دراسات وبحوث

شخصيات وأفكار وقيم من التراث: عامر الشعبي

ميثم الجنابيهو عامر بن شراحيل. توفي عام 105 للهجرة. بلغ حسب البعض الثانية والثمانين. بينما قال الواقدي بان الشعبي مات عن سبع وسبعين سنة. ذلك يعني انه إلى جانب من قال بان ولادته كانت عام 28 للهجرة. وهو الأدق. كانت أمه من سبي جلولاء. وقد ولد ضئيلا نحيفا مع أخ له توأما. من هنا قوله مازحا "إني زوحمت في الرحم"! وهي صفة ظلت تلازمه مدى الحياة. بحيث نراه مرة يرد على رجل مغفل لقاه وهو يمشي مع امرأة. فسأله الرجل:

- أيكما الشعبي؟

- هذه!

بينما نراه يرد على سؤال رجل:

- ما اسم امرأة إبليس؟

- ذاك عرس ما شهدته!

بل ينقل عنه كيف انه وهو في طريقه إلى الشام دخل مسجدا، فوجد رجلا يقص على الناس حكايات من بينها قوله بان لله صورين ينفخ فيها يوم القيامة. وعندما قال له الشعبي بان هذا لا يتفق مع ما في القرآن. فالقرآن يقول (يوم ينفخ في الصور). عند ذاك صاح القصاص: يا هذا! أقول لك لله صوران فتقول صور واحد، استكثرت ذلك على الله؟! وحالما اخذ الناس بالاستعداد لرميه بالحجر، فانه اخذ يصرخ: والله! إن لله سبعين صورا! وهي صورة ظلت منطبعة فيما يبدو في أعماقه بحيث احتل القراء والقصاص موقعا خاصا في مواقفه النقدية. لهذا نراه مرة يرد على قول أولئك الذين استغربوا كثرة مزاحه قائلا: قراء داخل وقراء خارج! نموت من الغم!". وقد واجه هذا "الغم" الهائل بسبب ظروف المرحلة القاهرة القائمة في ضغط الأموية وأصوله الكوفية. فهو الغم الأكبر الذي تقطعت بين أسنانه الحادة شخصية الشعبي، وجعلت منه متنوع المظاهر والبواطن. إذ ينقل لنا احد الأشخاص صورته المزركشة عندما قال "رأيت الشعبي ينشد الشعر في المسجد، وعليه حلة حمراء، وإزارا أصفر". وفي نفس الوقت نقف أمام شخصية هي الأوسع معرفة واطلاعا على التاريخ وأحداثه ورواياته وشعره وأدبه وفقهه، أي كل ذلك الكم الضروري للارتقاء في سلم الثقافة آنذاك. وهو الكم الذي وضع الرجال آنذاك أمام إشكالية الموقف من السلطة. وذلك لما في الأموية من انحراف عن فكرة الحق والشرعية. من هنا هلعها الداخلي من الكلمة والمثقف، تماما بالقدر الذي سعت إلى احتوائهم بالشكل الذي يجعل منهم أدوات في لهوها الفارغ وسهوها السائغ في ذوق الانحطاط.

وقد واجه الشعبي هذه الحالة ودفع ثمنها من خلال جعله متذبذبا متعلقا بين ذاكرته التاريخية وذكراها في التاريخ. وهي حالة تتصف بقدر كبير من الدرامية تعكس دراما ومأساة الكوفة التاريخية والروحية. وذلك لما فيها من تمثل وتمثيل لتقاليد العربية الخالصة والعراقية الأصيلة.

فالشعبي كوفي المنشأ والشخصية. تمثل اغلب معالم الشخصية العراقية في مرحلة القرن التأسيسي للثقافة والدولة الإمبراطورية. وهو تمثل وتمثيل نعثر عليهما في وعيه الذاتي ومصيره الفردي والتاريخي. فنراه مرة يمثل ويتمثل التقاليد العربية عندما يقول "ما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا وقضيت عنه، ولا ضربت مملوكا لي قط، ولا حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر الناس". بينما نرى عراقيته المتنوعة المتسامحة عندما سألوه مرة وهو يسلم على نصراني بعبارة "السلام عليك ورحمة الله"، كيف ذلك أجابهم "أوليس في رحمة الله؟! لولا ذلك لهلك!". وهي الصيغة التي عبر عنها في موقفه من العلاقة العادية بين الناس، عندما قال: "ليس حسن الجوار أن تكف أذاك عن الجار، ولكن حسن الجوار أن تصبر على أذى الجار". وهي العلاقة "المقلوبة" التي تتمثل استعداد الروح الأخلاقي والمعرفي في مواجهة كمية ونوعية الهموم والغيوم الثقيلة للحياة بمختلف مستوياتها وأشكالها. وليس مصادفة فيما يبدو ولعه بالبيت القائل:

ليست الأحلام في حين الرضا   إنما الأحلام في وقت الغضب

وبغض النظر عن أن الشعبي لم يستطع تحقيق هذه الفكرة في مواقفه السياسية لكنه واجه اشد حالاتها مأساوية عندما سحبته دعوات الانتفاض ضد الأموية بالاشتراك في ثورة عبد الرحمن الأشعث ضد الحجاج الثقفي. ولعل جذر هذه الحالة المتناقضة للشعبي تكمن في حساسية المثقف الكبير واستبداد الأموية الأكبر. فالثقافة عشق وقلب كبير، أما الاستبداد فهو فلاة مقفرة. ومهما يكن من أمر هذه المعادلة بالنسبة لوعيه النظري وهاجسه الوجداني، فانه يبقى هو القائل:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى   فأنـت وعيـر بالفـلاة سـواء!

وهي النتيجة المترتبة على ما فيه من رغبة عنيفة في الخروج على صحراء الأموية من خلال الرجوع إلى فلاة العشق الأبدي للكلمة والمعنى. فالتقاليد العربية كلمة ومعنى واثر في الذكرى والذاكرة. وليس مصادفة أن تتماهى شخصيته مع الحفظ والقدرة على توليف ما فيه من اجل الأنس والحقيقة. لهذا نسمعه مرة يقول "إني لأدع اللحم مخافة النسيان". بينما نسمعه يقول في حالة أخرى "ما كتبت سوداء في بيضاء قط. وما سمعت من رجل حديثا قط فأردت أن يعيده عليّ". بمعنى أن تربية الإرادة عنده كانت تعمل بقدر واحد على تهذيب الجسد والروح أو الغريزة والعقل بالشكل الذي يجعلهما يتحدان في البحث عن الحقيقة والمعنى.

ومن الممكن العثور على هذا التوليف في عشرات الشواهد الكبرى التي ميزت مواقفه وإجاباته المغرية. إذ تنقل كتب التاريخ والأدب كيف أتاه رجلان يتفاخران (من بني عامر وبني أسد). والعامري آخذ بيد الاسدي، والأخير يقول "دعني". عندها قال الشعبي: يا أخا عامر دعه! ثم قال للاسدي، انه كان لكم خصال ست لم تكن لأحد من العرب". ثم أخذ يعددها، مثل زواج النبي محمد منهم (زينب بنت جحش) و"رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض" (عكاشة بن محصن)، وأول لواء عقد في الإسلام (لعبد الله بن جحش)، وأول مغنم لهم في الإسلام، وأول من بايع مبايعة الرضوان. وهي إجابة تكشف معرفته الواسعة بالأحداث والتاريخ وقدرته على توظيفها السريع من اجل إيجاد الحلول المقنعة. والاهم من ذلك توظيفها بطريقة تقف ضد هدم الذاكرة والذكرى من خلال بناءها في صرح الاعتدال والمحبة. إذ نعثر على موقفه هذا تجاه مختلف القضايا، مثل أن يقول "البس من الثياب ما لا يزدريك فيه السفهاء ولا يعيبه عليك العلماء". غير أن ذلك لم ينقذه، شأن كل المثقفين الكبار لمرحلة القرن التأسيسي من الحزن الداخلي العميق في لباس المزاح الرقيق. لهذا نسمعه مرة يقول "ما بكيت من زمان إلا بكيت عليه". وهي عبارة تكشف عن البكاء الباطن للشعبي. وبالقدر ذاته تشير إلى الحالة التي أبكاه التاريخ فيها. وليس مصادفة أن يقول عنه الحسن البصري بعد أن وصله خبر موته: "إنا لله وإنا إليه راجعون! أن كان لقديم السن، كثير العلم، وانه لمن الإسلام بمكان". بمعنى جمعه بين عقود المعاناة الكبرى في الحياة والعلم التي جعلت منه شخصية لها وزنها وأثرها التاريخي الهائل في إرساء أسس الثقافة العقلية والدنيوية الإسلامية.

وليس مصادفة أن يجري إدراجه من قبل البعض ضمن احد الثلاثة الكبار إلى جانب ابن عباس وسفيان الثوري، أي كل في زمانه. وقال آخر بهذا الصدد، "كان عمر (بن الخطاب) في زمانه رأس الناس وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعده الشعبي في زمانه". بينما قال البعض عنه "ما رأيت أفقه من الشعبي". وقال آخر "ما رأيت أحدا أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز والآفاق من الشعبي". وقال آخر "ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية منه". بينما قال عنه ابن سيرين "قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة، والصحابة يومئذ كثير". أما الأخطل بعد لقاءه الأول وإياه عند عبد الملك نسمعه يقول له:"يا شعبي! أرفق بي! فانك تغرف من آنية شتى، وأنا اغرف من إناء واحد". كل ذلك جعل الجميع تعترف بان الشعبي كان علامة أهل الكوفة، إماما حافظا متعدد المعارف والفنون. بحيث جعلته هذه الذروة ينظر بازدراء إلى أنصاف المتعلمين! ومن ثم يضع مهمة التعلم السليم، بمعنى بلوغ كمال المعرفة والبقاء ضمن سباق التعلم الدائم. من هنا قوله "العلم أكثر من عدد القطر، فخذ من كل شيء أحسنه". كما نراه يوسع مدى التعلم ويضيق عليه بقدر واحد كما في قوله "لا تتمنعوا العلم أهله فتأثموا، ولا تحدثوا به غير أهله فتأثموا". وهي رؤية مبنية على معاينته ومعايشته ومعاناته مما في العلم من اثر ظاهري وباطني على الشخصية ومواقفها العملية، أي كل ما يضعها على محك الاختبار المحرج أحيانا. من هنا يمكن فهم موقفه عندما صرخ مرة قائلا بعد ان رفض التعليق والإجابة على أسئلة وجهت اليه:"يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! لسنا بفقهاء ولا علماء. ولكنا قوم سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا. إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله". بل نراه يبتدع صورة خيالية لعذاب علماء وثواب آخرين رغم أقولهم المتشابه، انطلاقا من أن بعضهم يعمل بما يقول، بينما الآخر يقول ولا يعمل. من هنا انتقاده اللاذع وسخريته ممن اسماهم بحمقاء القراء. فنراه مرة يقول "عيادة حمقاء القراء على أهل المريض اشد من مرض صاحبهم. يجيئون في غير حينهم، ويجلسون إلى غير وقتهم". في حين نسمعه يرد على رجل قال له:

- إن فلانا عالم.

- ما رأيت عليه بهاء العلم.

- وما بهاؤه؟

- السكينة! إذا علَّم لا يعنف، وإذا عُلّم لا يتأفف.

ونعثر على هذه الرؤية في فكرته القائلة، بان "زين العلم حلم أهله". وهي صفة شاقة زمن الشقاوات أمثال الحجاج. لكنها في الوقت نفسه الحالة المتناقضة التي أجبرته على اختبار الإرادة الفردية وأوقعته في شباك المغامرة السياسية التي يفرضها بصورة خفية وجلية منطق الانتماء إلى عالم الثقافة والروح.

فقد وضعته المعرفة أمام إشكاليات العقل والضمير والإخلاص. من هنا يمكن تحسس الألم في كلماته التي قالها يوما:"وددت إني أنجو منه (العلم) كفافا لا عليّ ولا ليّ". وان يقول في موضع آخر "ليتني لم أتعلم علما قط". وهي حالة قديمة فيما يبدو. وذلك لأنه هرب وأقام في مكة (في كنف ابن الزبير) مدة ثمانية أشهر، كما تنقل بعض الروايات التاريخية من الكوفة زمن سيطرة المختار الثقفي. وبما أن من هربوا كانوا في الأغلب على صلة بالسلطة الأموية، من هنا يمكن توقع تذبذبه بهذا الصدد من بداية نبوغه الفكري وشهرته العلمية. بمعنى انه تحول منذ وقت مبكر إلى فريسة القوى السياسية ورغباتها الغريزية في الاستحواذ عليه. وهو استحواذ كان يحمل في طياته استعداد الشعبي للقبول به. فقد أشار الشعبي نفسه إلى أن الحجاج بعد أن اختبر معارفه عينه عريفا على قومه. وكان عنده "بأحسن منزلة" قبل أن ينضم إلى حركة عبد الرحمن الأشعث. وهو الانتقال الذي أثار حفيظة وغيض الحجاج بحيث استغرب سلوكه وقال بهذا الصدد "ألا تعجبون من هذا الخبيث! أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل". لكنه قبل ذلك، كن قريبا محببا للسلطة الأموية. ومع ذلك جرى العفو عنه، بحيث أصبح من ندماء عبد الملك والمقربين إليه. وتنقل كتب التاريخ كيف أن عبد الملك كتب للحجاج يقول له، بأنه أصاب من الحياة كل لذة، ولم يبق له "إلا مناقلة الإخوان الأحاديث. وقبلك عامر الشعبي، فابعث به إليّ يحدثني". عندها دعاه الحجاج وجهزه، وأطراه في كتابه وبعث به إليه. فخرج الشعبي حتى بلغ دمشق وعبد الملك. وتمتلئ كتب التاريخ باستعراض مختلف الأحاديث بينهما. وبمجملها تكشف عن اقتراب الجسد وتلاقي الثقافة واختلاف المزاج الدفين. وتنقل لنا الروايات كيف انه حالما اختلى به قال له عبد الملك:

- كيف أنت يا شعبي؟

- بخير

وعندما حاول الشعبي تقديم الأعذار عن خروجه على الحجاج وذهابه مع قوات عبد الرحمن الأشعث، فان عبد الملك قال له: مه! فإنا لا نحتاج إلى هذا! ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا! ثم اقبل على الحديث معه. وتنقل لنا الروايات بهذا الصدد نماذج جميلة لما تدعوه العربية بعبارة "الحديث ذو شجون". لكنها تكشف بالقدر نفسه علم ومعارف الشعبي وتفوقه على جميع أقرانه بما في ذلك على الأخطل في مجال المعرفة بالشعر والشعراء. وفي نفس الوقت تكشف عن شخصية عبد الملك الكبيرة ومقدرته المعرفية أيضا على إفحام الشعبي في ميدان الشعر والمقارنة بين شعراءه. عندها قال عبد الملك للشعبي:

- يا شعبي! لعله شق عليك ما سمعته!

- إي والله يا أمير المؤمنين أشد المشقة! إني قد حدثتك فلم أفدك إلا أبيات النابغة في الغلام.

- يا شعبي، إنما أعلمناك هذا، لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق.

يكشف هذا الحوار عما أسميته بالخلاف الدفين. فالشعبي كوفي عراقي، وعبد الملك شامي أموي. وهو تباين آنذاك تحول إلى مشقة بالنسبة للشعبي بسبب ما فيه من ضعف نسبي أمام السلطة، على عكس أو خلاف ما في شخصية الحسن البصري، الذي ظل رغم كل عنفوان الأموية اقوي واشق عليهم من "إفحامه" بجدل الشعر والشعراء. لاسيما وانه الميدان الذي استفحلت فيه الأموية، على عكس ما تجهله في ميدان العقل النظري والعملي. غير أن للشعبي مصيره فيما صارت إليه معارفه. لهذا نراه يحلب الشعر لكي يغذي ريق العجز الفاعل في جسد عبد الملك. فعندما اشتكى من قرب اجله، نرى الشعبي يستجمع كل ما في جعبة الذاكرة من شعر وأحداث ونوادر قادرة على بعث الأمل في روح عبد الملك، الذي تقبل ما يقال له بابتسامة تداري مشاعر الشعبي وانسه إياه لا غير. ومهما كانت نواياهما بهذا الصدد، فان كل منهما أدى دوره على أفضل ما يرام. فقد كان الشعبي ينادمه حتى موته. مما جعل عبد الملك يقول له: "لقد قويت من نفسي بقولك يا عامر، وإني لأجد خفا وما بي من بأس". وأمر له بصلة. وقال له: "اجلس يا شعبي؛ فحدثني ما بينك وبين الليل. فجلس فحدثه حتى أمسى وخرج من عنده، فما أصبح، سمع الواعية في داره! وهو فراق أعاده إلى العراق من جديد متحررا من الاقتراب الخانق من السلطة. لاسيما وان كل ما كان يقوم به يحمل كمون الخطورة التي تتحسس منها الأموية. فالأموية شأن كل استبداد لا شرعية فيه، عادة ما تتحسس من كل احتمال قادر على الارتقاء إلى مستوى المنافسة. ولعل الحادثة المثيرة التي ترويها كتب التاريخ بهذا الصدد عن إرسال عبد الملك إياه إلى ملك الروم نموذجا طريفا بهذا الصدد. فهي تحكي كيف أن ملك الروم أرسل معه رسالة خاصة لعبد الملك. وعندما فضها وقرأ ما فيها قال للشعبي:

- يا شعبي! أتدري ما كتب به إلي ملك الروم؟

- وما كتب به يا أمير المؤمنين؟

- كنت "أتعجب لأهل ديانتك، كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك".

- يا أمير المؤمنين لأنه رآني ولم يرك!

- يا شعبي! إنما أراد أن يغريني بقتلك.

وقد فلت الشعبي من هذا "الإغراء" مرات بسبب الصدفة والحنكة. وفي كلتا الحالتين كان خادمه العلم وقاتله! وذلك لأنه كان يعيش ويرتزق بالعلم. وهو خلط عادة ما يخلط الأمور ويختلط العقل فيه والضمير. وقد يكون خروجه على الحجاج وانضمامه إلى حركة ابن الأشعث من بين أكثرها درامية بهذا الصدد. فقد كان الشعبي كما قال عن نفسه، بأحسن منزلة عند الحجاج قبل أن جاءه قراء أهل الكوفة يخاطبونه، بأنه زعيم قراء الكوفة ومن ثم لابد له من الانضمام إلى حركة المعارضة من اجل القضاء على الأموية. وقد دقت هذه الكلمات على أوتار الكوفية والعراقية الدفينة فيه. بحيث أخرجته إلى صفوف المعارضة واخذ بالوقوف بين الصفين المتقاتلين يذّكر الحجاج ويعيبه بأشياء. وعندما بلغ ذلك الحجاج قال "ألا تعجبون من هذا الخبيث! أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل!". وحالما تعرض جيش الأشعث للهزيمة تحولت حياة الشعبي إلى اختباء وتخفي. وهو شيء صعب كما أن من الصعب أن يبقى ما فيه خفيا! وقد أشار الشعبي نفسه إلى انه بقي تسعة أشهر متخفيا إلى أن جرى إعلان الأمان لكل من يدخل معسكر قتيبة بن مسلم في خراسان. وفي إحدى الأيام عرض خدماته للأمير قائلا:

- أيها الأمير! عندي علم ما تريد

- ومن أنت؟

- أعيذك ألا تسأل عن ذاك

فعرف أني ممن يخفي نفسه، فدعا بكتاب فقال:

- اكتب نسخة

- لا تحتاج إلى ذلك

فجعل يملي عليه حتى فرغ من كتاب الفتح. وهي القصة الطريفة التي يكتشف الحجاج من وراء الرسالة شخصية الشعبي. وإذا برسول الحجاج بكتاب فيه "إذا نظرت في كتابي هذا، فإن صاحب كتابك عامر الشعبي، فإن فاتك، قطعت يدك على رجلك وعزلتك". عندها التفت الأمير إليه وخاطبه قائلا:

- ما عرفتك قبل الساعة! فاذهب حيث شئت من الأرض، فوالله لأحلفن له بكل يمين.

- أيها الأمير إن مثلي لا يخفى.

- أنت أعلم.

عندها بعثه إليه، بعد أن قال لمرافقيه "إذا وصلتم إلى خضراء واسط فقيدوه، ثم أَدخلوه على الحجاج". وهو ما جرى. وعندما وصل إلى باب القصر قال له يزيد بن أبي مسلم:إنا لله يا شعبي لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة! بوء للأمير بالشرك والنفاق على نفسك! فبالحري أن تنجو! ثم لقاه محمد بن الحجاج فقال مثل قولة سابقه يزيد. وحالما وقع نظر الحجاج عليه قال:

- وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر؟!

- أصلح الله الأمير! احزن بنا المنزل، واجدب الجناب، وضاق المسلك، واكتحلني السهر، واستحلسنا الخوف، ودفعنا في خربة خربة، لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء!

- صدق والله! ما بروا في خروجهم علينا، ولا قووا علينا حيث فجروا!

وفي رواية أخرى إن الحجاج استقبله قائلا:

- لا مرحبا ولا أهلا! جئتني ولست في الشرف من قومك، ولا عريفا. ففعلت وفعلت، ثم خرجت عليّ. (والشعبي ساكت، إلى أن قال له الحجاج):

- تكلم!

- أصلح الله الأمير، كل ما قلته حق. ولكنا قد اكتحلنا بعدك السهر، وتحلّسنا الخوف، ولم نكن مع ذلك بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقَنت لي دمي، واستقبلت بي التوبة.

- قد فعلت ذلك.

والنتيجة واحدة. وهي بقاء الشعبي على قيد الحياة. وقد استكملها في الابتعاد عن الصراع السياسي مع السلطة، وتملقها الجزئي، والاحتفاظ بما فيه من طاقة الثقافة الحية التي جعلته أسير تناقضاتها العاصفة. لهذا نراه على سبيل المثال يرد على طلب ابن هبيرة باستعماله على القضاء ومطالبته إياه بمسامرته، "استفردني بواحدة". بمعنى الاستعداد للقبول بواحدة منها فقط. وهو اعتراف من جانب السلطة بكفاءة الشعبي، لكنها تحتوي من حيث وظيفتها وغايتها على محاولة تدجين المثقف الكبير وإخضاعه لها. وهو أمر جلي في طبيعة اختيار السلطة ومحاولاتها استدراج المثقفين الكبار للحصول على تأييد وتزكية أفعالها. إذ تروي لنا كتب التاريخ كيف أن ابن هبيرة، أمير البصرة الأموي، دعا فقهاء أهل البصرة والكوفة والمدينة والشام وقرائها، فجعل يسألهم. بحيث لم يبق من بينهم قادرا على الإجابة المفحمة سوى الشعبي والحسن البصري، أي ممثلي الكوفة والبصرة. وهو تطابق رمزي من حيث الأصل والمظهر والغاية. ففي المدن وشخصياتها يكمن تاريخ الثقافة الحية والمعارضة. وهو أمر جلي فيما استتبعه الإبقاء عليهما فقط من أحداث. فقد قال ابن هبيرة حالما اختلى بهما:

- يا أبا عمرو (الشعبي)، إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة. ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم، فأنا أحب حفظهم، وتعهد ما يصلحهم، مع النصيحة لهم. وقد يبلغني عن أهل العصابة من أهل الديار الأمر، أجد عليهم فيه، فاقبض طائفة من عطائهم، فأضعه في بيت المال، وفي نيتي أن أرده عليهم. فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على هذا النحو، فيكتب إلىّ أن لا ترده! فلا أستطيع رد أمره، ولا إنفاذ كتابه. وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة؟ وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟!

- أصلح الله الأمير، إنما السلطان والد يخطئ ويصيب!

وأعجب هذا الجواب ابن هبيرة. وحمد الله عليه! ثم توجه صوب الحسن البصري، فقال:

- ما تقول يا أبا سعيد؟

عندها اخذ الحسن البصري باسترجاع عبارات ابن هبيرة المذكورة أعلاه ثم أردف معلقا عليها بحديث ينسب للنبي يقول فيه "من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة، حرم الله عليه الجنة". ثم أضاف قائلا:"حق الله ألزم من حق أمير المؤمنين. والله أحق أن يطاع، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به، وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه! يا ابن هبيرة! أتق الله! فأنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين، يزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك. فدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك، وتنزل على عملك. يا ابن هبيرة! إن الله ليمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله! وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه، الذي لا يرد عن القوم المجرمين".

- أرجع عن ظلمك أيها الشيخ! فإن أمير المؤمنين صاحب العلم، وصاحب الحكم، وصاحب الفضل، وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة، لعلمه به، وما يعلمه من فضله ونيته.

- يا ابن هبيرة! الحساب من ورائك، سوط بسوط، وغضب بغضب، والله بالمرصاد. يا ابن هبيرة! إنك إن تلق من ينصح لك في دينك، ويحملك على أمر آخرتك، خير من أن تلقى رجلاً يغرك ويمنيك.

فقام ابن هبيرة مستاء من قول الحسن البصري. وعندما خرجا منه قال الشعبي للحسن البصري:

- يا أبا سعيد! أغضبت الأمير وأوغرت صدره، وحرمتنا معروفه وصلته!

- إليك عني يا عامر! يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة!! أتيت شيطاناً من شياطين الأنس تكلمه بهواه، وتقاربه في رأيه. ويحك يا عامر! هلا اتقيت، إن سئلت فصدقت، أو سكت فسلمت.

- يا أبا سعيد، قد قلتها وأنا أعلم ما فيها!

- فذاك أعظم في الحجة عليك، وأشد في التبعة!!

وهي الحادثة التي جعلت الشعبي يقول كلمته الشهيرة عن الحسن البصري:"ما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء، إلا مثل الفرس العربي بين المقارف! وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا". وهو تقييم اختتمه الشعبي بموقف ملتزم قال فيه:"أعاهد الله، أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس، فأحابيه". وقد عايش الشعبي هذه الحالة المتناقضة وعانى منها على امتداد حياته. فقد بقي رغم كل التذبذب العاصف أحيانا تجاه السلطة كوفيا، أي معارضا للأموية. غير أن الميدان الأكبر لمعارضته الفعلية هو مساهمته العميقة في إرساء أسس الثقافة العقلية والتاريخية والأدبية. لكنه إرساء لم يتجذر في منظومة فكرية أو حتى كتاب خاص، بقدر ما كان يقوم في تعلم وجمع الكم الهائل للمعارف المتناثرة والمتنوعة في شخصيته. وبهذا يكون قد قدم البرهان على ما في الإنسان المتعلم من قدرة تضاهي قوة السلطة وجيوشها. ومن ثم وضعه على الدوام أمام محاولات ابتزازها. وهي الحالة التي واجهها الشعبي على امتداد عقود صنعت تناقضاته ومفارقاته ومواقفه النقدية والواقعية تجاه النفس والمجتمع والقيم.

لقد أدت تجاربه المريرة بهذا الصدد إلى بلوغ الرؤية العقلانية والتشدد الأخلاقي، مثل قوله "من كذب على القرآن فقد كذب على الله"، وانه "ما من خطيب يخطب إلا عرضت عليه خطبته". وكشفت هذه التجارب له عما في صعود المثقف الكبير من خطورة كامنة هي عين الامتحان والمحنة، أي كل ما نعثر عليه في موقفه من العلم والعلماء والفقهاء. من هنا نراه مرة يقول "لو أن رجلا سافر من أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبل من عمره ما رأيت سفره ضائعا. ولو سافر في طلب الدنيا أو الشهوات إلى خارج هذا المسجد لرأيت سفره عقوبة وضياعا".

وفي حالة أخرى نراه يحذر من خطورة ادعاء المعرفة. من هنا مطالبته المتعلمين من مغبة الاغترار بالمعرفة الزائفة. لهذا كان يقول "إذا سئلت عما لا تعلم فقل: الله أعلم"، و"لا تقولن لشيء لا تعلمه إني اعلمه". من هنا إعلاءه شأن من اسماهم بالصالحين الأوائل، الذين كان همهم "الإكثار من الحديث". لهذا نراه يقول عن نفسه "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما حدّثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث". بمعنى البقاء ضمن تقاليد القيل والقال. وهي "حصيلة" تعكس أولا وقبل كل شيء مزاجه من تجربته المريرة أكثر مما تعكس حقيقة مواقفه الفكرية والنظرية العامة والخاصة. وذلك لتحسسه وإدراكه ثقل المحنة التي يحمل العلم رغم كونه مفتاح الأمور. بحيث جعله ذلك مرة يقول "ليتني لم أكن علمت من ذا العلم شيئا". وهي أمنية محكومة بصعوبة التمسك بما في العلم من قواعد وقيم، وذلك بفعل محاصرتها الغريزة وهواجسها بلهيب المنطق والحقيقة. إذ عادة ما تضع هذه الحالة الفكر والمثقف في خلاف أو صراع أو تضاد مع السلطة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحصيلة في الفكرة التي بلورها عما اسماه بخصال العلم ومتطلباته. فقد قال بهذا الصدد "إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان - العقل والنسك. فإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك فلن أطلبه. وإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء، فلن أطلبه. فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك". من هنا مطلبه "اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين، فإنهما آفة كل مفتون". لهذا نراه يجيب على سؤال:

- من أين لك كل هذا العلم؟

- بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب!

وهي صفات تراكمت في شخصيته دون أن تحررها من الخطأ والخطيئة، لكنها كانت تصب في تيار الرؤية الواقعية والأخلاقية والاعتدال العقلاني. فعندما سألوه مرة عن قتال أهل العراق وأهل الشام، أجاب:"لا يزالون يظهرون علينا أهل الشام. ذلك بأنهم جهلوا الحق واجتمعوا، وتفرقتم. ولم يكن ليظهر الله أهل فرقة على أهل جماعة أبدا". وفي الوقت الذي يدين فيه فكرة وواقع الغوغاء، لكننا نراه يعثر فيها على فضيلة كبرى عندما قال "نعم الشيء الغوغاء! يسدون السيل، ويطفئون الحريق، ويشاغبون على ولاة السوء!". وهي أفكار واقعية ميزت الكثير من مواقفه، وطبعت اغلبها بمسحة أخلاقية. فعندما سأله احدهم عما ينبغي أن يفعله المرء وهو غير قادر على تقديم الأضحية، أجابه: "لان اتركها وأنا موسر، أحب إلي من أن أتكلفها وأنا معسر".

غير إن توليف الرؤية الواقعية والأخلاقية تجسدت عنده فيما يمكن دعوته بتأمل التجربة التاريخية للدولة والثقافة. ففي معرض تقييمه للتجربة الإسلامية بهذا الصدد نسمعه يقول "تعامل الناس بالدين زمانا طويلا حتى ذهب الدين. ثم تعاشروا بالمروءة حتى ذهبت المروءة. ثم تعاشروا بالحياء زمنا طويلا حتى ذهب الحياء. ثم تعاشروا بالرغبة والرهبة وأظنه سيأتي بعد ذلك ما هو أشد منه". وفي معرض تقييمه اختلاف الناس والفرق، فانه يسعى للتوصل إلى حكم يتضمن قيمة البحث عن الحق. فهو يقول هنا "ما اختلفت امة بعد نبيها إلا اظهر أهل باطلها على أهل حقها". وهي فكرة يمكننا أن نتحسس فيها أيضا تصوراته عما يمكن دعوته بخروج الدولة (الأموية) عن الحق. ووضع هذه الفكرة في موقفه الداعي للاعتدال العقلاني من التاريخ والماضي وصراعاته. من هنا يمكن فهم كلماته عن أن "حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنّة". بينما وجد في اختلاف الناس في مواقفهم من علي وعثمان مقبولة، باستثناء بغضهما. فعندما قالوا له "أصبحت الأمة على أربع فرق: محب لعلي مبغض لعثمان، ومحب لعثمان مبغض لعلي، ومحب لهما، ومبغض لهما. فمن أيها أنت؟ عندها أجابهم "مبغض لباغضهما". وهو موقف يؤسس للاعتدال وليس للخروج على موقف الدفاع الصريح والواضح عن الحق. وقد لا يكون هذا الموقف معزولا عن ضغط الأموية وولاتها في العراق آنذاك، لكنه يميل ضمن ظروف المرحلة إلى الوقوف ضد السياسة الأموية التي جعلت من بغض علي "سنّة"! وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مواقفه الداعية إلى الاعتبار بسياسة عمر بن الخطاب. إذ وجد فيه نموذجا للجماعة من خلال استشارة الناس قبل العمل. إذ نسمعه يقول "إذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف صنع عمر، فان عمر لم يكن يصنع شيئا حتى يشاور". وهو موقف لم يكن معزولا عن معارضته للقياس المتحزب، أو قياس الأهواء. من هنا وقوفه ضد الغلو في الدين والعبادة. بحيث نراه يقول مرة في مخاطبته البعض "إياك والمقايسة في الدين" لكي لا يجري أحلال الحرام وتحريم الحلال. وقد علق بهذا الصدد مرة على هذه المقايسة في حوار حي هو التالي:

- يا هؤلاء! أرأيتم لو قتل الأحنف بن قيس (هو من الشخصيات الجليلة لصدر الإسلام. نموذج للحكمة والحلم والسمو الأخلاقي) وقتل معه صبي أكانت ديتهما سواء؟ أم يفضل الأحنف لعقله وحلمه؟

- بل سواء.

- فليس القياس بشيء!

وهو السبب الذي جعله يقول "إنما هلكتم بأنكم تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس". وهو موقف لا يعارض أو ينفي القياس العقلي السليم، بل "القياس" الخاضع لغلو الأهواء، أو القياس الشكلي الفارغ. ومن نوادره بهذا الصدد، انه أجاب على أسئلة من خلال استشهاده بأقوال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. وعندما قالوا له:

- ما ترى أنت؟

- ما تصنع برأي بعد قولهما؟ إذا أخبرتك برأي فبل عليه!

ولم يقصد هو بذلك تفاهة ما يقول، بقدر ما انه أراد القول بضرورة تمثل تجارب الأسلاف والاعتبار بها استنادا إلى ما فيها من قيمة عقلية وعملية دون أن يعني رفعها إلى مصاف المقدس. انطلاقا من أن العاقل يعتبر بالحكمة وينتجها ويسير بهداها. وهي عملية متراكمة من تجارب الأسلاف وتأمل العقل ووهج الوجدان. وقد وضع ذلك مرة في نادرة طريفة تحكي كيف أن احد الرجال صاد قنبرة. فقالت له:

- ما تريد أن تصنع بي؟

- أذبحك وآكلك!

- ما اشفي من قرم ولا اشبع من جوع! ولكن أعلمك ثلاث خصال خير لك من أكلي. إما واحدة أعلمك وأنا في يدك.والثانية على الجبل. والثالثة على الشجرة.

- هاتي الواحدة!

- لا تلهفن على ما فاتك.

فلما صارت على الجبل قالت:

- لا تصدقن بما لا يكون أن يكون.

فلما صارت على الشجرة، قالت:

- يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين في كل واحدة عشرون مثقالا.

فعض الرجل على شفتيه وتلهف. فقال:

- هاتي الثالثة!

- قد نسيت اثنتين! فكيف أحدثك بالثالثة؟ ألم اقل لك لا تلهفن على ما فاتك؟ ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون؟ أنا وريشي ولحمي ودمي لا أكون عشرين مثقالا!

لقد رجعت القنبرة إلى عالمها، كما عاد الصياد إلى نفسه خالي اليدين ممتلئ بحكمة الوجود. ولم يكن هذا الوجود بالنسبة للشعبي أكثر أو اكبر من عالم صيرورته الثقافية وما أسميته بامتحان ومحنة المثقف في علاقته بالسلطة، ومن خلالها بالماضي والحاضر والمستقبل. وهو الشيء الذي يمكننا لمح بريقه الخاطف أو صداه في النادرة التي وضعها عن الأسد الذي مرض فعاده السباع ما خلا الثعلب. فقال الذئب للأسد:

- أيها الملك مرضت فعادك السباع إلا الثعلب.

- إذا حضر فأعلمني!

وعندما بلغ الخبر الثعلب جاء، فقال له الأسد:

- يا أبا الحصين! عادني السباع كلهم فلم تعدني؟

- بلغني مرض الملك فكنت في طلب الدواء.

- فأي شيء أصبت؟

- قالوا خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج.

فضرب الأسد بمخالبه على ساق الذئب. فأنسلّ الثعلب، وقعد على الطريق. فمر به الذئب والدماء تسيل عليه. فناداه الثعلب قائلا:

- يا صاحب الخف الأحمر! إذا قعدت بعد هذا عند السلطان، فانظر ماذا يخرج من رأسك!

***

ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (2)

  1. عبود الشيخ

الموضوع حساس، ومهم، وجمع المؤلف له ما جعله فريداً، لكنه وقع بتناقض كبير، ففي الوقت الذي أشاد بعبد الملك بن مروان، وجه اتهامات شديدة للأموية، واستبدادها، فهل يوجد حكم ملكي أموي، أو علوي، أو عباسي أو أجنبي غير مستبد، احكامنا المسبقة غير متوازنة تفقدنا دائماً قيمة ما نكتب.

 
  1. ميثم الجنابي

عزيزي عبود الشيخ
بعد التحية
لا باس من ان تعيد قراءة المقال بتأني وضمن سياق الفكرة التي أتناولها. فليس فيه ما يشيد بالخليفة عبد الملك الا فيما يتعلق بجدل المعارف. ففي تاريخ الامم جميعا نعثر على مستبدين ومجرمين وقتلة لا تقل معارفهم في مجال او اختصاص او فن من فنون المعرفة عن رجال المعرفة الكبار. هنا مجرد إقرار بوقائع وحقائق لا غير.
ان تاريخ الخلافة الأموية جزء من تاريخنا القومي والثقافي، شان العباسية والفاطمية وغيرها. ولكل منها مآثره ومساوئه. وهو ليس موضوع المقال والبحث هنا. ومع ذلك فالفرق شاسع من الناحية الثقافية بين العباسية والأموية كأنماط للدولة ولحد ما النظام السياسي والاجتماعي. فقد كانت العباسية امتدادا للأموية في الحكم ونفيا لها بمعايير الثقافة، الاولى عربية قبلية إسلامية، والثانية إسلامية (بالمعنى الثقافي) عربية. من هنا دورها التاريخي في ارساء اسس الثقافة الكونية العربية الاسلامية التي تشكل من حيث الجوهر مصدر الارث الثقافي العربي والإسلامي.
ان مضمون المقال متعلق ليس بهذه القضايا، بل بإشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة، وبالتالي ينبغي قراءته ضمن هذا السياق. والمقال مجرد مقطع صغير جدا من كتابي (الاشباح والارواح- علاقة المثقف بالسلطة) وهو بثلاث مجلدات كبيرة اتناول فيها تاريخ ونماذج هذه العلاقة في الثقافة العربية على امتداد التاريخ العربي منذ نشوء الاسلام حتى نهاية القرن العشرين. والكتاب يحتاج الى اعادة تدقيق وتنقيح وتحقيق. وستنصره حالما انجزه بصورته التي وضعتها لنفسي. كما ان الكتاب فلسفي وليس تاريخا للفكر
مع خالص الود

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4270 المصادف: 2018-05-15 13:10:26