 دراسات وبحوث

زكي الارسوزي.. فيلسوف الفكرة القومية العربية (3- 4)

ميثم الجنابيفلسفة اللغة وفلسفة القومية: يمكن تحديد فلسفة الارسوزي القومية على انها نموذج خاص فيما يمكن دعوته بفلسفة ارجاع الوعي التاريخي بكافة مستوياته إلى جذر العربية، ومن ثم تحويلها إلى مصدر ومعين للرؤية المستقبلية. وبالتالي النظر إلى كل ما جرى انتاجه من متناقضات على مستوى الوعي والإنتاج بوصفها إبداعها الخاص. وينطبق هذا أيضا على ما يتعارض مع حقيقتها بوصفه خروجا على منطقها الذاتي. الامر الذي كان يحتوي في ذاته على بلورة شعار (امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)[1].

لقد احتوى هذا النموذج من التأسيس والرؤية على ما يمكن دعوته بمفارقة الفلسفة اللغوية القومية نفسها عند الارسوزي. وهي مفارقة تتموج في فلسفة اللغة وفلسفة القومية كما بلورها هو نفسه. فقد كانت محاولته جعل اللغة أساسا للفكرة القومية بحد ذاتها خروجا على معايير الصنمية (اللاعقلانية بمختلف نماذجها ومستوياتها). إذ نعثر فيها على إدراك القيمة الفعلية للغة بموازاة تأسيس قيمتها النظرية، كما لو أنها الوحدة الجديدة لملكوت الفكرة وملك الواقع في جبروت الإرادة الحية للغة ودورها الضروري في رسم معالم الوجود والمستقبل. انطلاقا من أن اللغة بحد ذاتها منطق، رغم ما في المدخل الذي يعتبرها مصدرا لكل شيئ من امكانية تأصيل أوهام لا تحصى بما في ذلك "منطق" الانغلاق. إلا أن هذه الإشكالية وغيرها مثل السبب القائم وراء التعارض الفعلي بين اللغات واثارها، وكذلك عدم تطابق نطق اللغة مع منطق الروح الثقافي، وانه إذا كانت اللغة تستمد وجودها من الحياة وتتطابق معها، بوصفها الصفة الجوهرية للعبقرية العربية وخصالها الذاتية وتميزها الأصيل، فمن اين يظهر خلل الانحراف عن منطقها الذاتي واصولها وجذورها وما إلى ذلك. إلا أن هذه الإشكاليات ومختلف نماذج الاعتراضات المنهجية والشكوك المنطقية والنقد والتفنيد الواقعي والتاريخي بمختلف مستوياته ومعطياته لا تمتلك قيمة معنوية ومنهجية بالنسبة لفلسفة الارسوزي بهذا الصدد. وذلك لأن المتناقضات بالنسبة له هي من انتاج العقل العابر، بينما حكمة العربية تقوم في تجاوزها فكرة المتناقضات.

انه أراد القول، بأنه إذا كانت اللغة حياة، فإن منطق الروح الثقافي حكمتها. والعربية تجمع بين الاثنين من حيث الأصل والوسيلة والغاية. وما عدا ذلك مجرد عوارض الزمان والمكان. ووضع ذلك في اساس تصوراته عن الفكرة القومية بشكل عام والعربية بشكل خاص. فالقومية بالنسبة له تستند إلى الإبداع الفني والأخلاقي في تأييد وجهة نظرها. انها تنتهج منهج الفن والأخلاق، وتدرك العدل في نظام رتيب تتناسب رتبه مع مؤهلات الأفراد[2]. وعندما تطرق إلى سبب هيمنة الفكرة القومية أو وجدان الأمة مقارنة بالفكرة السياسية والاجتماعية في العالم المعاصر، فانه اجاب على ذلك قائلا، بأن "لكل مرحلة تاريخية طابعها، وطابع هذه المرحلة القومية"[3]. والسبب الأعمق والأوسع القائم وراء ذلك هو "إن الذهن اخذ يتحول عن ثنائية القرون الوسطى إلى وحدانية الرحمانية في الحضارة الحديثة"[4]. والمقصود بذلك اضمحلال التفرقة الحادة بين الله والطبيعة. ومن ثم اندماجهما المعاصر في "وحدانية أصبحت فيها الكائنات ذات بنيان رحماني مشترك" كما يقول الارسوزي.[5]. وهذه بدورها تستجيب الى حقيقة اللسان العربي وانتاجه الذاتي، ومن ثم تستجيب الى حقيقة الفكرة العربية بوصفها فكرة قومية.

فقد انطلق الارسوزي هنا من ان الفكرة القومية مبنية على ما تقدمه الحضارة الحديثة من مفاهيم ونماذج. من هنا سعيه لتأسيس الفكرة القائلة، بأن تعمق الفكرة القومية مرتبط بتحول الروابط بين الناس من مثالية إلى طبيعية. وبما أن الأمة امتداد للأسرة فقد أصبح مبدأ الأخوة أساسا في جمع شمل المواطنين. والقومية بالنسبة للارسوزي هي نظام نسبي في كل شيئا أبدع فكرة المساواة، وان كل شيء مستوحى من الطبيعة وحكمها، وان الجمهور هو مصدر السلطة، والقوانين تمثل الإرادة العامة. اما اكتشاف قوانين الطبيعة فقد جعل الإنسان حَكَما في مصيره مما حدد بدوره من جديد مفهوم المساواة والحرية[6]. لهذا نرى الارسوزي يعتبر الحرية شعار القومية.

لكن الارسوزي لا يقف عند هذا الحد. فمن الناحية الظاهرية نقف هنا أمام استعادة لفكرة الثورة الفرنسية وشعاراتها. لكنه يعطي لها بعدا جديدا من خلال ارجاعها إلى أصولها الثقافية العربية، أي جذرها الأعمق في بنية اللغة العربية. بحيث نراه يدقق لاحقا فكرة الأمة من خلال ارجاعها إلى الأم بوصفها صانعة الأخوة. فالإخاء هنا طبيعي. والقومية ارجاع العلاقة إلى أصولها وجذورها ولكن ليس بوصفها فكرة سياسية عابرة أو رؤية أيديولوجية خالصة. من هنا نقده لفرنسا والشيوعية، اي الفكرة القومية الجزئية بوصفها نتاجا لما اسماه بالنفوس الكريهة (اي الجزئية) أو الفكرة الأيديولوجية العامة بوصفها ايمانا صنميا. لهذا نراه ينتقد التجربة الفرنسية في موقفها من الحرية والسماواة والإخاء ومعارضتها الشاملة للفكرة القومية التي رفعت شعارها. بل نراه يعتبر النزعة الإقليمية (القطرية) هي نتاج للاستعمار الفرنسي ومحاولاته آنذاك من اجل تفتيت الفكرة القومية (العربية). وذلك لأن شعار فرنسا الفعلي كان انذاك تحويل البلدان العربية إلى "مجال حيوي لذوي الغلبة"[7].

والشيئ نفسه حاول تطبيقه على الموقف من الحركة الشيوعية. فالارسوزي يفرق بين ما يدعوه بكنه الأمة وبين نظام وجودها السياسي والاجتماعي. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "الأمة جذورها في كنه الوجود، في حين أن نظام الحياة وجهة نظر تجيب بها الأمة على ظروف معينة"[8]. في حين ان الشيوعية بالنسبة له لم تكن إلا ستارا للاتجاه الشعوبي. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "الشيوعية استمرار لتقاليد الإصلاح في أوربا. أنها مجرد إحدى المحاولات لحل المشاكل الإنسانية الناجمة من المرحلة الحاضرة". فالتجربة الشيوعية في روسيا تبرهن على صدق كبير مما فيها وأفضليتها مقارنة بما سبقها. لكن سر تأثيرها في روسيا وفاعليتها يكمن في الإيمان بها، كما يؤثر الإيمان بالحجر في أفعال الناس وسلوكهم. ومن ثم فإن الخلاف بين الفكرة القومية العربية وبين الشيوعية هو خلاف جوهري يرجع إلى اختلاف الأصول والأسلوب والغاية. فالشيوعية هي مجرد رؤية وحلول اجتماعية وسياسية، اي عابرة وجزئية رغم ادعائها للشوملية. بينما الفكرة القومية العربية لها جذورها في الطبيعة والملأ الاعلى، كما يقول الارسوزي، أي في اللأرض والسماء. وحاول البرهنة على ذلك من خلال الرجوع إلى اللغة نفسها، ومن خلالها الكشف عن نوعية التباين في الرؤية والتأسيس للفكرة والمعنى والوجوب. فكلمة المادة في العربية من مدّ، أي الامتداد والمدة. أنها في الحدس العربي "نقطة خيال أكثر مما هي حقيقة قائمة بذاتها"[9]. ذلك يعني ان المادة صورة في الامتداد. ومن ثم هي شكل. بينما تصبح المادة صيرورة في المدة، أي معنى. اما نموذجها (ككائن حي) في الصورة فيكون على توحيد الشكل بالقوام وتلون المعنى بالعمر. فإذا كانت المادية في الماركسية عادة ما يكون كل شيء فيها محدد بالزمان والمكان، فإنها في الرؤية العربية تقوم في "أن لكل شيء أصول في العناية التي لها صورة قوامها المعنى الذي تصبو إليه"[10]. وليس هذا إلا مثال واحد يكشف على نموذجه جوهر وجذر الخلاف بينهما.

إن الخلاف الجوهري بينهما يقوم في ان الشيوعية إيمان ظاهري بينما في العربية هو معنى،  أي انه تلقائي من ذاته بذاته. فالإيمان بالشيوعية مجرد ايمان خارجي لا علاقة له بالصلة الداخلية للأشياء ايا كانت. انه شأن الإيمان بالحجر، أي وثنية جديدة. اما الإيمان بالفكرة في العربية (القومية في الحالة المعنية)، فان له أصوله وجذوره الخاصة. انه ليس إيمانا، بل امتدادا للمعنى. انه تلقائي. ولا فرق في ان تطلق عليه اسم العقل او الإيمان، الله او الطبيعة فهو كل واحد من حيث الأصل، لأن العربية تحقق بذاتها وفي ذاتها وحدة الطبيعي والماوراطبيعي. وبالتالي، فإن الفكرة القومية العربية هي فكرة تلقائية من ذاتها بذاتها، لأنها تنطلق من اصل وجذر واحد له نموذجه الأرقى والأعلى في اللغة. بمعنى انها تكشف عنه وتعبر عنه احسن تعبير. ذلك يعني، ان الفكرة القومية العربية هي من طراز اخر لا علاقة له بالفكرة الفرنسية أو الشيوعية، اي الاجنبية سواء القومية منها أو الأيديولوجية. وإذا كان الارسوزي لا يفرق كثير او كبير بين مفاهيم القومية والأمة، فلأنه كان يؤسس للفكرة على مستوى الحدس وليس العقل التاريخي او حتى العقل الثقافي. 

اللغة ولغة الرسالة والامة

من الممكن العثور على ماهية الحدس الفكري والتاريخي والثقافي للفكرة القومية عند الارسوزي في فلسفته عن الأمة ورسالتها الذاتية. ومن الممكن اختصار فكرته عن القومية بعبارة واحدة: ان القومية هي عبقرية خاصة. ووجد تحقيقها في تقريرها على مثال الأتراك واليونان. فكلاهما في بقعة واحدة، لكنهما مختلفين في النتائج والآثار[11]. ومن هذه المقدمة حاول تأسيس ماهية الحدس العميق في الموقف من الفكرة القومية العربية والقومية العربية. وكتب بهذا الصدد يقول:"إن امتنا ليست حصيلة ظروف تاريخية، بل أنها معنى يبدع تجلياته ويوجهها نحو المزيد من الحرية. وذلك ما دعانا إلى الاعتقاد بان مثل ظهور الأمم على مسرح التاريخ، كمثل ظهور الأنواع (الحياتية) على مسرح الطبيعة"[12]. وذلك لان الأمة تجربة رحمانية مثلى كما يقول الارسوزي. واستند في فكرته هذه إلى ما اسماه بملائمة الحياة للطبيعة (مبدأ الحضارة المعاصرة)، ومبدأ عمق الحياة، وعمق الحياة يعادل عبارة (العدّان) وهي المدة التي يتطلبها الحوض من اجل أن يمتلئ، واخيرا تحول التجربة الرحمانية المقتبسة من قبل الآباء والأجداد إلى سجية موروثة في بنية الأبناء والأحفاد[13]. ان هذه الحلقات الاربع التي تربط صيرورة الامة، كما انها تحدد تجربتها الخاصة وعمقها الذاتي. فعمق التجربة الرحمانية، حسب رؤية الارسوزي، لا يتناسب مع العمران وحسب، إنما يتناسب أيضا مع شدة الميل إلى التجلي والانكشاف أيضا. كما ان رفعة الأمة تقاس بعمق تجارب أبنائها الرحمانية، وبمدى سبرهم أغوار الوجود، وبمدى تأثيرهم على الأمم الأخرى. وبالتالي، فان الأمة المثلى هي التي تأخذ بمبدأ العدالة، أي تلك التي يخرج منها أنبياء مصلحون، ومن ثم تقوم بتنظيم العلاقات بين الأمم على ضوء الإنسانية[14]. وليس هناك امة تمتعت بهذا الصفات اكثر او اكبر من الامة العربية.

فالأمة حقيقة قائمة بذاتها، كما يقول الارسوزي. وأنها اللغة وما أقيم على الحدس المنفي في الكلمات. وذلك لأن الشريعة والفنون والفلسفة مجرد مظاهر لحقيقة الأمة[15]. والأمة العربية تنطوي نفوس أبنائها على مصّمميها، منه يستلهمون شكل بنيان جمعيتهم فيرتقون إلى مثلهم الأعلى. لهذا لم تختلف الأمة العربية عن سواها بنشأتها السماوية وبنيانها الخالد فحسب، وإنما امتازت على الخصوص بذهنيتها المنبعثة عن تلك النشأة، وبمفاهيمها الإنسانية ذات الصلة بهذه الذهنية[16]. فقد زين العرب قبلتهم بالشِعر. أنهم عبّروا به عن البطولة التي يستمد منها القبيلة والشعر قدسيتها، ويرمزان إلى نفس الحقيقة. كمال انهم تفردوا في العالم باستكمال شروط البطولة والشعر معا. وإذا كان انتشار المدنية الحديثة من قطر إلى قطر (او من خطر إلى خطر كما يقول الارسوزي) بغية المتاجرة، فان العرب فتحوا العالم من اجل تهذيبه. وأسسوا بنيان ذلك في نظام خليفة واحد، وقانون واحد، ولسان واحد. اما الكلمات التي تزينت بها الأمم الإسلامية فتشهد على تفوق هذه الثقافة وفضلها على الناس أجمعين[17]. مما جعل من مثال الأمة العربية كمثل السديم ذاته (أصل الوجود) يتكاثف حينا ثم يتناثر بعد حين فتنجم الشموس من تكاثفه ثم تنتهي بتناثرها في الأثير[18]. الامر الذي جعل من الأمة العربية مشرقة بنورها على الإنسانية (بغض النظر عن حالتها الحالية). وبالتالي لابد أن يظهر فيها نبي أو زعيم. ذلك يعني انه لا يمكن ولا ينبغي ان نطبق على الأمة العربية معايير الآخرين من الأمم. وذلك لان إن حقيقة الأمة العربية تقوم في أنها "اختارت حقيقتها في الملأ الأعلى (الله علم ادم الأسماء)، أي أنها جهزت صورتها بمقوماتها. هذه المقومات التي تبدو مصمما تنطوي عليه كافة مظاهرها العامة والخاصة". ففيما نسجه الأجداد محقّق لما كان في قرارة نفوس الأحفاد، كما يقول الارسوزي. والأمة العربية ليست كسواها. أنها ليست شركة مساهمة أو جملة ذكريات وأماني، كما يريد لها البعض. أنها بنيان قد اشتركت في تشييده السماء والإرادة الإنسانية منسجمتين[19]. وبالتالي، فان الترابط في وجود الأمة العربية هو كينونتها الجوهرية بمعايير التاريخ ايضا. وذلك لأن "أبناء الأمة العربية، وإن ظهروا على مسرح الوجود متفرقين متفاوتين، فأنهم بمصدر انبثاقهم موحدّون، وحدة بها تنسجم أعمالهم في إنشاء مؤسساتهم، متلازمة، متتامة، رغم التباعد في المكان والتفاوت في الزمان"[20].

وليس هذا بدوره سو التعبير الظاهري عن الحقيقة القائلة، بان نظرات الأمة إلى الوجود تنبثق عن ذات الأمة، وهي تحمل طابعها. وأن كل أمة تدرك الوجود من خلال بنيته. وما يميز العرب بهذا الصدد انهم أوحوا إلى العالم فكرة الخلود. وهي فكرة مستوحاة من طبيعتهم المتصفة ذاتها بالخلود. فالأمة العربية ينبوع الشعوب السامية كافة. أنها عالم بذاتها، لم تأفل منذ ظهر الإنسان على مسرح التاريخ. أنها تطّهر بفيضها في كل مرحلة ما تراكم من آثام على الشعوب فتهديها إلى تحقيق أهدافها[21]. وبالتالي، فانه "مهما انحرف المجتمع عن أصوله، وزاغ العربي عن محور شخصيته، فالعروبة تبقى متصلة بينبوع الحياة ومستمدة منه نسغ كيانها. الأمر الذي لم يجعل من الأمة العربية "شهابا قد خطف البصر بسرعته ثم مضى كما قيل للأعاجم، بل أنها منارة يتموج شفقها تموج الحياة ذاتها"[22]. وذلك لان حقيقة الامة العربية منبثقة من حقيقة الحدس الخالد فيها. فالأمة و"أم" من مصدر مشترك هو أمَّ، أي قصد. والأم صورة حسية. والأم مصدر وإليها يهرع الأبناء، وكذلك الأمة في الحدس العربي هي مصدر الإخوة في المجتمع، كما يقول الارسوزي. لهذا نراه يحول فكرة ما اسماه بالصلة بين النفس والمرحلة التاريخية على مثال الصلة بين الجسد والبيئة الطبيعية الى صيغة معقولة بمعايير الحدس. من هنا قوله، بان صلة الناس بالمرحل التاريخية تقوم على استقطاب النزعات المتبلورة في البيئة استقطابا تتحول به الرموز إلى حدس متميزة. وبالتالي، فانه متى نجم الحدس في الوجدان بؤر كمعنى ذي مصوِّر، حينذاك يصبح مفهوما ملخصا لما تتمخض عنه نفوس الجماعة. ومن حيث هو مصوِّر يزداد به العدّان[23] نموا، بتحوله إلى نظام آخذ بالدقة. وليس هذا النظام الاخذ بالدقة في الحالة المعنية سوى فكرة العروبة.

فالعروبة، بالنسبة للارسوزي هنا، هي تجربة الحياة المثلى التي تتجلى منذ ظهور آدم إلى الآن كمنظومة معان قام عليها كيان العرب. أنها نظرة فنية أخلاقية من الكون[24]. ومن ثم فإن الحل الأمثل يقوم في سيادة فكرة العروبة. فالعروبة بالنسبة للارسوزي هي الأصالة والإفصاح عن الذات، كما أنها الرجوع إلى الذات (بما في ذلك الجاهلية)، وذلك لأن تاريخنا يرتقي إلى أصول الإنسانية، كما يقلو الارسوزي. من هنا كان وما يزال العالم العربي في قلب العالم. وبالتالي، فإن الحدث الذي يمكن أن تلتقي فيه وحوله هو "استقلال العروبة بالمصير عن كل دخيل"[25]. من هنا معارضته لما اسماه بالحركة الرجعية، أي تلك التي تمثل "الاتجاه المناقض للتيار النقدي"، أي الموجه ضد التيار الذي يمثل "منهج المرحلة التاريخية الراهنة والتجربة الرحمانية المثالية"[26]. وبالتالي، فأن المشكلة الهامة التي تعترض النهضة الحقيقية للامة العربية هي مشكلة الانسجام بين الكيان العربي "ذي النزعة المثالية وبين طابع المرحلة التاريخية الراهنة"[27]. من هنا، فإن المهمة الكبرى تقوم في تملك المصير. حينذاك يمكننا كشف عبقريتنا، كما يقول الارسوزي[28].

ولا طريق لبلوغ ذلك غير ايجاد الصلة الجوهرية بين الأمة وإرادتها، اي كل ما وجده في نموذج اللغة والكلمة والسير بمنطقها الخاص وأنساقها الذاتية الحقيقية. ووجد في المنطق والأنساق نظام الإرادة الحقيقية لبلوغ الأمة غايتها، اي تملك المصير. فعندما تتجاوب تقاليد المجتمع مع مفهوم الخير المتسامي،على سبيل المثال، فان ذاك يؤثر على قراراته، وعلى قدر تجسيد هذه القيم. حينذاك "ينعم المجتمع بمجهوده الذهني، بحيث تبدو فيه الفضيلة علما وعملا، فيضا وعادة"، كما يقول الارسوزي. اما إذا عجز المجتمع عن إخضاع القدر لمشيئته فانجرف هو بتياره، فحينذاك يؤدي إلى حجب نفوسهم عن هذه الخيرات، مثلما يحجب الغيم عن الأرض النجوم. عندئذ تسيطر النزعة المادية، مع ما يترتب عليه من ضياع افعالها مهما سعت في مساعيها. وذلك لأن النفوس الكريهة (الجزئية) مهما سعت يصبح فعلها ضائعا، كما يقول الارسوزي. من هنا استنتاجه القائل، بأنه "لا يدخل ملكوت السماوات من لا يولد ولادة جديدة"[29]. فإذا كانت الحياة قد اختارت الصوت، وهو طوع إرادتها، في إنشاء لسانها بيانا من بنيانها، ورمزا للتفاهم بين أبنائها، ووسيلة للكشف عن ماهيتها بخلق ذاتها بذاتها أبدا"، فإن إرادة الأمة تتمثل هذه الحقيقة بطريقتها[30]. فإرادة الأمة الأصيلة تتجاوز وتذلل العادة. فالعادة تقتنص الصورة الصوتية. وبالتالي فهي عرضة للانهيار. اما "التجاوب الرحماني بين أبناء الأمة، فانه يحرر الكلمة مما هو دخيل عليها، ولكنه يتفاوت بتفاوت الأصالة فيهم والذكاء". لهذا نراهم "يتخيرون الصورة الأصدق للتعبير، وإلا لأدى ذلك بهم إلى التباس الصورة بالرمز". مع ما يترتب عليه من انفصام ما هو نزوي (نزوة) وما هو إرادي. مما يؤدي بدوره الى انحجاب النفس بهذا الانفصام من قراراتها (أعماقها) ومن ثم يغلب عليها التكلف. وعلى هذه النسبة تتميز الأمة الأصيلة عن الهجينة"[31].

فما يميز الأمة الهجينة هو تناثر عناصر البيئة في الفرد، وسطو الرموز على مظاهر الحياة الاجتماعية. مما يؤدي إلى غلبة التكلف. ومن ثم اتعدام التجانس في الشخصية[32]. بل ونرى الاسوزي يتشدد بهذا الجانب بما في ذلك في محاولاته نقد الماضي او "تنقيته" من الهجنة التي أدت إلى إضعاف أصالة العرب والعروبة مع ما ترتب عليه من انحطاط لاحق وسقوط مركزيتهم الكونية. بحيث نراه يورد أيضا مقاطع مقتطعة ومجتزأة (وخارج تاريخها الملموس) لكل من ابن المقفع والفارابي وابن سينا والغزالي[33]. بحيث نراه احيانا يدفع هذه الفكرة نحو اشد مظاهرها تطرفا وغلوا، كما هو جلي على سبيل المثال في موقفه ممن اسماهم بصعاليك إيران وأوغاد تركستان، الذين وجد فيهم هجناء واغيارا دمروا سيطرة العرب والإسلام[34]. وربط هذا الدور بشخصية المأمون والمعتصم[35].

وفيما لو جرى تنحية هذه الأحكام الهجينة بمعايير الرؤية الفلسفية والعلمية والتاريخية والثقافية، فإن الشيء الاهم بالنسبة للارسوزي كان يقوم في  ابراز دور واهمية وقيمة وفاعلية فكرة الأصالة والأمة الأصيلة بالنسبة لوعي الذات وافقها في العالم المعاصر. من هنا فكرته عن ان اختلاف الأمة ذات الأصالة عن غيرها يقوم بانسجام إرادة أبنائها الصادرين عنها والحاملين ميولها مع النزوة في إنشاء المؤسسة العامة (من لسان وأخلاق ودين وفن) كمعتلى (اي كنموذج ومثال اعلى) وعليه ترتقي النفوس نحو غايتها. اما تجاوب النفوس في هذا الجو تجاوبا رحمانيا فانه يؤدي إلى أن تفيض المشاعر وتغمر الكون نشوة وسرورا فتشتد فيهم أواصر الرحم[36]. اما النتيجة الكبرى بهذا الصدد فتقوم في استقبال أبناء هذه الأمة الحوادث متفائلين. وليس عبثا أن أنجبت الأمة العربية عشرات الألوف من الأنبياء، كما يقول الارسوزي. ومن هذه النتيجة حاول بناء فلسفة البعث والرسالة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الاشارة هنا الى القصة المتداولة عن كيفية ظهور هذا الشعار.

[2] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص53-54.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص224.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص224

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص224..

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص227.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3 ص48.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص49.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص71.

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص74.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص319-324 .

[12] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص339.

[13] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص360-361.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص362.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص367.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص225.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص229.

[18] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص221.

[19] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص221.

[20] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص57.

[21] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص221.

[22] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص284.

[23] المدة التي يتطلبها الحوض من اجل أن يمتلئ.

[24][24] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص227.

[25] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص301.

[26] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص23.

[27] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص34.

[28] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3 ص34.

[29] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص124.

[30] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص60.

[31] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص60.

[32] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص61.

[33] وحتى في حال الاتفاق مع رأيه المعارض لما في آراء ابن المقفع وغيره من مفكري تلك المرحلة من "غير العرب"، فإن ذلك ليس دليلا على حقيقة فكرة "الاغيار". وذلك لأن مقدمات ومضمون تلك الأفكار محكومة شأن كل اختلاف في الرؤية بأمور كثيرة. وقد يلعب فيها الجنس أو القومية دورا، إلا انها تبقى بدورها محكومة برؤية منهجية من حيث الجوهر. اضافة إلى أن المرحلة السابقة تتجاوز، خصوصا في ابداع مفكريها الكبار، ابعاد النفسية القومية المعاصرة.

[34] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص294. (تتسم احكام الارسوزي بهذا الصدد بخلل الفكرة وتعارضها مع معطيات التاريخ الفعلي. كما انها لا تستقيم مع التأهيل الفلسفي واثر المأمون على الخصوص بالنسبة لتعميق وتوسيع مدى الرؤية الثقافية العربية بحيث جعل منها ثقافة كونية حكمت وحددت من حيث الجوهر كل القيمة الانسانية الكبرى "الخالدة" للثقافة العربية الإسلامية.

[35] ان هذا التشدد العنيف الذي يضع الفكرة القومية العربية خارج اطارها التاريخي الفعلي، اضافة الى تعارضها مع مضمون الفكرة الثقافية للقومية العربية، لها مقدماتها فيما آل اليه العالم العربي في ظل السيطرة التركية والصراع الفارسي التركي في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة قبل صعود الفكرة القومية العربية والاستقلال الذاتي الفعلي. وليس مصادفة على سبيل المثال ان ينظر الارسوزي الى المرحلة العثمانية نظرته الى مرحلة احتلال (شأن الانتداب الفرنسي). لهذا نراه يدعوهم بالدخلاء. وكتب في معرض نقده لسلوك الدولة العثمانية والحركات القومية التركية على انه تآمر الاغيار علينا انتقاما لدولتهم" (العثمانية). بل ونراه يستكمل ذلك بعبارة قاسية تقول "صنع أحفاد العثمانيين من بيئتنا جوا موبوءا تترسب فيه النذالة والسفالة سيلا"[35]. وبغض النظر عما في هذا التصوير النقدي السياسي والتاريخي من حقائق كبرى، إلا ان طابعه الوجداني القاسي لم يكن معزولا عن تأثير وثقل أحداث السيطرة الفرنسية واقتطاع لواء الاسكندرونة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. إذ تظهر هنا للمرة الأولى مشاعر ومفاهيم الاختلاف الجذري للعرب عن الآخرين، بحيث نراه يجعل من العرب نقيضا لغيره (من المسلمين). وكان يقصد بذلك الأتراك آنذاك، مع انه تعارض لا يتفق مع التاريخ والحقيقة والأخلاق. إلا أن الرؤية المنهجية للارسوزي تحتوي بالضرورة على ما يمكنه ان يدفع المواقف التاريخية والقيمية صوب الغلو القومي. وذلك لأنها تنبع لحد ما من "تأليه" الفكرة القومية ورفعها إلى مصاف الحقيقة الميتافيزيقية الكبرى. بمعنى انها تنقل فكرة الواجب والرؤية المنظمة والحالمة الى مصاف الحقيقة، رغم انها لا تتعدى في الواقع اكثر من كونها رؤية فكرية سياسية محكومة بقيم الواجب اكثر مما هي محكومة بمنطق التاريخ الفعلي. من هنا أيضا تبعاتها في الواقع والتاريخ الفعلي (السياسي والثقافي العالمي). ونعثر على ذلك بوضوح فيما اسماه "بالمشكلة القومية العربية" التي وضعها ضمن سياق الرؤية التاريخية السياسية. إذ نراه يحصر أسباب مشاكل الأمة العربية أو ما اسماه الارسوزي بمشاكل الأمة الكبرى بسببين اساسين وهما كل من موقعه في العالم وما حمله العرب من أعباء في التاريخ، وثانيا، تأثير فتور الهمة والاختلاف في المواقف إزاء المصائب العامة. فموقع العرب يخيف أوربا، ويذكرها بمصدر الخطر التاريخي. أما الثاني، فيقوم في التأثير السلبي للاختلاف في الدين والمذاهب بين أبناء الأمة (بما في ذلك مشكلة الأقليات العرقية، وخمول الجمهور وضعف الشخصية). بمعنى اننا نقف احيانا أمام خلط بين مواقف ومستويات متنوعة تفقد الرؤية طابعها المنظومي الفلسفي المتجانس مع منهج الرؤية العامة للارسوزي نفسه.

[36] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص60.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4700 المصادف: 2019-07-19 02:31:59