دراسات وبحوث

الأشباح والأرواح (21): بداية السلطة وتوظيف الوحي (2)

mutham aljanabi2إن إحدى الصفات الجوهرية التي رافقت صعود عثمان بن عفان إلى سدة الحكم تقوم في أن المرجعية الوحيدة الجلية نسبيا آنذاك هي مرجعية الدين والدنيا. كما كانت في الوقت نفسه قابلة للتأويل غير المتناهي بسبب عدم تعين حدودها السياسية. وقد يكون ذلك هو السبب الذي أربك عثمان حالما اعتلى عرش الخلافة لإلقاء خطبته الأولى، بحيث ارتجّ عليه عقله وفؤاده ولسانه فعجز عن الكلام. بل جرى إدراجه إلى جانب "مآثره" الأخرى كونه "أول من ارتجّ عليه في الخطبة!" وذلك لأن عدم تعيين الحدود السياسية لعلاقة الدين بالدنيا بوصفها المرجعية الخفية للقيم النظرية والعملية الإسلامية الأولى، كانت تفسح المجال أمام اجتهاد فردي حر وصريح. وبما أن عثمان لم يكن يتمتع بهذه الصفات، إضافة إلى عمره الكبير الذي بلغ السبعين عند توليه الخلافة، لهذا ارتدّ عليه العمر وبالا، والاجتهاد إرباكا. أما النتيجة المباشرة فهي خطبة مبتورة. فعندما خرج إليه الناس ليسمعوا خطبته، فإنه لم يستطع أن يقول أكثر من عبارة واحدة هي: "أيها الناس! إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلّمنا الله!".

لقد كان الرجل بسيطا متواضعا مباشرا لا دجل فيه ولا مخاتلة. وعاش بعدها واستطاع أن يستجمع قواه ويخطب بعد أن تعلم ما لم يتقنه مسبقا. وقد أورد الطبري خطبته التي قال فيها:‏"‏إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم‏.‏ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور‏.‏ اعتبروا بمن مضى‏.‏ ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم‏.‏ أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمرّوها ومتعّوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم‏؟‏ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير مثال، فقال (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تدروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا"[1]‏.

‏ ولا شيء في هذه الخطبة يمس الحياة والدولة والسياسة والعلاقة بالأمة أو علاقتها به. كما لا تحتوي على فكرة قانونية أو مشروع مستقبلي أو ترتيب للأولويات الكبرى. باختصار أنها اقرب ما تكون إلى كلمات العجائز أمام صغارهن، بوصفها عبارات محكومة بالحديث عن الأمور البديهية والشائعة كما لو أنها اكتشافا. وعادة ما تنسى هذه الذهنية أو تتناسى اشد الأمور جلاء أمام ذكريات الطفولة. ولا طفولة اقوي بالنسبة للذهنية التقليدية من علاقات "الدم". ففيها تتراكم حكايات الزمن الماضي وتأملات الأيام القادمة، وذلك لأن الوعي الذي يربطها لا علاقة له بالخيال المبدع. من هنا تصبح العلاقة بالأقارب مصدر كل شيء. وقد ميزت هذه الصفة شخصية عثمان بن عفان. وفيها يمكن رؤية سرّ مأزقه اللاحق وتعرضه لقتل الانتفاضة الإسلامية الأولى ضد السلطة.

فقد حوّل عثمان السلطة إلى بداية ونهاية الخلافة. من هنا إمكانية تطويع كل شيء لخدمتها. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما اعترضوا على تصرفه الشخصي بالمال العام، بأنه خليفة! وبالتالي لم لا يحق له القيام بما يراه ويريده ويرغب فيه؟! وهو موقف يمكن إعادة ترتيب عبارته بطريقة أخرى تقول "أنا خليفة! إذن يحق لي القيام بكل ما أريده". لقد جعلت هذه الرؤية من الخلافة سلطة محكومة بالرغبة الشخصية بوصفها حقا، قلبت بصورة عاصفة حقيقة الفكرة الإسلامية والخلافة ومعناها الروحي والسياسي والتاريخي. إذ لا تعني "أنا خليفة، إذن يحق لي كل شيء"، سوى تحويلها إلى سلطة محكومة بالإرادة الشخصية والرغبة الفردية. وبما أن إرادة عثمان الخاصة لا عموم فيها لغيرها، من هنا فقدان الأبعاد الوجودية والروحية العامة المميزة للوحدانية الإسلامية في أبعادها المادية والمعنوية. وهنا يكمن جذر الانحراف التاريخي الهائل للخلافة، وكذلك منظومة القيم الأولية المتراكمة عن فكرة الدولة والسلطة بوصفها رشيدة راشدة. واتخذ هذا الانحراف هيئة "المنظومة المتجانسة" في ميادين العادات والعبادات، أي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية. بحيث تحولت علاقات "الدم" والقرابة إلى الرابط الفعلي للتحكم. وهو سلوك ينبع من شخصية عثمان لا من رؤية سياسية مقصودة.

ومن الممكن أن نتخذ من قضية الوليد بن عقبة مثالا نموذجيا بهذا الصدد، لما له من أثر كبير في النقمة على عثمان. فقد جرى تولية الوليد بن عقبة واليا على الكوفة بعد المشاجرة التي حدثت بين الصحابيين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. فقد كان سعد بن أبي وقاص واليا على الكوفة في زمن عمر بن الخطاب. وعزله لأمور اتهم بها منها انه لا يحسن الصلاة، وأن الصيد يلهيه، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية‏.‏ لكنها "تهم لم تثبت". مع أن المشاجرة اللاحقة بينه وبين عبد الله من مسعود تكشف عن طبيعة الأبعاد الواقعية لهذه التهم. وليس اعتباطا أن يعزله عمر بن الخطاب ويولي عوضا عنه المغيرة بن شعبة. فلما ولي عثمان أقرَّ المغيرة بن شعبة على الكوفة لمدة سنة واحدة، ثم عزله واستعمل سعد بن أبي وقاص من جديد ثم عزله بسبب المشاجرة المذكورة أعلاه بينه وبين عبد الله بن مسعود. وسببها يقوم، كما تنقله لنا كتب التاريخ والسير، في استقرضه مالا من بيت المال عندما كان عبد الله بن مسعود مسئولا عنه. وعندما حان الوقت طالبه عبد الله بن مسعود بإرجاع المال، فإن سعد هدده وعيرّه قائلا:

- هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل‏؟‏‏!‏

- أجل والله! إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة‏!

وشبت معركة كلامية بينهما انتهت بقطيعة، عزل بأثرها سعد بن أبي وقاص للمرة الثانية. وعوضا عنه، كما هو الحال في أماكن وأحوال عديدة أخرى، ولى عثمان أقاربه. إذ عيّن عوضا عنه الوليد بن عقبة. وهو أخو عثمان بن عفان لأمه. وكان معروفا عنه الظرف والمجون واللهو. وقد كانت تلك صفات تعادل بمعايير المعاصرة تحرره من قيود التزمت الديني والرياء الأخلاقي، لكنها صفات حالما تصبح جزء من السلطة وشخصياتها، فإنها تتحول بالضرورة إلى كارثة كبرى. إضافة لذلك، إن تاريخه "الروحي" يتميز بمعايير الإسلام الأول بصفات سيئة. فمن المعروف عنه أن أبوه عقبة ابن أبي معيط وضع سلا الجزور على ظهر النبي وهو ساجد. كما كان معروفا عنه عداءه الشديد للنبي محمد والإسلام. أما الوليد نفسه فقد أسلم يوم الفتح. كما أنه الشخص الذي "نزلت به" الآية القرآنية (أن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)، أي تصويره بالفسق. وذلك بسبب أن النبي محمد بعثه مصدقًا إلى بني المصطلق فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة. أما في الواقع فإنه خاف من خروجهم الجماعي إليه إذ توجس منهم شرا!! وانكشفت حقيقة الأمر حالما بعث إليهم النبي محمد خالد بن الوليد[2]. إضافة لذلك إنه كان متهما بشرب الخمر. وتروى عنه الحادثة الطريفة التالية، كيف أنه سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعا! ثم التفت إليهم وقال‏:أزيدكم‏؟‏ وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي جعفرا فجلده[3]‏.‏ وترتب عليها عزله عن ولاية الكوفة.

أخذت هذه العملية بتوسيع وتعميق فكرة وأنموذج السلطة في سلوك الولاة والخلافة لا فكرة الدولة. لهذا حالما يصل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص، فإن أول ما قام به هو طلبه قبل إلقاء الخطبة بغسل المنبر قائلا: اغسلوا هذا المنبر! فإن الوليد كان رجسا نجسا! ولم يصعده حتى غسل. وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال‏‏:‏"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدا إذا أمرت أن ائتمر! إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها والله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم!‏"[4]‏‏. ولازم هذا التهديد بني أمية إلى أن أنهك قواهم. غير أن المعارك الصغيرة التي ابتدأت بالوليد بن العقبة سوف لن تنتهي إلا بمقتل عثمان، بوصفها الجولة التاريخية الكبرى التي جعلت من السلطة محور الخلافة. لقد كانت خطبة سعيد بن العاص إنذارا وتهديدا. أنها على عكس ما في شخصية الوليد بن عقبة، لكنهما يكملان احدهما الآخر في وعي وإحساس الجمهور الكوفي (العراقي) لأنهما وجدا فيهما تخليفا لا على حق.

فقد كان أهل الكوفة (العراق) وغيرهم يتحسسون ويدركون طابع العلاقة والقرابة في تعيين الولاة الجدد في كل مكان مع وجود من هو أفضل وأنقى وأعقل وأصلح وأصدق منهم. مما جعله مصدر التذمر، الذي يعادل من حيث الجوهر معارضة الخروج على منطق العقل والحق. مما أدى إلى تراكم نفسية وذهنية الروافض، أي القوة الأكثر اجتماعية وإنسانية ودفاعا عن مبدأ العدل والعدالة والحق. وفيها أيضا كانت تتكامل فكرة التحزب السياسي والفكري والدعوة للانتفاض. وليس مصادفة أن يكتب سعيد بن العاص الأموي إلى عثمان كتابا يقول فيه‏:‏‏"‏إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة. والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها‏"‏.

بعبارة أخرى، لقد وجد هذا الأمير الأموي الجديد في الجمهور الكوفي رعاعا وغوغاء (أو روادف قدمت وأعراب لحقت) لا يحترمون كثيرا "ذوي الشرف والبلاء". وتعكس هذه المواقف طبيعة "العلاقة الإسلامية" الجديدة بوصفها جاهلية قبلية وعائلية لا علاقة لها بفكرة الأمة ومساواتها أمام القانون كما وضع الإسلام الأول أسسها ومرجعياتها الكبرى. وقد أيّد عثمان هذا الموقف في رده قائلا:"‏أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به. وأحفظ لكل منزلته. وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق‏.‏ فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل‏‏‏". لكنه موقف متذبذب. بمعنى انه يحتمل تفسيره بمعايير السلطة البحتة والقانون. وذلك لأنه يحتوي بقدر واحد على الاثنين. غير أن المزاج العام للعائلة الأموية التي أخذت تتركز في مرافق السيطرة في كل مكان أدت إلى سيادة فكرة السلطة. وبالتالي تحويل القيم والمفاهيم والمبادئ بما فيها "مأثرة" جمع القرآن وتوحيد قراءته التي قام بها عثمان، إلى جزء من بسط السلطة الموحدة بالعائلة والقرابة وليس بالكفاءة والحق. من هنا سياسة الوالي الجديد للكوفة المتوجهة صوب "وجهاءها" من اجل كسبهم، ومن خلالهم إخضاع البقية الباقية. فقد جمع سعيد بن العاص وجهاء الناس من أهل الأيام والقادسية وخاطبهم قائلا:"‏أنتم وجوه من وراءكم‏!‏ والوجه ينبئ عن الجسد! فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف‏"‏‏[5].

إننا نقف هنا أمام آلية جديدة في تعامل السلطة مع المكونات الجديدة للإمبراطورية. بمعنى استعادة وبعث الجاهلية القبلية. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن الخليفة عثمان لم يعمل في الواقع إلا على استعادة جاهلية جديدة ولكن بمعايير السلطة. وقد هزّ هذا الانتقال العاصف أعطاف الدولة وجعل من الانتفاض أمرا طبيعيا وضروريا. وكل فعل تقوم به السلطة يصب أساسا في إذكاء النار المحترقة تحت رماد المدن الجديدة المتراكمة من هؤلاء "الروادف والأعراب"، بوصفهم قوة الصعود البشري والاجتماعي والفكري الجديد للأمة الإمبراطورية. فقد جعل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص من القراء (أو القصاصين) جزء من سمره الليلي. وهي خطوة ملازمة لصيرورة الدولة والإمبراطورية. لكنها أدت، شأن كل عملية كبرى ومعقدة إلى أن تصبح ليس فقط وسيلة الترفية الارستقراطي، بل وأداة الانتقال الخاطف للأفكار والقيم والمفاهيم والقيل والقال. لهذا فشت المقالة في أهل الكوفة! وليس مصادفة أن يرى فيها عثمان بن عفان بداية نشوء الفتن. بعبارة أخرى، إن السلطة بدأت تتحسس في مقالات الناس وآراءهم وسمرهم الليلي حول الحكايات والنوادر والقصص مصدر الخطر الجديد. إذ لا لذة أشد وأقرب إلى قلوب الناس عامة من استهداف السلطة وترفها. مما جعل منها وقود الاستياء، التي كانت سياسة عثمان بن عفان تشحنها بقوة لا تهدأ كما لو أنها تتلذذ بمعاييرها الخاصة: الفقراء يشكواهم والأغنياء بثرواتهم! واستعملت السلطة كل الأساليب الممكنة بما في ذلك شراء الذمم، كما فعل عثمان عندما اشترى لأهل الحجاز واليمن أراضي وتوزيعها عليهم بما يقابلها في أماكنهم. ذلك يعني أنه أراد حماية سلطته الجديد بقوة المال والبشر المنتفعة بتوزيع العطايا الصغيرة عليهم على حساب المناطق النائية.

 غير أن ما ينفع الحجاز لا ينفع بالضرورة وحدة الدولة الناشئة. كما إنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتعزيز السلطة واستحسان أفعالها. على العكس. لقد تحولت هذه السياسية الآخذة في الرسوخ إلى عامل إثارة عنيفة. لهذا كثرت الشكوى والاعتراض والهجاء والنقد. وقد تكون الأبيات التالية الصيغة العادية التي اختزلت معالم الاعتراض والنقد الواسع الانتشار بين أهل الكوفة، والقائلة:

بلينا من قريش كل عام أمير محــدث أو مستشار

لنا نار نخوّفهـا فنخشى وليس لهم فلا يخشـون نار

ويحتوي هذا الموقف النقدي بقدر واحد على أبعاد سياسية وأخلاقية نابعة من القلب. فأهل الكوفة يتأملون الوافدين عليهم باسم الإسلام ولا إسلام فيهم غبر الخضوع للسلطة ومزاجها. وقد كان هذا التكرار والتنوع والتعدد يصب في اتجاه واحد، ألا وهو خلوه من نار الروح الأخلاقي. فإذا كانت نار أهل الكوفة هي نار ذاتية أخلاقية، فنار أهل السلطة برودة القلب القارصة. وأدت هذه الرؤية، على خلفية تراكم الرذيلة السياسية والأخلاقية والانحطاط الروحي الذي ميز خلافة عثمان، إلى تعميق وتوسيع وتنظيم فكرة الاحتجاج السلمي والعنيف. وحدد هذا الاتجاه مسار الدولة والسلطة، التي تحولت في زمن عثمان وبأثر سياسته إلى قوى مغتربة ومتصارعة ومتضادة. فقد كانت مرحلته بداية الفساد والإفساد الشامل، يمكن العثور على صداها في التراكم السريع للاحتجاج الاجتماعي الذي تجسد مرة في شخصية عامر بن عبد الله التميمي، الذي أرسله جمهور المسلمين بعد أن تذاكروا أعمال عثمان. حيث اجتمع رأيهم على إرسال احدهم يكلّمه ويخبره بما يروه فيه. وقد جرت المحادثة بينهما كما ترويها كتب التاريخ بالشكل التالي:

- إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فإتق الله عز وجل، وتب إليه، وانزع عنها‏.‏

- انظروا إلى هذا!فإن الناس يزعمون أنه قارئ؟! ثم هو يجيء فيكلمني في المحقَّرات، فوالله ما يدري أين الله‏!

- أنا لا أدري أين الله‏؟‏!

- نعم، والله ما تدري أين الله‏!‏

- بلى والله! إني لأدري أن الله بالمرصاد لك!!‏[6].‏

لقد كان جواب التميمي مباشرا عميقا بديعا دقيقا مفحما ممتلئا بالإخلاص لقيم المروءة والحق والعدالة. لكنه يبقى ثانويا مقارنة بما فيه من انفصام منظومي عميق بين قوى السلطة والدولة، وتهشم المعنى الروحي للخلافة. فالتميمي يتكلم باسم المسلمين الذي اجتمعوا ونظروا بعقولهم وأفئدتهم وتقدموا بآراء بمواقف مهمتها تعديل الأمور والتوبة والكفّ عن أعمال يعتقدون أنها منافية لمضمون الفكرة الإسلامية. وكانت هذه المواقف أقرب إلى النصيحة السياسية بوصفها التزاما وواجبا دينيا من جانب المسلمين تجاه ولاة الأمور. وعوضا عن الإجابة عليها نقف أمام تحريف للكلام ومضمونه وحرفه صوب انطباع شخصي لا معنى له ولا قيمة. فعثمان يردد ما سمعه عن مهنة الذي يواجهه كما لو أنها مهنة حقيرة. وليست مهنة القارئ سوى المثقف بالمعنى المعاصر للكلمة! لكنه انطباع يكشف عن المواجهة الأولية بين السلطة والمثقفين، بوصفهم القوة القادرة على قراءة الكتاب والواقع. وإذا كان سؤال عثمان يعني بالنسبة له أن معرفة الله تجعل المرء عفيفا من أن يواجه عثمان بالمحقرّات، فإن مضمونه الواقعي يشير إلى مستوى الاغتراب التام للسلطة عن حقيقة القيم والمفاهيم. لاسيما وأن رفع النفس إلى مصاف القيمة المطلقة تتجافى مع أبسط مقومات الواقع والحقيقة والفكرة. غير أن عثمان كان يفهم من سؤاله معناه المباشر. وعندما استغرب التميمي سؤال عثمان، فإن الأخير تشجع للدرجة التي جعلته يتمادي في سؤاله المباشر. وجاء الجواب بطريقة مباشرة وأقرب إلى الحدس في دقته وعمقه: إن الله له بالمرصاد!

وبينما كان التميمي ينقل الله من المكان إلى مستوى القيمة الروحية والأخلاقية والحقوقية المتسامية، فإن عثمان بن عفان يجهد نفسه للبقاء ضمن نفسية السلطة المغتربة عن فكرة الدولة والحق العام. بل لم تخل حتى محاولات "رجوعه للحق" من مناورة محكومة برخاوة الشخصية وضعفها. وليس مصادفة أن نراه يستغل كل الإمكانيات بما في ذلك استطلاع الأخبار والتأثير عليها بطريقة "الاتصالات العامة" الحديثة من خلال استغلال الموقع السياسي وثروات الأمة. فقد كتب، على سبيل المثال، في رسائله التي وجهها إلى مختلف الأمصار، بأنه سوف يأخذ العمال بموافاته كل موسم. وأنه سيعمل حسب قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالتالي فإنه لا يرفع عليه شيء ولا على أحد من عماله إلا وأعطاه. وليس له ولعياله حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم. وإن أهل المدينة قد اخبروه بأن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك فليوافيه الموسم يأخذ حقه سواء كان ذلك منه أو من أحد عماله. وهي مبادئ ومواقف ضمنّها اغلب رسائله العامة. مما أثارت استحسان الناس. لكنها كانت ظاهرية المظهر دهائية الباطن. إذ رافق هذه العملية الموجهة للجمهور سلوكا مبطنا أو داخليا موجها لعماله وذوي الرأي والمشورة، ممن يتمتع بتأثير مادي ومعنوي في الدولة. ومن الممكن نقل إحدى الصور المعبّرة بهذا الصدد، التي اشترك فيها من عماله كل من سعيد بن العاص (والي الكوفة السابق) ومعاوية بن أبي سفيان (والي الشام) وعمرو بن العاص (والي مصر السابق) وعبد الله بن عامر. فكانت مواقفهم ونصائحهم السياسية في بداية الأمر هي كالتالي: اعتقد سعيد بن العاص، بأن من الضروري إتباع سياسة التحضير السري للمواقف والأفكار من خلال رميها عند من لا يعرفها لكي تكون الشغل الشاغل للمعارضة في أحاديثهم. أما عبد الله بن سعد‏ فقد اقترح أن يقايض العطاء بالأخذ، بوصفها سياسة أفضل من أن يجري ترك الأمور تجري على مجاريها. في حين اقترح معاوية سلوك ما اسماه بحسن الأدب معهم. أما عمرو بن العاص، فقد اعتقد، بأن عثمان قد لان كثيرا وتراخى عنهم. من هنا مطالبته إياه بأن يسلك سلوك عمر وأبي بكر من الشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين. وربط التشدد تجاه من لا يألو الناس شرا، أما اللين فتجاه من يخلف الناس بالنصح. ‏وإذا كانت هذه الآراء والمواقف معقولة ومقبولة بمعايير الرؤية السياسية، فإن حقيقتها تكشفت حالما اشتدت الأزمة وظهرت إمكانية تعرضهم لنفس خاتمة عثمان. ففي لقاء آخر يجمع عثمان مع عبد الله بن عامر ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد وعمرو بن العاص نسمع مواقف أخرى أكثر تشددا وخبثا. فقد وضع عثمان السؤال بطريقة أخرى تجمع بين النصيحة والمواجهة السياسية للجميع. حيث قال: صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ‏"‏‏.‏ فقال له عبد الله بن عامر:"رأيي يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلّوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه‏"‏‏. واقترح معاوية أن يرد عماله على الكفاية لما قبلهم وهو يضمن له نفسه. في حين أجاب عبد الله بن سعد:"إن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليهم قلوبهم‏"‏‏. أما عمرو بن العاص فقال:"‏أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل! فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل! فإن أبيت فاعتزم عزما وأمض قدما‏"‏‏.‏ عندها قال له عثمان:"‏ما لك! قمل فروك!‏‏ أهذا الجد منك‏؟!‏‏"‏‏.‏ فسكت عمرو حتى إذا تفرَّقوا قال‏ له:‏‏"‏لا والله يا أمير المؤمنين! لأنت أعز عليَّ من ذلك‏.‏ ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا‏"‏‏[7].‏ (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 589-590.

[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2، ص476‏‏‏.‏

[3] ‏السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 123‏‏.

[4] ‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.

[5] ‏‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص 643- 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 39-42‏.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص643-645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص39- 42‏.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4189 المصادف: 2018-02-23 13:24:40