 دراسات وبحوث

محمد بن إدريس الشافعي رائد علم أصول الفقه (1)

محمود محمد عليكان الإمام الشافعي، هو أول من دون أصول الفقه، ورتب أبوابه وجمع فصوله، وقد قال في حقه ابن خلدون (ت: 808هـ) :" وكان أول من كتب فيه (أصول الفقه) الشافعي رضي الله عنه، وأملي فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ، وحكم العلة المنصوصة في القياس .

فإذا كان الإمام الشافعي، يعد أول من دون أصول الفقه علي الطريقة العلمية بشهادة بعض المؤرخين، وذلك في كتابه " الرسالة" الذي يعتبر أول كتاب في أصول الفقه، فذلك لأن الفقهاء كانوا قبله يجتهدون من غير أن يكون بين أيديهم حدود مرسومة للاستنباط، إلا ما ورد بالقرآن والسنة من نماذج ودلائل وإشارات، وكانوا يعتمون علي فهمهم لمعان الشريعة، ومرامي أحكامها وغاياتها، وما تومئ إليه نصوصها، وما تشير إليه مقاصدها ومصادرها ومواردها، ومثلم كمثل من يزن البراهين بالسليقة، من غير أن يكون له إلمام بعلم المنطق، فإن تمرس هؤلاء الفقهاء بدراسة الشريعة وتعرف أغراضها ومقاصدها جعل موازين الاستنباط فيها كالملكات في نفوسهم، يجتهدون فيوفقون من غير أن نكون بين أيديهم حدود مدونة مرسومة، فجاء الشافعي رضي الله عنه،واختلط بالعلماء وناظر الفقهاء، وناظروه، وكانت مناهجهم في الاستنباط تبدو علي ألسنتهم في الجدل والمناظرات، ولذلك وضع الحدود والرسوم وضبط القواعد والموازين.

ولقد أشاد فخر الدين الرازي بفضل الشافعي في هذا المقام فقال :" اعلم أن نسبة الشافعي إلي علم الأصول، كنسبة أرسطو إلي علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلي علم العروض، وذلك لأن الناس كانوا قبل أرسطو يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة، ولكن ما كان عندهم قانون في كيفية ترتيب الحدود والبراهين، فلا جرم كانت كلماتهم مشوشة ومضطربة، فإن مجرد الطبع إذا لم يستعن بالقانون الكلي ما أفلح، فلما رأي أرسطو ذلك اعتزل الناس مدة  مديدة، فاستخرج علم المنطق ووضع للخلق بسببه قانونا كليا، ويرجع إليه في معرفة ترتيب الحدود والبراهين، وكذلك الشعراء كانوا قبل الخليل بن أحمد ينظمون أشعارا، وكان اعتمادهم علي مجرد الطبع فاستخرج الخليل علم العروض، فكان ذلك قانونا كليا في معرفة مصالح الشعر ومفاسده، فكذلك هاهنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي رضي الله عنه يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة في كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي رحمه الله تعالي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة مراتب أجلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلي علم الشريعة كنسبة أرسطو إلي علم العقل ( المنطق)، فلما اتفق الخلق علي استخراج علم المنطق درجة عالية لم يتف أحد مشاركة أرسطو فيها، فكذا هاهنا وجب أن يعترفوا للشافعي رضي الله عنه بسبب وضع هذا العلم الشريف بالرفعة والتمييز علي سائر المجتهدين بسبب هذه الدرجة .

ثم يستطرد الرازي قائلا :" والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه، إلا أنهم عيال علي الشافعي فيه، لأنه هو الذي فتح هذا الباب والسبق لمن سبق "  .

وإذا كان الشافعي، قد وضع علم أصول الفقه، فهل تأثر في هذا العلم بالفلسفة والمنطق؟ .

يذكر الشيخ مصطفي عبد الرازق ( 1885- 1947م) في كتابه "التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية":" إن  أصول الفقه لم يخل من أثر الفلسفة ـ فالشافعي حين كتب رسالته في أصول الفقه لم تخل الرسالة من صبغة فلسفية، حيث أن هذه الرسالة تسلك في سرد مباحثها وترتيب أبوابها نسقا مقررا في ذهن مؤلفها، قد يختل اطراده أحيانا ويختفي وجه التتابع فيه، ويعرض له الاستطراد ويلحقه التكرار والغموض، ولكنه علي ذلك كله بداية قوية للتأليف العلمي المنظم في فن يجمع الشافعي لأول مرة عناصره الأولي .

ويستطرد الشيخ مصطفي عبد الرازق فيقول :" وإذا كنا نلمح في " الرسالة " نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام من ناحية العناية بضبط الفروع والجزئيات بقواعد كلية، وإن لم نغفل جانب الفقه – أي استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فإنا نلمح للتفكير الفلسفي في الرسالة مظاهر أخري منها – هذا الاتجاه المنطقي إلي وضع الحدود والتعاريف أولا، ثم الأخذ في التقسيم مع التمثيل والاستشهاد لكل قسم . وقد يتعرض الشافعي لسرد التعاريف المختلفة ليقارن بينها، وينتهي به التمحيص إلي تحيز ما يرتضيه منها، ومنها أسلوبه في الحوار الجدلي المسبع ولطف الفهم وحسن التصرف في الاستدلال والنقض ومراعاة النظام الفلسفي – حوارا فلسفيا علي رغم اعتماده علي النقل أولا وبالذات واتصاله بأمور شرعية خالصة .

وينتهي الشيخ مصطفي عبد الرازق إلي ضرورة اعتبار علم أصول الفقه فرعا من فروع الفلسفة الإسلامية، علي أساس ما يتميز به من طابع فلسفي واضح، حيث يقول :" وعندي أنه إذا كان لعلم الكلام ولعلم التصوف من الصلة بالفلسفة ما يسوغ جعل هذا اللفظ شاملا لهما، فإن علم أصول الفقه المسمي " علم أصول الأحكام" ليس ضعيف الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد الذي هو الكلام، بل إنك لتري في كتب أصول الفقه أبحاثا يسمونها " مبادئ كلامية" هي من مباحث علم الكلام . وأظن أن التوسع في دراسة الفلسفة الإسلامية سينتهي إلي ضم هذا العلم إلي شعبها " .

وإذا كان بعض الباحثين، قد أكد مظاهر التفكير الفلسفي والمنطقي في علم أصول الفقه، فهل يعني هذا أن مؤسس هذا العلم وهو الشافعي قد تأثر بالمنطق والرواقي أو بهما معا، أم أنه صدر في ذلك كله عن عقلية إسلامية متحررة من كل أثر أجنبي .

هناك رأيان متعارضان، أحدهما يقول أصحابه بتأثر الشافعي في رسالته بالمنطق الأرسطي . أما الرأي الثاني، فيقول أصحابه بعدم التأثر بهذا المنطق، بل يؤكدون علي عداء الشافعي للمنطق الأرسطي.

وسبيلنا الآن هو عرض آراء هذين الفريقين بشئ من التفصيل، ثم نذكر رأينا، وذلك علي النحو التالي:

الرأي الأول : الأصل اليوناني والروماني للمنهج عند الشافعي :

ذهب بعض الباحثين المعاصرين، إلي أن الشافعي، قد تأثر في منهجه الأصولي بالمنطق الأرسطي، وممن ذهب هذا المذهب أستاذنا الدكتور " إبراهيم بيومي مدكور "، حيث قال بأن الشافعي، قد طبق فكرة المنهج الموجود في المنطق الأرسطي في كتابه الرسالة، ويستدل علي ذلك بقوله :" بدأ الإمام الشافعي أعماله الفقهية في بداية القرن التاسع الميلادي ( أي الثاني للهجرة)، حيث كانت الترجمات العربية متطورة، وبصفة خاصة الاورجانون الذي كان قد ترجم منه علي الأقل جزء كبير، ويقدم لنا المؤلف المنهجي نموذجا جيدا للعلوم الناشئة في الإسلام، فعندما رأي تعقد الدراسات الفقهية والاختلافات التي غلبت عليها، أراد أن يضع لها قواعد مجردة ومنهجا خاصا، وهكذا وضع علم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يعتبر بالنسبة للفقه مثل المنطق بالنسبة إلي الفلسفة، وإذا كان أرسطو هو منشئ منهج البحث المشترك بين كل الأبحاث النظرية، فإن الشافعي هو منشئ منهج البحث الفقهي في الإسلام، وهكذا انتقلت فكرة المنهج المشار إليها والمطبقة عند الفيلسوف اليوناني إلي الفقيه العربي ".

وممن ذهبوا أيضا إلي القول بتأثر الشافعي بمنطق أرسطو الدكتور حسن عبد الحميد، حيث يقول " أن نظرية قياس السبه التي أرسي قواعدها الإمام الشافعي، قد تأثر فيها بأرسطو وخاصة في كتابه الطوبيقا ".

وقد أشار الدكتور علي سامي النشار، إلي أن الذين قالوا بتأثر الشافعي بالمنطق الأرسطي، قد استندوا إلي ثلاث حجج :

- الحجة للأولي : أن الشافعي مفسر جيد يدرس القران والحديث من وجهة نظر دلالتهما، ولذلك يقتصر علي مسألة الألفاظ العامة والخاصة، وهذه المسألة تحمل طابعا منطقيا .

- الحجة الثانية : معرفة الشافعي للغة اليونانية علي ما يذكر أبو عبد الله الحاكم في كتابه " مناقب الشافعي " – الباب الرابع والعشرون، من أن الشافعي كان يقول حين سأله هارون الرشيد عن علمه بالطب " أعرف ما قالت الروم مثل أرسطوطاليس ومهرازيس وفورفوريوس وجالينوس وبقراط وأنباذوقليس بلغاتهم.

- الحجة الثالثة : أن بعض المستشرقين ذهب إلي أن النصوص التي احتوتها " الرسالة" للشافعي، تبين لنا أن صاحبها (الشافعي) يعتبر القياس الأصولي، هو التمثيل عند أرسطو ".

وهذه النقطة يثيرها المستشرق " مارجليوث" حيث يقول بأن الشافعي في نظريته الخاصة بقياس الشبه، قد تأثر فيها بالمنطق الأرسطي، علاوة علي أنه اطلع علي الترجمات العربية التي أخذت في الظهور في القرنين الثامن والتاسع الميلادي، ويستدل " مارجليوث" أيضاً علي تأثر الشافعي بمنطق أرسطو، بأن رسالة الشافعي تثبت أنه كان علي درجة كبيرة من الوضوح، حينما يتحدث عن الأجناس والأنواع، وأن قياس الشبه مبني عنده علي اساس منطقي سليم، المر الذي يفترض معه مارجليوث، أن الشافعي كان علي درجة معينة من الأفة مع منطق أرسطو " .

غير أن بعض المستشرقين يرون بأن نظرية قياس الشبه، لم تتأثر بمنطق أرسطو مباشرة، وإنما هي قد تأثرت بالمنهج الذي استخدمه فقهاء الرومان، ومعني هذا أن الصوليين الأوائل، قد أخذوا نظرية القياس الأصولي عن طريق القانون الروماني ومناهجه المختلفة .

ويوضح هذا الرأي المستشرق "جوزيف شاخت"، مبينا أن تكون الفقه الإسلامي بعد القرن الأول الهجري لم يحدث في المدينة، وإنما تم ذلك في العراق . وليس معني هذا أن شاخت ينكر دور فقهاء المدينة في تكوين الفقه الإسلامي، وإنما الدور الأساسي عنده، قد قام به فقهاء العراق، حيث كانت توجد مراكز لتعليم الفلسفة اليونانية، وبانفتاح المسلمين علي غير العرب الذين اعتنقوا الإسلام، والذين كانوا علي علم ودراية بمنطق اليونان وبمبادئ التشريع اليهودية والقانون الخاص بالكنائس الشرقية والتشريع الفارسي الخاص بعصر الساسانيين وكذلك القانون الروماني، فإن المسلمين قد أدخلوا بالذات طرائق تفكير فقهاء الرومان في علومهم الدينية الشرعية، فقد اخذوا علي وجه التحديد نظرية القياس عن طريق هؤلاء الذين دخلوا الإسلام من أصحاب الثقافات الأخرى ولم يأخذوا هذه النظرية مباشرة عن طريق القانون الروماني بتشريعاته ومؤسساته المختلفة" .وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4782 المصادف: 2019-10-09 01:49:10