 دراسات وبحوث

الإرهاب من منظور نفسي

منى زيتونيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله".

للتطرف الديني آثاره على الفرد، وكذا على المجتمع. ومن عجائب التطرف أن أكثر من يحملون ذلك الفكر الساعي لإعادة المجتمع إلى الخلف هم الشباب، رغم أن المفترض أن الشباب هم أكثر عناصر المجتمع رغبة في التجديد! ويمكن تفسير الأمر بأن فكرة معاكسة المتطرف لقيم المجتمع، تجد صداها دائمًا لدى كثيرين من الشباب، الذين يسعون إلى خلق عالم خاص بهم، يختلف عن عالم الكبار، ويتمرد عليه.

ولعل المشكلة الرئيسية في التطرف الديني أنه يبدأ بمظاهر سلوكية ظاهرية مقبولة؛ يتلقى الفرد تعزيزًا عليها من المجتمع لكونها تدينًا، والتدين محمود في مجتمعنا، فالكل يحمد للفرد التزامه في الصلاة وغضه للبصر وغيرها من السلوكيات الظاهرة، ثم عندما يبدأ فكره بالشطط بعد الاعتدال ينعزل عن المجتمع شيئًا فشيئًا، مما يصعب على المحيطين به ملاحظة أن الداء قد بدأ يستشري في بداياته، ولا يلاحظون التغيرات التي طرأت إلا عندما تغدو آثار التطرف ملحوظة، فالحد بين التدين المحمود والتطرف يصعب تحديده. من هنا جاءت خطورة السماح للفكر المتطرف بأن ينمو؛ لأنه قد يصل إلى مرحلة يصعب فيها السيطرة عليه والحد من آثاره.

وتختلف تلك الآثار اختلافًا كبيرًا؛ فقد يسلك المتطرف سلوكًا انعزاليًا بتجنب المجتمع المخالف له قيميًا، أو سلوكًا انفعاليًا يتمثل في كراهية المخالف، أو سلوكًا معرفيًا بتبني قيم جديدة تتفق وتطرفه والدفاع عنها، أو سلوكًا ظاهريًا بالاتجاه إلى العنف لتسويد أفكاره، وكثيرًا ما يصل الفرد المتطرف إلى حد القيام بكل تلك الأصناف من السلوكيات تدريجيًا. أي أن الأمر يبدأ بعدم الاعتراف بالآخر وتجنبه لينتهي بمحاربته، لكن في أحيان كثيرة يقف حد التطرف على أفكار متشددة في عقل المتطرف يكون تأثيرها مقتصرًا عليه وحده أو على المحيطين به فقط، لكن حديثنا في هذه الدراسة الموجزة يتركز على الإرهاب كأعلى درجات التطرف.

الإرهاب للتخلص من المخالف فكريًا والمختلف عقديًا

ينتهي الحال عادة بالمتطرف –إذا ما تابع التدرج في سلم التطرف- إلى تكفير المجتمع عدا جماعته، لكونه مجتمعًا جاهليًا لا يُحكِّم شرع الله، وغالبًا ما يتحول التطرف من فكر أو سلوك فردي، إلى عمل جماعي عدواني له هدف سياسي، في المجتمعات ذات القيم الوسطية التي يعيش فيها المتطرف، ويحاول تغييرها، ويشعر بصعوبة ذلك عن طريق التصادم الفكري، فيقود المجتمع إلى الحرب الداخلية؛ وتتشكل جماعات وخلايا إرهابية لا ينضم لها إلا من تشبع بالأفكار المتطرفة، ويمكن القول إنه يحدث للمتطرف في تلك الحالة انتقال من النظرية إلى التطبيق. لكن العنف والإرهاب يبقى محتملًا وليس أكيدًا اللجوء إليه، لأنه يعني تدمير المتطرف نفسه أو تدمير الآخرين.

يقول ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (ج3، كتاب الجهاد، ص535) : "كُلُّ طَائِفَةٍ خَرَجَتْ عَنْ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا، وَإِنْ امْتَنَعُوا عَنْ الزَّكَاةِ، وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ حَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ، أَوْ الزِّنَا، أَوْ الْمَيْسِرِ، أَوْ الْخَمْرِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْحُكْمِ فِي الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَالْأَبْضَاعِ، وَنَحْوِهَا بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَجِهَادِ الْكُفَّارِ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَيُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرُوا الْبِدَعَ الْمُخَالِفَةَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مِثْلُ: أَنْ يُظْهِرُوا الْإِلْحَادَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ أَوْ التَّكْذِيبَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَوْ الطَّعْنَ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ أَوْ مُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي طَاعَتِهِمْ الَّتِي تُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ‏﴿‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾‏ [الأنفال: 39]. فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الدِّينِ لِلَّهِ، وَبَعْضُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَجَبَ الْقِتَالُ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ"أهـ.

وكلام ابن تيمية هو ببساطة ما تم تطبيقه على المسلمين في جزيرة العرب في القرن التاسع عشر الميلادي؛ فأُعملت فيهم السيوف باعتبارهم مشركين، وقُتلوا وسُبيت نساؤهم واُستعبد أبناؤهم لأسباب أوهن كثيرًا من عدم تطبيق أركان الإسلام الخمسة، فلا يُسمح بأي خلاف في العقيدة مع هؤلاء إن ملكوا.

تاريخيًا.. حدث الإرهاب في مناطق عديدة من العالم، لكنه اُعتبر مشكلة محلية حتى الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م عندما هاجم الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد 11/9 أصبح الإرهاب اهتمامًا عالميًا.

ويعد الإرهاب شكلًا من أشكال الجُناح خاصة بالنسبة للأحداث في مرحلة المراهقة والشباب في مقتبل ‏العمر؛ حيث هو انحراف سلوكي، والذي يتمثل في سلوك لا أخلاقي وخارج على القانون ومضاد للمجتمع. ‏وهو من المشكلات النفسية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة بشكل متزايد، والتي تهم علماء ‏الاجتماع وعلماء التربية وعلماء النفس ورجال القانون والأمن.‏

ويمكن القول إنه بمراجعة المقالات التي أُعدت حول ظاهرة الإرهاب لوجدنا أن أغلبها يحوي نظريات عن الإرهاب، والجماعات المنخرطة فيه، إضافة إلى بعض البيانات التي تفتقد إلى الإحصائيات السليمة، وأن القليل جدًا من الدراسات قد أُجريت لتحري الأسس النفسية للإرهاب، ذلك بالرغم من تزايد وتصاعد الحوادث الإرهابية على مستوى العالم؛ ما يجعلنا نعتقد بضرورة وجود متخصصين تخصصًا فرعيًا تحت علم النفس الاجتماعي فيما يسمى "علم نفس الإرهاب".

ما هو الإرهاب؟

بسبب أهمية المشكلة وخطورتها؛ فإنه ووفقًا لـ ‏(وولتر لاكير، 2007) وكوبر ‏‎(Cooper, 1995)‎‏، هناك أكثر من مئة تعريف للإرهاب. ولدى وزارة الخارجية الأميركية‎ ‎تعريفها الخاص، فتحت العنوان ‏‏22 من المادة 2656 من مدونة القانون الأميركي نجد تعريفًا للإرهاب على أنه ‏‎"‎عنف متعمد، مدفوع بدوافع ‏سياسية، ترتكبه ضد أهداف غير مُحاربة، جماعات شبه قومية أو‎ ‎عملاء سريون، المقصود منه عادة هو ‏التأثير على جمهور‎"‎‏. ولقد قيل أكثر مما ينبغي حول عنصر "الأهداف غير المُحاربة"؛ إذ ليس هناك‎ ‎جماعة ‏إرهابية في التاريخ اقتصرت هجماتها على جنود أو رجال شرطة. وماذا سيكون الوضع‎ ‎إذا قامت مجموعة من ‏الرجال المسلحين بمهاجمة رجال شرطة في الصباح ومدنيين في‎ ‎المساء: هل رجال المجموعة إرهابيون، أو ‏هل ينتمون إلى تصنيف مختلف، أو هل يغيّرون‎ ‎طبيعتهم خلال يوم؟‎ ‎‏ ‏

بينما يعرفه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ‏FBI‏ على أنه: فعل عنيف أو فعل خطير على الحياة ‏الإنسانية؛ لإضافة أو إجبار حكومة أو سكان مدنيين أو أي جزء منها؛ لتعزيز الأهداف السياسية أو ‏الاجتماعية ‎(Cooper, 1995)‎.‏

وتعرفه كرينشو ‏‎(Crenshaw, 2001)‎‏ بأنه نمط تآمري من العدوان؛ لتعديل الاتجاهات والسلوكيات ‏للعديد من المشاهدين. إنه يستهدف القليلين بطريقة تستدعي انتباه الكثيرين. وتضيف أن أفعال الإرهاب لا ‏تشبه نموذجيًا أفعال الحرب، ويبدو أن الإرهابيين يفضلون غير المقاتلين كأهداف لهم، بالرغم من كون ‏التنظيمات الإرهابية تستعير الرموز وبهارج الإجراءات والانضباطات العسكرية.‏

وتذكر موسوعة ويكيبيديا ‏Wikipedia‏ على شبكة الانترنت أنه في الوقت الحاضر لا يوجد تعريف ‏عالمي مقبول للإرهاب. وتشير التعاريف العامة للإرهاب فقط لهؤلاء الذين يتصرفون بقصد خلق الخوف ‏‏(الإرهاب)، مرتكبين لهدف أيديولوجي (مقابل هدف مادي أو هجوم وحيد)، ويستهدفون بتعمد ويتجاهلون أمان ‏غير المقاتلين. كما تذكر الموسوعة أن بعض التعريفات تتضمن أيضًا أفعال العنف غير القانوني أو الحرب ‏غير المألوفة، كذلك تشير إلى أن الإرهاب في الأزمنة الحديثة عادة يشير إلى قتل الناس الأبرياء من قِبل ‏مجموعة خاصة بطريقة تخلق منظرًا إعلاميًا.‏

بينما يرى اريكاك وآخرون‏ ‏‎(Aricak et al., 2008)‎ أن تعريف الإرهاب قد تغير مع الحوادث العالمية المتلاحقة من كونه "فعل ‏عنيف يقوم به مجموعة من الناس المحليين ضد حكومتهم الخاصة من أجل تحقيق مكاسب سياسية" إلى ‏‏"فعل عنيف من مواطني بلد ضد بلد أخرى من أجل تحقيق انتباه سياسي".‏

وفي نوفمبر 2004، وصف تقرير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة –يُلاحظ أن هذا التقرير لا ‏يشكل قانونًا دوليًا- الإرهاب على أنه: أي فعل قصد أن يسبب الموت أو الأذى الجسماني الخطير للمدنيين ‏أو غير المقاتلين؛ بهدف إخافة سكان أو إرغام حكومة أو منظمة دولية لعمل أو الامتناع عن عمل أي فعل‎.‏

وأحيانًا يكون من الصعب على المشاهد العادي تمييز الحوادث الإرهابية عن غيرها من الحوادث ‏الإجرامية. وترى كرينشو ‎(Crenshaw, 2001)‎ أنه حتى أفضل المقاصد العلمية قد لا تكفي لتمييز الإرهاب من الاحتجاج، وحرب ‏العصابات، وحرب العصابات الحضرية، والفتنة، والعنف الإجرامي، والعسكرية المعدلة، والعنف العمومي، ‏واللصوصية. إن السياسة تتضمن منافسة لتعريف المصطلحات وفرض التفسيرات الخاصة للتأريخ.‏

وفي تحليل أُعد للمخابرات الأمريكية ذُكرت أربعة أنواع من الإرهاب: (القومي الانفصالي- الأصولي ‏الديني- الديني الجديد- الثوري الاجتماعي). ولعل أهمها وأكثرها ارتباطًا بالأذهان هو الإرهاب الأصولي ‏الديني.‏

وترى الكاتبة ضرورة التمييز بين الإرهاب والدفاع عن الحرية اعتمادًا على الأهداف والأفعال؛ وكذلك ‏التمييز بين الإرهاب وبين الانتحار؛ إذ غالبًا ما يُطلق مسمى انتحاريين على الإرهابيين في وسائل الإعلام ‏الغربية؛ ذلك أن الإرهاب ليس مجرد انتحار فردي؛ فالانتحار هو عدوان مُوجه‎ ‎نحو الذات؛ لأن ‏الشخص لا يستطيع لسبب ما أن يوجه عدوانيته باتجاه المجتمع أو باتجاه‎ ‎شخص آخر. ولقد عرَّف عالم ‏الاجتماع دوركهايم الانتحار بأنه: كل حالات الموت التي تنتج‎ ‎بشكل مباشر أو غير مباشر من فعل سلبي أو ‏إيجابي، ينفذه الضحية بنفسه، وهو يعرف أن هذا‎ ‎الفعل يصل إلى هذه النتيجة أي الموت. إن السلوك الانتحاري‎ ‎هو سلسلة الأفعال التي يقوم بها الفرد محاولًا من خلالها تدمير حياته بنفسه، دونما‎ ‎تحريض من آخر أو ‏تضحية لقيمة اجتماعية ما، وتعتبر الأمراض النفسية‎ ‎والاضطرابات العصابية والذهانية من المسببات الرئيسية ‏للانتحار، ولقد أشار فرويد إلى أن الانتحار هو توجيه العدوانية الكامنة بالشخص ضد ذاته، أما الإرهاب ‏فيتضمن توجيه تلك العدوانية نحو المجتمع حتى لو أدى هذا إلى تدمير الذات مع المجتمع، وفقًا للمثل ‏العامي "عليّ وعلى أعدائي"، وغالبًا ما يكون توجيه تلك العدوانية تحت تأثير تحريض، وتحت تأثير التصور ‏بالتضحية من أجل إعلاء قيمة أكبر، غالبًا ما تكون دينية؛ لذا يُعد تعريف الإرهاب وتمييزه عن غيره من ‏الحوادث الإجرامية هو الخطوة الأولى لتحديد سياسة التعامل مع الإرهابيين دون انتهاك حقوق الإنسان.‏

العوامل المسهمة في وصول التطرف إلى درجة الإرهاب

لعل من أكبر العوائق التي تحول ومواجهة ظاهرة التطرف الديني، هو إصرار كل حزب من المختصين، على الحديث عنها، والبحث فيها، من منظورهم فقط، وتجاهل وجود حزم متنوعة من العوامل، أسهمت كل منها في إفراز تلك الظاهرة بكل ما لها من آثار سلبية على الفرد والمجتمع، فالتطرف ظاهرة معقدة، تكثر وتتنوع الأسباب المؤدية إليها، وتتداخل وتتفاعل، حتى يصبح التطرف حقيقة ماثلة.

وينبغي مراعاة أيضًا أن العلاقة بين التطرف وبين كثير من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية هي علاقة تبادلية دائرية، فالخلل في تلك العوامل قد يتسبب في ظهور التطرف الديني في المجتمع، كما أن التطرف بدوره يؤثر في تلك الجوانب، ويحدث بها خللًا أيًا كانت نوعية الخلل تشددًا أو انحلالًا.

إن قرار استخدام أي منظمة أو جماعة للإرهاب شأنه شأن أي قرار سياسي يتأثر باعتبارات نفسية، ومساومة داخل المنظمة، وكذلك بردود الأفعال المنطقية المتوقعة، كما يتأثر ولا شك بالفرص المتاحة لهم، والقيود التي تحددهم، في ضوء أهداف المنظمة. والسؤال هو: ما الذي يدفع بإنسان –غالبًا في مقتبل العمر- إلى كراهية مجتمع والرغبة في تدميره، وإن لحقه مثل هذا التدمير وأصابه؟!

وبالرغم من إدراك الكاتبة أهمية الاتجاه التكاملي في تفسير ظاهرة التطرف، والذي يراعي تعدد المسببات لتلك الظاهرة وتنوعها؛ كونه أكثر الاتجاهات قدرة على تفسير ‏الظاهرة، ومن ثم علاجها والتخفيف من آثارها، فإن حدود الدراسة التي بين أيدينا تُعنى بتحديد العوامل والاعتبارات النفسية التي تُسهم في انخراط الفرد في دائرة الإرهاب، وتنفيذ بعض الأفراد خاصة من صغار السن لتلك الحوادث الإرهابية.

وتعرض الكاتبة لأهم مجموعة من الأسباب النفسية التي قد تؤثر في تشكيل شخصيات المتطرفين، علمًا بأنه قد يرتبط سبب نفسي بسبب اجتماعي أو بسبب ديني، كما أنه يستحيل أن تتسبب كل هذه الأسباب في إحداث التطرف في شخصية واحدة؛ فبعضها يكون متناقضًا، لكن الوعي بهذه المجموعة المتنوعة من الأسباب هام لفهم كيف يمكن أن يتحول شخص سوي إلى شخصية متطرفة.

هل هناك سمات مشتركة ثابتة في شخصية الإرهابيين؟

نظرًا لأهمية الأسباب النفسية المؤثرة في إحداث ظاهرة التطرف، وعدم إعطاء الباحثين العرب الأهمية الكافية لها، فقد تخيرتها الكاتبة لتكون محور هذه الدراسة.

تأسيسًا على نتائج استبيان أجراه دنكان ‏‎(Duncan, 2001)‎‏، بعد ثمانية أيام من تفجيرات 11 سبتمبر ‏‏2001م، فقد رأى بعض المشاركين في الاستبيان أن يكون هناك إمكانية لعمل بروفيل (تخطيط نفسي)، ‏لاستخدامه كوسيلة لتمييز الإرهابيين. لكن السؤال الهام هل هناك حقًا سمات مشتركة في شخصية المتطرفين، خاصة من يلجأون إلى العنف؟؛ فمع تنامي ظاهرة التطرف الديني، كانت هناك محاولات من علماء النفس في الغرب لوضع بروفيل نفسي للإرهابيين، ولكن النتائج كانت إلى حد بعيد محبطة.

ووفقًا لجون هورجان (2008) فهناك إغراء أثّر على نحو كبير على طبيعة واتجاه بعض الأبحاث‎ ‎السابقة -خاصة التي قام ‏بها علماء النفس-، هو افتراض وجود بعض سمات الخصوصية‎ ‎المميزة لدى أعضاء مجموعة إرهابية محددة ‏‏من حيث ما يجعلهم "متشابهين"، بالإضافة‎ ‎إلى ما يُفترض أنه يجعلهم "مختلفين" عن بقيتنا أو على الأقل ‏عن الأشخاص الذين لا‎ ‎ينخرطون في الإرهاب. وقد كان عالم النفس وخبير الإرهاب آريل ميراري مصيبًا في ‏مجادلته بأنه من الأكثر‎ ‎دقة القول بأنه "لم يتم العثور حتى الآن على تركيبة لشخصية الإرهابي، قائمة على‎ ‎تحليل السمات المشتركة الثابتة بين شخصيات الإرهابيين" بدلًا من القول بأنه "لا توجد‎ ‎صورة مركبة لشخصية ‏الإرهابي تتضمن السمات المشتركة الثابتة في شخصياتهم".

ويمكنني الجزم بأن هناك إحباطًا واضحًا في‎ ‎الكثير من دوائر وضع ‏السياسات وتطبيق القانون في الغرب، بشأن التوصل إلى صورة‎ ‎مركبة صحيحة يمكن التعويل عليها ‏للسمات المشتركة بين شخصيات الإرهابيين، ومع ذلك فإن السعي‎ ‎إليها ما زال مستمرًا‎.‎‏ وهو ما يؤكد عليه فيكتوروف ‏‎(Victoroff, 2005)‎‏ من وجود تقارير تمهيدية تقترح أن عوامل ‏اجتماعية ونفسية معدلة تسهم في تكوين العقلية الإرهابية، وأنه يمكن أن يسكن الهجوم الهائل عن طريق بدء ‏الدراسة العلمية التي تأخرت طويلًا للعقليات الإرهابية.

وترى الكاتبة أنه ربما كان من أسباب الفشل حتى الآن في الدوائر الغربية، في العثور على سمات مشتركة للمتطرفين المحتمل قيامهم بأعمال عدائية إرهابية، هو التركيز على البحث عن فروق خارجية ظاهرية بينهم وبين الأشخاص الأسوياء غير المنخرطين في أنشطة متطرفة إرهابية، بينما يجب أن ‏يتم العمل على البحث عن الفروق الداخلية بينهم وبين الأسوياء في السمات النفسية والصفات العقلية والمعتقدات الأيديولوجية، والتي جعلت الإرهابي يفكر ‏ويخطط وينفذ هذا العمل مضحيًا بحياته من أجل تلك المعتقدات، وكذا الفروق في الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها التي تسببت في التحاقه بالجماعات المتطرفة.

كما أنه بالرغم من ذلك الإخفاق الذي أشارت إليه العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية بالغرب، إلا أنه توجد مؤشرات على وجود سمات نفسية ترتبط بشخصية المتطرف أو من لديه استعداد للتطرف، ينبغي دراستها والاهتمام بها. ويمكنني تسمية تلك السمات بعوامل الخطر؛ لكونها ترتبط بزيادة فرص حدوث التطرف، ومن ثم تكون لها أهميتها في التنبؤ بالسلوك المتطرف، لكن يتعين على الأشخاص الذين يعملون في مجال ‏مكافحة الإرهاب ألا يسرفوا في التعويل على تلك الصورة المركبة لشخصية المتطرف حتى لا يقعوا في أخطار التعميم الشامل لعدم التمييز بين: المتدين والمتشدد ومن يلجأ للعنف.

ويمكن تحديد أهم العوامل النفسية التي قد تؤدي للتطرف الديني بوجه عام في:‏

1- النمو غير السوي للشعور الديني

هناك تطورات نمائية متعددة في الجانب الديني تعرض للفرد من طفولته وحتى مراهقته، مُكسبة إياه السواء ‏أو تقوده إلى التطرف.

يقول الله تعالى: ‏﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏﴾‏ [الروم:‏‏30]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يُولد على الفطرة". فكلنا نبدأ حياتنا على فطرة التوحيد الخالص، والطهر والبراءة، ثم يتدرج شعورنا الديني في مراحل النمو المختلفة التي نمر بها، وتكون المظاهر الدينية شكلية في الطفولة المبكرة، لا تتعدى ترديد ألفاظ دون إدراك لمعناها مثل: الله، الملائكة، الأنبياء، ‏الجنة، النار، ثم يتعرف الطفل على بعض المعايير الدينية كالحلال ‏والحرام خلال عملية التنشئة الاجتماعية، ويبدأ في تقليد الكبار في أداء العبادات دون فهم لمعناها؛ مسايرة منه للمجتمع؛ فقط كي يتلقى تعزيزات إيجابية على أدائها. ويُصدِّق الطفل كل ما يخبره به الكبار عن الأمور الدينية، ويفهم أنها أمور محاطة بالقدسية. ثم مع تدرج النمو يبدأ الطفل في طرح الأسئلة الدينية، ويلعب التلقين دورًا هامًا في تكوين أفكار الطفل الدينية، ويتشرب الطفل هذه ‏الأفكار ويتمثلها وتصبح أفكاره الشخصية، ويدافع عنها ويغار عليها، وتحدد سلوكه، وفي مرحلة الطفولة المتأخرة يصبح ‏الدين وسيلة من وسائل التوافق الاجتماعي، فيتأثر الطفل بالبيئة الاجتماعية التي يتربى فيها، ويعرف أن الله ليس ربه وحده، بل هو إله كل الناس. ويعرف ‏الطفل أن الدين يجمع جماعة كبيرة أوسع من أسرته، وأن هناك جماعات أخرى تتبع أديانًا أخرى. وفي الطفولة المتأخرة تصبح فكرة الطفل عن الله أكثر وضوحًا وتمايزًا عن فكرته في طفولته المبكرة. وتختلف فكرة الطفل ‏عن الله اختلافًا بيّنًا من طفل لآخر نتيجة للبيئة الدينية التي تهيمن على سلوك الطفل.‏ في مرحلة الطفولة المتأخرة يكتسب الطفل بعض المفاهيم الدينية، وأهمها معرفة معنى الوحدانية وعدم المثلية لذات الله تعالى.‏

ثم يحدث تحول المراهقة، وهي المرحلة التي سيتحول المراهق بعد ذلك في نهايتها إلى الرشد. وبينما كان الفرد يؤمن في طفولته بالشعائر والطقوس الدينية المختلفة، فإنه في مراهقته يتخفف كثيرًا من هذا الإيمان الشديد، ويتجه بعقله نحو مناقشة الشعائر وفهمها والكشف عن أسبابها ‏وعلّاتها. وسواء كان الاتجاه نحو الدين موجبًا أو سالبًا، فإن الدين ‏يعتبر قوة دافعة خلال فترة المراهقة بصفة خاصة. قد تُشاهد اليقظة الدينية العامة، كما قد ‏يُشاهد الشك، كما قد يُشاهد الإلحاد غير الحقيقي الناشئ عن الرغبة في الاستقلال والتحرر والعدوان على المجتمع، ويُلاحظ أن التنشئة الاجتماعية تلعب دورًا هامًا في تحديد الاتجاه الديني لدى ‏المراهق؛ سواء كان تحمسًا أو شكًا أو إلحادًا.

‏وتتأثر مثيرات المراهق الانفعالية بعلاقته بالدين. يذكر حامد زهران (1999، ص421-422)‏ أنه "‏وفي المراهقة المتأخرة يُشاهد الحماس الديني الذي يصل إلى درجة التطرف، والذي يحل محل الاتجاه ‏الديني التقليدي. ويتلون الحماس الديني بالسمات الغالبة على شخصية المراهق، فهناك التحمس المصحوب ‏بالتحرر من البدع، وقد يصاحب هذا نقد لاذع. وهناك الاندفاع إلى النشاط الخارجي والاجتماعي والديني ‏والانضمام إلى جماعات البر والإحسان (الشخصية المنبسطة)، أو الاقتناع في حماسه بالاقتصار على ‏المستوى الشخصي والتصوف الزائف (الشخصية المنطوية). وقد يسيطر التفكير الخرافي والتفاؤل والتشاؤم ‏والتوسل إلى الأولياء وتعليق الأحجبة. وقد يلجأ البعض إلى الدين كوسيلة لإعلاء الدافع الجنسي، ويكون لدى ‏هؤلاء حساسية مرهفة لأي مخالفة جنسية في المجتمع، وقد يأخذ هذا الحماس الديني شكل عمل جماعي يقوم ‏به المراهقون في شكل جماعات دينية لإقامة دعائم الفضيلة في المجتمع وتحطيم أماكن اللهو والفساد ‏ومهاجمة الإباحية والاختلاط. كما يُشاهد الاتجاه إلى الله في مرحلة المراهقة المتأخرة حيث يشعر المراهق بالذنب المرتبط بانبعاث ‏الدافع الجنسي؛ فيتعلق بالدين، ويتجه إلى الله يتضرع إليه ليعينه على غرائزه، ويخلصه من عذاب نفسه، حتى ‏يتجنب العقاب الداخلي المعنوي. وكلّما اشتد الشعور بالذنب أقبل المراهق على الله متعبدًا لا يترك فرضًا ولا ‏نافلة ليتطهر من الذنب، وإذا هدأ هذا الشعور بالذنب تراخى وقلت ضراعته"أهـ.

بالرغم من ذلك قد تكون مراهقة البعض مراهقة توافقية، وقد ذكر الله تعالى بعض ممن هداهم الله تعالى في سن صغيرة، وعصمهم من تقلبات المراهقة الدينية. قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ‏﴿‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ‏﴾‏ [الأنبياء:‏‏51]. وقال عن يحيى عليه السلام: ‏﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا‏﴾‏ [مريم: 12]. وقال عن أهل الكهف: ‏﴿إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى‏﴾‏‏ [الكهف:13].‏

وقد استخلص صموئيل مغاريوس ‏(1957)‏ في بحثه على الذكور من المراهقين أربعة أشكال عامة للمراهقة ‏هي: المراهقة المتوافقة- المراهقة الانسحابية المنطوية- المراهقة العدوانية المتمردة- المراهقة المنحرفة. ‏ويمكن وصف تلك الأنماط من المراهقة في علاقتها بالدين بأن نمط المراهقة المتوافقة يتسم بالتوافق والتقبل ‏للمعتقدات الدينية وعدم المعاناة من الشكوك الدينية، وينبع ذلك من التدين السليم والاستقامة، أما نمط المراهقة ‏الانسحابية المنطوية فمن سماتها العامة الاتجاه إلى النزعة الدينية المتطرفة بحثًا عن الراحة النفسية والخلاص ‏من مشاعر الذنب؛ وذلك لتأثرها بالتزمت والرجعية والمغالاة في اتجاهات الأسرة، أما السمات الدينية للمراهقة ‏العدوانية المتمردة فتتضح في الحملات ضد رجال الدين وربما إعلان الشكوك الدينية، وأخيرًا تكون أخطر ‏أنماط المراهقة، وهو نمط المراهقة المنحرفة، والتي تتسم بالجناح والسلوك المضاد للمجتمع والانحلال الخلقي ‏التام‏‏.

وهكذا ندرك من تحليلنا لأنماط المراهقة أثر الدين على التوافق النفسي للمراهق، وهو الأثر الذي يستمر ‏للدين في مراحل الحياة التالية للمراهقة؛ إذ يُحقق الدين التوافق النفسي الصحيح الذي يسعى الفرد إلى بلوغه ‏خلال مراحل حياته؛ فقط لو كان نمط التدين صحيحًا.‏ إن المتطرفين غالبًا ما يبررون أفعالهم في أغلب الأحيان على خلفيات أيديولوجية أو دينية محتجين ‏بأنهم يردون على خطأ أعظم أو يروجون لشيء أعظم. وترى الكاتبة أن النشوء في بيئة يُمجد فيها التشدد ‏وتتم صياغة الشعور الديني لدى الأفراد منذ صغرهم بشكل خاطئ هو من العوامل الرئيسية المسهمة في ‏نشأة وتطور التطرف.‏

2- الرغبة في التميز

ورد عن سيدنا علي بن أبي طالب أنه قال: "قسم ظهري اثنان عالم فاسق، وجاهل متنسك".

والرغبة في التميز هي غريزة إنسانية توجد لدى كل البشر، ترتبط بتحقيق وتقدير الذات والثقة ‏بالنفس، كما تعد تلك الرغبة دافعًا لكثير من السلوكيات الإنسانية التي يمكن تفسيرها في ‏ضوئها. هذا لا يعني أن تكون تلك الرغبة هي الدافع الوحيد وراء السلوكيات نفسها لدى جميع ‏من يسلكونها، فقد تتشابه السلوكيات الإنسانية وتختلف الدوافع إليها، وهذا أعقد ما يخص سلوك ‏الإنسان.‏

وتتعدد المجالات التي يمكن أن يكون الشخص متميزًا فيها، بتعدد ميول البشر واتجاهاتهم ‏وظروفهم وشروطهم، التي تخلقها لهم بيئاتهم الصغيرة، بل ومجتمعاتهم الكبيرة أيضًا.‏

يذكر بوست (2007) أن هناك عددًا وافرًا من الدوافع الفردية لممارسة الإرهاب؛ فهي بالنسبة للبعض، ‏إعطاء‎ ‎شعور بالقوة لمن لا حول ولا قوة لهم؛ ‏واكتساب شعور بالأهمية هو دافع آخرين غيرهم‎.‎

فرغم كونها غريزة إنسانية لا يفتقدها إنسان، ويمكن اعتبارها سرًا من أسرار التفرّد الإنساني، إلا ‏أن الرغبة في التميز تتحول لدى بعض الناس إلى هوس يؤدي إلى سلوكيات قد تدمرهم على أصعدة كثيرة ‏مادية ومعنوية؛ أهمها التطرف، خاصة وكثير من السلوكيات المتطرفة، هي سلوكيات ‏متاحة ومجانية، ولا تكلف من يقوم بها شيئًا، كالتشدد الزائف وإظهار الكراهية للمخالف، مما جعل تلك السوكيات تنتشر في كل الثقافات الفرعية في مجتمعنا، فلم تميز بين الأغنياء ‏والفقراء، والمثقفين والجهلاء، إضافة للانضمام لجماعات متطرفة، ثم ما يلي ذلك الانضمام من التعصب ‏لتلك الجماعة.‏

فالرغبة في التميز تفسر وترتبط بانضمام بعض الناس –بل الكثيرين منهم- إلى الجماعات الدينية، بينما يكون ‏سلوكهم متنافي تمامًا مع الدين، مما يجعل خبر انضمامهم لتلك الجماعات صدمة بكل ‏المقاييس لمن يعرفونهم عن قرب، ولكنهم لا يدركون الدافع الحقيقي وراء هذا السلوك ‏المستغرب من هؤلاء، وأن الأمر لا يعدو رغبة في الانتماء لجماعة تكون لها الغلبة الفكرية ‏والنجاة الأخروية أكثر مما هو إيمان حقيقي بمعتقداتها،‏ فانعزال المتطرفين في جماعة يُظهِر -وكذا يُنمِي- رغبة أعضائها في التميز عمّن سواهم، لحاجة كل منهم إلى الشعور بأنه يحتل مركزًا مرموقًا ‏بين الآخرين، أو الشعور أنه أفضل‎ ‎من الآخرين. أعرف كثيرين جُل ما يعنيهم هو إثبات حديث الفرقة الناجية، بما فيه الفقرة الأخيرة المختلف ‏حول صحتها، وإقناع نفسه والآخرين أنه منها!

وكثير من المتطرفين –خاصة شديديّ التطرف منهم- لمن يعرف حقيقتهم لهم وجه آخر يخفونه خلف تشددهم الزائف، قد يسمح لهم باقتراف كبائر الذنب، مما لا يجرؤ المؤمن البسيط الذي يراهم شيوخًا على مجرد التفكير في اقتراف مثله؛ وتكون صدمته عظيمة فيهم عندما يُكشف عن هؤلاء المتألهين القناع.

هذا ويلعب التعزيز دوره في تقوية تلك الرغبة في التميز، وهو ما يركز عليه المروجون للجماعات الدينية، بل ويمكن استخدامه لإقناع الأعضاء بالانتقال من المشاركة في المظاهرات السلمية إلى القيام بأعمال عنف.

وكما سبق ‏وأوضحنا أن هؤلاء المروجين يسعون إلى تحويل تلك الغريزة الطبيعية إلى حالة من الهوس ‏المرضي الذي يؤدي إلى رفع المستوى الظاهري للثقة بالنفس لدى الفرد، وإن كانت الحقيقة ‏عكس ذلك تمامًا؛ فتحقيق التميز الزائف عن طريق الانتماء لجماعة يُدعى كونها مميزة أو ‏ليس للفرد دور في تميزها إنما يداري الإحساس بالفشل وافتقاد القيمة التي يعاني منها الشخص ‏على المستوى الفردي، فالرغبة الزائفة في التميز فيما لا يعد تميزًا من الأساس إنما هو ‏تعبير عن عدم الثقة في النفس وليس الثقة فيها، ويعد أسلوبًا من أساليب خداع الذات ‏وتعويض النقص ينبغي أن يتغلب عليه الفرد وأن يبحث عما يمكن أن يجعله يتميز حقيقة لا ‏زيفًا.‏

3- النرجسية والكبر

تختلف النرجسية عن الرغبة في التميز، فالنرجسية تعني حب النفس، وهي اضطراب في الشخصية، حيث تتميز بالغرور والتعالي ‏والشعور الزائد بالأهمية. والمستويات العالية من النرجسية تجعل الشخص يميل لإعطاء قيمة ‏عالية لأفعاله وآرائه ظانًا منه أن كل ما يصدر عنه عظيم التأثير في كل من يتعرض له.‏ وهو يرغب أن ينال إعجاب الجميع، كما أنه يفتقر إلى التعاطف مع الآخرين.

ومن سمات المتطرفين دينيًا اغترارهم بعقيدتهم وعملهم واعتقادهم امتلاك مفاتيح الجنة، وأن غيرهم ممن يخالفونهم فكريًا وعقديًا لا شك أقل قدرًا عند الله –هذا في أفضل الأحوال-، بل ويصل بهم الأمر إلى الاقتناع بأنه لولاهم ولولا جماعتهم لضاع الإيمان من الأرض، وأنهم الذين يُعقد عليهم إعادة أمجاد الإسلام.

تذكر ميا بلوم (2008) أن "بعض علماء النفس يرون أن الإرهابيين يعانون عادة من "التضرر النرجسي"، وهو ‏أساسًا‎ ‎تضرر دائم للصورة التي يحملونها عن أنفسهم ولاحترامهم لذاتهم، يكون شديدًا إلى حد‎ ‎إرغام الذات ‏المرفوضة على السعي إلى "هوية إيجابية" جديدة (أي إحراز إحساس‎ ‎‏"بالانتماء" كعضو في جماعة إرهابية)"أهـ. ‏أي أن التضرر النرجسي على المستوى الفردي يكون سببًا في الالتحاق بجماعة متطرفة تغذي النرجسية الجمعية للمتطرفين، مما يتيح للفرد الفرصة لاحتقار البعض ممن هم خارج الجماعة، والتعالي ‏عليهم، وإشباع حاجته إلى الشعور بأنه أفضل‎ ‎منهم.

كما أن النرجسي لديه دائمًا مشاكل في التمييز بين ذاته وبين الآخرين، ويرى في نفسه تشابهًا –قد ‏يكون متوهمًا- بينه وبين من يعجبه منهم، وهو ما لاحظته الكاتبة في المتطرفين حيث ينتقي كل منهم شخصية تاريخية، ويحددها كمثل أعلى ويتوهم تشابهه معها، ويؤثر ذلك في سلوكه أعظم تأثير.

4- الاندفاع الوجداني

يتسم المتطرفون بوصولهم لأقصى درجة في التعبير الانفعالي إزاء المواقف التي يتطرفون معها أو ضدها، وعدم قدرتهم على التوسط في انفعالاتهم أو تحكيم العقل، فيحبون لأقصى درجة ويكرهون لأقصى درجة، ويوافقون لأبعد مدى وكذا يعارضون بشدة. وترتبط تلك السمة بشدة بسمة التعصب.

إننا أمام أشخاص يعانون من الشعور بالنقص، وعدم الثقة في النفس، مما يجعلهم سريعيّ التوتر، شديديّ الاندفاعية الوجدانية، ويفتقدون القدرة على ‏ضبط الذات.

5- الانقياد

نظرًا لأن المتطرف دائمًا ينضم لجماعات دينية فلا بد أن يكون على الاستعداد لقبول فكرة الطاعة العمياء للقائد أو الأمير، وأن يكون مقتنعًا بفكرة الإمارة والخلافة، وعلى استعداد لتنفيذ أي مهمة توكل إليه حتى لو عرَّض حياته أو حياة الأبرياء للخطر؛ فالمتطرف هو شخص انقيادي فقد استقلاليته التي تم القضاء عليها من لحظة انضمامه للجماعة، حتى أنه لا يمكن تفسير تصرفاته بدقة في ضوء ‏مبادئ علم النفس الفردي، بل ينبغي الاستعانة بمبادئ علم النفس الجمعي لتفسير تصرفاته وتصرفات الجماعة ككل.

ويمكن القول إن الانقياد الذي يظهره المتطرفون نحو قيادتهم هو حالة خاصة من اضطراب الشخصية الاعتمادية؛ فالاعتمادية هي اضطراب "فقد الذات"، ويتوقف إحساس المتطرف بقيمته بقدر التضحية، التي قد تكون مبالغًا فيها، لأجل الجماعة التي يستمد قيمته منها. أما الحصول على السمع والطاعة في المقابل فيناسب الشخصية النرجسية، ويوفر لها ما ترغب فيه من شعور بالأهمية.

وعلى العكس من المنقادين فإنه عادة ما تبرز شخصيات استقلالية من بين المتطرفين، إما أن يسعفهم ذكاؤهم ليصبحوا من قادة الجماعة، أو يقعوا في صدام مع القادة وقد ينشقوا عنهم. وعادة تحاول الجهات الأمنية استغلال هؤلاء ممن يبرزون الاستقلالية لشق صفوف الجماعات المتطرفة من الداخل.

6 – الرغبة في الانتقام نتيجة الإذلال والاضطهاد

في كتابه "العالم بدون تغيير" جادل فريدمان ‏‎(Friedman, 2005)‎‏ بأن الناس لديهم تقدير ‏غير كاف ‏للدور الذي يلعبه الإذلال في الإرهاب.‏

كذلك يذكر جيرولد بوست (2007) أن الانتقام قد يكون هو الدافع الرئيسي لممارسة الإرهاب ‏بالنسبة‎ ‎للبعض‎.‎‏

ويؤكد سعيد عبد الله حارب (د.ت) أن للإرهاب أسبابًا أبرزها إحساس الإنسان بالإذلال ‏والقهر،‏ ‏والإحباط واليأس من إحداث التغيير بالحسنى؛ مما يولد العنف ويلغي سيطرة العقول على ‏العضلات؛ فتنطلق ‏كالثور الهائج.‏

ويرى جون هورجان (2008) أن التجارب الشخصية الحقيقية أو ‏المتصورة في مجال الاضطهاد، أو ‏الارتباط العاطفي الوثيق بقضية، تكون متعلقة عادة بمجتمع مضطهد، هي من أهم ‏العوامل المسبقة التي ‏تجعل المرء مهيئًا‎ ‎للانخراط في الإرهاب. ‏

على سبيل المثال، يذكر لانجيليت وشوج ‏‎(Langelett & Schug, 2004)‎‏ أن من أهم ‏الأسباب التي أسهمت ولا ‏زالت تسهم في تأسيس مشكلة الإرهاب –كما يسميانه- في الشرق ‏الأوسط، هو تقسيم فلسطين عام 1948، ‏مما يجعل سلوك الناس في منطقة الشرق الأوسط يبدو ‏لغزًا بالنسبة للعديد من المراقبين الغربيين، ويجعل ‏المشاهد الوحشية وأعمال العنف تنتشر فيها بلا ‏شعور.‏

كذلك لا يغفل أوبراين ‏‎(O'Brien, 2004)‎‏ حدوث انتهاكات في سجن أبي غريب بالعراق ‏وقاعدة ‏جوانتانامو بكوبا، وأن الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من توقيعها على اتفاقيات جنيف ‏الأربع، التي تمنع أي ‏نوع من الإجبار أو التعذيب الجسدي أو النفسي أو أي معاملة لا إنسانية ‏لأسرى الحرب، فإن اتفاقيات جنيف ‏لم تُطبق فيما عُرف باسم "الحرب على الإرهاب" التي شنتها ‏إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن. ‏ولقد كان من دواعي معارضة اعتبار استعمال ‏‏"التعذيب" كطريقة استجواب هي اعتبارها منحدرًا زلقًا يمكن أن ‏يؤدي إلى العديد من الانتهاكات ‏الأخرى.‏

وقد تنبأ يو وكيم ‏‎(Yoo & Kim, 2002)‎‏ بأن الإرهاب الانتحاري وحرب أمريكا ضد أفغانستان، ‏والتوتر ‏التابع في الشرق الأوسط من شأنها أن تخلق نزاعات بين جماعات مختلفة متعارضة ‏الاهتمامات والمصالح.‏ وقد رأينا تحقق ذلك بأعيننا في الجماعات المسلحة التي ظهرت في السنوات الأخيرة في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، وعلى رأسها داعش.

وتفسر الكاتبة السبب وراء ذلك بأن التطرف يساعد الفرد على التخلص من مشاعر الكراهية المكبوتة تجاه من قام بالاضطهاد، فهو يستخدم حيلتيّ الإزاحة والإبدال للدفاع عن النفس، وعمن نحبهم، ممن تعرضوا للاضطهاد؛ ومن ثم يقل توتره.

وفي هذا المقام يلفتنا ايلشتين ‏‎(Elshtain, 2003)‎‏ أن هناك ملاحظات لأهمية التمييز بين الإرهابيين ‏وبين المقاتلين ‏من أجل الحرية، والتي تقترح كيفية وصف الناس للهجوم والتي تتعلق بشكل مباشر ‏بكيف يتكلمون عن ‏المهاجمين. وإن كان ينتقد عدم تمييز الناس قتل المقاتلين من الاستهداف ‏المقصود للمواطنين المسالمين.‏

وترى الكاتبة أن ذلك الوصف للإذلال كمنبع أساسي من منابع التطرف والإرهاب إنما ‏ينطبق غالبًا ‏على المقاتلين من أجل الحرية، وليس الإرهابيين الحقيقيين، ولكن مع بقاء الوضع ‏العالمي مشوهًا، ولا يتضح ‏فيه التمييز بين الإرهاب والدفاع عن الحريات، ويُكال الأمر غالبًا بنفس ‏المكيال في كلتا الحالتين، استنادًا إلى ‏الأفعال المتشابهة وليس الأهداف العامة الدافعة إلى ‏الانخراط في تلك الأفعال، فإنه يمكننا الإبقاء على هذا ‏العامل كأحد العوامل النفسية الأساسية المسببة للتطرف.‏

وينبغي أيضًا ملاحظة ارتباط هذا العامل كثيرًا ببعض الممارسات الأمنية الخاطئة التي ترتكبها الحكومات ضد بعض المتطرفين فكريًا غير المتجهين إلى العنف أو حتى المتدينين تدينًا وسطيًا، مما يتسبب في انضمامهم إلى ركب المتطرفين.

7- الإحباط

‏الإحباط هو تعرض المرء للحيلولة دون تحقيقه‎ ‎هدفًا أو ممارسة سلوك له أهمية قصوى بالنسبة له.

يجادل العالم النفسي جوزيف مارجولين بأن‎ ‎الكثير من السلوك الإرهابي هو استجابة لإحباط في ‏احتياجات أو أهداف سياسية‎ ‎واقتصادية وشخصية مختلفة. ويضيف الدكتور راندي بورم: إن الصلة بين ‏الإحباط والعدوان قد يكون توضيحًا رئيسيًا لفهم ‏سبب العنف البشري ‏(ميا بلوم، 2008)‏.

ومن ثم أقول: إن الانضمام لجماعة متطرفة يعطي الفرصة لمن ‏يعاني من‎ ‎إحباطات مختلفة للتعبير عن عدوانه الذي ينتج عن هذه الإحباطات. ولقد سبق وأكد فرويد من قديم أن منع الفرد من إشباع حاجاته يزيد من احتمالية إقدامه على العنف.‏

ويذكر عادل الأشول ‏(1987، ص132) أنه عندما يتعرض الفرد لموقف إحباط إما أن ‏يلجأ إلى الانسحاب والانكفاء على الذات، أو يتحول إلى العدوان. وفي حالات كثيرة لا يتم توجيه ‏العدوان نحو مصدر الإحباط؛ إذ ربما كانت إمكانية رد العدوان غير مكفولة لقوة المعتدي أو لغيبة ‏ماديًا (كسلطة الدولة مثلًا)، وهنا يلجأ الفرد إلى إزاحة العدوان إلى هدف آخر بديل تربطه بالمصدر ‏الأصلي للإحباط روابط قد تكون غير واضحة، وقد تكون مستترة إلا على الفرد نفسه، وربما رباطًا ‏غير عقلاني، وهذا يفسر مظاهر العدوان على أعضاء جماعات الهدف حتى من لم يكن منهم ‏مصدرًا للإحباط، مما يُعرف بكبش الفداء ‏Scapegoat، وعلى الرغم من تحويل العدوان إلى كبش ‏فداء فإن الأساس الحقيقي للإحباط لا يُزال ولا يُمحى، وهكذا فإن العداء يتولد بصورة مستمرة ‏ودائمة، ويُعبر عنه نحو جماعة الأقلية.‏

8- التعصب وعدم احترام حرية الفكر والاعتقاد

تعد مشكلة التعصب، وما يرتبط بها من مفاهيم وقضايا ذات صلة، وأهمها التطرف والإرهاب، من أشد المشكلات ضراوة وتأثيرًا على الإنسان، ولقد بذل علم النفس جهودًا واسعة لفهم طبيعة التعصب وأسبابه.

والتعصب هو سبب للتطرف وهو نتيجة له في آنٍ واحد؛ فالتعصب يعني إعطاء أحكام جامدة بالصحة تجاه فكرة ما، كتعصب الإسلاميين لفكرة "الإسلام هو الحل"، الذي اتخذوه شعارًا لهم لفترة طويلة. كما أن انتماء شخص لجماعة متطرفة يعني بالضرورة تعصبه لأفكارها. ويُعِد التعصب الفرد للشعور والتفكير والإدراك والسلوك بطرق تتفق مع اتجاه التعصب.

والتعصب كسمة نفسية يرتبط بسمة عقلية هي الجمود العقلي، فهو يعمي ويصم ويشوه إدراك الواقع، لأنه يقتضي رفض مناقشة أو تعديل الأحكام، أو التعميم غير المصحوب بدليل تجاه فكرة أو جماعة. ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة كافية بالموضوع المتعصب له، وإن كنا نحاول أن نبرره، ويستخدم التعصب كستار لإخفاء ضعف الحكم العقلي بالصحة على الموقف المتعصب له.

وأستطيع أن أقول بأريحية إن أغلب البشر عنصريون ولديهم ما يمكن أن أسميه الهوس بالتفرع الثنائي ‏dichotomania، فهم يحبون التقسيم الثنائي الحدّي فقط. جرّب أن تعرض تقسيمًا ثلاثيًا في أي نطاق وستجد عزوفًا ‏عنه؛‏ فالثنائية تعني الحدّية القطبية. إما أبيض أو أسود، إما مؤمن أو كافر، إما أنك سني أو شيعي، ‏ودائمًا القطب المقابل هو العدو؛ من ليس معنا فهو ضدنا. فالتصنيف الثنائي يكرس للعداوة، بينما تقبل وجود تصنيفات متعددة ثلاثية أو رباعية أو أكثر ‏يمجد التنوع الإنساني، ويصب في النهاية في بحر الإنسانية الذي يوحدهم دون تصنيف، لكن البشر يبحثون عما يقسمهم ويتجاهلون سبب توحدهم "الإنسانية"‏.

والتعصب مرض اجتماعي عضال، وسبب لكثير من الأمراض الاجتماعية، وعلى رأسها التطرف، ولم تنجح كل محاولات علاجه حتى الآن. قرأت مرة مقولة "لقد أصبحت عملية فلق الذرة الآن أسهل من عملية القضاء على التعصب".‏

يُعرِّف عادل عز الدين الأشول (1987، ص ص 120- 121) الاتجاه التعصبي ‏بأنه: "اتجاه يجعل الشخص قبليًا، أو يجعله ميالًا للتفكير والإدراك والإحساس والتصرف بطرق محابية أو غير محابية نحو جماعة معينة، ونحو أعضائها". ويشتمل هذا التعريف على ثلاثة مكونات:

- مكون معرفي: وهي جملة الأحكام المسبقة الأولية التي يكونها الفرد قبل دخوله في موقف تفاعل مع أعضاء جماعة أخرى، مضافًا إليها مجموعة من القوالب النمطية التي كونتها الجماعة الداخلية عن الجماعة الأخرى المتصارعة معها الجماعة الخارجية. وهذه القوالب النمطية تتصف بقدر كبير من الجمود والتعميم والتواتر، حيث تصنف الأفراد وفقًا لخصائص معينة لتعيين هويتهم، ويتفق المدركون على الصفات التي يمتلكها أفراد كل فئة، ويوجد تباين بين السمات التي تنسب وتعزى إليهم والسمات الفعلية التي يتسمون بها فعلًا. كذلك يتضمن المكون المعرفي معتقدات الفرد ومعارفه حول الجماعات الأخرى، والمواقف والأفكار المؤيدة أو المخالفة له.

- مكون انفعالي: وهو جملة المشاعر والانفعالات الموجبة (حب وتعاون وتآلف وإيثار للجماعة الداخلية وأعضائها) أو السالبة (كراهية ونفور وتدابر، وأثره نحو الجماعة أو الجماعات الخارجية المناهضة أو المتصارعة).

- مكون سلوكي: ويقصد به إمكانية التعبير السلوكي عن التعصب من خلال المعاملة التفاضلية أو التباينية أو الطبقية الصريحة لفرد ما بسبب عضويته في جماعة.

ويربط هذه المكونات جميعًا علاقة من الاتساق والتناغم، بحيث أن المعتقدات والانفعالات نحو موضوع ما، أو شخص ما، أو جماعة ما، تحدد إلى درجة كبيرة ما سيكون عليه سلوك الفرد أو الموقف، وعندما يحدث تنافر وعدم اتساق بين أحد هذه المكونات والمكونين الآخرين فإن الفرد يقع فريسة للقلق والاضطراب، مما يدفعه إلى إنكار التعارض أو تعديل أحد المكونات ليتلاءم مع المكونين الآخرين، وهذه النقطة كانت مدخلًا لتعديل الاتجاه التعصبي في العديد من الدراسات.

‏وقد يكون التعصب عرقيًا أو سياسيًا أو دينيًا أو مذهبيًا أو طائفيًا أو طبقيًا. ولا يخفى على أحد الدور الذي يلعبه الإعلام الغربي في إلصاق تهمة التعصب الديني بالمسلمين عمومًا، لتفسير بعض الجرائم الإرهابية التي تمت على يد أبناء تلك الفرقة المتطرفة من المسلمين سواء على أراضي غربية أو في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا لا يلغي حقيقة التصور بأن التعصب الديني والتعصب بوجه عام هو أحد منابع الإرهاب، ومن أهم الأسباب التي تقف وراء العديد من الحوادث الإرهابية في العالم.

يذكر إبراهيم الشافعي (2006، ص 298) أن ‏أغلب الدراسات قد توصلت إلى أن الاتجاه التعصبي هو اتجاه عام، حيث وُجدت معاملات ارتباط دالة موجبة بين درجات الطلاب أفراد العينة في مجالات التعصب موضوع الاهتمام. وقد ساهمت أعمال ملتون روكيش في تدعيم هذا التوجه الذي يرى عمومية الاتجاه التعصبي، حيث يرى أن المعول عليه هو أسلوب اعتقاد الفرد وليس محتوى هذا الاعتقاد، وهذا الأسلوب في تناول المعتقدات بشكل جامد أو مرن، متصلب أو متسامح، عقلاني أو بعيد عن المنطق هو الذي يحدد درجة تعصب الفرد، وهذا الأسلوب هو انعكاس لنسق معتقدات الفرد الذي يميل إلى التناسق والاتساق، مما يفسر لماذا يكون المتعصب في مجال متعصبًا في المجالات الأخرى على وجه الاحتمال. وهذه الرؤية تتفق مع رؤية هارتللي Hartley الذي يرى أن الاتجاه التعصبي العام يعتمد على اتجاه عدائي يكون في البداية نحو موضوع محدد، ولكن يتم تعميقه نحو أعضاء مختلف الجماعات الخارجية، ويستمد أصوله من المحتوى، ويمكن استنتاجه منها، ثم يتحول إلى شكل أو نمط ثابت ومستقر نسبيًا في الشخصية متحولًا إلى سمة مميزة لها، وهذا يفسر عموميته.

9- التشاؤم والانطواء

يذهب بعض الخبراء إلى حد التأكيد على أن معظم المتطرفين هم ممّن يكادون يكونون‎ ‎مصابين بالتوحد أو الانطواء على الذات، وبذلك ينجذبون نحو أيديولوجيات تبسط‎ ‎العالم فاصلة إياه إلى أسود وأبيض، ‏إلى الخير والشر‎.‎ ومن المعروف أن الانطوائي أكثر تحفظًا في وجود الآخرين، ويستمتع بالأنشطة الفردية، واختياره لأقرانه يخضع لتدقيق كبير، ويقوم على قدر كبير من الثقة، وتعمد الجماعات المتطرفة إلى ضمه استغلالًا للثقة التي يضعها في بعض أعضائها، ممن يتقربون إليه؛ بغرض تجنيده وضمه.

ويلاحظ على المتطرفين أيضًا غلبة التفكير التشاؤمي السلبي، مثل: الإكثار من الحديث عن الموت وعذاب القبر ويوم القيامة، كما أن التطرف قد يؤدي إلى مزيد من التشاؤم بسبب تضييق المتطرف على نفسه فيما أحل الله، فتصبح حياته عسيرة بعكس حياة المسلم المعتدل الذي يأخذ من الحياة أطايبها ولا يحرم على نفسه بغير دليل.

كما أدت الظروف السياسية والاقتصادية المتردية في العقود الأخيرة، خاصة بعد ضياع الأمل في التغيير بعد الثورة على نظام مبارك وغيره من الأنظمة العربية الفاسدة، وعدم تحقق أي إنجازات، إلى مزيد من التشاؤم القائم على اليأس من انصلاح الأمور؛ أدى بدوره وسيؤدي إلى مزيد من التطرف.

10- الأنانية وإقصاء الآخرين وسوء الظن بالمخالفين

تُعرف الأنانية بأنها نزعة لدى الفرد لتبني آراء إيجابية نحو ذاته، للدرجة التي تصبح فيها ذاته هي مركز العالم. ويمكن القول إن الإفراط في تقدير الذات والتمركز حولها هو مظهر طفولي طبيعي، ولكنه غير طبيعي وغير صحي في الأكبر عمرًا، الذين من المفترض أن يدركوا مع اضطراد نموهم أنهم جزء من هذا العالم، وليسوا محوره.

والأناني لا يهتم بالقيم كثيرًا، فما يهمه هو إرضاء غروره وتحقيق مصالحه الذاتية وإثبات صحة موقفه، وهذا ما نلحظه في أعضاء الجماعات المتطرفة؛ إذ يسعون إلى الانتصار لجماعتهم بأي وسيلة، سواء دفع الآخرين للتعاطف معهم بالكذب، أو استغلال جهلهم والقيام بغشهم لإثبات صحة موقفهم زورًا، ومن المؤكد أن يلجأوا إلى استخدام القوة إذا ما امتلكوها لحمل الأفراد على الإذعان لهم.

فالمتطرف تمت برمجته على عدم تقبل فكر الآخر والحوار المنطقي معه، ومن ثم هو يقصي الآخر، ولديه شعور عالٍ بالأنانية الفردية والجمعية. والأنانية ترتبط ارتباطًا قويًا بالنرجسية، ويمكن القول إن الأنانية والغرور في إطار الجماعة المتطرفة هي شكل خاص من أشكال النرجسية الاجتماعية.

فتشاؤمهم على المستوى الشخصي، إضافة لأنانيتهم ونرجسيتهم الاجتماعية ينعكسان على نظرتهم للآخرين ممن لا ينتمون لجماعتهم، فيسيئون الظن بهم ويركزون على سيئاتهم وقد ينكرون حسناتهم، فنراهم يشمتون حتى في موت من يرونهم عبادًا عصاة، وتعليقاتهم على وسائط التواصل الاجتماعي حقًا صادمة. ويسترعي الانتباه أن لديهم اضطرابًا معممًا نحو الآخرين فيكونون رأيًا سلبيًا موحدًا تجاههم. ومن ثم ينشأ التطرف عن هذا الإقصاء للآخرين على مستوى الفرد والجماعة وعدم تقريب وجهات النظر.

ويمكن تفسير كثير من سوء ظنهم الدائب والدائم بالآخرين على أنه رغبة منهم في التخلص من مشاعر الإثم‎ تجاه ما يرتكبونه من أخطاء، فيلجأون إلى إسقاط هذا الإثم على الآخرين.

11- الغلظة في التعامل

يختلف الناس ما بين سمحاء ومتذمرين. ومن الصعب أن يتحول الشخص الهيّن الليّن إلى متطرف، فيلزم للتطرف قدر عالي من الغلظة، يبرر لها المتطرفون بأنها غيرة منهم على حرمات الله، وأنهم لا يستطيعون التساهل فيها، وتقتضي منهم مكافحة الفساد والابتداع في الدين، الغلظة مع المفسدين المبتدعين، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أرفق الناس وأحلمهم، لم يكن يغضب لانتهاك محارم الله! يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

ويحتجون بآية ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏﴾ [التحريم: 9]، ويتناسون أن مثل تلك الآيات التي أمر الله تعالى فيها بالغلظة على الكفار كانت في حال القتال، وينسون سيرته عليه السلام وأحواله مع هؤلاء الكفار والمنافقين، كما ينسون أنه عندما بعث الله موسى وهارون عليهما السلام إلى شر أهل الأرض، قال لهما تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى‏﴾ [طه: 44]. بينما هم يغلظون على عباد الله، وينفرونهم، حتى لو كانوا على صواب في بعض المسائل.

12- بعض الاضطرابات النفسية والذهانية

يذكر جيرولد بوست (2007) أن هناك افتراضًا واسع النطاق بأن صفوف الإرهابيين مليئة بالأفراد ‏المصابين باضطرابات‎ ‎نفسية خطيرة؛ فمن سوى شخص متعصب جن جنونه، سيقتل ضحايا أبرياء باسم ‏قضية ما،‎ ‎وسيصبح بملء إرادته قنبلة بشرية؟‎ ‎ولكن الواقع هو أن الرأي الإجماعي للجنة الخاصة بالجذور ‏النفسية للإرهاب، والتي‎ ‎تم تنظيمها للقمة الدولية حول "الديمقراطية والإرهاب والأمن" التي عُقدت في مدريد في‎ ‎شهر آذار/مارس 2005، هو أن البحث في علم الأمراض النفسية الفردية لفهم سبب انخراط‎ ‎الناس في التطرف و‏الإرهاب عملية محكوم عليها بالفشل المحتّم، وأن التفسيرات على مستوى علم‎ ‎النفس الفردي غير كافية، وفي ‏الحقيقة فقد خلصت اللجنة إلى أننا لن نكون مبالغين إن نحن جزمنا بأن الإرهابيين‎ ‎أشخاص "طبيعيون" ‏نفسيًا، من حيث أنهم ليسوا ذهانيين إكلينيكيًا، وهم ليسوا مكتئبين، ‎وليسوا مصابين باضطراب عاطفي شديد. والواقع أن‎ ‎الجماعات والمنظمات الإرهابية تعزل من بين صفوفها ‏الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات‎ ‎عاطفية، والذين يمثلون مخاطرة أمنية. ‎

لكن بالرغم من صحة ما ذكره بوست بوجه عام، فإنه إضافة للسمات النفسية السابق عرضها فقد تؤدي بعض الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب إلى التطرف، ويكون التطرف محاولة لتحويل اتجاه الصراع من داخل النفس إلى صراع مع المجتمع.

كذلك فإن الإصابة بالبارانويا (جنون العظمة) قد تؤدي للتطرف. والبارانويا هو مرض عقلي، يسيطر فيه على المريض مجموعة من المعتقدات غير المنطقية المتمركزة حول أوهام، يصير مقتنعًا بها، لدرجة أن يقتنع أنه مضطهد من الآخرين؛ كونه شخصًا مهمًا؛ ولكونه شخصًا مهمًا فإن بإمكانه توجيه الناس وإرشادهم، وإن لم يستجيبوا له فله أن يقهرهم.

وقد تمثل بعض الاعتقادات المتوهمة ذات الصبغة الدينية خطرًا على الشخص، أو تؤدي بالضرورة إلى التطرف، كاعتقاد الشخص أنه مجدد القرن، أو أنه المهدي المنتظر، أو أنه المسيح، أو أي حالة من حالات ادعاء النبوة، وأحيانًا يكتم الشخص هذا الأمر لكنه يتصرف على أساسه. محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية كمثال، كان يُطلق على حركته مسمى "دعوة"، وكان يعتبر من عداه هو وأتباعه من المسلمين "مشركين"، وكان يستحل قتالهم باسم "الجهاد"، ويسمي حروبه معهم "غزوات"، ويأخذ نساءهم تحت مسمى "السبي"، وكان يرسل أتباعه لتحطيم قباب القبور مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما حطم الأصنام وأرسل من يحطمها.

13- خلل منظمات النفس الثلاث

حدد سيجموند فرويد ثلاث منظمات للنفس الإنسانية، وقرر في ضوء نظريته أن الشخصية الفردية هي نتاج تفاعل تلك المكونات الثلاثة. هذه المكونات هي: (الهو/الهي- الأنا- الأنا الأعلى).

- الهو/الهي: وهو مستودع الغريزة، والرغبات، والحوادث والذكريات التي لم يتم إشباعها في الواقع بفعل القيم والمعايير الاجتماعية. وهو أعمى من الوجهة الاجتماعية، فليس بينه وبين العالم الخارجي صلة مباشرة، ولا يميز بين ما هو صالح وطالح، بل ولا يعنيه التمييز، فهو يسير وفق مبدأ اللذة.

- الأنا: وتمثل الجهاز التنفيذي للشخصية، الذي يتعامل مع الواقع الخارجي وتعمل بمقتضى مبدأ الواقع. وهذا لا يعني أن الأنا تنكر إشباع الرغبات الغريزية الصادرة من الهو، بل تشترط أن يكون هذا الإشباع متسقًا مع القيم والمعايير الاجتماعية.

وتتولى الأنا وظيفة التوفيق بين مطالب الهو ومتطلبات الواقع الخارجي، فكأنه جهاز له عينان؛ عين تطل على الغرائز ورغبات النفس، وعين تطل على معايير المجتمع الخارجي، ثم العمل على التوفيق بينهما في وقت واحد.

- الأنا الأعلى: وتتكون نتيجة احتكاك الفرد وتفاعله مع البيئة الاجتماعية، من خلال الأوامر والنواهي التي يتلقاها الطفل عن والديه، ثم الآخرين ذوي السلطة في المجتمع، وتسير وفقًا لمبدأ ما يجب أن يكون (مبدأ المُثل).

ومع تكون الأنا العليا لدى الفرد منذ طفولته لا يحتاج إلى رقابة خارجية من الآخرين على سلوكه، حيث تقوم الأنا العليا بمهمة الرقابة والضبط على السلوك، فهي تمثل القانون في غياب القانون، وهي الشرطي في غياب رجل الشرطة.

ومن ثم، فشخصية الفرد تتجلى وفقًا للمنظم النفسي المتحكم فيها:

- فمن يحكمهم الهو لا يعبأون بقيم الأنا، ولا مبادئ الأنا الأعلى، ويرغبون فقط في تحقيق رغباتهم وغرائزهم دون وازع.

- ومن يحكمهم الأنا الأعلى يبدو للوهلة الأولى أن سلوكهم أخلاقي، ولكن غالبًا تنشأ عندهم عقدة الشعور بالذنب، وعندما يسلك الفرد بشكل يخالف الأنا العليا يتولد لديه عندئذ الشعور بالذنب، وهذا ما يدفع بالفرد إلى العصاب النفسي.

(فالأنا العليا) عندما تكون قاسية شديدة يكون الفرد من غير الأسوياء، وكذلك عندما تكون ضعيفة متساهلة تسمح (للهو) بالسيطرة، ويبدو هذا في كثرة الآثام والجرائم وكسر القوانين.

- وكلما كانت (الأنا) قوية لدى الفرد، وتمتلك مقدارًا كبيرًا من الطاقة النفسية، أصبح الفرد قادرًا على التغلب على مشاكله، والتكيف مع البيئة التي يعيش فيها. أي أنه بمقدار قوة الأنا واتزانها تتكامل الشخصية.

باختصار، فالمفترض أن تحكمنا الأنا مع بعض سيطرة للأنا الأعلى، وتسمحان معًا بتحقيق رغبات الهو بشكل يتوافق مع قيم المجتمع ومعاييره والمُثل، لكن لا تسمحان لها بأن تحكم الشخصية وإلا أصبح الشخص مجرمًا يخرق القوانين ولا يعبأ بالمبادئ الأخلاقية، كما من المفترض ألا تسمح الأنا للأنا الأعلى بالسيطرة التامة على الشخص وإلا فقد السواء أيضًا، وصار من مهاوييس المتطرفين المتنطعين. وهذا الخلل النفسي مردُّه دائمًا إلى أساليب التربية الخاطئة.

ولا بد من التأكيد على أن أيًا من هذه العوامل التي أسميناها عوامل الخطر، لن يساعد بمفرده في توضيح سبب تحول الناس إلى إرهابيين، إلا أنها تقدم عند أخذها مجتمعة إطارًا عامًا قويًا لفهم سبب انخراط شخص ما بالإرهاب وعدم إقدام شخص آخر على ذلك.

بوجه عام من ينضم للإرهاب؟

تذكر كرينشو (Crenshaw, 2001) أن الإرهاب ليس عنفًا كتليًا أو جماعيًا، لكن بالأحرى نشاط مباشر لمجموعات صغيرة. على أية حال، وبشكل موثوق به، فإن هذه الجماعات –حتى إذا كانت مدعومة من قبل منظمة كبيرة أو حزب سياسي- يكون عدد الفدائيين النشطين الذين ينضمون للإرهاب بها صغير. هذه القلة ربما تُعزل من المجتمع الأوسع. من ناحية أخرى ربما تتصرف كفرع متطرف لحركة اجتماعية أكبر. علاوة على ذلك فإن بعض الحكومات ووكلاءها يمكن أن يزاولوا الإرهاب سواء لقمع معارضة محلية أو لأغراض دولية بشكل أكبر.

بينما تشير موسوعة ويكيبديا Wikipedia إلى أن الإرهاب قد تم مزاولته من قِبل صف واسع من المنظمات السياسية لتعجيل أهدافهم؛ لقد تم مزاولته من قِبل كل من الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية، والمجموعات القومية، والمجموعات الدينية، والثوريين، والحكومات القائمة. وأن الأعمال الإرهابية يمكن أن تُنفذ بواسطة أفراد أو مجموعات، وعلى أية حالة، فالصورة الأكثر شيوعًا للإرهاب هي أنه يُنفذ بواسطة خلايا صغيرة وسرية عالية الدافعية لخدمة سبب معين، والعديد من العمليات الأكثر قتلًا مثل تفجيرات 11 سبتمبر وقنابل قطار الأنفاق في لندن خُططت ونُفذت من قِبل مجموعة متقاربة مكونة من أصدقاء مقربين، وأفراد عائلة وشبكات اجتماعية قوية جدًا. هذه المجموعات استفادت من تدفق المعلومات المجاني والاتصالات الكفؤة للنجاح، بينما فشل آخرون.

وتضيف كرينشو (Crenshaw, 2001) أن التنظيم الذي يستخدم الإرهاب ربما يعرِّف الإرهاب كحرب لكسب اعتراف سياسي ومنزلة، واللذين تباعًا يمكن أن يمنحا شرعية تقاومها الحكومات. إن القول بالارتباط في حرب هو تبرير للإرهاب، بالإضافة إلى أنه ادّعاء بالمنزلة القوية، وبقدر ما تكون المجموعة أصغر وأكثر محدودية –على ما يبدو- بقدر ما زادت احتمالية أن تدعو نفسها جيشًا. وبما أن لفظيّ "إرهاب" و"إرهابي" يحملان تضمين نفسي سلبي قوي، فإن الإرهابيين نادرًا ما يُعرِّفون أنفسهم هكذا، وبشكل نموذجي فإنهم يستخدمون مصطلحات تلطيفية أو مصطلحات خاصة بموقفهم مثل الانفصالي، أو المحارب من أجل الحرية، أو المحرر، أو الثوري، أو الحارس، أو شبه العسكري، أو الفدائي، أو الثائر، أو المجاهد، أو أي كلمة ذات معنى مماثل في اللغات والثقافات الأخرى مثل المجاهد والفدائي، والتي تعد كلمات عربية دخلت إلى القاموس الإنجليزي.

التأثيرات النفسية للإرهاب

تنشأ عن الإرهاب بعض التأثيرات النفسية الهامة؛ تذكر موسوعة ويكيبديا Wikipedia أن الهجوم الإرهابي يُنفذ بطريقة تزيد شدة وطول التأثير النفسي؛ ذلك أن كل عمل إرهابي هو "أداء" اُبتكر ليكون له تأثير على العديد من المشاهدين. الإرهابيون يهاجمون أيضًا رموزًا وطنية لإظهار القوة، ولمحاولة هز مؤسسة البلاد أو المجتمع الذي يعارضونه، وأن هذا قد يؤثر سلبًا على الحكومة، بينما يزيد سمعة المنظمة الإرهابية و/أو العقيدة وراء العمل الإرهابي‎‏.

كما تذكر كرينشو (Crenshaw, 2001) أنه ومن بين الأنماط المنظمة والمنظمة من العنف المدني أو الدولي يبرز الإرهاب بقيمته الرمزية والمعبرة العالية؛ ذلك أن التناقض بين سرية التخطيط ورؤية النتائج يجعلانه صادمًا بشكل أكبر، وقد يكون حقيقيًا أن المشاهدين يردون بكل من الإعجاب للتجاسر والاشمئزاز؛ للوحشية اللذين يشتمل عليهما الإرهاب.

وللإرهاب تأثيره على الأطفال والعائلات في جميع أنحاء العالم، خالقًا طلبًا لخدمات صحة عقلية موجهة نحو مساعدة الأشخاص الذين يتحملون المشاعر السيئة بعد الهجمات الإرهابية ‎(Aricak et al., 2008)‎‏.

والمتطرف الذي ينتقل إلى مرحلة العنف لا تعنيه الأزمات النفسية التي تحدث للناجين من الإرهاب ولا لأسر الضحايا، ولا يعنيه دماء الأفراد فهم كفار، وأسوأ ما في الأمر أن تلك المذابح تُرتكب باسم الدين ولإرضاء الله! كما أنه لا يعنيه تدمير بنية المجتمع الكافر لأن الهدم ضرورة على المستويين المادي والمعنوي لإعادة البناء من جديد وفق اعتقادات الجماعة.

ويبقى الأسوأ من عدم الاعتراف بقيم وآراء الآخرين هو محاولة فرض الرأي المتطرف بالقوة. وعند هذا الحد تقريبًا لا يمكن أن تتقاعس دولة عن التصدي للتطرف.

لقد أصبح الإرهاب يعد الآن ظاهرة عالمية، مناظرًا لحالة حرب تؤثر على البشر في جميع أنحاء العالم. وأرى أن دورنا كمربين وعلماء نفس وعلماء اجتماع، يتعاظم في التعامل مع هذه الظاهرة من خلال بحث العوامل التي ساعدت على بروز هذه الظاهرة، والمبادرة بعلاجها علاجًا جذريًا بشكل مخطط ومدروس، وتعليم أبنائنا من أجل أن ينشأوا النشأة الصحيحة التي تبعد عنهم خطر الانغراس في الإرهاب.

 

د. منى زيتون

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4659 المصادف: 2019-06-08 06:48:30