 دراسات وبحوث

أسس الدولة المدنيّة عند سيد قطب

بدر الدين شيخ رشيدأولا: الشورى:

أهمية الشورى في المجتمع عند سيد قطب:

يعتبر سيد قطب أن الشورى أصل من أصول الحياة في الإسلام وهو أوسع من دائرة الحكم، بل هو قاعدة حياة الأمة المسلمة بدليل قوله تعالى:﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية:«إن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاماً سياسياً للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها إفرازاً طبيعيا للجماعة» .

فالشورى من أحسن الأساليب لتوعية الرأي العام وتنويره، وتعزيز عوامل الحب والثقة بين الحاكم والمحكومين، والقائد والمقودين، والرئيس والمرؤوسين، وهو خير أسلوب في الحكم لعزل الشكوك، ونفي الهواجس وإزالة الأوهام، ووقف الشائعات التي تنمو عادة في ظل الاستبداد وتنتشر في عتمة الغوغائية، كما يساهم في علاج ضروب الكبت الضاغطة، وكوامن الأحقاد الدفينة، وتطيح بكثير من الكظوم الخفية، وتدفع رعايا الدولة للعطاء والحرص على ترسيخ النظام، وصدق الولاء، كما أن نظام الشورى تذكير للأمة بأنها هي صاحبة السلطان وتذكير لرئيس الدولة بأنه وكيل عنها في مباشرة الحكم والسلطان، بالإضافة إلى ذلك، أنه يمثل عملا سياسيا ضروريا لنجاح الدولة في تدبير شئون الأمة، وهي تشكل منهجا حيويا يتوقف عليه انتصار الحق في المجتمع، والتزام السداد في شؤونه، كما يتوقف عليه احترام العقل في الدولة واحترام الإنسان في ظلها، علاوة على ذلك، فإن لمجتمع الإسلامي يتقبل الآراء وفقا لجدارتها، وبمقدار انسجامها مع عقيدة الأمة ودستور الدولة، تلك الدولة التي من شأنها أن تمنح الأفراد قدرة على ابتكار الأفكار الجديدة، والآراء الناضجة، وأن الدولة التي تنفذ الأمور دون معرفة بالحقائق المتصلة بها، واستيعاب الظروف والملابسات المحيطة بها، ودون الالتفات إلى رأي الأمة وسماع وجهة نظرها عن طريق ممثليها إنما تقوم بمغامرة غير مأمونة في نتائجها، ولا سليمة في نهايتها، ولن تتوصل إلى حلول منطقية مبنية على أسس سليمة، ومن هنا، فإن الإلمام بالواقع يمثل أمرًا شديد الأهمية في فن الحكم، فكل قرار سياسي مهما بلغت كفاءة الرئيس الذي يصدره ومكانته السياسية العالية سوف يكون حتما وبالتأكيد قرارا خاطئا إن هو أخطأ في معرفة الواقع الذي يعالجه، وهذه القاعدة لا تنطبق على القرارات السياسية وحدها، بل تنطبق أيضا على كل قرار أيا كان نوعه وفي أي مجال من مجالات الحياة البشرية؛ في السياسة والإدارة، في الحياة العامة أو الخاصة على حد سواء، والقرآن الكريم يرشدنا إلى هذه الحقيقة في عدد من الآيات التي تؤكد على ضرورة التثبت والتبين والتأني والبعد عن الاستعجال، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، كما أن من فوائد الشورى أنه ضمانة سياسية لاستقرار الدولة وحمايتها من عوامل الضعف، وهي سبيل رئيسي لسلامة المجتمع من الفوضى، وسلامة الدعوة الإسلامية من العثار حين أداء دورها العظيم في العالم، وهي تتطلب انتخاب الهيئة القيادية السياسية والاجتماعية لمراقبة الخطوط الأساسية وضبطها طبقا لأحكام الشريعة التي تجسد المصالح الحقيقية للأمة .

الشورى وعلاقته بين الحاكم والمحكوم:

إن مبدأ الشورى في الدولة الإسلامية عند سيد قطب له اعتباران:

الأول: اعتبار من حيث الاختيار، فالحاكم يختار من الأمة عن طريق الشورى، ويتم الممارسة بها عن طريق الاستفادة بالأسالب الحديثة الذى أنتجته قريحة الحضارة الغربية، كالديموقراطية؛ لأنه من تجارب البشرية؛ إذ العلوم لا يختص به قوم دون آخر.

الثاني: اعتبار من حيث أن الشورى علاقة بين الحاكم والمحكوم حتى بعد الانتخاب، فالحاكم لا يأخذ القرارات إلا بعد المشاورة، وهي واجبة عليه والالتزام برأي الأكثرية، ويستفاد هذا الوجوب والالزام من آية الشورى، وهي قوله تعالى:﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فمعنى الآية يفيد القصر، وهو ما يطلق عند أهل البلاغة قصر الموصوف على الصفة، حيث قصّر الأمر - وهو ما يتعلق بشؤون الدنيا – بالشورى، فيفيد هذا القصر أن الحاكم يلزم عليه الشورى ويتقيد بها؛ لأنه أمر مرتبط بالأمة جميعا.

ثم إن الأمر في الآية يفيد الوجوب، ابتداءً وانتهاءً، ولا قرينة صارفة له عن ذلك، حيث قرن بالصلاة والزكاة، وهما واجبتان، وهذا الاقتران في النَظْم يوجب القِران في الحكم، وإلا لم يكن لهذا الاقتران من معنى ولا مناسبة، بالإضافة إلى ذلك، فإن مقتضى الآية يفيد وجوب الالتزام من جهة القرارات، بما ترى فيه الأغلبية، وإلا كانت الشورى أمراً صورياً، وهذا مناف لمقصد الشارع، وهادم لأصل تكويني من مكونات البنية السياسية لمؤسسة الحكم في الإسلام، فضلاً عن كون الصورية ضربا من العبث نزهت الشريعة عنه .

ومن الأدلة العقلية التي ترجح وجوب الشورى بداهة هو القاعدة الفقهية المشهورة، والتي تقول: ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب في ذاته، ويستفاد من ذلك، بما أوجب الله سبحانه وتعالى على الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما كان للأمة أن تقوم بهذا الواجب للحاكم، إلا في وجود قناة شرعية مناسبة لتنظيم هذا التناصح وضبطه، وما الشورى إلا ذلك الشريان الذي يصل بين الأمة ووكيلها في الحكم، وبالتالي فإن قناة الشورى فرض على ولي الأمر أن يفتحها لتمرير النصيحة من الأمة التي هي في ذاتها فريضة إلهية؛ لأن أيّ تقصير من الحاكم في فعل الشورى، يفضي بلا شك، للاستبداد والظلم .

الزام الحاكم بالشورى:

هناك اختلاف بين العلماء حول مبدأ الشوري هل هو ملزم على الحاكم أم هو للاستيضاح أو بعبارة المعاصرة : هل هو مُعْلَم؟

ولكل وجهته من الاستدلال في النصوص من القرآن والسنة، إلا أنه يظهر لي أن الوجوب هو الأقرب إلى مقاصد الشريعة بالشورى في اصلاح الأمة؛ لأنه إذا قلنا: إن الشورى أمر غير ملزم على الحاكم فهو يفتح باب الاستبداد للحكام، وهي العلة الرئيسية التي أدت في العالم الإسلامي، إلى التخلف والانهيار.

هذا، وقد ذهب كثير من العلماء المتقدمين والمعاصرين إلى لزوميّة الشورى ووجوبه:

أ- المتقدمون:

يقول الإمام فخر الرازي في معنى الآية: ظاهر الأمر يقتضي للوجوب .

وقال النووي: «والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققوا الأصول أن الأمر للوجوب» .

وقال الجصاص الحنفي في تفسيره بأحكام القرآن معقبا على قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ : وهذا يدل على أننا مأمورون بها .،

يقول العالم الأندلسي بن عطية: أن الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه .

ب- المعاصرون:

ومن المعاصرين الذين أوجبوا الشورى على الحاكم:

الشيخ الطاهر بن عاشور، يقول: «مجموع كلام الجصاص يدل على أن مذهب أبي حنيفة وجوبها .

ويقول الشيخ رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ : إن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه .

ويقول الإمام حسن البنا:«ومن حق الأمة الإسلامية أن تراقب الحاكم أدق مراقبة، وأن تشير عليه بما ترى فيه من الخير وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها، وأن يأخذ بالصالح من آرائها، وقد أمر الله الحاكمين بذلك فقال:﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾، وأثنى على المؤمنين خيرًا فقال: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾، ونصت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الأستاذ أبو الأعلي المودودي: وخامس قواعد الدولة الإسلامية، حتمية تشاور قادة الدولة وحكامها مع المسلمين والنزول على رضاهم ورأيهم وإمضاء نظام حكم الشورى .

وقال الأستاذ عبد الكريم زيدان:«نظرا لضرورات الواقع، وتغير النفوس، ورقة الدين، وضعف الإيمان، وندرة الأكفاء الملهمين، كل هذا، يقتضينا أن نأخذ بالرأي الثاني، فنلزم رئيس الدولة برأي الأكثرية» .

ويقول الدكتور حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة وأستاذ الفلسفة الإسلامية: الإدعاء بأن الإسلام ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن الشورى ليست ملزمة للحاكم، ليس صحيحاً على الاطلاق، فقد سبق الإسلام الأنظمة السياسية المعروفة حالياً، ومنها الديمقراطية، في إتاحة المشاركة السياسية لكل أفراد الأمة، ولم يضع عليها أية قيود تعطل فعاليتها .

ثانيا: العدل:

يعتبر سيد قطب العدل من المبادئ الأساسية للحكم؛لأنه يكفل تماسك الجماعة والجماعات، واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب، والثقة بالمعاملات والوعود والعهود، فهو قاعدة ثابتة للتعامل، لا يميل مع الهوى، ولا تتأثر بالود والبغض، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب، والغنى والفقر، والقوة والضعف، إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للجميع، فالعدل ليس شرطا من شروط الحاكم فحسب، بل مهمته لينشئ أمة ودعوة عالمية إنسانية لا تتعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس، بل العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية .

فالعدل المطلوب عند سيد قطب هو عدل مطلق لا يميل ميزانه بالحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة والشنآن، وهو العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد ولا بالتباغض بين الأقوام، فيتمتع به أفراد الأمة جميعا، لا يفرق بينهم حسب ولا نسب ولا مال ولا جاه، كما يتمتع به الأقوام الأخرى، ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن، وتلك هي قمة في العدل لا يبلغها أي قانون دولي إلى هذه اللحظة .

ينبغي أن نشير إلى أن العدل أعم من العدالة؛إذ أن مطلق العدل لله سبحانه وتعالى، وبالتالي فهي صفة طبيعة للأمة بجعل من الله، كما قال تعالى:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فالوسط في معنى الآية، يعنى به العدل، يقول سيد قطب في تفسير الآية:«إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً فتقيم بينهم العدل والقسط؛ وتضع لهم الموازين والقيم؛ وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد؛ وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول:هذا حق منها وهذا باطل، لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها، وهي شهيدة على الناس في مقام الحكم العدل بينهم» .

لهذا، فالعدل كمبدأ من مبادئ الحكم مطلوب، كما أن العدالة كشرط أساسي للحاكم مطلوب به أيضا في كل ولاية، كما هو مقرر لدى علماء المتكلمين والفقهاء، كأن يتصف الحاكم من حيث الديانة بالأخلاق الفاضلة، وأن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً المآثم، بعيداً من الريب، مأموناً في الرضا والغضب،مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه .

نماذج من مباحث العدل في القرآن عند سيد قطب:

من المعلوم أن العدل المطلق صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وهو يتحقق في الآخرة عند ما يقضي الله بين الخلائق بعدله وقسطه، فيحكم بينهم بالعدل فيجزئ المحسن بإحسان والمسيئ بما يستحق، أما في الدنيا فالعدل من الخلق أمر نسبيّ يتفاوت حسب مرتبة خلقه، فالأنبياء هم الأوفي قسطا في تحقيق العدل بين الخلق، ثم الأمثل فالأمثل، هذا، وسنشير هنا بعض النماذج من الأمر بالعدل الواردة في ظلال القرآن:

العدل في القضاء:

أشار سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، إلى أن المراد بالحق هو الحكم العدل والقول الفصل، بخلاف ما عداه من أقوال الناس وتصوراتهم ومناهجهم وقيمهم وموازينه، وأنه بغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد، لا يستقيم أمر هذه الحياة، ولا ينتهي الناس من الخلاف والفرقة، ولا يقوم على الأرض السلام، ولا يدخل الناس في السلم بحال، كما أشار سيد قطب إلى حقيقة قيمة العدل في تحديد الجهة التي يتلقى منها الناس في تصوراتهم وشرائعهم، والتي ينتهون إليها في كل ما يشجر بينهم من خلاف في شتى صور الخلاف؛ لأن هذا الكتاب أنزله الله بالحق، وهو كتاب واحد في أصل حقيقة التوحيد الذي من أجله بعث به الرسل جميعاً،كما يحمل تصورا واحدا في قاعدته: بإله واحد، ورب واحد، ومعبود واحد، ومشرّع واحد لبني الإنسان جميعا .

العدل في مكاتبة الدين:

أشار سيد قطب إلى أهمية العدل في مكاتية الدين، فهي أمر مفروض بالنص، غير متروك للإختيار في حالة الدين إلى أجل، ولهذا يتعين شخص ثالث ليس أحد المتعاقدين يقوم بكتابة الدين، احتياطا وحيادة لأمر كتابة الدين، وعلى هذا فالكاتب مأمور أن يكتب بالعدل، فلا يميل مع أحد الطرفين، ولا ينقص أو يزيد في النصوص التزاما بالعدل .

العدل في المعاشرة الزوجية:

يقرر القرآن العدل في المعاشرة الزوجية فيما يستطيع المرء من نفقة ومعاملة حسنة ومعاشرة طيبة، من حيث العدل في المعاملة، والعدل في القسمة، والعدل في النفقة، والعدل في الحقوق الزوجية كلها، حتى الإبتسامة في الوجه، والكلمة الطيبة باللسان.

أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس فلا يطالب به أحد من بني الإنسان؛ لأنه خارج عن إرادة الإنسان.. وهو العدل الذي قال الله عنه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، فالعدل المطلوب في الآية هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة وسائر الأوضاع الظاهرة بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شيء منها، وبحيث لا تُؤْثَر واحدة دون الأخرى بشيء منها. فالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أرفع إنسان عرفته البشرية يقوم به في الوقت الذي لم يكن أحد يجهل من حوله ولا من نسائه أنه يحب عائشة - رضي الله عنها - ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة لا تشاركها فيها غيرها؛ لأن القلوب ليست ملكاً لأصحابها، إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقد كان صلى الله عليه وسلم، يعرف دينه ويعرف قلبه، فكان يقول:«اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » .

العدل في الإدلاء بالشهادة:

الشهادة أهم عنصر من عناصر اثبات الحقوق بين الناس ولهذا يطلب إقامة الشهادة بالعدل؛ لأنه يترتب حسب إدلائها اثبات حق أو ابطال حق، و لهذا اشترط الشرع من الشهود بالعدالة مع عدد معيّن، حيث لا يقل عدد الشهود في المعاملات والأحوال الشخصية عن اثنين من أهل العدل، وبعضها أوْصَل عدد الشهود إلى أربعة أشخاص كالاشهاد على الزاني المحصن، وهذا يدل على حرص الشارع بالعدل في الشهادة.

علاوة على هذا، فقد توعد الله على الكاتمين الشهادة بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .

ثالثا: الطاعة:

تَحَدَّثَ سيد قطب عن المبدأ الثالث من مبادئ الحكم الإسلامي، وهو مبدأ الطاعة، ويقصد بها طاعة المحكومين للحاكم، حيث تجب على الأمة طاعة الحاكم إذا توافر لديه شرطان:

الأول: اعترافه بحاكمية الله وحده أى أن الله وحده هو المشرع ابتداء، وقيّدنا بالابتداء لما أن الفقهاء لهم دور في التشريع في الحوادث المستجدة من خلال الاجتهاد.

الثاني: تنفيذه لشريعة الله، فإذا لم ينفذها سقطت طاعته ولم ينفذ أمره، وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) .

وأيضا قوله صلى لله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا - وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة- ما أقام فيكم كتاب الله تعالى) .

فالحديث الأول يفيد أن الطاعة للحاكم تكون في المعروف، فيما يفيد الحديث الثاني أن السمع والطاعة للحاكم موقوفة بإقامة كتاب الله تعالى؛ إذ ليس له حق الطاعة لو ترك شريعة الله .

هذا، وتقييد طاعة الحاكم بكتاب الله وبالمعروف يفيد تقييد سلطته؛ لأنه ما دام الحاكم غير معصوم فهو معرّض للخطأ، وبالتالي فعدم تقييد سلطته يؤدي إلى الاستبداد، وعلى هذا، فالحديث الأول الدال على عدم طاعة الحاكم في المعصية يفيد بأن الأمة صاحبة السلطة، وبالتالي فهي تقيد سلطته لئلا يؤدي إلى الإستبداد.

إذن، فالسمع والطاعة المطلقان يقتصران في حق النبي صلى الله عليه وسلم، أما ما عدا ذلك، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم هو علاقة دستورية تنظم وظيفة كل منهما.

وعلى الرغم من نفي سيد قطب الدولة الدينية في نظام الحكم في الإسلام، إلا أنه حسب صياغته لمبدأ السمع والطاعة يلاحظ منه دينية الدولة، وبالتالي تتولد منه الدولة المستبدة باسم الدين.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4830 المصادف: 2019-11-26 00:54:49