 دراسات وبحوث

الإمامة ثانياً

كنا قد إنتهينا إلى القول: - بأن مبدأ الشورى أساسي و لازم من لوازم الإمامة -، والشورى بمعناها العام هي حكومة الشعب التي تكون بالإنتخاب أو الأختيار، والإمامة هي مؤوسسة مسؤولة عن تحقيق العدالة والنظام والقانون بالفعل بين الناس، هي مؤوسسة إجرائية تنفيذية تنحصر مهامها الرئيسية بالعمل في إدارة البلاد عبر المشاركة الجمعية، كما إن لها وظيفة أخلاقية وثقافية في تعميم قيم الحرية والسلام .

وبمقدورنا القول: - إن هذه الأشياء الحيوية أرادها الكتاب المجيد وقصدها وسعى لها عبر دائرة النصوص الحاثة و المرشدة إلى ذلك، وللتنويه والإعلام فقط نقول: إننا قد أعتمدنا في بحثنا هذا وما سبقه من بحوث، على نصوص الكتاب المجيد بإعتبارها المصدر الوحيد والرئيس في التشريع وفي الإجتهاد، وهذا يعني إننا لم نعتنِ بما ورد في كتب الأخبار من روايات وقصص، لقناعة منا راسخة في عدم إعتبار الأخبار حجة يمكننا الإستفادة منها في البناء والتأسيس، وفي هذا ننطلق من علم وتحقيق أشار لنا بوجود ذلك الخلل الواضح فيها من جهة تأريخها وزمنها وسندها ومضمونها، ومن هنا فالأخبار عندنا لا تصح المحاججة بها ولا في إعتمادها كحجة أو دليلاً في إستنباط الأحكام، وأكثر ما يُستفاد من الأخبار هو بالأستئناس بها بشرط صحتها وموافقتها لنصوص الكتاب، كما يمكن الأخذ بها في أدلة السنن من الأخلاق والشمائل !! .

 والحق إن الأخبار أو ما يسمى (بالسُنة) ماهي إلاَّ ظنون لا يمكن جعلها بمصاف االكتاب أو صنو له في عملية الإٍستنباط، ولهذا فهي لا تصلح البتة في عملية الإجتهاد الفقهي ناهيك عن الإجتهاد العلمي والفلسفي، الذي يتطلب الدقة والوثاقة الموضوعية، ومن باب التذكير نقول: - الأصول المعتمدة عندنا في الإستنباط والإجتهاد، هي كتاب الله المجيد والعقل -، الذي هو الدليل الدال على الكتاب، وأما الإجماع: - فليس عندنا بشيء بشقيه، سواء أكان الإجماع المحصل أو المنقول -، والإجماع المُدعى لا يصلح في عملية البحث والإجتهاد، لأن مستنده معلوم وهو الأخبار والتي عندنا لا تفيد إلاَّ الظن والذي لا يغني من الحق شيئا، وقديماً قالها الإمام الصادق: - أعرضوا اخبارنا على كتاب الله، فإن وافقه فخذو به، وإن خالفه فردوه أو إضربوا به عرض الجدار -، هذا هو المعيار وهذا هو الميزان، بالإضافة إلى إشكالية زمن التدوين وطبيعة الرواة وطبيعة النظام السياسي الذي كان سائداً، والأمر نفسه ولو بنحو أخر وجدناه عند الإمام أبي حنيفة الذي لم يصح عنده من الأخبار سوى سبعة عشر، حين بنى مذهبه وأقامه، مع الإشارة: إلى إن الإمام أبوحنيفة كان قريباً نسبياً إلى زمن الرسول عليه السلام، ومع ذلك أعرض جانباً عنها وقال مقولته تلك .

 نحن إذن أمام إشكالية معرفية تلف مجمل تراث المسلمين، ولا يجب القفز عليها متسلحين بالتقليد الأعمى والإيمان السطحي، الذي لا يقوم على دليل وعلم وبرهان، ثم إن - الآبائية - في الفهم مرفوضة ومنبوذة من عند الله ولهذا قال تعالى: - [.. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ...] - البقرة 170، في صيغة الرفض وعدم الإتكاء عليها في الإيمان والإعتقاد، ذلك لأنها سلوك فض وينم عن جمود وتحجر ولذلك فهي مرفوضة، ولأنها أيضاً ضد التدبر الذي دعا إليه الله في قوله: - [ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها] - محمد 24، فعدم التدبر هو مذهب الآبائية وسلوكها في الفهم والتبني، وهو نفسه الذي يقود إلى التقليد الأعمى المنهي منه، ويمنع عن قصد الإجتهاد والبحث والتحقيق .

نعم إن هناك ثمة فئة من الناس أستسلمت للتقليد وآمنت به، وهي لا تتقدم خطوة من أجل التحرر والإنعتاق من هذا التحجر والضيق في النفس وفي الأفق، وشعارها الدائم هو - البقاء أو الإبقاء ما كان على ماكان - .

 وفي بحثنا هذا وكغيره من البحوث السابقة، إنما نعتمد و نلتمس وندعوا للنظر والتعمق من غير هآلات قدسية مزعومة، كما أن حُسن الظن القدري بالمتقدمين لا يعيننا في فهم ما يريده الله والناس منا، فثمة زمن مختلف وثمة إرادة ومُريد مختلف، وإلى ذلك نسترعي الإنتباه ..

 

ونعود للقول: هل المقصود في كتاب الله هو الإمام أم الإمامة ؟

و بحدود علمي القضية تحتاج إلى شيء من التأمل، والقضية لا تعني التفريق بقدر ما تعني العلاقة الزمنية، ومن أجل بيان أكثر سنأخذ على ذلك مثالاً من الكتاب المجيد، قال تعالى: - [... وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا] - الأنبياء 73، والملاحظ في النص: - إن الفعل والضمير يعود على المتعلق به وهم من يقومون بفعل الهداية -، والوصف بالهداية وصفاً تعريفياً يعود على الأمر الذي ينفع الناس، وكأن الأئمة هنا هم عنوان ثانوي وإنما المُراد هو العنوان الأولي، أي ما يقومون به من وظائف وأعمال، من نشر العدل وردع الظلم وتعميم السعادة وتوفير الأمن والإستقرار للناس والمجتمع، ومنه يتبين: - إن أصل جعلناهم - إنما جيء به لهدف معين وهو تحقيق العدالة، وليس جعلناهم ليكون أئمة بالمعنى الشخصي الخاص -، فهذا لم يكن المقصود ولا المطلوب في الكتاب المجيد، ثم لا يجب التركيز على مفهوم وحدانية الإمام بالمعنى العددي، بل المقصود هو مؤوسسة الإمامة بإعتبارها الضامنة لهذه الحقوق، وأما الإمام بالمعنى الشخصي - فهو إنسان من الناس ويجري عليه ما يجري عليهم، وهو محكوم عليه بالعدم - وهذا ما يناسب طباعه الواقعية من الموت وغيره (و الله لا يريد لمؤوسسة الإمامة أن تموت)، قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] - الأحزاب 21، والرسول (الإمام) لا يكون أسوة إلاَّ في الرسالة (أعني الإمامة)، والرسول يموت ولكن الرسالة لن تموت .

 ويجري في السياق نفسه قوله تعالى: - [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ..] - السجدة 24، والصورة هي ذاتها فجعل الأئمة متعلقة رتبة بهدآية الناس لما أمر الله به، وأمر الله متعلق بالعمل الصالح وإصلاح شؤون العباد والبلاد، والجعل في النص إرشادي لطبيعة الوظيفة التي سيضطلع بها الأئمة، وقد ورد في الأثر التأكيد على ذلك بقوله عليه السلام: - (بُني الإسلام على خمس الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية ..)، ومع إن هذا الخبر فيه ضعف بنيوي ومعنوي، لجهة وقوع الوصف على الإسلام وليس على الإيمان، والصحيح القول: - (بُني الإيمان على خمس، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والولاية ..)، حتى يستقيم المعنى المُراد ..

وأما الولاية: فهي الإمامة أو القيادة أو الحكومة،

ولا يصح جعل - الصلاة والزكاة والحج والصوم ... - من فرائض الإسلام، بل الصحيح إنها من فرائض الإيمان، وبين معنى الإسلام ومعنى الإيمان فارق نجده في الكتاب مسطورا، فالإسلام هو: - (التوحيد، والإيمان باليوم الأخر، والعمل الصالح)، وأما الإيمان فالمُراد به خصوص الإيمان بنبوة محمد عليه السلام ورسالته، مما يعني إن هذا الخبر المروي عن الإمام الباقر ليس صحيحاً من ناحية البناء والتركيب، فالصلاة والصيام وكذا سائر الأعمال والعبادات فرائض إيمانية تتعلق بالرسالة التي جاء بها محمد، وهي ليست من فرائض الإسلام كما يروج لذلك في التاريخ والخبر .

 وجعل الولاية في سلة العبادات والأعمال والوظايف يخرجها من دائرة الإعتقادات، فالولي هو الحاكم والولاية هي الحكومة والتي هي من خصائص الإيمان وليست هي من عقائد الإسلام، فالوالي هو الشخص الذي ينتخبه الناس بعد أن يحصل على غالبية الأصوات، وعندها يكون هو الحاكم والإمام، وأصدق مصاديق ذلك ولاية الإمام علي حين بايعه الناس جميعاً وأختاروه للخلافة والحكم، إذ ليس في التاريخ الإسلامي شبيه لما حدث مع الإمام علي من إنتخاب حر، وقد قال في وصف ذلك: - [فما راعني إلاَّ والناس إليَّ ينثالون عليَّ .. ] - نهج البلاغة الخطبة الشقشقية، وبهذا اللحاظ يكون مقام الولاية من حيث الإعتبار وظيفة إجتهادية وليست نصيه أو وراثية وهي كالصلاة والزكاة والحج والصوم من الأمور الوظيفية التكليفية، بمعنى أنها وظيفة وتكليف عملي كباقي التكاليف التي يجب العمل بها حسب شروطها الموضوعية، وأهم عنصر في هذه الشروط هو إنتخاب الأصلح والأعدل والأكفأ وإن كانت هذه من الصفات النسبية، ولكن المعيار والمناط فيها هو ما يحقق للناس العدل ويجنبهم الشر، ومن يُنتخب بناءاً على ذلك فعليهم طاعته وإتباع أمره حسب الضوابط والحدود، فإقامة الولاية تكليف واجب كالصلاة والزكاه والحج والصوم لمن يكون أهلاً لها ..

وهنا يسأل زرارة بن أعين راوي هذا الخبر فيقول: وأي شئ من ذلك افضل ؟

فيقول الباقر: [أنها الولاية، لأنها مفتاحهن، والولي هو الدليل عليهن]، والباقر يعني: - إن الولاية هي مؤوسسة للحكم يقع على عاتقها، توفير الشروط الموضوعية اللازمة للعيش الكريم بما فيه من إقامة للفرائض والأعمال من غير خوف أو إكراه -، أعني إن الولاية توفر الأرضية المناسبة للإستقرار و الأمن، صحيح إن العبادات هي تكاليف مقصودة في ذاتها، ولذلك فأثرها وتأثيرها يبقى محصوراً في دائرتها، وأما الولاية فتخرج هذه العبادات من حيزها الطقوسي إلى حيز العمل والإستقامة والبناء والتقدم، لذلك جاء الإستدراك بالقول: ـ (أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة لفضله ورحمته)، وكأنه يريد بهذا الإستدراك القول: - إن الولاية الصالحة تجعل من إقامة التكاليف والعمل الصالح جزءاً من منهجها، وعليه فالولاية أو الإمامة هي التي جعلها الله للناس، لكي تقوم بهذا الدور .

وليس شرطاً بل ليس واجباً أن يكون الإمام عالماً أو يعلم الغيب، لأن العلم بالغيب شأناً خاصاً بالله وحده، وقد دل الكتاب المجيد على هذا في جملة نصوص، وليس فيها ما يدل على إنه قد فوض هذا العلم لواحد من أنبيائه، حتى حينما قال: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26، وحتى هذا العلم الذي أُظهره الله لبعض رسله (والمقصود بهم بعض الملائكة) وليس الرسل من البشر، هؤلاء إنما يطلعهم الله على الغيب لغاية محددة، وهي فهم وإدراك ما يؤدون وما يحملون للإنبياء الذين يتواصلون معهم، وهذا الغيب حين يصل للنبي لا يعد غيباً بل يصبح بعد ذلك علماً عادياً، وقد مر الكلام عن ذلك في شرحنا للنبوة فلا نعيد .

 والكلام في هذا وفي معناه هو: - إن ما لا يصح للنبي ولا يكون فمن باب أولى إنه لا يصح للرسول أو الإمام ولا يكون -، -

ولايجب أن يُفهم من معنى الحصر في نسبة الإمامة لخصوص أئمة أهل البيت عليهم السلام، المعنى التعبدي القهري بل إن معناه الحصر النسبي، والذي يعني نفي حاكميت الطواغيت والظلمة، وقد جاء في تفسير نور الثقلين ما يشير إلى هذا بقوله: - (أعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان) - نور الثقلين ج1 ص 507، ودلالة الحصر هنا معناها الحصر النسبي في زمنهم لعدم أهلية من تقدموا للحكم والولاية آنئذاك، ولا يستمر الحصر هذا حتى في زمن الغيبة، لأن ذلك يقتضي تعطيل للحدود والأحكام ونظام الجماعة .

إذن فتصحيح الفهم تجاه معنى قوله تعالى: - (أُولي الأمر) -، يقودنا للقول: إن جملة - أولي الأمر - دلالتها عامة مطلقة وتشمل كل من صح إنتخابه من قبل الشعب والأمة، وقد قيل في معناها أقوال منها:

الأول: إنها تعني جميع الأمراء والحكام .

والثاني: إنها تعني خصوص الأئمة الأثني عشر .

والثالث: إنها تدل على ما يناسب الحكم والموضوع، أي إن كل من له حق في الأمر والحكم هو ولي للأمر [وهذا يتم بالإنتخاب أو الأختيار الشعبي]، ومن ثبت له ذلك وجبت إطاعته والإنقياد له .

ولا يخفى إن: (مفهوم الأمر والحكم لا يتعلق بالعصمة)، بل يثبت معناه لكل من كانت حكومته قائمة على الإختيار والإنتخاب، ومثال ذلك: - حكومة الإمام علي - التي كانت عن طريق الإنتخاب الشعبي، ولهذا تجب طاعتها وطاعة ولاتها، ومعلوم إن الطاعة مشروطة بهذا القيد (أن لا تؤدي الطاعة إلى ظلم وفساد في المجتمع)، وقد ورد في الأثر قوله: - (من يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني) - تفسير الكشاف ج 1 ص 212، وكتاب الإمارة لمسلم ص 15 .

 وأما القول الأول: فلا نصوبه ولا نؤيده ذلك لأن مفهوم العموم فيه مشعر بصحة حكم الظالم، والظالم لا يكون إماماً وحاكماً قط، إذ كيف يجوز للظالم أن يُنصب نفسه للإمامة؟، والإمامة هي مؤوسسة حكم وإدارة هدفها تحقيق العدل ورفع الظلم، والشعب الذي ينتخب ظالماً أو يُنصب الظلم، فكمن أسترعى الذئب على غنمه ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

11 جمادي الثاني 1440 هجرية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4548 المصادف: 2019-02-17 01:38:51