دراسات وبحوث

قصة الرحلة (المزعومة) للعائلة المقدسة.. والغرض من اختلاقها!

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (33)

انفرد إنجيل (متى) من بين بقية أقسام العهد الجديد، بإيراد قصة هروب العائلة المقدسة (مريم وزوجها يوسف وابنهما يسوع) الى مصر، هربا من بطش الحاكم (هيرودس) الذي امر بقتل جميع الصبيان في بيت لحم، وحفاظا على حياة الطفل يسوع، وقد أفرد هذا الإنجيل كل الاصحاح الثاني، لسرد تفاصيل تلك القصة.

يعتبر إنجيل (متى) أحد الأناجيل القانونية الأربعة المعترف بها من قبل الكنيسة المسيحية، ويرجح الباحثون المتخصصون زمن كتابته الى فترة 60-65 ميلادية والبعض الآخر يرجح انه كتب في الفترة 80-100 ميلادية، أي أنه تمت كتابته في فترة لا تقل عن ثلاثين عاما بعد رحيل يسوع الناصري على اقرب الاحتمالات.

ويرجح المتخصصون في بحوث العهد الجديد، ان إنجيل (متى) تمت كتابته باللغة العبرية، حيث انه كان موجها الى الشعب اليهودي، على العكس من الأناجيل الثلاثة الاخرى والتي كانت كتابتها باللغة اليونانية، اما بخصوص الشخص او الاشخاص الذين كتبوا هذا الانجيل، فالحال مثل بقية الأناجيل، حيث ظل الكاتب مجهولا، فيما تم لاحقا في أواخر القرن الثاني الميلادي نسبة الأناجيل الى اسماء الاشخاص الذين اصبحت تحمل اسمائهم تحت عنوان :

الإنجيل بحسب (مرقص، متى، لوقا، يوحنا) !

امتاز إنجيل (متى) عن بقية الأناجيل، بمحاولة كاتبه (المجهول) والذي كان يجيد اللغة العبرية (لغة اليهود) بمحاولاته اللافتة والمتكررة في ربط مسيرة حياة يسوع الناصري بنبؤات العهد القديم (الكتاب المقدس لدى اليهود)

وقد مارس من اجل ذلك اساليب مثيرة وجريئة مثل الاجتزاء وتحريف المعنى، بل وصل به الأمر الى اختلاق نبؤات لا وجود لها في نصوص العهد القديم!!...كما أوضحنا ذلك في مقالات سابقة حين تم التطرق الى نبؤات (العذراء) ونبؤات الناصري وكذلك نبؤة (من مصر دعوت ابني).... ولن أعيد تكرار شرح هذا الموضوع مراعاة للاختصار.

ان قصة الرحلة المزعومة للسيدة مريم وزوجها يوسف النجار وابنهما الطفل الرضيع يسوع الى مصر، من ناحية الوثوقية التاريخية، لا تعدو كونها قصة مختلقة، مستندة على خبر متناقض وقائم على كذبة تاريخية مفضوحة، على الرغم من انه قد تم، لاحقا، إعطاء قصة هذه الرحلة المزعومة عنوانا فخما، بإيحاء قداسوي مؤثر (رحلة العائلة المقدسة!)

ويبدو ان المؤسسين الاوائل للديانة المسيحية، قد استشعروا الحرج من غياب المصداقية التاريخية لهذه القصة، فحاولوا ابتكار ادلة وبراهين تضفي على القصة لبوس الوثاقة التاريخية، وإخراجها على انها حقيقة تاريخية ذات مصداقية!

فكان الحل، باختراع أسلوب فذلكي مخادع، يستند الى (حلم) رآه السيد (ثينوفيلس) البابا الثالث والعشرين من بطاركة كنيسة الاسكندرية (376-403 م) حيث روى هذا الشخص عن نفسه أنه بعد صلاة طويلة وتضرع للرب جاءته العذراء في المنام وقصت عليه أنباء رحلتها بالتفصيل وطلبت منه أن يسجل رؤيته لها !!

فكان ان كتب هذا البابا وثيقة (ميمر) التي وثقت مسار وتفاصيل الرحلة استنادا على (الحلم) وبعد 300 عام من حدوثها !!

وبعيدا عن (حلم) السيد (ثينوفيلس) وسرده لمسار ومحطات الرحلة، والتي أصبحت مشروعا سياحيا دينيا، تتربح منه الدول!

وبالرجوع الى نصوص إنجيل (متى) سيكتشف القارئ، وبسهولة، ان هذه الرحلة المزعومة، استندت على كذبة تاريخية سمجة ومفضوحة، حيث ان الكاتب المجهول للانجيل ادعى ان سبب هروب العائلة الى مصر هو اصدار الحاكم (هيرودس)

امرا بقتل جميع الصبيان في مدينة (بيت لحم) من عمر سنتين فما دون، وهذا الادعاء الخطير، لا اصل له، ولم يتم ايراد اي ذكر له في اي مصدر تاريخي، ولا وجود له في السجلات الرومانية المحفوظة والتي وثقت كل الأحداث والأوامر السياسية في الامبراطورية.

والامر الاخر، والاهم، هو ان القصة التي أوردها كاتب انجيل (متى) تتناقض مع سرديات إنجيل (لوقا)!!

فعند قراءة قصة ميلاد يسوع الناصري، في الإنجيليين، ومقارنتهما مع بعضهما، سيكتشف القارئ، ان انجيل (لوقا) يرسم مسارا مختلفا لمسير العائلة، حيث نجدها بعد ولادة الطفل يسوع في بيت لحم، قد ذهبت الى اورشليم ومن ثم توجهت مباشرة الى مدينة الناصرة، وهذا التناقض بالقصة في إنجيلي (متى ولوقا) يستوجب ان تكون عائلة يسوع موجودة في منطقتين مختلفتين ومتباعدتين في الوقت نفسه!!...وقد فصلت الحديث عن هذا التناقض في الحلقة 25 من هذه السلسلة .

وقبل الشروع في ذكر الأسباب التي دعت كاتب إنجيل (متى) إلى اختلاق قصة الرحلة إلى مصر، اجد من الضروري الاشارة الى حقيقة مهمة ومركزية في هذا البحث، وهي ان كاتب هذا الإنجيل، وكذلك بقية كتبة الاناجيل الاخرى، لم يكونوا مؤرخين تاريخيين، ولم يكتبوا نصوصهم لغرض التوثيق التاريخي او ارخنة الاحداث، وانما كانوا أشخاص مؤمنين بعقيدة مستحدثة يحاولون من خلال كتاباتهم إثبات صحة هذه العقيدة لغرض اعطائها صفة المصداقية والقداسة، الأمر الذي يؤدي الى تأكيد صوابية الاعتقاد الجديد، ويسهل عملية جذب واستقطاب اكبر عدد ممكن من الناس الى ذلك المعتقد.

من هنا، نتفهم المحاولات الحثيثة لكاتب إنجيل (متى) والذي كان موجها إلى اليهود ومكتوبا بلغتهم، في ربط الأحداث بنبؤات العهد القديم، من اجل ان يثبت لليهود ان يسوع المسيح، هو الشخص الذي كانت تلك النبؤات تبشر بقدومه، وقد استخدم هذا الكاتب كل الاساليب الملتوية - كما اسلفنا سابقا- من اجل انجاح محاولاته، والتي تهدف بالنهاية الى اقناع اليهود، بما يعتقده الكاتب عن يسوع، بدلا من الاعتقاد السائد لدى السواد الأعظم منهم بأن يسوع الناصري، ما هو الا مدعي آخر للمسيحانية، وقد انكشف زيف ادعائه وكذب دعوته، من خلال نتيجة مصيره البائس والذي انتهى بتعليقه على خشبة اللعنة !

لقد كان اختلاق قصة هروب عائلة يسوع الى مصر، احدى تلك المحاولات التي ابتكرها كاتب الإنجيل، والغرض منها هو ربط أحداث القصة بنصوص وردت في العهد القديم، من اجل اعادة صياغتها وإخراجها بمظهر النبؤة المتحققة في يسوع!

لذلك نجد الكاتب، وبعد ان اختلق كذبة أوامر (هيرودس) بقتل أطفال (بيت لحم) يربط الموضوع بنص من سفر (ارميا)، لا علاقة له بيسوع ولا بولادته، وانما يصف احداث تاريخية سابقة

(صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير راحيل تبكي على اولادها ولا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين)

ونفس الأسلوب المخادع، يكرره كاتب الإنجيل عندما حاول ربط عودة عائلة يسوع من مصر، بنص قام ببتره، واجتزاء قسم منه، لكي يصوره كنبوة تحققت في يسوع!!!

(و كان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني) متى 2/15

بينما النص الأصلي في سفر (يهوشع) يتحدث عن اسرائيل، وليس عن يسوع ولا اي شخص اخر !!

(لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي) سفر يهوشع 11/1

ان القارئ لإنجيل (متى) بتمعن، سيلاحظ طريقة تميز بها كاتب هذا الإنجيل، وكررها بشكل مكثف ومتقصد، وهذه الطريقة تتوضح من خلال أسلوب الكاتب الذي يحاول جاهدا، ان يصنع تطابق واحيانا تشابه بين قصة النبي موسى وقصة يسوع!

وكأنه يريد الايحاء لليهود، الذين توجه بكتابه اليهم، ان شخصية يسوع هي بمثابة موسى الجديد، نظرا لما لشخصية النبي موسى من مكانة مقدسة جدا في الوجدان اليهودي، ومن خلال هذا الربط بين الشخصيتين، أراد الكاتب اقناع اليهود ان يسوع الناصري، ليس مسيحا كاذبا، وإنما هو النبي (الشبيه بموسى) والذي بشر به في سفر التثنية 18 !

من هنا تتضح لنا الاسباب التي دفعت كاتب الإنجيل إلى اختلاق قصة الهروب الى مصر، ليصنع تشابهات اختلقها، تربط بين شخصية موسى وشخصية يسوع….حيث يكون يسوع ناجيا من مجزرة ذبح الأطفال كما نجى موسى !

وكذلك يكون يسوع في مصر، حيث كان موسى، ولم يكتف الكاتب بذلك، وانما نجده يجتهد في اختلاق وفبركة تشابهات اخرى عديدة، مثل ذهاب يسوع الى البرية (الصحراء) وصيامه أربعين يوما، كما صام موسى أيضا، وفي الاصحاح السابع عشر، يخبرنا الكاتب ان يسوع صعد الى جبل (كما صعد موسى للجبل) وهناك حصل حادث التجلي، وحصل ايضا لقاء يسوع بالنبي موسى وإيليا !!

لقد كانت الغاية من اختلاق قصة رحلة العائلة المقدسة، وكذلك فبركة الاحداث الاخرى التي ذكرناها، هي لغرض استدراج اليهود إلى العقيدة الجديدة، واقناعهم ان يسوع الناصري هو النبي الذي بشر به موسى في سفر التثنية

(أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتك مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به) تثنية 18/18

ومن أجل ذلك، حرص الكاتب على فبركة تشابهات مختلقة بين الشخصيتين، ليقنع اليهود أن هذه النبوءة تنطبق على يسوع الناصري، رغم ان النبوءة تتحدث بشكل واضح وصريح على أن ذلك النبي سيكون من اخوة قوم موسى (بني اسرائيل) والذين هم ابناء اسماعيل وكذلك أبناء عيسو (اخوة اسحق) وبقية ابناء ابراهيم، ولا تتحدث عن شخص من أبناء يعقوب (إسرائيل) كما هو الحال مع موسى وقومه اليهود، ولا مع يسوع الناصري والذي هو يهودي ايضا .

 

د.جعفر الحكيم

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الدكتور المحترم حبذا لو تركت الكتابة عن قصص الانجيل فلا تدوخ راسك بقصص تقول عنها انت جنابكم بانها خرافات فان كنت مقتنعا وهذا حقك فبلماذا تدوخ دماغك بسردها حبذا لو اهتميت بقصص القران الكريم والذي تؤمنا انت بانه منزل وتعود فتتحفنا بشروحكم الذكية عن قصص عجيبة مثل سورة مريم القرانية وقصص اهل الكهف وقصة سورة النجم وعشرات القصص التي يحتاج المسلم الى شروحات ذكية من شروحاتك . اهنم اخى العالم الكبير بامور دينك واترك شؤون الاخريين للاخريين فمن كان بيته من زجاج فلا يرمي الاخريين بحجر ارجوا ان يتسع صدرك للانتقاد واسلم للاهلك

This comment was minimized by the moderator on the site

رد الى الاخ صباح الوزير

حضرة الاخ صباح
تحية طيبة

اخي الغالي لا يحق لك ولا لغيرك ان يحدد للاخرين ماذا يكتبون او اي موضوع يبحثون
فهذه مصادرة مرفوضة لحرية الاخرين
البحوث التاريخية للاديان مجال واسع كتب ولازال يكتب فيه علماء وباحثين من مختلف الاديان
في الاسلام مثلا, هناك المستشرقين والذين اغلبهم غير مسلمين كتبوا في مختلف المواضيع الاسلامية, ولم يعترض عليهم احد

اما بالنسبة للحجارة وبيت الزجاج....
اطمأن اخي الغالي...بيتنا حصن منيع ...وانصحك ان لاتستخدم الحجارة...وان تستعمل كل ما عندك من صواريخ وقنابل ومتفجرات !!

سلام ومحبة ونعمة

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الكبير كم تمنيت ان تعود جنابك فتقراء ما بين سطور رسالتي انا اعتقد باني تمنيت ان اكتب لكم شخصيا وما كنت اتمنى ان تكون كتابتي على صفحة مفتوحة للجميع ليس لاني لاا ريد فتح باب للمساجلات الكلامية التي لن تنفعنا اليوم ونحن نسير في اخطر طريق وعلى اعقد مسارات الوطن انا اعتقد بان جنابكم باحث متمكن ولكم باع طويل في مجالات قد تبدوا ان الاديان وابحائها جزء من تخصصكم الفكري وحبذا لو ارسلت لي عنوانكم البريدي لكي يكون بيننا حوار حقيقي تفهم فكرى وافهم مقدرتكم الممتازة عنواني البريدي هو wazir.sabah@yahoo.com تقبل احتراماتي وتقديري وثق باني لاالقي حجارة على احد ولا اقبل بمصادرة حرية الفكر لاي شخص لاعتقادي الراسخ باننا خلقنا جميعا احرار وان الحرية هي هبة الخالق للمخلوق من خلال العقل هبة الله للانسان اكرر احترامي واجوا التواصل

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4326 المصادف: 2018-07-10 02:21:04