 دراسات وبحوث

ابن خلدون.. شخصيته وحقيقته

ميثم الجنابيإن الشخصيات الكبرى جزء من تاريخ الأمم، أي جزء من وعيها الذاتي. وبالتالي، يتوقف على فهم انجازها الحقيقي إرساء أسس التوحيد الاجتماعي والقومي الثقافي. وسواء كانت الشخصية عقلانية وذو نزوع إنساني أو بما يعارضها أو بالصد منها. فالأولى تعمق وعي الذات التاريخي الثقافي، والثاني تستثير وتشحذ وعي الذات النقدي العقلي. ومن ثم كلاهما يسهمان في إرساء طبقات التراكم العقلي والعقلاني للأفراد والجماعات والأمم. 

غير أن هناك اشكالية تتسم بقدر كبير من التعقيد تتلخص في نوعية الموقف من هذه الشخصيات الكبرى بالارتباط مع تباين واختلاف منهج الرؤية والمواقف القيميية. وهذا بدوره مرتبط، إلى جانب الخلاف المحتمل في كل ما له علاقة بالإنسان وتجاربه التاريخية، بنوعية ومستوى التجارب النظرية في تقيمها ومواقفها من تاريخها الذاتي. فانعدام أو ضعف الرؤية العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية عادة ما يثير ويؤجج نفسية وذهنية الخلاف البدائية، أي نفسية وذهنية التقليد والعيش بمعاييرها والحم بمقاييسها. وليس مصادفة أن لا يجتمع العرب في مرحلتهم التاريخية الحالية وضعف تكاملهم الذاتي على مستوى الاجتماع والثقافة والنظام السياسي والفكرة القومية، بما في ذلك تجاه أعظم شخصياتهم التاريخية. وقد تكون الشخصية الوحيدة المجمع عليها هو النبي محمد فقط. مع أن الإجماع على عظمة الشخصيات الروحية والثقافية تفترض ادخال ما لا يقل عن بضعة آلاف منهم ممن يشكل من حيث إبداعه التاريخي رصيدا هائلا للحكمة العقلية والعقلانية والإنسانية. فلا إجماع حول قيمة الفلاسفة الكبار، ولا شيوخ الصوفية الملهمين، ولا أئمة الفقه ولا فحول الشعراء وعظماء الأدباء ورجال السياسة المؤسسين. ولعل الموقف من ابن خلدون يدخل أيضا ضمن هذا السياق الذي يكشف عن خلل الرؤية العقلية والعقلانية، وضعف الأسس الفعلية لوعي الذات القومي والعلمي. من هنا تداخل المواقف السياسية والاجتماعية بل والعرقية والإثنية في جدل المواقف من تقييمه. مع أن المواقف السياسية لا يمكنها أن تكون مصدرا للأحكام العلمية الدقيقة، دع عنك حالما تتطعم بغباء الجهل المعرفي، وبلادة الحس الذوقي، والتطفل الشاذ على فتات المعلومات "المنتخبة" من مزابل الحكاية والرواية. 

وليس مصادفة أن نقف أمام نوعين من التقييم والمواقف، متضادين. فرجال العلم والمعرفة الكبار، بل عظماء المؤرخين وفلاسفة التاريخ الأجانب من غير العرب أعتبره من بين أعظم الشخصيات التاريخية الكبرى. فقد قال عنه أرنولد توينبي، بأن ابن خلدون ابتكر وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. وقال عنه لاكوست الباحث الفرنسي المحترف بدراسة شخصية وإبداع ابن خلدون من ان كتاب ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. ووصفه روزنتال في تقديمه لترجمته الخاص للمقدمة إلى الانجليزية كلمات كبيرة من الإطراء العميق والكبير. وقال عنه روجيه غارودي أن ابن خلدون هو عالم وفنان ورجل حرب وفقيه وفيلسوف يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر.

إن هذه التقييمات وكثير غيرها مما يصب ضمن هذا السياق من المواقف والتقييم مبنية على أساس المعاناة التاريخية العميقة والمتنوعة للفكرة العلمية وقيمة المنهج وعوالم السياسة التي تحمل بين تعرجاتها كل الاحتمالات والممكنات. ولكن مع ذلك كيف يمكن فهم قيمة الرجل السياسي المحنك والمهموم بفكرة الدولة وقيمة الحضارة والتمدن البشري؟ فقد كان ابن خلدون رجلا ذو تجربة سياسية كبيرة وهائلة تراكمت في ظل ظروف صعبة وقاسية وصراعات داخلية وخارجية عنيفة. فقد تمرس في الحكم وإدارة الدولة والنظام الحقوقي والاعتبار بالتاريخ. كما كان دبلوماسيا ماهرا. باختصار، انه كان يجمع في ذاته رجل السياسة والعلم. وهو جمع نادر جدا لم يكن له مثيل حتى ذاك الوقت. ولعل المقارنة الوحيدة الممكنة هنا هو ما سيقوم به مكيافيللي الناضج بعد حوالي قرن من الزمن. غير أن الفرق بينهما يبقى كبيرا وهائلا. فقد حقق ابن خلدون فكرته السياسية في مجال فلسفة التاريخ والثقافة بينما مكيافيللي في ميدان النصائح السياسية العملية. فقد تراكمت شخصية ابن خلدون في ظل احتكاك شديد بين السياسة بوصفها فكرة المصالح وبين العلم بوصفه فكرة العقل النظري المجرد والمتسامي. من هنا نرى ملامحه العربية الإسلامية بوصفه أحد العلماء الكبار الذي واجه صراعات ومحن وفتن المرحلة بقدر هائل من الصبر والتأني والحكمة والروية. إذ عاش في ظل صراعات عنيفة في المغرب بين إمارات البربر (الموحدين والمرينين والحفصيين) على اشده. بينما كان المشرق العربي يعاني من أهوال الغزو التتري المغولي. وضمن هذه الحالة الحرجة في التطور التاريخي لإمارات ودويلات البقايا المتحطمة للخلافة التنقل والعمل بين الأندلس والمغرب ومصر والشام، أي في كل ربوع العالم العربي في مرحلة انهياره التاريخي وسقوطه المزمن. بل إن أحد أعظم أعماله (المقدمة) قد تفرغ له بعد أن تفرغ من الحياة السياسية المباشرة. فقد انجز كتابه الشهير على مدار أربع سنوات قضاها في كنف اصدقائه من بني عريف، الذين انزلوه بأحد قصورهم في "قلعة ابن سلامة" بمقاطعة وهران بالجزائر. وفيها تمكن من تصنيف (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). وقدم له بمقدمة تحولت إلى مقدمة مستقلة قائمة بذاتها. انجزها وهو في نهاية العقد الخامس من عمره.

وما بعدها كانت حياته السياسية تحقيقا لما وضعه فيما يتعلق بالموقف من السياسة باعتباره اسلوبا وأداة لبلوغ المصالح، التي كانت تتطابق في ذهنيه ونفسيته وشخصيته مع فكرة الدولة والأمة، لا كما يصنفها صغار المتعلمين وأنصاف المثقفين والجهلة من يسار ثوري أحمق عبر إرجاع كل ما فيه إلى مهاترات المواقف السياسية المبتذلة على أساس قربه من السلطان وخنوعه أمام تيمورلنك! أما في الواقع فليس في سلوكه ما يوحي بالخنوع والجبن وخدمة السلطان أيا كان. فقد عمل معظم إن لم يكن جميع المفكرين والفلاسفة الكبار مع السلطة. وقد كن ذلك جزء من ثقافة المرحلة التي لم تعش بمعايير الحرية السياسة المعاصرة والفكرة الثورية المسطحة. مع إن المشكلة كانت قائمة. غير أن ابن خلدون لم ينحدر ولا في أية مرحلة من مراحل حياته إلى ممارسة ما لا يتفق مع فكرته العلمية عن التاريخ والسياسة. وهذه تفترض العمل بما يضمن مصالح الأمة والدولة وليس السلطة والأفراد. وهي فكرة تتخلل كل ما وضعه في المقدمة. فالسياسة بالنسبة له ليست فكرة أخلاقية، بل فكرة عملية محكومة بمسار التطور التاريخي وقانون صيرورة الدولة والنظام السياسي والحضارة. وحياته الشخصية لم تخل من مآس ودرامية كبيرة وعميقة. غير أن هذه الجوانب تبقى شخصية مع انه لا أمور شخصية في الشخصية الكبيرة. وبالتالي، فإن ما قام به وسلكه تجاه السلطات والدولة والحالات الحرجة في مسار التاريخ العربي في الشام وغيرها ينبغي فهمه ضمن هذا السياق.

فالمواقف "النقدية" التي أول من وضعها طه حسين وتابعها وتوسع في جوانبها السياسية والأخلاقية أعداد كبيرة من أصحاب الرؤية الراديكالية لا قيمة علمية كبيرة فيها. بل في أغلبها هي أقرب ما تكون إلى إهانة للعلم. والسبب هو أن أغلب هذه الكتابات والمواقف من جانب أهل الأدب ولكن ليس بالمعنى العربي الإسلامي الكلاسيكي، بل المعاصر. إذ أغلبهم ليسوا أدباء بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا يرتقي أي منهم الى مصاف احمد فارس الشدياق وأحمد أمين ومن بمستواهم وأمثالهم. وأغلب من يمثل هذه الرؤية والمواقف والأحكام هم من لصق بمختلف فنون الأدب أو ممن ينتمي إلى بعض فنونه المعاصرة، وأغلبها في الشعر والقصة والرواية. وبالتالي، فإن أحكامهم جميعا بدون استثناء لا يعتدّ بها ولا تصلح لأن تكون مصدرا للمعرفة العلمية والفكرية الرصينة. وذلك لأن أغلبهم أو جميعهم يتسمون بضعف المعارف أو انعدام الرؤية المنهجية العلمية وسوء فهم للثقافة التاريخية العميقة والفكرية النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وبالتالي فأحكامهم أهواء لا قيمة علمية فيها ولها. ولكنها واسعة الانتشار لأن الوعي السائد لحد الآن في العالم العربي هو وعي وجداني أو ديني إيماني أو لاهوتي أو شعري أو بياني أو سفسطي في أغلبه، أي بلا أصول علمية دقيقة ومحكّمة.

ففيما يخص طه حسين، فإن مواقفه الايجابية والسلبية من ابن خلدون تتسم بقدر واحد من البهرجة المبتذلة المميزة لأغلب ما كتبه في مجال التاريخ الثقافي والفكري. وبغض النظر عن أن كتابه عن ابن خلدون هو مجرد رسالة للحصول على شهادة الدكتوراه، بمعنى أولية في مسار البحث العلمي لكنها كانت تعكس نوعية ذهنيته المتميزة بالأحكام السريعة والنقد الاهوج والمخالفة المتعمدة لسد نقص المعرفة العميقة والقراءة المتأنية للأعمال النظرية الكبيرة[1]. ولا يشذ كتابه (رسالة الدكتوراه التي انجزها عام 1917) بالفرنسية والتي نشرت بالعربية تحت عنوان (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية.. تحليل ونقد). وفيها يشدد على أهمية وعظمة ابن خلدون الذي اعتبره إلى جانب المعري أكثر من جرى الاحتفاظ بذكراهما في كل تاريخ الآداب العربية منذ عصر الجاهلية إلى عصرنا، ممن قام بعمل خارق وعبقري ومبتكر من العرب والمسلمين. المعري بأعماله "اللزوميات" و"رسالة الغفران"، والثاني في "مقدمته". وإن قمة هذا العمل بالنسبة له يقوم في "خطته التي خالف بها من سبقه من المؤرخين، حيث لم يتبع الترتيب السنوي كمؤرخ، بل قسّم التاريخ إلى فصول"، والمعلومات المهمة التي قدّمها عن البربر. وهو ايضا حكم متسرع ولا علاقة له بادراك قيمة ومعنى الكل الثقافي الذي كان المعري وابن خلدون شخصيات كبيرة فيهم ولكنهما ليس اكثرهم عبقرية واثر وقيمة. بل هناك المئات بل الالاف الذي يرتقون الى مستواهم ومن أهم وأعلى وأعمق قيمة وأثرا في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي ككل. لكن شف طه حسين بهما بشكل عام وبالمعري بشكل خاص جعله يعتقد بأن اختياره لهما يعني إنهما الذروة التي تستحق أن يتسلق لبلوغها كل ذي عقل! وهو حكم لا يخلو من مراهقة فكرية!

لقد لاحظ بعض الجوانب التي يمكن تعريضها للنقد، لكنها بقت في اغلبها ضمن اطار "المبالغات" التي وجدها في بعض ما نقله ابن خلدون من وقائع تاريخية، لكنه لم يفهما ضمن سياق الفكرة التي حاول ابن خلدون الكشف أو البرهنة عليها كما هو الحال بالنسبة زواج الخليفة المأمون العباسي، والبذخ الذي كان فيه. ومع انها وقائع معقولة جدا لم يعرف حياة الخلفاء العباسين في اوج تطورها. لقد كانت الدولة انذاك غنية جدا حتى حالما يجري مقارنتها بالدول الغنية الحديثة. ومع ذلك فان توجيه الاهتمام صوب هذه الصغائر لأنه لا شيئ جدي يمكن نقده بمعايير العقل النظري. اما مقارنة ما وضعه ابن خلدون بمن قبله من مؤرخي اليونان والرومان، فإنها تصب في فضيلة الأوائل عليه. بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك تماما سواء ما يتعلق بنقل الاخبار أو تدقيقها وتحقيقها، دع عنك ما وضعه ابن خلدون من مقدمة لا مثيل لها فيمن سبقه. فابن خلدون أراد ان يجعل من التاريخ علما وليس رواية وحكاية، إضافة إلى فلسفته التاريخية. أما ما يسمى بالقوانين الضرورية للمؤرخ التي ينبغي أن يتبعها فهي أمور تبدو صغيرة مقارنة بما وضعه ابن خلدون، وينطبق هذا على ما اسماه بفكرة الصدفة والمصادفة التي يدخلها ابن خلدون ضمن ما يمكن دعوته بالأسباب الخفية المؤثرة في مجريات الأحداث التاريخية، الأمر الذي يفسر كما يقول طه حسين ما اسماه "بقصور العقل البشري" الذي أسقط ابن خلدون في ضعف أمام نقاد العصر الحديث. وهو استنتاج مبني على جهل برؤية ابن خلدون لفكرة الصدفة والضرورة. فهو لم يقل اطلاقا بأهمية وفاعلية الصدفة في الحياة التاريخية ومسار التاريخ. على العكس انه اعطى لها بعدا يعادل معنى الوجه المجهول للضرورة. وهي فكرة لم يكن بإمكان طه حسين ملاحظتها أو فهمها. أما استنتاجه عن أن معظم أخطاء ابن خلدون تعود لجهله بالعوامل أو إهماله لتقدير النتائج، فهو استنتاج خاطئ أيضا.

فقد نظر ابن خلدون إلى باطن أو حقيقة التاريخ في كونه "نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق". ذلك يعني إن حقيقة علم التاريخ تلازم بالضرورة ارتقاءه إلى مصاف العلم النظري،أي اولوية وجوهرية النظر العقلي والتحقيق الفعلي والتفسير السببي لكل ما هو كائن وموجود أو ما هو ثابت ومتغير بالاستناد إلى مبادئ دقيقة فصلها ابن خلدون في مقدمته.إننا نقف هنا أمام رؤية تستند إلى معرفة ماهية الأشياء وكيفيتها وأسبابها، إي إلى الاسئلة الجوهرية بالنسبة للبحث العلمي. انه يشير بصورة دقيقة إلى ضرورة النظر والتحقيق والتعليل لما هو موجود، ومعرفة المقدمات والأسباب الأولية، وآلية الأسباب الفعلية وفعلها في الوقائع التاريخية). غير أن مشكلة لطه حسين تقوم في انه يقرأ النصوص دوما بعيون عمياء! أما الجدل حول ما إذا كان ابن خلدون عالما اجتماعيا أم لا فهو جدل معاصر لا علاقة له بحقيقة ومضمون نظريته الفلسفية عن التاريخ. أما استنتاجه عن أن إطلاق لقب عالم اجتماع على ابن خلدون هو مبالغة فهي إشكالية المصطلح المعاصر ولا علاقة له بابن خلدون. مع انه دون شك يعتبر واضع علم الاجتماع بالمعنى التاريخي. أما أن يكون "علم الاجتماع" بالمعنى الخلدوني والمعاصر يختلفان اختلافا كبيرا، فهو امر طبيعي ولا يرتقي حتى إلى مصاف اكشاف صغير. إذ أن الجميع تعرف إن الفرق بين رياضيات العالم القديم والمعاصر شاسعا جدا. لكن الرياضيات القديمة هي رياضيات دون شك. أما المقارنات التي يقدمها حول بعض القضايا بين ابن خلدون وبين ارسطو أو مونتسكيو فهي مقارنات فجة ولا قيمة علمية فيها. أما الخاتمة التي وضعها لحصيلة ما كتبه عن ابن خلدون فلا علاقة له بها. فمن حيث مضمونها وليس من حيث ما ورد فيها احيانا من كلمات التبجيل، أقرب ما تكون إلى اعتبار ابن خلدون شخصية عادية. وإن مصر كانت عظيمة على الدوام وعقلية وعقلانية! وأنها كانت "تمصر" كل من يقدم إليها. والأتراك المماليك أصبحوا مصريين من حيث التربية والشخصية. ولولا انهم لم يعرقلوا تطور العلوم(!؟) لكانت مصر في تطورها أقرب إلى ذهنية الأوربيين(!).وإن نهضة مصر الأخيرة هي "بأثر الحملة البونابارتية المبارك"![2]. وهي امور واستنتاجات يصعب هضمها ضمن هذا الخليط الغريب والمعقول والمميز لذهنية طه حسين المتغربة والمغتربة، أي المليئة بعثرات العقل الناشي والمندهش بوجدان المراهقة التاريخية.

بينما كان كتاب محمد عابد الجابري (العصبية والدولة. فكر ابن خلدون. معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي) أرقى وأعمق مما وضعه طه حسين بما لا يقاس، لكنه يبقى في نهاية المطاف ضمن سياق الاستعراض والتحليل الجزئي. كما انه يحتوي على أفكار تتناقض في نتائجها مع الفكرة التاريخية والعلمية حول معالم الخلاف بين عقلانية المغرب وصوفية المشرق. وهذا توسع في التخريف مقارنة بما وضعه طه حسين في خاتمة كتابه. كما انه يجري من حيث صيغته الأولية بقاعدة "خالف تعرف". وهو امر جلي فيما سيضعه لاحقا حول (نقد العقل العربي). وفيه أيضا نعثر على خلل المنطق العلمي والضعف الفلسفي، رغم انه يبقى من الكتب الفلسفية الجيدة والكبيرة في التاريخ الفكري العربي الحديث.   

اما الاراء والأحكام المبنية على اساس العلاقة بين المثقف والسلطة الشائعة الانتشار بين مختلف تيارات اليسار، والتي وجدت في ابن خلدون نموذجا لفارس الخيانة! بينما توسع الآخرون بالصورة التي جعلت من ابن خلدون الخائن الأكبر فيما تعرضت له دمشق من غزوة المغول والتتر والمذابح التي جرت بأثرها. تماما كما اتهمت التيارات السلفية الجبانة نفسها في تاريخ المواجهة العربية الحديثة والمعاصرة تجاه قوى الغزو الكولونيالي الحديث، ابن العلقمي في سقوط بغداد وما قام به شيعة العراق في فتح ابواب العراق للغزو الأمريكي، الذين هم كانوا في مقدمة حصار العراق لسنوات مديدة وتوفير الغطاء المادي والمعنوي والسياسي واللوجستي!! وعموما هذا هو ديدن الخونة الفعليين.

بعبارة أخرى، إن القضية أكثر وأكبر تعقيدا من أن يجري ارجاعها إلى ابن خلدون الذي لا علاقة له بتاريخ الأحداث في الشام قبل وأثناء وبعد الغزو الهمجي لتيمورلنك. وعموما إن أحداث التاريخ الكبرى والعاصفة، بما في ذلك سقوط دمشق قد أّرخ لها هو نفسه بمعايير الاستشراف المستقبلي الذي وضع أسسه في فلسفته عن التاريخ. فالأحداث التاريخية والمعلومات الدقيقة عنه تكشف عن ان القضية أوسع وأعمق ولا علاقة لابن خلدون بها. فهو ليس الوزير الأكبر ولا حاكم أو سلطان دمشق. فأغلب حياته في المغرب والأندلس ومصر. وقد كان وجوده في دمشق من مصادفات الزمن لا غير.

وقد كان تركيز الأديب الكبير سعد الله ونوس في مسرحيته حول هذه الواقعة التاريخية التي صور فيها ابن خلدون أو جعل منه نموذجا لخلل المثقف واستعداده لبيع الضمير مقابل الحياة والمال ليست في محلها. وضمن هذا السياق سار الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، الذي استنبط من مسرحية (منمنمات) لسعد الله ونوس إشكالية المثقف والسلطة ودوره الضروري في حياة الأمم. حيث كتب بهذا الصدد يقول، بأن "العلاقة بين المعرفة والسلوك، ودور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف...هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟"[3].

إن اشكالية المثقف والسلطة غاية في التعقيد. وتحتاج إلى حصافة فكرية ورزانة عقلية وفهم تاريخي عميق بالشخصية وملابسات فعلها التاريخي. وقد وضعت أنا أحد اكبر الاعمال الفكرية الفلسفية والتاريخية التراثية بهذا الصد تحت عنوان (الأشباح والأرواح - تجارب المثقف والسلطة). وهو بثلاث مجلدات كبيرة صدر منها المجلد الأول (قبل شهر تقريبا). والبقية في طريقها للنشر. ففي مجرى البحث النقدي والمتعدد الجوانب والمبني على معارف عميقة وواسعة تتعلق بكل ما ابدعه وسلكه المثقفين فقط يمكن اطلاق الحكم وليس من خلال حادثة طارئة، مهما كان مظهرها مؤثرا ومؤلما بالنسبة للوجدان.

أما ما جرى ويجري كتابته من جانب ممثلي الأقليات العرقية والإثنية والدينية فلا يعتد به، وذلك لأنها تستظهر ما في باطنها من عقد عادة ما تلازم الأقلية في موقفها من القومية الكبرى. وهي ظاهرة عالمية وتاريخية، لا تخص قومية أو أمة دون أخرى. فالأقلية غير المندمجة بمعايير الروح الثقافي تعاني على الدوام من انفصام تزيده مرارة عدم الاكتمال والتكامل بمعايير التاريخ والفكرة العامة. وهي ظاهرة مرتبطة بما يمكن دعوته بغلبة القوة البدائية للأقلية بمختلف أشكالها. وهذا بدوره أحد مظاهر النتاج السيئ للتاريخ الدرامي للأقوام جميعا. إذ عادة ما ينحصر اهتمام هذه "المقالات" أو بصورة أدق هذه الأقوال على ما يمكنه أن يشفي غليل الاحقاد الصغيرة. من هنا التركيز على ما يسمى بإبراز ابن خلدون لبدوية وهمجية العرب وعدم قدرتهم واستعدادهم لبناء الدولة والعلوم والحضارة. ويقابلهم من يسعى لتفسير موقفه على انه قد يكون من أصول ليست عربية! وكلاهما يلتقيان بالغباء والرذيلة.

إن ابن خلدون، كما يحبذ هو القول، عربي من أصول حضرمية، أي من العرب الأصليين! كما أن كل مقدمته مبنية على أساس تحليل نتاج الثقافة العربية الإسلامية وحضارتها. كما انه يضع العرب وإبداعهم الحضاري في مصاف الأمم التاريخية الكبرى آنذاك والمشهورة ضمن التصنيفات العامة بهذا الصدد، أي الحضارة الفارسية واليونانية والرومانية. والعرب هم الذين كّملوا وطوروا ما فيها.

فكلمة العرب بالنسبة لابن خلدون، بوصفها مصطلحا سوسيولوجيا تدخل فيها كل الأقوام في بداية تطورها. لهذا نراه يدخل فيها العرب في بداياتهم والبرير (الامازيغ) والأكراد وغيرهم. فهو يشير الى هذه الأسماء بعينها. ومن غير المعروف لماذا أدخل الأكراد. يبدو من خلال السماع عن طبائعهم الخشنة وشدة البداوة. فباستثناء مرة واحد لا نعثر على أي أثر لهم في كتابه (المقدمة). بينما الأمر يختلف بالنسبة للبربر. فهو يضعهم ضمن القبائل والأقوام الأشد بداوة وتوحشا بما في ذلك في دول الأندلس والمغرب الكبير الحضارية. لكنه في الوقت نفسه يقيم بين اماراتهم انذاك معززا مكرما. لقد كان البربر انذاك يفهمون المعنى الدقيق لكلمة البداوة والتوحش بوصفها كلمة ذات أبعاد اجتماعية لا علاقة لها بالقوم والإثنية.

إن مضمون (المقدمة) كله مرتبط من حيث أبعاده النظرية والفعلية بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية. من هنا حديثه عن الأمم الحضارية الكبرى التي أدخل فيها إلى جانب العرب الفرس والروم واليونان. أما الفهم السيئ لما في بعض عباراته بهذا الصدد فهو نتاح القراءة المسطحة وانعدام العقل النظري والثقافة الفكرية المتعلقة بدراسة التاريخ بشكل عام والثقافي بشكل خاص. لكن الخلل الجوهري يقوم هنا في أن الأغلبية إن لم يكن جميع من كتب عنه لم يفّرق بين الأبعاد الاصطلاحية والمنهجية في معنى كلمة (العرب). وهو ما سأشرحه في مجرى تحليل ودراسة ما وضعه في (المقدمة) في بحث كبير. وبغض النظر عن موقفه وكيف يبدو بالنسبة لذهنية الآخرين، فإن ما وضعه ابن خلدون أو ما توصل إليه من أحكام تخلو من أية أبعاد قيمية. إذ هي معدومة في كتابه (المقدمة). ومن ثم فإن كل ما فيها يبقى في نهاية المطاف جزءا من اجتهاده الشخصي، ومن ثم لا يعني صحته بالضرورة. فالتاريخ الثقافي العربي الإسلامي يعرف ما يسمى بالحركة الشعوبية التي سعت للانتقاص من العرب في أحد مراحلهم التاريخية ووصفهم بالتوحش ومختلف أصناف الرذيلة. مع إنها حالة ومرحلة تلازم تاريخ الأمم الكبرى كلها بدون استثناء. وهو أيضا من اكتشافات وتحقيق ابن خلدون حول الانتقال من البداوة والتوحش إلى المدنية والحضارة، باعتبارها الحالة الضرورية والحتمية بالنسبة للشعوب والأمم الحضارية الكبرى كلها بدون استثناء. وفي نفس الوقت هناك مئات بل آلاف العلماء والمفكرين والفلاسفة والفقهاء والأدباء والشعراء والمؤرخين وغيرهم ممن رفع شأن العرب الى مصاف "الأمة المقدسة"، بحيث رفعت لسانها إلى مصاف "لغة اهل الجنة"! وأيا كانت هذه الأحكام فإن العبرة، فيما لو استعملنا مصطلح ابن خلدون نفسه، تقوم في ما قرره التاريخ الواقعي والفعلي عن أن الحضارة التاريخية والكونية الكبرى ظلت تحمل أسم الحضارة العربية الإسلامية. اذ لا حضارة ولا ثقافة إسلامية بدون مقومها الجوهري العربي. والعربي هنا كان يعادل وما يزال المعنى الثقافي وليس العرقي أو الإثني. فالعرب والعروبة والعربية بعد الإسلام هي فكرة ثقافية وليست عرقية أو اثنية. وفي هذا تكمن أحدى خصائصها الكبرى والجوهرية.

لقد سلك ابن خلدون بما يتوافق مع رؤيته الفلسفية عن التاريخ. فحتى في حال افتراض وجود الشر في سلوكه الحياتي الشخصي، وهذا ما لا يتحرر منه أي شخص، باستثناء شيوخ التصوف وأقطابها، هو القدر الذي لابد من ملازمته للخير الكبير والكثير. وإن ابداع ابن خلدون لفلسفته التاريخية هو الخير الكبير والكثير الذي يحرر قيمته وأثره ومعناه من كل ما جرى ويجري وصفه من جانب صغار العقول وأنصاف المتعلمين ووجدان الأدباء الصادق.

إن القيمة التاريخية الفعلية لابن خلدون تقف ما وراء الفضيلة والرذيلة بمعناها السياسي الجزئي والمباشر. انها تسبح وتمرح وتفعل وتؤثر في ميدان الفكرة النظرية التاريخية. ومن ثم عبرتها الفلسفية والثقافية والتاريخية. وهي جوانب يمكن رؤيتها في أعمق أعماق أفكاره بصدد نسب الخير والشر في المسار الحضاري وانعكاسه بما في ذلك في علاقة السلطة بأتباعها بما في ذلك تجاه رجال العلم والمعرفة والثقافة والفكر.

  فقد توصل ابن خلدون بهذا الصدد إلى فكرة تقول بأن احدى المكونات الجوهرية التي ترافق وتلازم انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة، أي كل ما يرتبط بهيمنة وسيادة واستبداد الملك (السلطة والدولة) هو توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وبهائها وازدهارها. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الناصع منها والذي يكمن خلفه عدد هائل من الرذائل. والرذيلة بدورها جزء من ثقافة الدولة والمجتمع والحضارة. لهذا لم ينظر إليها ابن خلدون بمعايير ومقاييس الرؤية الأخلاقية وأحكامها المجردة (وهي الفكرة التي سيطورها مكيافيللي ولكن بمعايير قواعد العمل السياسي وليس بمعايير الرؤية التاريخية الفلسفية)، بل اعتبرها ضرورية أيضا من وجهة نظر المسار التاريخي الطبيعي للوجود الإنساني. وليس مصادفة إن يفرز في احدى ملاحظاته الدقيقة والنقدية في الوقت نفسه مفارقة الظاهرة الملازمة لتطور الثقافة والحضارة من أن السعادة والكسب يحصل غالبا لأهل الخنوع والتملق. وهي رؤية تاريخية وواقعية تتوافق مع منهجه العلمي والتاريخي الدقيق، أي الذي يقر بالظواهر كما هي ويحللها بمعايير تطورها الذاتي. انه يكشف عن رؤية نقدية لإحدى مفارقات الوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان. ويحللها من خلال تطور الدولة وأدواتها المرتبطة بفكرة الإكراه. بمعنى أن الإكراه هو الوسيلة التي من خلالها يجري بناء الدولة ووحدة البشر. وبالتالي، فإن رذيلة الإكراه بمعايير الرؤية الأخلاقية هي فضيلة بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية (وهي فكرة سيقول بها ماركس). غير أن للإكراه في الدولة عند ابن خلدون بعدا إيجابيا. إذ حالما يستتب الملك والسلطان ويكبر يصبح الجميع بالنسبة له سواء. ومن ثم يفّضل من يخضع له ويأتمر بأمره في كل شيئ. من هنا "سعادة" المتملقين وتعاسة أهل الشموخ والإباء. وليس مصادفة أن يكون "الكامل في المعرفة" سيئ الحظ كما يقول العامة، وذلك لأنه "حوسب بما رزق من المعرفة"[4]. وينطبق هذا على كافة أهل المعرفة والفقه والعلم وما إلى ذلك. وهنا يبدو سرّ الشكوى التاريخية والمعنوية التي يوجهها أهل العلم والمعرفة من تعاسة الواقع وسوء الحظ. وسبب ذلك الإكراه يقوم في أن التعاون المبني عليه "لا يحصل إلا بالإكراه عليهم لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع"[5]. والسبب الأعمق لذلك يقوم في أن الإنسان وأعماله تصدر عن روية واختيار، ومن ثم تختلف مواقفهم ومشاربهم، وبالتالي لا سبيل إلى وحدته إلا بالقوة والإكراه لكي يجري حفظ الوجود، أو كما يقول ابن خلدون "لابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع"[6]. وبالتالي أعطى لعلاقة الجهل أو المعرفة والإكراه بعدا فلسفيا كما في علاقة الخير الشر القائمة في الوجود. فالخير هو من "العناية الربانية" بينما الشر أحد أعراض الوجود الضرورية كسائر الشرور الداخلة في "القضاء الإلهي" (كما سيقول به هيغل). فوجود الكثير من الخير يلازمه شر قليل وهو "معنى وقوع الظلم في الخليقة"[7]. وفيما لو جرى إزالة اللون التقليدي اللاهوتي في العبارة، فإن معنى "القضاء الإلهي" هنا هو قانون الوجود الطبيعي.

من كل ما سبق يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن الأوصاف التي تلصق بابن خلدون معنى الرذيلة هو نتاج الرؤية المسطحة والغبية لحمقى "المثقفين"، وفي المقابل نعثر عند اغلبهم على تعظيم لمكيافيللي! مع أن الخلاف بينهما شاسع، لكنه يسير ضمن سياق العقل التاريخي والثقافي للأمم.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1]  إن الانطباع الذي تولد عندي بعد قراءة كل ما كتبه طه حسين، هو انه لم يستمع لما كان يسمعه ممن يقرأ له حتى النهاية. والأسباب كثيرة. فمن الصعب الاستماع إلى كتب نظرية كبيرة جدا. لهذا كان يلتقط بعض مما يرسخ في الذاكرة من عبارات قابلة للفهم السريع. وليس مصادفة أن يكره الفلسفة لصعوبة فهمها، بل انه كان "يقرف" من الفلسفة الألمانية، وذلك لأنه لا يمكن فهمها بمجرد الاستماع اليها. بل انه وجد في كتابات العقاد الفلسفية اشياء متعبة ومرهقة مع انها سهلة بالنسبة لطبلة الصفوف الأولى لكلية الفلسفة. بل في اعتقادي انها معقولة حتى بالنسبة لطلبة المدارس الثانوية المتعلمين جيدا. بعبارة أخرى، انني اشك في انه استمع إلى كتاب نظري فلسفي حتى النهاية، أي انه لم يقرأ أي كتاب حتى النهاية. ومع أن لطه حسين ملكة ذهنية وذاكرة حافظة إلا انها لا تكفي في مجال العلم النظري. من هنا توجهه صوب التاريخ والأدب. فهنا مرتع الرواية والحكاية. أما الملكة الفعلية لطه حسين فتقوم في قدرته على ركوب موجة الشهرة من خلال "المفاجئات" التي يقدمها للثقافة التقليدية. وقد عاش طول عمره على هذه البضاعة تحت عنوان النقد والنزعة النقدية. وما قدمه وكتبه طه حسين لا نقد علمي ومنهجي ومنظومي فيه. فهو أقرب ما يكون إلى قاعدة "خالف تعرف" الواسعة الانتشار والصفة المميزة لأنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وقد كان طه حسين ينتمي من حيث الجوهر إلى هذا الصنف من الكتاب.

[2] طه حسين: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تحليل ونقد. سلسلة المئويات، مصر، القاهرة، 1925، ص184.

[3] عبد الرحمن منيف: لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. المركز الثقافي للنشر والتوزيع.الطبعة الثالثة 2003.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص311.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4567 المصادف: 2019-03-08 02:01:17