 دراسات وبحوث

أياد الركابي: قول في نسبية مفهومي الجنة والنار

ماذا نعني بالنسبية هنا في بحثنا هذا؟

نعني بها: [...ذلك الشيء الذي يكون بلحاظ ما يمكن تصوره من جهة كل فرد] - وذلك المعنى يتفاوت درجة وقيمة وفاعلية بحسب الوضع والمعرفة وجهة الإستخدام -، وفي الواقع إنه من خلال مفهوم النسبية هذا يسهل علينا التعرف على معاني الألفاظ ودلالتها وبيان مصطلحاتها ومفاهيمها، فمثلاً مفهومي - الجنة والنار - يكونان كذلك من حيث درجة فهمنا وتصورنا لهما، ونعني بذلك إنهما لفظين أو قل مصطلحين وردا في نصوص الكتاب المجيد للدلالة على معنى [السعادة والشقاء]، و السعادة والشقاء معنيان مرتبطان بما يتبادر للذهن عنهما وبما يشعر بهما المرء ويحس .

- والجنة والنار: ليسا مكانيين ماديين للعيش كما يتصور البعض، بل هما مكانيين تصوريين يحس بهما ويشعر فقط في العالم الآخر، وقد وردا في الكتاب المجيد بهذا المعنى على نحو الحقيقة التصورية، ولكي نفهمهما و بحسب ما عندنا من أدوات وعناصر تركيبة إيضاحية وردا في هذه الصياغة اللفظية التي نقرئها في الكتاب المجيد [لكي تناسب أفهامنا]، - وبين الدنيا والآخرة تشابه وإختلاف من وجه - فهما عالميين متساويين في الماهية ومختلفين في الطبيعة، -، والتساوي المقصود في الماهية يعني كون مفهوم الجنة في الدنيا هو نفسه مفهوم الجنة في الآخرة، ولكن الإختلاف بينهما يكون في الطبيعة، أعني إن طبيعة الجنة في الدنيا غير طبيعة الجنة في الآخرة، - فالجنة في الآخرة – عبارة عن معنى السعادة في مفهومها التصوري، الذي يشعر به المرء ويحس فقط، هي إذن شعور وإحساس تجريدي تخيلي وليس مادي، وهذا الإعتبار يحصل للمرء في حالتي الموت والنوم العميق (الأحلام مثالاً)، 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ [الأنعام: 60]

ونفس الشعور والإحساس يكون في معنى - النار في الآخرة – والتي هي عبارة عن العذاب الشديد أو الألم الشديد وبتعبير الفلاسفة (الشقاء)، فما يُقال عن الجنة والنار في الآخرة هو مجرد شعور وإحساس بهما .

وقد دل صريح الكتاب المجيد على ذلك، ولهذا نرفض قول بعض أهل الكلام في كون الجنة والنار - مخلوقة أو قديمة - بما يوحي التجسيم وما تعنيه المادة من التركيب، ذلك لأن لفظ – الجنة - أستخدم في الكتاب المجيد للدالة على السعادة والنعيم الذي يشعر به المرء شعوراً روحياً، كما يحصل للمرء حين النوم من أحلام ورؤى،، إذن فنحن حينما نرفض كون الجنة والنار مخلوقان أو قديمتان نرفض في الواقع إعتبارهما ماديتان، وبالعودة لتعريفنا المتقدم يتبين إن ماهية الجنة في الكتاب المجيد واحدة في الدنيا والآخرة، وهذه الوحدة أراد النص تعميمها في ذهن المتلقي والسامع، و إنما الإختلاف في طبيعتها وفي كيفية الإحساس بها، وذلك ما نفهمه من قولنا بالشعور والإحساس بها .

ولفظ - الجنة - في الكتاب المجيد جاء في صيغة تعريف بأشياء مادية ملموسة من نخيل وأعناب ورمان وغيرها، وهذه الصيغة التعريفية ليست إفتراضية وإنما جاءت بلسان حال فهم المتلقي للفظ ولمعناه، قال تعالى: - أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب - آل عمران 133، والكلام في النص يذكر لنا أشياء مادية نلمسها ونحسها ونشعر بالسعادة من خلالها، وهذه الأشياء المذكورة ليست أشياءً مخفية أو غير معلومة، وفي ذلك يتضح معنى رفضنا للترادف اللفظي الذي نقول به في الكتاب المجيد، وبنفس السياق يأتي قوله تعالى: - ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله - الكهف 39، وهو كلام عما هو مُشاهد ومرئي واللفظ ورد في سياق المعنى، كذلك قال تعالى: - كمثل جنة بربوة أصابها وابل .. - البقرة 265، إذن فالمعنى المتحدث عنه في الدنيا يكون بلحاظ ما يحس به المرء أو يشعر به شعوراً مادياً، ولكن الكلام عن الإحساس في نفس هذه الأشياء في الآخرة يكون لا مادياً بل إنه مجرد شعور وإحساس، ومن هنا يكون تعريفنا للجنة الموعودة: [بإنها ذلك الشيء الذي يدل على السعادة]، وأما النار في الآخرة فهي: [كل شيء يدل على الشقاء والعذاب والألم] ووجودهما في الآخرة تصوري - .

و لكن ماهي العناصر التي تُعرف الجنة والنار؟، في الكتاب المجيد تكون العناصر المُعبرة عن الجنة والنار - أشياء مادية - من نخيل وعنب ولبن وعسل وخمروخشب وحجارة ولهب وغيرها من التعبيرات، وهذه التعابير مأخوذة من مفردات عالم الدنيا، أي إنها مفردات تشكل للإنسان وفي تصوره الإفتراضي معنى السعادة والشقاء، وهذه المفردات في العالم الآخر وبلحاظ مفهومي - السعادة والشقاء - لا تعدو أن تكون هذه المفردات بمثابة - الفكرة المجردة - التي تحصل للإنسان من خلال الشعور والإحساس الروحي، تحصل له كنتيجة لعمله في عالم الدنيا، والعلاقة بين (الإنسان وبين الجنة والنار) هي علاقة طردية بحسب درجة الفعل والعمل في الدنيا وطبيعته، وهذا التقرير إعتباري بحسب درجة تصور دلالة المفهوم ومايؤدي إليه، و الدلالة التصورية: في المنطق العام ليست مطلقة والشعور والإحساس بها هو الدليل الدال عليها، فإن قيل: إن الشعور والإحساس متعلقه في عالم الدنيا مادي بلحاظ مفهوم المادة، ولكنه ليس كذلك في عالم الآخرة .

قلنا: إن المتعلق هنا هو الشعور بالسعادة والشقاء على نحو مجرد، و السعادة والشقاء هما مفهومان نسبيان وفهمنا لهما بحسب مالدينا من قياسات منطقية وعقلية، فمثلاً تحصيل السعادة في العلاقة الزوجية: هو مفهوم نسبي يختلف بحسب شعور كل واحد منا به هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالمشاعر تجريدية تختلف بحسب طبيعة عالم الآخرة، - أعني طبيعة الشعور وطبيعة الإحساس -، ففي قوله تعالى: - كذلك وزوجناهم بحور عين – الدخان 54، يظهر في الخطاب ما يشكله الشعور بالزواج وطبيعته من خلال فهمنا في عالم الدنيا، لذلك ورد اللفظ - زوجناهم - إذ الزواج أعم من النكاح وإدخال مفردة - الحور العين - ليتناسب مع مقام الإستمرار والدوام، وقد وردت هذه اللفظة في الطور 20، والواقعة 22، و الرحمن 72 التي جاءت مضمرة من دون ذكر لفظ - عين - كما في قوله تعالى: - حور مقصورات في الخيام - .

و- الحور العين - هي صفة مشبهة تدل على ثبات الحال من تحقق السعادة والمتعة واللذة للإنسان، والإنسان هو مطلق عنوان الذكر والأنثى، و الكتاب المجيد حين وضع هذا اللفظ وضعه لمعناه الدال عليه من غير تكلف و زيادة أونقصان، وحيثما تكون السعادة في موضع تكون الجنة هناك، ولادليل في الكتاب دال على إخراج اللفظ من معناه كما في قوله تعالى: - ولدان مخلدون - الواقعة 17، للدلالة على دوام السعادة .

وكما في جملة - زين للناس حب الشهوات .. آل عمران 14، الدالة على ما توفره تلك الشهوات من متعة وسعادة بالنسبة للإنسان، وهذا ما يحصل للإنسان في الآخرة ولكن بطبيعة مختلفة .

والسؤال: هل - الجنة والنار – لهما وجود فعلي موضوعي ؟ أم إنهما مجرد إفتراض ذهني؟ .

والجواب: وردت صيغة لفظ - الجنة والنار - في الكتاب المجيد كتعبير لما يحصل للإنسان من سعادة وشقاء جراء عمله في الدنيا، وهو تعبير تقديري وقد أستخدم النص فيه وسائل إيضاح لتقريب الذهن للمعنى المُراد، وهذا بحسب ما يفهمه الإنسان ويحس به ويشعر من أدوات وعناصر في السعادة والشقاء، ولهذا فالجنة والنار ليست من الحقايق المادية بل هما من الشؤون الذهنية المفترضة التي يفهمها العقل من خلال الإحساس والشعور المجرد، وبما إن ماهية الدنيا تشبه ماهية الآخرة لذلك وردت صيغ التعريف والإيضاح بهذا النحو ليس إلاَّ، لكن الإختلاف في طبيعة ذلك هو الذي يجعلنا نقول بالعالم الإفتراضي الذهني التخيلي المجرد، ثم إنه ليس هناك ثمة عالم وسطي بين الدنيا والآخرة، ولهذا فبمجرد موت الإنسان تكون جنته وناره وبحسب وضعه .

وأما القول: بإمكانية رؤية الله للصالحين من عباده، فهذا قول مردود ولا يعتد به، وذلك لأن الله ليس مادة حتى يمكن تصوره الجسماني، وعالم الآخرة كذلك ليس عالماً مادياً، والرؤية الروحية لله في أية صورة ومنظر لا نقرها ولا دليل عليها، ثم إن الله حين تحدث عن أفعاله في الدنيا، تحدث بصيغة البناء للمجهول، وأعني بذلك إنه تحدث عن نتيجة الفعل وليس عن الفعل نفسه، ولا عن الكيفية التي يتم بها الفعل، وهذا ما نلاحظه حتى في زمن التجربة مع إبراهيم النبي في موضوعة: - ربي أرني كيف تحيي الموتى .. - وكذلك مع موسى النبي حين قال له: - ربي أرني أنظر إليك ...، فالله تحدث عن نتيجة ما يفعله وليس عن فعله وكيفية ذلك، ولم يتحدث عن رؤيته، ولكنه دعاه ليرى نتيجة الفعل حين جعل الجبل دكا وخر موسى صعقا، وهذا الشيء ينطبق على كل ما فعله الله، فالذي نرآه هو نتيجة الفعل وليس الفعل نفسه، هذا في الدنيا، والأمر في الآخرة مشابه له فالله يتحدث عن السعادة وعن الشقاء كنتيجة فعل يحصل للإنسان .

وأما ماذهب إليه بعض أهل الكلام في تفسير قوله تعالى: - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة – القيامة 22، 23، فالكلام ليس عن النظر بمعنى الرؤية العيانية والمشاهدة، إنما الكلام عن النظر فيما يحصل للمرء جراء ما يفعله في الدنيا، وجراء ما يلتزم به من تعاليم الرب وما كان يريده، والنص أستخدم لفظ الرب دون الإله للدلالة على المعنى، ووهم رؤية الله منشأه وهم تصور عالم الآخرة كوجود موضوعي، وهذا ليس حقيقي بدليل ما قدمنا، إذ ليس هناك ثمة مشاهدة أو رؤية لله لا في الدنيا ولا في الآخرة، والكلام في دلالة النص 22 من القيامة لما تكون عليه السعادة التي يحصل عليها المرء جراء ما فعله إمتثالاً لتعاليم الرب ووصاياه .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي   

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3674 المصادف: 2016-09-26 10:06:47