 دراسات وبحوث

وجوب نصب الإمامة على الله من جهة اللّطف عند الإماميّة

بدر الدين شيخ رشيدتعريف اللطف: قال ابن منظور[ت711ھ/1311م] في لسان العرب:« لطف: اللَّطِيف صفة من صفات اللّه، وإسم من أَسمائه. وفي التنزيل: ﴿اللّه لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز﴾.[الشورى:19] ومعناه: الرفيق بعباده. قال أَبو عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك أَربك في رِفْق واللُّطفُ من اللّه تعالى التوفيق والعِصمة.

وقال ابن الأَثير [ت:662ھ/1263م] في تفسيره اللَّطِيف: «هو الذي إجتمع له الرِّفق في الفعل والعلمُ بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدّرها له من خلقه.

وقال ابن الأَعرابي [ت:231ھ/845م] لَطَفَ فلان يَلْطُف، إذا رَفَق لُطْفا.ً ويقال لَطَف اللّه لك أَي أَوْصَل إليك ما تُحِب برِفْق. وفي حديث الإفك: «ولا أَرَى منه اللطف الذي كنت أَعرفه» أَي:الرِّفق والبر »[1].

وفسر الأصفهاني[ت: 502ھ/1108م]: اللطف إذا وصف به الجسم فضد الجثل، وهو الثقيل، يقال شعر جثل أي كثير، ويعبر باللطافة، واللطف عن الحركة الخفيفة وعن تعاطى الأمور الدقيقة، وقد يعبر باللطائف عما لا تدركه الحاسة. ويصح أن يكون وصف الله تعالى به على هذا الوجه. وأن يكون لمعرفته بدقائق الأمور، وأن يكون لرفقه بالعباد في هدايتهم[2].

وقال الألوسي[ت:1270ھ/1853م] في تفسير معنى اللطيف، في قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير﴾[الأنعام:103] :« فيدرك سبحانه ما لا يدركه الأبصار. فالجملة سيقت لوصفه تعالى بما يتضمن تعليل قوله سبحانه: ﴿وهواللطيف الخبير﴾[الأنعام: 103]. وجوز غير واحد أن يكون ما ذكر من باب اللف. فان اللطيف يناسب كونه غير مُدْرَكْ بالفتح،  والخبير يناسب كونه تعالى مدركا بالكسر. واللطيف مستعار من مقابل الكثيف، لما لا يدركه بالحاسة من الشيء الخفي. ويفهم من ظاهر كلام محمد محي الدين البهائي الحنفي[(ت:951ھ/1544م] - كما قال الشهاب- أنه لا استعارة في ذلك، حيث قال البهائي في شرح أسماء الله تعالى الحسنى : اللطيف الذي يعامل عباده باللطف والطافه جل شأنه، لا تتناهي ظواهرها وبواطنها في الأولى والأخرى كما قال تعالى:﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم﴾ [النحل:18]. »[3].

إشكاليّة اللطف عند الأشاعرة والإماميّة:

تقول الإماميّة والمعتزلة فعل«اللطف» على الله من حيث المبدأ، بخلاف الأشاعرة. ومفاده هو فعل الأصلح على الله نحو عباده. ويترتب على هذا المعنى، وجوب نصب الإمام على الله سبحانه وتعالى. وهذا الوجوب صادر عن الله سبحانه وتعالى عن جهة اللطف، « لا الوجوب بالمعنى المتبادر في أوساط الناس من حاكميّة العباد على الله، وكون تركه مستلزما للذَمِ واللّوم أو العقاب، وعلى ذلك، فالحكم مستكشف العقل بإعتبار ملاحظةِ أوْصَاْفِه الجميلةِ»[4].

ينبغي أن ندرك أن جدليّة مبدأ وجوب اللطف على الله عندالإمامية، إنما هو فرع عن جدليّة التحسين والتقبيح العقليين، والمختلف بين الأشاعرة والإمامية من حيث الإثبات والنفي. وتعنى هذه الجدليّة على أن للعقل دورا في التحسين والتقبيح على أفعال الناس خارج إطار الوحى. ثم إن الشارع يأمر بالحسن الذي إستحسنه العقلُ وينهى عن القبيح الذي إستقبحه العقلُ وبناء على ذلك« فليس عرفانُ الإنسان لها موقوفا على تعلق حكم الشرع، وإنما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالحسن والنهى عن القبيح» [5].

والأشاعرة تخالف عن الإمامية الإيجاب من جهة العقل. قال الإمام الشهرستاني:«الواجبات كلها سمعية. والعقل لايوجب شيئا ولايقتضي تحسينا ولا تقبيحا. فمعرفة الله تعالى بالعقل تحصل، وبالسمع تجب. قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾[الإسراء:15] وكذلك شكر المنعم، وإثابه المطيع، وعقاب العاصي يجب بالسمع دون العقل. ولا يجب على الله تعالى شيء ما بالعقل، لا الصلاح ولا الأصلح ولا اللطف .وكل ما يقتضيه العقل من جهة الحكمة الموجبة، فيقتضي نقيضه من وجه آخر»[6].

أقسام اللطف عند الإماميّة:

قسمت الإماميّة اللطف إلى قسمين: لطف يتعلق إلى أصل الخلقة أى خلقة الإنسان، ويُعْرَفُ به اللطف «المحصل» وهذا اللطف يتعلق إلى مبدأ تكليف الإنسان وذلك بإمتثال أوامره وإحتناب نواهيه. والآخر هو اللطف المقرب، حيث يُقَرِبُ العبدَ إلى الطاعة و يبعده عن المعصية.

أ-  تعريف اللطف المحصل:

قلنا: إن اللطف المحصل هو لطف يتعلق بالخِلْقةِ وهو:«عبارة عن القيام بالمبادي والمقدمات التي يتوقف عليه تحقق غرض الخلقة وصونها عن العبث واللغو، بحيث لولا القيام بهذه المبادي والمقدمات من جانبه سبحانه وتعالى، لصار فعْلُهُ فارغ عن الغاية وناقص حكمته التى تستلزم التحرز عن العبث. وذلك كبيان تكاليف الإنسان وإعطائه القدرة على إمتثاله»[7].

فاللطف المحصل، إنما يقصد به في بعثة الأنبياء والرسل، وذلك لهداية الناس إلى طريق السعادة وتيسير سلوكها ؛ لأن الإنسان أقصر من أن ينال المعارف الحقة، أويهتدي إلى طريق السعادة فى الحياة بالإعتماد على عقله، وبالإستغناء عن التعليم السماوى. وعلى هذا فإن وجوب اللطف بهذا المعنى، ليس موضع مناقشة لدى القائلين بحكمته سبحانه وتنزيهه عن الفعل العبثي الذى إتفق عليه العقل والنقل. وإنما الكلام في اللطف المقرب[8].

ب-  تعريف اللطف المقرب:

عرف المتكلمون اللطف المقرب بتعاريف متقاربة. فقد عرّف القاضي عبد الجبار المعتزلى:« اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أوما يكون عنده أقرب إلى اختيار الواجب وترك القبيح»[9].

كذلك عرف الشيخ السبحاني اللطف بأنه:«عبارة عن القيام بما يكون محصلا لغرض التكليف، بحيث لولاه لما حصل الغرض منه، وذلك كالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، التى تستتبع رغبة العبد إلى العمل وتبٌعده عن المعصية»[10].

وفسر الشريف المرتضي: مراد اللطف عندالإمامية، بأنه الأمر الذى علم الله تعالى من حال المكلف أنه متى وجد ذلك الأمر، كان حاله إلى قبول الطاعات والإحتراز عن المعاصي أقرب، مما إذا لم يوجد ذلك الأمرُ بشرط أن لاينتهي به إلى حد الإلجاء[11].

ج-  التعريف الكامل في اللطف المقرب:

التعريف الكامل في الطلف المقرب يقتضي أن يعرف بأنه:«هيئة مقربة إلى الطاعة ومبعدة عن المعصية، من دون أن يكون له حظ في التمكين وحصول القدرة، ولا يبلغ حد الإلجاء»[12].

فيخرج من القيد الأول(لم يكن له حظ) اللطف المحصل: حيث أن له دخالة فى تمكين المكلف من الفعل، بحيث لولاه لأنتفت القدرة. ويخرج بالقيد الثاني(لا يبلغ حد الإلجاء) الإكراه والإلغام على الطاعة والإجتناب عن المعصية فإن ذلك ينافي التكلف الذى يتطلب الحرية والإختيار في المكلف.[13]

يلاحظ من خلال ما سبق من  تعريف اللطف المقرب، بأنه ليس دخيلا فى تمكين العبد من الطاعة، بل هو قادر على الطاعة وترك المخالفة سواء أكان هناك وعد أم لا. فإن القدرة على الإمتثال رهن التعرف على التكليف عن طرق الأنبياء، مضافا إلى إعطاء الطاقات المادية، والمفروض حصول هذه المبادى والمقدمات. غير أن كثيرا من الناس لا يقومون بواجبهم بمجرد الوقوف على التكليف، ما لم يكن هناك وعد ووعيد، وترغيب وترهيب، فهذا النوع من اللطف قد وقع موقع النقاش بين المتكلمين.

فالإمامية تقول: بوجوب اللطف إذا كان غرض التكليف-لا غرض الخلقة- موقوفا عليه عند الأكثرية الساحقة من المكلفين. فلو فرضنا مثلا، أن غالب المكلفين لا يقومون بتكاليفهم بمجرد سماعهما من الرسل- وإن كانوا قادرين عليها- إلا إذا كانت مقرونة بالوعد الوعيد، والترغيب والترهيب، وجب على المكَلِفِ القيام بذلك صونا للتكليف عن اللغوية، ولو أهملها المُكَلِف لترتب عليه بطلانُ غرضه من التكليف، وبالتالى بطلان غرضه من الخلقة[14].

هذا وقد برهن الشيخٌ السبحاني القول بوجوب اللطف على الله،  بأن الله خلق الخلق، وجعل فيهم الشهوة، فلو لم يفعل اللطف لزم الإغراء وذلك قبيح،(والله لايفعل القبيح). فاللطف هو نصب الأدلة، وإكمال العقل، وإرسال الرسل فى زمانهم، وبعد إنقطاعهم إبقاء الإمام لئلا ينقطع خيط غرضه[15].

ذكر العلامة الحلي نموذحا يكشف مراد اللطف ووجوبه على الله، حيث بين أن المكَلِف(الله)  إذا علم أن المكلَف(العبد) لا يطيع إلا بالطف، فلو كلفه من دونه كان ناقصا لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعام، وهو يعلم أنه لا يجيبه إلا أن يستعمل معه نوعا من التأدب، فإن لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب، كان ناقضا لغرضه فوجوب اللطف يستلزم تحصيل الغرض[16].

وقال الفاضل المقداد:« إنا بينا أنه تعالى مريد للطاعة وكاره للمعصية، فإذا علم أن المكَلَف لا يختار الطاعة أو لا يترك المعصية، أو لا يكون أقرب إلى ذلك إلاعند فعل يفعله به، وذلك الفعل ليس فيه مشقة ولا غضاضة، فإنه يجب فى حكمته أن يفعله، إذ لو لم يفعله لكشف ذلك إماعن عدم إرادته لذلك الفعل، وهو باطل ... أو عن نقص غرضه إذا كان مريدا له. لكن ثبت كونه مريدا له، فيكون ناقصا لغرضه. ويجرى ذلك فى الشاهد مجرى من أراد حضور شخص إلوليمة،  وعرف أوغلب على ظنه أن ذلك الشخص لا يحضر إلا مع فعل يفعله من إرسال رسول أو نوع أدب أو بشاشة أو غير ذلك من الأفعال، ولا غضاضة عليه فى فعل ذلك، فمتى لم يفعل عدّ ناقصا لغرضه، ونقص الغرض باطل؛ لأنه نقص، والنقص عليه تعالى محال؛ ولأن العقلاء يعدونه سفها وهو ينافي الحكمة»[17].

فالمعتزلة من جانبها توافق الإمامية القول باللطف، غير أنها لم توظف-كالإماميّة- اللطف في مورد وجوب نصب الإمام على الله. وقد إستدل القاضي عبد الجبار المعتزليّ القول باللطف بالمنطق الذي إستدلت به الإمامية فقال:«إنه تعالى كلف المكلف، وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، وعلم أنّ في مقدوره ما لو فعل به لأختارعنده الواجب واجتنب القبيح، فلابد من أن يفعل به ذلك الفعل، وإلا عاد بالنقض على غرضه، وصار الحال فيه كالحال فى أحدنا إذ أراد من بعض أصدقائه أن يجيبه إلى طعام قد إتخذه، وعلم من حاله أنه لايجيبه، إلا إذا أبعث إليه بعضَ أعزته من ولد أو غيره، فإنه يجب عليه أن يبعث حتى إذا لم يفعل عاد بالنّقض على غرضه وكذلك ههنا»[18].

وينبغي أن ندرك أن وجوب اللطف على الله يقتضي إذا كان اللطف يؤثر الأكثرية من الناس في الطاعة. أما إذا كان القليل منهم، لا يتمثل إلا فى ظروف خاصة، كاليسار في الرزق، أو كثرة الرفاه، فالظاهرأنه يجب من باب الجود والتفضل. وبذلك يعلم أن اللطف المقرب إذا كان مؤثرا فى رغبة الأكثرية بالطاعة وترك المعصية، يجب من باب الحكمة. وأما إذا كان مؤثرا في آحادهم المعدودين فالقيام به من باب الفضل والكرم[19].

أدلة اللطف من كلا النوعين (المحصل والمقرب):

أستدلت الإماميّة على وجوب اللطف بأدلة من القرآن، وبعض أقوال الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه.  فقد إستدلوا على وجوب اللطف  قوله تعالى:﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات  لعلهم يرجعون﴾[ الأعراف:178]، وقوله تعالى: :﴿وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون﴾[الأعراف:84].

ووجه دلالة الآية الأولى في اللطف عند الإمامية قائم على أن المراد من الحسنات والسيئات يقصد نعماء الدنيا وضرآئها، إذ أن هدف إبتلائهم بهما إنما هو رجوعهم إلى الحق والطاعة.

أما دلالة الآية الثانية في اللطف فهو أن الله تعالى أرسل رسله لإبلاغ تكاليفه إلى العباد وإرشادهم إلى طريق الكمال (اللطف المحصل) غير أن الرّفاه والرخاء والتوغل فى النعم المادية، ربما يسبب الطغيان وغفلة الإنسان عن هدف الخلقة وإجابة دعوة الأنبياء. فأقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ويبتهلون إلى الله تعالى. ولأجل ذلك نشهد أن الأنبياء لم يكلفوا بإقامة الحجة والبرهان والإتيان بالمعاجز فقط،  بل كانوا – مضافا إلى ذلك- مبشرين ومنذرين وكان الترغيب والترهيب من شؤون رسالتهم قال تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين﴾[النساء:165] [20].

وقد إستدلت الإماميّة أيضا  بعض كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهو قوله:« أيها الناس إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على أداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرِّفهم ما لهم وما عليهم. والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهى(إشارة إلى اللطف المحصل). والأمر والنهى لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب، والوعيد لايكون إلا بالترهيب، والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم وتلذّه أعينهم، والترهيب لا يكون إلا بضدّ ذلك»[21].

ووجه الدلالة في اللطف من كلامه رضي الله عنه هو قوله:«والأمر والنهى لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، إشارة إلى أن إمتثال الأمر والنهي ونفوذهما فى نفس الناس يتوقف على الثواب والعقاب، فلولاهما، لما كان هناك حركة  إيجابية نحو التكليف، إلا من العارفين الذين يعبدون الله تعالى لا رغبة ولارهبة، بل لكونه مستحقا للعبادة»[22]

اللطف المقرب هو الذي يقتضي وجوب نصب الإمام على الله عند الإمامية:

إستدلت الإمامية على وجوب نصب الإمام على الله سبحانه: بأن وجود الامام الذى إختاره الله سبحانه وتعالى مقرب من الطاعات ومبعد عن المعاصى. والمراد من الطف المقرب هو: أن رحلة النبى صلى الله عليه وسلم، تترك فراغات هائلة بين الأمة فى مجال العقيدة والشريعة، كما تترك جدالا ونزاعا عنيفا بين الأمة فى تعيين الإمام. وعلى هذا، فالواجب على الله سبحانه وتعالى من باب اللطف، هو سد الفراغات بنصب من هو صنو النبي صلى الله عليه وسلم في علمه بالعقيدة والشريعة، وفي العدالة والعصمة، والتدبير والحنكة، وحسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولمّ شعث الأمة وجمعهم على خط واحد[23].

هذا«وقد إستدلت الإمامية على وجوب نصب الإمام على الله سبحامه وتعالى: بأن وجود الإمام الذى إختاره الله سبحانه وتعالى، مقرب من الطاعات، ومعبد عن المعاصى... لأن الإمامة هي إمرة إلهيّة وإستمرار لوظائف النبوة كلها، سوى تحمل الوحى الإلهيّ»[24].

قال العلامة الأمينى:«الذى نرتئيه أنها(أي الإمامة)، إمرة إلهية كالنبوة وإن كان الرسول خص بالتشريع والوحى الإلهى. وشأن الخليفة: التبليغ والبيان، وتفصيل المجمل وتفسير المعضل وتطبيق الكلمات بمصاديقها، والقتال بالتأويل[25] - كما قاتل النبي صلى الله عليه وسلم بالتنزيل- وإظهار ما لم يتسنّ للنبىّ الإشادة به، إما لتأخر ظرفه أو لعدم تهيّؤ النفوس له أو لغير ذلك من العلل. فكل منهما داخل فى اللطف الإلهى الواجب عليه، بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية، ولذلك خلقهم واستعبدهم وعلمهم ما لم يعلموا، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلهم الأمل. ولكن خلقهم ليعرفوه، وليمكنهم من الحصول على مرضاته، وسهّل لهم الطريق إلى ذلك، ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة»[26].

فإذا نظرنا إلى الوجه الذي قررت به الإمامة في وجوب نصب الإمام على الله من جهة اللطف عند الإماميّة نجد أنه إستدلال منطقيٌّ مقبول. ويدل منطقيّة نظرية اللطف عند الإمامية كلام العلامة الأميني حيث قال:«وبما أن أى نبى لم يُنَط عمره بمنصرم الدنيا ولا قدِّر له البقاء مع الأبد وللشرائع ظروف مديدة، كما أن للشريعة الخاتمة أمدا لا منتهى له، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كل منهما نفوس لم تكمل بعد وأحكام لم تبلّغ وإن كانت مشرعة، وأخرى لم تأت ظروفها، ومواليد قدر تأخير تكوينها ليس من المعقول بعد، أن تترك الأمة سدى والحالة هذه، والناس كلهم فى شمول ذلك اللطف الواجب عليه سبحانه شرع سواء. فيجب عليه جلّت عظمته، أن يقيّض لهم من يكمل الشريعة ببيانه، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه، ويجلوا ظلم الجهل بعرفانه، ويدرأ عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه»[27].

وجوب اللطف على الله يقتضي من باب الحكمة:

فالقول بوجوب اللطف على الله عند الإماميّة ليس على إطلاقه، بل الحق هو التفصيل بين ما يكون مؤثرا فى تحقيق التكليف بشكل عام بين المكلفين فيجب من باب الحكمة، وإلا فيرجع إلى وجوده وتفضله من دون إيجاب عليه[28].

هذا وقد قرر الشيخ المفيد[ت: 413ھ/1022م] بأن القول باللطف إنما وجب من باب الجود والكرم، لا من حيث أن العدل أو جبه، وأنه لو لم يفعله لكان ظالما[29].

وهذا الوجوب اللطفيّ على الله، ليس المراد منه إصدار الحكم من العباد على الله سبحانه وتعالى، حتى يقال:﴿إن الحكم إلا لله﴾[يوسف:40] بل المراد منه هو أن العقل حسب التعرف على صفاته سبحانه وتعالى من كونه حكيما غير عابث، يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم نصب الإمام، وإلا فالعباد أقصر من أن يكونوا حاكمين على الله سبحانه[30]. وعلى هذا فإن إيجاب اللطف على الله عند الإماميّة، يكون من باب الجود والكرم، إذا كان راجعا إلى أحاد المكلفين. أما إذا كان راجعا إلى تأثير الأكثرية الساحقة من المكلفين فيكون واجبا«ثم إن المراد من وجوب اللطف على الله سبحانه وتعالى، ليس ما يتبادر إلى أذهان السطحيين من الناس من حاكمية العباد على العباد مع أن له الحكم والفصل، بل المراد إكتشاف الوجوب من أوصافه تعالى. فإذا علمنا بدليل -عقلى قطعي- أنه تعالى حكيم إستتبع ذلك واستلزم العلم بأنه لطف بعباده حيثما يبطل غرض الخلقة أو غرض التكليف لولا اللطف»[31].

اللطف المحصل أولى من اللطف المقرب عند الشيخ السبحاني:

إذا أخذنا رؤية الشيخ السبحاني، فهو يرى أن اللطف المحصل أولى من اللطف المقرّب في وجوب اللطف على الله؛ لأن اللطف المحصل يتعلق بالخلقة، إلا أنه أكد أن كلا اللطفين هو من شؤون حكمة الله، وبناء على ذلك «فمن وصفه سبحانه بالحكمة والتنزه عن اللغو والعبث لا مناص له عن الإعتقاد بهذه القاعدة، غير أن القول بوجوب اللطف في المحصل أوضح من القول به فى المقرب»[32].

 

د. بدر الين شيخ رشيد إبراهيم

.....................................

[1] -  ابن منظور،لسان العرب، «مادة لطف»، دار الحديث القاهرة، مصر1423ھ،/2003م ج8/ص82.

[2] - الأصفهانى، المفردات فى القرآن الكريم، «مادة لطف»، تحقيق، محمد سيد كيلاني، شركة مطبعة مصطفى البابي واولاده بمصر، الطبعة الأخيرة،،1381ھ/1961م  ص450.

[3]- الألوسى،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني دار إحياء التراث العربي، بيروت،  لبنان،ط4/1405ھ /1985م،ج7/ص248.

[4] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل‘ مؤسسة النشر الإسلامى، قم إيران، ط4/1417ھ‘ ج3/ص370.

[5] - المصدر السابق، ج2/ص290.

[6] - الشهرستاني، الملل والنحل، محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ج1/ص102.

[7] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل،مؤسسة النشر الإسلامى، قم،إيران، ط4/1417ھ، ج3 ص371

[8] - المصدر السابق، ج3ص371

[9] - القاضى عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق، الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، مكتبة وهبة، القاهرة مصر، ط2/1408ھ/ 1988 م،ص519.

[10] - السبحانى، بحوث فى الملل ولنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم، إيران، ط4/1417ھ ج3ص371.

[11] - الرازى، الأربعين فى أصول الدين، مطبعة دار التضامن للقاهرة،  مصر، ط1/1986م،  ص258-259 .

[12]- المصدر السابق، ج3/ ص373  .

[13] - الحلي، العلامة الحليّ، كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد، تحقيق،آية الله حسن زاده الآملي،  سلسلة الكتب العقائدية(175)  إعداد مركز الأبحاث العقائدية، : المقصد الثالث: في إثبات الصانع تعالى وصفاته وآثاره‘ المسألة الثانية عشرة، في اللطف وماهيته وأحكامه، ص445، الموقع: http://www.aqaed.com\sgialib\books\02\kashf_m2-27htm#ksh195 ، وأنظر: السبحانى بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى،  قم، إيران، ط4/ 1417ھ، ج/3ص372

[14] - السبحانى  بحوث فى الملل والنحل مؤسسة النشر الإسلامى،  قم، إيران، ط4/ 1417 ج3/ص372.

[15] - المصدر السابق، ج6/ ص270-271 .

[16] -  الحلي، العلامة الحليّ كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد، تحقيق آية الله حسن زاده الآملي،  سلسلة الكتب العقائدية(175)  إعداد مركز الأبحاث العقائدية، : المقصد الثالث: في إثبات الصانع تعالى وصفاته وآثاره‘ المسألة الثانية عشرة، في اللطف وماهيته وأحكامه، ص445، أنظر:  الموقع: http://www.aqaed.com\sgialib\books\02\kashf_m2-27htm#ksh195

[17] - الفاضل المقداد،إرشاد الطالبين ص 277- 278 نقلا عن،بحوث فى الملل  والنحل مؤسسة النشر الإسلامى،  قم، إيران، ط4/ 1417،ج3 ص375 .

[18] - القاضى عبد الجبار، شرح أصول الخمسة، تحقيق، الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2/ 1408ھ/ 1988م، ص 521.

[19] - السبحانى، بحوث فى الملل ولنحل، مؤسسة النشر الإسلامى  قم إيران،ط4/  1417ھ، ج3/ ص374.

[20] -  المصدر السابق،ج3ص373 -374.

[21] - المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان، ط2/ص1983م ج5ص 316.

[22] - السبحانى، بحوث فى الملل ولنحل، مؤسسة النشر الإسلامى  قم إيران،ط4/  1417ھ، ج3ص373 -374

[23]  المصدر السابق، ج6/ص 286

[24] - المصدر السابق،.ج6/285-286.

[25] - وبهذا عرّف النبى صلى الله عليه وسلم على بن ابى طالب بقوله: «إن فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله» قال أبوبكر: أنا يارسول الله؟! قال:«لا». قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟! قال :«لا»، ولكن خاصف النعل» وكان أعطى عليا نعله يخصفها. أخرجه جمع من الحفاظ وصححه الحاكم والذهبى. أنظر: الحاكم النيسابوري، محمد بن عبدالله أبو عبدالله(321ھ/405ھ)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت،  ط1/1411ھ/1990م، ج3/132.

[26] - الأمينى، الغدير فى الكتاب والسنة والأداب، مركزالغدير للدراسات الإسلامية قم إيران، 1416ھ/1995م ج7 ص180

[27] -  المصدر السابق، ج7 ص180.

[28] - السبحانى بحوث فى الملل ولنحل، مؤسسة النشر الإسلامى  قم إيران، ط3/ 1417ھ،ج3 ص376 .

[29] - المفيد، الإمام، محمد بن محمد بن النعمان بن المعلم أبي عبد الله، الكعبري، البغدادي، أولا ئل المقالات في المذاهب والمختارات، مسـألة:

القول في اللطف والأصلح، تحقيق، إبراهيم الأنصاري، الزنجاني، الخويئني، سلسلة الكتب العقائدية(188) إعداد مركز الأبحاث العقائدية، ص59.  الموقع: http://www.aqaed.com\shialib\books\02\mmfd4-03html#fd029  أنظر: السبحانى بحوث فى الملل والنحل ج3 ص377

[30] -السبحانى،  بحوث فى الملل والنحل،  مؤسسة النشر الإسلامى  قم إيران،ط3/ 1417ھ،ج6 ص283-284 .

[31] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى  قم إيران،ط3/1417ھ، ج3/ ص377

[32] - المصدر السابق، ج3/ ص376-377

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4834 المصادف: 2019-11-30 08:44:09