 دراسات وبحوث

الغزالي: من كلام المتكلمين إلى كلام الحق (1-2)

ميثم الجنابي"أكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه.

 والصديقون لا يرون شيئاً سواه فيستشهدون به عليه" (الغزالي)

لقد وقف الغزالي في مجرى تطوره الفكري وتقاليد ثقافة المرحلة أمام المفارقة التاريخية التي صنعته وأعطت له في الوقت نفسه إمكانية تذليلها. فمن الناحية المجردة للظاهرة لا تناقض ولا غرابة في الأمر. بل يمكن تأكيد العكس! بمعنى أنها ظهرت بصيغتها العملية الطبيعية لكل ما هو حي من خلال رمي ما كان وسيلة وجوده ونموه. لكن إذا كان للحي الطبيعي في وجوده الآمه الخاصة، فإن ما يرويه لنا الغزالي في (المنقذ من الضلال) عن معاناته الفكرية النفسية لم تكن سوى الحصيلة المجردة لهذه العملية، التي كان الكلام أحد مصادرها الهامة وروافدها الأساسية.

ومن الصعب تحديد ماهية الكلام وموقعه في تآلفه الفلسفي الصوفي دون تحليل ودراسة الصيغة التي تحول فيها الكلام إلى أسلوب تطوره الفكري وانكساره العقلي التأملي (اللاهوتي) وتذليله في قيم التصوف ومبادئه الكبرى. فقد كان علم الكلام وتقاليده العريقة المقدمة الضرورية لصيرورة علماء الإسلام ومثقفيه. فهو لم يكن على غرار لاهوت القرون الوسطى الأوروبية أسير فئة ما معينة، بل كان إلى حد ما أسلوب تمارين العقل والقريحة. وقد تمتع به المتكلمون أنفسهم والفلاسفة وأصوليو الفقهاء وفطاحل الشعراء، ومبتذلو الساسة وكبار الخلفاء. باختصار لقد كان بمعنى ما الخميرة الروحية والعقائدية التي أخذت منها الشخصيات المختلفة لعالم الإسلام تمارين الجدل العقلي وأسلوب رؤيتها للعالم.

فقد عمّق الكلام الثقة في مقدرات العقل للدرجة المفرطة التي سيكشف الغزالي لاحقا عن زيفها الكبير باعتبارها أوهاماً للنفس. وقبل أن يصل إلى هذه الدرجة كان لابد له من أن يمر بدروب الأوهام من أجل رؤية ماهيتها الخربة وحقيقتها المفسدة للحقيقة. ومن الصعب الاتفاق مع هذه الصيغة كما هي. والقضية هنا ليست فقط في إمكانية مطابقة الوهم لحقائق الأشياء، كما سيردد الغزالي لاحقا، بل ولأن هذا التقييم لا يعبر إلاَ عن انتقاده لأسلوب الكلام في رؤيته للأشياء وسيطرة العقائدية الضيقة فيه. غير أن هذه الحصيلة بحد ذاتها هي عملية معقدة ضمن صيرورة العناصر الفكرية المجردة وانعكاسها غير المباشر في مواقفه الشخصية من أسلوب الكلام نفسه.

فجوهرية الكلام العلمية ــ العقائدية في الثقافة الاسلامية هي التي جعلت منه بالضرورة أحد مصادر ثقافة الغزالي وأسلوب تطوره العقلي. فالكلام الذي تبّطن مهنة الفقيه المحترف قد فعل فعله المزدوج في "صعوده" الاجتماعي والعقلي. انه مثّل درجة ومرحلة هامة في ارتقائه الفكري. فإذا كان الكلام هو أحد الأساليب الأساسية للثقافة الإسلامية، فإن المرور به يصبح من ضروراتها. وبين هذين الخطين المتوازيين للضرورة والثقافة تتكون معالم الكينونة الروحية للمفكرين. ومن الصعب حصر نماذج تجليها الشخصي. إذ هي على عدد مفكريها. إلا أن الشرط الأول لتذليل التناقض الضروري لهذه الكينونة وقوتها يقوم في الاستقلال ومحاربة التقليد. ومأثرة الغزالي التاريخية الكبرى في موقفه من ثقافة الإسلام المعاصرة له ككل والكلام بشكل خاص، تقوم في إدراكه جوهرية هذا الشرط، أي انه اختزل في تجربته النظرية (العقلية) الشخصية كل العمق الثقافي النفسي لتقليدية الوعي العقائدي. وإن ابتداءه بمهاجمة التقليد والبحث عن الفطرة الإنسانية قد تضمن في ذاته الكمون الفكري لمحاربة جدلية الكلام العقائدية وإعلان محدوديته المعرفية.

ومن الطبيعي ألا يتعدى هذا الكمون الفكري النقدي في ملامحه الأولية حدود ومعالم الروح الإسلامي. على العكس! انه كان يفترض في كل فعل يفعله ثواب، وفي كل هجوم يشنه عقاب. ولم تكن هذه الحالة العامة التي كوّنت الغزالي الفقيه المتكلم سوى معالم وجود الخلافة في مكوناتها الإسلامية آنذاك، أي انه عادة ما كان يجري إدراك العالم من خلال مؤشر العقل الجدلي وأوهام النفس. وإذا كان الكلام هو وسيلة هذا العقل وهذه النفس، فإنه يصبح من الواضح امتلاءه بشحنة العداء السلبي. غير أن هذه الظاهرة كانت أيضاً الصيغة العقائدية للوجود الثقافي. بمعنى أنها لم تكن عملية إرادية. وإن مقدمتها تكمن في تلك البدايات الأولى لعلم الكلام القائمة في تجميعه عناصر الدفاع عن عقائد الإسلام بين احتراب الفرق. وكذلك بأثر سيطرة القناعة الجازمة عن النموذج المثالي للفرقة الناجية.

فإذا كان احتراب الفرق الإسلامية في ما بينها يجري ضمن مسار "اختلاف أمتي رحمة"، وأن ثواب الاجتهاد في الخطأ والصواب، أي تعبيره الثقافي عن مسار المعرفة والبحث عن الحقيقة، فإن قيود الفرقة الناجية قد اثقلت هذه المساعي الثقافية بكوابح المساعي العقائدية. وقد تبلور الروح الكلامي للغزالي ونزوعه العقلاني في ظل احتراب هذه المساعي المختلفة. فإذا كان نموذجها الأولي في تجسيد الدفاع عن "الفرقة الحق" قد جرى في ميدان الفقه ومعضلاته "الإسلامية" العديدة، فإن بروزه في الصراع ضد الفلاسفة قد نقله إلى عالم الثقافة الأوسع ومعترك صراع المناهج والحقائق. وإذا كان الفقه وصراعاته لم يسمحا للثقافة الكلامية أن تبرز إلا من خلال جدل ومناقشة المذاهب الإسلامية، فإن الهجوم ضد الفلاسفة قد وضع الثقافة الكلامية أمام محك الصراع الفكري.

حقيقة أن هذا الصراع لم يكن بإمكانه أن يتخطى كلياً رواسب الفقه الظنية. لكنه نقل هذه الظنون وجدلها العقلي إلى ميدان العقائد. مما أعطى لها صيغة الجدل الشكوكي. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام تهشيم القناعة الجازمة. إلا أن ذلك لم يكن فعلاً مباشراً. لقد استغرق ذلك منه جهود سنوات من التأمل الفاحص لآراء الفلاسفة المسلمين. 

فهو يتكلم في (المنقذ من الضلال) عن دراسته المتخفية والمتأملة لآراء الفلاسفة في الوقت الذي كان يلقى محاضراته الفقهية في نظامية بغداد. ذلك يعني بأن تزاوج الثقافة الفقهية المنطقية الشكلية ونفسيتها الظنية بقناعة الكلام العقائدية قد ولد شرارة الشك الجدلي الحاد ضد الفلاسفة فـي (تهافت الفلاسفة). فقد حاول الغزالي هنا للمرة الأولى تجميع وتنظيم كل قوى الكلام الجدلية في محاربة الفلاسفة وإبراز "تهافتهم". وافلح إلى درجة كبيرة في اظهار تناقضات الاتجاهات الفلسفية الإسلامية في براهينها بصدد قضايا الإلهيات أو بصورة أدق، الكشف عن لا منطقية منطقها في هذه القضايا. وإذا كانت النوازع الداخلية والمعلنة في انتقاده للفلاسفة تقوم في اظهار تهافتهم، بينما وسيلته في ذلك هي مواجهة الإشكالات بالإشكالات، فإن نتائجها العملية والفكرية اثبتت عما في ضرورة المنطق من أهمية جوهرية. فإذا كان انتقاده موجها من أجل البرهة على تهافت الفلاسفة الناتج عن عدم تمسكهم بقواعد النظرة المنطقية من قضايا الإلهيات، فإن ذلك كان لابد وأن يلزمه بضرورة التمسك بها في كل من الانتقاد والإثبات.

لقد ألزمه انتقاد الفلاسفة إثبات ما هو أجدر وأقوى وأدق في منطقية التحليل والبرهان. ومن الممكن العثور على الإدراك الأولي لهذا التناقض في مقدمة (تهافت الفلاسفة) والتي أقرت بمنهجية النقد السلبي وتأجيل البديل الايجابي. وسوف نرى أهمية المنطق في (معيار العلم في فن المنطق). ومع ذلك لا ينبغي الخلط بين ما كان يحرك الغزالي ويكمن وراء إبداعه الفكري قبل (تهافت الفلاسفة) وما بعده بقليل، وبين ما سيقوله ويكشف عنه في مرحلة التصوف. ومن الصعب الآن القول، بأن الغزالي قد نظر إلى (تهافت الفلاسفة) في مجرى تأليفه على أنه كتاب كلامي لا يمت إلى البحث عن الحقيقة بأية صلة. وذلك لأن حوافز طابعه الهجومي السلبي حددتها مهام الدفاع عن عقائد الاسلام. ولم تكن هذه العقائد بالنسبة له آنذاك خاصة بالعوام فقط. على الرغم من أنه كان يدرك في وقتها المستويات المتباينة لاستيعاب هذه العقائد عند العوام والخواص. إلا أن ذلك لم يغير من كونها عقائد ضرورية مقبولة كما هي. فالتقييمات اللاحقة مثل "عقائد العوام" و"أوهام الكلام" هي من وحي العالم الصوفي وإعادة تقييم التجربة النظرية والعقلية. وبهذا المعنى، فإن الطابع الحجاجي (لتهافت الفلاسفة) لا يغير من واقع سعيه على تأكيد ما ينبغي تأكيده. ولهذا تضمن أيضا في انتقاده السلبي عناصر الافتراض الايجابي، أي أن انتقاده لآراء الفلاسفة في قضايا العقائد قد حدد، على الأقل، موقفه الرافض وخلافه المبدئي. مما استلزم بالضرورة تقديم البديل الفكري، الذي اقترح له آنذاك عنوان (قواعد العقائد). ولا توحي آراء الغزالي آنذاك والنص الضمني الموجود بين دفات انتقاده، بأنه كان يسعى لتقديم بديله الإيجابي في تقاليد أخرى غير تقاليد علم الكلام (الفلسفي). وهو ما يمكننا تلمسه بصورته  الملموسة (الظاهرية) في كتاباته اللاحقة وبالاخص كتاب (الاقتصاد في الاعتقاد). ويتبين ذلك بوضوح أكبر في (إحياء علوم الدين) عندما نظر إلى (الاقتصاد في الاعتقاد) نظرته إلى كتاب كلامي. وإذا كان بالإمكان افتراض كون (الاقتصاد في الاعتقاد) هو الرد الإيجابي على قضايا الخلاف المثارة في (تهافت الفلاسفة)، فإننا لا نستطيع أن نرى فيه توجها يتعدى الصيغة المعتدلة لما ينبغي قوله في قضايا الخلافات الكلامية الإسلامية ذاتها.

وقد كان تأثير هذه الظاهرة مزدوجاً في موقفه من الكلام، وفي تأثيره على مجرى تطوره الفكري بشكل عام والكلامي بشكل خاص. فقد تضمن (الاقتصاد في الاعتقاد) صيغة الرجوع إلى القضايا التقليدية لعلم الكلام وتثبيت مقالاته الجديدة. لكنه من حيث مضمونه لم يكن أكثر من "حل وسط" لقضايا الاعتقاد. وقد كان ذلك يعني من حيث موقعه في منظومة الفكر إعادة الترتيب الخفية والإدراك الأولي لمحدودية الكلام، باعتباره علم الدفاع عن عقائد الإيمان، أي أنه واجه وهن قواه العقائدية بعد خمود حمى الصراع مع الفلاسفة، أو ما عبرت عنه النادرة الصوفية في استلهامها منطق الخيال الرمزي الذى يكشف عن أن النتيجة الحتمية لحجر الشحذ:  هو الانكسار. فكتاب (الاقتصاد في الاعتقاد) لا يعني إلا أوساط الحلول، أو الاعتدال في قضايا العقائد، أي أنها الصيغة الأيديولوجية الدينية المعتدلة وليس الصيغة الضرورية للحقيقة. فالحقيقة لا تعرف الاعتدال والتطرف. وإن جمرة هذه الحقيقة المحترقة تتلألأ تحت رماد اعلان (الاقتصاد في الاعتقاد) "اعتدالا" في الاعتقاد.

وقد أدى ذلك إلى ظهور السؤال المنطقي عن الشيء الجديد الذي يمكن للكلام أن يقدمه خارج إطار هذه العقائد. لهذا نرى، بأن ولع الكلام الهجومي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة) سرعان ما يفسح المجال لهدوء الفكر المميز لكتاب (الاقتصاد في الاعتقاد). إلا أن هذا التحول في المزاج الفكري وهدوئه الظاهري كان يستند على أساس متذبذب، وضع لبناته منهج مواجهة الإشكالات بالإشكالات المميزة لكتاب (تهافت الفلاسفة). وبالتالي فإن الشك الباحث عن منطق في كل "منطق" قد ألزمه بالضرورة تمحيص قواعد العقائد وبراهينها في (الاقتصاد في الاعتقاد)، والتي لم يكن بإمكانها احتلال القناعة الجازمة للكلام وعقائده في منطقية التفكير الفلسفي. وبهذا المعنى، فإن الكلام يلتقى مع الفلسفة في قضايا الالهيات. بمعنى ضعفه المنطقي. ففي (معيار العلم في فن المنطق) الذي كان أحد أجزاء الرد الإيجابي المفترض (لقواعد العقائد) لا نعثر على أي تأييد للكلام. على العكس!إذ تبرز هنا للمرة الأولى عناصر التشديد على افتقاد الكلام والمتكلمين للمنطق. وليس غريبا أن يتناول المتكلمين في معرض انتقاده لنزعة السوفسطائية. وذلك لأنها وجدت في ما اسمته تناقض أدلة فرق المتكلمين أحد أسبابها الأساسية1. في حين وجد سّر "تناقض أكبر أقيسة المتكلمين" في عدم تمسكهم بقواعد المنطق وشروطه2 . لقد تضمن هذا التطور اللاحق لآراء الغزالي إمكانية المقارنة الجدية بين قناعته العقائدية ومستواها المنطقي. فإذا كانت الفلسفة باعتبارها مجموعة لعلوم كثيرة تفتقد إلى تجانسها في "منطق" الإلهيات، فإن ذلك لا يلغي احقيتها في المنطق والرياضيات والأخلاق والسياسة وعلومها الأخرى. وفي حالة مقارنة ذلك بالكلام فما هي يا ترى الأجزاء الأخرى لعلم الكلام التي يمكن أن يحتفظ بها مقارنة بالفلسفة؟ وسوف يجيب من حيث الجوهر ععلى هذا السؤال بالنفي. إلا أن هذا النفي كان حصيلة تجربة طويلة ومتعرجة في دهاليز الفكر النظري والعملي أدت في موقفه من الكلام إلى اعتباره علما لا يحتوي بحد ذاته على حلول عقليّة أو منطقية بما في ذلك تجاه قضايا الإيمان. إلا أنه يمكن أن يؤدي وظيفة المدافع عنها. وقد كمن في هذا التناقض أحد المصادر الفكرية العملية لأزمته الروحية الأخيرة والتي ساهمت في انتقاله إلى عالم الصوفية. بمعنى أنه لم يعد يرى في الكلام سوى العلم الذي يؤدي وظيفة عقائدية أيديولوجية صرف. وقد كمن في ذلك عناصر انتقاده المتعمق للكلام، ابتداء من (تهافت الفلاسفة) وانتهاء بكتاب (إلجام العوام عن علم الكلام).

ولعل مأثرته بهذا الصدد تقوم في أنه استكمل تقاليد "محاربة" الكلام التي بلورها تراث الفكر الإسلامي في اتجاهاته الكبرى. فقد صاغته تقاليد الورع الإسلامي، خصوصاً في تيارها الفقهي عند مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وأبو حنيفة، في مواقفها المعارضة للكلام ومهاتراته الفكرية. بينما لم تجد الصوفية في الكلام سوى تشقيق للفكر ومجافاة للحقيقة. في حين ألغته الفلسفة باعتباره علما لا علاقة له بالبحث عن الحقيقة. وخصوصية الغزالي في موقفه من الكلام تقوم في أنه استمر بتعميق تقاليد الورع الإسلامي من حيث اكتشافها الطابع التدميري للكلام، وتقاليد التصوف من حيث رؤيتها في الكلام قوة مميتة للروح الأخلاقي، وتقاليد الفلسفة التي تراوحت بين قبوله الأيديولوجي ورفضه الضمني.

إن مأثرة وعمق انتقاده للكلام وكشف محدوديته المعرفية واغترابه عن عالم الإنسان الروحي والأخلاقي تقوم في كونه أحد ممثليه الكبار. إنه وحَّد في ذاته تقاليد مواجهة الكلام. فهو الفقيه الكبير، والمتكلم الحاذق، والفيلسوف الصوفي. إن تقييمه للكلام هو تقييم نموذجي يعبر في حصيلته العامة عن تقييم ثقافة الخلافة تجاه أحد ميادين صيرورتها العقائدية والروحية. فتقييمه للكلام لم يتحدد باختصاص ما معين ولا بجميعها، بل من خلال صيرورة تآلفه الفكري.

ففي الوقت الذي عمق انتقاد الفقه والتصوف للكلام رؤية الغزالي تجاه الكلام بسبب جفاءه للورع، وبعده عن الأخلاق، وانغماسه في الجدل المذهبي المتعصب، فإنه وحَّد ما في تقاليد الكلام والفلسفة من خلال دراستهما النقدية. إذ يشترك الكلام والفلسفة في ضعفهما المنطقي في قضايا الإلهيات. إلا أن لكل منهما في الوقت نفسه حدوده وقيمته الخاصة. فإذا كانت الفلسفة ذات قيمة في منطقيتها وأسلوبها ونتائج بحثها عن الحقيقة، فإنه لم يبق للكلام سوى ما سبق للفلسفة نفسها وأن بلورته في تقاليد مواجهتها الكلام، أي إمكانية قبوله الأيديولوجي ورفضه الفكري (الحقائقي). وبهذا يكون قد أقترب هنا أكثر فأكثر من مواقف الفلاسفة. ففي (تهافت الفلاسفة) استعمل آراء مختلف الاتجاهات الكلامية (كالاشعرية، والمعتزلية والكرامية والمرجئية وغيرهم) في صراعه ضد الفلاسفة، بينما في (الاقتصاد في الاعتقاد) ينحو منحى معتدلا ورزينا في تقييمه للكلام محاولا تخطيه، رغم انغماسه الكبير بعد في تقاليده الاشعرية. (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

...............

1- الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص162.

2-  الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص167.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4638 المصادف: 2019-05-18 04:08:04