 دراسات وبحوث

مطهري: العالم العامل وفلسفة العمل (1919-1979)(2)

ميثم الجنابيمن نقد الفكر إلى نقد الواقع: تبرز الصيغة النقدية الكبرى وطابعها الإصلاحي العملي عند مطهري من خلال نقد الفكر الديني التقليدي. وقد شكلت قضايا النبوة والإمامة والفقه من بينها أكثرها إلحاحا وشيوعا في مؤلفاته بسبب أهميتها الجوهرية بالنسبة لقضية العمل. من هنا نقده المسهب للتصورات والأحكام المنتشرة عن الله والنبوة والوحي. وانطلق من تقرير الفكرة القائلة، بأن حقيقة المعرفة بالله أوسع وأعمق وأعقد مما يجري تصويره للمبتدئين. بينما اعتبر الفكرة القائلة بأنه لا دور للأفراد في المعجزة وأنها صنيعة إلهية، فكرة ليست دقيقة. وذلك لأن العلاقة بين النبوة والمعجزة هي علاقة الوسائط الضرورية. فالله يعمل من خلال الوسائط. وبالتالي، فإن المعجزة مرتبطة بالأذن الإلهي، ولكن بوصفه إعطاء الفرد إمكانية الكمال. فالمعجزة تجري من خلال الإنسان الكامل. والأخير هو جهد وجهاد فردي. ووضع هذه الحصيلة النظرية في اساس انتقاده الفلسفي للآراء التي قال بها محمد إقبال حول ماهية الوحي بوصفه مرحلة تاريخية ثقافية وطبيعية ترتبط بالقدرة على التكيف مع الطبيعة. ومن ثم، فان حقيقة الوحي متأتي من الحياة نفسها عبر تذليل الغريزة وهيمنة العقل. وان الوحي المحمدي يحتوي على الصيغة الأولية والثانية. بمعنى انه وحي بالمعنى القديم، ووحي بالمعنى الحديث، الذي توج بهيمنة العقل والدعوة إلى التفكر والتعقل بالتاريخ والطبيعة. وهنا ينتهي دور الوحي والرسالة وتنتهي مرحلة الطفولة. وبالتالي، فان الإسلام هو بيان العقل البرهاني والاستقرائي.

وقد انتقد مطهري هذه النتيجة التي وجد فيها صيغة من الصيغ التي تسعى للبرهنة على انتهاء الدين وليس النبوة والوحي والرسالة. كما أنها تتعارض مع الفكرة الجوهرية لمحمد إقبال نفسه حول التوحيد الإسلامي وعلاقة الثابت(الله) بالمتغير (الوجود). وبالضد منها وضع مطهري أفكاره القائلة، بان الوحي أوسع وأعمق من العقل التجريبي. وكل أيديولوجية مبنية على معطيات العقل التجريبي عادة ما تؤدي إلى الضلال، بينما الأيديولوجية الحقيقية هي التي تنطلق من الوحي وتستند عليه. إن عدم إدراك هذه الحقيقة ليس نتيجة ضعف ذهني عند محمد إقبال، بل هي نتاج تأثره بالأيديولوجيات الغربية واغترابه أمامها. فذهنية وفكر إقبال عميقة وعظيمة لكنها متناقضة في تدليلها وأسلوبها رغم وجدانه الذائب بصورة تامة في الإسلام، والسبب هو أن مصادر ثقافته غربية وليست إسلامية. اذ أن معرفته بالثقافة الإسلامية سطحية وبالأخص في مجال الفقه والتصوف والفلسفة. لهذا اعتبر من الخطأ مقارنته بالأفغاني. فالأخير أكثر نبوغا وأوسع ثقافة، إضافة إلى أن أصول معرفته إسلامية ، أما الثقافة الغربية فثانوية.

أما ما يخص فكرة الإمامة، فانه انطلق من أنها فكرة دينية من حيث الأصل وليست سياسية. فالإمامة ليست الحكومة. أنها مثل إمامة النبي محمد، التي كان الأساس الديني فيها مصدر وقوة السياسة. وهي الفكرة التي ينبغي وضعها في التعامل مع التاريخ السياسي الاسلامي والبدائل. من هنا فكرته عن ضرورة نقد التاريخ بالشكل الذي يجعله جزء من الوعي النقدي والرؤية السليمة للمستقبل. فالتركيز على السلبيات سلب. تماما كما أن التركيز على الايجابيات فقط سلب أيضا. والعدل في النقد هو الاعتدال، أي النقد السليم لتجارب الأسلاف. إذ لا يخلو تاريخ دين وأمة من السلبيات والإيجابيات. وتاريخ الإسلام هو من بين أكثرها امتلاء بالايجابيات والفضائل والأقل في السلبيات والرذائل.

وطبق هذا الموقف على القضية الأكثر جوهرية بالنسبة للتاريخ الشيعي وفكرته السياسية، ألا وهي فكرة الإمامة الشيعية و"أهل البيت" النبوي. وتوصل في مجرى تتبعه وتحليله لهذا التاريخ إلى أن تاريخ العلاقة بهم (أئمة الشيعة) يكشف عن تحولهم إلى قوة مخدرة عوضا عن الاتعاظ بها وجعلها قدوة في العمل. بحيث نراه يتكلم عما يمكن دعوته بتصنيم الأئمة وترك العمل. فالاختلاف بين الشيعي وغيره، كما يقول مطهري، يقوم في العمل فقط، اي انه يختلف فقط حالما يجعل عمله شبيها بعمل الأئمة. ومن خلال تناول ونقد الكثير من الشخصيات والأحداث والوقائع التي جرى تحويلها إلى أساطير، توصل إلى استنتاج يقول، بان الإسلام لا يقول بالعقيدة بل يقول بفكرة الجهاد من اجل الحق.

فيما يخص الفقه فانه سعى لتحديد أهميته المعاصرة من خلال تناول أهمية العلم والعلوم، وفكرة الواجب والكفاية فيها. فالكفاية ضرورية في كل علم. من هنا رفضه لفكرة العلوم الضارة. اذ لا ضرر في العلوم جميعا. وبالتالي لا ضرر بالاستفادة من الإنتاج العلمي في كل مكان لأنه جزء من تاريخ المعرفة والكمال الإنساني. لاسيما وان التفاعل بين الثقافات والحضارات أمر طبيعي. فالتفاعل لا يعني التقليد وانعدام الأصالة، على العكس. فأصالة الإبداع لا تتعارض مع التفاعل، بل تستوجبها. وذلك لان الأصالة تعمل بمعايير التمثل وليس الإتباع. فالتمثل الثقافي شبيه بعمل النحلة التي تتمتع بمختلف نماذج الوجود وتصنع عسلها الخاص. وفيما يخص الثقافة الإسلامية، فان خليتها الأولى نشأت في المدينة. وقد كانت منذ البدء ثقافة فقهية، بمعنى الفهم والإدراك وبمعنى أولوية وجوهرية القضايا العملية لوجود المجتمع وحل مشاكله. لهذا أنتجت الثقافة الإسلامية إعدادا كبيرة من الفقهاء العظام. إضافة لذلك أن ما يميز تقاليد الفقه الاسلامي هو ديمومتها واستمرارها وعدم انقطاعها مقارنة بغيره من العلوم.

وفيما يخص فقهاء الشيعة فقد جرى تجاهل التطرّق إليهم ضمن سياق ومسار التاريخ الاسلامي، رغم إبداعهم الهائل. وإذا كان الفقه الشيعي قبل الغيبة محكوما بنشاط الأئمة، بمعنى تصدرهم للإفتاء، فما بعدها، أي منذ القرن الرابع الهجري، فقد اتجه صوب الظهور المتعدد لشخصياته الكبرى مثل علي بن بابويه القمي وابنه الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والمرتضى، وأبو جعفر الطوسي شيخ الطائفة ومؤسس الحوزة العلمية في النجف، وأبو القاسم الحلي المحقق، والحسن بن يوسف العلامة الحلي، ومحمد بن مكي الشهيد الأول، والسيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، وميرزا حسين النائيني وعشرات غيرهم. كل ذلك يكشف عن جغرافيا الإبداع النظري الشيعي في مجال الفقه، والتي انتشرت مراكزها حسب التسلسل الزمني من بغداد إلى النجف والحلة  (بابل) ومن ثم إلى جبل عامل ثم حلب وبعدها إلى إيران زمن الصفوية، والتي وضع تقاليد الفقه الشيعي فها فقهاء جبل عامل مثل المحقق الكركي والشيخ البهائي.

غير أن هذا الكم الهائل والإبداع النظري العظيم للفقه تعرض شأن غيره من العلوم إلى جمود وانغلاق مكتفي بذاته وبإشكالاته وقضاياه التقليدية. ولعل اشد نواقصه تقوم فيما اسماه مطهري بالابتعاد عن فقه العمل. وإذا كان تاريخ الفقه الشيعي يعرف حالات فردية تتسم برؤية نقدية حادة ودعوة للإصلاح، فأنها سرعان ما كنت تندثر وذلك لأسباب عديدة لعل أهمها أنها حالات فردية، وثانيا أنها لم تنح منحى عمليا إصلاحيا شاملا مرتبطا بالحياة وحاجاتها. لقد أراد القول، بان محاربة الفقه أو الفقهاء لن يغير شيئا. فهم في هذه الحالة أشبه بالجراد زمن القحط، القضاء على بعض منهم يزيدهم قوة. بينما المهمة تقوم في إبداع منظومة فقه العمل. فالفقيه حسب تصور الفقه الاسلامي ليس قائدا، كما يقول مطهري. إن القائد هو الإمام. وبالتالي، فان مهمة انتقاد تقاليد التحجر والجمود والتقليد والنقل في الفقه هو شكل من أشكال إحياءه الفعلي، أي إرجاعه إلى أصوله بوصفه فهما وإدراكا للحياة والعمل بمعايير الواقعية والإصلاح. من هنا دعوته إلى ما اسماه بالتخصص والتنوع والاستشارة والرجوع إلى المتخصصين كما هو الحال في العلوم المعاصرة. واقترح تشكيل مجلس علمي استشاري بهذا الصدد كما هو الحال بالنسبة للعلوم الدقيقة.

وطبق هذا الموقف تجاه كافة القضايا التي تناولها في كتبه العديدة مثل موقفه من الشعائر الدينية، والأخلاق، والقيم، والشك واليقين، والتوكل، وأصول الإسلام وغيرها. ففي موقفه من شعائر الدين قال بأنها ضرورية، لكن الدين هو ليس الشعائر. واعتبر الأخلاق ثابتة من حيث أصولها متغيرة بفروعها، وان الشك ضروري لليقين، كما أن التشاؤم يتعارض مع حقيقة التوحيد، وان الإسلام هو دين العمل وكل ما يتعارض مع ذلك هو سبب من أسباب الخراب الكبرى في الموقف منه. ووضع هذه الأفكار في اساس موقفه الإصلاحي في تحديد ماهية ووظيفة المفاهيم المفصلية في التراث الاسلامي مثل التقية والتوكل والقضاء والقدر وما شابه ذلك. اذ نراه ينتقد بشدة التفسير السائد عن التقية باعتبارها خضوعا واستسلاما، والتوكل باعتباره تخاذلا، والزهد بوصفه تخليا عن الحياة والعزلة، كما عارض فكرة فصل الحياة إلى دنيا وآخرة ومعارضة إحداهما بالأخرى، كما رفض الإفراط بالعبادات. بينما نراه يركز على مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، باعتباره احد المبادئ الجوهرية للعمل. فقد  اضمحل هذا المبدأ، كما يقول مطهري، للدرجة التي أصبح فيها مجرد عبارة أخلاقية لا تتعدى حدود النطق أو اللسان. بينما جعل منه المعتزلة أصلا من أصول الدين الخمس، لكنه تعرض عندهم أيضا مع مرور الزمن إلى الاضمحلال والتلاشي. في حين اعتبره الشيعة فرعا، بل نراهم يحذفوه مع مرور الزمن من التناول في قضايا الفقه. في حين أن حقيقته ترتقي إلى مصاف المبدأ الدائم بالنسبة للإسلام، شأن الصلاة والصوم وأمثالها.

لقد شكل انتقاد الفكر مقدمة نقد الواقع. حيث نعثر في مؤلفاته العديدة على نقد موضوعي ومتجانس تجاه مختلف القضايا الحساسية بالنسبة للوعي الاسلامي الحديث. من هنا دخول القضايا الاجتماعية والقيم الحياتية والسلوك الاجتماعي وقضايا المرأة وغيرها في فلك اهتمامه النظري والعملي.

فقد انتقد مختلف مظاهر السلوك الاجتماع، والتي أدرج فيها ما اسماه بالروح الانهزامية حيث وجد فيها شيئا يتعارض مع حقيقة التوحيد الاسلامي. وانتقد مختلف مظاهر الاستلاب الثقافي لأنه وجد فيها تدميرا للقوة الذاتية المبدعة. كما أنتقد مظاهر الخنوع بلا عمل، والعمل بلا فرائض، حيث وجد فيهما ضمورا للروح والعقل وعبثا لا معنى له. كما انتقد غياب الروح الإصلاحي مع أن احد مبادئ الإسلام الكبرى هو العمل بالمعروف والنهي عن المنكر. كما انتقد ضعف الخدمة الاجتماعية، بينما هي حالة ضرورية للفرد والجماعة والدولة، انطلاقا من أن أعظم العلماء والفلاسفة وغيرهم لم يكونوا مصلحين لكنهم قدموا خدمات جليلة للمجتمع. كما انتقد مظاهر الفكرة القائلة، بان الأغلبية صائبة على الدوام. واعتبر أن الأغلبية ليست صائبة على الدوام. كما وجه نقده اللاذع لمختلف قضايا البدع والخرافات وغيرها من المظاهر السلبية السائدة في العرف لإسلامي.

وشكلت قضية المرأة إحدى أهم القضايا التي توسع في تناولها في عدد من كتب وأبحاثه ومحاضراته. وانطلق في موقفه من هذه القضية من المبدأ العام القائل، بأنه ليس في الإسلام رؤية تحقير تجاه المرأة بوصفها مصدر الخطيئة، وأنها صنعت من ضلع الرجل وما شابه ذلك من مواقف وأساطير. وفي موقفه من الحجاب الاسلامي شدد على انه على خلاف غيره لا يحجّر نشاط المرأة  بل على العكس انه يفجر طاقاتها. فهي تمتلك المواهب كالرجل. وان معنى الحجاب الاسلامي هو ما يؤدي إلى تنويع وتوسيع نطاق عملها المنتج والمثمر وليس تحويلها إلى مجرد كتلة من الرغبات الجنسية للرجل. من هنا انتقاده لمختلف الموروثات عن المرأة والموقف منها من اجل بلورة روية معتدلة تستدل بالتاريخ والفكرة الإسلامية السليمة والحاجة المعاصرة من دون إفراط وتفريط. وتوصل إلى استنتاج نقدي عام يقول، بان العالم الاسلامي قد أهمل حقوق المرأة المهمة. وبالتالي، فان المهمة تقوم بإرجاع حقوقها التي كفلها الإسلام أولا، لا أن يجري إضافة مشاكل لها بمعايير الروية الغربية. فلإسلام لم يقرر حقوقا متشابهة للرجل والمرأة في كافة الحالات كما تختلف واجباتهم والعقوبات أيضا.

لقد تناول مطهري مختلف جوانب قضية المرأة  بطريقة معهودة في كتابات الإسلاميين الحديثة، لكن ما يميز موقفه هو إدخال الجدل العقلي والفلسفي والثقافي فيها، وتقديم مختلف المقارنات والحجج  المستقاة من تجارب الغرب والشرق والعالم الإسلامي. وفيما يخص القضية الشائعة عن تعدد الزوجات، فقد كانت مواقفه الشخصية وميوله تقوم في الدفاع عن النموذج المعتدل للرؤية الإسلامية، بمعنى بقاءه ضمن سياق الحاجة والضرورة وأفضلية الزوجة الواحدة.

إن الصورة العامة لرؤيته النقدية وغاياتها يمكن حصرها في فكرة عامة تقول، بان نقده يتسم بروح السعي الإصلاحي والبديل المتفائل من جهة، والعمل بما يتناسب مع إدراك المعاصرة والعمل الجماعي للبدائل من جهة أخرى. اذ نراه يشدد على ما اسماه بضرورة إدراك المعاصرة، انطلاقا من أن الذي يعرف عالمه الحاضر لا تلتبس عليه الأمور. أما ضرورة العمل الجماعي، فتنطلق من أن الفكرة البديلة ينبغي أن تكون على الدوام عملية واجتماعية. من هنا موقفه العام عما اسماه بضرورة توحيد الجهود الإسلامية وليس توحيد المذاهب. بمعنى فسح المجال أمام التنوع والتعدد في الاجتهاد مع الإبقاء على مرجعية العمل المشترك.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4878 المصادف: 2020-01-13 00:39:10