 دراسات وبحوث

ابن العلقمي والحفر على الجماجم النحاسية !!!

83-yousifحين حُوِّلت راقصة إلى قارئة للقرآن ثم صُغِّر حجمها لتصبح طفلاً رضيعاً!!!

لما كان لآخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله احترامه في قلوب المؤرخين والمسلمين عامةً، ويُعَبَّر عنه بأنه ((الإمام الأعظم، المفترَض الطاعة على كافة الأمم، عبد الله وخليفته ووارث نبيه ومحيي دينه ومؤيِّد شريعته، أبو أحمد عبد الله المستعصم بالله أمير المؤمنين))([1]). ومن ذلك أيضاً قولهم: ((الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام، أبو أحمد المستعصم بالله أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين))([2])، وكذلك ((الإمام ابن الأئمة المهديِّين))([3]).

ولهول ما حدث مما لا يمكن لمسلم صحيح العقيدة أن يتسبَّب فيه، فقد رأوا أن لا يُحمِّلوه جريرةً كهذه، ولا يحمِّلوها لقادة الجيش كالدويدار الصغير الحنبلي الذي تسبب عنادُه في إبادة الجيش في معركة المزرفة([4])، وفضَّلوا تعليقها في عنق إنسان يُعرَض شاخصاً ثم يُقال للناس: هذا هو سبب الكوارث التي حلت بالخلافة والخليفة والإسلام، فارجموه.

 وكان أول راجميه حشدٌ من المؤرخين الشاميين/ المصريين المتأخرين الذين مهَّدوا لعملهم بالقول ((كان شيعياً رافضياً في قلبه غِلٌّ على الإسلام وأهله))، ثم قالوا ((كاتبَ التتارَ وأطمَعهم في البلاد وأرسل إليهم غلامَه وأخاه))([5]).

وللدكتور سعد بن محمد حذيفة الغامدي رأي في مسألة اتهام الوزير ابن العلقمي بالاتصال بالمغول وأن سبب ذلك هو الصراع الداخلي بين موظفي بلاط الخليفة المستعصم يقول فيه: ((وصل الصراع الداخلي بين موظفي الخليفة قمته في سنة 653هـ/1255م وذلك عندما اتهم الوزير ابن العلقمي خصمَه (الدويدار الصغير) بالتآمر مع ابن الخليفة الأكبر للإطاحة بالخليفة وإحلال ابنه مكانه. وربما أن هذه الاتهامات لم تكن بدون أساس؛ فقد عُرف الخليفة بتقديره واحترامه للوزير، كما أن الدوادار الصغير وابن الخليفة الأكبر كانا صديقين حميمين، كما كانا متفقينِ على عدائهما ضدّ الشيعة. وبما أن الدوادار الصغير كان يملك تحت إدارته قيادة مماليك الخلافة، فربما كان يريد أن يطيح بالخليفة لينصِّب ابنه مكانه، ليستطيع ذلك التُّركيّ الجِلْف أن ينتقم من الوزير وأتباعه بطريقة أكثر فعالية بعد أن يصبح الخليفة الجديد صنيعةً له)). ويواصل الدكتور الغامدي تحليله بالقول: ((عندما قَدِمَ هولاكو خان على رأس حملته الغربية وهو في طريقه إلى الأراضي العباسية، واقترح الوزير وجوب استرضاء ذلك العدوّ الغازي وملاطفته وذلك بإرسال هدايا وتُحف وكتيبة صغيرة لتشارك في حربه ضد الإسماعيلية، وذلك لكي تخف وطأته على الخليفة وعلى أهل بغداد، قام الدوادار الصغير فاغتنمها فرصة واتَّم عدوَّه (ابن العلقمي) بالتآمر مع المغول ضد الخليفة، لينتقم من خصمه ويردّ التهمة السابقة بأخرى مماثلة ضد الوزير. وقد اشاع أتباع المذهب السُّني هذه الاتهامات ضد الوزير على نطاق واسع وتردد ذلك كُتُب مؤرِّخيهم وانتشر على نطاق واسع خارجَ البلاط حتى أصبحت هذه الاتهامات في نهاية الأمر مقبولة وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش أو الجدل))([6]).

والكتَّاب المعاصرون ــ إلا القليل جداً منهم ــ حين يذكرون خيانة الوزير ابن العلقمي يكتفون بالقول إنه اتصل بهم وشجَّعهم على غزو البلاد، ثم يقفون عند هذا الحد؛ ثم نجد شيئأً من تفاصيل الرواية لدى المؤرخينِ ابن شاكر الكتبي والصفدي اللذينِ أوردا تفاصيل جديدة لم نجدها لدى مَن ذكرَ هذه الإشاعة قبلهما في كيفية المراسلة وما الذي صنعه ابن العَلْقَمِيّ لكي لا تُكتَشَف تلك الرسالة السرِّيَّة التي بعث بها إلى المغول:

قال ابن شاكر الكتبي الشافعي: ((حُكِيَ أنه لما كان يكاتب التتار تحيَّلَ إلى أن أخذ رجلاً وحَلَقَ رأسه حلقاً بليغاً وكتب ما أراد عليه بالإبَر، ونَفَضَ عليه الكُحل وتركه عنده إلى أن طلع شعرُه وغطَّى ما كتب؛ فجهَّزه وقال: إذا وَصَلْتَ مُرْهُمْ بحَلْقِ رأسِكَ ودَعْهُم يقرأون ما فيه. وكان آخر الكلام اقطعوا الورقة. فضُرِبَتْ عنقُه))([7]).

 وقالالصفدي الشافعي: ((أخذ رجلاً وحلق رأسه حلقاً بليغاً وكتب ما أراد عليه بوخز الإبَر كما يُفعل بالوشم ونفض عليه الكحل...))([8]).

وكلا المؤرخينِ تحدَّث عن الرسول بضمير المفرد، ولكن المصادر التي سبقته  قالت ((بعث غلامَه وأخاه))، وينبغي أن يكون قد وَشَمَ الرسالة على رأسيهما، إذ أن إرساله أحدهما بالطريقة العادية في إرسال الرُّسُل سيؤدي إلى إلقاء القبض عليه والعثور على الرسالة وافتضاح أمر الوزير.

 وتبعاً لهذه الرواية فإنه ينبغي أن يكون المغول قد قتلوا الرسولينِ (شقيقَ الوزير وغلامَه) بعد قراءتهم الرسالتين.

ثم علَّق ابن شاكر والصفدي ــ مستفظعينِ عملَ الوزير في كتابة الرسائل بالشكل الذي أدى إلى قتل شقيق الوزير وغلامه ــ بقولهما: ((وهذا غاية في المكر والخزي)).

ثم نجد تفاصيل مهمة لدى السُّبْكيّ الشافعي الذي يقول إن ابن العَلْقَمِيّ حلق رأسَ كل واحد من رسوليه ثم حفر الرسالةَ حفراً عليه رأسه بحيث صار كل حرف كالحفرة في جمجمته، فلنقرأ: ((كان ابن العَلْقَمِيّمعادياً للأمير أبي بكر بن الخليفة وللدويدار لأنهما كانا من أهل السُّنَّة ونهبا الكَرْخ ببغداد حين سمعا عن الروافض أنهم تعرضوا لأهل السُّنة([9])، وفَعَلا بالروافض أموراً عظيمة. ولم يتمكن الوزير من مدافعتهما لتمكنهما، فأضمر في نفسه الغِلَّ وتحيَّل في مكاتبة التتار وتهوين أمر العراق عليهم وتحريضهم على أخذها، ووصل مِن تحيُّلِهِ في المكاتبة إليهم أنه حَلَقَ رأسَ شخصٍ([10]) وكتب عليه بالسواد وعمل على ذلك دواءً صار المكتوبُ فيه كل حرف كالحفرة في الرأس، ثم تركه عنده حتى طلع شعرُه وأرسله إليهم. وكان مما كتبه على رأسه: إذا قرأتم الكتابَ فاقطعوه. فوصل إليهم فحلقوا رأسَه وقرأوا ما كَتَبَه ثم قطعوا رأسَ الرسول))([11]).

ومن تفاصيل هذه الرواية الشامية/ المصرية، أنه بعد أن طوَّق هولاكو بغداد بعساكره: ((أشار ابنُ العَلْقَمِيّ على الخليفة بمصانعة ملك التتر ومصالحته، وسأله أن يخرج إليه، فتوثَّق منه لنفسه ثم رجع إلى الخليفة وقال له:

 إنه [أي هولاكو] قد رغب أن يزوج ابنته من ابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى سلطانَ الروم في سلطنة الروم، لا يُؤْثِر إلاَّ أن تكون الطاعة له، كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف بعساكره عنك. فتجيبه إلى هذا، فإن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد؛ وحسَّن له الخروج إليه، فخرج في جمع من أكابر أصحابه، فأُنزل في خيمة.

 ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا عقد النكاح، فخرجوا وقُتلوا؛ وكذلك صار يخرج طائفة بعد طائفة، وقُتِلَ المستعصم...))([12]).

نذكِّر هنا باختصار برواية كنا قد ذكرناها في الحلقة السابقة وهي أن الفقيهين البغداديين شهاب الدين الزَّنْجاني قاضي قضاة الشافعية([13]) ورفيقه الفقيه الطهراني الرازي الحنفي([14])، هما اللذان قاما بتنظيم مجزرة ذُبِحَ فيها جمعٌ من الفقهاء ممن يختلفون معهم في الرأي، حيث كانا يسلِّمانهم إلى المغول ليقتلوهم. يقول ابن الفُوَطِيّ الحنبلي في ترجمة الرازي هذا: ((وكان شديد الوطأة على أهل العناد والفساد وتولَّى تدريس المدرسة البشيرية، وكان عالماًً بالفقه وأيام الناس؛ وهو ممن كان يُخْرِجُ الفقهاءَ إلى باب السُّور إلى مخيَّم السلطان هولاكو مع شهاب الدين الزنجاني ليُقْتَلوا))([15]). وربما كان هنالك آخرون غير هذين الاثنين تعاونوا مع المغول لكن ضياع الكثير من المصادر أضاع علينا أسماءهم.

 ويبدو أن من اختلق قصة اتصال ابن العلقمي بالمغول أراد التغطية على أفعال هذين الفقيهين. بل إن المؤرخين المتأخرين ادعوا أن الزنجاني هذا ((استُشهد)) بسيف المغول وهو أمر لا صحة له ذلك أنه مات موتاً كما يقول مؤلف كتاب الحوادث، بل أن المغول عيَّنوا ابنه الفقيه الشافعي عز الدين أحمد قاضياً للقضاة في دولتهم سنين طويلة (انظر تفاصيل ذلك في كتابنا إعادة كتابة التأريخ)؛ لكنهم أرادوا اختلاق منقبة للرجل بدل ما ذكره المؤرخ الثبت ابن الفوطي الذي كان في بغداد ساعة دخول المغول إليها.

الإصرار على تكرار هذه الإشاعة برغم تهافتها أدى إلى ترسيخها والزيادة فيها

برغم تهافت التهمة التي أصر المؤرخون الشاميون/ المصريون على توجيهها لابن العَلْقَمِيّ ظلوا يكررونها وأتباعهم من معاصرينا وهم قسمان: الأول سذَّج ومغفَّلون من ذوي الأقلام الكسولة التي تكتفي ببضعة مصادر متأخرة كالذهبي في تاريخه وابن كثير في البداية والنهاية ومَن تلاهما؛ الثاني كتَّاب يكتبون لأغراض غير نبيلة بهدف استغفال قرَّائهم؛ وإلا أيعقل أن جمجمة إنسان يمكن أن تتحمل عمليات الحفر عليها كما لو كانت قِدْراً أو إبريقاً نحاسياً؟

وما تزال هذه الرواية منتشرة حتى يومنا هذا، بل إن هناك من يبدي استغرابه إذا ما سُئل عن إمكانية وجود رواية أخرى، وينطلق بالاتهامات لخلق جوٍّ من الرعب يخيف الكتَّاب ويرهبهم ويمنعهم من التوجه لبحث الاحتمالات الأخرى لتفسير حادث جلل بحجم انهيار دولة الخلافة العباسية. وربما اتُّهم مَن أراد دحض هذه التهمة بالخيانة أو بكونهم رافضة أو يهوداً، تقول الباحثة جيهان سعيد الراجحي في رسالتها التي قدَّمتها لنيل درجة الماجستير وكان وينبغي أن تكون علمية: ((كثيرُ من المؤرخين اتهموه (أي ابن العلقمي) بممالأة المغول، في حين دافع عنه آخرون منهم كونه رافضي مثله))، وتضيف هذه الباحثة إن قبوله لمنصب الوزارة الذي عيَّنه فيه هولاكو بعد احتلاله بغداد يدل على ممالأته (أي معاونته) لليهود فتقول: ((ولي الوزارة لهولاكو مدةً قصيرة وهذا يدل على ممالأته لليهود))([16]). وأغفلت حشداً من كبار موظفي الخليفة المستعصم من ذوي الكفاءة الإدارية ممن عيَّنهم المغول في الحكومة الجديدة ممن لم يكونوا من الشيعة بل كانوا من مختلف المذاهب السُّنِّية فممن عيَّنوه: فخر الدين أحمد بن الحسين بن محمد الدامغاني الحنفي وكان قد شغل منصب صاحب ديوان لدى الخليفة المستعصم؛ ونجم الدين عبد الغني بن الدُّرنوس، وكان المستشار الخاص للخليفة المستعصم؛ وتاج الدين علي بن هبة الله بن الحسن ابن الدوامي الشافعي حاجب باب الخليفةِ المستعصم ووالدِه المستنصر؛ بل إن بعضهم ذهب بنفسه بين يدي هولاكو وطلب إليه أن يعيِّنه بوظيفة وهو عبد المنعم بن كامل البندنيجي الشافعي قاضي قضاة الخليفة المستعصم، فَأمَرَ [هولاكو] بأن يُقَرَّ بمنصب قاضي القضاة.  ومنهم أبو الفضل عمادَ الدين عمر بن محمد القزويني وهو من أحفاد الخليفة عمر بن الخطاب؛ وقد عَيَّن هؤلاء أيضاً حشداً من الموظفين كان من بينهم فخر الدين المبارك بن يحيى ابن المخرِّمي الحنبلي([17]) الذي عيَّنوه والياً على الدُّجَيل والمستنصري. وكان قد شغل مناصب خطيرة في الدولة العباسية منها منصب صاحب الديوان. فلتُنظر قائمة بأسماء هؤلاء وغيرهم في كتابنا إعادة كتابة التأريخ.

83-yousifولنعد إلى أسطورة اتصال ابن العلقمي بالمغول، فنقول: إننا لا نعتقد أن الغالبية الساحقة من كتَّابنا المعاصرين ممن ذكروا ما سمَّوه خيانة ابن العلقمي أمثال براون وجرجي زيدان ولسترنج والدكتور مصطفى طه بدر والدكتور صلاح الدين المنجد والدكتور الباز العريني والدكتور فؤاد الصياد والدكتور عبد السلام فهمي والدكتور رجب محمد عبد الحليم والدكتور محمد علاء الدين منصور والدكتور محمد سهيل طقوش والدكتور راغب السرجاني وغيرهم، يؤمنون بقصة اتصال ابن العَلْقَمِيّ بالمغول في قرارة أنفسهم، وأنَّى لعاقل أن يصدِّق بخرافات العجائز؟ بل إنهم ذكروها إما لقصور لديهم لكونهم لم ينقبوا بشكل جيد في المصادر أو لوجود غايات غير نبيلة لديهم في تناولهم هذه المسألة.

وإنما قلنا ((الغالبية الساحقة)) لأننا وجدنا كتَّاباً معاصرين يوردون أسطورة الحفر على الجمجمتين وكأنهم يصدِّقون بها، وهو أمر يبعث على الخجل في كتابات كان ينبغي لها أن تكون علمية:

 فمِن الكتابات المبكرة في هذا المجال ما دُوِّنَ في كتاب تأريخيٍّ عامٍّ صدر سنة 1877م، حيث ذكر مؤلِّفاه جميع تفاصيل هذه الرواية: كتابة الرسالة على جمجمتي الشقيق والغلام وإرسالهما إلى المغول والأمْر بقتلهما...([18]).

وممن أوردها من معاصرينا: الدكتور سليمان بن حمد العودة أستاذ التأريخ الإسلامي في جامعة القصيمفي كتابه كيف دخل التتر بلاد المسلمين (ص 55 ــ 56)؛ والدكتور عبد السلام الترمانيني في كتابه أحداث التأريخ الإسلامي (2/960)؛ والدكتور علي محمد الصلاَّبي في كتابه المغول (التتار) بين الانتشار والانكسار (ص 235). كما أن كاتباً مسرحياً سورياً يُدعى سعد الله ونوس كتب عقب نكسة حزيران سنة 1967م عن هذه الواقعة المزعومة مسرحية تهريجية تافهة أساء فيها إساءة بالغة إلى الوزير ابن العلقمي، مع أنه ــ أي سعد الله ونوس ــ لم يكن باحثاً في التأريخ.  وظلت هذه المسرحية تُمثَّل على خشبات المسارح في الوطن العربي سنوات طويلة وكأن حوادثها من البديهيات الرياضية حتى رسخ في أذهان السذج والعوام وصغار الكتَّاب وهواة الكتابات الصحفية كثير من مفرداتها، وسوف نناقش هذه المسرحية إذا سمح الوقت ضمن هذه المقالات التي ننشرها.

 إن قصة اتصال الوزير ابن العلقمي بالمغول التي يطرحها هؤلاء كبديهية رياضية، لها أركان ثلاثة تقول:

1. اتصل ابن العَلْقَمِيّ بالمغول بعد سنة 654هـ يدعوهم لغزو بغداد، فاستجابوا وغزوا بغداد وأهلكوا العباد ودمَّروا البلاد.

2. تمَّ اتصاله بهم بحفْر رسالتين على جمجمتي أخيه وغلامه كل حرف من حروفهما كالحفرة في الرأس، ثم أمر المغول بقتلهما بعد قراءتهما فقتلوهما.

3. بعد دخول هولاكو بغداد ونهبِه الغنائم ومنها الكنوز والمدخرات والجواهر التي قدَّمها الخليفة المستعصم له، أمر بقتله فقُتل. ثم بعث على الوزير ابن العَلْقَمِيّ ووبَّخه لخيانته سيِّدَه وعدم وفائه له وأمر به فعُذِّب أشدَّ العذاب ثم قُتل.

فللرواية أركان ثلاثة فصَّلناها آنفاً؛ وكان ينبغي لمن ينقلها من تلك المصادر أن يوردها بتمامها، أي بأركانها الثلاثة ويصل بها إلى نهايتها.

لكن الذي يحدث اليوم أن هؤلاء الأفاضل من كتَّابنا المعاصرين يكتفون بذكر الركن الأول فقط (اتصاله بالمغول، ثم يغضُّون النظر عن الركنين اللاحقين(الحفر على الجمجمتين وقتل المغول أخاه وغلامه). 

 كما يغضون النظر عما قيل من أن هولاكو قتلَ الوزيرَ ابنَ العَلْقَمِيّ، فلا يذكرونهما.

 ونذكِّر هنا أن هذه الرواية هي وحدة واحدة لا تتجزَّأ، وأن رواة الركنين الأخيرين هم أنفسهم رواة الركن الأول (اتصاله بالمغول) الذي يزعم هؤلاء الكتَّاب أنهم مصدِّقون به.

 كما أن تصديقهم بأن ابن العَلْقَمِيّ اتصل بالمغول يستلزم أن يذكروا طريقة اتصاله بهم أي الحفر على الجماجم، كما يستلزم أن يذكروا غيرةَ هولاكو على الإسلام وتقريعَه ابنَ العَلْقَمِيّ ومن ثَمَّ قتلَه لخيانته وليّ نعمته. لكنهم يبترون الرواية بتراً ويكتفون بالقول إنه اتصل بالمغول.

وهذا يعني أن السادة من كتّابنا المعاصرين لا يصدقون بهذه الأسطورة كلِّها. وإنما يوردون الركن الأول لأنه يشكل أداة إدانة لهذا الوزير وهو ما يحققون من ورائه أهدافاً لا علاقة لها بشرف الكتابة ولا أمانة البحث العلمي. مع أن هذا الخبر لا يحتاج منهم جهداً يبذلونه في مراجعة المصادر الكثيرة، فيكتفون بتنميق عبارة يذكرون فيها الخيانة فحسب.

لكن لماذا يتغافل كتَّابُ هذه الواقعة من معاصرينا عن ذكر الجمجمتين/ الرسالتين وعملية الحفر عليهما وأمْر ابن العَلْقَمِيّ بقتل أخيه وغلامه؟ ولماذا يتغافلون عن قصة قتل هولاكو هذا الوزير المفترى عليه؟

إنهم يعلمون أنَّ ذكر هذين الركنين سيهدم الركن الأول، وسيُسْقِط ما يريدون إثباتَه، فضلاً عن أنه سيكون مثاراً للسخرية والتعليقات التي لا تُسِرُّ دعاة نظرية المؤامرة هذه. فهم يعلمون أسطورية حفر الحروف على جمجمتين لتصبح كالحُفَر في الجمجمة، وإن المعرفة الطبية البسيطة تمنع من ذلك، فقد تتلوَّث جراح الحُفَر وتمتلئ بالقيح مع مضاعفات قد تقتل حامل الرسالة/ الجمجمة الذي سيقطع آلاف الكيلومترات من بغداد إلى منغوليا على حدود الصين.

 ثم إن مساحة الجمجمتين الصغيرتين لن تكفي الكلام الذي يمكن أن يُحفر فيهما مع حاشيتين في نهايتيهما أَمر فيهما الوزير بقتْل غلامه وأخيه.

وأخيراً لماذا هذه الاحتياطات المزعومة في إرسال الرسولين وكانت بغداد وغيرها من المدن العراقية مكشوفة لنواظر الأعداء الذين كانوا يهاجمون المدن والقرى القريبة منها سنوات طويلة، ولم تكن هناك نقاط تفتيش على أبواب بغداد ولا على مفارق الطرق.

وإمعاناً في التشفي من هذا الوزير الذي كان الحلقة الأضعف في بلاط المستعصم العباسي، زاد مؤلِّفو هذه الرواية في ختامها أنَّ هولاكو ــ بعد احتلاله بغداد ــ قتل ابن العَلْقَمِيّ لأنه خان أُمَّته، وخائنُ أمَّتِهِ وخليفتِهِ لا يستحقُّ الحياة. وبذلك أظهر رواةُ هذا الكلام هولاكو رجلاً شهماً ذا غيرةٍ انتقم للإسلام والمسلمين، بل إنهم ذكروا أن هولاكو أعلن إسلامه قبل وفاته بشهرين بعد رؤيته معجزة هائلة على يدي اثنين من المتصوِّفة (!!!)([19]).

فبدلَ أن يكافئ هولاكو هذا الوزيرَ الذي مكَّنه من احتلال العراق كما يزعمون، سألَه: ((من أين لك هذه النعمة؟ قال: من دار الخلافة. فقال هولاكو: لمَّا كنتَ لم تحفظْ حقَّ مَن أنعمَ عليك بهذه النعمة، فإنك لن تكون مخلصاً لي؛ ثمَّ أمر بقتله ليذهب إلى جهنم))([20]).

ويقول النويري إنه لما مثل بين يدي هولاكو ((سبَّه ووبَّخه على عدم موافاته لمن هو غذيُّ نعمته، وأمر بقتله فقُتل، وقيل لم يقتله بل استبقاه))([21]).

ونمَّق بيبرس الحنفي عبارات هذه الواقعة باستخدام السجع ليزيد تأثيره في نفوس قرَّائه فقال إنه استدعاه ((وعنَّفه على سوء سيرته، وخُبث سريرته، وممالأته على وليِّ نعمته، وأمر بقتله جزاءً بسوء فعلته؛ فتوسَّل وبذلَ الالتزام بأموال يحملها، وإتاوة من العراق يحصِّلها؛ فلم يذعن لقبوله، ولا أجاب إلى مسؤوله؛ بل قُتل بين يديه صَبْراً، وتحسٍّى من يد المنون صَبِراً؛ وأوقعه الله في البئر التي احتفر، وخانَه فيما قدَّر صِرفُ القَدَر))([22]).

وقد كرَّر رواية هذه الواقعة ابنُ دقماق الحنفي والقلقشندي الشافعي وابنُ تغري بردي الحنفي([23]).

وحين نصل إلى القرن الحادي والعشرين الميلادي نجد كاتباً يختلق من عنده شيئاً أعجب من الخيال وهو: ((وقيل إنه (أي هولاكو) أمر بسكب الذهب المصهور في فم ابن العَلْقَمِيّ))([24]) !!!!

وفضلاً عن أسطورية هذه الروايات، فإنها لا تفسِّر لنا وجود المغول في الأراضي العراقية قبل السنة التي افترض هؤلاء المؤرخون أن ابن العَلْقَمِيّ اتَّصل فيها بالمغول، ذلك أننا وجدناهم على حدود العراق سنة 618هـ، وظلوا يهاجمونه حتى سنوات قريبة من هجومهم النهائي سنة 656هـ. وقد شرحنا تفاصيل كل ذلك في كتابنا إعادة كتابة التأريخ، إسقاط الخلافة العباسية أنموذجاً الصادر عن دار الوسط في لندن سنة 2008م.

 

حين تحوَّلت الراقصة إلى قارئة للقرآن أو إلى طفل رضيع!!!

وهكذا فالروايات التأريخية هنا خاضعة للأمزجة الشخصية وبإمكان أي كاتب أن يفسِّر أو يضيف من عنده إلى الرواية ما يعتقد أنه سيكملها به أو يجمِّلها. ولا يفوتنا هنا أن نذكِّر بأمر الجارية عَرفة راقصة الخليفة المستعصم التي كانت ترقص بين يديه استقرار القوات المغولية في الجانب الكرخ من بغداد التي ذكرنا قصتها في الحلقة السابقة على صفحات هذا الموقع وكيف أن سهماً أطلقه المغول من هذا الجانب أدى إلى مقتلها؛ فلم يعجب البعض أن يكون خليفة المسلمين عابثاً منشغلاً بالرقص بينما كان جيشه يخوض معركة مصيرية مع المغول هُزم فيها هزيمةً مُرَّة، فبادَرَ ــ صيانة لماء وجه الخليفة ــ إلى القول إن الخليفة كان يقرأ القرآن، بدل أن يكون مسترخياً يشاهد وصلةً من الرقص الشرقي. واستبدل الراقصة التي بين يديه بإحدى بناته، وإن الدماء التي سالت من بدنها خَطَّت موعظةً عظيمةً على الأرض، وسيكون مقتلُها ــ كما يرى المؤرخ السبكي ــ السببَ في قبول الخليفة بمقترح الوزير بالخروج إلى المغول، قال السُّبْكيّ الشافعي: ((ولقد حُكِيَ أن الخليفة كان قاعداً يقرأ القرآن وقتَ الإحاطة بسور بغداد، فرمى شخصٌ من التتار بسهم فدخل من شرفات المكان الذي كان فيه، وكانت واحدة من بناته بين يديه، فأصابها السهمُ فوقعت ميتة.

 ويقال كَتَبَ الدمُ الذي سالَ على الأرض: إذا أراد اللهُ أمراً سَلَبَ ذوي العقول عقولَهم؛ وإنَّ الخليفة قرأ ذلك وبكى. وإنَّ هذا هو الحاملُ على أن أطاعَ الوزيرَ في الخروج إليهم))([25]) !!!!!!

وحوَّل الكاتبُ العراقي المعاصر الأستاذ عبد عون الروضان، هذه الراقصةَ إلى طفلٍ رضيعٍ دَعَت عاطفةُ الأبوَّةِ الخليفةَ إلى إغلاق الأبواب بالخشب، فقال:

 ((ولم يكن لدى الخليفة ما يدفع به ذلك السيل [المغولي]الجارف واكتفى بإقفال الأبواب، ويُقال إنه كان له طفل رضيع، فمَرَقَ سهمٌ من سهام جند هولاكو إلى الغرفة التي كان بها الرضيع فخافَ عليه المستعصم وأمر النجَّارين بإغلاق النوافذ بألواح الخشب))([26]) !!!!!!.

 ولم أتمكن على طول البحث والاستقصاء سنوات طويلة في وقائع الغزو المغولي أن أجد في المصادر التأريخية التي بين يدي ــ على وفرتها ــ قصة الطفل الرضيع الذي كان نائماً في غرفة الخليفة التي ذكرها الأستاذ الروضان. كما لم أجد قصة سكب الذهب المصهور في فم ابن العَلْقَمِيّ (!!!) التي ذكرها الكاتب السوري نصر الدين البحرة.

 



([1]) مجهول، كتاب الحوادث، 227.

([2]) كما يقول الأديب صدر الدين البصري (ت 659هـ)، في أول كتابه الحماسة البصرية، ص 1؛ وهو ما كتبته أيضاً والدةُ المستعصم بالله في وقفية أحد الكتب (كوركيس عواد، خزائن الكتب القديمة، 173).

([3]) ابن المغيزل، ذيل مفرج الكروب، 42.

([4]) انظر تفاصيل ذلك في كتابنا إعادة كتابة التأريخ.

([5]) ابن واصل، مفرج الكروب، 6/215؛ اليونيني، ذيل مرآة الزمان، 1/87؛ الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/34، العبر في خبر من غبر، 5/225، وفيه: ((أرسل أخاه ومملوكه))؛  ابن شاكر، عيون التواريخ، 20/132.

([6]) الغامدي، سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والاتهام، 214، 215.

([7]) ابن شاكر، فوات الوفيات، 2/258.

([8]) الصفدي، الوافي بالوفيات، 1/152.

([9]) هذا هو رأي السُّبْكيّ الذي جاء به من عِنده، وقد أسلفنا في الحلقة الأولى أنَّ تلك الفتنة اندلعت بسبب حادثة جنائية هي مقتل أحد الشبان.

([10]) يفترض السُّبْكيُّ أن الرسول واحد، ورأينا آنفاً أنهما اثنان: غلامه وأخوه.

([11]) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 8/ 262 ــ 263، ويفترض السُّبْكيُّ أن الرسول واحد، ورأينا آنفاً أنهما اثنان: غلامه وأخوه.

([12]) ابن واصل، مفرج الكروب، 6/216. وقد نقل هذا الكلامَ جمعٌ من المؤرخين اللاحقين بتمامه أو باختصار، ومنهم: اليونيني في ذيل مرآة الزمان، 1/88؛ الذهبي في تأريخ الإسلام، 48/35 ــ 36، وفي سير أعلام النبلاء، 23/181، 183، العبر في خبر من غبر، 5/226؛ اليافعي في مرآة الجنان، 4/138؛ القلقشندي في مآثر الإنافة، 2/91؛ ابن سباط في صدق الأخبار، 1/375؛ القرماني في أخبار الدول، 2/196.  

([13]) الزَّنْجانيّ: محمود بن أحمد قاضي القضاة. تُرجم في جميع كتب طبقات الفقهاء والعلماء الشافعية.

([14]) تُرجم في كتاب الحوادث 396، وفيه: ((القاضي فخر الدين عبد الله بن عبد الجليل الطهراني الرازي الحنفي، استنابه أقضى القضاة نظام الدين البندنيجي في القضاء، وفوَّض إليه أمر الحسبة ببغداد)).

([15]) ابن الفُوَطِيّ، تلخيص مجمع الآداب، 4(3)/195 (ط جواد)، وفي 3/38 (ط الكاظم). 

([16]) انظر ص 57 من رسالتها المعنونة الحياة الاجتماعية في بغداد من بداية القرن السادس الهجري حتى سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م. والرسالة مقدمة إلى قسم الدراسات العليا التأريخية والحضارية لكلية الشريعة بجامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية سنة 1427هـ/2006م. وعبارتها ((كونه رافضي)) هكذا وردت في الأصل، وصوابها ((كونه رافضياً)).

([17]) هو المبارك بن يحيى بن المبارك المخرِّمي الحنبلي، توفي سنة 664هـ ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل.

([18]) الخوري، سليم بن جبرائيل بن حنا، وسليم بن ميخائيل بن شحادة، آثار الأدهار (القسم التأريخي)، 343 ــ 344.

([19]) مجهول، مختصر أخبار الخلفاء، 128 ــ 129. انظر رواية أخرى عن إسلام هولاكو في رسالة ((قندية))، 125. 

([20]) على حد تعبير منهاج سراج في طبقات ناصري، 2/200.

([21]) النويري، نهاية الأرب، 27/258.

([22]) بيبرس الدوادار، زبدة الفكرة، 38؛ واقتبسه العيني في عقد الجمان (648 ــ 664هـ)، 120.

([23]) ابن دقماق، نزهة الأنام، 240؛ القلقشندي، صبح الأعشى، 3/296؛ ابن تغري بردي، الدليل الشافي على المنهل الصافي، 2/683.

([24]) هو الكاتب نصر الدين البحرة في مقالة له بعنوان ((يريدوننا بلا عقل))، في صحيفة تشرين الدمشقية، العدد الصادر في1 محرم 1424هـ المصادف 4/3/2003م. 

([25]) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 8/272.

([26]) ابن الجنيد، المستعصم بالله العباسي، 187، نقلاً من موسوعة تأريخ العرب لعبد عون الروضان. 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الفاضل يوسف الهادي:
السلام عليكم و رحمة الله
بحث رائع ...
بارك الله بقلمكَ الشريف، و أنتَ تحطّم بمطرقة الحقّ ركام أكاذيبهم.
تقديري و دعائي لكم بالتوفيق.

عمّار المطّلبي
This comment was minimized by the moderator on the site

لا أظن أن هناك من يستطيع تزييف التاريخ مثل الكاتب يوسف مطلقاً، فهو أغفل حقيقة لا تقبل النقض أن هولاكو عهد إلى ابن العلقمي بحكم بغداد، ولم يناقش ذلك، بل ناقش روايات منتقاة

محمد إبراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

بحث جميل
انصح الاخ محمد ابراهيم بقراءة البحث كاملا وبتجرد ليعرف من زيف التاريخ ودلس

موسى
This comment was minimized by the moderator on the site

يا اخي الم ياتي في الحياة الحاضرة 2003 احمد الجلبي واذنابه خلف الدبابات الامريكية ليدمروا حاضرة الدنيا وهم لايستطيعون زحزحة اقدام صدام قيد انملة

اسد حميد
This comment was minimized by the moderator on the site

حقيقة , ما تفضلت به يثبت ان العقل العربي واسلوب تفكيره لا زال واحدا لم يتغير من زمن العباسيين والى الآن.

جبار الشمري
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل يوسف الهادي, بدءا تقبل تقديري لمجهودكم الكريم في استخراج الحقائق المخفية من التاريخ بواسطة مؤرخين غير امينين غيروا الحقائق(اما طمعا او خوفا من حكام تلك الفترات حتى الآن) . المؤسف اننا نرى حتى في زماننا هذا كتاب يصرون على هذا التاريخ المزيف بل ويزيدون في تزييفه امعانا في طمس الحقائق وغسل عقول الاجيال خدمة للفرقة والخلاف , ومن هنا تأتي اهمية البحوث الجادة في استخراج ما تم طمسه على مدى القرون الماضية مثل بحثكم تنويرا للعقول. وفقكم الله

جبار الشمري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2476 المصادف: 2013-06-16 08:48:46