 دراسات وبحوث

سُفُنُ الأمان من الفَلسَفة الى العرفان (1)

اكرم جلالإنّ مِن نِعَم اللّه وأفضاله أن أودَع في الأنسانِ صفاةً فِطرية ودَوافع غَرائزية غَير شعورية تَدفعه للسّير باتجاه معرفة الله وتُحفّزه الى رحلةِ البّحث عن حقيقةِ الكمالات المُوصلة الى الكمال المطلق وإدراك عالم القُدس والسكينة والطمأنينة؛ فَتُطَهّر النّفس مِن الموانع والحواجز والوَساوس والشكوك وتَصِل الى مَرتبة اليقين المُطلق أو ما يطلق عليه "بحق اليقين".

قالَ الإمام الصادق عيه السلام: (مَنْ استوى يوماه فَهو مغبون، ومَنْ كان آخر يومه شرّهما فهو ملعون، ومَنْ لم يعرف الزيادة في نفسه كان إلى النقصان أقرب، ومن كان إلى النقصان أقرب فالموت خير له من الحياة1).

إنّ شَرَفَ الطّالب بِشَرف المّطلوب فَكُلّما كان المَطلوب أجَل وأقدَس كانَ السّير نَحوه أشرف الأعمال وأنّ العَناء مِن أجلِ الوصول الى حَقيقة كَماله هِيَ مِنَ التَوفيقات الربّانية والنِّعَم الألهية، لا يَنالها الّا الخَواص مِن عِباده، ولأنّ هذا والسّعي هو من أجل الوصول الى إدراك بَعضاً مِن نُعوته وصفاته، فهي اذن أشرف رحلة وأنّ الفيوضات المُدْرَكة وإنْ  كانت مُتواضعة في أول الطّريق لكنها تَبقى بابٌ الی روضات الجنان وَقَبَسٌ يَناله السالك من مصدرِ النّور المُطلق.

عَن أميرِ المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: (أولُ الدين معرفته ، وكمالُ معرفته التصديق به ، وكمالُ التصديق به توحيدُه ، وكمالُ توحيده الإخلاصُ له ، وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه ، لشهادة كلِّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة2).

وَعَن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لَو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلَّ عندهم مما يطوونه بأرجلهم، ولنَعِمُوا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله .إن معرفة الله عز وجل أنْسٌ من كل وحشة ، وصاحبٌ من كل وحدة ، ونورٌ من كل ظلمة ، وقوةُ من كل ضعف ، وشفاءٌ من كل سقم . ثم قال عليه السلام: وقد كان قبلكم قوم يُقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها، فما يردهم عما هم عليه شئ مما هم فيه ، من غير تِرَةٍ وُتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى ، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، فاسألوا ربكم درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم ، تدركوا سعيهم3).

إنّ هذه الرّحلة يَتَمَكّن مِن خلالها السّالك إدراك صُوَر العالم الأُخرَوي فَتَنعكس على الحياة الدنيا لِيَتعايش معها روحاً وَتَطبيقاً وتَشريعاً، فَهو يَتّخذ من الدنيا ممراً نحو الآخرة، ويرتشف ماء الحياة من نَبع العالم الأُخروي ما يَرتوي به لِعَطش الدّنيا، ويَعيش الدنيا ليس لكونها حقيقة الوجود، إنّما يَختَرقها للوصول نحو الكّمال المُطلق.

وفي وَصف هذا المعنى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام  في وَصْف المُتّقين: )عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ4).

وَهنا يأتي السؤال: هَل أنّ لِمَحدوديّة العَقل القُدرة علی تَشخيص وَخَوض هذه المّهمة الصّعبة وإدراكها ببصيرة من أجل طَيِّ المَراتب الموصله الى الذّات المُقَدّسة؟

لَقَد جَعَلَت المّسالك الفَلسَفيّة العَقلَ محوراً ومُنطَلَقاً وطَريقاً نَحو إدراك حَقيقة الأمر والوجود، بَينما اتّخَذ العرفانُ الرّوحَ طريقاً للكّشف وَمَسلكاً لإدراك تلك الحقيقة، فَفَتح هذا التَباين البابَ على مصراعيه للصراع بَين هذين المَسلكين. ولأن الخطأ في اختيار مَسلكٍ مُحَدّد علی حِساب الآخر دُون الإتكال على الحُجّة والدّليل قَد تَتَرتّب عَليه نتائج وَخيمة، لهذا كَتب الكثير ونَظّر لهذين المَسلكين العديدُ مِنَ الفلاسفة والمُفَكّرين وَكُلٌ لَه دَليلُهُ وَحُجّتُه ، فَمَطبّات الطّرق الخاطئة تَجعَل السّالك يَعيش في التَّيْهِ المُطلق بَدَل الوُصول الى فيوضاتِ الحَقّ المُطلَق.

وفي هذا المَقال المُقْتَضَب نَعرض بأيجاز واختصار رُؤية كلّ مِن هذين المَنهجين لَيس مِن أجلِ إثبات أحَدهما أو نَفي آخر بل من أجلِ تَسليط الضّوء علی مُتَبنّيات هذين المَسْلكين، ثُمّ نَعَرّج علی الطّريقِ الأقوم والمَّنهَج الأسلم، مَنهَجَ سُفُن الأمان وَحَمَلة القُرآن، المُصطَفى واهل بيته الأطهار صَلواتُ اللّه وسلامه عليهم، سبلُ النجاة  وأمناءَ الوحي والأدلّاء على الله، بهم فَتَح اللّه وَبهم يَختِم.

الفَلسفة كلمةٌ أصلها يُوناني وَتعني "محبُّ الحكمة"، وكانَ أرسطو أول من قدّمها كقاعدةٍ منطقيّةٍ اعتَمَدها كمنهجٍ لمعرفة وَفَهم غَوامض الوجود وإثباتها يكون باستخدام الأمور الحسيّة والعَقلية. فالفَلسَفة اذن هِي المَنهج المَعرفي في البّحث والإستدلال في أمورِ الكون والإنسان والخالق مُستنداً الى العَقل والفِكر والإرادة كقواعدَ وأسُس ومَناهج في هذا الإستدلال. وقد عرّف الفَلسَفة جُملة مِمّن اسّسَها ونَظّر لها، (فسقراط عرّف الفلسفة على أنها "البحث عن الحقائق بحثاً نظرياً، وخاصةً عن المبادئ الخلقية، من خير وعدل وفضيلة" بينما أشار أفلاطون الى أنّها " البحث عن حقائق الأشياء وعن الجمال والانسجام الذي يوجد في الأشياء والذي ليس الا الخير"، في حين أكّد أرسطو على أنّها " العلم بالمبادئ الأولى التي تفسر بها الأشياء حين يتدرج العقل عند مواجهته للأشياء من علة إلى علة حتى يصل إلى العلة الأولى التي هي علة العلل أو حقيقة الحقائق"5).

وَلعَلّ أرسطو هُو أول من أدرَج مَفهوم العقل (noûj) في حَقل الفكر الفَلسفي. وأعدّه من أساسيات المَنهج البَشري في المَعرفة والإدراك. وقد ألغى أرسطو مَفهوم النفس من خلال إعتماده على ثُنائية الصورة والمادة، فَقَد عَرّف النَّفس على أنّها (صورة للجسد)، وذَهَب أبعَدَ من ذلك حينما ألغى الفَرضيّة الأفلاطونية (روح وجسد) والغى استقلالهما، بمعنى أنه لم يؤمن باستقلال النّفس عن الجسد.

ثُمّ انتَقل هذا المَنهج الى البُلدانِ الاسلامية خُصوصاً في عهد بني العبّاس، وأسبابها لا تخفى على القاريء الكريم، حيث انهَمَكوا بترجمة تلكَ الأفكار والمناهج من اليونانيّة إلى العربيَّة، وفي ظل المآرب المَشبوهة فقد عَمَدت السُلْطة الى خلط الأوراق فتأثر بها الكثير من المسلمين وأخذ البعض منهم يُؤسّس لها مدارس ونَظَّر لها الكثير من المُفكرين واعتبروها مَنهَجاً يُعتَمد عليه من أجل الرُقي والتكامل البشري.

إن فَلاسفة المُسلمين خصوصاً أولئك الذين تَكلّموا ونَظّروا لمفهوم العقل هُم كثيرون، وأن ذِكرَهم بالتفصيل قد يَضيق به المقال ولا يخدم البحث، لذا سَنَقتَصر على إيجاز الرُّموز منهم، ولَعلّ أهم مَن أهتَمّ وَشَرَح ونظّر لفكرة العَقل من المسلمين هو يعقوب بن أسحاق الكندي خُصوصا في كتابه (رسالة في العقل) والذي أشار الى ما سمّاه بالعقل البَياني والذي من خلاله ينقل ما يتعلق بالعقل الى عقلٍ آخر. والحقيقة هذا ما أشار اليه بطريقةٍ او أُخرى الاسكندر الأفروديسي في نظريةِ العُقول الثلاث. والفارابي يُعَد من عَمالقة مَن كَتَبوا فيما سَمّاه بالعقل الهيولاني والذي هُو الأستعداد لإدراك الحقائق أو لِقَبول المَعقولات. وقد أفاضَ ابن سينا في مَفهوم العَقل أكثر وتَكَلّم باسهابٍ مُؤكداً انّ المعرفةَ لها مَصدَرين أساسيين وَهُما الحَواس والعقل، وهذا ما ذهبَ اليه من قَبله أرسطو. ثم قَدَّمَ أبن باجة نَظريّته حَول العَقل على أساس أنّ الهيولاني لا توجدُ مُجرّدة عن صورة ما، والعكس فإن الصُّورة يُمكن لها أن تكون مُجَرّدة عن الهيولاني. لقد بدأ أبن باجة فكرة وَحدَة العقل ليُكمِلها بَعده ابن رشد، الذي نَظّر للعَقل عِبرَ ثلاثة مفاهيم اساسية: مَفهوم العَقل وأنواعه، مَفهوم وَحدة العقل ،ومفهوم خلود الروح.

ونَحن هنا لَسنا بِصَدد التّفصيل في شَرح ومُناقشة جَميع الآراء من أجل تأييد البّعض أو نَقض الآخر، لكنّ لَنا الحق في الإشارة الى أنّ للعَقل حُدود وَقُدرات لا يستطيع تَجاوزها ولا يُمكن لَه إدراك كلّ المطالب، فالعَقل يُدرك عِبر مَجَسّات أو حَواس كالسَّمع والبَصر واللّمس والتَذَوق فيقوم بعملية تحليلها واستخلاص النتائج، وبالتالي فَهو يعتمد على مُعطياتٍ حسيّة في عَملية الإستقراء والإستنتاج، وهذه الحَواس لها وجود ومجال وحدود ونطاق، وهذه المَحدوديّة لا يُمكن لها ادراك أمور لا تُدرَك بالحَواس كالتَّوحيد والصفات الإلهية وما شابه ذلك. وفي هذه السياق يشير ابن خلدون الى العَقل بقوله: (أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والأخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طورة فإن ذلك في محال6).

أَضِف الى ذلك أنّ العَقل إنّما يُدرِكُ الأشياء مِن خلال أضدادِها وبما يُقابلها، فالنُّور لا يُدرك إلا عندما يَزول وَيَحلّ مَحَله الظلام، وكذا بالنسبة للخَير والشَّر والجَمال والقُبح والكَرم والبُّخل، الخ. وعَليه فأن وجودَ حَقيقةٍ واحدة دونَ وجود ضِدٍ لها، لا تكفي لحصول الإدراك العقلي. فَكيف للعقل أن يُدرك اللّه الذي هو نُورٌ مُطلق لا ظَلام فيه ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾، وهو عَدلٌ لا يَحيف. فالعقلُ مَحدود، وإنْ كانَت له القُدرة على إدراكِ بعضاً من صنائع الله عن طريق أضدادها، لكنه يَقف عاجزاً عن مَعرفة الكَمال المطلق والنور الأزلي. وهنا لابُدّ من التأكيد على أن العقل وإن كان عاجزاً عن إدراك الذّات المُقدسة فهذا لا يَعني الغاءُه بالمُطلق وَمَحوَه مِن رِحلة البَّحث عنِ الكَمال والتّكامل، فالعَقل شريكٌ لا يُمكن الإستغناءَ عنه كما سَنُبيّن ذلك لاحقاً.

وللحديث تتمة في الجزء الثاني إنشاء الله تعالى ..

 

د. أكرم جلال

..................................

1- أمالي الصدوق ص396

2- نهج البلاغة: 1 / 14 .

3- الكافي: 8 / 247.

4- رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 226 باب المؤمن وعلاماته وصفاته مع اختلاف.

5- الفلسفة اليونانية مقدمات ومذاهب ص13.

6.- المقدمة لابن خلدون ص 460.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

روعة وبحث في غاية الاهمية
نتمنى المزيد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4559 المصادف: 2019-02-28 01:52:50