 دراسات وبحوث

جميل حمداوي: العوالم الممكنة في الفلسفـة والعلـم والديــن

jamil hamdaouiالمقدمة: من المؤكد أن الخطاب الديني كان سباقا إلى القول بالعوالم الممكنة قبل الخطابين: الفلسفي والعلمي. فقد أثبتت التفسيرات الدينية واللاهوتية والكتب السماوية، بما فيها التوراة، والإنجيل، والقرآن الكريم، وجود عوالم علوية، وعوالم سفلية، وعوالم وسيطة.أي: تحدثت عن عالم السماء وعالم الأرض. كما تحدثت أيضا عن عوالم تقع بين بين، كعالم القبر، وعالم الصراط، وعالم الحشر.وبعد ذلك، قدم الخطاب الفلسفي تصوره الكوسمولوجي للعوالم الممكنة منذ الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة المعاصرة، مرورا بفلسفة العصور الوسطى والحديثة. كما قدم الخطاب العلمي تصورات مهمة حول وجود العوالم الممكنة في أبعادها الفيزيائية والرياضية.

إذاً، ما أهم التصورات النظرية حول العوالم الممكنة في الفلسفة والدين والعلم؟ وما خصائص تلك العوالم بنية ودلالة ووظيفة؟ هذا ما سوف نتبينه في هذه المباحث التالية:

 

المبحث الأول: العوالم الممكنة في حقل الفلسفة

يعد الفلاسفة اليونانيون سباقين إلى الحديث عن نظرية العوالم الممكنة في الحقل الفلسفي والميتافيزيقي والطبيعي. وقد كان طاليس أول فيلسوف يتحدث عن هذه النظرية وفق المقاربة الكوسمولوجية. وهكذا، يقول طاليس: إن الماء هو أصل الكون، وهو القوة الوجودية الكبرى التي تتحكم في عوالمه الطبيعية المتفرعة عن هذا الجوهر الثابت الأوحد.وهكذا، ينطلق طاليس من رؤية ميتافيزيقية ذات خاصية طبيعية وكوسمولوجية، بعد أن فصل بين التفكير والخرافة، وأسس التفلسف على الميتافيزيقا والرياضيات. و" يعتقد طاليس أن فوق السماء عوالم لايستطيع المنطق أن يصفها، ولا يقدر العقل على إدراك حسنها وبهائها، وهو الدهر المحض، وإليه تشتاق العقول والأنفس  لأنه هو الديمومة والبقاء (الخلود). ويعتقد طاليس أيضا أن للعالم علة مبدعة لانعرف هويتها ولا اسمها، ولكننا ندرك وجودها مما نرى نحن من آثارها.[1]"

ويعني هذا أن طاليس أول من تحدث عن نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الجهات المنطقية، مادام يتحدث عن عوالم أخرى موازية لعالمنا الواقعي المادي الحسي.

وقد قال أنكسيمندريس أيضا بتعدد العوالم والأكوان، وهذه العوالم تتسلسل من عالم إلى آخر.بل هناك من يقول بأن إنكسمندريس قال بعدد لانهائي من العوالم والأكوان التي تنفصل عن بعضها البعض بمسافة شاسعة وبعيدة، وتخضع لمبدإ الصراع والتضاد والفناء، حيث يظهر كون أو عالم، ثم يفنى ليظهر كون آخر. وهكذا، دواليك...ويعني هذا أن ميلاد عالم يعني موت عالم آخر. فلابد لأي عالم أن يكفر عن خطيئة الميلاد، بموته وفنائه ليولد عالم جديد آخر. وعلى هذا الأساس يتحقق التطور من اللاتجانس إلى الوجود المتحيز في الزمان والمكان الخاص بالكائنات الحية، أو ما يسمى بالواقع الحالي[2].

 وعلى هذا الأساس، آمن انكسمندريس بالصراع الجدلي، ونظرية التطور. وفي هذا الصدد،  قال عبارته المشهورة:" إن العوالم يعاقب بعضها بعضا على الظلم الذي يحتويه كل منها".

ويرى عمر فروخ أن أنكسمندريس " قد أدرك أن أبعاد الأجرام السماوية وأحجامها متفاوتة جدا.وأن (نظامنا الشمسي) ليس الوحيد من نوعه، بل هو واحد من عوالم كثيرة، بعضها أكبر من عالمنا وأشد تعقيدا.وبين أيضا أن هذه القبة التي تبدو فوقنا ليست سوى جزء من كرة تامة."[3]

ويرى أنكسمانس كذلك أن الكون أو الوجود، بكل كائناته الحية، يتنفس بالهواء، كما يبدو ذلك جليا في هذه الشذرة:" لأن النفس فينا هو مبدأ كياننا ووحدتنا كذلك الهواء يحوي العالم كله". ويعني هذا أن الهواء مثل النفس التي تمد الجسم البشري أو الكائن الحي بالحياة والحركة تكاثفا (في حالة البرودة)، أوتخلخلا (في حالة الحرارة) انسجاما مع النزعة الحيوية التي تمثلها الفيلسوف أنكسمانس.

وقد قال أنكسمانس بعدد لانهائي من الأكوان مثل سابقه أنكسميندريس،واعتقد أن الأرض تطفو على الهواء كدائرة مسطحة[4].ويعني هذا أن العالم يندثر ويتجدد مرة بعد مرة، فهو - إذاً- محدث غير قديم، وقابل للانعدام.أي: ليس خالدا. ويقترب هذا التصور من مفهوم الفقهاء للعالم[5].

وقد قال ديمقريطس بالذرة على أساس أنها المبدأ الأول للوجود الكوني، وأن الكون كله ملاء من الذرات الكثيرة المتحركة. كما أن النفس مادية مؤلفة من أدق الجواهر، وأسرعها حركة، من حيث إن النفس مبدأ الحركة في الأجسام الحية[6]. ويعني هذا أن الكون يتألف من الذرات (الملاء) والفراغ[7].أي: هناك الوجود واللاوجود، فالوجود هو الذرات، واللاوجود هو الفراغ. ومن هنا، فالذرات هي مكونات صلبة غير قابلة للتجزئة،  منعزلة عن بعضها البعض بفواصل من الفراغ. أما حجمها الحقيقي، فيصعب إدراكها بحواسنا. قد تبدو لينة أو صلبة، منحنية أو دائرية، ولايمكن تحويلها أو تغييرها بسبب صلابتها وحدتها[8].

وتتحرك الذرات في الكون في شكل دوامة أو زوبعة، وتكون مصدرا لكل العناصر، من الشمس حتى النفس[9]. وتتضمن جميع المواد الأولية كالماء، والهواء، والنار، والتراب. وتتحرك هذه الذرات في الفراغ اللامتناهي إلى الأبد[10]. وقد تتداخل هذه الذرات وتتآلف، دون أن تختلط أو تتشابه،  ثم تنفصل عن بعضها البعض[11]. وتطبع هذه الذرات مجموعة من المراحل، كمرحلة التجمع، ومرحلة التفسخ، ومرحلة الانفصال، ثم مرحلة التجمع من جديد. وتتحكم ثنائية الملاء والفراغ في تحريك الذرات في الكون اللامتناهي. وتخضع هذه الذرات لخاصيات ثلاث هي: الشكل، والنظام، والموقع. وقد تحدث أرسطو عن هذه الخاصيات الثلاث في كتابه(الميتافيزيقا).[12]

ويعني هذا كله أن ديمقريطس يؤمن بتعدد العوالم الكونية[13]. ويشبه هذا ما يسمى حاليا بالنظرية الكوانطية  التي تؤمن بالعوالم المتعددة المتوازية.ومن هنا، يقول ديمقريطس بعوالم لامتناهية العدد. وتوجد هذه العوالم في الفراغ اللامتناهي، وبعدد كبير. وتتميز بأحجام متنوعة، وتأخذ مواقع مختلفة في الفضاء الكوني. وقد تكون هذه العوالم متقاربة فيما بينها أو متباعدة.وفي بعض المناطق، توجد عوالم قليلة أو كثيرة. وبعض هذه العوالم متشابهة، وتنشأ هذه الأكوان نتيجة موت الأكوان الأخرى. ويعني هذا أن العوالم خاضعة لثنائية الموت والحياة على مستوى تطورها. ومن جهة أخرى، هناك عوالم مسافرة ومرتحلة من مكان إلى آخر.

وهكذا، فهناك عوالم تظهر، وعوالم تموت، وعوالم تنمو وتتجدد، وعوالم تتجمع، وعوالم تنفصل، وعوالم تختفي وتتفسخ. وهناك أيضا قوى خفية عمياء تتحكم في هذه العوالم، وليس هناك أدنى عناية إلهية. وبالتالي، فالعوالم تحيا مثل الإنسان، تنشأ، ثم تنضج، ثم تشيخ، وتموت.وهذا هو قانون العوالم. وغالبا، ما تسقط هذه العوالم على بعضها البعض. وأكثر من هذا هناك عوالم كبيرة تهيمن وتتحكم في العوالم الصغيرة.وهناك أكوان تعيش فيها الحيوانات والنباتات.وهناك أكوان أخرى تتوفر على الماء والرطوبة.وهناك أكوان بلا شمس ولاقمر. إنها فلسفة كونية متميزة سبقت نظرية العوالم الممكنة والفيزيائية المعاصرة بقرون عدة.

ولم تصل الميتافيزيقا اليونانية ذروتها في مناقشة العوالم الممكنة إلا مع أفلاطون صاحب نظرية المثل العليا، على الرغم من كونه لم يستخدم مصطلح (الميتافيزيقا)، وقد أرجع هذا العالم النسبي والمتغير إلى عالم الماهيات والمثل التي لاندركها بالحس، بل بواسطة العقل. ويعني هذا أن الماهيات لاتدرك بالاستقراء المادي الحسي، بل بالاستنباط والقياس الرياضي والمنطقي. وغالبا، ما تجمع الماهيات بين المحسوسات وصورها. ومن ثم، فالماهية هي نقطة التلاقي أو الوسط الذي يجمع بين الحس والصورة. بيد أن أفلاطون، في بعض الأحيان، لم يستطع أن ينفذ إلى تلك المناطق المشتركة للماهيات، كما يبدو ذلك جليا في كتابه (الجمهورية)، حيث تعرض لفكرة العدالة، ثم حدد موضوعها، ولكنه اعترف بصعوبة تحديد العدالة بشكل دقيق. والشيء نفسه في محاورة (فيلابوس)، حيث وجد صعوبة في تحديد ماهية الخير، على الرغم من أن هدف فلسفة أفلاطون هو الاقتراب التدريجي من فهم حقيقة ماهيات الأشياء على غرار أستاذه سقراط الذي استعمل الشك من أجل الوصول إلى معرفة الحقائق، دون معرفة حقائق الأشياء في حد ذاتها[14].

 وبناء على ما سبق، فعالم المثل والماهيات عند أفلاطون هو عالم حقيقي ومطلق، يعلوه الخير الأسمى. بمعنى أن العالم السفلي الذي نعيش فيه هو عالم وهمي وظني وزائف، يعكس ظلال العالم الحقيقي ألا وهو عالم المثل، وهو عالم حقيقي ويقيني ومطلق.ولايمكن الوصول إلى هذا العالم إلا بالتأمل الفلسفي، وتمثل الجدل الصاعد والهابط. ومن ثم، فقد كانت النفس الإنسانية مستقرة في عالم المثل، ثم هبطت إلى العالم السفلي، لتجد نفسها مسيجة بقيود الحس والجسد[15]. وما عليها سوى أن تتذكر عالمها الأول لترتبط به، وتتحرر من قيود الحس والجسم والبدن؛ لأن المعرفة تذكر، والجهل نسيان. وقد أورد أفلاطون (أسطورة الكهف) للتعبير عن ثنائية العالم السفلي والعالم العلوي، كما يتضح ذلك جليا في هذا الحوار الدرامي التشخيصي:

" سقراط: تخيل رجالا قبعوا في مسكن تحت الأرض على شكل كهف، تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف . هناك ظل هؤلاء الناس منذ نعومة أظفارهم، وقد قيدت أرجلهم وأعناقهم بأغلال، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم، ولا رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم، إذ تعوقهم الأغلال عن التلفت حولهم برؤوسهم . ومن ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال، وبين النار والسجناء طريق مرتفع . ولتتخيل على طول هذا الطريق جدارا صغيرا، مشابها لتلك الحواجز التي نجدها في مسرح العرائس المتحركة التي تخفي اللاعبين، وهم يعرضون ألعابهم.

غلوكون: إني لأتخيل ذلك.

سقراط: ولتتصور الآن، على طول الجدار الصغير، رجالا يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. وطبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.

غلوكون: إنها حقا لصورة عجيبة، تصف نوعا غريبا من السجناء.

سقراط: إنهم ليشبهوننا. ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، أليس كذلك ؟

غلوكون: وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك ما داموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم ؟

سقراط: كذلك فإنهم لا يرون من الأشياء التي تمر أمامهم إلا القليل .

غلوكون: بلا جدال.

سقراط: وعلى ذلك، فإذا أمكنهم أن يتخاطبوا، ألا تظنهم يعتقدون أن كلماتهم لا تشير إلا إلى ما يرونه من الظلال ؟

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وإن كان هناك أيضا صدى يتردد من الجدار المواجه لهم، فهلا يظنون، كلما تكلم أحد الذين يمرون من ورائهم، أن الصوت آت من الظل البادي أمامهم ؟

غلوكون: بلا شك.

سقراط: فهؤلاء السجناء إذن لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا الأشياء المصنوعة.

غلوكون: لا مفر من ذلك.

 سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث بالطبيعة إذا رفعنا عنهم قيودهم وشفيناهم من جهلهم . فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة، ويدير رأسه، ويسير رافعا عينيه نحو النور.

عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له، وسوف ينبهر إلى حد يعجز معه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلا لها من قبل. فما الذي تظنه سيقول، إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل، وأن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة، ومتجه صوب أشياء أكثر حقيقة ؟ ولنفرض أيضا أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه، ودفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر لنا ما هي. ألا تظنه سيشعر بالحيرة، ويعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب إلى الحقيقة من تلك التي نريها له الآن ؟

غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيرا إلى الحقيقة.

سقراط: وإذا أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عينيه ستؤلمانه، وأنه سيحاول الهرب والعودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة. والتي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن ؟

غلوكون: أعتقد ذلك.

سقراط: وإذا ما اقتدناه رغما عنه ومضينا به في الطريق الصاعد الوعر، فلا نتركه حتى يواجه ضوء الشمس، ألا تظنه سيتألم وسيثور لأنه اقتيد على هذا النحو، بحيث أنه حالما يصل إلى النور تنبهر عيناه من وهجه إلى حد لا يستطيع معه أن يرى أي شيء مما تسميه الآن أشياء حقيقية ؟

غلوكون: إنه لن يستطيع ذلك، على الأقل في بداية الأمر.

فاستطردت قائلا: إنه يحتاج، في الواقع، إلى التعود تدريجيا قبل أن يرى الأشياء في ذلك العالم الأعلى. ففي البداية، يكون أسهل الأمور أن يرى الظلال، ثم صور الناس وبقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ثم الأشياء ذاتها. وبعد ذلك، يستطيع أن يرفع عينيه إلى نور النجوم والقمر، فيكون تأمل الأجرام السماوية وقبة السماء ذاتها في الليل أيسر له من تأمل الشمس ووهجها في النهار.

غلوكون: بلا شك.

سقراط: وآخر ما يستطيع أن يتطلع إليه هو الشمس، لا منعكسة على صفحة الماء، أو على جسم آخر، بل كما هي ذاتها، وفي موضعها الخاص.

غلوكون: هذا ضروري.

سقراط: وبعد ذلك، سيبدأ في استنتاج أن الشمس هي أصل الفصول والسنين، وأنها تتحكم في كل ما في العالم المنظور، وأنها، بمعنى ما، علة كل ما كان يراه هو ورفاقه في الكهف .

غلوكون: الواقع أن هذا ما سينتهي إليه بعد كل هذه التجارب.

سقراط: فإذا ما عاد بذاكرته بعد ذلك إلى مسكنه القديم، وما كان فيه من حكمة، وإلى رفاقه السجناء، ألا تظنه سيغتبط لذلك التغير الذي طرأ عليه، ويرثي لحالهم ؟

غلوكون: بكل تأكيد.

سقراط: فإذا ما كانت لديهم عادة إضفاء مظاهر الشرف والتكرم على بعضهم البعض، ومنح جوائز لصاحب أقوى عينين ترى الظلال العابرة، وأقوى ذاكرة تستعيد الترتيب الذي تتعاقب به أو تقترن في ظهورها، بحيث يكون تبعا لذلك أقدرهم على أن يستنتج أيها القادم، أتظن أن صاحبنا هذا تتملكه رغبة في هذه الجوائز، أو أنه سيحسد من اكتملت لهم ألقاب الشرف ومظاهر القوة بين أولئك السجناء ؟ ألن يشعر بما شعر به أخيل عند هوميروس، من أنه يفضل ألف مرة أن يكون على الأرض مجرد خادم أجير عند فلاج فقير، ويتحمل كل الشرور الممكنة، ولا يعود إلى أوهامه القديمة أو العيش كما كان يعيش من قبل ؟

غلوكون: إني أوافقك على رأيك هذا، فخير له أن يتحمل أي شيء من أن يعود إلى تلك الحياة.

سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا، واحتل مكانه القديم في الكهف، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة، حين يعود فجأة من الشمس .

غلوكون: بالتأكيد.

سقراط: فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، وأن ينافس السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد الظلمة، وهو أمر يحتاج إلى بعض الوقت، ألن يسخروا منه، ويقولوا إنه لم يصعد إلى أعلى إلا لكي يفسد أبصاره، وإن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه ؟ فإذا ما حاول أحد أن يحررهم من أغلالهم . ويقودهم إلى أعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهروا عليه بالفعل ؟

غلوكون: أجل بالتأكيد.

والآن، فعلينا، يا عزيزي غلوكون، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق . فالسجن يقابل العالم المنظور، وهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى، فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول . فإذا تصورت هذا فلن تخطىء فهم فكرتي، مادام هذا ما تريد أن تعرفه . ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال، فآخرما يدرك في العالم المعقول، بعد عناء شديد، هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه، حتى يستنتج حتما أنه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة والعقل . فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة."[16]

يتبين لنا، من خلال هذا النص الفلسفي الدرامي، أن أفلاطون يقسم العالم إلى قسمين: عالم حسي متغير  ونسبي، وعالم مثالي مطلق ومفارق لماهو مادي. ويعني هذا أن الإنسان ينتقل، في مساره المعرفي، من المعرفة الظنية القائمة على الوهم والاعتقاد الزائف الذي يذكرنا بمعرفة الأشباح والظلال التي تتراقص أمام مشاهدي الكهف؛ والمعرفة الحسية الواقعية التي تقوم على إدراك الأشياء عبر الحواس الخمس؛ والمعرفة العقلية أو الميتافيزيقية التي تدرك الأشياء المعقولة من خلال البحث عن العلل والأسباب. والمهم " أن الفلسفة قد اكتسبت على يد أفلاطون صبغة ميتافيزيقية، فأصبحت تعلو على كل من علم الطبيعة وعلم الأخلاق، وإن كان أفلاطون نفسه لم يستخدم لفظ (الميتافيزيقا) للإشارة إلى مشكلات ما وراء الطبيعة".[17]

ويذهب الفيلسوف اليوناني أفلاطون إلى أن الحقيقة اليقينية لا توجد في الواقع المادي الحسي النسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يتسم بالطابع التجريدي والمفارق للعالم المادي المتغير والمزيف. بينما عالم المثل هو عالم ثابت ويقيني وأصيل وجوهري. ومن ثم، فالوجود الحقيقي - حسب (أسطورة الكهف) لأفلاطون- ليس هو الوجود الذي نعيش فيه، فهو مجرد نسخة مزيفة من عالم حقيقي هو عالم المثل الذي لايتم إدراكه إلا بالتأمل العقلي المجرد. كما أن المعرفة الحقيقية واليقينية والمطلقة لا توجد في عالمنا المحسوس والمتغير والنسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يحتوي بدوره على قيم متكاملة ومطلقة كالعدل، والحق، والخير، والجمال. وتتسم هذه القيم بكونها قيما خالدة وحقيقية وكلية ومطلقة. بينما قيم البشر هي قيم زائفة ونسبية ومتغيرة، مادامت ترتبط بالعالم النسبي الذي هو انعكاس مشوه للعالم الحقيقي المثالي. ومن ثم، فالقاضي العادل الحقيقي لايوجد إلا في عالم المثل، بينما في عالمنا المتغير لا يوجد سوى قاض نسبي غير كامل في قيمه وعدالته وفضائله. وهذا الحكم ينطبق على الجميل والخير، وعلى باقي القيم الأكسيولوجية والفضائل الإنسانية المعروفة لدينا. وعلى هذا الأساس طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة لأنهم يحاكون عالما نسبيا غير حقيقي[18].

ومن هنا، فقد انطلق أفلاطون من تصور مثالي مفارق لعالم المادة والحس والتجربة والظواهر الملموسة في تبيان مصدر الحقيقة اليقينية والصادقة.

أما الفيلسوف أبيقور، فلا يقول بعالم واحد كما عند أرسطو، بل بتعدد العوالم والأكوان التي تخضع لعملية النمو والفناء.وبالتالي، تتكون هذه الأكوان من عدد لامتناه من الذرات التي تتحرك في الفراغ اللامتناهي. ومن هنا، فالعالم ذري من حيث الأساس الأنطولوجي والكسمولوجي، ومتعدد من حيث العوالم والأكوان التي تتشابه مع عالمنا، أو قد تختلف عنه.

ومن جهة أخرى، اهتم أفلوطين بالأقانيم الأربعة على غرار فلسفة أفلاطون، وهي: الواحد الذي تصدر عنه الأقانيم الثلاثة، والعقل، والنفس،و المادة. ويبرهن عليها أفلوطين بالجدل النازل والجدل الصاعد. وقد قال أيضا بنظرية الفيض، أو فيض العقول عن الواحد المدبر، وقد تأثر الفارابي وابن سينا كثيرا بنظريته في خلق العالم.

ومن حيث فلسفته، فقد قال بوحدة الوجود على غرار فلسفة باريمندس، والانطلاق من الوحدة إلى الكثرة، والعودة من الكثرة إلى الوحدة. وينقسم العالم عند أفلوطين إلى قسمين: العالم السفلي والعالم العلوي، فالواحد هو الذي يتحكم في العالم العلوي، وهو عالم المعقولات. في حين، يعد العالم الثاني عالم الحس.ومن هنا، أفضلية العالم الواحد والمطلق على عالم الحس والكثرة. وتشبه هذه الأطروحة الفلسفية مذهب أفلاطون المثالي. ويقصد بالواحد المطلق الإله الواحد اللامتناهي، أو الخير المطلق. وقد فسر صدور الوجود عن الواحد بنظرية الفيض التي آمن بها الفلاسفة المسلمون كالفارابي وابن سينا.ويعني هذا أن الواحد قد صدرت عنه مجموعة من العقول والنفوس في شكل فيوض وجودية.وبذلك، قال أفلوطين بالواحد، والعقل، والنفس، والحس. وبالتالي، رجح كفة العلوي على السفلي.ومن ثم، لايمكن للنفس الإنسانية أن تحقق سموها إلا بالتخلص من الجسد المادي الحسي، والتحرر منه عن طريق التطهير والتأمل الفلسفي والجذب الصوفي العرفاني.

وهكذا، يؤمن أفلوطين بفكرة المطلق على غرار فكرة المطلق عند هيجل. وفي الوقت نفسه، آمن بفكرة وحدة الوجود كما لدى باريمندس.

وعليه، فقد كان للأفلاطونية تأثير كبير في فلاسفة العصور الوسطى، ولاسيما القديس أوغستان. وقد وصلت التاسوعات الثلاثة الأخيرة إلى السريانية، ثم ترجمت إلى اللغة العربية، ونسبت خطأ إلى أرسطوطاليس، وسميت هذه المقتطفات بأثولوجيا. وكذلك وصل أرسطو إلى العرب في صورة أفلاطونية جديدة. فتقبلها الفلاسفة المسلمون  كالفارابي وابن سينا، وقالوا بنظرية الفيض، وآمنوا بالعقول العشرة[19].

ويعتبر المفكر الألماني ليبنز (Leibniz) أول من استعمل مصطلح (العالم الممكن/Monde possible) في كتاباته الفلسفية منذ القرن السابع عشر الميلادي، على أساس أن ثمة عوالم ممكنة لامتناهية العدد، وأن عالمنا أفضل هذه العوالم الممكنة بناء على مبدإ السبب الكافي الذي يحيل على وجود الله الذي أوجد عالما مبنيا ومنظما ومرتبا وفق قانون السببية والفاعلية.ودائما، يريد الله الأفضل والأصلح لهذا العالم، ولهذا الإنسان المخلوق . 

وقد سخر الكاتب الفرنسي فولتير(Voltaire) من هذا المفهوم في روايته (كانديدCandide/)، على لسان شخصيته السردية بانكلوس (Pangloss) الذي كان يقر بأفضلية هذا العالم مقارنة بالعوالم الممكنة الأخرى، على الرغم من انتشار الشر والظلم والكراهية والعدوان. كما كان يقر بذلك البطل كانديد في كثير من المواقف والوضعيات السردية المأساوية. وإن كان ليبنز على صواب في دفاعه عن هذا المبدإ  الذي يقر بقدرة الله تعالى على خلق ماهو أصلح  وأفضل للإنسان، والتأكيد على خبرته الخارقة بكل ما يدور في العوالم الممكنة الأخرى، وعلمه الكلي الواسع بها في جزئياتها وكلياتها، والدفاع عن عدله المطلق[20].

خلق الله، حسب الفيلسوف الألماني ليبنز(Leibniz)، بقدرته الخارقة والعظيمة، جميع العوالم الممكنة والمقبولة وغير المتناقضة منطقيا. لكن الله اختار من بين هذه العوالم الممكنة أفضلها، ويتميز هذا العالم المختار بتقابل الخير والشر. ويعني هذا أن عالمنا الحالي هو العالم الموجود الحقيقي الذي أراده الله لنا. وبما أن الله يريد الخير والصلاح والتوفيق لهذه الأمة، فقد وضع ميزانا جزائيا عادلا، يحاسب به الإنسان حسب ما أوتي من خير وشر.لذلك، خلق الله لنا أفضل العوالم الممكنة التي تتميز بتعددها ولا محدوديتها الكونية. في حين، لا توجد العوالم الأخرى إلا من جهة المنطق ليس إلا.

وقد اهتم المناطقة المعاصرون بالعوالم الممكنة، منذ منتصف القرن العشرين،  بإصدار كثير من الأبحاث والدراسات والمؤلفات الجديرة بالتحليل والفحص والتقويم والمناقشة. واهتم بها كذلك فلاسفة مابعد الحداثة بالعوالم الممكنة، بعد اكتشاف الصورة الرقمية، وتجاوز العالم الحسي نحو العوالم الممكنة الافتراضية المتعددة. كما نجد ذلك واضحا عند الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) (1929-2007م) الذي اشتهر بنقده للتكنولوجيا الحديثة والإعلام. ومن ثم، فقد أدلى جان بوديريار بمجموعة من المفاهيم، كالحقيقة العائمة، ومافوق الحقيقة، والاهتمام بالخيال العلمي، والعناية بالعوالم الافتراضية غير المتحققة. ومن هنا، فقد انتقد العلاقة بين الدال والمدلول عند فرديناند دوسوسير، حيث أنكر -  كجاك ديريدا - وجود معنى واضح، بل قال بالدلالات العائمة أو المعنى المغيب. ومن هنا، " فقد رفض التمييز بين المظاهر والحقائق الكامنة وراء هذه المظاهر. وبالنسبة له، انهارت أخيرا الفوارق بين الدال والمدلول.ولم تعد العلامات تشير إلى مدلولات بأي معنى معقول، حيث يتكون العالم الحقيقي من الدلالات العائمة . وقد شرح بوديار هذه الأفكار في عمله (التظاهرات والمحاكاة) (1981م)."[21]

هذا، وقد أنكر جان بودريار، مثل: الفيلسوف الألماني نيتشه، وجود الحقيقة مادامت ترتبط ارتباطا وثيقا باللغة والخطإ والظن والمبالغة المجازية والبلاغة التخييلية ووسائل الإعلام. ومن ثم، فقد قال بودريار بمفهوم (مافوق الحقيقة):" يتولد مفهوم مافوق الحقيقة، حيث يكون شيء ما حقيقيا فقط عندما يتحرك ضمن نطاق وسائل الإعلام. وتولد تكنولوجيات الاتصال في "مابعد الحداثة" الصور العائمة بشكل حر، حيث لايمكن لأحد أن يعيش أي تجربة إذا لم تكن بصيغة مشتقة. وقد أخذت تجربة العالم للعبث مكان أي ثقافة مميزة، وأصبح للعبث لهجة واحدة فقط: تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أصبحت كتابات بودريار "على سبيل المثال:(إستراتيجيات فادحة) و(وهم النهاية) عدمية بشكل متزايد: فقد أصبحت العلامات بلا معنى بسبب تكرارها واختلافها اللذين لاينتهيان...وقد قادت آراؤه المتطرفة إلى العبارة الشهيرة- التي اجتذبت انتقادات قاسية- أن حرب الخليج عام 1991م لم تكن حقيقية، بل كانت حدثا إعلاميا:" إنها غير حقيقية، إنها حرب دون أعراض الحرب". وهذا ماقاد العديد للشك في أن بودريار نفسه قد ابتعد إلى مافوق الحقيقة، ولم يعد يسكن جسدا دنيويا. "[22]

وعليه، فقد دفعه مفهوم مافوق الحقيقة إلى الاهتمام بالعوالم التخييلية والافتراضية. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر:"لايرى بورديار في حججه أي تفاصيل محددة عن السياقات الثقافية أو الاجتماعية . وليس في كتابة قصص الخيال العلمي والروايات الخيالية. وقد برهن بعضهم أيضا أن العديد من أفكاره قد استبقت في مثل هذه الأعمال. كتب بودريار نفسه مقالا يمدح كاتب الخيال العلمي ج. جي بالارد. وكما سبق الإشارة إليه وجدت رؤيته للعالم أصداء في السينما، وخصوصا في هذا النوع من الأفلام الذي يصبح فيه الواقع الافتراضي غير مميز عن العالم الحقيقي، وأيضا في مفهوم "السايبورغ"،وهو هجين من البشر والتكنولوجيا."[23]

ومن هنا، يتضح لنا، بكل جلاء، أن الفلسفة كانت سباقة إلى الاهتمام بالعوالم الممكنة ضمن تصورات كوسمولوجية وميتافيزيقية وافتراضية وتخييلية.

 

المبحث الثاني: العوالم الممكنة في حقل العلم

اهتمت الفيزياء المعاصرة بنظرية العوالم الممكنة مع الميكانيكا الكوانطية (Mécanique quantique) منذ 1950م مع الفيزيائي هوث إفريت (Hugh Everett)[24] الذي أثبت أن عالمنا يوجد بموازاة مجموعة من العوالم الفيزيائية المتعددة الأخرى.وهذه العوالم، بدورها، تنقسم إلى عوالم أخرى متجاورة مختلفة عن بعضها البعض، وغير متناهية العدد. ويذكرنا هذا بمختلف النظريات الفيزيائية اليونانية القديمة كما عند طاليس، وأنكسمانس، وأنكسمندريس، وديمقريطس، وأفلاطون، وأبيقور...

ومن هنا، تسمى نظرية هوث إفريت بنظرية العوالم المتعددة (Théorie des mondes multiples)، أو نظرية الحالات النسبية (Théorie des états relatifs)، وهي بمثابة مقاربة تأويلية للميكانيكا الكوانطية التي تهدف إلى حل مشكل القياس الكوانطي.

ولاينبغي الخلط بين نظرية العوالم الممكنة ونظرية العوالم المتعددة (LA THÉORIE DES MONDES MULTIPLES) في الميكانيك الكوانطي (La mécanique quantique) لماكس بلانك (Max Planck) ونيلز بور (Niels Bohr).ومن هنا، تعنى نظرية العوالم المتعددة بتأويل الحوادث غير المحددة في علاقة بمشكل القياس الكوانطي.  وترتبط هذه النظرية بنظرية هيو إيفريت (la théorie d'Everett). ومن ثم، تعترف هذه النظرية بوجود عوالم حقيقية فيزيائيا ومنطقيا. بينما تعترف نظرية العوالم الممكنة بوجود عوالم افتراضية غير فيزيائية. وهناك نظرية الأوتار لميشيو كاكو تعترف بوجود أكوان متوازية لكوننا الحالي، وهي متعدد الأبعاد (10أو 11 بعدا، بعد أن كان هناك 26 بعدا). والفرق بين النظريتين: أن نظرية الأوتار تقر بعوالم متداخلة ومترابطة ومتداخلة في بعض الأحيان. في حين، تقر نظرية العوالم المتعددة بوجود عوالم متوازية. أما نظرية العوالم الممكنة، فتؤمن باستقلالية العوالم التخييلية، مع وجود تشابهات ممكنة مع عالمنا الواقعي.وأن هناك الأرض التوأم تشبه أرضنا المادية الحسية.

 

المبحث الثالث: العوالم الممكنة في حقل الدين

آمن الخطاب الديني، من خلال الكتب الدينية السماوية كلها، بوجود عوالم وأكوان دينية ولاهوتية متعددة. فهناك الدنيا العاجلة، والآخرة الآجلة، وعالم الجحيم، وعالم الصراط، وعالم القبر، وعالم الجنة، وغيرها من العوالم التي يصعب إدراكها. ويتكون كل عالم، بدوره، من عوالم متعددة مختلفة من حيث الدرجة والعمل والجزاء. فالجحيم ينقسم إلى عوالم عقابية متعددة حسب درجة الإثم والكبيرة والذنب.وتنقسم الجنة أيضا إلى عوالم متعددة مختلفة حسب درجة العمل والكسب والإحسان والخير. كما يتضح هذا جليا في سورة الواقعة التي تتحدث عن عالم الجنة وعالم الجحيم بخصائص مختلفة:

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [1] لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [2] خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [3] إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا [4] وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [5] فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [6] وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً [7] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [8] وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [9] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [11] فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [12] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [13] وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [14] عَلَىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [15] مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [16] يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [17] بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [18] لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [19] وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [20] وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [21] وَحُورٌ عِينٌ [22] كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [23] جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24] لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا [25] إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [26] وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ [27] فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [28] وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [29] وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [30] وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ [31] وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [32] لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [33] وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [34] إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً [35] فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [36] عُرُبًا أَتْرَابًا [37] لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [38] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [39] وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [40] وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [41] فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [42] وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [43] لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ [44] إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ [45] وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ [46] وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [47] أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [48] قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ [49] لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [50] ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ [51] لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [52] فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [53] فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ [54] فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [55] هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [56] نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ [57] أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ [58] أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [59] نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [60] عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ [61] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ [62] أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ [63] أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [64] لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [65] إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [66] بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [67] أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [68] أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [69] لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [70] أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [71] أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [72] نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ [73] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [74] فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [75] وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [76] إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [77] فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [78] لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [79] تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [80] أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [81] وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [82] فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [83] وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [84] وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [85] فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [86] تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [87] فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [88] فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ [89] وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [90] فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [91] وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ [92] فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ [93] وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [94] إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [95] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [96]"[25]

وقد اهتم كتاب التوراة بهذه العوالم اللاهوتية المتقابلة كما في الأمثلة التالية:

"- اذكر أن الموت لا يبطئ.  ألم يبلغك عهد الجحيم؟![26] "

- "قبل وفاتك اصنع البر فانه لا سبيل إلى التماس الطعام في الجحيم"[27]

- "باركوا الرب يا حننيا وعزريا وميشائيل.  سبحوا وارفعوه إلى الدهور؛ لأنه أنقذنا من الجحيم، وخلَّصنا من يد الموت، ونجانا من وسط أتون اللهيب المضطرم ومن وسط النار".[28]

ويتحدث الإنجيل كذلك عن هذه العوالم اللاهوتية من خلال التمييز بين الجنة والنار. "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي.  عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ.  فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟  وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟  وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟  فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.  «ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ، لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي.  كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي.  حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضًا قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟  فَيُجِيبُهُمْ قِائِلًا: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا.  فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ".[29]

وقد تناولت فلسفة العصور الوسطى هذه العوالم، سواء أكان ذلك في العالم المسيحي أم في العالم الإسلامي، كما يتضح ذلك عند توما الأكويني، والقديس أوغستينيوس، والقديس أنسليم. وكذلك عند الفارابي  وابن سينا اللذين تحدثا عن العوالم الممكنة من خلال نظرية الفيض، أو نظرية العقول العشرة التي أخذت من كتاب تاسوعات أفلوطين.

ومن جهة أخرى، فقد تناول يوري لوتمان (Youri Lotman) أشكال الفضاء الثقافي، فقسمه إلى فضاء جغرافي، وفضاء ثقافي، وفضاء كوني... ومن ثم، ينبني الفضاء الجغرافي، في العصر الوسيط، على التقابل بين الأرض والسماء، أو بين حياة الأرض وحياة العالم الآخر، أو بين الحياة الأرضية والحياة السماوية، أو بين البقاع الطاهرة والبقاع الآثمة.بل هناك تقابل بين الفضاء (الأرض) واللافضاء (الآخرة). ويعني هذا أن الفضاء الجغرافي يتخذ، في العصور الوسطى، بعدا دينيا وأخلاقيا وروحانيا، ويتسم الاتجاه القيمي لهذا الفضاء بكونه عموديا، يتحرك من الأسفل نحو الأعلى. ويعني هذا التحرك أن الروحاني يسمو على ماهو دنيوي وأرضي. وبالتالي، يعتبر رجال الدين أن ما هو سماوي هو الأسمى والأعلى، على الرغم من كونه  يجري خارج الفضاء، ويتخذ طابعا مثاليا خالصا؛ لأن "التحرك داخل الفضاء الجغرافي يدل على التحرك على طول السلم العمودي للقيم الدينية والأخلاقية. تتكون قمة السلم من السماء، وتتكون قاعدته من الجحيم."[30]

ومن هنا، ترتبط الأخلاق بالأمكنة، وتتخذ الأمكنة دلالات أخلاقية. لذا، فقد "أصبحت الجغرافيا شكلا من أشكال الأخلاق."[31]

وفي العصور الوسطى،  كثرت الكتب التي تعنى بتصوير الفضاء العلوي المقابل للفضاء السفلي. ومن هنا، فقد اتخذ الفضاء بعدا جغرافيا وأخلاقيا، فكثرت الأسفار من الأرض إلى الجنة والجحيم؛ مثل: (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، و(الكوميديا الإلهية) لدانتي. وفي هذا الصدد، يقول لوتمان: "باتفاق مع هذه الأفكار، كان رجل العصور الوسطى يعتبر السفر داخل الفضاء الجغرافي مثل انتقال المعنى الديني والأخلاقي للكلمة: البلدان كانت تصنف مثل بلدان بدع وثنية أو بلدان قداسة. المثل الاجتماعية - كما هو الأمر بالنسبة لكل الأنساق الاجتماعية التي يمكن أن يتخيلها العقل الوسيطي - كانت تعتبر كما أنها تحقق داخل فضاء جغرافي محدد. كانت الجغرافيا والأدب الجغرافي مثاليين في الجوهر، وكان السفر يتخذ مظهر حـجّ."[32]

وأكثر من هذا فقد كان السفر ذا بعد جغرافي وأخلاقي وروحي، وقد ارتبطت الهجرة، في القرآن الكريم، بالعبادة والطهارة والقداسة والاستشهاد وحب الله، مصداقا لقوله تعالى: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفورا رحيما "[33].

وقد كانت هجرة الرسول من مكة إلى المدينة انتقالا من فضاء الكفر والوثنية والضلال إلى فضاء الإيمان والتوبة والتقوى، وتنطبق الدلالات نفسها على هجرة الصحابة إلى الحبشة في بداية الدعوة الإسلامية.

ونجد هذه الهجرة أيضا عند الفلاسفة (حي بن يقظان) لابن طفيل)، وكذلك عند المتصوفة الذين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر (النفري مثلا)...

ومن هنا، "فالجغرافيا، في العصور الوسطى، لم تكن تعالج مثل تخصص علمي، ولكن بصفتها فرعا للأوطوبيا الدينية. هذه الطريقة في الرؤية يوافقها موقف خاص تجاه السفر والمسافر: السفر طويل يجعل المسافر أكثر قداسة، وبشكل متزامن، الطريق المفضي إلى القداسة يتضمن ضرورة فكرة التخلي عن حياة الرفاهية والإقبال على السفر. ويعني التحرر من الآثام السفر بعيدا. أي: التحرك داخل الفضاء. هكذا، كان الذهاب إل الدير يمثل انتقالا من مكان الإثم إلى مكان القداسة؛ إنه يتشابه مع رحلة حج ومع الموت، لأن الموت نفسها كانت تعتبر مثل انتقال داخل الفضاء."[34]

وتتقابل البلدان جغرافيا وأخلاقيا، مثل: تقابل الهند الروحانية مع روسيا المادية. كما تقترن درجة المناخ بطيبوبة الناس، حيث يعبر المناخ في الجحيم عن فضاضة البشر وقسوتهم. في حين، يعبر مناخ الجنة عن طيبوبة الناس ودماثة أخلاقهم. علاوة على هذا، يتسم الفضاء الوسيطي بالانتقاء الذي يتمثل في اختيار أفضية فاضلة مقابل أفضية دنيئة، وتفضيل  الأنا الطاهرة على  الآخر المذنب.

هكذا، يتبين لنا أن الفضاءات الجغرافية، في العصور الوسطى، هي  فضاءات دينية وأخلاقية وقيمية وسلوكية. ومن ثم، لا يمكن إدراك الأرض المباركة، على مستوى السفر، إلا بعد مسافة طويلة، كما هو شأن الحج الذي يستوجب قطع مسافة طويلة بالنسبة للحاج النائي.

وعليه، إذا كان الفضاء الجغرافي، في العصر الوسيط، فضاء ثقافيا دينيا وأخلاقيا، فإن الفضاء، في الفترة المعاصرة، هو فضاء واقعي ومادي ينبني على المدينة. وهنا، يتخذ المنزل أو المسكن بعدا سيميويطقيا ثقافيا. وفي هذا النطاق، يقول لوتمان: "يوجد لدينا - هنا - مثال واضح لمبدإ مهم داخل الفكر الثقافي البشري: الفضاء الواقعي هو تمثيل أيقوني لسيمياء الكون، هو لغة يمكن أن يتم داخلها التعبير عن دلالات غير مكانية. في حين، تحول سيمياء الكون، بدورها، العالم الواقعي للفضاء الذي نعيش ضمنه إلى تمثيل يناسب صورتها."[35]

وعليه، تعد المدينة فضاء كونيا رمزيا، وتأخذ موقعا متميزا داخل ثقافة ما، كأن تكون مركزا من جهة، أو هامشا من جهة أخرى، فالعاصمة هي مركز، ودون ذلك هامش. ومن ثم، لم تعد هناك مقابلة بين السماء والأرض، بل أصبحت بين الطبيعي والاصطناعي. وفي هذا الإطار، يقول لوتمان: "تعد المدينة آلية سيميائية مركبة، مولدا للثقافة، ولكنها لاتقوم بهذه الوظيفة إلا في الحالة التي تمثل فيها بوتقة لنصوص وسنن مختلفة وغير متجانسة، منتمية لكل أنواع اللغات والمستويات. التعدد الصوتي والسيميائي الضروري لكل مدينة، ما يجعل هذه الأخيرة أكثر إنتاجية من وجهة نظر التصادمات السيميوطيقية. وتعد المدينة، باعتبارها فضاء تتواجه فيه سنن ونصوص وطنية، واجتماعية، وأسلوبية، الواحد في علاقته بالآخر، فضاء للتهجين، ولإعادة التسنين، وللترجمات السيميويطقية، كل ما يجعل منها مولدا قويا لأخبار جديدة. تحدث هذه المواجهات - مثلا - بصفة دياكرونية، كما تقع أيضا بصفة سانكرونية: المجموعات المعمارية، والطقوس والاحتفالات، وتصميم المدينة نفسه، وأسماء أزقتها، وآلاف رفات العصور المكتملة تفعل بصفتها مجموعة من البرامج المسننة التي تجدد باستمرار نصوص الماضي. إن المدينة آلية تعيد خلق ماضيها باستمرار؛ هذا الماضي  يمكن، إذاً،  أن يتجاور سانكرونيا، مع الحاضر. بهذا المعنى، فإن المدينة، كما هو الأمر بالنسبة للثقافة، تعد آلية تتحدى الزمن."[36]

ومن هنا، تكون المدينة فضاء مركزيا اقتصاديا، وفضاء تتعايش داخله لغات ثقافية متعددة. ويعني هذا أن التعدد السيميوطيقي هو القانون الذي يتحكم في هذا النوع من المدن. وبذلك، يخالف النسق السيميوطيقي الموحد. ومن هنا، تعد المدينة فضاء للتناقضات اللغوية والإثنية والثقافية والسيميوطيقية.

تأسيسا على ما سبق، يتبين لنا أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بمعزل عن الكون، حيث لا تأخذ الذوات دلالاتها السيميائية إلا في ارتباط جدلي بالكون، وتمثل ثقافة هذا الكون. أي: لا يمتلك الإنسان الدلالة الحقيقية والسيميوزيس إلا في الفضاء الحيوي الذي ينبنى على الثقافة أو الثقافات المتعددة. ومن ثم، تعرف سيمياء الكون بكونها ذلك الفضاء الذي تتداخل فيه الثقافات واللغات والحضارات. إنه فضاء سيميوطيقي للحوار والتعارض والاختلاف والتقابل. إنه فضاء التهجين، والبوليفونية، والتواصل، والتعددية، والتناص.

 

الخاتمة:

 وخلاصة القول، لقد ظهرت نظرية العوالم الممكنة في الحقل الديني قبل انتقالها إلى الحقول الثقافية والعلمية الأخرى. ويلاحظ - فلسفيا- أن نظرية العوالم الممكنة تبلورت، بشكل واضح، في الحقل الفلسفي اليوناني، وامتد ذلك إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة إلى يومنا هذا، ضمن تصور كوسمولوجي وميتافيزيقي وافتراضي، قبل أن ينتقل هذا التصور إلى الأدب والفنون الجميلة.

ويحوي العلم - اليوم- تصورات مهمة حول العوالم المتعددة والممكنة، ولاسيما مع الفيزياء المعاصرة، كما هو حال الفيزياء الكوانطية التي تقول بالعوالم المتوازية، ونظرية الأوتار التي تقول بالعوالم المتداخلة والمتشابكة.

وفي الوقت نفسه، نجد الخطاب الديني، بكل تجلياته ومدوناته المقدسة واللاهوتية، يتحدث عن مجموعة من العوالم الممكنة التي يشير إليها النص الديني بشكل واضح وجلي وبين.

 

د. جميل حمداوي

........................

[1] -عمر فروخ: الفلسفة اليونانية في طريقها على العرب، منشورات مكتبة منيمنه، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1947م، ص:13-14.

[2]- أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، طبعة 1998م، ص:54.

[3]- عمر فروخ: نفسه، ص:15.

[4] - أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:55.

[5] - عمر فروخ: نفسه، ص:16.

[6]- يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والنشر والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1953م، ص:39.

[7]-Heinz Wismann Les avatars du vide, Démocrite et les fondements de l’atomisme, Paris, Hermann, 2010, p. 28.

[8] -Charles Mugler, « Les théories de la vie et de la conscience chez Démocrite », Revue de philologie, tome XXX, 1956, p. 231-241.

[9] -Pierre-Marie Morel, Démocrite et la recherche des causes, Klincksieck, 1996.

[10] -Jean Salem, Démocrite. Grains de poussière dans un rayon de soleil, Vrin, 1996.

[11]-Charles Mugler, « Démocrite et les dangers de l'irradiation cosmique », Revue d'histoire des sciences, t. XX, 1967, p. 222-223.

[12] -Aristote, Métaphysique, A 985 b 16-17.

[13]-Charles Mugler, Deux thèmes de la cosmologie grecque, Devenir cyclique et pluralité des mondes, Paris, 1953, chapitre I et IV.

[14] - مراد وهبه: دراسات في الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى سنة 2004م،ص:17.

[15]-C. Joubaud, Le Corps dans la philosophie platonicienne, Paris, Vrin, 1991.

[16]- أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة، ص:206-209.

[17]- زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر، القاهرة، مصر، دون تأريخ للطبعة، ص:22-23.

[18]- انظر أفلاطون: جمهورية أفلاطون، المرجع المذكور سابقا.

[19]- أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:428.

[20] - وقد سبق الغزالي أن قال بأفضلية العالم الواقع، انظر طه عبد الرحمن: اللسان والميزان، أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1998م، ص:373.

[21]- ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة:  باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:132.

[22] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[23] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[24]-Hugh Everett, Reviews of Modern Physics, 29, 1957, p.454.

[25]- سورة الواقعة، القرآن الكريم، برواية ورش عن نافع.

[26] - التوراة، سفر يشوع بن سيراخ 14(12).

[27]- التوراة، سفر يشوع بن سيراخ 14(17).

[28]- التوراة، سفر دانيال، 1:88.

[29]-إنجيل متى 25، من الآية 34 حتى 46.

[30]- يوري لوتمان: سيمياء الكون، ترجمة عبد المجيد النوسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م، ص:132.

[31]- يوري لوتمان: نفسه، ص:133.

[32]- يوري لوتمان: نفسه،  ص:134.

[33]- سورة النساء، القرآن الكريم،  الآية 100.

[34]- يوري لوتمان: نفسه، ص:135.

[35]- يوري لوتمان: نفسه، ص:183.

[36]- يوري لوتمان: نفسه، ص:194.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3637 المصادف: 2016-08-20 03:30:34