 دراسات وبحوث

التعاقب الحضاري للبشر واختلاق الديانات (2)

تبين لنا في  الجزء الأول من هذه الدراسة أن الحضارات القديمة، أنتجت أديانها الخاصة بها، ولهذه الحقيقة دلالة عميقة ومؤثرة على حياتنا لأن ثقل الماضي على الحاضر أمر لا مراء منه ولا جدال في أن الحاضر ما هو إلا تراكم للماضي، الذي  إن تمكنا من فك طلاسمه وأسراره وسبر أغواره وفتح شيفرته ورموزه، سيتكون عندنا سبيل مهم لتلمس طريق المعرفة، علماً بأن المنهجية المعرفية  الوحيدة المقبولة والمعترف بها هي تلك المبنية على التجربة والنقد والتقدم العلمي واستبعاد كل معرفة ماورائية غيبية مغلفة بالخرافة، كما ولا بد من التصدي  لكل من يقف حجر عثرة من المدعين بأنهم يدافعون عن المعرفة الإلهية  أو الحفاظ على المصدر الإلهي للمعرفة، لأن فضحهم سيكشف زيف وسطحية وسخافة المعطيات التي يتشبثون بها  والتي كانت تعتبر مقدسة كما كانوا يريدون إقناع شعوب الأرض بذلك، ولقد نجحوا في نشر جرثومة، أو فيروس التقديس في صلب الكثير من الشعوب والحضارات التي كانت متألقة ومقرونة بالقوة والعنف والجبروت رغم أنها كانت تستسلم بدعة إلى الخرافات والأساطير والقيم الفكرية القديمة المهيمنة آنذاك، و التي عفى عليها الزمن اليوم. فآفة البشرية هي التقديس والقداسة والمقدس للأشخاص والأحداث، وإن كل مظهر من مظاهر المقدس إن هو إلا محصلة، وكل طقس، وكل أسطورة، وكل معتقد إن هو إلا صورة إلهية ماورائية وغيبية تعكس تجربة المقدس كما أشار إلى ذلك عالم ومؤرخ الأديان الشهير إليا ميرساد  في كتابه الموسوعي" تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية". وكان العديد من الفلاسفة قد سلكوا طريق الدين واللاهوت للوصول إلى الفلسفة كهيجل وفيورباخ وغيرهم، فكان الدين  دائماً وظيفة جوهرية وأبدية للروح الإنسانية. وكان فيورباخ، على سبيل المثال يقول في محاضراته عن جوهر الدين:" لقد كان شغلي دائماً وقبل كل شيء أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العلم حتى يمكن للإنسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري" ويقصد بها هنا المؤسسات الدينية وطبقة الأكليروس ورجال الدين والكهنة التي تريد التحكم بــ، والسيطرة على، الجنس البشري وتسيره وفق أهدافها ومصالحها وأهواءها للحفاظ على سلطتها بإسم الدين. وكان السلاح بيد المفكرين والفلاسفة ورجال الدين المتنورين والمتمردين على المؤسسة الدينية وظلاميتها، هو الفلسفة في باديء الأمر والعلم فيما بعد، ابتداءاً من القرن السابع عشر. إذن كان الدين سلاحاً بيد القائمين عليه وحراسه الدنيويون لقهر الشعوب وتجهليها وإخضاعها بإسم الإرادة الربانية العليا. ولكن كيف نشأ التفكير والشعور الديني؟ وماهي الأديان الأولى  للبشرية البدائية؟ كيف ظهرت مفاهيم المقدس والقداسة والأضاحي والقرابين والخلاص والمخلص والتضحية والفادي والفداء والخطيئة والشعائر والطقوس والعبادات وطبقة رجال الدين؟ وكيف انتقلت البشرية الأولى من عبادة الآلهة المتعددة إلى عبادة الإله الواحد؟ ولماذا ارتبط العنف بالمقدس؟ ولماذا تعددت الأديان بدلاً من دين واحد إذا كان منبعها مصدراً واحداً هو الله؟ وماهي نقاط الاشتراك والتقارب ونقاط الاختلاف والتباعد بين الأديان ومؤسسيها. وأخيراً هل سيقع تصادم وصراع حضاري بين الأديان؟ سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات في سياق هذه الدراسة مستندين في ذلك على كل ما يتوفر لدينا من معطيات ووثائق ومصادر علمية وتاريخية موثوقة. تخبرنا الاكتشافات الآركيويولجية الحديثة وعلماء الأنثروبولوجيا الكبار أن التجمعات البشرية البدائية  كانت تمارس نوعاً من العلاقة الغامضة مع قوى وأرواح خفية غير مرئية تخيلتها وهي تسيير وتتحكم بالطبيعة وتلاحقها بالموت لا سيما في مرحلة إنسان الكرومانيون Cro-Magnons، وحقبة الهوموسابيان أو الإنسان الواعيHomo sapiens،حيث كان البشر في تلك الفترة يعيشون تحت رحمة الطبيعة وتقلباتها المناخية وظواهرها الطبيعية الغامضة بالنسبة لهم وكانوا مرعوبين من لغز الموت وما بعد الموت ومأساة الفراق. وكانوا يدفنون مع موتاهم أدوات وأغذية لاعتقادهم أن موتاهم سيواصلون رحلة الحياة ولكن بطريقة أخرى بعد الموت،  وبالتالي كان ما في داخل تلك القبور التي يعود تاريخها إلى أكثر من مائة ألف سنة، أول مظاهر لحظات التدين لدى الإنسان البدائي قبل ظهور الأديان المنظمة والمبرمجة. وكانوا يرسمون عالمهم وما يحيط بهم من مخلوقات وحيوانات على جدران الكهوف التي تأويهم، لا سيما في عصر  الصيد والتقاط مايوجد في الطبيعة Chasseurs – Cueilleurs، وفيما بعد في العصر الحجري paléolithique حيث كان هناك مايشبه التدين العفوي  الفطري، يشبه طقوس الشامان والديانة الشامانية، وهي ديانة تقديس الطبيعة الحية المتطورة التي تمتلك القدرة والوعي وتتحكم بحياة الإنسان البدائي. وما تزال بقايا تلك الاعتقادات موجودة لدى الشعوب البدائية الأصلية في استراليا قبل دخول الإنسان العصري الأبيض إليها واستعمارها وكذلك في سبيريا وغابات الآمازون وأعماق أفريقيا. كان إنسان تلك الفترة يريد أن يضفي ملمحاً جوهرياً لعالم خفي غير مرئي ومجهول لا يعرف عنه شيئاً . كان هناك شعور مبهم لدى إنسان العصر الحجري لا يمكن اعتباره ديناً ذو طقوس وشعائر  وأساطير وخرافات ومعجزات كما نلمسه اليوم، بل مجرد معتقدات مبنية على مسلمة واحدة هي محاولة إنقاذ الروح ووجود أرواح للطبيعة يحاول ذلك الإنسان البدائي أن يتفاوض معها ويتقرب إليها باعتبارها المسبب الخارق، أو ما فوق- طبيعي، للأحداث الطبيعية وهذا ما نصفه علمياً أو أكاديمياً، بالديانة الشامانية le chamanisme. هناك أطروحة تقول أن الأصل الأفريقي هو الذي انحدرت منه كافة التشعبات والأعراق البشرية الأخرى ولذا فهي تتحلى بذاكرة جمعية نجمت عنها كافة  الميثولوجيات اللاحقة، فكل دين  موجود اليوم له جذر يعود لدين أولي بدائي انتشر بفعل الهجرة والتنقل الدائم بحثاً عن الماء والكلأ عندما كانت اليابسة متصلة، سيما في حقبة  الهومو هابيليس  Homo habilis أي الإنسان الماهر حيث تمكن بعد مليوني سنة من صقل الحجر والصوان وصناعة الأدوات والأسلحة البدائية التي تساعده في الصيد، أما موجة الهجرة الكبرى فقد حدثت في حقبة الإنسان المنتصب Homo erectus قبل ستمائة ألف سنة وعنه نشأ الإنسان الذي يعرف أو الإنسان الواعي  الذي انحدرنا نحن منه . وكان عالم اللغويات الألماني فلهيلم شميد Wilhelm Schmidt 1868-1954، قد أكد في كتابه المعنون" أصل فكرة الله L’origine de l’idée de Dieu" الصادر عام 1912، أن التوحيد هو الفكر الديني الأولي لدى الشعوب البدائية حيث استنتج ذلك من خلال معايشته لقبائل بدائية تعيش في جنوب شرقي آسيا لفترة طويلة وتعلم لغاتهم وعاداتهم وتراثهم الشفوي، لكنه رأي متحيز بقدر كونه قاطع، ولو بدون دليل علمي، إذ لم يكن سوى استنتاج مبني على الملاحظة والمعايشة اليومية لأنه كان مبشراً دينياً كاثوليكياً في نفس الوقت. إلا أن ذلك الإله الواحد، صار يبتعد تدريجياً مع مرور الوقت كما ابتعدت الآله’ آن An، أكبر الآلهة السومرية في حضارة وادي الرافدين كما تخبرنا أسطورة رافدينية قديمة بذلك. ومن ثم نشوء مفهوم المقدس الأصلي numineux الذي تطرق له عالم الأديان الشهير ميرسيا إلياد Mirciea Eliade في كتابه المقدس والمدنس Le Sacré et le Profane. لنعد  مرة أخرى للتسلسل التاريخي  ولما أخبرتنا به فرضية حضارة الأطلنتيك، حيث كان المصريون القدماء آخر معاقل الفكر  والتنظير الأطلنتيكي الحضاري ولقد احتفظت مصر الفرعونية بذكريات ومنجزات الشعوب الأطلنتيكية المندثرة عندما خضعت لسلطة الكهنة الفينيقيين وكانت متشبثة بتقليدين جوهريين الأول يأتيها من العرق الــعابد للآلهة الجنوبية sudéenne، والثاني من العرق الــعابد للآلهة الشمالية boréenne، واستلهمت منها طرق العبادة  والقوانين. حافظ المجمع المقدس المصري على تقاليد قديمة منحته شعوراً بالتفوق على الآخرين. فكهنة  طيبة Thèbes، يسخرون من إدعاءات الإغريق، بعد مرور  قرون عديدة، بأنهم أصليون ويتحدثون عن طوفانات محدودة ويعطونها باعتبارها  الطوفان الأكبر وشخصيات خرافية مثل  أوجيجيس Ogygès، و ديوكاليون Deucalion، باعتبارهم الأسلاف الأوائل للبشرية وللنوع الإنساني. ويتناسون أو يتجاهلون ما يدينون به لشعوب السيلت  والكلدانيين والفينيقيين وللمصريين أنفسهم الذين نهلوا من علومهم ووضعوا في كريت قبر زيوس الإله الحي وجعلوا ولادة ديونيسوس في قرية نائية من  الفيوتيا الــ Béotie، ذو الذكاء الإلهي وفي جزيرة صغيرة من الجزر الإغريقية وضعوا أبولو Appollon، الأب الكوني ما جعل الكاهن المصري يقول  لسولون Solon، :" أنتم أيها الإغريق مثل الأطفال الذين يضربون مرضعتهم، تعتقدون أنكم علماء وعارفون في حين أنكم لا تعرفون شيئاً من تاريخ العالم والبشر". وهكذا كانت مصر آخر محطة رست فيها قوارب الفكر الحضاري  الأطلنتيكي أو ما تبقى منه على أية حال. فشعوب السيلت التي هاجرت مناطقها وتحولت إلى قبائل تائهة وجوالة بلا وطن ثابت ولا مأوى مستقر وهم الذين عرفوا بإسم البدهون، ومنهم جاءت تسمية البدو الرحل، من هؤلاء انحدر الشعب العبري  العدو اللدود للكهنة القادمون من الهند كغزاة والذين أرغموا العبرانيين على الهرب في الصحراء لكي لا يقعوا عبيداً بأيدي الكهنة. لذا بوسعنا أن نؤكد أن العبرانيين ليسوا من بقايا الكهنة الفينيقيين كما أعتقد بذلك بعض الكتاب. فهذا الشعب نتج عن اختلاط فئة من الــ  sudéenne، و الــ boréenne في شبه الجزيرة العربية  . وإن معارضتهم للعقيدة الإيونية ionnienne، أجبرتهم على التخلي عن أرضهم، ولقد تعرضوا للإضطهاد في مصر وأثيوبيا ما جعلهم متعصبين ومتشددين واعتبروا بمثابة جماعات غير قابلة للتآلف وغير إجتماعيين وانعزاليين لا يمكن قهر العند  التي يميزهم وطردوا للصحراء باعتبارهم نوع من المنبوذين المشردين الأنجاس  والملوثين  أو المدنسين   impurs parias، وهؤلاء هم الذين وجدهم موسى في مصر كما تقول مصادر التاريخ الديني العبري والتوراتي. لا أحد يعرف على وجه التحديد ما هو أصل موسى وهل هو شخصية تاريخية حقيقية. تقول الرواية العبرية  الت ينقلها الإسلام بحرفيتها تقريباً، أن أمه وضعته في قفة  ورمته في النهر خوفاً عليه من القتل إثر إعلان الفرعون المصري قتل كل الأطفال الذكور عند العبريين لكنه أنقذ على يد إبنة الفرعون التي ربته كأنه إبنها، لكنه عندما كبر في البلاط الملكي وعلم بأصله  الوضيع باعتباره من العبرانيين ترك البلاط والتحق بشعبه. بينما تقول رواية أخرى أنه إبن حقيقي لإبنة الفرعون أي حفيد الملك الفرعون الحاكم أي هو من دم ملوكي ولكي تتفادى الأميرة إبنة الملك الفضيحة أختلقت هذه القصة المةسرحية والمخرجة باتقان لكي تحافظ على إبنها وتربيه دون أي اعتراض , وفي كلتا الحالتين  فإن موسى تربى في أحضان إبنة الفرعون وفي البلاط الملكي، وكان العلم آنذاك محتكراً من قبل كهنة المعابد وإن الملكية كانت دينية أكثر منها مدنية أي أن الفرعون هو رأس الهرم الدينين أي الإله على الأرض،  وبالتالي فإن موسى كان من المطلعين والمعدين إعداداً عقائدياً متقدماً ومتقناً للعقيدة الدينية المصرية ومطلعاً على الأسرار  العليا بسبب ذكاءه الحاد، لكنه لم يتمالك غضبه عندما رأى قائداً عسكرياً مصرياً يضرب عبداً عبرياً بقسوة  فقام بقتل الضابط المصري بيده ثم هرب خوفاً من غضب الملك  الفرعون. أمضى بعض الوقت في أثيوبيا وأطلع هناك أيضاً على مآثر وعقائد وتقاليد الأطلنتيكيين الأصلية خاصة فيما يتعلق بمسألة التوحيد  والوحدة الإلهية وعثر على بقايا التجمعات البشرية العربية التي طردها الكهنة الفينيقيون من اليمن ما يعني أنه استكمل تعليمه الديني الذي حصل عليه من الكهنة المصريين حراس  التقاليد الأطلنتيكية الأصيلة، ولكن هذه المرة على يد الكهنة الأثيوبيين. وهؤلاء العرب  هم نتاج اختلاط بقايا الأطلنتيكيين وأحفادهم مع السيلت البدهون أو البدو وكانوا يحقدون على أولئك الكهنة الذين كانوا يحملون إسم الفلستينيين philistins، وكانوا مشتتين في مصر وأثيوبيا وكانوا تعساء، وعاش موسى بينهم وكان رحالة متجولاً وراعي غنم عند جيثرو Jéthro وتزوج  من إبنة هذا الأخير وهي  زيفورا Zéphora، وكان جيثرو أحد  الكهنة من عرق العرب  المشردين بلا وطن ولكن  من الجزء المسمى العبرانيين وكانوا مطلعاً على أسرار الأسلاف وعلمها لموسى بدوره وربما كان يمتلك بعض المصادر أو الكتب والصحف الأطلنتيكية التي أعطاها لموسى ليطلع عليها ويتعلم منها مثل كتاب:" أجيال آدم Le Livre des Générations d’Adam، وكتاب حروب إيهوا les Guerres de Ihôa، وكتاب التنبؤات أو النبؤات Prophéties، التي ذكرها موسى كمصادر لمعلوماته ومعارفه الروحية  وادعى أنه تلقى في الصحراء أولى الإلهامات الربانية أو الإلهية باعتباره المختار من قبل إله أجداده والذي سماه إيهوا أو يهوه Ihôa أي الكائن  بذاته l'Etre-étant، مصدر الحياة والرفاه، ومجري النعم، والذي أسمعه صوته من خلال الدغل المحترق أو الشجرة المتوهجة buisson ardent. ثم تحمل  موسى مهمة نشر  أسطورة الإلوهيم Aelohim، كائن الكائنات جميعاً وموجدها، ورب  نوح الذي أنقذه من الطوفان وأبراهام  ــ إبراهيم ــ  الذي أنقذه من النار عندما أراد الملك  النمرود حرقه حياً، وهذا الأخير هو الجد العظيم المشترك للعرب والعبرانيين، وأخيراً موسى المنقذ من القتل وهو رضيع، ومنه إلى جوشوا Josué، الذي واصل رسالته ــ وليس هارون شقيقه كما يقول المسلمون  ــ  ومن  الطبيعي  الاستنتاج أن كل ما عرضه موسى كان مجازيا أو استعارياً فيما يخص أصله  وحكايته والأساطير المرتبطة به وهي موصولة بجذور كونية ضاربة في القدم تعود إلى حقب غائرة في الماضي العميق للوجود، حسب الطريقة التي ينتهجها الحكماء القدماء التي تعود أصولها إلى ما قبل حقبة الأطلنتيكيين  ومعطيات الكارثة التي أدت إلى اندثارهم بل وإلى ابعد من ذلك  ألا وهو المبدأ الأول للأشياء كما صاغته الحكمة  الخالدة التي احتفظ بها القباليون ــ الكابالا ــ العبرانيين عبر العصور كأسرار  ورموز تأتينا من حقب ما قبل موسى إلى يوم الناس هذا. وبين موسى وعيسى  أو يسوع المسيح يتمركز الفلاسفة الإغريق  الكبار الذين استنشقوا من نبع المعرفة البشري القديم جداً، من خلال تجوالهم واتصالاتهم بالحضارات  الرافدينية والمصرية القديمة، ومن هؤلاء فيثاغورس الذي ولد في  ساموس Samos، سنة 608، ويقال سنة 570،  قبل الميلاد وزار صور وهو شاب  لدراسة  علوم الفينيقيين  ثم زار مصر  وشبه جزيرة العرب  ومن ثم ذهب إلى بابل وأقام فيها إثني عشر عاماً ونهل من أسرارها وعلومها الكثير وأطلع على الديانة الزرادشتية عندما زار بلاد الفرس، وكان قد تعرف على أولياتها في بابل. ومن ثم عاد وأسس مدرسة فكرية وفلسفية وعلمية في كروتون في إيطاليا ولقد أثرت مدرسته وآثاره على مستقبل البشرية جمعاء. بفضل كتابات تلامذته وأتباعه ومريديه . وأخيراً  وليس آخراً، لا بد من أن نعرج ولو قليلاً لنتحدث عن مصدر آخر للتوحيد الأ وهو  الصابئة، وهي من الديانات القديمة جداً في بلاد الرافدين " والصابئة " يسمون في بعض الأحيان "المندائيين"ويشكلون مجموعة بشرية متميزة وقديمة جداً يتسمون بطابع الكتمان والإنزواء وعدم التدخل في شؤون الديانات الأخرى. عدهم البعض  من بقايا الديانات الآشورية والبابلية ونعتهم البعض خطئاً بأنهم وثنيون يكتمون إيمانهم، وهم من عبدة  الكواكب والنجوم وطقوسهم وشعائرهم تتصل بديانات بابل القديمة وهم قطعاً ليسوا مسيحيين لأنهم لا يؤمنون بالسيد المسيح ولا بإلوهيته وآخر نبي مقدس عندهم هو " يوحنا المعمدان أو يحيى بن زكريا"، فأعتبروه هو المخلص وهو النبي المجدد والمنقذ  أو المنتظر فأجلوه وعظموه لأنهم يعتقدون أنه هو النبي المرسل إليهم خصيصاً. ودمغهم آخرون بأنهم من عبدة الملائكة ولديهم كتاب مقدس هو " كنزا ربا" أو الكنز العظيم، وكتاب آخر هو " السيدرا"، وهم في واقع الأمر من أوائل الموحدين إن لم يكونوا أول الموحدين ولديهم تراث ديني وفلسفي وفكري وعلمي عريق بل ونظرية خاصة في الخلق والكون تضرب عميقاً في جذورها في العصور الغابرة، لذلك  فهي من أقدم الديانات التي عرفها البشر وطقوسهم ترتبط بالماء وبالطهارة  لذلك تراهم يتجمعون بالقرب من الأنهر، كما أنهم تأثروا فيما بعد بالفلسفة اليونانية واقتبسوا الكثير من مفاهيمها ومسائلها وأدخلوها إلى معتقداتهم. وهكذا فإن الدين الصابئي دين توحيدي يؤمن بإله واحد إنبعث من ذاته لم يخلقه أحد، وبالطبع يؤمنون بالثواب والعقاب وبيوم الحساب والآخرة. ويعتقدون أن الجسد فاني والروح أو النفس خالدة  وهي التي سيعاد بعثها من جديد وهي جزء من روح عليا جماعية موجودة في الملكوت الأعلى  ويمارسون التعميد في الماء الجاري كما فعل نبيهم يوحنا المعمدان حين عمد السيد المسيح يسوع  أو عيسى بن مريم. يتبع  .

 

د. جواد بشارة

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4021 المصادف: 2017-09-08 13:14:47