 دراسات وبحوث

معضلة الوحي عند عبد الكريم سروش.. قراءة في أحلام نبوية (7)

ahmad alkinaniيثير سروش في هذا المقطع من المقال قضية الزمان في القران ليس على مستوى احداث يوم القيامة او التوقيتات الزمانية كالذي مرَ في عروج الروح والملائكة اليه في يوم مقداره خمسين الف سنة، وانما بشكل عام وعلى مدار نصوص القرآن يلاحظ عدم وضوح معالم الزمان في تلك النصوص، اذ لا وجه ثابت للزمان في القرآن ماضيه ومستقبله .

 ويمثَل سروش على ضبابية الزمان في النص المقدس ببدايات سورة البقرة وحوارية الله مع الملائكة في فجر الخليقة وانه جاعل في الارض خليفة واعتراض الملائكة على هذا القرار أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ثم تنتهي الحكاية بسجود الملائكة لآدم ... وهذا قبل خلق بني ادم وحكاية اغواء الشيطان لهم .

لكن فصول هذه القصة تأخذ رونقا اخرا في سورة الاعراف، وبمرور الزمان تأتي الايه 11 لتقول: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس لم يكن من الساجدين ...وهنا يقع التهافت بين سجود الملائكة في سورة البقرة لآدم قبل خلق الادميين وبين سجودهم في سورة الاعراف بعد خلق بني آدم وتصويرهم .

هذا التهافت وقف عنده المفسرون وكل دلى بدلوه للخلاص من هذا المأزق، لكن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع بسبب اعتقادهم بتاريخية وواقعية قصة الخلق هذه، وواقع الحال ان الزمان في هذه الاسطورة امر تصوري وخيالي ولا مدخلية له في الزمان الواقعي اذ لا سنخية بين زمان الرؤيا وزمان الواقع .

شاهد آخر على عدم وضوح الترتيب الزماني نلاحظه اواخر سورة المائدة في حوارية الله مع اليسوع : واذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب ... قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا .

يشير سروش عابرا الى ان لغة الحوارهذه يحدث فيها تحول في الزمان من الماضي ذهابا الى المستقبل، ولم يفصَل كثيرا في هذا الانقلاب الزماني رغم اهميته، اذ ربما يقال ان الالتفات في الخطاب والتحول في زمان الخطاب امر وارد في لغة العرب ونظائره كثيرة جدا في نصوص القرآن حيث جعل من شواهد الاعجاز البلاغي، لكن الامر هنا مختلف جدا مما انعكس على فهم المفسرين لهذه الحوارية الغريبة والانتقال السريع الى الحديث عن يوم ينفع الصادقين صدقهم، ولم يكتف المفسرون بذكرهم انها جملة مستأنفة لا علاقة لها بما قبلها وينتهي الموضوع على هذه الشاكلة كما فعل بعضهم، لانهم مدركون انها جزء الحوار وسياق متصل بين الحوار ونتيجة الحوار .

شاهد ثالث على غياب الزمان والمكان معا هذه المرة في النص المقدس، ايات العهد والميثاق الالهي، او ما يسمى في المرويات والاحاديث بعالم الذر :

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ . الاعراف 173

هذه الايات من عجائب ما ورد في النص القرآني ومن عويص الكلام، اذ ان الاله وفي مكان وزمان مجهولين يطلب من بني ادم وهم لازالوا نطفا في ظهور آبائهم بالقرار والاشهاد بربوبيته عليهم ألست بربكم، وهم في تلك الحالة يقرون ويشهدون بالاثبات بلى شهدنا، والظاهر ان مكان الاقرار والاشهاد هذا هو في الرؤيا، وعالم الذر هذا عالم الارواح لأن صريح الروايات تشهد بحضور بني ادم وسماعهم لنداء الحق بروحهم وتلبيتهم للنداء بلغة القلب .

وليس من العجب ان يتحدث المفسرون عن لغة الرمزية والخيال في تفسير هذه الاية، وضروب من الاحتمالات، ثم يتركونها لظلمة التاريخ .

يقول جار الله الزمخشري في تفسير الكشاف 2/530 ط1 ( مكتبة العبيكان ) :

" قوله : ألست بربكم قالوا بلى شهدنا : من باب التمثيل والتخييل! ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم، وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقررهم، وقال لهم : ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا : بلى، أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا، وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب، ونظيره قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون، فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين" .

لكن الطباطبائي في الميزان وعلى نهجه في تسلق سلم الفلسفة هناك في عالم مقدم على عالم الانسانية حيث زمان ومكان وراء المادة تحقق فيه الاقرار والاشهاد الواقعيين لا التخيليين، بعد تفصيل طويل الذيل حول معنى اخذ الرب من بني ادم من ظهورهم وكيفية انفصال بني الانسان عن بعضهم البعض واستقلالهم بعد ان كانوا جزء منهم، ثم يلخص فهمه لاية العهد والميثاق بقوله :

"  معنى الآية أنا خلقنا بني آدم في الأرض وفرقناهم وميزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد، وأوفقناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنك ربنا، وعلى هذا يكون قولهم: «بلى شهدنا» من قبيل القول بلسان الحال..." .

اما الفخر الرازي فيختار طريقا ثالثا وهو وجود الارواح قبل الاجساد لكن من دون الدخول في التفاصيل . يقول الفخر : " وفي الآية قول ثالث ؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب . والله أعلم" .

حكاية الايام الستة

قصة خلق السماوات والارض في ستة ايام تعد من مقولة ضبابية الزمان في النص المقدس المتقدم ذكرها في المقالة السابقة، وهي قصة توراتية تكرر ذكرها في اكثر من موطن من القرآن تبعا للتوراة، وورد ذكرها قبل ذلك في اوستا زرادشت ايضا .

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.

إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش .

النص الاتي من سورة فصلت يفصَل كيفية خلق الارض ثم السماوات السبع بكواكبها ونجومها :

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

وبناء على ما ذكره المفسرون تبعا للروايات حددت الايام والمنجز من بناء الكون في تلك الايام :

الروايات الاتية منقولة عن جلال الدين السيوطي في موسوعته التفسيرية " الدر المنثور " :

روى ابن عباس: أن اليهود أتت النبي فسألته عن خلق السموات والأرض؟

 فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين.

 وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه. فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات. وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء من منتفع به. وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة

قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد ؟

قال: ثم استوى على العرش

قالوا: لقد أصبت لو أتممت. ثم قالوا: استراح ؟

فغضب النبي غضباً شديداً. فنزل ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون

وحوارية النبي مع اليهود بهذا المضمون نقلت عن عكرمة ايضا : أن اليهود قالوا للنبي : ما يوم الأحد؟

قال: خلق الله فيه الأرض .

قالوا: فيوم الأربعاء؟

قال: الأقوات.

 قالوا: فيوم الخميس؟

قال: فيه خلق الله السموات .

قالوا: فيوم الجمعة؟

 قال: خلق في ساعتين الملائكة، وفي ساعتين الجنة والنار، وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب، وفي ساعتين الليل والنهار .

 قالوا: ألست تذكر الراحة ؟

فقال سبحان الله.. ! فأنزل الله : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب

وبالرجوع الى النص المتقدم من سورة فصلت يلاحظ ان الايات اوصلت خلق الكون الى ثمانية ايام وليست ستة، يومان لخلق الارض، واربعة لخلق الرواسي وتقدير الاقوات، ويومان اخريان لخلق السموات السبع، تلك هي ثمانية ايام وليست ستة !!

وهناك ارجع المفسرون تداخل الايام ببعضهما البعض لتصبح الايام ستة لا ثمانية، كما فعل الفخر الرازي وغيره .

ثم الحديث كل الحديث في آيات خلق الكون منصب على خلق الارض اولا ...ثم خلق السماوات ثانيا ... الا في سورة النازعات فالقصة جاءت بالمقلوب، تقول الايه: الارض بعد ذلك دحاها بمعنى ان خلقها جاء بعد اتمامه لخلق السماوات، لكن يظهر من فقولة المفسرين في بيان ضبابية الزمان هنا ان الله عاد ورجع الى الارض بعد خلق السماوات ليبسطها ويضع اقواتها،يقول الفخر الرازي :

" ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء، وقوله : في حم السجدة : ثم استوى إلى السماء يقتضي كون السماء بعد الأرض، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله : ثم استوى إلى السماء، ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه :

1- أن الله تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء ثانيا، ثم دحى الأرض أي بسطها ثالثا، وذلك لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها.

2- أن لا يكون معنى قوله : دحاها مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات وهذا هو الذي بينه بقوله : أخرج منها ماءها ومرعاها وذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء، فإن الأرض كالأم والسماء كالأب، وما لم يحصلا لم تتولد أولا المعادن والنباتات والحيوانات.

لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثا، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوها... واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى " .

وهذه سنة الفخر الرازي ان يذر المسألة كالمعلقة ان لم يجد لها حلا .

والاخبار والروايات بهذا المعنى تعج بها كتب الحديث والتفسير، ورغم وجودها في امهات المصادر الحديثية ومن رواة موثقين الا انها تفوح برائحة الاساطير والخرافات، وهذه نماذج منها :

ابن عباس : " وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت "

ابو هريرة : " خُلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة . قالوا : كيف خلقت قبل وهي من الأرض ؟ قال : كانت حشفة (جزيرة ) على الماء، عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها، فجعلها في وسط الأرض .

يقول سروش : الحق اني لم اجد حلا مقنعا لخلق السماوات والارض غير التوسل بكونها حلم ورؤيا .

 اما المتمسك باساطير خلق الارض من تحت الكعبة او من تحت صخرة البيت المقدس فهو كطاحن الماء في الهاون، وهو مثل بالفارسية يقال لمن يقوم بعمل عبثي يرتجي من وراءه نتيجة مهمة .

وكذلك قصة الايام في النص المقدس هل هي من جنس الايام السبعة او بمعنى اليوم بالف سنة وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ؟

او بمعناه المطلق اي المدة او الفترة الزمية ؟

وكل تلك المعاني لا تخلو من الاشكالية، واقل ما يقال هنا استحالة وجود الزمان قبل المادة سواء كان يوما واحدا او قرن من الزمان .

يقول سروش :يمكن تصحيح ذلك ومن دون الحاجة الى ادنى تكلف ولا داعي للدخول في متاهات التأويل ان يقال ان اليوم ممكن ان يكون من ايام الاسبوع، وهذا اليوم قبل خلق الارض والسموات يوما اوشهرا اوسنة، ووقوع هذا اليوم في حالة عدم وجود الزمان في ظرف خلق الكون، لكن في حسابات عالم اليقضة وفي حالة الرؤيا والمنام، وعليه فلا وجود لتناقض الزمان والحال هذه .

اما بالنسبة الى عدم واقعية الزمان في النص القرآني فلا يوجد دليل اكثر حجية ودلالة وصراحة من قوله : وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ الايه 47 من سورة الحج .

ماذا يفهم من هذه الجملة ؟

هل هناك عقد او اتفاق ابرمه الاله مع نفسه او مع الملائكة يكون بموجبه نسبة اليوم الارضي الى اليوم الالهي 1/1000، بمعنى ان كل الف سنة ارضية تساوي يوما سماوي واحد، فتكون وحدة قياسية مثل الالف كيلو تساوي طنا واحدا . لكن هذه الوحدة القياسية في عالم الوجود باطلة اذ لا يمكن للزمان ان يمتد الى اربعة وعشرين ساعة والى الف سنة .

الا على القول بعالم ما وراء الطبيعة حيث اليوم يعادل الف سنة، وهذا الفرض باطل ايضا ؛ لان العالم اوسع واشمل من الطبيعة والزمان، وعليه ولا وجهة للقياس بينهما .

يبقى ان يقال ان الزمان نسبي فيطول ويقصر بحسب الحال، وهذا ما ذهب اليه اكثر المفسرين فأن يوم العذاب الالهي وما يحتويه من الشدة والمشقة كأنه الف سنة من مشقة الدنيا، كما ان ليلة القدر وما فيها من المعنويات كأنها خير من الف شهر، فيكون اليوم هو ذات اليوم ذو الاربعة وعشرين ساعة لكنك تشعر به وتتحسس آلامه وكأنه الف سنة .

يقول سروش : ويمكن لهذا التفسير النسبي للزمان ان يكون غير واقعي ويتلاشى حينئذ بطؤه وقصره وطوله الفيزيائي، لكن المعنى الاكثر مقبولية هو القول بان اليوم الالهي في الرؤيا والمنام يعادل الف سنة . والاف هذه ليست عددا ثابتا وانما هي حاكية عن حالة ممكنة . وكما يقول صدر المتألهين ان طول يوم القيامة يكون احيانا كلمح البصر واحيانا الف سنة واحيانا ثالثة خمسين الف سنة، ...يقول سروش كل ذلك يتأتي في منام محمد (ص)

الخاتمة

بعد تمامية موضوعة ضبابية الزمان في النص المقدس يكون سروش قد انهى احلامه النبوية، لكن ردود الافعال على تلك الاحلام لم تنته بعد، وهي كثيرة جدا يصعب سردها ومناقشتها، سواء كانت على مستوى التعليقات المباشرة او النقض بمقالات ودراسات مستقلة او المقابلات التلفزيونية كتلك التي اجراها داريوش كريمي من قناة البي بي سي الفارسية بين الدكتور سروش والمتخصص بالدراسات القرانية عبد العلي بازركان  .

ردود الافعال هذه انتجت ثلاثة مقالات على مستو عال من الاهمية كشفت جانبا مهما من نظرية " احلام نبوية " تعرض سروش في اولاهما الى بعض اهم الاشكالات الواردة على النظرية وهو عدم حجية الاحلام وبالتالي انتفاء الشريعة وامتناعها، وفي ثانيتهما اضاف مزيد ايضاح حول تجربة المعراج والمعاد، وفي ثالثتهما الرد على النقاط العشر التي اثارها عبد العلي بازركان، والتي كان قد نشرها على الموقع الالكتروني للبي بي سي الفارسي .

ومن خلال جملة النقد الذي تعرضت له النظرية من قبل المهتمين بالفكر الاسلامي على المستوى الايراني - اذ النظرية لازالت في محيطها الفارسي - اكتشف سروش ان نظريته لم تكن بمستوى من الوضوح، ولازال الغموض سائدا في بعض جوانبها المهمة وهو الغرض من طرح النظرية، اذ ان كبرى الاستفهامات الموجه الى النظرية يستبطن عدم ادراك الغرض والهدف منها كما سيأتي بيانه، فكان عليه ان يزيدها بسطا وايضاحا .

وهذا ما لمسته من خلال دراستي للنظرية ومن خلال نقاشاتي مع المهتمين هذا الشأن، ومن هنا وعندما قررت طرح مجموعة مقالات " محمد راوي رؤياهاي رسولانه "  الى القراء العرب بأسم " احلام نبوية " لم يكن اخر همي الترجمة العربية لهذه المجموعة كما سطرها مؤلفها في نسختها الفارسية، وانما كنت اهضم الفكرة وانقلها الى العربية بمزيد ايضاح وكثرة شواهد، وعناوين مستمدة من الفكرة المراد طرحها، وكأني المتبني والمدافع عن النظرية وعليَ طرحها بأسلوب يجعل المتلقي اكثر فهما واعمق استيعابا للنقاط المثارة في تلك النظرية، ايمانا مني بأن بعض بنودها يلفَها الغموض وقد لا تحضى بالقبول من القارئ العربي والحال هذه، فكان المقطع ذو الاربعة اسطر مثلا يستوعب الصفحة والصفحتان لنقله وتبيانه والاستشهاد عليه وان خرج على المألوف في ترجمة الاثار ونقل الافكار من لغة الى اخرى .

المقالة القادمة ستكون مخصصة للاعتراضات على نظرية احلام نبوية واجوبتها .

وقبل الولوج في الانتقادات الموجه الى النظرية لابد من بيان امرين كان سروش قد نبه عليهما في طي اجوبته على الانتقادات، وذكرهما في مقابلاته التلفزيونية، وهما :

1- الغرض من طرح نظرية "احلام نبوية" هو بيان كيفية وصول الوحي الالهي الى الناس ليس اكثر من ذلك ولا اقل، بمعنى ان مد نظر المؤلف ليس اثبات الوحي او نفيه، ولا ان الاثبات او النفي من لوازم النظرية، مع التاكيد على ايمان المؤلف بالوحي وكلامه منصب على بيان طريقة وصول الوحي الالهي الى الناس .

2- نظرية احلام نبوية تتحدث عن كيفية وصول الوحي بشكل عام وبالاجمال، ولا يصح تطبيقها على هذا المورد بخصوصه او ذاك، نعم تلك الموارد الخاصة تصح ان تكون شواهد على طريقة وصول الوحي،وعليه فلا يصح النقص بمورد معين على انه ليس حلما او رؤيا لوضوح اليقضة والواقعية فيه . 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3913 المصادف: 2017-05-23 13:19:14