 دراسات وبحوث

رياض الناصري: المكان وأفضيته في القصة القرآنية

ryad alnasiriيعد المكان مكونا محوريا في بنية السرد القصصي "بحيث لا يمكن تصور حكاية بدون مكان فلا وجود لأحداث خارج المكان، ذلك أن كل حدث يأخذ وجوده في مكان محدد وزمان معين"(1)، وتزداد قيمة المكان "كلما كان متداخلا بالعمل الفني ممتزجا ببنائه"(2)، فقد عرف الباحث السيميائي " لوتمان " المكان قائلا: " هو مجموعة من الأشياء المتجانسة من الظواهر، أو الحالات، أو الوظائف، أو الأشكال المتغيرة .. الخ، تقوم بينها علاقات شبيهة بالعلاقات المكانية المألوفة/العادية (مثل الاتصال، المسافة... الخ)"(3)، مشترطا تجريد هذه الأشياء من خصائصها، إذا ما نظر إليها على أنها مكان، مستثنيا تلك التي تحددها العلاقات ذات الطابع المكاني التي تدخل في الحسبان(4). فالمكان يتداخل مع مكونات السرد الأخرى (الأحداث، الشخصيات، ...الخ)، فهو الحيز الذي تقع فيه الأحداث، وهو البعد المادي للواقع إذ يمثل "الخلفية التي تقع فيها الأحداث، أي أنه الإطار الذي تقع فيه"(5)، فأهميته لا تقل عن أهمية العناصر الأخرى في السرد القصصي، فهو يمثل " الأرضية الفكرية والاجتماعية التي يحدد فيها مسار الشخوص ويركز فيها على وقوع الأحداث ضمن زمن داخلي نفسي، يخضع لواقع التجربة الفنية"(6).

وقد يتخذ المكان أشكالا، ويتضمن معانٍ عدة، وقد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل السردي كله(7)، ويتصل المكان بالشخصية، وهو الدال عليها، والمحدد لسماتها، لأن "المكان الذي يسكنه الشخص مرآة لطباعه، فالمكان يعكس حقيقة الشخصية ومن جانب آخر، إن حياة الشخصية تفسرها طبيعة المكان الذي يرتبط بها"(8)، فهو يستقطب الشخصيات، ويؤثر فيها، ويعد محركا رئيسا لها فهي تمتلك وجودها من خلاله، كونه المرآة التي تكشف لنا عن الحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية بل وتسهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها(9)؛ فالمكان عنصر يؤثر في الشخصية، وارتباطه بها كارتباطه بالحدث، كونه "يعكس نفسية الشخصية ويكشف عن هويتها وأنماطها"(10)، وهو العتبة التي ندلف بواسطتها إلى داخل النفس، فيتكشف لنا ما تخترنه وتحاول إخفاءه، فنستدل على هويتها ونمط حياتها من مكان وجودها، وهو يمد المتلقي بالمعرفة الموضوعية والذاتية التي تتسم بها الشخصية، وبذلك عُدّ المكان عنصرا مؤثرا، يكسب العمل القصصي قيمة فنية، ويسهم بفاعليه في توليد الإيحاءات والمعاني كونه فضاءً لفظيا "لا يوجد إلا من خلال اللغة، فهو فضاء لفظيEspace verbule بامتياز. ويختلف عن الفضاءات الخاصة بالسينما والمسرح، أي كل الأماكن التي ندركها بالبصر أو السمع، إنه فضاء لا يوجد سوى من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب، فهو يتشكل كموضوع للفكر الذي يخلقه الروائي بجميع أجزائه ويحمله طابعا مطابقا لطبيعة الفنون الجميلة ولمبدأ المكان نفسه"(11)، فهو صورة متخيلة يمدنا بها السرد "يمكن أن تستدعيها المفردات الإشارية المباشرة direcrt Deixis في التفاعل بين الشخصيات في الرواية وفي الكلام المباشر للمتحاورين في التبادل الحواري"(12)، فهذه الإشارة الفضائية "تضفي على المحكي، فور ذلك، طابع الحقيقة (والصدق)"(13)، فضلا على ذلك فالمكان لا تبنى صورته من الألفاظ فحسب، بل يشترك الواقع، والتخيّل الحكائي، في بناء هذه الصورة فـ" حتى لو كان الفضاء الروائي يمتلك امتدادات واقعية، بمعنى يحيل على أمكنة لها وجود في الواقع، فإن ما يهم في السرد هو الجانب الحكائي التخيلي للفضاء، أي الدور الحكائي النصي الذي يقوم به داخل السرد"(14)، وللمكان حضور متميز في القصة القرآنية، سواء بالإشارة إلى أماكن واقعية أم عبر التقاطبات المكانية في السرد، وهي "التي تصنف الأمكنة وتبحث في دلالتها في شكل ثنائيات ضدية، بحيث تعبر عن العلاقات والتوترات بين قوى وقيم متعارضة"(15)، في مجالات متعارضة عدة يحيط بها المكان، وتمثل فضاءاته، مثل: التقاطبات الثقافية، وأمكنة الانتقال والإقامة، والأمكنة الأليفة والمعادية، فضلا على الفضاء الأهم في القصة القرآنية، وهو فضاء الائتلاف والاختلاف، بين السلطة والدعاة (الأنبياء)، سواء سلطة دولة أم قرية أم جماعة!. يطمح هذا المبحث إلى بيان الجوهر الحكائي للمكان بعدّه " مكونا سرديا في المقام الأول، وعنصرا حاسما في الاقتصاد الحكائي"(16)، أي محاولة القيام بـ" تحليل مشكلات المكان والاهتمام بنظام اشتغاله، وأساسا بالصلات التي تجمعه بالشخوص والأزمنة والرؤيات وباقي عناصر البناء"(17)، التي تنهض عليها عناصر القصة القرآنية؛ مكونة فضاء السرد وتقاطباته.

 

1. فضاء المكان المقدس

للعام والخاص حضوره في القصة القرآنية، تتجلى عبره علاقة المكان بالشخصية، وما تنتج هذه العلاقة من فضاء وصور مشهدية، تضفي الحركة والصوت والرائحة عبر حضور أجواء المقدس وعنفه وجلالته، في حضور متخيل يدهش الشخصيات الحاضرة قبل المروي لهم: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ )، (البقرة:35). فهذا مكان يقدم العيش الرغد؛ مؤثثا بنباتات وأشجار تؤطّره بالسكينة والهدوء، حيث الحرية الواسعة في الاستطالة لما يشاء من ثمار (الجنة)/ المكان المقدس والمتخيل، الذي يضمن للشخصية عزها وسؤددها حيث: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى)، (طه: 118-119). فهو مكان أليف تقطر من جنباته الرعاية المقدسة والتبجيل: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا...)، (طه: 116). فمكان يؤثث فضاءه – الإله – الملائكة – السماء – السمو - النبل - الجنة وثمارها، ويسجد فيه الملائكة لآدم، لهو مكان خاص وله دلالته الخاصة، ضمن الإطار العام الذي يتسم بالسعة والتعدد، الذي خلق حضورا طاغيا للشخصية، مما ولد لديها ارتباط روحي بالمكان، ستكون حسرة فراقه كبيرة حينما يرضخان (آدم وحواء) لإغراء العدو المخاتل (إبليس)، فتكون حسرة أبدية، يمتد عمرها إلى زمن خارج إطار التخيّل، لتبقى لوعة الرجوع إلى هذا المكان أبدية هي الأخرى، تبحث عن آليات الرجوع في كل وقت وحين( : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )، (البقرة:36). وهنا تفترق صورة الشخصية عبر فضاء المكانين؛ إذ أنها بعد فراق فضاء التقديس، تصبح هنا وعلى الأرض مقابلة للشيطان: " بعضكم لبعض عدو " وكأنهما على قدم المساواة في صراع أبدي يمثل عمق الخطأ المقترف، فتتحول صورة الشخصية من المقدس إلى المدنس، وتحاول عبر آليات الاستغفار، والعبادة، والطاعة الرجوع إلى صورتها الأولى، متخذة من إطار التطهير غاية للرجوع إلى فضاء المقدس، عبر بوابة الفناء ( :قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )، (الأعراف: 23)، وهنا سيكون حضور المقدس موازيا لدلالة الكلام الملقى، حيث الرحمة فضاء آخر يؤطر المكان: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )، (البقرة:37)، حيث طلب المغفرة فضاء داخلي احتوته نفس آدم وزوجه، بعد فضاء داخلي قادهما إلى الخروج من الجنة وهو هاجس الملك والخلود( :..... وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف:20)، فغلب فضاء الخلود وحب المُلك معززا بفضاء النصح(المتوهم)(: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)، (الأعراف:21)، فضاء الوصية الدالة على الألفة والمحبة: ( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)، (طه:117). فالجنة هنا ليست مكانا يحوي فضاء الألفة والرحمة، ففيها فضاء معادٍ تمثل بالشيطان، هذا التقاطب بين الفضائين زاد في جمالية فضاء الألفة والرحمة، عبر تجاور المكان الأليف (الجنة) والمكان المعادي الشقاء (فتشقى)، فكثافة المكان المحدد رغم سعته (الجنة)، وهذا التحديد بدلالة (اهبطوا منها)، غلب فضاؤه الرائق على سعة (الشقاء) في الأرض رغم محدوديتها.

في طلب إبراهيم من ربه أن يجعل بلده آمنا، مقروناً بالدعاء ليتجنب هو وأبناؤه عبادة الأصنام، صورة أخرى لرسم الفضاء المقدس عبر حضور جدلية المقدس والمدنس: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، (إبراهيم:35-36)، ففضاء المكان هنا يتكون من التقاطبات الآتية:

 

الأمن/ اللا أمن

الله/ الأصنام

الشرك/ الإيمان

الطاعة/ المعصية

العقاب/ المغفرة

فإبراهيم حين يدعو ربّه: "ربّ اجعل هذا البلد آمنا"، يستحضر المتلقي صورة أخرى غائبة عن المشهد، تمثل فضاء الخوف أو الرعب أو اللا أمن؛ فهو يرجو أن يتحول هذا المكان من مكان معاد إلى مكان أليف، عبر إكسير الحياة (الأمن)، ومقرونة بالرغبة بإزاحة فضاء ران على مشهد حياته وهو (عبادة الأصنام)، فتمثل كلمة (نعبد) بعدا سلوكيا وعقائديا وعمقا تاريخيا، أثث فضاء الشرك لما تحمله هذه الكلمة من دلالة على عمق التمسك بعبادة الأصنام عند الآخر (المشرك)، والإعراض عن دعوة إبراهيم، بالإيمان بالله والسير على ديانة التوحيد، وزاد في سعة هذه الصورة صورة الكثرة من الناس في الآية بعدها: "ربّ إنهن أضللن كثيرا من الناس"، ففضاء الشرك هنا واسعا وراسخا، يبحث إبراهيم على وضع بديل له في هذه الأرض، لتتحول من المدنس إلى المقدس، ولترتفع عبادة الناس من الأرض إلى السماء، عبر التحول من المادية إلى الروحانية، ليقضى على الشرك ويتحقق الإيمان، فيخفت فضاء المعصية ويعلو فضاء الطاعة، ليتجنب قومه العقاب وتتحقق المغفرة؛ وسيسهم وصف إبراهيم لهذا المكان في إعطاء صورة للشخصية والحدث، وانعكاسات المكان عليها، فيكتمل فضاء المشهد السابق بمعطيات ومعان جديدة: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37)، ففضاء البيت المحرم هنا أرض جدبة لا ماء ولا شجر، فهي أرض مقلقة توجب على الشخصية الداعية تقديم علل لتأثيث المكان، بما يجعله مكان رحمة، يوازي قدسية البيت المحرم الموجود فيه، وبما يعكس نمط الشخصية وحنوها وبعد نظرها، وهو أيضا يكشف عن خطورة الحدث (السكن في واد غير ذي زرع)، فتأتي "ليقيموا الصلاة"؛ جملة ذات دلالات واسعة، تعبر عن فضاء للإيمان، ونبذ الشرك وتصديق الرسالة، وتحقق الاتصال بين السماء والأرض، مما يجعلها استهلالا مكثفا لتحقيق فضاء الدعاء بعدها، بتحقيق الاتصال والتواصل مع الآخر: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم"، ومما يجعلها أرضا أليفة: "وارزقهم من الثمرات"، ولتكتمل دائرة الاتصال بين السماء والأرض عبر: "لعلهم يشكرون". وتأتي عبارة "بيتك المحرم"، تحمل في طياتها الرغبة في أن يكون بيتا للجميع فـ" كل الأمكنة المأهولة حقا تحمل جوهر فكرة البيت"(18)، الذي هو بيت الألفة والطمأنينة.

لا يني السرد القرآني يقدم لنا الفضاء المقدس في كثير من قصصه، ففي معرض تذكير موسى بأنعم الله وفضله على قومه، نجد المكان غير محدد وغائب، بيد أن فضاءه حاضر: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِين)، (المائدة:20)، ففضاء المكان هنا مؤثث بصورة الأنبياء، والملوك، وأشياء أخرى، تُركت لخيال المتلقي وتصوره: "وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين"، ولك أن تحمل هذا المنعم به غير المذكور، حيث يشاء بك الخيال والتصور؛ وسيزيد من حدّة هذا التصور للنعم المسكوت عنها، الطلب المترتب على هذه النعم: ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)، (المائدة:21)، فهذا المكان أرض مقدسة، كُتبت للمؤمنين، وهنا يقدم لنا السرد الفضاء المحيط بموسى، عبر تقديم النهي عن الارتداد، بما يصور حال من حوله، وهي صورة للمجتمع تبيين طبائعهم وخصائصهم، ومن ثم طبائع المكان وخصائصه، لأن المكان انعكاس للشخصية مثلما الشخصية هي انعكاس للمكان؛ فالإدبار والانقلاب لابد من أسباب له، وهو قوة ودهاء من في الأرض مع قسوة وظلم، جعل هؤلاء القوم يحجمون عن دخوله، فهي أرض أعداء وتسلط وقهر: "قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين"، فهذا فضاء للأرض من فضاء آخر، دال على الخوف والتقاعس ومدى هيبة أولئك القوم في نفوسهم، وإحساسهم بعدم الطمأنينة لدخوله، فهو مكان تهديد ورعب قاد إلى نفورهم منه: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)، (المائدة:22)؛ فهذه صورة سردية أخرى ترسم فضاء المدينة وما حولها، وهي جدلية أخرى بين المقدس والمدنس، وأثرهما على الشخصية والحدث.

 

2. فضاء الذاتي

إذا ما كان العالم برمته يفيد أنه انعكاس للإنسان(19)؛ فإن ما يحيط به عن قرب، يمثل الفضاء الأكثر حميميّة، والأكثر تأثيرا، ومن ثم تصبح تصرفات الإنسان انعكاسا لهذا التأثير، يتغيّا بأساليب عدة تحقيق الموازنة معه، إن لم يكن يطمح للتغلب عليها، ومن ثم يمكن تفسير كثير من وقائع الإنسان نتيجة هذا التأثير بردود فعل متباينة؛ وصناعة هذه الوقائع عبر الفعل ورد الفعل، تبني ملامح الفضاء المحيط بالواقعة، عبر بوابة الذات التي تصهر الأشياء بمشاركة عاطفية وجدانية تمزج الماضي بالحاضر، متطلعة صوب مستقبل مغاير للحاضر في أغلب الأحيان:  (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا)، (نوح:5)، تمتد المسافة الزمنية على الذات وعلى الآخر، مما يضفي ظلالا على مساحة المكان، بالطول والسعة، وكأن هذه الدعوة استغرقت الأرض جميعها وليس لقوم معينين، وفي مكان محدود؛ فتعاقب الظلمة والضوء هو شكل آخر من جدلية القبول والرفض للدعوة؛ فالذات هنا هي مركز الصراع لأنها مصدر التأثير في المكان، عبر دعوة تحاول تغيير كلّ شيء، ومن ثم تغيير الفضاء المحيط الذي يخلق مركزية ذاتية أخرى تقابل الذات الداعية، فتخلق (فضاء التمنع):(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا )، (نوح:6)، هذا التمنع سيخلق دوائر تأخذ شيئا فشيئا بالابتعاد عن مركز الذات الداعية، مما يجعل من مساحة الفضاء تتسع كما هي مساحة السرد: ( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا )، (نوح:70). هذا الوصف لفضاء التمنع يمثل فضاء ضاغطا على فضاء الدعوة، وهو مليء بالحركة التي تبحث عن السكون لإغلاق الفضاء المفتوح/ الدعوة، بيد أن فضاء الدعوة يتسع وتتسع معه الذات الداعية ومساحة السرد، بغية فض مغاليق فضاء التمنع: ( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا )، (نوح:8-10). وهنا فضاء من التسامح ينبئ عن مرونة، تبغي توقف المتاعب التي خلقها الجدل للطرفين، بدعمها رسم فضاء تخيليي وصورة لاستمتاع يمكن أن تجود به الطبيعة، لو أنهم أقدموا على الاستغفار وقبلوا التلقين وأرادوا الاكتشاف: (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا )، (نوح: 11-12). هذا الاتصال بين السماء والأرض لا ينتج سعة بالفضاء فحسب، وإنما يتناغم وشهوة الأموال والأولاد لديهم، وهو فضاء آخر يأتي متجانسا مع جاذبية الجنات الخضراء، ولا محدودية الأنهار في الطول وفي إغداق البهجة؛ وهنا ينتقل السرد إلى تلقين آخر والى فضاء آخر من المعرفة والتفكر: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)، (نوح: 13-20).

يتموضع السرد في الآيات السابقة بإضفائه طابع الواقع على الفضاء، عبر التفكير في حقيقة الكون والنظر إلى الأشياء الملموسة في الوجود، فهذه الإشارات الفضائية تخلق علاقة عمودية مركزها الأرض وتتجه إلى السماء، في علاقة جدلية بين الفكر والمادة، يتمخض عنها خلق فضاء الإيمان عبر الأسئلة: كيف؟ ولماذا؟ ومن؟ ولم؟؛ وهي من أدوات المعرفة واليقين "إذ يلزم المحكي أن يقول "متى"، كما يلزمه أن يقول "أين" و "من" و "ماذا". فلا يرد الحدث السردي إلا مصحوبا بكل محدوداته وإحداثياته. وبدون المعطيات الزمنية والفضائية (مقترنة بغيرها) لا يتأتىّ بث الرسالة السردية"(20)، التي هي في السرد القرآني لا تتوقف عند جهة واحدة أو رسم موقف واحد، بل تتبادل الرسائل فيها بين الأعلى والأسفل، بين السماء والأرض، في جدلية المنفتح والمنغلق في إطار فضائي الإيمان والكفر، فيوظف لنا السرد (موقف ذات الممانعة)، في خلق حالة توازن معرفي بين طرفي الصراع، لخلق حالة جذب وتنافر لأي من الطرفين: (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا)، (نوح: 21-24). فهنا فضاء قد يخلق النفور والكراهية، في فضاء عقول تحلق عاليا بعيدا عن معطيات الوجود المادية، وربما خلق حالة جذب ورض، لمن يعيش في فضاء مغلق عناصره المادة والملموس، وكلا الطرفين يعول على فضائه الذاتي، أكثر من الانضمام إلى فضاء الواقع.

تبقى الذات تنشد حريتها ضمن فضائها الخاص في السرد القرآني، حاملا في طياته حرية الآخر، والانسجام مع فضائه الخاص: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُون ِ)، (الدخان: 20-21). هذا التشابه بين فضاء النص وفضاء الواقع، له دلالته التاريخية والاجتماعية والسياسية، يتناثر تفسيرها في الآيات بعدها، عبر المقارنة والاستدلال، لكشف أبعاد الواقعة وفضائها على مستوى الذات والموضوع ( :فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ)، (الدخان:22). فالدعاء هنا عملية تواصل بين الذات والإله، وهو شكل من علاقة التواصل بين السماء والأرض، توسع من دائرة فضاء الحدث، وتخلق أفق توقع، لمسار السرد ونتائج الأحداث: "فاسر بعبادي ليلا إنكم متبعون"، فضاء المسير الليلي يوحي بسعة هذه الرحلة وطول مدتها وخطورتها، وهذا ما سنتطرق إليه في فضاء الرحلة، وتتبين خطورة الرحلة كذلك من الأمر بترك البحر مفلوقا، وهو اتساع في فضاء الحدث، كون البحر لا محدود، فضلا عن لا محدودية المسافة بين المدينة والبحر، مما يعمق من الشعور بالكثافة السردية، عبر التقريب بين المسافات البعيدة وتراص الأحداث، فيخلق قلقا في فضاء الشخصية، ويوسع من مداه تحسر السرد، عبر تمثلات الواقع بذاكرة مستعادة، تضع الفضائيين جنبا إلى جنب، فضاء الماضي وفضاء الحاضر، بتشكيل سردي واحد يعبر عن الطرفين: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ )، (الدخان: 25-28). الصورة المظلمة التي يكونها السرد، لمكان يزهو بالخضرة والماء والزرع والفاكهة والبناء العامر، تزيد من حدة الشعور بقتامة الفضاء، ولا تنفع صورة الجنة الأرضية في تحويل فضاء الآخر إلى فضاء يلفه نور أشياء المكان، فتصبح الأشياء الحميمة فضاء معاديا يمقت الآخر، ويبحث عن الابتعاد عنه: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ * وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ)، (الدخان:29). وهو مصير ذات انطوت على فضائها، ولم تخلق حالة تواصل مع الآخر، مما جعل الانقطاع مصيرها عن أشيائها الحميمة، كما هو انقطاع أبدي عن فضاء الأشياء العام، لتدخل بوابة تاريخ جديدة فضاؤه أشد إيلاما من فضاء السرد، فتكون بذلك قطعية أبدية مع الجنتين الأرضية والأخروية، وبه يكون فضاء الذات قاتما إلى مالا نهاية.

 

3. فضاء الرحلة

يبدو أن الرحلة هي طوق النجاة الأبرز، في حياة أشخاص القصص القرآني من الدعاة، فقد أطرت حياة أبرز أنبياء الرسالات الإلهية الكبرى، أو كانت هي رحلة أحداث كبرى!، فهي انتقالة من فضاء إلى فضاء، بكل ما يحويه هذا الفضاء من أشخاص وأماكن وإيديولوجيات اجتماعية أو سياسية وحتى اقتصادية؛ فحين يندب رجل من آل فرعون نفسه، كي يمحض النصيحة إلى موسى لترك المدينة، يترتب على هذا الفعل أحداث ودلالات تضفي على القصة طابع الدرامية والإثارة والتشويق والمفاجأة؛ فأجواء المدينة هنا تعج بالخلاف بين السلطة الحاكمة وأتباعها من جهة، وطبقات المجتمع الأخرى من جهة أخرى، وبخاصة قوم موسى( : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)، (القصص:15). هذا الشجار يؤشر دلالة مهمة في سياق المدينة، وهي كثرة الاضطرابات، وطبيعة مواجهة الأحداث ومشكلات المجتمع عبر الصراع الفردي، وطغيان طابع الحدة على الشخصيات، الذي يفرز دلالة قهر السلطة وتحكم السيف في حياة المجتمع، لذلك يكون هذا المكان معاديا لمن هم خارج السلطة، مما يحمل شخصية نبوية تحمل رؤيا مغايرة لمثل هذه السلوكيات أن تشرع بالعمل نفسه، وكأنه قانون حمورابي يعود من جديد: (العين بالعين، والسن بالسن)؛ فموسى يدرك أن القتل هو من عمل الشيطان، وأن الشيطان عدو مضل مبين، بيد أنه لا يملك إلا أن ينتصر لمن هو من شيعته، وهذا يعطي دلالة أخرى، وهو سريان روح القبلية بين أبناء هذه المدينة، وأن لا حاكم شرعي يرجع له في هذا الباب، كي يسوي الخلاف، وإلا فإن رجلا مثل موسى كان سيدعوهم للتحاكم إلى سلطة القضاء لو أُتيحت، أو كان الحاكم عادلا لعادوا إليه. فكان الشروع بقتل العدو، دلالة على أنها الآلية الوحيدة للدفاع عن النفس لاسترداد حقوق الناس؛ وسيعاني موسى ما يعاني بعد هذا الحدث، مما له دلالة ذاتية وإشارة دالة على ما سيقع في المدينة بعد ذلك من نشدان العدالة. فندم موسى على فعلته، حدث دال على أن حدثا في المدينة سيقع، وذلك بإحقاق الحق وترك الظلم. وما عودة السرد إلى ذكر الشجار الذي قام به هذا المستنصر بموسى، إلا دلالة أخرى على ضجيج المدينة بالخلافات والصراعات وكثرة الظلم والاضطرابات؛ ويأتي ما قاله عدو موسى وصاحبه دلالة ثالثة تشهد على تفشي الظلم والاضطهاد في هذه المدينة: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)، (القصص:19). فحتى هذا العدو يدرك أن المدينة بحاجة إلى إصلاح، وأن موسى من دعاة الإصلاح، مما حمل رجلا من أقصى المدينة، ليسعى لنصح موسى بالخروج منها:( وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)، (القصص:20). فمنهج هذه المدينة القتل والمؤامرة، فهو فضاء ملئ بالدسائس والقهر والخوف: ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، (القصص:21). هذا الخوف + الترقب (الحذر الشديد) + اللجوء إلى قوة عليا للنجاة عبر (الدعاء)؛ يحمل في طياته دلالات كبيرة على بسط الخوف والقوة على فضاء المدينة، مما يجعل من هذا الخروج انتقال من فضاء الرعب والعداء إلى حيث البحث عن فضاء مغاير من الأمن والطمأنينة؛ وهذا ما سيحرص عليه السرد القصصي، في انتقاء الأحداث الأكثر تأثيرا، على الشخصية وعلى بنية السرد؛ فحين يتوجه تلقاء مدين، يأتي السرد بدلالة عميقة على الرغبة في التغيير وإصلاح الشأن: " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " فهذا البحث عن (سواء السبيل) دلالة على التغيير الذي سيحصل، وبذلك نرى الترابط السردي في القصة، وكيف تنتقل بنا من إشارة إلى إشارة، بترابط موضوعي ودلالي، فينتقي السردُ الأحداثَ التي تشد الموضوع إلى بعضه، ليخرج كتلة متماسكة من الإيحاءات والدلالات: "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير"، سرد هذه الحادثة لم يأت لذكر حدث في حياة موسى وحسب، إنما هو بنية كبيرة في دلالة القصة، فهذا الحدث هو أُولى علامات العدالة التي ستتحقق على مستوى السرد، ومستوى الواقع مستقبلا، وهو أولى الأحداث المهمة في فضاء الرحلة هذه، التي ستستمر لعدة سنوات، يكون فضاء هذا المكان مغايرا تماما لفضاء المدينة التي تركها؛ ففي الآية السابقة دلالة على فضاء هذا المكان، فهو فضاء ريفي طابع حياته الرعي وتربية الحيوانات؛ وهي إشارة دالة على ما ينتظر موسى من أحداث ستقع له، فيأتي السرد مترابطا كل كلمه فيه تأتي للدلالة على حدث سيقع لاحقا؛ ويأتي السرد بما يكشف عن أثر الرحلة في حياة موسى وانتظاره التغيير، وأن يعيش وحدة خانقة، فليس له من ملجأ إلا الدعاء: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير)، (القصص: 24).

وهنا يتبين لنا الترابط السردي، فما أن ينجز دعاءه حتى نأتي إلى حدث مهم آخر مترابط مع ما سبق، وكاشف عن دلالاته، سبق وأن أعطى السرد لها إشارة أو تلميح: "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين"، وهذا إشارة دالة أخرى على تغيير فضاء موسى، من فضاء الرعب في المدينة إلى فضاء الأمن والنجاة في هذا المكان، الذي سيقضي به سنوات طوال يسكت السرد عن ذكر أحداثها، وكأنها موازية لحالة السكون والهدوء التي سيعيشها البطل بعد رحلة عناء ومماطلة مع القوم الظالمين، وفضاء المكان هذا على الرغم من أجواء الهدوء والسكينة وتحقيق الأمان الروحي والجسدي، ومفارقته لفضاء المدينة التي رحل عنها، لم يكن مكان استقرار وثبات لموسى، فما أن تنتهي مدة العقد التي عقدها مع شعيب، حتى قفل راجعا إلى المدينة: (ولما قضى الأجل سار بأهله)، لتكمل دورة الأحداث وليهيأ موسى لتحمل رسالة الحرب ضد الطغيان؛ فهذه الرحلة رحلة إعداد، وفضاؤها فضاء خالق للشخصية، يعمل على بنائها على المستويين الذاتي والموضوعي، فإذ هو في رحلة العودة تقع الأحداث البنائية الآتية:

(1)     رؤية النار (رمز لنور الله/ حسبه موسى نارا).

(2)     الرحلة باتجاهها.

(3)     النداء الإلهي.

(4)     تقرير قدسية المكان عبر الأمر بخلع نعليه.

(5)     إخباره باختياره نبيا.

(6)     تعريف موسى بربه: (إني أنا ربك...)، (إني أنا الله.......)، (طه: 9-16).

ففضاء الرحلة هنا فضاء مقدس، ارتفعت به بنية شخصية موسى لتقترب من درجة الكمال، فبعد أن كان موسى في المدينة شخصية يؤطرها الخوف، ثم في مدين شخصية انتقلت إلى مرحلة الأمن والاستقرار النسبي، فهي هنا تصل إلى درجة البناء المقدس، وما التكليف الذي يقوم به موسى بالذهاب إلى آل فرعون إلا دليل على وصول شخصية موسى إلى الكمال النبوي في هذه الرحلة، ومن ثم سيكون فضاء الرحلة هذه فضاء مقدسا، عبر التكليف بحمل رسالة السماء إلى الأرض، وهي رسالة الإيمان والعدالة؛ فأول تكليف يؤمر به موسى يحمل دلالة البحث عن العدالة: ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى )، (طه:24).

فـ (طغى) هنا وكأنها تمثل مختصرا لفضاء المدينة، التي رحل عنها موسى ميمما صوب مدين، للبحث عن فضاء مباين لهذا الفضاء؛ وحين يدعو موسى ربه: "رب اشرح لي صدري"، نحس بعمق وثقل تجربة موسى في المدينة أو عبر الرحلة وكثرة الإحباطات التي واجهها، فما يتبادر إلى ذهنه هو صعوبة تحقيق الإرادة، فيكشف لنا السرد عما حمّلته الأيام من صعابها، فيسرد لنا من دعائه: "ويسر لي أمري"، وهذه كلها تقع في بناء الشخصية سرديا مثلما تبني الشخصية واقعيا؛ شرح الصدر+ تيسير الأمر + فك عقدة اللسان+ التأثير بالآخرين عبر (فقه قوله)، كلها عناصر بناء يضفيها السرد على الشخصية بصورة غير مباشرة؛ ومن ثم البحث في إكمال صورة بناء الشخصية عبر تشكيل المحيط الخارجي لها: "اجعل لي وزيرا من أهلي"، وهي دلالة على توخي الصدق والأمان في الشخصية وبالتحديد: "هرون أخي"، لتأتي بعد ذلك عِلَل هذا الاختيار عامله على بناء الشخصية، عبر الدلالة، بـ "اشدد به أزري"، و "أشركه في أمري"، ولكي تبنى الشخصية بصورة تتوافق والرسالة السردية التي بنتها، ستأتي العلل تبتعد كثيرا عن الرغبات الشخصية أو المادية، لتضع للشخصية إطارا قدسيا عبر إرساء مضمون العلة بـ"نسبحك كثيرا"، و"نذكرك كثيرا"، وصورة بنائية أخرى تعبر عن مضمون الشخصية: "إنك كنت بنا بصيرا"، وهنا يقدم لنا السرد صورة من بناء الشخصية دالة على صدق الشخصية، وأحقيتها في تحقيق مطالبها، فما أن ينتهي من مطالبه حتى يسرع السرد بالإجابة: "قال قد أوتيت سؤلك يا موسى"، فالشخصية أصبحت موازية للحدث، وهي جديرة بإحداث تغيير كبير في الزمن التاريخي ليسير باتجاه آخر، وهذا سيتحقق بالعودة إلى المدينة ومواجهة طغيانها، وهو ما سنلحظه في مبحث فضاء الإقامة في المدينة.

يأتي سرد قصة ذي القرنين متضمنا أبعادا ودلالات، وتموضعا في أغلب مفاصله بأشياء الوجود المادية، يحمل إشارات تضئ فضاء المكان بالمعلومات الغائبة، لاكتناز السرد بالتكثيف والتواتر: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا)، (الكهف: 83). وهنا افتتاحية تعلن إيجاز هذه القصة بدلالة عبارة " سأتلو عليكم منه ذكرا "، وهذا الذكر هو جزء من قصة عامة؛ بيد أن فضاء هذا الجزء نراه وكأنه القصة كلها: ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) (الكهف: 84)، ففضاء الآية يوحي بالقوة، ووجود كل آيات الانتصار في الحياة، مما ييسر له تحقيق ما يبغي في رحلته فاتّبع أسباب النجاح، وهو فضاء آخر يؤطر شخصية ذي القرنين ومن حوله، فصورتهم الخيالية: جيش منظم أوتي من كل أسباب القوة والعزيمة. فهو فضاء باني للشخصية والحدث، ويحمل إشارات نتائج هذه الرحلة. وهنا تأتي الدلالة الزمنية كاشفة عن طبيعة الفترة التاريخية، وفضاء المكان الذي هو فيه، وكيف ينظر إلى الزمن:( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، (الكهف: 86). ففضاء المكان هنا ترسمه إشارات السرد؛ فمكان هؤلاء القوم ليس بعيدا عن مكان ذي القرنين وجيشه، فهم مسيرة نهار واحد، فلو افترضنا أنه بدأ رحلته فجرا ووصلها عند مغرب الشمس، فهذا ما يقرب من اثنتي عشرة ساعة؛ مع هذا القرب في المسافة، فإن اتصالا لم يكن بين الطرفين بدلالة التنكير في "قوما"، فقرب المسافة وقوة ذي القرنين وعدم معرفة هؤلاء القوم، رسمت فضاء هؤلاء القوم، بأنهم بسطاء لا يستحقون التعذيب، بدلالة تخيير ذي القرنين بين أن يعذبهم، أو أن يتخذ فيهم حسنا، وهذا التخيير يشي بالميل إلى هذه الحسنى، بدلالة سياق السرد العام وبناء على ما قدمته الشخصية من حنكة بإتباع الأسباب، واشتراطه للقيام بالتعذيب مقارفة الظلم وعلى المستوى الفردي (من ظَلَمَ)، فهو لم يقترف العقاب الجماعي، بل وضع شرط مقارفة الذنب من الشخص؛ وهكذا يبني السرد لنا شخصية ذي القرنين، ويقدمها لنا في كل حدث بما يوسع من بنيتها حدثا بعد حدث؛ ويأتي الاشتراط الآخر عاملا على بنية الشخصية، بما يقدم لها من تأثيث الذي ينعكس بدوره على فضاء المكان، وعلى حدث الرحلة: ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)، (الكهف: 88). وهذا فضاء آخر للمكان يعبر عنه فضاء الشخصية، فهم قوم مشركون لم يؤمنوا من قبل، وأعمالهم غير صالحة، بيد أن أمرهم غير عسير في التحول، فلم تكن لهم انغلاقات فكرية تمنعهم من الحق، بدلالة عدم توقف السرد عندهم، وإنما واصل الرحلة مع ذي القرنين إذ "ثم اتبع سببا"، لنجد فضاء آخر عبر هذه الرحلة، فهذا المكان أهله لا يكادون يفقهون شيئا، فهم أقوام بدائية ليس لهم من الحضارة شيء، لا معرفة ولا بناء مادي أبعد من الحياة الأولية؛ يعيشون على الطبيعة كما خلقهم الله؛ فلم تكن لهم بيوت تأويهم وتسترهم من حرارة الشمس أو برد الطبيعة، فهم من العجز بمكان. والمسافة بين هؤلاء القوم وأولئك الذين قبلهم أيضا لم تكن مسافة بعيدة فهي مسيرة ليلة واحدة، فوصلهم مع طلوع الشمس. وأن أمر هؤلاء لم يكن من الصعوبة في شئ، حيث تركهم ووصل إلى قوم آخرين، فضاؤهم لا يبعد عن هؤلاء في شئ إلا أنهم ابتلوا بقوم جبارين مفسدين في الأرض، وإنهم يمتلكون بعض المال الذي عرضوه على ذي القرنين، لكي يبني لهم سدا يقف بوجه يأجوج ومأجوج، وهنا نلحظ اكتظاظ المكان بالأشياء المادية إلى حد بناء سد من زبر الحديد والقطر، الذي منع المفسدين من اجتياز أو فتح ثقب فيه؛ فالسرد في الرحلة هذه قام ببناء الشخصية الفردية (ذي القرنين)، والجماعية، بما قدم من أحداث وعلل وإشارات جعلت فضاء الرحلة هذا كتلة صلبة متماسكة، وكذلك بنى فضاء المكان والأحداث إلى حد الغنى، في بانوراما قصصية لم تتجاوز أربع عشرة آية.

ولا تبعد عن هذا الإطار في بناء الشخصية والحدث، رحلة إبراهيم، أو يوسف، أو نوح، أو موسى مع العبد العالم، أو مريم في انتباذها لقومها، وغيرها، من الرحلات التي نهضت باشتراطات بناء المكان وفضائه، فضلا على عناصر السرد الأخرى.

 

4. فضاء الإقامة

أ- الإقامة الاختيارية

يمثل مكان الإقامة الاختيارية فضاء طمأنينة للشخصية الإنسانية، ففيه تتحقق شخصيته وتشيع قيم الألفة والتواصل بين البيت وفضائه، فمن رحمة الله أن يؤثث البيت بالأهل وذوي الأرحام، ففقدهم يمثل حسرة وحزن: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)، (الأنبياء: 83-84). فمن رحمة الله بأيوب أن آتاه أهله بعد فراق؛ وكي يحقق السرد تماسكه وتحقيق التوازن الإيقاعي والدلالي جاء بـ "مثلهم معهم"، تناسقا مع ثناء أيوب: "وأنت أرحم الراحمين"، فهذه الرحمة المضاعفة في هذا الثناء، معادلها الدلالي والإيقاعي أن يأتي بأهله ضعفين، ففضاء الرحمة والتواصل هنا واسع المدى بمواصلة الآهلين بضعفين، وبمواصلة رحمة السماء لأهل الأرض.

إن القصة في القرآن لا تقدم وصفا تفصيليا للمكان، فلا تعتني بالجزئيات بل تحتفي بفضاء المكان ودلالات أشيائه عبر إشارات وتلميحات دالة؛ فنلحظ فيها عناية بأثر العلاقة المتبادلة بين الإنسان والمكان، وما تضفيه هذه العلاقة على فضاء المكان من تماسك وكثافة وعمق، عبر بناء الشخصية وكشف الأثر المتبادل بينها والمكان بأحداثه وأشيائه؛ فيعقوب تبيض عيناه من الحزن لقطع التواصل مع يوسف، فهو ملئ بالأسف والحسرة والكمد: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ )، (يوسف: 84-85). فالغياب يمثل مسافة لا متناهية في البعد معادلها الداخلي أن تجعل الإنسان قريبا من الهلاك، وهذا ما رسمه السرد لشخصية يعقوب "تكون حرضا أو تكون من الهالكين"، ولا تخرج الشخصية من بنية الحزن إلا بعودة التواصل ولو عن طريق الريح: ( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ)، (يوسف: 94). وهنا قرب القميص المسافة إلى حد أنها أصبحت كالريح في قربها من يعقوب، ونلمح في هذا التعبير إحساس يعقوب بقرب يوسف منه وكأنه يراه.

وفي قصة داود مكان خاص جدا له (المحراب)، حيث يفزع لدخول الخصمين عليه، وهذا دلالة على أنه مكان مغلق يمثل الحياة الداخلية للشخصية أكثر مما هو بوابة تواصل: ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ)، (ص: 21-22).

يبنى سرد الخصومة شخصية داود، مثلما يبني فضاء المحراب الخارجي، ويتكفل سرد مضمون الخصومة بتأثيث الحدث وفضاء المكان، مثلما بنى الحكم في الخصومة الشخصية وأغنى السرد، لما ترتب على الحكم من استطالة لمدة السرد وسعته؛ فالفضاء العام لهذا الحدث سينعكس على فضاء المكان العام، كونه يمثل بنية رئيسة في الشخصية يفسرها الحكم المطلق في الآية (20): (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)، وهو تلميح للفضاء العام الذي يحيط بأجواء القصة من كثرة الخصومات والجدل وقلة الصبر والتروي، وربما دل ذلك على أن المكان آهل بالسكان، مع تفشي الحسد والتوتر بينهم. وهذا النوع من الفضاء، يمكن أن نجد له مثيلا في قصة مريم أو بلقيس أو قوم صالح وغيرها.

 

ب- فضاء الإقامة الجبرية

المكان الذي تُفقد فيه الحرية، وتستلب الإرادة، وتفرّغ به الشخصية من محتواها، مكان معادٍ، تنطوي فيه الشخصية على ذاتها ويتحجم امتدادها في الفضاء المحيط، وبه تبدأ سلسلة العذابات التي تنتج رؤيا وفكر ومعجم جديد، هو عبارة عن ذل وإهانة ورضوخ وعقاب وخوف وقهر، فلم يبق أمام الإنسان إلا الهروب وتغيير المكان إن استطاع إلى ذلك سبيلا، وهذا ما وجدنا جانبا منه في فضاء الرحلة، كستراتيجية لشحذ القوى، وتحقيق التغيير إلى حين؛ بيد إن لم يمكن تغيير المكان المعادي، وحصلت إقامة جبرية، ترفدها العقوبة بوخامة وقعها، وإيديولوجية العداء في الفضاء المحيط، فسيكون فضاء هذه الإقامة شكلا من أشكال جهنم، حيث مدى العذاب لا نهائي، يكشف صورة الرعب والخوف والاستلاب، إذ تحصى في هذا الفضاء الأعمال والنيات والحركات والخلجات، وحيث المكان المغلق والمصير المجهول؛ وهذا ما حرص عليه السرد القرآني في توصيل مثل هذه الصورة في إحدى صور المكان الأشد عداء: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)، (ق: 24-29). فضاء هذا المكان يعج بإصدار الأحكام النهائية بحزم وشدة، والسرد يتلو تاريخ هؤلاء الذين أُلقوا في جهنم، ومنهم كل: كفار، عنيد، مناع للخير، معتد، مريب، مشرك، فجزاؤه (العذاب الشديد)، وصورة من هذا العذاب (تخلى القرين عنه)، والشهادة عليه بالضلال البعيد؛ فضلا على النهي عن الخصومة، فلابد من الصمت الذي هو عذاب آخر ينضاف إلى تلك العذابات؛ فليس هناك في هذا الفضاء فسحة أمل للنجاة، فتوالي السرد لبناء هذا الفضاء يقترب من ضربات متتالية على قفا من هم في جهنم، فكل وصف أطلقه السرد عليهم بمثابة حكم خاص، وله عقوبته الخاصة وتنفيذه الخاص، ومما يزيد شدة العقوبة هنا الإقامة الجبرية الأزلية، حيث لا أمل في الخروج من هذا المكان أبدا؛ فهو بمحدوديته مهما كان واسعا يكون ضيقا وهو مغلق، مما يولد النفور والرعب والكراهية والانطواء على الذات، والخضوع لسلطة من هو أشد عقابا.

في صورة أخرى أشد إيلاما لهذا المكان نجد: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا )، (الفرقان: 11-14). فهنا ليست القوانين ولا القائمين على تنفيذها، تحيط بمن في هذا المكان العداء، بل حتى أشياءه تمتلك الحس من أجل تحقيق العذاب؛ فالنار هنا تسمع وترى وتلمس وتزمجر وتغتاظ؛ مما يدخل هؤلاء الشخصيات في أشد لحظات العذاب قسوة، حين تقفل جميع الطرق ويرمى الإنسان في مكان ضيق، فيبدر ما هو أشد إيلاما للنفس وهو الدعاء على الذات بالهلاك النهائي للتخلص من هذا البلاء؛ فأي فضاء أكثر عداء وإيلاما من هذا الفضاء، وأي مكان آخر يمكن أن يتحقق فيه العذاب بمثل هذا الشكل؛ فالوصف هنا أبرز الحدث وصور فضاء المكان، بما يوازي فعل الشخصية الذاتي والموضوعي، وبما يجعل فضاء هذا المكان جزءا من العذاب والعذاب أوسع منه؛ ولن ينفعهم التلاحي ولا الدعاء على أنفسهم، فالاعتراف بالحقيقة هنا ستترتب عليه العقوبة التي تمتد بامتداد الزمن: ( وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ٌ)، (إبراهيم:21-22). وهنا اعتراف طويل لأن الحدث: "يستدعي التمهل والتطويل ليتم التأثر والتأثير"(20)، وهو ما يتساوق مع فضاء هذا العذاب في الطول والكثافة، عبر توظيف السرد للعذابات الداخلية والخارجية، للكشف عن أثر الحدث في الشخصية، وأثره في رسم الفضاء.

السجن مكان آخر يحوي الآلام الإنسانية عبر التاريخ، وأشد الناس عذابا فيه من هم أكثر توقا للحرية والاستقلال والصدق "فما أن تبدأ أقدام النزيل عتبة السجن مخلفا وراءه عالم الحرية حتى تبدأ سلسلة العذابات ولن تنتهي سوى بالأفراج عنه وأحيانا فإن آثارها تظل ملازمة له لمدة طويلة"(21)، وقد لا تنمحي إذا ما وصل الجلاد إلى قعر الروح، بيد أن الشخصية في السرد القرآني تراها متماسكة من الداخل، وذلك لعمق الإيمان الذي يغمرها بالانتصار فتمر سنوات المحنة؛ وكأن الشخصية لم تعشها، بل زادتها صلابة وتماسكا: ( لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)، (يوسف:10). فالسجن المصغر والعميق والمظلم، وفي أرض منقطعة، كان دلالة رمزية لسجون أخرى سيعيشها يوسف روحيا وواقعيا، بيد أن البشرى الإلهية حاضرة لتحفظ للشخصية تماسكها وجلدها: ( وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، (يوسف:15). فهي ليست لعبة جمالية بل بنية سردية ستتوالد منها مركبات حدثيه يترابط عبرها السرد بكل عناصره حول الشخصية. وتتوالد الأحداث من بعضها، ويخير يوسف بين السجن وبين الفاحشة فيختار السجن؛ وهذا الاختيار جزء من بناء السرد للشخصية، فقد اختار السجن قبل أن يفرض عليه، ولذلك دلالته الرمزية ذاتيا وموضوعيا: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)، (يوسف:35). ويسكت السرد عن أحداث السجن على طول الفترة التي قضاها في السجن، فمن إقرار السجن إلى رؤيا السجينين معه لم يحدثنا السرد عن أي حدث وكان يوسف قد التذّ حياة السجن على اقتراف الفاحشة، فطويت له السنوات فلم يشعر بوطأتها، وكذا لم يشتغل السرد بموقع السجن وأوصافه، بل شغل بالشخصيات داخل الجدران فهي المحرك الرئيس للحياة، وهي القادرة على صنع الحياة وليست السجون، فالإنسان أعلى قيمة من كل السجون؛ وما يدل على تماسك الشخصية أمام محن السجن، هو تأني يوسف في الخروج منه إلا أن تتم براءته، بعد أن أبدى تماسكا مهما وهو العيش ضمن إطار رسالته الروحية والدينية، وذلك ظهر لنا من خلال سرد تأويل رؤيا السجينين وما تبعها من الدعوة إلى الإيمان والوحدانية، وهي كلها أحداث تسهم في بناء الشخصية والسرد معا؛ فالإقامة الإجبارية في هذا المكان بكل أبعاده الفضائية، الواقعية والمتخيّلة، لم تنل من ذات الشخصية، ولا فكرها، بل زاد من قوتها وعلمها.

نلتقي القصة القرآنية مع مكان (متحرك)، تمت الإقامة الإجبارية فيه لتجنب فيض الأرض والسماء، وهو سفينة نوح التي تشبه في محدوديتها وضيق مجالها وفضائها المغلق، وترهلها - حيث جمعت من كل زوج من الخلق زوجين اثنين - فضاء السجن المغلق والمحدود والمكتظ والمغلق، على الرغم من أنها كانت طوق نجاة، ولكنها مثل كل أشياء الوجود لابد أن تحوي الشيء ونقيضه، فالقلق لا يفارق مكان موجُه كالجبال: ( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)، (هود: 42-43)، فالقلق لا يفارق حتى شخصية مثل نوح تأمل النجاة عبر رحمة الله، من هول ما يحيط بالسفينة، وفضاء الخوف والرعب ذلك اليوم.

 

5. فضاء الاختلاف

إن وصف المكان في القصة القرآنية يأتي من خلال تأثيث المشهد العام للحكاية بصورة المكان بدلالات لفظية أو حدثية، فالمدينة يملؤها الرعب في مصر/فرعون، ولذلك يأمر الحق موسى وهارون دخول المدينة مع تطمين لهم، بأن يكونوا (آمنين)، ويعكس هذا التطمين وخوف الأنبياء، صورة المدينة التي تعج بالخوف والقهر والتسلط، وهذه صورة موجزة توحي بصورة عريضة في دلالاتها العميقة؛ وهي مقدمة لتشيكل صورة الخلاف الذي سيعم المدينة بعد دخول موسى إليها، وانقسام أهلها بين مؤيد لفرعون وآخر لموسى، وهو تشكيل دأب السرد القرآني على قصه عن حال الأنبياء مع أقوامهم؛ وهي الثيمة الرئيسة في حياة جميع الأنبياء ينبني عليها القصص القرآني، إذ ترتسم عبر هذا الخلاف، صور المكان وما يعج به من رؤى وطروحات وتصورات للكون والحياة، وللماضي والحاضر والمستقبل، في (بانوراما) سردية تكشف عن طبائع كل فترة تاريخية، وما يدور في أذهان الناس من تصورات ورؤى، فضلا على ما يأتي على ألسنتهم من حجج ومجادلات، تكشف عن هوياتهم وهوية المكان والمرحلة الزمنية، مما يقرب السرد هنا من كونه وثيقة تاريخية يمكن تلمس خصائص فكر وتصورات كل مكان من خلالها: ( اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى )، (طه: 42-47). هذا الحدث سيفجر الخلاف في المدينة وسيجعل فضاءها مملوءا بالتهديد والوعيد؛ فغضب فرعون يعني غضب أمة من الناس ممن معه؛ وستؤمن طائفة أخرى بأن ما جاء به موسى هدى( :... وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ)، (السجدة: 23)، مما يعم الفضاء جدلية (الإيمان/الكفر)، في كل أرجاء المدينة منذ تلك اللحظة حتى يسدل الستار على القصة في البحر، وعبر مواقع ومناسبات وأماكن شتى، فمنذ أنبأ موسى فرعون بالخبر: ( وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الأعراف: 104-105)، تفجر الخلاف وتفجر فضاء المدينة معه بعد عرض البيّنة التي جاء بها موسى، إذ سارع قوم فرعون إلى رد ذلك إلى ما يسود المدينة: ( قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ )، (الأعراف: 209). هذا الرد هو صورة لما يسود فضاء المدينة من السحر وأنه مبلغ علمهم، مما يكشف عن طبائع وأبعاد الشخصيات التي تعم المكان، ويكشف عن نمط تفكير وبنية فضاء محددة. ولم يكتفوا بهذا الوصف بل رموه بالدسائس والمؤامرة، وهو ما يكشف عن طبائعهم وما تمرسوا عليه من سلوكيات ومواقف: ( يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (الأعراف: 110)، وهنا يكشف السرد عن فضاء المدينة وما حولها وينبأ عن البنية الداخلية للشخصيات، وكيفية تعاملهم مع أشياء الوجود: ( قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيم )، (الأعراف: 111-112).

فأنحاء المكان واسعة، مما يلزم أن يدفع بحشر من الناس إلى كل مكان، الذي يعمه على سعته وتباعد أنحائه السحرة، مما يوحي بسيادة فضاء واحد على هذه الأماكن، كون في كل منها يعم السحر، والذي يكشف ممارسوه عن خصيصة أخرى من خصائصه فضلا عن السحر، فهناك المنظور المادي الذي يهيمن على هذه البقعة: ( وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الأعراف: 113)، فهم لم يلتفتوا إلى ما في دعوة موسى من روحانية، وانصب اهتمامهم على القضية المادية وهو شكل من أشكال جدلية هذا المكان بين (المادية/ الروحية)، وهو جزء من الاختلاف الحاصل بين السلطة ومناوئيها؛ وهو كذلك بنية سردية ترصد الحدث والشخصية وتساعد في تطوير بنيتها، عبر هذه الجدلية التي ستدخل في خضم أحداث ومواقف أخرى يجلبها حدث إيمان السحرة برب موسى، وجدلهم واختلاف مواقفهم معه، حتى قال جمع من آل فرعون في موقف ينبأ عن بنيتهم الفكرية والنفسية، بصورة العناد النهائي لرسالة موسى: ( وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ )، (الأعراف: 127). وهي صور سردية ترسم طبائع فرعون وقومه تقابلها صورة موسى وقومه، في نوع من الاختلاف في الأفكار والمواقع: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (الأعراف: 128). فصورة هذا الاختلاف تأتي على مستوى الأقوال والأفعال بالشكل الأتي:

 

فرعون                   موسى

1 سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم     1 استعينوا بالله واصبروا

2 إنا فوقهم قاهرون    2 إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده

 

فهي جدلية الغرور والتكبر (طغيان الأنا وتضخمها)، مع الإيمان والتواضع التي ترسمها الاستعانة بالله، وهي صورة جاءت بهذا الاختلاف:

 

فيظهر في الصورة مدى تضخم ذات فرعون وغروره إذ يقف موازيا لله، وتواضع موسى عبر التخفي وراء الله. وهي جدلية وخلاف، ستظهر في الثنائية المتضادة في نهاية فرعون، فشكلت نهايته صورة لجدلية خلافية أخرى، وهي الموت/ الحياة. فشكلت بذلك أماكن المدينة ويوم الزينة والسحر صور الاختلاف في فضاءات السرد القرآني، بما ينبأ عن شكل بنية الحدث والشخصية فضلا على الفضاء.

في صورة أخرى من صور فضاء الاختلاف نجد الاختلاف الإيجابي يؤطر قصة داود مع قومه، رغم حالات المد والجزر التي أخذ بها الحوار بين الطرفين:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ...)، (البقرة:246-251). فهي صورة سردية تشكّل الحدث والشخصية فيتشكّل عبرهما فضاء المكان وكما في الشكل الآتي:

 

 

 

الشخصية                                  الحدث

1 البحث عن ملك (نقص في الشخصية)       ←     1 القتال في سبيل الله/(توقع نبيهم ألا يقاتلوا)، (رغبة)

2 ربط الرغبة بالقتال بـ: الخروج من الديار والأبناء (مسافة بعيدة بين الطرفين) ←         2 صدق حدس نبيهم لم يقاتل إلا أقلهم (ترابط سرد)

3 الاعتراض على ذلك (علة مادية)   →     3 بعث طالوت ملكا عليهم

4 سكوت عن سرد الرد         →     4 نزول آية ملك طالوت (التابوت وبقايا موسى وهارون)

5 شرب الماء إلا القليل منهم (تفاعل الشخصية والمكان)

→     5 الابتلاء بالنهر (جريان النهر بالمكان)

(اجتياز النهر)

صورة للمكان تؤثث الحدث والشخصية وهو حد فاصل بين صورتين

6 ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين

(رسم داخلي لفضاء الشخصية)        6

→     البروز لجالوت وجنوده

(أنتجت صورة للمكان)

"فهزموهم بإذن الله"، و"قتل داود جالوت"،

و"آتاه الله الملك"، و"علمه مما يشاء".

(معركة توحد الشخصية والحدث والمكان مؤطرة بزمن)

فنلاحظ في فضاء هذا المكان غلبة الحدث على الشخصية، فكان أكبر أثرا في رسم فضاء المكان، وذلك يظهر من حركة الأسهم، ومن السرد الذي جعل النصر بسبب من:" إذن الله".

وهذا الاختلاف يمكن أن نجد صورة له في السرد القرآني، لخلاف شعيب مع قومه، أو نوح مع قومه، أو إبراهيم.....الخ؛ إذ تأطر خلاف هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم، بالخلاف القائم على جدلية (الكفر والإيمان)، فأضفى ظلاله على (الحدث والشخصية) فكان جزءا من بنية المكان.

 

د.رياض الناصري - جامعة بغداد-كلية الآداب

 .............................

الهوامش

(1) تحليل النص السردي(تقنيات ومفاهيم)، محمد بو عزة: 99.

(2) ما وراء الواقع في رواية (الزهرة الصخرية):32.

(3) مشكلة المكان الفني، يوري لوتمان: 69.

(4) نفسه.

(5) بناء الرواية، سيزا قاسم: 76.

(6) المكان في الشعر العربي قبل الإسلام: 17.

(7) ينظر: الفضاء الروائي، حسن بحراوي، جريدة الجمهورية، ع 7408 سنة 1989: 5.

(8) بناء الرواية: 115.

(9) بنية الشكل الروائي، حسن بحراوي: 32.

(10) دلالة المكان في مدن الملح: 32.

(11) نقلا عن، بنية الشكل الروائي: 27.

(12) مدخل إلى علم السرد، مونيكا فلودرنك: 89.

(13) المكان في النص: 71. ضمن: الفضاء الروائي، مجموعة باحثين، ترجمة: عبد الرحيم حُزل.

(14) تحليل النص السردي: 100.

(15) نفسه: 101.

(16) الفضاء الروائي:5.

(17) نفسه.

(18) جماليات المكان، باشلار: 43.

(19) ينظر معضلات الفضاء، رولان بورنوف وريال أويلي، ضمن: الفضاء الروائي:109.

(20) المكان في النص، ضمن: الفضاء الروائي:72.

(21) مشاهد القيامة في القرآن، سيد قطب: 51.

(22) بنية الشكل الروائي: 55.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3739 المصادف: 2016-11-30 01:16:36