 دراسات وبحوث

الكفر والإيمان وضلالة الرسول محمد في القرآن

نتيجة للألتباس المفهومي لمعاني الكفر والأيمان، ولما جنينا من جراء تفاسيرها، ومن إنعكاساتها في الأنماط السلوكية والأحكام السلبية المشينة المجرمة بحق كرامة وحرية الإنسان ومعتقده من عدمه. والسبب نعزوه هو أن تلكم المفاهيم السائدة قد خالفت مفهومها القرآني الحق، كما فصله الله جلياً في آياته. هذا ماسنبينه للقاريء دون أي تكلف.

لذا وددت البحث في مفاهيم الكفر والإيمان، للفت النظر الى حقيقة معانيها من خلال آيات القرآن، أي بما يرشحه القرآن لنا من معنى دون توسل معانيها من كتب التفاسير أوالفتاوى التكفيرية للفقهاء ظناً منهم أن لها في القرآن أساس. تلكم الفتاوي ورثها الناس جيل بعد جيل وهي أساس الخراب الإنساني اليوم. كما لاأرى من الضرورة بمكان ما أن أدرجها لآنها سيدة الساحة في العالم أجمع، كالشمس في رابعة النهار. لذا سيقتصر بحثي على مفهوم الكفر والإيمان من خلال إسقاطاتي العقليه وفهمي لها كما جاءت في كتاب الله، وأبقى إنسان يخطيء ويصيب .

 

تمهيد

من سورة النساء آية 87 يقول القرآن ـ ومن أصدق من الله حديثاً. ثم في نفس السورة يكرر ويقول في آية 122 ومن أصدق من الله قيلا.

مقدمة

التبشير بالدين الاسلامي هو لهداية الناس من الظلمات الى النور، وكل الأديان بشَّرت، بتعاليم أديانها النازلة من عند الله. (ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن أعبدوا الله وإحتنبوا الطاغوت) النحل 36، (إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر 24).

فالهداية إذن هو إنتشالٌ الإنسان من الضلالة الى الهدى، وليس من الكفر إلى الإيمان ! لآن صفة الكافر تطلق على من علم بالحق، فلم يهتدي، وجحد، فكفر . وأمرُ هدايته يعود له بسعيه وبتوفيق من الله تعالى وحده . والسؤال هو كم من الناس من الأديان الأخرى علموا او يعلمون اليوم علم اليقين بصدق نبوة ورسالة محمد، من خلال كتبهم التي يعدها القرآن وقاطبة المسلمين كتباً محرفة؟ حقيقةً لا أعرف كيف يريد الله منهم أن يستندوا الى صدق رسالته وهو يعترف أنها كتبٌ محرفة؟ فالله يقول في سورة المائدة 13 عن البعض منهم، أنهم (يحرفون الكلم عن مواضعه). الله هو الحافظ لكلماته في كل كتبه السماوية فعنده هو الحفظ فقط (وما كان ربك نسيا) مريم 64.، فالإنسان لايحفظها ولايمنعه شيء من تحريفها لفظاً ومعنى، فالله يصف الأنسان ـ(وكان الإنسان كفورا) الإسراء 67.

إذن معنى أنهم يحرفون الكلم (الكلام) عن مواضه هو في المعنى في نطقهم له أو تفسيرهم له أو حتى لفظاً، ثم نسخوه لاحقاً للأجيال القادمة، لآننا لم نعثر بعد على النسخة الأصل سوى ترجمات يقال انها عن نسخ التوراة والأنجيل ألأصلية، لكن في الحقيقة لاتوجد نسخ أصلية، كما لا توجد مخطوطة واحدة أو سطرٍ واحد لوصايا موسى أي كلام الله له، و الأنجيل كذلك . بل حتى أننا لانعرف الى هذا اليوم بأي لغة كتبت وصايا موسى وما هي لغته؟ لغياب الأصل. والتحريف حاصل اليوم معنىً حتى في القرآن ولهذا نجد هذا التزاحم في الخلاف الفقهي بالرغم من كل الضوابط والعلوم الأصولية الفقهية المنطقية التي وضعوها لحفظه وصيانته من التحريف المعنوي ولضبط صحة طرائق الإستنباط والإستدلال.

الله عندما أنزل القرآن على الأميين من العرب الضالين ـ سواء كانوا حقاً أميين أو القصد أن أميتهم هي لغياب أي كتاب سماوي فيهم ـ لم يُسمِّهِم كفاراً، وإنما أشارالى أنهم في ضلالة الجهل من أمر رسالته كما هو حكم القرآن . وهذا ما دعى اليه إبراهيم ربه من أجلهم حين قال : (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ) 128 البقرة. ثم قال داعياً الله في الأيات الاحقة من سورة البقرة، أن يبعث في ذريته العرب رسولاً منهم (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ) ثم أوصى إيراهيم (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله إصطفى لكم الدين فلاتموتن إلا وانتم مسلمون) 132البقرة. ويعقوب بن إٍسحاق بن إبراهيم، وهو إسرائيل كما يعتقد وعليه أيضاً خلاف.

ثم يحضر يعقوب الموت فيوصي بذات الوصية (إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ماتعبدون من بعدي قالوا نعبد الهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون) 133 البقرة.

سورة السجدة آية. 3

القصص آية…… 46

وسبأ آية………. 44

كلها أجمعت في القرآن على معنى واحد يؤكد ضلالة العرب وأميتهم. نأخذ منها ماجاء في سورة سبأ آية 44 (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ).

والله يقول للرسول عن العرب ألأميين وأهل الكتاب:ـ

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ آية 20. آل عمران.

قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ 32. آل عمران

إذن العرب كانت أمة ضالة والرسول منهم وفيهم فهداهم الله بنذير ورسالة وكتاب مبين، سماها ألإسلام كدين (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. آل عمران (19).

وهذا الإسلام مقصده كلام الله، وهو إمتداد لكلام الله الى إبراهيم وإسحاق، كإمتداد التنزيل للتعاليم الإلهية بصورها ومسمياتها المتعددة من التوراة والإنجيل ثم ختاماً بالقرآن.

إذن فكل كتب الله وتعاليمه التي أنزلها الله كأجزاء من توراة وأنجيل..الخ ختمها الله بجزئها الأخير لها من كتابه الموسوعي الشامل، ألا وهو القرآن. نعم كلها قرآن منفصل ومتواصل واقعة ضمن مسمى واحد سماها الله تعاليم الإسلام. والنتيجة كلنا مسلمون إن أسملنا وإلا فحن غير مؤمنين.

(وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين). سورة يوسف 03 .

إذن:ـ

الكفر هو تغطية الحق الذي انزله الله في كتابهم ولهذا يعِد إدعائهم هذا كفراً صريحاً. ولكن هذا لا يعني أن كل المسيحيين بالإطلاق قالوا أن الله هو المسيح، لآن الله قال خصَّ كفر بعضهم وهذا واضح من قوله (لقد كفر الذين قالوا) والذين لاتفيد الإطلاق!.

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. المائدة 47.

الله يخاطب كل ملة وطائفة لا تتبع تعاليمه السابقة أو الأخيره في القرآن بالفاسقين أو الكافرين أو الظالمين لآن تعاليمه مصدرها واحد وهو ..(هو).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

ثم يأتي الخطاب الخاص (بولاية) الظالمين ـ البعض ـ وليس الإطلاق لكل أقوام اليهود والنصارى وأولادهم وأحفادهم الى يوم يبعثون، وإنما تحذير من إتباع الذين لايحكمون بما أنزل اليهم ولا بما أنزل اليك ولهذا هم ظالمون، كما هوالمسلم الذي ينافق هو فاسد وكافر وظالم.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى (أَوْلِيَاء) بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن (يَتَوَلَّهُم) مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

ياتي التوضيح حول فسق البعض من اليهود والنصارى وليس الإطلاق في الأية التالية:ـ

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ. المائدة 59

وكذلك قال الله عن المؤمنين كافة دون تخصيص في دين ما (وما يؤمن أكثرهم بالله إلآ وهم مشركون) يوسف 106

وكذلك تحدث عن كفر (البعض من الذين قالوا إن الله هو المسيح):

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا . 17 المائدة.

فالأمر ليس بعداء أو حب وكره بين الله وخلقه أو لفئة دون أخرى.

ولو كان الله يعني الإطلاق لما أنزل على أقوامهم كتبه ورسله ولما خاطبهم. الله قال عن الأنسان ذات ككل (وكان الإنسان كفورا) الإسراء 67.

وعن الأعراب قال مايفيد في الوهلة الأولى إنه أيضاً يقصد الإطلاق على الجنس بقوله (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {التوبة: 97.

ولكنه قال أيضاً (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ {التوبة: 99}.

ومن هذه الأية نفهم أن الحديث عن الكفر عام لكل الناس وليس لفئة دون أخرى

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. المائدة 36 .

ويفهم من هذا، أن من جاءهم الموت ولازالوا كفاراً أي ظالمين للناس بأفعالهم وأنفسهم. ولكن من أراد التوبة والرجوع للحق فباب التوبة مفتوح وبالمطلق لكل الناس لقوله تعالى:ـ

فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. المائدة 39.

في الختام نفهم أن لاكفر إلآ بعد معرفة وإيمان وهذا ماسيتطرق له البحث بالتفصيل أدناه.

 

نستهل البحث بالسؤال:

هل من هم خارج الدين الأسلامي من اليهود، والمسيحيين، والبوذيين، أو الذين لم يؤمنوا بالدين الأسلامي، كفاراً ومشركين أم… لا ؟ هذا ماسيحدده البحث من خلال بحث معنى الكفر والأيمان وضلالة الرسول في القرآن.

والجواب سيصدمك أيها القاريء، فستستدل عليه بنفسك من القرآن في هذا البحث فكن متابعاً جيداً وصبورا . أوليس القرآن أصدق حديثا؟

الكفر في اللغة في لسان إبن منظور:ـ يُعنى به الستر والتغطية للشيء وكفر الفلاح للحب ..الخ

يقول الله تعالى:ـ

فلما جاءهم ما عرفوا (كفروا) به . البقرة/89

وقال تعالى ـ وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . البقرة :146

في المعنى الأصطلاحي الشائع للكفر ـ وهو الذي نحرص عليه ـ هو نقيض الأيمان، فمن عرض عليه الأسلام بشكله الصحيح ورفضه يُعد كافراً، وبالمختصر من لم يؤمن بالإسلام بعد العلم والإطلاع عليه هو كافر، وهذا ما لا أساس إستدلالي له في القرآن كما تؤكده الآيات أعلاه وماسنذكر منها لاحقاً.

مفهوم الكفر الشائع لايميز بين من هم ليسوا بمؤمنين بما أُنزِل الى الرسول محمد، وبين من كفروا به من بعد أن تبين لهم الحق فيه، كما يشير اليهم القرآن، وهؤلاء (من هم ليسوا بمؤمنين أو مقتنعين) هم في الحقيقة في عداد الضالين في المنطق المخالف للمهتدين المؤمنين وليسوا كفاراً كما يظن خطأً الأخرون، لآنهم كما ذكرت أنهم ليسوا من الذين عرفوا الحق فنكروه وإنما لم يقتنعوا أو يهتدوا كما لم ينكروا أو يكذبوا الرسول. وهذا فرق جلي بين كافر وضال. *ذلك بأنهم قوم لايعلمون* ـ التوبة 6.

الكفر للناس لايتحقق إلا بإيمانهم أولاً، فليس عدم الأيمان يعني تغطية الحق أي بمعنى عرفوا الحق فنكروه ليساوي الكفر بالمعنى، بل هم فقط غير مؤمنين ضالين كضلالة الرسول قبل التنزيل . فأمر الأيمان والكفر لايقطع إلآ بالمعرفة من عدمها وبالنية.

ويؤكد إستدلالي هذا القرآن. إذ يقول الله للرسول:ـ (وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين). سورة يوسف 03 أي غير مقتنعين فهم في النتيجة ضالين.

النفاق والكذب عدها القرآن أيضا كفراً، فأنت مؤمن حتى وإن لم تؤمن بالله. إن كنت صادقاً عادلاً لاتنافق أو تستر الحق بشهادة الناس، فليس الله لذاته يُعنى بِه الأيمان، وانما خلاصته في السلوك والمعاملة الأنسانية والأخلاقية بما شرعها الله حقاً لخلقه من الناس. لآن الإمتثال للحق والعدل هو جوهر الإيمان ومفهوم الله .

ولهذا يقول الله تعالى.. (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). سورة يوسف 106 وهذا يعني كافرون ومشركون بالرغم من إيمانهم وصلاتهم وحجهم وزكاتهم.

ويؤكد هذا المعنى حديث المفلس للرسول كشاهد يوافق ماجاء به القرآن في سورة يوسف أعلاه آية 106.

يقول الرسول:ـ

أتدرون ما المفلسُ؟" قالوا":المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال:" إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهُ قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار" رواه مسلم [347].

ولتبيان أن الهداية هي جوهر الأيمان، ولا إيمان دونها َنذكُر قول الله تعالى، ثم نُعرِّج على مفهوم الإيمان :ـ

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا البقرة /137 . والسؤال عن ماذا يطالب الله بالأمتثال له في دينه الجديد؟

الجواب:ـ

الأيمان لغةً :ـ هو الأعتقاد بشيء.

المعنى الأصطلاحي:ـ هو الأيمان والتصديق بالله الخالق ورسله وشرائعه وباليوم الأخر.

أما جوهر الأيمان فيتمثل بسلوك المؤمن وإمتثاله لآوامر الله في العامل مع الأخر.

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا البقرة /137 .

أي يمتثلوا بما إنزل اليك ويؤمنوا به مصدقين له في أعمالهم.

ومن هذا نفهم أن الآية التي ذكرناها سلفاً أن موضوعها هو جوهر الإيمان وهو الهداية، وهو المطلوب.

أن من لم يتمسك بجسد الدين، لم يؤمن، وليس بمهتدي، فالمراد من الدين هداية الناس الى طريق يحقق العدل بين الناس . فالهداية عند الله لاتعني الأيمان الشكلي أو لمجرد الإعتقاد بالله ورسوله كذات ومسمى، وإنما بجوهر الأيمان . (فإن أمنوا بمثل ما أمنتم به فقد إهتدوا). وهو المقصدود به جوهر الأيمان.

وفي أمر الهداية والضلالة حتى الرسول كان ضالاً أي جاهلاً لايعلم الحق من الباطل من الله، وهذا هو حال من ليس اليوم بمؤمناً، لكنه أيضاً ليس بكافراً، فلم يصف الله ضلالة الرسول قبل أن يوحي اليه الدين بالكفر، أو وصفه بكافراً، وكذلك نقيس عليه ولانعد الضال بكافراً.

ويؤكد إستدلالي هذا قول الله في القرآن أصدق الحديث:ـ

إذ قال الله للرسول مخاطباً في سورة الضحى أية ((ووجدك ضالاً فهدى))

والضلالة في القرآن هو الحيود على الحق بجهل أو سهو عن معرفة وكلاهما ليس عمداً.

كما ضلالة موسى في الشعراء أية 20 ((فعلتها إذاً وانا من الضالين)). والضلالة بمعنى السهو، جلية في أية 282 سورة البقرة ((وإن تظل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)).

يخاطب الله الرسول في سورة الشورى آية 52 بقوله:ـ

((وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا)).

أي لم تكن مؤمن ولامهتدي، كما ولم تكن كافراً بل كنت ضالاً جاهلاً.

لآنه بماذا كفر وهو جاهل لا يعلم بَعد، الرشد من الغي، أو حتى لم يتم له التصديق والأيمان بما جاء به الرسول، فبماذا؟ وماذا سيغطي ويستر ليعد فعله كفراً ويصبح كافراً حكماً؟ كما وأمر الهداية القلبية من الله، إذ يقول الله في القرآن مخاطباً الرسول : (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ) القصص 56 . ولاتعارض مع (وإنك لتهدي الى صراط مستقيم) الشورى 52. لأن أمر الهداية هنا خاص متعلق فقط بالمخاطب اليهم، وهم الذين آمنوا وليس غيرهم ممن لم يؤمن من الناس. أكرر أن الخطاب للرسول حول أنك لاتهدي من أحببت هو خاص بمن آمن ولم يتهدي وليس بالكفار او الغير مؤمنين!

يؤكد تفسيري هذا قوله تعالى وخطابه لهم بـ ـ يا أيها الذين أمنوا:ـ (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ..) آل عمران: 103

فالهداية هي التقوى وهو خطاب للذين آمنوا أن يتقوا ويهتدوا ويعتصموا بالله، وهم المقصودون، بأن الرسول لايمكنه أن يهديهم بعد أن آمنوا، وإن أحب ورغب بذلك. ولنتذكر قول الله حتى وان كررناه عدة مرات ولكن للضرورة أحكام يقول الله فيمن أمن ولكنه لم يؤمن (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).

الهداية إذن هي جوهر الإيمان والصراط المستقيم. كما يقول الله (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) البقرة 137

. فأن تقول أمنت لاتكفي كما قالت الأعراب :ـ

(قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا..) الحجرات 14.

ومن هنا نفهم حقيقة خصوصية الهداية في الذين امنوا ولذلك قال الله للرسول عنهم : (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ) القصص 56 . فهذا رسول الله حقاً غير قادر على فعله، فهداية الإنسان المؤمن تحكمها صدق النية في القلب وإرادته الحرة ولايمكن تحقيقها بالإكراه .

يقول تعالى:ـ في خطابه للذين أمنوا ..نعم فقط للذين أمنوا...يقول

(وكيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله و فيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا): آل عمران: 103

وقوله ولاتموتن وانتم مسلمون أي مؤمنون بجوهر الأيمان. للتوضيح والتبسيط أكثر يقول الرسول :ـ أني أنا الرسول أعلم أنكم قد أمنتم بي وبما أنزل الي من ربي، ولكن ماتقومون به خرج من بوابة الأيمان الحقيقي الى بوابة الكفر فأنتم مؤمنون غير مهتدون .

الخطاب للذين آمنوا..

يا أيها الذين آمنوا…….!..

سواء كان سبب النزول للآية 103من سورة آل عمران، هو لعودة تقاتل الأوس والخزرج بالرغم من إيمانهما بالرسول أو لآمر آخر، فهذا لايعنينا إطلاقاً وإنما جوهر المعنى في الخطاب.

القرآن لغويا هو خطاب بين المرسل والمرسل اليه، ولايعنينا لآ أوس ولاخزرج ولا أي فئة أو عشيرة أو قبيلة من الناس، لآن الخطاب يحمل ضمير أنتم أي هم المقصودون بالخطاب وأمرهم، فهل الضمير ـ هم ـ يعود على المؤمنين أم لا؟ ولو لم يكونوا مؤمنين لمَا كان الخطاب اليهم يبتدأ بالتعجب من فعلهم بقول الله : ـ وكيف تكفرون ـ ...الخ الأية.

فحثهم الرسول على الرجوع الى رشدهم والى التقوى بالحق، ومن هذا التعجب في الخطاب يٌفهم أنهم زاغوا عن حق قد آمنوا به، ولهذا بزيغهم قد كفروا أي نكروا الحق بما علموا، وتلبسوا بالباطل، فهم بفعلهم هذا كفار نسبة الى مافعلوا، حكم عليهم الرسول لفظاً ومعنى بالكفر فأصبحوا كفاراً.

أراد الله بخطابه التعجبي لهم بقوله ـ وكيف تكفرون ـ أن يعيدهم الى جوهر إلأيمان، لارسمه، ولا إنتمائهم اليه شكلاً.

إن الذين قالوا ربنا الله ثم ــ استقاموا ــ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون" 30 فصلت.

فليس كل من آمن بالله هو مؤمن مستقيم الإيمان حقاً! فالأستقامة هي الهدى وجوهر الإيمان.

و أية 82 من سورة الأنعام يقول الله

(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).

و قال تعالى في خطابه أيضاً للمؤمنين: «وأن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون» الأنعام: 153

في آية المجادلة نلمس بوضوح الخطاب التحذيري التذكيري الموجه للمؤمنين فقط من عدم كفرهم بما آمنوا به، قولاً وفعلاً.

يقول تعالى:ـ

«يا أيها الذين ـ آمنوا ـ إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم و العدوان و معصية الرسول و تناجوا بالبر و التقوى»: الآية المجادلة: 9.

نُذَّكِر بمعنى التناجي من قاموس المعاني:ـ

وهو كالتالي: (تناجى الشَّخصان أفضى كلّ منهما إلى الآخر بما يخصّه به).

وفي سورة محمد يقول تعالى:ـ

إن الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله (أي زاغوا عنه بعد أن آمنوا به) و شاقوا الرسول ـ من بعد ما تبين لهم الهدى ـ لن يضروا الله شيئا و سيحبط أعمالهم يا أيها الذين ـ آمنوا ـ أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و لا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله ثم ماتوا و هم كفار فلن يغفر الله لهم): محمد: 34

فمن هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وبطلت أعمالهم؟ لآن الأعمال والأقوال هي أفعال تترجم حقيقة وجوهر الأيمان..

الجواب:ـ

هم المؤمنين الذين كفروا وصدواعن سبيله، إذ لايخاطب الله أحداً من الناس بقوله ـ كفروا أو ـ وصدوا عن سبيل الله وبطلت أعمالهم ـ لأنهم خارج حقل الأيمان ولاعلم لهم به.

ثم يقول تعالى:ـ

نذكر أولاً بمعنى المشاققة في الأية...

من قاموس المعاني

يشاقق بمعنى يخالف.

ويشاقق الرسول يخالفه بالحق الذي جاء به...كما يقول تعالى...((يَا أَيُّهَا ـ النَّاسُ ـ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ ـ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ـ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ ـ تَكْفُرُوا ـ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) النساء.

وهنا في الآية 170 من سورة النساء أعلاه، هو الكفر من بعد إيمان، لأنه قال ـ قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ـ أي بما كنتم على دراية من أمر نبوته في نبوءاتكم.

ومن سورة آل عمران 72 :ـ (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أٌنزل على الذين أمنوا وجه النهار وأكفروا آخره لعلهم يرجعون). فواضح أمر معنى الكفر والإيمان هنا وكيفية وقوعهما.

فهل حقا كان الله يخاطب من لهم دراية وسابق معرفة بأمر نبوته؟

يقول الله في سورة الأعراف 157

(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل).

وفي سورة الأنعام 20 :ـ(الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لايؤمنون.

وفي الأعراف 71:ـ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون. الشعراء 197:ـ أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل.

فالحق عند الله معلوم مشهود عليه عند أهل الكتاب ـ(كأحبار ورهبان وليس عامة الناس منهم)، أنزله على رسوله ليبلغه لمن جهله، وخطابه بثبات أمر الحق، هو بشهادة أهل الكتاب، إذ لايمكن أن يخاطب الناس بأمر الحق وهم غافلون عنه لاشاهد ولادليل عليه.

ومن خلال الأيات الدالة على ذلك نستنتج أن لاكفر إلآ بعد رسوخٍ بإيمان تصديقي معرفي، ولايمكن مخاطبة احد أو وصفه بكافراً، أو يحذره من الكفر وهو لم يؤمن بما أنزل أن قد كان من عند الله حقاً .

يقول الله تعالى مقدماً الإيمان على الكفر :

ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ـــ إيمانكم ــ كفاراً. البقرة 109

نستطرد ونعود...

هذه الأية أعلاه وأمثالها في القرآن، ربما لها أثر بالغ من حيث المقابلة اللفظية بين كافر ومؤمن، ولهذا أظن أن الأحكام بإما كافر أو مؤمن هي مما رشحه العقل الباطن فظن بها حقيقة. وإلا فمن إرتد فلن يضر الله شيئاً حسب قول الله، لأن القناعة ليست لحظات تزول بلحظة كما هو الإيمان. فمن حق الجديد في الأيمان الرسوخ فيه، أو ربما عدمه. وخلال هذه الفترة قد يتبين للأنسان الرشد من الغي حسب فهمه وعقله وكيفية إستيعابه للدين ككل، كما ودين الإسلام ليس بوابة سجن من دخلها لايخرج.

نعود..

ثم يؤخر الأيمان على الكفر ليبين أن لاكفر قبل إيمان.

ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل 108 البقرة.

أي من يجحد بآيات الله وتعاليمه (يكفر).

يؤكد إستدلالي هذا الآية 6 من سورة التوبة

:ـ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ ـــ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ــــ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66). التوبة. كما هي الأية 103 من سورة آل عمران والتي بدأت بـ (وكيف تكفرون..).

كما ولا إكره على إيمان فالإكراه ظلم وبحد ذاته فعل لايعد حق أي فعل باطل ومايبطله الله هو الكفر لآنه غطى الحق. كمايقول الله مخاطباً الرسول :ـ

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . يونس ـ 99.

وهنا المعنى جلي أن الغاية من الأيمان هي إحقاق الحق في المعاملة مع الأخر إذ لادين ولاقرآن ينزل إلآ لغاية وهدف يتم تحقيقه بين فاعل ومفعول به. فلايعقل أن ينزل الله أو الخالق دين لآجل عبادته هو لذاته، أي يخلق الخلق لآنه محتاج لآن يُعرف ولعبادة مخلوقه وصلاته وصيامه وحجه وزكاته وقتاله في سبيله وكأنه عاجز محتاج لمن يعينه على مخلوقاته الشريرة وأًصنامهم التي تؤرقه عبادتها ليل نهار .

لايحتاج المخلوق الوحيد في هذه الدنيا الى أي قرآن أو أي كتاب سماوي أو حتى معرفة الخالق أو الجنة والنار، إلآ بوجود إنسان آخر يستطيع التعامل معه. بإعتبار أن الدين معاملة ولابد من طرفان لأتمام المعاملة. ومنه ليتحقق العمل في سبيل الله، فلاعبادة لله ولاسبيل اليه يتم بمخلوق واحد في الكون. فالله والدين يغيب عن الوجود بغياب الطرف الأخر، وجملة في سبيل الله هي جملة مجردة تعني في سبيل الطرف الآخر أو الناس فإن حضر الأخر تحقق سبيل الله وبالعكس. فالسبيل هو طريق الله الذي أنزله على خلقه من خلال كتبه ورسله، فهو نظام الله في كيفية تعبيد طرائق التعامل بين الأنسان وأخيه.

نوِّد أن أن نَفْهَمْ ونُفهِّمْ أن دين الله الإنساني هو قانونه العادل، الذي أناط إدارته الإيمانية الى إرادة البشر الحرة، سعياً لتنظيم حياتهم ورقي إنسانيتهم في التعامل فيما بينهم. ومنه لتحقيق وتجلي هوية جنس البشر. فطرائقه وشرائعه التعبدية الروحية والسلوكية هي لإيصال شعلة الإنسانية الى ذروتها في كيفية التعايش، وتعامل الناس مع بعضهم البعض. وهذه هي العبادة، وهو ذاته في جوهره معنى الأية : (وماخلقت الأنس والجن إلآ ليَعْبُدون) الذاريات 56 ـ أي ليُعَبِّدون طرائع وشرائع هذا الدين في أنفسهم وفيما بينهم.

نعود الى موضوع الكفر والأيمان.

يؤكد الله تعالى مراراً وتكراراً، أن الكفر والشرك بعد الأيمان، وليس قبله، أي لمن عَلِمَ وآمَنَ بالحق، ثم رغب عنه بعد أن تبين له، وأتبع طريقاً أو سبيلاً آخر، يظن أن فيه الحق ليقيمه، فيعد عند أن قد كفر وأشرك، ويقول الله لهم…لقد تبين لكم الرشد من الغي وعلمتم بأحقيته ولكنكم سترتم هذا الحق الذي هو نظام خالقكم. أي فأبيتم إتباعه ـ فـيا رسول الله قل لهم ـ (يا أيها الكافرون لا أعبد ماتعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابدٌ ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين). أي لكم نظام تُعَبِّدون به طرائق التواصل والتفاعل والتعامل فيما بينكم. ويؤكد إستدلالي هذا القرآن ذاته.

القرآن يخاطب المؤمنين وليس غيرهم:ـ

و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين» 115.

إن الله لا يغفر ـ أن يُشرك به ـ (لاحظ أن الآية تربط الشرك بمن رغب عن دين الحق عند الرسول وإتبع غيره من بعد ما تبين له الحق، وليس قبله والمقصود تبيان الحق وليس مسمى الدين لذاته فالدين ملتبس بالحق كإلتباس اللفظ بالمعنى، ولهذا يقول الله متمما الآية :ـ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) النساء.

إذن، فالخروج عن طاعة الله والرسول هي بعد الدخول فيها أولاً إيماناً حقاً، إذ لاخروج قبل دخول، فهنا تتم المعصية وإلآ لامعصية أو كفر دون الأيمان أولاً. ولذا يذكر القرآن بأن من تبين له الحق وعصي ربه وإتبع سبلاً أخرى فقد اشرك بالله، لأنَّ الصد عن سبيل الله، هو الصد عن الحق الى ُسبُلٌ آخرى له لمشرعٍ آخر، يعد شركاً ولذلك يقول الله لاأغفر له أبدا وأغفر مادونه، فالمراد إقامة الحق من شرائعه هو والمتمثل جوهرها بقتل عبادة الأنا الى عبادة نحن بأسم يرمز الى لفظ الله، أي الى نظام التكافل والأيثار الإجتماعي المتمثل بعبادة نحن برمزية الله. لذا قال الله (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فليس إقامة الدين كحج وصلاة وزكاة وقول لا إلله إلا الله كما ليس مقصده تحطيم الحجر بل تحطيم حجر أو صنم ألأنا. فساحة الإيمان هي ساحة التعامل مع الأخر.

ومن سورة التوبة نلمس التوضيح حول حقيقة معنى الكفر وكيفية حصوله.

أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ . 73 التوبة عن أي كفار يتحدث الله؟

يجيب الله في الاية التي بعدها أن الكفر حصل بعد أن اسلموا أولاً! أي آمنوا وصدقوا بما إنزل اليه.

يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ . 74 التوبة.

ثم الجهاد ضد من إعتدى منهم وليس لمجرد أنهم كفروا لآن الله يقول عن كفرهم ولن يضروا الله والأيات كثير تؤكد هذا ومنها قوله:ـ ولايحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً. 176 البقرة.

وقال إن الذين إشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً. 177 البقرة.

فمن سورة الأنعام نستدل على هذا بقوله تعالى:ـ

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89).

فالقرأن يؤكد أن قتال الكفار من بعد ما آمنوا فكفروا ثم إعتدوا، إذ لا يصح إطلاق صفة الكفر عليهم قبل إيمانهم، كما وليس قتالهم لأرغامهم على الدين أو للتخلص من كل من كفر، فمن الأية نفهم المعنى إذ يقول تعالى:ـ

وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين. البقرة 190

كما قال تعالى أيضاً:ـ

كتب عليكم القتال وهو كرهاً لكم. البقرة 216

(لاينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة 08

إذن نخلص الى أن القرآن يوضح أن الكفر بالشيء يحصل بعد الإطلاع عليه وهذا هو المنطق ودونه لا! إذ لايمكن حصول كفر دون تسليم بإيمان. ولهذا فمن لم يقتنع من أي دين كان أو لم يكن فلايحق لأحد وبسند قول الله في القرآن أن يوصف بالكفر أو كافراً، سوى بحكم غير مؤمن أي غير مقتنع والله لا يحب الأكراه إذ لا إكراه في الدين وهذا ليس رأيي بل قول الله ووصفه لهم إذ قال (وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين). سورة يوسف 03 .

فالحكم الوحيد هو وفق الإعتبارات القرآنية (ضال ضلالة الجهالة التي كانت عند العرب والرسول قبل الأسلام سواء) لأن الله أوحى للرسول، وما كان يدري ما الكتاب فصدق بمشقةٍ من أن هذا وحي من الله حقاً، وليس شيئاً أخر فكيف بغيره من الناس الذين لم يوحي الله اليهم؟ لذا من الصعب عقلاً ومنطقاً أن تتم القناعة بما أقتنع الرسول، كما لايصح أن يٌكره الناس على التصديق دون الأيمان والقناعة الذاتية من خلال الشواهد القرآنية، وعليه لايمكن وصف جهل الغير مؤمن وضالته بالكفر أو بكافر! بل بغير مؤمن أصح لآن هذا حكم ووصف خالق الأنسان ومرسل الرسل الله تبارك وتعالى. فمن أصدق من الله قيلا ؟.

لو ورث الإنسان الدين والإسلام لايرث الهدى بالضرورة، وهو جوهر الإيمان ومعنى الدين. ولهذا لاتلومن الناس لو صاروا منافقين، فالتمثيل الإيماني أو الإسلامي بوابة للنفاق وضياع للخلق الإنساني. فإختار أيها القاريء المسلم، بين أن تكون في الدرك الأسفل من النار كمنافق تمثل الإسلام والإيمان، أو في الجنه كمؤمن مهتدي صادق لم تكره على إيمان، ولم تكره أحداً عليه . فَضالاً جاهلاً أفضل وأشرف وأطهر من مسلماً منافقاً ظالماً تمثل الإيمان وتُسوِّد وجه دين الإسلام، كما يمثله ويسوده اليوم كل الأسلاميين السياسيين، وغيرهم من الكثير، من بعض فقهاء الدين، ومن عامة الناس * المتأسلمين* أجمعين.

 

الكاتب والباحث

علاء هاشم الحكيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3497 المصادف: 2016-04-02 09:23:01