 دراسات وبحوث

معروف الكرخي.. حكمة الروح المتسامي

ميثم الجنابيالشخصية الكبرى بداية ونهاية. وما بينهما صيرورة حرة. وعلى نوعية هذه الصيرورة وحجم حريتها يمكن تحسس وإدراك حقيقة البداية والنهاية، بمعنى يمكن إدراك قيمة الأفعال الأولى في صيرورتها الذاتية، وأثرها اللاحق في كينونة الأجيال والثقافة والفكرة.

وفيما لو طبقا هذه الفكرة العامة على شخصية معروف الكرخي (ت-200 للهجرة)، فإنها تساعدنا في كشف السرّ القائم وراء انتقاله للتصوف، أي السير في "طريق" الحق، وفي خاتمته بوصفه قوة سارية في تاريخ الحقيقية.

فقد مثل معروف بن فيروز (الكرخي) حالة الانتقال الثقافية الكبرى في الخلافة من الأموية إلى العباسية، ونوعية الانتقال الثقافي الذي اخذ يمزج ويخلط ويولف بين أمم وثقافات وفلسفات وأديان مختلفة في ما يمكن دعوته بالثقافة الإمبراطورية، أي الثقافة الكونية المحكومة بالفكر والتفكر. الأمر الذي هذّب فكرة الحرية والاختيار، وجعل من قدرة الإرادة البشرية قدر الحقيقة الإنسانية ومعاناتها. وضمن هذا السياق يمكن فهم اعتناقه للإسلام، وهو من أصول نصرانية، وفي رواية أخرى، صابئية[1]. إذ لا فرق من حيث الجوهر. فسواء اسلم على يد علي بن موسى الرضا، أو تتلمذ عليه كما تتفق اغلب المصادر الصوفية الكبرى[2]، فإن الشيء الجوهري هنا، هو الاختيار الذي لازم انتقال معروف الكرخي صوب التصوف. فالتصوف عابر للأديان من حيث مضمونه الروحي والأخلاقي، كما انه لا صلة له بالمذاهب. وذلك لأنه يتمثل فكرة وحقيقة "انتصاب القلب في طلب الحق". وما عدا ذلك مجرد قشور أو عادات أو تقليد وتقاليد.

فالفكرة الصوفية العامة تقترن في ما تدعوه المتصوفة بتسوية الإرادة بوصفها انتصاب القلب في طلب الحق. ومن ثم فإن قدر المريد هو مصيره، أي تصيره في مسالك البحث عن الحق، بوصفه حقيقة الوجد والوجود. وقد وجد انتقال معروف الكرخي صوب التصوف تعبيره النموذجي والخالص، أي المجرّد عن شبهات التأويل وتخمين العقول، في "المنام"، أي في الرؤية المميزة لتقاليد العصر آنذاك، والتي تجد في عبرة "اللقاء بالله" و"النبي" و"الملائكة" أسلوب التعبير الخالص عن مبدأ الحق. ووجد ذلك تعبيره في ما رواه أحدهم عن كيفية رؤيته لمعروف الكرخي في المنام، فسأله:

ما فعل الله بك؟

غفر لي.

بزهدك وورعك؟

لا بقبول موعظة ابن السماك، ولزوم الفقر، ومحبتي للفقراء.

لقد سمع معروف الكرخي، كما يروي عن نفسه، كيف أن شخصا كوفيا اسمه ابن السماك يلقي موعظة جاء في بعض منها عبارة تقول "من أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن أقبل على الله بقلبه، أقبل الله برحمته عليه، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه..."[3].

إننا نعثر هنا على الانعطافة الأولى في إرادة معروف الكرخي، بوصفها انتصابا للقلب في طلب الحق (الله). عندها ترك معروف الكرخي، كما يقول عن نفسه، جميع أعماله باستثناء خدمته لعلي بن موسى الرضا. لقد كانت تلك بداية الولادة الروحية لمعروف الكرخي. وما بينها وبين وفاته عام 200 للهجرة (الموافق 815 للميلاد) ترامت حياته بوصفها إبداعا حرا وجد تعبيره التام في أثره المباشر وغير المباشر في صيرورة الجنيد البغدادي، بوصفه الشخصية المحورية الأولى في مسار الفكرة الصوفية، وأحد أساليبها المتميزة في العلم والعمل. فقد كان الجنيد تلميذا للسري السقّطي، بينما الأخير مريدا لمعروف الكرخي[4]. وفي هذه السلسلة الأولية تكمن القيمة التاريخية والروحية الكبرى للكرخي. وليس مصادفة أن يتحول قبره في مقبرة الشونيزية أو مقبرة باب الدير العتيقة على جانب الكرخ من بغداد، إلى مزار للروح والجسد. لهذا قيل عنه انه "من المشايخ الكبار" "مستجاب الدعوة" و"يستشفى بقبره"[5]. بينما كان أهل بغداد يقولون "قبر معروف ترياق مجرّب"[6].

وفيما لو جرى إهمال هذه الخرافة الطبية، فإن معناها الحقيقي يقوم في أن الروح الكامنة في شخصية الكرخي ظلت عطرة في تاريخ بغداد، وذاكرة أهلها. كما أنها ظلت ذكية في عرف التصوف وتقاليد البحث المجرد عن الحقيقة. فقد انتقل الكرخي في الدهاليز المظلمة للوجود من أجل الخروج صوب طريق الحق، بوصفه نور القلب، أو ضوء الضمير الخالص في إخلاصه للحق. لهذا نراه يقول لمن طلب منه قبيل موته أن يوصيه بشيء فقال :"إذا مت فتصدقوا بقميصي، فاني أريد أن اخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا"[7]. وقد كان وصف أبو نعيم الأصفهاني إياه بعبارة "الملهوف إلى المعروف، وعن الفاني مصروف، وبالباقي مشغوف، وللطف مألوف"، دقيقا للغاية. كما صورت التقاليد اللاحقة للخيال الصوفي حالة حياته الدائمة بين أموات الوجود في العبارات التالية:"رأيت كأني دخلت المقابر، فإذا أهل القبور جلوس على قبورهم بين أيديهم الريحان. وإذا أنا بمعروف أبي محفوظ قائما بينهم يذهب ويجيء. فقلت:

أبا محفوظ! ما صنع بك ربك؟ أوليس قد مت؟

بلى!

ثم أنشأ يقول:  

موت التقي حياة لا نفاد لها    قد مات قوم وهم في الناس أحياء

لقد تبلورت شخصية الكرخي بوصفه نموذجا أوليا للفناء والبقاء. بمعنى انه حقق الصيغة العملية للمعرفة القائلة، بأن الحقيقة تكمن في ما هو باق، وما هو زائل عرضة للفناء. ومنهما تبلورت شخصيته المتسمة بقدر هائل من اللطف تجاه الوجود. وضمن هذا السياق يمكن فهم الحوادث والرؤى المتعلقة بشخصيته كما نعثر عليها في ما كتب عنه. مثل أن يقول احدهم، انه رأى رجلا في "سرادق العرش قد شخص بصره ينظر إلى الله لا يطرف". وعندما استفسر من ملائكته قائل:

من هذا؟

معروف الكرخي! عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته، بل حبا له[8].

 وفي رواية أخرى، تقول، بأن احدهم رأى معروفا في المنام كأنه تحت العرش، والله يقول لملائكته:

من هذا؟

أنت اعلم يا ربنا

هذا معروف الكرخي! سكر من حبي فلا يفيق (يصحو) إلا بلقائي[9].

لقد تحول معروف الكرخي إلى شخصية كونية وماورائية هي محل المعرفة والإعجاب الإلهي. وحالما يجري إنزالها إلى "تاريخ" الحياة البشرية العادية، فإنها تأخذ بالارتقاء صوب النموذج المنقذ للوجود الإنساني والمغري بروحيته النافعة. إذ نقل عن سفيان بن عيينة استفساره عند بعض أهل بغداد، قائلا:

ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد؟

من هو؟

أبو محفوظ معروف.

بخير!

لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم.

لقد تحول معروف الكرخي إلى القوة الضرورية لوجود المدن والبشر والحق والحقيقة، كما لو انه الطاقة الضرورية الكامنة في الوجود نفسه. ونعثر على هذه الصيغة في الحكاية التي تروي عن مجيء رجل من الشام إلى معروف الكرخي لكي يسلم عليه. وعندما استفسروا منه عن السبب أجاب: "إني رأيت في المنام يقال لي: اذهب إلى معروف فسلم عليه، فإنه معروف في أهل الأرض، معروف في أهل السماء". 

إن اقتران معروف (الكرخي) بكونه معروفا (بالشهرة) ليس معزولا عن المعرفة التي ميزت شخصيته العلمية والعملية. إذ فيها تنعكس مأثرته التاريخية الأولى بالنسبة للتصوف، كما تنعكس فيها قيمته وأثره بالنسبة للروح الأخلاقي أيضا.

فقد مثل معروف الكرخي نموذجا جديدا للمعرفة يذلل كميتها المستشرية آنذاك بوصفها حفظا وتخزينا للروايات والحكايات. لهذا قيل عنه بأنه "وعى العلم الكثير، فشغلته الوقاية عن الرواية". بعبارة أخرى، لقد تحولت كمية المعرفة إلى نوعية المواجهة للكلمة والعبارة بوصفها معنى ينبغي تحقيقه في العمل. الأمر الذي لازم شخصيته بحيث كان "فزعه من التفكر" دليلا على الغوص في معاناة التأمل الذاتية والعيش بكل دقائقها. لهذا عادة ما كانوا يلاحظون عليه تفكره في المجالس، ثم فزعه وهو يقول "أعوذ بالله"!  

لقد بلغت شخصية معروف الكرخي "الطيران" في خيال الآخرين، للدرجة التي استفسر منه أحد الأشخاص يوما، حسب مزاج المرحلة ونماذج تصوراتها عن اليقين:

بلغني أنك تمشي على الماء!

ما وقع هذا! ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر، فأتخطاه!

لقد أراد معروف الكرخي القول، بأن عبور نهر الوجود أيا كان عمقه ومجراه وخريره ينبغي أن يجري من خلال تخطيه الروحي في أعماق النفس عبر صنع الإرادة المتوحدة. لهذا نراه يقول في إحدى المرات لابن أخته "يا بني! إذا كانت لك إلى الله حاجة فسله بي".

جسّد معروف الكرخي في شخصيته الحياتية حياة الروح المتسامي، أي ذاك الذي ينظر إلى الوجود بمعايير العمل الخارج عن المألوف، أو بمعايير الرؤية الحكيمة، أي تلك التي لا تستخف بسخافات البشر وحماقة الأشرار، بل تنظر إليها بعيون التأسي لنقص العقل وجفاف الضمير. فقد نزل يوماً إلى نهر دجلة يتوضأ ووضع القرآن وملحفة كان يلتحف بها على شاطئ النهر، فجاءت امرأة فأخذتهما. عندها خرج ولحق بها ومسكها قائلا:

أنا معروف لا بأس عليك! ألك ولد يقرأ القرآن؟

لا!

فزوج؟

لا!

فهات المصحف، وخذي الملحفة!

وفي حالة أخرى كان قاعداً على نهر دجلة إذ مر به شباب في زورق، يضربون على الدف ويشربون، عندها قال له أصحابه:

أترى هؤلاء؟ في هذا الماء، يعصون! أدع الله عليهم!

فرفع يديه إلى السماء ثم قال:

إلهي وسيدي! كما أفرحتهم في الدنيا، أسألك أن تفرحهم في الآخرة!

عندها قال له أصحابه:

إنما قلنا لك ادع عليهم!

إذا أفرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا. ولم يضركم شيء.

لقد أراد القول، بأن الغضب والنقمة والانتقام ومختلف أشكال الضغينة ليست وسيلة للنجاة والفوز والرقي الأخلاقي، بل على العكس. إن المواقف الايجابية والإنسانية تتمثل حقيقة القيم الأخلاقية الرفيعة. ولم يكن ذلك معزولا عن جوهرية المعرفة والتحرر من ثقل الأشكال المختلفة والمتنوعة للقيم الأخرى مثل الورع والتقية وما شابه ذلك. بمعنى الخروج من مضيق القواعد الأخلاقية العادية إلى فضاء المعرفة المتنورة بقيم الأخلاق المتسامية، أي المهمومة والمتنورة بالوجدان الصادق والخالص. وهذه بدورها ليست إلا فلسفته الحياتية المهمومة بفكرة المعرفة المتسامية. فعندما كان البعض يهدي إليه طيبات الطعام،فإنه يأكل بلا تردد. وعندما قيل له مرة، بأن أخاه بشر لا يأكل مثل هذا، أجاب "إن أخي بشرا قبضه الورع، وأنا بسطتني المعرفة. إنما أنا ضيف في دار مولاي. إن أطعمني أكلت، وإن جوعني صبرت. ما لي والاعتراض والتمييز؟"[10]. ويروى عنه كيف أن أحد معارفه دعاه إلى وليمة، وكان قدامه بعض السياح، فأخذ معروف بيده. فلما رأى السائح تلك الألوان أنكرها وقال:

يا أبا محفوظ! أما ترى ما ها هنا؟

ما أمرتهم بشرائه.

فلما رأى الحلواء قال:

سبحان الله يا أبا محفوظ، أما ترى ما ها هنا؟

ما أمرتهم بصنعته.

فلما رأى مختلف أصناف الحلواء، قال:

أما ترى ما ها هنا!

قد أكثرت علي! أنا عبد مدبر. آكل ما يطعمني، وأنزل حيث ينزلني.

 

وفي رواية أخرى، قال له ابن أخته:

يا خال! أراك تجيب كل من دعاك.

يا بني! خالك ضيف ينزل حيث ينزل.

لقد تبلورت شخصية معروف الكرخي، بأثر دخوله الطريق الصوفي، أي طريق المعرفة الجديدة في التعامل مع إشكاليات الوجود والنفس. وهذا بدوره ليس إلا الفعل الأول الذي يلازم صيرورة الشخصية الصوفية. فالصيرورة الصوفية هي نتاج الدخول في الطريق، والطريق هو بداية صيرورتها الفعلية بوصفها عملية لا تتناهي إلا في الأفعال فقط. وما عداها هو وجدان دائم للوجود. وفي مجراه تتبلور الشخصية وطابعها الفردي، أي كل ما يتراكم في نوعية المعرفة وكيفية تحقيقها الفردي في الظاهر والباطن.

فالباعث الأول في دخول معروف الكرخي للطريق كان يقوم في انتصاب قلبه بطلب الحق عبر تحسس وإدراك وحدس القيمة غير المتناهية في فكرة "الإقبال بالقلب على الوجود". إذ تحول هذا المبدأ إلى أصل العلم والعمل. وعليه بنى مواقفه من كل ما واجهه وتأمله ووقف أمام مهمة اختياره. لقد أدى ذلك، كما هو الحال بالنسبة للتصوف ككل، إلى ما يمكن دعوته ببلورة التماسك الذاتي للشخصية والعمل بمعاييره. بمعنى التعامل مع مختلف مظاهر الوجود بنفسية الهموم الكبرى وذهنية الإخلاص الصادق. وليس مصادفة أن يقول عن نفسه "ما أبالي امرأة رأيت أو حائطا". كما نراه يحدد ماهية وحقيقة الوفاء بعبارة: "إفاقة السرّ عن رقدة الغفلات، وفراغ الهمّ عن فضول الآفات". بمعنى الخروج مما دعته المتصوفة بالتحرر من رق الاغيار، بمعنى التحرر من عبودية الأشياء أيا كانت، والبقاء في نعمة الوجود الحق. من هنا قوله "ليس للعارف نعمة وهو في كل نعمة". مما حدد بدوره موقفه وسلوكه تجاه كل شيء.

ففي الموقف من العمل، اعتبر "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق"[11].  ووضع ذلك في فكرة جوهرية عام ترتقي إلى مصاف المبدأ المطلق والتي خاطب بها مرة احد أصحاب داود الطائي:"إياك أن تترك العمل، فإن ذلك الذي يقرّبك إلى رضا مولاك". وعندما استفسر منه الرجل:

وما ذلك العمل؟

دوام طاعة ربك، وخدمة المسلمين، والنصيحة لهم[12].

لهذا نراه يجد في ترك العمل أو إرجاعه إلى مجرد اللغو والكلام هو عين الشر والرذيلة. من هنا قوله "إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل. وإذا أراد الله بعبد شرا، أغلق عنه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل"[13].  وليس المقصود بالجدل هنا سوى ما أطلق عليه عبارة كلام الإنسان في ما لا يعنيه. ولم يقصد هو بذلك التنحي والابتعاد عن هموم الآخرين أو الانزواء من أجل النفس. وذلك لأن حقيقة الانزواء والخلوة هي مجرد أسلوب الاقتراب الفعلي من الهموم الكبرى ولكن بعد تنقية القلب من أدران الابتذال، والعمل بمعايير الحق. وهو المعنى الذائب في معارضته للجدل، أي للكلام اللاصق للعاب اللسان وصرير الأسنان، على عكس لسان القلب والوجدان. فالأول سعير وشخير، والثاني تفكير وتحرير للروح والجسد من مغبة التيه في دهاليز العبث بحقائق الوجود. وضع ذلك في عبارة تقول، بأن "كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله".

وفي الموقف من العبادات، نراه يرى حقيقتها بحقيقتها (الباطنة) وليس بمظاهرها أيا كانت. وهو السبب القائم وراء عدم تمسكه بالنوافل. إذ يروي أحدهم عنه قائلا "ما رأيته متنفلا قط إلا يوم جمعة، ركعتين خفيفتين". وعندما ألح عليه أحد الأشخاص لمعرفة كيفية صومه لكي يقارنها بما كانت تقوم به الأنبياء وغيرهم، أجابه بصورة مقتضبة بأنه يصوم الدهر لكنه يأكل حالما يدعوه المرء لذلك. ولا يقول انه صائم. ويروى عنه كيف انه مر بسقّاء يقول "رحم الله من يشرب"، وكان صائما فتقدم فشرب. وعندما قيل له:

ألم تكن صائما؟

بلى! ولكني رجوت دعاءه[14].

بينما نراه يرد على متطفل ألح بسؤاله عليه لمعرفة سبب الأثر على وجه معروف الكرخي، قائلا: "صليت البارحة ومضيت فطفت بالبيت، وجئت لأشرب من زمزم فزلقت فأصاب وجهي هذا"!  

وينطبق ذلك على مواقفه من الدنيا والحياة والموت والقيم والأخلاق والسلطة والفكر والتفكر والحقيقة، بمعنى التعامل معها بروح الإرادة الصادقة والإخلاص للحق. وهو السبب الذي أوصله إلى فكرة تقول، بأنه "ما أكثر الصالحين، وأقل الصادقين في الصالحين". ذلك يعني إن الشخصية الحقيقة هي الصادقة في إخلاصها. مما حدد بدوره كمية ونوعية القيم الايجابية والإنسانية في ذاته، بوصفها البديل الأخلاقي الفعلي لما كان حوله.

وليس مصادفة أن تصبح فكرة التوكل، البؤرة التي تدور حوله ويدور حولها كما لو إنهما من عالم واحد. بمعنى تحول العلم إلى عمل والعمل إلى علم. وفيما بينهما تدور رحى وجده ووجوده استنادا إلى فكرة الحق. وذلك لأن التوكل في الفكرة الصوفية هو بداية ونهاية الرؤية والمواقف والأعمال. وذلك لأن معنى وحقيقة التوكل عند معروف الكرخي هو معرفة الوجود والتعامل معه بمعايير "الانبساط". فعندما ذكروا له مرة انقباض بشر (الحافي) عن الأسباب التي تفتح له، فإنه أجاب قائلا:"أخي بشر قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة"[15]. من هنا قوله "توكل على الله حتى يكون هو معلمك وأنيسك، وموضع شكواك". بمعنى انبساط الروح بمعرفة حقيقة الحق (الله) بوصها القوة الكامنة في الروح والجسد والتي تعطي لهما مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقي في التعامل مع الحياة ومعاناة معناها.

الأمر الذي حدد موقفه من الحياة والموت ومواجهة إشكاليات الحياة، كما في قوله "ليكن ذكر الموت جليسك لا يفارقك"، و"اعلم أن الشفاء من كل بلاء نزل بك كتمانه، فإن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يمنعونك ولا يعطونك". وليس هذا تقليلا من شأن الجماعة والألفة والحياة الطبيعية، بقدر ما انه يعكس جوهرية التوكل على فكرة الواحد، بوصفه أسلوب تكامل الأنا الفاعلة بمعايير الحق، أي المتحرر في الأفعال والأقوال من العبودية للغير. من هنا فكرته القائلة "توكل على الله حتى يكون هو معلمك وموضع شكواك". مما حدد شخصيته العملية بهذا الصدد. إذ كان معروفا عنه عدم أخذه بالأسباب (الوسائل) إلا عند الحاجة، ويأخذ منه ما لا بد منه. وكان لا يدخر. كما كان قصير الأمل. بحيث لم يكن يأمل بالبقاء من وقت صلاة إلى أخرى، كما ينقل عنه. لهذا كان يقول "إنما أنا ضيف في دار مولاي. إن أطعمني أكلت، وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني"[16]. بل يروى انه أقام الصلاة فقال لمحمد بن أبي توبة:

تقدم!

إني إن صليت بكم هذه الصلاة، لم اصل بكم غيرها!

وأنت تحدث نفسك أن تصلي صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فانه يمنع من خير العمل[17].

وفي حالة أخرى قعد معروف الكرخي على شط الدجلة فتيمم. فقيل له:

الماء قريب منك!

لعلي لا أعيش حتى أبلغه!

 لقد وضع معروف الكرخي فكرة التوكل بوصفها مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقية في صلب نموذجه الشخصي المحكوم بانبساط القلب بالمعرفة، بمعنى إدراك حقائق الوجود كما هي بمعايير انبساط القلب في التعامل مع الوجود. ووضع هذه الفكرة في عبارة تقول، إن "من كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه"[18]. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة دعاءه القائل: "اللهم لا تجعلنا بين الناس مغرورين، ولا بالستر مفتونين، اجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك". بمعنى تحرير الروح والجسد، والظاهر والباطن بمعايير الخشية التامة.

إن تكامل الروح والجسد بمعايير الخشية التامة وتحوله إلى "قواعد" السلوك العملي يعني تحريرهما من كل ما لا صلة جوهرية له بالحقيقة بوصفها إخلاصا ذاتيا، أي متحررا من اغيار لا قيمة لها بذاتها. فقد نظر إلى السخاء، على سبيل المثال، باعتباره "إيثار ما يحتاج إليه عند الإعسار". وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه "الخشن" من الحياة عندما حددها بعبارة تقول "الدنيا أربعة أشياء: المال والكلام والمنام والطعام. فالمال يطغي، والكلام يلهي، والمنام ينسي، والطعام يسقي". وليس المقصود بذلك نفي هذه المكونات أو إزالتها من الوجود، بقدر ما تفترض الوحدة التامة للروح والجسد بمعايير الخشية الذاتية، بوصفها نفيها لكل ما يمكنه أن يكون مصدرا للطغيان واللهو والنسيان. إذ ليس هناك من تسخيف أشد لحقيقة الإنسان من أن يكون وعاءا أو إناء للطغيان واللهو والنسيان. إذ لا تتعدى الدنيا أن تكون بهذه المقاييس أكثر من "قدر تغلي وكنيف يرمي" كما يقول معروف الكرخي. من هنا رؤيته البديلة القائلة، بأن "الله يقول أحب عبادي إلي المساكين، الذين سمعوا قولي، وأطاعوا أمري، ومن كرامتهم علي أن لا أعطيهم دنيا فيقبلوا عن طاعتي"، أي أولئك الذين يسمعون صوت الحقيقة كما هي ويعملون بما فيها بوصفهم كرماء الوجود الحق، أي أولئك الذين يشكل وجودهم الظاهري والباطني حقيقة المعنى الإنساني، بوصفه عطاء دائما وكرما أبديا. إذ الكريم من يكرم الوجود بما فيه. وقد جسّد ذلك بموقف رمزي عندما مر بطريق ملقى عليه خشبة فمشى عليها، فقيل له :

ما أردت بذاك؟

مشيت عليها لئلا يخرج صاحبها!

بمعنى أن الخشبة هي وجود ميت، وأن هذا الميت خشبة الطريق لا غير. ولا معنى لخروجه من جديد. لقد اندثر بوصفه النتيجة المحتومة للطغيان واللهو والنسيان. أما الخروج من هذه الحالة إلى حيز الوجود الحقيقي فيفترض تنقية القلب من أدران الرذيلة. ولن يتم هذا إلا "بإخراج الدنيا من القلب". فعندما سألوه مرة:

بم تخرج الدنيا من القلب؟

بصفاء الود، وحسن المعاملة.

ولا يتم بلوغ هذه الحالة دون بلوغ الوحدة الحية في النفس، أو ما أطلقت عليه عبارة مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقي. لهذا نراه يحدد "علامة الأولياء" بثلاث وهي همومهم لله، وشغلهم فيه، وفرارهم إليه. بمعنى وحدة الهمّ والعمل بموجبه والاستماع إلى ما فيه دوما بوصفها حقيقة الولاية. فالولاية ليست شيئا ما غير الإرادة الحية في مساعيها صوب الوحدة المهمومة بالهموم الكبرى. من هنا يمكن فهم تحديده للابدال، أي للشخصية الصوفية الأكثر رقيا وعلوا في الوجود، من خلال ربطها بمساعيها لإصلاح الأمة والإفراج عن مصاعبها والعمل من اجل رحمتها. فقد قال بهذا الصدد "من قال في كل يوم عشر مرات: اللهم أصلح أمة محمد، اللهم فرّج عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، كتب من الأبدال". بعبارة أخرى، إذا كان الدعاء الدائم لإصلاح الأمة والفرج عنها ورحمتها ترفع المرء إلى مصاف الابدال، فإن البدل الحقيقي هو من يفعل ذلك. مع انه لا خلاف بينهما بالنسبة للكرخي. وذلك لأن القول عمل. الأمر الذي جعله يغيب ويتوارى بمقاييس الحياة العادية، بل يغترب اغترابا كليا عما هو سائد فيها من قيم وأقدار ومفاهيم، ويبقى في الوقت نفسه ضمن معايير العقل الأخلاقي المتسامي. ويتجلى ذلك بوضوح في موقفه من السلطة والمال. فقد كان يقول عند ذكر السلطان:"اللهم لا ترنا وجه من لا تحب النظر إليهم". أما موقفه من المال، فإنه يترامى بين العبث الظاهري والجود الباطني. إذ أتاه مرة رجل بعشرة دنانير، فمر سائل يبكي، فناوله إياها. ثم قال "يا نفس كم تبكين؟ أخلصي تخلصي!". كما يروى عنه الحادثة الطريفة التالية: قال له أحدهم مرة:

يا معروف! لو قعدت على الدقيق لأمضي في حاجة

بشرط أن لا أمنع سائلا!

نعم!

 وقد كان الرجل يظن أن معروف يمكنه أن يعطي أقدار معقولة للسائلين. لكنه حالما رجع فانه رآه قد تصدق بشيء كثير جدا. حينها احمرت وجنتي الرجل. وحالما شاهد معروف ذلك قال له:

لست عائدا إلى هذا الموضع!

 فعندها تقدم صاحب المحل إلى الصندوق فإذا هو فارغ بلا دراهم!

لقد أراد معروف الكرخي القول، بأن المال الحقيقي هو ميل القلب صوب النفس عبر تحريرها من بكاء النفس والعين، وغضب النفس على كمية الدقيق والدراهم. ومن ثم القول، بأن الامتلاء الحقيقي للإنسان يقوم في امتلاء إرادته بالخير. فهو الأسلوب الأمثل للامتلاء الفعلي للوجود الإنساني. وما عدا ذلك مجرد فراغ وتفريغ. من هنا يمكن تحسس وإدراك المعنى العميق في مفارقة تحيته لأولئك الذين زاروه مرة. فقد خاطبهم قائلا:

السلام عليكم ورحمة الله

وعليك السلام.

حياكم الله بالسلام، ونعمنا وإياكم في الدنيا بالأحزان!

لقد جعل من أحزان الوجود نعمة، وذلك لأنها محك ومعيار حياة القلب. إذ أن المواقف الحية في مواجهة الخلل والخراب والرذيلة، عادة ما تبكي القلب وتجعله حزينا. ومن ثم تنقيه أمام مصاعب الوجود العابر، إضافة إلى إثارة دهشته المعرفية أمام مصائب الكون الأبدية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...............................

[1] السلمي:طبقات الصوفية ص 76.

[2] القشيري: الرسالة القشيرية، ص9.

[3] القشيري: الرسالة، ص9-10.

[4] القشيري: الرسالة ص9.

[5]  القشيري: الرسالة، ص9.

[6] القشيري: الرسالة، ص9.

[7] القشيري: الرسالة، ص10.

[8] أبو طالب المكي: قوت القلوب ج2 ص56.

[9]ابن خلكان:  وفيات الأعيان، ج5، ص232

[10]  الغزالي: الإحياء، ج3، ص97.

[11] السلمي: طبقات الصوفية، ص78.

[12] القشيري: الرسالة، ص9.

[13] السلمي: طبقات الصوفية، ص76.

[14] القشيري: الرسالة، ص10.

[15]  أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2 ص19.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2 ص19

[17]  الغزالي: الإحياء، ج4، ص456

[18] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ص342.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنت سيدي. وفي انتظار ما تفيء به علينا من مآثر السري والجنيد رحمهم الله .

د. منير لطفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4602 المصادف: 2019-04-12 02:42:23