 دراسات وبحوث

وجوب نصب الإمامة على الأمة من جهة التكليف الكفائي عند الأشاعرة

بدر الدين شيخ رشيدبيّن الإمام الماورديّ أن الإمامة فرض كفاية كطلب العلم والجهاد، إذا قام البعض سقط الفرض عن الباقين[1].

وقد عرّف الفقهاء  الفرض الكفائي بأنه:المتحتم المقصود حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله. ويتناول الفرضُ الكفائي بالأمور الدينية كصلاة الجنازة، والأمور الدنيوية، كالصنائع المحتاج إليها وخرج المسنون؛ لأنه غير متحتم، كما يخرج أيضا فرض العين؛ لأنه منظور بالذات إلى فاعله[2].

إلا أن بعض الفقهاء إستشكلوا في مفهوم فرض الكفاية؛ لما يؤدى به إلى التعميم. وتقريره ينبني على أنه كيف يجب فرض الكفاية على جملة المكلفين دون تعيين القائم به؟ وذلك؛ لأنه أمر مبهم لايُعْرَفُ من يقوم به بحيث أن تعميمه قد يؤدي إلى سقوطه. وعلى هذا، فالأولى أن يخصص بفعل فرض الكفاية على المسلمين العَاْلِمِيْنَ به، سواء كانوا كل المسلمين شرقا ومغربا أو بعضهم. بحيث يجب على كل واحد من العالمين به بطريق البدل، كما قال به العلامة شمس الدين القهستانى الحنفي[ت:962ھ/1554م][3]

وقد رجح ابن عابدين الحنفي[ت:1252ھ/1836م] هذا القول، معلا بذلك بأنه « لو وجب على البعض لكان الآثم بعضا مبهما، وذا غير مقبول، أو أنه قد يصير بحيث لا يجب على أحد، أو يجب على بعض دون بعض. فإن ظنّ كل طائفة من المكلفين أن غيرهم قد فعلوا سقط الواجب عن الكل، وإن لزم منه أن لا يقوم به أحد. وإن ظنّ كل طائفة أن غيرهم لم يفعلوا وجب على الكل، وإن ظنّ البعض أن غيرهم أتى به، وظن آخرون أن غيرهم ما أتى به، وجب على الآخرين دون الأولين، وذلك لا الوجوب ها هنا منوط بظن المكلف؛ لأن تحصيل العلم بفعل الغير وعدمه في أمثال ذلك في حيز التعسر، فالتكليف به يؤدي إلى الحرج. وإلى أنه لم يجب على الجاهل به. وما في حواشي الكشاف للفاضل التفتازاني من أنه يجب عليه(الجاهل) أيضا فمخالف للمتداولات، وتمامه في مناهج العقول»[4].

إن تعميم الوجوبية أو إطلاقها على الأمة، أو على أهل الحل والعقد، لا تؤدى إلى فهم حقيقة من تجب عليه الإمامة أو الخلافة عند الأشاعرة. وعلى هذا، ينبغي أن نعرّف سِمَة الذين تجب عليهم الإمامة عند الأشاعرة.

أشار الجاحظ المعتزلي[255ھ/868م] سلبية تعميم فرضيّة الإمامة، فقيد إطلاق الأمة « بالخاصة»، حيث قال:«إن قولكم الناس، يحتمل الخاصة والعامة. فإن كنتم قصدتم إليهما(العامة، والخاصة)، ولم تفْصِلوا بين حاليهما، فإننا نزعم أن العامة لا تعرف معنى الإمامة وتأويل الخلافة، ولا تفْصِل بين فضل وجودها ونقص عدمها، ولأى شيء إرتدّت ولأى أمر أمّلت، وكيف مأتاها والسبيل إليها. بل كل ريح تهب وناشئة تنجم، ولعلها بالمبطلين أقرّ عينا منها بالمحقِّين. وإنما العامة أداة للحاصة، تبتذلها للمِهنِ، وتزجّى بها الأمور، وتطُول بها على العدوّ، وتسد بهذا الثغور. ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح الإنسان من الإنسان. فإن الإنسان إذا فكر أبصر، وإذا أبصر عزم، وإذا عزم تحرك أو سكن، وهدأ بالجوارح دون القلب»[5].

فهذه الخاصة التي خص الجاحظ بالإمامة تصدق على أهل الحلِ والعقد عند الأشاعرة. إلا أنَّ الإشكال لا يزال قائما، وذلك لصعوبة تحديد هويّة «أهل الحل والعقد»، أو معرفة "الخاصة" التي أشار إليها الجاحظ. وهو أمر عدّه الشيخ السبحاني مشكلا من تأويل الإمام  الرازي، في  معنى﴿أولي الأمر﴾[النسائ:59]،  بأهل الحل والعقد. حيث إعتبر الشيخ السبحاني بأن هذا التفسير هو«غامض بالأغمض.... فهل المراد منهم: العساكر والضباط أو العلماء والمحدثون أو الحكام والسياسيون أو الكل، وهل إتفق إجماعهم على شيء ولم يخالفهم لفيف من المسلمين»[6].

غير أنه يمكن إزالة هذه الإشكال عند الأشاعرة، إذا فسّرنا أهل الحل والعقد «على الخاصة» من كل مجتمع. وهذه الخاصة قد ميزها الله بنوع من التفوق العلميّ، وذلك لبروزهم وتميّزهم في أوساط المجتمع بالإختيار الطبيعي. وقد أطلق أهل الكلام والفقهاء هذه الخاصية «على أهل الحل والعقد». فالسؤال المطروح هو من هم أهل الحل والعقد؟.

إن تحديد ماهيّة من تجب عليه الإمامة عند الأشاعرة يمكن إطلاقهم «على أهل الإجماع» من العلماء؛ لأننا وجدنا أن تفسير أهل الحل والعقد عند الأصوليين يٌعْنَى بالمجتهدين من العلماء، إذا إستثنينا على قول للإمام الغزالي  الذي يعرف الإجماع  على  أنه ««إتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة على أمر من الأمر الدينية»[7].

وبناء على هدا رجح الإمام فخر الدين الرازي على اطلاق أهل الحل والعقد  على أهل الإجماع من  العلماء.

تحقيق مفهوم  أهل الحل والعقد:

جمهور أهل الحل والعقد هو المعتبر فى إنعقاد الإمام كما ذهب إليه الغزالي[ت:505ھ/1111]. حيث إعتبر  الشيخ الغزالي أن مفهوم أهل الحل والعقد  هم جمهور الأمة. ويبدو أن الغزالى قد طوّر مفهوم أهل الحل والعقد بإعتبار من تقدمه من الأشاعرة، كالأشعري، والباقلاني والماوردي، والجويني، الذين إعتبروا مفهوم أهل الحل والعقد، بأنه يصدق ولو برجل واحد من أهل الحل والعقد.

وعلى هذا، فالغزالي يرى أن الشوكة تحصل بالأكثرية، حيث قال:« إن شرط ابتداء الإنعقاد، قيام الشوكة وانصراف القلوب الى المشايعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة. فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام، جمْعُ شتات الأراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة، على متابعة رأى واحد، إلا إذا ظهرت شوكته، وعظمت نجدته، وترسّخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة الا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان »[8].

ويؤيد ذلك ما نقله أبو يعلى الحنبلي عن الإمام أحمد بن حنبل، في رواية إسحاق بن إبراهيم على إشتراطية إجتماع أهل الحل والعقد في إنعقاد الإمامة. وعلى هذا، يطلق الإمام الحق، بأنه«الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل والعقد عليه كلهم»[9].

حقق الشيخ الركابى الإماميّ مفهوم أهل الحل والعقد. فذكر«أن كلمة الحل والعقد دالة لفظا ومعنى على جملة ذات هيئة معينة في المجتمع، لهم إرادة خاصة، وعقل تدبيرى معين، تثق الأمة بها، لحسن تصرفهم في الامة. ولا يعقل أن تكون هيئتهم خاصة بفرع، أو شأن معين، تجتمع كلمتهم عليه، سواء أكانوا هيئة سياسية، أوإقتصادية، أو ما شابه. ولكن على إعتبار أن لهم إرادة تتعلق بالقانون وبالتنفيذ، فيحتمل حمْلُ الكلمة على ما تجتمع من معاني إضافيَّة خاصة، لها شأنية الحكم والقرار والتفيذ، تجتمع كلمتهم على مسألة ما وتنفذ هذه الكلمة... إن أهل الحل والعقد من حيث النظرية لازم، ولكنه ليس متعلقا بخمسة، أو ثلاث، وإنما يحتاج إلى مدى أوسع ومشاركة أشمل؛ لأن الولاية على المسلمين أمرٌ يرتبط بجميع المسلمين. فيجب أن يكون نصب الإمام، إما من قبل الله تعالى، أو من ناحية جميع المسلمين، ولا أقل من ناحية أكثرهم، أو من ناحية أهل الحل أولعقد، إذ تعقبه رضا الجميع أو الأكثر. وأما نفوذ تعيين عدد قليل، كخمسة مثلا، في حق الجميع ووجوب التسليم لهم، أو متابعتهم، فلاملاك له، لا في العقل ولا في الشرع»[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيخ إبراهيم

...................................

[1] - الماوردى، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ  دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م ص 30.

[2] - الحصكفي، الشيخ علاء الدين محمد بن على ، الدر المختار في شرح  تنوير الأبصار ، تحقيق، عبد المجيد طمعه حلبي، دار المعرفة بيروت لبنان، 1420ھ/2000م، ج2/ص315.

[3] -ابن عابدين،  محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز،  حاشية ابن عابدين( رد المحتار على الدر المختار) دار الفكر للطباعة والنشر،بيروت لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ج4/ص123.

[4] - المصدر السابق، ج4/ص123.

[5] - الجاحظ ، رسائل الجاحظ ،الرسائل السياسية، بقلم د/ على أبو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت،لبنان ط1/1987م، ص307-308.

[6] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم، إيران، ط3/1417ھ ،ج6/ص293.

[7] -  الغزالى ،المستصفى في علم الأصول، تحقيق، محمد عبد السلام عبد الشافي دار الكتب العلمية، بيروت،  لبنان، ط1/ 1413ھ/ ص137.

أنظر: ابن حزم،الإحكام فى أصول الإحكام‘ دار الكتب العلمية بيروت، لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ج1-4/ص 358. السمعانى، أبى المظفر منصور،  قواطع الأدلة فى أصول الدين‘ تحقيق، محمد  حسن محمد إسماعيل الشافعى، دار الكتب العلمية ببيروت لبنان‘ط1/1418ھ/ 1997م،ج2/ ص461. الغزالى، المحصول، تحقيق د/ محمد حسن هنيتو، دار دار الفكر المعاصر بيروت لبنان ط3/1419ھ/1998م،،ص399. الغزالى ،المستصفى في علم الأصول، تحقيق، محمد عبد السلام عبد الشافي دار الكتب العلمية، بيروت،  لبنان، ط1/ 1413ھ/ ص137

الرازى،  المحصول فى علم أصول الفقه، دا رالكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1/1988م ج2/ص3-4. السبكي الإبهاج فى شرح  المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول، تحقيق، عبان محمد إسماعيل، المكتبة المكيّة، و دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، ،ط1/1425ھ/2004م، ج2/ ص1305 .الرهوانى، أبى زكريا يحيى بن موسى، تحفة المسؤول فى شرح مختصر منتهى السُّول، تحقيق/ الهادى بن الحسن شبيلى، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحيار التراث دبى، الإمارات،ط1/1422ھ/2006م، ج2/ص213. العبادي، أحمد قاسم العبادى الشافعى، الآيات البينات على شرح جمع الجوامع،دارالكتب العلمية بيروت، لبنان.ط1/1417ھ/ 1996م ج3/389.

[8] - الغزالى، فضائح الباطنية ، تحقييق، عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، ص177.

[9] -  الفراء أبي يعلى الحنبلى، الأحكام السلطانية، تحقيق، محمود حسن، دار الفكر للطباعة والنشروالتوزيع، بيروت،  لبنان، (بدون رقم الطبعة)، 1414ھ/1994م،ص28.

[10] - الركابى، الأسس السياسية والمذهب الواقعى، مركز الإعلام الإسلامى، قم، إيران، ،ط1/1412ھ، ص 262-263.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4841 المصادف: 2019-12-07 11:15:18