 دراسات وبحوث

أوهام العشق في مقتل بن أبي طالب (1 و2 و3 و4)

chaleb al shabanderالمشكلة: نقرأ في كامل إبن الأثير (وفي هذه السنة ــ سنة 40 للهجرة ــ قُتِل علي بن أبي طالب في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وقيل: لثلاث عشرة بقيت منه، وقيل: في شهر ربيع الآخر سنة أربعين، والأول أصح)1

ومهما يكن فإن عليا قُتِل غيلة، وهناك روايتان تتحدث عن دواعي ومجريات وأساب الإغتيال، الأولى: إن ثلاثة من الخوارج هم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله، وعمر بن بكر التميمي اجتمعوا في مكّة وأتفقوا على أن يريحوا المسلمين ممّا هم فيه من فوضى وقتل وخراب ــ على حد رأيهم ــ فقرّروا (قتل أئمة الضلال الثلاث)، أي علي ومعاوية وعمربن العاص، وكان الإتفاق أن تجري عمليات الاغتيال ساعة الخروج من صلاة الفجر، وافترق الثلاثة على عهد وقسم، أمّا معاوية فقد نجى من الضربة القاتلة، فقد أصابه الهادف في فخذه،وأمّا عمرو بن ا لعاص فلم يخرج يومها للصلاة، وكان الوعيد صادقا مع علي عليه السلام، حيث لقي حتفه في المسجد على أختلاف في التفصيل، وتذكر رواية أخرى، إن عبد الرحمن بن ملجم إنساق إلى قتل علي بسبب وقوعه في حب إمرأة، تسمّى (قطام)، وقد وعدته بالزواج منه إذا قتل عليا إنتقاما لأبيها وأخيها اللذين قُتِلا في معركة النهروان، والغريب أن أبا مخنف يروي كلا الروايتين (2)، ممّا قد يفيد بانه لايقطع بأحدهما على وجه الخصوص، ولكن ا لطبري يروي بإسناده عن (اسماعيل بن راشد) كلا الروايتين مندمجتين، أي في رواية واحدة (3).

لقد روي مقتل علي صاحب الامامة والسياسة (ت 276) والدينوري صاحب الأخبار الطوال (ت 282)، والبلاذري في أنساب الاشراف (ت 279)، واليعقوبي في تاريخه (ت 292)، والطبري (ت 341) والمسعودي (ت 345 أو 346)،

كذلك رواها صاحب الطبقات ابن سعد . وأبو الفرج الاصفهاني (ت 356)،.

الرواية الأهم هي رواية الطبري بسبب الإسناد، ولذا سوف نعالج هذه الرواية قبل غيرها، ثم نعرج على محاكمة النصوص الاخرى، وسوف نخصص قراءة خاصة للمصادر الشيعية .

لقد أختلفت أراء المؤرخين المحدّثين أزاء الروايتين، فقد رفض فيلب حتي وفلهاوزن قصّة (قطام) دون رفض أصل لمؤامرة، أو المؤازرة، فيما يرى آخرون أن المؤامرة الثلاثية مستبعدة لأنّ (مافيها من تآمر وسريّة لا تتفق مع أخلاق الخوارج ومذهبهم) (4)، حيث يرجّح رواية (قطام)، ويرى كاتب آخر، إن الأشعث بين قيس الكندي كان ضالعا في المؤامرة، أي مؤامرة قتل علي عليه السلام، ويستند في ذلك إلى رواية أبي الفرج في كتابه (المقاتل)، حيث يروي ان ابن ملجم عندما ضرب عليا هتف الاشعث (النجاء ... النجا ء) (5)، أي أنج بنفسك . والحق أ ن الأشعث هذا كان من المندسّين في جيش علي (6)، ويرى طه حسين أنه ـ الأشعث ـ كان على علاقة بعمرو بن العاص في قضيّة التحكيم (7)، ومع ذلك فإن الأدلة على إ شتراكه ضعيفة، ويذهب عباس صالح إلى أن قتل علي مؤامرة دبرّها معاوية بن أبي سفيان (8)، ولكن لم يوضّح صاحب الراي معالم التدبر والتنفيذ، كما أن الرواية التي تقول بالمؤامرة الثلاثية لا تساعد على قبول هذا الراي .

وفي الواقع: إن قصّة (قطام) من العسير قبولها، وأما رأي بعض المحدَثين القاضي باستبعاد الاحتمال الثاني، لأن فكر الخوارج وطريقتهم لا تنسجمان مع هذا اللون من التفكير، فإن عدم قبوله هو الآخر يوجد ما يساعد عليه، ذلك إن هذا الإستبعاد صحيح إذا كانت لغة المؤامرة معقّدة، وذات خيوط وقوانين، وهي هنا مؤامرة ليست بالمعنى الاصطلاحي المتشابك كما نفهمه اليوم، ومهما يكن من أمر، فإن هذا الغموض التاريخي في كيفية قتل علي عليه السلام، من المسائل التي تدعو إلى الدهشة،إذ كيف يخفى مثل ذلك.

 

رواية الطبري

يروي الطبري قصة إغتيال علي عليه السلام بسند (حدّثني موسى بن عثمان بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدّثنا عبد الرحمن الحرّاني أبو عبد ا لله، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد، قال ...) (9) .

رواية الطبري عن إسماعيل بن راشد طويلة متشعبة، تتحدث عن لقاء الثلاثة المذكورين، واتفاقهم على قتل كل من علي ومعاوية وعمرو بن العاص، بعد أن أستعرضوا حال المسلمين، ودور هؤلاء الثلاثة في تمزيق المجتمع الإسلامي، ونشر الفوضى، وكان مذهبهم خارجي متشدّد.

يذكر قصة (قطام) فيما بعد، فالتقت رغبته العقدية برغبته الجسدية، ليقرر قتل علي عليه السلام ! فهو الخارجي العاشق، فإذن نحن بين يدي سبب مركب، بعضه يتصل بالفكر والآخر يتصل بالغريزة، وتؤكد المصادر التاريخية إن عبد الرحمن بن ملجم كان رجلا من رجالات العرب، لم يكن إنسانا عاديا، فهو من فرسان العرب المعروفين، كان قد أدرك الجاهلية، وقد شهد فتح مصر، وكان من شيعة علي عليه السلام، وخرج عليه في صفين .

يبدا الطبري روايته الطويلة باجتماع الثلاثة في مكّة وإمضائهم العزم على قتل علي عليه السلام ومعاوية وعمر بن العاص، وكان إجتماعا يكشف عن إيمان بقضية، وليس إجتماع بطر، فقد تذاكروا ما حل بـ (إخوانهم) في (النهروان)، وكان ممّا قالوا (ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا !) (10) . هناك لغة الثأر أيضا (وثأرنا بهم إخواننا)، أي الثأر لأهل النهروان .

يروي الطبري (فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة، وكأتمهم أمره، كراهة أن يظهروا شيئا من أمره، فإنه راي ذات يوم أصحابا من كسم الرّباب ـ وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة ـ فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك إمرأة من تيم الرباب يقال لها: قطام أبنة الشِّجنة ـ وقد قتل أباها واخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال ــ فلما رآها التبست عقله، ونسي حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف عبد وقينة، وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني ! قالت: بلى، التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قُتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينة أ هلا، قال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلاّ قتل علي ...) (11)

تتحرك الرواية خطوات سريعة، هناك تسارع دراماتيكي لتوفير أسباب الا غتيال، تبدأ عقدية، وتتوسط ثأرية، ثم تنتهي أروتيكية !

تجتمع كل هذه الأسباب ليقرر عبد الرحمن قتل علي عليه السلام، كانت النيّة مبيّتة، فهو عازم على ذلك مسبقا، ولكن ليس من شك أن رغوة الجسد هنا ساهمت في تعزيز النية، وإمضائها بلغة أكثر جدية .

تحتل قضية (قطام) فيما بعد جوهر الرواية، تسيطر على جسد الرواية بكثافة ملفتة للنظر، فلم تكتف بذلك، بل قررت أن تسند عبد الرحمن في هذه المهمة، فتزعم الرواية (قالت ـ قطام ــ: إني أطلب لك من يسند ظهرك، يساعدك على امرك، فبعثت على رجل من قومها من تيم الرباب، يقال له: وردان، فكلّمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع الناس يقال له: شبيب بن بَجرة، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب ...) (12).

هذه قطام لم ينته دورها بعد، يبد و إنها يجب أن تحضر في سيرورة العملية كلها، فقد حكِّمت في قتل علي بعد أن أصر وردان أن يقتلوا عليا بمن قتل من إخوانهم !

تقول الرواية (... فجاءوا قطام، وهي في المسجد الأعظم معتكفة، فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني ...) (13).

يأتي عبد الرحمن بن ملجم (قطام) ليلة القرار، فقد أمرتهم أن يأتوها ليلة القرار، فتقول الرواية: (... ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قٌتِل في صبيحتها علي سنة أ ربعين ــ فقال: هذه الليلة التي وا عدت فيها صاحبيّ أن يقتل كل منّأ صاحبه، فدعت لهم بالحرير، فعصبتهم به، و أخذوا أسيافهم، وجلسوا مقابل السدّة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شعيب بالسيف، فوقع السيف بعضادة الباب أ و الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف، وهرب وردان ...) (14) .

تستمر الرواية لتقول عن محمّد بن الحنفية (... قال: كنت والله إنّي لأصلي تلك الليلة التي ضُرِب فيها علي في المسجد الاعظم، في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريبا من السدَّة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسامون من أول الليل إلى آ خره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة الصلاة ! فما أدري أخرج من السدّة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا !، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفا، ثم رأيت ثانيا، ثم سمعت علي يقول: لا يفوتنكم الرجل ... فلم أبرح حتى ُأخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فد خلت فيمن دخل من الناس، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس، إن أنا متّ فاقتلوه كما قتلني ...) (15) .

 

ترى ماذا عن سند الرواية؟

الراوي أسماعيل بن را شد يروي مرسلا، فهو غير معاصر بطبيعة الحال للحادث، و(كان من حديث ابن ملجم وأصحابه ...)، ولكن من هو مصدر هذا الحديث مجهول لدينا .

الذي يهمني من الرواية قصّة (قطام)، فهي تتسيد جسد الرواية، فقد كانت من اسباب عملية الاغتيال، على مرحلتين، الاولى كونها معشوقة ابن ملجم في لحظات حاسمة من حياته كما يبدو، وقد كان العشق من طرف واحد هو ابن ملجم، وفي هذه المرحلة أمضت قطام شروطها على ابن ملجم كي توافق على زواجه منها، وكان منها: قتل علي ! والمرحلة الثانية هي تعصيبهم بالحرير لمّا أخبروها بعزمهم على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص .

وعليه لم يكن دور (قطام) عاديا، بل هو يدخل في صميم الحدث !

 

رواية ابن قتيبة

قال ابن قتيبة بعد ان يذكر اجتماع الثلاثة في مكّة (... فسار كل منهم في طريقه، فقدم ابن ملجم الكوفة، وكتم أمره،وتزوج أمرأة يُقال لها: قطام بنت علقمة، وكانت خارجية، وكان علي قد قتل أخاها في حرب الخوا رج، وتزوجها على أن يقتل عليا، فأقام عندها مدّة، فقالت له في بعض الأيام وهو مختف: لطالما أحببت المكث عند أهلك،وأضربت عن الامر الذي جئت بسببه، فقال: إن لي وقتا واعدت فيه أصحابي، وخرج علي لصلاة الصبح، صبيحة نهار الجملة ليلة عشر بقيت من رمضان سنة أربعين، فلما خرج للصلاة وثب عليه وقال: الحكم لله لا لك يا علي، وضربه على قرنه بالسيف، فقال علي: فزّت ورب الكعبة، ثم قال: لا يفتونكم الرجل، فشدّوا عليه فاخذوه) (16)

نقطة الضعف في الرواية أن كتاب (الإمامة والسياسة) مشكوك النسب لابن قتيبة، فضلا عن كونها رواية غير مسندة، على أن في الرواية ما يخالف ا لطبري صراحة، فابن ملجم كان قد تزوج من معشوقته، فيما نص الطبري وغيره أن القاتل قد قتل قصاصا ولم ينعم بلحظة واحدة بلقاء سريري واحد مع المعشوقة !

يسميها المصدر (قطام بنت علقمة)، فيما يسميها أخرون بصيغة أخرى وسوف نأتي على الاسم بشي من التوضيح بإذنه تبارك وتعالى .

تستمر الرواية لتقول: (روي عن الحسن أنه قال: أتيت أبي فقال لي: أرقت الليلة، ثم ملكتني عيني، فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله، ماذا لقيتُ من أمتك من الأود واللدود؟ فقال: أدع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيراَ لي منهم، وأبدلهم بي شرّا لهم مني، وخرج الى الصلاة فاعترضه ابن ملجم، وادخل ابن ملجم على علي بعد ضربه إياه، فقال: أطيبوا طعامه ...) (17)

نلتقي بعنصر جديد في هذه الرواية فيما يخص إغتيال علي عليه السلام، فقد كان إستجابة لدعاء دعا به الله تبارك وتعالى، هكذا علمه نبي الرحمة في رؤية، يبدو هذه الرؤية هي الأ خرى كان قد قدرّها الله سبحانه لإمضاء هذا الحدث الجلل !!

زواج ابن ملجم من (قطام) يرددها البلاذري أيضا، فيروي (عن المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: حجّ ناس من الخو ارج ... فقدم ابن ملجم الكوفة وجعل يكتم أمره، فتزوج من قطام بنت علقمة، وكان علي قد قتل أخاها، فأخبرها بأمره، وكان أ قام عندها ثلاث ليال، فقالت له في الليلة الثالثة: لشدّ ما أ حببت لزوم أهلك وبيتك، و أضربت عن الأمر الذي قدمت له ...)، وسنتاول رواية البلاذري في السطور التالية، فإن له رواية ثا نية .

 

رواية اليعقوبي

اليعقوبي يروي مقتل علي عليه السلام بإختصار شديد، حيث يغيب موضوع (قطام) بالمرّة، فهو يقول (وقدم عبد الرحمن بن ملجم المرادي الكوفة، لعشر بقين من شعبان سنة 40، فلمّا رأ ي عليا قدومه قال: وقد وافى؟ أ ما إنه ما بقي عليّ غيره، هذا أوانه، فنزل على الأشعث بن قيس الكندي . فأقام عنده شهرا يستحدّ سيفه، وكانوا ثلاثة نفر توجّهوا، فواحد منهم إلى معاوية بالشام، وأخر إلى عمرو ابن العاص بمصر، والأخر الى علي، وهو إبن ملجم ... وأمّأ عبد الر حمن بن ملجم فإنه وقف له عند المسجد، وخرج علي في ا لغلس، فتبعه إوزّ كنّ في الدار، فتعلّق بثوبه .فقال: صوائح تتبعها نوائح، وأدخل رأسه من باب خوخة المسجد . وضربه على رأسه، فسقط، وصاح: خذوه، فابتدره الناس . فجعل لا يقرب منه أحد إلاّ نفحه بسيفه) (18)

اليعقوبي لم يذكر مصدره، لقد إكتفى في بداية كتابه تسمية شيوخه، ولكن لم يسم شيوخه مباشرة في سرده الروائي، وهذه مشكلة كبيرة، ذلك أن شيوخه منهم من لم ترد به توثيقات مطمئنة، فهو مثلا يذكر ـ مثلا ـ وهب بن وهب، أبو البختري القاضي شيخا من شيوخه في الرواية عن جعفر بن محمّد وغيره من رجاله (19)، ولكن هذا الرجل غير موثوق عند بعضهم !

ومهما يكن من أ مر، فإننا نلتقي هنا بحدثين مهمين: ـ

الأول: هو قصّة الأُوز .

الثاني: كون ابن ملجم كان قد نزل على الأشعث بن قيس الكندي . وهذا الرجل من أعداء علي رغم كونه في جنده !

تشير بعض المصادر إلى الأشعث بطريقة أخرى، فهذا المسعودي وبعد أن يتطرق إلى إجتماع المتآمرين يذكر لنا: (وكان علي يخرج كل غداة للصلاة أول الأذان يوقظ الناس للصلاة، وقد كان ابن ملجم مرّ بالأشعث وهو في المسجد، فقال له: فضحك الصبح، فسمعها حجر بن عدي، فقال: قتلته يا أعور قتلك ا لله، وخرج علي رضي الله عنه ينادي: الصلاة، فشدّ عليه ابن ملجم وأصحابه، وهم يقولون: الحكم لله، لا لك ...) (20)

 

فهل هي مؤامرة مبيتة حقا؟

ربما تقترب الصورة أكثر فيما قرأنا رواية أبي فرج الأصفهاني أو بعض ما رواه عن مقتل أ مير المؤمنين عليه السلام، فهو يقول: (...عن أبي مخنف عن الاسود والاجلح أن ابن ملجم أتى إلى الأشعث بن قيس ـ لعنهما الله ـ في الليلة التي أرا د فيها بعليّ ما أراد، والاشعث في بعض نواحي المسجد، فسمع حجر بن عدي الأشعث يقول لابن ملجم: النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح، فقال له حجر: قتلته يا أعور، وخرج مبادرا إلى علي وأسرج دابته وسبقه ابن ملجم ـ لعنه الله ــ فضرب عليا ...) (21)

إن النص يكشف عن إتفاق بين ابن ملجم والاشعث، وإلا كيف عرف الأشعث أن بن ملجم كان يريد قتل علي عليه السلام، وكيف يستحثه العجلة؟ وكلمة (حجر) دليل قوي آخر هنا، ولكن يبقى أن نفحص سند الرواية، وسنأتي على ذلك لاحقا .

المبرد المتوفي سنة (285) للهجرة يشير إلى ذلك في كتابه (الكا مل) ولكن بصيغة المجهول (ويُروى أن عبد الرحمن بن ملجم بات تلك اللية عند الأشعث بن قيس بن معدي كرب، وإن حجر بن عديِّ سمع الأشعث يقول: النجاء النجاء فضحك الصبح ...) (22) .

كذلك اشارت رواية ا لبلاذري الى ذلك (قالوا: لم يزل ابن ملجم تلك الليلة عند الأشعث بن قيس يناجيه حتى قال له الاشعث: قم، فقد فضحك الصبح، وسمع ذلك من قوله حجر بن عدي الكندي، فلما قُتِل علي قال له حجر: يا أعور أنت قتلته / البلاذري ص 395)، وليس صعبا الجمع بين هذا الروايات، ولكن رواية البلاذري مرسلة !

 

رواية أبي الفرج الاصفهاني

أبو الفرج الاصفهاني تناول مقتل علي في كتابه المقاتل بشي من التفصيل، وقد أعتمدها كثيرا بن أبي حديد في شرحه على نهج البلاغة لامير المؤمنين عليه ا لسلام .

يروي أبو الفرج الاصفهاني:

[(1): حدّثني به / أي مقتل علي عليه السلام / أحمد بن عيسى العجلي العطار، قال: حدّثني الحسين بن نصر بن مز احم، قال: حدّثنا زيد بن المعدل النمري، قال " حدّثنا يحيي بن سعيد الجزار،، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد الله، عن جماعة من الرواة قد ثبت ما رووه في موا ضعه .

(2): وحدّثني أيضا بمقتله عليه السلام محمّد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثني موسى بن عبد الرحمان المسروقي، قال: حدّثنا إسماعيل بن راشد، ودخل حديثه في حديث من قدّمت ذكره .

(3): وحدّثنا ببعضه أحمد بن محمّد بن دلاّن الخيشي، وأحمد بن الجعد الوشاء، ومحمّد بن جرير الطبري،وجماعة غيرهم، قالوا: حدّثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدّثنا أبو إسامة قال: حدّثنا أبو حباب، قال حدّثنا أبو عون الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي حديثا، ذكر فيه مقتله، فأتيت منه في مواضعها من سياقة الاحاديث ...] (23) .

ولكن أبو الفرج ينبهنا إلى ملا حظة مهمة، فهو يقول (... وأكثر اللفظ في ذلك لأبي مخنف، إلاّ ما عسى أن يقع فيه خلاف فأبينه)

السند (1) مخدوش، ذلك أن فيه (عن جماعة من الرواة)، ولم نعلمهم، وفي سندها (نصر بن مزاحم) لم يوثق عند الشيعة، وعند السنة را فضي مسلّت ! فرفضوه، ورواية أسعد بن راشد مرسلة، ورواية أبي عبد الرحمن السلمي مطعونة به، فهو و إن ذّكر في أصحاب علي عليه السلام، ولكن بعض الرواة يطعن به (24) .

السند (2) مرسل على أقل تقدير، وفي السند: محمّد بن الحسين الأشناني، وهو محمّد بن الحسين بن حفص الخثعمي الأشناني الكوفي، لم يوثّق (معجم الخوئي 16 رقم 10562) .

السند (3) فيه أبو هاشم الرفاعي، وهو: (أبو هاشم محمّد بن يزيد بن محمّد بن كثير بن رفاعة) كما جاء في الأنساب للسمعاني (6 ص 143)، والرجل ضُعِّف عند جمع من الرجاليين، منهم البخاري حيث قال (رأيتهم مجمعين على ضعفه / مغني الذهبي رقم 6089)، وروي أنه (يسرق الحديث / رقم 6089)، ولكن صحح ما توبع عليه . وفي السند: ابن حباب، والصحيح هو ابو جناب، فهو الذي يروي عن أبي عون الثقفي، وقد ضعفه الرجاليون كما سيأتي ذكره لاحقا .

يروي أبو الفرج أيضا (حدّثني أحمد بن عيسى العجلي، قال: حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم، قال: حدَّثنا زيد بن المعدل، عن يحي بن شعيب، عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: كان ابن ملجم من مراد وعداده في كندة ...) ثم يستمر فيذكر قصّة لقائه بـ (قطام)، وما جرى بعد ذلك، يتطابق نقله مع رواية الطبري عن أسعد بن راشد .

ويصحح بعض الأقوال المنقولة بروايته عن أبو زهير العبسي ص 17،

ولكن لنقرأ شيئا عن أ بي مخنف ... فهو راو كبير، وقد إضطلع بنقل حادثة الطف، بل هو مصدر رئيسي لدى الطبري في روايته هذه الحادثة المأساوية الكبيرة .

أوهام العشق في مقتل علي بن أبي طالب

 

الحلقة الثانية

كان أبو الفرج قد أعتمد بشكل جوهري على أبي مخنف (يحي بن لوط) في روايته لقصة قطام، أو في روايته مقتل علي ومن ضمنها قضية قطام، ترى من هو هذا الرواي؟

ابو مخنف في التر اجم السنية

تتناول كتب الرجال السنية شخصية أبي مخنف بكثير من الشكوك بل الرفض المطلق، ففي لسان الميزان (لوط اين يحي أبو مخنف: إخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره، وقال الدار قطني ضعيف، وقال يحي بن معين ليس بثقة، وقال مرّة ليس بشيئ، وقال ابن عدي شيعي محترق صاحب أخبارهم ... وقال ابو عبيد الآجري سألت أبا حاتم عنه فنفض يده) (25) . وفي سير أعلام النبلاء (لوط ابن يحي، صاحب تصانيف وتواريخ، روى عن جابر الجُعفي، ومُجالد بن سعيد، وصقعب بن بن زهير، وطائفة من المجهولين ... قلتُ: توفي سنة سبع وخمسين ومئة سنة، وهو من بابة سيف بن عمر التميمي صاحب الردّة، وعبد الله بن عياش المنتوف، وعوانة بن الحكم) (26)

وهذه النماذج التي ذكرها الذهبي نماذج مرفوضة في علم الرجال السني، ولا تعدها من طبقة المحدِّثين، بل هي مسؤولة عن الإساءة الى التاريخ الإسلامي بسبب كذبهم وإفترائهم، وبالتالي، يعد أبو مخنف في نظر علماء الرجال السنة من الكوارث والمصائب !!

أبو مخنف في تقييم علم الرجال السني ضعيف بحد ذاته، ومن ثم يروي عن ضعفاء ومجهولين، فجابر الجعفي مثلا من الغلاة المتروك عند الشيعة، والمُتهم عند السنة، وكذك غيره ممّن يروي عنهم .

 

أبو مخنف في التراجم الشيعية

ترجمة أبي مخنف في ا لتراث الرجالي الشيعي تكاد تكون مضطربة، كذلك تقييم الرجل جاء في صيغة غير واضحة، فالشيخ الكشي جعله من أصحاب علي عليه ا لسلام والشيخين الجليلين الحسن وا لحسين، فيما يخطئه الشيخ الطوسي في ترجمته له رقم (585) ويقول (والصحيح: أن أباه كان من أصحاب علي عليه السلام، وهو لم يلقه ...)، ولكن الشيخ الطوسي يعده من أصحاب الامام الحسن تارة والحسين تارة أخرى والصادق تارة ثالثة.

وفيما يستبعد بعضهم أن يكون ابو مخنف من أصحاب الامام علي يستظهره بعضهم، ولا يرى فيه مستحيلا، ويستند هؤلاء إلى رواية هي: (... عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله،عن محمّد بن علي، عن أحمد بن عمرو بن سليمان البجلي، عن اسماعيل بن الحسن، عن ابن شعيب، عن ابن ميثم التمار، عن إبراهيم بن إسحق المدائني، عن رجل، عن أبي مخنف الازدي، قال: أتى أمير المؤمنين رهط من الشيعة ....) (27).

يستشهد بعضهم بهذه الرواية أو يستظهرإمكان لقاء أبي مخنف عليا عليه السلام، ولكن هذا الاستظهار يصطدم باكثر من عقبة، هي باختصار ما يلي: ــ

أولا: الرواية أصلا مرسلة .

ثانيا: قد لا يكون ابو مخنف قد نقل الروية مباشرة عن الامام علي، بل بواسطة محذوفة .

يروي أبو مخنف خطبة الزهراء بواسطتين كما يذكر السيد الخوئي، وبالتالي، من المستبعد أن يكون قد عاصر عليا عليه السلام .

يقول النجاشي لوط بن يحي بن سعيد بن مخنف بن سالم الازدي الغامدي أبو مخنف، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسْكَن إلى ما يرويه ...) (28 النجاشي رقم 875)، وهذا توثيق ضعيف، توثيق بالكاد كما يقولون، ولكن هل نطمئن إلى توثيقات النجاشي بلا نقاش؟ ترى كيف كان يوثق وما هي طريقته في التوثيق؟

جاء في خلاصة العلامة الحلي: (لوط بن يحي بن سعيد بن مخنف بن مسلم الأزدي الغامدي ... أبو مخنف رحمه الله شيخ أصحاب الأخبار ووجههم، وكان يسكن إلى ما يرويه، روي عن جعفر بن محمّد عليه السلام ... وقيل: روى عن أبي جعفر عليه السلام ولم يصح، وقال الشيخ الطوسي والكشي رحمهما الله:أنه من أصحاب أمير المؤمنين والظاهر خلافه، أمّا أبوه يحي فإنه من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، فلعل قول الشيخ والكشي إشارة إلى الأب والله أعلم ...)، لكن الطوسي هو الذي نفى أن يكون من أصحاب علي عليه السلام ردا على الكشي !!

هذه المفارقة تكشف لنا ضرورة التدقيق في النصوص المنقولة، وتقييم (الحلي) متأخر كما هو معلوم، وهو ينقل عين تقييم النجاشي .

يصر رجالي شيعي على (إماميّة) أبو مخنف، ردا على كلام لصاحب نهج البلاغة حيث أنكر أ ن يكون كذلك، وذهب إلى أن الرجل ممن يقول بالامامة بالاختيار وليس بالنص .

يقول المامقاني: [ لا ينبغي التأمل في كونه إماميا كما صرح به جماعة، وإنكار ابن أبي الحديد ذلك لقوله (وأبومخنف من المحدثين وممّن يرى صحة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة، ولا معدودا من رجالها) من الخرافات، كيف وفي القاموس في خنف (أبو مخنف أخباري شيعي مؤلف متروك) والعجب العجاب أن ابن أبي حديد نطق ... بعد أن روى أشعارا في أن عليا وصى رسول الله صلى الله عليه وأله وقال (ذكر هذه الاشعار والاراجيز باجمعها أبومخنف في كتابه وقعة الجمل) ](29) .

هذا النص مرتبك إلى حد ما، فهو لم يميز بين الشيعي والامامي، فإن كل إمامي شيعي ولكن ليس كل شيعي أماميا كما هو وا ضح، ومن هنا قول ابي مخنف في مصنفه عن (وقعة الجمل) من أن عليا وصي النبي الكريم ربما ينسجم مع ا لقول الشيعي بشكل عام، وليس مع القول الشيعي الإمامي على وجه الخصوص .

والد لوط بن يحي، اي يحي بن سعيد احد شيوخ الطبري في الرواية، يروي عن سيف بن عمر، وعنه سعيد بن المسيب، ولم يوثق في الترا ث الرجالي الشيعي (30 المعجم رقم 13516)، وهو حسب كلام الشيخ الطوسي من أصحاب الامام علي عليه السلام، وهو في الوقت نفسه أحد شيوخ ابي مخنف نفسه كما في رواية الطبري .

العائلة التي ينتمي إليها لوط بن يحي شيعية، فإن أباه من أصحاب الامام علي كما يقول الطوسي، وعم ابيه المسمّى محمد بن مخنف كان في معركة صفين في جيش علي عليه السلام، ففي الطبري نقرا (قال أبو مخنف: وحدّثني أبي يحي بن سعيد، عن عمِّه محمد بن مخنف، قال: كنت مع أبي مخنف / وهو الجد الاكبر لأبي مخنف يحي بن لوط / ... وأنا بن سبع عشر سنة / وهذ ا يعني ان ولادته كانت سنة عشرين للهجرة / ولست في عطاء ...)(31الطبري جزء 5 ص 608 طبع دار الفكر) . ولكن لا يعني ذلك أن والده يحي كان إماميا، ولا شيعيا بالمعنى الذي ينصرف إلى أحقية علي بالخلافة بعد النبي مباشرة، فإن هذاا لمعنى كان متاخرا، وإذا كان له معنى وحضور في زمن أبي مخنف نفسه، فهو ليس له ذلك الحضور في زمن أبيه وعم أ بيه، فشيعة علي في ذلك الوقت تعني مناصرته ومشايعته في قبال معاوية بن أبي سفيان ليس إلاّ .

لقد تعامل كل من أبن حديد والمامقاني مع المصطلحات ببيئتها الجديدة، البيئة التي تشكلت فيها بعد فترة زمنية ليست قصيرة بين مقتل الحسين وزمن الرواية، رواية أبي مخنف أقصد . فإن مصطلحات مثل (شيعي) و (إمامي) بحمولتها العقدية تأسست مؤخرا كما هو معلوم.

 

أبو مخنف ... راوية الطف

لقد روى أبو مخنف يحي بن لوط فاجعة الطف، وقد نص برواية فاضحة على تبرئة يزيد بن معاوية من دم الحسين بن علي ! ففي الطبري (قال أبو مخنف: حدّثني الصقب بن زهير، عن القاسم بن عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية، قال: لما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد، رأس الحسين وأهل بيته، قال يزيد ... أما والله يا حسين، لو أنا صاحبك ما قتلتك ...) (32 الطبري 6 ص 392)، وفي رواية أخرى (قال أبو مخنف،عن الحارث بن كعب،عن فاطمة بنت علي، قالت: لمّا أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رقَّ لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا ... وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلاّ دعا علي بن الحسين إليه ...) (32 المصدر ص 393)، ويستمر ابو مخنف بتلطيف الموقف من يزيد بن معاوية، فيدعي أنه دعا يوما عمر بن الحسن بن علي بن أ بي طالب ليبارز أبنه خالد، تلطفا منه، وقد أمتد ح عمر بن الحسن مدحا معتدا به، ويختم بالقول أن يزيد قال للامام علي بن الحسين السجاد (... لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صا حبه ما سألني خصلة أبدا إلاّ أعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ...) (33 نفس المصدر)، فأبو مخنف هنا يروي عن مولى ليزيد بن معاوية، ويروي ما يبرئ الرجل من قتل الحسين وسبي اهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ولكن ربما يُقال أن الكذب ليس من أبي مخنف وإنما من و اسطته، وهذا بحد ذاته يجعلنا نحذر من روايات ابي مخنف، لأنه يروي عن أخرين مشكوك فيهم، أ و تحوم حولهم شبه الميل لبني أمية.

هذا والرجل يروي كثيرا عن مجهولين وضعاف، وأتمنى أن افرد بحثا كاملا عن شيوخه بروايته عنهم، وذلك يتطلب موضعاً آخر .

 

علامة مهمة

من المعالم المهمة في نشاط أبي مخنف هو هيامه بتوريخ المقاتل، كان خصيصا، فقد كتب مقتل علي، ومقتل الحسن، ومقتل حجر بن عدي، ومقتل الحسن، ومقتل ابن الاشعث، وغيرها من المقاتل، الامر الذي يدلل على شغف ابي مخنف بتوريخ المقاتل . وليس شرطا أن ذلك يجعله أكثر دقة وحذرا في الرواية التي تتصل بالمقاتل، بل ربما العكس، حيث يميل إلى المبالغات والاهوال، وإضفاء صبغة تراجيدية على الحدث، والإرتكان إلى الخيال أكثر من الو اقع، أو تزيين الواقع بالخيال .

 

رواية الدينوري

جاء في الأخبار الطوال للدينوري المتوفي سنة (282) للهجرة (قالوا: أجتمع في العام / أي سنة 40 للهجرة، 660 ميلادي / الذي قُتل فيه علي رضي الله عنه بالموسم عبد الرحمن بن ملجم ... فقال ابن ملجم: عليّ قتل علي ... وأقبل عبد الرحمن بن ملجم حتى قدم الكوفة، فخطب قطام ابنتها الرّباب، وكانت قطام ترى رأي الخوارج، وقد كان علي قتل أباها وأخاها يوم النهر، فقالت لابن ملجم:لا أزوجك إلاّ على ثلاث آلاف درهم، وقيْنة، وقتل علي بن أبي طالب . فا عطاها ذلك وأملكها ...) (34 الاخبار الطوال ص 215)، وهما قيل عن دقة المصنف في ترتيب مادّته التاريخية وتبويبها فإن مشكلته الجوهرية هي مصادره، فإن هذه المصادر التي يرجع إليها كلها ضاعت !! وذلك مثل كتاب الأنساب لابن الكيِّس النمري، وكتاب الملوك، و اخبار الماضي لعبيد بن الشريّة الجرهمي، الذي استقدمه معاوية بن أبي سفيان ليدوّن له التاريخ في كتاب (35، من مقدمة الكتاب حرف ق) .

ولقد حرص الدينوري على ذكر مصادره ولكن (لا يورد السند كاملا، وإنما يذكر ... قال نعيم .. وقال الهيثم ... وقال اسماعيل ... وقال الكلبي ... وقال الاصمعي ... وقال القعقاع الظفري ... وأحيانا يكتفي بلفظ ... قال ... أو بنحو منه، و إذا نحن أ حصينا هذه المصادر فإن عدّتها تبلغ واحدا وعشرين مصدرا ...) (36 المقدمة حرف ر) .

يروي الدينوري قصة قطام مصدرا أياها بـ (قالوا ...)، وهذه صيغة من الصعب الركون الى ما بعدها من سرد خاصة في قضايا تهم صميم التاريخ .

 

رواية البلاذري

يروي البلاذري وهو من أعلام القرن الثالث مقتل الإمام عليه السلام عن المدائني، عن مسلمة بن محارب،عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، وفي الرواية (... فقدم ابن ملجم الكوفة، وجعل يكتم أمره، فتزوّج قطام بنت علقمة من تيم الرّباب ـ وكان علي قتل أ خاها ــ فأخبرها بأمره، وكان أقام عندها ثلاث ليال، فقالت له ا لليلة الثاثلة: لشّد ما أحببت لزوم أهلك وبيتك وأضربت عن الأمر الذي أقدمت له !! فقال: إن لي وقتا واعدت عليه أصحابي ولن أ جاوزه،ثم أنه قعد لعليّ فقتله ... فقال علي حين وقع به السيف: فزتُ وربِّ الكعبة ...) (37، أنساب الاشراف ص 390) .

البلاذري هنا يذكر أن ابن ملجم تزوج من معشوقته قطام فعلا، فيما المشهور او في مصادر أخرى أ ن هذا الزواج لم يتم، كان مشروطا بقتل علي، وقد قتل علي عليه السلا م علي يد ابن ملجم، وقُتِل ابن ملجم بسبب ذلك، ولم يتم الوصال بين العاشق والمعشوقة، فهل هي مهارة المصنف التي تحيد بالخبر عن التناقض المنطقي؟ فإن اشتراط الزواج بقتل علي قد يكون شرطا بائسا، فمن يدري ابن ملجم انه سوف ينجح بعملية القتل هذه؟ أو ينجو من نتائجها الخطيرة؟ ليس البلاذري وحده أشار إلى أن ابن ملجم تزوج من قطام قبل عملية القتل، بل غيره ايضا .

إن الشرط هنا يغيب، يختفي، وهو إختفاء يقره المنطق تقريبا، أ و منطق الاشياء على أ قل تقدير، ولكن هل الشعبي مرفوض رجاليا عند الشيعة بقدر ما هو مقبول عن السنة . .

يروي كذلك (وحدّثني زهير بن حرب أو خيثمة، حدّثنا وهيب بن جرير، حدّثنا ابن جعدية، عن صالح بن كيسان، قال: مكتث معاوية بالشام وعلي بالعراق، وعمرو بن العاص بمصر ... ثم أن نفرا اجتمعوا على أن يعدوا عليهم في ساعة و احدة فيقتلوهم ليريحوا الامة منهم ...) (38 البلاذري ص 390) ويسرد ا لمقتلة ولم يذكر قصة قطام !

الرواية مرسلة فإن صالح بن كيسان من الطبقة الر ابعة !

يروي كذلك عن أبي مخنف التي سبق وأن عالجنا بعض جوانبها في رواية ابي الفرج الاصفهاني، فلا ضرورة لإعادة المعالجة.

 

رواية ابن سعد

يلتزم ابن سعد بالرواية العامة، فيذكر قصّة فطام، ولكن روايته مرسلة (قالوا: انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المراديّ، وهو من حمير، وعداده من مراد، وهو حليف بني جبلة من كندة ... وقال بن ملجم: أنا لكم بعليّ بن أبي طا لب ... فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكا تمهم ... وكان يزورهم ويزورونه، فزار يوما نفراً من تيم الرّباب فرأي أمرأة منهم يقال لها قطام بنت شجنة بن عدي بن عامر بن عوف ... وكان علي قتل أباها وأخاها يوم النهروان فاعجبته فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تُسمِّي لي، فقال: لا تسأليني شيئا إلاّ أعطيتك، فقالت: ثلاثة ألاف وقتل علي بن أبي طالب، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلاّ قتل علي بن ابي طالب، وقد آتيتك ما سألتِ، ولقي عبد الرحمن بن ملجم شبيب بن بجرة لأشجعي فاعلمه ما يريد ودعاه إلى أن يكون معه، فأجابه إلى ذلك، وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده، حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الاشعث: فضحك الصبح فقم ...) (39 الطبقات 3 ص 36) .

إذا كانت رواية ا بن سعد هذه مرسلة كما جاءت في مصنفه، فإنه درج فيها أكثر ما روي في الحدث، وربما لذلك صدّر رواتيه بـ (قالوا ...)، فهو يعلن عدم مسؤوليته الكاملة كما يبدو عما يروي هنا .

 

الحلقة الثالثة

الرواية الشيعية

الرواية في بحار الانوار

جمع صاحب بحار الا نوار الروايات الشيعية عن كيفية مقتل الإمام عليه ا لسلام، معتمدا على المصادر الروائية الشيعية، مثل مناقب آل أبي طالب والكافي والإرشاد وإعلام الورى وغيرها، جمعها تحت باب بعنوان (باب كيفية شهادته عليه السلام ووصيته وغسله والصلاة عليه ودفنه)، وذلك في شكل الجزء (42) من الطبعة الحديثة .

تناول الشيخ أصفي محسني الباب معلقا (... فيه روايات كثيرة متنوّعة لعلها تبلغ الثمانين أو أكثر، والمعتبرة منها سندا قليلة كالمذكورة برقم 13 ورقم 51، فلابد من الأخذ بمشتركاتها) (40 مشرعة البحار 1 ص 130)

الروايات الشيعية هنا تركز بشكل ملحوظ على الغيبيات في المقتل، إنباء النبي عن مقتله، وإنباء النبي عن الذي سوف يقتله، كذلك عن إنباءه هو عليه السلام عن ذلك !

تقول الرواية الشيعية (قبض صلوات عليه قتيلا في مسجد الكوفة ... على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي ... وقد عاونه وردان بن مجالد من تميم الرّباب، وشبيب بن بجرة والأشعب بن قيس وقطام بنت الأخصر) (41 البحار 42 ص 199 نقلا عن منا قب أبي طالب) .

في اعتقادي هذا نص جيد، لانه تحاشى ما يثير الا ستفهامات الكبيرة وعلى رأسها قضية قطام، ولقد هرب المؤرخ او الروا ئي هنا من سرد قصتها، وأشار إليها في سياق الذين عاونوا ابن ملجم، فهل كان ذلك لشكه حقا بقصة قطام؟

نقرا عن خبر المقتل في أمالي الشيخ المفيد كما ينقل صاحب البحار (بإسناد أخي دعبل،عن الرضا، عن آبائه،عن علي بن الحسين عليه السلام قال: لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين عليه السلام كان معه آخر، فوقعت الضربة على الحائط، وأمّا ابن ملجم فوقعت الضربة وهو ساجد على رأسه) واخي دعبل هذه مجهول !

نقرا في البحار نقلا عن الكافي (العدّة، عن سهل، عن ابن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب عليّ بن يقطين، عمّن ذكره،عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمين عليه السلام وابنته جعدة سمّت الحسن عليه السلام، ومحمّد ابنه شرك في دم الحسين) (42 البحار 42 ص 228)، والرواية ضعيفة بـ (عمّن ذكره) .

نقرا في البحار نقلا عن إرشاد المفيد كلاما طويلا عن مقتل علي عليه السلام، رواية عن اهل السير حسب نصه منهم أبو مخنف واسماعيل بن راشد ابو هاشم الرفاعي وابو عمرو الثقفي وغيرهم، ويسترسل بما قالوا حرفيا الى حد كبير ! ولكن تذكر المصادر الشيعية أن قطام هي قطام بنت الأخضر ! ولا تغفل الإشارة إلى الاشعث بشكل ملفت للنظر .

يروي الشيخ المجلسي عن كتب سمّاها بالكتب القديمة قصة المقتل وقد فصّل فيها موضوعة المقتل على نحو غير الذي قراناه في المصادر السابقة (... قال روى أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمّد البكري، عن لوط بن يحي، عن أشياخه وأسلافه قالوا: لمّا توفي عثمان ...) ثم يسرد حديثا طويلا عن دور عبد ا لرحمن بن ملجم في الدعوة لعلي ومبايعته والحرب معه وكان ممّا خاطب به عليا (... السلام عليك يا أيها الإمام العادل، والبدر التمام، والليث الهمام، والبطل الضرغام ...)، ويشير السرد إلى أن ابن ملجم كان قد أبدى كل استعداده للقتال مع علي، لا تهمه الخطوب ولا الحروب، فدائي من الطراز الرفيع بين يدي علي، فاستحسن علي كلام عبد ا لرحمن بن ملجم، فلما ساله عن اسمه وعشيرته، قال علي (إنّا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ...)، وتستمر الرواية تقول (وجعل أمير المؤمنين يكرّر النظر إليه ويضرب إحدى يديه على الاخرى، ويسترجع ثم يقول له: ويحك يا مرادي !) ثم يستمر السرد ليروي أ ن عليا عليه السلام انشده شعرا ينبئه به أنه سوف يقتله ! ثم يساله (هل لك داية يهودية فكانت إذا بكيت تضربك وتلطم جبينك، وتقول لك: أ سكت فإنك أشقى من عاقر ناقة صالح ... يغضب الله عليك ويكون مصيرك إلى النار؟ فقال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين ...)، ويستمر بالسرد راويا عن هذه الكتب القديمة بأن عبد الرحمن بن ملجم كان قد قال لعلي، إذا كان ذلك يحصل مني فاقتلني يا امير المؤمنين ! وكانت الشيعة قد علمت بذلك، فنهض بعضهم لقتله فقال لهم علي (لا تشقوا عصا هذه الامة، أترون أ ني أ قتل رجلا لم يصنع بي شئا؟) ... وتستمر الرواية أو الروايات التي ينقلها المجلسي من هذه الكتب القديمة التي لا نعرف سندها جيدا (... وأقام ابن ملجم بالكوفة إلى أن خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى غزاة النهروان، فخرج ابن ملجم معه وقاتل بين يديه قتالا شديدا، فلمّا رجع إلى الكوفة وقد فتح الله على يديه قال ابن ملجم لعنه الله: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أتقدّمك إلى المصر لابشر أهله بما فتح الله عليك من النصر؟ فقال له: ما ترجو من ذلك؟ فقال: الثواب ... فقال له: شأنك ... ودخل الكوفة وجعل يخترق أزقتها وشوارعها وهو يبشّر الناس بما فتح الله على أ مير المؤمنين عليه السلام، وقد دخله العجب في نفسه، فأنتهى به الطريق إلى محلّة بني تميم فمرّ على دار ت عرف بالقبيلة وهي أعلى دار بها، وكانت لقطام بنت سخينة بن عوف بن تيم اللاذت، وكانت موصوفة با لحسن والجمال وا لبهاء والكمال،فلمّا سمعت كلامه بعثت عليه، وسألته النزول عندها ساعة لتسأ له عن أهلها، فلمّا قرب من منزلها وأراد النزول عن فرسه خرجت إليه، ثم كشفت له عن له عن وجهها واظهرت له محاسنها، فلمّا رآها أ عجبته وهواها من وقته، فنزل عن فرسه ودخل إليها، وجلس في دهليز ا لدار وقد أ خذت مجاميع قلبه، فبسطت له بساطا، ووضعت له متكأ، وأ مرت خادمها أن تنزع أخفافه

وأمرت له بماء فغسل وجهه ويديه، وقدّمت إليه طعاما، فأكل وشرب، وأقبلت عليه تروحّه من الحر، فجعل لا يمل من النظر إلى محا سنها، ما ظهر منها وما بطن ! فقال لها: أ يتها الكريمة، لقد فعلت اليوم بي ما وجب به بل ببعضه علي مدحك وشكرك دهري كلّه، فهل من حاجة أتشرّف بها واسعى في قضائها؟ قال: فسألته عن الحرب ومن قتل فيه، فجعل يخبرها بخبرها، ويقول: فلات قتله الحسن، و فلان قتله الحسين، إلى أ ن بلغ قومها وعشيرتها، وكانت قطام لعنها الله على رأي ا لخوارج،وقد قتل أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الحرب من قومها جماعة كبيرة، منهم ابوها وأخوها وعمها، فتهتاج حزنا وغضبا، الامر الذي ا ستوجب رقة قلبه اكثر، ولكن السرد يمارس هنا عملية قفزة فنية مثيرة، فقطام في أوج ثورتها العاطفية بسبب مقتل عائلتها يقول لها بن ملجم (غضي صوتك، وارفقي بنفسك، فإنك تُعطين مرادك ... فسكتت من بكائها وطمعت في قوله، ثم أقبلت عليه بكلامها وهي كاشفة عن صدرها ومسبلة شعرها، فلمّا تمكّن هواها من قلبه مال إليها بكليّته، ثم جذبها إليه وقال لها: كان أبوك صديقا لي، وقد خطبتك منه فانعم لي بذلك، فسبق إليه الموت، فزوّجيني نفسك لأخذ لك بثارك ...) ويستمر السرد مليئا بحكايات وقصص ذات الوقع الجنسي المثير، فبعد كان طلبها عطية وشرط، فأما العطية فثلا ثة آلاف دينار وعبد وقينة (فقال هذا أنا ملي، فما الشرط؟ قالت: نم على فراشك حتّى أعود إليك، ثم أنها دخلت خدرها فلبست أفخر ثيابها، ولبست قميصا رقيقا يرى صدرها وحليِّها، وزادت في الحليّ والطيب، وخرجت معصفرة، فجعلت تباشره بمحاسنها ليرى حسنها وجمالها، وأرخت لثامها عن وجهها ...) ويستمر السرد الاستعراضي بشكل مثير للغاية، حيث ما رست قطام هذه عملية إغراء مركز، فما كان منه إلاّ أن يستفهم عن شرطها، فكان قتل علي بن أ بي طالب عليه السلام !!

يستمر السرد ليقول أن الصدفة هي التي جمعت بين ابن ملجم وكل من الأ خرين، وبعد أن كشفا له عن مذهبهما في وجوب مقاتلة الظلمة، وإ نهما يضمران قتل معاوية وعمرو بن العاص وعليا، صفق بيديه، معلنا تضامنه معهما (وإ ني لمرافقكما على ر أيكما وإ نّي أكفيكما أ مر علي بن أبي طالب ...) (43 البحار 42 ص 260 فما بعد)!

 

الرواية في كتاب الفتوح

كتاب الفتوح لأبي محمد أحمد بن أعثم الكوفي المتوفي سنة 314 للهجرة، وفيما يحسبه بعضهم مصنفا شيعيا يناى به بعضهم عن هذا الإنتماء، ويعده مجرّد متعاطف مع أهل البيت، وشيعتهم، فيما يرى ابراهيم بيضون ان ابن اعثم حكاواتي أقرب إليه من كونه مؤرخ .

ومهما يكن من أمر فان الرجل تناول قضية مقتل علي عليه السلام وقد جاء بجديد، ولا استبعد أن المجلسي رجع لى هذا المصدر . فقد جاء في الفتوح (... وغنم أصحاب علي في ذلك اليوم غنائم كثيرة، وأقبل علي نحو الكوفة، وسبقه عبد الرحمن بن ملجم ـ لعنه الله ــ حتى دخل الكوفة، فجعل يبشر أهلها بهلاك الشراة / أي الخوارج / ... ومرّ بدار من دور الكوفة، فسمع فيها صوت زمر وصوت طبل يُضرب، فأنكر ذلك، فقيل له: هذه دار فيها وليمة، قال: فنهى عن صوت الزمر والطبل ... وخرجت النساء من تلك الدار، وفيهن أمرأه يُقال لها قطام بنت الأضبع ا لتميمي، وكان بها مسحة من جمال .. ونظر إليها عبد الرحمن بن ملجم فاعجبه ما رأي من قدّها وحسن مشيتها، فتبعها وقال: يا جارية ! إيِّم أنت أم ذات بعل؟ قالت: بل أيِّم، قال: فهل لك من زوج لاتذم خلا ئقه ولا تخشى بوائقه؟ فقالت: إني لمحتاجة إلى ذلك، ولكن لي أ ولياء أ شاورهم في ذلك فاتبعني ... فتبعها المرادي حتى دخل دارها، ثم إ نها لبست ثيا بها ما يحسن عليها، ثم قالت لمن عندها من خدمها: قولوا لهذا الرجل فليدخل ! فدخل وأروني فأ خرجوا الحجاب بيني وبينه، ثم أذنت لعبد الرحمن بن ملجم بالدخول عليها، فلما دخل إليها وأرخوا الستر بينها وبينه، فقال لها: التأم أمرنا أم لا؟ فقالت: أوليائي أبو أن ينكحني إياك إلاّ على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقنية، قال: لك ذلك، قالت: وشر ط آخر، فقال: وما هو هذا الشرط: قالت: قتل علي بن أبي طالب ... فاسترجع المرادي ثم قال: ويحك ! من يقدر على قتل علي وهو فارس الفرسان، ومغالب الأقران ... فقالت: لا تكثر علينا، أما المال فلا حاجة لنا فيه، ولكن قتل علي بن أبي طالب هو الذي قتل أبي يوم كذا وكذا، فقال ابن ملجم: قد رضيت على أن يكون سيفك عندي رهينة .. فدفع إليها سيفه وأنصرف إلى منزله ... تناول سيفه وجاء حتى دخل المسجد ورمى نفسه بين النيام، وأذن علي رضي الله عنه ودخل المسجد ...) ويستمر السرد إلى قتل علي عليه السلام وهو ساجد، ويحدد ا لمصنف ذلك في السجدة الثانية تحديدا (المصدر 2 ص 287) .

الرواية كما نرى أ شبه بقصة للتسلية، وهي تلتقي بكثير ممِّا رواه لنا المجلسي كما مر قبل قليل .

 

الحلقة الرابعة

لماذا قطام؟

قطام هذه هي قطام أبنة الشِّجنة كما في الطبري (6 ص 60) كذلك في الطبقات الكبير (3 ص 36)، وفي الكامل للمبرد قطام بنت علقمة، وفي شرح نهج البلاغة لابن حديد هي قطام بنت سخنية بن عوف بن تيم، وفي فتوح ابن الاعثم هي قطام بنت الأضبع التميمي (4 ص 275)، وهي قطام بن الأخضر في بعض المصادر الشيعية، وهي قطام بنت شجنة و أخوها الاخضر بن شجنة كما في أنساب الاشراف (ص 393) ... وليس هناك خلاف في ا سمها فقط، بل هناك خبط وخلط في أمر آخر، ففي الوقت الذي نقرا فيه في كثير من المصادر أن قطام ا شترطت على ابن ملجم قتل علي كشرط  لزواجه منها، حيث قتل علي ولم يتزوجها، نقرا في مصادر أخرى أنه تزوجها ثم قتل عليا ! وهناك مفارقات أخرى .

لم ترد قصة قطام في مصدر شيعي معتبر، وما جاء في بحار الانوار أخبار مرسلة، تالفة، ويشكك بعض المؤرخين المحدَثين بقصة قطام ...

قطام كما يبدو لي قصّة مختلقة، الهدف منها أولا: الإساءة إلى الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، فهذا الخارجي الذي يجب أن يكون مثال الصرامة بالالتزام الديني وقع صريع عشق، بل ربما ارتكب منكرا، وهو ما أخبرنا به صاحب بحار الا نوار نقلا عن كتب قديمة كما يقول، ولكن ليس من شك إن شرط قطام الذي جاء منسجما مع نيته المسبقة وقراره الماضي يشكل علامة على التقاء إرادات الشر، لم يكن ذلك صدفة، بل هي مسيرة الشر، تلتقي في منتصف الطريق كي تؤدي دورها المخرب !

وليس من شك أيضا إن عبد الرحمن بن ملجم سوف يقتل عليا حتى لو لم يكن قد قرر مسبقا، ذلك إن وقوعه في عشق قطام، وإشتراط هذه الاخيرة عليه قتل علي عليه السلام يؤدي الى ذات النتيجة، فقد كان عشقا دونه كل شي بما في ذلك قتل خليفة المسلمين !

ولكن قد يفسر بعضهم بانه امتداد للخيال العربي الذي طالما جمع بين الفارس والعشق، فإن عبد الرحمن بن ملجم فارس معروف، شامخ في ميادين القتال بصرف النظر عن قتله لعلي بين أبي طالب عليه السلام، وقد احتشد الادب العربي والقصص العربية بهذا القرن بين الفارس والعاشق .

لقد قُتِل علي عليه السلام على يد عبد الرحمن بن ملجم بدافع من سبب مركب، عنصر منه عقدي، هو الخلاف بينه وبين الخوارج، وعنصر منه شبقي، هو هيام عبد الرحمن بن ملجم بحب قطام، وهذا التركيب بطبيعة الحال يخفف من الترا جيديا ا لعقدية في قتل علي عليه السلام .

وسواء هذا او ذاك أو كليهما، فإن التصور الذي يرى أن قصّة قطام مختلَقة ليس بعيدة عن القبول ولو بشكل عام .

قصة قطام هذه يستعرضها المجلسي في كتابه البحار بشي من التفصيل، ولكنه تفصيل مثير، معتمدا على كتب قديمة كما يروي، وموطن الإثارة هنا هو جسد قطام، فهذه الخارجية مارست فن إغراء رهيب كي تجتذب عبد ا لرحمن بن ملجم إليها، حيث الهدف البعيد هو قتل علي بن أبي طالب عليه السلام !

يقول المجلسي عن احد لقاءات قطام بعبد الرحمن بن ملجم (فنزل عن فرسه ودخل إليها، وجلس في دهليز الدار، وقد أخذت مجامع قلبه، فسبطت له بساطا، ووضعت له متكئا، وأمرت خادمها أن تنزع أخفافه، ... وهي مع ذلك متبسّمة في وجهه، سافرة له عن نقابها، بارزه له عن جميع محاسنها، ما ظهر منه وما بطن ..)، ويستمر المجلسي في إستكمال قصة ا لعرض الجنسي هذا من قبل قطام لقاتل علي عليه السلام (ثم أنها دخلت ف خدرها، فلبست أفخر ثيابها، ولبست قميصا رقيقا، يرى صدرها وحليّتها، وزادت في الحليّ والطيب، وخرجت في معصفرها، فجعلت تباشره بمحاسنها ليرى حسنها وجمالها، وأرخت عشرة ذوائب من شعرها منظومة بالدرّ والجوهر، فلمّا وصلت إليه أرخت لثامها عن وجهها، ورفعت مصعفرها وكشفت عن صدرها وأعكانها ـ ما انطوى وتثنى من لحم البطن ــ وقالت: إن قدمت على الشرط المشروط ظفرت بها جميعا .../ ا لبحار 20 ص 265) .

إنها مسرحية عرض شبيهة بما نرى في العصر الحديث من مسارح التلهية والإقناع بان الجسد هو الحاكم، وهو الذي يسود حركة التاريخ، فليس من شك أن قتل علي عليه السلام غيّر مسار التاريخ .

يبدو أن الشيخ المجلسي كان هو الاخر فنانا في ترتيب المسرحية الإغرائية الجسدية، فهو يسترسل بالحدث متسلسلا حسب ما يمليه فن التصاعد الشبقي، منتقلا بين حبات الجسد الانثوي تبعا لشدة توهجها وظهورها بالنسبة للإغراء (فلما همّ بالخروج أقبلت إليه وضمّته إلى صدرها، وقبّلت ما بين عينيه ...)، فنحن بين يدي مسرحية متقنة الأدوار حقا .

يكتب التاريخ فيما بعد أن عليا كان صريع شهوة، شهوة القاتل بطبيعة الحال من قطام، ومهما قيل بعد ذلك عن البواعث العقدية عن الاغتيال، سوف تتحجم قيمتها !

الغريب أن تستولي قصة قطام على التراث الشيعي في عرض مأساة أعظم شخصية في التاريخ بعد رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم، فيما المطلوب تنقية هذا التراث من هذه المدخولات، التي لا تخدم عليا ولا رسالته، ولكن يبدو أنّها تؤدي وظيفة خاصة لدى بعض الناس، ولذلك تحتل مكان الصدارة في عرض القضية المذكورة .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2874 المصادف: 2014-07-19 11:53:29