 دراسات وبحوث

شخصيات وأفكار وقيم من التراث: أبو هريرة

mutham aljanabi2إذا كانت السلطة تعمل بقوة السلطان، فان ذلك لا يكفي بحد ذاته من اجل ديمومتها وإضفاء الشرعية على وجودها السياسي. من هنا أهمية وقيمة "المثقف المرتزق" بوصفه "سلطان الحقيقة" المجيّرة. وهي حالة لا يخلو منها تاريخ الدول والأمم والثقافات الكبرى. لكنها عادة ما تعكس بداية الأزمة أو نهايتها. بمعنى أن ظهور واستفحال ظاهرة المثقف المرتزق هو تعبير عما في تاريخ الدولة والأمة من صراع عنيف ينذر بحتمية السقوط أو مؤشر على اعتراك قواهما الذاتية في تأسيس البدائل. وهو السر القائم وراء تأثير المثقف المرتزق على مجريات الأمور والأحداث سواء فيما يتعلق بإمكانية "تثوير" الأفكار والصراع حولها، أو إعاقة نموها "الطبيعي" من خلال حرفها صوب أمور جزئية أو ثانوية لا قيمة لها بالنسبة لتاريخ الروح. لكن عمله في كلتا الحالتين لا يؤدي إلا إلى إثارة نفسية وذهنية المغامرة القبيحة. ومن تلازم أو التقاء هذين الاتجاهين تتراكم ملامح المصير التاريخي الفعلي للثقافة ومنظومة المرجعيات المعقولة في رؤية الثقافة عن نفسها ودور المثقف فيها. وهي ظاهرة لا تخلو من تعقيد درامي تارة، ومأساوي تارة أخرى. لكنها دراما ومأساة الفرد التائه في دهاليز الغريزة الخائبة. وقد يكون ذلك هو احد الأسباب الرئيسية في اختلاف مرتزقة الثقافات الكبرى الماضية عن مرتزقة الأحزاب والدويلات الحالية بوصفها جعجعة فارغة على رصيف التسول المنفر. لكن جوهر المشكلة يبقى كما هو. بمعنى أن المثقف المرتزق تحت أية يافطة عقائدية كانت هو مجرد حمّال معلومات، أي خال من المعرفة. لكنه يجسد في الوقت نفسه نموذج " العالم الجاهل"، أي الطبل الأكثر دويا في جوقة "علماء السوء" كما دعاهم الغزالي، و"علماء الجهل" كما دعاهم نيقولا الكوزاني. وحالما تلتئم سبيكة السوء والجهل في هيئة "العالم النحرير"، حينذاك تبرز في مظاهر اللؤم غير المحدود في الأقوال والأفعال. وفي الأغلب هي صفة مرتزقة السلطة والأحزاب.

وبغض النظر عن كثرة أو قلة معلومات المثقف المرتزق، فانه لا يفعل في نهاية المطاف إلا على إضعاف الكل الإنساني للدولة والأمة. والسبب يكمن في انه لا يتعدى في نياته وسلوكه وغاياته أن يكون شيئا غير لسان "النفس الغضبية" وليس العاقلة، أي القوة الجزئية وليس الكلية العامة. من هنا تصبح مهمة نقد نماذجها القديمة أسلوب نقد نماذجها الحالية.

وليس مصادفة أن تتشابه مختلف مستويات وأشكال "التبجيل" الهائلة القديمة والحديثة في مواقفها من "علماء السوء" و"علماء الجهل" بغض النظر عن اختلاف ثيابهم الدينية أو الدنيوية (العلمانية)، "اليسارية" أو"اليمينية". فهو مؤشر على بقاء وفاعلية حالة الانحطاط. فالحقيقة خارج تصنيفات العقائد السياسية والحزبية أيا كان شكلها ومحتواها. وذلك لان المثقف الحقيقي لا تحكمه إلا الحقيقة. وبالتالي ليس البقاء ضمن قيود العقائدية السياسية والحزبية سوى الصيغة الملازمة للقبول بعبودية العقل والضمير، أي "الفداء المقدس" للبلادة والغباء وانعدام الضمير الحر.

***

أبو هريرة الدوسي

كان اسمه قبل الإسلام عبد شمس بن صخر. واسماه النبي محمد بعد إسلامه عبد الرحمن بن صخر الدوسي. توفي عام 57 للهجرة بعد أن بلغ من العمر 78 عاما قضى اغلبها في دهاليز التحول الهائل الذي أحدثه الإسلام في المصير التاريخي للعرب والدولة والثقافة.

من مفارقات شخصيته تأثيره الهائل في صنع تقاليد "السنّة" مع فقدانه المفزع للعقل والمعرفة. وهي المفارقة الكامنة والفاعلة في استعداده لوضع الحديث والكذب فيه. لكنها شخصية لا تخلو من طرافة وأصالة. ففي كنيته نتلمس بعض الأبعاد الأخلاقية والإنسانية الرقيقة. فمن عطفه على هرة كان يحملها معه عندما كان يرعى الغنم، بحيث يضعها في الليل في الشجر ويصحبها معه في النهار إشارة ودلالة على رقة القلب وبساطة الاقتراب من الطبيعة. وهي مكونات جميلة فيما لو بقيت ضمن أصولها، أي رعي الغنم والارتماء في وديان اليمن وصحاريها. بينما أدى انتصار الإسلام وصيرورة الدولة وارتمائه في أحظان السلطة إلى انقلاب عاصف في مصيره الشخصي والتاريخي والثقافي. وغرابة أبو هريرة الدوسي تقوم في بقاء عبد شمس الأول فاعلا في شخصيته الفعلية. من هنا "ارتقاءه" سلّم "الصحابة" بفقره وروايته للحديث، واستهجان التاريخ العقلي لابتذاله الكلي.

وضمن هذا السياق يصبح حافز إسلامه الأول مثيرا للجدل. بمعنى يصعب تحديده بمعايير الروح. كما انه ليس نتاج معاناة محكومة بإحساس المشاعر الإنسانية الكبرى أو الأخلاقية العميقة أو المعرفة المجردة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار عامل الجوع والرغبة الصادقة في محبة الأكل والشرب، التي لازمته مدى الحياة بحيث جعل منها "فضيلة" يتبجح بها بما في ذلك في الدعاء(!)، عند ذاك يصبح احتمال المنفعة الشخصية الضيقة عاملا حاسما في الانتقال من اليمن إلى المدينة، ومن الوثنية إلى الإسلام.

فقد قدم المدينة في السنة السابعة للهجرة، أي بعد معركة خيبر. وتنسب إليه الكلمات الموثقة عن جوعه الدائم وانتمائه إلى "أهل الصفة". دون أن يرتقي لاحقا إلى مصاف "النخبة الروحية". وذلك بسبب الهوة الكامنة في شخصيته، التي جعلته في آن واحد احد المصادر الكبرى لنقل ووضع الحديث النبوي. إذ ينسب إليه حوالي 5374 حديثا نبويا، مع انه لم يعايش النبي محمد سوى عام واحد وتسعة أشهر. وفي رواية أخرى ثلاثة أعوام. وقد اثار هذا الكمّ من الاحاديث شكوك وانتقاد الكثير من الصحابة آنذاك. بحيث نرى صدى ذلك في العبارة المنسوبة إليه، التي يوردها البخاري ومسلم، القائلة "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي. إني كنت امرأ مسكينا صحبت النبي على بطني. وكان المهاجرون تشغلهم التجارة في الأسواق. وكانت الأنصار يشغلهم القيام على جمع أموالهم. فحضرت من النبي مجلسا فقال:"من بسط رداءه حتى اقضي مقالتي ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئا سمعه مني". فبسطت ردائي حتى قضى حديثه ثم قبضته إلي. فوالذي نفسي بيده، لم انس شيئا سمعته منه". وهو "حديث" مصطنع دون شك، مهمته إضفاء صفة الوحيد القادر على حفظ الحديث النبوي والأكثر أمانة وصدقا وقربا من كل ذلك الرعيل الذي عايش النبي على امتداد عقود من الزمن، وكوّن الأساس الاجتماعي والأخلاقي والروحي والفكري أيضا للعقيدة الإسلامية. وليس مصادفة أن يصنع أبو هريرة حديث متمم بهذا الصدد يتكلم عن نفسه وسؤاله للنبي محمد قائلا:

-        يا رسول الله! من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟

-        لقد ظننت يا أبا هريرة انه لا يسألني عن هذا الحديث احد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث! اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله خالصا قلبه".

والقضية هنا ليست فقط في عدم تبلور فكرة ومصطلح "الحديث" في كلام النبي آنذاك، بل وفي الصيغة الجريئة "لابتداع" مختلف النماذج الكاذبة.

إذ لم يكن أبو هريرة شخصية لها وزنها زمن أبي بكر وعمر. وإذا كان عمر بن الخطاب قد عينه لولاية البحرين عام 21 للهجرة فانه عزله عام 23 واخذ منه ما سرقه من أموال تقدر بعشرة آلاف. غير أن الأمر اختلف زمن عثمان وأصبح من المقربين لآل العاص والأمويين بشكل عام. ووضع جملة من الأحاديث لعثمان مثل (عثمان خليلي) و(عثمان تستحي منه الملائكة) (عثمان رفيقي في الجنة) (وعثمان من أشبه أصحابي بي خلقا). ثم خمل زمن علي وبداية الحرب، لكنه استعاد نشاطه زمن معاوية. ووضع لمعاوية أحاديث غريبة مثل (إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة أنا وجبرائيل ومعاوية) و(ناول النبي معاوية سهما وقال له:خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة)

كما وضع أحاديث كثيرة في فضائل أبي بكر وعمر مهمتها طمأنة الأموية في صراعها مع "ذكرى" الإمام علي وذاكرته في الوعي الاجتماعي والتاريخي العربي الإسلامي. إضافة لذلك كان اغلب وضعه الحديث يفتقد إلى الذاكرة الحسنة والذكرى المناسبة. من هنا خلط الأحداث وربطها بطريقة لا تتطابق مع الواقع أو لا تستجيب مع حياته، مثل نقله الأحاديث (بوصفه مشاركا) لأحداث جرت قبل إسلامه بسنوات طويلة. وهي عادة أو ظاهرة برزت معالمها الأولية منذ وقت مبكر. من هنا نرى عمر ابن الخطاب نهاه وينهره عن الحديث. وكذّبته عائشة وعلي وكثير من الصحابة. وليس مصادفة أن يكون احد أكثر المقربين إلى معاوية والأموية حتى موته. وذلك لاستعداده الفطري على نقل مختلف الأقوال والأحاديث أو تسطيرها بوصفها جزء مما يمكن دعوته بآلية النقل البليدة.

فقد كان أبو هريرة نموذجا للنقال العادي. وليس مصادفة أن يكون ممرا لنقل الإسرائيليات والأفكار الحشوية المميزة للذهنية اليهودية وأساطيرها التي كان يبشر بها كعب الأحبار. وهي ظاهرة تتعارض مع تقليدية الرؤية الإسلامية ومعاييرها الخاصة التي استغربت أن يكون تابعي (كعب الأحبار) مصدرا لصحابي (أبو هريرة). مع انه لا غرابة في الأمر. فالفرق الزمني بين أبو هريرة وكعب الأحبار في اعتناق الإسلام ليس كبيرا. فالأول التحق بالمدينة عام 7 للهجرة، بينما الثاني زمن عمر بن الخطاب، ويقال زمن خلافة أبي بكر. وهو الأقرب. وذلك لما له من حظوة كبيرة نسبية عند عمر بن الخطاب زمن خلافته. ولا يعقل تقربه بهذه السرعة في غضون أيام وأشهر في مرحلة تتصف بالديناميكية العالية. ولعل سفره مع عمر إلى القدس واستشارته في بعض المواقف المهمة دليل على ذلك. ومهما يكن من أمر هذه القضية، فان تحول كعب الأحبار إلى مصدر من مصادر "الحديث" عبر أبو هريرة يشير أولا وقبل كل شيء إلى شخصية أبي هريرة الهشة. ومن الممكن هنا الأخذ بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية المشتركة، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية. غير أن "ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود جعلت منه قوة قادرة على التأثير والقبول. من هنا اخذ أبو هريرة جملة الأفكار الأسطورية لليهودية. وهو مؤشر عما في شخصيته من استعداد للنقل دون تمحيص وروية. بحث يمكن اعتباره نموذجا لحمار النقل. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل وكيف يقول. لان الشيء الوحيد الذي كان يمتلكه هو "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء. وهي صفة جعلته مناسبا ومقبولا ومحببا للأموية حتى موته.

***

 

ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4190 المصادف: 2018-02-24 13:46:14