، فإنّ كل محاولة للتعميم انطلاقاً منها تبقى غير صادقة إذا لم يكن ما أُضِيفَ أثناء عملية التعميم هذه خاصيةً أوليّةً للتجارب الخاصة. لكن ما الذي يميّز في هذه الحالة مقولة عامة عن تجربة مواضيع وأحداث خاصة؟ إذا كانت المقولات العامة شيئاً لا يوجد في التجارب الخاصة المأخوذة كُلّ واحدة على حدة، أي إذا كانت شيئاً أضافه العقل إلى مجموع الكيانات الخاصة، فإنّ الأفكار العامة تخلو من كلّ صدق تجريبي.

إن التفكيك بين الفرد والجماعة وبينه وبين المجتمع هو تعطيل جزئي للعقل وحصره في دائرة الأنا التي تتصف بالمحدودية، وهو دفع للتضارب لا التنافس بين الآراء وتلاقحها، هذا فضلا عن قتل كثير من القيم والمعايير التي لا تتفاعل إلا في بيئة جماعية اجتماعية وتعطيل لها، وهو ما ينعكس سلبا على المدى البعيد على السلوك الفردي والاجتماعي أخلاقيا ومعنويا، ويخلق بعد أناني يقتل روح التفكير بالآخر وروح التعاون، ويخلق حالة من التسابق الأنوي للكسب والشهرة وتحقيق مادي للذات فقط.

ولا ننكر أن المغالاة في العمل الجماعي وتكريس أصالة المجتمع على حساب الفرد، هو قتل للفرادة بحجة الخوف من الفردانية وتضخم الأنا الفرعونية، وتكريس العقل الجمعي والتنميط وتعليب الفكرة بصندوق خاص يكرس من ثقافة القطيع والجنود لحساب الجماعة.

إن ما نصبو إليه هو تحقيق ميزان الاعتدال بين الفرد والمجتمع، وتحقيق الفرادة التي تنهض بالأمة ولا تنهض الأمة إلا بنهوض أفرادها، ولا ينهض الأفراد إلا بتحقيق التعاون على كافة الأصعدة وبكافة المراتب.

فمن يشتغل بحقل الأفكار ويحقق الفرادة في هذا الميدان لا يمكن لفرادته أن تحقق النهضة إلا بالتعاون مع آخرين قادرين على ترجمة فرادته الفكرية في الواقع الاجتماعي لتحدث انزياحات حقيقية في الوعي، وهذا لا يتحقق إلا من خلال ترجمة هذه الأفكار بطريقة تناسب الزمان والمكان وتحاكي الواقع وتعالج إشكالياته.. ومن وجهة نظري أن الفردانية الغربية التي اعتمدت أصالة الفرد كانت سببا غير مباشرا في تطرف الفكرة الأنثوية وسببا غير مباشرا في نشوئها، بعد أن فصلت المرأة كما الرجل عن المحيط الأسري والاجتماعي، وجعلت لها حقوقا منفصلة عن مجموعة الحقوق العلائقية المرتبطة في الأسرة والمجتمع، فحقوقها منفصلة باتت عن واجباتها من جهة، وعن اتصالها العضوي بالأسرة، سواء كونها ابنة، أو زوجة وأم.

بين النسوية والأنثوية:

المرأة في العصور الوسطى:

"شاركت المرأة في القرون الوسطى الرجل أشغاله في الحقل، والعناية بالحيوانات، بالإضافة إلى أشغال المنزل، ومع التنمية العمرانية، وظهور أشكال جديدة من العمل، ساعدت المرأة زوجها في مهن وفنون إلى أن وصلت إلى النيابة عنه وتعويضه حسب الحالات. وكان الأب يلقن فنه لأولاده الذكور منهم والإناث على السواء. وفي القرن الثالث عشر، أصبحت المرأة لا تمارس فقط حرف الحياكة والنسيج، وإنما أيضا أصبحت تقوم بأعمال الدباغة ومعالجة الجلد والمعادن. وبشكل عام فإن الأجور التي كانت تتقاضاها النساء، كانت منخفضة عن تلك التي كان يتقاضاها الرجال، الأمر الذي أدى إلى إسهام المرأة في الحركات الثورية التي عرف المدن في القرون الوسطى وحدث في القرن الخامس عشر أن اتهم عمل المرأة بكونه السبب في البطالة التي يواجهها الرجال، وقد نتج عن ذلك أن منعت مختلف التشريعات الأوربية ممارسة النساء لأية مهنة. وهكذا مع نهاية القرن السادس عشر وحلول السابع عشر، كانت المرأة قد أقصيت نهائيا من الحياة المهنية. وفي الجملة، إن عصر "المركنتيلية" (التجارية) كان يعني موت المرأة ككيان نشيط. فلما حل القرن الذهبي، وجد المرأة محبوسة في المنزل، وقد اقتصر دورها على تنشئة الأولاد، والقيام بأعمال البيت، ورعاية شؤون الزوج. أما على المستوى الفكري والثقافي، فقد حدث خلاف ما قد يتبادر إلى الذهن من إقصاء المرأة، حيث إنها في القرون الوسطى تمتعت بمساواة نسبية مع الرجل في المجال الثقافي، فعلى مستوى الطبقات الدنيا كان هناك غياب عام للتعليم بالنسبة للرجل كما للمرأة على حد سواء. أما في المستويات الاجتماعية العليا، فقد عرفت تحركات اجتماعية نسائية انطلاقا من القرن السادس عشر طلبا بالحق في التعليم الذي كان مقصورا على الرجل، مثل ما حدث في "بوركوس" و "بلنثيا". في القرن الثامن عشر، وضع حد للتمييز بين الرجل والمرأة في الحق في التعليم. في هذا القرن الثامن عشر، مع التطور الذي عرفته الحياة العمرانية، أنشئت مدرسة للفتيات مثل الفتيان على الرغم من أن عدد الفتيات كان أقل من عدد الذكور. وأما بالنسبة للجامعات، فقد منعن من الالتحاق بها، باستثناء المدرسة الحرة"بسلونو" في إيطاليا، التي كانت تمنح شهادات في الطب النسائي منذ القرن العاشر. ولن يحدث هذا في المدن الأوروبية الكبرى إلا في نهاية القرن الثالث عشر، حيث سمح للمرأة بممارسة الجراحة وطب الأنف والحنجرة وأمراض النساء. وقد اشتهرت القرون الوسطى بأساطير، سواء تعلقت بملاحقة الساحرات من طرف محاكم التفتيش، وكانت العقوبات التي كن يتعرضن لها خلال القرن السابع وإلى حدود القرن الثالث عشر، تتلخص في استتابتهن أو فرض غرامات مادية عليهن"[4]

وحول وضع المرأة في القرون الوسطى شرح الكاتب الدانمركي Wieth Kordsten اتجاه الكنيسة الكاثوليكية نحو المرأة بقوله: خلال العصور الوسطى كانت العناية بالمرأة الأوربية محدودة جدا تبعا لاتجاه المذهب الكاثوليكي الذي كان يعد المرأة مخلوقا في المرتبة الثانية.

وفي فرنسا عقد اجتماع عام 586م يبحث شأن المرأة وما إذا كانت تعد إنسانا أو لا تعد إنسانا؟ وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان، ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وقد نصت المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون الفرنسي على ما يلي:

المرأة المتزوجة حتى لو كان زواجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها لا يجوز لها:

أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية.

وفي إنجلترا حرم هنري الثامن على المرأة الإنجليزية قراءة الكتاب المقدس وظلت النساء حتى عام 1850م غير معدودات من المواطنين، وظللن حتى عام 1882م ليس لهن حقوق شخصية.

يقول المؤرخ فردريك هير: إنه لم يكن للمرأة في الغرب الأوروبي في العصور الوسطى أي حق في أي شيء، فالقانون كان خاص بالرجال، وحدهم، والرجل هو صاحب السلطة الوحيد في العائلة وفي المجتمع وفي الدولة، بل إن إحدى القواعد الثابتة في العصور الوسطى كانت woman”s voice is not to be heard in public. هذا باستثناء حق واحد فقط هو الميراث، فقد كان من حقها أن ترث والدها أو زوجها. على أن المؤرخة بور توضح أن القانون الإنجليزي كان يعتبر المرأة النبيلة غير المتزوجة أو التي توفى عنها زوجها، شخصية متميزة عن العامة، فكان يهتم بحقوقها وواجباتها لدرجة المساواة بالرجل، فمن حقها حيازة الأرض الزراعية، وتحرير وصية أو عقد، ولها أن تقيم دعوى أمام القضاء أو ترفع عليها الدعاوى، لكن بمجرد زواجها فإن هذه الحقوق كلها تنسل من يديها ليستحوذ عليها الزوج.

وإذا كانت سيدة نبيلة كبيرة السن دون زوج فإنها تمنح نفوذًا وسلطة واسعة، وتصبح شخصية هامة ذات شأن كبير في المحيط الذي تعيش فيه.أما فيما يتعلق بحقوقها في الزواج، فإنه لم يكن للفتاة من الطبقة العليا في المجتمع أي رأي في اختيار شريك حياتها، إذ كانت المصالح المادية هي صاحبة الرأي الأول والأخير في هذا الأمر، وكان زواج المصلحة أمرًا شائعًا ومألوفًا في العصور الوسطى، ومثل هذه الزيجات كثيرًا ما أملتها المصالح التي تتعلق بالأرض، وكانت عبارة "لا أدري أية عوائق تحول دون الزواج بين أصحاب الاقطاعات الكبيرة" هي العبارة التي استرشد بها كبار السادة الإقطاعيين للموافقة على زواج بناتهم، أو (قاصر) تحت وصاية أحدهم.

وكانت النظرة للمرأة في أوروبا القرون الوسطى كما لخصها ترتوليان أحد قادة الفكر الأوروبي في القرون الأوروبية الوسطى "أنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وأنها ناقضة لقانون الله، مشوهة لصورة الله. وبالتالي نرى أن المرأة في تلك العصور وقع عليها ظلما في النظر إليها كإنسانة حتى وصل الأمر إلى إقرار عدم أهليتها وقدرتها على اختيار الزوج والذي يعتبر شريك حياتها وكانت المسألة متعلقة بالبعد المادي لدى الطبقات البرجوازية وبالرغم من أن المرأة كانت في فترة من الفترات تشارك الرجل في أعمال تعتبر شاقة لها مقارنة مع تركيبتها الجسدية إلا أنه حتى هذا النذر اليسير سلب منها فيما بعد وحرمت الاستقلالية المادية لتعود بكل ما تملك لزوجها ومن قبله لأبيها، بل حرمت حتى من الميراث حتى تبقى تحت السلطة الأبوية التي كانت تعدها إنسانة من الدرجة الثانية وغير مؤهلة لحكم نفسها. فإن كانت الكنيسة لا ترى لها في القرون الوسطى أهليه على تدبير شئونها الخاصة فبالطبع هي لا تراها أصلا مؤهلة للدخول في عالم السياسة والمشاركة في أي مستوى من مستويات صنع واتخاذ القرار، أو أي مجال من مجالات العمل والحياة الاجتماعية. ونحن هنا لا ننكر أبدا نضال المرأة الأوروبية في تلك الفترة لكي تستطيع أن تخرج من هذه السلطة البابوية والأبوية ولكن ما حصل هو خروجها من هذه السلطة ودخولها في سلطة أخرى أضاعت شخصيتها الإنسانية، وجعلتها أسيرة النظام العلماني الرأسمالي وهذا ما سنتطرق له في البند التالي.

المرأة الأوروبية في العصر الحديث:

وفي العصر الحديث عندما قامت الثورة الفرنسية التي ينظر إليها الأوروبيون على أنها أم الثورات، وأم الحريات؛ حتى أصبحت محل فخر الدول الأوروبية المسيحية، فإنها اعتبرت المرأة إنسانًا قاصرًا لا تستغل بشؤونها إلى أن عدلت تلك القوانين لصالح المرأة وأخذت بعض الحقوق. عقد في فرنسا اجتماع سنة 1586 م ليبحث شأن المرأة، وما إذا كانت تُعدُّ إنساناً أو لا تُعدُّ إنساناً. وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وفي شباط عام 1938 م، صدر قانون يلغي القوانين التي كانت تمنع المرأة الفرنسية من بعض التصرفات المالية، وجاز لها ولأول مرة – في تاريخ المرأة الفرنسية – أن تفتح حساباً جارياً باسمها في المصارف. وفي إنكلترا بقيت النساء حتى السنة 1850م غير معدودات من المواطنين، وظلت المرأة حتى سنة 1882م وليس لها حقوق شخصية، فلا حق لها بالتملك. ولم تُسَوِّ جامعة أكسفورد بين الطالبات والطلاب في الحقوق (في الأندية واتحاد الطلبة) إلا بقرار صدر في 26 تموز 1964م.

"إن قضية المساواة بين الرجل والمرأة لم تأت عقب الثورة الصناعية وحاجة المصانع إلي أيدي عاملة من الجنسين وإنما ترجع بجذورها إلي الثورة الفرنسية 1789 في ظل أجواء تبنتها الثورة عن الحرية والمساواة والإخاء.. حيث شعرت المرأة أنها تعيش في ظلم حقيقي رسمت ملامحه الثقافة السائدة وطبيعة القوانين الجائرة، فطالبت بحقها في توسيع فرص التعليم للمرأة وتحسينها والمساواة في ذلك، والمساواة القانونية في العمل وتولى الوظائف الحكومية ورفعت عدة شعارات منها" إذا كان يحق للمرأة أن ترتقي منصة الإعدام فمن حقها أيضا أن ترتقي المنبر"[5]

وبمثل هذه الشعارات التي اجتاحت دول أوروبا وأمريكا في القرن الثامن عشر، انطلقت الحركة النسائية في أوروبا تطالب بعد أن نزلت إلي ميدان العمل وما صاحبه من تغيرات بتوفير دور للحضانة ورعاية الأطفال والحق في الأجر المتساوي وفي تشريعات تحمي النساء العاملات، وحق الملكية، الطلاق، وحق التعليم العالي وممارسة المهن الطبية وحق الانتخاب والترشيح.

وفي أمريكا عام 1848 عقد في "سينيكا فولز" أول مؤتمر للنساء أعلنت فيه النساء المشاركات عن رغبتهن في تنظيم جهودهن كحركة مجتمعية تسعى للإصلاح الاجتماعي.

وشكلت المطالب الاجتماعية للمرأة أهم ملامح هذه المرحلة ومع هذا استمرت أوضاع المرأة على ما هي عليه وتعنتت الأنظمة الحكومية في الرد علي المطالب الأنثوية حتى ولو كانت عادلة وحقه، حتى بدايات القرن العشرين خاصة مع الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى زيادة حجم التواجد النسائي وبدأت كفة الحركات النسائية في الرجحان لصالحها .ومن هنا نجد أن المرأة الأوروبية أظهرت حراكا سياسيا واضحا وكان لها وجودا مؤثرا تجلى في الحربين الكونيتين الأولى والثانية ومارست مصداقا واضحا للمشاركة السياسية من خلال الضغط الشعبي لتحصيل حقوقها وبالتالي أحدثت تغييرا في مسيرتها، وإن كانت هذا التغيير سار بشكل بطيء إلا أنها استطاعت أن تحقق لها مكاسب ما كانت لتحلم بها بعد الظلم الذي مورس عليها في ظل الحكم الكنسي، ولكن أين وصلت المرأة الأوروبية بعد إعلائها شعار التحرر ومطالبتها بحقوقها والمساواة بين الجنسين

الأنثوية:

قبل تعريف المصطلح ومنطلقاته الفلسفية والمادية علينا أن نعي تماما أن هناك فرقا واضحا بين المطالبات الحثيثة في رفع الغبن الذي لحق بالمرأة العربية والمسلمة وإعطاءها حقوقها الطبيعية على ضوء الفهم الأقرب للشريعة الإسلامية وبين الحركات الأنثوية (Feminism) التي ترفع شعارات مماثلة ألا وهي التحرير والحقوق إلا أنها ترمي إلى مقاصد وتحقيق أهداف من هذه الشعارات غاية في الخطورة في كثير من تياراتها ودعواتها، وتكمن خطورة الشعار وخطورة الحركات الأنثوية في أنها تنشط في ساحاتنا التي امتلأت غبنا للمرأة وسلبا لحقوقها تحت شعارات دينية والدين منها براء. فهي تحاول أن توجه الضربة القاضية للدين الإسلامي من خلال توجيه التهم المباشرة والعميقة والأسئلة الحرجة على مسامع النساء الناشطات في الساحة العربية والإسلامية واستغلالهن ليكن الأدوات الفاعلة في نشر ثقافة الأنثوية وإحلالها كبديل للدين والقيم والاخلاق. ويأتي الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى مصطلح Feminism والفرق بينه وبين المصطلح القديم للحركة النسوية Women’s Liberation Movement، ويقول: "ظهر منذ عدة سنوات مصطلح آخر هو Feminism وحل محل المصطلح الأول (حركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها) وكأنهما مترادفان أو كأن المصطلح الأخير أكثر شمولاً من المصطلح الأول، ولكننا لو دققنا النظر في المصطلح الأخير لوجدنا أنه يشير في واقع الأمر إلى مدلولين مختلفين تمام الاختلاف: (حركة تحرير المرأة) و (حركة التمركز حول الأنثى)، وهما حركتان في تصورنا مختلفتان، بل متناقضتان، فحركة تحرير المرأة هي حركة اجتماعية، بمعنى أنها تدرك المرأة باعتبارها جزءًا من المجتمع، ومن ثم تحاول أن تدافع عن حقوقها داخل المجتمع وهي واحدة من حركات التحرر القديمة التي تدور في إطار إنساني يؤمن بفكرة مركزية الإنسان في الكون، ولفكرة الإنسانية المشتركة التي تشمل كل الأجناس والألوان وتشمل الرجال والنساء، وبفكرة الإنسان الاجتماعي الذي يستمد إنسانيته من انتمائه الحضاري والاجتماعي. والإنسان من منظور حركة تحرير المرأة كيان حضاري مستقل عن عالم الطبيعة/ المادة لا يمكنه أن يوجد إلا داخل المجتمع، ولذا لا يمكن تسويته بالظواهر الطبيعية / المادية. ومن ثم تحاول هذه الحركة أن تدافع عن حقوق المرأة داخل حدود المجتمع وخارج الأطر البرجوازية الصراعية الطبيعية/ المادية الداروينية التي ترى المجتمع باعتباره ذرات متصارعة. والمرأة من ثم، في تصور هذه الحركة، كائن اجتماعي يضطلع بوظيفة اجتماعية ودور اجتماعي، ولذا فهي حركة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع (لا تحقيق مساواة مستحيلة خارجه) بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان (رجلا كان أم امرأة) من تحقيق لذاته إلى الحصول على مكافأة عادلة (مادية أو معنوية) لما يقدم من عمل... لذا تأخذ حركة تحرير المرأة بكثير من المفاهيم الإنسانية المستقرة الخاصة بأدوار المرأة في المجتمع، وأهمها، بطبيعة الحال، دورها كأم. ورغم أن هذه الحركة علمانية -ـ في رأينا ـ في رؤيتها، تستند إلى فكرة العقد الاجتماعي والإنسان الطبيعي والإنسان الاقتصادي إلا أن مثلها الأعلى يحوي داخله أبعادًا إنسانية واجتماعية لعلها بقايا رؤى المجتمع التقليدي الديني الغربي، ومع تصاعد معدلات العلمنة، بدأت هذه البقايا في التبخر، وتراجع البعد الاجتماعي، وتم إدراك الأنثى خارج أي إطار اجتماعي، كأنها كائن قائم بذاته، وظهرت نظريات تتحدث عن ذكورة وأنوثة اللغة، والفهم الأنثوي للتاريخ، والجانب الذكوري أو الأنثوي في رؤية الإنسان للإله، أي أننا هنا لسنا أمام قضية حقوق المرأة الاجتماعية والاقتصادية أو حتى الثقافية، وإنما أمام رؤية معرفية متكاملة، نابعة من الإيمان بأن الأنثى كيان منفصل عن الذكر، متمركزة حول ذاتها، بل وفي حالة صراع كوني تاريخي معه، الأمر الذي أدى إلى تزايد هيمنة القيم البرانية المادية مثل الكفاءة في العمل في الحياة العامة مع إهمال الحياة الخاصة ـ الاهتمام بدور العاملة (البرانية) مع إهمال دور المرأة الأم (الجوانية) ـ الاهتمام بالانتاجية على حساب القيم الأخلاقية والاجتماعية الأساسية ( مثل تماسك الأسرة وضرورة توفير الطمأنينة للأطفال) -ـ اقتحام الدولة ووسائل الإعلام وقطع اللذة لمجال الحياة الخاصةـ إسقاط أهمية الإحساس بالأمن النفسي الداخلي ـ إسقاط أهمية فكرة المعنى باعتبارها فكرة ليست كمية أو مادية.. الخ. ومن هنا ما تطرحه لا يهدف إلى تغيير القوانين، أو السياق الاجتماعي للحفاظ على إنسانية المرأة باعتبارها أمًّا وزوجة وابنة وعضوًا في المجتمع، وإنما تهدف إلى تغيير اللغة الإنسانية، ومسار التاريخ والطبيعة البشرية ذاتها حتى يتم اختلاط الأدوار تمامًا وحتى يتحسن أداء المرأة في إدارة الصراع مع الرجل، وقد نتفق أو نختلف في هذا الوصف للحركتين، ولكن المهم أنهما حركتان مختلفتان، تستخدم كلمة واحدة للإشارة لهما في اللغات الأوربية، وقد بدأنا نحن أيضًا في اتباع هذا الأسلوب، ونشير إلى كل من حركات تحرير المرأة والتمركز حول الأنثى بأنها حركات تحرير المرأة، وفي هذا خلل أيما خلل، وهو تغييب لمجموعة من الفروق الجوهرية بين الحركتين"[6]

تعريف الانثوية

هي "حركة فكرية سياسية اجتماعية متعددة الأفكار والتيارات، ظهرت في أواخر الستينات، تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي وتغيير بنى العلاقات بين الجنسين، وصولاً إلى المساواة المطلقة كهدف استراتيجي، وتختلف نظرياتها وأهدافها وتحليلاتها تبعًا للمنطلقات المعرفية التى تتبناها، وتتسم أفكارها بالتطرف والشذوذ، وتتبنى صراع الجنسين وعداءهما، وتهدف إلى تقديم قراءات جديدة عن الدين واللغة والتاريخ والثقافة وعلاقات الجنسين".[7]

وقد مال الأستاذ مثنى إلى جعل الحركة النسوية الراديكالية المقياس في التعريف للأنثوية.

ومصطلح الأنثوية أو "الفيمينيسم" هو مصطلح فرنسي، يعني الدفاع عن حقوق المرأة عن طريق تحقيق المساواة المطلقة، وإزالة كل أنواع التمييز بين المرأة والرجل دون النظر إلى الفروقات الطبيعية، بل إعطاء الحق المطلق للإنسان لتحديد جنسه، بعنوان حق الإختيار الحر.

ويفند المفكر مثنى أمين هذا التعريف إلى عدة مفاهيم فكرية وسياسية واجتماعية يشرح من خلالها أهداف ومنطلقات هذه الحركة فيقول:

" يمكن شرح مفردات هذا التعريف التقريبي على النحو التالي:

حركة فكرية: بمعنى أنها تمتلك أفكارًا وثقافة خاصة وعندها نظريات لتفسير القضايا ذات الصلة بميدانها. حركة سياسية: بمعنى أنها تلتمس لتحقيق أهدافها نوعًا من ممارسة العمل السياسي عبر منظمات جماهيرية وجماعات ضغط ومؤسسات المجتمع المدني، والتى هي قناة من قنوات ممارسة العمل السياسي، سواء كانت هذه المنظمات تابعة للأحزاب التى تكون موجودة أم تكون مستقلة، بل إنها الآن تمارس العمل السياسي على مستوى العالم عبر ضغط على مؤسسات الأمم المتحدة، وبالذات عبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي وصناديق السكان والطفل، ولجنة المرأة ومؤتمراتها المختلفة، واتفاقياتها المتعددة، وسوف نتطرق لهذا في مجال خاص من هذا البحث.

حركة اجتماعية: لأنها تمس الأسرة وبنى العلاقات فيها ودور المرأة في المجتمع. وهي متعددة الأفكار والتيارات: وهذه إشارة إلى تعدد الخلفيات الفكرية والإيديولوجية التى تستند إليها هذه الحركة. وفي قولنا: "تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي" إشارة إلى أن هذه الحركة لا تتبنى إصدار بعض القوانين الشكلية لتحسين أوضاع المرأة، وإنما تريد تغيير الثقافة والنظرة والعلاقات وصناعة أعراف وقيم جديدة... إلخ، فوضع المرأة القانوني لا يتحسن إلا بوجود إدارة سياسية، وهي لا تتوفر إلا بتوفر وعي ثقافي جديد، وهذا لا يمكن إلا بتغييرات لابد من حصولها في نظرة الناس وكيفية تناولهم للأمور وهلم جرا."[8]

فكانت الحراكات النسوية في أغلبها تتولد ضمن سياق فعل اجتماعي ديني، أوقع ظلما كبيرا على المرأة، وجاءت هذه الحراكات كردود فعل عكسية ومتطرفة في أغلبها، وتحاول أن تدفع في مسارات حقوق المرأة إلى أقصى اتجاه، لدرجة أنها أخرجت نفسها من استبداد إلى استلاب، فالأول سلبها جل حقوقها بما فيها الطبيعية، والثاني سلبها وجودها وكينونتها وهويتها حتى الطبيعية منها. رغم أن هناك تمايز واضح بين حركات تحرير المرأة التي انطلقت لإنصاف المرأة ضمن إطارها الإنساني، إلا أن توغل الغرب في التنميط المادي للمجتمع، وتطوير النزعة الاستهلاكية المادية على حساب النزعة الإنسانية القيمية، وتحويل الشأن الحقوقي من شأن قيمي إنساني إلى مادة تخاصمية صراعية يغيب فيها البعد الأخلاقي لحساب البعد المادي الفرداني الذي يخرج المرأة من شخصيتها وكينونتها ضمن المنظومة الإنسانية ككل، إلى شخصية تتمحور حول ذاتها في بعدها الجسدي المادي لا بعدها الإنساني الذي يحقق كينونتها ضمن شخصيتها الحقيقية والحقوقية المرتبطة بذاتها من جهة كإنسانة، وبمحيطها الذي يشكل بعدها الاجتماعي كأم وزوجة وإبنه.

ويقول الكاتب والمفكر مروة أحمد إبراهيم عن وضع المرأة في الغرب الحديث "ويكفي أن نشير إلى أن إحدى السيدات الأمريكيات في 1986 م قد ألفت كتابا أسمته (حياة مهانة: أسطورة تحرير المرأة) واعتمدت في كتابها على إحصائيات دقيقة، حيث أكدت أن الأجر (الراتب الشهري) للمرأة في أمريكا لا يزيد على نسبة 64% من أجر الرجل عن العمل المؤدى نفسه، وفي السويد لا تبلغ النسبة إلا 81% فقط، أما عن حوادث الاغتصاب التي نتجت عن حرية المرأة المزعومة، فقد سجلت التقارير أن نسبة إمكان اغتصاب الأنثى في أمريكا من 1: 5، والتقديرات المحافظة من 1: 7، أي أنه على أفضل تقدير فإن واحدة من كل سبع نساء يتعرضن للاغتصاب في أمريكا.

وفي إحصائيات أخرى كان عدد المغتصبات اللاتي سجلن حوادث اغتصاب في الشرطة في عام 1996 م هو 90430 حالة، أما اللاتي لم يسجلن فيقدرن بحوالي 310000 حالة، وسبب عدم الشكوى هو اليأس من إمكان الشرطة أن تساعد أو تعرف، وعدم جدوى التقرير. وفي كندا سجلت 20530 حالة اغتصاب، وليس هناك إحصاء لغير المسجلين، ويوجد في كندا 150 مركزا لمساعدة المغتصبات، وفي استراليا 75 مركزا، وفي نيوزلندا 66 مركزا، وفي إسرائيل سبعة مراكز.

أما عن قتل النساء في الولايات المتحدة؛ فإنه يقتل كل يوم عشر نساء من قبل الزوج أو الصديق، من هذه الحالات 75% يتم القتل بعد أن تترك المرأة صديقها، فينتقم منها بالقتل، أو تطلب الطلاق من زوجها أو تعصيه، وفي روسيا عام 1995 م كانت نصف حالات القتل ضد النساء من قبل أزواجهن أو أصدقائهن، وفي 1993م كان عدد القتلى (14000)، وجرح(54000) جراحات شديدة.

أما عن الملاجئ التي خصصت للنساء المضروبات أو الهاربات من أزواجهن، وهن اللاتي لا يجدن ملجأً عند أهل أو أقارب؛ فيوجد في الولايات المتحدة ( 1400) ملجأ، وفي كندا (400)، وفي ألمانيا (325)، وفي بريطانيا (300)، وفي استراليا (270)، وفي نيوزيلندا (53)، وفي هولندا (40)، وفي أيرلندا (10)، وفي اليابان (5). كما أن دعارة النساء تمثل جانبا كبير الأهمية في اقتصاد بعض الدول ودخلها القومي مثل روسيا، وكوبا... وغيرهما.

وسيلة للضغط السياسي:

وقد كان للحديث عن حقوق المرأة أبعاداً في غاية الخطورة؛ حيث جرى التعامل مع هذه الحقوق على أنها مادة خام يمكن تصنيعها وتحويلها إلى أدوات تتجاوز وظيفتها التقليدية (الدفاع عن المرأة وحريتها) إلى أدوات شديدة الفاعلية في ممارسة الدول الكبرى للإكراه السياسي والاقتصادي على الدول الأخرى؛ وذلك لحمل هذه الدول على قبول شروطها في إدارة سياساتها الخارجية والداخلية، أو في الدعاية الرخيصة ضد ثقافة المجتمعات التي لا تروق للدول أو المنظمات والأحزاب المحتضنة لثقافات مغايرة، ومن تحول جسد المرأة من الاستثمار الاقتصادي إلى الاستثمار السياسي".

وحول تجاوز المهام المركزية للمرأة، ودورها الحقيقي في البناء الحضاري السليم، وما وقعت فيه أوروبا الحديثة من أخطاء بسبب مبالغتها في تجاوز وظيفة المرأة في الحياة الإنسانية يقول غورباتشوف في البيريسترويكا ما يلي: "لقد قضت الدولة السوفييتية بحزم وبلا هوادة على كل تمييز بحق المرأة مما كان يميز روسيا القيصرية. وهي قد ساوت بينها وبين الرجل من الناحية الاجتماعية وضمنت هذه المساواة بالقانون. نحن نعتز بما قدمته السلطة السوفييتية للنساء: الحق المتساوي مع الرجل في العمل ولا وجود لأية فوارق في الأجور والحماية الاجتماعية. وحصلت المرأة على كل الإمكانيات للحصول على التعليم والترقية والمشاركة في النشاط الاجتماعي والسياسي. ولولا المساهمة النشيطة للمرأة وتفانيها ما كان بإمكانها بناء المجتمع الجديد ولا الصمود في الحرب ضد الفاشية. وببساطة لم يعد للمرأة العاملة في البناء والإنتاج ومجال الخدمات وفي العلوم ولدى تلك الغارقة في العمل الإبداعي، الوقت الكافي للشؤون الأكثر حيوية وهي شؤون الأسرة، وتبين أن مصائب كثيرة،سواء في مجال تصرف الأطفال والشبيبة أو في مسائل الأخلاق الاجتماعية والتهذيب حتى في الإنتاج مرتبطة بضعف الأواصر العائلية وهبوط مستوى الواجب الأسري. هذه هي المفارقة التي حدثت رغما عن أنه كان لدينا طموح مخلص تم التأكيد على صحته سياسيا بتساوي المرأة مع الرجل في كل شيء.ولكن بدأنا تصحيح هذا التقصير الذي كما لو كان قد أصبح من أفضليات المجتمع، في مسار البيريسترويكا. ولذا تناقش عندنا الآن بحدة ونشاط في الصحافة والمنظمات الاجتماعية بل حتى في كل مكان، في العمل والمنزل، مسألة كيفية استعادة المرأة لوضعها الحقيقي كامرأة".

وهنا يتضح لنا أن التقدم الذي أنجزته المرأة الغربية في أوروبا الحديثة هو تقدم موهوم في كثير من نواحيه خاصة الإنسانية منها والتي أبعدت المرأة عن دورها الحقيقي وأدخلتها في عالم المساواة مع الرجل بدل أن تحقق لها العدالة المنشودة التي تنصفها كدور ووظيفة، والذي تختلف عنه في تركيبتها السيكولوجية والبيولوجية كما أثبتت الدراسات الحديثة حيث أن الأساس في العلاقة بين الرجل والمرأة هو العدالة. ولكن لماذا فشلت المرأة الغربية رغم أنها تحررت من الحكم الأبوي والتسلطي وأصبحت شريكة حقيقية في الدخل القومي الذي يؤثر بشكل إيجابي وكبير على السياسة العامة للدولة.

وبإطلالة على الإيديولوجية الغربية والرؤية الكونية التي تعتمدها في نظرية المعرفة والتي هي الأساس في الفروقات والجدل الفكري العام في العالم ككل.

فنظرية المعرفة التي تعبر عن منظومة الفكر الغربي تعتمد على الحس والتجربة كمصادر رئيسية منفردة للمعرفة، فالحس هو المصدر الرئيسي للمعرفة الإنسانية على مستوى التصور والتجربة على مستوى التصديق، وانطلقت نحو رسم مشروعها الفكري والسياسي ورؤيتها الكونية لتنتهي إلى إيديولوجيا اعتمدتها في منظومتها السياسية ضمن ثالوت (الديمقراطية-الليبرالية-الرأسمالية) مثل الأول نظام الحكم والثاني اعتمد الفرد كأساس للمجتمع أي آمن بأصالة الفرد والثالث النظام الاقتصادي. ولعل ما حرك المجتمع الإنساني نحو التفكير في وضع نظام معرفي ينطلق منه ليحدد إيديولوجيته في هذه الحياة المترامية الأطراف هو السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟

وتصدى الغرب للإجابة عن هذا السؤال بعد مروره في تجربة الحكم الكنسي الذي حكم باسم الدين فقمع الحريات وأنشأ محاكم التفتيش التي تعتبر وصمة عار في جبين العصور الوسطى، لذلك كانت هناك ثورة غربية على كل ما هو ديني وكانت الثورة نتاج ردة فعل لما مارسته الكنيسة على المجتمع الغربي فانطلقت الثورة وتبنت إيديولوجية أطاحت بلون من الظلم في الحياة الاقتصادية وبالحكم الديكتاتوري في الحياة السياسية وبجمود الكنيسة وما إليها في الحياة الفكرية وهيأ مقاليد الحكم والنفوذ لفئة حاكمة جديدة حلت محل السابقين وقامت بنفس دورهم الاجتماعي في أسلوب جديد.

وكان النظام الجديد هو النظام الديمقراطي الرأسمالي والذي قام- على الإيمان بالفرد إيمانا لا حد له، وبأن مصالحه الخاصة بنفسها تكفل- بصورة طبيعية - مصلحة المجتمع في مختلف الميادين.. وأن فكرة الدولة إنما تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصة، فلا يجوز لها أن تتعدى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عملها. إلا أن الواقع هو التخلص من تغول الكنيسة والانتقال إلى تغول الدولة الحديثة، وكأنها سلطة انتقلت من جهة إلى جهة، مع اختلاف الشعارات وتشابه الممارسات وإن بشكل غير مباشر.

ويتلخص النظام الديمقراطي الرأسمالي: في إعلان الحريات الأربع: السياسية، والاقتصادية، والفكرية والشخصية.

ومن وجهة نظري أرى أن العالم اتجه نحو الرأسمالية الاقتصادية والتي نعتبرها البوابة التي من خلالها سيطرت القوى الكبرى على العالم وأصبحت الحريات الأخرى فروع لا أصالة لها في المنظومة الغربية الجديدة. لذلك قامت هذه القوى بتسخير كل الطاقات البشرية من الرجال والنساء في عملية الإنتاج.

ولعل الاطلاع على ما يحدث حاليا في الغرب من حراك سياسي- حقوقي- اجتماعي نسائي يدلل على مدى معاناة المرأة الغربية وعدم وصولها إلى الكمال الذي حلمت به بعد الثورة الغربية على الكنيسة وبعد عزل كل ما هو ديني عن الحياة العامة للإنسان الغربي، "فالروائية الإنجليزية فرجينيا وولف (1941) والأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (1986) ـ وكانت الأخيرة من أهم وأشهر فلاسفة النسوية على الإطلاق ـ عالجتا قضايا المرأة وهمومها، وعاشتا مع آلامها وتطلعاتها، وتحدثتا عن إيجاد الطرق الكفيلة بمعالجة الضمير الإنساني ومشكلات الزواج، والسعي نحو الحط من الآخر، والدعوة بشكل صريح إلى المساواة بين المرأة والرجل، فضلا عن إتاحة الخيارات المناسبة والرئيسة للمرأة والتي يجب أن تتصف – حسب دعوتهما- بالخيارات نفسها المتاحة للرجل، وبشكل مستقل عن التحيز الجنسي أو العرقي، وقد أكدت دي بوفوار- في إطار دعوتها إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل- على إلغاء الدعوة إلى (الأنوثة السرمدية Eternal Feminine) التي تشير إلى المعنى المتوارث عن المرأة.[9]

والحقيقة العلمية تؤكد على موضوعية أطروحات وولف ودي بوفوار القاضية بمنح الفرصة للمرأة كي تثبت وجودها وإتاحة المجال لبناء الحضارة بوساطة المشاركة الفاعلة بين الرجل والمرأة، من دون الجنوح إلى فنتازيا تقر بوجود مجتمع رجولي بلا أنثى، أو وجود مجتمع أنثوي بلا رجل. لذلك فالعلاقة الضرورية الواجب توفرها هي علاقة تفاعلية تكاملية وليست علاقة هيمنة أو اتحاد مفتعل"[10]

"ونشرت دوبوفوار عام ١٩٤٩م كتاب " الجنس الثاني"، وحللت فيه العلاقة بين المرأة والرجل على أسس وجودية ـ ماركسية. وبما أن الوجودية تؤكد على قضية حرية الإنسان لماهيته، تدعي دوبوفوار أن الإنسان يختار جنسه بإرادته أيضا، وتؤمن أن علم الحياة يستخف بنا معشر البشر، حيث إنه حرر الإنسان الذكر من قيود توليد المثل بينما لم يعط هذه الحرية للمرأة، ولذلك فإنها تعتقد بأن الأنوثة تمثل سدًّا في وجه التحول إلى إنسان حقيقي. [11]

ومن ضمن النقود التي وجهت لدويفوار من قبل النسويين المتأخرين كانت أنها تحقر جسد المرأة، بل رأوا أنها تريد ترجيلها، ومع ذلك اعترفوا أنها طرحت أفكار كان لها أثرا بالغ الأهمية على الكتابات النسوية اللاحقة وأهمها تمييزها بين الجنس والجنوسة. (sex / gender)

هذا وقد أشار برنادشو إلى أن وطأة النظام الرأسمالي كانت أشد وأقسى على المرأة منها على الرجل في بعض النواحي، لا سيما الاجتماعية والسياسية.[12]

وقد ذكر الرويلي أن المتتبع للفكر الغربي يدرك أنه فكر استعبد الأنثى وبنى على ذلك مسيرة المعرفة القائمة على الذكور، المؤهلة للقيام بالمسالك المعرفية من دون تأثير عاطفي غير موضوعي، وقد تسنى لتلك المسيرة الكبيرة الخلط بين مفهوم الجنوسة وبين مفهوم التكوين الجنسي للإنسان فالمفهوم الأول يقابل (Gender) وهو مفهوم اجتماعي نفسي، والمفهوم الثاني يقابل (Sex) وهو مفهوم وجودي بيولوجي، وأدى هذا الخلط إلى الاشتباك مع القضايا السياسية وقضايا البناء الاجتماعي، ومفاهيم اجتماعية أخرى وقد قصدت مباحث الجنوسة لإزاحة الأسباب الكامنة وراء الخلط السابق"[13]

ورغم قيام ثورة المثقف الغربي وما ادعاه الرجل المثقف الغربي عن إيمانه بضرورة تحرير المرأة الغربية من استبداد الكنيسة وإعطائها حقوقها ومساواتها بالرجل إلا أن كلمات بعض المفكرين الغربيين بعد الثورة لا تدل أبدا على حقيقة هذا الإيمان أو حتى العمل بهذا الشعار وأن تحرير المرأة ظل شعارا ومازال شعارا لم ينزل إلى الآن إلى مستوى التطبيق الفعلي والعملي.

فعلى سبيل المثال لا الحصر يعتبر "رامان سلدن" أن الرجل هو الأحق في تمثيل الإنسان وليس المرأة وحدد خمسة بؤر للاختلاف الجنسي: (علم الحياة، البيولوجي، الخبرة، الخطاب اللاوعي، الظروف الاجتماعية والاقتصادية) وقد حققت الرجولة هيمنة كاملة على خط سير هذه البؤر على حد قول سلدن."[14]

لذلك نجد أن الحضارة الغربية رغم تقدمها المادي إلا أنها لم تقدم شيئا جديدا للمرأة على المستوى الإنساني بل بالعكس فالممارسات التعسفية الناتجة عن التمييز الجنسي وعدم الأخذ بمقياس الكفاءة والإبداع كمعايير أولية للتعامل مع الإنسان لا لكونه ذكرا أو أنثى بل لكونه إنسانا يتميز بإبداعات وكفاءة عالية أهلته للتميز فإن ذلك أدى إلى ظهور حركات نسائية ذات فاعلية كبيرة تحت عنوان النقد النسوي (Feminism (Criticism وهو من وجهة نظري رد فعل معاكس للممارسات العنصرية ضد المرأة في المجتمع الغربي، وكان الإفراط سمة واضحة في هذا الحراك والذي أدى أيضا إلى ترسيخ فكرة النظر إلى المرأة كجسد وإعطاء هذا الجسد كل الصلاحيات في الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها وبالتالي سقوط المرأة الغربية من جديد في فخ أغرقت فيه نفسها ولم تستطع إيجاد الحل المناسب لتخرج بذاتها الإنسانية وترتقي بها كإنسانة وليس كوجود جسدي.

وبدأت في الآونة الأخيرة تتصاعد الحركة النسوية " الأنثوية " في الغرب وبعد العولمة باتت الفكرة أكثر انتشارا، خاصة في العالم العربي والإسلامي، الذي لا نستطيع أن ننكر فيه التمييز الواقع بحق المرأة، وما تعانيه النساء من تضييق باسم الدين أو لتحكم العادات والتقاليد في المجتمعات، فأصبحن أرضية خصبة لأي بذر يرفع شعار حقوقهن وتحريرهن من القيود كافة بما فيها الضوابط الصحيحة. إلا أن مراجعة التجربة النسوية الغربية مراجعة فاحصة دقيقة ستكون كفيلة في دفع الناشطات للتأني قبل قبول هذه الحركات بكلها كما هي، والعودة لفهم جذور هذا الحراك ومآلاته، والفروق الجوهرية بين حال المرأة الغربية والانتقالات القاعدية التي تعرض لها الغرب، وحال المرأة العربية والمسلمة وكيفية الانتقال الآمن الذي يضمن لها حقوقها من جهة، ويحفظ لها كينونتها الإنسانية والطبيعية، فلا رضوخ للظلم، ولا استسلام لظلم من نوع آخر يتم فيه استلاب المرأة هويتها ووجودها الإنساني، ويهدم فيه نواة المجتمع وهي الأسرة، ويشوه العلاقات الطبيعية بين المرأة والرجل.ويكون مبدأ الانطلاق في الدفاع عن الحقوق المستلبة هو مبدأ التكافؤ وليس التماثل، فالأول يشحذ طاقات الجنسين من دون مبالغة أو غلو، ويتمم قاعدة التكامل في الأدوار والطاقات، بينما الثاني يدخلنا في صراع تنافسي سلبي تنافري، يستنزف الطاقات في صراعات غير تقدمية ولا تحقق أي إنجاز يذكر.

المرأة في النموذج الحضاري الإسلامي

جاء الإسلام ليخاطب إنسانية الإنسان لا جنسه ونوعه وتجلى ذلك واضحا في قول الله تعالى " إني جاعل في الأرض خليفة" فكان الاستخلاف له دلالات عديدة من ضمنها أن هذه الوظيفة الإلهية أنيطت بالإنسان كإنسان وليس كرجل أو امرأة كما أن الأمانة الإلهية التي عرضت على الجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان بإنسانيته دون النظر لجنسه.

فنرى الإسلام جاء ليخاطب المرأة كخطابه للرجل بل قال أكثر من ذلك، بعد أن كانت ليس لها ملكية ولا حكم على نفسها فقال تعالى: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن"، رفع الإسلام هذا المخلوق المضطهد على مر العصور مكانتها وجعلها عزيزة كريمة ساوى بينها وبين الرجال في الأبعاد الإنسانية ولكن حينما تلبست هذه الإنسانية في أجساد مختلفة في البعد المادي والتركيب الظاهري استدعى ذلك الاختلاف في القوالب اختلافا في الأحكام والوظائف والواجبات تتناسب وأبعاد كل جنس المادية وبما يتلاءم مع هذا القالب.

وهكذا أخذت المرأة تحتل مكانتها الطبيعية في المجتمع الإسلامي ولقد قال العلامة الطباطبائي في ذلك  بتصرف: أما الإسلام فلقد أبدع في حقها أمرا ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطنها قاطنوها، وخالفهم جميعا في بناء بنية فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها، وألغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقادا وما كانت تسير فيها سيرتها عملا . [15]

ولقد قال تعالى في مقياس التفاضل بين الناس جميعا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فجعل ميزان التفاضل التقوى لا الجنس، ولقد روي الإمام الصادق (ع) أنه قال ": المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح" (وبذلك أشار الإمام أن الإنسانية في نظر الإسلام لها قيمة وميزان واحد للكرامة بغض النظر عن الجنس والصفات الطبيعية وهذا الميزان هو التقوى وأفضلية العمل الصالح . فمتى ما توفرت التقوى والصلاح كانت الإنسانية أفضل وأكمل فلا المرأة بما هي امرأة تفصل الرجل ولا الرجل بما هو رجل يفضل المرأة.)[16]

" ولقد ساوى الإسلام بينها وبين الرجل من حيث تدبير شئون الحياة بالإرادة والعمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإرادة بما يحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لازم البقاء، فلها أن تستقل بالإرادة ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجها كما للرجل ذلك من غير فرق (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) أما التمايز في بعض الأحكام أو الوظائف بينها وبين الرجل فهي ليست من باب الأفضلية فلقد قال تعالى (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم من بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما) يريد أن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختص به الفضل وأن هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المرأة في سهم الإرث وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها، فلا ينبغي أن يتمناه متمن ومنه ما لم يتعين إلا بعمل عامل كائنا من كان كفضل الإيمان والعلم والعقل والتقوى وسائر الفضائل التي يستحسنا الدين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”[17]

فالإسلام جعل للمرأة مكانة لم تكن لها من قبل في العصور السابقة له وكما تشير إلى ذلك الشهيدة بنت الهدى" أنه جعلها مهد الحضارات والثقافات فهي المدرسة الأولى في الحياة وهي أحد العنصرين الأساسيين في تكوين المجموعة البشرية فهي مربية الأجيال وهي نقطة انطلاقة المجموعة البشرية وهي المهد الفطري للوليد وصدرها واهب الحياة للجيل لذلك أولاها الإسلام أهمية في شريعته وأحكامه ".

المرأة في نظر الفقهاء

لعل السبب في سياق العنوان بهذا الشكل هو غيبة الإمام المعصوم عليه السلام والذي يعتبر لسان الشريعة الناطق بحقائقها الواقعية كما يريدها الله وتصدي فقهاؤنا لهذه العملية التي تعتمد على استنباط الفقيه للأحكام وفق أسس علمية ومنهجية وأصولية ووفق فهمه للنص وقبل الخوض في هذا الموضوع لا بد من مقدمة صغيرة:

" فالشريعة الإسلامية عبارة عن مجموعة من الأركان والأصول والفروع المنزلة على النبي (ص) إضافة إلى سير الأولياء وسننهم، أما المعرفة الدينية فهي فهم الناس المنهجي والمضبوط للشريعة، ولها كما لغيرها من المعارف في مقام التحقق هوية جمعية وجارية فالمعرفة  الدينية كالمعارف الأخرى يمكن ملاحظتها في مقامين:

مقام يجب أو مقام التعريف، ومقام يوجد أي مقام التحقق.

في مقام التعريف: المعرفة كاملة وخاصة وصادقة، أي ما يجب أن تكون عليه، أما في مقام التحقق فهي ما أنتجه العلماء وأعلنوا عنه، وهي موضوع التعلم والتعليم وهي ناقصة حتما وكثيرة الأخطاء. فالمعرفة الدينية هي جهد إنساني لفهم الشريعة، مضبوط ومنهجي وجمعي ومتحرك..... فالمعرفة الدينية على الرغم من أنها مبنية على الدين ومرآة له، ولكنها ليست الدين نفسه، فالدين بنظر المؤمنين به، لا تناقض فيه ولا اختلاف أما المعرفة الدينية فتتضمن تناقضا واختلافا، أي أن آراء علماء الدين وفهم المفكرين للنصوص الدينية الكثير من التناقض والاختلاف : في الفقه أو في علم الكلام أ،و التفسير أو علم الأخلاق وغير ذلك و فالدين في نظر المؤمنين به حق كله أما المعرفة الدينية فمزيج من الحق والباطل"[18]

.إلا أننا نختلف مع هذه النظرية في إطلاقها للمعرفة الدينية وعدم تخصيصها بمعنى أن فهم الفقهاء في الأحكام الشرعية الفقهية والاصولية وخاصة في الأدلة الظنية هو المعني بقضية فهم الدين وفق خلفية الفقيه البيئية والفكرية.. أي أن فهم النص الشرعي يعتمد على عاملي الزمان والمكان وهما الوعاءان اللذان يحتويان المجتمعات الإنسانية، وهما عبارة عن مجموع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبيعية ومجموع العادات والتقاليد والأعراف البيئية المحيطة بالنص. إذا ففهم أهل الدين الذي هو محل بحثنا ليس كما أطلقه سروش وإنما محدد في علوم الفقه وأبحاثها.

ومن يقرأ الأحكام الخاصة بالنساء قد يخرج بتصور يشعره بنوع من الغبن في بعض الأحكام إذا ما قارن وضع المرأة في العصر الحالي وقد يثير ذلك تساؤل مفاده هل الإسلام واقعا صرح بذلك أم أن بعض هذه الأحكام هي خلاصة جهد الفقيه لفهمه واستنباطه؟ وهل تأثر فهم الفقيه بالظروف الاجتماعية المحيطة به؟

"إن الفقهاء لا يزعمون أبدا أن الفقه هو نفس الكتاب والسنة والحقيقة أن هناك إفراطا وتفريطا في كل واحدة من هاتين الرؤيتين، سواء القائلة بأن الفقه هو نفس الكتاب والسنة أو القائلة بالفصل التام بينهما. وهاتان الرؤيتان كلتاهما خاطئتان، وإنما نحن نقول بأن الفقه يستند للكتاب والسنة وهو ليس عينهما والفقيه يؤدي عمله في هذا الإطار... وصحيح أن الظروف الاجتماعية تؤثر في طريقة فهم الفقيه للأمور هذا فيما إذا كان المرء ينظر إلى الفقه من الخارج ولكننا لو سألنا الفقيه ماذا تفعل لقال إنني أبين أحكام كتاب الله وسنة الرسول أي أنه لا يرى لنفسه هوية غير الهوية التي رسمها له الدين " ويضيف " إن صور العادات والتقاليد قد تسربت إلى الفقه بالإضافة إلى أن المعرفة الفقهية المنتجة في قضايا المرأة لا تساهم في إنتاجها الأنثى في الغالب، وإنما تصدر عادة عن الرجل، والرجل بطبيعته لا يستطيع أن يتحسس بعمق آلام وآمال النساء وعواطف المرأة مثلما تعيشها المرأة نفسها، كذلك لا يمكن الجزم بعدم انحياز الرجل إلى قضاياه وهمومه سواء كان واعيا لذلك أم لا"[19]

ويذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين بهذا الصدد قائلا " فقد جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص، من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة، ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة، وقد اعتبروا العرف مرجعا في فهم كثير من النصوص وهو عرف لم يثبت أنه بجميع تفاصيله سائدا في عهد النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)) ليصلح مرجعا في فهم النصوص، بل من المعلوم إجمالا في بعض الحالات وتفصيلا في بعض الحالات، أن بعض عناصر هذا العرف تكون من العادات والأعراف الدخيلة المستحدثة التي لم يضعها الشرع وإنما أنتجها الإرث الثقافي الذي تأثرت به المجتمعات الإسلامية نتيجة لتفاعلها مع أهل الأديان والثقافات الأخرى، وهذا النوع من الأعراف لا يصلح مرجعا لفهم النص الشرعي" انتهى

ومثالا على ما قاله الشيخ محمد مهدي شمس الدين نذكر ما ذكره الشهيد مطهري في كتابه الحجاب " إن ستر الوجه واليدين إلى الرسغ غير واجب على المرأة، وأضاف أن ظاهرة ستر الوجه التي انتشرت في العهود الأخيرة استحدثت في الفقه، ولم تكن موجودة من قبل وهي من التقاليد الإيرانية التي تسربت إلى الفقه".

ولكننا لا نستطيع أن نعزي انفصال المرأة عن المجتمع وعزلتها إلى الآراء الفقهية، فالعزلة هي نتاج موروث ثقافي وعادات وتقاليد فرضت في المجتمعات باسم الدين ولا يوجد ما يثبت أن السبب الرئيسي في عزلة المرأة هو أحكام المرأة الفقهية، قد تكون سببا غير مباشر في ذلك،" لأن بعض المسائل لها حيثيات زمانية ومكانية فبحث الزمان والمكان الذي طرحه الإمام الخميني يحمل بعدين : بعد يتعلق بمن يريد استنباط الحكم وآخر يتعلق بزمن صدور الحديث وأكد بعض الفقهاء كالمرحوم آية الله بروجردي على أننا يجب أن نعرف زمن صدور الحديث لنفقهه بشكل أفضل"[20]

وللأسف استسلمت المرأة المسلمة لهذا الوضع دون محاولة منها للتغيير والنهوض بمستواها الفكري والديني لتفرض ما يريده الله لا ما تريده العادات والتقاليد التي يرفضها الدين

بمعنى أن هناك آراء فقهية تخص المرأة يجب إعادة النظر فيها وما يقصد من إعادة النظر كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو أحد أمور ثلاثة:

أن يقدم الفقيه لقوله تبريرا معقولا يمكن الدفاع عنه فيكون كلامه مبنيا على قاعدة رصينة، فبالأمس كان إصدار الحكم وحده يكفي أما اليوم فلا بد من بيان فلسفته.

أن يتمكن الفقيه من تفنيد الشبهات التي تثار بخصوص المسألة .

أن تتغير نتيجة الاستنباط كليا فمثلا إلى الأمس كانوا يقولون أن بلوغ الفتاة بتمام السنة التاسعة واليوم قد يقولون لا، الملاك هو الحيض أو سن الثالثة عشر، أو أن المرأة يمكن أن تصبح قاضية بعدما كان يقال بأن المرأة لا يمكن أن تصبح قاضية.

وبهذا نرى أن الرأي الفقهي ليس هو عين الكتاب والسنة بل هو رأي مستند إلى الكتاب والسنة وبذلك اشتهر الفقه الشيعي بالاجتهاد وأثبت هذا الفقه أن الدين صالح لكل زمان ومكان.

وما الهجمة الشرسة على الدين ووجود صدى لهذه الهجمة بين صفوف المسلمات باسم المساواة ورفض الاضطهاد الديني كما يقولون هو نتاج بعدنا عن الدين وعن أحكام فقهائنا وعدم معرفتنا لواقع الفقه، وعدم اعتناء النساء بفقههن وأحكامهن وبعدهن عن الساحة الفقهية التي قد تكون نتاج التزمت والتشدد باسم الدين.

وما نحتاج له في أحكام المرأة كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو :

أن يقوم الفقهاء بعملية نقد لمضمون الحديث أي يعرض الحديث على القرآن والسنة القطعية والواقع الخارجي والعقل القطعي.

أن تدرس الأحاديث والسيرة بمجموعها

بالإضافة إلى وجوب ملاحظة زمان ومكان صدور الأحاديث والأفعال عن الأئمة عليهم السلام.

ما هو النموذج الحضاري في الإسلام وخاصة حول شخصية المرأة

هناك عنصران يعتبران من لوازم الاعتقاد بخاتمية الإسلام وخلوده هما الأصالة والخلود. فالأول يؤكد على الحفاظ على الثوابت والقيم وأصالة التشريع، والثاني يؤكد على ضرورة طرح الإسلام طرحا آخذا في الحسبان عنصري الزمان والمكان ليحافظ على خلود الإسلام بتشريعاته الأصيلة لكل أمة وجيل وزمن.

ومن الموضوعات الجدلية في القرون الاخيرة وخاصة القرون الوسطى بعد ثورة التنويريين الغربيين ضد اللاهوت المسيحي المتمثل بالكنيسة ورجالاتها، بعد أن مارسوا كل أنواع التعسف والاضطهاد والديكتاتورية باسم الدين هي موضوعة المرأة لأنها العنصر الأكثر فعالية في واقع الحياة، والأكثر تضررا واضطهادا وظلما.

وقد نكون إلى الآن في معزل عن تلك الجدليات في مجتمعنا لأننا مازلنا تحت تأثير الرؤية التقليدية الدينية الممتزجة بمجوعة كبيرة من العادات والتقاليد، من جهة وبسطوة الرؤية التقليدية للمرأة من جهة أخرى. إلا أنني أرى أن مس الحركات النسوية المتطرفة طال المجتمعات كافة، ولم يصبح اليوم ـ بعد العولمة ـ والثورة التكنلوجية بمعزل عن هذا المس، وهذه الأفكار، ولا أنكر أن التدافع الفكري والثقافي بين الثقافات المختلفة، وإن أحدث لغطا وخللا في الظواهر الاجتماعية والعادات والتقاليد، إلا أن هذا اللغط والغيوم المعرفية التي تصاحبه يمكنها أن تتحول إلى أمطار خير تنبت معارف جديدة لكنها تحافظ على جذورها في أرضها الخصبة، في حال تصدى أهل المعرفة والتخصص لتفنيد الغث من السمين، وإعادة النظر في المسلمات المضطربة اجتماعيا، والمختلطة بالعادات والتقاليد، وإجالة النظر في الفقه مجددا لإعادة بناء رؤية منتظمة رصينة حول شخصية المرأة في الإسلام.

ولعل المفارقة هنا أن ثقافة التحضر والتمدن ارتبطت قهرا نتيجة العولمة السلبية بتحرر المرأة بطريقة سلبية، أيضا ونظر إلى مسألة التحرر والحرية بالنسبة للمرأة من جانبه المادي البحت مركزا في ذلك على تحرر الجسد من كل معوقاته المادية، وأصبحت الحضارة والمدنية في ذهنية الكثيرين ومنهم مثقفين وعلماء مرتبطة بالتحلل من القيم والأخلاق والعفة .

إلا أننا في هذه الإطلالة السريعة نود أن نسلط الضوء على موضوع غاية في الأهمية وهو محور بحث جدي في الحوزة العلمية في قم بين العلماء والمثقفين فيما يتعلق بموضوعة المرأة، وهو الرؤية الحضارية الإسلامية للمرأة وشخصيتها، وهي رؤية معتدلة نزعت عنها ثوب التقليديين والتجديديين، لأن النظرة التقليدية ضحت بخلود الإسلام في سبيل الحفاظ على الأصالة فيه، بينما يقوم الاتجاه التجديدي بالتخلي عن أصالة التشريع واستمرارها حفاظا على خلود الإسلام.

ولكن كيف ينظر التقليديون لشخصية المرأة وكيف ينظر لها التجديدين وما هي الاسس القائمة عليها رؤية كل جهة؟

١- الاتجاه التقليدي الإسلامي

وهم مجموعة من العلماء والمتدينين المسلمين الذين عاشوا في القرنين الأخيرين، وحصروا اهتمامهم فقط برفض الثقافة والحضارة الغربية ومحاربتها، وذلك بدافع من غيرتهم على الدين وتمسكهم بالمعارف والأحكام الدينية.[21]

وهم ينظرون لموضوعة المرأة بنظرة جزئية فردية فاقدة لرؤية جامعة ونظرة شمولية منفصلة عن المنظومة الاجتماعية، بل ينظرون للمرأة من وجهة نظر حقوقية تكليفية فردية

٢- الاتجاه التجديدي الإسلامي

وهم التنويرين الدينيين المطلعين على الحضارة الغربية، فلم يجدوا في ثقافتنا الإسلامية الشائعة في مجتمعاتنا والمختلطة بالعادات والتقاليد ما يستحق القياس والمقارنة مع ذلك الانتاج الغربي العلمي والفني والاجتماعي. والمرأة وفق نظرتهم مشبهة للرجل وأنها في مجال الحياة الأسرية والاجتماعية مفعمة بالرغبات الشخصية، ويستجيب للميول الطبيعية، وتعرف بأنها ذات غاية تنتهي إلى الرفاهية وحقوق المواطنة المتساوية.[22]

ومن الاتجاهين السابقين نلحظ النهج الإفراطي والتفريطي بينهما في رؤية الإسلام للمرأة.

٣- الاتجاه الحضاري الإسلامي

هذا الاتجاه يستطيع الحفاظ على عنصري الاعتقاد بخاتمية الإسلام وهما الخلود والأصالة. فهم يعتقدون بأن الطريق الوحيد للخروج من الاشكالية الحالية في المجتمعات الإسلامية، يكمن في التحرك في سبيل إيجاد حضارة حديثة، بحيث تعتمد برامج التنمية والتطوير فيها تعتمد على القيم الإسلامية وتهتدي بهداها.[23]

ومن خلال هذا العرض السريع للأفكار الأساسية لكل مدرسة نستطيع أن نشخص بذور وجذور الفكر المنتج لشخصية المرأة في مجتمعنا، وهي بذور عائدة غلى المدرسة التقليدية التي تنظر للمرأة في إطار الاحكام التكليفية والحقوقية الصرفة والمنحصرة في ازمنة سابقة لا تتناسب وزماننا ومكاننا، بل نستطيع القول أن كثير من الرؤية المرسومة للمرأة هنا تختلط بالعادات والتقاليد البعيدة عن روح الشريعة.

ولعل أبرز الأسئلة التي شكلت جدلية واسعة في الدائرة الاجتماعية في الآونة الأخيرة هي قضية خروج المرأة والعمل، وإلى أي مدى تكون هناك مقبولية اجتماعية لتواجد المرأة خارج منزلها؟ وهل الأساس هو خروج المرأة أم جلوسها في المنزل؟

ولو نظرنا إلى واقع المرأة المسلمة وجدنا أن الأسئلة المطروحة تعكس المدى الفكري الضيق الذي تعيش فيه المرأة في مجتمعنا إذا ما قارناها بوضع المرأة في دول أخرى مجاورة تخطت فيه المرأة عتبة هذه الأسئلة وجعلت لها بصمة قوية على واقع الحياة أثبتت فيه جدارتها في تأدية دورها الاستخلافي على الأرض.

فالمرأة وجود إنساني أي لها كينونة إنسانية وهذه الكينونة لها دور استخلافي هادف على الأرض، وهذا الدور يهدف إلى بناء صرح اجتماعي قائم على العدالة والقيم والمبادئ الأخلاقية التي تحفظ مسيرة المجتمع التكاملية.

إذا هي إنسانة لها وظيفة استحلافيه هادفة وتشخصت هذه الوظيفة أكثر حينما تمايزت في نوعها الجنسي إلى امرأة فحددت لها الشريعة مجموعة من الوظائف الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وتركت تشخيص الوظائف الاخرى لظروف المكان والزمان لها كمكلفة قادرة على تشخيص دورها في مجتعمها والنهوض به وفق قابلياتها واستعداداتها.

فلا نستطيع القول أن المرأة يقتصر دورها فقط على الاسرة ولا نستطيع أيضا أن نقول أن المرأة يجب أن تخرج للعمل الاجتماعي والسياسي.

فالواجب العيني المؤكد هو دورها الأسري الذي إن نهضت به بشكل متكامل بنت مجتمعها بشكل سليم وقدمت له جيلا مؤهلا من الناحية النفسية والاجتماعية والقيمية وهنا يجب عليها أن تمتلك من الادوات ما يؤهلها لهذه الوظيفة الشرعية العظيمة كالعلم والثقافة والمعرفة والخلق والاطلاع الواسع على آخر النظريات التربوية والاجتماعية من اجل أن تعكس ذلك على سلوكها التربوي مع عائلتها لأنها المدرسة التي يتخرج من أحضانها الأجيال،،أي أن دورها البيتي لا يسقط عنها ضرورة العلم والتعلم والمعرفة بل هو واجب في هذا العصر من أجل ان تقوم بشكل سليم بواجبها العيني الذي ستسال عنه يوم القيامة.

أما الخروج من المنزل والنهوض بمتطلبات المجتمع وسد الثغرات التي يعاني منها مجتمعها فهي واجب كفائي، فليس كل إمرأة مؤهلة للخروج وممارسة انشطة سياسية واجتماعية واقتصادية، بل الخروج هنا يكون للمؤهلات اللواتي يمتلكن القابلية العلمية والثقافية والدينية من أجل ممارسة دور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مؤهلات تكون كافية لها لكي تشخص حاجة المجتمع وضرورة تواجدها فيه. ولكن هذا لا يعني أبدا أن تجلس المرأة في البيت وتقول أنا غير مؤهلة هروبا منها من تأدية واجبها في الخلافة الإلهية، كما أنه ليس كل إمرأة تستطيع أن تقول أنني مؤهلة للخروج فتخرج ويكون ذلك على حساب بيتها واسرتها. إن المرأة القادرة على الخروج هي المرأة التي تستطيع أن تناغم وتوائم بين عملها وواجبها الاسري وبين واجبها الاجتماعي، وأعتقد أن شخصية الزهراء عليها السلام نموذج يحتذى فيه إذ أنها عاشت التوازن في شخصيتها فكانت الام والزوجة الصالحة وكانت في علاقتها مع الله كاملة وكانت نعم المعين في نصرة الاسلام ومواجهتها للفساد وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر. فكل إمرأة قادرة على أن تعيش هذا التوازن وقادرة على أن تنظم وقتها لتنهض بكل مسؤولياتها على أكمل وجه خاصة

في عصرنا هذا الذي بتنا فيه أحوج ما يكون لكل جهد بشري إنساني مخلص لمواجهة رياح العولمة السلبية التي بدأت تفتك بأجيالنا ومجتمعاتنا، وتعيش فيه أغلب المجتمعات صراع البقاء ولاوجود سواء على مستوى الهوية ومحاولات إعادة تشكيلها وفق أسس تسلبها أصالتها وبعدها التاريخي، أو صراع بقاءها على قيد الحياة نتيجة الفقر والحروب، أو بقاءها في بعدها الإنساني الذي يحتم عليها أداء وظيفة ودور في مجتمعاتها، في ظل أنظمة لا تعطي أي أهمية للإبداع والتنمية البشرية، وتعطل كثير من الطاقات والعقول.

والملاحظ في مجتمعنا أن المرأة تحت ذريعة الجلوس في المنزل، لا تقبل على العلم والتعلم وإن أقبلت أصبحت في خانة التفريط أو الإفراط، وابتعدت عن الاعتدال والعدالة النفسية، أو أنها اهتمت بالماديات والمظاهر تحت ذريعة حسن التبعل للهروب من مسؤولياتها الاستخلافية في مجتمع بدأ يئن تحت سياط الثقافة الغربية والانحلال القيمي والاخلاقي.

وأعتقد جازمة أن المرأة هي محور الإصلاح في الأسرة وفي المجتمع معا فإن هي صلحت وعفت صلح وعف مجتمعها وأسرتها والعكس بالعكس.

ومن هنا علينا أن نقدم نموذج حضاري لشخصية المرأة ودورها في المجتمع من أجل النهوض بمشروع حضاري قادر على أن يواجه الثقافة الانثوية الغربية، التي تريد أن تذهب بالمرأة إلى دور وهمي يفسد مجتمعها واسرتها. وأعتقد أن المرأة اليوم معنية في مواجهة التقليديين والتجديديين من خلال مثابرتها في إثبات دورها الحضاري الإسلامي في النهوض بالمجتمع وعدم رضاها بوضعها الحالي الذي اختلطت به العادات والتقاليد بالدين اختلاطا وامتزاجا شوها حقيقة شخصية المرأة في الإسلام.

 

النموذج الحضاري لشخصية المرأة في الإسلام” رؤية مقترحة “

من واقع الميدان هناك اختراق حقيقي للمرأة وتمييع لهويتها وشخصيتها انعكس كثيرا على البناء الأسري القائم، أو على كيفية تشكيل الأسرة وحدود دور المرأة فيها، هذا فضلا عن الارتفاع الملحوظ لنسب الطلاق في الوطن العربي والإسلامي، وما فعلته العولمة والحداثة من فعلها في العقول وأنماط التفكير خاصة عند المرأة، وما روجت له النسوية العالمية من مفهوم للحرية مغلوط، ومن حقوق للمرأة خرجت عن جادة العدالة تحت ضربات وصرخات المساواة بين المرأة والرجل.

وكان التأثير الثقافي كبيرا جدا، بسبب حالة الإفراط التي تعيشها كثير من المجتمعات وخاصة الخليجية منها، حيث هناك فهم مغلوط لشخصية المرأة ودورها، وهناك طرح فقهي تجزيئي فردي بات اليوم بعيدا إلى حد كبير عن الواقع، بل لا يغطي المرحلة الزمنية ومتطلباتها، وباتت الشبهات كثيرة عجز أمام ضرباتها كثير من العلماء عن تغطيتها نتيجة القراءات القديمة لفقه المرأة وشخصيتها. وهو ما يجعل الساحة مفتوحة أمام كل نظريات الحداثة والنسوية والعولمة وأمام أساليبها التي اخترقت كل البيوت.

لذلك ارتأينا وضع تصور أولي يحاول تصحيح المسار والنهوض بنموذج حضاري إسلامي حول شخصية المرأة، يواكب العصر ولا يتخلى عن الثوابت، وهو ما يتطلب تضافر جهود العلماء حول هذا المشروع والنهوض به.

الرؤية المقترحة:

* المرحلة الاولى:

١- تفكيك البني التحتية في حياة الأئمة وكيفية تعاملهم مع محيطهم النسوي وانتزاع المنهج واعادة بنائه، وجمع الروايات الخاصة بالمرأة ودراسة السند والمتن وعرضها على القرآن، كون كثير من متون الروايات وإن صح سندها فمتنها مخالف لصريح القرآن وقواعده.

٢- استقراء الجزئيات الفقهية الخاصة بالمرأة كموضوع مستقل واستخراج النظرية الفقهية الخاصة بها ليصبح لدينا نظرية فقهية حول المرأة، وليس فقط مجموعة أحكام تنظر للبعد الفردي، هذه النظرية تأخذ بالحسبان الزمان والمكان ومقاصد الشريعة. ثم استقراء المنهج القرآني في موضوع المرأة، بعد ذلك يمكننا الخروج بهيكل عام يوضح شخصية المرأة والنظر للتعارض في هذا الهيكل يساعدنا استكشاف الخلل. لذلك نحن نحتاج متخصصين في الفقه والقرآن والاستقراء ومفكرين.

ـ اي نتيجة علمية مكينة نخرج بها نحتاج العمل عليها على مستوى الفتوى في كل من النجف وقم.

* المرحلة الثانية:

ـ رسم الهيكل العام بعد انتهاء الاستقراءات والخروج بشكل الهيكل الأخير للنموذج الاسلامي الحضاري لشخصية المرأة في الاسلام.

* المرحلة الثالثة:

-ـ دراسة الهيكل وبناه ومتعارضاته واكتشاف الخلل والنقص.

* المرحلة الرابعة:

- ـ تشكيل الرؤية الكاملة لشخصية المرأة في النظرية الاسلامية من نواحي عدة اهمها:

١- هي كذات وكشخصية حقيقية: حقوقها وواجباتها وعلاقتها مع الله ووظيفتها المناطة بها من الله

٢- شخصية حقوقية

ـ كزوجة

- كأم

- كأسرة

- وظيفتها في المجتمع:

١- سياسيا

٢- اقتصاديا

٣- اجتماعيا

٣- حدود ولاية الرجل عليها كفرد وكزوجة وكأم وكناشطة في المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. أي الولاية وفق منظور فقهي اجتماعي وأسري وليس فردي، يحاكي الزمان والمكان.

٤- القيمومة حدودها، ملابساتها، فق نفس الشرط السابق في رقم (٣)

٥- الضرب حقيقته وحدوده ضمن منظومة الأسرة الكاملة حقوقيا وليس كمفردة من المفردات.

* المرحلة الخامسة:

- تشكيل غرف فكرية في الخليج والدول العربية لمعرفة خصوصيات كل مجتمع على حدة واشكالياته، وهذا يمكن من خلال مجموعة العلماء المنتشرين والمثقفين والمفكرين النخب.

* المرحلة السادسة:

ـ الخروج بالنظرية كاملة.

* المرحلة السابعة:

ـ عرضها على المرجعيات الدينية والفكرية لتنضيجها.

ـ المرحلة الثامنة:

ورش عمل متنقلة للتعريف والتوعية أو نشرها كمرجعية مستقلة حول المرأة.

قد تتطلب الخطة للتنفيذ من ٥-١٠ سنوات 

وهذه الأمور بالطبع بدأت تطرح بين الفقهاء وستكون محور بحث في السنين المقبلة للنهوض بالفقه نهوضا يتناسب مع ما أراده الله في كتابه وسنة نبيه (ص)، وكل ما نأمله أن نرى في المستقبل مجتهدات في أحكام النساء في كل مكان ولا يقتصر الأمر على وجودهن في إيران .

نداء وخاتمة:

وسأختم بنداء وجهته الشهيدة بنت الهدى منذ عقدين من الزمن قائلة: وإلى المتزمتين أوجه خطابي: لماذا فرضوا على المرأة قيودا وحدودا لم ينزل الله بها من قرآن؟ فالضغط يولد الانفجار والتزمت يدعو إلى النقمة على جميع الأمور حتى الشرعية الضرورية، وقد ينأى بالمرأة عن تعاليم الإسلام الحقيقية لا سيما إذا كانت ناشئة فتية، وفي هذا ما فيه من أخطار تواجه فتياتنا المسلمات. اسمع يا أخي المسلم ولا تتحكم مع ميولك ولا تندفع وراء أهواءك تحت ستار من الدعوة إلى تطبيق الإسلام فالإسلام سمح وسهل لا يرد للمرأة إلا العزة والكرامة والمكانة اللائقة.

وأوجه ندائي تأكيدا على نداء الشهيدة : إن انحراف فتياتنا وأخواتنا وانبهارهن بالحضارة الغربية وشعاراتها البراقة الكاذبة ما هو إلا نتاج فكر متشدد قامت أسسه على الموروثات والعادات والتقاليد وظهر باسم الدين فانظروا أخوتي ما يريده الله والدين لا ما يريده الناس والعادات والتقاليد البعيدة عن روح الإسلام فرضا الله هو الغاية فإن رضي الناس والله عليك ساخط فهي خسارة الدارين الدنيا والآخرة فإن الله يغضب لاثنين للمرأة والأطفال والمرأة أسيرة الرجل فأحسنوا لأسراكم وكما قال تعالى" وعاشروهن بمعروف أو سرحوهن بإحسان"، وقال " ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب". .

ومن هنا أدعو إلى:

1- تفعيل العمل في الساحات الإسلامية وتشبيك العلاقات مع الناشطات والفاعلات في هذا المجال، والتأسيس لنشاط فاعل ضمن لجان نسوية من الفاعلات والناشطات في الساحة الإسلامية لبلورة مشروع بديل لمواجهة سلبيات النسوية.

2- تشكيل لجنة دائمة تضم فعاليات من كل الدول العربية والإسلامية تضم كل المكونات العلمية من حوزويات وأكاديميات وناشطات وحقوقيات وإلخ.. تقوم بمهام يتم تحديدها وفق متطلبات كل مجتمع ودولة من قبل المشاركات وتصاغ في أطر قانونية ومؤسساتية تكون فيها المرجعية للشريعة الإسلامية لينطلق منها الجميع في مجتمعاتهم لمواجهة النسوية الغربية بنسوية إسلامية قادرة على فرض هويتها وصياغة مشروعها في أوساط الجماهير لإعادة التموضع النسوي في المجتمعات بشكل يتناسب والعصر وبطريقة تحفظ الثوابت المتجذرة في هويتنا الإسلامية وخاصة القيم والأخلاق التي تصون كرامة وعفة وحياء المرأة فنصون معها المجتمعات ككل.

3- وأقترح المشاركة في كافة الانشطة الدولية الرسمية والغير رسمية التي تشارك بها الحركات النسوية لتؤثر ليكون لنا صوتنا ومشروعنا ولنفرض وجودنا ليس فرضا عنيفا وإنما فرض عقلائي يقوم على الحجة والدليل الإنساني على قاعدة الحسن والقبح العقليين ويفرض ثوابت وقيم أخلاقية تلامس فطرة الإنسان وتحاكي عقله،ولا أرى أننا يجب أن نقاطع هذه الجهات بل علينا أن نتواصل معها ونرفدها بما لدينا لأن بعض التيارات النسوية غير مغالية في نظرتها النسوية ونستطيع أن نتحاور ونتواصل معها وأن يكون لنا مشاريع مشتركة قادرة على فرض وجودها في ساحات المؤسسات الدولية والقوانين الخاصة بالمرأة.

4- رفع وتيرة الانشطة الإعلامية التي تبث الوعي بين الجماهير حول خطورة هذه الحركات وكيفية مواجهتها لأن الإعلام يلعب دورا هاما في نشر مبادئ النسوية السلبية، وطرح البديل الناجح الذي يعيد فعالية المرأة في المجتمع ويعزز من وجودها الأسري، ولا يعيق تقدمها الحضاري، ويحافظ على عفتها.

5- العمل على رفع مستوى المرأة المعيشي خاصة في الدول الفقيرة من خلال مشاريع خيرية تكافلية تعتمد على أموال الخمس والزكاة، إضافة إلى ضرورة الارتقاء بمستواها التعليمي وثقافتها الدينية المعتدلة لأثر ذلك في استيعاب ووعي خطورة هذه الحركات على سحق الهوية ومحو الثقافة الدينية.

6- المطالبة في إعادة النظر في أحكام المرأة وإعادة صياغة المشروع الإسلامي ونظرته للمرأة لإيجاد البديل الصالح وسد الثغرات التي تنسل منها الحركات النسوية لضرب صورة الدين.

7- تأسيس منتدى نسوي يعتني بالفئات الشابة فكريا وثقافيا، ويطرح القضايا المستجدة بطريقة علمية أكاديمية، يفسح فيها المجال للنساء من كافة الأعمار والتوجهات، لطرح التساؤلات والإشكاليات ومناقشتها، وعمل ورش عمل حول موضوع النسوية، وتقديم البدائل الناجحة.

 

إيمان شمس الدين

...........................

[1] الإسراء ٨٥

[2] الاستلاب / هوبز، لوك، روسو، هيجل، فويرباخ، ماركس / فالح عبد الجبار/ ص ١١/ دار الفارابي/٢٠١٨

[3] مصدر سابق ص ٧٣

La mujer en la Edad Media [4]

موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية[5]

[6] قضية المرأة بيت التحرير والتمركز حول الأنثى/ د.عبد الوهاب المسيري/نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع/ ط ٢/ اغسطس ٢٠١٠

[7] مثنى أمين / بحث حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر[7]

[8] المصدر السابق

[9] (الموسوعة البريطانية

[10] د. محمد سالم سعد الله/ الأسس الفلسفية لنقد ما بعد البنيوية

[11] المرأة وقضاياها ـ دراسة مقارنة بين النزعة النسوية والرؤية الإسلامية ـ الإسلام في مواجهة النسوية تقابل في الرؤية والأهداف ـ محمد لغنهاوزن ـ مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ـ ص ٧٠

[12] دليل المرأة الذكية إلى الاشتراكية والرأسمالية والسوفييتية والفاشية، ت: عمر مكاري ص 16،352

[13] Al- Ruwaili، A life: journal of comparative Peotics، No 8،1988: 98-99

[14] النظرية الأدبية المعاصرة ص 189- 190- 191).

[15] ( تفسير الميزان ج 2 ص 273 ).

[16] المرأة مع النبي للشهيدة بنت الهدى.

[17] تفسير الميزان ج2 ص 276.

[18] القبض والبسط في الشريعة للدكتور عبد الكريم سروش

[19] الشيخ مهدي مهريزي نحو فقه للمرأة يواكب الحياة

[20] الشيخ مهدي مهريزي نحو فقه للمرأة يواكب الحياة

[21] شخصية المرأة: دراسة في النموذج الحضاري الإسلامي لمحمد تقي سبحاني.

[22] مصدر سابق

[23] مصدر سابق

 

فرضية البحث: عند اطلاعي على مقدمة كتاب (المباني لنظم المعاني) ساورتني الشكوك بصحتها. الذي حققه  المستشرق آرثر جفري، ونشره سنة 1954 ضمن كتاب: (مقدمتان في علوم القرآن). والذي أثار جدلا واسعا بين الدارسين المختصين والمحققين، ولم يهتدوا الى صاحب مقدمة كتاب المباني الى يومنا على الرغم من التنقيب والبحث، وفي ضوء تقدم التحقيق ونشر التراث وتقدم وسائل الاتصال وفهرست التراث العربي المخطوط في العالم.

لذلك افترضت الفرضية الآتية: إنّ مقدمة كتاب المباني من وضع المستشرق آرثر جفري نفسه أو بالتعاون مع مستشرقين آخرين ولا سيما المستشرق تيو دور نولدكة صاحب كتاب تاريخ القرآن الذي اعتمد نسخة مخطوط الكتاب في تأليفه الكتاب، وقد زيفت هذه المقدمة للطعن بالقران الكريم من حيث المباني والمعاني لسلبها الاعجاز القرآني. اذ تشير دلائل كثيرة على ذلك وعلى تلفيق المقدمة من كتب عدة، ويبدو ان الكتاب جمع روايات للمستشرقين الذين حاولوا الطعن في القران الكريم من التراث الإسلامي ويؤكد ذلك ان المستشرقين الثلاثة وتلاميذهم الذين اعتمدوا على المخطوط ممن  طعنوا باعجاز القرآن الكريم.

فهي مقدمة عني بها المستشرقون عناية كبيرة وبذلوا جهودا كبيرة لنشرها بهذه الطريقة الملفقة، وكانت من أهم مصادرهم في كتبهم على الرغم من انها مجهولة المؤلف، وقد بنوا عليها حقائق ونتائج وهو عمل ينافي أصول البحث والتحقيق العلمي الرصين الذي يجب الالتزام به وأعني تحقيق جزء من مخطوط فريدة مجهولة المؤلف والناسخ خالية من تاريخ النسخ  ليثير الشكوك في عنايتهم هذه، ذلك لأنها نسخة ينافي تحقيقها شروطه التحقيق العلمي.

التعريف بالكتاب والدراسات السابقة:

كتاب (مقدمتان في علوم القرآن) بتحقيق المستشرق الاسترالي آرثر جيفري، ضمّ مقدمتين لتفسيرين هما: (كتاب المباني لنظم المعاني) لمؤلف مجهول ومقدمة تفسير ابن عطية المعروف.  ثم قام الأستاذ: عبد الله إسماعيل الصاوي بتصحيح الطبعة الثانية (وقوّم نصها وألحق بها استدراكات وتصويبات للطبعة الأولى). نشرته مكتبة الخانجي سنة: 1954م.

وقد شرع مؤلف كتاب المباني في تأليفه "يوم الأحد غرة شعبان 425 هـ"(3) أي 3 شعبان 425 هـ/ 23 يونيو 1034 م. وقد وصلَنا في نسخة وحيدة، ومؤلفه غير معروف لدينا لأن الصفحة الأولى من المخطوطة مفقودة.

وكان هذه المخطوط مركز عناية المستشرقين وكان من أهم مصادرهم في مؤلفاتهم التي شككت في القران الكريم. قال كلود جيلو مقدمة بحثه: لتيودور نولدكه (1836-1930)، ثم فريدريك شواللي (1863-1919) وكوتثلف برجستراسر (1886- 1933) السبق في الاطلاع على المؤلف ولفت الانتباه إلى أهميته.

وتفسير المباني هذا يوجد قطعة منه في مكتبة الدولة ببرلين تبدأ من سورة الفاتحة إلى سورة الحجر برقم 1031 كما في الفهرس الشامل الصادر من مؤسسة آل البيت بالأردن قسم التفسير 919 . وصورة هذه المقدمة محفوظة بمركز الملك فيصل تحت علوم القرآن برقم (2679-2-ف) .

وكان (نولدكه) أول من نبه إلى المقدمة، ثم قام جيفري بتحقيق مقدمة التفسير، وضم إليها مقدمة تفسير ابن عطية (ت543هـ) وتولت دار الخانجي في القاهرة نشر المقدمتين سنة 1954م بعنوان (مقدمتان في علوم القرآن) ثم أعادت نشره سنة 1972م بتصحيح عبد الله إسماعيل الصاوي..

أدلة تزييف الكتاب والأسباب:

-  التوافق بين مقدمة المباني وكتاب زين الفتى وغيره:

مرّ بنا اضطراب أقوال الدارسين وخلافاتهم في نسبة كتاب المباني بين العاصمي مؤلف كتاب زين الفتى، وابن بسطام، وكل منهم جمع أدلة واضحة لكنها سرعان ما يبدو التانقض فيها، وما هذا الا بسبب التلاعب بالمخطوط وتزيفه وتلفيقه من كتب عدة أثارت جدلا بين الدارسين كل فريق ينقض أدلة الفريق الآخر بأدلة أخرى. مما دفع بعضهم الى القول: (الخوف أن يكون هناك كتابان باسم " المباني " لكل من العاصمي والطخري ! والله أعلم)[1].

وقال الباحث جنيد الله  ان حامد هو مؤلف الكتابين واما العاصمي فوهم من ناسخ نسخة زين الفتى وهي نسخة غير معتمدة لتاخرها وذلك لصراحة ذكر الأندارابي لاسم حامد عندما ينقل نفس النصوص الموجودة في الايضاح والمباني حرفا حرفا ومن كتاب الانماري أيضا.

فضلا عن اتفاق [2] نسخة كتاب زين الفتى مع نسخة كتاب " المباني " في أنهما قد سقط من أولهما جزء من المقدمة ، إلا أن السقط من الثانية قد أذهب باسم المؤلف، بخلاف الأولى ؛ حيث كان السقط من أولها قليلاً[3]. وقال مهذب كتاب الزين: (وقد سقط من النسخة الوحيدة المعتمدة في التحقيق بعض المقدمة، وتتمة الفصل السادس، ومعها الفصول الأربعة الأخيرة)[4].

يتبين كيف لفق جيفري وغيره بين الكتابين بذكاء حيث اخذوا نصوصا من عدة كتب ليصعب على الباحثين والمحققين الاهتداء اليه ولم يقطعوا برأي جازم.

اللغة والأسلوب:

رجح جفيري ان مؤلف المباني من أهل المغرب، قال: (ويظهر لنا من لغته -مؤلف (المباني)- وأسانيده أنه من علماء المغرب، وكثيراً ما نجد أنَّ ما يدلي به يجلو الأمور الغامضة في كتب أبي عمرو عثمان الداني القرطبي المنتشرة بيننا...)([5]). لكن أكد جميع الدارسين والمحققين المهتمين بالكتاب على أن المؤلف من المشرق الاسلامي وليس من علماء المغرب لذكره شيوخه من الكرامية وأنه كرّامي المعتقد والمذهب. ويبدو ما ذهب اليه جيفري مقصود لاخفاء الحقيقة وابعاد الشكوك عن الكتاب.

وأكد جاويد[6] بان المؤلف مشرقي كرامي من خراسان كلود جيلو  ردا على جفري بانه مغربي – وقال وأظهر ف. سيزكين بعض شيوخ مؤلف كتاب المباني، وأعلن بأنه "في الغالب فارسي أو عاش في فارس" . وقال: إن عمل فان إس أتاح لآرون زيزو من جامعة واشنطن إعادة الدراسة عن قرب لكتاب المباني وإظهار الأصل الكرامي وأيضا في الغالب خراسانية هذا المؤلَّف ومؤلفه.

مؤلفات صاحب المباني:

ومن الغريب أيضا أن مؤلف كتاب المباني المجهول كثير التصانيف كما يبدو من احالاته الكثيرة على سائر مؤلفاته.  وعلى الرغم من أهميتها وكثرتها التي أشار اليها لم يهتد الباحثون اليه ولا الى شيوخه وتلاميذه ومصادره التي ذكرها في كتابه المباني فقد ذكر أنه ألف أربعة كتب هي :  الإبانة والإعراب([7]). والدرر في ترفيع السور([8])، وكتاب الغرر في أسامي السور([9]). والزينة في سؤالات القرآن (لم يتمه، على الأقل آنذاك) ([10]). وغيرها. كلام للمؤلف عن كثرة مؤلفاته التي وعد فيها بتأليف كتاب يخدم فيه كتاب الله، وقول صاحب المقدمة 7  (و لكل فصل من هذه الفصول كتب ومقالات اختصرناها في كتابنا هذا ومن أراد الإبلاغ فيها فعليه بكتبنا المؤلفة في كل باب منها)  والمفهوم ان له كتبا في كل فصل من المقدمة والمقدمة اختصارات لها.

وعقب د عبد الرحمن الشهري : احتمال أن يكون العاصمي هذا هو ابن بسطام نفسه، لكن هذا يحتاج إلى تتبع ترجمة العاصمي هذا في موارد كثيرة للكشف عن حقيقته، وقد حاولت ذلك في قاعدة (خزانة التراث) التي أصدرها مركز الملك فيصل مشتملةً على فهارس المخطوطات في العالم ، ولم أجد له ذكراً. .. والغريب أنني بحثت عن هذا الاسم في خزانة التراث فلم أظفر له بكتاب ، مع إنه يظهر من مقدمة المباني أنه مكثر من التأليف .

ومن الأدلة المهمة التي تسند ما ذهبت اليه: هي ان كتاب الغرر في أسامي السور: الذي أحال صاحب كتاب المباني عليه في أثناء حديثه عن فضائل القرآن.... ذكره ابن الجزري في كتابه: (غاية  النهاية) وقد حقق برجستراسر كتاب غاية النهاية هذا وقد خبر كتاب المباني فكيف لم ينتبه اليه وهو المحقق العالم، ولكن يدل خيوط الوضع من هنا والتلفيق لدى المستشرقين[11].

الغموض والاضطراب في دلائل الكتاب:

اظطراب الدارسون في نسبة الكتاب مثل: محمد كاظم رحمتي الذي رجح أن يكون مؤلف كتاب (المباني في نذظم المعاني) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن علي العاصمي (425هـ) مؤلف زين الفتى نفسه وذلك لورود اسم كتاب المباني في أثناء كتاب زين الفتى وكذلك ورود أسماء مصنفات أخرى مشتركة للمؤلف في كلا الكتابين والاشتراك في النقل عن ابن الهيصم بالنص حرفا حرفا، فضلا عن النقل المشترك عن كتاب أبي سهل الأنماري فيه ما فيه

والدكتور غانم قدوري الحمد ومن تبعه الذي رجح نسبة الكتاب الى ابن بسطام. وقال تستوقف المتابع للموضوع قضية غاية في الأهمية ، وهي أننا إذا قلنا إن العاصمي هو مؤلف كتاب المباني فلماذا لم يرد له ذكر في كتاب الأندرابي ، بحسب متابعتي للكتاب ، وهو ينقل أقوال محمد بن الهيصم وأبي سهل الأنماري عن طريق كتاب المباني " .

والدكتور عبد الرحمن الشهري قال: احتمال أن يكون العاصمي هذا هو ابن بسطام نفسه، وقد حاول البحث عنه في قاعدة (خزانة التراث) التي أصدرها مركز الملك فيصل مشتملةً على فهارس المخطوطات في العالم ، ولم يجد له ذكراً.

وقال أيضا: الغريب أنني بحثت عن هذا الاسم (أبي محمد أحمد بن محمد بن علي العاصمي) في خزانة التراث فلم أظفر له بكتاب ، مع إنه يظهر من مقدمة المباني أنه مكثر من التأليف.

وكذلك الشك في ان يكون مؤلف زين الفتى هو العاصمي وهو مؤلف المباني

وسبب ذلك هو اختلاف عقيدة المؤلفين فمؤلف زين الفتى واضح انه شيعي اما مؤلف المباني فسني المذهب من خلال عباراته...

وغير ذلك من الاحتمالات والافتراضات. وقد وجدت أن هناك عاصميا اخر اهتم بتناسب السور ونظم آيات القرآن وسوره وثمة مشتركات بينه وبين صاحب كتاب المباني وقد ورد في سلسلة نسبه اسم جعفر، وهو متأخر عنه توفي سنة 708 هـ  وهو مغربي كما احتمل جفري، هو ابن الزبير بن جعفر الثقفي العاصمي الغرناطي. ربما هو لكن لم يذكر المؤلفات التي ذكرها صاحب المباني ولا يستبعد أن أصل التفسير من تأليف ابن زبير وأما المقدمة فمن صنيع وتلفيق واضع المخطوط أصل الكتاب.

وكان على صاحب المباني – في الأقل - ان يشير الى الغرناطي والى تفسيره أو العكس لأن الكتابين في موضوع واحد في تناسب السور وقد يكون له التفسير لكن لم يذكر في قائمة كتبه ولا سيما أن عصر ابن الزبير الغرناطي يتناسب مع سخرية مؤلف المباني من احدى فرق الشيعة الذين ينتظرون امامهم الغائب منذ أربعمائة سنة وهذا التأريخ يتناسب مع عصر الغرناطي ذلك ان المؤلف توفي في حدود 700 هـ فضلا عن ان الغرناطي كان يهاجم المذهب الشيعي كثيرافي كتبه كذلك وان له اقولا ضد الروافض. ومع ذلك لا أجزم بهذا الاحتمال ولا ادعي انه هو لكن هناك تشابه وتساؤلات  تحتاج الى مزيد من البحث[12].ومن قوله يدل ان المؤلف في القرن السادس الهـجري.

مجهولية الاحالات والاسانيد:

وأما من حيث أسانيد كتاب المباني وشيوخه المباشرين الذين روى عنهم فهم غير معروفين ولم أجد لهم ذكراً في المصادر المتوفرة ما عدا شيخيه ابن الهيصم والفارسي الذين لا شك أنهما مشرقيان وليسا مغربيين[13].  وقال كاظم رحمتي: وبالنسبة للأنماري [14]وكتابه التفسيري فيه ما فيه، فإننا عدا ما نقله العاصمي وبعض المنقولات الأخرى، لا نملك أيّ معلومات إضافية ...  ويتجلى الغموض أكثر لدى المستشرق كلود جيلو الذي درس اسانيد الكتاب دراسات مستفيظة وتتبع شيوخه وتلامذته وكتبه وحلل الكتاب تحليلا تأريخيا لكنه لم يصل الى مؤلفه الحقيقي وهذه ليست مصادفة عفوية. فقد درس المستشرق الفرنسي كلود جليو[15] في بحثه[16] مصادر الأحاديث المنقولة في كتاب المباني مع تراجم للرجال الذين يتضمنهم وعني به نتتبع سيرة مؤلفه وشيوخه ومصادره بدراسة جميع أسانيد الرواة والإشارات الى الأشخاص والمؤلفات وحتى الاستشهادات التي تضمنتها.. وعقد مبحثا خاصا عن أبي سهل الأنماري ـ المصدر الأساسي الذي اعتمد عليه مؤلف كتاب المباني في تصنيفه. ولم ينته الباحث الفرنسي إلى قول جازم في تحديد مؤلف كتاب المباني وقال جيلو في خلاصة: ولكن الشيء الأكيد أنّ المؤلف خراساني أو نيسابوري ومتكلم كرامي. وقال :يعترض البحث في أسانيد الرواة الذين يتضمنه كتاب المباني عائقان: في الواقع وقبل كل شيء، فالعديد من الأشخاص القريبين من المؤلف ومصدره يصعب بل يستحيل التحقق من هويتهم مع حدود معلوماتنا. أما العائق الثاني فهو متواجد بكثرة في المؤلفات العربية القديمة. إن مؤلفنا لديه مصدر أساسي -نتحدث عنه لاحقا- ويذكره كثيرا. وبخصوص أسانيد الرواة كما هي فإن المؤلف غالبا ما يقوم بالإسناد إلى شيوخه، ولكن مع الاستشهادات يكون من الصعب في الغالب أن نقرر إن كان هذا السند أو ذاك له أو لأحد شيوخه[17].

أما أبو سهل الأنماري، المصدر الرئيس لمؤلف كتاب المباني فيظهر مؤلف المصدر الرئيس لكتاب المباني - في الغالب- بكنية أبي سهل (كتاب المباني ص: 13: قال أبو سهل (ثلاث مرات) أو قال الشيخ أبو سهل؛ ص: 16)، أو أبي سهل الأنماري(- كتاب المباني ص: 10، 12، 20). ولكن في مستهل الكتاب ظهر اسمه أكثر إتماما: الشيخ أبو سهل محمد بن محمد الطالقاني الأنماري(كتاب المباني ص: 8، 1. 7-8). وأحيانا يتبع المؤلف -أو مصدره- اسمه بدعاء:  ([18]).

صور من المخطوط:

من خلال تفحص أصل مخطوط الكتاب (المباني لنظم المعاني) على [19] النسخة الفريدة والورقة الأولى منها ساقطة، وفي الورقة الثانية. نلاحظ ثمة أدلة على ما نذهب اليه كبير يبدو المقدمة مع التفسير 275 ص فضلا عن الصفحات البيضاء في أول المخطوط 6 وما بعدها ، ومجموع الصور مع الوجه والظهر كما نشر 565 صفحة.

وهناك بتر في آخر مخطوط الكتاب على حجمه الكبير فهو ينتهي الى سورة الحجر ويقع في حدود 500 ورقة لكن جيفري حقق 89  ص منه وهو الجزء المتضمن  ولم لم يحقق الكتاب كله لان مادة الكتاب تتحدث عن النظم العالي المعجز وليس بالمطاعن، ناهيك عن ان بداية الكتاب ملبسة وخاتمته لم يشر الى نفس الصفحة الأولى كأنها ليس من المخطوط وانما من كتاب آخر ذلك انه لا يدل على المضمون فضلا عن اختلاف الخط، ونلاحظ هناك اصلاح للنسخة بورق آخر ولا تحتوي على أسماء أو تواريخ كالعادة وكذلك الصفحة الأخيرة:

1320  مخطوط 1

 الورقة قبل الأخيرة من المخطوط

1320  مخطوط 2

الورقة الأخيرة من المقدمة

1320  مخطوط 3

مستهل المخطوط رقة  رقم 2 وجه

1320  مخطوط 4

سورة البقرة وما بعدها. وسورة الحجر اخر المخطوط وما بعدها

نقلنا هذه الصور من المخطوط  للاطلاع على طريقة الكتاب في التفسير واختلاف المضمون عن المقدمة، فضلا عن شكل المخطوط الذي لم نستطع أن نتفحصه جيدا وأن نتحقق من نوع الورق وعصره لاعتمادنا على النسخة الالكترونية.

الخاتمة والتوصيات:

أثار كتاب المباني جدلا بين الدارسين والمحققين وحتى المستشرقين مثل المحقق الفرنسي كلود جاويد وغيره.  وكان هذا أحد أسباب الشك لديّ في حقيقة مقدمة كتاب المباني.  فضلا عن أسباب أخرى ذكرتها في ثنايا البحث. وقد سقت أدلة كثيرة تدل على أن مخطوط كتاب المباني من صنيعة بعض المستشرقين ولا سيما المستشرق آرثر جفيري ناشر الكتاب ومحققه. محاولة منهم للطعن  في القرآن الكريم وسلبه الاعجاز.

لذلك أدعو الباحثين  الى تحقيق التفسير  كله لمعرفة المزيد من أدلة التزييف. كما أحذرهم من الاستناد الى مقدمة كتاب المباني واعتمادها في دراساتهم القرآنية. لانها لمؤلف مجهول في الأقل أو لأنها مما زيفه جفيري أيضا  ناهيكم عن احتواء المقدمة على روايات لا يجوز الاطلاع عليها لأنها تسيئ الى القرآن الكريم، وتدعي الزيادة والنقص والتحريف وغير ذلك في القرآن  بأسلوب محكم ذكي اذ ورد الطعن في معرض الدفاع عن القرآن الكريم  بطيقة الطعن ثم الدفاع وهي طريق ذكية لنشرها هذه الروايات لتؤدي الى التشكيك.

والحمد لله رب العالمين

 

أ.د. حسن منديل حسن العكيلي

كلية التربية للبنات/ جامعة بغداد/ العراق

...................................

فهرس المصادر والمراجع:

القرا الكريم

إنباه الرواة على انباه النحاة، الوزير جمال الدين القفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار الكتب المصرية القاهرة 1955.

الإيضاح في القراءات: للأندرابي (مخطوط) مصورة من مركز الملك فيصل بالرياض.

البرهان في تناسب سور القرآن احمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي 708 هـ تحقيق د سعيد الفلاح مطابع جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية1988.

تاج العروس شرح القاموس: للمرتضى الزبيدي، تحقيق إبراهيم الترزي، دار إحياء التراث العربي، 1395هـ.

تاريخ القرآن تيودور نولدكة تعديل فريديريش شفالي ترجمة وتحقيق جورج تامر، دار جورج ألمز نيويورك 2000 ط 1 بيروت 2000

سير أعلام النبلاء: للحافظ الذهبي، تحقيق الجماعة، مؤسسة الرسالة، ط: السابعة، 1410هـ.

شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت، ط: الأولى، 1407هـ.

طبقات الشافعية الكبرى: تاج الدين السبكي، تحقيق محمود الطناحي والنجار، دار الحلبي.

العسل المصفى من تهذيب زين الفَتى في شرح سورة هل أتى " ، هذبه وعلق عليه الشيخ/ محمد باقر المحمودي ،ونشره مجمع إحياء البحوث الإسلامية في مدينة قم الإيرانية ، وصدرت الطبعة الأولى سنة 1418 هـ ز (علوم القرآن عند كرامية خراسان: كتاب المباني) للمستشرق كلود جيليو ترجمة الدكتورة أم عاصم. والترجمة منشورة في موقع ملتقى أهل التفسير

غاية النهاية: للحافظ ابن الجزري، تحقيق المستشرق براجستراسر، دار الكتب العلمية، بيروت.

فتح الباري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، دار المعرفة بيروت، 1379هـ.

(كتاب المباني لنظم المعاني لمْ يَعُدْ مجهول المؤلِّف) إعداد د/السالم محمد محمود أحمد الشنقيطي، في جامعة طيبة بالمدينة المنورة 1426هـ

لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني، نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

المباني لنظم المعاني، (مطبوع تحت عنوان: مقدمتان في علوم القرآن).

المستشرقون نجيب العقيقي ، الطبعة الرابعة، دار المعارف بمصرز

مفتاح كنوز السنة، د.فنسنك ترجمة محمد فؤاد عبد الباقي دار القلم بيروت لبنان

ملاك التأويل احمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي 708 هـ تحقيق د سعيد الفلاح ط 1 دار الغرب الإسلامي  بيروت لبنان  1983

معجم الأدباء: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ-1993م.

ملاحظات حول النسختين الكراميتين -  كاظم رحمتي، البحث منشور مترجم الى العربية في موقع اسمه رحمتي

 http://rahmati.kateban.com/print/1604

ومنشور بمجلة الكتب الاسلامية العدد السادس  http://www.i-b-q.com/ara/06/article/02.htm

الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.

المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور: إبراهيم بن محمد الصريفيني، تحقيق خالد حيدر، دار الفكر، 1414هـ.

(مؤلف التفسير المسمى : كتاب المباني لنظم المعاني)، بحث الدكتور غانم قدوري، مجلة الرسالة الإسلامية (1) ببغداد، في عددين متتاليين هما العدد رقم 164 والعدد 165 عام 1404هـ . (ص 243- 255).

المواقع الالكترونية:

موقع : ملتقى اهل التفسير

 http://vb.tafsir.net/tafsir4905/#.VuF2m5V3vIU

موقع مخطوطات برلين

Digitale Sammlungen der Staatsbibliothek zu Berlin: Werkansicht

الهوامش

[1] -  (كتاب المباني لنظم المعاني لمْ يَعُدْ مجهول المؤلِّف) 16.

[2] -  المصدر نفسه: رأي الأستاذ  كفراوي

[3] -  المصدر نفسه.

[4] -  كتاب " زين الفتى في شرح سورة هل أتى " ، الذي هذبه وعلق عليه الشيخ/ محمد باقر المحمودي ، وسمى التهذيب : " العسل المصفى من تهذيب زين الفَتى في شرح سورة هل أتى " ، ونشره مجمع إحياء البحوث الإسلامية في مدينة قم الإيرانية ، وصدرت الطبعة الأولى سنة 1418 هـ

[5] - مقدمتان في علوم القرآن 3

[6] -  كتاب المباني ص: 6  كتاب المباني ص: 2 من الترجمة الإنجليزية؛

[7]- وقدمة كتاب المباني: 116.

[8]- المصدر السابق: 172.

[9]- مقدمة كتاب  المباني: 64.

[10]- المصدر السابق: 116.

[11] - ينظر بحث الأستاذ السالم  الشنقسطي 14.

[12] - ينظر كتابي:  البرهان في تناسب سور القران – الامام الحافظ أبو العباس احمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي 708 هـ رحمه الله كما ورد في مستهل الكتاب تح د سعيد الفلّاح الجامعة الزيتونية مطابع جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية   1988 . وملاك التأويل القاطع بذوي الالحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل  للمؤلف نفسه والمحقق، أطروحة دكتوراه ، طبعت بدار الغرب الإسلامي   ط 1  بيروت  لبنان

[13] - الشنقيطي

[14] - المباني ص17

[15] -  أستاذ بجامعة بروفانس، قسم اللغة العربية والدراسات الاسلامية، 29 شارع روبرت شومان 13621 اكس ان بروفانس، سيديكس1. مستشرق فرنسي مهتم بتراث المسلمين ـ في علوم القرآن وعلم الكلام خاصة ـ في بلدان وسط أسيا

[16] -  (علوم القرآن عند كرامية خراسان: كتاب المباني) ترجمة الدكتورة أم عاصم.

[17] -  أرفق في مداخلته بحث كتبه ـ كلود جليو[17]ـ (علوم القرآن عند كرامية خراسان: كتاب المباني) ترجمة الدكتورة أم عاصم. وكلود جيليو*  مستشرق فرنسي مهتم بتراث المسلمين ـ في علوم القرآن وعلم الكلام خاصة ـ في بلدان وسط أسيا.

[18] -  كتاب المباني ص: 20. يفترض أنه مات 325/937، غالبا بالاعتماد على أسانيد الرواة التي يظهر فيها.

[19] -  موقع مخطوطات برلين

Digitale Sammlungen der Staatsbibliothek zu Berlin: Werkansicht

 

جعفر الحكيمالعهد الجديد هو الكتاب المقدس لدى الاخوة المسيحيين (فقط) والذي يعتبر لديهم الجزء الثاني من الكتاب المقدس، بالاضافة الى الجزء الاول (التناخ اليهودي)، الذي يشترك المسيحيون مع اليهود بالاعتقاد بقدسيته، ويطلق عليه المسيحيون تسمية (العهد القديم)

ويتكون العهد الجديد من 27 سفراً وهي:

 الأناجيل الأربعة: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا وتسمى الأناجيل القانونية

 بالإضافة إلى أعمال الرسل وسفر الرؤيا

وأربعة عشر رسالة لبولس وسبع رسائل لرسل وتلاميذ آخرين (بطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا) والرسالة الى العبرانيين.

يتفق معظم العلماء والمتخصصين في مجال دراسات العهد الجديد على ان أجزاء هذا الكتاب، كتبت على فترات زمنية مختلفة ومن قبل أشخاص متعددين، ربما يصل عددهم الى حوالي اربعين شخصا.

وقد شغل الجدل حول هوية الأشخاص الذين كتبوا العهد الجديد حيزا واسعا في فضاء الدراسات التاريخية لهذا الكتاب المهم جدا

واستمر هذا الجدل لفترات زمنية طويلة، والى يومنا هذا، لازال الجدل قائما، في الأوساط العلمية والاكاديمية المتخصصة،ولم يتم حسم النقاش حول الشخصيات الحقيقية التي كتبت كل جزء من أجزاء هذا الكتاب.

ويبدو ان المسيحيين الأوائل قد تأخروا في جمع وحفظ النصوص التي يعتقدون بقدسيتها، ضمن كتاب واحد حتى منتصف القرن الميلادي الثاني، وربما يكون سبب ذلك،هو اعتقاد المجاميع المسيحية المبكرة بقرب عودة المسيح ومجيئه الثاني لكي يدين خصومه ويقيم مملكة الرب، فلم يكن - والحال هذه- هناك دافع لديهم لجمع وتأليف كتاب مقدس!

ومع طول الانتظار وتأخر العودة المرتقبة، وانقضاء الجيل الأول وربما الثاني من المسيحيين، أصبح حفظ النصوص وجمعها في كتاب واحد ضرورة ملحة.

لذلك شرع آباء الكنيسة بعد منتصف القرن الميلادي الثاني بهذه المهمة، وتم خلال فترات زمنية لاحقة انتخاب الأناجيل القانونية من بين اناجيل كثيرة تم اعتبارها منحولة وغير قانونية، وهذه الاناجيل القانونية الاربعة، ورغم القرار الكنسي بنسبتها الى الأشخاص الذين تم (لاحقا) اضافة اسمائهم الى عناوين تلك الاناجيل، لكن تبقى هذه التسمية وهذه النسبة هي مجرد رأي او اعتقاد ديني، يفتقر الى الادلة التاريخية المعتبرة، وليس حقيقة تاريخية موثوقة.

أما بالنسبة لبقية أجزاء العهد الجديد، فقد كان هناك أيضا جدلا داخل الكنيسة المسيحية حول قانونية الكثير منها، مثل بعض الرسائل (رسالة يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية ورسالة يهوذا) وكذلك استمر الجدل حول قانونية أجزاء اخرى لوقت طويل قبل ان يتم حسمه لاحقا باضافة تلك الأجزاء لتكون نصوص مقدسة ذات أصل سماوي كما هو الحال مع الرسالة الى العبرانيين وسفر الرؤيا !

ويجب الاعتراف بأن مهمة تحديد الأشخاص الذين كتبوا جميع نصوص العهد الجديد، هي مهمة عسيرة جدا، وتحتاج الى جهود جبارة، ومعرفة معمقة، وخبرات طويلة في مجالات عديدة لا تنحصر فقط بالمعلومات التاريخية، وانما تتسع لتشمل الاحاطة بعلوم المخطوطات وأساليب الكتابة اليونانية القديمة،هذا بالإضافة الى الإلمام الشامل بتلك اللغة ومفرداتها.

ونحن هنا،عندما نتناول هكذا موضوع مهم، لابد لنا للرجوع الى آراء شخصيات علمية اكاديمية، لها باع طويل في هذا المجال، وتعتبر مرجعيات علمية مشهود لها في الاوساط الاكاديمية العالمية بشكل لا يقبل التشكيك او النقاش.

ومن بين أهم هذه الشخصيات العلمية، تعتبر الأوساط الأكاديمية البروفيسور (بارت ايرمان) أحد اهم الأساتذة المتخصصين في دراسات العهد الجديد وتاريخ المسيحية المبكر، ومن أبرزهم وأكثرهم نشاطا وتأليفا، مع احرازه سمعة علمية راقية جدا لا يختلف حولها حتى أشد المخالفين له .

والبروفيسور (بارت ايرمان) هو رئيس قسم الدراسات الدينية في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل، وأستاذ دراسات العهد الجديد وتاريخ المسيحية المبكر، و يعتبر قامة علمية سامقة، له خبرة في مجال تخصصه الأكاديمي لمدة تزيد على الثلاثين عاما، وقد تخرج من تحت يديه عشرات الطلاب برسائل الدكتوراه.

وهو أستاذ امريكي من عائلة مسيحية، كان ينتمي الى طائفة المسيحيين الإنجيليين الاصولية، وبعد تخصصه، قرر لقناعات شخصية، ترك الإيمان المسيحي، وأصبح لا ديني

وقد قام بتأليف العديد من الكتب المهمة جدا والتي تعتبر مراجع علمية وتاريخية، وسوف اضع اسماء بعض الكتب مع ترجمة أوسع لهذا البروفيسور في خاتمة هذا المقال .

لقد تناول البروفيسور (ايرمان) موضوع تحديد هوية الأشخاص الذين كتبوا العهد الجديد،في العديد من مؤلفاته المهمة

ويستطيع ان يرجع لها الراغبون في التفصيل والبحث المعمق.

لكنني سأضع في هذا المقال، خلاصة رأي هذا المرجع الأكاديمي البارز، حول الموضوع، بشكل مختصر، لكي اوفر للقارئ زبدة القول حول هذا الأمر الذي أثار الجدل والنقاشات الطويلة وتم تأليف عشرات الكتب حوله!

وقبل ان اعرض رأي البروفيسور (ايرمان) سوف اضع بعض التعريفات المختصرة لقسم من التوصيفات او العناوين التي يستخدمها المتخصصون في مجال تحديد درجة ونوع الموثوقية التاريخية للنصوص او الكتب، ومنها:

- كتابات مجهولة (انو نيمس) وهي النصوص التي لم يكشف لنا كاتبها عن هويته، والتي لاتزال مجهولة لنا

- كتابات متشابهة(هومو نيمس)وهي نصوص مكتوبة من قبل أشخاص يحملون أسماء مشابهة لأسماء شخصيات شهيرة.

- كتابات مزورة (فورجد) وهي نصوص تعمد كاتبها إخفاء هويته، ونسبة تلك النصوص الى شخصيات اخرى.

- كتابات معروفة المصدر: وهي نصوص نسبها كاتبها الى اسمه الصريح .

بعد هذا التبيان المختصر للمصطلحات، نذهب لاستطلاع رأي البروفيسور (ايرمان) حول هوية كتبة العهد الجديد

وهي كالتالي:

- كتابات مجهولة: ويقع تحت هذا التصنيف الأناجيل القانونية الاربعة بالاضافة الى سفر اعمال الرسل والرسالة الى العبرانيين وكذلك رسائل يوحنا الأولى والثانية والثالثة.

- كتابات متجانسة (هومونيموس): سفر الرؤيا، حيث يعتقد ان كاتب هذا السفر اسمه (يوحنا) ولكن تم لاحقا نسبة هذا السفر الى (يوحنا التلميذ) وهو شخص اخر، غير شخص الكاتب الحقيقي!

- كتابات مزورة: رسائل يعقوب وبطرس ويهوذا، وكذلك الرسالة الثانية الى تسالونيكي، الرسالة إلى أفسس، وتيموثاوس الأولى والثانية بالاضافة الى الرسالة الى تيطس

- وهنا ايضا يضع البروفيسور (ايرمان) سفر أعمال الرسل ضمن هذا التصنيف من باب الاحتمالية.

- رسائل معروفة المصدر: وهي رسائل بولس السبعة: الرسالة الى رومية، كورنثوس الاولى والثانية، فيلبي، الرسالة الى فيلمون، بالاضافة الى تسالونيكي الاولى والرسالة الى أهل غلاطية.

وخلاصة القول: فإن غالبية أجزاء العهد الجديد كتبها أشخاص مجهولون بالنسبة لنا - حسب رأي البروفيسور (ايرمان) وتتوزع تصنيفات هوية مؤلفي غالبية أقسام العهد الجديد على الشكل التالي:

نصوص مزورة: 10 -13 جزء

نصوص متشابهة المصدر: 1

نصوص معلومة المصدر: 7 أجزاء

ترجمة البروفيسور بارت ايرمان:

هو أستاذ دراسات العهد الجديد وتطور المسيحية المبكرة في جامعة نورث كارولينا ويعتبر من أهم علماء دراسات العهد الجديد و الدراسات النقدية الكتابية وخبير في تاريخ بدايات المسيحية.

حصل على شهادة الدكتوراة والماجستير في اللاهوت من مدرسة برينستون اللاهوتية حيث درس تحت إشراف البروفيسور الشهير (بروس متزجر).

 يعمل الآن رئيس قسم الدراسات الدينية في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل، وكان رئيس المنطقة الجنوبية الشرقية لجمعية الأدب الكتابي وعمل محررا لعدد من مطبوعات الجمعية

قام بتأليف 30 كتابًا، بما في ذلك ثلاثة كتب مدرسية. كما قام بتأليف ستة من أكثر الكتب مبيعًا لصحيفة نيويورك تايمز

من أهم مؤلفاته

كيف أصبح يسوع إلها ؟

إساءة اقتباس يسوع

مقاطعة يسوع

مشكلة الرب

ازدهار المسيحية

يسوع قبل الأناجيل

وغيرها من الكتب العديدة المهمة، بالاضافة الى المئات من البحوث المنشورة، والمحاضرات على اليوتيوب وكذلك العشرات من المناظرات الرائعة والماتعة مع أساتذة متخصصين ورجال دين مسيحيين .

 

د. جعفر الحكيم

..........................

المصدر

https://ehrmanblog.org/how-many-books-in-the-new-testament-were-forged/

 

مجدي ابراهيمفي المقال الذي توقفنا عنده "الإشارات والأحوال"، ذكرنا أن المتصوفة إذا كانوا يؤسسون لعلم الإشارة يقوم لديهم على شرعة الحبّ والذوق والتحقيق، ويعتبرون هذا العلم (سرّاً) لا يناله مطلقاً ما ليس من أهله؛ فإنهم إنما يفعلون ذلك، لأن الأسرار مُعتّقة عن رقِّ الأغيار من الآثار والأطلال - حسب عبارة القشيري - وانتهينا إذ ّذاك بتوضيح اصطلاح السّر؛ إذ يطلقونه على ما يكون مكتوماً مصوناً بين العبد والحق سبحانه تحت غشاوة الأحوال. فقد تكشف الإشارة عن حال صاحبها؛ عن تجربته، وقد يتبيّن منها أذواقه العالية فيما عساه يعانيه، وقد لا يتبين منها سوى المواجيد التي يصعب التعبير عنها بلفظ أو بمقولة كما قال النّفَريّ : "المواجيد بالمقولات كفرٌ على حكم التعريف"، ولم يكن قول النفريّ هذا ببعيد عن سلطان "الحال"، لأن الحال هنا لا يحوي التعبير بالمقولة، والمقولة محدودة بحدود القوليّة، والحال محض وجد لا يكيف بلغة عادية إذْ اللغة العادية مجال المعتاد ممّا يكتب أو يفهم في حدود الفكر والنظر لا في مجال المواجد التي تتعامل مع اللامتناهي واللا محدود واللا مرئي.

وإذا كانت الإشارة في ذاتها تقترب من الغموض؛ فلأنها تتصل بالحال وتصدر عنه. والحال وجد يفيض بالمنازلة ويباشر العلاقة مع الله مباشرة؛ فليس من لغة وليس من بيان بل تضيق العبارة لاتساع الشهود، وتحل الإشارة لأن المقام مشهود. ولم يكن من حرف لأن الحرف عاجزٌ عن الإخبار، ليس في الشهود تعبير بحرف، قد يخبر الحرف عن نفسه ولكن للشهود عيان مباشر وتحقيق.

وكما تكون الإشارات صادرة عن تجربة الأحوال، تكون هنالك الصلة الوثقى بين الأسرار والأوقات؛ فالسرّ والوقت والحال اصطلاحات دالة على بطن التجربة الصوفية، مرتبط بعضها مع البعض الآخر في رباط شديد، وليست الفروق بينها قائمة سوى من جهة اعتباريه فقط؛ فالسر له بالوقت وثيق الصلة، والوقت له بمراقبة الأنفاس شديد العلاقة، ويجمع كل سرّ ونَفَس ووقت وحال فيض عارم من التجربة الروحية تتأسس على الإخلاص وتشملها حزمة من الأنوار؛ فالأسرار أنوار تصدر عن الأحوال، والأحوال تجارب تتوارد من عين الجود أفضالاً ومواهب وعطايا ربانيّة، ليس بها من دعوى بل يقين عظيم في جهاد شريف.

ولو إنَّا رسمنا دائرة التصوف الإسلامي بين سُنّي وفلسفي، لوجدنا كلمة "السر" تحتل المركز منها، وتتصدَّر نقطة الانطلاق لهذا العلم على التحقيق، بل إن كلمة (Mysticism) الإنجليزية التي تطلق على التصوف، تترجم إلى السّريَّة على معنى التكتم والخفاء؛ لأن التصوف في مجموعه حسب تعريف سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد واصفاً إيّاه إنْ هو إلا :" لحُوق السّر بالحق، ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب لقوة الروح والقيام مع الحق "، وهو بذلك يضع التصوف في موضع المراقبة "للوقت" بمقدار ما يضعه في مواجهة السّر؛ لأن  التصوف كما قال إنْ هو إلا "حفظ الأوقات".

وحفظ الأوقات رعايةً للسر ومراقبةً للسريرة الباطنة في آن واحد، لكن الجنيد مع ذلك يصيب كبد الحقيقة فَيُعْطي إشارة لافتة مُلْغزة فيروح فيقول مبيِّناً معنى حفظ الأوقات هذا بقوله : " وهو أن لا يطالع (العبد) غير حَدِّه، ولا يوافق غير ربه، ولا يقارن غير وقته ".

وربما كانت هذه المرتبة التي أشار إليها الجنيد بقوله إن التصوف إنْ هو إلا "حفظ الأوقات" هى نفسها المرحلة التي سماها الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 428 هـ) في مراحل تطور المعرفة الصوفية بمرحلة الحدِّ أو الوقت، لأن المطلوب فيها حفظ الوقت أثناء تلقي العارف أنوار فيوضات القربة؛ فهنالك يطلع الصوفي فيما يشبه الخلسات اللوامع من إطلاع نور الحق عليه، لكن هذه المرتبة تسبقها مراتب من الإرادة والرياضة، وتعقبها مرتبة أخيرة هى مرتبة الوصول؛ فالصوفي في عرفان ابن سينا إذا بلغت به الإرادة والرياضة حداً ما، عَنَتْ له خَلَسَات من اطلاع نور الحق عليه، يصفها ابن سينا بأنها : "لذيذة كأنها برُوق تومض إليه ثم تخمد عنه؛ وهو المسمى عندهم أوْقَاتاً".

ثم لك أن تلاحظ إشارة الجنيد هذه حيث يقول:" ليس شيء أشدَّ على أولياء الله من حفظ الأوقات عند الأنفاس"؛ وتُقَارن بينها وبين قول ابن سينا: "وكل وقت يكتنفه وجدان : وَجْد إليه ووَجْد عليه، ثم إنه لتكثر عليه هذه الغواشي إذا أمْعَنَ في الارتياض "؛ تجد أن أحوال العارفين -  على حد وصف الشيخ الرئيس - الذين يعبدون الله حَق عبادته، فيحبونه حباً روحياً؛ منصرفين إليه بفكرهم، لا يبتغون بذلك غير ذات الحق، لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً، ويمتازون على ما عَاداهم بأن أرواحهم قد انطلقت من القيود؛ هم هم عُبَّاد الوقت على الحقيقة؛ لأنهم تنزّهوا عمّا يشغل أسرارهم عن الحق، فكانت عبادتهم مسالمة للسر الباطن حين ما يستجلي الحق، إذْ تخلص أسرارهم إلى الشروق الساطع، فيصير ذلك ملكة مستقرة، كلما شاء السّر أطلع العارف على نور الحق، فيكون منخرطاً بكليته في سلك القدس.

فإذا العارف هاهنا واقعٌ لا محالة تحت حكم الوقت، مشاهدٌ بالسر لما يبدو عليه من بوادي الأنوار الإلهية؛ فكأنما الوقت حالَ غَشيان الأنوار هو كما وصف الجنيد من الشدة على العارفين بحيث قد يتعذر معه ضبط الأنفاس أو هو كما قال أبو العباس بن عطاء :" ليس شيءُ أشدَّ على أولياء الله من حفظ الأنفاس عند الأوقات ".

فهاهنا يكون الوقت تجلياً من تجليات النور الإلهي الذي لا يضبطه في الغالب نَفَس الولي؛ فيجد في تجلياته سطوة وفي غشيانه شدة. فهذه الأوقات هى من أسرار الله في أهل خصوصيته، ترتبط بمراقبة الأنفاس, بمقدار ما تتصل مباشرة بحكم "الحال" في حكم "الوقت".

من ذلك ترى؛ أن هذه الروحانية القوية القائمة مع الحق إذا هى تَجَرَّدَتْ في صاحبها فَفَنَتْ نفسه عن الأسباب واتصلت بالحق تعالى نالت من فورها لحوق السّر به فيما لو صدقت طريق المعرفة وسَارَرَتْ مَعْرُوفها بدوام المناجاة.

وعليه؛ يجيء معنى التصوف من حيث كونه "لحوق السر بالله" مصروفاً إلى أن الصوفي الحق لا يلتفت إلى شيء سوى الله، ومتى ألتفت إلى حظ نفسه أو أسبابها دَلَّ ذلك على انفصال سره لا اتصاله؛ حتى إذا ما كان سر الصوفي ملحوقاً بالله على الحقيقة دَلَّ هذا أيضاً على فناء نفسه عن الحظوظ والأسباب.

ولكن هذا الفناء نفسه هو أعلى ما يمكن تحققه في مبنى التصوف ومعناه؛ ينطلق مع المجاهدة خُلقاً وفضيلة من القاعدة؛ ليندرج في القمة معرفةً؛ هو ذروة الأمر كله. تترتب هذه الذروة على قواعد أدرجها الجنيد في شَذْرَة له لما أن وضح معنى التصوف فقال في قواعده وأركانه هو:" تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، واستعمال ما هو أولى مع الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، وإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة".

فتلك خصائص تبدو من الوهلة الأولى تتلون بلون المجاهدة في الله؛ من المؤكد تفضي لا محالة فيما لو أحسن العبد القيام بها على أكمل وجه إلى لحوق السر بالله.

ومن المؤكد كذلك أنها لخصائص تجعل التصوف بعلومه وموضوعاته ورياضاته وأسراره وإشاراته، علماً مستقلاً عن أي مؤثر آخر، ينفرد بين سائر العلوم بخصائصه المعروفة، تميزه عن سواه ولا تلحقه إنْ في بناء الشكل وإنْ في بناء المضمون بعلم آخر أو بفن سواه، حتى ولو تشابهت في الظاهر بعض ألفاظ وكلمات من هنا أو من هناك يستخدمها أقطابه؛ بألفاظ وكلمات يستعملها سواهم ممَّن دونهم ولكن لا ينتمون إلى ميدانهم لا من قريب أو من بعيد.

ومن تلك النقطة؛ يفترق الرمز في اللغة الصوفية عن الرمز في اللغة العادية، يفترق ويتباين ويختلف؛ فلغة الإشارة ليست كلغة العبارة. الإشارة - كما قلنا فيما تقدَّم - ألطفُ من العبارة :" لأنها إيماءٌ إلى السِّر وتلويح إليه لا تصريح، وهى التي يستعملها أهل الطريق - رضى الله عنهم - فيما بينهم عند ذكرهم لما يفتح الله به عليهم من الأسرار التوحيدية، والعلوم اللَّدُنيَّة، والمواجيد والأذواق ".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بين رؤيتي الباقلاني والشريف المرتضى:

«كل خلاف وقع بين المسلمين- سواء في الفقه، أو في التفسير للقرآن، أو في فهم السنة النبوية الشريفة- منشؤه وسببه الخلافة».محمد التيجاني السّماوي التونسيّ[1]. 

 إن خلاف الإمامة بين الأشاعرة والإماميّة يدور بين «النص» و«الإختيار»، حيث إن النص يقصد عند الإمامية، أن تعْيِيْن الإمام يكون إما من الرسول أو من الإمام الذى قبله. وأن مفهوم إختيار الإمام عند الأشاعرة، يعنى أنه مفوض إلى أهل«الإجماع».

 وبناء على هذه الجدليّة حول إشكالية النص والإختيار، نفت الأشاعرة أدلة الإماميّة التي إستدلت بها على إمامة علي بن أبى طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إعتبرتها أدلة ظنية لا تفيد اليقين والقطع من ناحية الدلالة. بينما إعتبرتها الإماميّة نصوصا تدل على إمامة علي رضي الله عنه.

 فالتحقيق في هذه الجدلية بين الأشاعرة والإمامية سوف نلقى الضوء على بيان ضوابط التفرقة بين مفهوم الدليل اليقينىّ وبين مفهوم الدليل الظنىّ عند بعض متكلمي الأشاعرة والإماميّة؛ لأن جدليّة النص عندهما تدور مدى إفادة تلك الأثار التى تستدل بها الإماميّة، على إمامة علي بن أبي طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم اليقين أو الظن.

 إن مناقشة تلك الجدليّة سوف نختار رؤية إمامين من أئمة الأشاعرة والإماميّة وهما الإمام الباقلاني[ت:403ھ1012م]، من الأشاعرة والإمام شريف المرتضى[ت:436ھ/1044م]، من الإمامية.

 إن كلمة «اليقين» تأخذ معنى «الصدق والحقيقة»، وهي تفيد قطعية الدلالة في النص عند الأصوليين، حيث يقابله ظنيّ الدلالة الذي يأخذ معني الشك، وإن كان بينهما (الظن والشك) فرق عند أهل الأصول إذ إن الظن يدخل في دائرة «التصديق» غير أنه تصديق غير جازم. فالتصديق غير الجازم، إذا كان راجحا هو: الظن، والمرجوح هو:الوهم، والمساوي هو: الشك[2].

 هذا وقد حدد الشيخ السبحاني أصول اليقين في كتابه: «المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات، نظرية المعرفة»، حيث قال:« إن التَعَرُفَ على ما وراء الحسّ يحصل في ظل البرهان، وهو مركب من اليقينيات، وأصولها ست: الأوليّات، والمشهدات، والتجريبيات، والحدسيات، والمتواترات، والفطريات»[3]. 

 مفهوم الخبر عند الباقلاني[ت:403ھ/1012م].

 تعريف الخبر :

 عرفّ الإمام الباقلاني الخبر بأنه:« ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب»، أى ما أحتمل الصدق والكذب بإعتبار قائله، وذلك:« متى أمكن دخول الصدق أو الكذب فيه، كان خبرا، ومتى لم يكن فيه، خرج عن أن يكون خبرا، وبهذا الإختصاص، فارق الخبرُ، ما ليس بخبر من الكلام، وسائر الذوات التى ليست بخبر»[4].

 أقسام الخبر عند الإمام الباقلانى:

 قسم الإمام الباقلاني الخبر إلى ثلاثة أقسام:

خبر «الضرورات»، وهوما يعرف «بالأوّليات»، وهو كل خبر ثابت، إقتضت ثبوته بضرورات العقول، وإدراك الحواس، حيث قامت الأدلة على ذلك من أمره؛ مثل: الخبر عن وجود ما ندركه ونشاهده بحواسنا. والخبر عن إمتناع الضدين، وكون الجسم في مكانين معا.....وما جرى مجرى ذلك من كل أمر ثبت العلم بصحته إستدلالا ونظرا. وهذا الخبر لا يقع إلا صدقا من قديم ومحدث، ومؤمن وكافر، وعدل وفاسق، وجماعة وآحاد، لثبوت مخبره وصحته[5].

 الخبر عن محال ممتنع، إما بقضية الحواس والضرورات، أو بما قام عليه من الحجج والدلالات؛ مثل الخبر عن عدم ما نشاهده، وكونه على خلاف صفة ما ندركه عليه، وكذلك الخبر عن قيام الأموات، وقلب العصا حيات، وإنقلاب دجلة ذهبا، والخبر عن وجود ضدين في محل واحد، وكذلك كون الجسم في مكانين. وكل ماجرى مجرى ذلك فهومعلوم ببطلانه وإستحلالته، بقضايا الحواس، وموضوع العادات، وأوائل العقول والضرورات[6].

الأخبار عن الإمكانيات في العقل، نحو الإخبار عن مجيء المطر، بالبلد الفلاني، وموت رئيسهم ورخص سعرهم، والأخبار عن المتعبدات، نحو الإخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم، على إمام بعده، وعلى الحج والصلوات والعبادات، وغيرها من التعبدات في الشريعة. فهذا القسم يمكن أن يكون صدقا ويمكن أن يكون كذبا. ويميز حال الصدق من الكذب، حسب ما يوجب الدليل من أمره. فإن قام الدليل على أنه صدق قطع به، وإلا قطع ببطلانه وكذب ناقله. وإن عُدِمَ دليل صحته ودليل فساده وجب الوقف في أمره، وتجويز كونه صدقا و كونه كذبا. أما إذا وقع الخبر على الممكن، ككونه من الله أومن الرسول، أو ممن أخْبِرَ عنه، أنه لا يكذب في خبره، أومن جماعة أسندوا ما أخبروا عنه إلى مشاهدتهم، ليثبت التواتر بمثلهم، قطع بصدقهم. وكذلك كل خبر عن جائز قام الدليل على صدق نقلته[7].

 خبر التواتر وإستحالة كذبه عند الباقلاني:

 يستحيل العادة بالتواطؤء على الكذب بالعدد الذى يثبت بهم التواتر. وذلك، أن العادة لم تجر إجتماع قوم يبلغ حد التواتر، ثم تواطؤوا بنقل الكذب عن مشاهدة، ولا عن كتمان ما هم عالمون به من غير ظهور الحديث به بينهم والإقرار، إذا خلوا بأنهم كتموا وتشاعروا لعلة دعتهم إلى ذلك؛ لأنه لايجوز أن يستمر بهم ترك ذلك والخوض فيه والحديث به زمانا طويلا، أو الأبد حتى لا يعلم في حالهم، أنهم قد إفتعلوا وإن جاز ذلك على الواحد والإثنين منهم[8].

 صفات أهل التواتر عند الباقلانى:

 ذكر الإمام أبى بكر الباقلاني صفات أهل التواتر، حيث إعتبرها أربع صفات:

أن يكونوا عالمين بما ينقلونه علم ضرورة، واقعا عن مشاهدة أو سماع، أو مخترع في النفس من غير نظر ولا استدلال، وإلا لم يقع العلم بخبرهم.

أن يكونوا عددا يزيدون على الواحد والإثنين والثلاثة والأربعة.

أن يكون العدد الناقل في الخبر متساويا بالكثرة في كل طبقة، حيث يقع العلم بخبرهم ضرورة.

 إذا كان النقل خلفاء عن سلف، ولسلفهم سَلَفٌ، لابد أن يكون أول خبرهم كآخره، ووسط ناقليه كطرفيه فى أنهم قوم يثبت بهم التواتر، ويقع العلم بصدقهم، إذا نقلوا عن مشاعدة[9].

 مفهوم الخبر عند السيد المرتضى[ت:436ھ/1044م]:

يرى السيد شريف المرتضى أن مفهوم الخبر الذي يفيد العلم هو: ما توافر الشروط التالية:

أن ينتهي في الكثرة إلي حد لا يصح معه أن يتفق الكذب على المخبر الواحد منها. وهذه الكثرة تشمل جمبع الطبقات.

أن يعلم أنه لم يجمعها على الكذب جامع من تواطؤء وما يقوم مقامه.

أن يكون اللبس والشبهة زائلين عما أُخْبِرَ عنه[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

 ...............................

[1] السماوي، د/ محمد التيجاني السّماوي التونسيّ، لأكون مع الصديقين، المؤسسة الجامعية للدرايات الإسلامية، (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص60.

[2] - الرازي، معالم أصول الدين، تحقيق، طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، لبنان بيروت، (دون رقم الطبعة والتاريخ) ص22.

[3] - السبحانى، المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات، نظرية المعرفة، بقلم، حسن محمد مكى العاملى، المركز العالمى للدراسات الإسلامية‘ط1/1411ھ ص251.

[4] - الباقلانى، التمهيد، تحقيق محمد الحصرى، ومحمد عبد الهادى، دار الفكر العربي، بيروت لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص160.

[5] - المصدر السابق، ص 160-161.

[6] - المصدر السابق، ص 160-161.

[7] - المصدر السابق، ص 160-161.

[8] - المصدر السابق، ص162.

[9] - المصدر السابق، ص163-154.

[10] - الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، الشافي في الإمامة، تحقيق، السيد عبد الزهراء، الحسيني الخطيب، وبمراجعه، السيد فاضل الميلاني، ط2/1407ھ/1986م، ج2/68.