 دراسات وبحوث

الأشباح والأرواح (17): مرجعية الحق ونموذجية المثال الفردي

mutham aljanabi2إن المرحلة التي صنعت شخصية أبي بكر وصنعها كانت مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وإمبراطوريتها الثقافية اللاحقة. من هنا تموجه في عنفوان التاريخ السياسي والروح المعنوي للأمة. وذلك بسبب ارتباط ظهوره التاريخي المستقل ببداية الدولة. فالبداية التأسيسية هي الأعقد في تاريخ الدولة. من هنا دورها الفعال في الوعي والنماذج المثلى. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن شخصية أبي بكر هي الأولى في صيرورة الخلافة. ومن ثم هي التي أعطت لفكرة الخلافة أبعادها المتميزة من جهة، وجعلت منه أنموذجا عمليا مقبولا كليا أو مرفوضا كليا من جهة أخرى. وهي الحالة التي يمكن اختزالها فيما أسميته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. وذلك لأنها كانت تحتمل في أعماقها مختلف البدائل. وإذا كانت خلافة الراشدين هي صيغتها الأولى، فإن تحولها اللاحق إلى ملوكية جعل منها أنموذجا خاصا ومتميزا في فكرة الدولة. غير أن ذلك لم يلغ إمكانية البدائل الأخرى، كما مثلتها تقاليد التشيع وفكرتها عن الوصاية، بوصفها إحدى الصيغ "المقدسة" لفكرة الملوكية نفسها. لكنها ظلت احتمالا نموذجيا، يمكن العثور عليه في منظومات الفكر الفلسفي واللاهوتي والسياسي اللاحق.

وحالما أصبح أبو بكر "خليفة رسول الله"، فإنه لم يعد شخصا بقدر ما أصبح فكرة. وهو تحول يتطابق من الناحية التاريخية والشخصية مع أبو بكر الصديق. كما أنها العملية التي جرى رفعها لاحقا إلى مرتبة الأولية في تاريخ الإسلام والدولة، أي الدين والدنيا. وذلك بسبب طبيعة العلاقة الداخلية بين البداية والمبدأ. فحالما تصبح البداية مقبولة ومعقولة بمعايير التاريخ والثقافة، آنذاك يصبح من السهل تحولها إلى مبدأ، كما نعثر عليه في تحول الخليفة إلى خلافة، وأبو بكر إلى أنموذج أولي للراشدين. وذلك لأن شخصيات البداية هي شخوص التاريخ في الأفراد وتأثيرهم في الروح. وليس مصادفة أن يصبح أبو بكر تشخيصا لفكرة الخلافة الرشيدة وشخصنة مثالية لها في العمل.

ورافق هذه الظاهرة وترافق معها تحول الوحي إلى مصدر للاستلهام العملي المباشر. مع ما ترتب عليه من تحوير عميق في الرؤية السياسية والممارسة العملية، التي جعلت من التأويل ضرورة علمية وعملية (نظرية وأخلاقية) في الموقف من كل شيء. وهو تحول نراه أيضا في المواقف الأولى لأبي بكر حالما اشتدت بوادر الصراع حول السلطة، كما هو جلي في تأويله للآيات القرآنية أو تطويعها السياسي من اجل التحرر من الفكرة الجزئية، والبقاء ضمن الفكرة العامة. وهي رؤية عميقة وتاريخية ودولتية وضعها في عبارته الشهيرة:"من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وبغض النظر عن تكرر هذه الفكرة في آيات القرآن، إلا أنها تحولت بفعل المنعطف التاريخي العاصف إلى فكرة المنعطف التاريخي للدولة.

وكشف هذا الانعطاف وعبّر عن حقيقة الشخصية التاريخية والمثالية والفردية والروحية لأبي بكر. من هنا توّحد التأويل الحق وحقيقة السلطة بوصفها استخلافا لمضمون الرسالة النبوية، أي الاحتماء بالفكرة العامة الكبرى. وصنع هذا الإدراك الخلافة بوصفها فكرة الدولة وبدايتها التاريخية والروحية. وفي هذا التوّحد يكمن سرّ التأثير الواقعي والمثالي لشخصيته الفعلية. ووجد هذا التأثير تعبيره في ارتقاء الخلافة بوصفها استخلافا سياسيا، إلى فكرة ومبدأ الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. بمعنى تكاملها الأولي في جسد الدولة، وذوبانها اللاحق في مختلف النماذج المحتملة للتأويل السياسي في الموقف من السلطة وممارساتها. وفي هذا يكمن سرّ جوهريتها بالنسبة لعلاقة المثقف بالسلطة على امتداد التاريخ العربي الإسلامي، بما في ذلك ديمومتها الحالية في ميدان الروح والمواقف الفردية.

فالصورة المثالية، المتسامية، والزاهية التي بلورتها التقاليد الإسلامية عن أبي بكر تبقى جزء من معترك المدارس والفرق والمذاهب. وفي جميعها تقليلا من شأنه، لأنها عادة ما تنظر إليه بمعايير الرؤية الملتهبة بدموع الورع والإيمان والتقية، أو بما يعارضها ويقف بالضد منها من معايير العين المتفحصة بالغضب للدين والحق المذهبي. وكلاهما لا يعملان في الواقع إلا على حشره في خيالهما المتعصب والضيق. وذلك لأن حقيقة أبي بكر ترتقي بمعايير التاريخ والدولة والسلطة إلى مصاف الشخصية الروحية المتسامية. ومن الممكن رؤية ملامح هذه النتيجة ومآثرها فيما آلت إليه أعماله بهذا الصدد من إرساء أسس الدولة وفكرة الخلافة.

ووجد هذا الإرساء انعكاسه المبجل في فكرة "أول الخلفاء الراشدين". ففي البداية لم يكن لهذه الأولية علاقة بالدين والمذهب والمناقب الشخصية. على العكس! إن مناقبه تستمد أغلب مكوناتها العملية والتاريخية والروحية من شخصيته. وهو أمر جلي حالما يجري المطابقة بوعي أو بدون وعي بين أنموذجه الروحي وعلاقته بالأمة، أي علاقة السلطة بالمجتمع، والفكر بالواقع، والسياسة بإدراك مهماتها الذاتية. وليس مصادفة أن يجري ربط صورته الشخصية بوصفه خليفة المسلمين الأول وأول الراشدين، بإبراز أولوية علاقته بالرعية. وقد جرى بلورة هذه العلاقة بصورة أخاذة في العبارات القائلة، بأن سياسته بالرعية كانت "بشدة من غير عنف، ولين من غير ضعف"، وأنه كان "بطيء العقوبة غير متعجل فيها إلا بقصاص واجب"، كما "كان يحذرهم من الدخول في غمار الفتن". وقد كانت هذه الصورة مجردة عن دراما التاريخ الفعلي وصراعاته العنيفة التي واجهها بفعل وحدة الأضداد المتناسقة فيه. فقد تمثلت هذه الوحدة خصوصية الخلافة الراشدة من جهة، وواقع تأسيسها السياسي من جهة أخرى. من هنا وحدة الشدة واللين، والبطء في القصاص وحتميته حال الضرورة. لاسيما وأنها المكونات الضرورية للدولة الشرعية. كما أن فكرة الشرعية تفترض القضاء على نفسية الفتنة أيا كان شكلها ومحتواها.

وقد تراكمت هذه المكونات في بناء شخصيته السياسية بعد أول محاولة جريئة لتأويل القرآن بمعايير الموقف السياسي، وتطويع التاريخ السياسي للهجرة بالشكل الذي يستجيب لمهمة هذا التأويل. وهو تراكم معروف ومشهور في تحديه للشكوك غير العقلانية بموت النبي محمد عندما واجهها بصرامة الواقع ومعناه الروحي في الآية القائلة، بأن محمدا شأنه شأن الآخرين إنسان يولد ويحيى ويموت، ويبقى الله بوصفه مطلق الوجود الدائم. واستكملها بمواجهة المتشككين من جانب الأنصار بمدى شرعية غيرهم بالخلافة في عبارة بليغة قال فيها:"نحن المهاجرون، فنحن الأمراء!". واستكملها من حيث المعنى بفكرة "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش". وقد استمدت هذه الفكرة أسسها الروحية مما وضعه بعبارة يقول فيها:"نحن أهل الله، واقرب الناس بيتا من بيت الله".

ولم تسع هذه الأفكار للانتقاص من احد، ولا جعل المسافة بين الله والرئاسة معيارا محكوما بالبعد والقرب المكاني، بقدر ما كانت تتمثل تاريخ الانتماء الروحي وتمثله في تاريخ الأفراد والأشخاص. ولم يخضع هذا الاقتراب والتمثل للمصلحة الضيقة، بل لمصلحة الرؤية السياسية وآفاق وحدة الدين والدنيا، بوصفها الصيغة التاريخية لوحدة الدولة والمجتمع آنذاك. حيث جرى وضع هذه الصيغة في أول كتبه لمسلمي الجزيرة مستحثا إياهم للوحدة باسم التوحيد، ومن ثم القضاء على كل ارتداد عن الدين بوصفه ارتدادا عن الدولة. وقد بلور هذه الصيغة بثلاثة مبادئ عامة وهي، "إن الله أرسل محمدا بالحق لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين"، والثاني، "إن الله يهدي للحق من أجاب إليه"، وأخيرا "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنّة ولا نوم". وقد كانت تلك بقدر واحد مبادئ روحية وعملية، لأنها كانت تجمع بين فكرة الإخلاص للمبدأ وفكرة الدولة. فالجوهري في النبي محمد يتطابق مع فكرة الحق، كما أن الحق هو سلوك تلقائي وشخصي. وبهذا المعنى فهو أمر دائم لا علاقة له بالأفراد أيا كانوا.

وحالما جرى إنزال هذه الفكرة من علياء "الحي القيوم" إلى واقع الحياة العادية، فإنها تأخذ بالانهماك الفعال تجاه كل ما له علاقة بالإنسان والدولة. ونعثر على إدراك مباشر لهذه الفكرة في العبارة التي حدد فيها موقفه بالشكل التالي:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم. فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم". بعبارة أخرى، إن الأمة الحقيقة هي التي تنظر إلى مشاكلها وإشكالاتها بمعايير الحق والعدل. فموت النبي لا يقدم ولا يؤخر شيئا من فكرة الحق. على العكس، إن الاهتمام بأمر من هذا القبيل هو عين النكوص صوب "الشيطان". وبالتالي فإن مهمة المستقبل تقوم في جعل الشيطان يلهث دوما في لحاقه بأمة الحق! وفيما لو جرى تحويل هذه الفكرة إلى لغة الحياة السياسية المعاصرة، فانها تعني بأن الأمة والدولة المتمسكة بفكرة الحق والشرعية تفترض العيش بمعايير ومقاييس العدل. والخروج عليها هو السقوط في هاوية الانحلال الحتمي والإغراء القاتل.

ذلك يعني أن الجوهري بالنسبة لأبي بكر هو البحث عن النسبة الضرورية بين الحق والعدل من خلال وحدة الدولة والأمة المحكومة بمقاييس الشريعة والشرعية. فالفكرة العامة تنطلق، شأن كل الأفكار الإسلامية الكبرى، من جوهرية الله بوصفه المبدأ المتسامي الأول والمعيار المطلق للأحكام العملية. من هنا قوله، حالما خاطب الجمهور الإسلامي، بأن "الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم". وهي مواثيق تحددها الشريعة كما وضعها القرآن. فهو المصدر الأكبر للنور والتنور والاستبصار. بعبارة أخرى، انه وجد في القرآن المصدر الضروري الأولي للتأويل المحكوم بفكرة الحق والعدالة. وجعل من هذه الفكرة مبدأ سياسيا أوليا في الموقف من النفس والأمة على السواء، كما نراه في عبارته الشهيرة:"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وهو موقف استكمله بما يمكن دعوته ببرنامج السلوك السياسي الأخلاقي الأرفع لرجل الدول، كما في قوله:"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والقوي فيكم ضعيف حتى اخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق". وحالما تتغلغل هذه المبادئ في أعمق أعماق الشخصية وتعيد إنتاجها بالشكل الذي يجعل القول والعمل فيها وعندها وحدة واحدة، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أن تكون فكرة الطاعة والمطيع كلا واحدا. انطلاقا من أنهما كليهما ينبغي أن يحتكما إلى الشريعة (القانون) والتمسك بها. بسبب ترابط فكرة الطاعة بفكرة الحق.

وضمن هذا السياق يمكن فهم الفكرة التي وضعها في إحدى خطبه عندما قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعصهما فقد ضل ضلالاً مبينا. أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص، السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم. فإن من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد افلح وأدى الذي عليه من الحق". ذلك يعني أن فكرة الطاعة محكومة بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه بدورها محكومة بفكرة الإخلاص، والإخلاص محكوم بطاعة القانون، وطاعة القانون مرتبطة بالتمسك بنموذج النبي، بوصفها سلسلة نهايتها الله. بعبارة أخرى، إن فكرة الطاعة تعمل أساسا من اجل ربط حلقات الوجود الفردي والاجتماعي والدولة في سلسلة التكامل بمنظومة الحق والحقوق. وقد طابق نفسه مع إحدى حلقات هذه السلسلة دون أن يفقد ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة رسول الله. لكنها خلافة لم يجر تحسسها أو إدراكها آنذاك بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيده وتحقيقه بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. من هنا تعليقه مرة على إطراء الناس ومديحهم إياه بعبارة:"اللهم أنت اعلم مني بنفسي. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون بي، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". وحاول تطبيق هذه الطريقة في تعامله مع الأمة تجاه مختلف القضايا بما في ذلك قضية السلطة والاستخلاف.

فعندما استخلف عمر قال:إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وبّدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت". وهي عبارة تشير إلى أن فكرة الاستخلاف عنده كانت جزء من الاجتهاد السياسي. ومن ثم جزء من معرفة فردية وشخصية وخاصة وحدس سوف يكشف عنه الزمن. لكنه حدس مرتبط بدراية شخصية محكومة بفكرة الخير للجماعة والدولة. من هنا أيضا وصيته لعمر:"إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفّته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا". وهي معادلة محكومة من ألفها إلى يائها بفكرة الحق. بمعنى أن الاقتراب من الحق وتحقيقه هو عين الصواب في كل شيء، كما أن الابتعاد عنه عين السقوط. بحيث جعل من حياته وموته تجسيدا وتحقيقا لهذا الاستنتاج.

فقد مات أبو بكر ولم يترك دينارا ولا درهما، وعاش زاهدا متقشفا ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة، والنموذج الأولي الذي تركه لمن خلفه.

***

 

ميثم الجنابي

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4167 المصادف: 2018-02-01 10:47:46