 دراسات وبحوث

تحقيق دلالة لفظ «مولي» عند الإمامية والأشاعرة

بدر الدين شيخ رشيديطلق لفظ المولى على المالك، والعبد، والمعْتِقُ، والمعْتَقُ، والصاحب، والقريب كابن العم ونحوه، والجار، والحليف، والإبن، والعم، والنزيل والشريك، وابن الأخت، والولى، والرب، والناصر، والمنعم، والمنعم عليه والمحب، والتابع، والصهر[1].

بحث الشيخ السبحانى بحثا دقيقا، حول دلالة «المولى»، فأظهر فيه، أن لفظ المولى، لا يحتمل إلا معنى واحد وهو«الأولى». فأشار أن الباحث في كتب اللغة، يجد أنهم يذكرون فى تفسير«المولى» أمورا، يبدو أنها معان مختلفة، إلا أنها تؤدي معنى واحدا إذ«الحق أنه ليس للمولى إلا معنى واحدا وهو: الأولى بالشيء، وتختلف هذه الأولوية، بحسب الإستعمال في كل مورد من موارده، والإشتراك معنويٌّ، وهو الأولى من الإشتراك اللفظي المستدعي لألفاظ كثيرة غير معلومة بنص ثابت، والمنفية بالأصل المحكّم»[2].

وقد أبدع هذا التحقيق الذي أشار إليه الشيخ السبحاني، البطريق الحليّ[ت:600ھ/4/1203م]، حيث ذكرأن لفظ مولي يَصْدُقُ على معنى واحد فقط، وهو«الأولى» بالشيء لأنه يجمع جميع المعاني الأخرى، وأيضا مأخوذ في كل منها بنوع من العناية، بحيث لم يطلق لفظ المولى على شيء منها، إلا بمناسبة لهذا المعنى[3].

فمثلا: المالك أولى بكلاءة مماليكه، وأمرهم، والتصرف فيهم. والعبد أولى بالإنقياد لمولاه من غيره. والمعتِقَ(بالكسر) أولى بالتفضيل على من إعتقه من غيره. والمعتَقُ(بالفتح) أولى بأن يعْرِف جميل من إعتقه عليه، ويشكره. والصاحب أولى بأن يؤدى حقوق الصحبة من غيره.والقريب هو أولى بأمر القريبين منه، والدفاع عنهم، والسعى وراء صلاحهم. والجار أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار كلها من البُعَدَاْءِ.والحليف أولى بالنهوض بحفظ مَنْ حالفه، ودفع عادية الجور عنه. والإبن أولى الناس بالطاعة لأبيه والخضوع له. والعم أولى بكلاءة ابن أخيه، والحنان عليه، وهو القائم مقام والده.والنزيل أولى بتقدير من آوى إليهم ولجأ إلى ساحتهم، وأمِنَ من فى جوارهم. والشريك أولى برعاية حقوق الشركة، وحفظ صاحبه عن الإضرار.وابن الأخت أولى الناس بالخضوع لخاله الذى هو شقيق أُمه. والوَلِىُ أولى بأن يراعى مصالح الوَلّى عليه. والناصر أولى بالدفاع عمن إلتزم بنصرته. والرب أولى بخلقه، من أى قاهر عليهم. والمنعم،(بالكسر) أولى بالفضل على من أنعم عليه، وان يُتْبَعَ الحسنة بالحسنة. والمنعَمُ عليه أولى بشكر مُنْعِمِهِ من غيره. والمُحبُ أولى بالدفاع عمن أحبّه والتابع، أولى بمناصرة متبوعه، ممن لا يتبعه. والصهر أولى بأن يرعى حقوق من صاهره، فشدّ بهم أزره، وقوى أمره. [4]

هذا وأكدّ العلامة التفتازانى الأشعرى [ت:791ھ/792ھ/1388/1389 م] بأن دلالة لفظ المولى في الحديث هى: الأولى بالتصرف. فذكر أن لفظ «المولى» يطلق ويراد به المعتِق والمعتَق، والحليف، والجار، وابن العم، والناصر، والـولى بالتصرف.... لإن إستعمال المولى بمعنى: المتولى، والمالك للأمر، والأولى بالتصرف، شائع فى كلام العرب، منقول عن كثير من أئمة اللغة، والمراد أنه إسم لهذا المعنى( المتولي، المالك للأمر، والأولى بالتصرف)، لا صفة بمنزلة الأولى، ليعترض بأنه ليس من صيغة إسم التفضيل، وأنه لا يستعمل إستعماله. ولهذا ينبغى أن يكون المراد به فى الحديث، هو هذا المعنى(الأولى بالتصرف)، ليطابق صدر الحديث؛ لأنه لاوجه للخمسة الأول(المعتِق، المعتقَ، الحليف، الجار، ابن العم،)، إذ هو ظاهر، ولا للسادس (أي الناصر) أيضا لظهوره وعدم إحتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله... إلى أن قال: ولا خفاء فى أن الولاية بالناس، والتولي، والمالكيّة لتدبير أمرهم، والتصرف فيهم، بمنزلة النبي، وهو بمعنى الإمامة[5]. إنتهى بتصرف.

إلا أن التفتازاني، لما وقف على الدلالة، دافع وجهة الأشاعرة بحجة أن الحديث لم ينقله المحققون من أهل الحديث«كالبخاري ومسلم والواقدي. وأكثر من رواه لم يرو المقدمة التي جعلت دليلا على أن المراد بالمولى الأولى. وبعد صحة الرواية فمؤخر الخبر، أعني قوله: "اللهم وال من والاه،" يشعر بأن المراد بالمولى هو الناصر والمحب، بل مجرد إحتمال ذلك كاف في دفع الاستدلال. وما ذكروه(الإماميّة) من أن ذلك معلوم ظاهر من قوله تعالى:﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، لا يدفع الإحتمال لجواز أن يكون الغرض التنصيص على موالاته ونصرته ليكون أبعد عن التخصيص الذي تحتمله أكثر العمومات وليكون أقوى دلالة وأوفى بإفادة زيادة الشرف، حيث قرن بموالاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القدر من المحبة والنصرة لا يقتضي ثبوت الإمامة. وبعد تسليم الدلالة على الإمامة، فلا عبرة بخبر الواحد في مقابلة الإجماع، ولو سلم، فغايته الدلالة على إستحقاق الإمامة وثبوتها في المآل»[6].

هذا وقد أكد الشيخ سليم البشرى المالكيّ [ت1335 ھ/1916م]، في مناقشته مع العلامة عبد الحسين شرف الدين الموسوى [ت1377ھ/1957م]، في كتاب المراحعات دلالة لفظ المولي في الحديث بأنها دالة على الأولي حيث قال: «وقد حصحص الحق بما أشرت إليه من القرائن، فأنكشف قناع الشك عن محيا اليقين، ولم تبق لنا وقفة، في أن المراد من الولي والمولى في حديث الغدير، إنما هو الأولى، ولو كان المراد الناصر، أو نحو ذلك، ماسأل سائل بعذاب واقع، فرأيكم في المولى ثابت مسلم»[7].

ويظهر لي إن هذا التحقيق يكون حجة على الذين فسروا لفظ «المولى» في الحديث، بمعنى الناصر والمحبة، كالرازي وغيره من الأشاعرة، إذ لا يعقل أن يجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة لمجرد إخبارهم بنصرة علي رضي الله عنه ومحبتة فقط، من غير أن يلتمس معنى آخر فيه.

وقد نقول: إن أقل ما نستفيد من هذا الحديث هو معنى العصمة، وذلك لتزكية النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر علي بن أبي طالب وباطنه بالطهارة.وهذا ما أشار إليه الباقلاني في تفسير الحديث، «من أن باطن علىّ وظاهره فى نصرة الدين والمؤمنين سواء، والقطع على سريرته وعلو رتبته. وليس يعتقد ذلك في كل ناصر للمؤمنين بظاهره؛ لأنه قد ينصر الناصر بظاهره طَلَبَ النفاقِ والسمعة وابتغاء الرّفدِ ومتاع الدنيا؛ فإذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن نصرة بعض المؤمنين في الدين والمسلمين كنصرته هو صلى الله، قطع على طهارة سريرته وسلامة باطنه وهذه فضيلة عظيمة... ويحتمل أيصا، إن ولاءه ومجبته من ظاهره وباطنه واجب، كما أن ولائي ومحبتي على هذا السبيل واجب، فيكون قد أوجب موالاته على ظاهره وباطنه؛ ولسنا نوالي كل من ظهر منه الإيمان على هذا السبيل، بل إنما نوالي في الظاهر دون الباطن»[8].

وخلاصة القول، فإن تحقيق جدلية لفظ المولي فى الحديث بين الشيعة والأشاعرة، يظهر أنه من ألفاظ المجملة التى لا تظهر معناها إلا بِمُبَيِنْ، وهذا المبين هو لفظ «الأولى» المذكورة في صدر الحديث؛ لأنه إذا ذُكِر صدر الحديث لفظ أولى في حق النبي صلى لله عليه وسلم، وأستعْمِلَ في حق عليّ بلفظ مولى، فيُحْمَلُ به معني أولي، ليتطابق المعنيان. وأيضا، فأن حمله أولى، أليق في سياق مناسبة الحديث، وذلك لوروده في بيان منزلة علي بن أبي طالب في جمع حاشد غفير يربو على مأئة ألف صحابى، جمعه النبى صلى الله عليه في مكان[9].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................

[1]- الفيروزآبادي محمد بن يعقوب،القاموس المحيط، «الوَلْيُ»، دار إحياء التلااث العربي بيروت، لبنان، ط1/1412ھ/1991م، ج4/ص583.

[2] - السبحانى،الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، بقلم حسن محمد مكى العاملي، مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ، ج4/ص92-94.

[3]. المصدر السابق أنظر:السبحانى، ج4/ص92-94.

[4] - المصدر السابق،ج4/ص92-94.

[5] - التفتازاني، شرح المقاصد في علم الكلام، دار المعارف النعمانية، باكستان،ط1/ 1401هـ / 1981م ج2/ص 290.

[6] - المصدر السابق، ج2/290.

[7] - الموسوى، عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، تحقيق، حسين الراضى، ط2/1982م ص280-281.

[8] - الباقلانى التمهيد، تحقيق، محمدو محمد الخضيرى، و محمد الهادى أبو ريده، دارالفكر العربى بيروت، لبنان،،ص 172-173.

[9] - الموسوي، عبد الحسين شرف الدين المراجعات، تحقيق، حسين الرضي الجمعية الإسلامية بيروت، لبنان،،ط2/1402ھ/1982م، ص267.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4850 المصادف: 2019-12-16 00:57:35