 دراسات وبحوث

ولاية الأمة على نفسها عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين

بدر الدين شيخ رشيدطرح الشيخ محمد مهدي شمس الدين ولاية الأمة على نفسها في مقابل ولاية الفقيه التي أصبحت مرتكز فكرة الإمام الخميني، وولاية الأمة على نفسها فيها مقاربات بالنسبة إلى رؤية الشيخ محمد باقر الصدر والشيخ المنتظري حول ولاية الفقيه ومدي قربها إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة.

إن رؤية الشيخ محمد باقر الصدر هي الأقرب ملائمة بالنسبة إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة، ثم تليها رؤية الشيخ حسين المنتظري، وتعتبر رؤية الشيخ محمد مهدي شمس الدين الأكثر انفتاحا بالمقارنة برؤية الخميني والصدر والمنتظري، بل يمكن لنا أن نقول إنها عين الديمقراطية، يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين«إنّ الدولة الإسلامية يجب أن تكون دولة ديموقراطية تقوم على المشاركة، التي قوامها الشورى، والتمثيل الشعبي، واللامركزية في الإدارة، ووجوب حفظ النظام، ومقدمة الواجب، والأمور الحسبية، وتخضع في الوقت عينه لمقتضيات الأصول الأولية، والأدلة المقيِّدة، منعاً لأي تجاوزات أو بروز نزعات تسلطية إطلاقية للحاكم؛ إذ كلما كانت السلطة الحكومية السياسية، والتنظيمية والإدارية وغيرها، أقرب إلى ممارسة الإنسان لسلطته الذاتية على نفسه، كانت أقرب إلى الأصل الأولي، وكانت متيقّنة المشروعية من حيث دخولها في دليل تقييد الأصل الأوّلي»[1]، وهي نتيجة لعقْدٍ تبرمه الأكثرية من المواطنين بإرادتهم الحرة، فينتج عن إبرامه كيان الدولة[2].

أما الشيخ محمد باقر الصدر فيرى أن الديموقراطية تستفاد من النقاط الإيجابية فقط[3]، فرؤيته توافق رؤية كثير من مفكري أهل السنة كالشيخ محمد الغزالي والقرضاوي الذين قبلوا الديمقراطية كآلة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم[4]، بخلاف رؤية الشيخ المنتظري بالديموقراطية، فهي بعيدة عن مفهوم نظام الحكم في الإسلام، وذلك لكونها لا«تقيد للشعب، ولا للحاكم، لا بالنسبة إلى أيدلوجية خاصة ولا بالنسبة إلى المصالح النوعية والفضائل الأخلاقية»[5].

ومن جهة أخرى، يميز الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بين الأمة والدولة في حقل المعالجة الإسلامية، ويرى أنّه ليس في الفقه الإسلامي على الإطلاق خطابات شرعية موجّهة إلى الدولة، فهي كائن مخلوق للأمة، وهي ليست تعبيراً عن الأمة، في مقابل الفكرة الهيغيلية التي تعتبر الدولة تجريداً مقدّساً للأمة والمجتمع، بحيث أنها تعبِّر عن روح الأمة وعن روح المجتمع، فالدولة في الفكر والفقه الإسلاميين لا تتمتع بهذه المنزلة على الاطلاق، فلا يوجد فوق الأمة تجريد آخر، ولا يوجد تركيب أو تشكيل آخر، الحقيقة المجتمعيّة المطلقة، والحقيقة التنظيمية المطلقة في الإسلام هي حقيقة الأمة، وعلى هذا، فالحقيقة المقدّسة عند شمس الدين هي الأمّة، أما الدولة فلا مقدّس فيها، ويجري عليها حكم الوظائفية، فبمقدار اقترابها من الأمة ومصالحها ومقدّساتها يتم احترام الدولة[6].

فالشريعة أوكلت الأمة الولاية إلى نفسها في ظل الغيبة الكبرى ، وبالتالي أصبحت ولاية الأمة ليست ملكاً لأحد، لا لفقيه أو غير فقيه أو لمجموعة فقهاء، فالأمة «هي وليّة نفسها وهي في نطاق الكليات الشرعية في فقه المجتمع والدولة تتولى أمر نفسها وفقاً لمبدأ الشورى الذي يمكن برمجته في نظام ملائم بحسب ظروف كل مجتمع من المجتمعات»[7].

تشكل نظرية ولاية الأمة على نفسها للإمام شمس الدين امتداداً طبيعياً للخط الإصلاحي الشوروي الذي كرّسه آية الله الشيخ النائيني، منظر ثورة الدستور (المشروطة) في إيران في مطلع القرن العشرين، والذي انطلق في تنظيره وتأويله لمفهوم الدولة الإسلامية، لا من نظرية ولاية الفقيه بل انطلاقاً من نظرية ولاية الأمة على نفسها، التي ترى في الدولة مسألة انتخابية ودستورية بين المسلمين، أي مسألة فقهية من الفروع لا كلامية من الأصول[8].

وتتلخص نظرية ولاية الأمة على نفسها عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أن الأحكام الإسلامية قسمان:

الأول: أحكام إلهيّة ثابتة كأحكام نظام العبادات ونظام العائلة والمسائل الجنسية ومسائل الربا.

الثاني: أحكام متغيرة يخص النظام السياسي والحكومة.

فبيان الأحكام الثابتة الشرعية هي من مسؤولية الفقهاء، أما ما يخص النظام السياسي والحكومة، فليس للفقهاء دور ولا ولاية عامة لهم، فالأمة هي التي تملك الولاية على مقدراتها في إطار الشريعة الإسلامية المتغيرة، والإنسان مسؤول عن نفسه والمجتمع ولي نفسه، وتكون الأمة حاكمة على مصيرها ومقدراتها، ولا يعتبر الفقه شرطًا لرئيس الدولة الاسلامية المنتخب،كما أنه يجب أن تنسجم الدولة مع طبيعة المجتمع الذي تنطلق منه، وأن تمتزج في أعماق الأمة وعقول الناس، وأن تستفيد من التجربة الإنسانية[9].

والشيخ شمس الدين يفرق بين الانتماء للأمة أي الإسلام، والانتماء للدولة حيث يدخل في تكوين الثاني عنصر الأرض، ويرى أن كل واحد من الانتمائين حقوق ومسئوليات للمسلم وعليه، فالإنتماءان - أي الدّين والوطن- إما أن يتطابقا، بأن يكون المجتمع مثلا كله مسلم، أو لم يتطابقا بأن يكون بعضه مسلم وآخر غير مسلم، ففي حالة التطابق تنظر الدولة الاسلامية إلى جميع الأمة الاسلامية في أرض دار الإسلام، كما تتكامل مسؤوليات وحقوق الانتمائين، وأما في حالة عدم التطابق، بحيث أن حقوق ومسئووليات الانتماء الى الأمة محددة في الشريعة والفقه، دون حقوق ومسئووليات الانتماء إلى الدولة ، فإن الضرورة التنظيمية في هذه الحالة تقتضي إلى تدبير يحدد جهة الانتماء للمكلف، ليتمكن من القيام بمسئوولياته إتجاه الدولة والمجتمع، وليأخذ حقوقه وهذا التدبير هو الجنسية[10].

هذا، وتقتصر وظيفة الفقهاء عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في الفتيا والقضاء وتبليغ الرسالة، وهم لا يمتلكون أي تميز بحكم كونهم فقهاء ولا يوجد لهم أي امتياز سياسي، أما شكل الدولة عنده، في ظل هذه النظرية فهو قائم على الشورى والانتخاب[11].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] - هيثم مزاحم، الإمام محمد مهدي شمس الدين ولاية الفقيه على نفسها، ( تاريخ النشر، 30-3-2012م)، أنظر الرابط:

http://www.shafaqna.com/arabic/marjeiats/item/5599

[2]- عبد المنعم شفيق، حزب الله رؤية مغايرة أصول وجذور(تـاريخ 11-3-2011)، الرابط:

http://www.dawatalhak.com/newsdetails.asp?id=1379

[3] - محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران، إيران، ط2/1404ھ، ص17.

[4] - محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية ين المسلمين، دار القلم دمشق، سوربا، ط2/1996م،ص200.

[5] - المنتظري، نظام الحكم في الإسلام، تحقيق، لجنة الأبحاث الإسلامية، قم، إيران، ط1/1380ش، ص179.

[6] - شفيق جرداي،الدولة المدنية والدولة العلمانية.. دراسة في المفاهيم، (تاريخ النشر،11- 4- 2011م)، أنظر الرابط:                       akhbar.com/node/11812  http://al->

[7] - هيثم مزاحم، الإمام محمد مهدي شمس الدين، ولاية الفقيه على نفسها،( تاريخ النشر، 30-3-2012م)، أنظر الرابط:        http://www.shafaqna.com/arabic/marjeiats/item/5599

[8] - المصدر السابق، أنظر الرابط: http://www.shafaqna.com/arabic/marjeiats/item/5599

[9] - ليلى نقولا الرحباني، العالم العربي والديمقراطية إشكالية الإسلام والديمقراطية،( تاريخ النشر، 26-4- 2012)، أنظر الرابط:  http://www.leilanicolas.com/2012/04/blog-post_6981.html

[10] - محمد مهدي شمس الدين، في الإجتماع السياسي الإسلامي، دار الثقافة للنشر، طهران، إيران، ط1994م، ص139.

[11] - محسن كديفر، تسع نظريات لولاية الفقيه ترصد مسيرة الفكر السياسي الشيعي، عرض، ميرزا الخويلدي،(تاريخ النشر، 21-9-2013م)، أنظر الرابط:

http://www.rasid.com/?act=artc&id=20851

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4825 المصادف: 2019-11-21 01:34:31