 دراسات وبحوث

المرأة وخطاب التكليف الفقهي.. مقاربة بين الإمكانات الحقوقية وضرورة التنمية

حيدر حسن الاسديانبثق خطاب الفتوى الخاص بالمرأة من الشريعة وتشعباتها، وهو مجال اخذ مقاليده الفقهاء واعتبروا أنفسهم أصحاب الكلمة الفصل فيه، واستنادا على تصورهم للشريعة صب الفقهاء نقدهم على كل من عارض تأويلهم للدين، وبقدر ما تمحورت قراءة الفقهاء للنصوص التأسيسية حول مركزية الذكورة وسيادة الرجل -من خلال القوامة وغيرها من المفاهيم_ ظهرت بين حين واخر قراءة مغايرة – الى حد ما-هذه القراءة تكشف تطورا ملحوظا للتاريخ الاجتماعي، والمتعلق بالمرأة خصوصا.

يعتمد خطاب الفتوى المتعلق بالمرأة بشكل مسّلم على فرضيات وآراء مسبقة، وما يترقبه هؤلاء من الاحكام الدينية، لكن يرى محمد مجتهد شبستري ان هذه الفرضيات المسبقة لا تختص بالفقهاء بل يمكن تقسيم أصحاب الرأي في التشريعات على اتجاهين:

الاتجاه الأول: نظام الخلقة: ويستند أصحاب هذا الاتجاه على النظام الطبيعي او ما يسمونه بــ " نظام الخلقة"، الذي يرى أن الاسرة تمتلك نظاما طبيعيا، تقسم فيه الوظائف داخل الاسرة وخارجها وفقا لهذا النظام.

ويبدو ان قراءة الفقهاء لخطاب التكليف المتعلق بالمرأة في النصوص الإسلامية التأسيسية قد تأثرت بهذا الأصل النظري (النظام الطبيعي)، حيث تكفي اطلالة عابرة لآثار اغلب وأكثر الفقهاء القدماء لنجد انهم يعدون ويعتبرون المرأة موجودا وظيفته الأولى الحمل والولادة لحفظ النسل الإنساني، مستبعدين ان تخرج المرأة من إطار الاسرة لتجد لها دورا في المجتمع.

الاتجاه الثاني: القراءة التاريخية: ويرى أصحاب هذا الاتجاه ان لا فائدة في الارتكاز والبحث عن نظام طبيعي في الحياة الاجتماعية، وما يُسرد من أدلة لأثبات مشروعية ونجاعة المقاربة المستندة لهذا النظام لا يكفي للإقناع؛ لأنه يمكن الحديث عن أنظمة إنسانية ثابتة ومستقرة، سواء في السياسة او الاقتصاد او الاسرة، لان حركة المجتمع مستمرة ومتطورة بشكل دائم. وينطلق هذا الاتجاه على منهج يقارب الموضوع المطروح استنادا للقراءة التاريخية، ويعتقد انه من اللازم في كل عصر وزمان إعادة النظر في تحديد النوع الأنسب للنظام الاجتماعي والاسري. ويبدو ان مثل هذه القراءة تتحول الى تفكير نشط وفاعل، يواكب حركة المجتمع، عندما تجري دراسة الحياة الإنسانية بعين تاريخية.

ويجد الدارس لخطاب التكليف المتعلق بالمرأة، وكيف تم تلقيه في السياق الإسلامي، انه يدور مدار الاتجاهين المتقدمين، فقد ذهب مشهور الفقهاء – وبشكل صريح او ضمني-الى ان المرأة أدنى مرتبة من الرجل، لا على المستوى الاجتماعي فقط بل على المستوى القيمي والحقوقي. بينما ذهب فريق اخر، الى القول بمساواة المرأة للرجل، وتمتعها بالحقوق والواجبات نفسها، منتقدا مصادرة الرؤية الفقهية التقليدية التي كرست ذكورية الخطاب. مرتكزا على بعض المرويات التي تساند المرأة، مثل: " النساء شقائق الرجال"[1]، ولذلك يرفض هذا الاتجاه أي تسلط للرجل على المرأة لان؛ " سيطرة الأب والاخ والابن على المرأة ليس له أساس في التشريع الاسلامي"[2].

وكمثال على نقد خطاب الفتوى المتعلق بالمرأة، والتي اتسمت بالجرأة ومخالفة مشهور الفقهاء في الوسط الشيعي، كتابات مرتضى مطهري، ما يصدق عليه هذا القول خصوصا كتابه (نظام حقوق المرأة في الاسلام)، الذي كانت بدايته المقالات التي نشرت عام 1966م.

وكذلك ما قدمه السيد محمد حسين فضل الله [3]، ويوسف صانعي [4]،  الذي عرف بطرح الفتاوى الجديدة المتعلقة بالمرأة، تتعلق بالبلوغ وعدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد، وامامة النساء للصلاة، والتساوي في الدية، وتولي القضاء، وغيرها من الفتاوى.

ومع فضل الله نجد كتبه الأربعة التي اختصت بدراسة شؤون المرأة وحقوقها، ولعل أهمها " قراءة جديدة لفقه المرأة الحقوقي"، وكتاب " وضع المرأة الحقوقي بين الثابت والمتغير"، حيث خلص في آرائه الى:

1- يمكن للمرأة ان تتولى السلطة والقضاء والحكومة، عادا الفتوى المانعة من ذلك مستندة الى رواية ضعيفة وردت في كتاب البخاري، ولو صحت فأنها ترجع الى ظرف خاص.

2- عدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد، او ما يعرف في الوسط الشيعي بــ " المرجعية الدينية".

3- لا دليل على حرمة اختلاط الرجال بالنساء بشكل عام، انما الحرام إبراز الذكورية والانوثة، ويرى ان الرواية " خير للمرأة ألا ترى الرجل وألا يراها الرجل"، التي تروى في مدونات الحديث غير صحيحة.

4- لا يوافق فضل الله على الفتوى المشهورة المتعلقة ببلوغ البنت السن التاسعة، وله رأي مفصل في كتاب بعنوان " البلوغ".

وتكشف هذه الفتاوى عن تطور تاريخي في النظر الى المرأة ووظيفتها الاجتماعية، والسياسية، والحقوقية، وبذلك تعد وثيقة واضحة على تأثير المدنية والتمدن على عقلية الفقيه ومواكبته لما يستجد.

ونرى ان الشيخ محمد مهدي شمس الدين[5] - قد سبق السيد فضل الله والشيخ صانعي-، و قدّم مقاربات فتوائية مغايرة للرؤية الفقهية السائدة، ويمكن للدارس ان يكتشف من خلالها مدى التطور التاريخي الذي صاحب هذا الخطاب الجديد، ولو على مستوى الفقه الشيعي الامامي، ويمكن رصده من خلال:

اولا- المحاولات التنظيرية:

لقد فتح الشيخ محمد مهدي شمس الدين مجال النقد لخطاب الفتوى المتعلق بالمرأة، من خلال كتاب ( مسائل حرجة في فقه المرأة)، في اربعة اجزاء، والذي كان من المفترض ان يفتح حوارات ونقد موسعين في تلك الموضوعات التي اصطلح عليها المؤلف بالمسائل الحرجة في فقه المرأة، و كشفت هذه المناقشات عن مدى التطور والتعاطي مع خطاب الفتاوى المتعلق  بالمرأة على المستوى التاريخي والمجتمعي .

وفي هذا الكتاب قدّم شمس الدين تأملات في نقد وتجديد منهج النظر والاستنباط الفقهي في مجال فتاوى المرأة والاسرة، وناقش بعض الآراء في هذا الشأن، ناقدا لها ولمنهجية استنباطها، ومتبنيا لآراء ووجهات نظر استدلالية وبرهانية مغايرة في المعنى والمبنى[6]، وانفرد شمس الدين باجتهادات خرج بها عن مشهور فقهاء الامامية، وذلك بعرض الآراء بأدلتها ويناقشها نقديا، ويطرح رأيه ويؤسس له استدلاليا، كرأيه في مسألة اهليّة تولي المرأة للسلطة القضائية العليا، ورئاسة الدولة.

يلاحظ ان شمس الدين ينطلق في مدخله النقدي المنهجي الى فقه وفتاوى المرأة مما يعتبره قاعدة عامة وأصلا تشريعيا قرآنيا، يحدد على ضوئه موقع كل من المرأة والرجل في منظومة القيم ونظام الحقوق والواجبات في الاسلام، فيقرر على ضوء ذلك أنه ليس للمرأة في هذين النظامين موقع ومجال مختلف عن موقع ومجال الرجل فكل واحد منها ينتمي الى حقيقة واحدة، ويتكامل مع الآخر في هذه الحقيقة ولا يستقل عنها[7]. ويؤسس شمس الدين مبدأ مهما في مدخله للبحث الفقهي هذا، حيث ينتهي الى ان المعيار الأعلى المعتمد في تشخيص الأفضلية والدونية وما تستتبعانه من مركز حقوقي وقيمي، ليس الذكورة والانوثة، وليس الوظيفة الخاصة بل هو مدى الالتزام بالوظيفة العامة[8].

ثانيا- نقد مرجعية العرف التاريخي في الاستنباط:

على ضوء المبادئ والمقدمات التي شكلت بناءه المنطقي، يسجل شمس الدين عدة ملاحظات نقدية على منهج الاستنباط الفقهي الرائج في مجال فقه المرأة والاسرة، فقد انتقد مرجعية العرف في فهم النص، وتحديد مداه سعةً وضيقاُ وتفسيراً، والذي لا يصلح في نظره لأن يكون مرجعاً في جميع هذه الحالات. واعتبر أن من نتائج تأثّر طريقة ومنهج الفقهاء بالفلسفة اليونانية والمنطق الارسطي بالذات.

وبناءً على ذلك انتقد شمس الدين بعض الامثلة الفقهية التي نتجت عن قراءة النصوص الواردة في السنة بشأن المرأة الأسرة قراءة ظلت بمعزل عن روح القرآن الكريم وراحت تعتبر كل نص فيها معالجاً لحالة مستقلة أو تفصيلا معزولا عن سائر التفاصيل في حالات، وتفاصيل وضع المرأة وعلاقتها بالمجتمع، مما ادى الى ظهور منهج لا يتناسب مع طبيعة موضوعه، وبالتالي طروء خلل في عملية الاستنباط، وذلك من قبيل المسلمات الفقهية التي تقرر:

1- ان الام تتمتع حيال اولادها بمركز معنوي وحقوقي لا يكاد يساويه مركز، بينما نجد هذه الام باعتبارها زوجة تكاد تفقد حرمتها وكرامتها الانسانية بالنسبة الى الزوج(الاب)، على بعض مباني الفقه، بحيث لا يزيد امرها كونها مدبرة منزل فقط.

2- من الثابت فقهيا اشتراك الرجال والنساء في فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، في حال نجد الفقهاء يعملون ببعض الروايات الضعيفة، والتي لو وضعت تحت طائلة النقد لم تصمد، منها على سبيل المثال ما ينسب و يروى ان النبي ذكر النساء فقال: اعصوهن في المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر وتعوذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهن على حذر"[9]. حيث يعتقد شمس الدين ان هذه النصوص الروائية – وما صح ووثق منها خاصة – لا بد ان تخضع للمعطى القرآني العام ولمبادئ التشريع العليا في ضوء ذلك، في حين أن مسلكا فقهيا استدلاليا رائجا اعتمد مرجعية (العرف) في قراءة كثير من النصوص، وهو عرف لم يثبت أنه كان سائدا بجميع تفاصيله في عهد النبي، والائمة ، ليصلح مرجعا في فهم النصوص، بل من المعلوم أن بعض عناصر هذا العرف تكّون من العادات والأعراف الدخيلة المستحدثة التي لم يؤسسها الشرع وانما انتجها الارث الثقافي الذي تأثرت به المجتمعات الاسلامية، عبر عملية التفاعل مع اهل الاديان والحضارات الاخرى، فهذا النوع من الاعراف لا يصلح مرجعا لفهم النص الشرعي، وعله فان بعض النصوص لم يرد لبيان الحكم الإلهي وإنما عكس حالة اجتماعية وثقافية اقتضت الظروف التكيف معها عن طريق إصدار توجيهات مثلت تدبيراً ولائيا لمواجهة حالة طارئة خاصة بمورد معين[10].

ويعمق شمس الدين إشكالية اتخاذ العرف مرجعية تشريعية او تفسيرية، بعد أن يميز بين نوعين من مرجعية العرف، يسوغ الاعتماد على أحدهما فحسب، بينما يلتبس النمطان احيانا على البحث الفقهي فينتهي به الى نتائج تنطوي على جهات خلل متعدد[11].

اننا في هذه الدراسة الموسومة بــ " المرأة وخطاب التكليف الفقهي .." حاولنا رصد تطور الفتاوى المتعلقة بالمرأة – بشكل موجز على ان نتوسع في البحث في وقت لاحق- ، هذا الرصد كان بين منظورين: منظور ينطلق من تساوي المخاطبين في التكليف، ومنظور ترسخت لديه مسلمات فقهيه أصبحت مقدمة ومتجاوزة، نظرية التكليف الحقوقية، بشكل مباشر مرة وغير مباشر مرة أخرى، اسنادا لتبريرات نظرية خارج إطار حركة التاريخ والمجتمع. ان دراسة فتاوى من قبيل: البلوغ، واشتراط الذكورة، والامامة، والمشاركة السياسية وتولي القضاء، والمساواة، والقوامة، وحق التزويج والطلاق، ... وغيرها، تعد وثيقة حية عن الجدل التاريخي والاجتماعي الحاصل، وعن مدى التغير الذي حصل في المجتمع، ويكشف عن مدى تفاعل الفقهاء مع معطيات العصر الجديدة، وارتباطها بحياة الناس.

ان التحدي يتمثل في ضرورة النقد الذاتي واهمية تفعيل النظر في خطاب الفتوى المتعلق بالمرأة، وفتح باب الاجتهاد الحقيقي، لتجاوز الجمود والتخلف الذين اصابا هذه المجالات، خصوصا مع تزايد القضايا والمستجدات المتعلقة بالمرأة، فقد أصبح لزاما إعادة النظر بخطاب الفتوى وما يسمى بالمسلمات التراثية المتعلقة بالمرأة، بما يتناسب وهذه المستجدات.

 

الدكتور حيدر حسن الاسدي/ العراق/ جامعة الكوفة

...........................

[1] أخرجه أحمد في مسنده، برقم 5869، وسنن الترمذي برقم:  برقم 105، وأبو داود في كتاب الطهارة، برقم:  204.

[2] مرتضى مطهري، نظام حقوق المرأة في الإسلام، دار التعارف، بيروت، 1992م، ص 129.

[3] ولد السيد محمد حسين فضل الله في النجف في العراق في عام 1935 ، بدأ بالدراسة في الحوزة العلمية في سن مبكرة جداً، كان تقريباً في التاسعة من عمره، وعندما وصل إلى سن السادسة عشر بدأ بحضور دروس الخارج( ما يوازي الدراسات العليا) ،يعتبر من أكثر علماء الشيعة انفتاحاً على التيارات الأخرى، توفي في لبنان عام 2010م.

[4] الشيخ يوسف صانعي هو مرجع دين إيراني، ولد عام:  1937م، أصفهان، إيران، ولا يزال على قيد الحياة عرف بآرائه الجديدة في كتابه" فقه الثقلين".

[5] الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أحد أهم أعلام الفكر الإسلامي المعاص، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولد في مدينة النجف الاشرف العراقية، عام 1936م. والده العلامة الشيخ عبد الكريم شمس الدين، وكانت ولادته أثناء هجرة والده من لبنان إلى العراق لطلب العلم. بقي شمس الدين مع والده حتى بلغ الثانية عشرة من عمره، ثم عاد أبوه إلى لبنان وتركه في النجف لتحصيل العلوم الدينية، توفي في بيروت في شهر كانون الثاني من عام 2001 إثر مرض عضال.

[6]فقه المرأة، ص194-195.

[7] ظ: سرمد الطائي، تحولات الفكر الاسلامي المعاصر، دار الهادي، بيروت، ط1، 2003م، ص49.

[8]محمد مهدي شمس الدين، الستر والنظر، ص23.

[9] الكليني، الكافي:5/517.

[10]شمس الدين، الستر والنظر، ص26.

[11]ظ: المصدر نفسه، ص 46.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4763 المصادف: 2019-09-20 09:16:24