 دراسات وبحوث

تحقّق العصمة عند الإماميّة

بدر الدين شيخ رشيدالعصمة موهبة ربانية يتفضل الله بها سبحانه على من يشاء من عباده[1]. إلا أن هذا التفضل يجعل الله على من علم أنه يتمسك بعصمته[2].

وقد إستدل الشيخ الطباطبائى تحقُّق العصمة بقوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنهم وما يضرونك من شيء، وأنزل الله عليك الكتاب، والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾[النساء:113].

قال رحمه الله تعالى: « وطاهر الآية أن الأمر الذى تتحقق به العصمة نوع من العلم، يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ،  وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال، كما أن سائر الأخلاق: كالشجاعة والعفة، والسخاء، كل منها صورة علمية راسخة موجبة لتحقق أثارها، مانعة عن التلبس بأضدادها من أثار الجبن، والتهور، والخمود، والشره، والبخل، والتبذير. والعلم النافع والحكمة البالغة، وإن كانا يوجبين تنزه صاحبهما عن الوقوع في مهالك الرذائل والتلوث بأقذار المعاصي، كما نشاهده في رجال العلم، والحكمة، والفضلاء من أهل لتقوى والدين،  غير أن ذلك سبب غالبى كسائر الأسباب الموجودة في هذا العلم المادى الطيبيعى. فلا تكاد تجد متلبسا بكمال يحجزه كَمَاْلَه من النقائص، ويصونه عن الخطا صونا دائميا من غير تخلف، سُنّة جارية في جميع الأسباب التى نراها ونشاهدها.

والوجه في ذلك، أن القوى الشعورية المختلفة في الإنسان يوجب بعضها ذهولة عن حكم البعض الآخر، أو ضعف إلتفاته إليه كما أن صاحب ملكة التقوى ما دام شاعرا بفضيلة تقواه لا يميل إلى إتباع الشهوة غير المرضيّة، ويجري على مقتضى تقواه غير أن إشتعال نار الشهوة وإنجذاب نفسه إلى هذا النحو من الشعور ربما حجبه عن تذكر فضيلة التقوى، أو ضعف شعور التقوى، فلا يلبث دون أن يرتكب ما لا يرتضيه التقوى، ويختار سفاسف الشره، وعلى هذا السبيل سائر الأسباب الشعورية في الإنسان،  وإلا فالإنسان لا يحيد عن حكم سبب من هذا الاسباب ما دام السبب قائما على ساق،  ولا مانع يمنع من تأثيره، فجميع هذه التخلفات تستند إلى مغالبة التقوى والأسباب، وتغلب بعضها على بعض.

ومن هنا يظهر أن القوة المسماة بقوة العصمة هي سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة،  ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراد لتسرب إليها التخلف وخبطت في أثارها أحيانا فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة التي تقبل الإكتساب والتعلم»[3].

فالعصمة إذن، هي: قوة شعورية علمية غير مغلوبة البتة تساندها التقوى، كما عرفت من خلال تحليل الشيخ الطباطبائى.

وقد ذكر الشيخ السبحانى ثلاثة أوجه يمكن تحقق العصمة في العبد من خلال الممارسة في تلك الأوجه، وهي:

(أ)- العصمة ثمرة التقوى:

إن التقوى تؤثر حياة العاديين من الناس، لكونها تعصم صاحبها من إقتراف القبائح والمعاصى. فهي تفرق بين حياة المجرمين المليئة بحياتهم بالجرائم والقبائح من الأعمال، وبين المتقين الذين نزهوا حياتهم من دنس القبائح من الأعمال.

فإذا كانت التقوى تميز حياة العاديين من الناس، فما ظنك إذا ترقت في مدارجها، وعلت في مراتبها. ولا شك أن تلك التقوى توصل صاحبها إلى درجة العصمة الكاملة، والإمتناع المطلق عن إرتكاب قبائح الأعمال، بل تمنع حتى التفكير في خلافٍ أو معصيةٍ. وعلى هذا« فالعصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس، لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية، مثل: الشجاعة، والعفة، والسخاء. فإن الإنسان إذا كان شجاعا، وصبورا،  وسخيا باذلا، وعفيفا نزيها، تراه يتطلب في حياته معالي الأمور ويتجنب سفاسفها،  فيطرد عن نفسه الخوف والجبن والبخل والإمساك، والقبائح والمساوي، ولا ترى لها أثرا في حياته»[4].

والحاصل أن العصمة هي حصيلة ثمرة التقوى؛ لأن الإنسان إذا بلغ درجة من التقوى، لا شك أنه يصل بها إلى الطهارة النفسانية، التي لا يرى معها في حياته أثرٌ من آثار المعصية والتمرد على أوامر الله سبحانه وتعالى[5].

(ب)- العصمة ثمرة للعلم اليقينيّ بعواقب المعاصي:

لا شك أن العلم اليقيني القطعي بعواقب الأمور الخطيرة، يولّد في نفس الإنسان وازعا قويا يصده عن إرتكاب المعاصي والآثام؛ لأننا نجد في حياة الإنسان على سبيل الميثال، أنه لو علم أحدا من الناس أن الأسلاك الكهربائة، طاقة فعّالة تقتل من يمسها عارية من دون عائق، فإنه يحجم من تلقاء نفسه عن مسّ تلك الأسلاك. وكذلك الطبيب العارف بعواقب الأمراض وأثار الجرائم، فإنه إذا علم  أنه إذا إغتسل بماء مصاب به بالجذام أو البرص، أو إذا شرب بإناء مصاب به بالسّلّ،  فلا شك أنه لا يقْدِمُ على الإغتسال فيه أوالشُرْبِ مهما، إشتدت الحاجة إليه، وذلك لعلمه بما يجر ويسبب عليه الإغتسال والشرب بذلك الماء من المرض[6].

فإذا كان العلم اليقيني القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال، يولد تلك الوقاية الشديدة في نفس العالم، فكيف بالعلم القطعيّ بالعواقب الأخروية لإرتكاب المعاصي والرذائل. فلا شك أن صاحبه لا يدخل فيه ريب ولا يعتريه شك، حيث يرى رأى العين، ويلمس لمس الحسّ تبعات تلك المعاصي ولوازمها في النشأة الآخرة. ذلك العلم الذي أخبر الله سبحانه وتعالى في قوله﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم﴾[التكاثر:5-6].

ولا شك أن هذا العلم يخلق من صاحبه إنسانا ميثاليا، لا يخالف قول ربه ولا يتعدى الحدود  التى رسمه الله سبحانه وتعالى في حياته، ولن تنتفي المعصية من حياته فحسب، بل إن مجرد التفكر لن يجد إليه سبيلا.

وعلى هذا، فالعلم الحقيقي القطعي يفيد على أن للعلم مرحلة قوية راسخة تغلب الإنسان على الشهوات وتصده عن فعل المعاصى والأثام[7].

أكد الشيخ جمال الدين الفاضل مقداد بن عبد الله السٌيوري الحليّ تحقق العصمة،  لكونها« ملكة نفسانية تمنع المتصف بها من الفجور مع قدرته عليه. وتتوقف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات؛لأن العفة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجبا لرسوخها في النفس فتصير ملكة»[8].

(ج)- الإستشعار بعظمة الرب وكماله وجماله:

لاشك أن إستشعار عظمة الخالق والتفاني في معرفتهِ وحبهِ وعشقهِ صادٌّ عن الإقتراف ما يخالف رضي الله سبحانه وتعالى. وذلك أن تلك الدرجة من الحب والعشق  تعتبر أحد عوامل  حصول المرتبة من التقوى. وهي لا تحصل إلا للكاملين في المعرفة الإلهية؛ لأن الإنسان إذا عرف خالقه كمال المعرفة الحقيقية واستغرق في شهود كماله، وجماله، وجلاله، وجد في نفسه إنجذابا وتعلقا خاصا به على نحو لا يستبدل برضاه شيئا. ويدفعه شوق المحبة إلى أن لايبتغي سواه، ويصبح كل ما يخالف أمره ورضاه منفورا لديه، مقبوحا فى مظهره أشد القبح. وتلك هي درجة العصمة الكاملة، ولا ينالها إلا ألأوحديّ من الناس[9].

أقسام العصمة:

فالعصمة بنسبة إلى الناس  تنقسم إلى قسمين: العصمة مطلقة،  والعصمة النسبيّة. فالعصمة المطلقة تختص بطبقة من الناس. أما النسبية فهي: تعم كثيرا من الناس.  فتجد كثيرا من الناس يتورعون عن السرقة والقتل، حتى وإن عرضت عليهم المكفآت المادية، ولا يمنع من ذلك، إلا لإنتفاء تلك الحفاوز في قرارة نفوسهم، وذلك بسبب نتيجة للتقوى أو من غيرها من العوامل. وهذه العصمة النسبية يقرب تصور العصمة المطلقة التى بسببها يكون الإنسان في مرتبة شديدة من التقوى، بحيث تمنعه عن الإقتراف بجميع أنواع القبائح[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

.....................................

[1] - السبحانى، الإلهيات على الكتاب والسنّة والعقل‘ بقلم، حسن محمد مكى العاملى، مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ،ج3/ص174.

[2] - المصدر السابق، ص177.

[3] -الطباطبائى، الميزان فى تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت، لبنان، ط5/1403ھ/ 1983م‘ ج5/ص78 .

[4] - السبحانى، الإلهيات على الكتاب والسنّة والعقل‘ بقلم، حسن محمد مكى العاملى،مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ،ج3/ص158/ 159.

[5] - المصدر السابق، ج3/ص159.

[6] -  المصدر السابق،ج3/ ص159.

[7] -  المصدر السابق، ج3/ ص160

[8] -  السنوري الحليّ، الفاضل مقداد بن عبد الله، اللوامع الإلهية‘ص170. نقلا عن: السبحانى‘ الإلهيات على الكتاب والسنة والعقل،  بقلم   حسن محمد مكى  العاملى، مؤسسة الإمام الصادق قم، إيران، ط4/1417ھ ج3/ص161.

[9] - السبحانى، الإلهيات على الكتاب والسنّة والعقل‘ بقلم، حسن محمد مكى العاملى‘مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ، ج3/ص162.

[10] - المصدر السابق‘ ج3/ص159.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4848 المصادف: 2019-12-14 13:01:59