 دراسات وبحوث

حديث الولاية: الحرية

مجدي ابراهيمبمقتضى التفرقة بين الإرادة في مجال المعرفة والإرادة في مجال العلم، نستطيع القول بأن الإرادة في ذاتها شيء، وإدراك الإرادة شيء آخر؛ فجميعُ ما يمكن أن يدركه الإنسان قد يدركه بفعل العلم لا بفعل الإرادة العارفة. ضرورية إذن هذه التفرقة؛ إذْ أن فعل العلم بعيد عن "التحقيق"؛ لأن علمك بالشيء غير تحققك به. العلمُ بالشيء شيء يختلف عن المعرفة به، إذا كانت المعرفة تستلزم إدراكاً موصوفاً بالتَّحَقُّق. قد تعلم الفضيلة مثلاً وتعلم عنها الكثير، لكن علمك هذا شيء غير إدراكك لها، وكلمة "إدراك" تعني هنا "التحقق بالمعروف"، فالتحقق طريق (= إدراك) يوصل إلى المعرفة، في حين لا يمكن أن يصل الإنسان عن طريق العلم وحده إلى المعرفة ذات التحقق الفعلي، فمتى يكون الإنسان عالماً، ومتى يكون عارفاً ؟

في الأوَّل؛ عندما يكون الإنسان عالماً ينبغي أن يكون موصوفاً بالعقل والإدراك النظري، بينما إذا هو أتصف بالإدراك السلوكي الفعلي، أي طَبَقَ النَّظَرَ مع العمل، والتحصيل النظري مع الفعل التجريبي، عند ذلك يكون عَارفَاً لا لشيء إلا لأنه قد تحقق، ومعنى كونه قد تحقق أنه عاش التجربة وتذوق حلاوة الحال، وَتَبَيَّنَ من طريق تجربته الحياة الفعلية الموصوفة له من سبيل العلم وكفى، لكنه لما عَاشَ عَرَف، ولما أختبر ذَاق، ولما جَرَّب تحقق، فوصفه تجريب، واختباره تحقيق، وتذوقه مقاساة الحياة الروحيّة شعوراً منه بوجوده الفعلي وحقيقته الأصلية، فهو من هذه الجهة يمكن أن يكون عالماً، لكن علمه هذا ليس إدراكاً من الخارج، وإنما هو معايشة من الباطن. وفي نفس الوقت يكون عارفاً؛ فالمعرفة والعلم يلتقيان عند العارف في ولوج "التحقيق" الفعلي، والممارسة الواقعيّة، ومنازلة "الحالة" الروحيّة. كان قدماء الصوفيّة فرقوا التفرقة نفسها بين العلم والمعرفة، وكانوا من الدقة بحيث لم يكن لديهم خلط على مستوى الفهم بين المعرفة والعلم.

نعم ظهر التمايز لديهم في فوارق الشعور النَّفسي أولاً قبل الفارق اللفظي، وبناءً على هذا التمايز في الشعور استدلوا من طريق الإدراك والتحقق على الفارق المفهمومي والدلالي؛ فها هو الهجويري يقول إن شيوخ الصوفيّة كانوا أطلقوا اسم المعرفة على كل علم متصل بعمل تعبُّدي وحال رَبَّاني إذْ كان حال العبد يدل على علمه، وفي هذه الحالة لا يسمى صاحب الحال عالماً ولكن يسمى "عارفاً". أما اسم العلم فيطلق على كل فن خلىَ من معنى روحاني وعمل تعبُّدي، وعندهم أن صاحب هذه المعرفة لا يسمى عارفاً ولكن يسمى "عالماً"؛ فمن عرف معنى الشيء وحقيقته يسمونه "عارفاً"، ومن ألمَّ بعبارات منطقية وحفظها بدون إدراك حقيقة روحانية، فهو عالم وكفى، عالم بالشيء غير عارف به. العالم قائم بنفسه. والعارف قائم بربه.

لاحظ كلمة "إدراك" حقيقة روحانيّة تلك، تجد الإدراك هو الفيصل في التفرقة بين حال العالم وحال العارف. ومن هنا قال الغزالي في منهاج العابدين: العلم كرؤية النار مثلاً، والمعرفة كالاصطلاء بها. والمعرفة في عبارة الصوفية هى العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات الله وصفاته.  

تَغْلُبْ على المعرفة الإرادة ولا تغلب الإرادة على العلم؛ فإذا كانت المعرفة تستند إلى "التحقيق" والمعايشة والحياة، كانت تقتضي أن يكون صاحبها مريداً سالكاً، ذوَّاقاً للطريق الذي يمضي فيه على بينة وعلى بصيرة، وكان من اللازم اللازب له في كل حال أن تكون إرادته سابقةً على أفعاله، فهو هنا يفعل الفعل لأنه يريده، ويترك هذا الفعل أو ذَاَكَ؛ لأنه لا يقع تحت إرادته، وجميع الأفعال المتروكة بالنسبة له إذْ ذَاَكَ لا تقع تحت الإرادة الموجَّهة لاختبار السلوك العملي؛ فالمعرفة من هذه الجهة غير العلم، إذا نحن شَرَطْنَا للمعرفة أن تكون الإرادة أحدى مكوناتها الأساسية، ثم شَرَطْنَا تباعاً للإرادة أن تجيء متصفة بأوصاف التحقق الفعلي المرهون بالسلوك المقرون بالفاعلية التي يتحرر فيها المرء من عشوائية الاتجاه بصدد اختيار الأفعال أو تركها، أو بالأحرى يتحرَّر بمقتضى تلك الفاعلية من عشوائية الاختيار.

أما العلم؛ فما هكذا تكون أوْصَافُهُ ولا أشراطه: شأن العلم إدراك عقلي وكفى، يغلب فيه النظر العقلي ولا تغلب فيه الإرادة، كأن تعلم عن الدين كثيراً لكنك في ذاتك لن تصبح مُتَدَيّنَاً ما لم تتحقق بالمعرفة في الدين، يعني يتوافر لك جانب الإرادة القائمة على السلوك العملي، هنالك تخضع العلم للتطبيق، فيجيء التطبيق هو الآخر إدراكاً باطنياً لكل حركة معرفية، وهنالك يمكن لك إدراك ما لا يتسنى لك إدراكه بفعل العقل وحده، ولكن بفعل الإرادة والتحقيق.

إذا تمَّ للمُدْرِكْ مثل هذا الإدراك؛ عَرَفَ من فوره طريق الحرية؛ لأنه كان عَرَفَ ذَاَتَهُ. وطريق الحرية واحد بوحدة "الذات" لا يتغير ولا يتبدل وفق تلك المفاهيم المتقدمة التي تحمل قيماً غير القيم المتعارف عليها ظاهرياً. لا بل هو فوق حدود المفاهيم جميعاً، وفوق قيودها وسدودها وحواجزها.

الحرية هنا فوق المفهوم؛ لأن المفهوم قيد وحد، حاجز هو وَسَدُّ، فإذا كانت قيم الحرية تتعدد بمفاهيم القيم واختلافها وتضاربها أحياناً عند أصحابها، فهى من أجل ذلك قيم وضعية لا تعرف الانفتاح ولكنها تنحصر في المفهوم، وتنحسر في التصور، إذْ لو كانت قيم الحرية مأخوذة مما تقدم: من طريقها المُفْرَد الواضح تحرراً من هوى الإرادة في كل مرغوب فيه، وتحرراً من كل عوائق "الذات" في تحررها لأتفق الجميع على تحديد معنى "القيمة" التي تحدُّ الحرية ولا تدع لمعناها حداً إلا وربطته بالقيمة وأدخلت عليه طريقاً يمكن أن يكون مأخذه سهلاً بمقدار ما يكون سبيله أيسر وغايته في التوجُّه سَمْحَاء.

مشكلة الحرية في بلادنا أنها تختلف باختلاف الأفراد الذين يزعمون لأنفسهم أو يظنون عندها قدراً من التحرر، وهى في الحق الذي لا مرْيَة فيه أنها مكبَّلةٌ بقيود الهوى مقرونة بتحقيق المنفعة الخاصة بالأشخاص بعيداً عن التَّجَرُّد والنزاهة. من أجل ذلك؛ فلن تكون هنالك حرية ما لم يكن هاهنا في الأصل تحرر عن القيود الجُوَّانيَّة المُكَبَّلة برغائب في النفوس مستشرية على غير ما من شأنه أن يكون متوقعاً مما عساه ينحدر في أعماق وعينا بهاته النفوس. إنّ التقديس الذي نتوخَّاه ليس تقديس النفوس ولا الأشخاص ولا الأهواء ولا المنازع الخاصة ولا العقائد ولا الآراء ولا آفات النفس الظلمانية بل هو تقديس "القيمة" في مَظَانَّها ومواطنها، إذا ما كانت القيمة علوية ذات مصدر إلهي، وكانت أهدَافُها مستمدةً مما هو مقدس لا يُمَسُّ بفعل الهوى أو بفعل النزوع الذاتي المعبَّأ بالآفات الشخصية والأوهام الذاتية الأنانية، وكل ثورة على "المقدس"، ذي المصدر الإلهي باسم الحرية إنْ هى إلا عبودية للنفس فيما لا عساه تدرك، عبودية للنفس بكل ما في النفس من آفات وأمراض وأوهام تعيش فيها وتتمثلها حتى الرمق الأخير. وإنْ هى إلا عَمَايَة، أو ضرب من ضروب الظلمة ليس يسعى المرء إلى الخلاص منها وهو مقيد وأسير.

كل ثورة على الوحي النزيه الحر المقدس ما هى إلا خدمة للهوى الفتاك وضلالُ يقود إلى الضلال!. إن فهم المقدس والاجتهاد في الترقي إليه، ومحاولة تأويله واستخراج مراميه ودلالاته، وإبراز أفقه الواسع الرحيب شيء، ثم التحرر منه وإقحام العقل المحدود لنقده - ونقد المقدس لا يستثنى منه عمل العقل!- شيء آخر. كل محاولات التحرر من قداسة المقدس ذي المصدر الإلهي والتي تتم بواسطة بعض العقول المعزولة عن ملابسة جوهر الإيمان وحقيقته الباطنة إنْ هى إلا محاولات باغية من نفوس ظلمانية وقر فيها الضلال حتى منتهاه. وَبَغْي الناس للناس بغير الحق مردود على الناس أنفسهم، إنما هو بَغْيٌ بغير الحق على أنفسهم:" يَأيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلىَ أنفُسِكُم, مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنيَا, ثُمَّ إلينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (يونس: آية 23 .(

تلك المحاولات إنما هى محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس لا العبودية لله، وعبودية النفس عبث فكري فوق كونه اعوجاجاً باطنياً لا يَنمُّ إلا عن قصور في الرؤية وخواء في التفكير والتقدير، مَا إنْ تقرأها وتصبر على قارئتها إلا وتشعر من فورك بالقذارة الفكرية. إنها لأمراض نفسية باطنة لا تزول إلا بزوال أصحابها، إذْ ليس لها علاج؛ لأن صاحبها ليس بجاهل حتى يَعْلم، ولكنه ضال ومنحرف، وغارق إلى أبعد الحدود في الضلالة والانحراف.

لا ريب كانت محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس لا لله؛ وهى من ثمَّ ظلال لها من الأبعاد الذاتية التي تخدم المآرب الشخصية الخاصة الباغية ما من شأنه أن يمنع تحقيق الحرية. وعليه؛ فالحرية الحقيقية لا تعني ممارسة الأهواء والخزعبلات الشخصية ولا القدرة على تنفيذ ما يستطيعه الفرد بغير رقابة داخلية من عصمة الضمير المبْطُون في أعماقه الجُوَّانيَّة، أو حتى رقابة خارجية، والرقابة الخارجية ليست شيئاً على الإطلاق بغير معونة وإمداد الرقابة الداخلية: رقابة الضمير الحي اليقظ ورقابة الفاعلية الروحية. إنما الحرية الحقيقية تعني معرفة الذات، ودوام البحث عن الذات، والقدرة على امتلاك الذات، والتحرر من عبادة الأصنام والأوثان التي نعبد فيها صباح مساء، وكشف أسرار البذرة الإنسانية: السّرِّ الإلهي العجيب في الجوهر الإنساني ثم التحرر من كل شيء يعوقه ويقف حجر عثرة في طريقه؛ وموالاة هذا السّر والعمل على اكتشافه وشهوده في الإنسان هى مهمة الاستبصار الصوفي، ومهمة كل من يواليه ويقتدر عليه. وبهذا وحده تتم الحرية، إذْ يَتم معرفة الوجود الإنساني، ويمكن أن يجيء معه حكم الممارسة حكماً صادقاً وفعالاً ليس يشك فيه مجرب بوجه من الوجوه؛ لأن الحرية تجربة وممارسة قبل أن تكون إطاراً نظرياً وكفى. الإطار النظري بعيدٌ عن التحقيق والمعايشة والحياة لا يشكل من الحرية شيئاً ذا بال، ولا يحقق في الضمير عصمة ولا شعوراً بالتبعة، قد يجيءُ الإطار النظري معرفة سطحية معزولة عن الوجود، ولكن هذا كله على صعيد النظر الذي يخلو من الفاعلية والتطبيق سهل المأخذ قريب المورد تتناوله الإرادة العالمة وكفى، ولكنه يظل بمعزل عن التجريب، ويبقى السؤال قائماً: أين هى الأمانة التي تتوافر في الفرد القادر على حفظ الأمانة بعد تحملها لممارسة فعل الحرية؟!

إنما الحرية تبعة مسئولة تحتاج لفعل الأمانة - كيما تصبح قيمة باقية نافعة ومؤثرة - لتنزيلها من أعلى إلى أسفل، أعني من التجريد النظري وعالم المفاهيم إلى دنيا الواقع الممارس بالتجربة التي تُشَكّله ناهيك عن تنظيرها وتقديرها في مجال الفكر أولاً ثم مجال العمل الواسع والحياة المعاشة ثانياً فهلا كانت هذه الأمانة، وأين هى؟

تكمن الأمانة في الإرادة التي تحقق تلك التبعة المسئولة وممارستها على صعيد النشاط العام وتتمثل في الأخلاق، وتنشَّط بالتربية على "الفعل"، وبالتدريب والتهذيب والتقويم، وبامتلاك عادات الإرادة (التَّعَوِّد، والمران، والدُّرْبَة، والتكرار). من الممكن - لا من المستحيل - أن تجيء الأخلاق مشروطة بالحياة؛ فنحن نقول على الدوام الحياة الأخلاقية ولا نعني بها إلا أن تكون الأخلاق لب لباب الحياة عندنا، أمَا وَقَدْ فَارَقَتْ حياتنا في أخص خواص الإدراك فيها مثل هذه الصفة الأخلاقية، فقد نقع عند ذلك في محظور الوعي ومحظور الفكر والعمل؛ إذْ تَسْقُط كل القيم والدلالات المؤكدة للفعل الحيوي؛ لتصبح الحياة غير جديرة بمعناها، إذا نحن حذفنا منها الجانب الأخلاقي المسئول الكامن في جوهرها: جوهر الأحياء. ولولا وجود هذا الجانب في جوهر الأحياء من الآدميين، ولولا الطرْقُ الدائم على فعاليته التهذيبية في العمل والسلوك، وفي أنماط الإدراك الإنساني على وجه العموم لسقطت منَّا قيم الحياة مجتمعة، إذْ ما قيمة الحياة إذا هى خَلَتْ في الجوهر من الأخلاق؟ ما قيمتها إذا انفعلت فينا جوانبها جميعاً غير جانب واحد منها هو الجانب الأخلاقي؟ ما قيمة الحياة إذا فرضنا أن القوانين التي تحكمها ليست تخضع في الجملة فضلاً عن التفصيل لروابط خلقية؟

الحياة بغير أخلاق لا قيمة لها؛ لأن الأخلاق في أبسط معانيها قرابة إلى سلوك الأحياء هى أنها لابد أن تمارس في بطن الحياة واقعاً معاشاً وفعلاً يقبل الممارسة والتسليك، وليست هى بالفكرة النظرية يُفَارقها السلوك ويغادرها العمل ثم تلوكها الألسنة من بَعْدُ توصيفاً وتنظيراً. وما كان الطابع التنظيري أبداً إلا بمثابة الإطار الخارجي للفكرة الخلقية: الغطاء البَرَّانيِّ والشكل الظاهري الذي يحمله التصور الإنساني المحيط بالأفكار والأقوال حول ما ظهر من العمل فكان مدعاة للتنظير أو ما نقص منه فكان مدعاة للتقويم، لكأنما التنظير أطار خارجي لنواقص العمل ولتوافر العملية النقدية في الناحية النظرية إذا هى لم تسدد في الناحية التطبيقية، إذْ التطبيق أحياناً لا يدع الفرصة سانحة دوماً إلى العلاج: علاج القصور الناشئ في الحركة التهذيبية؛ فينتقل قصور العمل إلى تفكير النظر ليحيطه بالسداد والاكتمال بعد أن كان أصل الحركة التهذيبية فكراً خالصاً وعلماً دائماً، لكن هذا الفكر النظري الخالص أو هذا العلم السطحي الدائم لا وجود له حقيقةً في الواقع الفعلي ما لم يخضع لاستمرارية التهذيب والتطبيق، حينذاك يكشف عن وجوه القوة فيه ووجوه النقص الذي يعتريه. فشأن الأخلاق كشأن التجربة الصوفية: أولها فكرة نظرية. وثانيها: تطبيق وممارسة. وثالثها: حركة فكرية لما كان طُبق بالفعل. فالتطبيق الذي هو بالاصطلاح الفني للقوم يُدْعَي "التسليك" وسط بين محورين؛ أولهما: الفكر الداعي للحركة الفعلية؛ وهذا محور النظر قبل العمل. وثانيهما: الفكر التنظيري الذي يتمخض عن التجربة العملية، وهذا محور النظر بعد العمل، وهو بالطبع يختلف عن المحور الأول؛ لأنه يشرح التجربة ويكادُ يكون مقطوع العلاقة بمحور التنظير الذي يأتي قبل العمل.

فإذا نحن عُدْنَا إلى مقالة شيخنا الجيلاني فيما ذكره عن إذهاب غمِّ القلب نجده تجربة صافية سبقت أقواله وتحقَقَّتْ بعد استشراف: الكلام فيها صادرٌ عمَّا عَسَاهُ يأتي عن المحور الثاني، أعني الفكرة الناشئة عن التجربة العملية الشارحة لحالات الصفاء التي عاشها. وجميع الأفكار التي قالها في مقاله هذا، ليست عن نظر فكري مُجَرَّد نتيجة قراءة وتأمل وكفى، ولكنها بارزة من "فتوح الغيب" كشفاً وشهوداً؛ بفعل التنقية والتصفية، لا بل بفعل التوفيق والاصطفاء، أي بفعل الاختصاص الإلهي، بفعل الحياة الروحية الزاخرة بذوق البصيرة والجهاد الدائم، والإرادة المقصورة على المجاهدة، ثم بالعلم والمعرفة وتحرير الإرادة الدينية عن غَوَاشي الانحراف في المقاصد المطلوبة: تحريرها فيما لو انحرفت هذه الإرادة بوجهتها في وادي الحمقاء.

هكذا تكون التجربة الفاعلة هى المحركة لعبارات القوم إنْ على مستوى التذوق وإنْ على مستوى المقول؛ ومن فيض التجربة تجيء العبارة وَيُفْهَم مدلول الخطاب. أمَا نتذكر قول ابن عطاء الله السكندري:" العبارات قوت العائلة المستمعين. وليس لك إلا ما أنت أكل " (يراجع: شرح الرندي على الحكم العطائية؛ جـ 2, ص 49). غير أنه يَطيب لنا أن نختم حديثنا بحكمة من حكم الإمام الهمام أبي الحسن الشاذلي دفعاً لإنكار المنكرين لهذا الطريق الصافي وتثبيتاً لما قال لهداية المهتدين إليه كيما لا يضيرهم كلام الحانقين، فماذا قال؟ قال:" الناظرُ في قولي معتقداً ومنتقداً، وكل منهما على قسمين: فمعتقدُ يتلفظ به ولا يعقل معناه، ومعتقد يعقل معناه ولفظه، ومنتقد يحرف لفظه ومعناه خسر دنياه وأخراه. ومنتقد يَتَحَرَّر لفظه ومعناه، طوبى له ثم طوبى " (ابن الصَّبَّاغ: دُرَّة الأسرار؛ ص 231). وعندي أنه إنما خَصَّ المنتقد المتحرر للفظ القول ومعناه ولم يخص بالطوبى ذلك المعتقد الذي يعقل المعنى واللفظ؛ لأن كلام المتمكنين جاء لقصد الهداية ولفتح الطريق؛ فإذا حرَّره المنتقد وتحقق من معناه أهتدى من فوره؛ فطوبى له ثم طوبى.

ثم ماذا بعد؟ أليس التصوف، وهو بهذه الخلال؛ يعدُّ بحق العبقرية الدينية في الإسلام ؟

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4292 المصادف: 2018-06-06 05:55:05