 دراسات وبحوث

شخصيات وأفكار وقيم من التراث: محمد بن سيرين البصري

ميثم الجنابيينحدر محمد بن سيرين (ت- 110 للهجرة) من عائلة تمارس مهنة صنع القدور النحاسية. وكان أبوه مولى لأنس بن مالك، بأثر السبي الذي تعرضوا له من إحدى غزوات خالد بن الوليد. وهي مصادفة تحتوي في أعماقها على إمكانية تأثره بمجرى الأحداث السياسية التي عصفت في تاريخ الخلافة. وهو تأثر لا جبرية فيه، لكنه يحتوي بفعل الصعود الهائل للروح والجسد الإسلاميين على إمكانيات عديدة في التأثر بمجرياته. وقد وجد ذلك سبيله الى مخيال محمد بن سيرين بحيث جعل منه أولى الشخصيات الإسلامية الكبرى في إبداع الصيغ الواقعية لعالم الخيال، أي "احترافه" تفسير الأحلام واستعداده الكبير لتأويلها. وهي حالة لم تكن معزولة فيما يبدو من فورة النفس الثقافية التي انهمكت بتفسير كل ما يجري من أحداث. وإذا كان أغلبية الصحابة والتابعين، بوصفهم مثقفي الأمة الكبار منهمكين في أحداث "الساعة" وتحديد مواقفهم من مجرياتها إضافة الى الغوص في بواطن النفس الأخلاقية واللاهوت المتبختر في معترك القوى واحترابها العنيف، فان ابن سيرين طاف على أمواج العوام والخواص في أحلامهم.

فهو العالم الجديد الذي أبدع فيه ابن سيرين رؤية الثقافة الإسلامية الصاعدة وتمثل احد نماذجها لجميلة. وليس اعتباطا أن يجمع في ذاته لقب التابعي الجليل وإمام عصره في تفسير الأحلام. بعبارة خري، لقد جعل ابن سيرين من أحلام الناس عينة تأويله المعرفي. فهو لم يخضع الأحلام في تفسيره إياها الى قواعد ثابتة وعقيدة ثابتة، بقدر ما انه أخضعها لما يمكن دعوته لمبدأ الظن العقلي والاجتهاد النسبي والغاية الأخلاقية. بمعنى أن شاغله هنا لم يكن بناء منظومة قائمة بحد ذاتها في تفسير الأحلام، بقدر ما كان يقوم في مجارة الأمة في أحلامها اليومية من اجل بناء أحلامها الواقية من رذيلة الانسياق وراء الغريزة والابتذال المادي والمعنوي.

فقد كان تفسيره للأحلام وثيق الارتباط اجتهاده الشخصي في ميدان الفقه والتفسير والحديث. بمعنى أن الصيغ المتنوعة لتفسيره للأحلام وثيق الارتباط بما جمعته التجربة الثقافية الإسلامية. من هنا الثقل النسبي للقرآن في تفسير الأحلام. وهو ارتباط لا علاقة له باللاهوت، بقدر ما انه كان الصيغة الأولية لتمركز "الكتاب" في الوعي الثقافي. إضافة الى ما فيه من قيمة متسامية بالنسبة لوعي الصحابة والتابعين والأمة، أي للخواص والعوام.

بمعنى أن تفسيره للأحلام كان إحدى الصيغ الثقافية الأولية في الموقف من النفس وتجاربها الحياتية وآمالها ورغباتها ومعاناتها، أي مختلف تجارب الوعي الباطن. وهي تجارب سوف تضعها الثقافة الإسلامية اللاحقة، ضمن سياق فكرة الفراسة. وسوف تعطي مختلف الاتجاهات رؤى مختلفة عنها لكنها تشترك في إعلاء شأنها بوصفها إحدى خصال الإيمان. وفيما لو جرى وضع هذه العبارة ضمن سياق الرؤية العقلية والمعاصرة، فإنها كانت تشير الى قيمة الحدس والرؤية النقدية في الموقف من الأشياء والأشخاص والأفكار بوصفها "هبة إلهية"، أي قيمة عليا في الإنسان.

وضمن هذا السياق يمكن اعتبار ابن سيرين احد مؤسسي فكرة وقيمة الفراسة الثقافية عندما جعل من الأحلام، أي تيار الباطن الملهم لمختلف أصناف التأويل، موضوع وميدان إبداعه الفكري. من هنا مبدأ ابن سيرين في مواقفه من تفسير الأحلام عندما كان يشدد على أن ما يقوله بهذا الصدد هو مجرد ظنون، أي اجتهاد عقلي خاص. من هنا قوله "إنما أجيب بالظن. والظن يخطئ ويصيب".. لهذا كان يتردد في الإجابة على أسئلة الناس من اجل تفسير أحلامهم، لكنه كان يجيب المتسائل قائلا "اتق الله وأحسن في اليقظة. فانه لا يضرك ما رأيت في المنام".

غير أن إجاباته كانت تحتوي أيضا على عقيدته المتنامية في شخصيته وتجاربها الحياتية، أي الجمع بين البساطة والموقف الأخلاقي المتسامي. إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير ملامحه الشخصية بعبارات تقول، بأنه كان قصيرا بدينا، مصابا بالصمم، طيب المزاج والمرح، رفيع الأخلاق. وليس مصادفة أن يجري استغلال هذه الصفات بحيث جرى وضع تفاسير للأحلام على لسانه يقل بها. وهي الحالة التي لحظها الذهبي عندما قال، بان "ابن سيرين جاء في التعبير بعجائب يطول ذكرها، وكان له في ذلك تأييد الهي. غير أن ليس كل ما ينسب إليه يصح عنه". وهو تقييم دقيق. وذلك لان اغلب تفاسيره كانت تسير صوب إلزام النفس بقيم الخير. وليس مصادفة أن ترفعه الثقافة الى مصاف الشخصية الجليلة ولكن بمعايير الرؤية الحسية والواقعية، بمعنى تخليصه من عبارات اللاهوت المفرطة بطابعها التقليدي الجاف. كما نراه على سبيل المثال في العبارات التي قيلت عنه مثل "كان ابن سيرين إذا حدّث كأنه يتقي شيا أو يحذر شيئا"، وانه "ما رأيت رجلا افقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين"، وانه "كان إذا سئل عن شيء في قضايا الحلال والحرام يتغير لونه ويتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان"، و"كنا إذا نتذاكر معه الموت يتغير لونه ويصفر وكأنه ليس بالذي كان" وان ابن سيرين "كان إذا ذكر الموت مات كل عضو فيه". وهي صور تكشف عما فيه من وحدة داخلية تتزاوج فيها الواقعية والسمو الأخلاقي. بحيث ارتقت وحدة المعرفة والموت الى مصاف البؤرة الشخصية في الموقف من النفس والآخرين والأحداث.

بعبارة أخرى، لقد أصبحت المعرفة والموت عنده شيئا واحدا لأنهما يضعان المرء أمام المهمة الأصعب. فالمعرفة بالنسبة له ليست لهوا، كما أن المعرفة هي المهمة الأعقد بالنسبة لفراسة الروح العاملة بمعايير الصواب والخطأ. وبالتالي، فان إقراره بفكرة أن الاجتهاد ظن، لم يغير من قيمة الالتزام الأخلاقي بنتائجه التي عادة ما تجعل من الخطأ شيئا اقرب إلى الخطيئة في ضمير المثقف الكبير. لهذا قيل عنه بأنه "لم يعرض له أمران في دينه إلا اخذ بأوثقهما"، وانه "كان إذا ذكروا عنده رجلا بسيئة فانه يذكره بأحسن ما يعلم". من هنا قوله "ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوء ما تعلم وتكتم خيره". وهو مبدأ حدد مواقفه الشخصية. إذ ينقل عنه، بأنه كان إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه تخشعا لها. في حين نراه بصورة مغايرة ومكملة عندما أرسل عليه ابن هبيرة والي العراق. فنسمع يجيب على سؤال ابن هبيرة بعد أن دخل عليه:

- كيف تركت أهل مصرك؟

- تركتهم والظلم فيهم فاش!

- وماذا رأيت منذ قربت من بابنا؟

- رأيت ظلما فاشيا!

وعندما غمزه ابن أخيه، التفت إليه ابن سيرين قائلا:"إنك لست تسأل، إنما اسأل أنا"! وفي نفس الوقت كان معروفا عنه، كونه حالما يدخل الى وليمة عرس وأمثالها، فانه كان يقول:

- اسقوني شربة سويق!

- يا أبا بكر أنت تذهب الى الوليمة أو العرس تشرب سويقا؟!

- إني اكره أن احمل حد جوعي على طعام الناس.

وهي مكونات تعكس شخصيته التي يمكن تأطير حجمها بالنسبة للثقافة آنذاك في توليفه وحدة المكونات الواقعية والنقدية تجاه النفس والعالم، التي وجدت تعبيرها الجميل في تفسير الأحلام. من هنا عدم خلوها من الطرافة أيضا شأن كل نفس نبيلة. وقدم الكثير من النماذج المثيرة لتسلية النفس وانقداح شرارة وهجها المتفائل. فعندما قال له احد الأشخاص بأنه رأى وكأن لحيته بلغت سرته، أجابه "أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران!". وعندما قال له رجل بأنه رأى في منامه كأنه يطير بين السماء والأرض، أجابه "أراك تكثر الأماني!". بينما نراه يفسر ما ينسب الى الحجاج الثقفي من نادرة تقول، بأنه كتب الى مالكه عبد الملك، يخبره بأنه رأى في منامه كأن حوريتان أتتاه، فاخذ إحداهما وفاتته الأخرى، فأجابه عبد الملك "هنيئا لك يا أبا محمد!". وعندما بلغ ذلك ابن سيرين، قال "اخطأ! هذه فتنتان! يدرك إحداهما وتفوته الأخرى".

***

ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4273 المصادف: 2018-05-18 13:35:01