 دراسات وبحوث

عنف المقدس.. العهد القديم انموذجا (1-2)

afaf almouhdiالمقدمة: حظِيت ظاهرة العنف في الفكر الديني منذ البدءْ بعناية كبرى، ذلك أنّ مسألة العنف كانت تلعب دوارا حاسما في الشرائع والأديان وفي التاريخ على مستوى تنظيم العلاقات الاجتماعيّة وتوزيع الخبرات الإنسانيّة وتحديد الأدوار السياسيّة والتجاريّة لارتباها من جهة بحياة الإنسان وصيرورة العلاقة بين المجموعات البشريّة وبعلاقة الإنسان بألهته في أيام الحرب والسلم من جهة أخرى. محاولين قدر المستطاع رفع الغموض الواقع على مصطلحي العنف والمقدّس من خلال الإشارة إلى الترتيب التفاضلي والأسبقيّة المرحليّة للعنف على المقدّس. والإجابة على سؤال لِمَ العنف أولاً وكيف صار هذا العنف فعلا مقدسا؟ وتبين آثاره على الأمم عبر التاريخ من خلال ما ورد في إصحاحات العهد القديم المشحونة بالعنف، بمعنى كيف تتحول الكلمة إلى فعل مقدّس في التاريخ؟ وكيف يبرر له عقائديا؟

 

1. تحديد المصطلحات

كأي دراسة أو بحث لا بد أولا من ضرورة تحديد المصطلح أو المفهوم وتقريبه إلى الحدّ الذي يفهم من سياق البحث في معناه. وبما أن هذا البحث تتحدد ملامحه وأهم مفاهيمه الكبرى حول مصطلح العنف ومصطلح ثان هو المقدس. فماهو مفهوم العنف؟ وماهو مفهوم المقدس؟و كيف فهم فعل العنف في إطار المقدّس؟ ما العلاقة بين العنف والمقدّس في العهد القديم؟ كيف نرى العالم اليوم في ظل هذا المفهوم؟

تثير كل من الكلمات التالية معنًّا ما في الذهن عند سماعها أي التصوّر الذهنيّ لتلك المفردة أو اللّفظ ثم تتوضح العبارة لغويا وهو المعنى الذي يكتسبه بحكم الوضع اللّغوي القديم في اللّسان العربي الفصيح كما ورد في لسان العرب:

أ‌. العُنْفُ: La violenceهو الخرق بالأمر وقلّة الرّفق به، وهو ضدّ الرفق. عَنُفَ به وعليه يَعْنُفُ عُنْفًا وعَنَافَةً وأَعْنَفَهُ وعَنَّفَهُ تَعْنِيفًا، وهو عَنِيفٌ إذا لم يكن رفيقا في أمره 1 . أما من جهة دلالته الاصطلاحيّة: فهي متعددة، ومنها: الانتهاك والتعدي على الغير وإلحاق الضرر به، باليد أو باللسان أو بالفعل ،" وهو فعل يعمد صاحبه إلى اغتصاب شخصية الآخر وذلك باقتحامها إلى العمق ويرغمها في أفعالها وفي مصيرها منتزعا حقوقها أو ممتلكاتها أو الاثنين معا. وينطبق هذا المفهوم على جميع أنواع الكائنات ودرجاتها نزولا من الإنسان إلى الحيوان إلى الأشياء، غير أنّ الأرجحية في قراءة ظاهرة العنف الحقيقي تكون أجدى بقصره على المجال الإنساني حيث يكون آذاك معنيا بضمير الانسان إرادته ومسؤوليته، يعني الأسس التي تعطي للفعل- فعل العنف – معناه."2 في شكل أعمال منافيّة لأحكام نظام التعايش والذي تتخذ منه وعبره مجموعة من الأشخاص أو الجماعات كانت قد أضافت إلى عقائدئها الدينية أكثر مما تحتمل مشافهة أو كتابة ، وسارت وفقها وبمقتضاها تصديقا لها في أحقيتها وسلامة منبعها المقدّس عبر التاريخ وتصرفوا وفقها وعبر أليّات وأقبية العنف، ليتحول الدين إلى مطيّة لممارساتهم العنيفة تجاه غيرهم ومكتسب للشرعية.

ب‌. المُقدَّس Le sacré: فقد ورد في معجم «العين» للفراهيدي (ت175هـ) الذي يعتبرأول المصادر اللّغوية التاريخيّة التي تشير إلى اكتمال هذا مفهوم. إذ يقول في تعريفه له:(قدس: القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس). لم يتجاوز هذا المفهوم عند العرب والمسلمين دائرته الدلاليّة اللّغوية.

و لكن نجد لهذا المفهوم دلالات مفاهيمية أخرى في المنظومة الفكريّة الغربيّة الحديثة فقد ارتبط تحديد المفاهيم بنوعيّة القراءة التي تناولت دراسة هذا المفهوم إذ يتسع مفهوم المقدّس ليشمل العديد من المعاني وتتنوع تعريفاته مع تنّوع المجالات والتخصصات التي تدرسه على نحو يعسر تحديد مصطلح دقيق له لأن مثل هذا المفهوم يدخل ضمن شبكة مفهوميّة واسعة ويتغلغل في صلب نظّام معّقد من المراجع والإحالات المتكوّنة من أحكام قيميّة وفلسفيّة.

إذ يمكن أن نعرف المقدّس بحسب التعريفات البسيطة " بأنه في مقابل الدنيوي، أو ما يمكن أن يتخذ شكلا مقابلا للمدنّس" كما يمكننا أن نطلق عليه تعريفًّا أكثر دقّة مما سبق ذكره وهو تعريف من صلب علم الاجتماع كما عرفه تالكوت بارسونز Talcott Parsons عندما أراد إعادة صياغة نظريّة دوركهايم David Émile Durkheim في كتاباته الخاصة إذ قام باستبدال مفهوم المقدّس بمفهوم جديد حدده بلفظ "الخارق للطبيعة" في مقابل القراءة التي قدمها مرسيا إلياده Mircea Eliade ذات البعد الفلسفي والتاريخي للدين فهو يرى"أن المُقدَّس هو عنصر من عناصر بنيّة الوعي تنتشل الإنسان من الفوضى إلى التنظيم عبر استجلاء المقدّس في الحياة البشرية ".

فتطورت دلالة هذا المفهوم "المُقدَّس" المرحليّة في العقل الجمعي لتمكنته من أن يكتسب عدة دلالات ومفاهيم جديدة ووفق مراحل من تطوّر العلوم والمعارف وتعدد الدراسات التحليليّة والتفسيريّة الثيولوجيّة والسوسيولوجيّة والايديولوجيّة والتاريخيّة والفلسفيّة للظاهرة الدينيّة وتنّوع حقولها المفهوميّة التي تعبّر عن هذا المفرد في أفكاره المهمة "التي يقوم عليها كل دين فكرة القداسة أو الإحترام أو الاجلال التي يعلقها الإنسان على بعض الأشخاص أو الأمكنة أو الأشياء المادية. وهو كل ما لا يمكن تلويثه أو تدنيسه، ومن هنا يأتي معنى المقدس والرجيم والملعون. وهو ماله طابع من القوة الغامضة التي تجذب أحيانا وتنفر أحيانا وفي الأحيان الأخرى تجذب وتنفر معا. وهو ما يثير في النفوس الخوف والرهبة والاحترام والخشوع الذي يبعدنا عنه ويرغبنا فيه في نفس الوقت وهو ينتج عن مجموعة من المشاعر المختلطة والمرتبطة من إندهاش والرغبة والانجذاب والفضول والتحفظ والقلق والفزع والخوف مما يجعلنا نحبه ولا نجرؤ على تناوله في نفس الوقت."3 وما يهمنا هنا من بين تلك الدراسات المختلفة والثريّة ما أثارته النصوص التأسيسيّة التوراتيّة حول مسألة عنف اللّفظ الذي يبدأ بكلمة ثم ينتهي بفعل هو "القتل" وما حملّته إياه من أبعاد مختلفة مع التطوّر الذهني والفكري للإنسان وما تمليه عليه الظروف من تجدد وتبدّل في التفسيرات والمضامين والأبعاد وجهات النظر حول المقدّس. وإنّ تطور تلك المفاهيم خاضع لتطور المجموعة البشريّة في أنماط عيشها وتفكيرها ودرجات الوصل والفصل بينها وبين المتعالي وعمق ارتباطها به واختلاف نظرتها إلى ذاك المقدّس الذي تلجأ إليه في محنها وتبرير أفعالها باخضاعها لسلطة المتعالTransversale ، الذي هو ما يحن وينجذب إليه الإنسان وينشغل به إلى أقصى حدّ ويعرّف بأنه ما يرتبط بالدين ورموزه وتعبيراته. وهو أيضا ما يقال في تعريفه بأنه مقابل كل ماهو الطبيعي أو اليومي أو العادي أو دنيويّ كما يمكن أن يستوعب المقدّس شيئا من عناصر الفضاء الدنيويّ، حين يتمدد في لحظة ما فيدمج مساحات أخرى من العناصر الدنيويّة العاديّة إليه لتشكل القالب النهائي له ليخرج في التاريخ وعبر التاريخ.

يرتبط المقدّس أو الدينّي في الكثير من نماذجه وحقوله بمجالات خارج دائرته المتداول والمتعارف عليها. لأن الفضاء المقدّس هو فضاء مفتوح وليس مغلقا يمكن أن يستوعب أشياء كثيرة من العالم الخارجي العالم السفلي الذي يعتبر عالما مقابلا ومفارقا له لارتبط العالم الثاني بكل ماهو طبيعي ومادي مدنّس وارتباط الأول إلى عالم مفارق أكثر طهرا وصفاء من عالمنا.

نعود لنبيّن العلاقة الرابطة بين مصطلحي العنف والمقدّس الوارد آنفا هو ارتباط "تفاضلي" المقصود منها تفضيل الإنسان للهجمة العدوانيّة أولا على الطرف المقابل قبل العودة إلى حكم المقدّس فيها لأنه سيبرره في مرحلة أو مستوى ثان دينيًا وبذلك يعطي للنصّ المقدّس المنزلة الثانيّة ليحوّله إلى أداة لإضفاء الشرعيّة والقداسة وينزع عنه صفة الحكم الإلهي الذي ينظم حدود هذا الفعل ويجرّمه. ولفك لغزّ التعالق الحاصل بين العنف المؤسس كفعل إجرامي بوصفه الأصل والأساس والبداية وكيفيّات نشوء المقدّس في أحضانه، محاولين تعليل مبررات هاته النشأة وأثرها على حياة الجماعات الإنسانيّة في التاريخ.

فالمقدّس داخل المنظومات الفكريّة التوحيديّة يسمى مقدّسا لارتباطه بالعلّي ولرمزيته عليه وإنّ لكل مجتمع مقدساته ولا يوجد ولا يمكن أن يوجد مجتمع من غير مقدّسات مهما كانت درجة علمانيّته (مجتمع نفاتي) لابد وأن تكون له مرجعيّة تأسيسيّة لفكره والتي تمثل إطارا يتكلم باسم المطلق وكل ماهو مقدّس مفارق. يتبين مما سلف أنّ أيّة محاولة للتعريف بهذا المصطلح المفهومي ، لا ينبغي أن تتجاهل العلاقة الوثيقة على مرّ التاريخ الإنساني، بين العنف والتمثلات أو التصورات المحيطة به، فالنقاشات الدائرة حوله سرعانما تجد مبرراتها في غياب الاتفاق الصريح والواضح حول مفهوم محدد للعنف، أو على الأقل في طابعه الإشكالي.

فالتفكير في ظاهرة العنف لا يمكن أن ينفصل البتّة عن خمس زوايا هامة تتمثل في أشكال مظاهره وحدود شروطه وغاياته التي يطمح فاعل العنف الظفر بها، وعن المواقف التي يتطلبها والإجابات التي يستدعيها، فكل تعريف يلائم سلماً من القيم والمعايير الثقافية، وينطلق من سلوكات سائدة مقبولة أو مرفوضة اجتماعياً وثقافياً.

هذا الطابع الإشكالي الذي يدعونا إلى تحديد مجال مساهمتنا من خلال تعيين وضعيّة العنف من داخل المقدّس"العهد القديم" والتي نسعى إلى تحديد منابعها والأسس التي انبنت عليها بمختلف تجلياته وأبعاده، لدى فئة اتخذت من العنف سبيلا وأداة للإستيطان بين الشعوب والأمم وهي فئة اليهود بني إسرائيل.

 

2. عنف تجاه يهوه4 أو إيلوهيم5 :

يحدد العهد القديم جملة من الأعمال والأقوال التي تنسب إلى الله منها:

• التشابه بين الله والإنسان في الصورة والشكل: ما ورد في سفر التكوين الإصحاح الأول العدد 26 : نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. وفيه أن الله قد صوّر الإنسان على صورته كمثاله فهو شبيهه في الخلقة والشكل أو المظهر وحاشى أن يتشبه الخالق بالمخلوق في الصفات

• الله ينهكه العمل في خلق السماوات فيتعب ويرتاح أو يأخذ وقتا من الراحة ليستعيد نشاطه من جديد كما ورد في سفر التكوين 2:2 وانتهى الله في اليوم السابع من عمله الذي عمله في اليوم السابع من كل عمل الذي عمله

• الله يمشي كالإنسان فيسمع وقع خطاه في الجنة كما ورد في سفر التكوين3: 8-10 أيضا:"فسمعا وقع خطى الرّب الإله وهو يتمشى في الجنة عند نسيم النهار فاختبأ الإنسان وإمرأته من وجه الرّب الإله فيما بين اشجار الجنة فنادى الرّب الإنسان وقال له أين أنت قال إني سمعت وقع خطاك في الجنة فخفت لأني عريان فاختبأت." (وهنا كانت اللّحظة القادحة في التاريخ السقوط لحظة معرفة آدم أنه عريان ولحظة معرفة الله أنّ آدم أصبح يمتلك المعرفة بعد أن أكل من شجرة المعرفة وكأن الله لا يعلم شيئا إلا بعض الاشياء أو المعرفة عن طريق الصدفة أو الإعلام من الغير)

• الله يخدم سيدنا نوح فيغلق عليهم باب السفينة التكوين7: 16: والداخلون دخلوا ذكورا وإناثا من كل ذي جسد كما أمر الله نوحا وأغلق الرب عليه باب الفلك (الرّب هنا يقوم بدور الخدمة لنوح ويغلق الباب عليه في السفينة)

• الله ينعم بالرضى من الإنسان كما جاء في التكوين 7 : 21 : فتنسم الرب رائحة الرضى (هل الله يرضى عن نفسه أم الله الذي يرضى على عباده)

• الله لا يعلم صنع الإنسان: التكوين 11 : 5 فنزل الرب ليرى المدينة والبرج اللذين بناهما بنو آدم (مدينة بابل وبرجها)

• الله لا يستطيع التمييز بين بيوت بني اسرائل وبيوت المصريين فيأمرهم أن يمييزوا بيوتهم بعلامة من الدم كما ورد في سفر الخروج الإصحاح 12 العدد 21-23 : فدعا موسى جميع شيوخ اسرائيل وقال لهم : اقطعوا وخذوا لكم غنما بحسب عشائركم واذبحوا الفصح ثم تأخذون باقة زوفى وتغمسونها في الدم الذي في الطست وتمسون عارضة الباب القائمتيه بالدم الذي في الطست ولا يخرج أحد منكم من باب منزله."

• تشبيه صورة الله بقرون الجاموس والأسد واللّبوة: سفر العدد 24: 8-9 :" إنّ الله الذي من مصر يخرجه هوكقرون الجاموس له جثث أعدائه يفترس عظامهم ويحطّم وبسهامه يضرب جثم وربض كالأسد وكلبوة فمن ذا يقيمه."

• مخادع يتحيّل على شعبه: كما ورد في ارميا 4 :10 " فقلت أه يا سيدي الرب حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب ."

• يسكن في الضباب مرة ومرة أخرى في جبل صهيون قرب القدس: (الملوك الأول 8 : 12/13) كما ورد على لسان النبي سليمان وقال الرب إنه يسكن في الضباب إني قد بنيت لك بيت سكنى مكانا لسكناك إلى الأبد." وما ورد في يوئيل 3/21 " رب يسكن في صهيون."

• يُسْمَعُ صوت زفير أحشائه كما ورد في سفر النبي إشعياء 63/15 قال :" زفير أحشائك ومراحمك نحوي امتنعت."

• إله يعقوب ينزل ويصعد معه من إلى مصر: أنا أنزل معك إلى مصر وأنا أصعدك أيضا." كما ورد في سفر التكوين 46/4

• تشبيهه ببعض الحيوان خاصة في مستوى الأفعال الوحشية التي تنسب إليه كفعل وحشي ملتصق به كما ورد في سفر هوشع الاصحاح 13 العدد 7/8 :" فأكون لهم كالأسد أرصد الطريق كنمر أصدمهم كدبة وآكلهم هناك كلبوة."

• إلههم لا يعلم إلا بالتجربة: التكوين 1/31 : إلههم لم يكن يعلم نتيجة ما يعمل ويخلق والدليل على ذلك ورود " إذا " الفجائية فقد تفاجئ من النتيجة التي حصل عليها اثر عملية الخلق

• إله بني اسرائيل لا يعقل خلقه وهو ضعيف مهزوم أمام عبده يعقوب عند مصارعته فنيئيل (معناه وجه الله) كما قصها سفر التكوين الاصحاح 32: 24/28" وبقي وحده صارعه إنسان حتى مطلع الفجر وعندما رأى أّنّه لم يتغلّب على يعقوب ضربه على حُقِّ فخذه، فانخلع مفصل فخذ يعقوب في مصارعته معه فقال "أطلقني لقد طلع الفجر" فأجابه يعقوب "لا أطلقك حتّى تباركني" فسأله ما اسمك؟ فأجاب يعقوب." وكأننا بقصة خيالية الله يهزم أمام عبده ولا يعرف اسمه ويستنجده ليطلق صراحه قبل بزوغ الفجر فهو لا حول له ولا قوة على تخليص نفسه من بين يدي يعقوب العبد النبيّء فكيف سخلص عباده المؤمنين بخلاصهم على يديه من الخطيئة. قصص غريبة تمس بقدسية الله ولا تحترم ذاته وتلصق به التهم والتشابيه التي ليست من ذاته ولا صفاته فهو الذي يقتل ولدي هارون الكاهن لأنهما قدما بخورا على نار غريبة وشتت شعبا أراد أن يبني برجا ومحتاج إلى سياف حارس يحرس له طريق الجنة خوفا من خيانة عبد آدم الذي أصبح ممتلكا للمعرفة بعد أكله من شجرة المعرفة ويشتكي إلى صاموئيل لأن شعب اسرائيل يريد أن يكون له الملك والحكم ويعتبر ذلك تحديا له. وهو محتاج إلى النصيحة من النبيء موسى لكبح غضبه والعدول عن الانتقام وضبط النفس كما قصه سفر الخروج 32: 10/14 " والأن دعني وغضبي المحتدم فأفنيهم، ثمّ اجعلك أنت شعبا عظيما." فابتهل موسى إلى الرّب وقال لماذا يحتدم غضبك على شعبك الذي أخرجته من ديار مصر بقوّة عظيمة وذراع مقتدرة؟ لماذا يشمت فينا المصريين قائلين" لقد احتال عليهم الههم فآخرجهم من ههنا ليهلكهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض. فارجع عن حموّ غضبك ولا توقع هذا العقاب بشعبك... فتراءف الرّب ولم يوقع العقاب الذي توعّد به." إن كان هذا حال فعلهم وقولهم تجاه الخالق فكيف هو حال أنبيائهم ومرسليهم؟

 

3. عنف ضد الأنبياء:

شوهت بني اسرائيل صور أنبياء الله وسيرتهم بأفعال ليست من أفعال الأنبياء والصديقين فألحقت بهم كل فعل نجس دنس والصقت بهم كل صفات الشرور والاحقاد والمكر على الله وعلى بني جنسهم من ذلك:

أ‌. نوح : التكوين 9: 20/27 : شرب من الخمر فسكر وتعرى فأبصر حام أبو كنعان عورة ابيه وأخبر اخويه خارجا... فلما استيقظ نوح من خمره ... قال ملعون كنعان." كيف يلعن كنعان وهو الذي لم يبصره ولم يخلق في ذاك الوقت ومن أبصره هوابو كنعان حام وهو مازال صغيرا وقتها وما هذا التلاعب بالأسماء واللعن الذي وجه إلى كنعان هو حقد دفين على أبو العرب قبل أن يخلق لكي يكون مبررا لقتلهم فاختاروا ان يكون اللاعن الأول لهم نوح عليه السلام.

ب‌. لوط : اتهموه بالسكر والزنا بابنتيه كما ورد في سفر التكوين قصة خطيئة لوط وابنتيه (19: 30-37) اللتين اسكرتاه واضطجعتا معه فولدت الكبرى من اباها ولدا دعته موأب ومعناه من الاب وهو ابو الموأبيين الى اليوم أما الصغرى فولدت ابنا ودعته بن عمي ومعناه ابن قومي وهو أبو بني عمون الى اليوم.

ت‌. هارون : اتهموه بالشرك وصناعة العجل (الخروج 32: 21/29) وخيانة الرب(التثنية 32/51)

ث‌. موسى : جعلوه قاتلا للناس (التثنية 20/1) و(العدد 31: 17/18) ومستعبدا لهم (التثنية 20: 10/11) كما جعلوه في قصصهم مغضوب عليه من الله وهم الذين غضب الله عليهم وهو الضالين كما ورد في (التثنية 32: 51)

ج‌. داود : جعلوه كالنبي موسى قاتلا مستحلا للدماء كما ورد في أخبار الأيام الأول 28: 3/6 وما فعله من تنكيل ومجازر ببني عمون كما ورد في صاموئيل الثاني 12/31 حتى أنّ الله لم يقبل منه مهمة أن يبني هيكله بل أوكلها إلى ابنه سليمان لأن الله غاضب عليه كما غضب على النبي موسى كما ورد على لسان النبي صموئيل الثاني العدد 12: 10/13 كما رجموه بتهمة الزنى مع جارته صاموئيل الثاني 11 وأبناءه ايضا زناة فهاهو أبشالوم يزنى بأخته ثامارا (صاموئيل الثاني 13) واتهموا زوجته بعبادة الأصنام (صاموئيل الأول 19/13) .

اتهامات متعددة موجهة للنبيّ داود وأهل بيته من قتل وزنى وزنى المحارم وعبادة للأصنام. فالعنف المسلّط تجاه عنفان عنف الفعل وعنف القول. فهذه العنصريّة القوليةوالفعلية بصفتها عقيدة من البديهي أن تصبح ايديولوجيا لها جذور وتحارب فئة من اليهود بها ومن أجل تطبيق شريعتها الأمم الأخرى على اعتبارها عقيدة مقدّسة وسليمة من سير الأنبياء في العهد القديم إذ أننا قد بينا أنّ أنبياؤهم قد عبروا عدة مرات في نصوص العهد القديم عن رغبة وحشية في الإفناء بعض المجموعات البشرية افناء مرعبا دون أن تأخذهم بهم رحمة على اختلاف فئاتهم العمرية رضعا وأطفالا شيبا أم شبابا شيوخا أم نساء. فالارتباط الأمم بهذه الأيديولوجيات العرقيّة منها أو الدينيّة، إنما هي تضع نفسها في مقام المحكوم عليه شرطيا والخاضع إلزاميا بأن يكون مرتبطة بسرديات كبرى تختلف حدودها الزمنيّة إما تقاربا أو تباعدا تعاضدا أو تقابلا بحسب اختلف غايات وعقول وأفكار أحبارها القريبة والبعيدة والتي ساهمت في تحوير وتوظيف النصّ المؤسس حسب ما تقتضيه الحاجيات الزمنيّة والأغراض التاريخيّة والحضارية لها. لترتبط عبر الزمن بالمقدّس وتصبح نصّا مؤسسا لقوانينها وشرائعها وتعدّها من مكونات هويتها الخاصّة، وإنّ كلّ مساس بهذه الهويّة الدينيّة سيؤدّي ضرورة إلى تغذية تلك المجموعة الإنسانيّة التي تشترك أو تنضوي تحت هذه الدائرة أو المجموعة الدينيّة الواحد بالعنف تجاه الأخر، هو عنف يتفجر عند أول اختبار أو مواجهة من أجل إثبات ملكيّة أو انتماء دنيويّ(الأرض مثلا).

يضاف إلى كل ذلك بعض التفسيرات الضيّقة للدين التي تشحن الشخص التوراتي بفكرة رفض الآخر المختلف عقائدياً، اذ توهم أتباعها بالتفوق وتتهم الآخرين بالدونيّة والأنيّة العنصرية المرضية المبطنة بدوافع الحقد والكراهيةتجاه الآخر، باسم القانون الإلهي المقدّس أو بآسم التفوّق والنقاء العرقي (أبناء الله، شعب الله المختار وفق العهد الذي أعطاه يهوه إليهم) انتهكت بعض الجماعات الأصليّة، ودنّست وسلبت منها خصوصياتها وهوياتها وجرحت كرامتها الجوّانية، وتزعزعت العلاقات بينها وبين المنتهك باسم الرّب وبذريعة الأحقيّة الشرعيّة في الملكيّة وفي البقاء الإنساني دون سواء من الجماعات الإنسانيّة.

فالحضارات الأولى البدائيّة قد اكتنزت كمّاً هائلاً من الممارسات العنيفة التي هبّت كالأعاصير المدّمرة ضدّ الجماعات والشعوب الأخرى باسم الغزو من أجل الإيمان، تلك الحوادث التاريخيّة هي حوادث دينيّة بالأساس أو حوادث ذات مرجعيّة دينيّة بغض الطرف عن موقعها في الزمان والمكان وعن خصوصياتها بأي أمة ارتبطت وتجاه من كانت؟. فالسؤال هنا أي إيمان ينشره الغاصب القاتل: إيمان السيف أم إيمان الوحي؟ عن أي مرجعيّة إلهيّة ينتمي؟ وعن أي إله مساند له يبرر أفعاله وعنصريته؟

فالعنف تلك الطاقة الداخليّة الحبيسة في عمق النفس البشريّة. والتي إتخذت لها مُغَذْياتُ شخصيّة أو نفسيّة أو سياسيّة أو التاريخيّة أو دينيّة، وحينما تتفجر تكون ممارسة عميّاء المشحونة بالكراهية والغيرة العمياء تندفع بقوة عنيفة لتحرق كل ما يعترضها لأن العنف لا يمكن أن ينتج سوى طلاق متماد بين القيّم الأخويّة الإنسانيّة وبين منتوجات الإنسان الأنانيّة. فالكائن البشري منذ بدء الخليقة كما ليس طيبا ولا شريرا يتقلب بين هذا وذاك ، إنه متناقض فهو الإثنان معا، حمل في طيات نفسه ثنائيات متناقضة من الكراهيّة والحب، الغيرة والأنانيّة فهو لا يمكنه أن يكون طيبا إلا بفضل التربيّة وبفضل مكتسبات الحضارة.

العنف لم يتأتى من فراغ تاريخي أو زمني بل هو نتيجة تراكمات من الفعل البشريّ في الحياة الدنيا. وجوده كان نتيجة مسألة تأسيسيّة كبرى جعلت من هذا الفعل " العنف " سيرورة تاريخيّة تجسدت بصفة رسميّة وتشريعيّة في القانون الإلهيّ والأنظمة المذهبيّة واللاّهوتيّة الدينيّة عبر التاريخ.

لذلك كان هاجس الإنسان الأساس وسعيه الدؤوب منذ لحظة سقوطه على وجه الأرض تحقيق أعلى درجة من الاطمئنان والسكينة الجسديّة والروحيّة، فكان محور تقليده هو الحفاظ على ذاته من الهلاك ومن العوامل الخارجيّة التي تتهدده من الطبيعة بمختلف مركباتها وعناصرها المادية. إضافة إلى تلك التراكمات المعرفيّة والمنهجيّة حول هذا المفهوم الذي ارتبط إرتباط وثيقا بالوجود الإنساني.

فالتاريخ أعظم سجل قد دوّن للإنسانيّة على صفحاته أغرب أساليب العنف والعدوان والتعسف الفردي والجماعي تجاه الأفراد والجماعات الأخرى، والشعوب والأمم. فعل دموّي اقترفته المجموعات المتطرفة أو التي آمنت بسلوك العنف كموصل لأهدافها وتحقيق مبتغاها. إلا أننا سنحاول جاهدين دراسة العنف كظاهرة من الظواهر التي برزت على مسرح الحياة بشكل فج يستحق البحث من مختلف التخصصات.

 

4. العنف ضد الأمم الأخرى:

لئن أفتتح التاريخ البشري بالطرد من العالم العلويّ إلاّ أنّ أوّل حادث تاريخيّ يشهده بني آدم في الأرض هو الموت أو القتل. ففي نوبة من الغيرة تدفعها مشاعر الكراهيّة، قتل قايين أخاه هابيل. فالعنف حدّ الموت يمثل عمليّة من عمليات كتابة التاريخ، وهو بصورة من الصور عمليّة لتوقيع الغائب في التاريخ، وجعله حدثًا تاريخيًا يصل مرتبة القداسة في بعض الأحيان.

فالغياب الجسدي للفقيد دائما ما يجعل الإنسان الذي يبحث فيه حاضرا معه وفيه داخليًا رغم أنّ الموت قد أقام فارقا بين العالمين العلوي والسفلي. إلّا أننا دائما ما نطلب من الدين أنْ يؤل لنا ذلك الفعل التاريخي البشري ولكن بصياغة أو أسلوب فني يلعب دور المعزي لكل الآلام التاريخيّة.

فالعنف على اعتباره أول فعل أو حدث تاريخيّ وقع بعد حادثة الطرد أو سقوط آدم وزوجه "حواء" قام به الإنسان تجاه أخيه الإنسان قام به قايين Cain تجاه أخيه قابيل Abel إلا انه اكتسب صفة القداسة من القراءات والتفسيرات الدينيّة المغرقة في الغيبيات إذ ارتبط هذا الحدث العنيف بين الأخوين بالمقدّس لاعتباره الدافع الرئيسيّ التي تمّ من أجله هذا الفعل وهو التقرّب لله عن طريق (القرابين الإلهيّة)، كما ورد في سفر الخليقة الإصحاح 4: "وَحَدَثَ بَعْدَ مُرُورِ أَيَّامٍ أَنْ قَدَّمَ قَايِينُ مِنْ ثِمَارِ الأَرْضِ قُرْبَاناً لِلرَّبِّ، (4) وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضاً مِنْ خَيْرَةِ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَأَسْمَنِهَا. فَتَقَبَّلَ الرَّبُّ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَرَضِيَ عَنْهُ.(5) لَكِنَّهُ لَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ قَايِينَ وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً وَتَجَهَّمَ وَجْهُهُ كَمَداً.(6) فَسَأَلَ الرَّبُّ قَايِينَ:« لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ لماذا تجهّم وجهك؟

هذه البداية التي ستكون بداية تراكم قوى الحقد والكره والتفكير في الانتقام في نفس قايين تجاه أخيه هابيل. اللّحظة القادحة لفعل العنف في الحياة البشرية والذي سيقودها منذ فجر بزوغها إلى سلسلة من أفعال العنف والقتل منذ لحظة قتل هابيل إلى ما لا نهاية و- أقصد بها اللحظة الراهنة التي تعاش أما المستقبل لعلّ الله يحدث فيه أمرا- . إذ أخذت بعدها النزعة الإرهابيّة وإيديولوجيّا العنف والعدوان تجاه الأخر تتأصل في الإنسان وتصوّغ لها المبررات الدينيّة والسياسيّة رغم أن بديتها هي حرب أهليّة بين أفراد الأسرة أو العشيرة الواحدة إلى أن نضجت واتسعت عبر الزمن واتخذت اشكال وطرق مختلفة.

هذا الاقتتال الأهلي اتجه نحو التصلّب والتطرّف ليصبح جزءًا من النسيج التكوينيّ والمعرفيّ والدينيّ للشخصيّة الإنسانيّة لأنه حدث تاريخي مشترك بين جميع البشر على اختلافهم العرقي والإيديولوجي في توظيف أحادي وقراءة سطحية للنصّ رغم أنّ الإسلام قد حرّم قتل النفس كما نزّل في قرآنه الكريم في سورة المائدة الآية 32 :" مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا."

لهذا الدافع وغيره أثرنا الوقوف عند بعض التعاليم التوراتيّة التي تبيّن الإله في صورة مختلفة تماما لما أشرنا إليه وهي صورة الإله الذي يعلّم شعبه من بني إسرائيل، العداء للشعوب الأخرى ويثير فيهم كل أشكال العنصريّة والعصبيّة والكراهيّة وتبلغ هذه الدّعوة التوراتيّة ذروة التطرّف والعنف حين تحض باسم الربّ على استباحة واستحلال النساء والأموال والأعراض ودماء الأمم والشعوب.

بدأ النصّ التوراتي يلعب دوره في تسيير الأفعال في التاريخ ، تاريخ اليهود الممتد لأكثر من أربعة ألاف سنة والحافل بالشواهد والبراهين التي تؤكد على التربيّة التوراتيّة العدوانيّة لليهود تجاه الأخر الذي هو بصورة أخرى "الأنا" الخارج عن منظومتهم العقدية والفكريّة، التي تتحول بفعل هذه التعاليم ودائما عبر التاريخ إلى طقوس وشعائر يتعبد فيها ويمارس اليهود من خلالها فعل تطرفهم وعدوانيتهم تجاه الشعوب الأخرى المؤمنة بالله الذي هو إلههم وإلهي وإلهك وإله كل إنسان الخالق الأول الواحد الأحد كما ورد في سفر التثنية 11: 23 /25 " يطرد الرّب جميع تلك الأمم من أمامكم فترثون شعوبا أكبر وأعظم منكم وكل موضع تطأه أقدامكم يصبح لكم فتكون حدودكم من الصحراء في الجنوب إلى لبنان ومن نهر الفرات إلى البخر الأبيض المتوسط غربا ولا يجرؤ انسان على مقاومتكم. لأن الرّب إلهكم يجعل الخوف والرعب منكم يسودان على كل الأرض"...

هل هذه الصورة التي يريد اليهود أن يضفوا عليها نزعة القداسة منذ لحظة إنبعاثها في المخيّلة العقديّة اليهوديّة هي انعكاس لمرارة العذبات التي تجرعتها الأقليّات الدينيّة اليهوديّة في الحقبة التاريخيّة الفرعونيّة ولازالت تعتبر مرضا مزمنا لا يمكن التخلّص منه في ذاكرة كل يهودي أضف الى ذلك الاضطهادات التي شهدتها عبر التاريخ بقديمه ووسيطه؟ 6

يتبع

 

عفاف المحضي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3525 المصادف: 2016-04-30 04:46:10