 دراسات وبحوث

سلف السلفية

منى زيتوننظرًا لارتباط العقيدة السلفية بالنسبة الأكبر من الفتن في تاريخ الإسلام القديم والحديث، فما انتشرت عقيدتهم في مكان إلا كثُرت فيه الفتن، وما خبا ذكرهم في موضع إلا واستراح أهله من الفتن؛ فيلزمنا مراجعة مصدر الأصل الأساسي في تلك العقيدة الخاص بصفات الله تعالى، الذي يوحدونه على أساسها؛ لأنه السبب الأول لتكفيرهم باقي فرق المسلمين، ومن ثم فهو أساس من أسس نشأة شجرة التطرف وتناميها؛ فقد تفرد السلفيون بعقيدة من بين هذه الأمة حول صفات الله تعالى، نتيجة طريقتهم الحروفية في الفهم والاستدلال من نصوص الكتاب والسُنة. وسنعرض لتلك المراجعة بالدرجة التي تكفينا لفهم ما يصدر عن تلك الجماعة، فليس الهدف من بحثنا نقد العقيدة السلفية بذاتها، وهناك من كتب القدماء والمحدثين الكثير مما تصدى تفصيليًا لذلك الموضوع.

وأول المراجعة يجب أن تكون للمسمى. للشهيد الدكتور/ محمد سعيد رمضان البوطي كتاب صادر عن دار الفكر بدمشق بعنوان "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي". يحاول فيه تصحيح التلبيس الذي وقع على عوام الأمة، بإيهامهم أن تلك الفئة المحددة من المسلمين هي المتمسكة بما كان عليه السلف الصالح للأمة في القرون الثلاثة الأولى، وأنهم المتّبِعون لمنهاج السنة النبوية.

هذا التلبيس الحادث مصدره حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏روى الإمام البخاري في صحيحه (3650)، عن عمران بن ‏حصين، يقول:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد ‏قرنه قرنين أو ثلاثًا - ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويَنذُرون ولا يَوفون، ‏ويظهر فيهم السمَن".‏ وأطرافه بالبخاري [2651-6428-6695]. وعلّق مصطفى البغا شارحًا الحديث "أنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب التي هي أسباب السمن، وقيل غير ذلك".

‏         وروى البخاري، (3651) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه،‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم ‏يمينه، ويمينه شهادته".‏ قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.‏ وأطرافه بالبخاري [2652 -6429-6658]. وعلّق مصطفى البغا، أن "هذا كناية عن التسرع في الشهادة والحلف والحرص عليها ولو لم يُطلب إليها، وهو عنوان قلة الورع والمبالاة في الدين".

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، روايات كثيرة مشابهة. ورواه الإمام الترمذي في سننه (2221- 2222-2302-2303-3859).

فبداية المراجعة أن من يُطلقون على أنفسهم مسمى السلفيين، يستغلِّون ذلك المسمى عن طريق ربطه بفكرة الخيرية المُطْلَقة في السلف الصالح، والمتمثل وفقًا للحديث في الصحابة والتابعين ثم من تلاهم من التابعين. ولهذه الفِرقة ادعاءات تطول عن موافقة عقيدتهم وفقههم لعقيدة السلف، علمًا بأنهم لا يكادون يستشهدون بكلمة من المرويات عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف، بل يُكثرون النقل من ابن تيمية وغيره من مشائخهم، والتي قد يكون فيها بعض النقول عن السلف، ولا يعودون مباشرة لكتب السلف إلا ما ندر؛ ومن ثم فإنهم في الحقيقة يأخذون برأي مشايخهم الذي غالبًا لا يكون أمينًا في النقل عن السلف، فلا يعرض الخلافات بين الأئمة. والشائع عن مشايخهم حكايتهم الإجماع على ما يلائمهم من آراء، ونقلها لهم على هذا النحو، أو على الأقل تصويب الرأي الذي يوافقهم مهما كان شاذًا، وعوام الفِرقة يُسارعون للأخذ عنهم ظنًا منهم أن هذا ما كان عليه السلف.

وقد عمل هذا الارتباط بين تلك الفئة من المتشددين المتطرفين وبين السلف على تغيير جوهر الإسلام في أذهان العوام من المسلمين وغير المسلمين، فصارت صورة الدين الإسلامي أبعد ما تكون عن كونه رسالة الرحمة التي أرادها الله له، وصار التطرف مرادفًا للتدين لدى كثيرين.

ولن أسرف في ذكر تصنيفات أتباع ذلك المذهب لأعلام الأمة ممن عاشوا في تلك القرون، ومن يعتبرونه ومن لا يعتبرونه من السلف الصالح لسبب بسيط أن هذه تنظيرات لا قيمة لها على أرض الواقع، فحقيقة الأمر أن هؤلاء لا يتبّعون أي من كبار أئمة السلف –على كثرة الاختلافات بينهم في الفروع- ممن عاشوا في القرون الأولى، بما فيهم أئمة المذاهب الأربعة، ولا حتى يتبّعون الإمام أحمد بن حنبل صاحب المذهب الذي يدّعون انتماء فكرهم إليه عقديًا وفقهيًا، فسلفهم الذي يتبعونه في أصولهم العقدية هما المجسمان مقاتل بن سليمان البلخي، ومحمد بن كرام السجستاني‏.

سلفهم الأول، مقاتل بن سليمان

أما مقاتل بن سليمان المتوفي سنة 150هـ، فكان معاصرًا للإمام أبي حنيفة، ويُقال أن أبا حنيفة كتب "الفقه الأكبر" يشرح فيه عقيدة المسلمين لمّا رأى عقيدة مقاتل المجسمة بدأت تنتشر بين أهل العراق. ذكر الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص125)‏ "نُسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبّهة، وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم مُعطِّل، ومُقاتل مشبِّه". وقال ابن حبّان عن مقاتل: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يُشبِّه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث""أهـ. فبينما غالى جهم في التنزيه حتى عطّل ونفى كل الصفات عنه تعالى، غالى مقاتل في إثبات كل ما اعتقده صفات للباري حتى شبّه.

يقول عنه علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص289): "قد اختلفت الأنظار فيه: فذُكر أنه كان مفسرًا سنيًا، وقيل إنه مفسر زيدي، واعتبره الشافعي أكبر مفسر، وأن الناس عيال في التفسير عليه، ولعنه أبو حنيفة. وأجمعت الكتب على أنه كان مشبهًا ومجسمًا، وأنه أخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم تفسيره المشبهي والمجسمي للقرآن، وأنه كان ضعيفًا في الحديث، وأنه قبِل الحشو وضمّنه مذهبه"أهـ.

كما ترجم له الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج7، ص201-202) "قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة! وقال وكيع: كان كذابًا. قال البخاري: مُقاتل لا شيء البتة. وقال الذهبي: أجمعوا على تركه"أهـ. بينما رآه ابن تيمية في "منهاج السنة" (ج1، ص56) يصلح للاعتضاد والمتابعة!

يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص290-291) "وموجز القول في مقاتل بن سليمان أنه كان مشبهًا ومجسمًا. وقد احتفظ لنا التاريخ بقطع من تفسيره تثبت تمام الإثبات تشبيهه وتجسيمه، ولا شك أن مضر وكَهْمَس وأحمد الهجيمي –مشبهة الحشوية الذين قالوا أن الله جسم لا كالأجسام، وهو مركب من لحم ودم لا كاللحوم والدماء، وله الأعضاء والجوارح- قد سبقوه أو عاصروه في اعتناق التشبيه، ولكن المذهب يُرد إليه ويُنسب إليه في الأكثر. كانت المقاتلية مدرسة تفسير كبرى برعت بلا شك في التفسير، وقد كان التفسير فنًا جديدًا، ومجالًا للأخذ من مختلف الثقافات. ويبدو أن مقاتلًا كان على معرفة دقيقة بكل ما حوله من تراث، فأخذ ما يوافقه، فتأثر بالديصانية والمرقونية والمزدكية، كما تأثر بالإسرائيليات والمسيحيات، وضمّن كل هذا تفسيره. وهنا نتساءل هل كان تجسيمه فلسفيًا استند على رأي فلسفي؟ أو بمعنى أدق هل تأثر مقاتل بالرواقية، وهي أيضًا تقول أن الوجود جسم، وأن الله جسم؟ إننا نعلم أن الرواقية كانت منتشرة في الفلسفيات الثنوية وبخاصة الديصانية، فهل وصلت إلى أعماق تفسير مقاتل خلال الديصانية أو المزدكية؟ من المحتمل أن هذا قد حدث، ومن المحتمل أن الرجل قد وصل إلى التجسيم خلال تفسير قرآني بحت، مستندًا على الثقافة العامة المنتشرة في خراسان إبان ذلك الوقت وهو يفسر العرشية والكرسية، وأن الله استوى على العرش استواءً ماديًا، واستقر استقرارًا محسوسًا"أهـ. وألفت إلى أن ابن تيمية قد عدّ كَهْمَس من السلف الصالحين في مجموع الفتاوى (ج16، ص35)، كما روى عنه الإمام البخاري حديث (4473) بواسطة أحمد بن الحسن، وهو آخر حديث في كتاب المغازي بصحيحه.

وقد انتقلت مقالات مقاتل للحنابلة عن طريق أبي عاصم خشيش بن أصرم، المتوفي سنة 254هـ، بعد وفاة الإمام أحمد بثلاث عشرة سنة. يذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" للملطي (ص5) "أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي –وهو غير الإمام المحدث النسائي- من شيوخ أبي داود وابنه والعسال. كتب كتاب "الاستقامة". وكان ممن سطع نجمه بعد رفع المحنة في فتنة القول بخلق القرآن عند تقريب المتوكل العباسي النقلة. وهو يُعَدّ عندهم ثقة في الرواية، ولكنه متخبط في مسائل الدراية. فيفوه بما ينبذه البرهان الصحيح غير ساكت عما لا يعنيه"أهـ. وابن تيمية ينقل عن أبي عاصم في "منهاج السنة"، ولأن أبا عاصم كان من شيوخ أبي بكر بن أبي داود الناصبي الكذاب الذي تحنبل أواخر القرن الثالث الهجري، وكان سببًا رئيسيًا في محنة الإمام الطبري مع الحنابلة، التي خصصنا لها مقالًا كاملًا، فقد ساهم هذا في نقل مقالات مقاتل التجسيمية إلى من عُرفوا بالحنابلة.

كما ساهم في انتقال اعتقادات مقاتل للحنابلة، روايات نُعيم بن حمَّاد الخزاعي صاحب كتاب "الفتن" المليء بالعجائب والمناكير على حد وصف الذهبي، والذي تربى على يد نوح بن أبي مريم ربيب مقاتل بن سليمان –ونوح أيضًا تتلمذ على أبي حنيفة-. ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج10، ص597) نقلًا عن "تاريخ بغداد" "أن نُعيمًا كان كاتبًا لأبي عصمة –يعني نوحًا-، وكان شديد الرد على الجهمية وأهل الأهواء، ومنه تعلَّم نُعيم، وأن نعيمًا قال: كنتُ جهميًا، فلذلك عرفت كلامهم، فلمّا طلبت الحديث، عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل"أهـ. فكأن الرجل قد انتقل من الحال إلى نقيضه، فمن نفي وتعطيل الصفات الثابتة عن الله تعالى كما هو حال الجهمية، إلى إثبات كل ما يجد أمامه في حق الله، والادعاء أنها صفات دون تنزيه كما هو حال المشبِّهة.

ينقل عنه ابن كثير –وهو سلفي العقيدة- في تفسيره لآية الاستواء عن العرش بسورة الأعراف (ج3، ص426-427) "بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: "من شبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر". ثم يزيد ابن كثير: "وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى"أهـ. وهذا النفي للتجسيم معتاد ممن يثبتون الأبعاض والجوارح وغيرها بعد أن يُثبتوها! ولا يغني مع فساد عقيدتهم شيئًا. والذهبي يثبت في ترجمة نُعيم بالسير (ص610) عقيدته في إثبات ما يُعرف بالصفات الخبرية التجسيمية، ويثني على ذلك، ولا يُستغرب ذلك من الذهبي كونه حنبلي العقيدة مع ميل للتفويض أحيانًا.

ولكن الذهبي يثبت عنه أنه مُختَلف في توثيقه، وقد اتهمه يحيى بن معين عندما كان يحضر مجلسه في مصر بالكذب على ابن المبارك، وترجمته عند الذهبي محشوة بأقوال كثيرين ممن لم يعدّلوه، وكذا يثبت الذهبي في ترجمته لنُعيم في "ميزان الاعتدال" قول أئمة المحدثين فيه أنه كثير التفرد بروايات، وأهم ما ذكره الذهبي في ذلك (ج4، ص269) "قال الأزدي: كان نُعيم ممن يضع الحديث في تقوية السُنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان كلها كذب"أهـ. فالرجل اُتُهِم صراحة بأنه كاذب، يضع الأحاديث التي يُقوي بها ما يعتقده، إضافة إلى كذبه واختراعه حكايات من كيسه عن الإمام أبي حنيفة النعمان ليس لها أصل. ومنها الحديث غير الصحيح الذي أورده أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص891) (1673)، وذكر أنه لم يصححه أحد، وهو "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها على أمتي فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يُحرِّمون ما أحل الله، ويُحلُّون ما حرم الله"أهـ.

وكان نُعيم قد حُمل من مصر إلى بغداد؛ ليُمتحن في فتنة خلق القرآن، ومات مسجونًا. ورغم أنه ومن المؤكد أنه ليس بمنزلة الإمام أحمد بن حنبل، إلا أن موقفه في المحنة، ورفضه الإجابة إلى خلق القرآن قد أعلوا منزلة ما نقله من اعتقادات مقاتل التجسيمية لدى حنابلة بغداد، حتى صارت اعتقاداتهم، والتي نسبوها زورًا للإمام أحمد.

ويروي الذهبي عن ابن تيمية في كتابه "العرش" (ج1، ص126)‏ مدافعًا عن بعض ما ذكروا من مقالات مقاتل الشاذة؛ ولإعجابه حتمًا بباقي المقالات التجسيمية، "قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله. والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يُحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره وإطلاعه، كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا، وما يبعد أن  يكون النقل عن مقاتل من هذا الباب"أهـ.

سلفهم الثاني، محمد بن كرام السجستاني

أما الكرامية، فهم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني، المتوفي سنة 255هـ. ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص99) "كان ممن يثبت الصفات، إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه. نصّ على أن معبوده على العرش استقرارًا، وعلى أنه بجهة فوق ذاتًا، وأطلق عليه اسم الجوهر، فقال في كتابه المسمى "عذاب القبر" أنه أحدي الذات أحدي الجوهر، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا، وجوَّز الانتقال والتحول والنزول، ومنهم من قال أنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم امتلأ العرش به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق ومحاذ للعرش، ثم اختلفوا ......"أهـ.

فاعتقاد الكرامية في صفات الله تعالى يشابه اعتقاد الحنابلة القدماء، غير أنهم خالفوهم في مسألتين، ذكرهما الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص123)، يقول: "المسألة الأولى: أنهم يبالغون في إثبات الصفات –يعني الجوارح التي أثبتها السلفية في حق الله تعالى-، ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم) و (المماسة). قالوا عنه تعالى: جسم لكن لا كالأجسام. والمسألة الثانية: أنهم يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن"أهـ.

يوضح الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص100) في شأن المسألة الأولى "أطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه تعالى، والمقاربون منهم قالوا: يعني بكونه جسمًا أنه قائم بذاته، وهذا هو حد الجسم عندهم"أهـ. وأما المسألة الثانية، فقد ذهب الكرامية –متشبهين بالمجوس- إلى تجويز قيام الحوادث بذات الله تعالى. قال الشهرستاني (ج1، ص101) "ومن مذهبهم جميعًا قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، ومن أصلهم أن ما يحدث في ذاته إنما يحدث بقدرته"أهـ. وقد ردّ عليهم الإمام الجويني والإمام الفخر الرازي، وذكر المؤرخون أن مناظرات الرازي معهم وإثباته استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى هي سبب سمّ الكرامية له.

وقد أثبت ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة" تقارب الكرامية في العقيدة من السلفية المنتسبة زورًا إلى أحمد بن حنبل، ودافع عنهم، بل وكتب كتابًا أسماه "نقض أساس التقديس"، يرد فيه على الإمام الفخر الرازي! كما ثبت عن ابن تيمية عدم إنكار لفظ الجسمية في حقه تعالى، وأنه لا يمتنع عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص134): ‏"‏وقد يُراد بالجسم ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات؛ والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويُشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم قلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد شخص بقوله: "ليس بجسم" هذا المعنى. قيل له: "هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلًا على نفيه"أهـ‏. وأساس الكذبة التي ادّعاها هو ربط مصطلح الجسم لغويًا بما يُخالف المعروف عنه في لسان العرب، وهذا الربط من ابتكار ابن تيمية. وكان اعتراض ابن تيمية الوحيد على استخدام مصطلح "الجسم" في حق الله تعالى (نفيًا وإثباتًا)، ما ادّعاه من أن ذلك بدعة، ورفض تنزيه الله بنفي أن يكون جسمًا!

ذكر الكوثري في حاشية تحقيقه لـ "التبصير" لأبي المظفر الإسفراييني (ص134) "ابن تيمية يقول في رده على "أساس التقديس" للرازي: "فمن المعلوم أن الكتاب والسُنة والإجماع لم تنطق بأن الأجسام كلها محدثة، وأن الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة"أهـ. ويزيد الكوثري (ص135) "وقال المنبجي صاحب ابن القيم في إثبات المماسة: "قال ابن تيمية: والمعروف عند أئمة أهل السُنة وعلماء أهل الحديث أنهم لا يمتنعون عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه، بل يروون في ذلك الآثار، ويردون على من نفاه". ذكره في الأجوبة المصرية"أهـ. وكما نرى فابن تيمية لا يكتفي بالاتفاق مع معتقد الكرامية، بل ويكذب على أئمة المسلمين.

كذا ثبت عن ابن تيمية تجويزه قيام الحوادث بذات الله. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص380): "فإن قلتم لنا: قد قلتم بقيام الحوادث بالرب. قالوا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل"أهـ. وهو في هذا الموضع يقرر عقيدته لا عقيدة غيره. ويضيف (ص381) "فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسُنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ الحوادث مجمل فقد يُراد به الأمراض والنقائص، والله تعالى منزَّه عن ذلك، كما نزَّه نفسه عن السِنة والنوم واللُغوب، وعن أن يؤوده حفظ السماوات والأرض، وغير ذلك مما هو منزّه عنه بالنص والإجماع. ثم إن كثيرًا من نُفاة الصفات -المعتزلة وغيرهم- يجعلون مثل هذا حجة في نفي قيام الصفات أو قيام الحوادث به مطلقًا، وهو غلط منهم، فإنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، ولا يجب إذا نفيت عنه النقائص والعيوب أن ينتفي عنه ما هو من صفات الكمال ونعوت الجلال"أهـ. ومرة أخرى يكذب على أئمة المسلمين بادّعاء أن لا أحد منهم أنكر قيام الحوادث به سبحانه! بينما لم يثبت ذلك إلا سلفه ابن كرام.

والسلفية المعاصرون كإمامهم ابن تيمية، يعتقدون معتقديه الشاذين؛ فهم أقرب للكرامية منهم إلى عقيدة حنابلة بغداد.

ترجم لابن كرام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج11، ص523) قال: ‏"خُذل حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجُوَيْباري وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مئة ألف حديث". كما ترجم له في "ميزان الاعتدال" (ج4، ص21) قال: "وقد سُجِن بنيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أُخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات بالشام في سنة خمس وخمسين ومائتين، وعكف أصحابه على قبره مدة"أهـ. ومن هنا يتبين لنا كيف وصلت اعتقاداته لبلاد الشام، فالتقطها المقدسيون والدمشقيون، ومنهم ابن تيمية وتلاميذه، وعبد الغني المقدسي، وغيرهم.

***

كان مقاتل بن سليمان بلخيًا؛ من مدينة بلخ، وتقع حاليًا في حدود أفغانستان، ورغم أصوله الأزدية، والأزد كما هو معروف كانوا من أفصح الناس لسانًا، وأعذبهم بيانًا، إلا أن نشأته في بلاد لا يتكلم أهلها بالعربية لن تتيح له اكتساب تلك الفصاحة وذاك البيان. وكذا فإن ابن كرام نشأ بساجستان، وهي منطقة تاريخية تقع في شرق إيران، وقسم منها يقع جنوب أفغانستان. فالفكر التجسيمي الذي أخذ به من سمّوا أنفسهم بالحنابلة أولًا، ثم سمّاهم ابن تيمية بالسلفية، ونسبهم إلى السلف، إنما ورد على الإسلام من تفسير اثنين من مفسريّ القرآن من وراء بلاد فارس، وربما كان لفهمهما الحرفي للغة العربية –كونهما لم ينشآ على العربية- الدور الأساسي في تفسيرهما لآيات القرآن الذي هو أشبه بالترجمة الحرفية، فالمراد بوجه الله عندهما هو وجه، وكأني بهما لو كانا ينطقان بالإنجليزية لترجماها "the face of Allah". إضافة إلى تأثرهما بالثقافة العامة في بلاد فارس المشبعة بالفلسفات الثنوية والإسرائيليات. وفرق كبير بين تفسير مقاتل وابن كرام، وبين تفسير الطبري والزمخشري –وهو معتزلي- والفخر الرازي للقرآن، وهم أيضًا فُرس، وكذا تفسير القرطبي وهو أندلسي، ولكن الأخيرين أتقنوا اللغة، وتسلّحوا بالبيان، وعرضوا لتفسيرات اللغويين، ونقلوا الشعر لتقرير المعنى، مع العلم بأقوال الصحابة والتابعين، وشتان بين الفريقين.

فهذان هما سلفهما القديم عقديًا، أما سياسيًا فهم أمويو الهوى والمشرب، ونصبهم وكراهيتهم لآل البيت لا تخفى على أحد، حتى وصل الحال بابن تيمية أن يفتي بحرمة شد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحكي كذبًا إجماع أئمة المسلمين على هذا، وكان سبب سجنه الأخير الذي مات فيه. ولعل من أوجه التشابه بينهم وبين الأمويين لجوئهم إلى سمْ مخالفيهم، والتشنيع بالأكاذيب عليهم، وسنرى من ذلك الكثير عند مراجعة فتنهم عبر التاريخ.

والسلفية أيضًا إضافة إلى تجسيم وتشبيه الله سبحانه بخلقه بنسبة الجوارح إليه، هم أتباع وتلاميذ مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب التي كانت لها مخالفات لجموع المسلمين وأهمها، تقسيم التوحيد وما يقولونه في الألوهية والربوبية، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتكفير وتضليل المسلمين ممن لا يتبعون عقيدتهم في الله سبحانه وتعالى، ومن يريد الوقوف على حقيقة ما يعتقدون فعليه بهذين الشيخين فهما إماما المذهب الحقيقيين.

جذور الفكر التجسيمي في الإسلام

ينبغي مع ذلك أن نلفت أن مقاتلًا وابن كرام ليسا أول من قالا بالتجسيم والتشبيه. يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج2، ص173) "أجمع مؤرخو الفكر الإسلامي القدامى، شيعة، وسُنة، ومعتزلة، على أن هشام بن الحكم هو أول من قال إن "الله جسم"، وأن مقالة التجسيم في الإسلام إنما تُنسب إليه، فهو أول من أدخلها أو ابتدعها، كما نُسب إليه التشبيه أيضًا. وثمة خلاف بين التجسيم والتشبيه. ونحن نعلم أن مقاتل بن سُليمان نادى أيضًا بالتجسيم، كما نادى بالتشبيه، غير أن مقاتلًا وصل إلى آرائه خلال تفسير القرآن –أي خلال طريق نقلي-، فقد حشا تفسيره بإسرائيليات ومسيحيات وثنويات، انتهى منها إلى تجسيم وتشبيه غليظين. وهذا ما لم يفعله، فيما يبدو، هشام بن الحكم، بل يكاد يكون طريقه في إثبات الجسمية لله طريقًا عقليًا بحتًا"أهـ.

ولهذا الفارق الذي ذكره النشار، إضافة إلى أن هشام كان رأسًا من رءوس الشيعة الإمامية من المعتقدين بعصمة الأئمة وغيرها من اعتقادات الشيعة، أرى أنه لا مجمل اعتقاداته، ولا طريقته الكلامية الفلسفية في إثبات التجسيم ترشحانه ليُعدّ سلفًا للسلفية.

مصطلحات تشنيعية متبادلة!

يدّعي السلفية أنهم يثبتون ما أثبت الله تعالى لنفسه من صفات، علمًا بأنه تعالى لم يثبت ما ادعوا، ويبدو أنهم لا يدركون معنى صفة في اللغة؛ فهل إذا قال الله تعالى "عين الله" هل عينٌ هنا هي صفة؟، وهل كل مضاف صفة؟!، ومن هنا فهم يُطلقون على كل من لا يثبت لله تعالى ما يعتقدون أنها صفات، مصطلح "المُعطِّلة" أو "الجهمية"، كتعريض بهم. والتعطيل هو عدم إثبات الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، ورائده الجهم بن صفوان الترمذي، من ترمذ والتي تقع حاليًا في أوزباكستان على الحدود الأفغانية. وُلد ونشأ في الكوفة. وكان الجهم قد تفرّد باعتقاد مُنكر؛ إذ يقول بنفي صفات الله الأزلية، كالقدرة والإرادة والعلم، لاعتقاده أن الخالق لا تُدرِك صفته العقول من جهة ذاته وإنما يُدرك من جهة آثاره.

والعجيب أن جهم فيما نقله عنه الإمام الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ج2، ص167) قال: "إن الجنة والنار تفنيان وتبيدان، ويفنى من فيهما، حتى لا يبقى إلا الله وحده، كما كان وحده لا شيء معه"أهـ. وأثبت له الشهرستاني نفس هذا الاعتقاد الشاذ، والذي أخذه عنه ابن تيمية، وكان مما أُنكِر عليه. وكان جهم أيضًا أول من قال بخلق القرآن، وهي من عقائد ابن تيمية التي استتيب بسببها في مصر عام 707هـ. فجهم الذي لا يفتر ابن تيمية ومن تلاه من الوهابية عن التعريض به، هو سلف لابن تيمية في بعض عقائده، وإن لم تأخذ عنه الوهابية هذه العقائد.

ولأن السلفية اختلفوا مع الأشاعرة في صفات الله تعالى وإثبات الجوارح إليه، وكذا في إثباتهم جلوس الله ‏على العرش والنزول وغيرها، فمن هنا أسماهم الأشاعرة بالمجسِّمة والمشبِّهة، كعادة أصحاب العقائد الإسلامية فكل فرقة ‏تناكف الفرق الأخرى بإطلاق أسماء مزرية توضح رأيهم في اعتقاداتهم، والتشبيه والتجسيم يعنيان أن يُشبّه الله سبحانه وتعالى بأحد من خلقه، وتُنسب له الجوارح الدالة على الجسمية؛ ذلك أن تُقاس صفات الله على صفات الخلق.

كما يوجد اسم آخر يُطلقه ‏الأشاعرة والماتريدية –بل والمعتزلة- على السلفية وهو: الحشويون. ورُوي في أصل تلك التسمية أن الحشويين هم مجموعة من المسلمين من المتأثرين بعقائد أهل الكتاب، وقد كان هناك عرب في نجد وشمال جزيرة العرب على النصرانية قبل الإسلام، كما تأثر البعض بروايات الأحبار والرهبان الذين أسلموا، وكان جماعة منهم قد قدموا إلى حلقة الحسن البصري، فلمّا رأى منهم خوضهم في أقوال وعقائد أهل الكتاب أجلسهم في حشا الحلقة المتطرف –أي في ناحية بعيدة بطرفها-، كي لا يُفتتن بهم من بالمجلس، فشاع المصطلح، وأصبح يدل على كل من في اعتقاده شيء من عقائد أهل الكتاب من التجسيم والتشبيه. قال الإمام الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص20): "كان الحسن البصري من جلة التابعين، وممن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يومًا أناس من رعاع الرواة، ولمّا تكلموا بالسقط عنده، قال: رُدّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي جانبها، فسُموا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة"أهـ. ومن أمثلة ذلك أن اعتقاد السلفية التجسيمي لله بأنه جالس على العرش –وحاشاه- إنما هو من عقائد أهل الكتاب.

عقيدتهم المختلطة بعقيدة أهل الكتاب

وقد دخلت عقيدة أهل الكتاب على عقائد بعض المسلمين من خلال سماعهم من الأحبار الذين أسلموا. يقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج3، ص489) في ترجمته لكعب الأحبار: "إنه كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان يُحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة. وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء"أهـ. وقد نقل الذهبي –وهو حنبلي العقيدة- في كتاب "العلو" الكثير من العقائد عن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام الصحابي الجليل الحبر الذي أسلم على عهد النبي.

لكن لم يكن جميع من أظهر الإسلام من أصحاب الديانات القديمة حريصًا على تعلم الإسلام بقدر ما أثّروا سلبًا في عقيدة المسلمين؛ فعلّموهم عقيدتهم. ذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص19) "وكان عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وموابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثم أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من الأساطير بين من تروج عليهم ممن لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء مواليهم، فتلقفوها منهم ورووها لآخرين بسلامة باطن معتقدين ما في أخبارهم في جانب الله من التجسيم والتشبيه، ومستأنسين بما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم، وقد يرفعونها افتراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو خطأ، فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقد الطوائف، ويشيع شيوع الفاحشة"أهـ.

يقول الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص15): "والحاصل من كلام ابن حامد والقاضي –يعني أبا يعلى- وابن الزاغوني –وهم من أشهر الحنابلة الأوائل- من التشبيه والصفات التي لا تليق بجناب الحق سبحانه وتعالى هي نزعة سامرية في التجسيم، ونزعة يهودية في التشبيه، وكذا نزعة نصرانية؛ فإنه لمّا قيل عن عيسى عليه السلام أنه روح الله سبحانه وتعالى، اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم عليها السلام، وهؤلاء وقع لهم الغلط من سوء فهمهم، وما ذاك إلا أنهم سمّوا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة"أهـ.

مراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين

يلخص الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص79-80) تطور ومراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين. يقول: "اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثُبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات جبرية –لعله يقصد خبرية-، مثل اليدين والرجلين والوجه، ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون بتسميتها صفات جبرية، ولمّا كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتون، سُمي السلف صفاتية، والمعتزلة مُعطِّلة، فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر، فافترقوا فيه فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ‏﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏‏﴾‏‏ ‏[الشورى:11]، فلا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ‏﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏‏﴾‏‏ [طه:5]، ومثل قوله: ‏﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏‏﴾ [ص:75]، ومثل قوله: ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ‏‏﴾ [الفجر:22]، إلى غير ذلك، ولسنا مُكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينًا، ثم إن جماعة من المتأخرين –يعني المجسمة والمشبهة- زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت، من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعا في التشبيه الصِرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف، ولقد كان التشبيه صرفًا خالصًا في اليهود، لا في كلهم، بل في القرائين منهم؛ إذ أوجدوا في التوراة ألفاظًا تدل على ذلك، ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير، أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله، تعالى الله وتقدس، وأما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق، ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال، وتخطّت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر، فوقعت في التشبيه"أهـ.

والشهرستاني هنا يؤكد أن عقيدة الشيعة الأوائل كانت تجسيمية قبل أن تتحول للاعتزال، وأن عقيدة أهل السُنة والحديث كانت التأويل أو التفويض، ثم وقعت جماعة منهم في التشبيه والتجسيم بسبب التفسير بظاهر النصوص.

وقد أُطلق اسم الحنابلة، ثم اسم السلفية، على هؤلاء ممن خرجوا على عقيدة ‏الإمام ابن حنبل، وادّعوا أنهم على العقيدة والمذهب الحنبلي، وظهروا دونًا عن أتباع باقي الأئمة ‏بدءًا من القرن الرابع الهجري. فإن كان أهل العصر الأول والعصر الثاني والعصر الثالث هي القرون التي ‏أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فهولاء هم من ظهروا بعدهم، فأحاديث القرون الثلاث ‏الأولى أراها عليهم لا لهم.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4616 المصادف: 2019-04-26 02:27:30