 دراسات وبحوث

مساهمة في التفسير السياسي للظاهرة الصوفية

مقدمة: هذه أفكار أرَدنا بها المساهمة في تفسير العلاقة المعقدة التي وَصَلت بين التصوف، كظاهرة روحية، وبين الواقع السياسي (وبضمنه الإجتماعي والإقتصادي) وذلك من خلال تتبع ثلاثة مَسارات، أولها المسار التاريخي، وثانيها المسار الفكري، وثالثهما: المسار الصوفي، بوصف هذه المسارات تمثل خطوطاً متوازية هي نتاج التفاعل بين الفكر والواقع، وبكلمة أخرى فإن هدف هذه الورقة هو توجيه نظرة جديدة إلى الفكر الصوفي تضعه بين غيره من العلوم التاريخية وليدة التفاعل بين الفكرة والواقع، وليس فكراً مجرداً تأملياً هائماً.

أولاً: نظرة في تطور الواقع السياسي للدولة الإسلامية

1-  بدأ المجتمع حياته السياسية حراً

كانت المجتمعات الإسلامية في أول نشوء الدولة مجتمعات حرة، تعترف للفرد منه بحقوق كثيرة، أهمها حرية تقرير السياسة ونقدها، والوقوف ضدها، وحرية التعلم، وحرية التفكير عموماً.. الخ، وكانت هذه الحرية من صفات المجتعات القَبَلية السابقة، الذي هو أقرب بطبيعة الحال إلى مجتمع الإنسان البدائي الأول، واعترافه بفرديه، بطابع من الفوضوية القديمة. 

2-  الحرية السياسية تؤدي إلى الثورة الدائمة على الواقع، ولا تعترف بأية قيمة مطلقة له

ولم يكن المجتمع يعترف لذلك بوجود أية سلطة مطلقة، ولا بأية قيمة مطلقة، ولم يكن يستطيع- بحكم حريته شبه التامة- أن يرى في الواقع أمراً مفروضاً، أو حقيقة مطلقة (يُضطر) إلى قبولها، فكان دائم الثورة على السلطة، وهذا ما يفسر الثورات العديدة التي قامت في القرن الأول للهجرة. لقد كانت نظرته إلى الواقع أنه أمر متغير، نِسبي، وأن الواقع لا يمكن أن يكون ثابتاً، ولهذا فإنه لا يمكن أن يطابق الحقيقة، ولا يمكن أن يكون هو نفسه حقيقة، ذلك أن الحقيقة- على نقيضه- مطلقة لا تتغير.

3-  تطور الدولة وتعقدها التدريجي أدى إلى فقدان المجتمع حريته الأولى

أدى تطور الدولة وتنوع مهامها ونموها إلى زيادة إحكام هيمنتها على المجتمع، وذلك بسلبها حريته القديمة تدريجياً، لقاء ما تكفله له من نظام، واستقرار في الملكية، وأمان عام. وبعد أن كان الدين وسيلة للثورة على الدولة في العصر الأموي، اتخذته الدولة، منذ أوائل العصر العباسي، وسيلة لتثبيت سلطانها، وركناً من أركانها، فصار من يخرج على الدولة يُعد خارجاً على الدين، وبعد أن كانت المساجد أماكن للإحتجاج على الدولة، أضحت دور إعلام تابعة لها. وفي القرن الثالث حاولت الدولة (متمثلة في خلافة المأمون) فرض عقائد معينة على المجتمع، وهي التي عرفت بفتنة خلق القرآن. وفي القرن الخامس والسادس ضمت الدولة– وهي ماضية في نموها وتعقدها- العلم إلى جملة وسائلها وأركانها، فأنشأت المدارس، وهيمنت على التدريس، وعلى مناهجه ومصادره (بعد أن كان حراً تماماً)، وهكذا كان المجتمع يفقد حريته السابقة (المتمثلة في نظرته النسبية المتغيرة إلى الواقع، التي تدفعه إلى تغييره) تدريجياً، ليحل محلها الولاء والإيمان بالدولة (المتمثل في نظرته المطلقة للواقع، بوصفه حقاً لا يمكن تغييره).

4-  فقدان المجتمع حريته تدريجياً يقترن بتبريره لواقعه، مهما كان سيئاً، على اساس أنه ضرورة

وهكذا نجد أن الواقع السياسي الإسلامي كان يتغير – بتطور الدولة- من واقع متغير نِسبي، إلى واقع ثابت مطلق، وتغيرت نظرة الناس إلى الحق على أساس أنه أمر يمكن التوصل إليه وتطبيقه في الواقع، طالما تمتع المجتمع بإرادة الاختيار، الحرية، تغيرت إلى أن اعتبار الحق هو الواقع نفسه، وأن المجتمع (مضطر) لقبول ذلك الواقع لأنه حق. ولسوف نرى كيف اعترف الفكر الإسلامي بهذه الضرورة، وكيف أن الفكر الصوفي وقف الموقف نفسه منها، وذلك في مرحلة معينه من مراحل تطورهما.

وعليه فإننا نخلص مما نقدم كله إلى أن تطور الواقع السياسي الإسلامي كان يمثل إنتقالاً تدريجياً من القيم المتغيرة، الحرة، النبية، إلى القيم المثابتة، غير الحرة (الضرورة)، المطلقة.

ثانياً: نظرة في تطور نظرية الحكم، أو الفكر السياسي

1-  بدأ الفكر السياسي- كالواقع السياسي- حراً

كان الفكر السياسي في أول نشوء الدولة الإسلامية فكراً حراً بسيطاً، يرى كل فريق أنه من الممكن الوصول إلى الحقيقة التي ينشدها عن طريق الثورة وتغيير الواقع، وذلك أن الأخير ليس إلاّ واقعاً نسبياً متغيراً بطبيعة زمانه ومكانه، وهذا يفسر كثرة الأحزاب الثائرة، والجماعات السياسية، في أوائل عصر الدولة، حتى ضربت رقماً قياسياً في كثرتها، وتفرعاتها، وانشقاقاتها، وتعدد وجهات نظرها، وهو أمر طبيعي طالما آمن الإنسان بحرية إرادته، وأنه (مُخيَّر) في أن يرضخ للشر، أو أن ينتصر للحق، بمحض إرادته الحرة وحدها.

2-  تطور الدولة الإسلامية اقترن بتطور نظرية عصمة الأمة

لما كان الواقع السياسي الإسلامي – كغيره- دائم الحركة والتغير (للأسباب المذكورة)، وكانت الدولة التي بدأت بالاستقرار والنمو تحتاج إلى واقع ثابت، مستقر، تقوم عليه، وإلى قيم ثابتة مطلقة، تدعم وجودها، ولم يكن في السوابق الإسلامية الأولى ما يمكن أن يكون حقيقة مطلقة (منذ أن نفت الخلافة عن نفسها المعرفة اللاهوتية)، فقد بدأت في التطور تلك الفكرة القديمة القائلة بأن للأمة الحق في تغيير واقعها، إلى نظرية متكاملة مفادها أن الحق يمكن أن يكون دائماً مع الأمة، وطالما كانت الأمة موجودة فعلاً في الواقع، فإن الحق إذن هو الواقع نفسه. وبمعنى آخر، فقد تحولت النظرة المتغيرة، النِسبيّة، للواقع، إلى نظرة إليه بوصفه واقعاً ثابتاً و(حقيقياً)، وهو حق لأنه حدث بإرادة العقل الكلي للأمة (بجميع عقول أفرادها، أي بإجماعها).

وهكذا تكاملت لدينا نظرية (عِصمة إجماع الأمة). ولما كان اجماع الأمة عملياً غير ممكن، فقد كان الإجماع (بمفهومه النظري الواسع) يمثل رضا الأمة عموماً، وهذا الرضا هو من إرادة الله الحتمية، لأنها تمثل حقاً مطلقاً.

بدأت النظرية السياسية الإسلامية تفقد تدريجياً قوة التقرير وتغيير الواقع، إلى أن تصبح مُبرِّرة له ، ومُكرِّسة، ومضى الفقهاء يفسرون كل السوابق السياسية الماضية على أساس أنها تمت بإرادة الأمة وبرضاها، التي هي من إرادة الله المطلقة، وإنما لذلك تمثل (ضرورة حتمية) لا مفر منها، ولا اعتراض عليها إذ (لا اعتراض على حكم الله)، وأمسى ذلك المبنى الجليل من النظم السياسية تسويغاً (بَعدياً)  للوقائع التاريخية السابقة التي أقرها الإجماع.

3-  النظرية السياسية الإسلامية تعترف تدريجياً بالضرورة الحتمية

أمست النظرية السياسية الإسلامية مجرد مبررة لواقع الحكم، واعتراف بضرورته الحتمية، وهذا ما نراه جلياً في فكر الماوَردي السياسي، حين اضطر إلى إكساء كثير من الحوادث السياسية (حتى التي تخالِف الدين) بصبغة دينية مطلقة ثابتة، ولكنه لمّا أعيَته الحِيَل في تبرير إمارة الاستيلاء، وهي تنازل الخلافة عن سلطاتها للأمراء الذين حازوا سلطتهم بالقوة (لأن مخالفتها للخلافة الدينية جليّة) نجده يُقِر صراحة بحكم الضرورة الحتمية إذ يقول (إن الضرورة تُسقِط ما أعوَزَ من شروط المُكنة) منتهياً إلى أن الخوف من الإضرار بالمصالح العامة (السياسية) يُسَوِّغ التخفف من الشروط الدينية، وبمعنى آخر فإنه اعترف بأن للضرورة (من الحق) ما يُسَوِّغ مخالفة القواعد الشرعية.

وهكذا كان تطور الفكر السياسي الإسلامي لأن يكون فكر تبرير (مطلق) لا فكر تقرير، وتغيير (نِسبي)، واعترافه لذلك بالضرورة، وبأحقيتها، بوصفها من إرادة الأمة المستمدَّة من إرادة الله، وبإلغائه التدريجي لإرادة الاختيار الحرة، فكان ذلك كله ما أوقعه في تناقض كبير فيما بعد.

4-  سقوط الحكم الإسلامي يُحدِث فجوة في التفكير السياسي

 

كان للجمود الذي تملك واقع الحكم الإسلامي (وما تضمنه من واقع اجتماعي واقتصادي)، وإيمان الناس بأن واقعهم السيئ ما هو إلاّ حقيقة ثابتة مطلقة، أي أنه إرادة إلهية لا يمكن تغييرها، الدور الأساس في شيخوخة الحكم، وبطء تحركه لمعالجة الأوضاع المادية السيئة، فلما سقط الحكم الإسلامي في المشرق على يد المغول وأعقابهم، وسقط في المغرب على يد القوى الأوربية، وقعت النظرية السياسية في تناقض كبير، فإن الفقهاء الذين كانوا يبررون كل سابقة تاريخية على أساس أنها ضرورة، وهي لذلك من إرادة الله فلا مجال للإعتراض عليها، واجهوا – عند سقوط الحكم الإسلامي على يد غير المسلمين- التناقض الآتي:

كيف يمكن التوفيق بين سقوط حكم الإسلام، وبين أن يكون ذلك السقوط من إرادة الله؟ وكان الجواب أسرع مما يُتَوقع، حيث برّر الفقهاء تخلي الله عن حكم المسلمين بأنه عقاب لهم، وأن مجيء المغول مثلاً لم يكن إلاّ من إرادة الله، وهو لذلك لم يكن إلاّ حقاً، وقد تم برضا الأمة نفسها، التي ترضى بحكم الله (والنصوص التي ترد في أثناء أخبار سقوط بغداد حافلة ومؤيدة لهذى المعنى). وهكذا تطورت النظرية السياسية إلى أن وصلت إلى نقطة فلسفية خطيرة، وهي أن الخير حق والشر (كسقوط الخلافة مثلاً ومآسي الاحتلال) هو أيضاً حق، وكلاهما يمثلان ضرورة أرادها الله، وإذن فلا فرق بين الخير والشر على المستوى السياسي، وإنه مهما يكن في الواقع من شرور وسيئات، فهو حق، لا مجال لتغييره أو تبديله، أو حتى الاعتراض عليه.

لنقف عند هذه النتيجة الخطيرة، وهي تبرير النظرية السياسية الإسلامية للشر بأنه ضرورة حتمية، وأنه حق مطلق، مثله مثل الخير تماماً، لنتتبعها في الفكر الصوفي. 

ثالثاً: نظرة في تطور الفكر الصوفي

يصعب التمييز عند البحث في نشأة التصوف، بينه وبين نشأة الزهد (وقد أدى هذا التشابه في النشأة إلى إرجاع بعض الباحثين، كزكي مبارك، التصوف إلى عهود سابقة)، وإن هذا الاتحاد في البداية يدلنا بوضوح على أن التصوف نشأ كرَدِّ فعل عنيف على الواقع السيئ، ولهذا فقد كان التصوف في المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي يمثل حركة مناوئة للواقع السياسي للمجتمع والدولة، إذ احتقر ذلك الواقع بصراحة، ونادى بأن الحقيقة ليست في ذلك الواقع لأن الحقيقة مطلقة (كل شيئ خلا الله باطل)، بينما ذلك الواقع نسبي، يتغير، ويزول، وأن الدولة لا تمثل الحق، وإنما يستطيع الإنسان الوصول غليه والاتحاد معه بنفسه عن طريق وقوفه ضد الواقع، وتجرده من نوازعه ومغرياته، لذلك فقد كان الفكر الصوفي في عهده الأول- عهد الجُنيد ومعروف والسَقطي والحلاج وغيرهم- يمثل ثورة الإنسان على الواقع الذي يؤمن بحرية إرادته في تغييره، ولذلك وقف النظام السياسي ضد التصوف واضطهد بعض المتصوفة بقسوة بالغة.

وهكذا نجد أن التصوف وقف نفس الموقف الثائر الذي وقفه من قبل الفكر السياسي، في تقريره للواقع، وإيمانه بحرية الإرادة في تغييره.

5- التصوف يسير في نفس مسار الفكر السياسي من قبل فيعترف بالضرورة

وكلما بررت النظرية السياسية الواقع، وعدته ضرورة لا محيص عنها، كان التصوف يأخذ في تطوره نفس المجرى، فمنذ القرن الخامس للهجرة هدأت ثورة الصوفية، وأخذ موقفها من الواقع السيئ يتحول من رد الفعل إلى قبوله وتبريره، فخفتت أصوات من قال بأن الحقيقة المطلقة ليست في الواقع المتغير، وأنه يمكن تغيير الواقع للصول إلى تلك الحقيقة المنشودة، ولم نعد نسمع تلك الأصوات التي دعت إلى نبذ الواقع باعتباره شرا لابد من محاربته بالإرادة الحرة للإنسان، وبدأت تحل محلها أصوات تدعو إلى أن الإنسان مُسَيَّر في إرادة عامة، وهو مضطر لقبولها، وأن ما يحدث في الواقع ليس إلاّ نتيجة لتلك الإرادة، ولذلك فإن الحقيقة تكمن في الواقع ذاته، وفيما أحدثته الأمة عليه من مؤسسات (وبالطبع فإن الدولة أبرزها وأهمها)، وهكذا بدأ الصوفية – هم أيضاً- يضفون الحق على الواقع السياسي ويبررونه بإخلاص مُتناهِ، حتى إذا ما جاءت نهاية القرن السادس للهجرة، كان التصوف قد غدا من أركان حكم الخلفاء، لا سيما الخليفة الناصر لدين الله العباسي، الذي أراد شد مفاصل الدولة به.

إن هذا التكريس الصوفي للواقع هو الذي دفع بصوفية متأخرين إلى إعلان مقاومتهم لمن يريد تغيير النظام السياسي، كما فعل الشعراني مثلاً، بل صار "حفظ النظام ومراعاة المصلحة العامة.. وتحريم الخروج على الإمام" قاعدة من قواعد التصوف المهمة (أحمد زروق: قواعد التصوف).

6- سقوط الحكم الإسلامي يحدث فجوة وتناقض في الفكر الصوفي هو أيضاً

ومثلما أحدث سقوط الحكم الإسلامي فجوة وتناقضاً في بناء النظرية السياسية الإسلامية، أحدث هذا السقوط هزة كبيرة في الفكر الصوفي أيضاً، ذلك أن تبرير الصوفية للواقع باعتباره حقاً، أدى إلى الوقوع في التناقض الآتي: ما دام الواقع السياسي المادي يمثل حقيقة مطلقة، وما دامت هذه الحقيقة هي إرادة الله، فكيف التوفيق بين سقوط هذا الواقع= الحق، وبين أن تكون تلك النهاية من صنع الله؟

ومثلما قدمت النظرية السياسية الجواب السريع على هذا السؤال المحرج، مجتازة ما يثيره من تناقض على ما سبق ذكره، خَطَت النظرية الصوفية الخطوة نفسها، فذهبت إلى أن سقوط الحكم الإسلامي، على ما نتج عنه من شرور، فإنه يمثل إرادة الله، وهو لذلك حق مطلق لا يمكن تغييره والإعتراض عليه. وكما أن الخير ضروري لهذا العالم، فإن الشر ضروري أيضاً، وأن هذه الضرورة حتمية، إذ هي تمثل حقاً مطلقاً، الذي هو الله تعالى، لأنه طالما كان الله نفسه حق، فإن كلاً من الخير والشر يمثل وجهاً من أوجه الله، أي أنهما الله ذاته. وهكذا تبلورت لدينا في هذا الاتجاه نظرية (وحدة الوجود) الذي حمل لواءها ابن عربي، فحين يقول ابن عربي "فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها" يعلم أن من هذه "الأشياء" (في الواقع) ما هو شر، كما أن فيها ما هو خير، وحين يقول "وقد ثبت عند المحققين أنه ما في الوجود إلاّ الله، ونحن وإن كنا موجودين، فإنما كان وجودنا به "يعلم أن من بين هؤلاء"الموجودين" (في الواقع" من هم من الأشرار ومن هم من الأخيار، وهو حينما يتوصل إلى أن "حقيقة الموجودات واحدة"، يعني أنه لا فرق بين الموجودات الخيرة والموجودات الشريرة، فإنها جميعاً تمثل حقيقة مطلقة واحدة، هي الله تعالى.

وبهذا يبرر لنا الصوفي ابن عربي الشر بأنه ضرورة إلهية، وهو لذلك حق مطلق لا سبيل لدفعه، وهو بهذا أيضاً وصل بالنظرية الصوفية إلى المنعطف نفسه الذي وصلت إليها النظرية السياسية الإسلامية.

هذه هي الخطوة الخطيرة التي خطاها ابن عربي في تطوير نظرية (وحدة الوجود) الصوفية، إلاّ أن ابن عربي لم يستطع حل المُعضلة الأخيرة التي تبقَّت نتيجة ذلك التناقض الذي أدى إليه تدهور الواقع السياسي الواضح، وهي: كيفية التوفيق بين نظرية وحدة الوجود التي أنضجتها الظروف التاريخية وصيرتها إلى ما صارت إليه، وبين الفكرة الإلهية القديمة، القائلة بوجود خير قائم بذاته، وشر قائم بذاته، وأن على الإنسان أن يختار بإرادته الحرة (التي سيُحاسَب عليها) بينهما لينال بعدئذ ثوابه إن اختار خيراً، وعقابه إن اختار شراً.

7- التطور الأخير في النظرية الصوفية جاء تبريراً آخر للواقع

كان الانحطاط السريع الذي دَبّ في جسم النظام السياسي الإسلامي في القرنين السابع والثامن للهجرة، يوجِب تبريراً أقوى لأسباب ذلك الانحطاط، وكانت فكرة وجود الجنة والنار، كنتيجة لوجود الخير والشر، وما يوجبان من وجود إرادة اختيار حرة، تشكك دائماً في تبرير الشر على أنه يمثل إرادة إلهية ضرورية مطلقة، لهذا فقد ظهر في الميدان صوفي آخر طوَّر ما تركه ابن عربي من الفكر الصوفي، متوصلاً إلى أنه كما لا يوجد فرق بين الخيروالشر، فإنه لا فرق أيضاً بين نعيم الجنة وعذاب النار، وكان ذلك الصوفي هو الشيخ عبد الكريم الجيلي (المتوفى سنة 832هـ) الذي رفع أكبر مشكلة كانت تعترض القائلين بوحودة الوجود، أعني مشكلة العقاب والثواب، حين ذكر بأن جميع الناس مهتدون، في أحوال الطاعة وفي أحوال العصيان، وقرر بأن الله تعالى يسمى المُضِل كما يسمى الهادي "فالطائع متحقق بصفة الهداية، والعاصي متحقق بصفة الضلال، وكلاهما أمام الحق سواء"، وما إرادتنا المخلوقة – في رأيه- إلاّ "عين إرادة الحق سبحانه وتعالى"، وهي "عين الإرادة القديمة". ويحاول الجيلي جاهداً التوصل إلى أن النار لا تختلف بعذابها عن نعيم الجنة، فمما يقول" إن لأهل النار لذة فيها تشبه لذة المحاربة والمضاربة، وهم عارفون أنهم يتألمون بذلك، ولكن الربوبية الكامنة التي هي النفس تحملهم على خَوض ذلك، ثم أن لهم لذة أخرى تشبه لذة من به جَرَب فيَحُكَّه.. ولهم لذة أخرى تشبه لذة الجاهل المستغني برأيه ولو أخطأ.. الخ" (كتابه: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل).

والواقع أن الجيلي مضطر إلى أن يصل بالنظرية الصوفية إلى هذه النقطة، فهو في تفسيره لعذاب النار على هذا النحو ، فأنه يُوفق بين كون الواقع السياسي (بكل ما فيه من شرور) حقاً مطلقاً، وبين فكرة الثواب والعقاب، ويرفع ما بينهما من تناقض أخير.

خاتمة:

تتضح لنا، مما تقدم، الصلة الوثيقة بين الفكر الصوفي من جهة، وبين الواقع السياسي والفكر السياسي من جهة أخرى، وأنه ليست هناك أية (تجربة روحية) منفصلة عن الواقع، بل أن التصوف كله كان تفاعلاً بين الفكر والواقع السياسي، كل منهما رسم طريق الثاني وحدد اتجاهه، وإن دراسة التصوف كمعرفة تأملية محضة دون دراسة واقعه التاريخي أمر غير مجد.

  

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4407 المصادف: 2018-09-29 12:35:24