 دراسات وبحوث

عنف المقدس.. العهد القديم أنموذجا (2-2)

afaf almouhdiتستند الديانة اليهوديّة على مرجعين أساسيين: التوراة أو ما يسمى بالتاناخ والتلمود ومعناه التعاليم أو الهدي والإرشاد، إذ يشتمل على مجموعة من التفاسير والشروح للقسم الأول من العهد القديم وضعها مجموعة من العلماء والحاخامون وأحبار يهود مشافهة تبعها التدوين اكتسبت بمرور الزمن طابع القداسة وشرعيّة.

كما يتضمن السفران الأخيران سفر العدد (الذّي يتضمن إحصاءات تتعلق بالشعب المختار) وسفر التثنيّة أو ما يسمى كذلك بتثنية الإشتراع (الذي يمثل تتمّة لشريعة موسى) على وصف للفتح الذّي تمّ على يد موسى في الجانب الشرقي من الأردن وكيفية توزيع الأراضي التي غنموها من الحرب أو ما يسمونهم في شروحهم بالوثنييّن الأغيار أو "الجوييم" ومعناها باللّغة العربيّة (قوم أو شعب) كما كان يطلق هذا اللّفظ على مدينة في كنعان، وقد استخدمت هذه الكلمة للتفريق بين اليهود وبقية الشعوب الأخرى.

فكل إنسان لا يتبع الديانة اليهوديّة يعتبر من الأغيار، ثم مع التطور التاريخي للمفهوم تطور معنى هذه الكلمة في العقيدة اليهوديّة من الإشارة إلى الأمم الأخرى إلى استخدامه في الذّم والقدح في الغير الخارج عن المنظومة الإيديولوجيّة اليهوديّة ، وقد استخدمها المفسرون اليهود في عدة استخدامات في بادئ الأمر، كتسميّة لعبّاد الأوثان، وفي (الجرييم) أي المجاورين لليهود، إلى أن استخدمت في الإشارة إلى النصارى والمسلمين.

وتأسيسًا على العوامل التي ذكرتها آنفا من الممكن القول بأن للنّص الديني علاقة كبرى في تبلور فكر العنف بشرط وجود سياق اجتماعي يحتويه وعلى سلطة سياسيّة أو عسكريّة وقبليّة تحتكره باسم الدين والمقدّس والحق الإلهي والأمر الإلهي والمبررات لذلك كثيرة تختلف وتتنوع في الزمان والمكان وباختلاف النصّ المؤسس لها.

إذ ليس النصّ الديني بحدّ ذاته مسؤولًا مسؤوليّة مباشرة عن العنف بقدر دخول الذّات من خلال الأشكال المتعددة للتدّين للتفاعل مع هذا النّص من خلال أدوات بشرية تفسيريّة وتحليليّة واعتقاديه وحتى تحريفية بنوعيها المعنوي واللّفظي، فعندما يتم تبني النصّ كمقدّس تتبنى الذّات الوثوقيّة كموقف لها يقوم على التنظيم الإجباري والإكراه التعسفي لمحاولة السيطرة واخضاع المجموعات البشرية تحت منظومة واحدة تعتقد في قداستها وسمو حقيقتها، ولن نعدم في ذلك صورًا عديدة من الممارسات الوحشية التي تتم تحت شعار حماية المقدّس، وباسم المقدّس،و إن حضور عدة مفاهيم لاإنسانيّة في الذهنيّة اليهوديّة "كشعب الله المختار" و"التفوّق الجنسي" و"أبناء الله" ومنطق "الوعد الإلهي لبني إسرائيل بامتلاك الأرض الموعودة " وجعلهم أسياد عليها ومنطق "الاستعلاء" سيساهم في إعطاء حق الغلبة والسيطرة لشعب على حساب شعوب أخرى باسم المقدّس. فهل العنف التوراتيّ هو وليد أوضاع تاريخيّة واجتماعيّة وسياسيّة أم هو عنف مقدّس؟

إنّ الوقوف على التعاليم التوراتيّة اليهوديّة تبين أنّ إلههم" يهوه" يعلّم شعبه المختار العداء لبقيّة الشعوب ويثير فيهم كل أشكال العنصريّة والعصبيّة والاستعلاء والكراهيّة والتطرّف الذي هو سبيل من سبل العنف. لتبلغ الدّعوة التوراتيّة ذروة التطرّف والعنف حين تحض على استباحة دم الأمم والشعوب واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم وأطفالهم وشيوخهم وحتى دوابهم إذ يخاطب الرّب شعبه اليهودي على لسان نبيّه صموئيل الأول 15/3 :" فأذهب الآن وهاجم عماليق واقض على كلّ ماله. لا تعف عن أحد منهم بل اقتلهم جميعا رجالا ونساء وأطفالا ورضّعا، بقرا وغنما، جمالا وحميرا."

فالنصوص التوراتيّة حافلة بالشواهد التي تؤكد على التربيّة العدوانيّة التي ترتكز على فعل العنف والقتل والترهيب بمعنى الإرهاب الذي يتحول بفعل هذه التعاليم إلى طقوس وشعائر دينيّة مقدّسة يمارس بها ومن خلالها اليهود فعل تطرفهم وعدوانيتهم تجاه الأمم الأخرى بأمر من الرّب أو بتكليف منه لقوله في كتاب صموئيل الأول 15/18:" وكلّفك بمحاربة عماليق والقضاء عليه قضاء مبرما."

و أمّا ما ورد في رسالة النبي إشعياء 48/22:" أما الأشرار فلا سلام لهم يقول الرّب."إذ تستخدم هذه النصوص كما لو أنها صكّ ملكيّة شرعية" صادرة عن يهوه صاحب الوحي الإلهي عند اليهود لأنهم الأولى بهذا التكليف وفقا للوعد المبرم مع النبي إبراهيم لتصفية الأغيار "الجوييم" وتنقيّة الأرض من فسادهم الذي أغضب الرّب إلههم من جهة ومن جهة أخرى محاولة ضمان المصالحة من جديد مع الرّب إلههم ورتق الفتق الذي أحدثه أبا الخليقة الأول مع زوجه حواء. أي شرعية أو شرْعنَةٍ يتحصن بها فعل العنف في العهد القديم؟ مع تعدد التفاسير والمبررات التي أوجدها أحبارهم ومفسريهم لتلك الأفعال الوحشيّة الدمويّة أخذت النزعة الإرهابيّة وإيديولوجيا العنف والعدوان تجاه الأخر تتأصل فيهم وتنضج وتتجه نحو التصلّب لتصبح جزءًا من النسيج التكويني والمعرفي للشخصيّة اليهوديّة.

فتعددت بذلك السرديات التوراتيّة لقصص الحروب التي خاضها اليهود تجاه الأمم عبر الأزمان وعن كيفيّة الاستيلاء على المدن وأسلوب التعامل مع أهل المدن والبلدان الذي يطغى عليه منطق "التحريم" وهو المصطلح التوراتيّ المعرّب والذي يعني الإبادة والهلاك كما ورد في سفر التثنية أو ما يسمى أيضا بتثنية الإشتراع الاصحاح 13 العددين 16-17 يقول فيه:" واجمعوا كلّ أمتعتها وكوّموها في وسط ساحتها وأحرقوا المدينة مع كل أمتعتها كاملة، انتقاما للرّب فتصبح تلاّ خرابا إلى الأبد لا تبنى بعد ولا يعلق شيء بأيديكم ممّا هو محرّم منها ليخمد الرّب من احتدم غضبه ويمنحكم رحمة." ولكن أي رحمة تعطى ملوثة بالدماء الأنفس البشريّة نساء وأطفالا شيوخا وشبابا مرضى وأصحاء؟ أي ذنب اقترفوه؟ لم قتل موسى ويشوع وصاموئيل وداوود أهل كنعان حسب ما جاء في توراتهم؟

ذنبهم الوحيد أنهم استقبلوهم بعد أن تاهوا في الأرض هاربين من عذاب فرعون ذنبهم الوحيد حسب الفكر اليهودي أنهم لم يخلقوا أبناء يهوه ذنبهم الوحيد أنهم أغيار حرموا بتكليف من يهوه اليهود على يد قوم ناقمين.

استعمل لفظ التحريم وفق درجات متفاوتة في كتاب يشوع المتضمن للإبادة الجماعيّة التي أمر بها الله قائده العسكري والروحي يشوع خليفة موسى ليقوم بها في عدة جماعات وقرى ومدن وبلدان لتطهير الارض منهم ولتربيتهم. ومن تلك المدن الذي أنزل بها الفساد مدينة اريحا كما ورد ذكرها في كتاب يشوع 4/13 يقول :" فكانوا نحو ألف جنديّ متجرّدين للقتال عبروا أمام الرّبّ للحرب إلى سهول أريحا.

ولم تسلم منهم مدينة عاي كما ورد في الإصحاح (6: 17-21) "اجعلوا المدينة وكل ما فيها محرّم للرّبّ (...) ودمّروا المدينة وقضوا بحدّ السّيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ حتّى البقر والغنم والحمير." وكذلك يشوع (8:24) "ثمّ أتيت بكم إلى أرض الأموريين المقيمين شرقّي نهر الأردن فحاربوكم، غير أنّي أسلمتهم إليكم فامتلكتم أرضهم وأبدتهم من أمامكم." إضافة إلى مجموعة من المدن والقرى الأخرى التي استولى عليها يشوع وأقام فيها إبادة جماعيّة كما ورد في الإصحاح 10: 28 /41 (أنظر الكتاب المقدس ص 290-291) وبلدة حاصور (الإصحاح 11: 20)" لأنّ الرّب نفسه هو الذّي قسّى قلوبهم لخوض الحرب ضدّ إسرائيل ليدمرهم الإسرائيليّون ويفنوهم من غير رأفة كما أمر الرّب موسى." أما ما فعله في العناقيون ومدنهم فكان الإصحاح 21 العدد10/ 11 شاهد على ذلك في قوله."أخذ أبناء هارون من عشائر القهاتيّين اللاّويّين قرية أربع أبي عناق المعروفة بحبرون في جبل يهوذا مع مراعيها المحيطة بها".

هكذا طبق يشوع بن نون أوامر الرّبّ يهوه في حق الشعوب الأخرى دون أن تأخذه بهم رأفة ولا رحمّة هم أنبيّاء القدوّة والقوّة لبني إسرائيل والقادة العسكريّين ورموز البطولات العسكريّة إذ أنّ عبارات القتل والإفناء والاستئصال تتكرر بصفة عادية داخل الأسفار التوراتيّة عند كل سرد لوقيعة أو احتلال لمدينة إذ يعدد عهدهم- العهد القديم- عدد الملوك الذين قتلهم يشوع بن نون وأباد شعوﺑﻬم فيقول في إصحاحه 12/24 "جميع الملوك واحد وثلاثون." لكل من بلاد الحثّيّين والأمورييّن والكنعانيّين والفرزيّين والحّوّيّين واليبوسيّين (أنظر يشوع 12/8).

هذا التراث التوراتيّ الحافل بكل أشكال العنف والكراهيّة يشرع إلى العنف والتطهير إذ يطوّب كل من يفعل هذا بأمر الرّب كما ورد في مزمور 137/9 :" طوبى لمن يمسك صغارك ويضرب بهم الصّخرة."و ملعون كل من أمسك يده عن الدّم والسيف كما ورد في كتاب ارميا48/10:" ملعون من يقوم بعمل الرّب متهاونا وملعون من حظر على سيفه الدّم." فماهي العلاقة التي يؤسس لها الفرد المُعْتَقِدْ بين العنف والمُعْتَقَدْ؟

إنّ ما اتخذته الجماعة اليهوديّة من أعمال وحشيّة في أحلك أيامها وأقساها تجاه الإنسان تعتبر من الأعمال التطهيريّة ذات طابع قدسي في مرجعيتها الفكريّة والإيديولوجيّة لأن لها مبرراتها وغاياتها الشرعيّة التي شرعت لها القيام به ألا وهو التقرّب إلى يهوه زلفة ودرء غضبه ونصرته على القوم الوثنييّن، وفقا لما ورد في سفر التكوين أو ما يسمى أيضا بسفر الخليقة والذي أخبر فيه يهوه نبيّه إبراهيم أنّ نسله سيبقى أربع مئة سنة في أرض غريبة وبعدها سيعودون إلى أرض كنعان لأن شرّ الأموريّين والكنعانيّين لم يكتمل بعد (أنظر التكوين15: 13/15)7 .

تعددت الآيات المحرضة على العنف في العهد القديم بدءً من سفر التكوين 16: 12 (وَ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا يُعَادِي الجَمِيعَ والجَمِيعَ يُعَادُونَهُ، ويَعِيشُ مُسْتَوْحِشًا مُتَحَدِيًا كُلَ إِخْوَتِهِ)8 وما ورد في سفراللاويين (20/9)9 وسفر العدد(31- 2) والكلام هنا موجه إلى موسى بإنتقام :" قَالَ آلرَّبُّ لِمُوسَى اِنْتَقِمْ مِنْ المَدْيَانِيّينَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ."10 وسفر التثنية (11/23،14/2) وما ورد في كتاب يشوع بن نون الإصحاح (11: 10-12) "وَ قضوا فيها على كُلَّ نَفْسٍ بِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. فلَمْ تيبْقَ حيًّ. وَأَحْرَقَوها بِالنَّارِ. واسْتَوْلَى يَشُوعُ كُلَّ مُدُنِ أُولَئِكَ الْمُلُوكِ وَجَمِيعَ مُلُوكِهَا وَضَرَبَهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمَهُمْ كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ11 .

وكذلك سفر صموئيل الأول الإصحاح (15- 3) " فَاذْهَبْ الأن وهاجم عَمَالِيقَ وآقض عَلَى كُلِ مَالِهِ ولاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً طِفْلاً وَرَضِيعاً، بَقَراً وَغَنَماً، جَمَلاً وَحِمَاراً وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيّا، وحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ12 " وفي دائما في نفس السفر يحرض الرّب إلههم على القتل ويستجيب بني اسرائيل للأمر كما ورد في الإصحاح 15 العدد20:" فَأَجَابَ شَاوُلْ قَدْ أَطَعْتُ أَمْرَ آلرَّبْ ونَفَذْتُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ بِهِ وأَسَرْتُ أُجَاجَ مَلِكِ عَمَالِيقَ وقَضَيْتُ عَلَى شَعْبِهِ."13 وسفره الثاني(12/31) وسفر النبي المتأخر عزرا (269) وفي كتاب النبي إشعياء (66/16، 48/22) والنبي ارميا (48/10) وفي سفر النبي حزقيال9:5-7 قال" أُعْبُرُوا فِي المَدِينَةِ خَلْفَهُ وآقْتُلُوا لاَ تُتَرَأَفْ عُيُونُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. اَلشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ. وَلاَ تَقْرُبُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ, وَابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي». فَـابْتَدَأُوا بِـالرِّجَالِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَمَامَ الْبَيْتِ. وَقَالَ لَهُمْ: نَجِّسُوا الْبَيْتَ, وَامْلأُوا الدُّورَ قَتْلَى. اخْرُجُوا. فَخَرَجُوا وَقَتَلُوا فِي الْمَدِينَةِ".14

و ما ورد أيضا في سفر المزامير، المزمور 137: 8-9" يَا بِنْتَ بَابِلَ الْمُحَتَمِ خَاراَبُهَا طُوبَى لِمَنْ يُجَازِيكِ جَزَاءَكِ الَّذِي جَازَيْتِنَا، طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ صِغَارَكِ وَيَضْرِبُ بِهِمُ الصَّخْرَةَ."15 وفي سفر أخبار الأيام الأول (20: 2-3) وسَلَبَ أَيْضًا غَنِائِمَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ الوَفِيرَةِ وأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِينَ بِهَا وَنَشَرَهُمْ بِمَنَاشِيرِ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسٍ. وَهكَذَا صَنَعَ دَاوُدُ لِكُلِّ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ. ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ وكُلُّ الشَّعْبِ إِلَى أُورُشَلِيمَ."16 يا لبساطة هذا العمل وإنسانيّته ،أخرجهم ثم نشرهم ثم قطعهم كلهم وكل مدن بنى عمون ثم عاد أدراجه لأورشليم. وانتهاء بكتاب النبي المتأخر هوشع (13/16)

يعتقد اليهود اليوم بجميع أطيافهم أنّ موسى قد وضع لهم أسس التقاليد العسكريّة الإسرائيليّة التي سار عليها فيما بعد بقية الأنبياء الأول كيشوع بن نون وصموئيل والأنبياء المتأخرين كإشعياء وإرميا وحزقيال ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجاي وزكريا وملاخي. وإن هذه الفكرة التي يعيشها اليهودي اليوم ويرتكب من أجلها العنف والفساد في الأرض من إزهاق للأرواح البشرية التي كان ثمنها الموت كعقوبة لكل نفس أزهقت باطلا في جميع الأديان السماوية كما ورد في مزمور داود 5/6 :" وتهلك الناطقين بالكذب لأنك تمقت سافك الدّماء والماكر".

كما تكلّم أيضا سليمان الحكيم حول الأمور التي يبغضها الرّب ومن تلك الأمور القتل لذلك أوصى "لا تقتل" (أنظر سفر الخروج 20/13). كما أدانه يهوه منذ البداية في سفر التكوين ووصف كيفية تردي حال الإنسان على أرض الخطيئة فيقول في سفر التكوين الإصحاح 6 العدد 5 ورأى الرّبّ أنّ شرّ الإنسان قد كثر في الأرض وأنّ كلّ تصوّر فكر قلبه يتّسم دائما بالإثم." لذلك يتضح بأن العنف والقساوة هما من حقائق الروح البشريّة ودواخلها النفسيّة العدوانيّة فهي روح طواقة للعنف منذ بداية سقوطها على الأرض (قتل قايين هابيل). لقد كوّن سفر يشوع العقليّة اليهوديّة المعاصرة هذا النصّ المؤسس الحاضر بكل تفاصيله في الذهنيّة اليهوديّة يلعب دورا حاسما كوحي في قيادة غريزة العنف لديه نحو الآخر المختلف دينيَّا وعقديَّا وجغرافيَّا وتاريخيَّا.

إنّ محاولة استنطاقنا للنّص التوراتي الذي تحوّل إلى ثقافة تشرعن للعنف إذ لم تكن اليهود في حاجة إلى تطويع النصّ وتأويله في مستوى التعامل مع الآخر إذ لا يمكن لأي نصّ توراتي أن يفصل عن معناه الحرفي لأنه واضح جليّ في اعتقادهم ليس في حاجة إلى تفسير.

فالعنف عندهم وفي كتابهم قد انطلقت شرارته منذ لحظة الخلق عندهم كما جاء في سفر التكوين تبدأ بعنف حين وجه العنف ضد آدم هوعنف الإمتحان الذي لحقه الفشل ثم قوّة العقاب ثم التصعيد في الموقف بالطرد والحرمان من جنات الخلد ثم بعد ذلك تتالى سلسلة العنف مع أبنائه بدءا من قايين وهابيل، ثم عنف التمييّز الإلهي بين أبناء آدم إلى أي حد يمكن للنصّ التوراتي أن يتمادى في الشرعنة الإلهيّة للعنف المخلوق للعنف الإلهي لما تحمل رفقة قبل الولادة يبشرها الربّ بأن يكون هناك شعبين الواحد عبدا (عيسو ويعقوب) سفر التكوين العدد 24 للآخر هذا الحكم الإلهي الذي لا ردّ فيه في الإعتقاد اليهودي أيديولوجيا العنف المشرعنّة ربانيا هذا التمييّز يتحوّل إلى ايديولوجيا عنصرية ضد الأخر في نبؤة الربّ لها في كما ورد في سفر التكوين الإصحاح 25 العدد 23" فقال لها الرّب: " في أحشائك أمتّان، يتفرع منهما شعبان. شعب يستقوي على شعب، وكبير يُسْتَعْبَدُ لصغير." هذه إجابة الرّب على صلاة رفقة: نبوة تقول بأن يعقوب (معناه المتعقّب) أو إسرائيل سيسود على توأمه عيسو(معناه أشعر أو المكسو شعرا)17 .

والصراع بين يعقوب وعيسو منذ أن كانا في البطن والذي استمر بعد ذلك بينهما وبين نسلهما يفسره بعض الآباء على أنه صورة لذاك الصراع المستمر بين قوى الشرّ وقوى الخير في العالم، أو الصراع القائم بين نسل المرأة ونسل الحيّة. وأي اعتقاد أسطوري يرى مثل هذه التصورات لذلك تواصلت صوره مع العهد الجديد حينما قال"ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا"(متى 34:10) ويلقي نارًا (لوقا 49:12).

حكم على عيسو قبل أن يظهر إلى العالم أن يكون في المخيّلة اليهوديّة رمزا للعبوديّة وتوّج يعقوب من الربّ بأن يكون دائما له الحكم والملك وأن يكون نسله المختار" هذه العبارة كما وصفها الدكتور عبد الوهاب المسيري هي شعلة العنف النظري الذي تشكل في المخيّلة القوميّة لليهود. " ففي البداية كان ثمّة قتل تأسيسي، كانت هناك ضحيّة مثّلت أداة ناجعة لمخادَعة العنف ومخاتلته من أجل تحييده. يتعلّق الأمر بحلٍّ مكّن من الخروج من دائرة العنف المدمّر. كان لابدّ إذن من تكرار ذلك الفعل أي القتل التأسيسي الأوّل وبالتالي تكرار فعل التضحيّة."18 عبر التاريخ.

إنّ عودتنا إلى النّص التوراتيّ ليست الغاية منها الهجاء أو تأويل ما ورد في العهد القديم أو فك رموز مبهمة ولا هو محاولة لإلقاء درسا في اللاهوت بل هو بحثاً عن الأسباب التاريخيّة لظاهرة العنف المؤصل في العهد القديم تجاه الإله وتجاه الأنبياء وتجاه الإنسان. فهذا العمل لا يمكن اعتباره تفسيراً للظاهرة بقدر ما يمكننا اعتباره بحث في الأصول التبريرية التي يستند إليها اليهودي في فعل القتل بغض النظر عن مشكلات التحريف والإضافة في صلب النصّ المؤسس بالصيغة الشفويّة أو كتابيّة منها. كما أنّ أنثروبولوجيا المقدّس التي تنطلق من مسلّمات أو من افتراضات مسبّقة حول الإنسان: وإعطاء تحديدات في كينونته على أساس أنه كائن أومخلوق شرّير وسيّء الطبيعة ومنحرف وفاسد وليس العنف المسلّط منه إلاّ مظهراً تتجلّى من خلاله تلك الطبيعة العدوانيّة. إذا كان العنف قد ميّز العلاقات بين الربّ والإنسان منذ البدء فقد تحدّدت تبعا لذلك علاقة أنبياء اليهود ببقية جنسهم إذ مارسوا العنف" موسى في مصر والمديانيين ثم يشوع في غزواته ومساندته للرّب في السيطرة وتنفيذ حكم القصاص من الوثنيين الجبابرة"

قد أضحى قَدَراً وأمرا محتّماً على شعب بني إسرائيل إلى أن غدا" العنف إحدى المقولات الأساسية للإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. وقد أعاد الصهاينة كتابة ما يسمونه «التاريخ اليهودي» فبعثوا العناصر الحلوليّة الوثنيّة مؤكدين جوانب العنف فيه. فصوروا الشعب اليهوديّ في نشأته جماعةً محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة. فبيردشفسكي، على سبيل المثال، ينظر إلى الوراء إلى الأيام التي كانت فيهـا "رايات اليهـود مرتفعـة"، وينظر إلى الأبطال المحاربين "اليهود الأوائل". كما أنه يكتشف أن ثمة تياراً عسكرياً في التراث اليهودي، فالحاخام إليعازر قد بيَّن أن السيف والقوس هما زينة الإنسان، ومن المسموح به أن يظهر اليهوديّ بهما يوم السبت.

هذه الرؤية للتاريخ تتضح في دعوة جابوتنسكي لليهودي أن يتعلم الذبح من الأغيار. وفي خطاب له إلى بعض الطلاب اليهود في فيينا، أوصاهم بالاحتفاظ بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانياً، بل إنه ملك لأجدادنا الأوائل... إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء أي أن السيف يكاد يكون المطلق، أصل الكون وكل الظواهر." 19

 

خاتمة

أليس من الضروري اليوم والعالم يعجّ بالعنف ولم يعد للإنسان القدرة الكافيّة للسيطرة عليه أمام تعدد أشكاله وأسبابه وحتى نتائجه. إذ غدا كما ما يمكن أن نطلق عليه بالقوّة الظلاميّة التي لا يمكن ردعها والسيطرة عليها بسهولة. فهو كالوباء المتفشي في جسد دون مناعة أو لنقل أغتيلت من طرفه دون مقاومة. كما أغتيل الشعب العربي" في مذبحة دير ياسين عام 1948 20 وكفر قاسم وبحر البقر وأبو زعبل وداعل وصبرا وشاتيلافي بيروت عام 1982 ومجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل ومجزرة المسجد الأقصى في القدس ومجزرة قانا وتدمير مدينة القنطرة المصريّة والقنيطرة السوريّة و450 قرية ومدينة فلسطينية"21 .

هذا ما فعلته قبلهم الجماعات اليهودية كما أخبر عنها ألبيرتو دانزول" هناك أربعة مجموعات عشائرية في أصول الاتحاد العبراني هذه المجموعات الأربعة تتعلق بالآباء الاربعة: ابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف/ اسرائيل استقروا تدريجيا في كنعان. فالمجموعة المتحدرة من ابراهيم سكنت جبل يهوذا غير بعيد عن حبرون والمجموعة المتحدّرة من يعقوب وتعود أصولها إلى شمال الرّافدين لم تدخل كنعان تماما إلاّ في القرن الثّالث عشر قبل عصرنا، لتستقرّ في منطقة مدينة زيشم حيث ذبحوا أهاليها."22

كأن التاريخ يعيد نفسه من القرن الثالث عشر إلى مذبحة دير ياسين وهو أيضا بمثابة الدرس التطبيقي على العرب لما ورد في العهد القديم اليهوديّ. ولأن "خلف الأسباب الدّينيّة للإبادة ، تختفي دوافع أكثر دناءة وماديّة وربّما هي الوحيدة الحقيقيّة لكن لا يعترف بها فهي مقنّعة بتبريرات كبيرة وذات مستوى عال. إنها دوافع تذّكرنا بالدّوافع الاعتياديّة للغزو والنهب الأجنبي بالعنف."23 فالله قد تكلم لصالح الابادة الجماعية للأجناس ولصالح القتل. لكنه قد قال أيضا في سفر الخروج 20/13 لن تغتال ابدا. فعهدهم المقدّس لا تمنع التمويت إنما تمنع الاغتيال/ القتل، الفرق مهم لأن الشريعة تحدده إذ هي التي تحدد الحدود بين الفعلين، الجندي يميت أما المجرم فيغتال فالشريعة تغفر أو تدين تحرر أو تسجن الضمير وهكذا فإن يهوه لم يقتل الأطفال الوليدين في مصر بل أمهاتهم. فموسى لم يقتل ثلاثة ألاف اسرائيلي خونة ليهوه إنما أماتهم... فلا يقتلون لا ساحرة ولا شاذ جنسيا ولا كنعانيا ملعون دون ذنب إنما أماتوهم فالاختلاف الديني والجنسي والإثني والثقافي يبرّر الإعدام باسم الشريعة."24

أما آن الأوان بعد؟ إلى أن يعيد اليهودي قراءة موروثه الدينيّ وإعادة قراءته في العمق ونقد كل زاوية فيه علّه يظفر اليوم بالمشترك الإنساني بينه وبين جميع الأفراد من حوله، ويتخلى عن نزعته المتعاليّة والفردانية المرضية، من خلال قراءة أنثروبولوجية فلسفيّة تتماشى وروح العصر وتقدم العلوم وحاجة الإنسان إلى السلام الروحي والمعنوي على الأرض. هي قراءة تنطلق من حدود بسيطة لماهيّة الإنسان على اعتباره كائنا مدنيا له حقوق وعليه واجبات تجاه نفسه وتجاه الآخر. كائن ذو قيمة ووجوده في حدّ ذاته قيمة على اعتبارها معطى وهبة إلهيّة؟

 

عفاف المحضي

............................

هوامش

1- أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ، ابن منظور: لسان العرب، الجزء العاشر، حرف العين دار صادر سنة النشر 2003 م ص303-304

2 - أدونيس العكرة: الموسوعة الفلسفية الجزء 2 ص 625

3- حسن حنفي: الموسوعة الفلسفية الجزء 2 ص 773

4- المصدر اليهوي: والذي يسمى فيه الله (يهوه) منذ العصور الاولى للبشرية قبل ان يكشفها لموسى وقد ظهر في مملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها اورشليم القدس اليوم وهو يختص في رواية القصص الواردة في سفر التكوين وسفر العدد وسفر الخروج والتثنية كما أنه يمثل وجهة نظر دينية تجاه الله إذ يصوّره في صورة حسية كأنه انسان فهو يمشي ويندم ويأكل ويزور(3-7) والتكوين (7-16) وكثيرا ما يذكر هذا المصدر البركات واللعنات حتى اصبحت من سماته كبركة ابراهيم ولعن كنعان ويرجع مصدره ربما الى نهاية القرن العاشر وبداية القرن التاسع قبل الميلاد.

5- المصدر الأيلوهيمي: سمي كذلك لأنه يسمي الله (ايلوهيم) إلى أن تمّ كشف اسمه لموسى في سيناء على أساس انه (يهوه) كما ورد في سفر الخروج (3-15) ويرجع هذا المصدر تاريخيا الى القرن الثامن قبل الميلاد أي متأخر تاريخيا عن المصدر السابق رغم اشتراكه معه في ميزة القص إلا أنه يختلف معه في مسألة تشبيه الله فهذا المصدر يعتبر الله ذات مفارقة غير مرئية ولا مدركة وإنما يتواصل معه بالملائكة التي ترسل الوحي للأنبياء. كما يهتم هذا المصدر ببعض المسائل الأخلاقية كتأدية العبادة وطاعة الله.

 

6- أنظر القلقشندي : الصبح الأعشى في صناعة الإنشاء دار الكتب المصرية 1922م.

7- الكتاب المقدّس: كتاب الحياة ترجمة تفسيرية :الطبعة الرابعة مصر الجديدة – القاهرة تم جمعه في جي-سي سنتر 1992: ص 17

8- ن.م : ص 18

9- ن.م : ص 156

10- ن.م : ص 218

11- ن.م : ص 292

12- ن.م : ص 372

13- ن.م : ص 372

14- ن.م : ص 981

15- ن.م : ص 868

16 - ن.م : ص 549

17- الكتاب المقدّس : سفر التكوين الإصحاح 25 " مولد عيسو ويعقوب" العدد 23-26 ص 31

18 - المقدّس والعنف: منوبي غبّاش، مجلة يتفكرون العدد الخامس خريف 2015 العنف والمقدّس وأنظمة الحقيقة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود ص 97

19- اليهود واليهودية والصهيونيّة : عبد الوهاب المسيري : العنف والرؤية الصهيونية للواقع أنظر http://www.elmessiri.com/encyclopedia/JEWISH/ENCYCLOPID/START/INDEX7_3.HTM

20 - كما فعل نبي بني إسرائيل داوود في القصة التي وردت على لسان صاموئيل الأول 27/ 9" وضرب داوود الأرض ولم يستبق رجلا ولا إمرأة."

21- العنصريّة والإبادة الجماعيّة في الفكر والممارسة الصهيونيّة: غازي حسين ، منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق 2002 ص 17

22- اليهودية والغيرية ص 41

23 - ن.م : ص 63

24 - ألبيرتو دانزول : اليهودية والغيرية ص 65

 

قائمة المصادر والمراجع

قائمة المصادر:

- الكتاب المقدّس: كتاب الحياة ترجمة تفسيريّة :الطبعة الرابعة مصر الجديدة – القاهرة تم جمعه في جي-سي سنتر 1992

قائمة المراجع:

- ألبيرتو دانزول : اليهودية والغيرية ترجمة ماري شهرستان، الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية سورية- دمشق الطبعة الأولى 2004

- أبو العباس القلقشندي: الصبح الأعشى في صناعة الإنشاء دار الكتب المصرية 1922م

- عبد الوهاب المسيري: اليهود واليهودية والصهيونيّة، العنف والرؤية الصهيونية

- غازي حسين ،العنصريّة والإبادة الجماعيّة في الفكر والممارسة الصهيونيّة: منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق 2002 ص 17

- منوبي غبّاش: المقدّس والعنف، مجلة يتفكرون العدد الخامس خريف 2015 العنف والمقدّس وأنظمة الحقيقة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود ص 97

 

قائمة المعاجم:

أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ، ابن منظور: لسان العرب، الجزء العاشر، حرف العين دار صادر سنة النشر 2003

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتبة المحترمة عفاف المحضي
وداً ودا

ليس هناك من عاقل يختلف معك في كل ما ورد في مقالك , ولكن عنف المقدس امتد من
التوراة الى ما بعدها كمدونات او كممارسات لا فرق , ولا يخفى عليك ما فعله الفاتكان
والكنيسة في القرون الوسطى من فضائع يندى لها جبين البشرية وكل هذا باسم السيد
المسيح ثم لا تنسي العنف المقدس في القرآن مبثوثاً هنا وهناك كآيات (تصوير عذاب
الآخرة مثلاً )وغيره ومواصلة السماح بالرق فلم يتحرر العبيد بعد الإسلام بل تاجر المسلمون
بالإفارقة قرونا ً وقرونا . الخلاصة : إن المقدس كله عنيف مادام ينطلق من وصاية
فوقية وادعاء بالمطلقية ولكن بلا شك يبقى النص التوراتي هو الأعنف لكونه الأصدق
في التعبير عن نوازع الشر المتأصلة بمن منحوا نفسهم صفة الأرباب ثم مع تغير
الزمن وتحولات الأمم أصبح من الضروري الإتيان بنصوص مقدسة تتماشى والزمن
الجديد فظهر العهد الجديد بصيغة مختلفة ولكنها لم ترفض شريعة موسى بل ادعت انها
تعترف بها وتتكامل معها ثم سرعان ما جاء التعديل الأخير بصيغته الإسلامية التي
نعرفها جميعا ً وفيها تهذب يهوا كثيرا وصار مطلقاً ولجميع البشر بعد ان كان رباً لشعب واحد
ولكن الأرباب أياً كانت تسمياتهم هم إرث انحدر الينا من السومريين وما الكتاب
المقدس او العهد القديم سوى تحوير وسرقة لما وجده العالم اخيراً مدوناً على الألواح
الطينية السومرية ويمكنك قراءة تلك الألواح وستجدين ان نوح مثلا ً ما هو إلا اتونبشتم
السومري ويهوا نفسه هذا الرب الحقود هو انليل السومري وقيسي على ذلك .
دمت بصحة وعافية سيدتي الكاتبة .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم انا أيضا اتفق معك في أن العنف قد امتد إلى ما بعد العهد القديم لكن ربما سنختلف في القول بأن المقدس كله عنف لأنه ينبثق من وصايا فوقية الوصايا لكي يكون مقدس لابد من أن تكون نقطة البداية الله لكن العيب ليس في منبع المقدس بل بربط العنف بالمقدس ذاك التحول سيدي الكريم الذي أصاب المقدس بعد نزوله و استطاعت المخيالات الشعبية و الضمائر الجمعية لمختلف الحضارات أن تعيد نسجه و نسخه في قالب جديد غير قالبه الأساس. نقطة ثانية قد نختلف فيها وهو أن ترجع الأديان إلى شكل من أشكال الأساطير القديمة المتجددة عبر التاريخ صحيح أن الأساطير لعبت دورا أساس في الشعور الديني للثقافات القديمة لكن هذا لا يعطينا الحق في أن نرجع الأديان السماوية الثلاث إلى مجرد أساطير الأولين بذلك نكون قد نسفنا منظومات إيمانية كبرى قامت لقرون من الزمن و لازالت بمجرد أننا فكرنا وفق نسق معين و شكرا على تعليقكم دكتور جمال مصطفى أسعدني حضور فكركم

أ. عفاف المحضي
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتبة المحترمة :
1-تقولين : "الآباء الاربعة: ابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف/ اسرائيل استقروا تدريجيا في كنعان. فالمجموعة المتحدرة من ابراهيم سكنت جبل يهوذا غير بعيد عن حبرون والمجموعة المتحدّرة من يعقوب وتعود أصولها إلى شمال الرّافدين لم تدخل كنعان تماما إلاّ في القرن الثّالث عشر قبل عصرنا، لتستقرّ في منطقة مدينة زيشم حيث ذبحوا أهاليها."22
هل يعني قولك إن الأربعة كانوا أربع شخصيات مختلفة ، فالمنحدرون من إبراهيم غير المنحدرين من يعقوب؟. فأنت هنا تخالفين القرآن الذي يذكر إبراهيم أباً، وإسحاق إبناُ له، ويعقوب حفيداً ، وأخيرً يوسف إبن حفيده( وبالتأكيد رافق إسحاق وحتى إسماعيل إبراهيم إلى أرض كنعان ، والمجئ بإسماعيل وأمه هاجر إلى مكة من قبل إبراهيم كان في وقت تالِ ) ، وبما ذكرتيه، إما تخالفين ما جاء في القرآن، فتذهبين مذهب "ألبيرتو دانزول " ، وعليك أن تعلمي أن هذا المذهب يذهب إلى أن إبراهيم لم يكن إلا شخصية إسطورية، وهناك أساتذة جامعيون شرقيون، يرون أن اليهودية أخذت عن الإسلام، وليس العكس، وعند السؤال: أيهما أقدم محمد أم موسى ، تأتي الإجابة: إن تأريخ موسى وحتى إبراهيم إن هي إلا محض خيال، وما وُرِد عنهم كلها نسج أساطير ، وردت شفاها؟!.
2- مما يؤسف له إختيارُك لنماذج إنتقائية: إن كنت تناقشين في التوراه، ففي التوراه، أن موسى مات في التيه ، وقبل أن يدخل أرض كنعان، وأنَّ الله عاقبه بحرمانه من دخول الأرض الموعودة، بسبب من إرساله إثنين يجسان الأرض، هذا أولاً، وثانيا، من إحدى وصايا موسى العشر: لا تقتل، فكيف قتل موسى ، أو أمر بالقتل، والقرآن لا يذكر إلا حادثة دفاعه عن بني قومه عندما كان يتشاجر مع آخرِ- واعتقد أنه قتل بالخطأ، ليس دفاعا عن موسى، لكن هكذا أظن . وتقولين "..أنّ موسى قد وضع لهم أسس التقاليد العسكريّة الإسرائيليّة " .. للتصحيح، من وضع أسس التقاليد العسكرية هو القائد العسكري داؤود، وهو ليس بنبي عند اليهود، فالنبوة وفق التوراه والتلمود إنتهت عند موسى، ولا بِداء ولا نسخ في اليهودية، أما مايذكره التوراه عن نبوة صاموئيل وغيره إن هي إلا تعابير مجازية لا غير، والدليل هو، عندما يذكر القاضية دبورة يُنعتها بالنبية، والنبوة هنا هو من التنبؤ ، كنبوءة إيليا وغيره بالسبي قبل وقوعه عليهم.
3- إن بني إسرائيل( من أجلك لا أقول اليهود ) هم شعب الله المختار شئتِ، أم أبيتِ، واستنادا إلى القرآن" ووصى بها إبراهيم بنيه.." ويذكر القرآن يعقوباً، وحتى يوسفاً من الأنبياء، وما يقوم به الأنبياء من قول أو فعل إن هو إلا وحيٌّ يوحى، فعليك أما أن تؤمني بالكل أو ترفضي الكل.
4- في القرآن الكريم من الآيات التي تحض على الإرهاب، مالا يُحصى، وباللفظ الواضح الصريح غير القابل للنقاش" وأعِدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدوَ الله وعدوكم.."، وبما أنَّ هناك من يٌصَنَفون تحت عنوان "عدو الله" فيَقتلون إن كان في اليهودية أم في الإسلام، فالذين دخلوا أرض كنعان ، كانوا يقتلون المشركين_ باعتقادهم_ ، والإسلام دعا إلى قتال المشركين، ومن هنا جاء التسلسل في القرآن : المسلمون ، أهل الكتب ، المشركون: كانت تؤخذَ الجزية من أهل الكتب وهم صاغرون ، أو عن يدِ صاغرة ، لذا كان غيرهم ، ومنهم الصابئة ، والنصارى يُقتَلون بحجة عدم الإيمان، وأحيانا كان الخليفةُ يعفوَ عنهم مقابل مال يُجمع للخليفة.
4- اإنما كان الصراع صراع الأعراق والإنتماءات باسم الدين، بمَ تُفَسرين " الموالي " ، هم من غير العرب، وكثير من أبناء قريش أسلموا في سنوات لاحقة، ولم يُطلق عليهم موالي، فهم عرب أحقاق، وحتى بعد أن حاربوا الرسول الأعظم لم يُسبَ منهم أحد، بينما أخرج اليهود والنصارى من الجزيرة العربية.
التوراه أو التاناخ كتاب اليهود الأساس، أما التلمود وكما ذكرت فهو مجموعة تعاليم وتفاسير، وحال الإثنين حال القرآن والسنة- ما قام به الرسول الأعظم أو سكت عنه- ، وتفاسير القرآن كتفسير الجلالييَن ، والقرآن ونهج البلاغة عند الشيعة، أو الإنجيل وتعاليم وممارسات عيسى عند المسيحيين.
5- إن قلت : جاء الأسلام مكملاً للديانات، فعليكِ حينذاك الإيمان ليس فقط بإبراهيم وبالمنحدرين منه إلى موسى المنحدر من "لاوي" ، وبعيسى، وإن تقولي نسخ الإسلام الأديان الأخري، فيكون الإسلام آخر الأديان ومحمدُ خاتمَ الأنبياء. جهودك لا يَستَهان بها في رجوعك إلى مصادر جمة. ودمتِ

الباحث في الزوايا عن أريج الياسمين
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3527 المصادف: 2016-05-02 04:03:12