 دراسات وبحوث

حلاوة القرآن

مجدي ابراهيموتجيء حلاوة القرآن - بعد الحضور والفهم - لتشكل ثالث الأركان فيما لو نفذت في الضمائر حقيقةً لهَانَ معها كل خطب جسيم ولهَانَتْ الدنيا على طلابها بكل ما فيها ومن فيها وهى حلاوة تَذَوَّقَهَا المقربون وكادوا أن يصفوها، ولكن ليس مَنْ وَصَفَ كمن ذَاَقَ.

روى أحد سادات العارفين عن درجة المُقرَّبين هذه تعظم فيها الحلاوة ولذة المُناجاة: أن بعض الحكماء قال كنتُ أقرأ القرآن فلا أجدُ له حلاوة، حتى تَلَوْتُهُ كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوهُ على أصحابه ثم رُفعْتُ إلى مقام فوقه كنتُ أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يُلقيهُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به فعندها وجدتُ له لذة ونعيماً لا أصبر عنه".

ولك - إنْ شئت - أن تلاحظ مثل هذا التطور الروحي والتَّدَرُّج في أنماط الإدراك فلا تستغرب على هذه (الحالة) وجودها لدى مَنْ يتذوقها فيدركها إذا هى كانت مفقودة لديك فليس كل ما لا تناله مداركك هو في حكم العدم.

ولقد سبقت الملاحظة بأن الذاتية الخاصَّة للقرآن تفرضُ نفسها، بحيث تأتي فتعْبُر هذا الوجود المغلق المحسوس إلى الوجود الروحي المفتوح الذي لا حدود له ولا قيود؛ لأنه الوجود الذي يتعلق بسَبَحَات الفكر وطلاقة الروح هو وجود من باطن النفس والضمير، يمضى معه وجود الإنسان الروحي في فهم آيات القرآن فلا يقصرها فقط على ظاهر ما يفهم من مدلولها الخارجي، بل يغوصُ بها في أعمق أعماق ذاته ليستشرف خلالها مقاصد القرآن داخل هذه الذات، لكأنه يتنزَّل عليه هو كما كان يتنزَّل على سيد الخلق؛ صلوات ربي وسلامه عليه؛ فيترجم ترجمة واعية بما في مستطاعه مثل هذه التنزّلات الإلهية تعليلاً وإخباراً بالأحوال النفسية التي لازمته والمنازلات الروحية التي اعترته ساعة أن هَبَّ عليه التنزيل ذَوْقاً له من واقع الحياة الجُوَّانيِّة الباطنة ما لم يكن موجوداً في واقع عاشه أحدُ غيره ولا أختبره إنسان سواه.

وقد تعظم الحلاوة في باطن المتلقي فتؤثره لتشكل مصدراً لتوجهات الفكر والنظر والحياة على وجه العموم؛ فلا يكتفي قارئ القرآن بما تتركه موسيقاه الداخلية في نفسه، ولكنه يمضي بها لتكون مصدراً لأنظاره الفكرية وتوجهاته المعرفية سواء. وليس يشك باحث في الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية في أن القرآن كان "نقطة انطلاق" المسلمين؛ إذ اتجهوا إليه بالمباشرة يقرأونه ويتدبرونه. والقرآن "حمَّال أوجه" يعطي لكل "الوجه الذي يريد". ومن هذا التدبر وهذا التفكر في أعماق النص الإلهي لاحظ المرحوم الأستاذ الدكتور علي سامي النشار- أن الفكر الإسلامي بدأ ونشأ بالقرآن: اختلفت الطرق بالناس ولكن الأصل واحد: هو القرآن. والحياة الإسلامية ليست سوى التفسير القرآني: فمن النظر في قوانين القرآن العملية نشأ الفقه. ومن النظر فيه ككتاب يضع الميتافيزيقا نشأ علم الكلام. ومن النظر فيه ككتاب أخروي نشأ الزهد والتصوف والأخلاق. ومن النظر فيه ككتاب للحكم نشأ علم السياسة. ومن النظر فيه كلغة إلهية نشأت علوم اللغة ... الخ. وتطور العلوم الإسلامية جميعها إنما ينبغي أن يبحث في هذا النطاق: في النطاق القرآني نشأت، وفيه نضجت وترعرعت، وفيه تطورت، وواجهت علوم الأمم تؤيدها أو تنكرها في ضوئه" (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - جـ1- ص227).

وعندي أن هذه وجهة نظر صائبة تماماً بل وتستحق الاحترام من باحث ممتاز له قدره وله أثره على الفكر الفلسفي الإسلامي ولكن .. هل كانت النشأة كالتطور؟ وهل كان القرآن بالفعل في مراحل التطور هو المقصد الأوحد الأسمى للفكر الديني والحياة الإسلامية؟ هل كان هو المقدَّم دائماً على أية أغراض سياسية، أم لعب به السياسيون كما أغلقه الفقهاء على ما يفهمون منه وحجَّر المتكلمون معاني آياته بجفاف أنظارهم العقلية؛ فدخلت فيها الأهواء البشريّة التي ليست مُلزمة لأحد لا في عقيدة ولا في دين؟

من ذلك ترى؛ أن مستند العقل في تحصيل العقيدة الصالحة - بل وينبغي أن يكون مستنده على الدوام بعد هذا كله - هو مضمون القرآن الكريم ذلك المضمون الذي يمثِّل عندنا وحدة لا خلاف عليها إذا هى أصابت هذا المضمون في ذاته ووقفت عليه في جوهره وتمثلته حتى الرمق الأخير.

ولستٌ أشك لحظة واحدة في أن المرجوع الفكري لالتماس الوحدة يتحقق عندي في مضمون القرآن الكريم؛ فيما لو كنَّا على التحقيق تمثلناه وتذوقناه وتعاملنا معه على أنه الأصل الأصيل والمنبع النقي الصافي الوضئ، وفيما لو كنا من أهله حقيقة لا مجازاً، وعلى قدره فعلاً وعملاً؛ لا أن نطوِّعه نحن ليكون هو علي أقدارنا، وأقدارنا كلها في الغالب نفوس ملوثة ومآرب وضيعة ومقاصد ساقطة.

فكل ما يقام على المضمون من شروح وتأويلات وتفسيرات وتخريجات؛ تٌدعِّم حركة الفكر في المذهب وتنسى المضمون؛ فهو عرضة للخلاف والاختلاف وإثارة القضايا البالية والمناقشات الزائفة والمجادلات النظرية التي ثبت على مدار التاريخ فشلها، عرضة للتفرقة والتَّمزٌّق والاحتكام إلى الشهوات العقلية، عرضة لجعل القرآن مادة مُوظَّفة لخدمة الأغراض السياسية ليس إلاِّ !

هذه الفٌرْقةٌ المذهبية كانت ولا زالت السبب الأول في اختلاف المسلمين وتمزقهم وتفتت شملهم في ماضيهم وحاضرهم؛ لأنهم ورثوا عن أسلافهم وجهات من الاختلاف والتباين تشكَّلت في مواقف أوْدَت بهم إلى انقسام العقيدة إلى أصول مذهبية وطائفية هذا فضلاً عن قلة تشكلها وتكوينها في البدء قبل الانقسام.

وأعني بقلة تشكٌّلها وتكوينها ضعف الإيمان أساساً؛ فقد كان الخلاف السياسي حول مسألة الإمامة قديماً أكبر طعنة وجِّهت إلى إيمان كثير من المسلمين في ذلك الوقت فأوْرثت الأجيال تلو الأجيال انقساماً وتمزقاً وَوَهَناً في العقيدة لا يزال أثره باقياً إلى اليوم يشاهده الناس في الفٌرْقة المذهبية والتعصب الطائفي. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلي ضعف وازع الدين الذي كان سبباً في خلاف المسلمين قديماً حول مسألة الإمامة في الرواية التالية:

"سأل رجل علياً رضى الله عنه: ما بالُ المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟! فقال: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي وأنا اليوم والٍ على مثلك". ويعقب ابن خلدون على تلك الرواية قائلاً: ويشير علي بن أبي طالب رضى الله عنه إلى ضعف وازع الدين.

ولمّا كانت "الفكرة" الإسلامية تنصب في المقام الأول على المجتمع بحيث تظهر تلبية لحاجات الجماعة الإسلامية، سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية، وأضف ما شئت إلى هذه المطالب التي يحتاجها المجتمع الإسلامي، صارت بالضرورة غير مفصولة جوانبها النظريّة عن العملية فلا يوجد "نظر" خالص في الإسلام فالنظر الخالص يخالف روح الدين الإسلامي، ولكن النظر مقرون بالعمل لهو الأساس المعتمد حتى إذا ما تغيِّر هذا الأساس الثابت لتغير الظروف والأوضاع أو لتغير القناعات والأحوال وجدَّت في الأمور أمور فرضتها تقلبات السياسة، واستغلال حلاوة القرآن لدغدغة مشاعر المؤمنين، وأمواج التلاعب بالعقول والأفئدة والضمائر وأحياناً كثيرة التلاعب بمقدرات الأمم الحياتية وقيمها الباقية، كثٌرت - من أجل ذلك كله - التفرقة وكثر التمزٌّق وكثر الخلاف.

فإن التناحر اليوم - كما كان بالأمس - بين الشيعة والسُّنة مردَّه إلى خلاف فكري في وجهة النظر سرعان ما تطوَّر فأصبح عقيدة فانقسمت العقيدة إلى مذاهب وتحوَّل التنازع بصددها إلى تنازع طائفي يُحيي العصبية القبلية التي كان الإسلام قد أطفأ وقدتها من قبل. ثم أنه في النهاية خلاف فكري هو من جملة ما يٌقامٌ على القرآن من شروح وتأويلات، ناهيك عن الخلاف الذي كان قائماً في القديم والذي يمثل مواقف حاسمة بين المعتزلة والجبرية من جهة وبين الأشاعرة والمعتزلة من جهة ثانية أو بين الفلاسفة والصوفية من جانب وبين الصوفية والفقهاء من جانب آخر: خلافات مذهبية في تفاصيل أصولية وفرُوعِيَّة ممّا لا حصر له ولا عدَّ هى كلها من جملة ما يُقاَمُ على القرآن، شكلاً ينقصه المضمون.

لم تكن تلك الخلافات يومها تستشعر نبض القرآن في تشكيل مجتمع حييِّ وفعَّال، وفي خلق أناس قادرين - بحكم تعاملهم مع القرآن - على اكتشاف الحق الجديد؛ لأنها ببساطة كانت خلافات مذهبية يهمها في المقام الأول الانتصار على الخصم وترقية الميول السياسية وتدعيمها وتعزيز حركاتها وتطلعاتها؛ لتلعب اللعبة السياسية الدنسة فرتقي فوق ترقية النفوس والقلوب والضمائر والأذهان.

لم يكن يعنيها القرآن في شيء لا بل كانت قريبة منه غير أنها في نفس الوقت كانت بعيدة كل البعد عنه؛ وبمقدار قربها من القرآن كان بعدها عنه لم يثيروا خلافاً حول نصوصه الدينية من فراغ ولكنهم أثاروها للمجد الزائل والملك العضوض.

وعليه؛ فإن المرجوع الفكري إلى المضمون لا يمثل خلافاً بل يمثل وحدة. والجمع بين التفرقة مردَّه إلى "العودة للنبع الصافي": النبع الصافي بكل ما في هذه الكلمة من بساطة وعمق وبكل ما فيها من تربية وتهذيب وبكل ما فيها من ترقية وتوجٌّه وتسليك. النبع الصافي بعيداً عن عبث التوجُّهات الفكريّة المرهونة بزمانها ومكانها. النبع الصافي الذي لا يغيض ولا يٌخْلق على كثرة الرَّد. النبع الصافي تلك الحلاوة وتلك الطلاوة في أطيب معني وأكرم جوار: القرآن من حيث كونه مضموناً لا شكلاً ومن حيث ذاتيته الخاصَّة لا من حيث ذاتية غيره وخصوصَّية سواه.

لم يعد حاضر المسلمين اليوم بحاجة إلى مثل هذا النزاع العقلي أو ذاك الصراع الفكري؛ هم بحاجة إلى استخلاص حلاوة القرآن في بؤرة الشعور العام والوصول إليها لتكون مصدر وحدة لا منبع خلاف. هم بحاجة إلى الروابط الشعورية التي تصل الكثرة بالوحدة وتربط البصائر المستنيرة بالأهداف العلوية الخالصة؛ لتستقيم قيم الحياة بغير تفرقة تقود الأمة إلى التمزق والشتات.

هم بحاجة إلى التضامن والتآلف والوحدة والإتحاد. هم بحاجة إلى إحياء الروح الإلهي الخالد من لوثة الخلافات المذهبية. هم بحاجة إلى الوقوف على أيديولوجية صلبة ومتينة تستقي روافدها من"القرآن"؛ وبغير خلاف ولا عوج في التأويلات والتفسيرات والتخريجات؛ فكل تفسير أو تأويل أو تخريج إنما يعَدُ اليوم ترفاً فكريّاً لسنا نستطيع تحمل عواقبه وأمامنا تحديات مرهبة وعنيفةً؛ ناهيك عن مثل هذه التدخلات الأجنبية في الشئون الداخلية لمعظم بلداننا العربية والإسلامية وضرب الإسلام عمداً في عقر داره.

لكن مرجوعنا إلى النبع الصافي لهو هو الوحدة التي يجتمع حولها المختلفون ويتآزر عليها المتناحرون المتصارعون من أجل لا شيء؛ لا بل من أجل وهم كبير تعشعش في الأعماق وطمع مريض تسلط على النفوس والقلوب فضلاً عن العقول والبصائر حتى أعماها عن نور الحقيقة، فلم تعد تدرك مدارك الذين يؤمنون؛ فيعقلون !

فالفروع التي كانت مدعاة للتفرقة أصبحت اليوم من أصول الخلاف؛ والأصول التي كانت عقائد تأسيسية للعقيدة الإسلامية فكراً وفلسفة وعملاً وشعوراً وعاطفة؛ تناسيناها وهجرناها فإذا عدنا إليها اليوم حمَّلناها ما لم تحتمل: مسؤولية الأهواء البشرية والخلافات الفكريّة وأغراض السياسة ونظم الأطماع المرسومة المقننة، حتى ليقال لنا: عليكم لكي تتقدّموا و تلحقوا بالمتقدِّمين في دنيا التقدَّم أن تهجروا عقائدكم التأسيسية؛ فإن المضمون الديني (القرآن) لهو السبب في تخلفكم عن ركب الحضارة! وتلك هى أخطر لمحة فكرية، بل أخطر وسوسة شيطانية دوَّنها أولئك الذين قلَّدوا الغرب تقليد القرود جرياً وراء مزاعم التحديث.

آفة هذا الزمن اللعين - زمن الغفلة الواصبة والدعوى العريضة بغير دليل - هى العبث الفكري بمضامين القرآن وقراءته قراءة تاريخية أو علمية؛ مع أنه ليس كتاب علم ولا كتاب تاريخ، ولكنه كتاب "عقيدة " يخاطب الضمير ويتوجَّه بالإنسان إلى تقدير "الإيمان". وخيرُ ما يُطلبُ من كتاب "العقيدة" في مجال العلم - كما قال المرحوم الأستاذ العقاد -:" أن يحثَّ على التفكير ولا يتضمن حكماً من الأحكام يشل حركة العقل في تفكيره أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما أستطاع حيثما أستطاع". إن وجدان الحلاوة في القرآن الكريم ليعطي المساحة الفاصلة الفارقة على مستوى الشعور ومستوى التفكير بين تمثيله للمقاصد الدنيوية البالية، بمعنى استغلال حلاوته التي ترقي الشعور وتذهب الحماسة الروحيّة وتدفعها إلى مجاوزة التوجهات الدنيئة، وتمثيله للحقيقة الإلهية التي تطلب لذاتها قصداً مباشراً ولا تطلب لسواها كيما يتصل خلالها العبد بعالم أسمى فوق ما هو ظاهر محدود. 

 

 بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

حلاوة القرآن تذوقها من الناحية اللغوية والروحية فهو عند الانصات ليس كعند الانشغال عنه ؛ فما الذي جعل الوليد بن المغيرة يقول:إن له لحلاوة ، عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر .." ؟ إنه الصمت مع حضور القلب المأمور به في قول الله تعالى " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون" فالقرآن يحمل هذه الحلاوة باجتمعات الحلاوت اللغوية والروحية من آدم عليه السلام إلى يوم القيامة ، فحلاوته لم تنته وبكريته خالدة إلى يوم القيامة ، يمدنا بكرمه وعطائه إلى الأبد. بارك الله فيك أستاذنا على هذه العمل المشكور .

صابر علي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4646 المصادف: 2019-05-26 02:57:09