 دراسات وبحوث

الأشباح والأرواح (15): مرجعية الحق والخلافة السياسية (2)

mutham aljanabi2ليس مصادفة أن تكون فكرة الحق هي الفكرة الأكثر ترددا وجوهرية في هواجس الخلفاء الراشدين وعقولهم ومواقفهم، باستثناء عثمان بن عفان. بل إن مقتله هو الوجه الآخر لفكرة الحق التي تغلغلت في وعي وضمير الأمة الناشئة، التي وجدت في سلوكه خروجا على الحق. ووجدت هذه الفكرة تعبيرها في الشعار الشهير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق! ولم تعن هنا كلمة الخالق سوى العادل والمحق. وليس اعتباطا أن تتبلور الفكرة في صيغة مرجعية شاملة عند الإمام علي بن أبي طالب عندما قال "الرجال بالحق وليس الحق بالرجال". واختزلت هذه الصيغة مضمون الفكرة الإسلامية وتجاربها العملية الأولية في صورة هي الأعمق والأصدق والأعم في تأسيس فكرة الحق. بحيث أصبح من الممكن تحولها إلى مرجعية علمية (منهجية) وعملية. ونعثر على تراكم هذه النتيجة الأولي في مجرى الصراع العلني والمستتر الذي اخذ يظهر إلى السطح بعد موت النبي محمد.

فقد كان محور الصراع حول "من يخلف النبي" يدور حول من له "الحق" الأكبر. ويشر هذا الجدل بحد ذاته إلى أنه كان مرتبطا بتنوع الاحتمالات والتأسيس المعقول والمقبول للإقرار به. بمعنى انه لم يكن مرتبطا بفكرة العائلة والقبيلة والجهة، بل بفكرة الاقتراب من النبي وتمثل ما في الإسلام والمعاناة الشخصية والتاريخية من اجله، أي كل ما يعطي للمرء "حق" المطالبة بها. وقد كان ذلك الوجه الآخر لفكرة الحق من حيث كونه عدلا. وتغلغلت هذه الموازاة في عمق الكلمة والعبارة والفكرة والممارسة العملية، التي ميزت النماذج العليا لخلافة الراشدين. ففي وصية أبي بكر لعمر بن الخطاب يمكننا ملاحظة الترابط الداخلي العميق بين فكرة الله والنبي والخلافة وبين الحق. فهو يخاطبه قائلا:"إن لله عليك حقا في الليل لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله في الليل. وأنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة"[1]. ويضع في مضمون استخلافه له إتباع مضمون السلوك النبوي في الحياة الشخصية، كما في قوله:"إني إنما استخلفتك نظرا لما خلفته ورائي. وقد صحبت رسول الله فرأيت من أثرته أنفسنا على نفسه وأهلنا على أهله حتى إنا كنا لنظل نهدي إلى أهله من فضول ما يأتينا عنه. وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي"[2]. ويختتمها بفكرة الحذر الدائم من الانحراف، بوصفها فكرة سياسية، كما في قوله له بضرورة الابتعاد عمن دعاهم بهؤلاء "النفر من أصحاب رسول الله، الذين قد انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم نفسه، وإن لهم لحيرة عند كل زلة واحد منهم. فإياك أن تكونه"[3]. واختتم هذا التحذير بفكرته العملية القائلة:"لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك"[4].

مما سبق نستطيع رؤية الاتجاه العام لتطور فكرة الحق في المثال الشخصي، باعتبارها الهاجس العميق والباعث الجوهري في فكرة الدولة. وكذلك فكرة الدولة، بوصفها إرشادا للناس صوب تحقيق الحق. إننا نعثر في آراء أبي بكر في وصيته لعمر بن الخطاب على توحيد لفكرة الحق في سلسلة تبدأ بالله وتنتهي بتطبيق الحق السياسي مرورا بنموذج النبي. إذ نعثر في عبارات أبي بكر التي خاطب بها عمرا على إدراك واضح للأولويات في الحق. بمعنى إننا نعثر فيها على إن لكل زمن حقوقه، وإن الحقوق مفهوم ومطلب لا يتغير ولا يتبدل من حيث كونها حقوقا، وإن الأولوية والمطلوب في الحق هو أصوله لا توابعه (الفريضة وليس النافلة). وهي مقدمة كبرى مصدرها فكرة الحق المطلق (الله)، كما وجدت نموذجها الرفيع في مثال النبي محمد. لهذا كان ينظر إليه ومن خلاله يمكن رؤية "الأنا"، بوصفها نموذجا سياسيا مقبولا لمن يخلفه، كما نراها في كلماته القائلة "وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي".

إننا نقف هنا أمام ربط بين المطلق والعابر في الثبات على الحق، بوصفه سلوكا متجانسا لنموذجية الفرد وحق الجماعة (الأمة). ولعل عبارة "لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك" هي الصيغة المعّبرة عن هذا الربط الدقيق. بمعنى إن الحق هو سلسلة الارتباط الدائم بين رجل الدولة ومبدأ الحق المطلق (الله). مع ما يترتب عليه من ربط مرجعية الحق بالمبادئ العامة وليس بالسلطة والأفراد. انطلاقا من إن الحق هو ضابط السلوك الفردي للسلطة، وإن حقيقة السلطة بوصفها أداة تجسيد العدالة تفترض الاستقامة الشخصية، أي السلوك الثابت مع الحق بأي شكل ومظهر ومنحى جرى. وقد تمثل عمر بن الخطاب هذه الفكرة للدرجة التي تحول في وعي الثقافة الإسلامية وتاريخها السياسي إلى "فاروق" الحق والعدالة. وتصور أحدى النوادر هذه الحصيلة، عندما قال رجل له: "اتق الله يا عمر!" وعندما رده احد المرافقين لعمر قائلا: "أكثرت على أمير المؤمنين!"، نراه يردعه قائلا: "دعه! لا خير فيهم إن لم يقولوها لنا!" ولا خير فينا إن لم نقبل![5] وحدد نوعية هذا السلوك نوعية استيعابه لفكرة الحق ونموذجها المناسب في حلم "أمير المؤمنين"، أي في عقل رجل الدولة. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأنه "ليس من حلم أحب إلى الله ولا اعمّ نفعا من حلم إمام ورفقه. وليس من جهل ابغض إلى الله واعمّ ضررا من جهل إمام وخرقه"[6]. وهي حقيقة اقرب إلى البديهة السياسية في فكرة الدولة ورجالها. لهذا قال في معرض الجدل الذي دار حول قضية توزيع أراضي العراق والشام: "إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم. فإني واحد كأحدكم. وانتم اليوم تقرون بالحق. خالفني من خالفني ووافقني من وافقني. ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي. فلكم من الله كتاب ينطق بالحق. فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق"[7]. لقد وجد في تقسيم الأرض واعتراض البعض من أهل الأوس والخزرج على ذلك، بأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه أراد الإبقاء على من يحافظ على الأمن والنظام في المدن الكبرى. وإنه بحاجة للمال من اجل مد الجيوش. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صورة نموذجية حول أولوية وجوهرية الحق على الهوى والرغبات الشخصية في إدارة شئون الدولة والموقف من المعارضين. وبالتالي فإن آراءه التي يمكن مخالفتها أو الاعتراض عليها لا تهدف من حيث مبدئها وغايتها غير الحق الضروري للدولة والأمة. لاسيما وأنها حقوق سياسية أيضا، لأن مواقفه تعادل الاجتهاد السياسي المحكوم بفكرة الحق، كما إن فكرة الحق محكومة بفكرة الدولة. وكان ذلك مضمون العقيدة العملية والروحية لعمر بن الخطاب في الموقف من السلطة والدولة. بمعنى إنه احد النماذج الرفيعة لفكرة الراشدين، الذي أناط مهمة الحق والحقيقة بتوسيع وترسيخ الوحدة والدولة. وهي عقيدة يمكن العثور على تعبيرها الواضح في إحدى أفكاره القائلة، بأن "أحق ما تعهد الراعي من رعيته تعهدهم بالذي لله عليهم في وظائف دينهم الذي هداهم الله له. وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته، وأن ننهاكم عما نهاكم الله من معصيته. وأن نقيم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم ولا نبالي على من كان الحق"[8].

ولم تكن هذه الآراء والمواقف معزولة عن واقع الصيرورة الأولية للخلافة (الدولة) وفكرة الدولة. بمعنى أنها كانت تعبر في صيغتها المذكورة أعلاه عن الحالة التاريخية والمرحلة التي لم تتعرض فيها الدولة إلى التجزئة. بمعنى عدم ظهور قواها المتصارعة وتناقضاتها الذاتية الملازمة للتطور الحضاري والإبداع الثقافي. الأمر الذي ادمج فكرة الحق في الشخصية وجعلها كلا واحدا. بحيث تحول الخليفة وفكرة الحق والحقوق إلى كلّ واحد. وفي هذا كان يكمن سر الإغراء التاريخي لخلافة الراشدين. وليس مصادفة أن نعثر حتى عند عثمان بن عفان على عبارة تقول "إن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق. خذوا الحق وأعطوا الحق". وقد يكون هذا التطابق الخفي بين فكرة الحق وفكرة الخلافة هي السرّ المستتر وراء مقتله. فعندما وجدت الأمة في سلوكه أخذا للحق بغير حق أعطوه الإجابة الحقيقة، ألا وهي أخذهم للحق منه بالقوة. وقد تكون هي الحصيلة التاريخية لتجربة الخلافة الأولى التي حدس الإمام علي بن أبي طالب معناها وجوهرها من خلال إبداع إحدى أجمل وأعمق المرجعيات الفكرية بهذا الصدد، عندما قال، بان الرجال تعرف بالحق وليس الحق بالرجال. وتوجت هذه الفكرة مرحلة خلافة الراشدين وجعلت منها معيارا في الوقت نفسه لفكرة الحق والدولة والشخصية.

وليس مصادفة أن تصبح "خلافة الراشدين" فكرة أكثر مما هي مرحلة تاريخية. من هنا سرّ تأثيرها الدائم، ومن ثم فهم سبب إدراج الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ضمنها أحيانا[9]، أو أن تبقى تثير شهية الخلفاء في أوقات متأخرة للاقتراب منها أو الانضمام إلى كوكبتها. وضمن هذا السياق يمكن فهم الأساطير المحاكة عن شخصية هارون الرشيد في تتبعه لحياة الناس العاديين والعيش أحيانا بمعايير سلوك الخلفاء العظام مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، تماما بالقدر الذي يمكن فهم لقب الرشيد على انه الصيغة غير المباشرة والمبطنة لتمثيل خلافة الراشدين. وهي صورة يمكننا العثور على نماذجها المتنوعة في كتب التاريخ والنوادر، كما هو الحال بالنسبة لنادرة دخول الصوفي شقيق البلخي على هارون الرشيد، ومبادرة الأخير بسؤاله:

- أنت شقيق الزاهد؟

- أنا شقيق ولست بزاهد!

- أوصني!

- إن الله أجلسك مكان الصدّيق وانه يطلب منك صدقه، وأعطاك موضع عمر الفاروق وانه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وانه أقعدك مكان ذي النورين وانه يطلب منك الحياء والكرم كما يطلب مثل حيائه وكرمه، وأقعدك موضع علي بن أبي طالب وانه يطلب منك العلم والعدل.

وفي نادرة أخرى تروي لقاءه بالشبلي. فعندما استفسر منه الرشيد قائلا:

- كم في خمس الإبل؟

- شاة في الواجب. فأما عندنا فكلها لله.

- فما أصلك في ذلك؟

- أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله.

ثم أضاف قائلا:"من خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر، ومن خرج عن بعضه فإمامه عمر. ومن اخذ لله وأعطى لله وجمع لله ومنع لله فإمامه عثمان، ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي. وكل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"[10].

إننا نعثر في هذه النوادر على نموذجية فكرة الخلافة والحق. والقضية هنا ليست فقط في أن التصوف هو التعبير الروحي عن فكرة المطلق، بما في ذلك في ميدان الحقوق، بل ولأنها الصيغة التي أبقت على نموذجية الخلافة الواقعية من خلال تقديمها بصورة مجردة عن صراع القوى ونزوات المصالح. بمعنى انه حاول تجريد التاريخ ليرفعه إلى مصاف الحق المجرد. ففي كلمات شقيق البلخي نعثر على وحدة الصدق والحق والحياء والعلم والعدل. وقد أعاد الشبلي هذه الصورة في موقفه من الحق المتسامي عندما اقر بتنوع الصيغ المعقولة والمقبولة، بدأ من الكلّ مرورا بالجزء والتنوع بينهما وانتهاء بالتجرد التام والكامل. وربطها بشخصية الإمام علي بن أبي طالب، انطلاقا مما اسماه بترك ترك الدنيا لأهلها. وبما أن "كل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"، لهذا تكون الشخصية العلوية أنموذجا كاملا للشخصية التي تتمثل حقيقة الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. وفي هذا يكمن سرّ قيمتها "الأبدية" بالنسبة لعلاقة المثقف والسلطة على امتداد تاريخ الخلافة واستمرارها المعاصر في ميدان الروح والمواقف الفردية.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص13.

[2] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 13.

[3] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 14.

[4] تكشف هذه الرؤية والموقف النقدي من "أصحاب رسول الله"، أو ما ستطلق عليه التقاليد الإسلامية اللاحقة عبارة "الصحابة" عن أنهم جزء من الجماعة الإسلامية والأمة الناشئة، بمعنى أنهم لا يتميزون بصفة القدسية ولا العلو سواء بالمعنى المادي أو الروحي أو الأخلاقي. فأبو بكر يشير بوضوح إلى ما أسماءه بأولئك النفر من "الصحابة الذين انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كلا امرؤ منهم نفسه".

[5] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[6] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[7] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص27-28.

[8] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 16.

[9] إن إدراج شخصية عمر بن عبد العزيز ضمن سلسلة الخلفاء الراشدين هو دليل على إنها فكرة وليس مرحلة تاريخية.

[10] إننا نعثر في آراء ومواقف شقيق البلخي والشبلي على إحدى الصيغ الجوهرية المميزة للفكر الصوفي في موقفه من الأفراد والفكرة، بمعنى محاولة الربط بينهما بالشكل الذي يستجيب لحقائق التصوف. فالجوهري في التصوف يقوم في إيجاد النسبة المثلى بين العلم والعمل وتجليها في التاريخ والمثال. ومن الممكن رؤية هذه الصورة في تقييم البلخي والشبلي لشخصيات الخلافة الأولى، بمعنى البحث عن مراتب فيها تؤسس للعلاقة بين التاريخ الواقعي والفكرة المتسامية ضمن فكرة التصوف عن الواقع الواجب. وهي فكرة متحررة من ضيق المذاهب والفرق، تعطي لتراكم المواقف قيمة بالنسبة للرقي الروحي والأخلاقي، بوصفها القيمة الجوهرية بالنسبة لتاريخ الأفراد والأمة والدولة أيضا. بعبارة أخرى، إن الجوهري فيها ليس هوى السياسة والمصالح، بل سياسة الروح بالشكل الذي يبقى للمثقف الكبير موقعه المتسامي ضمن المسار الواقعي لصراع المصالح والأهواء.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4164 المصادف: 2018-01-29 08:47:32