 دراسات وبحوث

نورٌ أنَّىَ أرَاهُ

مجدي ابراهيموحيث يُرَاد لنا طرح هذا السؤال: ولماذا أختص الصوفية دون غيرهم باستنباط التفسير الإشاري وكيف فهموا دعائمه ممثلةً في ذاتيته الخَاصَّة به وحده، توجد فيه ولا توجد في سواه؟

فإنَّا نجيب من واقع تلك التجربة الروحيّة الحيّة يعيشها الصوفي مع القرآن؛ ففي الواقع أن التصوف يستمد أصوله من شدة التأمل في الآيات القرآنية؛ والعمل بها، واستنباط معانيها فضلاً عن استبطانها ومعايشتها من الداخل واستنطاق الخفي منها؛ فما من موضوع من موضوعاته إلاّ ويرتكز على فهم خاصّ للآيات القرآنية.

يظل الصوفي على الدوام شاعراً بكل حرف من حروف هذا الكتاب العظيم، وبمقتضى قوته الإيمانية يستطيع أن يتحسَّس معانيه عندما يتلوه بتروٍ، وهدوء، وصفاء، وطمأنينة. يُكْثرُ من ترديد آيات الكتاب المبين ترديداً ينقله من حال إلى حال، وفي كل تلاوة صعود في معراج، وفي كل ترديد حضور مع الله. لا يتلو القرآن على غفلة؛ لأن الغفلة عنده تحجب "اللحظة": لحظة غيبته عن الكُلِّ وغيبة الكُلِّ عنه، وتوحُّده مع الكُلِّ وتوحُّد الكُلِّ معه؛ إنها للحْظةٌ من أرقى اللحظات تعرفها القلوب ساعة أن تكون مع كلام الله شاعرة حيّة بخطابات التأنيس.

لا يتلو القرآن على غفلة ولكنه يردده تدبّراً وتفكراً وحضوراً، يستشعر حلاوته ويستحضر إيحاءاته ويتلون في أحواله بتلون الواردات عليه، ومع كل معنى يرد عليه يظل الصوفي في حالاته عارجاً إلى إصابة المعاني الداخلية فيه، مستشعراً آفاقه وأجواء المعاني فيه، قاصداً غاياته العلويّة ومراميه الباطنة، وهو في ذلك كله على يقين من أنه لا يستطيع أن يصل إلى معنى واحد من تلك المعاني الفياضة عليه مواهب ومنناً لدُنِيَّة بغير معونة الله، وبغير فتح من عند الله.

يجلس الصوفي مع الله على بساط الفكرة فيه وفي آياته، يرددها من دخائل روحه وبواطن ضميره، ويتعمق آفاقها الروحيّة المتسعة بسعة الله وعلمه؛ إذْ القرآن كلام الله، والله واسع عليم، فالصوفي ينهج منهج القُرْبة من الله فيتقيه، ففي تقوى الله علوم، وعلوم التقوَى تفاضُ فيضاً من فضل الله من طريق العناية والموهبة والتوفيق.

شَرْطُ الفتوح في القرآن كما قلنا فيما تقدّم هو التخلي عن الدعوى النظريّة، الفكرية والعقلية، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والإدعاء؛ إذْ الجلوس مع الله على بساط الأدب ثم المراقبة يمضي بالمرء إلى التهيؤ لقبول ما يَردُ عليه من الحق حتى يكون الله هو الذي يتولى تعليمه على الكشف والتحقيق.

أي نعم! الله هو الذي يتولى تعليمه (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله). وهل نعيد هنا كلمات ابن عربي لتكون منهجاً لنا حيث قال :" وَنَسْلُكُ طريقة في فهم الكلمة الواردة، وذلك بأن نفرِّغ قلوبنا من النَّظَر الفكري، ونجلس مع الله على بساط الأدب والمراقبة والتهيؤ لقبول ما يَردُ علينا منه حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق".

هذا المنهج ولا شك هو عندي شرط الفتوح في القرآن : التخلي كما قلنا عن الدعوى الفكريّة والعقليّة، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة  والادّعاء. منهج الصوفي هو التقوى: (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله).

وكلما وصل إلى معنى منها أو إلى أفق، أزداد يقيناً في تجربته مع الذكر الحكيم بصواب منهجه في التلاوة وطريقه في التعبّد واستنباطاته للإشارة. قراءة القرآن لا تخلو منها تجربة الصوفي؛ إذْ القرآن أصل أصيل في أركان هذه التجربة .. ثم ماذا..؟

يمضي الصوفي ليزاد يقيناً، وكلما كثر مَضَاءَهُ في الفهم وزاد ترديده الباطني لآيات القرآن كثرت بالتالي - من طريق الفتح الإلهي - فيوضات المعاني الواردة عليه وزادت، واتسعت أمامه طرق التأويل. وبعد كثرة الترديد في هدوء وصفاء وطمـأنينة وثقة منه بفضل الله بما شاء أن يفهم - وهو لا يفهم إلا بتوفيق من الله - يحاولُ الصوفي أن يفهم الآيات من داخلها لا من ظاهرها، يسبر غوْرَها ببصيرة مفتوحة على الجناب الإلهي، ويستلهم إدراكاتها من ذاته كيما يقترب شيئاً فشيئاً من أجوائها العليا ومراقيها الصاعدة فتجيء الإشارة لفتة نادرة صافية رائقة متألقة. هذا هو الشعور الديني العميق يستوحيه بل يعايشه كل مؤمن بالله؛ على ديدن اليقين والطمأنينة القلبية، الإيمان المطلق غير محدود.

الصوفي الحق، أو قُل العبد الحق، على قناعة تامة بأن الناس محجوبون بألفاظ القرآن وعباراته عن معانيه الخفيّة الباطنة، ومادامت العبارة حاجبة، فإن الإشارة فيه غائبة عن العبارة، وهو من أجل ذلك، يشرع في فهم القرآن كأنه يتلقّاه لأول مرة، كأن لم يسمع به من قبل، ولم يأخذه عن أحد، ولم يقرأه في السابق إلا في تلك "اللحظة" (التي هى دُعامة تأسيسية لعلم الإشارة الصوفية) والتي انفتحت فيها سريرته الباطنة مع ترديد الآيات ترديداً لم يسبق له من قبل، يقرأه وكأنه يتنزل عليه للمرة الأولى، يفهم آيات القرآن لا من كتب التفاسير ولا من شيوخ عليه سابقين، ولكنه يفهمها بفضل من الله ومعونة، يفهمها بصورة إجماليّة بعد طول النظر وشدة التفكير ومواجهتها للشعور الديني لديه، وبعد كثرة الإمعان الدائم في معرفة المعاني الواردة عليه من تلقاء الجلوس مع الله على بساط الفكرة فيه، والتأدُّب في حضرته. هنالك يستقبل الشعور الديني ما يعز استقباله على النظر العقلي الخالص.

وشرط ذلك كله أن يضع هذه القاعدة نصب عينيه :"إنّ حضور القلب هو روح العبادة، وأقلُ ما يبقى به رمق الروح هو هذا الحضور".

هنالك يقوى الصوفي بقوة ما يرد عليه؛ لأنه يستمد هذه القوة من المدد الذي لا ينضُب ولا يغيض، ويقوى تباعاً ذلك التصوف نفسه - كفن من فنون الأدب والأخلاق في الإسلام، وكحياة روحية وأخلاقية فيه - بمثل هاته الطلاقة الروحيَّة التي لا تعرف قيوداً ولا سدوداً، وليست تحدُّها، من بعدُ، حدود عن مطامحها العليَّة وهِمَمَها الطليقة ومراميها العارجة دوماً في مطالب الكمال.

وبفقدان التدَبُّر في الآيات القرآنية، وبفقدان التعمق الباطني في دلالاتها والتأمل في معانيها، وبفقدان الاستغراق الواصب الدائم في أسرارها ومراميها؛ يفقدُ الصوفي حيويته الباطنية وقوته الروحانيّة، ويذهب ليفتش عن وسائل أخرى لن تغنيه قيد أنملة عن تلك الحيوية الروحية التي كان استمدها قبلاً من شدة العكوف على التأمل في آيات القرآن الكريم. وليس أدلُّ على ذلك من ضعف التصوف في القرون الأخيرة، لقد كان ضعفاً مردَّه إلى فقدان الخصوصية الروحيّة التي تقود إلى معرفة الله من طريق التأمل في آيات القرآن، واستبدالها (أي هذه الخصوصية الروحيّة)؛ بأساليب من التحليق والتطويح والدروشة، والتعلق بالأشخاص وتقديس المخلوقين ونسيان الخالق، بعد الغفلة عن كتابه وذكر آياته ذكر تبتل وانقطاع.

إن اصطناع الوسائل المُوصلة إلى الله أمرُ لا يغني فتيلاً عن التمسك بفهم كتابه عن طريق المجاهدة فيه وبذل الطاقة في استحضار معانيه والتفكير فيه باستمرار وصرف النظر البصير إليه في كل حال، وإحالة كل ما يجري في هذا الكون على الله تعالى بقلب خاشع وبصيرة مفتوحة. أفعجيب بعد ذلك أن يستنبط الصوفي من القرآن إشاراته، وأن يستحضر ذاتيته الخاصَّة، ويتلون مع دعائهما؛ لينصبغ في كل لون من ألوانها بصبغتها الذاتية وطابعها الشخصي؟

وغنيُّ عن البيان؛ أن هنالك فجوة يتأرجح معناها بين"القيم القرآنية" لمَّا أن يكون وجودها مغروساً في القلب، وبين الدلالة الواقعية والتطبيقية لها، إن التطبيق الفوري العامل البناء للعلم بتلك القيم لعنوانٌ دالٌّ على تميزها وجلالها في ذاتها، وفي غيرها؛ أعني في ذات صاحبها نفسه، ذلك العامل البناء المطبق لها، تنشرح بالالتزام بها الصدور ولو كلف الملتزمين بها الطاقات المجهدة في سبيل ذلك الالتزام مهما كان العناء وأياً ما كان؛ فالثمرة لا شك موجودة، بل ومحمودة.

والواقع الذي يصطدم مع النفس أهونُ بكثير من الترك والإهمال: أعني الواقع الذي تتبرم منه النفوس، مع الضيق والنفور أحياناً، ومع الثقل والضجر أحياناً أخرى حين يكون الالتزام مفروضاً عليها من جَرَّاء تلك التطبيقات الفوريَّة للقيم القرآنيَّة هو أهون بكثير من الضياع والإهمال، ولكن لو علمت النفوس أن نفورها وضيقها وضجرها وعزوفها من العمل بتلك القيم، إنمّا هو بالتحقيق - فضلاً عن التجريب - أسباب تعاستها وشقاوتها، وأن إقبالها وصمودها على الإقبال، ولو كانت مُكرهة في البداية على العمل والتطبيق، لهو بالتأكيد السعادة البالغة التي لا وصف لها ولا حد، مهما وصف لك الواصفون وحدّوا لك الوصف بحدودهم وتجاربهم.

غير أن المُحَقَّقَ على الدوام ليس هو في الوصف ولا هو في الأمر بهذه الأعمال تأتي على وجه الكمال، ولكنه يكمن في شيء واحد لا شيء سواه : في "التجربة".

ولستُ أكرر ما سبق أن ذكرته من قبل لمجرّد التكرار وكفى، ولكن لرسوخ هذا المعنى الذي لا نرى له رسوخاً في أنفسنا ولا نجد لمعطياته حضوراً في قلوبنا، وإنْ كان يكفينا منه إحاطة النظر المعزول دوماً عن فعل التجريب.

فإنّ التجربةُ مع كلام الحق تعالى لتقول لك بأبلغ لسان : إن هنالك نوراً علويّاً ينبعث من "كلمات الله"، يدنو منك في لحظات الاتصال، يهيئوها لك فعل الترقي والتطهير، ويعزّ عليك استقباله بغير تطهُّر واستعداد : التصافي شرطه، وأصله موالاة مصدره وخدمته، فلمَّا أن سُئل عنه قال: " نورٌ أنَّىَ أرَاهُ ". الصفاء والاستعداد والتأهب للترقي خصالُ من يريد أن يكون داخل المعيّة لا خارجها، واجتماع الخصال وسائل مُوَصِّلة لكنها ليست الغاية، فالغاية هنالك بعيدة بعيدة، بيد أنها قريبة بل أقرب ما تكون مع الإحسان.

ودوام البقاء مع الوسائل ظلمة حاجبة، والفراغ منه مطلوب في ذاته، ليتفرّغ السرُّ لورود "اللحظة". وإنها للحظة نورانية كاشفة تشع من باطن القلب، ينغمرُ فيها النور ليعطيك من فورك ما لا يخطر لك على بال : يعطيك السلامة في الحِسِّ وفي الذوق وفي الوعي وفي الإدراك. وإذا أدركت اللحظة النورانية العجيبة أدركت السعادة كلها طمأنينة قلبية لم تعد تزلزلك بعدها الزلازل من حولك ولا التهاويل، أدركت الدلالةَ وأدركت القيمةَ وأدركت من عالم القيم القرآنية مُوحيَاتها ممَّا ليس يدركه الغُفْل الجهول.

ليس عبثاً ذلك الذي تحسّه وتستشعر معناه في قلبك، وليس شعورك في هذه"الحالة" باللهو الذي ينقضي معه الزمن أو يقضي هو على الزمن، فلو أنه كان كذلك لكنت في غيبة وحجاب، أي كنت في غيبة عن اللحظة، لكنك في حيرة من أمرك : على أي وصف يمكن أن يكون حالك؟!

لست تجد لورود اللحظات عليك تفسيراً ولا تعليلاً، أنت هاهنا خارج نطاق التفسير والتعليل، أنت معه بكليتك، ومعيّة الكلية لا تستلزم وصفاً ولا تقتضي شرحاً.

الكليَّةُ بقاء تريدُ فيه آملاً من خالص قلبك أن تسكّن الزمن لحظتها، يدوم ولا ينقطع، ولكنه رغماً عنك ينقطع فلا يدوم، وانقطاعه حجاب، مع بقاء اللحظة حاضرة في "عين اليقين".

جَرّب - إنْ شئت - العلاقة مع هذه القيم القرآنية المباركة، بعد أن يكون لك استعداد صادق لتلقيها من أعلى، بوعي مفتوح وبصيرة حاضرة، وأقرأ القرآن قراءة ذَوْق وإيمان لا قراءة عقل مُغْلَق وبصيرة مطموسة، فستجد الأمر إذْ ذَاَكَ بعد التجربة على غير ما يصف لك الواصفون، ولو كنت أنت من أشد الواثقين فيما يقولون لك من أوصاف.

في فعل التجربة؛ تقف وحدك حراً طليقاً على "اللحظة" الرابطة بينك وبين الوجود الحق الذي تمنيته وتمنيت أن تتصل به، وسترى أن هذه اللحظة هى أسعد ساعات السعادة عندك، وإنه لا يدانيها مطلقاً لحظات وجودك الماضية ولا الحاضرة، إنْ استطعت أن تُسَكِّنها فأفعل؛ لأنها اللحظة التي تستشعر فيها الدوام من الأزلية إلى الأبدية، لكأنك وقفت بمفردك على معاينة السرمدية التي لا أول لها ولا آخر، وأنت إذْ ذَاَكَ في سعادة غامرة واتصال روحي عجيب، تنفرد به وحدك ولا يشاركك فيه مخلوق كائناً مَنْ كان!

وما من عجب..! فإنها وقفة شبيهة "بوقفة" النِّفَّري، ومن جرى مجراه من الواقفين عليها من السعداء. هنالك تدرك بالذوق الروحي أن الوجود الواقعي أقل منك وأحقر وأنه دونك، صغير، "كما الهباء في الهواء إنْ فتشته لم تجده شيئاً"؛ لأنك بلغت منزلة ما بلغها أحد من أولئك الذين يتنافسون فيها على كل رخيص، وإنك لأعرف العارفين من هاهنا بفقه اللحظة الحاضرة، تلك التي اتسع لها صدرك فعرفت فيها الكثير من دلالات الوجود ومعانيه، لا بل من حقائقه وخوافيه.

عندها ستعذر الحلاج، إذْ تَبَدَّتْ له شمس الحقيقة فجذبته فصرخ فقال فيها:"أنا الحق"، وعندها سيأخذك العطف على شيخنا أبي يزيد البسطامي لما قال:" سبحاني؛ سبحاني.!! ما أعظم شأني..". كانوا مثلك أصحاب لحظات فارقة، كانوا أهل وقفات في لحظات، بيد أنها كاشفة. شطحوا بعيداً عن معقول الناس، وما هو معقول الناس في عرف الناس؟

الإفلاس..!.. الإفلاس في القيم العلوية : قيم القرآن وقيم الله في كلمات الله.

لا شك كانت تلك "اللحظة" هى التي وسَّعت صدرك وفتحت نوافذ قلبك وجمَّعت همتك كيما تدرك وتعلم من الله ما لا يعلمه أهل الغفلة والحجاب. هنالك فقط متسع لمزيد من المعارف ولعزيز من العلوم، تتلقاها من علو وارتقاء، وأنت من "الحضرة" قريب دان، يكفي أن تتوحد معها لتشعر فيها بالقربة والاتصال. ويا للعجب من السعادة التي تغمر روحك في غيبة الكل عنك وغيبتك عن الكل، وتوحدك مع الكل وتوحد الكل معك!

أعرف الناس من عرف نفسه فيها : اللحظة التي يغيب فيها الكل عنك، ويكون الكل معك. في غيبة الكل تخلي، وفي كون الكل معك تحلياً وتجلياً.

إنّ الله ليتجلى على قلوب عباده في كلامه بخطابات التأنيس؛ ليقتربوا منه، يدنيهم دنو معنى ويرقيهم رقي معنى؛ ليفهموا عنه منه، وهو حين يدنيهم يلحظوا مراقي أنفسهم أو لا يلحظوها، يستشعروا قربها أو لا يستشعروها لكن عروجهم الواصب أبداً لهو لحظة تتفتح فيها نوافذ القلوب وتشرق لاستقبال الحقيقة من قريب، ليس الحقيقة كلها بل قبسٌ منها، هو الشعاع المضيء لظلمة الغفلة والحجاب.

ليس يبلغ مرتبة التفسير الإشاري للقرآن إلا ذلك الذي تجمّعت فيه أشراط الذاتية الخَاصَّة لفهمه وهى أشراط، كما تَقَدَّم، تعتمد المجاهدة وتحويل النفس من جانب في الحياة إلى جانب آخر، ولأن استنباط الإشارة من العبارة القرآنية مَرَدَّه إلى توافر تلك الشروط التي تقدَّمَت الإشارة إليها كدعائم تأسيسية ثم تمثّلها حقيقة لا مجازاً، وفعلاً لا نظراً ؛ لأنها تمثل خوض التجربة مع كلام الله على ديدن التجرّد والصفاء، وطلب القرآن لذاته لا لغرض آخر من أغراض الدنيا أو مطلب من مطالب الحياة.

لم يستطع القيام بهذا التفسير الإشاري إلا طائفة نادرة من أتقياء المسلمين جعلوا علاقاتهم مع الله تجربة حيويّة فاعلة، وليست هى بالنظر المجرّد يخلو من العمل والممارسة، فاستطاعوا من ثمَّ أن يستنبطوا الإشارة من العبارة وأن يستوحوا من كلام الله المعنى والدلالة والقيمة والوجود الروحي الباقي.

ظَهَرَ لنا أن الذاتية الخَاصَّة للقرآن؛ بدعائمها وأركانها وشروط توجهاتها، إنمّا هى أصول تأصيلية للتفسير الإشارى على طريقة أرباب الأحوال والأذواق، وأنه لولا توافر هذه الدعائم والأركان في وجود شخص المُفسر لمَا أستطاع أن يَقْدِم قيد أنملة على استنباط الإشارة من العبارة، وأن فهم الخطاب الإلهي على لسان أهل الحقيقة يحتاج إلى صفاء وتجرد وإخلاص كيما يُدْرك المُفَسّر دعائم تأصيل الإشارة بوصفها ذات نفوذ روحي عجيب.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4655 المصادف: 2019-06-04 01:49:21